Полный текст (7 603 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.
стр. 7001
أَيْضا عَن إِسْحَاق وَفِي الاسْتِئْذَان عَن يحيى بن بكير.
قَوْله: (فَلْيقل: لَا إِلَه إِلَّا الله) إِنَّمَا أَمر بذلك لِأَنَّهُ تعاطى صُورَة تَعْظِيم الْأَصْنَام حِين حلف بهَا وَأَن كَفَّارَته هُوَ هَذَا القَوْل لَا غير. قَوْله: (تعال أقامرك) تعال بِفَتْح اللَّام أَمر، وأقامرك مجزوم لِأَنَّهُ جَزَاؤُهُ وَإِنَّمَا أَمر بِالصَّدَقَةِ تكفيراً للخطيئة فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمعْصِيَة، وَالْأَمر بِالصَّدَقَةِ مَحْمُول عِنْد الْفُقَهَاء على النّدب بِدَلِيل أَن مُرِيد الصَّدَقَة إِذا لم يَفْعَلهَا لَيْسَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَلَا غَيرهَا بل يكْتب لَهُ حَسَنَة.
٦ - (بابُ مَنْ حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ وإنْ لَمْ يُحَلَّفْ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان من حلف على شَيْء يَفْعَله أَو لَا يَفْعَله. قَوْله: (وَإِن لم يحلف) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: حلف على ذَلِك وَإِن لم يحلف.
١٥٦٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رسولَ الله ﷺ اصْطَنَعَ خَاتمًا مِنْ ذَهَبٍ وكانَ يَلْبَسُهُ فَيَجعَلُ فَصَّهُ فِي باطنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ خَواتِيمَ، ثمَّ إنَّهُ جَلَسَ عَلى المِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: (إنِّي كُنْتُ ألْبَسُ هاذَا الخاتَمَ وأجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ داخلٍ) فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: (وَالله لَا ألْبَسُهُ أبَداً) فَنَبَذَ النَّاسُ خَواتِيمَهُمْ.
طابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ حلف لَا يلبس خَاتم الذَّهَب، وَالْحَال أنّ أحدا مَا حلفه على ذَلِك. وَفِيه أَنه: لَا بَأْس بِالْحلف على مَا يجب الْمَرْء تَركه أَو على مَا يحب فعله من سَائِر الْأَفْعَال، وَأما وَجه حلفه ﷺ فَهُوَ فِي ذَلِك مَا قَالَه الْمُهلب: إِنَّمَا كَانَ ﷺ يحلف فِي تضاعيف كَلَامه وَكثير من فتواه تَبَرعا ذَلِك لنسخ مَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ من الْحلف بآبائهم وآلهتهم وأصنام وَغَيرهَا ليعرفهم أَن لَا محلوف بِهِ سوى الله، ، وليتدربوا على ذَلِك حَتَّى ينسوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْحلف بغبر الله تَعَالَى.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب خَوَاتِيم الذَّهَب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد وَعَن يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب خَاتم الْفضة عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن أبي سَلمَة عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر.
قَوْله: (فَيجْعَل فصه) بِفَتْح الْفَاء وَكسرهَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعَامَّة تَقول بِالْكَسْرِ. قَوْله: (فِي بَاطِن كَفه) إِنَّمَا لبسه كَذَلِك لبَيَان أَنه لم يكن للزِّينَة بل للختم ومصالح أُخْرَى. قَوْله: (فَرمى بِهِ) أَي: لم يَسْتَعْمِلهُ وَلَيْسَ أَنه أتْلفه لنَهْيه ﷺ عَن إِضَاعَة المَال. قَوْله: (وَالله لَا ألبسهُ أبدا) أَرَادَ بذلك تَأْكِيد الْكَرَاهَة فِي نفوس النَّاس بِيَمِينِهِ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن كَرَاهَته لِمَعْنى، فَإِذا أَزَال ذَلِك الْمَعْنى لم يكن بلبسه بَأْس، وأكد بِالْحلف أَن لَا يلْبسهُ على جَمِيع وجوهه. قَوْله: (فنبذ النَّاس) أَي: طرح النَّاس خواتيمهم.
٧ - (بابُ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةٍ الإسْلَام)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من حلف بِملَّة سوى مِلَّة الْإِسْلَام، وَلم يذكر مَا يَتَرَتَّب على الْحَالِف اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب، وَفِي بعض النّسخ: بَاب من حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، وَالْملَّة بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد اللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بالّلاتِ والعُزَّي فَلْيَقلْ: لَا إلاهَ إلاّ الله) ولَمْ يَنْسُبْه إِلَى الكفُفرِ
هَذَا تَعْلِيق ذكره مَوْصُولا عَن قريب فِي: بَاب لَا يحلف بِاللات والعزى عَن أبي هُرَيْرَة، وَأَرَادَ بِهِ أَن الْحَالِف بِاللات والعزى يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله وَيكفر لِأَنَّهُ ﷺ أمره أَن يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، لم ينْسبهُ إِلَى الْكفْر، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عبيد الله حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن أبي معصب عَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: حَلَفت بِاللات والعزى فَأتيت النَّبِي ﷺ فَقلت: إِنِّي حَلَفت بِاللات والعزى، فَقَالَ: قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، ثَلَاثًا، وأنفث عَن شمالك ثَلَاثًا، وتعوذ بِاللَّه من
стр. 7002
الشَّيْطَان الرَّجِيم وَلَا تعد.
٢٥٦٦ - حدّثنا مُعَلّى بنُ أسَدٍ حدّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عَن أبي ثِلَابَةَ عنْ ثابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإسْلَام فَهْوَ كَمَا قَالَ، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، ولعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، ومَنْ رَمَى مُؤْمِناً بِكُفْرِ فَهْوَ كَقَتْلِهِ) .
طابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام عبد الله بن زيد، ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ كَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَاتل النَّفس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَمضى فِي الْأَدَب أَيْضا.
قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ الْمُهلب: يَعْنِي هُوَ كَاذِب فِي يَمِينه لَا كَافِر لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يعْتَقد الْملَّة الَّتِي حلف بهَا فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْإِسْلَام، أَو يكون مُعْتَقدًا الْإِسْلَام بعدالحنث فَهُوَ كَاذِب فِيمَا قَالَه. لِأَن فِي الحَدِيث الْمَاضِي لم ينْسبهُ إِلَى الْكفْر، وَقيل: يُرَاد بِهِ التهديد والوعيد. وَقَالَ ابْن الْقصار: مَعْنَاهُ النَّهْي عَن مُوَافقَة ذَلِك اللَّفْظ والتحذير مِنْهُ لَا أَنه يكون كَافِرًا بِاللَّه. قَوْله: (عذب بِهِ) أَي: بالشَّيْء الَّذِي قتل نَفسه بِهِ، لِأَن جزاءه من جنس عمله. قَوْله: (وَلعن الْمُؤمن كقتله) يَعْنِي: فِي التَّحْرِيم أَو فِي الإبعاد فَإِن اللَّعْن تبعيد من رَحْمَة الله، وَقيل: المُرَاد الْمُبَالغَة فِي الْإِثْم. قَوْله: (وَمن رمى مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقتله) يَعْنِي: فِي الْحُرْمَة، وَقيل: لِأَن نسبته إِلَى الْكفْر الْمُوجب لقَتله كالتقل لِأَن المتسبب للشَّيْء كفاعله.
٨ - (بابٌ لَا يَقُولُ: مَا شاءَ الله وشِئْتَ، وهَلْ يَقُولُ: أَنا بِاللَّه ثُمَّ بِكَ ؟)
أَي: هَذَا بَاب مترجم بِلَفْظ: لَا يَقُول الشَّخْص فِي كَلَامه: مَا شَاءَ الله وشئت، على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمَاضِي، قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي لَا يجمع بَينهمَا، يَعْنِي بَين قَوْله: مَا شَاءَ الله، وَقَوله: وشئت لجَوَاز كل وَاحِد مِنْهُمَا مُفردا. وَقَالَ غَيره: لِأَن الْوَاو يُشْرك بَين الْمَعْنيين وَلَيْسَ هَذَا من الْأَدَب، وَقد روى فِي ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: لَا يَقُولَن أحدكُم: مَا شَاءَ الله وَشاء فلَان، وَلَكِن ليل: مَا شَاءَ الله، ثمَّ مَا شَاءَ فلَان. وَإِنَّمَا جَازَ دُخُول: ثمَّ، مَكَان: الْوَاو، لِأَن مَشِيئَة الله مُقَدّمَة على مَشِيئَة خلقه، قَالَ : ﴿ (٧٦) وَمَا تشاؤن إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ (الْإِنْسَان: ٠٤ والتكوير: ٩٢) فَهَذَا من الْأَدَب، وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يَقُول: مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت. قَوْله: وَهل يَقُول: أَنا بِاللَّه رَبك؟ ذكره بالاستفهام لعدم ثُبُوت أحد الْأَمريْنِ عِنْده، وهما جَوَاز القَوْل بذلك وَعَدَمه، وَلَكِن روى عبد الرَّزَّاق عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه كَانَ يكره أَن يَقُول: أعوذ بِاللَّه وَبِك، حَتَّى يَقُول: ثمَّ بك، وَالْعلَّة فِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن بِالْوَاو يلْزم الِاشْتِرَاك، وبكلمة: ثمَّ، لَا يلْزم لِأَن مَشِيئَة الله مُتَقَدّمَة.
٣٥٦٦ - وَقَالَ عَمْرُو بنُ عاصِمٍ: حدّثنا هَمَّامٌ حدّثنا إسْحقاُ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبي عَمْرَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حدَّثَهُ أنّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِن ثَلَاثَةً فِي بَنِي إسْرَائِيلَ أرَادَ الله أنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ مَلَكاً فأتَى الأبْرَصَ، فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبالُ فَلَا بَلَاغَ لي إلاّ بِاللَّه ثُمَّ بِكَ. .) فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
(انْظُر الحَدِيث ٤٦٤٣) .
قَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الْبَاب مَا يدل عَلَيْهِ. يَعْنِي: لَيْسَ فِي الْبَاب حَدِيث يدل على مَا ترْجم، ثمَّ تكلّف بِالْجَوَابِ بِمَا لَيْسَ تَحْتَهُ طائل، فَقَالَ: يرْوى عَن أبي إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي أَنه قَالَ: انتسخت كتاب البُخَارِيّ من أَصله الَّذِي كَانَ عِنْد الْفربرِي فرأيته لم يتم بعد، وَقد بقيت عَلَيْهِ مَوَاضِع مبيضة كَثِيرَة فِيهَا تراجم لم يثبت بعْدهَا شَيْئا، وَمِنْهَا أَحَادِيث لم يترجم عَلَيْهَا، فاضفنا بعض ذَلِك إِلَى بعض. قَالُوا: وَقد وَقع فِي النّسخ كثير من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان لِأَن أَبَا الْهَيْثَم والحموي نسخا مِنْهُ أَيْضا، فبحسب مَا قدر كل وحد مِنْهُم مَا كَانَ فِي رقْعَة أَو فِي حَاشِيَة أَو مُضَافَة أَنه من الْموضع الْفُلَانِيّ أَضَافَهُ إِلَيْهِ. انْتهى. وَقَالَ صَاحب
стр. 7003
(التَّوْضِيح) : والْحَدِيث فِي ذَلِك أَي فِي عدم جوازان يُقَال مَا شَاءَ الله وشئت، مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا أَبُو أَحْمد الزبيرِي حَدثنَا مسعر عَن معبد بن خَالِد عَن عبد الله بن بشار عَن قتيلة، امْرَأَة من جُهَيْنَة، قَالَت: جَاءَ يَهُودِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُم تشركون وَإِنَّكُمْ تَقولُونَ: والكعبة، وتقولون: مَا شَاءَ الله وشئت. فَأَمرهمْ رَسُول الله ﷺ ، إِذا أَرَادوا أَن يحلفوا أَن يَقُولُوا: وَرب الْكَعْبَة، وَأمرهمْ أَن يَقُولُوا: مَا شء الله ثمَّ شِئْت.
وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلم يكن من شَرطه فترجم بِهِ واستنبط مَعْنَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. انْتهى.
قلت: هَذَا لَا بَأْس بِهِ للقرب من التَّرْجَمَة مَا شَاءَ الله وشئت، لِأَن فِيهِ هَذَا، وَقَوله: مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت.
قَوْله: (مُحَمَّد بن بشار) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار، أَي: الْحَافِظ، روى عَن الْجَمَاعَة، وَأَبُو أَحْمد الزبيرِي اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن الزبير الْكُوفِي روى لَهُ الْجَمَاعَة، ومسعر بِكَسْر الْمِيم ابْن كدام روى لَهُ الْجَمَاعَة، ومعبد بن خَالِد الجدلي التَّابِعِيّ روى لَهُ الْأَرْبَعَة، وَعبد الله بن يسَار الْجُهَنِيّ روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وَقتيلَة بِضَم الْقَاف وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَقَالَ أَبُو عمر: قتيلة بنت صَيْفِي الجهنية، وَيُقَال: الْأَنْصَارِيَّة، كَانَت من الْمُهَاجِرَات الأول روى عَنْهَا عبد الله بن يسَار.
قَوْله: (وَقَالَ عمر بن عَاصِم) هُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي الصَّلَاة وَغير مَوضِع وَهن علق عَنهُ، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم ابْن يحيى العوذي الْبَصْرِيّ يروي عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة واسْمه زيد الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة واسْمه عَمْرو الْأنْصَارِيّ قَاضِي أهل الْمَدِينَة، وَوصل البُخَارِيّ هَذَا الْمُعَلق فِي بَدْء الدُّنْيَا فِي: بَاب مَا ذكر عَن بني إِسْرَائِيل، وَقَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن إِسْحَاق حَدثنَا عَمْرو بن عَاصِم حَدثنَا همام حَدثنَا إِسْحَاق بن عبد الله حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة: أَن أَبَا هُرَيْرَة سمع النَّبِي ﷺ ، يَقُول: إِن ثَلَاثَة من بني إِسْرَائِيل ... الحَدِيث بِطُولِهِ، وَالثَّلَاثَة هم: أبرص وأقرع وأعمى.
قَوْله: (الحبال) بِالْحَاء الْمُهْملَة جمع حَبل، ويروى بِالْجِيم. قَوْله: (فَلَا بَلَاغ لي) قَالَ الْكرْمَانِي: الْبَلَاغ الْكِفَايَة، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يحيز مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت اسْتِدْلَالا من قَوْله ﷺ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَلَا بَلَاغ لي إلَاّ بِاللَّه ثمَّ بك، وَلم يجز أَن يَقُول: مَا شَاءَ الله وشئت، وَقد ذكرنَا وَجهه عَن قريب.
٩ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٦) وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ (الْأَنْعَام: ٩٠١ غَيرهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وأقسموا﴾ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْأَنْعَام، وَبعدهَا: ﴿لَئِن جَاءَتْهُم آيَة ليُؤْمِنن بهَا﴾ (الْأَنْعَام: ٩٠١) الْآيَة وَفِي سُورَة النُّور ﴿ (٢٤) وأقسموا بِاللَّه جهد. . أَمرتهم ليخرجن﴾ (النُّور: ٣٥) الْآيَة.
وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْآيَة الأولى نزلت فِي قُرَيْش قَالُوا: يَا مُحَمَّد! تخبرنا عَن مُوسَى كَانَ مَعَه الْعَصَا يضْرب بهَا الْحجر فينفجر مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا، وتخبرنا عَن عِيسَى أَنه كَانَ يحيى الْمَوْتَى، وتخبرنا أَن ثَمُود كَانَت لَهُم نَاقَة، فاتنا بِشَيْء من الْآيَات حَتَّى نصدقك؟ الحَدِيث بِطُولِهِ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وأقسموا بِاللَّه﴾ أَي: حلفوا بِاللَّه ﴿جهد أَيْمَانهم﴾ أَي: يجْهد أَيْمَانهم يَعْنِي بِكُل مَا قدرُوا عَلَيْهِ من الْأَيْمَان، وأشدها ﴿لَئِن جَاءَتْهُم آيَة﴾ كَمَا جَاءَ من قبله من الْأُمَم ﴿ليُؤْمِنن بهَا﴾ الْآيَة وَالْآيَة الثَّانِيَة: نزلت فِي الْمُنَافِقين كَانُوا يَقُولُونَ لرَسُول الله ﷺ : أَيْنَمَا كنت نَكُنْ مَعَك، إِن أَقمت أَقَمْنَا، وَإِن خرجت خرجنَا، وَإِن جاهدت جاهدنا مَعَك، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٢٤) قل لَهُم لَا تقسموا طَاعَة مَعْرُوفَة﴾ (النُّور: ٣٥) بالْقَوْل وَاللِّسَان دون الِاعْتِقَاد فَهِيَ مَعْرُوفَة مِنْكُم بِالْكَذِبِ أَنكُمْ تكذبون فِيهَا، قَالَه مُجَاهِد. وَقَالَ الْمُهلب: قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ دَلِيل على أَن الْحلف بِاللَّه أكبر الْأَيْمَان كلهَا لِأَن الْجهد شدَّة الْمَشَقَّة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أبُو بَكْر: فَوالله يَا رسولَ الله ﷺ لَتحَدِّثَنِّي بالّذِي أخْطأتُ فِي الرُّؤْيا، قَالَ: لَا تُقْسِمْ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا إِنْكَار قسم الْمُنَافِقين لكذبهم فِي أَيْمَانهم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس إِنْكَار الْقسم الَّذِي أقسم بِهِ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَكِن الْفرق ظَاهر بَين الْقسمَيْنِ. وَهُوَ من حَدِيث مطول ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا
стр. 7004
فِي كتاب التَّعْبِير فِي: بَاب من لم ير الرُّؤْيَا الأول عَابِر. قَوْله: (فِي الرُّؤْيَا) أَي: فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: (لَا تقسم) نهي عَن الْقسم. فَإِن قلت: أَمر النَّبِي ﷺ بإبرار الْمقسم، كَمَا يَجِيء الْآن، فَلم مَا أبره؟ .
قلت: ذَلِك مَنْدُوب عِنْد عدم الْمَانِع، فَكَانَ لَهُ ﷺ مَانع مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَمر الشَّارِع بإبرار الْمقسم أَمر دنب لَا وجوب لِأَن الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أقسم على رَسُول الله ﷺ فَلم يبر قسمه وَلَو كَانَ وَاجِبا لَأَبَره. وَقَالَ الْمُهلب: إبرار الْمقسم إِنَّمَا يسْتَحبّ إِذا لم يكن فِي ذَلِك ضَرَر على الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، أَو على جمَاعَة أهل الدّين، لِأَن الَّذِي سكت عَنهُ رَسُول الله ﷺ من بَيَان مَوضِع الْخَطَأ فِي تَعْبِير الصّديق هُوَ عَائِد على الْمُسلمين، وَسَيَجِيءُ إِيضَاح ذَلِك فِي التَّعْبِير فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
٤٥٦٦ - حدّثنا قَبيصَةُ حدّثنا سُفْيانُ عنْ أشْعَثَ عنْ مُعاوَيَةَ بنِ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عنِ البَرَاءِ عنِ النبيِّ ﷺ .
(ح) وحدّثني مُحَمَّد بنُ بَشَّار حدّثنا غُنْدَرٌ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ أشْعَثَ عنْ مُعاوِيَةَ بنِ سُوَيْدِ بنِ مقَرَنٍ عنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: أمَرَنا النبيُّ ﷺ بإبْرَارِ المقْسِمِ.
طابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ وجود الْمقسم فِيهَا. وَأما التَّعَارُض الظَّاهِر الَّذِي بَين حَدِيث ابْن عَبَّاس وَحَدِيث الْبَراء هَذَا فَجَوَابه يفهم مَا ذَكرْنَاهُ الْآن عَن ابْن الْمُنْذر والمهلب.
وَأخرج حَدِيث الْبَراء من طَرِيقين: الأول: عَن قبيصَة بن عقبَة العامري الْكُوفِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أَشْعَث بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن أَب الشعْثَاء سليم بن الْأسود الْكُوفِي عَن مُعَاوِيَة بن سُوَيْد بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الوو ابْن مقرن بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة وبالنون الْكُوفِي عَن الْبَراء بن عَازِب الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث. . إِلَى آخِره.
والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ إبرار الْمقسم مطولا ومختصراً قد مضى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة: فِي الْجَنَائِز ولمظلم واللباس والطب وَالنُّذُور وَالْأَدب وَالنِّكَاح والاستئذان والأشربة.
قَوْله: (الْمقسم) رُوِيَ بِفَتْح السِّين، فوجهه أَن يكون مصدرا بِمَعْنى الإقسام، وَقد يَجِيء الْمصدر على لفظ الْمَفْعُول كَمَا فِي قَوْله: أدخلته مدخلًا. بِمَعْنى الإدخال، وأخرجته مخرجا بِمَعْنى إخراجاً.
٥٥٦٦ - حدّثنا حفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ أخبرنَا عاصِمٌ الأحْوَلُ سَمِعْتُ أَبَا عُثْمانَ يُحَدِّثُ عنْ أُسامَةَ أنَّ ابْنَةً لِرَسولِ الله ﷺ أرْسَلَتْ إلَيْهِ، ومَع رسولِ الله ﷺ أُسامَة بنُ زَيْدٍ وسَعْدٌ وأُبَيٌّ، أنَّ ابْنِي قَدِ احْتُضِرَ فاشْهَدْنا، فأرْسَلَ يَقْرَأ السّلامَ ويَقُولُ: (إنَّ لله مَا أخَذَ وَمَا أعْطَى وكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وتَحْتَسِبْ) فأرْسَلَتْ إلَيْه تقْسِمُ عَلَيْهِ، فقامَ وقمْنا مَعَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إلَيْهِ فأقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ ونَفْسُ الصَّبِيِّ تَقَعْقَعُ، فَفاضَتْ عَيْنا رسولِ الله ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هاذَا يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (هاذَا رَحْمَةٌ يَضَعُها الله فِي قُلُوبِ مَنْ يشاءُ مِنْ عِباِهِ، وإنَّما يَرْحَمَ الله مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ) .
طابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تقسم عَلَيْهِ) وَهُوَ أَيْضا يُنَاسب الحَدِيث السَّابِق من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا إبرار الْمقسم. وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن عَبْدَانِ، وَفِي الطِّبّ عَن حجاج، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن أبي النُّعْمَان وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة الْكَلْبِيّ، وَسعد هُوَ ابْن عبَادَة الخزرجي، وَأبي بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ ابْن كَعْب الْأنْصَارِيّ ويروى: أَو أبي، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْبَاء بِالْإِضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم، يَعْنِي: مَعَه سعد وَأبي كِلَاهُمَا أَو أَحدهمَا، شكّ الرَّاوِي فِي قَول أُسَامَة، وَفِي أول كتاب الْقدر: أبي بن كَعْب جزما بِلَا شكّ.
قَوْله: (قد احْتضرَ) بِالضَّمِّ
стр. 7005
أَي: حَضَره الْمَوْت، قَوْله: (فَلَمَّا قعد) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فأقعده) . أَي: فَأقْعدَ الصَّبِي (فِي حجره) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا. قَوْله: (وَنَفس الصَّبِي) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (تقَعْقع) فعل مضارع من التقعقع وَهُوَ حِكَايَة صَوت صَدره من شدَّة النزع. قَوْله: (مَا هَذَا؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستفسار وَلَيْسَ بعتب على رَسُول الله ﷺ ، وَلَعَلَّه سَمعه ينْهَى عَن الْبكاء الَّذِي فِيهِ الصياح أَو العويل فَظن أَنه نهى عَن الْبكاء كُله. قَوْله: (هَذَا) إِشَارَة إِلَى الْبكاء من غير صَوت.
٦٥٦٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (لَا يَمُوتُ لأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ إلاّ تَحِلّةَ القَسَمِ) . (انْظُر الحَدِيث ١٥٢١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي آخر الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ يروي عَن سعيد بن الْمسيب.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب فضل من مَاتَ لَهُ ولد فاحتسب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَأخرجه فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (إلَاّ تَحِلَّة الْقسم) أَي: تحليلها، وَالْمرَاد من الْقسم مَا هُوَ مُقَدّر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) أَي وَالله مَا مِنْكُم إلَاّ واردها، والمستثنى مِنْهُ هُوَ قَوْله: (تمسه النَّار) ، لِأَنَّهُ فِي حكم الْبَدَل من قَوْله: لَا يَمُوت، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تمس النَّار من يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة إلَاّ بِقدر الْوُرُود.
٧٥٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدّثني غنْدَرٌ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مَعْبَدِ بنِ خالِدٍ سَمِعْتُ حارِثَةَ بنَ وهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: (ألَا أدُلُّكُمْ عَلى أهْلِ الجَنةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَصَعِّفٍ لوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ، وأهْلِ النّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٨١٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (لَو أقسم على الله) .
وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، ومعبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن خَالِد، وحارثة بن وهب الْخُزَاعِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة نون والقلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن معبد بن خَالِد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (متضعف) بتَشْديد الْعين الْمَفْتُوحَة أَي: الَّذِي يستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا، وبكسر الْعين أَيْضا المتواضع الخامل المتذلل. قَوْله: (لَو أقسم) أَي: لَو حلف يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله بإبراره. (لَأَبَره) وَقيل: مَعْنَاهُ لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (جواظ) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو بالضاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الجموع الْمَمْنُوع وَقيل الْكثير اللَّحْم المختال فِي الْمَشْي بقال جاظ يجوظ جوضا وَفِي (الْعين) : الجواظ الأكول. وَيُقَال: الْفَاجِر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْكثير اللَّحْم الغليظ الرَّقَبَة، وَقيل: الْقصير البطين. قَوْله: (مستكبر) أَي: عَن الْحق وَالْمرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة هَؤُلَاءِ كَمَا أَن أهل النَّار هَؤُلَاءِ، وَلَيْسَ المُرَاد الِاسْتِيعَاب فِي الطَّرفَيْنِ، وَحَاصِله أَن كل ضَعِيف من أهل الْجنَّة، وَلَا يلْزم الْعَكْس وَكَذَلِكَ أهل النَّار.
(بَاب إِذا قَالَ أشهد بِاللَّه أَو شهِدت بِاللَّه)
أَي هَذَا بَاب مترجم بقول الشَّخْص أشهد بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَو لَا أفعلن كَذَا أَو قَالَ شهِدت بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَلم يبين جَوَاب هَذَا وَلَا فِي حَدِيث الْبَاب صرح بذلك فَكَأَنَّهُ اعْتمد على من يفحص عَن ذَلِك من مَوْضِعه وللعلماء فِي هَذَا الْبَاب أَقْوَال (أَحدهَا) أَن أشهد وأحلف وأعزم كلهَا أَيْمَان تجب فِيهَا الْكَفَّارَة وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَقَالَ ربيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ إِذا قَالَ أشهد أَن لَا أفعل كَذَا ثمَّ حنث فَهُوَ يَمِين الثَّانِي أَن أشهد لَا يكون يَمِينا حَتَّى يَقُول أشهد بِاللَّه وَإِن لم يردد ذَلِك فَلَيْسَ بِيَمِين وَالثَّالِث إِذا قَالَ أشهد أَو أعزم وَلم يقل بِاللَّه فَهُوَ كَقَوْلِه وَالله حَكَاهُ الرّبيع عَن الشَّافِعِي الرَّابِع أَن أَبَا عبيد أنكر أَن يكون أشهد يَمِينا وَقَالَ الْحَالِف غير الشَّاهِد الْخَامِس إِذا قَالَ أشهد بِالْكَعْبَةِ أَو
стр. 7006
بِالنَّبِيِّ لَا يكون يَمِينا -
٨٥٦٦ - حدّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ حدّثنا شَيْبانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبِرَاهِيمَ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ: سُئِلَ النبيُّ ﷺ : أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (قَرْنِي ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُمْ، ثمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهادَةُ أحَدِهِمْ يَمِينَهُ، ويَمِينُهُ شَهادَتَهُ) قَالَ إبْرَاهِيمُ: وكانَ أصْحابُنا يَنْهَوْنا، ونَحْنُ غِلْمانٌ: أنْ نَحْلِفَ بالشَّهَادَةِ والعَهْدِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تتأتى إلَاّ من قَول إِبْرَاهِيم: (وَكَانَ أَصْحَابنَا)
إِلَى آخِره لِأَن معنى قَوْله: أَن تحلف بِالشَّهَادَةِ: أشهد بِاللَّه، وَمعنى قَوْله: والعهد، على عهد الله.
وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، يُقَال لَهُ: الضخم، وشيبان بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ أَبُو مُعَاوِيَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَعبيدَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة السَّلمَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات وَفِي الْفَضَائِل وَفِي الرقَاق عَن عَبْدَانِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (قَرْني) أَي: أهل قَرْني الَّذين أَنا فيهم. قَوْله: (تسبق) قيل: هَذَا دور، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بَيَان حرصهم على الشَّهَادَة يحلفُونَ على مَا يشْهدُونَ بِهِ، فَتَارَة يحلفُونَ قبل أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ، وَتارَة يعكسون، أَو مثل فِي سرعَة الشَّهَادَة وَالْيَمِين وحرص الرجل عَلَيْهَا حَتَّى لَا يدْرِي بِأَيِّهِمَا يبتديء، فكأنهما يتسابقان لقلَّة مبالاته.
١١ - (بابُ عَهْدِ الله
أَي: هَذَا بَاب مترجم بقول الشَّخْص، عهد الله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَو لَا أفعلن كَذَا. وَلم يبين فِيهِ مَا حكمه، وَلَا فِي حَدِيث الْبَاب هَذِه اللَّفْظَة، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْآيَة الْمَذْكُور فِيهِ فَكَأَنَّهُ تَركه اعْتِمَادًا على الطَّالِب.
٩٥٦٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ حدّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمانَ ومَنْصُورٍ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله ﵁، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ رجُلٍ مُسْلِمٍ أوْ قَالَ: أخِيهِ لَقِيَ الله وهْوَ عليْه غَضْبانُ، فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَهُ ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله﴾ (آل عمرَان: ٧٧)) . قَالَ سُليْمانُ فِي حَدِيثِهِ: فَمَرَّ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ عبْدُ الله؟ قالُوا لهُ، فَقَالَ الأشْعَثُ: نَزَلَتْ فِيَّ. وَفِي صاحِبٍ لِي فِي بِئْرٍ كانَتْ بَيْننا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بِعَهْد الله) وَابْن أبي عدي مُحَمَّد بن أبي عدي، واسْمه إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب الْخُصُومَة فِي الْبِئْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد الله ... الخ.
قَوْله: (وَمَنْصُور) بِالْجَرِّ عطف على سُلَيْمَان.
قَوْله: (قَالَ سُلَيْمَان) هُوَ الْمَذْكُور وَهُوَ الْأَعْمَش. قَوْله: (فَمر الْأَشْعَث) بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي آخِره هُوَ ابْن قيس الْكِنْدِيّ قَوْله: (نزلت فِي) بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (وَفِي صَاحب لي) وَفِي رِوَايَة الشّرْب: كَانَت لي بِئْر فِي أَرض ابْن عَم لي، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
والعهد على خَمْسَة أوجه تلْزم الْكَفَّارَة فِي وَجْهَيْن وَتسقط فِي اثْنَيْنِ وَاخْتلف فِي الْخَامِس، فَإِن قَالَ: عَليّ عهد الله، كفر إِن حنث، وَإِن قَالَ: وعد الله كفر عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن أَرَادَ بِهِ يَمِينا كفر، وإلَاّ فَلَا، وَقَالَ الدمياطي: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ إِذا قَالَ: وعد الله، حَتَّى يَقُول: عَليّ عهد الله، أَو: أَعطيتك عهد الله، وَإِن قَالَ: أعَاهد الله فَقَالَ ابْن أبي حبيب: عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين، وَقَالَ ابْن شعْبَان: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالك: إِذا قَالَ على عهد الله وميثاقه فَعَلَيهِ كفارتان إلَاّ أَن يَنْوِي التَّأْكِيد
стр. 7007
فَيكون يَمِينا وَاحِدَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة، وَبِه قَالَ مطرف وَابْن الْمَاجشون وَعِيسَى بن دِينَار، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس إِذا قَالَ: عَليّ عهد الله، فَحنث يعْتق رَقَبَة.
٢١ - (بابُ الحَلِفِ بِعِزَّةِ الله وصِفاتِهِ وكَلِماتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحلف بعزة الله نَحْو أَن يَقُول: وَعزة الله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَو لَا أفعلن كَذَا، وهذايمين فِيهِ الْكَفَّارَة. قَوْله: (وَصِفَاته) قَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْيَمين بِصِفَات الله تَعَالَى، فَقَالَ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : الْحلف بِجَمِيعِ صِفَات الله وأسمائه لَازم كَقَوْلِه: والسميع والبصير والعليم والخبير واللطيف، أَو قَالَ: وَعزة الله وكبريائه وَقدرته وأمانته، وَحقه فَهِيَ أَيْمَان كلهَا تكفر، وَذكر ابْن الْمُنْذر مثله عَن الْكُوفِيّين إِذا قَالَ: وعظمة الله وكبريائه وجلال الله وَأَمَانَة الله، وَحنث عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَكَذَلِكَ فِي كل اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى. وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي جلال الله وعظمة الله وقدرة الله وَحقّ الله وَأَمَانَة الله إِن نوى بهَا الْيَمين فَذَاك وإلَاّ فَلَا، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن أبي حنيفَة: وَإِن قَول الرجل: وَحقّ الله وَأَمَانَة الله لَيست بِيَمِين لِأَنَّهُ ﷺ ، قَالَ: من كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه. قَوْله: (وكلماته) أَي: الْحلف بِكَلِمَات الله نَحْو الْحلف بِالْقُرْآنِ أَو بِمَا أنزل الله، وَاخْتلفُوا فِيمَن حلف بِالْقُرْآنِ أَو الْمُصحف أَو بِمَا أنزل الله، فَروِيَ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن عَلَيْهِ لكل آيَة كَفَّارَة يَمِين، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَقيل: كَلَام ابْن مَسْعُود مَحْمُول عل التَّغْلِيظ، وَلَا دَلِيل على صِحَّته. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِذا حلف بالمصحف عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِيمَن حلف بِالْقُرْآنِ وَبِه قَالَ أَبُو عبيد، وَقَالَ عَطاء: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كانَ النبيُّ ﷺ يَقولُ: أعُوذُ بِعِزَّتِكَ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد من طَرِيق يحيى بن معمر عَن ابْن عَبَّاس، فراجع إِلَيْهِ.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ ﷺ (يَبْقَى رجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وجْهِي عنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أسْألُكَ غَيْرَها، وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (قَالَ الله) لَكَ ذَلِكَ وعَشَرَةُ أمْثْالِهِ)) .
مطابقه للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعزَّتك لَا أَسأَلك غَيرهَا) ، وَهَذَا التَّعْلِيق مضى مطولا عَن قريب فِي: بَاب الصِّرَاط جسر جَهَنَّم، وَأَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ.
وَقَالَ أيُّوبُ ﵇: وعزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عنْ بَرَكَتِكَ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعزَّتك) ، وَهَذَا التَّعْلِيق مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من اغْتسل عُريَانا وَحده عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: بَينا أَيُّوب يغْتَسل عُريَانا فَخر عَلَيْهِ جَراد من ذهب، فَجعل أَيُّوب يحشي فِي ثَوْبه، فناداه ربه، يَا أَيُّوب ﴿ألم أكن أغنيتك عَمَّا ترى؟ قَالَ: بلَى وَعزَّتك، وَلَكِن لَا غنى لي عَن بركتك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لَا غنى لي) أَي: لَا اسْتغْنَاء أَو لَا بُد.
١٦٦٦ - حدّثنا آدَمُ حدَّثنا شَيْبانُ حدّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ النبيُّ ﷺ : (لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتَّى يَضَعَ ربُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ وعِزَّتِكَ، ويُزوَى بَعْضُها إِلَى بَعْضٍ) . رواهُ شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٤٨٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعزَّتك) . وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، واسْمه عبد الرَّحْمَن، وَأَصله من خُرَاسَان سكن عسقلان، وشيبان مر عَن قريب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن عبد بن حميد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد أَيْضا.
стр. 7008
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن الرّبيع بن مُحَمَّد عَن آدم بِهِ.
قَوْله: (وَتقول جَهَنَّم هَل من مزِيد) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: يحْتَمل أَن يكون هَذَا مجَازًا مجازه: هَل من مزِيد، وَيحْتَمل أَن يكون استفهاماً بِمَعْنى الاستزادة، وَإِنَّمَا صلح للوجهين لِأَن فِي الِاسْتِفْهَام ضربا من الْجحْد وطرفاً من النَّفْي. قَوْله: (مزِيد) اسْم بِمَعْنى الزِّيَادَة. قَوْله: (قدمه) قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من المتشابهات، وَقَالَ الْمُهلب: أَي مَا قدم لَهَا من خلقه وَسبق لَهَا بمشيئته ووعده مِمَّن يدخلهَا. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل، معنى الْقدَم هُنَا الْكفَّار الَّذين سبق فِي علم الله تَعَالَى أَنهم من أهل النَّار، وَحمل الْقدَم على الْمُتَقَدّم لِأَن الْعَرَب تَقول للشَّيْء الْمُتَقَدّم: قدم، وَقيل: الْقدَم خلق يخلقه الله يَوْم الْقِيَامَة فيسميه قدماً ويضيفه إِلَيْهِ من طَرِيق الْفِعْل وَالْملك يَضَعهُ فِي النَّار فتمتلىء النَّار مِنْهُ، وَقيل: المُرَاد بِهِ قدم بعض خلقه فأضيف إِلَيْهِ كَمَا يَقُول: ضرب الْأَمِير اللص، على معنى أَنه عَن أمره، وَسُئِلَ الْخَلِيل عَن معنى هَذَا الْخَبَر فَقَالَ: هم قوم قدمهم الله تَعَالَى إِلَى النَّار. وَعَن عبد الله بن الْمُبَارك: من قد سبق فِي علمه أَنهم من أهل النَّار، وكل مَا تقدم فَهُوَ قدم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ (يُونُس: ٢) يَعْنِي: أعمالاً صَالِحَة قدموها، وَرُوِيَ عَن حسان بن عَطِيَّة: حَتَّى يضع الْجَبَّار قدمه، بِكَسْر الْقَاف، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن وهب بن مُنَبّه، وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى قد كَانَ خلق قوما قبل آدم ﵇، يُقَال لَهُم: الْقدَم، رؤوسهم كرؤوس الْكلاب وَالدَّوَاب وَسَائِر أعضائهم كأعضاء بني آدم، فعصوا رَبهم فأهلكهم الله تَعَالَى يمْلَأ الله جَهَنَّم مِنْهُم حِين تستزيد فَإِن قلت: جَاءَ فِي مُسلم: حَتَّى يضع ﵎ فِيهَا رجله، فَتَقول: قطّ قطّ. فهنالك تمتلىء.
قلت: الرجل الْعدَد الْكثير من النَّاس وَغَيرهم، وَالْإِضَافَة من طَرِيق الْملك. قَوْله: (قطّ قطّ) ، مر الْكَلَام فِيهِ فِي سُورَة ﴿ق﴾ وَمَعْنَاهُ: حسبي حسبي اكتفيت وامتلئت، وَقيل: إِن ذَلِك حِكَايَة صَوت جَهَنَّم. قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا كَانَ بِمَعْنى حسبي وَهُوَ الِاكْتِفَاء فَهُوَ مَفْتُوح الْقَاف سَاكن الطَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: ورويناه بِكَسْرِهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِكَسْر الْقَاف. قَوْله: (ويزوي) بِضَم الْيَاء وَسُكُون الزَّاي وَفتح الْوَاو يَعْنِي: يجمع وَيقبض. قَوْله: (رَوَاهُ شُعْبَة) أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور شُعْبَة عَن قَتَادَة وصل البُخَارِيّ رِوَايَته فِي تَفْسِير سُورَة ﴿ق﴾ فَارْجِع إِلَيْهِ.
٣١ - (بابُ قَوْل الرَّجُلِ: لَعَمْرُ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الشَّخْص: لعمر الله، وَلم يبين حكمه اعْتِمَادًا على تَخْرِيج الطَّالِب، وَمَعْنَاهُ لحياة الله وبقاؤه، وَقَالَ الزّجاج: لعمر الله، كَأَنَّهُ حلف بِبَقَائِهِ تَعَالَى. قَالَ الْجَوْهَرِي: عمر الرجل بِالْكَسْرِ يعمر عمرا وعمراً على غير قِيَاس لِأَن قِيَاس مصدره التحريك أَي: عَاشَ زَمَانا طَويلا، وَإِن كَانَ المصدران بِمَعْنى إِلَّا أَنه اسْتعْمل فِي الْقسم المفتوح فَإِذا أدخلت عَلَيْهِ اللَّام رفعته بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مَحْذُوف، أَي: مَا أقسم بِهِ، فَإِن لم تأت بِاللَّامِ نصبته نصب المصادر، فَقلت: عمر الله مَا فعلت كَذَا، وعمرك الله مَا فعلت، وَمعنى: لعمر الله، وَعمر الله أَحْلف بِبَقَاء الله ودوامه، فَإِذا قلت: عمرك الله، فكأنك قلت: لعمرك الله، أَي: بإقرارك لَهُ بِالْبَقَاءِ، وَأما حكمه فَهُوَ يَمِين عِنْد الْكُوفِيّين وَمَالك، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ كِنَايَة، يَعْنِي: لَا يكون يَمِينا إلَاّ بِالنِّيَّةِ، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَإِذا قَالَ: لعمري، فَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَة إِذا حنث فِيهَا، وَسَائِر الْفُقَهَاء لَا يرَوْنَ فِيهَا كَفَّارَة لِأَنَّهَا لَيست بِيَمِين عِنْده.
قَالَ ابنُ عَبَّاس: لَعَمُرُكَ لَعَيْشُكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن ابْن عَبَّاس فسر: لعمرك، بقرابه: لعيشك. وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي الجوزاء عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لعمرك﴾ أَي: حياتك، فالحياة والعيش وَاحِد.
٢٦٦٦ - حدّثنا الأُوَيْسِيُّ حدّثنا إبْراهِيمُ عنْ صالِحٍ عنْ ابنِ شِهابٍ.
(ح) وحدّثنا حَجاجٌ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حدّثنا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ وسَعِيدَ بنَ المسَيَّبِ وعَلْقَةَ بنَ وَقَّاصٍ وعُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله عنْ حَدِيثِ عائِشَةَ، زَوْجِ النبيِّ
стр. 7009
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قالُوا، فَبَرَأها الله، وكُلٌّ حدّثني طائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ وفِيهِ: فقامَ النبيُّ ﷺ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبادَةَ: لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لعمر الله لنقتلنه) والأويسي، نِسْبَة إِلَى أويس مصغر أَوْس بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالسين الْمُهْملَة، وَأَوْس هُوَ ابْن سعد بن أبي سرح ينْسب إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو بن أَوْس شيخ البُخَارِيّ، وَهُوَ مدنِي صَدُوق، قَالَه ابْن أبي حَاتِم، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، هَؤُلَاءِ هم رجال الطَّرِيق الأول.
وَرِجَال الطَّرِيق الثَّانِي: حجاج على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن منهال بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ، يروي عَن عبد الله بن عمر النميري بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن الزُّهْرِيّ، وَقد مضى الحَدِيث مطولا، فِي مَوَاضِع فِي قَضِيَّة الْإِفْك وَفِي الشَّهَادَات عَن أبي الرّبيع، وَفِي الْمَغَازِي وَفِي التَّفْسِير وَفِي الْأَيْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَسَيَجِيءُ أَيْضا فِي التَّوْحِيد وَفِي الِاعْتِصَام، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (فاستعذر) أَي: طلب من يعذرهُ من عبد الله بن أبي ابْن سلول أَي: من ينصفه مِنْهُ. قَوْله: (فَقَامَ أسيد بن حضير) كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (لنقتلنه) بِصِيغَة جمع الْمُتَكَلّم، وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَكَذَلِكَ النُّون الْمُشَدّدَة.
٤١ - (بابٌ ﴿ (٢) لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي فِي إيمَانكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ وَالله غَفُور حَلِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢٢)
أَي: هَذَا بَاب مترجم بقوله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ ... الْآيَة كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله﴾ إِلَى قَوْله: ﴿بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ وَهَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْبَقَرَة. وَأما الَّتِي فِي سُورَة الْمَائِدَة فَإِنَّهُ ذكرهَا فِي أول كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور، وَقد مضى هُنَاكَ تَفْسِير اللَّغْو. قَوْله: ﴿بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ أَي: عزمتم وقصدتم وتعمدتم، لِأَن كسب الْقلب الْقَصْد وَالنِّيَّة وَالله غَفُور لِعِبَادِهِ حَلِيم عَنْهُم.
٣٦٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحْيَاى عنْ هِشامٍ قَالَ: أخْبَرنِي أبي عنْ عائِشَةَ ﵂ ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢٢) قَالَ: قالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي قَوْلِهِ: لَا وَالله، وبَلَى وَالله. (انْظُر الحَدِيث ٣١٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويحيي هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ أَبُو عمر: تفرد يحيى بن سعيد بِذكر السَّبَب فِي نزُول الْآيَة الكرمية وَلم يذكرهُ أحد غَيره، قيل: صرح بَعضهم بِرَفْعِهِ عَن عَائِشَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث إِبْرَاهِيم الصَّائِغ عَن عَطاء عَنْهَا: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: لَغْو الْيَمين هُوَ كَلَام الرجل فِي بَيته: كلا وَالله وبلى وَالله، وَأَشَارَ أَبُو دَاوُد إِلَى أَنه اخْتلف على عَطاء وعَلى إِبْرَاهِيم فِي رَفعه وَوَقفه.
٥١ - (بابٌ إِذا حَنثَ ناسِياً فِي الأيْمانِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا حنث الْحَالِف حَال كَونه نَاسِيا وَلم يبين حكمه كعادته فِي الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) وَقَالَ: ﴿لَا تؤاخذني بِمَا نسيت﴾ (الْكَهْف: ٣٧) .
ثُبُوت الْوَاو فِي ﴿وَلَيْسَ﴾ رِوَايَة لقوم، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِدُونِ الْوَاو، أَي: لَيْسَ عَلَيْكُم إِثْم فِيمَا فعلتموه مخطئين، وَلَكِن الْإِثْم فِيمَا تعمدتموه، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا ينسبون زيد بن حَارِثَة إِلَى النَّبِي ﷺ وَيَقُولُونَ: زيد بن مُحَمَّد، فنهاهم عَن ذَلِك وَأمرهمْ أَن ينسبوهم
стр. 7010
لِآبَائِهِمْ الَّذين ولدوهم وَثمّ قَالَ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) قبل النَّهْي، وَيُقَال: إِن هَذَا على الْعُمُوم فَيدْخل فِيهِ كل مخطىء، وغرض البُخَارِيّ هَذَا يدل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب. قَوْله: ﴿وَقَالَ: لَا تؤاخذني بِمَا نسيت﴾ (الْكَهْف: ٣٧) هَذِه فِي آيَة أُخْرَى فِي سُورَة الْكَهْف يُخَاطب مُوسَى ﵇ بقوله: لَا تؤاخذني الْخضر ﵇، وَذَلِكَ بعد مَا جرى من أَمر السَّفِينَة، وروى ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: كَانَت الأولى من أَمر مُوسَى النسْيَان، وَالثَّانيَِة الْعذر، وَلَو صَبر لقص الله علينا أَكثر مِمَّا قصّ، وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَيْضا على أَن النَّاسِي لَا يُؤَاخذ بحنثه فِي يَمِينه. فَإِن قلت: الْخَطَأ نقيض الصَّوَاب، وَالنِّسْيَان خلاف الذّكر، وَلم يذكر فِي التَّرْجَمَة إلَاّ النسْيَان وَلَا تطابقها إلَاّ الْآيَة الثَّانِيَة، وَكَذَلِكَ لَا يُنَاسب التَّرْجَمَة من أَحَادِيث الْبَاب إلَاّ الَّذِي فِيهِ تَصْرِيح بِالنِّسْيَانِ، وَالْآيَة الأول لَا مُطَابقَة لَهَا فِي الذّكر هُنَا، أَلا يرى أَن الدِّيَة تجب فِي الْقَتْل بالْخَطَأ وَإِذا أتلف مَال الْغَيْر خطأ فَإِنَّهُ يغرم؟ .
قلت: إِنَّمَا ذكر الْآيَة الأولى وَأَحَادِيث الْبَاب على الِاخْتِلَاف ليستنبط كل أحد مِنْهَا مَا يُوَافق مذْهبه، وَلِهَذَا لم يذكر الحكم فِي التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا ذكرهَا لِأَنَّهَا أصُول الْأَحْكَام ومواد الاستنباط الَّتِي يصلح أَن يُقَاس عَلَيْهَا، وَوُجُوب الدِّيَة فِي الْخَطَأ وغرامة المَال بإتلافه خطأ من خطاب الْوَضع فتيقظ فَإِنَّهُ مَوضِع دَقِيق.
٤٦٦٦ - حدّثنا خلَاّدُ بنُ يَحْيَاى حدّثنا مِسْعَرٌ حدّثنا قَتادةُ حَدثنَا زُرارَةُ بنُ أوْفَى عنْ أبي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: إنَّ الله تَجاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أوْ حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَكَلَّمْ. (انْظُر الحَدِيث ٨٢٥٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الوسوسة من متعلقات عمل الْقلب كالنسيان.
وخلاد بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة، ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن كدام بِكَسْر الْكَاف، وزرارة بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى ابْن أوفى بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالفاء العامري قَاضِي الْبَصْرَة.
والْحَدِيث مضى فِي الطَّلَاق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْعتاق عَن مُحَمَّد بن عرْعرة، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن الْفُرَات بن خَالِد أَدخل بَين زُرَارَة وَبَين أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْإِسْنَاد رجلا من بني عَامر، وَهُوَ خطأ، فَإِن زُرَارَة من بني عَامر فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ: عَن زُرَارَة رجل من بني عَامر، فَظَنهُ آخر وَلَيْسَ كَذَلِك.
قَوْله: (يرفعهُ) أَي: يرفع أَبُو هُرَيْرَة الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ . وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّمَا قَالَ: يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ ، ليَكُون أَعم من أَنه سَمعه مِنْهُ أَو من صَحَابِيّ آخر سَمعه مِنْهُ. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا اخْتِصَاص لذَلِك بِهَذِهِ الصِّيغَة، بل مثله فِي قَوْله: قَالَ، وَعَن، وَإِنَّمَا يرفع الِاحْتِمَال إِذا قَالَ: سَمِعت أَو نَحوه. قُلْنَا: غَرَض هَذَا الْقَائِل تحريشه على الْكرْمَانِي وإلَاّ فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا الْكَلَام لِأَنَّهُ مَا ادّعى الِاخْتِصَاص، وَلَا قَوْله ذَلِك يُنَافِي غَيره، يعرف بِالتَّأَمُّلِ، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن وكيعاً رَوَاهُ عَن مسعر وَلم يرفعهُ، قَالَ: وَالَّذِي رَوَاهُ ثِقَة فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ. قَوْله: (تجَاوز لأمتي) وَفِي رِوَايَة هِشَام عَن قَتَادَة: عَن أمتِي، وَهُوَ أوجه. قَوْله: (أَو حدثت بِهِ) وَفِي رِوَايَة هِشَام: عَمَّا وسوست بِهِ وَمَا حدثت بِهِ، من غير تردد، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (أَنْفسهَا) بِالنّصب عِنْد الْأَكْثَرين وَعند بَعضهم بِالرَّفْع. قَوْله: (أَو تكلم) ، بِالْجَزْمِ أَرَادَ أَن الْوُجُود الذهْنِي لَا أثر لَهُ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بالوجود القولي فِي القوليات والعملي فِي العمليات، قيل: لَو أصر على الْعَزْم على الْمعْصِيَة يُعَاقب عَلَيْهِ لَا عَلَيْهَا، وَأجِيب بِأَن ذَلِك لَا يُسمى وَسْوَسَة وَلَا حَدِيث نفس، بل هُوَ نوع من عمل الْقلب.
٥٦٦٦ - حدّثنا عُثمانُ بُ الهَيْثَمِ أوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ شِهابٍ يَقُولُ: حدّثني عِيسَى بنُ طَلْحَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍ وبن العاصِ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ ﷺ ، بَيْنَما هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْر إذْ قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كُنْتُ أحْسِبُ يَا رسولَ الله كَذا وكَذا قَبْلَ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ قامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! كُنْتُ أحْسِبُ كَذَا وكَذا لِهَؤلاءِ الثَّلاثِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ كُلِّهنَّ يَوْمَئِذٍ) ، فَما سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عنْ شَيْءٍ إلَاّ قَالَ: (إفْعَلْ وَلَا حَرَجَ) .
стр. 7011
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ ألحق الحسبان بِالنِّسْيَانِ لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا من عمل الْقلب.
وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن الجهم أَبُو عمر الْمُؤَذّن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (أَو مُحَمَّد عَنهُ) أَي: أَو حَدثنِي مُحَمَّد عَنهُ. أَي: عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم عَن ابْن جريج، وَمُحَمّد هَذَا هُوَ ابْن يحيى الذهلي، وكل وَاحِد من عُثْمَان وَمُحَمّد بن يحيى من شُيُوخ البُخَارِيّ. وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن عثمن بن الْهَيْثَم بِهِ، وَقد مر نَحْو هَذَا فِي أَوَاخِر كتاب اللبَاس فِي: بَاب الذريرة، حَدثنَا عُثْمَان بن الْهَيْثَم أَو مُحَمَّد عَنهُ عَن ابْن جريج ... الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْفتيا وَهُوَ وَاقِف على ظهر الدَّابَّة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (كنت أَحسب كَذَا وَكَذَا قبل كَذَا وَكَذَا) ، أَي: كنت أَحسب الطّواف قبل الذّبْح أَو الذّبْح قبل الْحلق. قَوْله: (ثمَّ قَامَ آخر) أَي: رجل آخر. قَوْله: (لهَؤُلَاء الثَّلَاث) ، وَهِي: الذّبْح وَالْحلق وَالطّواف. قَوْله: (لَهُنَّ) أَي: قَالَ لأجل هَؤُلَاءِ الثَّلَاث: إفعل وَلَا حرج عَلَيْك فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
٦٦٦٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا أبُو بَكْرٍ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عنْ عَطاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسِ ﵄، قَالَ: قَالَ رجُلٌ لِلنبيِّ ﷺ : زُرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قَالَ: (لَا حَرَجَ) قَالَ آخَرُ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قَالَ: (لَا حَرَجَ) قَالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قَالَ: (لَا حَرَجَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مَعَ أَنه لَيْسَ فِيهِ ذكر الْيَمين هِيَ بَيَان رفع الْقَلَم عَن النَّاسِي والمخطىء وَنَحْوهمَا، وَعدم الْجنَاح فِيهِ وَعدم الْمُؤَاخَذَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ أَيْضا: هَذَا الحَدِيث وَمَا بعده من الْأَحَادِيث مناسبتها بِهَذَا الْوَجْه وَفِيه تَأمل.
وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْقَارِي، وَعبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة أَبُو عبد الله الْأَسدي الْمَكِّيّ سكن الْكُوفَة وَسمع أنس بن مَالك، وَعَن جرير: أَتَى عَلَيْهِ نَيف وَتسْعُونَ سنة وَكَانَ يتَزَوَّج وَلَا يمْكث حَتَّى تَقول الْمَرْأَة: فارقني من كَثْرَة جمَاعه، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج مَعَ شَرحه. قَوْله: (زرت) يَعْنِي: طفت طواف الزِّيَارَة، وَهُوَ طواف الرُّكْن.
٧٦٦٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ حدّثنا عُبيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ سَعِيدٍ ابنِ أبي سَعِيدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلاً دَخَل المَسْجِدَ فَصَلَّى ورسولُ الله ﷺ فِي ناحِيَةِ المَسْجِدِ، فَجاءَ فَسَلَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: (ارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ: (وعَلَيْكَ! ارْجِعْ فَصلِّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) قَالَ فِي الثّالِثَةِ: فأعْلِمْنِي. قَالَ: (إِذا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فأسْبِغِ الوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ واقْرَأْ بِما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِن القُرْآنِ ثمَّ ارْكَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ راكِعاً ثُمَّ ارْفَعْ رَأسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِماً ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً ثمَّ ارْفَعْ حتَّى تَسْتَوِيّ وتَطْمَئِنَّ جالِساً. ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَسْتَوِيَ قائِماً ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صلاتِكَ كُلِّها) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث والترجمة. وَلَيْسَ فِيهِ ذَلِك: يَمِين.
قلت: هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب وجوب الْقِرَاءَة للْإِمَام وَالْمَأْمُوم، وَفِيه: وَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أحسن غَيره، فَيدْخل فِي الْبَاب من هَذِه الْحَيْثِيَّة. .
وَأَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، وَسَعِيد هُوَ المَقْبُري.
وَفِيه: حجَّة قَاطِعَة لأبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي جَوَاز الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة بِمَا تيَسّر.
стр. 7012
٨٦٦٦ - حدّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي المَغْراءِ حدّثنا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعَرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إبْلِيس: أَي عِبادَ الله أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولاهُمْ فاجتَلَدَتْ هِيَ وأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بنُ اليَمانِ فَإِذا هُوَ بِأبِيهِ فَقَالَ: أبي أبي. قالَتْ: فَوَالله مَا انْحَجَزُوا حتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ الله لكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَالله مَا زالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْها بَقِيَّةٌ حتَّى لَقِيَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النَّبِي ﷺ لم يُنكر على الَّذين قتلوا وَالِد حُذَيْفَة لجهلهم، فَجعل الْجَهْل هُنَا كالنسيان، فَبِهَذَا الْوَجْه دخل الحَدِيث فِي الْبَاب مَعَ أَن فِيهِ الْيَمين، وَهُوَ قَول حُذَيْفَة: (فوَاللَّه مَا انحجزوا) .
وفروة بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالواو ابْن أبي المغراء بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وبالمد أَبُو الْقَاسِم الْكِنْدِيّ الْكُوفِي، وَعلي بن مسْهر على وزن اسْم الْفَاعِل من الإسهار بِالسِّين الْمُهْملَة أَبُو الْحسن الْقرشِي الْكُوفِي، تولى قَضَاء نواحي الْموصل مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة.
والْحَدِيث مضى فِي آخر المناقب فِي: بَاب ذكر حُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَفِي غَزْوَة أحد.
قَوْله: (هزم) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، وَكَذَلِكَ قَوْله: (تعرف) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَي عباد الله) ، أَي: يَا عباد الله. قَوْله: (أخراكم) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: يَا عباد الله إحذروا الَّذين من وَرَائِكُمْ واقتلوهم، وَالْخطاب للْمُسلمين، أَرَادَ إِبْلِيس تثبيطهم لِيُقَاتل الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا، فَرَجَعت الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة قَاصِدين لقِتَال الْأُخْرَى ظانين أَنهم من الْمُشْركين، فتجالد الطائفتان. وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب للْكَافِرِينَ. قَوْله: (أبي أبي) ، وَقع مكرراً يَعْنِي: يَا قومِي هَذَا أبي لَا تقتلوه، فَقَتَلُوهُ ظانين أَنه من الْمُشْركين. قَوْله: (مَا انحجزوا) بالزاي أَي: مَا امْتَنعُوا وَمَا انفكوا حَتَّى قَتَلُوهُ، يُقَال: حجزه حجزاً إِذا مَنعه. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من قَتله أَبِيه. قَوْله: (بَقِيَّة) مَرْفُوع بقوله: قَوْله: (مَا زَالَت) . قَالَ الْكرْمَانِي: أَي بَقِيَّة حزن وتحسر من قتل أَبِيه بذلك الْوَجْه.
قلت: هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، على أَن لفظ: بَقِيَّة، مَرْفُوعَة وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَقِيَّة خير، بِالْإِضَافَة أَي: اسْتمرّ الْخَيْر فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: وهم الْكرْمَانِي فِي تَفْسِيره وَالصَّوَاب من المُرَاد أَنه حصل لَهُ خير بقوله للْمُسلمين الَّذين قتلوا أَبَاهُ خطأ بقوله: عَفا الله عَنْكُم، وَاسْتمرّ ذَلِك الْخَيْر فِيهِ.
قلت: نِسْبَة الْكرْمَانِي إِلَى الْوَهم وهم، لِأَن الْكرْمَانِي إِنَّمَا فسره على رِوَايَة الْكشميهني على مَا ذَكرْنَاهُ، وَالْأَقْرَب فِيهَا مَا فسره لِأَنَّهُ تحسر غَايَة التحسر على قتل أَبِيه على يَد الْمُسلمين على مَا لَا يخفى.
٩٦٦٦ - حدّثني يُوسُفُ بنُ مُوسى احدّثنا أبُو أُسامَةَ قَالَ: حدّثني عَوْفٌ عنْ خِلاِسٍ ومُحَمَّدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ أكَلَ نَاسِياً وهْوَ صائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فإنّما أطْعَمَهُ الله وسَقاهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٣٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَاسِيا) بِمُجَرَّد ذكره من غير قيد بِشَيْء من الْيَمين أَو غَيرهَا.
يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد الْقطَّان الْكُوفِي، سكن بَغْدَاد، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وعَوْف بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالفاء وَهُوَ الْمَشْهُور بالأعرابي، وخلاس بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام وبالسين الْمُهْملَة ابْن عَمْرو الهجري، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين وَهُوَ عطف على خلاس.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب الصَّائِم إِذا أكل أَو شرب.
٠٧٦٦ - حدّثنا آدم بنُ أبي إياسٍ حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ الأعْرَجِ عنْ عَبْدِ الله بن بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنا النبيُّ ﷺ فقامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوليَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ، فَمَضى فِي صلاتِهِ، فَلمَّا قَضَي صَلَاتَهُ انْتَظَر النَّاسُ تَسْلِيمَهُ فَكَبَّرَ وسَجَدَ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ رَفَع رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وسَلَّمَ.
стр. 7013
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ترك الْقعدَة الأولى نَاسِيا. فَيدْخل فِي الْبَاب من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَاسم ابْن أبي ذِئْب مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب واسْمه هِشَام بن سعد، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَعبد الله بن بُحَيْنَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون وَهُوَ اسْم أمه وَأَبوهُ مَالك الْهَاشِمِي.
والْحَدِيث تقدم فِي أَبْوَاب سُجُود السهود فِي آخر كتاب الصَّلَاة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٧٦٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ إبْراهِيمَ سَمِعَ عَبْدَ العَزِيزِ بنَ عَبْدِ الصَّمَدِ حدّثنا مَنْصُورٌ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلَقْمَةَ عنِ ابْن مَسْعُودٍ ﵁، أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ صلى بِهِمْ صَلاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ، أوْ نَقَصَ مِنْها، قَالَ مَنْصُورٌ: لَا أدْرِي إبْراهِيمُ وَهِمَ أمْ عَلْقَمَةُ، قَالَ: قِيلَ: يَا رسُولَ الله أقَصُرَتِ الصَّلاةُ أمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟) قالُوا: صَليْتَ كَذَا وكَذَا، قَالَ: فَسَجدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: (هاتانِ السَّجْدَتانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زادَ فِي صَلاتِهِ أمْ نَقَصَ، فَيَتَحَرَّى الصَّوابَ فَيتُمَّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أم نسيت) وَلَكِن بالتعسف، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: ذكر هَذَا الحَدِيث بطرِيق الاستطراد للْحَدِيث السَّابِق.
وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه.
قَوْله: (سمع عبد الْعَزِيز) تَقْدِيره أَنه سمع عبد الْعَزِيز، وعادتهم أَنهم يسقطون مثل هَذَا فِي الْخط فِي بعض الأحيان، وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن عبد الصَّمد الْعمي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم الْبَصْرِيّ.
قلت: الْعمي نَوْعَانِ: الأول: مَنْسُوب إِلَى قَبيلَة عَم من بني تيم وَفِيهِمْ كَثْرَة. وَالثَّانِي: لقب زيد بن الْحوَاري لقب بِهِ لِأَنَّهُ كلما كَانَ يُسأل عَن شَيْء قَالَ: حَتَّى أسأَل عمي. وَأما عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور فَالظَّاهِر أَنه مَنْسُوب إِلَى عَم الْقَبِيلَة، وَقد ذكر ابْن مَاكُولَا جمَاعَة ينسبون إِلَى عَم، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس.
والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة، قَالَ: قَالَ عبد الله: صلى النَّبِي ﷺ ...
قَوْله: (فَزَاد أَو نقص) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (قَالَ مَنْصُور: لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيم وهم) أَي: فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان قَوْله: (أم عَلْقَمَة) أَي: أَو وهم عَلْقَمَة، وَهُوَ بِفَتْح الْهَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: ووهمت فِي الْحساب أوهم أَي: غَلطت وسهوت، وهمت فِي الشَّيْء بِالْفَتْح أوهم وهما إِذا ذهب وهمك إِلَيْهِ وَأَنت تُرِيدُ غَيره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لفظ أقصرت صَرِيح فِي أَنه نقص.
قلت: هَذَا خلط من الرَّاوِي وَجمع بَين الْحَدِيثين، وَقد فرق بَينهمَا على الصَّوَاب فِي كتاب الصَّلَاة قَالَ فِي: بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة: عَن مَنْصُور عَن إبرايهم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ إِبْرَاهِيم: لَا أَدْرِي زَاد أَو نقص، فَلَمَّا سلم قيل لَهُ يَا رَسُول الله أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء؟ قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالُوا: صليت كَذَا ... إِلَى آخِره. وَقَالَ فِي: بَاب سُجُود السَّهْو، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ انْصَرف من اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أقصرت الصَّلَاة أم نسيت؟ وَيحْتَمل أَن يُجَاب بِأَن المُرَاد من الْقصر لَازمه وَهُوَ التَّغَيُّر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أغيرت الصَّلَاة عَن وَضعهَا؟ انْتهى.
قلت: فِي رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم: لَا أَدْرِي أزاد أَو نقص. فَجزم بِأَن إِبْرَاهِيم هُوَ الَّذِي تردد، وَهَذَا يدل على أَن منصوراً حِين حدثت عبد الْعَزِيز كَانَ متردداً هَل عَلْقَمَة قَالَ ذَلِك أَو إِبْرَاهِيم؟ وَحين حدت جَرِيرًا كَانَ جَازِمًا بإبرهيم. قَوْله: (يتحَرَّى) أَي: يجْتَهد فِي تَحْقِيق الْحق بِأَن يَأْخُذ بِالْأَقَلِّ لَهُ.
٢٧٦٦ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حدّثنا عُمرُو بنُ دِينارٍ أَخْبرنِي سعَيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ ل ابنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ: حدّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْب أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرى عُسْراً) قَالَ: كانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسى ﵇ نِسْياناً.
стр. 7014
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي مُجَرّد ذكر النسْيَان من غير قَيده بِشَيْء.
والْحميدِي عبد الله بن الزبير نسب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (قلت لِابْنِ عَبَّاس) ، مقوله مَحْذُوف تَقْدِيره: قلت لِابْنِ عَبَّاس: حَدثنَا عَن معنى هَذِه الْآيَة، أَو: حَدثنَا مُطلقًا فَقَالَ: حَدثنَا أبي بن كَعْب أَنه سمع رَسُول الله ﷺ قَالَ ... إِلَى آخِره، وَقد حذف البُخَارِيّ هُنَا أَكثر الحَدِيث فِي قصَّة مُوسَى مَعَ الْخضر ﵉، وَقد مرت بِهَذَا السَّنَد فِي تَفْسِير سُورَة الْكَهْف، وَمَرَّتْ أَيْضا فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْخُرُوج فِي طلب الْعلم.
٣٧٦٦ - قَالَ أبُو عَبْدِ الله: كَتَبَ إلَيَّ مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدّثنا مُعاذُ بنُ مُعاذٍ حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ البَراءُ بنُ عازِبٍ: وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لهُمْ فأمَرَ أهْلَهُ أنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أنْ يَرْجعَ لِيَأكُلَ ضَيْفُهُمْ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلاةِ، فَذَكَرُوا ذالِكَ للنبيِّ ﷺ فأمَرَهُ أنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله عِنْدِي عَناقٌ جَذَعٌ عَنَاقُ لبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شاتَيْ لَحْمٍ، فَكانَ ابنُ عَوْنٍ يَقِف فِي هَذَا المكانِ عنْ حَديثِ الشّعْبِيِّ. ويُحَدِّثُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سيرِينَ بِمِثْلِ هاذَا الحَدِيث، ويَقِفُ فِي هاذا المَكانِ ويَقُولُ: لَا أدْرِي أبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أمْ لَا.
رَواهُ أيُّوبَ عنِ ابنِ سِيرينَ عنْ أنَس عنِ النبيِّ ﷺ . بو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (كتب إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء، وَمُحَمّد بن بشار فَاعل كتب.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِصِيغَة الْمُكَاتبَة لم يَقع لَهُ إلاّ فِي هَذَا الْموضع. وَقَالَ المحدثون. الْمُكَاتبَة بِأَن يكْتب إِلَيْهِ بِشَيْء من حَدِيثه. قيل: هُوَ كالمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ فَإِنَّهَا كالسماع عِنْد الْكثير، وَجوز بَعضهم فِيهَا أَن يَقُول: أخبرنَا وَحدثنَا مُطلقًا. وَالْأَحْسَن تَقْيِيده بِالْكِتَابَةِ.
قَوْله: (حَدثنَا معَاذ) هُوَ الْمَكْتُوب لَهُ، ومعاذ بن معَاذ بِضَم الْمِيم فيهمَا، وَابْن عون هُوَ مُحَمَّد بن عون بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل قَوْله قَالَ قَالَ الْبَراء بن عَازِب أَي قَالَ الشّعبِيّ قَالَ الْبَراء ظَاهر هَذَا يدل على أَن هَذِه الْقِصَّة وَقعت للبراء بن عَازِب، وَلَكِن وَقع فِيمَا تقدم فِي كتاب الْعِيد أَن الْآمِر بِالذبْحِ هُوَ أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء ابْن نيار بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء، كَذَا رَوَاهُ زبيد عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء، فَذكر الحَدِيث وَفِيه: فَقَامَ أَبُو بردة بن نيار وَقد ذبح، فَقَالَ: إِن عِنْدِي جَذَعَة ... الحَدِيث. وروى من طَرِيق مطرف عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء فَقَالَ: ضحى خَال لي يُقَال لَهُ: أَبُو بردة، قبل الصَّلَاة، ووفق الْكرْمَانِي هَذَا بقوله: بِأَن أَبَا بردة خَال الْبَراء كَانُوا أهل بَيت وَاحِد، فَتَارَة نسب الْبَراء إِلَى نَفسه وَتارَة إِلَى خَاله. وَقَالَ غَيره: لَوْلَا اتِّحَاد مخرج الحَدِيث والسند من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن الْبَراء لَكَانَ يحمل على التَّعَدُّد، وَالِاخْتِلَاف فِيهِ من الروَاة عَن الشّعبِيّ. قَوْله: (قبل أَن يرجع) فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: قبل أَن يرجعهم، وَالْمرَاد قبل أَن يرجع إِلَيْهِم. قَوْله: (ضيفهم) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل. (ليَأْكُل) قَوْله: (فَذكرُوا ذَلِك) أَي: ذبحم قبل الصَّلَاة قَوْله: فَأمره أَي: فَأمره رَسُول الله ﷺ ، الْبَراء أَن يُعِيد الذّبْح بِكَسْر الذَّال، وَقَالَ ابْن التِّين: كَذَا روينَاهُ: الذّبْح، بِالْكَسْرِ وَهُوَ مَا يذبح وبالفتح مصدر ذبحت. قَوْله: (عِنْدِي عنَاق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَهُوَ الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْمعز. قَوْله: (جذع) بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة وَهِي الطاعنة فِي السّنة الثَّانِيَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْجذع من الْإِبِل مَا طعن فِي السّنة الْخَامِسَة وَمن الْبَقر والمعز مَا دخل فِي السّنة الثَّانِيَة، وَقيل: الْبَقر فِي الثَّالِثَة، وَمن الضَّأْن مَا تمت لَهُ سنة. وَقيل: أقل مِنْهَا. وَمِنْهُم من يُخَالف بعض هَذَا التَّقْدِير. قَوْله: (عنَاق لبن) بِالْإِضَافَة وبالرفع لِأَنَّهُ بدل من قَوْله: (عنَاق) وَقَوله: (جذع) بِالرَّفْع صفة لعناق. قَوْله: (خير) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ خير من شاتي لحم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْأَضَاحِي. قَوْله: (فَكَانَ ابْن عون) هُوَ مُحَمَّد بن عون الرَّاوِي (يقف فِي هَذَا الْمَكَان عَن حَدِيث الشّعبِيّ) أَي: يتْرك تكملته وَيَقُول: لَا أَدْرِي أبلغت الرُّخْصَة وَهِي قَوْله ﷺ : ضح بالعناق الَّذِي عنْدك. قَوْله: (غَيره) أَي: غير الْبَراء. وَقد مر فِي الْأَضَاحِي فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ ، لأبي بردة: ضح الْجذع
стр. 7015
من الْمعز وَلنْ تجزىء عَن أحد بعْدك. وَلَفظ الحَدِيث: إذبحها وَلنْ تصلح لغيرك، وَفِي رِوَايَة: وَلنْ تجزى عَن أحد بعْدك.
قَوْله: (وَرَوَاهُ أَيُّوب) أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَصله البُخَارِيّ فِي أَوَائِل الْأَضَاحِي عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أنس بن مَالك ... الحَدِيث.
٤٧٦٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً قَالَ: شَهِدْتُ النبيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ ثُمَّ خَطَبَ، ثمَّ قَالَ: (مَنْ ذَبحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكانَها، ومَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ باسْمِ الله) .
مُطَابقَة هَذَا للْحَدِيث الَّذِي قبله ظَاهِرَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُنَاسبَة حَدِيث الْبَراء وجندب للتَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى التَّسْوِيَة بَين الْجَاهِل بالحكم وَالنَّاسِي فِي وَقت الذّبْح.
وَالْأسود بن قيس الْعَبْدي أَبُو قيس الْكُوفِي، وجندب بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن سُفْيَان البَجلِيّ.
وَمضى الحَدِيث فِي الْعِيدَيْنِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْأَضَاحِي عَن آدم، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن حَفْص بن عَمْرو، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٦١ - (بابُ اليَمِينِ الغَمُوسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْيَمين الْغمُوس بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة على وزن فعول بِمَعْنى فَاعل لِأَنَّهَا تغمس صَاحبهَا فِي الْإِثْم فِي الدُّنْيَا وَفِي النَّار فِي الْآخِرَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ على وزن فعول للْمُبَالَغَة، وَقيل: الأَصْل فِي ذَلِك أَنهم كَانُوا إِذا أَرَادوا أَن يتعاهدوا أحضروا جَفْنَة فَجعلُوا فِيهَا طيبا أَو رَمَادا أَو وردا ثمَّ يحلفُونَ عِنْدَمَا يدْخلُونَ أَيْديهم فِيهَا ليتم لَهُم المُرَاد من ذَلِك بتأكيد مَا أَرَادوا، فسميت تِلْكَ الْيَمين إِذا غدر حالفها غموساً لكَونه بَالغ فِي نقض الْعَهْد، وَقَالَ بَعضهم: وَكَأَنَّهَا على هَذَا بِمَعْنى مفعول لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة من الْيَد المغموسة. انْتهى.
قلت: هَذَا تصرف من لَيْسَ لَهُ ذوق من الْعَرَبيَّة، وَهِي على هَذَا القَوْل مَأْخُوذَة من غمس الْيَد لَا من الْيَد، وَهِي على هَذَا أَيْضا بِمَعْنى فَاعل على مَا لَا يخفى على الفطن، واليميين الْغمُوس عِنْد الْفُقَهَاء هِيَ أَن يحلف الرجل عَن الشَّيْء وَهُوَ يعلم أَنه كَاذِب ليرضى بذلك أحدا، أَو ليعتذر أَو ليقتطع بهَا مَالا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: حلف الرجل على أَمر ماضٍ كذبا عَامِدًا غموس وظاناً على أَن الْأَمر كَمَا قَالَ لَغْو،
وَاخْتلفُوا فِي حكمهَا. فَقَالَ ابْن الْبر: أَكثر أهل الْعلم لَا يرَوْنَ فِي الْغمُوس كَفَّارَة، وَنَقله ابْن بطال أَيْضا عَن جهمور الْعلمَاء، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك وَمن تبعه من أهل الْمَدِينَة وَالْأَوْزَاعِيّ فِي أهل الشَّام وَالثَّوْري وَسَائِر أهل الْكُوفَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَأَصْحَاب الحَدِيث، وَقَالَ الشَّافِعِي: فِيهَا الْكَفَّارَة، وَبِه قَالَ طَائِفَة من التَّابِعين.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم فتزل قدم بعد ثُبُوتهَا وتذوقوا السوء بِمَا صددتم عَن سَبِيل الله وَلكم عَذَاب عَظِيم﴾ (النَّحْل: ٤٩) دَخَلاً: مَكْراً وخيانَةً.
وَجه ذكر هَذِه الْآيَة للْيَمِين الْغمُوس وُرُود الْوَعيد على من حلف كَاذِبًا مُتَعَمدا، وَهَذِه الْآيَة كلهَا سيقت فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (بعد ثُبُوتهَا) . قَوْله: (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانكُم دخلا) نَهَاهُم الله تَعَالَى عَن اتِّخَاذ أَيْمَانهم دخلا، وَيَجِيء تَفْسِيره الْآن، وَقَالَ مُجَاهِد: كَانُوا يحالفون الحلفاء فيجدون أَكثر مِنْهُم وأعز فينقضون حلف هَؤُلَاءِ يحالفون الْأَكْثَر فنهوا عَن ذَلِك. قَوْله: (فتزل قدم بعد ثُبُوتهَا) أَي: فتزل أقدامكم عَن محجة الْإِسْلَام بعد ثُبُوتهَا عَلَيْهَا. قَوْله: (وتذوقوا السوء) أَي: فِي الدُّنْيَا. قَوْله: (بِمَا صددتم) أَي: بِسَبَب صدودكم عَن سَبِيل الله. وَهُوَ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام. قَوْله: (وَلكم عَذَاب عَظِيم) يَعْنِي: فِي الْآخِرَة. قَوْله: دخلا، مكراً وخيانه. تسفير قَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ: خِيَانَة وغدراً، وَقَالَ أَبُو عبيد: الدخل كل أَمر كَانَ على فَسَاد.
стр. 7016
٧١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا أولائك لَا خلاق لَهُم فِي الأخرة وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم أَن تبروا وتتقوا وتصلحوا بَين النَّاس وَالله سميع عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٢٢) وقوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلَا تشتروا بِعَهْد الله ثمنا قَلِيلا إِن مَا عِنْد الله خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ (النَّحْل: ٥٩) ﴿وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهذتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا﴾ (النَّحْل: ١٩)
ترْجم البُخَارِيّ بِهَذِهِ الْآيَات إِشَارَة إِلَى أَن الْيَمين الْغمُوس لَا كَفَّارَة فِيهَا لِأَنَّهَا لم تذكر فِيهَا، وَلذَلِك ذكر حَدِيث الْبَاب، أَعنِي: حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود عقيب ذكر هَذِه الْآيَات، وَهُوَ وَجه الْمُنَاسبَة أَيْضا بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله. وَقَالَ ابْن بطال: وبهذه الْآيَات والْحَدِيث احْتج الْجُمْهُور على أَن الْغمُوس لَا كَفَّارَة فِيهَا، لِأَنَّهُ ﷺ ذكر فِي هَذِه الْيَمين الْمَقْصُود بهَا الْحِنْث والعصيان والعقوبة وَالْإِثْم وَلم يذكر فِيهَا كَفَّارَة. وَلَو كَانَت لذكرت كَمَا ذكرت فِي الْيَمين المعقودة. فَقَالَ (فليكفر عَن يَمِينه وليأت الَّذِي هُوَ خير) . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم سنة تدل على قَول من أوجب فِيهَا الْكَفَّارَة، بل هِيَ دَالَّة على قَول من لم يُوجِبهَا. قلت: هَذَا كُله حجَّة على الشَّافِعِيَّة. قَوْله: قَول الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ﴾ ... الْآيَة كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وسَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة الْآيَة بِتَمَامِهَا إِلَى قَوْله: ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْأَشْعَث بن قيس خَاصم بعض الهيود فِي أَرض فَجحد الْيَهُودِيّ فقدمه إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (أَلَك بَيِّنَة؟) قَالَ: لَا. قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: (أتحلف؟) قَالَ أَشْعَث: إِذا يحلف فَيذْهب مَالِي، وَيَجِيء الْآن هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ ابْن كثير. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ﴾ أَي: يعتاضون عَمَّا هدَاهُم الله عَلَيْهِ من اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ وَذكر صفته للنَّاس وَبَيَان أمره عَن أَيْمَانهم الكاذبة الْفَاجِرَة الآثمة بالأثمان القليلة وَهِي عرُوض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الفانية الزائلة. قَوْله: (أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم) فِيهَا ولاحظ لَهُم مِنْهَا. قَوْله: (وَلَا يكلمهم الله) قَالُوا: إِن كَانُوا كفَّارًا فَلَا يكلمهم الله أصلا، وَإِن كَانُوا من العصاة فَلَا يسرهم الله وَلَا يَنْفَعهُمْ. قَوْله: (وَلَا ينظر إِلَيْهِم) أَي: وَلَا يرحمهم وَلَا يعْطف عَلَيْهِم. قَوْله: (وَلَا يزكيهم) أَي: وَلَا يثني عَلَيْهِم. وَاحْتج بِهَذِهِ الْآيَة بعض الْمَالِكِيَّة على أَن الْعَهْد يَمِين وَكَذَلِكَ الْمِيثَاق وَالْكَفَالَة. قَوْله: (قَوْله : ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم﴾ ) وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضه﴾ وَفِي رِوَايَة غَيره: وَقَوله جلّ ذكره. قَالَ النَّسَفِيّ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين حلف أَن لَا يصل ابْنه عبد الرَّحْمَن حَتَّى يسلم، وَقيل: نزلت فِي عبد الله بن رَوَاحَة، ذَلِك أَنه حلف أَن لَا يدْخل على ختنه وَلَا يكلمهُ.
стр. 7017
قَوْله: ﴿عرضة﴾ أَي عِلّة مَانِعَة لكم من الْبر وَالتَّقوى والإصلاح فَإِن تحلفُوا أَن لَا تَفعلُوا ذَلِك فتعللوا بهَا أَو تَقولُوا: حلفنا وَلم تحلفُوا بِهِ، وعرضة على وزن فعلة من الِاعْتِرَاض، والمعترض بَين الشَّيْئَيْنِ مَانع. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: عرضة، أَي حجَّة. ﴿أَن تبروا﴾ أَي: على أَن لَا تبروا. وَكلمَة: لَا، مضمرة فِيهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ (النِّسَاء: ٦٧١) وَيُقَال: كَرَاهَة أَن تبروا. وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير: هُوَ الرجل يحلف أَن لَا يبر وَلَا يُصَلِّي وَلَا يصلح. فَيُقَال لَهُ فِيهِ، فَيَقُول: قد حَلَفت. قَوْله: ﴿وَلَا تشتروا بِعَهْد الله ثمنا قَلِيلا﴾ (النَّحْل: ٥٩) إِلَى قَوْله: ﴿كَفِيلا﴾ بِتَمَامِهِ وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَسقط جَمِيعه لغيره، وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على تَأْكِيد الْوَفَاء بالعهد لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها﴾ (النَّحْل: ١٩) وَلم يتَقَدَّم غير ذكر الْعَهْد. قَوْله: ﴿وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا﴾ (النَّحْل: ٩) أَي: شَهِيد فِي الْعَهْد، هَكَذَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير وَعَن مُجَاهِد. يَعْنِي: وَكيلا، أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ.
٦٧٦٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبان) .
فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذالِكَ ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد. . ثمنا قَلِيلا﴾ (آل عمرَان: ٧٧) إِلَى آخِرِ الآيَةِ. َلَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ؟ فقالُوا: كَذا وكَذا. قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْضِ ابنِ عَمٍّ لِي، فأتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَقَالَ: (بَيْنَتُكَ أوْ يَمِينُهُ) قُلْتُ: إِذا يَحْلِفَ عَلَيْها يَا رسولَ الله! فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلى يَمِينٍ صَبْرٍ وهْوَ فِيها فاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امرِىءٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله يَوْمَ القِيامَةِ وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ الْآيَة الأولى ظَاهِرَة. وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو الوضاح الْيَشْكُرِي، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث قد مضى فِي الشّرْب فِي: بَاب الْخُصُومَة فِي الْبِئْر وَالْقَضَاء فِيهَا، فَإِنَّهُ أخرج هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق. . إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (على يَمِين صَبر) بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي الَّتِي يلْزم وَيجْبر عَلَيْهَا حالفها، وَيُقَال: هِيَ أَن يحبس السُّلْطَان رجلا على يَمِين حَتَّى يحلف بهَا، يُقَال: صبرت يَمِيني أَي: حَلَفت بِاللَّه، وأصل الصَّبْر الْحَبْس، وَمَعْنَاهُ: مَا يجْبر عَلَيْهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ: وَأَن يُوقف حَتَّى يحلف على رُؤُوس النَّاس. قَوْله: (وَهُوَ فِيهَا) الْوَاو للْحَال قَوْله: (فَاجر) أَي: كَاذِب، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَعْمَش: فِيهَا، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: عَلَيْهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة شُعْبَة: على يَمِين كَاذِبًا. قَوْله: (يقتطع) حَال، وَفِي رِوَايَة حجاج بن منهال: ليقتطع، بِزِيَادَة لَام التَّعْلِيل، ويقتطع يفتعل من الْقطع كَأَنَّهُ يقطعهُ عَن صَاحبه أَو يَأْخُذ قِطْعَة من مَاله بِالْحلف الْمَذْكُور. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ) الْوَاو للْحَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَهُوَ عَنهُ معرض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، ألَاّ لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة عِنْد مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي نَحْو هَذَا الحَدِيث. فقد أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة، وَفِي حَدِيث عمرَان عِنْد أبي دَاوُد: فَليَتَبَوَّأ بِوَجْهِهِ مَقْعَده من النَّار. قَوْله: (فَأنْزل الله تَصْدِيق ذَلِك) أَي: تَصْدِيق قَوْله ﷺ . فَإِن قلت: قد تقدم فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان أَنَّهَا نزلت فِيمَن أَقَامَ سلْعَته بعد الْعَصْر، فَحلف كَاذِبًا.
قلت: يجوز أَن تكون نزلت فِي الْأَمريْنِ مَعًا فِي وَقت وَاحِد، وَاللَّفْظ عَام متناول للقضيتين ولغيرهما. قَوْله: (مَا حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن) ؟ هُوَ كنية عبد الله بن مَسْعُود. فَإِن قلت: هُنَا: فَدخل الْأَشْعَث بن قيس، وَفِي رِوَايَة فِي كتاب الرَّهْن: ثمَّ إِن الْأَشْعَث بن قيس خرج إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن.
قلت: الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يُقَال: إِنَّه خرج عَلَيْهِم من مَكَان كَانَ فِيهِ فَدخل الْمَكَان الَّذِي كَانُوا فِيهِ. فَإِن قلت: سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام فِي رِوَايَة الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش وَمَنْصُور جَمِيعًا: فجَاء الْأَشْعَث وَعبد الله يُحَدِّثهُمْ.
قلت: التَّوْفِيق هُنَا أَن يُقَال: إِن خُرُوج الْأَشْعَث من مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ إِلَى الْمَكَان الَّذِي كَانَ فِيهِ عبد الله وَقع وَعبد الله يُحَدِّثهُمْ، فَلَعَلَّ الْأَشْعَث تشاغل بِشَيْء فَلم
стр. 7018
يدْرك بِحَدِيث عبد الله، فَسَأَلَ أَصْحَابه بقوله: (مَا حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن؟) قَوْله: (فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا) ويروى: قَالُوا، بِدُونِ الْفَاء، وَفِي رِوَايَة جرير: فَحَدَّثنَاهُ يَعْنِي الْأَشْعَث، وبيَّن شُعْبَة فِي رِوَايَته أَن الَّذِي حَدثهُ بِمَا حَدثهمْ بِهِ عبد الله بن مَسْعُود هُوَ أَبُو وَائِل الرَّاوِي شَقِيق بن سَلمَة. فَإِن قلت: قد مر فِي الْأَشْخَاص: قَالَ: فلقيني الْأَشْعَث بن قيس فَقَالَ: مَا حَدثكُمْ عبد الله الْيَوْم؟ .
قلت: كَذَا وَكَذَا.
قلت: لَيْسَ بَين الرِّوَايَتَيْنِ مُنَافَاة لِأَنَّهُ إِنَّمَا أفرده فِي هَذِه الرِّوَايَة لكَونه الْمُجيب. قَوْله: (قَالَ: فِي أنزلت) أَي: قَالَ الْأَشْعَث، فِي أنزلت هَذِه الْآيَة، وَكلمَة: فِي، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (كَانَت لي بِئْر) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني: كَانَت، بالتأنيث، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ بالتذكير. قَوْله: (كَانَت لي بِئْر) فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: أَرض، وَادّعى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الشّرْب أَن أَبَا حَمْزَة تفرد بقوله: فِي بِئْر، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فقدوا فقه أَبُو عوَانَة كَمَا ترى، وَكَذَا وَقع عِنْد أَحْمد من رِوَايَة عَاصِم عَن شَقِيق: فِي بِئْر، وَوَقع فِي رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور: فِي شَيْء. قَوْله: (ابْن عَم لي) كَذَا وَقع للأكثرين أَن الْخُصُومَة كَانَت فِي بِئْر يدعيها الْأَشْعَث فِي أَرض لخصمه. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: كَانَ بيني وَبَين رجل من الْيَهُود أَرض فجحدني.
قلت: المُرَاد أَرض الْبِئْر لَا جَمِيع الأَرْض الَّتِي من جُمْلَتهَا أَرض الْبِئْر، وَلَا مُنَافَاة بَين قَوْله: ابْن عَم لي، وَبَين قَوْله: من الْيَهُود، لِأَن جمَاعَة من أهل الْيمن كَانُوا يهوداً، وَلما غلب يُوسُف ذُو نواس على الْيمن وطرد عَنْهَا الْحَبَشَة فجَاء الْإِسْلَام وهم على ذَلِك، وَقد أخرج الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الشّعبِيّ عَن الْأَشْعَث قَالَ: خَاصم رجل من المخضرمين رجلا منا يُقَال لَهُ: الخفشيش إِلَى النَّبِي ﷺ فِي أَرض لَهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ للمخضرم، جىء بشهودك على حَقك وإلَاّ حلف لَك ... الحَدِيث، وَهَذَا مُخَالف لسياق مَا فِي الصَّحِيح، فَإِن كَانَ ثَابتا حمل على تعدد الْقَضِيَّة. قَوْله: (بينتك) بِالنّصب أَي: أحضر أَو أطلب بينتك، بِالنّصب ويروى: بِالرَّفْع، أَي: الْمَطْلُوب بينتك. أَو يَمِينه إِن لم تكن لَك بَيِّنَة، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: وَقَالَ: أَلَك بَيِّنَة؟ .
قلت: لَا. فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِف. وَفِي رِوَايَة أبي حَمْزَة: فَقَالَ: أَلَك شُهُود؟ .
قلت: مَا لي شُهُود. قَالَ: فيمينه. وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَن مُسلم: أَلَك عَلَيْهِ بَيِّنَة؟ وَفِي رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور: شَاهِدَاك أَو يَمِينه. قَوْله: (إِذا يحلف) جَوَاب وَجَزَاء بِنصب يحلف.
٨١ - (بابُ اليَمِينِ فِيما لَا يَمْلِكُ وَفِي المَعْصِيَةِ وَفِي الغَضَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْيَمين فِيمَا لَا يملكهُ الْحَالِف، وَفِي الْيَمين فِي الْمعْصِيَة وَفِي الْيَمين فِي حَالَة الْغَضَب، فَذكر ثَلَاثَة أَحَادِيث لكل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة حَدِيثا على التَّرْتِيب، يفهم حكم كل وَاحِد من كل وَاحِد من الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة.
٨٧٦٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ العلاءِ حدّثنا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْد عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: أرْسَلَنِي أصْحابي إِلَى النبيِّ ﷺ أسألُهُ الحُمْلَانَ. فَقَالَ: (وَالله لَا أحْمِلُكُمْ عَلى شَيْءٍ) ووافقْتُهُ وهْوَ غَضْبانُ، فلمَّا أتَيْتُهُ قَالَ: (أنْطَلِقْ إِلَى أصْحابِكَ فَقُلْ: إنَّ الله أوْ: إنَّ رسولَ الله ﷺ يَحْمِلُكُمْ) .
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة وَهُوَ الْيَمين فِيمَا لَا يملك.
وَهَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد مر فِي أول: بَاب غَزْوَة تَبُوك فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي أُسَامَة عَن بريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن عبد الله بن أبي بردة اسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وبريد هَذَا يروي عَن جده أبي بردة، وَأَبُو بردة يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى، وَهنا اخْتَصَرَهُ، وَحَاصِل الْكَلَام أَن النَّبِي ﷺ حلف أَن لَا يحملهم وَلم يكن مَالِكًا لما سَأَلُوهُ فِي ذَلِك الْوَقْت، ثمَّ أرسل بِلَالًا وَرَاء أبي مُوسَى وَأَعْطَاهُ سِتَّة أَبْعِرَة، ثمَّ إِنَّه ﷺ حذر عَن يَمِينه فَدلَّ هَذَا على انْعِقَاد يَمِينه. وَقَالَ ابْن بطال: وَمِثَال هَذَا أَن يحلف رجل على أَن لَا يهب أَو لَا يتَصَدَّق أَو لَا يعْتق وَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة لَا يملك شَيْئا من ذَلِك، ثمَّ حصل لَهُ مَال بعد ذَلِك فوهب أَو تصدق أَو أعتق، فَعِنْدَ جمَاعَة الْفُقَهَاء: تلْزمهُ الْكَفَّارَة كَمَا فعل الشَّارِع بالأشعريين أَنه حلل عَن يَمِينه وأتى بِالَّذِي هُوَ خير، وَلَو حلف أَن لَا يهب أَو لَا يتَصَدَّق مَا دَامَ معدماً وَجعل
стр. 7019
الْعَدَم عِلّة لامتناعه من ذَلِك، ثمَّ حصل لَهُ مَال بعد ذَلِك لم يلْزمه عِنْد الْفُقَهَاء كَفَّارَة إِن وهب أَو تصدق، لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقع يَمِينه على حَالَة الْعَدَم لَا على حَالَة الْوُجُود. وَفِي (التَّوْضِيح) : إِذا حلف الرجل بِعِتْق مَا لَا يملك إِن ملكه فِي الْمُسْتَقْبل؟ فَقَالَ مَالك: إِن عين أحدا أَو قَبيلَة أَو جِنْسا لزمَه الْعتْق، وَإِن قَالَ: كل مَمْلُوك أملكهُ أبدا حر، لم يلْزمه عتق، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاق إِن عين قَبيلَة أَو بَلْدَة أَو صفة مَا لزمَه الْحِنْث، وَإِن لم يعين لم يلْزمه. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: يلْزمه الطَّلَاق وَالْعِتْق سَوَاء عَم أَو خص. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يلْزمه خص أَو عَم.
قَوْله: (أسأله الحملان) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَهُوَ مَا يحمل عَلَيْهِ من الدَّوَابّ فِي الْهِبَة خَاصَّة قَوْله: (وَالله) معترض بَين القَوْل ومقوله. قَوْله: (ووافقته) أَي: النَّبِي ﷺ ، وَالْحَال أَنه غَضْبَان، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء يلزمون الغاضب الْكَفَّارَة ويجعلون غَضَبه مؤكداً ليمينه، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: أَن الغضبان يَمِينه لَغْو وَلَا كَفَّارَة فِيهَا. وَرُوِيَ عَن مَسْرُوق وَالشعْبِيّ وَجَمَاعَة: أَن الغضبان لَا يلْزمه شَيْء لإِطْلَاق وَلَا عتاق، وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ : لَا طَلَاق فِي إغلاق وَلَا عتق قبل ملك. وَفِي حَدِيث الْأَشْعَرِيين رد لهَذِهِ الْمقَالة لِأَن الشَّارِع حلف وَهُوَ غاضب ثمَّ قَالَ: وَالله لَا أَحْلف على يَمِين) الحَدِيث. وَأما حَدِيث: (لَا طَلَاق فِي إغلاق) فَلَيْسَ بِثَابِت وَلَا مِمَّا يُعَارض بِهِ مثل حَدِيث الْأَشْعَرِيين وَنَحْوه.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه واستدركه الْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم. أَخْرجُوهُ من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: أَظُنهُ فِي الْغَضَب، وَقَالَ غَيره: الإغلاق الْإِكْرَاه وَالْمَحْفُوظ: إغلاق، كَمَا هُوَ لفظ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم، وَلَفظ أبي دَاوُد: غلاق، وَأما حَدِيث: (لَا عتق قبل ملك) ، فَهُوَ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: (لَا طَلَاق إلَاّ فِيمَا يملك) رَوَاهُ الْأَرْبَعَة وَالْحَاكِم، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن، وَتَأَول المدنيون والكوفيون الإغلاق على الْإِكْرَاه. قَوْله: (فَلَمَّا أَتَيْته) أَي: النَّبِي ﷺ ، أَي: مرّة أُخْرَى بعد ذَلِك.
٩٧٦٦ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ إبْرَاهِيمُ عنْ صالِحٍ عنِ ابْن شِهابٍ.
(ح) وحدّثنا الحَجَّاجُ حدّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حدّثنا يُونُسُ بنُ يَزِيَد الأيْلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ ابنَ الزُّبَيْر وسَعيدَ بنَ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةَ بنَ وقَّاصٍ وعُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنْ حَدِيثٍ عائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النبيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَها أهْلُ الإفْكِ مَا قالُوا، فَبَرَّأها الله ممَّا قالُوا، كُلٌّ حدّثني طائِفَةً مِن الحَدِيثِ، فأنْزَلَ الله ﴿إِن الَّذين جاؤوا بالإفك﴾ (النُّور: ١١)
العَشْرَ الآياتِ كلَّها فِي بَرَاءَتِي، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وكانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ: وَالله لَا أُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ شَيْئاً أبَداً بَعْدَ الّذِي قَالَ لِعائِشَة، فأنْزَل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة أَو يؤتوا ولي الْقُرْبَى﴾ (النُّور: ٢٢) الْآيَة. قَالَ أبُو بَكْرٍ: بلَى وَالله إنِّي لأُحبُّ أنُ يَغْفِرَ الله لي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفْقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَالله لَا أنْزِعُها عنْهُ أبَداً.
مطابقته للجزء الثَّانِي: للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالله لَا أنْفق على مسطح شَيْئا أبدا) وَهُوَ مُطَابق لترك الْيَمين فِي الْمعْصِيَة لِأَنَّهُ حلف أَن لَا ينفع مسطحًا أبدا لكَلَامه فِي عَائِشَة، فَكَانَ حَالفا على ترك طَاعَة فنهي عَن الِاسْتِمْرَار على مَا حلف عَلَيْهِ، فَيكون النَّهْي عَن الْحلف على فعل الْمعْصِيَة بطرِيق الأولى.
ثمَّ إِنَّه أخرج هَذِه الْقطعَة من حَدِيث الْإِفْك المطول من طَرِيقين: الأول: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. وَالثَّانِي: عَن حجاج بن منهال عَن عبد الله بن عمر النميري بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، نِسْبَة إِلَى
стр. 7020
مَدِينَة أَيْلَة عل سَاحل بَحر القلزم مِمَّا يَلِي الشَّام، وَهِي الْيَوْم خرابة.
قَوْله: (وَطَائِفَة) أَي: قِطْعَة. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب حَدِيث الْإِفْك، فِي كتاب الْمَغَازِي.
٩٧٦٦ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ إبْرَاهِيمُ عنْ صالِحٍ عنِ ابْن شِهابٍ.
(ح) وحدّثنا الحَجَّاجُ حدّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حدّثنا يُونُسُ بنُ يَزِيَد الأيْلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ ابنَ الزُّبَيْر وسَعيدَ بنَ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةَ بنَ وقَّاصٍ وعُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنْ حَدِيثٍ عائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النبيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَها أهْلُ الإفْكِ مَا قالُوا، فَبَرَّأها الله ممَّا قالُوا، كُلٌّ حدّثني طائِفَةً مِن الحَدِيثِ، فأنْزَلَ الله ﴿إِن الَّذين جاؤوا بالإفك﴾ (النُّور: ١١)
العَشْرَ الآياتِ كلَّها فِي بَرَاءَتِي، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وكانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ: وَالله لَا أُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ شَيْئاً أبَداً بَعْدَ الّذِي قَالَ لِعائِشَة، فأنْزَل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة أَو يؤتوا ولي الْقُرْبَى﴾ (النُّور: ٢٢) الْآيَة. قَالَ أبُو بَكْرٍ: بلَى وَالله إنِّي لأُحبُّ أنُ يَغْفِرَ الله لي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفْقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَالله لَا أنْزِعُها عنْهُ أبَداً.
مطابقته للجزء الثَّانِي: للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالله لَا أنْفق على مسطح شَيْئا أبدا) وَهُوَ مُطَابق لترك الْيَمين فِي الْمعْصِيَة لِأَنَّهُ حلف أَن لَا ينفع مسطحًا أبدا لكَلَامه فِي عَائِشَة، فَكَانَ حَالفا على ترك طَاعَة فنهي عَن الِاسْتِمْرَار على مَا حلف عَلَيْهِ، فَيكون النَّهْي عَن الْحلف على فعل الْمعْصِيَة بطرِيق الأولى.
ثمَّ إِنَّه أخرج هَذِه الْقطعَة من حَدِيث الْإِفْك المطول من طَرِيقين: الأول: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. وَالثَّانِي: عَن حجاج بن منهال عَن عبد الله بن عمر النميري بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، نِسْبَة إِلَى مَدِينَة أَيْلَة عل سَاحل بَحر القلزم مِمَّا يَلِي الشَّام، وَهِي الْيَوْم خرابة.
قَوْله: (وَطَائِفَة) أَي: قِطْعَة. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب حَدِيث الْإِفْك، فِي كتاب الْمَغَازِي.
٠٨٦٦ - حدّثنا أبُو معْمَرٍ حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ حدّثنا أيُّوبُ عنِ القاسِمِ عنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ فَقال: أتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وهْوَ غَضْبانُ، فاسْتَحْمَلْناهُ فَحَلَف أنْ لَا يَحْمِلَنا، ثُمَّ قَالَ: (وَالله إنْ شاءَ الله لَا أحْلِف عَلى يَمِينٍ فَأرى غيْرِها خَيْراً مِنْها إلاّ أتَيْتُ الّذي هُوَ خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها) .
مطابقته للجزء الثَّالِث من التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فوافقته وَهُوَ غَضْبَان، فاستحملناه فَحلف أَن لَا يحملنا) وَقد مر الْكَلَام فِي حلف الغاضب عَن قريب فِي الحَدِيث الأول.
وَأخرجه عَن أبي معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو وَعَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن الْقَاسِم بن عَاصِم عَن زَهْدَم بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة ابْن مضرب الجرمى إِلَى آخِره ... وَقد مر هَذَا الحَدِيث بأتم مِنْهُ عَن قريب فِي، بَاب لَا تحلفُوا بأبائكم، فَإِنَّهُ أخرجه عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة وَالقَاسِم التَّمِيمِي عَن زَهْدَم ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٩١ - (بابٌ إِذا قَالَ: وَالله لَا أتَكَلُمُ اليَوْمَ، فَصَلَّى أوْ قَرَأ أوْ سَبَّحَ أوْ كَبَّرَ أوْ حَمِدَ أوْ هَلَّلَ، فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا قَالَ شخص: وَالله ... إِلَى آخِره، قَوْله: (فَهُوَ على نِيَّته) يَعْنِي: إِن قصد بالْكلَام مَا هُوَ كَلَام عرفا لَا يَحْنَث بِهَذِهِ الْأَذْكَار وَالْقِرَاءَة وَالصَّلَاة، وَإِن قصد الْأَعَمّ يَحْنَث بهَا، قَالَه الْكرْمَانِي وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَي إِذا كَانَت نِيَّته لَا يتَكَلَّم فِي شَيْء من أَمر الدُّنْيَا فَلَا حنث عَلَيْهِ إِذا سبح، وَقَالَ ابْن بطال: الْمَعْنى فِي الْحَالِف أَن لَا يتَكَلَّم الْيَوْم أَنه مَحْمُول على كَلَام النَّاس لَا على التِّلَاوَة وَالتَّسْبِيح، وَقَالَ أَصْحَابنَا: حلف أَن لَا يتَكَلَّم فَقَرَأَ الْقُرْآن فِي صلَاته أَو سبح لم يَحْنَث وَإِن قَرَأَ فِي غير الصَّلَاة يَحْنَث، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَالْقِيَاس أَن يَحْنَث فيهمَا. وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث إِن عقد الْيَمين بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَذَلِك، وَإِن عقدهَا بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَث إِذا قَرَأَ الْقُرْآن أَو سبح فِي غير صلَاته.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : (أفْضَلُ الكَلامِ أرْبَعٌ سُبْحانَ الله، والحَمْدِ لله، وَلَا إلاهَ إلاّ الله، وَالله أكْبَرُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن غَرَض البُخَارِيّ بَيَان أَن الْأَذْكَار وَنَحْوهَا كَلَام، وَكلمَة: فَيحنث بهَا، قيل: هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي لم يصلها البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر، وَقد وَصله النَّسَائِيّ من طَرِيق ضرار بن مرّة عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب لَكِن بِلَفْظ: أحب الْكَلَام، وَوجه أفضليته أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى جَمِيع صِفَات الله عدمية ووجودية إِجْمَالا، لِأَن التَّسْبِيح إِشَارَة إِلَى تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن النقائص والتحميد إِلَى وَصفه بالكمال. فَالْأول: فِيهِ النُّقْصَان وَالثَّانِي: فِيهِ إِثْبَات الْكَمَال وَالثَّالِث: إِلَى تَخْصِيص مَا هُوَ أصل الدّين وأساس الْإِيمَان، يَعْنِي: التَّوْحِيد وَالرَّابِع: إِلَى أَنه أكبر مِمَّا عَرفْنَاهُ، سُبْحَانَكَ مَا عرفناك حق معرفتك.
وَقَالَ أبُو سُفْيانَ: كَتَبَ النبيُّ ﷺ إِلَى هِرْقَلَ: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ (آل عمرَان: ٤٦) [/ ح.
أَبُو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة أَبُو مُعَاوِيَة، وَهَذَا طرف من حَدِيث طَوِيل أخرجه فِي أول الْكتاب وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الْإِشَارَة إِلَّا أَن لفظ الْكَلِمَة من بَاب إِطْلَاق الْبَعْض على الْكل، مثلا، إِذا أطلق لفظ: كلمة، على مثل: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله ... إِلَى آخِره، يكون المُرَاد مِنْهَا الْكَلَام، كَمَا يُقَال: كلمة التَّوْحِيد، وَهِي تشْتَمل على كَلِمَات.
وَقَالَ مُجاهدٌ: كَلِمَةُ التَّقْواى: لَا إلاهَ إلاّ الله
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ (الْفَتْح: ٦٢) أَي: لَا إِلَه إلَاّ الله، فَإِن لَا إل هـ إلَاّ الله كَلَام أطلق عَلَيْهِ الْكَلِمَة.
стр. 7021
١٨٦٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّب عنْ أبِيهِ قَالَ: لَ مَّا حَضَرَتْ أَبَا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ: (قُلْ: لَا إلاهَ إلاّ الله، كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بهَا عِنْدَ الله) .
الْكَلَام فِي ذكر هَذَا هُنَا مثل الْكَلَام الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فِيمَا قبله، فَإِنَّهُ أطلق على قَول: (لَا إِلَه إِلَّا الله) كلمة، وَهَذَا مُخْتَصر تقدم تَمَامه فِي قصَّة أبي طَالب فِي آخر كتاب فَضَائِل الصَّحَابَة.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَالْمُسَيب بِفَتْح الْيَاء وَكسرهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: هَذَا مِمَّا يبطل الْقَاعِدَة القائلة بِأَن شَرط البُخَارِيّ أَن لَا يروي عَن شخص حَتَّى يكون لَهُ راويان، وَلَيْسَ للمسيب إلَاّ راوٍ واحدٍ وَهُوَ ابْنه فَقَط.
قَوْله: (كلمة) بِالنّصب على أَنه فِي مَحل: لَا إل هـ إلَاّ الله، وَيجوز رَفعهَا على تَقْدِير: هِيَ كلمة. قَوْله: (أُحَاج) بِضَم الْهمزَة وَأَصله: احاجج، يَعْنِي: أظهر لَك بهَا الْحجَّة عِنْد الله يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.
٢٨٦٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ حدّثنا عمارَةُ بنُ القَعْقاعِ عنْ أبي زُرْعَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (كَلِمتَانِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ ثَقِيلتانِ فِي المِيزانِ حبِيبتانِ إِلَى الرَّحْمانِ: سُبْحانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ الله العَظِيمِ) . (انْظُر الحَدِيث ٦٠٤٦ وطرفه) .
الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِيمَا قبله. وَأَبُو زرْعَة هرم البَجلِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب فضل التَّسْبِيح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن ابْن فُضَيْل ... إِلَى آخِره نَحوه، وَسَيَجِيءُ فِي آخر الْكتاب عِنْد خَتمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣٨٦٦ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا عَبْدُ الواحِدِ حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ شَقِيقٍ عنْ عَبْدِ الله ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ كَلِمَةً وقُلْتُ أُخْرَى: (مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ وقُلْتُ أُخْرَى، مَنْ ماتَ لَا يَجْعَلُ لله نِدًّا أدْخِلَ الجَنَّةَ) . (انْظُر الحَدِيث ٨٣٢١ وطرفه) .
هُوَ أَيْضا مثل مَا قبله من إِطْلَاق الْكَلِمَة على الْكَلَام وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة أَبُو وَائِل، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (قَالَ رَسُول الله ﷺ ، كلمة) وَهِي قَوْله: (من مَاتَ وَهُوَ يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل النَّار) قَوْله: (وَقلت أُخْرَى) من كَلَام ابْن مَسْعُود أَي: قلت أَنا أُخْرَى، وَهِي (من مَاتَ لَا يَجْعَل لله ندا أَدخل الْجنَّة) وَهَذَا مر فِي أول كتاب الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره. قَوْله: (ندا) بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال: الْمثل والنظير. وَقَالَ الْكرْمَانِي الْعَكْس، الظَّاهِر أَن يُقَال: من مَاتَ لَا يَجْعَل لله ندا لَا يدْخل النَّار ثمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيح، لِأَن الموحد رُبمَا يدْخل النَّار، لَكِن دُخُول الْجنَّة مُحَقّق لَا شكّ فِيهِ. وَإِن كَانَ آخرا. انْتهى. قلت: كَلَامه فِي كَلَام ابْن مَسْعُود، فَافْهَم.
٠٢ - (بابُ مَنْ حلَف أنْ لَا يَدْخُلَ عَلى أهْلِهِ شَهْراً وكانَ الشَّهْرُ تِسْعاً وعِشْرِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من حلف أَن لَا يدْخل على أَهله شهرا. وَاتفقَ أَن الشَّهْر كَانَ تسعا وَعشْرين يَوْمًا أَي: نَاقِصا. ثمَّ دخل عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَث لِأَن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ إِذا حلف فِي أول جُزْء من الشَّهْر، وَأما إِذا حلف فِي أثْنَاء الشَّهْر يتَعَيَّن أَن يلفق ثَلَاثِينَ يَوْمًا عِنْد الْجُمْهُور. وَقَالَت طَائِفَة من الْمَالِكِيَّة، مِنْهُم عبد الحكم: يَكْتَفِي بتسع وَعشْرين.
٤٨٦٦ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ قَالَ: آل ﷺ َ -
стр. 7022
١٧٦٤ - ; ى رسولُ الله ﷺ مِنْ نِسائِهِ، وكانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعاً وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَل فقالُوا: يَا رسولَ الله! آلَيْتَ شَهْراً. فَقَالَ: (إنَّ الشَّهْرَ يَكُونَ تِسْعاً وعِشْرِينَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الصَّوْم عَن عبد الْعَزِيز أَيْضا، وَفِي النِّكَاح عَن خَالِد بن مخلد، وَفِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس.
قَوْله: (آلى) أَي: حلف وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْإِيلَاء الفقهي. قَوْله: (فِي مشربَة) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الرَّاء وَفتحهَا: الغرفة.
١٢ - (بابٌ إنْ حَلَفَ أنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذاً فَشَرِبَ طِلاءً أوْ سَكَراً أوْ عَصِيراً لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، ولَيْسَتْ هاذِهِ بِأنْبِذَةٍ عِنْدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِن حلف شخص أَن لَا يشرب نبيذاً إِلَى آخِره، والنبيذ فعيل بِمَعْنى مفعول، وَهُوَ الَّذِي يعْمل من الْأَشْرِبَة من: التَّمْر والزبيبت وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير والذرة والأرز وَنَحْو ذَلِك، من نبذت التَّمْر إِذا ألقيت عَلَيْهِ المَاء ليخرج عَلَيْهِ حلاوته، سَوَاء كَانَ مُسكرا أَو غير مُسكر، فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ: نَبِيذ، وَيُقَال للخمر المعتصر من الْعِنَب: نَبِيذ، كَمَا يُقَال للنبيذ خمر. قَوْله: طلاء، بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَالْمدّ، ويروى: الطلاء، بِالْألف وَاللَّام. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الشَّرَاب الْمَطْبُوخ من الْعِنَب وَهُوَ الرب، وَأَصله القطران الخاثر الَّذِي يطلى بِهِ الْإِبِل، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الطلاء الَّذِي يذهب ثلثه وَإِن ذهب نصفه فَهُوَ الْمنصف، وَإِن طبخ أدنى طبخه فَهُوَ الباذق، وَالْكل حرَام إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد. قَوْله: (أَو سكرا) بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ نَقِيع الرطب وَهُوَ أَيْضا حرَام إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السكر نَبِيذ يتَّخذ من التَّمْر. قَوْله: (لم يَحْنَث فِي قَول بعض النَّاس) قَالَ ابْن بطال: مُرَاد البُخَارِيّ بِبَعْض النَّاس أَبُو حنيفَة وَمن تبعه، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الطلاء والعصير ليسَا نبيذاً لِأَن النَّبِيذ فِي الْحَقِيقَة مَا نبذ فِي المَاء ونقع فِيهِ وَمِنْه سمى المنبوذ مَنْبُوذًا لِأَنَّهُ ينْبذ ويطرح، فَأَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد عَلَيْهِم، ورد عَلَيْهِ من لَيْسَ لَهُ تعصب، فَقَالَ: الَّذِي قَالَه هَذَا الشَّارِح بمعزل عَن مَقْصُود البُخَارِيّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تصويب قَول أبي حنيفَة، وَمن قَالَ: لم يَحْنَث وَلَا يضرّهُ. قَوْله: (بعده) فِي قَول بعض النَّاس فَإِنَّهُ لَو أَرَادَ خِلَافه لترجم على أَنه يَحْنَث، وَكَيف يترجم على وفْق مَذْهَب وَيُخَالِفهُ؟ انْتهى.
ثمَّ حسن بَعضهم مِمَّن لم يدْرك دقائق مَذْهَب أبي حنيفَة كَلَام ابْن بطال، فَقَالَ: وَالَّذِي فهمه ابْن بطال أوجه وَأقرب إِلَى مُرَاد البُخَارِيّ، وليت شعري مَا وَجه الأوجهية والقرب وَأَبُو حنيفَة مَا رأى من شرب الطلاء، إِلَّا الطلاء الَّذِي كَانَ يشربه أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى ابْن أبي شيبَة فَقَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان ووكيع عَن عُبَيْدَة عَن خَيْثَمَة عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يشرب الطلاء على النّصْف، وَكَذَا: رُوِيَ عَن الْبَراء وَأبي جُحَيْفَة وَجَرِير بن عبد الله وَابْن الْحَنَفِيَّة وَشُرَيْح القَاضِي وَقيس بن سعد وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا فَهد قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس قَالَ: حَدثنَا أَبُو شهَاب عَن ابْن أبي ليلى عَن عِيسَى أَن أَبَاهُ بَعثه إِلَى أنس بن مَالك فِي حَاجَة فأبصر عِنْده طلاء شَدِيدا، وَاسم أبي شهَاب عبد ربه بن نَافِع الحناط بالنُّون الْكُوفِي، وَابْن أبي ليلى هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى القَاضِي الْكُوفِي، وَهُوَ يرْوى عَن أَخِيه عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (وَلَيْسَت هَذِه) أَي: الطلاء وَالسكر والعصير لَيست بأنبذة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلَيْسَ. قَوْله: (عِنْده) أَي: عِنْد بعض النَّاس وَهُوَ أَبُو حنيفَة وَفِيه نظر لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى دَلِيل ظَاهر أَنه نقل هَكَذَا عَن أبي حنيفَة، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَمَعْنَاه أَن كل وَاحِد مِنْهَا يُسمى باسم خَاص، وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهَا اسْم النَّبِيذ فِي الأَصْل. فَإِن قلت: فعلى هَذَا من حلف على أَنه لَا يشرب نبيذاً فَشرب شَيْئا من هَذِه الثَّلَاثَة يَنْبَغِي أَن لَا يَحْنَث.
قلت: إِن نوى تعْيين أحد هَذِه الْأَشْيَاء يَنْبَغِي أَن لَا يَحْنَث، وَإِن أطلق يَحْنَث بِالنّظرِ إِلَى أصل الْمَعْنى لَا بِالنّظرِ إِلَى الْعرف.
٥٨٦٦ - حدّثني عَلِي سَمعَ عَبْدَ العَزِيزِ بنَ أبي حازِمٍ أخبرَنِي أبي عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ أَبَا أسَيْدٍ صاحِبَ النبيِّ ﷺ أعْرَس، فَدَعا النبيَّ ﷺ لِعُرْسِهِ فَكانَتِ العَرُوسُ خادِمَهُمْ،
стр. 7023
فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أنْقَعَتْ لهُ تَمْراً فِي تَوْرٍ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى أصْبَحَ عَلَيْهِ فَسَقَتْهُ إيَّاهُ.
قَالَ الْكرْمَانِي مُنَاسبَة الحَدِيث للباب مَفْهُوم نَبِيذ، إِذْ الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن مِنْهُ أَن الْعَرُوس الْمَذْكُورَة فِيهِ سقت الْمُتَّخذ من التَّمْر، فَفِيهِ الرَّد على بعض النَّاس. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَجه تعلق البُخَارِيّ من حَدِيث سهل فِي الرَّد على أبي حنيفَة وَهُوَ أَن سهلاً إِنَّمَا عرف أَصْحَابه أَنه لم تسق الشَّارِع إِلَّا نبيذاً قريب الْعَهْد بالانتباذ مِمَّا يخل شربه، أَلا ترى قَوْله: (انقعت لَهُ تَمرا فِي تور من اللَّيْل حَتَّى أصبح عَلَيْهِ فسقته إِيَّاه؟) وَهَكَذَا كَانَ ينْبذ لَهُ ﷺ ، لَيْلًا ويشربه غدْوَة، وينبذ لَهُ غدْوَة ويشربه عَشِيَّة انْتهى.
قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث سهل رد قطّ على أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لم ينف اسْم النَّبِيذ عَن الْمُتَّخذ من التَّمْر، وَإِنَّمَا قَالَ: الطلاء وَالسكر والعصير لَيست بأنبذة على تَقْدِير صِحَة النَّقْل عَنهُ بذلك، لِأَن كلاًّ مِنْهَا يُسمى باسم خَاص، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن.
وَعلي شيخ البُخَارِيّ فِيهِ هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَعبد الْعَزِيز فِيهِ يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، وَهُوَ يروي عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، كَانَ اسْمه حزنا فَسَماهُ النَّبِي ﷺ ، سهلاً، وَأَبُو أسيد، بِضَم الْهمزَة مصغر الْأسد: مَالك السَّاعِدِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْأَشْرِبَة فِي: بَاب الانتباذ فِي الأوعية. قَوْله: (صَاحب النَّبِي ﷺ ، ذكر لفظ: صَاحب، إِمَّا استلذاذاً وَإِمَّا افتخاراً وَإِمَّا تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِمَّا تفهيماً لمن لَا يعرفهُ. قَوْله: (فَكَانَت الْعَرُوس) ، على وزن: فعول يَسْتَوِي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الزَّوْجَة. قَوْله: (خادمهم) ، بالتذكير لِأَنَّهُ يُطلق على الرجل وَالْمَرْأَة كليهمَا. قَوْله: (فِي تور) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْوَاو وبالراء هُوَ إِنَاء من صفر أَو حجر كالأجانة وَقد يتَوَضَّأ مِنْهُ. قَوْله: (فسقته إِيَّاه) ، أَي: فسقت الْعَرُوس الْمَذْكُورَة النَّبِي ﷺ إِيَّاه، أَي: التَّمْر المنقوع فِي التور.
٦٨٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا إسْماعِيلُ بن أبي خالِدٍ عَن الشَّعْبِيِّ عنْ عِكْرِمَةَ عَن ابْن عَبَّاسٍ ﵄، عنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِي ﷺ قالَتْ: ماتَتْ لَنا شاةٌ فدَبَغْنا مَسْكَها ثُمَّ مَا زِلْنا نَنْبِذُ فِيهِ حتَّى صارَتْ شَنًّا.
قيل: مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا زلنا ننبذ فِيهِ) وَأَنَّهُمْ دبغوا مسك الشَّاة للانتباذ فِيهِ. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا وَجه اسْتِدْلَال البُخَارِيّ من حَدِيث سَوْدَة.
قلت: لَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة، إلَاّ أَن يُؤْخَذ ذَلِك بِالْوَجْهِ الْمَذْكُور بالتعسف وَلَيْسَ المُرَاد ذَلِك لِأَن فِي زعم هَؤُلَاءِ أَن هَذَا يرد على أبي حنيفَة فِيمَا نقلوا عَنهُ، فَلذَلِك أوردهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن.
وَمُحَمّد بن مقَاتل الْمروزِي يروي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد واسْمه سعد، وَيُقَال: هُرْمُز البَجلِيّ عَن عَامر الشّعبِيّ عَن عِكْرِمَة عَن عبد الله بن عَبَّاس عَن سَوْدَة بنت زَمعَة ﵂. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (مسكها) بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ الْجلد. قَوْله: (شناً) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون وَهُوَ الْقرْبَة الْخلق.
٢٢ - (بابٌ إِذا حَلَفَ أنْ لَا يَأْتَدِمَ فأكَلَ تَمْراً بِخُبْزٍ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الأُدْمِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا حلف أَن لَا يَأْكُل أدماً فَأكل تَمرا بِخبْز أَي: ملتبساً بِهِ مُقَارنًا لَهُ. وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يكون بذلك مؤتدماً أم لَا. قَوْله: (مَا يكون من الْأدم) عطف على جملَة الشَّرْط وَالْجَزَاء أَي: بَاب يذكر فِيهِ أَيْضا مَا يكون أَي: شَيْء يكون من الْأدم، وَلم يذكر حكم هذَيْن الْمَذْكُورين اعْتِمَادًا على مستنبط الْأَحْكَام من النُّصُوص أما الْفَصْل الأول: فقد روى فِيهِ عَن حَفْص بن غياث عَن مُحَمَّد بن يحيى الْأَسْلَمِيّ عَن يزِيد الْأَعْوَر عَن ابْن أبي أُميَّة عَن يُوسُف عَن عبد الله بن سَلام قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ أَخذ كسرة من خبز شعير فَوضع عَلَيْهَا تَمرا، وَقَالَ: هَذِه إدام هَذِه فَأكلهَا، وَبِهَذَا يحْتَج أَن كل مَا يُوجد فِي
стр. 7024
الْبَيْت غير الْخبز فَهُوَ إدام سَوَاء كَانَ رطبا أَو يَابسا، فعلى هَذَا إِن من حلف أَن لَا يأتدم فَأكل خبْزًا بِتَمْر فَإِنَّهُ يَحْنَث، وَلَكِن قَالُوا: إِن هَذَا مَحْمُول على أَن الْغَالِب فِي تِلْكَ الْأَيَّام أَنهم كَانُوا يتقوتون بِالتَّمْرِ لشظف عيشهم وَلعدم قدرتهم على غَيره إلاّ نَادرا وَأما الْفَصْل الثَّانِي: فَفِيهِ خلاف بَين الْعلمَاء فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: الإدام مَا يصطبغ بِهِ مثل الزَّيْت وَالْعَسَل وَالْملح والخل، وَأما مَا لَا يصطبغ بِهِ مثل اللَّحْم المشوي والجبن وَالْبيض فَلَيْسَ بإدام، وَقَالَ مُحَمَّد: هَذِه إدام وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف. فَإِن قلت: معنى مَا يصطبغ بِهِ مَا يخْتَلط بِهِ الْخبز، فَكيف يخْتَلط الْخبز بالملح؟ .
قلت: يذوب فِي الْفَم فَيحصل الِاخْتِلَاط. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعند الْمَالِكِيَّة يَحْنَث بِكُل مَا هُوَ عِنْد الْحَالِف إدام وَلكُل قوم عَادَة.
٧٨٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفيْانُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَابس عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: (مَا شَبِعَ آلُ محَمَّد ﷺ مِنْ خُبُز بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حتَّى لَحَقَ بِاللَّه) .
قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ دلّ الحَدِيث على التَّرْجَمَة؟ ثمَّ قَالَ: لما كَانَ التَّمْر غَالب الْأَوْقَات مَوْجُودا فِي بَيت رَسُول الله ﷺ وَكَانُوا شباعاً مِنْهُ علم أَنه لَيْسَ أكل الْخبز بِهِ ائتداماً أَو ذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب بِأَدْنَى مُلَابسَة وَهُوَ لفظ؛ المأدوم، وَلم يذكر غَيره لِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ يدل على التَّرْجَمَة، أَو هُوَ أَيْضا من جملَة تَصَرُّفَات النقلَة على الْوَجْه الَّذِي ذَكرُوهُ. انْتهى.
قلت: ذكر فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: الْوَجْه الأول: رده بَعضهم بقوله: هُوَ مباين لمراد البُخَارِيّ وَلم يبين المُرَاد مَا هُوَ؟ .
قلت: حَدِيث عبد الله بن سَلام الْمَذْكُور آنِفا أقوى فِي الرَّد عَلَيْهِ الْوَجْه الثَّانِي: قَالَ فِيهِ بَعضهم: إِنَّه هُوَ المُرَاد لَكِن يَنْضَم إِلَيْهِ مَا ذكره ابْن الْمُنِير، وَالَّذِي ذكره ابْن الْمُنِير هُوَ أَنه قَالَ: مَقْصُود البُخَارِيّ الرَّد على من زعم أَنه لَا يُقَال ائتدم إلَاّ إِذا أكل مَا يصطبغ بِهِ. انْتهى.
قلت: الحَدِيث لَا يدل أصلا على رد الزاعم بِهَذَا لِأَن لفظ: مأدوم، أَعم من أَن يكون الإدام فِيهِ مِمَّا يصطبغ بِهِ أَو لَا يصطبغ بِهِ. الْوَجْه الثَّالِث: بعيد جدا على مَا لَا يخفى.
وَمُحَمّد بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ هُوَ البُخَارِيّ البيكندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبد الرَّحْمَن بن عَابس بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالياء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة وبالسين الْمُهْملَة يروي عَن أَبِيه عَابس بن ربيعَة النَّخعِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة عَن خَلاد بن يحيى عَن سُفْيَان مطولا، وَهنا ذكر قِطْعَة مِنْهُ.
قَوْله: تباعا) بِكَسْر التَّاء أَي: متتابعة. قَوْله: (حَتَّى لحق بِاللَّه) كِنَايَة عَن الْمَوْت.
وَقَالَ ابنُ كَثِيرٍ: أخبرنَا سُفْيانُ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ عنْ أبِيهِ أنّهُ قَالَ لِ عائِشَةَ بِهاذَا.
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة الْبَصْرِيّ وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن عَابس الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق، وَإِنَّمَا ذكره البُخَارِيّ مذاكرة عَن ابْن كثير إِشَارَة لدفع مَا يتَوَهَّم من العنعنة فِي الطَّرِيق الَّتِي قبلهَا من الِانْقِطَاع، وَقد صرح فِي هَذَا الطَّرِيق لقَوْله أَنه قَالَ لعَائِشَة أَي: أَن عَابِسا وَالِد عبد الرَّحْمَن قَالَ لعَائِشَة بِهَذَا، يَعْنِي: سَأَلَ مِنْهَا بعد أَن لقيها عَن هَذَا الحَدِيث.
٨٨٦٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكٍ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَس بنَ مالِكٍ قَالَ: قَالَ أبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَ قَدْ سَمِعْتُ صَوْت رسولِ الله ﷺ ضَعِيفاً أعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فقالَتْ: نَعَمْ. فأخْرَجَتْ أقْراصاً مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أخَذَتْ خِماراً لَهَا فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ أرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ رسولَ الله ﷺ فِي المَسْجِدِ ومَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْت عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (أرْسَلَكَ أبُو طَلْحَةَ؟) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: (قُومُوا فانَّطَلَقُوا) وانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيدِيهِمْ حتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ
стр. 7025
فأخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! قَدْ جاءَ رسولُ الله ﷺ ولَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعامِ مَا نُطْعِمُهُمْ. فقالَتِ: الله ورَسولُهُ أعْلَمُ، فانْطَلَقَ أبُو طَلْحَةَ حتَّى لَقِيَ رسُولَ الله ﷺ ، فأقْبَلَ رسولُ الله ﷺ وأبُو طَلْحَةَ مَعهُ حتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (هَلُمِّي يَا أمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكَ؟) فأتَتْ بِذالِكَ الخُبْزِ، قَالَ: فأمَرَ رسولُ الله ﷺ بِذالِكَ الخُبْزِ فَفُتَّ وعَصَرَتْ أمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَها فأدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رسولُ الله ﷺ مَا شاءَ الله أَن يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: (إئْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فأذِنَ لَهُمْ فأكَلُوا حتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجوا، ثُمَّ قَالَ: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فأذِنَ لَهُمْ فأكلُوا حتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فأكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وشَبعُوا والقَوْمُ سَبْعُونَ أَو ثَمانُونَ رَجُلاً. إِذن
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فأدمته) .
والْحَدِيث قد مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِطُولِهِ وَفِي الصَّلَاة مُخْتَصرا عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْمَاعِيل وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
وَأَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم سليم أم أنس بن مَالك.
قَوْله: (عكة) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْكَاف وَهِي إِنَاء السّمن. قَوْله: (فأدمته) أَي خلطت الْخبز بالإدام.
وَفِيه: معْجزَة لرَسُول الله ﷺ .
٣٢ - (بابُ النِّيَّةِ فِي الأيْمانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النِّيَّة فِي الْأَيْمَان بِفَتْح الْهمزَة جمع يَمِين، كَذَا فِي رِوَايَة الْجَمِيع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض الرِّوَايَة الْأَيْمَان بِكَسْر الْهمزَة، ثمَّ قَالَ: مَذْهَب البُخَارِيّ أَن الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي الْإِيمَان، وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره، إِذا كَانَت الْيَمين بَين العَبْد وربه لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه يَنْوِي وَيحمل على نِيَّته، وَإِذا كَانَت بَينه وَبَين آدَمِيّ وَادّعى فِي نِيَّته غير الظَّاهِر لم يقبل قَوْله. وَحمل على ظَاهر كَلَامه إِذا كَانَت عَلَيْهِ بَيِّنَة بِإِجْمَاع، وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن الْيَمين على نِيَّة الْحَالِف إلَاّ فِي حق الْآدَمِيّ على نِيَّة المستحلف، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ آخَرُونَ: النِّيَّة نِيَّة الْحَالِف أبدا وَله أَن يوري، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب وَأَجْمعُوا على أَنه: لَا يوري فِيمَا إِذا اقتطع مَال أمرىء مُسلم بِيَمِينِهِ.
٩٨٦٦ - حدّثنا قتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَاى بنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ إبْرًّهِيمَ أنّهُ سَمعَ عَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: (إنّما الأعْمالُ بالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامْرِىءٍ مَا نَوى، فَمَنْ كانَت هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ، ومَنْ كانَتْ هِجْرِّتُهُ إِلَى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هاجَرَ إلَيْهِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْيَمين أَيْضا عمل، وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمدنِي. والْحَدِيث مر فِي أول الْكتاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ مستقصًى.
٤٢ - (بابٌ إِذا أهْدَى مالَهُ عَلى وَجْهِ النَّذْرِ والتَّوْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أهْدى شخص مَاله أَي جعله هَدِيَّة للْمُسلمين أَو تصدق بِهِ على وَجه النّذر أَو على وَجه التَّوْبَة بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْوَاو، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْجَمِيع إلَاّ الْكشميهني، فَإِن فِي رِوَايَته: إلَاّ الْقرْبَة، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، وَجَوَابه مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل ينفذ ذَلِك إِذا نجزه أَو علقه؟ وَهَذَا الْبَاب أول أَبْوَاب النذور لِأَن
стр. 7026
الْكتاب كَانَ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور، وَفرغ من أَبْوَاب الْأَيْمَان وَشرع فِي أَبْوَاب النذور، وَهُوَ جمع نذر وَهُوَ إِيجَاب شَيْء من عبَادَة أَو صَدَقَة أَو نَحْوهمَا على نَفسه تَبَرعا، يُقَال: نذرت الشَّيْء أنذر وأنذر بِالْكَسْرِ وَالضَّم نذرا. وَيُقَال النّذر فِي اللُّغَة الْتِزَام خير أَو شَرّ، وَفِي الشَّرْع: الْتِزَام الْمُكَلف شَيْئا لم يكن عَلَيْهِ مُنجزا أَو مُعَلّقا، وَالنّذر نَوْعَانِ: نذر تبرر، وَنذر لجاج.
فَالْأول: على قسمَيْنِ: أَحدهمَا: مَا يتَقرَّب بِهِ ابْتِدَاء كَقَوْلِه: لله على أَن أَصوم كَذَا ... مُطلقًا، أَو: أَصوم شكرا على أَن شفي الله مريضي. . وَنَحْوه، وَقيل: الِاتِّفَاق على صِحَّته فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَن بعض الشَّافِعِيَّة فِي الْوَجْه الثَّانِي أَنه لَا ينْعَقد. وَالثَّانِي: من الْقسمَيْنِ: مَا يتَقرَّب بِهِ مُعَلّقا كَقَوْلِه: إِن قدم فلَان من سَفَره فعلي أَن أَصوم كَذَا، وَهَذَا لَازم اتِّفَاقًا.
وَنذر اللجاج كَذَلِك على قسمَيْنِ: أَحدهمَا: مَا يعلقه على فعل حرَام أَو ترك وَاجِب فَلَا ينْعَقد. وَالْقسم الآخر: مَا يتَعَلَّق بِفعل مُبَاح أَو ترك مُسْتَحبّ أَو خلاف الأولى، فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال للْعُلَمَاء: الْوَفَاء أَو كَفَّارَة يَمِين أَو التَّخْيِير بَينهمَا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَعند الْمَالِكِيَّة: لَا ينْعَقد أصلا، وَعند الْحَنَفِيَّة: يلزمة كَفَّارَة الْيَمين فِي الْجَمِيع.
٠٩٦٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ حَدثنَا ابنُ وَهْبٍ أَخْبرنِي يُونُسُ عَن ابنِ شِهابٍ أَخْبرنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ وَكَانَ قائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ: سَمِعْتُ كعْبَ بنِ مالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) فَقَالَ فِي آخر حَدِيثِهِ: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقَةً إِلَى الله ورسُولِهِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن كَعْب بن مَالك جعل من تَوْبَته انخلاعه من مَاله صَدَقَة إِلَى الله وَرَسُوله. قيل: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الانخلاع الْمَذْكُور مَا يدل على النّذر مِنْهُ، والترجمة فِيهَا النّذر وَيُمكن الْجَواب بِأَن يُقَال: إِن فِي الانخلاع معنى الِالْتِزَام، وَفِي الِالْتِزَام معنى النّذر، وَلم يذكر هَذَا أحد من الشُّرَّاح.
وَأحمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث مضى بِطُولِهِ فِي كاب الْمَغَازِي.
وَكَعب ابْن مَالك هُوَ أحد ﴿الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ وَنزلت الْآيَة فِيهِ وَفِي صَاحِبيهِ، وهما: مرَارَة بِضَم الْمِيم وهلال. قَوْله: (فِي حَدِيثه) أَي: فِي حَدِيث تخلفه عَن غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (أَن انخلع) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وأنخلع من الانخلاع أَي: أَن أعرى من مَالِي كَمَا يعرى الْإِنْسَان إِذا خلع ثَوْبه. قَوْله: (أمسك عَلَيْك بعض مَالك) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أَحْمد بن صَالح بِهَذَا السَّنَد: فَقلت: إِنِّي أمسك سهمي الَّذِي يخيبر. قَوْله: (فَهُوَ خير لَك) أَي: إمْسَاك بعض مَالك خير لَك، وَعين الْبَعْض فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ: يجزىء عَنْك الثُّلُث.
اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن نذر أَن يتَصَدَّق بِجَمِيعِ مَاله على عشرَة أَقْوَال.
الأول: يلْزمه ثلث مَاله، وَبِه قَالَ مَالك. الثَّانِي: إِنَّه إِن كَانَ مَلِيًّا فَكَذَلِك، وَإِن كَانَ فَقِيرا فكفارة يَمِين، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَابْن وهب. الثَّالِث: إِن كَانَ متوسطاً يخرج بِحِصَّة الثُّلُث، وَهُوَ قَول ربيعَة. الرَّابِع: يخرج مَا لَا يضر بِهِ، وَهُوَ قَول سَحْنُون من الْمَالِكِيَّة. الْخَامِس: يخرج زَكَاة مَاله، يرْوى ذَلِك عَن ربيعَة أَيْضا. السَّادِس: يخرج جَمِيع مَاله، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. السَّابِع: إِن علقه بِشَرْط كَقَوْلِه: إِن شفى الله مريضي، أَو إِن دخلت الدَّار ... فَالْقِيَاس أَن يلْزمه إِخْرَاج كل مَاله، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. الثَّامِن: إِن أخرج نَذره مخرج التبرر مثل: إِن شفي الله مريضي فَيلْزمهُ جَمِيع مَاله، وَإِن كَانَ لجاجاً وغضباً فيقصد منع نَفسه من فعل مُبَاح كَأَن دخلت الدَّار فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَن يَفِي بذلك أَو يكفر كَفَّارَة يَمِين، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. التَّاسِع: لَا يلْزمه شَيْء أصلا، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى، وطاووس وَالشعْبِيّ. الْعَاشِر: يحبس لنَفسِهِ من مَاله قوت شَهْرَيْن ثمَّ يتَصَدَّق بِمثلِهِ إِذا أَفَادَ، وَهُوَ قَول زفر.
٥٢ - (بابٌ إِذا حَرَّمَ طَعامَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا حرم الشَّخْص طَعَامه بِأَن قَالَ: طَعَام كَذَا أَو شراب كَذَا عَليّ حرَام، أَو قَالَ: نذر لله أَن لَا آكل
стр. 7027
كَذَا أَو لَا أشْرب كَذَا، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، على عَادَته. قَوْله: طَعَامه، وَرُوِيَ عَن أبي ذَر، طَعَاما، وَالْجَوَاب ينْعَقد يَمِينه، وَعَلِيهِ كَفَّارَة يَمِين إِذا استباحه، لَكِن إِذا حلف وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ، فَلذَلِك أورد حَدِيث الْبَاب، لِأَن فِيهِ: قد حَلَفت، وَعَن أبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ كَذَلِك، وَلَكِن لَا يشْتَرط لفظ الْحلف. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا شَيْء عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَقَالَ مَالك: لَا يكون الْحَرَام يَمِينا فِي طَعَام وَلَا شراب إلَاّ فِي الْمَرْأَة، فَإِنَّهُ يكون طَلَاقا يحرمها عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي كَذَلِك، رَوَاهُ الرّبيع عَنهُ، وَرُوِيَ عَن بعض التَّابِعين أَن التَّحْرِيم لَيْسَ بِشَيْء سَوَاء حرم عَلَيْهِ زَوجته أَو شَيْئا من ذَلِك لَا يلْزمه كَفَّارَة فِي شَيْء من ذَلِك، وَبِه قَالَ أَبُو سَلمَة ومسروق وَالشعْبِيّ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ياأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (التَّحْرِيم: ١ ٢) وقَوْلُهُ: ﴿ (٥) لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٧٨) [/ ح.
ذكر هَاتين الْآيَتَيْنِ إِشَارَة إِلَى بَيَان مَا ذكره من التَّرْجَمَة بِأَن تَحْرِيم الْمُبَاح يَمِين، وفيهَا الْكَفَّارَة. لَكِن لفظ الْحلف شَرط عِنْده كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَسبب نزُول الْآيَة الأولى قد مر فِي كتاب الطَّلَاق فِي: بَاب ﴿لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ وَأورد فِيهِ حديثين عَن عَائِشَة ﵂، وَبَين فيهمَا قصَّة تَحْرِيم النَّبِي ﷺ ، مَارِيَة الَّتِي أهداها إِلَيْهِ الْمُقَوْقس صَاحب اسكندرية، وَالْعَسَل، وَذكرنَا الِاخْتِلَاف فِيهِ: هَل نزلت الْآيَة فِي تَحْرِيم مَارِيَة أَو فِي تَحْرِيم الْعَسَل؟ قَوْله: ﴿تبتغي مرضات أَزوَاجك﴾ أَي: تطلب رضاهن بِتَحْرِيم ذَلِك قَوْله: ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ (التَّحْرِيم: ٢) . أَي: قد قدر الله مَا تحللون بِهِ أَيْمَانكُم، وأصل تحللة تَحِلَّة على وزن: تفعلة، فادغمت اللَّام فِي اللَّام وَهِي من المصادر كالترضية وَالتَّسْمِيَة قَوْله: ﴿لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٧٨) هَذَا توبيخ لمن فعل ذَلِك، فَلذَلِك قَالَ: ﴿لَا تَعْتَدوا﴾ فَجعل ذَلِك من الاعتداء.
١٩٦٦ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا الحَجَّاجُ عنِ ابنِ جُرَيْج قَالَ: زَعَمَ عَطاءٌ أنّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عائِشَةَ تَزْعْمُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْت جَحش ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلاً، فَتَواصَيْتُ أَنا وحَفْصَةُ أنَّ أيَّتَنا دَخلَ عَلَيْها النبيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ ﴿أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلى إحْداهُما فَقالَتْ ذالِكَ لهُ، فَقَالَ: (لَا﴾ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ، ولَنْ أعُودَ لهُ) فَنَزَلَتْ: ﴿ياأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التَّحْرِيم: ١) ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله﴾ (التَّحْرِيم: ٤) لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ: ﴿وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا﴾ (التَّحْرِيم: ٣) لِقَوْلِهِ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً) .
وَقَالَ لِي إبْراهِيمُ بنُ مُوسى عنْ هِشامٍ: (ولَنْ أعُودَ لَهُ، وقَددْ حَلَفْتُ فَلا تُخْبِرِي بِذالِكَ أحَداً) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح الزَّعْفَرَانِي، وَالْحجاج هُوَ ابْن مُحَمَّد المصِّيصِي، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَعبيد بن عُمَيْر كِلَاهُمَا مصغر.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الطَّلَاق بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (زعم) أَي: قَالَ، وَكَذَا معنى: تزْعم، أَي: تَقول. قَوْله: (أَن أَيَّتنَا) بِالتَّاءِ لُغَة فِي أَيّنَا، وَالْمَشْهُور بِغَيْر التَّاء. قَوْله: (مَغَافِير) بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء جمع مغْفُور، وَهُوَ نوع من الصمغ يتحلب عَن بعض الشّجر حُلْو كالعسل وَله رَائِحَة كريهة، وَيُقَال أَيْضا: مغاثير، بالثاء الْمُثَلَّثَة بدل الْفَاء جمع: مغثور كثوم وفوم، وَيُقَال: المغفور شَيْء ينضحه شجر العرفط كريه الرَّائِحَة، وَقيل: هُوَ حُلْو كالناطف يحل بِالْمَاءِ وَيشْرب، وَقَالَ أَبُو عمر: وَيُقَال أَغفر الرمث إِذا ظهر ذَلِك فِيهِ، وَقَالَ الْكسَائي: خرج النَّاس يتمغفرون إِذا خَرجُوا يجتنونه من ثمره، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يكره أَن تُوجد مِنْهُ الرَّائِحَة لأجل مُنَاجَاة الْمَلَائِكَة
стр. 7028
فَحرم على نَفسه بِظَنّ، صدقهما. قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ جَازَ على أَزوَاجه ﷺ أَمْثَال ذَلِك؟ ثمَّ أجَاب بقوله: هُوَ من مقتضيات الْغيرَة الطبيعية للنِّسَاء، وَهُوَ صَغِيرَة مَعْفُو عَنْهَا، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: تقدم فِي كتاب الطَّلَاق أَنه ﷺ ، شرب فِي بَيت حَفْصَة، والمتظاهرات هِيَ عَائِشَة وَسَوْدَة وَزَيْنَب.
قلت: لَعَلَّ الشّرْب كَانَ مرَّتَيْنِ. قَوْله: (وَلنْ أَعُود لَهُ) أَي: قَالَ: وَالله لَا أَعُود لَهُ، فَلذَلِك كفره. قَوْله: (لعَائِشَة) أَي: الْخطاب لعَائِشَة وَحَفْصَة. قَوْله: (وَإِذ أسر النَّبِي ﷺ إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا) لقَوْله: (بل شربت عسلاً) أَي: الحَدِيث المسر كَانَ ذَلِك القَوْل.
قَوْله: وَقَالَ لي إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَالَ إِبْرَاهِيم، بِغَيْر لفظ: لي، وَقد تقدم فِي التَّفْسِير بِلَفْظ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير يروي عَن هِشَام بن يُوسُف وَصرح بِهِ فِي التَّفْسِير، وَقد اختصر هُنَا بِغَيْر السَّنَد وَمرَاده أَن هشاماً رَوَاهُ عَن ابْن جريج بالسند الْمَذْكُور والمتن إِلَى قَوْله: قَوْله: (وَلنْ أَعُود) فَزَاد: (وَقد حَلَفت فَلَا تُخْبِرِي بذلك أحدا) .
٦٢ - (بابُ الوَفَاء بالنَّذْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم وَفَاء النَّاذِر بنذره، وَفِي بَيَان فضل الْوَفَاء بِالنذرِ.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوفونَ بِالنذرِ﴾ (الْإِنْسَان: ٧)
أورد هَذِه الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَن الْوَفَاء بِالنذرِ مِمَّا يجلب الثَّنَاء على فَاعله، وَلَكِن المُرَاد هُوَ نذر الطَّاعَة لَا نذر الْمعْصِيَة، وَقَامَ الْإِجْمَاع على وجوب الْوَفَاء إِذا كَانَ النّذر بِالطَّاعَةِ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ (الْمَائِدَة: ١) وَقَالَ ﴿يُوفونَ بِالنذرِ﴾ فمدحهم بذلك، وَاخْتلف فِي ابْتِدَاء النّذر فَقيل: إِنَّه مُسْتَحبّ، وَقيل: مَكْرُوه وَبِه جزم النَّوَوِيّ، وَنَصّ الشَّافِعِي على أَنه خلاف الأولى، وَحمل بعض الْمُتَأَخِّرين النَّهْي على نذر اللجاج، وَاسْتحبَّ نذر التبرر.
٢٩٦٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ صالحٍ حدّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ حدّثنا سَعِيد بنُ الحارِثِ أنّه سَمِعَ ابنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: أوَ لَمْ يُنْهَوْا عَن النَّذْرِ؟ إنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: (إنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئاً وَلَا يؤخِّرُ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ مِنَ البَخِيلِ) . (انْظُر الحَدِيث ٨٠٦٦ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن صَالح الوحاظي بِضَم الْوَاو وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْألف ظاء مُعْجمَة، وفليح مصغر فلح وَسَعِيد بن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ الْمدنِي قَاضِي الْمَدِينَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَو لم ينهوا عَن النّذر) على صِيغَة الْمَجْهُول. وَقَالَ الْكرْمَانِي بِلَفْظ الْمَعْرُوف والمجهول، وَفِيه حذف بَينه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) : والإسماعيلي عَن سعيد بن الْحَارِث قَالَ: كنت عِنْد ابْن عمر فَأَتَاهُ مَسْعُود بن عَمْرو أحد بني عَمْرو بن كَعْب فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ﴿إِن ابْني كَانَ مَعَ عمر بن عبيد الله بن معمر بِأَرْض فَارس، فَوَقع فِيهَا وباء وطاعون شَدِيد، فَجعلت على نَفسِي لَئِن الله سلم ابْني ليمشين إِلَى بَيت الله تَعَالَى، فَقدم علينا وَهُوَ مَرِيض ثمَّ مَاتَ، فَمَا تَقول؟ فَقَالَ ابْن عمر: أَو لم ينهوا عَن النّذر؟ إِن النَّبِي ﷺ ... فَذكر الحَدِيث الْمَرْفُوع، وَزَاد: أوف بِنَذْرِك، وَقَالَ أَبُو عَامر. فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله﴾ إِنَّمَا نذرت أَن يمشي ابْني. فَقَالَ: أوف بِنَذْرِك، قَالَ سعيد بن الْحَارِث: فَقلت لَهُ: أتعرف سعيد بن الْمسيب؟ قَالَ: نعم. قلت لَهُ: إذهب إِلَيْهِ ثمَّ أَخْبرنِي مَا قَالَ لَك. قَالَ: فَأَخْبرنِي أَنه قَالَ لَهُ: امش عَن ابْنك.
قلت: يَا أَبَا مُحَمَّد! وَترى ذَلِك مَقْبُولًا؟ قَالَ: نعم. أَرَأَيْت لَو كَانَ على ابْنك دين لَا قَضَاء لَهُ فقضيته أَكَانَ ذَلِك مَقْبُولًا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَهَذَا مثل هَذَا. انْتهى. وَأَبُو عبد الرَّحْمَن كنية عبد الله بن عمر، وَأَبُو مُحَمَّد كنية سعيد بن الْمسيب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على كَونهم منهيين.
قلت: يفهم من السِّيَاق أَو لما كَانَ مَشْهُور بَينهم لم يذكرهُ هَهُنَا وَجَاء صَرِيحًا فِي الحَدِيث بعده. قَوْله: (لَا يقدم شَيْئا وَلَا يُؤَخر) ويروى: وَلَا يُؤَخِّرهُ، بضمير الْمَنْصُوب وَمَعْنَاهُ: لَا يقدم شَيْئا من قدر الله ومشيئته، وَلَا يُؤَخِّرهُ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن مرّة: لَا يرد شَيْئا، وَهِي أَعم على مَا يَأْتِي الْآن. وَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: لَا يَأْتِي ابْن آدم النّذر بِشَيْء لم يكن قدر لَهُ، وَفِي رِوَايَة: لَا يقرب من ابْن آدم شَيْئا لم يكن الله قدره لَهُ. قَوْله: (وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِالنذرِ من الْبَخِيل) يَعْنِي: أَن من النَّاس من لَا يسمح
стр. 7029
من بِالصَّدَقَةِ وَالصَّوْم إلَاّ إِذا نذر شَيْئا لخوف أَو طمع، فَكَأَنَّهُ لَو لم يكن ذَلِك الشَّيْء الَّذِي طمع فِيهِ أَو خافه لم يسمح بِإِخْرَاج مَا قدره الله تَعَالَى، مَا لم يكن يَفْعَله فَهُوَ بخيل.
٣٩٦٦ - حدّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَاى حَدثنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُور أخبرنَا عَبْدُ الله بن مُرَّةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ: نَهاى النبيُّ ﷺ عَن النَّذْرِ. وَقَالَ: (إنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً، ولاكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ) . (انْظُر الحَدِيث ٨٠٦٦ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر أخرجه عَن خَلاد بن يحيى بن صَفْوَان الْكُوفِي، سكن مَكَّة، يروي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن عبد الله بن مرّة بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء. وَمضى الحَدِيث فِي الْقدر عَن أبي نعيم.
قَوْله: (من الْبَخِيل) وَفِي رِوَايَة مُسلم: من الشحيح، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: من اللَّئِيم.
٤٩٦٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حدّثنا أبُو الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (لَا يَأْتِي ابنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشْيءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، وَلاكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ، فَيَسْتَخْرِجُ الله بِهِ مِنَ البَخِيلِ فَيُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِينِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) . (انْظُر الحَدِيث ٩٠٦٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة فِي الْكَفَّارَات وَلَفظه: إِن النّذر لَا يَأْتِي ابْن آدم بِشَيْء إلَاّ مَا قدر لَهُ.
قَوْله: (ابْن آدم) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول، (وَالنّذر) ، بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (لم يكن قدر لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْجُمْلَة صفة لقَوْله: (بِشَيْء) وَفِي رِوَايَة لأبي ذَر. لم أكن قدرته، وعَلى هَذَا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة من الْأَحَادِيث القدسية، وَلكنه مَا صرح بِرَفْعِهِ إِلَى الله تَعَالَى. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: لم أكن، وَفِي أَوَاخِر كتاب الْقدر من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لم يكن قد قدرته، ويروى هُنَا: قدر بِهِ، بِضَم الْقَاف وَكسر الدَّال الْمُشَدّدَة. قَوْله: (يلقيه) بِضَم الْيَاء من الْإِلْقَاء وَالنّذر بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (قد قدر لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول وَالْجُمْلَة حَال من الْقدر، وَقيل: الْأَمر بِالْعَكْسِ فَإِن الْقدر يلقيه إِلَى النّذر. وَأجِيب: بِأَن تَقْدِير النّذر غير تَقْدِير الْإِنْفَاق فَالْأول يلجئه إِلَى النّذر وَالنّذر يوصله إِلَى الإيتاء والإخراج. قَوْله: (فيستخرج الله بِهِ من الْبَخِيل) فِيهِ الْتِفَات على رِوَايَة: أكن قدرته، وَاصل الْكَلَام أَن يُقَال: فاستخرج بِهِ، ليُوَافق رِوَايَة: لم أكن قدرته. قَوْله: (فيؤتيني عَلَيْهِ) أَي: فيعطيني على ذَلِك الْأَمر الَّذِي بِسَبَبِهِ نذر كالشفاء (مَا لم يكن يؤتيني عَلَيْهِ من قبل) النّذر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يؤتني، بِالْجَزْمِ. وَوَجهه أَن يكون بَدَلا من قَوْله: لم يكن، المجزوم بلم، وَفِي رِوَايَة مَالك: يُؤْتى، فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: فييسر عَلَيْهِ مَا لم يكن ييسر عَلَيْهِ من قبل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَيخرج بذلك من الْبَخِيل مَا لم يكن الْبَخِيل يُرِيد أَن يُخرجهُ، وَهَذَا أوضح الرِّوَايَات.
٧٢ - (بابُ إثْمِ مَنْ لَا يَفِي بالنَّذْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من لَا يَفِي بنذره، وَفِي رِوَايَة غير أبي ذَر: بَاب من لَا يَفِي بِالنذرِ، بِدُونِ لفظ: إِثْم.
٥٩٦٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَاى عنْ شُعبةَ قَالَ: حَدثنِي أبُو جَمْرَةَ حَدثنَا زَهْدَمُ بنُ مُضَرِّبِ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ) . قَالَ عِمْرانُ: لَا أدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ (ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، ويَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ينذرون وَلَا يفون) وَيحيى هُوَ الْقطَّان، ويروى عَن يحيى بن سعيد بنسبته إِلَى أَبِيه، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم وبالراء واسْمه نصر بن عمرَان، وزهدم بِفَتْح الزَّاي وَالدَّال بَينهمَا هَاء سَاكِنة ابْن مضرب على صِيغَة اسْم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول أَيْضا من التضريب بالضاد الْمُعْجَمَة.
والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات وَفِي فَضَائِل الصَّحَابَة وَفِي كتاب الرقَاق
стр. 7030
فِي: بَاب مَا يحذر من زِينَة الدُّنْيَا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة عَن زَهْدَم عَن عمرَان ابْن حُصَيْن.
قَوْله: (قَرْني) أَي: أهل قَرْني الَّذين أَنا فيهم، وهم الصَّحَابَة. قَوْله: (ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) أَي: ثمَّ قرن الَّذين يلون قَرْني وهم التابعون. قَوْله: (ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) وهم أَتبَاع التَّابِعين. قَوْله: (ينذرون) بِكَسْر الذَّال وَضمّهَا. قَوْله: (وَلَا يفون) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلَا يُوفونَ، وَأَصله. يوفيون، لِأَنَّهُ من أوفي إِيفَاء استثقلت الضمة على الْيَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا فَاجْتمع ساكنان وهم الْيَاء وَالْوَاو فحذفت الْيَاء فَصَارَ: يُوفونَ، على وزن يفعون وَلم تحدف الْوَاو لِأَنَّهَا عَلامَة الْجمع، وَكَذَا الْكَلَام فِي: لَا يفون. قَوْله: (ويخونون) أَي خِيَانَة ظَاهِرَة حَتَّى لَا يؤتمنون أَي: لَا يعتقدونهم أُمَنَاء. قَوْله: (وَيشْهدُونَ) أَي: يتحملون الشَّهَادَة بِدُونِ التحميل، أَو يؤدونها بِدُونِ الطّلب، وَشَهَادَة الْحِسْبَة فِي التَّحَمُّل خَارِجَة عَنهُ بِدَلِيل آخر. قَوْله: (وَيظْهر فيهم السّمن) بِكَسْر السِّين وَفتح الْمِيم أَي: يتكثرون بِمَا لَيْسَ فيهم من الشّرف، أَو يجمعُونَ الْأَمْوَال أَو يغفلون عَن أَمر الدّين، لِأَن الْغَالِب على السمين أَن لَا يهتم بالرياضة، وَالظَّاهِر أَنه حَقِيقَة فِي مَعْنَاهُ لَكِن إِذا كَانَ مكتسباً لَا خلقياً، وَيُقَال معنى: (وَيظْهر فيهم السّمن) أَنه كِنَايَة عَن رغبتهم فِي الدُّنْيَا وإيثارهم شهواتها على الْآخِرَة وَمَا أعد الله فِيهَا لأوليائه من الشَّهَوَات الَّتِي لَا تنفد وَالنَّعِيم الَّذِي لَا يبيد يَأْكُلُون فِي الدُّنْيَا كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام وَلَا يقتدون بِمن كَانَ قبلهم من السّلف الَّذين كَانَت همتهم من الدُّنْيَا فِي أَخذ الْقُوت وَالْبُلغَة وَتَأْخِير شهواتهم إِلَى الْآخِرَة.
٨٢ - (بابُ النَّذْرِ فِي الطّاعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم النّذر فِي الطَّاعَة. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون: بَاب، بِالتَّنْوِينِ وَيُرِيد بقوله: النّذر فِي الطَّاعَة، حصر الْمُبْتَدَأ فِي الْخَبَر فَلَا يكون نذر الْمعْصِيَة نذرا شَرْعِيًّا.
قلت: لهَذَا الِاحْتِمَال وَجه، وَلَكِن قَوْله: بَاب، منون لَا يُقَال كَذَلِك، لِأَن الْمنون هُوَ المعرب والمعرب جُزْء الْمركب نَحْو قَوْلك: زيد قَائِم، فَإِن زيدا وَحده لَا يكون معرباً، وَكَذَا قَائِم وَحده، وَكَذَا لفظ: بَاب، لَا يكون معرباً إِلَّا بالتقدير الَّذِي قدرناه.
وقَوْلِهِ: ﴿ (٢) وَمَا أنفقتم من نَفَقَة أَو نذرتم من نذر فَإِن الله يُعلمهُ وَمَا للظالمين من أنصار﴾ (الْبَقَرَة: ٠٧٢)
سَاق هَذِه الْآيَة غير أبي ذَر إِلَى قَوْله: ﴿من أنصار﴾ ذكرهَا هَهُنَا إِشَارَة إِلَى أَن الَّذِي أوقع الثَّنَاء على فَاعل النّذر هُوَ مَا نذر فِي الطَّاعَة لِأَن النّذر فِي الطَّاعَة وَاجِب الْوَفَاء بِهِ عِنْد الْجُمْهُور لمن قدر عَلَيْهِ وَالنّذر على أَرْبَعَة أَقسَام. أَحدهَا: طَاعَة كَالصَّلَاةِ. الثَّانِي: مَعْصِيّة كَالزِّنَا. الثَّالِث: مَكْرُوه كنذر ترك التَّطَوُّع. الرَّابِع: مُبَاح كنذر أكل بعض الْمُبَاحَات ولبسه، وَاللَّازِم وَالطَّاعَة والقربة عملا بِحَدِيث الْبَاب، وَلَا يلْزم الْعَمَل بِمَا عداهُ عملا بِبَقِيَّة الحَدِيث.
٦٩٦٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا مالِكٌ عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ عنْ القاسِمِ عنْ عائِشَةَ ﵂، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (مَنْ نَذر أنْ يُطِيعَ الله فَليُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يعْصِهِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَطَلْحَة بن عبد الْملك الْأَيْلِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نزيل الْمَدِينَة ثِقَة من طبقَة ابْن جريج، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي النّذر عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ قوم من أهل الحَدِيث: إِن طَلْحَة تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَن الْقَاسِم، قيل: لَيْسَ كَذَلِك، فقد تَابعه أَيُّوب وَيحيى بن أبي كثير عَن ابْن حَيَّان، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن مجبر بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة عَن الْقَاسِم.
قَوْله: (أَن يُطِيع الله) كلمة: مَصْدَرِيَّة والإطاعة أَعم من أَن تكون فِي وَاجِب أَو مُسْتَحبّ. قَوْله: (فليطعه) مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط. قَوْله: (فَلَا يَعْصِهِ) مجزوم أَيْضا لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط، ويروى: من نذر أَن يعْصى الله.
стр. 7031
٩٢ - (بابٌ إِذا نَذَرَ أوْ حَلَفَ أنْ لَا يُكَلَّمَ إنْساناً فِي الجاهِلِيَّةِ ثمَّ أسْلَمَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا نذر شخص أَو حلف أَن لَا يكلم إنْسَانا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهُوَ ظرف لقَوْله: نذر، وَهِي: زمَان فَتْرَة النبوات يَعْنِي: قبل بَعثه نَبينَا ﷺ . قَالَه الْكرْمَانِي: قَوْله: ثمَّ أسلم، أَي: النَّاذِر، وَلم يبين حكمه وَهُوَ جَوَاب: إِذا فَإِن نقل أحد عَن البُخَارِيّ أَنه مِمَّن يُوجب ذَلِك، فجواب: إِذا، يجب ذَلِك، وإلَاّ يكون جَوَابه: ينْدب ذَلِك، وَقد عقد الطَّحَاوِيّ لهَذَا الْبَاب تَرْجَمَة وَهِي أحسن من هَذِه التَّرْجَمَة وأوضح حَيْثُ قَالَ: بَاب الرجل ينذر وَهُوَ مُشْرك نذرا ثمَّ يسلم، لِأَن معنى قَوْله: فِي الْجَاهِلِيَّة، الَّذِي فسره الْكرْمَانِي بقوله: قبل بَعثه النَّبِي ﷺ ، يسْتَلْزم أَن يكون حكم الْمُشرك الَّذِي كَانَ بعد الْبعْثَة وَنذر نذرا ثمَّ أسلم خلاف حكم الَّذِي نذر فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ أسلم بعد الْبعْثَة، مَعَ أَن حكمهمَا سَوَاء.
٧٩٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلِ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ: أنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُول الله! إنِّي نَذَرْتُ فِي الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتكِفَ لَيْلَةً فِي المَسجِدِ الحَرامِ. قَالَ: (أوْفٍ بِنذْرِكَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أوف بِنَذْرِك) لِأَنَّهُ يدل على أَن نذر الْكَافِر صَحِيح، فَإِذا أسلم يلْزمه الْوَفَاء بِهِ. وَفِيه خلاف بَين الْفُقَهَاء على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث مضى فِي آخر الِاعْتِكَاف فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد الله بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله بن عمر ... الخ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَن الرجل إِذا أوجب على نَفسه شَيْئا فِي حَال شركه من اعْتِكَاف أَو صَدَقَة أَو شَيْء مِمَّا يُوجِبهُ الْمُسلمُونَ لله، ثمَّ أسلم، أَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْآثَار.
قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: طاووساً وَقَتَادَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَجَمَاعَة الظَّاهِرِيَّة، وَبِه قَالَ ابْن حزم، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ. فَقَالُوا: لَا يجب عَلَيْهِ فِي ذَلِك شَيْء.
قلت: أَرَادَ بالآخرين: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمداً ومالكاً وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب، وَبِحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِنَّمَا النّذر مَا ابْتغى بِهِ وَجه الله، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن عبد الله بن وهب فِي (مُسْنده) : فَدلَّ على أَن فعل الْكَافِر لم يكن تقرباً إِلَى الله، لِأَنَّهُ حِين كَانَ يُوجِبهُ يقْصد بِهِ الَّذِي كَانَ يعبده من دون الله، وَذَلِكَ مَعْصِيّة، فَدخل فِي قَوْله ﷺ : (لَا نذر فِي مَعْصِيّة الله) . وَأما حَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَالْجَوَاب عَنهُ إِنَّمَا أَمر بِهِ ﷺ ، أَن يَفْعَله الْآن على أَنه طَاعَة لله ، وَكَانَ خلاف مَا أوجبه بِهِ فِي حَال نَذره الَّذِي هُوَ مَعْصِيّة. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: لم يَأْمُرهُ الشَّارِع على جِهَة الْإِيجَاب، وَإِنَّمَا هُوَ على جِهَة الرَّأْي، وَقيل: أَرَادَ ﷺ أَن يعلمهُمْ أَن الْوَفَاء بِالنذرِ من آكِد الْأُمُور، فغلظ أمره بِأَن أَمر عمر بِالْوَفَاءِ. قَوْله: (قَالَ: يَا رَسُول الله) كَانَ قَوْله لرَسُول الله ﷺ ، ذَلِك بعد مَا قسم النَّبِي ﷺ ، غَنَائِم حنين بِالطَّائِف.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي الحَدِيث أَن الصَّوْم لَيْسَ شرطا لصِحَّة الِاعْتِكَاف، وَهُوَ حجَّة على الْحَنَفِيَّة. انْتهى.
قلت: ذهل الْكرْمَانِي عَن قَوْله ﷺ : لَا اعْتِكَاف إلَاّ بِالصَّوْمِ.
٠٣ - (بابُ مَنْ ماتَ وعَلَيْهِ نَذْرٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من مَاتَ وَالْحَال أَنه عَلَيْهِ نذرا، هَل يقْضى عَنهُ أم لَا؟ .
وأمَرَ ابنُ عُمَرَ امْرأةً جَعَلَتْ أُمُّها عَلى نَفْسِها صَلاةً بِقُباءٍ، فَقَالَ: صَلِّي عَنْها
هَذَا أوضح حكم التَّرْجَمَة، يَعْنِي: من مَاتَ وَعَلِيهِ نذر يقْضِي عَنهُ، وبهذ أخذت الظَّاهِرِيَّة، وَقَالُوا: يجب قَضَاء النّذر عَن الْمَيِّت على ورثته صوما كَانَ أَو صَلَاة. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: تجوز النِّيَابَة عَن الْمَيِّت فِي الصَّلَاة وَالْحج وَغَيرهمَا، لتضمن أَحَادِيث
стр. 7032
الْبَاب بذلك. وَفِي (التَّوْضِيح) : الْفِعْل الَّذِي يتَضَمَّن فعل النّذر خَاصَّة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم فَالْمَشْهُور من مَذَاهِب الْفُقَهَاء أَنه لَا يفعل. وَقَالَ مُحَمَّد بن الحكم: يصام عَنهُ وَهُوَ الْقَدِيم للشَّافِعِيّ، وَصحت بِهِ الْأَحَادِيث فَهُوَ الْمُخْتَار، وَقَالَهُ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأهل الظَّاهِر، وَعند الْحَنَفِيَّة: لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم عَنهُ، وَنقل ابْن بطال إِجْمَاع الْفُقَهَاء على أَنه: لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد فرضا وَلَا سنة لَا عَن حَيّ وَلَا عَن ميت، وَالْجَوَاب عَمَّا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه: صَحَّ عَنهُ خلاف ذَلِك، فَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : إِنَّه بلغه أَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يَقُول: لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد، وَيحمل قَوْله. فِي الْأَثر الْمَذْكُور صلي عَنْهَا إِن شِئْت، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: صلي عَلَيْهَا، فَأَما أَن يُقَام: على، مقَام: عَن إِذْ: حُرُوف الْجَرّ بَينهَا مناوبة، وَأما أَن يُقَال: الضَّمِير رَاجع إِلَى قبَاء. انْتهى.
قلت: المناوية بَين الْحُرُوف لَيست على الْإِطْلَاق، وَلم يقل أحد إِن: على، تَأتي بِمَعْنى: عَن، مَعَ أَن جمَاعَة زَعَمُوا أَن. . على، لَا تكون إلَاّ اسْما، ونسبوه لسيبويه. أَقُول: لم لَا يجوز أَن يكون معنى: صلي عَلَيْهَا، أَدعِي لَهَا؟ فَيكون قد أمرهَا بِالدُّعَاءِ لَهَا لَا بِالصَّلَاةِ عَنْهَا.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاس نَحْوَهُ
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَحْو مَا قَالَ عبد الله بن عمر، وَوصل هَذَا المعلَّق ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير قَالَ مرّة: عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِذا مَاتَ وَعَلِيهِ نذر قضي عَنهُ وليه، وَرُوِيَ عَنهُ خلاف ذَلِك، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد، وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد، وَجمع بَعضهم بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن الْإِثْبَات فِي حق من مَاتَ، وَالنَّفْي فِي حق الْحَيّ.
قلت: النَّقْل عَنهُ فِي هَذَا مُضْطَرب فَلَا يقوم بِهِ حجَّة لأحد.
٨٩٦٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ الأنْصاريَّ اسْتَفْتى االنبيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقْضِيَهُ، فأفْتاهُ أنْ يَقْضِيهُ عَنْها، فَكانَتْ سُنَّةً بَعْدُ. (انْظُر الحَدِيث ١٦٧٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوضح حكمهَا أَيْضا. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد ابْن مُسلم، وَعبيد الله هُوَ ابْن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ لمن يتوفى فَجْأَة أَن يتصدقوا عَنهُ وَقَضَاء النّذر عَن الْمَيِّت فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس: أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله ﷺ ... الحَدِيث.
قَوْله: (كَانَ على أمه) اخْتلفُوا فِي النّذر الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا، فَقيل: كَانَ صياما، وَقيل: عتقا، وَقيل: كَانَ صَدَقَة، وَقيل: كَانَ نذرا مُطلقًا لَا ذكر فِيهِ لشَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء، وَالْحكم فِي النّذر الْمُبْهم كَفَّارَة يَمِين، رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَجَابِر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء، وَرُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: أَن النّذر الْمُبْهم أغْلظ الْأَيْمَان وَله أغْلظ الْكَفَّارَات: عتق أَو كسْوَة أَو إطْعَام. قَالَ: وَالصَّحِيح قَول من جعل فِيهِ كَفَّارَة يَمِين لما رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل بن رَافع عَن خَالِد بن يزِيد عَن عقبَة ابْن عَامر قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كَفَّارَة يَمِين) . قَوْله: (فأفتاه) أَي: فَأفْتى النَّبِي ﷺ ، أَن يَقْضِيه عَنْهَا، أَي: عَن أمه، وَذَلِكَ بِحَسب مَا وَقع نذرها. قَوْله: (فَكَانَت سنة بعد) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: صَار قَضَاء الْوَارِث مَا على الْمَوْرُوث طَريقَة شَرْعِيَّة، وَتَبعهُ بَعضهم على هَذَا التَّفْسِير.
قلت: هَذَا وَإِن كَانَ حَاصِل الْمَعْنى، وَلَكِن معنى التَّرْكِيب لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَكَانَت فَتْوَى النَّبِي ﷺ ، سنة يعْمل بهَا بعد إِفْتَاء النَّبِي ﷺ بذلك، وَالضَّمِير فِي: كَانَت، يرجع إِلَى الْفَتْوَى يدل عَلَيْهَا. قَوْله: (فافتاه) وَهُوَ من قبيل قَوْله: ﴿يَاأَيُّهَآ الَّذِينَءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٨) أَي: فَإِن الْعدْل يدل عَلَيْهِ قَوْله: إعدلوا.
٩٩٦٦ - حدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي بِشْرٍ قَالَ: سَمِعتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عنِ ابْن عَبَّاسٍ،
стр. 7033
رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: أتَى رَجُلٌ النبيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا ماتَتْ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (لَوْ كَانَ عَلَيْها دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ؟) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: (فاقْضِ دَيْنَ الله فَهْوَ أحَقُّ بالقَضاءِ) . (انْظُر الحَدِيث ٢٥٨١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة واسْمه جَعْفَر ابْن أبي وحشية، واسْمه إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال: الوَاسِطِيّ.
قَوْله: (أَتَى رجل) قد تقدم فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج فِي: بَاب الْحَج عَن الْمَيِّت: أَن امْرَأَة قَالَت: إِن أُمِّي نذرت ... إِلَى آخِره، وَلَا مُنَافَاة لاحْتِمَال وُقُوع الْأَمريْنِ جَمِيعًا، وَقد مضى الْكَلَام فِي الْحَج عَن الْغَيْر بتفاصيله. قَوْله: (لَو كَانَ عَلَيْهَا دين) تَمْثِيل مِنْهُ ﷺ وَتَعْلِيم لأمته الْقيَاس وَالِاسْتِدْلَال. قَوْله: (فَهُوَ أَحَق بِالْقضَاءِ) أَي: فدين الله أَحَق بِالْأَدَاءِ، قيل إِذا اجْتمع حق الله وَحقّ الْعباد يقدم حق الْعباد، فَمَا معنى فَهُوَ أَحَق. أُجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ إِذا كنت تراعي حق النَّاس فَلِأَن تراعي حق الله كَانَ أولى، وَلَا دخل فِيهِ للتقديم وَالتَّأْخِير إِذْ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَحَق بالتقديم.
١٣ - (بابُ النَّذْرِ فِيما لَا يَمْلِكُ وَفِي مَعْصِيَةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النّذر فِيمَا لَا يملكهُ النَّاذِر. قَوْله: وَفِي مَعْصِيّة، أَي: وَفِي بَيَان حكم النّذر فِي مَعْصِيّة مثل من نذر أَن ينْحَر ابْنه وَنَحْو ذَلِك، وَفِي بعض النّسخ وَلَا فِي مَعْصِيّة.
٠٠٧٦ - حدّثنا أبُو عَاصِمٍ عنْ مالِكٍ عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْد المَلِكِ عنِ القاسِمِ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيهَ فَلا يَعْصِهِ) . (انْظُر الحَدِيث ٦٩٦٦) .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة وَلَا مدْخل لَهُ فِي النّذر فِيمَا لَا يملك، وَقَالَ ابْن بطال: لَا مدْخل لأحاديث الْبَاب كلهَا فِي النّذر فِيمَا لَا يملك، وَإِنَّمَا تدخل فِي نذر الْمعْصِيَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا ملخصه: إِن مَا لَا يملك مثل النّذر بِإِعْتَاق عبد فلَان، وَاتَّفَقُوا على جَوَاز النّذر فِي الذِّمَّة بِمَا لَا يملك كإعتاق عبد، وَلم يملك شَيْئا. انْتهى. وَقَالَ غَيره: تلقى البُخَارِيّ عدم لُزُوم النّذر فِيمَا لَا يملكهُ من عدم لُزُومه فِي الْمعْصِيَة، لِأَن نَذره ملك غَيره تصرف فِي ملك الْغَيْر وَهُوَ مَعْصِيّة. انْتهى.
قلت: كل مِنْهُمَا لم يذكر شَيْئا فِيهِ كِفَايَة للمقصود، غَايَة فِي الْبَاب تكلفاً فِي: بَاب وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة. والْحَدِيث الأول وَلم يجيبا عَمَّا قَالَه ابْن بطال لَا مدْخل لأحاديث الْبَاب كلهَا فِي النّذر فِيمَا لَا يملكهُ، وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى على المتأمل، وَشَيخ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور هُوَ أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد الْبَصْرِيّ، وَالقَاسِم هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مر عَن قريب جدا فِي: بَاب النّذر فِي الطَّاعَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
١٠٧٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَاى عنْ حُمَيْدٍ عنْ ثابتٍ عنْ أنسٍ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (إنَّ الله لَغَنِيٌّ عنْ تَعْذِيبِ هاذا نَفْسَهُ) ورآهُ يَمْشي بَيْنَ ابنَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٦٨١) .
هَذَا يُمكن أَن يدْخل فِي الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَأما الْجُزْء الأول فَلَا دخل لَهُ فِيهِ أصلا. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَحميد هُوَ ابْن أبي حميد الطَّوِيل أَبُو عُبَيْدَة الْبَصْرِيّ عَن ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي أَوله ابْن أسلم الْبنانِيّ أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن سَلام، وأوله: رأى شَيخا يهادي بَين ابنيه، وَهنا ذكره مُخْتَصرا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
وَقَالَ الفَزارِيُّ: عنْ حُمَيْدٍ حدّثني ثابِتٌ عنْ أنَسٍ
الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء هُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْكُوفِي، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن حميدا صرح بِالتَّحْدِيثِ هُنَا عَن ثَابت، وَوَصله فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْفَزارِيّ.
٢٠٧٦ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ سُلَيْمانَ الأحْوَلِ عنْ طاوُوس عنِ ابنِ عَبَّاسٍ
стр. 7034
أنَّ النبيِّ ﷺ رَأى رَجُلاً يَطُوفُ بالكَعْبَةِ بِزَمامٍ أَو غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ.
الْكَلَام فِيهِ مثل الحَدِيث الَّذِي قبله وَأَبُو عِصَام قد مر الْآن، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن أبي عَاصِم أَيْضا وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى.
(رأى رجلا) اسْمه تُرَاب، قَالَه الْكرْمَانِي. قَوْله: (أَو غَيره) شكّ من الرَّاوِي أَي أَو غير الزِّمَام، وَهُوَ الخطام.
٣٠٧٦ - حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبرنِي سُليْمانُ الأحْوَلُ أنَّ طاوُوساً أخْبَرَهُ عَن ابْن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّ وهْوَ يَطُوفُ بالْكَعْبَةِ بإنْسانٍ يَقُودُ إنْساناً بِخِزَامَةٍ فِي أنْفِهِ، فَقَطَعها النبيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُودَه بِيَدِهِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء الرَّازِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف عَن عبد الْملك بن جريج عَن سُلَيْمَان بن أبي مُوسَى الْأَحول عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، وَهَذَا الطَّرِيق أنزل من الطَّرِيق الْمَذْكُور.
قَوْله: (وَهُوَ يطوف) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (يَقُود) جملَة وَقعت صفة لقَوْله: (بِإِنْسَان) قَوْله: (بخزامة) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وَهِي حَلقَة من شعر أَو وبر تجْعَل فِي الحاجز الَّذِي بَين منخري الْبَعِير يشد بهَا الزِّمَام ليسهل القياد إِذا كَانَ صعباً.
٤٠٧٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: بَيْنا النبيُّ ﷺ يَخْطُبُ إذَا بِرَجُلٍ قائِمٍ، فَسأل عنهُ فقالُوا: أبُو إسْرَائِيلَ، نَذَرَ أنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ ولَا يَسْتَظَلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ ويَصُومَ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (مُرْهُ فَلْيتكَلَّمْ ولْيَسْتَظِلَّ ولْيَقْعُدْو لْيُتِمَّ صَوْمَهُ) .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة لِأَن نذر الرجل بترك الْقعُود وَترك الاستظلال وَترك التَّكَلُّم لَيست بِطَاعَة، فَإِذا كَانَ نَذره فِي غير طَاعَة يكون مَعْصِيّة، لِأَن الْمعْصِيَة خلاف الطَّاعَة.
ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري الَّذِي يُقَال لَهُ التَّبُوذَكِي، ووهيب مصغر وهب بن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان عَن مُوسَى الْمَذْكُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ.
قَوْله: (يخْطب) زَاد الْخَطِيب فِي (المبهمات) : من وَجه آخر: يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (إِذا بِرَجُل) جَوَاب قَوْله: (بَينا النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة أبي يعلى: إِذْ الْتفت فَإِذا هُوَ بِرَجُل. قَوْله: (قَائِم) صفة رجل، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: قَائِم فِي الشَّمْس، وَفِي رِوَايَة: قَائِم يُصَلِّي. قَوْله: (فَسَأَلَ عَنهُ) أَي، فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الرجل. قَوْله: (فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيل) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل، وَزَاد الْخَطِيب: رجل من قُرَيْش. وَقَالَ الْكرْمَانِي: رجل من الْأَنْصَار، وَقَالَ بَعضهم: ترْجم لَهُ ابْن الْأَثِير تبعا لغيره، فَقَالَ: إِسْرَائِيل الْأنْصَارِيّ، فاغتر بذلك الْكرْمَانِي فَجزم بِأَنَّهُ من الْأَنْصَار، وَالْأول أولى. انْتهى.
قلت: يُقَال لهَذَا الْقَائِل: إِن كَانَ الْكرْمَانِي اغْترَّ بِكَلَام ابْن الْأَثِير، فَأَنت اغتررت بِكَلَام الْخَطِيب، وأولوية الأول من أَيْن؟ مَعَ أَن أَبَا عمر بن عبد الْبر قَالَ فِي (الِاسْتِيعَاب) : فِي بَاب الكنى: أَبُو إِسْرَائِيل رجل من الْأَنْصَار من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، ثمَّ ذكر حَدِيثه الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: اسْمه يسير، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة، وَقيل: قُشَيْر، بِضَم الْقَاف وَفتح الشين الْمُعْجَمَة، وَقيل: قصير، باسم ملك الرّوم وَلَا يُشَارِكهُ أحد فِي كنيته من الصَّحَابَة. قَوْله: (مره) أَمر من أَمر أَي: مر أَبَا إِسْرَائِيل، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: مروه، بِصِيغَة الْجمع. قَوْله: (وليتم صَوْمه) لِأَن الصَّوْم قربَة بِخِلَاف أخواته.
وَفِي حَدِيثه: دَلِيل على أَن السُّكُوت عَن الْمُبَاح أَو عَن ذكر الله لَيْسَ بِطَاعَة، وَكَذَلِكَ الْجُلُوس فِي الشَّمْس، وَفِي مَعْنَاهُ كل مَا يتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَان مِمَّا لَا طَاعَة فِيهِ وَلَا قربَة بِنَصّ كتاب أَو سنة، كالجفاء وَغَيره، وَإِنَّمَا
стр. 7035
الطَّاعَة مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله ﷺ .
قَالَ عبْدُ الوَهَّابِ: حدّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَة عنِ النبيِّ ﷺ
أَشَارَ بتعليقه عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس إِلَى أَنه روى أَيْضا مُرْسلا لِأَن عِكْرِمَة من التَّابِعين، وَاخْتلفُوا فِي مثل هَذَا فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِن الْمَوْصُول أرجح لزِيَادَة الْعلم من واصله.
٢٣ - (بابُ مَنْ نَذَرَ أنْ يَصُومَ أيَّاماً فَوَافَقَ النَّحْرَ أوِ الفِطْرَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من نذر أَن يَصُوم أَيَّامًا بِعَينهَا فاتفق أَنه وَافق يَوْمًا مِنْهَا يَوْم الْفطر أَو يَوْم النَّحْر، هَل يجوز لَهُ أَن يَصُوم ذَلِك الْيَوْم أَو لَا؟ أم كَيفَ حكمه؟ وَلم يبين الحكم على عَادَته فِي غَالب الْأَبْوَاب. إِمَّا اكْتِفَاء بِمَا يُوضح ذَلِك من حَدِيث الْبَاب، أَو اعْتِمَادًا عَن المستنبط مِمَّا قَالَه الْفُقَهَاء فِي ذَلِك الْبَاب، وَالْحكم هُنَا أَن إنْشَاء الصَّوْم فِي يَوْم الْفطر أَو فِي يَوْم النَّحْر لَا يجوز إِجْمَاعًا وَلَو نذر صومهما لَا ينْعَقد عندالشافعية، وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك، وَعند أبي حنيفَة: ينْعَقد وَلَكِن لَا يَصُوم وَيجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَعند الْحَنَابِلَة رِوَايَتَانِ فِي وجوب الْقَضَاء، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى فِي أَوَاخِر كتاب الصَّوْم.
٧٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي حَدثنَا فُضَيْل بن سُلَيْمَان حَدثنَا مُوسَى بن عقبَة حَدثنَا حَكِيم بن أبي حرَّة الْأَسْلَمِيّ أَنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ سُئِلَ عَن رجل نذر أَن لَا يَأْتِي عَلَيْهِ يَوْم إِلَّا صَامَ فَوَافَقَ يَوْم أضحى أَو فطر فَقَالَ لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لم يكن يَصُوم يَوْم الْأَضْحَى وَالْفطر وَلَا نرى صيامهما) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه إِيضَاح حكم التَّرْجَمَة وَمُحَمّد بن أبي بكر الْمقدمِي على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من التَّقْدِيم وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالكاف ابْن أبي حرَّة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي وَأَبُو حرَّة لَا يدرى اسْمه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد وَقد أوردهُ مُتَابعًا لزياد بن جُبَير عَن ابْن عمر فِي الحَدِيث الْآتِي قَوْله سُئِلَ عَن رجل جملَة وَقعت حَالا عَن عبد الله بن عمر وَسُئِلَ على صِيغَة الْمَجْهُول لم يسم السَّائِل فَيحْتَمل أَن يكون رجلا أَو امْرَأَة قَالَ بَعضهم بعد أَن أورد من طَرِيق ابْن حبَان عَن كَرِيمَة بنت سِيرِين أَنَّهَا سَأَلت ابْن عمر فَقَالَت جعلت على نَفسِي أَن أَصوم كل أربعاء وَالْيَوْم يَوْم الْأَرْبَعَاء وَهُوَ يَوْم النَّحْر فَقَالَ أَمر الله بوفاء النّذر وَنهى رَسُول الله عَن صَوْم يَوْم النَّحْر وَرُوَاته ثِقَات يُفَسر بهَا الْمُبْهم فِي رِوَايَة حَكِيم بِخِلَاف رِوَايَة زِيَاد بن جُبَير حَيْثُ قَالَ فَسَأَلَهُ رجل انْتهى قلت فِيهِ نظر لِأَن أَبَا نعيم أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور من طَرِيق مُحَمَّد بن أبي بكر شيخ البُخَارِيّ وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن أبي بكر وَلَفظه أَنه سمع رجلا يسْأَل عبد الله بن عمر عَن رجل نذر فَذكر الحَدِيث وَهَذَا أقرب وَأولى لتفسير الْمُبْهم الْمَذْكُور من تَفْسِيره بِمَا فِي حَدِيث أَجْنَبِي عَن هَذَا مَعَ أَنه لَا مُنَافَاة أَن يَكُونَا قضيتين وَفِي وَاحِدَة مِنْهُمَا السَّائِل رجل وَفِي الْأُخْرَى امْرَأَة قَوْله لم يكن أَي رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله وَلَا يرى قَالَ الْكرْمَانِي وَلَا نرى بِلَفْظ الْمُتَكَلّم فَيكون من جملَة مقول عبد الله بن عمر ويروى بِلَفْظ الْغَائِب وفاعله عبد الله وقائله حَكِيم بن أبي حرَّة وَقَالَ بَعضهم وَقع فِي رِوَايَة يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي بِلَفْظ لم يكن رَسُول الله ﷺ َ - يَصُوم يَوْم الْأَضْحَى وَلَا يَوْم الْفطر وَلَا يَأْمر بصيامهما انْتهى قلت قَصده أَن يخدش فِي كَلَام الْكرْمَانِي فِي نَقله الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْله وَلَا يرى وَلَا يضرّهُ ذَلِك لِأَن كَون الْفَاعِل فِي هَذَا هُوَ رَسُول الله ﷺ َ - لَا يُنَافِي كَون الْفَاعِل فِي ذَلِك هُوَ عبد الله فِي الْوَجْهَيْنِ وَالْقَائِل هُوَ حَكِيم بن أبي حرَّة فِي الْوَجْه الثَّانِي
стр. 7036
بِنَاء على تعدد الْقَضِيَّة -
٦٠٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ سَلَمَة حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ يُونُسَ عنْ زِيادِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ فَسألهُ رجُلٌ فَقَالَ: نَذَرْتُ أنْ أصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثُلَاثَاءَ أوْ أرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ، فَوَافَقْتُ هَذَا اليَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أمَرَ الله بِوَفاءِ النَّذْرِ، ونُهِينا أنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ، فأعادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٩١ وطرفه) .
هَذَا وَجه آخر فِي حَدِيث ابْن عمر، وَيُونُس هوابن عبيد مُصَغرًا، أَو زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر جبر.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الصَّوْم فِي: بَاب الصَّوْم فِي يَوْم النَّحْر.
قَوْله: (ثلاثاء أَو أربعاء) شكّ من الرَّاوِي وهما لَا ينصرفان لأجل ألف التَّأْنِيث الممدودة كألف حَمْرَاء وسمراء وَنَحْوهمَا، ويجمعان على ثلاثاوات والأربعاوات، بِكَسْر الْبَاء، وَحكي عَن بعض بني أَسد فتحهَا. قَوْله: (أَمر الله) حَيْثُ قَالَ: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ (الْحَج: ٩٢) قَوْله: (ونهينا) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْعرْف شَاهد بِأَن رَسُول الله ﷺ هُوَ الناهي. قَوْله: (فَأَعَادَ إِلَيْهِ) أَي: أعَاد الرجل كَلَامه على ابْن عمر. قَوْله: (فَقَالَ مثله) أَي: فَقَالَ ابْن عمر مثل مَا قَالَ فِي الأول (لَا يزِيد عَلَيْهِ) أَي: لَا يقطع بِلَا أَو نعم، وَهَذَا من غَايَة ورعه حَيْثُ توقف فِي الْجَزْم بِأَحَدِهِمَا لتعارض الدَّلِيلَيْنِ عِنْده، وَفِي (التَّوْضِيح) : جَوَاب ابْن عمر جَوَاب من أشكل عِنْده الحكم فتوقف، نعم جَوَابه أَن لَا يصام وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة. انْتهى.
قلت: وَفِي سِيَاق الرِّوَايَة إِشْعَار بِأَن الرَّاجِح عِنْده الْمَنْع على مَا لَا يخفى.
٣٣ - (بابٌ هَلْ يَدْخلُ فِي الأيْمانِ والنُّذُور الأرْضُ والغَنَمُ والزُّرُوعُ والأمْتِعَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يدْخل فِي الْأَيْمَان ... إِلَى آخِره، يَعْنِي: هَل يَصح الْيَمين وَالنّذر على الْأَعْيَان؟ فصورة الْيَمين نَحْو قَوْله ﷺ : (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن هَذِه الشملة لتشتعل، عَلَيْهِ نَارا) ، وَصُورَة النّذر مثل أَن يَقُول: هَذِه الأَرْض لله نذرا، وَنَحْوه. وَقَالَ الْمُهلب: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا أَن يبين أَن المَال يَقع على كل متملك، أَلا ترى قَول عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أصبت أَرضًا لم أصب مَالا قطّ أنفس مِنْهُ، وَقَول أبي طَلْحَة: أحب الْأَمْوَال إِلَيّ بيرحاء، وهم الْقدْوَة فِي الفصاحة وَمَعْرِفَة لِسَان الْعَرَب؟ وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على أبي حنيفَة، فَإِنَّهُ يَقُول: إِن من حلف أَو نذر أَن يتَصَدَّق بِمَالِه كُله فَإِنَّهُ لَا يَقع يَمِينه ونذره من الْأَمْوَال إلَاّ على مَا فِيهِ الزَّكَاة خَاصَّة. انْتهى.
قلت: قد كثر اخْتلَافهمْ فِي تَفْسِير المَال حَيْثُ قَالَ ابْن عبد الْبر وَآخَرُونَ: إِن المَال فِي لُغَة دوس، قَبيلَة أبي هُرَيْرَة، غير الْعين كالعروض وَالثيَاب، وَعند جمَاعَة: المَال هُوَ الْعين كالذهب وَالْفِضَّة خَاصَّة، وَحكى المطرزي أَن المَال هُوَ الصَّامِت كالذهب وَالْفِضَّة والناطق، وَحكى القالي عَن ثَعْلَب أَنه قَالَ: المَال عِنْد الْعَرَب أَقَله مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة، وَمَا نقص عَن ذَلِك فَلَا يُقَال لَهُ مَال. وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (العريض) : الْعَرَب لَا توقع اسْم المَال مُطلقًا إلَاّ على الْإِبِل لشرفها عِنْدهم وَكَثْرَة غنائها، قَالَ: وَرُبمَا أوقعوه على أَنْوَاع الْمَوَاشِي كلهَا، وَمِنْهُم من أوقعه على جَمِيع مَا يملكهُ الْإِنْسَان لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) فَلم يخص شَيْئا دون شَيْء، وَهُوَ اخْتِيَار كثير من الْمُتَأَخِّرين، فَلَمَّا رأى البُخَارِيّ هَذَا الِاخْتِلَاف أَشَارَ إِلَى أَن المَال يَقع على كل متملك، كَمَا حكى عَنهُ الْمُهلب، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، فتبيَّن من ذَلِك أَنه اخْتَار هَذَا القَوْل فَلَا حَاجَة إِلَى قَول صَاحب (التَّوْضِيح) : إِنَّه أَرَادَ بِهِ الرَّد على أبي حنيفَة، لِأَنَّهُ اخْتَار قولا من الْأَقْوَال فَكَذَلِك اخْتَار أَبُو حنيفَة قولا من الْأَقْوَال، فَلَا اخْتِصَاص بِذكر الرَّد عَلَيْهِ خَاصَّة، وَلَكِن عرق العصبية الْبَاطِلَة نَزعه إِلَى ذَلِك.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ للنبيِّ ﷺ : أصَبْتُ أرْضاً لَمْ أصِبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ، قَالَ: (إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَها وتَصَدَّقْتَ بِها) .
ذكر هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الأَرْض يُطلق عَلَيْهَا المَال، وَهَذَا تَعْلِيق ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا مَوْصُولا. قَوْله: حبست،
стр. 7037
أَي: وقفت، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَقَالَ أبُو طَلْحَةَ لِلنبيِّ ﷺ أحبُّ أمْوالي إلَيَّ بَيْرُحاءٍ، لِحَائِطٍ لهُ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجدِ
ذكر هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا عَن أبي طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، إِشَارَة إِلَى أَن الْحَائِط الَّذِي هُوَ الْبُسْتَان من النّخل يُطلق عَلَيْهِ المَال، وَقد تقدم هَذَا مَوْصُولا فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. قَوْله: (إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (بيرحاء) قد مر ضَبطه هُنَاكَ. قَوْله: (لحائط) ، اللَّام فِيهِ للتبيين كَمَا فِي نَحْو ﴿هيت لَك﴾ أَي: هَذَا الِاسْم لحائط. قَوْله: (مُسْتَقْبلَة الْمَسْجِد) أَي: مُقَابِله. وتأنيثه بِاعْتِبَار الْبقْعَة.
٧٠٧٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثنيمالِكٌ عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ الدِّيليِّ عنْ أبي الغَيْثِ مَوْلَى ابنِ مُطِيعٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ يَوْم خَيْبَرَ فَلع نَغْنَمْ ذَهَباً وَلَا فِضةً إلَاّ الأمْوالَ والثِّيابَ والمَتاعَ، فأهْدَى رجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ يُقالُ لَهُ: رِفاعَة بنُ زَيْدٍ، لِرَسُولِ الله ﷺ غُلَاماً يُقالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوَجَّهَ رسولُ الله ﷺ إِلَى وَادي القُرَى حتَّى إذَا كانَ بِوَادِي القُرَى، بَيْنَما مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلاً لِرَسُولِ الله ﷺ ، إذَا سَهْمٌ عائِزٌ فَقَتَلهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئاً لهُ الجَنَّةُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (كَلَاّ! والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغانِمِ لَمْ تُصِبْها المقاسِمِ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارا) ، فَلمَّا سَمِعَ ذالِكَ النّاسُ جاءَ رجلٌ بِشِرَاكٍ أوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أوْ: شِرَاكَانِ مِنْ نارٍ.
(انْظُر الحَدِيث ٤٣٢٤) .
أَشَارَ بِهَذَا الحَدِيث إِلَى أَن المَال لَا يُطلق إلَاّ على الثِّيَاب والأمتعة وَنَحْوهمَا، لِأَن الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله: إلَاّ الْأَمْوَال، مُنْقَطع يَعْنِي: لَكِن الْأَمْوَال هِيَ الثِّيَاب وَالْمَتَاع، قيل: هَذَا على لُغَة دوس قَبيلَة أبي هُرَيْرَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث عَن مَالك، فروى ابْن الْقَاسِم مثل رِوَايَة البُخَارِيّ، وروى يحيى بن يحيى وَجَمَاعَة عَن مَالك: الْأَمْوَال وَالثيَاب من الْمَتَاع، بواو الْعَطف.
وَإِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ هُوَ ابْن أويس، وثور بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن زيد الديلِي بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى ديل بن هداد بن زيد قَبيلَة من الأزد فِي تغلب وَفِي ضبة، وَأَبُو الْغَيْث بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة واسْمه سَالم مولى ابْن مُطِيع.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة خَيْبَر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن مَالك بن أنس عَن ثَوْر بن زيد عَن سَالم ... إِلَى آخِره. قَوْله: (من بني ضبيب) بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبباء أُخْرَى، وَقَالَ ابْن الرشاطي: فِي جذام الضبيب. قَوْله: (رِفَاعَة) بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وبالعين الْمُهْملَة ابْن زيد بن وهب، قدم على النَّبِي ﷺ ، فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة فِي جمَاعَة من قوم فأسلموا، وَعقد لَهُ رَسُول الله ﷺ ، على قومه. قَوْله: (مدعم) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة، وَكَانَ أسود. قَوْله: (فَوجه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَادي الْقرى) جمع الْقرْيَة مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة. قَوْله: (عاير) بِالْعينِ الْمُهْملَة وَبعد ألف يَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: لَا يُدري من رمى بِهِ، كَذَا ضَبطه بَعضهم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: العائر بِالْعينِ المهلمة والهمزة بعد الْألف وبالراء: الجائر عَن قَصده. قَوْله: (أَن الشملة) هِيَ الكساء. قَوْله: (لم تصبها المقاسم) أَي: أَخذهَا قبل قسْمَة الْغَنَائِم وَكَانَ غلولاً. قَوْله: (بِشِرَاك) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَهُوَ سير النَّعْل الَّذِي يكون على وَجهه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٨ - (كتابُ كَفَارَاتِ الأيْمانِ)
أَي هَذَا كتاب فِي بَيَان حكم كَفَّارَات الْأَيْمَان، هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب كَفَّارَات الْأَيْمَان.
стр. 7038
وَالْكَفَّارَات جمع كَفَّارَة على وزن فعالة بِالتَّشْدِيدِ من الْكفْر وَهُوَ التغطية، وَمِنْه قيل للزراع: كَافِر، لِأَنَّهُ يُغطي الْبذر، وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَة لِأَنَّهَا تكفر الذَّنب أَي: تستره، وَمِنْه تكفر الرجل بِالسِّلَاحِ إِذا تستر بِهِ، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْكَفَّارَة مَا يكفر بِهِ من صَدَقَة وَنَحْوهَا.
١ - (بَاب وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ (٥) فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨)
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على كَفَّارَات الْأَيْمَان، وأوله: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) الْآيَة أَي: فكفارة مَا عقدتم الْأَيْمَان إطْعَام عشر مَسَاكِين.
وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار الْإِطْعَام فَقَالَت طَائِفَة: يجْزِيه لكل إِنْسَان مد من طَعَام بِمد الشَّارِع، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو زيد بن ثَابت وَأبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عَطاء وَالقَاسِم وَسَالم وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَت طَائِفَة: يطعم لكل مِسْكين نصف صَاع من حِنْطَة، وَإِن أعْطى تَمرا أَو شَعِيرًا فصاعاً صَاعا، رُوِيَ هَذَا عَن عمر ابْن الْخطاب وَعلي وَزيد بن ثَابت فِي رِوَايَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَسَائِر الْكُوفِيّين.
وَمَا أمَرَ النبيُّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١)
كلمة: مَا، مَوْصُولَة أَي: وَالَّذِي أَمر النَّبِي ﷺ حِين نزل قَوْله : ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ يُشِير بهَا إِلَى حَدِيث كَعْب بن عجْرَة ﵁، الَّذِي يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ حَدِيث كَعْب بن عجْرَة فِي هَذَا الْبَاب من أجل التَّخْيِير فِي كَفَّارَة الْأَذَى كَمَا هِيَ فِي كَفَّارَة الْيَمين بِاللَّه، وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآن كلمة: أَو، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) فصاحبه بِالْخِيَارِ، يَعْنِي: هُوَ الْوَاجِب الْمُخَير على مَا يَأْتِي الْآن، وَيُقَال معنى قَوْله: وَمَا أَمر الله، الْكَفَّارَة المخيرة.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَباسٍ وعَطاءٍ وعِكْرَمَةَ: مَا كانَ فِي القُرْآنِ: أوْ أوْ، فصاحِبُهُ بالخِيارِ، وقَدْ خَيَّرَ النبيُّ ﷺ كَعْباً فِي الفِدْيَةِ.
إِنَّمَا ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بِصِيغَة التمريض لِأَنَّهُ رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ فِي (تَفْسِيره) : عَن لَيْث بن أبي سليم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن: أَو أَو نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) فَهُوَ فِيهِ مُخَيّر، وَمَا كَانَ ﴿فَمن لم يجد﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) فَهُوَ على الْوَلَاء أَي التَّرْتِيب، وَأما أثر عَطاء بن أبي رَبَاح فوصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج قَالَ: قَالَ عَطاء: مَا كَانَ فِي الْقُرْآن: أَو أَو فلصاحبه أَن يخْتَار أَيهَا شَاءَ، وَأما أثر عِكْرِمَة فوصله الطَّبَرِيّ أَيْضا من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَنهُ قَالَ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن: أَو أَو، فليتخير فَإِذا كَانَ ﴿فَمن لم يجد﴾ فَالْأول فَالْأول. قَوْله: (كَعْبًا) أَي: كَعْب بن عجْرَة، على مَا يَأْتِي الْآن.
٨٠٧٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونس حَدثنَا أبُو شِهابٍ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مِجاهِدٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمان ابنِ أبي ليْلَى عنْ كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ قَالَ: أتَيْتُهُ يَعْنِي: النبيَّ ﷺ فَقَالَ: (ادْنُ) فَدَنْوتُ فَقَالَ: (أيُؤْذِيكَ هُوَامُّكَ) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿ (٢) فديَة من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
وَأَخْبرنِي ابنُ عَوْنٍ عنْ أيُّوبَ قَالَ: صِيامُ ثَلَاثَةٍ أيَّامٍ، والنُّسُكُ شاةٌ، والمَساكِينُ سِتَّةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ التَّخْيِير كَمَا فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس نسب إِلَى جده، وَأَبُو شهَاب هُوَ الْأَصْغَر واسْمه عبد ربه بن نَافِع الْخياط صَاحب الْمَدَائِنِي، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج بشرحه.
قَوْله: (أَتَيْته) وَفِي رِوَايَة أبي نعيم: فَأتيت النَّبِي ﷺ . قَوْله: (هوامك) جمع هَامة
стр. 7039
وَكَانَ يَتَنَاثَر الْقمل من رَأسه.
قَوْله: (وَأَخْبرنِي) عطف على مُقَدّر أَي: قَالَ أَبُو شهَاب: أَخْبرنِي فلَان كَذَا، وَأَخْبرنِي ابْن عون عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ أَن المُرَاد بالصيام ثَلَاثَة أَيَّام وبالنسك شَاة وبالصدقة إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين.
٢ - (بابُ قَوْل الله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (التَّحْرِيم: ٢) مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ عَلى الغِنَيِّ والفَقِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله : ﴿قد فرض الله لكم﴾ ... الْآيَة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَتى تجب الْكَفَّارَة على الْغَنِيّ وَالْفَقِير. وَقَول الله : ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلغيره: بَاب قَول الله ... وَسَاقُوا الْآيَة، وَبعدهَا: مَتى تجب الْكَفَّارَة على الْغَنِيّ وَالْفَقِير، كَمَا فِي نسختنا، وَقد سقط ذكر الْآيَة عِنْد الْبَعْض. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُنَاسب أَن يذكر هَذِه الْآيَة فِي أول الْبَاب الَّذِي قبله.
قلت: الْأَنْسَب أَن يذكر فِي التَّفْسِير فِي سُورَة التَّحْرِيم. قَوْله: (قد فرض الله) أَي: قد بيَّن ﴿الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ أَي: تحليلها بِالْكَفَّارَةِ.
٩٠٧٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ عنْ حُمَيْدِ بنِ عبْدِ الرحمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جاءَ رجُلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ. قَالَ ﷺ : (وَمَا شأنُكَ؟) قَالَ: وقَعْت عَلى امْرأتِي فِي رَمضانَ. قَالَ: (تَسْتَطِيعُ أنَّ تُعْتِقَ رَقَبَة؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَستَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينَا؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (اجْلِسْ) فَجَلَسَ فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ المكْتَلُ الضَّخْمُ، قَالَ: (خُذْ هاذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) قَالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنِّي؟ فَضَحَك النبيُّ ﷺ حتَّى بَدَتْ نَوَاجذُهُ. قَالَ: (أطْعِمْهُ عِيالَكَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَحميد بِضَم الْحَاء ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه الْجَمَاعَة. وَأخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع: فِي الصَّوْم عَن أبي الْيَمَان وَفِي الْهِبَة وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَفِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن القعْنبِي وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَفِي النَّفَقَات عَن أَحْمد بن يُونُس وَفِي الْمُحَاربين عَن قُتَيْبَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الصَّوْم.
قَوْله: (سمعته من فِيهِ) أَي: قَالَ سُفْيَان سمعته من فَم الزُّهْرِيّ، وغرضه أَنه لَيْسَ مُعَنْعنًا موهماً للتدليس. قَوْله: (جَاءَ رجل) قيل اسْمه سَلمَة بن صَخْر البياضي. قَوْله: (هَلَكت) يُرِيد بِمَا وَقع فِيهِ من الْإِثْم، وَقد يُقَال: إِنَّه وَاقع مُتَعَمدا. وَفِي النَّاسِي خلاف، فمذهب مَالك أَنه لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، خلافًا لِابْنِ الْمَاجشون. قَوْله: (وَمَا شَأْنك؟) أَي: وَمَا حالك وَمَا جرى عَلَيْك؟ قَوْله: (تَسْتَطِيع أَن تعْتق رَقَبَة؟) احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ على أَن كَفَّارَة الوقاع مرتبَة، وَهُوَ أحد قولي ابْن حبيب، وَعَن مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : لَا أعرف غير الْإِطْعَام. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عَلَيْهِ عتق رَقَبَة، أَو هدي بَدَنَة، أَو عشرُون صَاعا لأربعين مِسْكينا. قَوْله: (فَأتى) على صِيغَة الْمَجْهُول (بعرق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء: القفة المنسوجة من الخوص. قَوْله: (المكتل) بِكَسْر الْمِيم الزنبيل الَّذِي يسع خَمْسَة عشر صَاعا وَأكْثر. قَوْله: (أَعلَى أفقر مني؟) ويروى: (منا) . والهمزة فِي (أَعلَى) للاستفهام. قَوْله: (حَتَّى بَدَت) أَي: ظَهرت (نَوَاجِذه) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة آخر الْأَسْنَان وأولها الثنايا ثمَّ الرباعيات ثمَّ الأنياب ثمَّ الضواحك ثمَّ الأرحاء ثمَّ النواجذ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: النواجذ الأضراس، وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث، وَقَالَ غَيره هِيَ: الضواحك، وَقَالَ ابْن فَارس: الناجذ السن بَين الأنياب والضرس، وَقيل: الأضراس كلهَا النواجذ، وَقيل: سَبَب ضحكه وجوب الْكَفَّارَة على هَذَا المجامع وَأَخذه ذَلِك صَدَقَة وَهُوَ غير آثم. قيل: هَذَا مَخْصُوص بِهِ، وَقيل: مَنْسُوخ.
٣ - (بابُ مَنْ أعانَ المُعْسِرَ فِي الكَفَّارَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أعَان الْمُعسر الْعَاجِز فِي الْكَفَّارَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ.
стр. 7040
٠١٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَحْبُوبٍ حدّثنا عبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جاءَ رجُلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ. فَقَالَ: (وَمَا ذاكَ؟) قَالَ: وقَعْتُ بأهْلِي فِي رَمضانَ. قَالَ: (تَجِدُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟) قَالَ: لَا. قَالَ: فَجاءَ رجَلٌ مِنَ الأنْصارِ بِعَرَقٍ، والعَرَقُ المِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: (إذْهَبْ بِهَذا فَتَصَدَّقْ بِهِ) قَالَ: عَلى أحْوَجَ مِنَّا يَا رسُولَ الله؟ والَّذِي بَعثكَ بالحقِّ مَا بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ترْجم لَهُ بالترجمة الْمَذْكُورَة.
وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب الْبَصْرِيّ عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي عَن معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره.
قَوْله: (مَا بَين لابتيها) تَثْنِيَة: لابة، بتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي الْحرَّة يَعْنِي: بَين طرفِي الْمَدِينَة والحرة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: أَرض ذَات حِجَارَة سود.
٤ - (بابٌ يُعْطِي فِي الكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيباً كَانَ أوْ بَعِيداً)
أَي: هَذَا بَاب مترجم بقوله: يُعْطي فِي الْكَفَّارَة. أَي: فِي كَفَّارَة الْيَمين عشرَة مَسَاكِين، كَمَا فِي نَص الْقُرْآن. قَوْله: قَرِيبا أَي: سَوَاء كَانَت الْمَسَاكِين قريبَة أَو بعيدَة، وَإِنَّمَا قَالَ: قَرِيبا أَو بَعيدا بالتذكير إِمَّا بِاعْتِبَار لفظ: مَسَاكِين، فَلذَلِك قَالَ: كَانَ وَلم يقل: كَانَت وَلَا كَانُوا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَن فعيلاً يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٥) قيل: لَا وَجه لذكر الْعشْرَة هُنَا، لِأَنَّهَا فِي كَفَّارَة الْيَمين، وَحَدِيث الْبَاب فِي كَفَّارَة الوقاع، فَلَا يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة. وَأجَاب الْمُهلب بِمَا حَاصله: أَن حكم الْعشْرَة مَسَاكِين فِي كَفَّارَة الْيَمين مُبْهمَة من حَيْثُ لم يذكر فِيهِ قريب وَلَا بعيد، وَجَاء فِي كَفَّارَة الوقاع فِي حَدِيث الْبَاب: (أطْعمهُ أهلك) وَهُوَ مُفَسّر، والمفسر يقْضِي على الْمُجْمل، وقاس كَفَّارَة الْيَمين على كَفَّارَة الْجِمَاع فِي إجَازَة الصّرْف على الأقرباء لِأَنَّهُ إِذا جَازَ إِعْطَاء الأقرباء فالبعداء أجوز. انْتهى.
قلت: هَذَا إِنَّمَا يمشي إِذا حمل قَوْله: (أطْعمهُ أهلك) على وَجه الْكَفَّارَة لَا على وَجه الصَّدَقَة، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُعْطي الْكَفَّارَة أحدا من أَهله إِذا كَانَ مِمَّن يلْزمه نَفَقَته، وَأما إِذا كَانَ مِمَّن لَا يلْزمه نَفَقَته فَيجوز. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: لَعَلَّ أَهله كَانُوا عشرَة، وَلَيْسَ بِشَيْء.
١١٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدّثنا سفيْانُ عنِ الزُّهرِيِّ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: جاءَ رَجلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ! قَالَ: (وَمَا شَأْنُكَ؟) قَالَ وَقَعْتُ عَلى امْرَأتِي فِي رَمَضانَ. قَالَ: (هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ متتابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟) قَالَ: لَا أجِدُ، فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بَعَرِقٍ فِيه تَمْرٌ فَقَالَ: (خذْ هاذا فَتَصَدَّقْ بِهِ) فَقَالَ: أَعلَى أفْقَرَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ: (خُذْهُ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق أخرجه عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٥ - (بابُ صاعِ المَدِينَةِ ومُدِّ النبيِّ ﷺ وبَرَكَتِهِ وَمَا تَوَارَثَ أهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذالِكَ قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَاع مَدِينَة النَّبِي ﷺ ، وَأَشَارَ بذلك إِلَى وجوب الْإِخْرَاج فِي الْوَاجِبَات بِصَاع أهل الْمَدِينَة، لِأَن التشريع وَقع أَولا على ذَلِك حَتَّى زيد فِيهِ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا يَجِيء. قَوْله: (وَمد
следующие страницы →