← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يتضخ مِنْهُ الطّيب. قلت: يجوز أَن يكون دلكه لكنه بَقِي وبيصه، وَالطّيب إِذا كَانَ كثيرا رُبمَا غسله فَيذْهب وَيبقى وبيصه. وَفِيه: عدم كَرَاهَة كَثْرَة الْجِمَاع عِنْد الطَّاقَة. وَفِيه: عدم كَرَاهَة التَّزَوُّج بِأَكْثَرَ من وَاحِدَة إِلَى أَربع. وَفِيه: أَن غسل الْجَنَابَة لَيْسَ على الْفَوْر، وَإِنَّمَا يتضيق على الْإِنْسَان عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة، وَهَذَا بِالْإِجْمَاع. فَإِن قلت: مَا سَبَب وجوب الْغسْل قلت: الْجَنَابَة مَعَ إِرَادَة الْقيام إِلَى الصَّلَاة كَمَا أَن سَبَب الْوضُوء الْحَدث مَعَ إِرَادَة الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَلَيْسَ الْجَنَابَة وَحدهَا، كَمَا هُوَ مَذْهَب بعض الشَّافِعِيَّة وإلَاّ يلْزم أَن يجب الْغسْل عقب الْجِمَاع، والْحَدِيث يُنَافِي هَذَا، وَلَا مُجَرّد إِرَادَة الصَّلَاة، وإلَاّ يلْزم أَن يجب الْغسْل بِدُونِ الْجَنَابَة. ٢٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارَ قَالَ حدّثنا مُعَاذْ بنُ هِشَامٍ قالَحدّثني أبي عَنْ قَتَادَةَ قالَ حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكِ قالَ كانِ النبيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلَ والنَّهَارِ وَهُنَّ إحْدَى عَشْرَةَ قَالَ قُلْتُ لأَنَسٍ أوَ كانَ يُطِيقُهُ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ أعْطِيَ قُوَّةَ ثَلاثِينَ.. مُطَابقَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَدُور على نِسَائِهِ) . بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، وَقد مر فِي الحَدِيث السَّابِق. الثَّانِي: معَاذ بن هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: أَبوهُ أَبُو عبد الله، تقدم فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه. الرَّابِع: قَتَادَة الأكمه السدُوسِي، مر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يحب لِأَخِيهِ. الْخَامِس: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع واحده وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن الثَّالِث: براهيم عَن معَاذ بن هِشَام. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (يَدُور على نِسَائِهِ) دورانه، لله فِي ذَلِك يحْتَمل وُجُوهًا. الأول: أَن يكون ذَلِك عِنْد أقباله من السّفر، حَيْثُ لَا قسم يلْزم لِأَنَّهُ كَانَ إِذا سَافر أَقرع بَين نِسَائِهِ، فأيتهن خرج سهمها سَافر بهَا، فَإِذا انْصَرف اسْتَأْنف الْقسم بعد ذَلِك، وَلم تكن وَاحِدَة مِنْهُنَّ أولى من صاحبتها بالبداءة، فَلَمَّا اسْتَوَت حقوقهن جمعهن كُلهنَّ فِي وَقت ثمَّ اسْتَأْنف الْقسم بعد ذَلِك. الثَّانِي: أَن ذَلِك كَانَ بإذنهن ورضاهن أَو بِإِذن صَاحِبَة النّوبَة ورضاها كنحو اسْتِئْذَانه مِنْهُنَّ أَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة. قَالَه أَبُو عبيد. الثَّالِث: قَالَ الْمُهلب: إِن ذَلِك كَانَ فِي يَوْم فَرَاغه من الْقسم بَينهُنَّ، فيقرع فِي هَذَا الْيَوْم لَهُنَّ أجمع، ويستأنف بعد ذَلِك. قلت: هَذَا التَّأْوِيل عِنْد من يَقُول بِوُجُوب الْقسم عَلَيْهِ، ﷺ ، فِي الدَّوَام كَمَا يجب علينا وهم الْأَكْثَرُونَ، وَأما من لَا يُوجِبهُ فَلَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الثَّالِث: أَن الله خص نبيه. ﷺ ، بأَشْيَاء فِي النِّكَاح. وَمِنْهَا: أَنه اعطاه سَاعَة لَا يكون لأزواجه فِيهَا حق حَتَّى يدْخل فِيهَا جَمِيع أَزوَاجه، فيفعل مَا يُرِيد بِهن، ثمَّ يدْخل عِنْد الَّتِي يكون الدّور لَهَا. وَفِي كتاب مُسلم عَن ابْن عَبَّاس أَن تِلْكَ السَّاعَة كَانَت بعد الْعَصْر. قَوْله: (فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة) المُرَاد بهَا: قدر من الزَّمَان، لَا السَّاعَة الزمانية الَّتِي هِيَ خمس عشرَة دَرَجَة. قَوْله: (وَالنَّهَار) الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى: أَو، الْهمزَة فِي قَوْله: (أَو كَانَ) للاستفهام، وفاعل (قلت) : هُوَ قَتَادَة، ومميز (ثَلَاثِينَ) مَحْذُوف أَي: ثَلَاثِينَ رجلا وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي مُوسَى عَن معَاذ بن هِشَام: أَرْبَعِينَ، بدل ثَلَاثِينَ، وَهِي شَاذَّة من هَذَا الْوَجْه، لَكِن فِي مَرَاسِيل طَاوُوس مثل ذَلِك وَزَاد فِي الْجِمَاع. قَوْله: (وَهن إِحْدَى عشرَة) قَالَ ابْن خُزَيْمَة، لم يقل أحد من أَصْحَاب قَتَادَة: إِحْدَى عشرَة إلَاّ معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه، وَقد روى البُخَارِيّ الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أنس: تسع نسْوَة، وَجمع بَينهمَا بِأَن أَزوَاجه كن تسعا فِي هَذَا الْوَقْت كَمَا فِي رِوَايَة سعيد: وسريتاه مَارِيَة وَرَيْحَانَة، على رِوَايَة من روى أَن رَيْحَانَة كَانَت أمة، وروى بَعضهم أَنَّهَا كَانَت زَوْجَة، وروى أَبُو عبيد أَنه كَانَ مَعَ ريحانه فَاطِمَة بنت شُرَيْح. قَالَ ابْن حبَان: هَذَا الْفِعْل مِنْهُ فِي أول مُقَدّمَة الْمَدِينَة حَيْثُ كَانَ تَحْتَهُ تسع نسْوَة، وَلِأَن هَذَا الْفِعْل

стр. 842

مِنْهُ كَانَ مرَارًا لَا مرّة وَاحِدَة. وَلَا يعلم أَنه تزوج نسَاء كُلهنَّ فِي وَقت وَاحِد، وَلَا يَسْتَقِيم هَذَا إلَاّ فِي آخر أمره حَيْثُ اجْتمع عِنْده تسع نسْوَة وجاريتان، وَلم يعلم أَنه اجْتمع عِنْده إِحْدَى عشرَة امْرَأَة بِالتَّزْوِيجِ، فَإِنَّهُ تزوج بأحدى عشرَة أولهنَّ خَدِيجَة وَلم يتَزَوَّج عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَت، وَوَقع فِي شرح ابْن بطال أَنه ﷺ لَا يحل لَهُ من الْحَرَائِر غير تسع، وَالأَصَح عندنَا أَنه يحل لَهُ مَا شَاءَ من غير حصر. قلت: قَول ابْن حبَان: هَذَا الْفِعْل مِنْهُ كَانَ فِي أول مقدمه الْمَدِينَة حَيْثُ كَانَ تَحْتَهُ تسع نسْوَة، فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لم يكن مَعَه حِين قدم الْمَدِينَة امْرَأَة سوى سَوْدَة، ثمَّ دخل على عَائِشَة بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ تزوج أم سَلمَة وَحَفْصَة وَزَيْنَب بنت خُزَيْمَة فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة، ثمَّ تزوج زَيْنَب بنت جحش فِي الْخَامِسَة، ثمَّ جوَيْرِية فِي السَّادِسَة ثمَّ حَفْصَة وَأم حَبِيبَة ومَيْمُونَة فِي السَّابِعَة، وَهَؤُلَاء جَمِيع من دخل بِهن من الزَّوْجَات بعد الْهِجْرَة على الْمَشْهُور. وَاخْتلفُوا فِي عدَّة أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، وَفِي ترتيبهن، وعدة من مَاتَ مِنْهُنَّ قبله، وَمن دخل بهَا وَمن لم يدْخل بهَا، وَمن خطبهَا وَلم ينْكِحهَا، وَمن عرضت نَفسهَا عَلَيْهِ فَقَالُوا: إِن أول امْرَأَة تزَوجهَا خَدِيجَة بنت خويلد، ثمَّ سَوْدَة بنت زَمعَة، ثمَّ عَائِشَة بنت أبي بكر، ثمَّ حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب، ثمَّ أم سَلمَة اسْمهَا، هِنْد بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة، ثمَّ جوَيْرِية بنت الْحَارِث، سباها النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة المربسيع، ثمَّ زَيْنَب بنت جحش ثمَّ زَيْنَب بنت خزمية، ثمَّ رَيْحَانَة بنت زيد من بني قُرَيْظَة، وَقيل: من بني النصير، سباها النَّبِي ﷺ ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا فِي سنة سِتّ، وَمَاتَتْ بعد عوده من حجَّة الْوَدَاع، ودفنت بِالبَقِيعِ، وَقيل: مَاتَت بعده فِي سنة سِتّ عشرَة، وَالْأول أصح، ثمَّ أم حَبِيبَة وَاسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان أُخْت مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان وَلَيْسَ فِي الصحابيات من اسْمهَا رَملَة غَيرهَا، ثمَّ صَفِيَّة بنت حيى بن أَخطب من سبط هَارُون، ﵇، وَقعت فِي السَّبي يَوْم خَيْبَر سنة سبع فاصطفاها النَّبِي ﷺ ثمَّ مَيْمُونَة بنت الْحَارِث تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع فِي عمْرَة الْقَضَاء بسرف على عشرَة أَمْيَال من مَكَّة، وَتزَوج أَيْضا فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك، وَأَسْمَاء بنت النُّعْمَان. وَأما بَقِيَّة نِسَائِهِ، ﵊، اللَّاتِي دخل بِهن أَو عقد وَلم يدْخل فهن ثَمَان وَعِشْرُونَ امْرَأَة. ريحانه بنت زيد، وَقد ذَكرنَاهَا. والكلابية، فَقيل اسْمهَا: عمْرَة بنت زيد، وَقيل: الْعَالِيَة بنت ظبْيَان، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: تزوج رَسُول الله ﷺ الْعَالِيَة بنت طبيان وَدخل بهَا وَطَلقهَا، وَقيل: لم يدْخل بهَا وَطَلقهَا، وَقيل: هِيَ فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: تزَوجهَا فاستعاذت مِنْهُ فَطلقهَا، فَكَانَت تلقط البعر وَتقول: أَنا الشقية. وَأَسْمَاء بنت النُّعْمَان، تزَوجهَا النَّبِي ﷺ ودعاها فَقَالَت: تَعَالَى أَنْت فَطلقهَا، وَقيل: هِيَ الَّتِي استعاذت مِنْهُ. وَقيل بنت قيس أُخْت الْأَشْعَث بن قيس، زوجه إِيَّاهَا أَخُوهَا ثمَّ انْصَرف إِلَى حَضرمَوْت فحملها إِلَيْهِ قبلغه وَفَاة رَسُول الله ﷺ فَردهَا إِلَى بِلَاده فَارْتَد عَن الْإِسْلَام وارتدت مَعَه. ومليكة بنت كَعْب اللَّيْثِيّ، قيل: هِيَ استعاذت مِنْهُ، وَقيل: دخل بهَا فَمَاتَتْ عِنْده، وَالْأول أصح. وَأَسْمَاء بنت الصَّلْت السلمِيَّة، قيل: اسْمهَا سبا، قَالَه ابْن مَنْدَه، وَقيل: سناقا لَهُ ابْن عَسَاكِر ابْن عَسَاكِر، تزَوجهَا النَّبِي ﷺ فَمَاتَتْ قبل أَن يدْخل بهَا. وَأم شريك الْأَزْدِيَّة، وإسمها عزبة، طَلقهَا النَّبِي ﷺ قبل أَن يدْخل بهَا، وَهِي الَّتِي وهبت نَفسهَا للنَّبِي، ﷺ وَكَانَت امْرَأَة صَالِحَة. وَخَوْلَة بنت هُذَيْل تزَوجهَا النَّبِي، ﷺ ، فَهَلَكت قبل أَن تصل إِلَيْهِ. وشراف بنت خَالِد أُخْت حَيَّة الْكَلْبِيّ تزَوجهَا النَّبِي ﷺ وَلم يدْخل بهَا وَفِي (عُيُون الْأَثر) فَمَاتَتْ قبله. وليلى بنت الخطيم. تزَوجهَا ﵊، وَكَانَت غيوراً فاستقالته فأقالها. وَعمرَة بنت مُعَاوِيَة الكندية مَاتَ النَّبِي. ﷺ ، قبل أَن تصل إِلَيْهِ. والجندعية بنت جُنْدُب، تزَوجهَا وَلم يدْخل عَلَيْهَا، وَقيل: لم يعْقد عَلَيْهَا. والغفارية. قيل: هِيَ السنإ تزَوجهَا النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَرَأى بكشحها بَيَاضًا فَقَالَ: إلحقي بأهلك. وَهِنْد بنت يزِيد، وَلم يدْخل نبها. وَصفِيَّة بنت بشامة أَصَابَهَا سبياً فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: (إِن شِئْت أَنا وَإِن شِئْت زَوجك) . فَقَالَت: زَوجي فأرسلها، فلعنتها بَنو تَمِيم. وَأم هانىء وَاسْمهَا: فَاخِتَة بنت أبي طَالب أُخْت عَليّ بن أبي طَالب، خطبهَا النَّبِي ﷺ ، فَقَالَت إِنِّي امْرَأَة مُصِيبَة واعتذرت إِلَيْهِ فأعذرها وضباعة بنت عَامر، خطبهَا النَّبِي، ﵊، فَبَلغهُ كبرها فَتَركهَا، وَحَمْزَة بنت عون الْمُزنِيّ خطبهَا، ﷺ ، فَقَالَ أَبوهَا إِن بهَا سوءا وَلم يكن بهَا شَيْء، فَرجع إِلَيْهَا أَبوهَا وَقد برصت، وَهِي أم شبيب بن البرصاء الشَّاعِر وَسَوْدَة القرشية، خطبهَا رَسُول الله ﷺ وَكَانَت مُصِيبَة. وَقَالَت أَخَاف أَن تضعف صبيتي عِنْد رَأسك، فَدَعَا لَهَا وَتركهَا وأمامة بنت حَمْزَة بن عبد الْمطلب، عرضت على النَّبِي ﷺ فَقَالَ: هِيَ ابْنة أخي من الرضَاعَة، وَعزة بنت أبي سُفْيَان

стр. 843

ابْن حَرْب، عرضتها أُخْتهَا أم حَبِيبَة على النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تحل لي لمَكَان أُخْتهَا أم حَبِيبَة تَحت النَّبِي ﷺ وكلبية لم يذكر اسْمهَا، فَبعث إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ عَائِشَة فرأتها فَقَالَت: مَا رَأَيْت طائلاً فَتَركهَا. وَامْرَأَة من الْعَرَب لم يذكر لَهَا اسْم خطبهَا ﷺ ثمَّ تَركهَا ودرة بنت أم سَلمَة، قيل لَهُ ﷺ ، بِأَن يَأْخُذهَا قَالَ: إِنَّهَا بنت أخي من الرضَاعَة. وَأُمَيْمَة بنت شرَاحِيل، لَهَا ذكر فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) وحبيبة بنت سهل الْأَنْصَارِيَّة، أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يَتَزَوَّجهَا ثمَّ تَركهَا وَفَاطِمَة بنت شُرَيْح ذكرهَا أَبُو عبيد فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ والعالية بنت ظبْيَان، تزَوجهَا ﷺ وَكَانَت عِنْده مَا شَاءَ الله ثمَّ طَلقهَا. قَوْله: (كُنَّا نتحدث أَنه أعْطى قُوَّة ثَلَاثِينَ) كَذَا جَاءَ هَاهُنَا فِي (صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ) من حَدِيث أبي يعلى عَن أبي مُوسَى عَن معَاذ (قُوَّة أَرْبَعِينَ) وَفِي (الْحِلْية) لأبي نعيم عَن مُجَاهِد (أعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا كل رجل من رجال أهل الْجنَّة) . وَفِي (جَامع التِّرْمِذِيّ) فِي صفة الْجنَّة من حَدِيث عمرَان لقطان عَن قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ : (يُعْطي الْمُؤمن فِي الْجنَّة قُوَّة كَذَا وَكَذَا من الْجِمَاع، قيل: يَا رَسُول الله أَو يُطيق ذَلِك؟ فَقَالَ: يُعْطي قُوَّة مائَة رجل) ثمَّ قَالَ: حَدِيث غَرِيب صَحِيح، لَا نعرفه من حَدِيث قَتَادَة إلَاّ من حَدِيث عمرَان الْقطَّان، وصحيح ابْن حبَان حَدِيث أنس أَيْضا، فَإِذا ضربنا أَرْبَعِينَ فِي مائَة صَارَت أَرْبَعَة آلَاف، وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَنه كَانَ لرَسُول الله ﷺ الْقُوَّة الظَّاهِرَة على الْخلق فِي الْوَطْء، كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، وَكَانَ لَهُ فِي الْأكل قناعة ليجمع الله لَهُ الفضيلتين فِي الْأُمُور الاعتبارية، كَمَا جمع لَهُ الفضيلتين فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة، حَتَّى يكون حَاله كَامِلا فِي الدَّاريْنِ. وَقالَ سَعيدُ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أنسَاً حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ سعيد هُوَ ابْن عرُوبَة، كَذَا هُوَ عِنْد الْجَمِيع، وَقَالَ الْأصيلِيّ: إِنَّه وَقع فِي نُسْخَة شُعْبَة يدل سعيد قَالَ: وَفِي عرضنَا على أبي زيد بِمَكَّة سعيد قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ الصَّوَاب قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَنه تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام ابْن أبي عدي وَيحيى الْقطَّان لِأَنَّهُمَا يرويان عَن ابْن أبي عرُوبَة، وَأَن يكون من كَلَام معَاذ إِن صَحَّ سَمَاعه من سعيد. قلت: هُنَا تَعْلِيق بِلَا نزاع، وَلكنه وَصله فِي بَاب الْجنب يخرج وَيَمْشي فِي السُّوق، وَهُوَ الْبَاب الثَّانِي عشر من هَذَا الْبَاب، وَقَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع. قَالَ: حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة أَن أنس بن مَالك حَدثهمْ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يطوف على نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَة الْوَاحِدَة وَله يَوْمئِذٍ تسع نسْوَة) وَأما رِوَايَة شُعْبَة بِهَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة فقد وَصلهَا الإِمَام أحم،. قَوْله: (تسع نسْوَة) أَي: قَالَ بدل: إِحْدَى عشرَة نسْوَة تسع نسْوَة، وتسع مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر. ذكر أَحْكَام لَيست فِيمَا مضى. مِنْهَا: مَا أعطي النَّبِي ﷺ من الْقُوَّة على الْجِمَاع، وَهُوَ دَلِيل على كَمَال البنية. وَمِنْهَا: مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن التِّين لقَوْل مَالك بِلُزُوم الظِّهَار من الْإِمَاء بِنَاء على أَن المُرَاد بالزائدتين على التسع، مَارِيَة وَرَيْحَانَة، وَقد أطلق على الْجَمِيع لفظ نِسَائِهِ، وَفِيه نظر، لِأَن الْإِطْلَاق الْمَذْكُور بطرِيق التغليب. وَمِنْهَا: مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن الْمُنِير على جَوَاز وَطْء الْحرَّة بعد الْأمة من غير غسل بَينهمَا، وَلَا غَيره للمنقول عَن مَالك إِنَّه يتَأَكَّد الِاسْتِحْبَاب فِي هَذِه الصُّورَة. ١٣ - (بابُ غَسْلِ المَذْىٍ وَالوُضُوءِ مِنْهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الْمَذْي وَحكم الْوضُوء مِنْهُ، والمذي، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبكسر الذل وَتَشْديد الْيَاء، حُكيَ ذَلِك عَن ابْن الْأَعرَابِي: وَهُوَ مَا يخرج من الذّكر عِنْد الملاعبة والتقبيل، يُقَال مذي الرجل، بِالْفَتْح، وأمذى بِالْألف مثله، وَيُقَال: كل ذكر يمذي وكل أُنْثَى تقذي من قذت الشَّاة، إِذا أَلْقَت من رَحمهَا بَيَاضًا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَذْي البلل اللزح الَّذِي يخرج من الذّكر عِنْد ملاعبة النِّسَاء، وَرجل مذاه، فعال بِالتَّشْدِيدِ، للْمُبَالَغَة فِي كَثْرَة الْمَذْي وَفِي (الْمطَالع) هُوَ مَاء رَقِيق يخرج عِنْد التَّذَكُّر أَو الملاعبة يُقَال: مذى وأمذى ومذى، وَقد لَا يحس بِخُرُوجِهِ. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول بَيَان حكم الْمَنِيّ، وَفِي هَذَا الْبَاب بَيَان حكم الْمَذْي، وَهُوَ من تَوَابِع الْمَنِيّ، وَمثله فِي النجاسية غير أَن فِي الْمَنِيّ الْغسْل، وَفِي الْمَذْي الْوضُوء. ٢٦٩ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قالَ حدّثنا زَائِدَةُ عَنْ أبي حَصِينٍ عَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَليّ

стр. 844

قالَ كُنْتُ رَجخلاً مَدَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلاً أنْ يَسْأَلَ النبيُّ ﷺ لِمَكانٍ ابْنَتِهِ فَسَأَلَ فقالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ. (انْظُر الحَدِيث ١٣٢ وطرفه) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسَأَلَ الْكرْمَانِي هُنَا مَا محصله أَن الحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب يدل على وجوب غسل الذّكر بِتَمَامِهِ. والترجمة تدل على غسل الْمَذْي، ومحصل الْجَواب أَنه رُوِيَ أَيْضا؛ (تَوَضَّأ وغسله) وَالضَّمِير يرجع إِلَى الْمَذْي، فَيظْهر من هَذَا أَن المُرَاد مِمَّا ورد وجوب غسل مَا ظهر من الْمَذْي لَا غير، على مَا يَجِيء تَحْقِيقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام الطَّيَالِسِيّ، تكَرر ذكره. الثَّانِي: زَائِدَة بن قحدامة، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة الثَّقَفِيّ أَبُو الصَّلْت الْكُوفِي، صَاحب سنة ورعاً صَدُوقًا مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة غازياً فِي الرّوم. الثَّالِث: أَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْكُوفِي التَّابِعِيّ، ثِقَة تقدم فِي آخر بَاب، ثمَّ من كذب على النَّبِي ﷺ . الرَّابِع: أَبُو عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن حبيب السّلمِيّ، بِضَم السِّين المهلمة وَفتح اللَّام مقرىء، الْكُوفَة أحد أَعْلَام التَّابِعين. صَامَ ثَمَانِينَ رمضاناً مَاتَ سنة خمس وَمِائَة. الْخَامِس: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي، فَأَبُو الْوَلِيد بَصرِي والبقية كوفيون. بَيَان ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن أبي الْوَلِيد وَأخرجه مُسلم فِي الْعلم من مُسَدّد عَن عبد الله بن دَاوُد، وَفِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة عَن جرير، قَالَ: وَرَوَاهُ شُعْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش عَن مُنْذر الثَّوْريّ عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع وَأبي مُعَاوِيَة وهشيم ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَعَن يحيى بن حبيب عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث بِهِ. ذكر الِاخْتِلَاف فِي أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث وطرقه والسائل الَّذِي فِيهِ. أما أَولا: فَهَذَا الحَدِيث أخرجه الْجَمَاعَة فَلفظ البُخَارِيّ، مر الْآن بالسند الْمَذْكُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَقَالَ: أخبرنَا هناد بن السّري عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن أبي حُصَيْن عَن أبي عبد الرَّحْمَن. قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (كنت رجلا مذاء وَكَانَت ابْنة النَّبِي ﷺ تحتي، فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأله، فَقلت لرجل جَالس إِلَى جَنْبي: سَله فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن رَجَاء، قَالَ: حَدثنَا زاشئة بن قدامَة عَن أبي حُصَيْن عَن أبي عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كنت رجلا مذاءً وَكَانَت عِنْدِي ابْنة النَّبِي ﷺ ، فَأرْسلت إِلَى رَسُول الله ﷺ . فَقَالَ: تَوَضَّأ واغسله) . وَفِي رِوَايَة للطحاوي عَن عَليّ، قَالَ: (سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْمَذْي قَالَ: فِيهِ الْوضُوء، وَفِي الْمَنِيّ الْغسْل) وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن هانىء بن هانىء عَن عَليّ. قَالَ: (كنت رجلا مذاء وَكنت إِذا أمذيت اغْتَسَلت، فَسَأَلت النَّبِي ﷺ فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) وَبِنَحْوِ إِسْنَاده رَوَاهُ أَحْمد وَلَفظه (كنت رجلا مذاءً فَإِذا أمذيت اغْتَسَلت، فَأمرت الْمِقْدَاد فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ ، فَضَحِك، فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق زاشدة عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن عَليّ، قَالَ: (سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الْمَذْي، فَقَالَ: من الْمَذْي الْوضُوء، وَمن الْمَنِيّ الْغسْل) قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن أَبِيه، قَالَ: كنت أجد مذياً فَأمرت الْمِقْدَاد أَن يسْأَل النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك، فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأله لِأَن ابْنَته عِنْدِي، فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِن كل فَحل يمذي، فَإِذا كَانَ الْمَنِيّ فَفِيهِ الْغسْل، وَإِذا كَانَ الْمَذْي فَفِيهِ الْوضُوء) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا نَحوه عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة، وَلَفظه: (فَكنت أستحي أَن أسأَل رَسُول الله ﷺ لمَكَان ابْنَته، فَأمرت الْمِقْدَاد فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ) وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث رَافع بن خديج. (أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمر عماراً أَن يسْأَل رَسُول الله ﷺ عَن الْمَذْي قَالَ: يغسل مذاكيره وَيتَوَضَّأ) وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا نَحوه، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس. قَالَ: عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (قد كنت رجلا مذاءٍ فَأمرت رجلا فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) وَأخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَفظه: (أرْسلت

стр. 845

الْمِقْدَاد بن الْأسود إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَن الْمَذْي يخرج من الْإِنْسَان، كَيفَ يفعل: قَالَ رَسُول الله ﷺ : تَوَضَّأ وانضح فرجك) وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث حُصَيْن بن قبيصَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ: (كنت رجلا مذاءً فَسَأَلت النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِذا رَأَيْت الْمَذْي فَتَوَضَّأ واغسل ذكرك، وَإِذا رَأَيْت الْمَنِيّ فاغتسل) وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث حُصَيْن بن قبيصَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كنت رجلا مذاءً، فَجعلت اغْتسل حَتَّى تشقق ظَهْري قَالَ: فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ أَو ذكر لَهُ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا تفعل إِذا رَأَيْت الْمَذْي فاغسل ذكرك وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة فَإِذا فضخت المَاء فاغتسل) الفضخ، بِالْفَاءِ وبالمعجمتين، الدفق، وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا وَفِي رِوَايَة أَحْمد (فليغسل ذكره وأنثييه) وَأخرجه النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَهَذَا كَمَا رَأَيْت هَذَا الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَلَكِن لَا خلاف فِي وجوب الْوضُوء، وَلَا خلاف فِي عدم وجوب الْغسْل. وَأما الِاخْتِلَاف فِي السَّائِل فقد ذكر فِيمَا سقنا من الْأَحَادِيث أَن فِي بَعْضهَا السَّائِل هُوَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِنَفسِهِ وَفِي بَعْضهَا السَّائِل غَيره، وَلكنه حَاضر، وَفِي بَعْضهَا هُوَ الْمِقْدَاد، وَفِي بَعْضهَا هُوَ عمارد وَجمع ابْن حبَان بَين هَذَا الِاخْتِلَاف أَن عليا سَأَلَ عماراً أَن يسْأَل، ثمَّ أَمر الْمِقْدَاد بذلك. ثمَّ سَأَلَ بِنَفسِهِ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن عائش بن أنس قَالَ تَذَاكر عَليّ والمقداد وعمار الْمَذْي، فَقَالَ عَليّ: إِنَّنِي رجل مذاء فاسألا عَن ذَلِك النَّبِي ﷺ ، فَسَأَلَهُ أحد الرجلَيْن: وَقَالَ ابْن شكوال: إِن الَّذِي تولى السُّؤَال عَن ذَلِك هُوَ الْمِقْدَاد، وَصَححهُ وَقَالَ بَعضهم: وعَلى هَذَا فنسبه عمار إِلَى أَنه سَأَلَ عَن ذَلِك مَحْمُولَة على الْمجَاز لكَونه قَصده، لَكِن تولى الْمِقْدَاد الْخطاب. قلت: كِلَاهُمَا كَانَا مشتركين فِي هَذَا السُّؤَال غير أَن أَحدهمَا قد سبق بِهِ، فَيحْتَمل أَن يكون هَذَا الْمِقْدَاد، وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ عماراً، وَتَصْحِيح ابْن شكوال على أَنه هُوَ الْمِقْدَاد يحْتَاج إِلَى برهَان، وَدلّ مَا ذكر فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة أَن كلاًّ مِنْهُمَا قد سَأَلَ، وَأَن عليا سَأَلَ، فَلَا يحْتَاج بعد هَذَا إِلَى زِيَادَة حَشْو فِي الْكَلَام فَافْهَم. ذكر مَعَانِيه قَوْله: (مذاء) صِيغَة مُبَالغَة. يَعْنِي: كثير الْمَذْي. قَوْله: (فَأمرت رجلا) قَالَ الشُّرَّاح المُرَاد بِهِ الْمِقْدَاد قلت: يجوز أَن يكون عماراً وَيجوز أَن يكون غَيرهمَا قَوْله: (لمَكَان ابْنَته) أَي بِسَبَب أَن ابْنَته فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت تَحت نِكَاحه، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن الْحَنَفِيَّة، عَن عَليّ من أجل فَاطِمَة ﵍. قَوْله: (تَوَضَّأ) أَمر مجزوم، خطاب للرجل الَّذِي فِي قَوْله: (فَأمرت رجلا) على الِاخْتِلَاف فِي تَفْسِير الرجل. قَوْله: (واغسل ذكرك) هَكَذَا وَقع هَاهُنَا بِتَقْدِيم الْأَمر بِالْوضُوءِ على غسله، وَوَقع فِي الْعُمْدَة عَكسه مَنْسُوبا ألى البُخَارِيّ، وَاعْترض عَلَيْهِ، وَلَا يرد لِأَن، الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب على أَنه قد وَقع فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ تَقْدِيم الْغسْل على الْوضُوء فِي رِوَايَة رَافع بن خديج عَن عَليّ، وَقد ذَكرنَاهَا. بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز الاستتابة فِي الاستفتاء، وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز دَعْوَى الْوَكِيل بِحَضْرَة مُوكله. وَمِنْهَا: قبُول خبر الْوَاحِد، والاعتماد على الْخَبَر المظنون مَعَ الْقُدْرَة على الْمَقْطُوع بِهِ، فَإِن عليا اقْتصر على قَول الْمِقْدَاد مَعَ تمكنه من سُؤال النَّبِي ﷺ . وَمِنْهَا: اسْتِحْبَاب حسن الْعشْرَة مَعَ الأصهار، وَأَن الزَّوْج يسْتَحبّ لَهُ أَن لَا يذكر شَيْئا يتَعَلَّق بجماع النِّسَاء والاستمتاع بِهن بِحَضْرَة أَبِيهَا وأخيها وَابْنهَا وَغَيرهم من أقاربها، وَلِهَذَا قَالَ عَليّ: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن عِنْدِي ابْنَته وَأَنا استحي. وَمِنْهَا: أَن الْمَذْي يُوجب الْوضُوء وَلَا يُوجب الْغسْل، والبا وضوع لَهُ. وَمِنْهَا: كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ من حفظ حُرْمَة النَّبِي ﷺ وتوقيره. وَمِنْهَا: اسْتِعْمَال الْأَدَب فِي ترك المواجهة بِمَا يستحي مِنْهُ عرفا. وَمِنْهَا: أَن قَوْله: (أغسل ذكرك) هَل يَقْتَضِي غسل جَمِيع الذّكر أَو مخرج الْمَذْي , فَهَذَا اخْتلفُوا فِيهِ، فَذهب بَعضهم، مِنْهُم الزُّهْرِيّ، إِلَى أَنه يجب غسل جَمِيع الذّكر كُله لظَاهِر الْخَبَر، وَمِنْهُم من أوجب غسل مخرج الْمَذْي وَحده. وَفِي (الْمَعْنى) لِابْنِ قدامَة. اخْتلفت الرِّوَايَة فِي حكمه، فَروِيَ أَنه لَا يُوجب الِاسْتِنْجَاء وَالْوُضُوء، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة يجب غسل الذّكر والأنثيين مَعَ الْوضُوء، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف أَصْحَابنَا فِي الْمَذْي: هَل يجزىء مِنْهُ الِاسْتِجْمَار كالبول أَو لَا بُد من المَاء؟ وَاخْتلفُوا أَيْضا هَل يجب غسل جَمِيع الذّكر؟ وَاخْتلفُوا أَيْضا هَل يفْتَقر إِلَى النِّيَّة فِي غسل ذكره أم لَا؟ وَقَالَ أَبُو عرم: الْمَذْي عِنْد جَمِيعهم يُوجب الْوضُوء مَا لم يكن خَارِجا عَن عِلّة أَو بردة أَو زمانة، فَإِن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ أَيْضا كالبول عِنْد جَمِيعهم، فَإِن كَانَ سلساً لَا يَنْقَطِع فَحكمه حكم سَلس

стр. 846

الْبَوْل عِنْد جَمِيعهم أَيْضا إلَاّ أَن طَائِفَة توجب الْوضُوء على من كَانَت هَذِه حَاله لكل صَلَاة، قِيَاسا على الْمُسْتَحَاضَة عِنْدهم، وَطَائِفَة تستحبه وَلَا توجبه. وَأما الْمَذْي الْمَعْهُود الْمُتَعَارف، وَهُوَ الْخَارِج عِنْد ملاعبة الرجل أَهله لما يجْرِي من اللَّذَّة، أَو لطول عزبة، فعلى هَذَا الْمَعْنى خرج السُّؤَال فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ يَقع الْجَواب، وَهُوَ مَوضِع إِجْمَاع لَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي إِيجَاب الْوضُوء مِنْهُ، وَإِيجَاب غسله لنجاسته انْتهى. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلي) الْمَذْي تَطْهِيره بِالْمَاءِ يغسل مخرجه من الذّكر وينضح بِالْمَاءِ مَا مَسّه من الثَّوْب انْتهى قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: لم يكن أمره ﷺ ، بِغسْل ذكره لإِيجَاب غسله كُله، وَلكنه ليتقلص، أَي: لينزوي وينضم، وَلَا يخرج، كَمَا إِذا كَانَ لَهُ هدى وَله لين فَإِنَّهُ ينضح ضرعه بِالْمَاءِ ليتقلص ذَلِك فِيهِ فَلَا يخرج. قلت: من خاصية المَاء الْبَارِد أَن يقطع اللين وَيَردهُ إِلَى دَاخل الضَّرع، وَكَذَلِكَ إِذا أصَاب الْأُنْثَيَيْنِ رد الْمَذْي وكسره. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد جَاءَت الْآثَار متواترة فِي ذَلِك، فروى مِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عَليّ، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَعَن غير ابْن عَبَّاس عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَلَا ترى أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما ذكر عَن النَّبِي ﷺ مَا أوجب عَلَيْهِ فِي ذَلِك ذكر وضوء الصَّلَاة فَثَبت بذلك أَن مَا كَانَ سوى وضوء الصَّلَاة مِمَّا أمره بِهِ فَإِنَّمَا كَانَ لغير الْمَعْنى الَّذِي أوجب وضوء الصَّلَاة، ثمَّ قَالَ: وَقد روى سهل بن حنيف عَن رَسُول الله ﷺ مَا قد دلّ على هَذَا أَيْضا حَدثنَا نصر بن مَرْزُوق وَسليمَان بن شُعَيْب قَالَا: حَدثنَا يحيى بن حسان. قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن سعيد بن عبيد السباق عَن أَبِيه عَن سهل بن حنيف (أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْمَذْي، فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: فَأخْبر أَن مَا يجب فِيهِ هُوَ الْوضُوء، وَذَلِكَ يَنْفِي أَن يكون عَلَيْهِ مَعَ الْوضُوء غَيره وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَيْضا هَذَا الحَدِيث من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق إِلَخ وَلَفظه (كنت ألْقى من الْمَذْي شدَّة وعناء، فَكنت أَكثر مِنْهُ الْغسْل فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ وَسَأَلته عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يجْزِيك من ذَلِك الْوضُوء قلت: يَا رَسُول الله! كَيفَ بِمَا يُصِيب ثوبي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيك أَن تَأْخُذ كفا من مَاء فتنضح بِهِ ثَوْبك حَيْثُ ترى أَنه أصَاب مِنْهُ) ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. (وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا بِنَحْوِهِ) فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ: (إِذا وجدت المَاء فاغسل فرجك وانثييك وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة، قَالَه لِسُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، وَكَانَ قد تزوج امْرَأَة من بني عقيل، فَكَانَ يَأْتِيهَا فيلاعبها فيمذي، فَسَأَلَ ذَلِك عَنهُ) قلت: يحْتَمل جَوَاب ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من حَدِيث رَافع بن خديج، ثمَّ شيد الطَّحَاوِيّ مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ الْمَنِيّ والمذي والودي فَأَما الْمَذْي والودي فَإِنَّهُ يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ وَأما الْمَنِيّ فَفِيهِ الْغسْل. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين حسنين جَيِّدين وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا نَحوه وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْحسن أَنه، يغسل فرجه وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: إِذا أمذى الرجل غسل الْحَشَفَة وَتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا نَحوه ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، ثمَّ اعْلَم أَن ابْن دَقِيق الْعِيد اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على تعين المَاء فِيهِ دون الْأَحْجَار وَنَحْوهَا، أخذا بِالظَّاهِرِ، وَوَافَقَهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك فِي (شرح مُسلم) وَخَالفهُ فِي بَاقِي كتبه، وَحمل الْأَمر بِالْغسْلِ على الِاسْتِحْبَاب. وَمن أَحْكَام هَذَا الحَدِيث دلَالَته على نَجَاسَة الْمَذْي وَهُوَ ظَاهر، وَنقل عَن ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ أَنه خرج من قَول بَعضهم: أَن الْمَذْي من أَجزَاء الْمَنِيّ رِوَايَة بِطَهَارَتِهِ ورد عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ الْغسْل مِنْهُ. ١٤ - (بابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أثرُ الطيِّبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من تطيب قبل الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة وَبَقِي أثر التَّطَيُّب فِي جسده، وَكَانُوا يتطيبون عِنْد الْجِمَاع لأجل النشاط وَقَالَ ابْن بطال: السّنة اتِّخَاذ الطّيب للرِّجَال وَالنِّسَاء عِنْد الْجِمَاع. والمناسبة بَين الْحَدِيثين من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق يحصل الطّيب فِي الخاطر عِنْد غسل الْمَذْي، وَهَاهُنَا يحصل الطّيب فِي الْبدن والنشاط فِي الخاطر عَم التَّطَيُّب عِنْد الْجِمَاع. ٢٧٠ - حدّثنا أبُو النعْمانِ قالَ حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ الثَّالِث: بْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدَ بنِ المُنْتَشِرَ عَنْ أبِيهِ قالَ سَأَلْتُ عائِشَةَ فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابنِ عُمَرَ مَا أحِبُّ إِنْ أَصْبِحَ مُحْرِماً أَنْضَحُ طَيباً فقالَتْ عائِشَةَ أَنَّا طَيَّبْتُ رَسُول الله ﷺ ثُمَّ طَافَ فِي نِسائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِماً.

стр. 847

(انْظُر الحَدِيث ٢٦٧) . فَإِن قلت: مَا وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة؟ قلت: هُنَا ترجمتان الأولى: الِاغْتِسَال، والمطابقة فِيهِ من قَوْله: (ثمَّ طَاف فِي نِسَائِهِ) وَهُوَ كِنَايَة عَن الْجِمَاع وَمن لوازمه الِاغْتِسَال لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ لَا بُد مِنْهُ. التَّرْجَمَة الثَّانِيَة: بَقَاء أثر الطّيب، والمطابقة فِيهِ من قَول عَائِشَة، فَإِنَّهَا ردَّتْ على ابْن عمر، فَلَا بُد من تَقْدِير: ينضخ طيبا، بعد لفظ أصبح محرما حَتَّى يتم الرَّد وَبَقِيَّة الْكَلَام مَضَت فِي بَاب: إِذا جَامع ثمَّ عَاد وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل وَأَبُو عوَانَة الوضاح. قَوْله: (وَذكرت لَهَا) وَذكره هُوَ الَّذِي سَأَلَ عَن عَائِشَة. قَوْله: (أَن أصبح) بِضَم الْهمزَة، وَهُوَ إِخْبَار عَن نَفسه (طيبا نصب على التَّمْيِيز) قَوْله: (ثمَّ أصبح) على صِيغَة الْمَاضِي مُفردا أَي: ثمَّ أصبح النَّبِي ﷺ محرما. وَفِيه: أَن التَّطَيُّب قبل الْإِحْرَام سنة وَفِيه: جَوَاز رد بعض الصَّحَابَة على بعض. وَفِيه: خدمَة الأزاج. ٢٧١ - حدّثنا آدَمُ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قالَ حدّثنا الحَكَمُ عَنْ إبْراهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ كأنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيص الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النبيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرمُ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة. وَهُوَ قَوْله: (وَبَقِي أثر الطّيب) . ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: آدم بن أبي إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة، الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة مصغر العتبة. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: الْأسود، خَال إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، كلهم تقدمُوا. السَّادِس: عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين خراساني وواسطي وكوفي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين كلهم كوفيون، وهم الحكم وَإِبْرَاهِيم وَالْأسود. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن آدم، وَأخرجه فِي اللبَاس عَن أبي الْوَلِيد، وَعبد الله بن رَجَاء وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن ابْن مثنى وَابْن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْفضل، خمستهم عَن شُعْبَة. ذكر لغاته قَوْله: (وبيص الطّيب) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة بعْدهَا صَاد مُهْملَة، وَهُوَ البريق واللمعان وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وبيص الطّيب تلألؤه، وَذَلِكَ لعين قَائِمَة لَا للريح فَقَط وَقَالَ ابْن التِّين، وَهُوَ مصدر: وبص يبص. قَوْله: (فِي مفرق النَّبِي ﷺ بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء، وَهُوَ: مَكَان فرق الشّعْر من الجبين إِلَى دَائِرَة وسط الرَّأْس، وَجَاء فِيهِ، فتح الرَّاء. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ أَن بَقَاء أثر الطّيب على بدن الْمحرم إِذا كَانَ قد تطيب بِهِ قبل الْإِحْرَام غَيره مُؤثر فِي إِحْرَامه، وَلَا يُوجب عَلَيْهِ كَفَّارَة، قَالَه الْخطابِيّ: وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَنعه مَالك قَائِلا: إِن التَّطَيُّب كَانَ لمباشرة النِّسَاء، ومؤوِّلاً قَوْله: بِأَنَّهُ يتضخ طيبا بِأَنَّهُ قبل غسله، وَقَوْلها: كَأَنِّي أنظر إِلَى وبيصه وَهُوَ محرم، بِأَن المُرَاد مِنْهُ أثر لَا جرمه. قَالَ وَهَذَا غير مَقْبُول مِنْهُ قَالَ: (كَيفَ أطيب رَسُول الله ﷺ لحرمه وحله) وَهُوَ ظَاهر أَن التَّطَيُّب للْإِحْرَام لَا للنِّسَاء، وَكَذَلِكَ تَأْوِيله، لِأَنَّهُ مُخَالفَة للظَّاهِر بِغَيْر ضَرُورَة قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف مثل مَا قَالَه الْخطابِيّ، وَكَرِهَهُ مُحَمَّد بِمَا يبْقى عينه بعد إِحْرَامه. ١٥ - (بابُ تَخْلِيلِ الشِّعَرِ حَتَّى إذَا أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتَهُ أفَاضَ عَلَيْهِ .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تحلل الشّعْر، وَفِي بعض النّسخ تَحْلِيل الشّعْر، وَكِلَاهُمَا مصدر. فَالْأول: من التفعل؛ وَالثَّانِي: من التفعيل. قَوْله: (أروى) فعل مَاض من الإرواء يُقَال: أرواء إِذا جعله رياناً قَوْله: (بَشرته) أَي: ظَاهر جلده وَالْمرَاد بِهِ مَا تَحت الشّعْر. قَوْله: (أَفَاضَ) من الْإِفَاضَة وَهِي الإسالة قَوْله: (عَلَيْهَا) أَي: على بَشرته، وَفِي بعض النّسخ عَلَيْهِ أَي: على الشّعْر. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ وجود التَّخْلِيل فيهمَا، أما فِي الأول فَلِأَن التَّطَيُّب يخلل شعر بالطيب، وَأما فِي هَذَا فَلِأَن المغتسل يخلله بِالْمَاءِ. ٢٧٢ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَه أخْبرنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ أخْبرنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةِ قالَتْ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ وَتَوَضأَ وُضُوءهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ يُخَللُ بِيَدِهِ شَعْرَهُ حَتَّى إِذا ظن أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتهُ أفَاضَ عَلَيْهِ الماءَ ثلاثَ مَرَّاتِ ثُمَّ غَسَلَ سائِرِ جَسَدِهِ.

стр. 848

(انْظُر الحَدِيث ٢٤٨ وطرفه) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة كلهم تقدمُوا وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع والعنعنة فِي موضِعين. وَهَذَا الحَدِيث تقدم فِي أول كتاب الْغسْل عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام. ذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (أَي إِذا أَرَادَ الِاغْتِسَال) قَوْله: (ثمَّ اغْتسل) أَي: ثمَّ أشتغل بالاغتسال قَوْله: (إِذا ظن أَنه قد أروى) وَفِي بعض النّسخ (حَتَّى إِذا ظن أَن قد أروى) فَأن بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف وَأَصلهَا بالتثقيل، وَيجب حذف ضمير الشَّأْن مَعَه، وَظن يجوز أَن يكون على أَصله فيكتفي يبالغلبة وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى تَيَقّن. قَوْله: (عَلَيْهِ) أَي: على شعره، وَالْمرَاد على رَأسه، وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على عُمُومه، وخصص الْآخرُونَ بِشعر الرَّأْس قَوْله: (سَائِر جسده) أَي: بَقِيَّة جسده، وَقد تقدم فِي رِوَايَة مَالك عَن هِشَام فِي أول كتاب الْغسْل: على جلده كُله فَإِذا حملنَا لَفْظَة سائ، على معنى الْجَمِيع يجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ ابْن بطال: أما تَخْلِيل شعر الرَّأْس فِي غسل الْجَنَابَة فمجمع عَلَيْهِ وقاسوا عَلَيْهِ شعر اللِّحْيَة، فَحكمه فِي التَّخْلِيل كمكمه إلَاّ إِنَّهُم اخْتلفُوا فِي تَخْلِيل اللِّحْيَة فروى ابْن الْقَاسِم: أَنه لَا يجب تخليلها لَا فِي الْغسْل وَلَا فِي الْوضُوء وروى ابْن وهب عَنهُ تخليلها مُطلقًا وروى اشهب عَنهُ أَن تخليلها فِي الْغسْل وَاجِب، لهَذَا الحَدِيث، وَلَا يجب فِي الْوضُوء لحَدِيث عبد الله بن زيد فِي الْوضُوء لم يذكر فِيهِ تَخْلِيل اللِّحْيَة، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد، وَقَالَ الشَّافِعِي: التَّخْلِيل مسنون، وإيصال المَاء إِلَى الْبشرَة مَفْرُوض فِي الْجَنَابَة. وَقَالَ الْمُزنِيّ: تخليلها وَاجِب فِي الْوضُوء وَالْغسْل. ٢٧٣ - حدّثنا وَقالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرسولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعاً.. قَوْله: (وَقَالَت) عطف على: قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ وَالضَّمِير فيهمَا يرجع إِلَى عَائِشَة فَيكون مُتَّصِلا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله: (نغرف) جمَاعَة الْمُتَكَلّم من الغرف بالغين الْمُعْجَمَة وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام نشرع فِيهِ جَمِيعًا وَلَفظ جَمِيعًا يُؤَكد بِهِ، يُقَال جاؤا جَمِيعًا. أَي: كلهم، وَقد سلف بَيَان الحكم الَّذِي يدل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث. ١٦ - (بابُ مَنْ تَوَضَّلَ فِي الجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من تَوَضَّأ. قَوْله: (وَلم يعد) بِضَم الْيَاء من الْإِعَادَة قَوْله: (مِنْهُ) فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ لَيْسَ بموجود. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ وجود الْإِكْمَال فيهمَا، أما فِي الْبَاب السَّابِق فبالتخليل، وَفِي هَذَا الْبَاب بِالْوضُوءِ فِي الِاغْتِسَال. ٢٧٤ - حدّثنا يُوسِف بنُ عِيسَى قالَ أخبرنَا الفَضْلُ بنُ مُوسَى قالَ أخْبرنا الأعْمَشُ عَنْ سالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ [/ ن مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ وَضَعَ رولُ اللَّهِ ﷺ وَضُوا لِلْجَنَابَة فأَكفأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَب يَدَهُ بالأرْضِ أَو الحَائِطِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ علَى رَأْسِهِ المَاءَ ثُمَّ غَس جَسَدَهُ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.. اخْتلف الشُّرَّاح فِي وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث عَائِشَة الَّذِي فِي الْبَاب قبله أليق فِي التَّرْجَمَة فَإِن فِيهِ: ثمَّ غسل سَائِر جسده، وَأما حَدِيث الْبَاب فَفِيهِ ثمَّ غسل جسده فَدخل فِي عُمُومه مَوَاضِع الْوضُوء، فَلَا يُطَابق قَوْله: (وَلم يعد غسل مَوَاضِع الْوضُوء) وَأجَاب ابْن الْمُنِير: بِأَن قرينَة الْحَال وَالْعرْف من سِيَاق الْكَلَام تخص أَعْضَاء الْوضُوء، وَذكر الْجَسَد بعد ذكر الْأَعْضَاء الْمعينَة يفهمعرفا بَقِيَّة الْجَسَد لَا جملَته، لِأَن الأَصْل عدم التّكْرَار. قلت: حَاصِل كَلَامه أَن اسْتِخْرَاج التَّرْجَمَة بعيد لُغَة ومحتمل عرفا إِذا لم يذكر إِعَادَة غسلهَا وَأجَاب ابْن التِّين بِأَن مُرَاد البُخَارِيّ أَن يبين أَن المُرَاد بقوله فِي هَذِه الرِّوَايَة ثمَّ غسل جسده.، أَي: مَا بَقِي من جسده، بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى. وَقَالَ السكرماني مَا ملخصه إِن لفظ جسده، فِي قَوْله: ثمَّ غسل جسده شَامِل لتَمام الْبدن أَعْضَاء الْوضُوء وَغَيره، وَكَذَا حكم الحَدِيث السَّابِق، إِذْ المُرَاد بِسَائِر جسده أَي: بَاقِي جسده شَامِل لتَمام الْبدن أَعْضَاء الْوضُوء وَغَيره وَقَالَ بَعضهم فِي كَلَام ابْن الْمِنْبَر كلفة وَفِي كَلَام ابْن التِّين نطر لِأَن هَذِه

стр. 849

الْقِصَّة غير تِلْكَ الْقِصَّة. وَقَالَ: فِي كَلَام السكرماني لَازم هَذَا التَّقْدِير أَن الحَدِيث غير مُطَابق للتَّرْجَمَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر لي أَن البُخَارِيّ حمل قَوْله: ثمَّ غسل جسده على الْمجَاز أَي: مَا بَقِي، وَدَلِيل ذَلِك قَوْله بعد فَغسل رجلَيْهِ، إِذْ لَو كَانَ قَوْله: (غسل جسده) مَحْمُولا، على عُمُومه لم يحْتَج لغسل رجلَيْهِ ثَانِيًا، لِأَن غسلهمَا دخل فِي الْعُمُوم، وَهَذَا أشبه بتصرفات البُخَارِيّ، إِذْ من شَأْنه الاعتناء بالأخفى أَكثر من الأجلى. قلت: مَا ثمَّ فِي هَذَا الَّذِي ذكره هَؤُلَاءِ المذكورون أَكثر كلفة من كَلَام هَذَا الْقَائِل لِأَنَّهُ تصرف فِي كَلَامهم من غير تَحْقِيق وَأبْعد من هَذَا دَعْوَاهُ أَن البُخَارِيّ حمل لفظ الْجَسَد على الْمجَاز، فَلَا يعلم هُوَ أَن الْمجَاز لَا يُصَار أليه إلَاّ عِنْد تعذر الْحَقِيقَة أَو لنكة أُخْرَى، وَأي ضَرُورَة هَاهُنَا إِلَى الْمجَاز، وَمن قَالَ: إِن البُخَارِيّ قصد هَذَا وَأبْعد من ذَلِك أَنه علل مَا ادَّعَاهُ بِغسْل النَّبِي ﷺ رجلَيْهِ ثَانِيًا؟ وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون رجلَيْهِ فِي مستنقع المَاء، وَحَاصِل الْكَلَام، كَلَام ابْن الْمُنِير أقرب فِي وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: يُوسُف بن عِيسَى بن يَعْقُوب الْمروزِي، وَالْفضل بن مُوسَى أَبُو عبد الله السينَانِي، والبقية ذكرُوا عَن قريب. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين عِنْد أبي ذَر فِي الثَّانِي، وَعند غَيره أخبرنَا وَكَذَا أخبرنَا الْأَعْمَش. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. ذكر مَعَانِيه قَوْله: (وضوء للجنابة) بِفَتْح الْوَاو، فِي رِوَايَة كَرِيمَة وضوء لجنابة بلام وَاحِدَة فِي رِوَايَة الْكشميهني. وضوء الْجَنَابَة وَقَوله: (وضع) على بِنَاء الْمَعْلُوم، وَرَسُول الله فَاعله، ويروي على بِنَاء الْمَجْهُول، وضع لرَسُول الله ﷺ أَي: لأَجله قَوْله: (فاكفأ) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَرِوَايَة أبي ذَر فكفأ، أَي: قلب قَوْله: (على يسَار) كَذَا هُوَ للأكثرين، ولكريمه وَالْمُسْتَمْلِي على شِمَاله قَوْله: (ضرب يَده بِالْأَرْضِ) كَذَا هُوَ للأكثرين وللكشميهني، بِيَدِهِ الأَرْض. قالَتْ فاتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْها فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ فَاعل. قَالَت مَيْمُونَة وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: قَالَت عَائِشَة، وَهُوَ غلط ظَاهر، وَبَيَان الْأَحْكَام قد تقدم فِيمَا مضى. ١٧ - (بابُ إذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من إِذا ذكر فِي الْمَسْجِد أَنه جنب، وَحكمه أَنه يخرج على حَالَته وَلَا يحْتَاج إِلَى التَّيَمُّم قَوْله: (ذكر) من الْبَاب الَّذِي مصدره الذّكر بِضَم الذَّال، لَا من الْبَاب الَّذِي مصدره الذّكر بِالْكَسْرِ؟ وَهَذِه دقة لَا يفهمها إلَاّ من لَهُ ذوق من نكات الْكَلَام، فَلذَلِك فسر بَعضهم قَوْله: ذكر بقوله: تذكر فَلَو ذاق هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ لما احْتَاجَ إِلَى تَفْسِير، فعل يتفعل. قَوْله: (يخرج) رِوَايَة أبي ذَر وكريمة وَرِوَايَة غَيرهمَا. (خرج) قَوْله: (كَمَا هُوَ) أَي: على هَيئته وحاله جنياً وَقَوله: (وَلَا يتَيَمَّم) توضيح لقَوْله كَمَا هُوَ وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا مَوْصُولَة وموصوفة وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي كالأمر الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَو كحالة هُوَ عَلَيْهَا قلت على كل تَقْدِير هَذِه الْجُمْلَة محلهَا النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي يخرج وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا فَإِن قلت: تَسْمِيَة هَذِه الْكَاف، بكاف الْمُقَارنَة تصرف مِنْهُ، واصطلاح، بل الْكَاف، هُنَا للتشبيه على أَصله وَنظر ذَلِك قَوْلك لشخص: كن أَنْت عَلَيْهِ وَالْمعْنَى: على مَا أَنْت عَلَيْهِ، ثمَّ فِي هَذَا وُجُوه من الْإِعْرَاب. الأول: أَن تكون مَا مَوْصُولَة وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: كَالَّذي هُوَ عَلَيْهِ من الْجَنَابَة. الثَّانِي: أَن يكون هُوَ خَبرا مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ، وَالتَّقْدِير: كَالَّذي هُوَ عَلَيْهِ، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة﴾ (سُورَة الْأَعْرَاف: ١٣٨) أَي: كَالَّذي هُوَ لَهُم آلِهَة. وَالثَّالِث: أَن تكون مَا زَائِدَة ملغاة عَن الْعَمَل وَالْكَاف، جَارة، وَهُوَ ضمير مَرْفُوع أنيب عَن الْمَجْرُور، كَمَا فِي قَوْله: مَا أَنا كَانَت وَالْمعْنَى: يخرج فِي الْمُسْتَقْبل مماثلاً لنَفسِهِ فِيمَا مضى. وَالرَّابِع: أَن تكون مَا، كَافَّة، وَهُوَ مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، أَي: عَلَيْهِ، أَو كَائِن. وَالْخَامِس: أَن تكون مَا كَافَّة، وه، فَاعل، وَالْأَصْل: يخرج كَمَا كَانَ، ثمَّ حذفت كَانَ فانفصل الضَّمِير، وعَلى هَذَا الْوَجْه يجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة. ٢٧ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن عمر قَالَ أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف قيَاما وَخرج إِلَيْنَا رَسُول الله

стр. 850

- ﷺ َ - فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذكر أَنه جنب فَقَالَ لنا مَكَانكُمْ ثمَّ رَجَعَ فاغتسل ثمَّ خرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر فَكبر فصلينا مَعَه) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي تقدم فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان وَعُثْمَان بن عَمْرو بن فَارس أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ وَيُونُس بن يزِيد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَأَبُو سَلمَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف تقدمُوا فِي بَاب الْوَحْي (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأيلي ومدني. (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق الكوسج عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ نَحوه وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ مُخْتَصرا وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث زُهَيْر بن حَرْب فِي الصَّلَاة عَن مَحْمُود بن خَالِد وَدَاوُد بن رشيد كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن عَمْرو بن عُثْمَان الْحِمصِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحوه. (ذكر مَعَانِيه) قَوْله " أُقِيمَت الصَّلَاة " المُرَاد من الْإِقَامَة ذكر الْأَلْفَاظ الْمَخْصُوصَة الْمَشْهُورَة المشعرة بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاة وَهِي أُخْت الْأَذَان كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت مَعْنَاهُ إِذا نَادَى الْمُؤَذّن بِالْإِقَامَةِ فأقيم الْمُسَبّب مقَام السَّبَب قَوْله " وَعدلت " أَي سويت وتعديل الشَّيْء تقويمه يُقَال عدلته فاعتدل أَي قومته فاستقام وَفِي رِوَايَة فعدلت الصُّفُوف قبل أَن يخرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَبَين البُخَارِيّ ذَلِك فِي الصَّلَاة فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان أَنه كَانَ قبل أَن يكبر النَّبِي ﷺ َ - للصَّلَاة قَوْله " قيَاما " جمع قَائِم كتجار بِكَسْر التَّاء جمع تَاجر وَيجوز أَن يكون مصدرا جَارِيا على حَقِيقَته وَقَالَ الْكرْمَانِي فَهُوَ تَمْيِيز أَو مَحْمُول على اسْم الْفَاعِل فَهُوَ حَال (قلت) إِذا كَانَ لفظ قيَاما مصدرا يكون مَنْصُوبًا على التَّمْيِيز لِأَن فِي قَوْله وَعدلت الصُّفُوف فِيهِ إِبْهَام فيفسره قَوْله قيَاما أَي من حَيْثُ الْقيام وَإِذا كَانَ جمعا لقائم يكون انتصابه على الحالية وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره وَعدل الْقَوْم الصُّفُوف حَال كَونهم قَائِمين قَوْله " فِي مُصَلَّاهُ " بِضَم الْمِيم وَهُوَ مَوضِع صلَاته قَوْله " ذكر " من بَاب الذّكر بِضَم الذَّال وَهُوَ الذّكر القلبي فَلَا يحْتَاج إِلَى تَفْسِير ذكر بِمَعْنى تذكر كَمَا فسره بَعضهم هَكَذَا قَوْله " فَقَالَ لنا مَكَانكُمْ " بِالنّصب أَي الزموا مَكَانكُمْ وَقَالَ بَعضهم وَفِيه إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل فَإِن فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن مَكَانكُمْ (قلت) لَيْسَ فِيهِ إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل بل القَوْل على حَاله وَرِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَا تَسْتَلْزِم ذَلِك لاحْتِمَال الْجمع بَين الْكَلَام وَالْإِشَارَة (فَإِن قلت) إِذا كَانَ القَوْل على بَابه فَيكون وَاقعا فِي الصَّلَاة (قلت) لَيْسَ كَذَلِك بل كَانَ ذكره أَنه جنب قبل أَن يكبر وَقبل أَن يدْخل فِي الصَّلَاة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه (قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَكبر ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم فَمَكَثُوا ثمَّ انْطلق فاغتسل وَكَانَ رَأسه يقطر مَاء فصلى بهم فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنِّي خرجت إِلَيْكُم جنبا وَإِنِّي أنسيت حَتَّى قُمْت فِي الصَّلَاة) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أنس (دخل فِي صَلَاة فَكبر وَكَبَّرْنَا مَعَه ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقَوْم كَمَا أَنْتُم) وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عَليّ (كَانَ قَائِما فصلى بهم إِذا انْصَرف) وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد من حَدِيث أبي بكرَة (دخل فِي صَلَاة الْفجْر فَأَوْمأ بِيَدِهِ أَن مَكَانكُمْ) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى (ثمَّ جَاءَ وَرَأسه يقطر فصلى بهم) وَفِي أُخْرَى لَهُ مُرْسلَة " فَكبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الْقَوْم أَن اجلسوا " وَفِي مُرْسل ابْن سِيرِين وَعَطَاء وَالربيع بن أنس " كبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الْقَوْم أَن اجلسوا " (قلت) هَذَا كُله لَا يُقَاوم الَّذِي فِي الصَّحِيح وَأَيْضًا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا " ثمَّ رَجَعَ فاغتسل فَخرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر فَكبر " فَلَو كَانَ كبر أَولا لما كَانَ يكبر ثَانِيًا على أَنه اخْتلف فِي الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات فَقيل أُرِيد بقوله كبر أَرَادَ أَن يكبر عملا بِرِوَايَة الصَّحِيح قبل أَن يكبر وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي البُخَارِيّ فانتظرنا تكبيره وَقيل إنَّهُمَا قضيتان أبداه الْقُرْطُبِيّ احْتِمَالا وَقَالَ النَّوَوِيّ أَنه الْأَظْهر وأبداه ابْن حبَان فِي صَحِيحه فَقَالَ بعد أَن أخرج الرِّوَايَتَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحَدِيث أبكر بكرَة وَهَذَانِ فعلان فِي موضِعين متباينين خرج ﷺ َ - مرّة فَكبر ثمَّ ذكر أَنه جنب فَانْصَرف فاغتسل ثمَّ جَاءَ فاستأنف بهم الصَّلَاة وَجَاء مرّة أُخْرَى فَلَمَّا وَقع ليكبر ذكر أَنه جنب قبل أَن يكبر فَذهب فاغتسل ثمَّ رَجَعَ فَأَقَامَ

стр. 851

بهم الصَّلَاة من غير أَن يكون بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد وَلَا تهاتر وَقَول أبي بكرَة فصلى بهم أَرَادَ بذلك بَدَأَ بتكبير مُحدث لِأَنَّهُ رَجَعَ فَبنى على صلَاته إِذْ محَال أَنه يذهب ﷺ َ - ليغتسل وَيبقى النَّاس كلهم قيَاما على حالتهم من غير إِمَام إِلَى أَن يرجع انْتهى. وَلما رأى مَالك هَذَا الحَدِيث مُخَالفا لأصل الصَّلَاة قَالَ أَنه خَاص بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - وروى بعض أَصْحَابنَا أَن انتظارهم لَهُ هَذَا الزَّمن الطَّوِيل بعد أَن كبروا من قبيل الْعَمَل الْيَسِير فَيجوز مثله (فَإِن قلت) كَيفَ قلت كبروا (قلت) لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِأَن تَكْبِير الْمَأْمُومين يَقع عقيب تَكْبِير إمَامهمْ وَلَا يُؤَخر ذَلِك إِلَّا الْقَلِيل من أهل الوسوسة (فَإِن قلت) إِذا ثَبت أَنه ﷺ َ - لم يكبر فَكيف كبروا وَأَيْضًا فَكيف أَشَارَ إِلَيْهِم وَلم يتَكَلَّم وَلم انتظروه قيَاما (قلت) أما تكبيرهم فعلى رِوَايَة تَكْبِير النَّبِي ﷺ َ - وَأما قَوْلك وَلم يتَكَلَّم فَيردهُ مَجِيء قَوْله ﷺ َ - مَكَانكُمْ (فَإِن قلت) إِذا أثبت أَنه تكلم بِهَذِهِ اللَّفْظَة فالإشارة لماذا (قلت) يحْتَمل أَنه جمع بَين الْكَلَام وَالْإِشَارَة أَو يكون الرَّاوِي روى أَحدهمَا بِالْمَعْنَى (فَإِن قلت) هَل اقْتصر على الْإِقَامَة الأولى أَو أنشأ إِقَامَة ثَانِيَة (قلت) لم يَصح فِيهِ نقل وَلَو فعله لنقل قَوْله " ثمَّ رَجَعَ " أَي إِلَى الْحُجْرَة قَوْله " وَرَأسه يقطر " جملَة اسمية وَقعت حَالا على أَصْلهَا بِالْوَاو وَقَوله " يقطر " أَي من مَاء الْغسْل وَنسبَة الْقطر إِلَى الرَّأْس مجَاز من قبيل ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. (ذكر استنباط الْأَحْكَام) فِيهِ تَعْدِيل الصُّفُوف وَهُوَ مُسْتَحبّ بِالْإِجْمَاع وَقَالَ ابْن حزم فرض على الْمَأْمُومين تَعْدِيل الصُّفُوف الأول فَالْأول والتراص فِيهَا والمحاذاة بالمناكب والأرجل (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة أُقِيمَت الصَّلَاة فقمنا فعدلنا الصُّفُوف قبل أَن يخرج فَكيف هَذَا وَقد جَاءَ " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني " (قلت) لَعَلَّه كَانَ مرّة أَو مرَّتَيْنِ لبَيَان الْجَوَاز أَو لعذر أول لَعَلَّ قَوْله " فَلَا تقوموا حَتَّى تروني " بعد ذَلِك (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي (قلت) لِئَلَّا يطول عَلَيْهِم الْقيام وَلِأَنَّهُ قد يعرض لَهُ عَارض فَيتَأَخَّر بِسَبَب. وَقد اخْتلف الْعلمَاء من السّلف فَمن بعدهمْ مَتى يقوم النَّاس إِلَى الصَّلَاة وَمَتى يكبر الإِمَام فَذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة إِلَى أَنه يسْتَحبّ أَن لَا يقوم أحد حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة وَكَانَ أنس يقوم إِذا قَالَ الْمُؤَذّن قد قَامَت الصَّلَاة وَبِه قَالَ أَحْمد وَقَالَ أَبُو حنيفَة والكوفيون يقومُونَ فِي الصَّفّ إِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة فَإِذا قَالَ قد قَامَت الصَّلَاة كبر الإِمَام وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن سُوَيْد بن غَفلَة وَقيس بن أبي سَلمَة وَحَمَّاد وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف لَا يكبر الإِمَام حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن (قلت) مَذْهَب مَالك أَن السّنة عِنْده أَن يشرع الإِمَام فِي الصَّلَاة بعد فرَاغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة وندائه باستواء الصَّفّ وَعِنْدنَا يشرع عِنْد التَّلَفُّظ بقوله قد قَامَت الصَّلَاة وَقَالَ زفر إِذا قَالَ قد قَامَت الصَّلَاة قَامُوا وَإِذا قَالَ ثَانِيًا افتتحوا وَعَن أبي يُوسُف أَنه يشرع عقيب الْفَرَاغ من الْإِقَامَة مُحَافظَة على القَوْل بِمثل مَا يَقُوله الْمُؤَذّن وَبِه قَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَفِيه أَن الإِمَام إِذا طَرَأَ لَهُ مَا يمنعهُ من التَّمَادِي اسْتخْلف بِالْإِشَارَةِ لَا بالْكلَام وَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ لأَصْحَاب مَالك حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَفِيه جَوَاز الْبناء فِي الْحَدث وَهُوَ قَوْله أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِيه جَوَاز النسْيَان على الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي الْعِبَادَات. وَفِيه كَمَا قَالَ ابْن بطال حجَّة لمَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة أَن تَكْبِير الْمَأْمُوم يَقع بعد تَكْبِير الإِمَام وَهُوَ قَول عَامَّة الْفُقَهَاء قَالَ وَالشَّافِعِيّ أجَاز تَكْبِير الْمَأْمُوم قبل إِمَامه أَي فِيمَا إِذا أحرم مُنْفَردا ثمَّ نوى الِاقْتِدَاء فِي أثْنَاء الصَّلَاة لِأَنَّهُ روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا رَوَاهُ مَالك عَن إِسْمَاعِيل بن أبي الحكم عَن عَطاء بن يسَار أَنه ﷺ َ - كبر فِي صَلَاة من الصَّلَوَات ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بِيَدِهِ أَن امكثوا فَلَمَّا قدم كبر وَالشَّافِعِيّ لَا يَقُول بالمرسل وَمَالك الَّذِي رَوَاهُ لم يعْمل بِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي صَحَّ عِنْده أَنه لم يكبر انْتهى. (قلت) ذكر ابْن بطال أَن أَبَا حنيفَة مَعَ مَالك غير صَحِيح لِأَن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الْمَأْمُوم يجب عَلَيْهِ أَن يكبر مَعَ الإِمَام مُقَارنًا وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يكبر بعده ثمَّ قيل الْخلاف فِي الْأَفْضَلِيَّة. وَفِيه مَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على أَن الْجنب إِذا دخل فِي الْمَسْجِد نَاسِيا فَذكر فِيهِ أَنه جنب يخرج وَلَا يتَيَمَّم فَلذَلِك ذكر فِي التَّرْجَمَة بقوله يخرج كَمَا هُوَ وَلَا يتَيَمَّم وَقَالَ ابْن بطال من التَّابِعين من يَقُول أَن الْجنب إِذا نسي فَدخل الْمَسْجِد فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَيخرج قَالَ والْحَدِيث يرد عَلَيْهِم (قلت) من الَّذين ذَهَبُوا إِلَى التَّيَمُّم الثَّوْريّ واسحق قَالَ وَكَذَا قَول أبي حنيفَة فِي الْجنب الْمُسَافِر يمر على مَسْجِد فِيهِ عين مَاء فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَيدخل الْمَسْجِد فيستقي ثمَّ يخرج المَاء من الْمَسْجِد وَفِي نَوَادِر ابْن أبي زيد من نَام فِي الْمَسْجِد ثمَّ احْتَلَمَ يَنْبَغِي أَن يتَيَمَّم

стр. 852

لِخُرُوجِهِ وَقَالَ الشَّافِعِي لَهُ العبور فِي الْمَسْجِد من غير لبث كَانَت لَهُ حَاجَة أَو لَا وَمثله عَن الْحسن وَابْن الْمسيب وَعَمْرو بن دِينَار وَأحمد وَعَن الشَّافِعِي لَهُ الْمكْث فِيهِ إِذا تَوَضَّأ وَقَالَ دَاوُد والمزني يجوز لَهُ الْمكْث فِيهِ مُطلقًا واعتبره بالمشرك وتعلقوا بقوله ﷺ َ - (الْمُؤمن لَا ينجس) وروى سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه بِسَنَد جيد عَن عَطاء " رَأَيْت رجَالًا من الصَّحَابَة يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِد وَعَلَيْهِم الْجَنَابَة إِذا توضؤوا للصَّلَاة " وَحَدِيث وَفد ثَقِيف وَإِنْزَالهمْ فِي الْمَسْجِد وَأهل الصّفة وَغَيرهم كَانُوا يبيتُونَ فِي الْمَسْجِد وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول يجلس الْجنب فِيهِ ويمر فِيهِ إِذا تَوَضَّأ ذكره ابْن الْمُنْذر وَاحْتج من أَبَاحَ العبور بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل﴾ قَالَ الشَّافِعِي قَالَ بعض الْعلمَاء الْقُرْآن مَعْنَاهُ لَا تقربُوا مَوَاضِع الصَّلَاة وَأجَاب من منع بِأَن المُرَاد بِالْآيَةِ نفس الصَّلَاة وَحملهَا على مَكَانهَا مجَازًا وَحملهَا على عمومها أَي لَا تقربُوا الصَّلَاة وَلَا مَكَانهَا على هَذِه الْحَال إِلَّا أَن تَكُونُوا مسافرين فَتَيَمَّمُوا وأقربوا ذَلِك وصلوا وَقد نقل الرَّازِيّ عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس أَن المُرَاد بعابري السَّبِيل الْمُسَافِر يعْدم المَاء يتَيَمَّم وَيُصلي وَالتَّيَمُّم لَا يرفع الْجَنَابَة فأبيح لَهُم الصَّلَاة تَخْفِيفًا. وَفِي طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل لِأَنَّهُ خرج وَرَأسه يقطر. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ينطف وَهِي بمعناها (تَابعه عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ) أَي تَابع عُثْمَان ابْن عمر عبد الْأَعْلَى السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة عَن معمر بِفَتْح الْمِيم بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَهَذِه مُتَابعَة نَاقِصَة وَهُوَ تَعْلِيق للْبُخَارِيّ وَهُوَ مَوْصُول عِنْد الإِمَام أَحْمد عَن عبد الْأَعْلَى قَوْله " وَرَوَاهُ " أَي روى هَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَرِوَايَته مَوْصُولَة عِنْد البُخَارِيّ فِي أَوَائِل أَبْوَاب الْإِمَامَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم ظن بَعضهم أَن السَّبَب فِي التَّفْرِقَة بَين قَوْله تَابعه وَبَين قَوْله وَرَوَاهُ كَون الْمُتَابَعَة وَقعت بِلَفْظِهِ وَالرِّوَايَة بِمَعْنَاهُ وَلَيْسَ كَمَا ظن بل هُوَ من التفنن فِي الْعبارَة انْتهى. (قلت) أَرَادَ بقوله ظن بَعضهم الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرحه فَإِن قلت لم قَالَ أَولا تَابعه وَثَانِيا رَوَاهُ قلت لم يقل وَتَابعه الْأَوْزَاعِيّ إِمَّا لِأَنَّهُ لم ينْقل لفظ الحَدِيث بِعَيْنِه بل رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ إِذْ الْمَفْهُوم من الْمُتَابَعَة الْإِتْيَان بِمثلِهِ على وَجهه بِلَا تفَاوت وَالرِّوَايَة أَعم من ذَلِك وَإِمَّا لِأَنَّهُ يكون موهما بِأَنَّهُ تَابع عُثْمَان أَيْضا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ لَا وَاسِطَة بَين الْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ وَإِمَّا للتفنن فِي الْكَلَام أَو لغير ذَلِك انْتهى فَهَذَا كَمَا رَأَيْت جَوَاب الْكرْمَانِي عَنهُ بِثَلَاثَة أجوبة وَكلهَا جِيَاد وَالْجَوَاب الَّذِي استحسنه هَذَا الْقَائِل من الْكرْمَانِي أَيْضا وَلَكِن قَصده الغمز فِيهِ حَيْثُ يَأْخُذ ثمَّ ينْسبهُ إِلَى الظَّن مَعَ علمه بِأَن الَّذِي اخْتَارَهُ بمعزل عَن هَذَا الْفَنّ ١٨ - (بابُ نَفْضِ اليدَيْنِ مِنْ الغُسْلِ عَنُ الجَنَابَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم نفض الْيَدَيْنِ من الْجَنَابَة، ويروي من غسل الْجَنَابَة، وَكلمَة من الأولى مُتَعَلقَة بالنفض، وَالثَّانيَِة بِالْغسْلِ. والمناسبة بَين الْأَبْوَاب ظَاهِرَة لِأَن كلهَا فِي أَحْكَام الْغسْل. ٢٧٦ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ أخْبرنا أبُو حَمْزةَ قالَ سَمِعْتُ الأعْمَشَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ قالَتْ مَيْمُونَةُ وضعَتُ للنبيِّ ﷺ غُسْلاً فَسَتَرْتَهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ صبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ فَضَربَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا ثُمَّ غَسَلها فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وأفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْباً فَلَمْ يَأْخُذُهُ فانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فَإِن: مَا فَائِدَة هَذِه التَّرْجَمَة من حَيْثُ الْفِقْه؟ قلت: الْإِشَارَة بهَا إِلَى أَن لَا يتخيل أَن مثل هَذَا الْفِعْل اطراح لأثر الْعِبَادَة ونفض لَهُ فَبين أَن هَذَا جَائِز وَنبهَ أَيْضا على رد قَول من زعم أَن تَركه للثوب من قبيل

стр. 853

إِيثَار إبْقَاء آثَار الْعِبَادَة عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا تَركه خوفًا من الدُّخُول فِي أَحْوَال المترفين المتكبرين. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ قد ذكره قبل هَذَا فِي سِتّ مَوَاضِع، وَهَذَا هُوَ السَّابِع، وسيذكره مرّة أُخْرَى فالجملة ثَمَانِيَة، كلهَا فِي كتاب الْغسْل. الأول: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش. الثَّانِي: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن جده عَن الْأَعْمَش. الثَّالِث: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش. الرَّابِع: عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش. الْخَامِس: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش. السَّادِس: عَن يُوسُف بن عِيسَى عَن الْفضل بن مُوسَى عَن الْأَعْمَش. السَّابِع: عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش. الثَّامِن: الَّذِي يَأْتِي عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش، وَهَذَا كُله حَدِيث وَاحِد وَلكنه رَوَاهُ عَن شُيُوخ مُتعَدِّدَة بألفاط مُخْتَلفَة، وَترْجم لكل طَرِيق تَرْجَمَة. وَأَبُو حَمْزَة اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي الْمروزِي، وَلم يكن يَبِيع السكر، وَإِنَّمَا سمي بِهِ لحلاوة كَلَامه. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ يحمل السكر فِي كمه. وَقَالَ ابْن مُصعب، كَانَ مجاب الدعْوَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: مروزيان، عَبْدَانِ وَشَيْخه أَبُو حَمْزَة، وكوفيان الْأَعْمَش وَشَيْخه سَالم بن أبي الْجَعْد ومدنيان: كريب مولى ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَبَّاس وَفِي الْإِسْنَاد الَّذِي قبله كَذَلِك: يُوسُف بن عِيسَى وَشَيْخه الْفضل بن مُوسَى مروزيان وخراسانيان، وَفِيمَا قبل ذَلِك، مُوسَى وَأَبُو عوَانَة شَيْخه بصريان، وَكَذَا مُوسَى وَعبد الْوَاحِد، وَكَذَا مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَعبد الْوَاحِد، وَفِيمَا قبل ذَلِك: مكيان الْحميدِي وَشَيخ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَكلهمْ رَوَاهُ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش. قَوْله: (فَانْطَلق) أَي: ذهب. قَوْله: (وَهُوَ ينفض يَدَيْهِ) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت حَالا. ١٩ - (بابُ مَنْ بَدَأَ رَأْسِهِ الأيْمَنِ فِي الغُسْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من بَدَأَ، إِلَخ. الشق، بِكَسْر الشين وَتَشْديد الْقَاف، بِمَعْنى الْجَانِب، وَبِمَعْنى نصف الشَّيْء، وَمِنْه: (تصدقوا بشق تَمْرَة) أَي: نصفهَا. وَقَوله: (الْأَيْمن) صفة للشق. ٢٧٧ - حدّثنا خلَاّدُ بنُ يَحْيَى احدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ نافِعٍ عَنِ الحَسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ كُنَّا إذَا أصابَتْ إحْدانَا جَنَابَةٌ أخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِها عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ وَبِيَدِها الأُخْرَى عَلَى شَقِّها الأَيْسَرِ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فَإِن قتل: كَيفَ ظُهُور هَذِه الْمُطَابقَة والترجمة تَقْدِيم الشق الْأَيْمن من الرَّأْس والْحَدِيث تَقْدِيم الْأَيْمن من الشَّخْص. قلت: المُرَاد من أَيمن الشَّخْص أيمنه من رَأسه إِلَى قدمه، فَيدل حِينَئِذٍ على التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: خَلاد، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام، ابْن يحيى بن صَفْوَان الْكُوفِي أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ، سكن مَكَّة مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن نَافِع المحزومي الْمَكِّيّ. الثَّالِث: الْحسن بن مُسلم بن بناق، بِفَتْح الْيَاء آخِر الْحُرُوف وَتَشْديد النُّون وبالقاف، الْمَكِّيّ ثِقَة صَالح الرَّابِع: صَفِيَّة بنت شُعْبَة بن عُثْمَان الحجي الْقرشِي وَاخْتلف فِي أَنَّهَا صحابية، وَالْجُمْهُور على صحبتهَا، رُوِيَ لَهَا خَمْسَة أَحَادِيث اتّفق الشَّيْخَانِ على رِوَايَتهَا عَن عَائِشَة، بقيت إِلَى زمَان ولَايَة الْوَلِيد وَهِي من صغَار الصَّحَابَة، وأبوها شيبَة صَحَابِيّ مَشْهُور. الْخَامِس: عَائِشَة. ذكر لطائف إِسْنَاده أَن فِيهِ: حَدِيثا بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع أَحدهَا عَن صَفِيَّة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنه سمع صَفِيَّة. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مكيون مَا خلا خلاداً وَهُوَ أَيْضا سكن مَكَّة، كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: رِوَايَة صحابية عَن صحابية. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن أبي بكير، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع عَن الْحسن ابْن مُسلم عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَت إحدانا إِذا أصابتها جَنَابَة أخذت ثَلَاث حفنات، هَكَذَا يَعْنِي بكفيها جَمِيعًا، فتصب على رَأسهَا، وَأخذت بيد وَاحِدَة فصبتها على هَذَا الشق، وَالْأُخْرَى على الشق الآخر) فمجموع هَذَا الْغسْل من ثَلَاث حفنات وغرفتين، الحفنات الثَّلَاث على الرَّأْس والواحدة من الغرفتين على الشق الْأَيْمن وَالْأُخْرَى على الْأَيْسَر. قَوْلهَا:

стр. 854

(إِذا أصَاب) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة أَصَابَت. قَوْلهَا: (إحدانا) أَي: من أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، قَوْلهَا: (أخذت بِيَدَيْهَا) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (بِيَدِهَا) أَي: المَاء، وَصرح بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته، قَوْلهَا: (فَوق رَأسهَا) أَي: تصبه فَوق رَأسهَا وَفِي الْإِسْمَاعِيلِيّ: (أخذت بِيَدَيْهَا ثمَّ صبَّتْ على رَأسهَا) (وبيدها الْأُخْرَى) أَي: ثمَّ أخذت بِيَدِهَا الْأُخْرَى، وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْلهَا: (أخذت بِيَدَيْهَا) وَفِي بعض النّسخ أخذت يَديهَا بِدُونِ الْجَار فَلَا بُد أَن يُقَال: إِمَّا بنصبه ينْزع الْخَافِض، وَإِمَّا بِتَقْدِير مُضَاف أَي: أخذت ملْء يَديهَا. قلت: هَذَا تَوْجِيه حسن إِن صحت هَذِه الرِّوَايَة. فَإِن قلت: مَا حكم هَذَا الحَدِيث؟ قلت: حكمه الرّفْع، لِأَن الظَّاهِر اطلَاع النَّبِي ﷺ على ذَلِك. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم ٢٠ - (بابُ مَنِ اغْتَسَل عُرْيَاناً وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ فالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز غسل الْعُرْيَان وَحده إلَاّ أَن التستر أفضل، وَهَذَا اللَّفْظ دلّ على الْجَوَاز قَوْله: (وَحده فِي خلْوَة) أَي: من النَّاس، وَهَذَا تَأْكِيد لقَوْله وَحده: وهما لفظان بِحَسب الْمَعْنى متلازمان، وانتصاب وَحده، على الْحَال قَوْله: (وَمن تستر) عطف على من اغْتسل قَوْله: (والستر أفضل) جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وموضعها الْعلمَاء، وَمنعه ابْن أبي ليلى، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَجها لأصحابهم فِيمَا إِذا أنزل فِي المَاء عُريَانا بِغَيْر مئزر، وَاحْتج بِحَدِيث ضَعِيف لم يَصح عَن النَّبِي ﷺ : [حم (لَا تدْخلُوا المَاء إِلَّا بمئزر فَإِن للْمَاء عَامِرًا) [/ حم وروى ابْن وهب عَن ابْن مهْدي عَن خَالِد بن حميد عَن بعض أهل الشَّام، أَن ابْن عَبَّاس لم يكن يغْتَسل فِي بَحر وَلَا نهر إلَاّ وَعَلِيهِ إِزَار، وَإِذا سُئِلَ عَن ذَلِك قَالَ: إِن لَهُ عَامِرًا. وَرُوِيَ برد عَن مَكْحُول عَن عَطِيَّة مَرْفُوعا: [حم (من اغْتسل بلَيْل فِي فضاء فليحاذر على عَوْرَته، وَمن لم يفعل ذَلِك وأصابه لمَم فَلَا يَلُومن إلَاّ نَفسه) [/ حم وَفِي مرسلات الزُّهْرِيّ: فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَا تغتسلوا فِي الصَّحرَاء إلَاّ أَن تجذوا متوارى، فَإِن لم تَجدوا متوارى فليخط أحدكُم كالدائرة، ثمَّ يُسَمِّي الله تَعَالَى ويغتسل فِيهِ) وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) قَالَ: حَدثنَا ابْن نفَيْل: قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان الْعَرْزَمِي عَن عَطاء عَن يعلى. [حم (إِن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا يغْتَسل بالبزار فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: إِن الله حَيّ ستير يحب الْحيَاء والستر، فَإِذا اغْتسل أحدكُم فليستتر) [/ حم وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا، وَنَصّ أَحْمد فِيمَا حَكَاهُ ابْن تَيْمِية على كَرَاهَة دُخُول المَاء بِغَيْر إِزَار، وَقَالَ إِسْحَاق: هُوَ بالإزار أفضل لقَوْل الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقد قيل لَهما وَقد دخلا المَاء عَلَيْهِمَا بردَان فَقَالَا: إِن للْمَاء سكاناً. وَقالَ بَهْزٌ عَنْ أبيهِ عَن جده عَنِ النبيِّ ﷺ أحقُّ أنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: فِي وَجه مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة، وَهُوَ إِنَّمَا يُطَابق إِذا حملناه على النّدب والاستحباب لَا على الْإِيجَاب، وَعَلِيهِ عَامَّة الْفُقَهَاء كَمَا ذَكرْنَاهُ وَقَالَ بَعضهم: ظَاهر حَدِيث بهز أَن التعري فِي الْخلْوَة غير جَائِز، لَكِن اسْتدلَّ المُصَنّف على الْجَوَاز فِي الْغسْل بِقصَّة مُوسَى وَأَيوب، ﵉. قلت: على قَوْله لَا يكون حَدِيث بهز مطابقا للتَّرْجَمَة، فَلَا وَجه لذكره هَاهُنَا لَكِن نقُول: إِنَّه مُطَابق، وإيراده هَاهُنَا موجه لِأَنَّهُ عِنْده مَحْمُول على النّدب، كَمَا حمله عَامَّة الْفُقَهَاء، فَإِذا كَانَ مَنْدُوبًا كَانَ التستر أفضل فيطابق قَوْله: والتستر أفضل خلافًا لما قَالَه أَبُو عبد الْملك فِيمَا حَكَاهُ ابْن التِّين عَنهُ، يُرِيد بقوله: فَالله أَحَق أَن يستحي مِنْهُ النَّاس، أَن لَا يغْتَسل أحد فِي الفلاة، وَهَذَا فِيهِ حرج بَين، وَنقل عَنهُ أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ أَن لَا يعْصى، وَهَذَا جيد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الْعلمَاء، كشف الْعَوْرَة فِي حَال الْخلْوَة بِحَيْثُ لَا يرَاهُ آدَمِيّ: إِن كَانَ لحَاجَة جَازَ، وَإِن كَانَ لغير حَاجَة فَفِيهِ خلاف فِي كَرَاهَته وتحريمه، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِي أَنه حرَام. النَّوْع الثَّانِي فِي رِجَاله: وهم ثَلَاثَة: الأول: بهز، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره زَاي مُعْجمَة، وَقَالَ الْحَاكِم: بهز كَانَ من الثِّقَات مِمَّن يحْتَج بحَديثه، وَإِنَّمَا لَا يعد من الصَّحِيح رُوَاته عَن أَبِيه عَن جده، لِأَنَّهَا شَاذَّة وَلَا متابع لَهُ فِيهَا، وَقَالَ الْخَطِيب: حدث عَنهُ الزُّهْرِيّ وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَبَين وفاتيهما إِحْدَى وَتسْعُونَ سنة. الثَّانِي: أَبوهُ حكم، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْكَاف، وَوَقع فِي رِوَايَة

стр. 855

الْأصيلِيّ: وَقَالَ بهز بن حَكِيم يذكر أَبِيه صَرِيحًا، وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة. الثَّالِث: جده مُعَاوِيَة بن حيدة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ صَحَابِيّ على مَا قَالَه صَاحب (الْكَمَال) وَكَلَام البُخَارِيّ يشْعر بذلك أَيْضا. النَّوْع الثَّالِث: إِن هَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل أخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة فَأَبُو دَاوُد أخرجه فِي كتاب الْحمام، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان فِي موضِعين، وَالنَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء، وَابْن مَاجَه فِي النِّكَاح، وَقَالَ: حدّثنا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حدّثنا يزِيد بن هَارُون وَأَبُو أُسَامَة قَالَا حدّثنا بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: (قلت يَا رَسُول الله عوراتنا مَا تَأتي مِنْهُ وَمَا نذر؟ قَالَ: احفظ عورتك إلَاّ من زَوجتك أَو مَا ملئت يَمِينك قلت: يَا رَسُول الله: أَرَأَيْت أَن كَانَ الْقَوْم بَعضهم فِي بعض؟ قَالَ: إِن اسْتَطَعْت أَن لَا تريها أحدا فَلَا تَرَهَا. قلت: يَا رَسُول الله، فَإِن كَانَ أَحَدنَا خَالِيا؟ قَالَ: فَالله أَحَق أَن يستحي مِنْهُ من النَّاس) . النَّوْع الرَّابِع فِي حكمه: وَهُوَ أَن التِّرْمِذِيّ لما أخرجه قَالَ: حَدِيث حسن، وَصَححهُ الْحَاكِم، وَأما عِنْد البُخَارِيّ فبهز وَأَبوهُ ليسَا من شَرطه، وَأما الْإِسْنَاد إِلَى بهز فَصَحِيح، وَلِهَذَا لما علق فِي النِّكَاح شَيْئا من حَدِيث بهز وَأَبِيهِ لم يجْزم بِهِ، بل قَالَ: وَيذكر عَن مُعَاوِيَة بن حيدة، فَمن هَذَا يعرف أَن مُجَرّد جزمه بِالتَّعْلِيقِ لَا يدل على صِحَة الْإِسْنَاد إلَاّ إِلَى من علق عَنهُ، وَأما فَوْقه فَلَا يدل فَافْهَم. النَّوْع الْخَامِس فِي مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه، قَوْله: (عوراتنا) جمع عَورَة، وَهِي كل مَا يستحي مِنْهُ إِذا ظهر، وَهِي من الرجل مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة، وَمن الْحرَّة جَمِيع الْجَسَد إلَاّ الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ إِلَى الكوعين، وَفِي أخمصها خلاف وَمن الْأمة مثل الرجل، وَمَا يَبْدُو مِنْهَا فِي الْحَال لخدمة كالرأس والرقبة والساعد فَلَيْسَ بِعَوْرَة، وَستر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة وَغير الصَّلَاة وَاجِب، وَفِيه عِنْد الْخلْوَة خلاف، وكل خلل وعيب فِي شَيْء فَهُوَ عَورَة، قَوْله: (وَمَا نذر) أَي: وَمَا نَتْرُك، وأمات الْعَرَب ماضي يذر ويدع إلَاّ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَة شَاذَّة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا وَدعك﴾ بِالتَّخْفِيفِ قَوْله: (أَرَأَيْت) مَعْنَاهُ أَخْبرنِي قَوْله: (من النَّاس) يتَعَلَّق بقوله: (أَحَق) وَفِي بَعْضهَا يدل (أَن يستحيي مِنْهُ، أَن يسْتَتر مِنْهُ) ، وَهُوَ رِوَايَة السَّرخسِيّ. ٢٧٨ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قالَ حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرِ عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبَّهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ كَانَتْ بَنُوا إسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ فقالُوا واللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أنْ يَغْتَسِلَ مَعْنَا إلَاّ أنَّهُ فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَّوْبِهِ فَخَرَجَ مُوسَى فِي إثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ حَتَّى نَظَرتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَى مُوسَى فقالُوا واللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ وَأَخَذَ ثَوْبِهِ فَطَفِق بالحَجَرِ ضَرْباً فقالَ أَبُو هُرَيْرَةَ واللَّهِ إنَّهُ لَنَدَبٌ بالحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْباً بِالْحَجَرِ. [/ ح. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي اغتسال مُوسَى ﷺ عُريَانا وَحده خَالِيا عَن النَّاس، وَلَكِن هَذَا مَبْنِيّ على أَن شرع من قبلنَا من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة والسَّلام، هَل يلْزمنَا أم لَا فِيهِ خلاف، وَالأَصَح أَنه يلْزمنَا إِن لم يقص الله علينا بالإنكار. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: إِسْحَاق بن نصر السَّعْدِيّ النجاري، قد يذكرهُ البُخَارِيّ تَارَة فِي هَذَا الْكتاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِيه بِأَن يَقُول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَتارَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى جده كَمَا ذكره هَاهُنَا، وَقد تقدم ذكره فِي اباب فضل من علم وَعلم. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: همام، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْمِيم، بن مُنَبّه، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد تقدمُوا فِي بَاب حسن إِسْلَام الْمَرْء. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي مَوضِع آخر عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه (اغْتسل مُوسَى، ﵇، عِنْد مويه) بِضَم الْمِيم وَفتح الْوَاو وَإِسْكَان الْيَاء، تَصْغِير المَاء، وَأَصله موه، والتصغير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أَصْلهَا، هَكَذَا هُوَ فِي بعض نسخ مُسلم: روى ذَلِك العذري والباجي. وَفِي مُعظم نسخ مُسلم. مشربَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي حُفْرَة فِي أصل النَّخْلَة. وَقَالَ عِيَاض: وأظن الأول تصحيفاً، وَقَالَ [قعالقرطبي [/ قع: كَانَت بَنو إِسْرَائِيل تفعل هَذَا معاندة للشَّرْع وَمُخَالفَة لنبيهم، ﵊.

стр. 856

ذكر لغاته قَوْله: (كَانَت بَنو إِسْرَائِيل) هُوَ اسْم يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرحمان، صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه، وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ سَافر إِلَى خَاله لأمر ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى، وَكَانَ خَاله فِي حران، وَكَانَ يسير بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، وَكَانَ بَنو يَعْقُوب اثْنَي عشر رجلا وهم: روبيل ويهوذا وشمعون ولاؤي وداني ويفتالي وزبولون وجاد ويساخر وأشير ويوسف وبنيامين، وهم الَّذين سماهم الله الأسباط، وَسموا بذلك لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم وَالِد قَبيلَة، والسبط فِي كَلَام الْعَرَب الشَّجَرَة الملتفة الْكَثِيرَة الأغصان، والأسباط بني إِسْرَائِيل كالشعوب من الْعَجم، والقبائل من الْعَرَب، ومُوسَى ﵊، من ذُرِّيَّة لاؤي، وَهُوَ مُوسَى بن عمرَان بن فاهث بن لاؤي. قَوْله: (آدر) ، زعم ثَعْلَب فِي (الفصيح) أَنه كآدم، وَقَالَ كرَاع فِي (الْمُنْتَخب) الأدرة، على مِثَال فعله، فتق يكون فِي إِحْدَى الخصيتين، وَقَالَ عَليّ بن حَمْزَة فِيمَا ذكره ابْن عُمَيْس يُقَال أدرة وادرة بِالضَّمِّ وَالْفَتْح وَإِسْكَان الدَّال، وبالفتح والتحريك وَفِي (الْمُخَصّص) لِابْنِ سَيّده الإدرة الخصية الْعَظِيمَة إدر الرجل أدراً، وَقيل: الأدر: الَّذِي ينفتق صفاقه فَيَقَع قصبه فِي صفنه، وَلَا ينفتق إلَاّ من جَانِبه الْأَيْسَر، وَقد تأدر الرجل من دَاء يُصِيبهُ، والشرج ضِدّه وَفِي (الْمُحكم) الأدر والمأدور الَّذِي ينفتق صفاقه، وَقيل: هُوَ أَن يُصِيبهُ فتق فِي إِحْدَى الخصيتين، وَلَا يُقَال: امْرَأَة أدراء إِمَّا لِأَنَّهُ لم يسمع، وَإِمَّا أَن يكون لاخْتِلَاف الْخلقَة، وَقد أدر إدراء، وَالِاسْم الأدرة وَقيل: الخصية الإدراء الْعَظِيمَة من غير فتق، وَفِي (الْجَامِع) الأدرة والأدر مصدران، وَاسم المنتفخة الأدرة. وَقيل: إدر الرجل يأدر. إِذا أَصَابَهُ ذَلِك. وَفِي (الصِّحَاح) الأدرة نفخة فِي الخصية، يُقَال: رجل أدربين الأدر وَفِي (الجمهرة) هُوَ الْعَظِيم الخصيتين. قَوْله: (فَخرج) وَفِي رِوَايَة فَجمع مُوسَى، زعم ابْن سَيّده أَنه يُقَال: جمح الْفرس بِصَاحِبِهِ جمحاً وجماحاً ذهب يجْرِي جَريا عَالِيا، وكل شَيْء مضى لَيْسَ على وَجهه فقد جمع قَالَ نفطويه، الدَّابَّة الجموح هِيَ الَّتِي تميل فِي أحد شقيها وَفِي (التَّهْذِيب) لأبي مَنْصُور: فرس جموح، إِذا ركب فَلم يرد اللجام رَأسه، وَهَذَا ذمّ، وَفرس جموح أَي: سريع، وهذامدح. قَوْله: (فِي إثره) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة. وَقَالَ كرَاع إِثْر الشَّيْء واثره واثره، بِمَعْنى وَقَالَ فِي (الْمُنْتَخب) بوجهيه إِثْر واثر واثر وَفِي (الواعي) الْأَثر محركة هُوَ مَا يُؤثر الرجل بقدمه فِي الأَرْض. قَوْله: (ثوبي يَا حجر) أَي: أَعْطِنِي ثوبي، وَإِنَّمَا خاطبه لِأَنَّهُ أجراه مجْرى من يعقل لكَونه قر بِثَوْبِهِ، فانتقل عِنْده من حكم الجماد إِلَى حكم الْحَيَوَان، فناداه فَلَمَّا لم يطعه ضربه، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون مُوسَى، ﵇، أَرَادَ أَن يضْربهُ إِظْهَارًا للمعجزة بتأثير ضربه، وَيحْتَمل أَن يكون عَن وَحي لإِظْهَار الإعجاز، وَمَشى الْحجر إِلَى بني إِسْرَائِيل بِالثَّوْبِ أَيْضا معْجزَة أُخْرَى لمُوسَى ﵇. قَوْله: فَطَفِقَ (بِالْحجرِ ضربا) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي: (فَطَفِقَ الْحجر) ، وَسَنذكر إعرابه قَوْله: (لندب) بِفَتْح النُّون وَفتح الدَّال وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) النّدب أثر الْجرْح إِذا لم يرْتَفع عَن الْجلد، وجرح نديب ذُو ندب، وَقد انتدبته. جعلته فِي جِسْمه ندبا واثراً، وَالْجمع أنداب وندوب. وَفِي (الْمُحكم) عَن أبي زيد، وَالْجمع ندب، وَقيل: النّدب وَاحِد، وَندب ظَهره ندبا وندوبة وندوباً فَهُوَ ندب، صَارَت فِيهِ ندوب، وأندب بظهره وَفِي ظَهره غادر فِيهِ ندوباً وَفِي (الِاشْتِقَاق) للرماني عَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الْجرْح إِذا بَقِي مِنْهُ أثر مشرف، يُقَال) ضربه حَتَّى أندبه. ذكر إعرابه قَوْله: (بَنو إِسْرَائِيل) لفظ بَنو جمع السَّلامَة أصلة بنُون لكنه على خلاف الْقيَاس لوُقُوع التَّغَيُّر فِي مفرده، وَأما التَّأْنِيث فِي الْفِعْل فعلى قَول من يَقُول: حكم ظَاهر مُطلقًا حكم ظَاهر غير الْحَقِيقِيّ، فَلَا إِشْكَال وَإِمَّا على قَول من يَقُول: كل جمع مؤنث إلَاّ السَّلامَة الْمُذكر فتأنيثه أَيْضا عِنْده على خلاف الْقيَاس أَو بِاعْتِبَار الْقَبِيلَة قَوْله: (عُرَاة) جمع عارٍ كقضاة جمع قاضٍ، وانتصابها على الْحَال. قَوْله: (ينظر إِلَى بعض) جملَة فعلية وَقعت حَالا قَوْله: إِلَّا أَنه آدر اسْتثِْنَاء مفرغ والمستثنى مِنْهُ مَقْدُور هُوَ امْر من الْأُمُور قَوْله: (يغْتَسل) جملَة وَقعت حَالا، وَهِي حَال منتظرة. قَوْله: (يَقُول) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل حَال. قَوْله: (ثوبي) مفعول فعل مَحْذُوف تَقْدِيره، رد ثوبي أَو أَعْطِنِي ثوبي. قَوْله: (من بَأْس) كلمة من زَائِدَة، وَهُوَ اسْم كَانَ على تَقْدِير: مَا كَانَ بمُوسَى من بَأْس، وَفِي أَكثر النّسخ مَا بمُوسَى فعلى هَذَا، من بَأْس اسْم مَا. قَوْله: (فَطَفِقَ الْحجر) بِنصب: الْحجر، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي. وطفق؟ من أَفعَال المقاربة: بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا لُغَتَانِ: وَالْحجر، مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر وَهُوَ: يضْرب، أَي: طفق يضْرب الْحجر ضربا وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فَطَفِقَ بِالْحجرِ، بِزِيَادَة الْبَاء، وَمَعْنَاهَا: جعل مُلْتَزما بذلك يضْربهُ ضربا. وَاعْلَم أَن أَفعَال المقاربة ثَلَاثَة أَنْوَاع: الأول: مَا وضع للدلالة على قرب الْخَبَر، وَهُوَ ثَلَاثَة، نَحْو:

стр. 857

كَاد وكرب وأوشك. الثَّانِي: مَا وضع للدلالة على رجائه، وَهِي ثَلَاثَة، نَحْو: عَسى واخلولق وحرى. الثَّالِث: مَا وضع للدلالة على الشُّرُوع فِيهِ، وَهُوَ كثير. وَمِنْه، طفق، وَهَذِه كلهَا مُلَازمَة لصيغة الْمَاضِي إلَاّ أَرْبَعَة فَاسْتعْمل لَهَا مضارع وَهِي: كَاد وأوشك، وطفق، وَجعل واستعلم مصدر لاثْنَيْنِ وهما: طفق وَكَاد، وَحكى الْأَخْفَش طفوقاً، عَمَّن قَالَ: طفق بِالْفَتْح، وطفقاً عَمَّن قَالَ: طفق بِالْكَسْرِ. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) قَالَ بَعضهم: هُوَ من تَتِمَّة مقول همام وَلَيْسَ بمعلق وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة اما تَعْلِيق من البُخَارِيّ وَأما تَتِمَّة مقول همام فَيكون مُسْندًا (قلت) أحتمال الْأَمريْنِ ظَاهرا وَقطع الْبَعْض بِأحد الْأَمريْنِ غير مَقْطُوع بِهِ. قَوْله: (سِتَّة) بِالرَّفْع على الْبَدَلِيَّة أَي: سِتَّة آثَار، أَو هُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز، وَكَذَلِكَ: ضربا تَمْيِيز فَافْهَم. ذكر استنباط الْأَحْكَام فِيهِ: دَلِيل على إِبَاحَة التعري فِي الْخلْوَة للْغسْل وَغَيره بِحَيْثُ يَأْمَن أعين النَّاس. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز النّظر إِلَى الْعَوْرَة عِنْد الضَّرُورَة الداعية إِلَيْهِ من مداواة أَو برَاء من الْعُيُوب أَو إِثْبَاتهَا، كالبرص وَغَيره مِمَّا يتحاكم النَّاس فِيهَا مِمَّا لَا يَد فِيهَا من رُؤْيَة الْبَصَر بهَا. وَفِيه: جَوَاز الْحلف على الْإِخْبَار، كحلف أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: دلَالَة على معْجزَة مُوسَى، ﵊، وَهُوَ: مشي الْحجر بِثَوْبِهِ إِلَى مَلأ من بني إِسْرَائِيل ونداؤه، ﵊، للحجر، وتأثير ضربه فِيهِ. وَفِيه: دَلِيل على أَن الله تَعَالَى كمل أَنْبيَاء خلقا وخلقا، ونزههم عَن المعايب والنقائص. وَفِيه: مَا غلب على مُوسَى ﷺ من البشرية حَتَّى ضرب الْحجر. فَإِن قلت: كشف الْعَوْرَة حرَام فِي حق غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكيف الَّذِي صدر من مُوسَى ﷺ ؟ قلت: ذَاك فِي شرعنا، وَأما فِي شرعهم فَلَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنهم كَانُوا يغتسلون عُرَاة ومُوسَى ﷺ يراهم لَا يُنكر عَلَيْهِم، وَلَو كَانَ حَرَامًا لأنكره. فَإِن قلت: إِذا كَانَ كَذَلِك فَلم، كَانَ مُوسَى ينْفَرد فِي الْخلْوَة عِنْد الْغسْل؟ قلت: إِنَّمَا كَانَ يفعل ذَلِك من بَاب الْحيَاء، لَا أَنه كَانَ يجب عَلَيْهِ ذَلِك، وَيحْتَمل أَنه كَانَ عَلَيْهِ مئزر رَقِيق فَظهر مَا تَحْتَهُ لما ابتل بِالْمَاءِ، فَرَأَوْا أَنه أحسن الْخلق، فَزَالَ عَنْهُم مَا كَانَ فِي نُفُوسهم. فَإِن قلت: مَا هَذَا الْحجر؟ قلت: قَالَ سعيد بن جُبَير: الْحجر الَّذِي وضع مُوسَى ﷺ ثَوْبه عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي كَانَ يحملهُ مَعَه فِي الْأَسْفَار فيضربه فيتفجر مِنْهُ المَاء، وَالله أعلم. (وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ بَينا أَيُّوب يغْتَسل عُريَانا فَخر عَلَيْهِ جَراد من ذهب فَجعل أَيُّوب يحتثي فِي ثَوْبه فناداه ربه يَا أَيُّوب ألم أكن أغنيتك عَمَّا ترى قَالَ بلَى وَعزَّتك وَلَكِن لَا غنى بِي عَن بركتك) هَذَا مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الأول وَقد صرح أَبُو مَسْعُود وَخلف فَقَالَا فِي أطرافهما أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ هَهُنَا عَن اسحق بن نصر وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ عَن أبي أَحْمد بِهن شيرويه حَدثنَا اسحق أخبرنَا عبد الرَّزَّاق فَذكره وَذكر أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن اسحق بن نصر عَن عبد الرَّزَّاق وَأورد الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن معمر ثمَّ لما فرغ مِنْهُ قَالَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " بَينا أَيُّوب يغْتَسل " الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم وَجزم الْكرْمَانِي بِأَنَّهُ تَعْلِيق بِصِيغَة التمريض فَأَخْطَأَ فَإِن الْخَبَرَيْنِ ثابتان فِي نُسْخَة همام بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور (قلت) الْكرْمَانِي لم يجْزم بذلك وَإِنَّمَا قَالَ تَعْلِيق بِصِيغَة التمريض بِنَاء على الظَّاهِر لِأَنَّهُ لم يطلع على مَا ذكرنَا قَوْله " بَينا " بِالْألف أَصله بَين بِلَا الْألف زيدت الْألف فِيهِ لإشباع الفتحة وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله " خر " وَمَا قيل أَن مَا بعد الْفَاء لَا يعْمل فِيمَا قبله لِأَن فِيهِ معنى الجزائية إِذْ بَين مُتَضَمّن للشّرط فَجَوَابه لَا نسلم عدم عمله سِيمَا فِي الظّرْف إِذْ فِيهِ توسع وَالْعَامِل خر الْمُقدر وَالْمَذْكُور مُفَسّر لَهُ وَمَا قيل أَن الْمَشْهُور دُخُول إِذا وَإِذا فِي جَوَابه فَجَوَابه كَمَا أَن إِذا تقوم مقَام الْفَاء فِي جَوَاب الشَّرْط نَحْو قَوْله ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون﴾ تقوم الْفَاء مقَام إِذا فِي جَوَاب بَين فبينهما مُعَاوضَة قَوْله " أَيُّوب " اسْم أعجمي وَهُوَ ابْن أموص بن زراح بن عيص بن اسحق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَقَالَ بَعضهم أَيُّوب بن أموص بن زيرح ابْن زعويل بن عيص بن اسحق وَقَالَ آخَرُونَ أَيُّوب بن أموص بن زراح بن روم بن عيص بن اسحق وَأمه بنت لوط عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

стр. 858

وَكَانَ أَيُّوب فِي زمَان يَعْقُوب وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ كَانَت مَنَازِله الثَّنية من أَرض الشَّام والجابية من كورة دمشق وَكَانَ الْجَمِيع لَهُ ومقامه بقرية تعرف بدير أَيُّوب وقبره بهَا وَإِلَى هَلُمَّ جرا وَهِي قَرْيَة من نوى عَلَيْهِ مشْهد وَهُنَاكَ قدم فِي حجر يَقُولُونَ أَنَّهَا أثر قدمه وَهُنَاكَ عين يتبرك بهَا وَكَانَ أعبد أهل زَمَانه وعاش ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة قَوْله " يغْتَسل " جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ قَوْله " أَيُّوب " وَالْجُمْلَة فِي مَحل الْجَرّ بِإِضَافَة بَين إِلَيْهِ قَوْله " عُريَانا " نصب على الْحَال ومصروف لِأَنَّهُ فعلان بِالضَّمِّ بِخِلَاف فعلان بِالْفَتْح كَمَا عرف فِي مَوْضِعه قَوْله " جَراد " بِالرَّفْع فَاعل خر قَالَ ابْن سَيّده الْجَرَاد مَعْرُوف قَالَ أَبُو عبيد قيل هُوَ سروة ثمَّ دبا ثمَّ غوغا ثمَّ كتفان ثمَّ خيفان ثمَّ جَراد وَقَالَ أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الأجواني أول مَا يكون الْجَرَاد دبا ثمَّ يكون غوغا إِذا ماج بعضه فِي بعض ثمَّ يكون كتفانا ثمَّ يصير خيفانا إِذا صَارَت فِيهِ خطوط مُخْتَلفَة الْوَاحِدَة خيفانة ثمَّ يكون جَرَادًا وَقيل الْجَرَاد الذّكر والجرادة الْأُنْثَى وَمن كَلَامهم رَأَيْت جَرَادًا على جَرَادَة كَقَوْلِهِم رَأَيْت نعاما على نعَامَة وَفِي الصِّحَاح الْجَرَاد مَعْرُوف والواحدة الجرادة يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَلَيْسَ الْجَرَاد بِذكر للجرادة إِنَّمَا هُوَ اسْم جنس كالبقر وَالْبَقَرَة وَالتَّمْر وَالتَّمْرَة وَالْحمام والحمامة وَمَا أشبه ذَلِك فَحق مؤنثه أَن لَا يكون مؤنثه من لَفظه لِئَلَّا يلتبس الْوَاحِد الْمُذكر بِالْجمعِ وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة سمي جَراد لِأَنَّهُ يجرد الأَرْض فَإِنَّهُ يَأْكُل مَا عَلَيْهَا وَكَذَا هُوَ فِي الِاشْتِقَاق للرماني قَوْله " يحتثي " من بَاب الافتعال من الحثي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة قَالَ ابْن سَيّده الحثي مَا رفعت بِهِ يَديك يُقَال حَتَّى يحثي ويحثو وَالْيَاء أَعلَى وَزعم ابْن قرقول أَنه يكون بِالْيَدِ الْوَاحِدَة أَيْضا وَفِي الصِّحَاح حثى فِي وَجهه التُّرَاب يحثو ويحثي حثوا وحثيا وتحثيا وحثوت لَهُ إِذا أَعْطيته شَيْئا يَسِيرا وَيُقَال الحثية باليدين جَمِيعًا عِنْد أهل اللُّغَة وَقَالَ الْكرْمَانِي يحتثي أَي يَرْمِي يَعْنِي يَأْخُذ وَيَرْمِي فِي ثَوْبه وَقَالَ بَعضهم وَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَن زيد يحتثن بنُون فِي آخِره بدل الْيَاء (قلت) أمعنت النّظر فِي كتب اللُّغَة فَمَا وجدت لَهَا وَجها فِي هَذَا قَوْله " فناداه ربه " يحْتَمل أَن يكون كَلمه كَمَا كلم مُوسَى وَهُوَ أولى بِظَاهِر اللَّفْظ وَيحْتَمل أَن يُرْسل إِلَيْهِ ملكا فَسمى هَذَا بذلك قَوْله " بلَى " أَي بلَى أغنيتني وَقَالَ الْكرْمَانِي وَلَو قيل فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع بدل بلَى نعم لَا يجوز بل يكون كفرا (قلت) لِأَن بلَى مُخْتَصَّة بِإِيجَاب النَّفْي وَنعم مقررة لما سبقها وَالْمرَاد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ أَنْت رَبنَا وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ لَو قَالُوا نعم لكفروا وَالْفُقَهَاء لم يفرقُوا فِي الأقارير لِأَن مبناها على الْعرف وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْعرف قَوْله " لَا غنى بِي " قَالَ بَعضهم لَا غنى بِالْقصرِ بِلَا تَنْوِين على أَن لَا بِمَعْنى لَيْسَ (قلت) هَذَا الْقَائِل لم يدر الْفرق بَين لَا بِمَعْنى لَيْسَ وَبَين لَا إِلَى لنفي الْجِنْس فَإِذا كَانَت بِمَعْنى لَيْسَ فَهُوَ منون مَرْفُوع وَإِذا كَانَت بِمَعْنى لَا لنفي الْجِنْس يكون مَبْنِيا على مَا ينصب بِهِ وَلَا ينون وَيجوز هَهُنَا الْوَجْهَانِ وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى لِأَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف فِي أول الْبَقَرَة قرىء لَا ريب بِالرَّفْع وَالْفرق بَينهَا وَبَين الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة أَن الْمَشْهُورَة توجب الِاسْتِغْرَاق وَهَذِه تجوزه (فَإِن قلت) خبر لَا مَا هُوَ هَل هُوَ لفظ بِي أَو عَن بركتك قلت يجوز كِلَاهُمَا وَالْمعْنَى صَحِيح على التَّقْدِيرَيْنِ قَوْله " عَن بركتك " الْبركَة كَثِيرَة الْخَيْر. (وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ) مَا قَالَه ابْن بطال جَوَاز الِاغْتِسَال عُريَانا لِأَن الله تَعَالَى عَاتب أَيُّوب ﵇ على جمع الْجَرَاد وَلم يعاتبه على الِاغْتِسَال عُريَانا وَفِيه جَوَاز الْحلف بِصفة من صِفَات الله تَعَالَى وَقَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ فضل الكفاف على الْفقر لِأَن أَيُّوب ﵇ لم يكن يَأْخُذ ذَلِك مفاخرا وَلَا مكاثرا وَإِنَّمَا أَخذه ليستعين بِهِ فِيمَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ وَلم يكن الرب جلّ وَعلا ليعطيه مَا ينقص بِهِ حَظه وَفِيه الْحِرْص على الْحَلَال وَفِيه فضل الْغنى لِأَنَّهُ سَمَّاهُ بركَة (وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم عَن مُوسَى بن عقبَة عَن صَفْوَان عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ بَينا أَيُّوب يغْتَسل عُريَانا) أَي روى هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن طهْمَان بِفَتْح الطَّاء الْخُرَاسَانِي أَبُو سعيد مَاتَ بِمَكَّة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة عَن مُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة التَّابِعِيّ تقدم فِي بَاب إسباغ الْوضُوء عَن صَفْوَان بن سليم بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام التَّابِعِيّ الْمدنِي أَبُو عبد الله الإِمَام الْقدْوَة يُقَال أَنه لم يضع جنبه على الأَرْض أَرْبَعِينَ سنة وَكَانَ

стр. 859

لَا يقبل جوائز السُّلْطَان وَقَالَ أَحْمد يسْتَنْزل بِذكرِهِ الْقطر مَاتَ بِالْمَدِينَةِ عَام اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة عَن عَطاء بن يسَار ضد الْيَمين تقدم فِي بَاب كفران العشير وَهَذِه الرِّوَايَة مَوْصُولَة أخرجهَا النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن حَفْص عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بِهِ وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ حَدثنَا أَبُو بكير بن عبيد الشعراني وَأَبُو عمر وَأحمد بن مُحَمَّد الْحِيرِي قَالَا حَدثنَا أَحْمد بن حَفْص حَدثنِي أبي حَدثنِي إِبْرَاهِيم عَن مُوسَى بن عقبَة الخ وَلما ذكره الْحميدِي قَالَ عَطاء تَعْلِيقا عَن أبي هُرَيْرَة ثمَّ قَالَ لم يزدْ يَعْنِي البُخَارِيّ على هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة عَطاء وَقد أخرجه وَلم يذكر اسْم شَيْخه وأرسله وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لم أخر الْإِسْنَاد عَن الْمَتْن قلت لَعَلَّ لَهُ طَرِيقا آخر غير هَذَا وَتَركه وَذكر الحَدِيث تَعْلِيقا لغَرَض من الْأَغْرَاض الَّتِي تتَعَلَّق بالتعليقات ثمَّ قَالَ وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم إشعارا بِهَذَا الطَّرِيق الآخر وَهَذَا أَيْضا تَعْلِيق لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك عصر إِبْرَاهِيم ثمَّ أَن الْمُحدثين كثيرا مِنْهُم يذكر الحَدِيث أَولا ثمَّ يَأْتِي بِالْإِسْنَادِ لَكِن الْغَالِب عَكسه. (وَمن لطائف الْإِسْنَاد الْمَذْكُور) أَن فِيهِ العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَأَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ (فَإِن قلت) قَوْله بَينا أَيُّوب مَا وَقع من أَنْوَاع الْكَلَام (قلت) هُوَ بدل من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم ٢١ - (بابُ التَسَتَّرِ فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاس) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التستر إِلَى آخِره، ويروى، من النَّاس. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِنَّه لما بَين حكم التعري فِي الْخلْوَة شرع هَاهُنَا يبين التستر عِنْد النَّاس. ٢٨٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بِنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ عَنْ أبي النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدَ اللَّهِ أنّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أَمَّ هانِىءِ بِنْتِ أبي طالِبٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَمُ هَانِىءِ بِنْتَ أبي طالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الفَتْح فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلْ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِىءِ. [/ ح. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، تقدم فِي بَاب من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام، تقدم هُنَاكَ أَيْضا. الثَّالِث: أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة واسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، مولى عمر، بِدُونِ الْوَاو، ابْن عبيد الله، بِالتَّصْغِيرِ، التَّابِعِيّ تقدم فِي بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. الرَّابِع: أَبُو مرّة بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، تقدم فِي بَاب من قعد حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس فَإِن قلت: ذكر فِيهِ أَنه مولى عقيل بن أبي طَالب (قلت) هُوَ مولى أم هَانِيء وَلَكِن لشدَّة ملازمته وَكَثْرَة مصاحبته لعقيل نسب إِلَيْهِ وَقيل كَانَ مولى لَهما. الْخَامِس: أم هانىء، بالنُّون وبهمزة فِي آخِره، وكنيت باسم ابْنهَا، وَاسْمهَا: فَاخِتَة، وَقيل: عَاتِكَة بِالْعينِ الْمُهْملَة، وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل فَاطِمَة، وَقيل: هِنْد، وَهِي أُخْت عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَرُوِيَ لَهَا سِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والعنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: السماع وَالْقَوْل. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية، وَأَن رُوَاته مدنيون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عبد الله بن مسلمة، وَأخرجه فِي الصَّلَاة عَن إِسْمَاعِيل بن أويس، وَأخرجه فِي الْجِزْيَة عَن عبد الله بن يُوسُف، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة، وَفِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رمح عَن لَيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب، وَعَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة عَن الْوَلِيد بن كثير عَن سعيد بن أبي هِنْد عَن أبي مرّة عَن أم هانىء بِهِ مُخْتَصرا وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن حجاج ابْن الشَّاعِر عَن مُعلى بن أَسد عَن وهب بن خَالِد عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن أبي مرّة عَن أم هانىء بِهِ مُخْتَصرا وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن عَن مَالك بِهِ مُخْتَصرا، وَقَالَ: صَحِيح وَفِي السّير عَن أبي الْوَلِيد الدِّمَشْقِي

стр. 860

وَهُوَ أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن بكار عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي مرّة عَن أم هانىء. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن مهْدي عَن مَالك نَحْو حَدِيث معن، وَفِي السّير عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن ابْن أبي ذِئْب نَحْو حَدِيث الْوَلِيد: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن رمح. ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْله: (عَام الْفَتْح) أَي: فتح مَكَّة. وَكَانَ فِي رَمَضَان سنة ثَمَان. قَوْله: (يغْتَسل) جملَة فِي مَحل نصب على أَنَّهَا مفعول ثَان لوجدت. قَوْله: (وَفَاطِمَة تستره) . جملَة إسمية ومحلها النصب على الْحَال، وَفَاطِمَة هِيَ بنت النَّبِي ﷺ تقدم ذكرهَا فِي بَاب غسل الْمَرْأَة أَبَاهَا الدَّم. قَوْله: (فَقَالَ من هَذِه) ، يدل على أَن السّتْر كَانَ كثيفاً، وَعرف أَيْضا أَنَّهَا امْرَأَة لكَون ذَلِك الْموضع لَا يدْخل عَلَيْهِ فِيهِ الرِّجَال. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ. وجوب الاستتار فِي الْغسْل عَن أعين النَّاس، فَكَمَا لَا يجوز لأحد أَن يُبْدِي عَوْرَته لأحد من غير ضَرُورَة، فَكَذَلِك لَا يجوز لَهُ أَن ينظر إِلَى فرج أحد من غير ضَرُورَة، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى، كَمَا نَقله ابْن بطال، على أَن من دخل الْحمام بِغَيْر مئزر أَنه تسْقط شَهَادَته بذلك، وَهَذَا قَول مَالك وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَالشَّافِعِيّ وَاخْتلفُوا إِذا انْزعْ مِئْزَره وَدخل الْحَوْض وبدت عَوْرَته عِنْد دُخُوله. فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تسْقط شَهَادَته بذلك أَيْضا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري لَا تسْقط شَهَادَته بذلك، وَهَذَا يعْذر بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ. قَالَ: وَأجْمع الْعلمَاء على أَن للرجل أَن يرى عَورَة أَهله وَترى عَوْرَته. وَفِيه: مَا قَالَ الثَّوْريّ: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز اغتسال الْإِنْسَان بِحَضْرَة امْرَأَة من مَحَارمه إِذا كَانَ يحول بَينهَا وَبَينه سَاتِر من ثوب أَو غَيره. ٢٨١ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ أخْبَرنا عَبْدُ اللَّهِ أخبرنَا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدُ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالتُ سَتَرْتُ النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى الحَائِطِ أوْ الأَرْضِ ثُمَّ تَوَضَأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رَجْلَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلى جَسَدِهِ المَاءَ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (سترت رَسُول الله ﷺ ، وَقد قُلْنَا إِن البُخَارِيّ ذكر حَدِيث مَيْمُونَة هَذَا فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع، وَهَذَا هُوَ الثَّامِن، وَقد تقدم هَذَا فِي أول الْغسْل غير أَن بَينه وَبَين سُفْيَان الثَّوْريّ هُنَاكَ وَاحِدًا وَهُوَ شَيْخه مُحَمَّد بن يُوسُف، وَهَاهُنَا بَينه وَبَين سُفْيَان الثَّوْريّ اثْنَان: إحدهما هُوَ شَيْخه عَبْدَانِ، وَالْآخر: عبد الله بن الْمُبَارك. وَقد ذكرنَا مَا فِيهِ من أَنْوَاع مَا يتَعَلَّق بِهِ مستقصى. تابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وابنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ أَي: تَابع سُفْيَان أَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي فِي الرِّوَايَة عَن الْأَعْمَش، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي بَاب من أفرغ بِيَمِينِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة الحَدِيث. قَوْله: (وَابْن فُضَيْل) أَي: وَتَابعه أَيْضا مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان فِي الرِّوَايَة عَن الْأَعْمَش، وَرِوَايَته مَوْصُولَة فِي (صَحِيح) أبي عوَانَة الأسفرائني نَحْو رِوَايَة أبي عوَانَة الْبَصْرِيّ. قَوْله: (فِي السّتْر) وَفِي بعض النّسخ فِي التستر أَرَادَ تَابعا سُفْيَان فِي لفظ (سترت النَّبِي ﷺ . ٢٢ - (بابٌ إذَا احتَلَمَتِ المَرْأَةُ) أَي: هَذَا بَاب مَا يكون فِيهِ من الحكم إِذا احْتَلَمت الْمَرْأَة، والاحتلام من الْحلم، وَهُوَ عبارَة عَمَّا يرَاهُ النَّائِم فِي نَومه من الْأَشْيَاء، يُقَال: حلم، بِالْفَتْح: إِذا رأى، وتحلم إِذا ادّعى الرُّؤْيَا كَاذِبًا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي كل مِنْهُمَا بَيَان حكم الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة فَإِن قلت: حكم الرجل إِذا احْتَلَمَ مثل حكم الْمَرْأَة، فَمَا وَجه تقييدها هَذَا الْبَاب بِالْمَرْأَةِ وتخصيصه بهَا؟ قلت: الْجَواب عَنهُ بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا: أَن صُورَة السُّؤَال كَانَت فِي الْمَرْأَة، فقيد الْبَاب بهَا لموافقته صُورَة السُّؤَال، وَالثَّانِي:

стр. 861

فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى الرَّد على من منع مِنْهُ فِي حق الْمَرْأَة دون الرجل، فنبه على أَن حكم الْمَرْأَة كَحكم الرجل فِي هَذَا الْبَاب، أَلا ترى كَيفَ قَالَ ﵊، فِي جَوَاب أم سليم: (الْمَرْأَة ترى ذَلِك أعليها الْغسْل؟ نعم، إِنَّمَا النِّسَاء شقائق الرِّجَال) ؟ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْمعْنَى أَن النِّسَاء نَظَائِر الرجل وأمثالهم فِي الْأَخْلَاق والطباع كأنهن شققْنَ مِنْهُنَّ، وحواء خلقت من آدم، ﵉. والشقائق جمع شَقِيقَة، وَمِنْه: شَقِيق الرجل وَهُوَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأمه، وَيجمع على أشقاء أَيْضا، بتَشْديد الْقَاف، وَنسب منع هَذَا الحكم فِي الْمَرْأَة إِلَى إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ على مَا روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ ذَلِك بِإِسْنَاد جيد فَكَأَن النَّوَوِيّ لم يقف على هَذَا واستبعد صِحَّته عَنهُ. ٢٨٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنِ يُوسُفَ قالَ أخبرْنا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتَ أبي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أنَّها قَالَتْ أُمُّ سَلْيمٍ امْرَأَةُ أبي طَلْحَةَ إلَى رسولِ اللَّه ﷺ فقالَتْ يَا رَسُول اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيَّ مِنَ الحَقِ هَلُ عَلَى المَرْأَةَ مِنْ غُسْلِ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ إذَا رَأَتْ المَاءِ. [/ نه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد اللهبن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: زَيْنَب بنت أبي سَلمَة، وَاسم أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي، وَفِي (تَهْذِيب التَّهْذِيب) أَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد المَخْزُومِي أحد السَّابِقين عبد الله أَخُو النَّبِي ﷺ من الرضَاعَة، وَذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي بَاب الْحيَاء فِي الْعلم. وَفِيه زَيْنَب بنت أم سَلمَة، فنسبت زَيْنَب هُنَاكَ إِلَى أمهَا، وهاهناإلى أَبِيهَا وَاسم أم سَلمَة: هِنْد بنت أبي أُميَّة، واسْمه حُذَيْفَة وَيُقَال: سهل بن المغير بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، كَانَت قبل النَّبِي ﷺ عِنْد أبي سَلمَة الْمَذْكُور، وَزَيْنَب هِيَ أُخْت سَلمَة، فكنى كل وَاحِد من أم زينتب وأبيها بسلمة، فَلذَلِك تنْسب زَيْنَب تَارَة إِلَى أَبِيهَا ببنت أبي سَلمَة، وَتارَة إِلَى أمهَا ببنت أم سَلمَة، وَالْمعْنَى وَاحِد. السَّادِس: أم سَلمَة، أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأم سليم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، وَاخْتلف فِي اسْمهَا، فَقيل: سهلة، وَقيل: رميلة، وَقيل رميثة وَقيل: مليكَة، وَقيل: الغميصاء، وَقيل: الرميصاء، وَأنْكرهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ الرميصاء أُخْتهَا، وَعند ابْن سعد، أنيفة، وَأنْكرهُ ابْن حبَان، وَأم سليم بنت ملْحَان الخزرجية النجارية، وَالِدَة أنس بن مَالك زَوْجَة أبي طَلْحَة، كَانَت فاضلة دينة، وَاسم أبي طَلْحَة، زيد بن سهل بن الْأسود بن حرَام الْأنْصَارِيّ، النَّقِيب، كَبِير الْقدر، بَدْرِي مَشْهُور. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع وَهُوَ مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد، وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: ثَلَاث صحابيات. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا عبد الله بن يُوسُف. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي سِتَّة مَوَاضِع. فِي الْغسْل هَاهُنَا عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَاعِيل، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَعَن مَالك بن إِسْمَاعِيل، وَفِي خلق آدم عَن مُسَدّد، وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطَّهَارَة عَن ابْن أبي عمر بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي الْعلم عَن شُعَيْب بن يُوسُف وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن ابْن أبي شيبَة، وَعلي بن مُحَمَّد، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا عنبة عَن يُونُس بن شهَاب، قَالَ: قَالَ عُرْوَة عَن عَائِشَة: [حم (إِن أم سليم الْأَنْصَارِيَّة، وَهِي أم أنس بن مَالك، قَالَت: يَا رَسُول الله إِن الله لَا تَسْتَحي من الْحق، أَرَأَيْت الْمَرْأَة إِذا رَأَتْ فِي النّوم مَا يرى الرجل اتغتسل أَو لَا؟ قَالَ عَائِشَة: فَقَالَ النَّبِي ﷺ نعم، فلتغتسل إِذا وجدت المَاء. قَالَت عَائِشَة: فَأَقْبَلت عَلَيْهَا فَقلت: أُفٍّ لَك، وَهل ترى ذَلِك الْمَرْأَة؟ فاقبل عَليّ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: تربت يَمِينك يَا عَائِشَة، وَمن أَيْن يكون الشّبَه) . [/ حم ذكر الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الحَدِيث هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة كَمَا رَأَيْته، وَقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على

стр. 862

إِخْرَاجه من طرق عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن زَيْنَب، وَرَوَاهُ أَيْضا مُسلم من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، لَكِن قَالَ: عَن عَائِشَة: قَالَ أَبُو دَاوُد: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عقيل والزبيدي وَيُونُس وَابْن أخي الزُّهْرِيّ وَابْن الْوَزير عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ، وَوَافَقَ الزُّهْرِيّ مسافع الحَجبي، قَالَ: عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَأما هِشَام بن عُرْوَة، فَقَالَ عَن عُرْوَة عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة: (أَن أم سليم جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض عَن أهل الحَدِيث إِن الصَّحِيح أَن الْقِصَّة وَقعت لأم سَلمَة لَا لعَائِشَة وَنقل ابْن عبد الْبر عَن الذهلي أَنه صحّح الرِّوَايَتَيْنِ. قلت: قَول عِيَاض يرجح رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة، وَقَول أبي دَاوُد عَن مسافع يرجح رِوَايَة الزُّهْرِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن تكون عَائِشَة وَأم سَلمَة جَمِيعًا أنكرتا على أم سليم. والزبيدي هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد، وَيُونُس بن يزِيد، وَابْن أخي الزُّهْرِيّ اسْمه، مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم، وَابْن أبي الْوَزير اسْمه إِبْرَاهِيم بن عمر بن مطرف الْهَاشِمِي مَوْلَاهُم الْمَكِّيّ، ومسافع، بِضَم الْمِيم وبالسين الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء ابْن عبد الله أَبُو سُلَيْمَان الْقرشِي الحَجبي الْمَكِّيّ. ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث لفظ البُخَارِيّ فِي بَاب الْحيَاء فِي الْعلم بعد. قَوْله: (إِذا رَأَتْ المَاء، فغطت أم سَلمَة يَعْنِي وَجههَا، وَقَالَت: يَا رَسُول الله: أَو تحتلم الْمَرْأَة؟ قَالَ: نعم تربت يَمِينك، فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا) وَفِي لفظ بعد قَوْله: (إِذا رَأَتْ المَاء، فَضَحكت أم سَلمَة. فَقَالَت: أتحتلم الْمَرْأَة؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : فَبِمَ شبه الْوَلَد) وَفِي لفظ، قَالَت أم سَلمَة (فَقلت: فضحت النِّسَاء) . وَعند مُسلم من حَدِيث أنس: (أَن أم سليم حدثت أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ ، وَعَائِشَة عِنْده يَا رَسُول الله: الْمَرْأَة ترى مَا يرى الرجل فِي الْمَنَام من نَفسهَا مَا يرى الرجل من نَفسه، فَقَالَت عَائِشَة يَا أم سليم فضحت النِّسَاء تربت يَمِينك. فَقَالَ لَهَا إمه، بل أَنْت تربت يَمِينك، نعم فلتغتسل يَا أم سليم) وَفِي لفظ: (فَقَالَت أم سليم، وَاسْتَحْيَيْت من ذَلِك، وَهل يكون هَذَا؟ قَالَ: نعم مَاء الرجل غليظ أَبيض، وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر، أَيهمَا علا أَو سبق يكون مِنْهُ الشّبَه) ، وَفِي لفظ: (فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا كَانَ مِنْهَا مَا يكون من الرجل فلتغتسل) وَفِي لفظ: (قَالَت عَائِشَة: فَقلت لَهَا، أُفٍّ لَك؛ أَتَرَى الْمَرْأَة ذَلِك) ؟ وَفِي لفظ: (تربت يداك وألت، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : دعيها تربت بمينك وألت، وَهل يكون الشّبَه إلَاّ من قبل ذَلِك؟ إِذا علا مَاؤُهَا مَاء الرجل أشبه الرجل أَخْوَاله، وَإِذا علا مَاء الرجل ماءها أشبه أَعْمَامه) وَفِي لفظ أبي دَاوُد: (تَغْتَسِل أم لَا , فَقَالَ: فلتغتسل إِذا وجدت المَاء) وَفِي لفظ: (وَالْمَرْأَة عَلَيْهَا غسل؟ قَالَ: نعم، إِنَّمَا النِّسَاء شقائق الرِّجَال) . وَفِي لفظ النَّسَائِيّ: (فَضَحكت أم سَلمَة) ، وَعند ابْن أبي شيبَة: (وَقَالَ: هَل تَجِد شَهْوَة؟ قَالَت: لَعَلَّه قَالَ: تَجِد بللاً قَالَت لَعَلَّه. فَقَالَ: فلتغتسل. فلقيها النسْوَة فَقُلْنَ: فضحتنا عِنْد رَسُول الله ﷺ . فَقَالَت: وَالله مَا كنت لَا أَنْتَهِي حَتَّى أعلم فِي حِلِّ أَنا أم فِي حرَام) وَعند الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) قلت: يَا رَسُول الله: أَمر يقربنِي إِلَى الله أَحْبَبْت أَن أَسأَلك عَنهُ: قَالَ: اصبت يَا أم سليم. فَقلت) الحَدِيث وَعند الْبَزَّار: (فَقَالَت أم سَلمَة: وَهل للنِّسَاء من مَاء؟ قَالَ: نعم، إِنَّمَا هن شقائق الرِّجَال) . وَعند ابْن عمر: (إِذا رَأَتْ ذَلِك فأنزلت فعلَيْهَا الْغسْل، فَقَالَت أم سليم: أَيكُون هَذَا) ؟ وَعند الإِمَام أَحْمد: (أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله إِذا رَأَتْ الْمَرْأَة أَن زَوجهَا يُجَامِعهَا فِي الْمَنَام، أتغتسل؟) وَعند عبد الرَّزَّاق فِي هَذِه الْقِصَّة: (إِذا رَأَتْ أحداكن المَاء كَمَا يرى الرجل) . وَقد جَاءَ عَن جمَاعَة من الصحابيات أَنَّهُنَّ سألن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُن، كسؤال أم سليم، مِنْهُنَّ، خَوْلَة بنت حَكِيم، روى حَدِيثهَا ابْن مَاجَه من طَرِيق عَليّ بن جدعَان: (لَيْسَ عَلَيْهَا غسل حَتَّى تنزل كَمَا ينزل الرجل) ، وبسرة ذكره ابْن أبي شيبَة بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ، وسهلة بنت سُهَيْل، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث ابْن طيعة. أَكثر الْكَلَام مضى فِي بَاب: الْحيَاء فِي الْعلم. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم أَن الرجل إِذا رأى فِي مَنَامه أَنه احْتَلَمَ أَو جَامع وَلم يجد بللاً أَن لَا غسل عَلَيْهِ، وَاخْتلفُوا فِيمَن رأى بللاً، وَلم يتَذَكَّر احتلاماً فَقَالَت طَائِفَة يغْتَسل روينَا ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالنَّخَعِيّ، وَقَالَ [قعأحمد [/ قع: أحب إِلَيّ أَن يغْتَسل إلَاّ رجل بِهِ أبردة، وَقَالَ [قعأبو إِسْحَاق [/ قع: يغْتَسل إِذا كَانَت بل نُطْفَة، وروينا عَن الْحسن أَنه قَالَ: إِذا كَانَ انْتَشَر إِلَى أَهله من اللَّيْل فَوجدَ من ذَلِك بلة فَلَا غسل عَلَيْهِ، وَإِن لم يكن كَذَلِك اغْتسل، وَفِيه قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن لَا يغْتَسل حَتَّى يُوقن بِالْمَاءِ الدافق هَكَذَا، وَهُوَ قَول قَتَادَة. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف: يغْتَسل إِذا علم بِالْمَاءِ الدافق، وَقَالَ الخاطبي: ظَاهر وَيُوجب الِاغْتِسَال إِذا رأى البلة، وَإِن لم يتَيَقَّن أَنه المَاء الدافق، وَرُوِيَ هَذَا

стр. 863

القَوْل عَن جمَاعَة من التَّابِعين. وَقَالَ أَكثر أهل الْعلم: لَا يجب عَلَيْهِ الِاغْتِسَال حَتَّى يعلم أَنه بَلل المَاء الدافق. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: فِيهِ دَلِيل على أَن النِّسَاء لَيْسَ كُلهنَّ يحتلمن، وَلِهَذَا أنْكرت عَائِشَة على أم سَلمَة، وَقد يعْدم الِاحْتِلَام فِي بعض الرِّجَال فالنساء أَجْدَر أَن يعْدم ذَلِك فِيهِنَّ، وَقد قيل: أَن إِنْكَار عَائِشَة لذَلِك إِنَّمَا كَانَ لصِغَر سنّهَا وَكَونهَا مَعَ زَوجهَا لِأَنَّهَا لم تَحض إلَاّ عِنْده، وَلم تفقده فقداً طَويلا إلأ بِمَوْتِهِ ﵊، فَلذَلِك لم تعرف فِي حَيَاته الِاحْتِلَام، لأنَّ الِاحْتِلَام لَا يعرفهُ النِّسَاء، وَلَا أَكثر الرِّجَال إلَاّ عِنْد عدم الرِّجَال بِعَدَمِ الْمعرفَة بِهِ، فَإِذا فقد النِّسَاء أَزوَاجهنَّ احتلمن. وَالْوَجْه الأول عِنْدِي أصح، وَأولى، لِأَن أم سَلمَة فقدت زَوجهَا وَكَانَت كَبِيرَة عَالِمَة بذلك، وَأنْكرت مِنْهُ مَا أنْكرت عَائِشَة، فَدلَّ ذَلِك على أَن من النِّسَاء من لَا تنزل المَاء فِي غير الْجِمَاع الَّذِي يكون فِي اليقطة وَلقَائِل أَن يَقُول: إِن أم سَلمَة أَيْضا تزوجت أَبَا سَلمَة شَابة وَلما توفّي عَنْهَا زَوجهَا تزَوجهَا سيد الْمُرْسلين، لَا سِيمَا مَعَ شغلها بِالْعبَادَة وَشبههَا الَّتِى هِيَ وَجَاء لغَيْرهَا أَو تكون قالته إنكاراً على أم سليم لكَونهَا واجهت بِهِ سيدنَا رَسُول الله ﷺ يُوضحهُ، فَقَالَت أم سَلمَة وغطت وَجههَا. وَقَالَ [قعابن بطال [/ قع فِيهِ دَلِيل على أَن كل النِّسَاء يحتملن. وَفِيه: دَلِيل على وجوب الْغسْل على الْمَرْأَة بالإنزال، وَنفى ابْن بطال الْخلاف فِيهِ، وَقد ذكرنَا فِي أول الْبَاب خلاف النَّخعِيّ. وَفِيه: رد على من زعم أَن مَاء الْمَرْأَة لَا يبرز، وَإِنَّمَا تعرف إنزالها بشهوتها وَحمل قَوْله: إِذا رَأَتْ المَاء أَي: إِذا علمت بِهِ لِأَن وجود الْعلم هُنَا مُتَعَذر، لِأَن الرجل لَو رأى أَنه جَامع وَعلم أَنه أنزل فِي النّوم ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَلم ير بللاً لَا يجب عَلَيْهِ الْغسْل فَكَذَلِك الْمَرْأَة، وَإِن أَرَادَ علمهَا بذلك بعد أَن استيقظت فَلَا يَصح، لِأَنَّهُ لَا يسْتَمر فِي الْيَقَظَة مَا كَانَ فِي النّوم إلَاّ إِن كَانَ مشاهداً، فَحمل الْكَلَام على ظَاهره هُوَ الصَّوَاب. فَإِن قلت: قد جَاءَ عَن أم سَلمَة، فَضَحكت، وَجَاء، فغطت وَجههَا، فَمَا التَّوْفِيق بَينهمَا. قلت: معنى ضحِكت تبسمت تَعَجبا، وغطت وَجههَا، حَيَاء وَمعنى: تربت يَمِينك، فِي الأَصْل، لَا أَصَابَت خيرا، غير أَن فِي (لِسَان الْعَرَب) يُطلق ذَلِك وأمثالها، وَيُرَاد بِهِ الْمَدْح وَفِي كتاب (أدب الْخَواص) للوزير أبي الْقَاسِم المغربي، وَفِي كتاب (الأيك والغصون) لأبي الْعَلَاء المعري معنى قَوْله: ترَتّب يَمِينك أَي: افْتَقَرت من الْعلم مِمَّا سَأَلت عَنهُ أم سليم وَفِي (الْمُحكم) ترب الرجل صَار فِي يَده التُّرَاب، وترب ترباً لصق بِالتُّرَابِ من الْفقر وترب ترباً ومتربة خسر وافتقر، وَحكى قطرب: ترب وأترب. قَوْله: (وألت) بعد قَوْله اتربت يَمِينك مَعْنَاهُ: صاحت لما أَصَابَهَا من شدَّة، هَذَا الْكَلَام، وَرُوِيَ ألت، بِضَم الْهمزَة مَعَ التَّشْدِيد أَي: طعنت بالآلة، وَهِي الحربة العريضة النصل. ٢٣ - (بابُ عَرَق الجَنُبٍ وَإنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ) أَي هَذَا بَاب فِي عرق الْجنب، وَلم يبين مَا حكم عرق الْجنب، وَلَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب شَيْئا يُطَابق هَذِه التَّرْجَمَة وَقَالَ بَعضهم: كَأَن المُصَنّف يُشِير بذلك إِلَى الْخلاف فِي عرق الْكَافِر، وَقَالَ قوم: إِنَّه نجس بِنَاء على القَوْل بِنَجَاسَة عينة. قلت: مَا أبعد هَذَا الْكَلَام عَن الذَّوْق. فَكيف يتَوَجَّه مَا قَالَه: وَالْمُصَنّف قَالَ: بَاب عرق الْجنب؟ وَسكت عَلَيْهِ وَلم يشر إِلَى حكمه لَا فِي التَّرْجَمَة وَلَا فِي الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب؟ وَفَائِدَة ذكر الْبَاب الْمَعْقُود بالترجمة ذكر مَا عقدت لَهُ التَّرْجَمَة، وإلَاّ فَلَا فَائِدَة فِي ذكرهَا، وَيُمكن أَن يُقَال؛ إِنَّه ذكر ترجمتين، والترجمة الثَّانِيَة تدل على أَن الْمُسلم طَاهِر، وَمن لَوَازِم طَهَارَته طَهَارَة عرقه، وَلَكِن لَا يخْتَص بعرق الْمُسلم، وَالْحَال أَن عرق الْكَافِر أَيْضا طَاهِر. قَوْله: (وَإِن الْمُسلم لَا ينجس) عطف على الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: وَبَاب أَن الْمُسلم لَا ينجس. وَذكر هَذَا الْبَاب بَين الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة والآتية لَا يَخْلُو عَن وَجه الْمُنَاسبَة، وَهُوَ ظَاهر. ٢٨٣ - حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثنا يَحَيى اقالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا بَكْرٌ عَنْ أبي رَافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيِّ ﷺ لقِيهُ فِي بَعْضَ طِريقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنَبٌ فانْخَنَسْتُ مِنْهُ فَذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جاءَ فقالَ أيْنَ كُنْتَ يَا أبَا هُرَيْرَةَ قالَ كُنْتُ جُنُباً فَكَرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهارَةٍ فقالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ المُؤْمِنِ لَا يَنْجُسُ. [/ ح.

стр. 864

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث لإحدى ترجمتي هَذَا الْبَاب ظَاهِرَة وَهِي التَّرْجَمَة الثَّانِيَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء الطَّوِيل التَّابِعِيّ، مَاتَ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي. الرَّابِع: بكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن عمر بن هِلَال الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبَوا رَافع واسْمه، نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، الصَّائِغ، بالغين الْمُعْجَمَة، الْبَصْرِيّ، تحول إِلَيْهَا من الْمَدِينَة أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَلم ير النَّبِي ﷺ . السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، والعنعنة فِي موضِعين: وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون، وَمن أجل لطائفه أَنه مُتَّصِل، وَرَوَاهُ مُسلم مَقْطُوعًا حميد عَن أبي رَافع كَذَا فِي طَرِيق الجلودي، والحافظ الجياني، وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره: حميد عَن بكر عَن أبي رَافع، وَذكر أَبُو مَسْعُود وَخلف أَن مُسلما أخرجه أَيْضا كَذَلِك. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قد رَأينَا من قَالَه غَيرهمَا فَدلَّ على أَن فِي مُسلم رِوَايَتَيْنِ. قلت: ذكر الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) أَن مُسلما أخرجه بِإِثْبَات بكر. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَيَّاش بن الْوَلِيد عَن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله (فِي بعض طَرِيق) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي. طرق: بِالْجمعِ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: (لَقيته فِي بعض طَرِيق من طرق الْمَدِينَة) قَوْله: (فانخنست) فِيهِ رِوَايَات كَثِيرَة. الأولى: (فانخنست) كَمَا فِي الْكتاب بالنُّون ثمَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ بالنُّون ثمَّ بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي وكريمة. وَمَعْنَاهُ تَأَخَّرت وأنقبضت وَرجعت، وَهُوَ لَازم ومتعد، وَمِنْه خنس الشَّيْطَان. الثَّانِيَة: فاختنست، مثل الرِّوَايَة الأولى فِي الْمَعْنى، غير أَن اللَّفْظ فِي الرِّوَايَة الأولى من بَاب الانفعال، وَفِي هَذِه الرِّوَايَة من بَاب الافتعال. الثَّالِثَة: فانبجست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَمَعْنَاهُ اندفعت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ (سُورَة الْأَعْرَاف: ١٦) أَي: جرت واندفعت، وَهِي رِوَايَة ابْن السكن والأصيلي أَيْضا وَأبي الْوَقْت وَابْن عَسَاكِر أَيْضا. الرَّابِعَة: فانتجست، من النَّجَاسَة من بَاب الافتعال، وَالْمعْنَى: اعتقدت نَفسِي نجسا وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. الْخَامِسَة: فانتجشت، بالشين الْمُعْجَمَة، من النجش، وَهُوَ الْإِسْرَاع. السَّادِسَة: فانبخست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة من النخس، وَهُوَ النَّقْص، فَكَأَنَّهُ ظهر لَهُ نقصانه عَن مماشاته رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ رِوَايَة المتسملي لما اعْتقد فِي نَفسه من النَّجَاسَة. السَّابِعَة: فاحتبست، نحاء مُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ سين مُهْملَة، من الاحتباس، وَالْمعْنَى: حبست نَفسِي عَن اللحاق بِالنَّبِيِّ ﷺ . الثَّامِنَة: (فانسللت) . التَّاسِعَة: (فانسل) ، وَهُوَ رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: وَلم يثبت لي من طَرِيق الرِّوَايَة غير مَا تقدم، وَأَرَادَ بِهِ رِوَايَة الْكشميهني وَأبي الْوَقْت وَالْمُسْتَمْلِي، وَنسب بَعْضهَا إِلَى التَّصْحِيف، وَلَا يلْزم من عدم ثُبُوت غير الرِّوَايَات الثَّلَاث عِنْده عدم ثُبُوتهَا عِنْد غَيره، وَلَيْسَ بأدب أَن ينْسب بعض غير مَا وقف عَلَيْهِ إِلَى التَّصْحِيف، لِأَن الْجَاهِل بالشَّيْء لَيْسَ لَهُ أَن يَدعِي عدم علم غَيره بِهِ. قَوْله: (يَا با هُرَيْرَة) بِحَذْف الْهمزَة فِي الْأَب تَخْفِيفًا. قَوْله: (جنب) يُقَال: أجنب الرجل فَهُوَ جنب، وَكَذَلِكَ الإثنان وَالْجمع والمذكر والمؤنث، قَالَ ابْن دُرَيْد، وَهُوَ أَعلَى اللُّغَات، وَقد قَالُوا: جنبان وأجناب، وَلم يَقُولُوا: جنبة، وَفِي (الْمُنْتَهى) رجل جنب وَامْرَأَة جنب وَقوم جنب وجنبو وأجناب، وَفِي (الصِّحَاح) أجنب الرجل وجنب أَيْضا، بِضَم النُّون. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني عَن الْفراء وقطرب جنب الرجل وجنب بسكر النُّون وَضمّهَا، لُغَتَانِ. وَقَالَ المطرزي: يُقَال: من الْجَنَابَة أجنب الرجل وجنب بِفَتْح النُّون وَكسرهَا، وجنب وتجنب، لَا يُقَال عَن الْعَرَب غَيره وَحكى بَعضهم: جنب بِضَم النُّون، وَلَيْسَ بالمشهور. وَفِي (الِاشْتِقَاق) للرماني: وأجنب الرجل لِأَنَّهُ يجانب الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: لِأَنَّهُ نهى عَن أَن يقرب مَوَاضِع الصَّلَاة وَقَالَ الْعُتْبِي: سمي بذلك لمجانبة النَّاس وَبعده مِنْهُم، حَتَّى يغْتَسل. قَوْله: (سُبْحَانَ الله) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي مَعْنَاهُ: سبحتك تَنْزِيها لَك يَا رَبنَا من الْأَوْلَاد والصاحبة والشركاء، أَي: نزهناك من ذَلِك. وَقَالَ الْقَزاز: مَعْنَاهُ: برأت الله تَعَالَى من السوء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نُسَبِّح لَك بحَمْدك

стр. 865

وَنُصَلِّي لَك، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (أساس البلاغة) سبحت الله وسبحت لَهُ وَكَثُرت تسبحاته وتسابيحه، وَفِي (المغيث) لأبي الْمَدِينِيّ: سُبْحَانَ الله قَائِم مقَام الْفِعْل أَي: أسبحه، وسبحت أَي: لفظت سُبْحَانَ الله، وَقيل: معنى: سُبْحَانَ الله. أتَسرع إِلَيْهِ وألحقه فِي طَاعَته من قَوْلهم فرس سايح. وَذكر النَّضر بن شُمَيْل أَن مَعْنَاهُ: السرعة إِلَى هَذِه اللُّغَة وَلِأَنَّهُ الْإِنْسَان يبْدَأ فَيَقُول: سُبْحَانَ الله. قَوْله: (لَا ينجس) قَالَ ابْن سَيّده النَّجس وَالنَّجس وَالنَّجس القذر من كل شَيْء، وَرجل نجس، وَالْجمع أنجاس، وَقيل: النَّجس يكون اللواحد والاثنين وَالْجمع والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد فَإِذا كسر وَالنُّون جمعُوا وانئوا وَرجل، رِجْس نجس، يَقُولُونَهَا بِالْكَسْرِ لمَكَان رِجْس، فَإِذا أفردوه وَقَالُوا: نجس، وَفِي (الْجَامِع) أَحسب الْمصدر من قَوْلهم: نجس ينجس نجسا، وَاسم النَّجَاسَة. وَذكره ابْن الْقُوطِيَّة وَابْن طريف فِي بَاب: فعل وَفعل، فَقَالَا: نجس الشَّيْء ونجسا نَجَاسَة ضد طهر. وَفِي (الصِّحَاح) نجس الشَّيْء بِالْكَسْرِ ينجس نجسا فَهُوَ نجس ونجس وَفِي (كتاب ابْن عديس) نجس الرجل ونجس نَجَاسَة ونجوسة بِكَسْر الْجِيم وضمهاإذا تقذر. ذكر إعرابه قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي لَقيته. قَوْله: (فَذَهَبت فاغتسلت) قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا أَي: فِي بعض النّسخ فَذهب فاغتسل. قلت: على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة بهَا يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ الْغَيْبَة بِالنّظرِ إِلَى نقل كَلَام أبي هُرَيْرَة بِالْمَعْنَى، والتكلم بِالنّظرِ إِلَى نَقله بِلَفْظِهِ بِعَيْنِه على سَبِيل الْحِكَايَة عَنهُ. وَأما جَوَاز لَفظه بالغيبة فَمن بَاب التَّجْرِيد، وَهُوَ أَنه جرد من نَفسه شخصا وَأخْبر عَنهُ. قَوْله: (كنت جنبا) أَي: ذَا جَنَابَة. قَوْله: (وَأَنا على غير طَهَارَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي أجالسك. (وأجالسك) فِي قُوَّة الْمصدر بِأَن الْمصدر، وَإِنَّمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة هَذَا لِأَنَّهُ، ﵇، كَانَ إِذا لَقِي أحدا من أَصْحَابه ماسحه ودعا لَهُ كَمَا ورد فِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود. قَالَ: (لَقِيَنِي النَّبِي ﷺ وَأَنا جنب فاهوى إليّ فَقلت: إِنِّي جنب، فَقَالَ: إِن الْمُسلم لَا ينجس) . قَوْله: (سُبْحَانَ الله) ، سُبْحَانَ علم للتسبيح، كعثمان، علم للرجل. وَقَالَ الْفراء مَنْصُوب على الْمصدر كَأَنَّك قلت: سبحت الله تسبيحاً فَجعل: سُبْحَانَ فِي مَوضِع التَّسْبِيح وَالْحَاصِل أَنه مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف لَازم الْحَذف فاستعماله فِي مثل هَذَا الْموضع يُرَاد بِهِ التَّعَجُّب، وَمعنى التَّعَجُّب هُنَا أَنه كَيفَ يخفى مثل هَذَا الظَّاهِر عَلَيْك. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: وَقد عقد الْبَاب لَهُ، أَن الْمُؤمن لَا ينجس وَأَنه طَاهِر سَوَاء كَانَ جنبا أَو مُحدثا حَيا أَو مَيتا، وَكَذَا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وَكَذَا الْكَافِر فِي هَذِه الْأَحْكَام وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي الْمَيِّت أصَحهمَا الطَّهَارَة وَذكر البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن ابْن عَبَّاس تَعْلِيقا. [حم (الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم وَوَصله الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) فَقَالَ: أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم عَن عصمَة. قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُسلم الْمسيب بن زُهَيْر الْبَغْدَادِيّ أخبرنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا أبي شيبَة، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : [حم (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم قَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ، وَهُوَ أصل فِي طَهَارَة الْمُسلم حَيا وَمَيتًا، أما الْحَيّ: فبالإجماع حَتَّى الْجَنِين إِذا ألقته أمه وَعَلِيهِ رُطُوبَة فرجهَا وَأما الْكَافِر فَحكمه كَذَلِك على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: سَأَلت عَائِشَة عَن الرجل يَأْتِي أَهله ثمَّ يلبس الثَّوْب فيعرق فِيهِ أنجس ذَلِك؟ فَقَالَت: قد كَانَت الْمَرْأَة تعد خرقَة أَو خرقاً فَإِذا كَانَ ذَلِك مسح بهَا الرجل الْأَذَى عَنهُ، وَلم نر أَن ذَلِك يُنجسهُ، وَفِي لفظ: ثمَّ صليا فِي ثوبهما وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث المتَوَكل ابْن فُضَيْل عَن أم القلوص العامرية عَن عَائِشَة: (كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يرى على الْبدن جَنَابَة، وَلَا على الأَرْض جَنَابَة، وَلَا يجنب الرجل) وَعَن محيي السّنة الْبَغَوِيّ، قَالَ: معنى قَول ابْن عَبَّاس: أَربع لَا يجنبن، الْإِنْسَان، وَالثَّوْب، وَالْمَاء، وَالْأَرْض، يُرِيد: الْإِنْسَان لَا يجنب بمماسة الْجنب، وَلَا الثَّوْب، إِذا لبسه الْجنب، وَلَا الأَرْض إِذا أقضى إِلَيْهَا الْجنب، وَلَا المَاء ينجس إِذا غمس الْجنب يَده فِيهِ. وَقَالَ [قعابن الْمُنْذر [/ قع: أجمع عوام أهل الْعلم على أَن عرق الْجنب طَاهِر، وَثَبت ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَائِشَة أَنهم قَالُوا ذَلِك، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَلَا أحفظ عَن غَيرهم خلاف قَوْلهمَا. وَقَالَ [قعالقرطبي [/ قع: الْكَافِر نجس عِنْد الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو بكر ابْن الْمُنْذر: وعرق الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ والمجوسي طَاهِر عِنْدِي، وَقَالَ ابْن حزم الْعرق من الْمُشْركين نجس لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ (سُورَة التَّوْبَة: ٢٨) وَتمسك أَيْضا بِمَفْهُوم حَدِيث الْبَاب، وَادّعى أَن الْكَافِر نجس الْعين وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم نجسوا الْأَفْعَال لَا الْأَعْضَاء أَو نجسوا الِاعْتِقَاد، وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاح نسَاء أهل الْكتاب، وَمَعْلُوم أَن عرقهن لَا يسلم مِنْهُ من

стр. 866

يضاجعهن، وَمَعَ ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْكِتَابِيَّة إلَاّ مثل مَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْمسلمَة، فَدلَّ على أَن الْآدَمِيّ الْحَيّ لَيْسَ ينجس الْعين إِذْ لَا فرق بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَفِي (الْمُدَوَّنَة) على مَا نَقله ابْن التِّين إِن الْمَرِيض إِذا صلى لَا يسْتَند لحائض وَلَا جنب، وَأَجَازَهُ ابْن أَشهب. قَالَ [قعالشيخ أَبُو مُحَمَّد [/ قع: لِأَن ثيابهما لَا تكَاد تسلم من النَّجَاسَة. وَقَالَ غَيره لأجل أعينهما لَا لثيابهما، وَمَا ذَكرْنَاهُ يرد بذلك، فَإِن قلت: على مَا ذكرت من أَن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا يَنْبَغِي أَن يغسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ طَاهِر. قلت: اخْتلف الْعلمَاء من أَصْحَابنَا فِي وجوب غسله. فَقيل: إِنَّمَا وَجب لحَدث يحله باسترخاء المفاصل لَا لنجاسته، فَإِن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة، إِذا لَو نجس لما طهر بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات وَكَانَ الْوَاجِب الِاقْتِصَار على أَعْضَاء الْوضُوء كَمَا فِي حَال الْحَيَاة. لَكِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ نفيا للْحَرج فِيمَا يتَكَرَّر كل يَوْم، وَالْحَدَث بِسَبَب الْمَوْت لَا يتَكَرَّر، فَكَانَ كالجنابة لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِغسْل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بل يبْقى على الأَصْل، وَهُوَ وجوب غسل الْبدن لعدم الْحَرج، فَكَذَا هَذَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يجب غسله لنجاسته بِالْمَوْتِ لَا بِسَبَب الْحَدث لِأَن للآدمي دَمًا سَائِلًا فيتنجس بِالْمَوْتِ قِيَاسا على غَيره ألَاّ ترى أَنه لَو مَاتَ فِي الْبِئْر نجسها؟ وَلَو حمله الْمُصَلِّي لم تجز صلَاته وَلَو لم يكن نجسا لجازت كَمَا لَو حمل مُحدثا. الثَّانِي: من الْأَحْكَام فِيهِ اسْتِحْبَاب أحترام أهل الْفضل، وَأَن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم، فَيكون على أكمل الهيئات وَأحسن الصِّفَات، وَقد اسْتحبَّ الْعلمَاء لطَالب الْعلم أَن يحسن حَاله عِنْد مجالسة شَيْخه، فَيكون متطهراً متنظفاً بِإِزَالَة الشعوث الْمَأْمُور بإزالتها، نَحْو: قصّ الشَّارِب، وقلم الْأَظْفَار، وَإِزَالَة الروائح الْمَكْرُوهَة وَغير ذَلِك. الثَّالِث: فِيهِ من الْآدَاب أَن الْعَالم إِذا رأى من تَابعه أمرا يخَاف عَلَيْهِ فِيهِ خلاف الصَّوَاب، سَأَلَهُ عَنهُ وَقَالَ لَهُ صَوَابه وَبَين لَهُ حكمه. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاغْتِسَال عَن أول وَقت وُجُوبه، وَالْوَاجِب أَن لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يفوتهُ وَقت صَلَاة. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز انصراف الْجنب فِي حَوَائِجه قبل الِاغْتِسَال، مَا لم يفته وَقت الصَّلَاة. السَّادِس: فِيهِ أَن النَّجَاسَة إِذا لم تكن عينا فِي الْأَجْسَام لَا تضرها فَإِن الْمُؤمن طَاهِر الْأَعْضَاء، فَإِن من شَأْنه الْمُحَافظَة على الطَّهَارَة والنظافة. السَّابِع: فِيهِ ائتلاف قُلُوب الْمُؤمنِينَ، ومواساة الْفُقَرَاء والتواضع لله، وَاتِّبَاع أَمر الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ جلّ ذكره. ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه﴾ (سُورَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: اسْتِحْبَاب اسْتِئْذَان التَّابِع للمتبوع إِذا أَرَادَ أَن يُفَارِقهُ. قلت: هَذَا بعيد لِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يفهم مِنْهُ ذَلِك لَا من عِبَارَته وَلَا من إِشَارَته وَلَا فِيهِ التَّابِع والتبوع لِأَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن فِي تِلْكَ الْحَالة تَابعا للنَّبِي ﷺ فِي مَشْيه بل إِنَّمَا لقِيه النَّبِي ﷺ فِي بعض طرق الْمَدِينَة، كَمَا هُوَ نَص الحَدِيث. وَقَالَ أَيْضا وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن حبَان الرَّد على من زعم أَن الْجنب إِذا وَقع فِي الْبِئْر فَنوى الِاغْتِسَال أَن مَاء الْبِئْر ينجس. قلت: هَذَا الرَّد مَرْدُود حِينَئِذٍ، لِأَن الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ أصلا والْحَدِيث يدل بعبارته أَن الْجنب لَيْسَ بِنَجس فِي ذَاته، وَلم يتَعَرَّض إِلَى طَهَارَة غسالته إِذا نوى الِاغْتِسَال. ٢٨٣ - حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثنا يَحَيى اقالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا بَكْرٌ عَنْ أبي رَافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيِّ ﷺ لقِيهُ فِي بَعْضَ طِريقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنَبٌ فانْخَنَسْتُ مِنْهُ فَذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جاءَ فقالَ أيْنَ كُنْتَ يَا أبَا هُرَيْرَةَ قالَ كُنْتُ جُنُباً فَكَرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهارَةٍ فقالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ المُؤْمِنِ لَا يَنْجُسُ. [/ ح. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث لإحدى ترجمتي هَذَا الْبَاب ظَاهِرَة وَهِي التَّرْجَمَة الثَّانِيَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء الطَّوِيل التَّابِعِيّ، مَاتَ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي. الرَّابِع: بكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن عمر بن هِلَال الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبَوا رَافع واسْمه، نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، الصَّائِغ، بالغين الْمُعْجَمَة، الْبَصْرِيّ، تحول إِلَيْهَا من الْمَدِينَة أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَلم ير النَّبِي ﷺ . السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، والعنعنة فِي موضِعين: وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون، وَمن أجل لطائفه أَنه مُتَّصِل، وَرَوَاهُ مُسلم مَقْطُوعًا حميد عَن أبي رَافع كَذَا فِي طَرِيق الجلودي، والحافظ الجياني، وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره: حميد عَن بكر عَن أبي رَافع، وَذكر أَبُو مَسْعُود وَخلف أَن مُسلما أخرجه أَيْضا كَذَلِك. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قد رَأينَا من قَالَه غَيرهمَا فَدلَّ على أَن فِي مُسلم رِوَايَتَيْنِ. قلت: ذكر الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) أَن مُسلما أخرجه بِإِثْبَات بكر. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَيَّاش بن الْوَلِيد عَن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله (فِي بعض طَرِيق) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي. طرق: بِالْجمعِ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: (لَقيته فِي بعض طَرِيق من طرق الْمَدِينَة) قَوْله: (فانخنست) فِيهِ رِوَايَات كَثِيرَة. الأولى: (فانخنست) كَمَا فِي الْكتاب بالنُّون ثمَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ بالنُّون ثمَّ بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي وكريمة. وَمَعْنَاهُ تَأَخَّرت وأنقبضت وَرجعت، وَهُوَ لَازم ومتعد، وَمِنْه خنس الشَّيْطَان. الثَّانِيَة: فاختنست، مثل الرِّوَايَة الأولى فِي الْمَعْنى، غير أَن اللَّفْظ فِي الرِّوَايَة الأولى من بَاب الانفعال، وَفِي هَذِه الرِّوَايَة من بَاب الافتعال. الثَّالِثَة: فانبجست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَمَعْنَاهُ اندفعت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ (سُورَة الْأَعْرَاف: ١٦) أَي: جرت واندفعت، وَهِي رِوَايَة ابْن السكن والأصيلي أَيْضا وَأبي الْوَقْت وَابْن عَسَاكِر أَيْضا. الرَّابِعَة: فانتجست، من النَّجَاسَة من بَاب الافتعال، وَالْمعْنَى: اعتقدت نَفسِي نجسا وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. الْخَامِسَة: فانتجشت، بالشين الْمُعْجَمَة، من النجش، وَهُوَ الْإِسْرَاع. السَّادِسَة: فانبخست، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة من النخس، وَهُوَ النَّقْص، فَكَأَنَّهُ ظهر لَهُ نقصانه عَن مماشاته رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ رِوَايَة المتسملي لما اعْتقد فِي نَفسه من النَّجَاسَة. السَّابِعَة: فاحتبست، نحاء مُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ سين مُهْملَة، من الاحتباس، وَالْمعْنَى: حبست نَفسِي عَن اللحاق بِالنَّبِيِّ ﷺ . الثَّامِنَة: (فانسللت) . التَّاسِعَة: (فانسل) ، وَهُوَ رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: وَلم يثبت لي من طَرِيق الرِّوَايَة غير مَا تقدم، وَأَرَادَ بِهِ رِوَايَة الْكشميهني وَأبي الْوَقْت وَالْمُسْتَمْلِي، وَنسب بَعْضهَا إِلَى التَّصْحِيف، وَلَا يلْزم من عدم ثُبُوت غير الرِّوَايَات الثَّلَاث عِنْده عدم ثُبُوتهَا عِنْد غَيره، وَلَيْسَ بأدب أَن ينْسب بعض غير مَا وقف عَلَيْهِ إِلَى التَّصْحِيف، لِأَن الْجَاهِل بالشَّيْء لَيْسَ لَهُ أَن يَدعِي عدم علم غَيره بِهِ. قَوْله: (يَا با هُرَيْرَة) بِحَذْف الْهمزَة فِي الْأَب تَخْفِيفًا. قَوْله: (جنب) يُقَال: أجنب الرجل فَهُوَ جنب، وَكَذَلِكَ الإثنان وَالْجمع والمذكر والمؤنث، قَالَ ابْن دُرَيْد، وَهُوَ أَعلَى اللُّغَات، وَقد قَالُوا: جنبان وأجناب، وَلم يَقُولُوا: جنبة، وَفِي (الْمُنْتَهى) رجل جنب وَامْرَأَة جنب وَقوم جنب وجنبو وأجناب، وَفِي (الصِّحَاح) أجنب الرجل وجنب أَيْضا، بِضَم النُّون. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني عَن الْفراء وقطرب جنب الرجل وجنب بسكر النُّون وَضمّهَا، لُغَتَانِ. وَقَالَ المطرزي: يُقَال: من الْجَنَابَة أجنب الرجل وجنب بِفَتْح النُّون وَكسرهَا، وجنب وتجنب، لَا يُقَال عَن الْعَرَب غَيره وَحكى بَعضهم: جنب بِضَم النُّون، وَلَيْسَ بالمشهور. وَفِي (الِاشْتِقَاق) للرماني: وأجنب الرجل لِأَنَّهُ يجانب الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: لِأَنَّهُ نهى عَن أَن يقرب مَوَاضِع الصَّلَاة وَقَالَ الْعُتْبِي: سمي بذلك لمجانبة النَّاس وَبعده مِنْهُم، حَتَّى يغْتَسل. قَوْله: (سُبْحَانَ الله) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي مَعْنَاهُ: سبحتك تَنْزِيها لَك يَا رَبنَا من الْأَوْلَاد والصاحبة والشركاء، أَي: نزهناك من ذَلِك. وَقَالَ الْقَزاز: مَعْنَاهُ: برأت الله تَعَالَى من السوء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نُسَبِّح لَك بحَمْدك وَنُصَلِّي لَك، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (أساس البلاغة) سبحت الله وسبحت لَهُ وَكَثُرت تسبحاته وتسابيحه، وَفِي (المغيث) لأبي الْمَدِينِيّ: سُبْحَانَ الله قَائِم مقَام الْفِعْل أَي: أسبحه، وسبحت أَي: لفظت سُبْحَانَ الله، وَقيل: معنى: سُبْحَانَ الله. أتَسرع إِلَيْهِ وألحقه فِي طَاعَته من قَوْلهم فرس سايح. وَذكر النَّضر بن شُمَيْل أَن مَعْنَاهُ: السرعة إِلَى هَذِه اللُّغَة وَلِأَنَّهُ الْإِنْسَان يبْدَأ فَيَقُول: سُبْحَانَ الله. قَوْله: (لَا ينجس) قَالَ ابْن سَيّده النَّجس وَالنَّجس وَالنَّجس القذر من كل شَيْء، وَرجل نجس، وَالْجمع أنجاس، وَقيل: النَّجس يكون اللواحد والاثنين وَالْجمع والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد فَإِذا كسر وَالنُّون جمعُوا وانئوا وَرجل، رِجْس نجس، يَقُولُونَهَا بِالْكَسْرِ لمَكَان رِجْس، فَإِذا أفردوه وَقَالُوا: نجس، وَفِي (الْجَامِع) أَحسب الْمصدر من قَوْلهم: نجس ينجس نجسا، وَاسم النَّجَاسَة. وَذكره ابْن الْقُوطِيَّة وَابْن طريف فِي بَاب: فعل وَفعل، فَقَالَا: نجس الشَّيْء ونجسا نَجَاسَة ضد طهر. وَفِي (الصِّحَاح) نجس الشَّيْء بِالْكَسْرِ ينجس نجسا فَهُوَ نجس ونجس وَفِي (كتاب ابْن عديس) نجس الرجل ونجس نَجَاسَة ونجوسة بِكَسْر الْجِيم وضمهاإذا تقذر. ذكر إعرابه قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي لَقيته. قَوْله: (فَذَهَبت فاغتسلت) قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا أَي: فِي بعض النّسخ فَذهب فاغتسل. قلت: على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة بهَا يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ الْغَيْبَة بِالنّظرِ إِلَى نقل كَلَام أبي هُرَيْرَة بِالْمَعْنَى، والتكلم بِالنّظرِ إِلَى نَقله بِلَفْظِهِ بِعَيْنِه على سَبِيل الْحِكَايَة عَنهُ. وَأما جَوَاز لَفظه بالغيبة فَمن بَاب التَّجْرِيد، وَهُوَ أَنه جرد من نَفسه شخصا وَأخْبر عَنهُ. قَوْله: (كنت جنبا) أَي: ذَا جَنَابَة. قَوْله: (وَأَنا على غير طَهَارَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي أجالسك. (وأجالسك) فِي قُوَّة الْمصدر بِأَن الْمصدر، وَإِنَّمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة هَذَا لِأَنَّهُ، ﵇، كَانَ إِذا لَقِي أحدا من أَصْحَابه ماسحه ودعا لَهُ كَمَا ورد فِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود. قَالَ: (لَقِيَنِي النَّبِي ﷺ وَأَنا جنب فاهوى إليّ فَقلت: إِنِّي جنب، فَقَالَ: إِن الْمُسلم لَا ينجس) . قَوْله: (سُبْحَانَ الله) ، سُبْحَانَ علم للتسبيح، كعثمان، علم للرجل. وَقَالَ الْفراء مَنْصُوب على الْمصدر كَأَنَّك قلت: سبحت الله تسبيحاً فَجعل: سُبْحَانَ فِي مَوضِع التَّسْبِيح وَالْحَاصِل أَنه مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف لَازم الْحَذف فاستعماله فِي مثل هَذَا الْموضع يُرَاد بِهِ التَّعَجُّب، وَمعنى التَّعَجُّب هُنَا أَنه كَيفَ يخفى مثل هَذَا الظَّاهِر عَلَيْك. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: وَقد عقد الْبَاب لَهُ، أَن الْمُؤمن لَا ينجس وَأَنه طَاهِر سَوَاء كَانَ جنبا أَو مُحدثا حَيا أَو مَيتا، وَكَذَا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وَكَذَا الْكَافِر فِي هَذِه الْأَحْكَام وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي الْمَيِّت أصَحهمَا الطَّهَارَة وَذكر البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن ابْن عَبَّاس تَعْلِيقا. [حم (الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم وَوَصله الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) فَقَالَ: أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم عَن عصمَة. قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُسلم الْمسيب بن زُهَيْر الْبَغْدَادِيّ أخبرنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا أبي شيبَة، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : [حم (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) [/ حم قَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ، وَهُوَ أصل فِي طَهَارَة الْمُسلم حَيا وَمَيتًا، أما الْحَيّ: فبالإجماع حَتَّى الْجَنِين إِذا ألقته أمه وَعَلِيهِ رُطُوبَة فرجهَا وَأما الْكَافِر فَحكمه كَذَلِك على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: سَأَلت عَائِشَة عَن الرجل يَأْتِي أَهله ثمَّ يلبس الثَّوْب فيعرق فِيهِ أنجس ذَلِك؟ فَقَالَت: قد كَانَت الْمَرْأَة تعد خرقَة أَو خرقاً فَإِذا كَانَ ذَلِك مسح بهَا الرجل الْأَذَى عَنهُ، وَلم نر أَن ذَلِك يُنجسهُ، وَفِي لفظ: ثمَّ صليا فِي ثوبهما وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث المتَوَكل ابْن فُضَيْل عَن أم القلوص العامرية عَن عَائِشَة: (كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يرى على الْبدن جَنَابَة، وَلَا على الأَرْض جَنَابَة، وَلَا يجنب الرجل) وَعَن محيي السّنة الْبَغَوِيّ، قَالَ: معنى قَول ابْن عَبَّاس: أَربع لَا يجنبن، الْإِنْسَان، وَالثَّوْب، وَالْمَاء، وَالْأَرْض، يُرِيد: الْإِنْسَان لَا يجنب بمماسة الْجنب، وَلَا الثَّوْب، إِذا لبسه الْجنب، وَلَا الأَرْض إِذا أقضى إِلَيْهَا الْجنب، وَلَا المَاء ينجس إِذا غمس الْجنب يَده فِيهِ. وَقَالَ [قعابن الْمُنْذر [/ قع: أجمع عوام أهل الْعلم على أَن عرق الْجنب طَاهِر، وَثَبت ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَائِشَة أَنهم قَالُوا ذَلِك، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَلَا أحفظ عَن غَيرهم خلاف قَوْلهمَا. وَقَالَ [قعالقرطبي [/ قع: الْكَافِر نجس عِنْد الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو بكر ابْن الْمُنْذر: وعرق الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ والمجوسي طَاهِر عِنْدِي، وَقَالَ ابْن حزم الْعرق من الْمُشْركين نجس لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ (سُورَة التَّوْبَة: ٢٨) وَتمسك أَيْضا بِمَفْهُوم حَدِيث الْبَاب، وَادّعى أَن الْكَافِر نجس الْعين وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم نجسوا الْأَفْعَال لَا الْأَعْضَاء أَو نجسوا الِاعْتِقَاد، وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاح نسَاء أهل الْكتاب، وَمَعْلُوم أَن عرقهن لَا يسلم مِنْهُ من يضاجعهن، وَمَعَ ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْكِتَابِيَّة إلَاّ مثل مَا يجب عَلَيْهِ من غسل الْمسلمَة، فَدلَّ على أَن الْآدَمِيّ الْحَيّ لَيْسَ ينجس الْعين إِذْ لَا فرق بَين النِّسَاء وَالرِّجَال وَفِي (الْمُدَوَّنَة) على مَا نَقله ابْن التِّين إِن الْمَرِيض إِذا صلى لَا يسْتَند لحائض وَلَا جنب، وَأَجَازَهُ ابْن أَشهب. قَالَ [قعالشيخ أَبُو مُحَمَّد [/ قع: لِأَن ثيابهما لَا تكَاد تسلم من النَّجَاسَة. وَقَالَ غَيره لأجل أعينهما لَا لثيابهما، وَمَا ذَكرْنَاهُ يرد بذلك، فَإِن قلت: على مَا ذكرت من أَن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا يَنْبَغِي أَن يغسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ طَاهِر. قلت: اخْتلف الْعلمَاء من أَصْحَابنَا فِي وجوب غسله. فَقيل: إِنَّمَا وَجب لحَدث يحله باسترخاء المفاصل لَا لنجاسته، فَإِن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة، إِذا لَو نجس لما طهر بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات وَكَانَ الْوَاجِب الِاقْتِصَار على أَعْضَاء الْوضُوء كَمَا فِي حَال الْحَيَاة. لَكِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ نفيا للْحَرج فِيمَا يتَكَرَّر كل يَوْم، وَالْحَدَث بِسَبَب الْمَوْت لَا يتَكَرَّر، فَكَانَ كالجنابة لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِغسْل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بل يبْقى على الأَصْل، وَهُوَ وجوب غسل الْبدن لعدم الْحَرج، فَكَذَا هَذَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يجب غسله لنجاسته بِالْمَوْتِ لَا بِسَبَب الْحَدث لِأَن للآدمي دَمًا سَائِلًا فيتنجس بِالْمَوْتِ قِيَاسا على غَيره ألَاّ ترى أَنه لَو مَاتَ فِي الْبِئْر نجسها؟ وَلَو حمله الْمُصَلِّي لم تجز صلَاته وَلَو لم يكن نجسا لجازت كَمَا لَو حمل مُحدثا. الثَّانِي: من الْأَحْكَام فِيهِ اسْتِحْبَاب أحترام أهل الْفضل، وَأَن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم، فَيكون على أكمل الهيئات وَأحسن الصِّفَات، وَقد اسْتحبَّ الْعلمَاء لطَالب الْعلم أَن يحسن حَاله عِنْد مجالسة شَيْخه، فَيكون متطهراً متنظفاً بِإِزَالَة الشعوث الْمَأْمُور بإزالتها، نَحْو: قصّ الشَّارِب، وقلم الْأَظْفَار، وَإِزَالَة الروائح الْمَكْرُوهَة وَغير ذَلِك. الثَّالِث: فِيهِ من الْآدَاب أَن الْعَالم إِذا رأى من تَابعه أمرا يخَاف عَلَيْهِ فِيهِ خلاف الصَّوَاب، سَأَلَهُ عَنهُ وَقَالَ لَهُ صَوَابه وَبَين لَهُ حكمه. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاغْتِسَال عَن أول وَقت وُجُوبه، وَالْوَاجِب أَن لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يفوتهُ وَقت صَلَاة. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز انصراف الْجنب فِي حَوَائِجه قبل الِاغْتِسَال، مَا لم يفته وَقت الصَّلَاة. السَّادِس: فِيهِ أَن النَّجَاسَة إِذا لم تكن عينا فِي الْأَجْسَام لَا تضرها فَإِن الْمُؤمن طَاهِر الْأَعْضَاء، فَإِن من شَأْنه الْمُحَافظَة على الطَّهَارَة والنظافة. السَّابِع: فِيهِ ائتلاف قُلُوب الْمُؤمنِينَ، ومواساة الْفُقَرَاء والتواضع لله، وَاتِّبَاع أَمر الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ جلّ ذكره. ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه﴾ (سُورَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: اسْتِحْبَاب اسْتِئْذَان التَّابِع للمتبوع إِذا أَرَادَ أَن يُفَارِقهُ. قلت: هَذَا بعيد لِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يفهم مِنْهُ ذَلِك لَا من عِبَارَته وَلَا من إِشَارَته وَلَا فِيهِ التَّابِع والتبوع لِأَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن فِي تِلْكَ الْحَالة تَابعا للنَّبِي ﷺ فِي مَشْيه بل إِنَّمَا لقِيه النَّبِي ﷺ فِي بعض طرق الْمَدِينَة، كَمَا هُوَ نَص الحَدِيث. وَقَالَ أَيْضا وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن حبَان الرَّد على من زعم أَن الْجنب إِذا وَقع فِي الْبِئْر فَنوى الِاغْتِسَال أَن مَاء الْبِئْر ينجس. قلت: هَذَا الرَّد مَرْدُود حِينَئِذٍ، لِأَن الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ أصلا والْحَدِيث يدل بعبارته أَن الْجنب لَيْسَ بِنَجس فِي ذَاته، وَلم يتَعَرَّض إِلَى طَهَارَة غسالته إِذا نوى الِاغْتِسَال. ٢٤ - (بابُ الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ) بَاب بِالتَّنْوِينِ أَي هَذَا بَاب فِيهِ الْجنب يخرج إِلَى آخِره، يَعْنِي لَهُ أَن يخرج من بَيته وَيَمْشي فِي السُّوق وَغَيره وَهَذَا قَول أَكثر الْفُقَهَاء إلَاّ أَن ابْن أبي شيبَة حكى عَن عَليّ وَعَائِشَة وَابْن عمر وَأَبِيهِ وَشَدَّاد بن أَوْس وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ وَمُحَمّد بن عَليّ وَالنَّخَعِيّ، وَزَاد الْبَيْهَقِيّ: سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عَمْرو وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَالْحسن أَنهم كَانُوا إِذا اجنبوا لَا يخرجُون وَلَا يَأْكُلُون حَتَّى يتوضؤوا فَإِن قلت: لم كَانَ بَاب بِالتَّنْوِينِ وَلم يضفه إِلَى مَا بعده؟ قلت: يجوز ذَلِك وَلَكِن يحْتَاج حِينَئِذٍ أَن يقدر الْجَواب نَحْو أَن يَقُول لَهُ ذَلِك أَو يجوز ذَلِك، وَنَحْوهمَا وَعند الِانْفِصَال لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك. قَوْله: (وَيَمْشي) بِالْوَاو وَعطف على. قَوْله: (يخرج) وَفِي بعض النّسخ: يمشي بِدُونِ: وَاو الْعَطف، فَإِن صحت هَذِه يكون يمشي، فِي مَوضِع النصب على الْحَال الْمقدرَة. قَوْله: (وَغَيره) بِالْجَرِّ عطف على. قَوْله: (فِي السُّوق) وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل الرّفْع عطفا على يخرج من جِهَة الْمَعْنى (قلت) فِيهِ لعسف لَا يخفى والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كل مِنْهَا فِي حكم الْجنب نَحْو: يَأْكُل وينام، عطفا على يخرج من جِهَة الْمَعْنى قلت: فِيهِ تعسف لَا يحفى. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي حكم الْجنب. وَقَالَ عَطَاءٌ يَحْتَجِمُ الجُنُبُ ويُقْلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ وإنْ لَمْ يَتَوَضَأْ

стр. 867

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَغَيره، بِالرَّفْع ظَاهِرَة وَأما بِالْجَرِّ الَّذِي هُوَ الْأَظْهر فَلَا تكون الْمُطَابقَة إلَاّ من جِهَة الْمَعْنى، وَهُوَ أَن الْجنب إِذا جَازَ لَهُ الْخُرُوج من بَيته وَالْمَشْي فِي السُّوق وَغَيره جَازَ لَهُ تِلْكَ الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة فِي الْأَثر الْمَذْكُور، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن ابْن جريح عَنهُ وَزَاد فِيهِ ويطلى بالنورة. ٢٨٤ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ حَمَادِ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قالَ حدّثنا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكِ حَدَّثَهُمْ أنَّ نَبيِّ الله ﷺ كانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. مُطَابقَة للْحَدِيث للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (كَانَ يطوف على نِسَائِهِ) وَذَلِكَ أَن نِسَاءَهُ كَانَت لَهُنَّ حجر مُتَقَارِبَة، فبالضرورة كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أَرَادَ الطّواف عَلَيْهِنَّ يحْتَاج إِلَى الْمَشْي من حجرَة إِلَى حجرَة قَالَ بَعضهم: لَكِن فِي غير السُّوق. قلت: الْمَشْي أَعم من أَن يكون من بَيت إِلَى بَيت، وَمن بَيت إِلَى سوق، وَإِلَى غَيره، وَحَدِيث أنس هَذَا قد مر فِي بَاب: إِذا جَامع ثمَّ عَاد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَسَعِيد الَّذِي يروي عَن قَتَادَة هُوَ سعيد بن أبي عرُوبَة قَالَ الغساني: وَفِي نُسْخَة الْأصيلِيّ بدل: سعيد، لفظ شُعْبَة أَي ابْن الْحجَّاج، وَلَيْسَ صَوَابا. ٢٥ - (بابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي الَبْيتِ إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز كينونة الْجنب فِي بَيته إِذا تَوَضَّأ قبل الِاغْتِسَال، والكينونة مصدر: كَانَ يُقَال: يكون كوناً وكينونة، أَيْضا شبهوه بالحيدودة والطيرورة من ذَوَات الْيَاء، وَلم يجىء من الْوَاو على هَذَا إلَاّ أحرف: كينونة وكيعوعة وديمومة وقيدودة وَأَصله: كينونة، بتَشْديد الْيَاء، فحذفوا كَمَا حذفوا من هَين وميت، وَلَوْلَا ذَلِك لقَوْل: كونونة. قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ الْجنب) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت وكريمة. (إِذا تَوَضَّأ قبل أَن يغْتَسل) وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: إِذا تَوَضَّأ، قبل أَن يغْتَسل. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر.

стр. 868

٢٨٦ - حدّثنا أَبُو نَعِيمٍ قالَ حدّثنا هِشَامٌ وَشيبانُ عَنْ يِحْيى اعَنْ أبي سَلَمَةَ قالَ سألتُ عائِشَةَ أكانَ النَّبيُّ ﷺ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبُ قالَتْ نَعَمْ وَيَتَوَضَأُ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، قيل: أَشَارَ المُصَنّف بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا [حم (إِن الْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة وَلَا جنب) [/ حم. قلت: هَذَا بعيد، لِأَن المُرَاد من هَذَا الْجنب الَّذِي يتهاون بالاغتسال ويتخذه عَادَة حت تفوته صَلَاة أَو أَكثر، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ من يُؤَخِّرهُ ليفعله، أَو يكون المُرَاد مِنْهُ من لم يرفع حَدثهُ كُله أَو بعضه، لِأَنَّهُ إِذا تَوَضَّأ ارْتَفع بعض الْحَدث عَنهُ، والْحَدِيث الْمَذْكُور صَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَالَّذِي ضعفه قَالَ: فِي إِسْنَاده نجي الْحَضْرَمِيّ، بِضَم النُّون وَفتح الْجِيم، لم يرو عَنهُ غير ابْنه عبد الله، فَهُوَ مَجْهُول، لَكِن وَثَّقَهُ الْعجلِيّ. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن، وَهِشَام الدستوَائي، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ الْمُؤَدب صَاحب حُرُوف وقراآت، وَيحيى بن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، تقدمُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فِي كتاب الْعلم إلَاّ هشاماً فَإِنَّهُ مر فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: رِوَايَة ابْن أبي شيبَة بتحديث أبي سَلمَة وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن ابْن عمر، رَوَاهُ النَّسَائِيّ. ذكر إعرابه قَوْله: (أَكَانَ) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة إسمية وَقعت حَالا من النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَيتَوَضَّأ) عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره، نعم يرقد وَيتَوَضَّأ. فَإِن قلت: هَل كَانَ يتَوَضَّأ بعد الرقاد؟ قلت: الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب، وَالْمعْنَى أَنه يجمع بَين الْوضُوء والرقاد، وَلمُسلم من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة، كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، وَهَذَا وَاضح لما قَررنَا، فآل معنى رِوَايَة البُخَارِيّ نعم إِذا أَرَادَ النّوم يقوم وَيتَوَضَّأ ثمَّ يرقد، ويوضح هَذَا أَيْضا حَدِيث ابْن عمر الَّذِي ذكره البُخَارِيّ عقيب هَذَا الحَدِيث على مَا يَأْتِي عَن قريب. وَالَّذِي يستنبط من هَذَا الحَدِيث أَن الْجنب إِذا أَرَادَ النّوم يتَوَضَّأ ثمَّ هَذَا الْوضُوء مُسْتَحبّ أَو وَاجِب؟ يَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٢٦ - (بابُ نَوْم الجُنُبُ) ٢٧٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا الَّليْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَابِ سَأَلَ رسولَ اللَّهِ ﷺ أَيَرْقُدُ أَحَدُنا وَهُوَ جُنُبٌ قالَ نَعَمْ إذَا تَوَضَأَ أَحَدُكُمْ فَلُيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ. [/ ح. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن رقاد الْجنب فِي الْبَيْت يَقْتَضِي جَوَاز كينونته فِيهِ، وَمعنى التَّرْجَمَة هَذَا. وَفِي بعض النّسخ، قبل هَذَا الحَدِيث، بَاب نوم الْجنب: حَدثنَا قُتَيْبَة إِلَى آخِره، وَهَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا لحُصُول الِاسْتِغْنَاء عَنهُ بِالْبَابِ الَّذِي يَأْتِي عَقِيبه، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون ترْجم على الْإِطْلَاق وعَلى التَّقْيِيد فَلَا تكون زَائِدَة. قلت: لَا يخرج عَن كَونه زَائِدا لِأَن الْمَعْنى الْحَاصِل فيهمَا وَاحِد وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة، فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الْإِسْنَاد بِهَذَا التَّرْتِيب تقدم فِي آخر كتاب الْعلم. قلت: نعم، كَذَا ذكره فِي بَاب ذكر الْعلم والفتيا فِي الْمَسْجِد، حَيْثُ قَالَ: حدّثنا قُتَيْبَة بن سعيد حدّثنا اللَّيْث بن سعد، قَالَ: حَدثنَا نَافِع مولى عبد الله بن عمر بن الْخطاب بن عبد الله بن عمر أَن رجلا قَامَ فِي الْمَسْجِد الحَدِيث، فالإسنادان سَوَاء، غير أَن هُنَاكَ نسب الروَاة، وَهَهُنَا اكْتفى بأساميهم وَأَن الَّذِي هُنَاكَ يُوضح الَّذِي هَاهُنَا، وَمَعَ هَذَا لكل وَاحِد مِنْهُمَا متن خلاف متن الآخر. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث يعد من مُسْند عمر بن الْخطاب أَو من مُسْند ابْنه عبد الله؟ قلت: ظَاهره أَن ابْن عمر حضر سُؤال أَبِيه عمر، فَيكون الحَدِيث من مُسْنده، وَهُوَ من رِوَايَة نَافِع وروى عَن ايوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر أَنه قَالَ يَا رَسُول الله اخرجه النَّسَائِيّ وعَلى هَذَا مَشْهُور من رِوَايَة مُسْند عمر، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا لَا يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث. قَوْله: (أيرقد) ؟ الْهمزَة للاستفهام عَن حكم الرقاد لَا عَن تعْيين الْوُقُوع،

стр. 869

فَالْمَعْنى: أَيجوزُ الرقود لَا حدنا؟ قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة حَالية. قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ) ظرف محص. لقَوْله: (فليرقد) وَالْمعْنَى: إِذا أَرَادَ أحدكُم الرقاد قليرقد بعد التوضأ وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز أَن يكون ظرفا متضمناً للشّرط ثمَّ قَالَ: الشَّرْط سَبَب، فَمَا الْمُسَبّب الرقود أم الْأَمر بالرقود ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ يحْتَمل الْأَمريْنِ مجَازًا لَا حَقِيقَة كَأَن التوضي مسبب لجَوَاز الرقود أَو لأمر الشَّارِع بِهِ. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: الرقود لَيْسَ وَاجِبا وَلَا مَنْدُوبًا، فَمَا معنى الْأَمر؟ قلت: الْإِبَاحَة بِقَرِينَة الْإِجْمَاع على عدم الْوُجُوب وَالنَّدْب. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام مدمج وَفِيه تَفْصِيل وَخلاف، فَنَقُول: وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، ذهب الثَّوْريّ وَالْحسن بن حَيّ وَابْن الْمسيب وَأَبُو يُوسُف إِلَى أَنه لَا بَأْس للْجنب أَن ينَام من غير أَن يتَوَضَّأ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، حَدثنَا هناد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود عَن عَائِشَة قَالَت: (كَانَ النَّبِي ﷺ ، ينَام وَهُوَ جنب وَلَا يمس مَاء) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود عَن عَائِشَة قَالَت: (إِن رَسُول الله ﷺ ، إِن كَانَت لَهُ إِلَى أَهله حَاجَة قَضَاهَا ثمَّ ينَام كَهَيئَةِ لَا يمس مَاء) وَأخرجه أَحْمد كَذَلِك، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من سَبْعَة طرق. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ عَن ابْن أبي دَاوُد عَن مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص، قَالَ: حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق عَن الْأسود عَن عَائِشَة. قَالَت: [حم (كَانَ رَسُول الله ﷺ ، إِذا رَجَعَ من الْمَسْجِد صلى مَا شَاءَ الله ثمَّ مَال إِلَى فرَاشه وَإِلَى أَهله فَإِن كَانَت لَهُ حَاجَة قَضَاهَا ثمَّ نَام كَهَيْئَته وَلَا يمس طيبا) [/ حم وأرادت بالطيب المَاء، كَمَا وَقع فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَلَا يمس مَاء، وَذَلِكَ أَن المَاء يُطلق عَلَيْهِ الطّيب كَمَا ورد فِي الحَدِيث فَإِن المَاء طيب لِأَنَّهُ يطيب ويطهر، وَأي طيب أقوى فعلا فِي التَّطْهِير من المَاء؟ وَذهب الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ إِلَى أَنه يَنْبَغِي للْجنب أَن يتَوَضَّأ للصَّلَاة قبل أَن ينَام، وَلَكنهُمْ اخْتلفُوا فِي صفة هَذَا الْوضُوء وَحكمه فَقَالَ أَحْمد: يسْتَحبّ للْجنب إِذا أَرَادَ أَن ينَام أَو يطَأ ثَانِيًا أَو يَأْكُل أَن يغسل فرجه وَيتَوَضَّأ روى ذَلِك عَن عَليّ وَعبد الله بن عمر، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل يغسل كفيه ويتمضمض وَحكى نَحوه عَن أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مُجَاهِد: يغسل كفيه. وَقَالَ مَالك: يغسل يَدَيْهِ إِن كَانَ أصابهما أَذَى. وَقَالَ [قعأبو عمر [/ قع فِي (التَّمْهِيد) وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي إِيجَاب الْوضُوء عِنْد النّوم على الْجنب، فَذهب أَكثر الْفُقَهَاء إِلَى أَن ذَلِك على النّدب والاستحباب لَا على الْوُجُوب. وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن الْوضُوء الْمَأْمُور بِهِ الْجنب هُوَ غسل الْأَذَى مِنْهُ وَغسل ذكره وَيَديه، وَهُوَ التَّنْظِيف، وَذَلِكَ عِنْد الْعَرَب يُسمى، وضوأً. قَالُوا: وَقد كَانَ ابْن عمر لَا يتَوَضَّأ عِنْد النّوم الْوضُوء الْكَامِل، وَهُوَ روى الحَدِيث وَعلم مخرجه، وَقَالَ [قعمالك [/ قع: لَا ينَام الْجنب حَتَّى يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، قَالَ: وَله أَن يعاود أَهله وَيَأْكُل قبل أَن يتَوَضَّأ؛ إِلَّا أَن يكون فِي يَدَيْهِ قذر فيغسلهما، قَالَ: وَالْحَائِض تنام قبل أَن تتوضأ. وَقَالَ الشَّافِعِي، فِي هَذَا كُله نَحْو قَول مَالك، وَقَالَ [قعأبو حنيفَة وَالثَّوْري [/ قع: لَا بَأْس أَن ينَام الْجنب على غير وضوء، وَأحب إِلَيْنَا أَن يتَوَضَّأ، قَالُوا: فَإِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل تمضمض وَغسل يَدَيْهِ، وَهُوَ قَول الْحسن ابْن حَيّ. وَقَالَ الأزاعي: الْحَائِض وَالْجنب أَرَادَ أَن يطعما غسلا أَيْدِيهِمَا. وَقَالَ [قعالليث بن سعد [/ قع: لَا ينَام الْجنب حَتَّى يتَوَضَّأ رجلا كَانَ أَو امْرَأَة. انْتهى. وَقَالَ [قعالقاضي عِيَاض [/ قع: ظَاهر مَذْهَب مَالك أَنه لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا هُوَ مرغب فِيهِ، وَابْن حبيب يرى وُجُوبه، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد، وَقَالَ [قعابن حزم [/ قع فِي (الْمحلى) وَيسْتَحب الْوضُوء للْجنب إِذا أَرَادَ الْأكل أَو النّوم ولرد السَّلَام وَلذكر الله، وَلَيْسَ ذَلِك بِوَاجِب. قلت: قد خَالف ابْن حزم دَاوُد فِي هَذَا الحكم وَقَالَ [قعابن الْعَرَبِيّ [/ قع: قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز للْجنب أَن ينَام قبل أَن يتَوَضَّأ. وَقَالَ بَعضهم: أنكر بعض الْمُتَأَخِّرين هَذَا النَّقْل، وَقَالَ: لم يقل الشَّافِعِي بِوُجُوبِهِ، وَلَا يعرف ذَلِك أَصْحَابه، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِن كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ مَحْمُول على أَنه أَرَادَ نفي الْإِبَاحَة المستوية الطَّرفَيْنِ، لَا إِثْبَات الْوُجُوب، أَو أَرَادَ بِأَنَّهُ وَاجِب وجوب سنة أَي: متأكد الِاسْتِحْبَاب، وَيدل عَلَيْهِ أَنه قابله بقول ابْن حبيب: هُوَ وَاجِب وجوب الْفَرَائِض. انْتهى. قلت: إِنْكَار الْمُتَأَخِّرين هَذَا الَّذِي نقل عَن الشَّافِعِي إِنْكَار مُجَرّد فَلَا يُقَاوم الْإِثْبَات، وَعدم معرفَة أَصْحَابه ذَلِك لَا يسْتَلْزم عدم قَول الشَّافِعِي بذلك، وَأبْعد من هَذَا قَول هَذَا الْقَائِل، وَهُوَ كَمَا قَالَ: فَكيف يَقُول بِهَذَا وَقد بَينا فَسَاده، وَأبْعد من هَذَا كُله حمل هَذَا الْقَائِل كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ على مَا ذكره، يعرف ذَلِك من يدقق نظره فِيهِ. ثمَّ اعْلَم أَن الطَّحَاوِيّ أجَاب عَن حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور، فَقَالَ: وَقَالُوا هَذَا الحَدِيث غلط لِأَنَّهُ حَدِيث مُخْتَصر، اخْتَصَرَهُ

стр. 870

أَبُو إِسْحَاق من حَدِيث طَوِيل فاخطأ فِي اختصاره إِيَّاه، وَذَلِكَ أَن بَهْزًا حَدثنَا قَالَ: أخبرنَا أَبُو غَسَّان، قَالَ أخبرنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق قَالَ: أتيت الْأسود بن يزِيد، وَكَانَ لي أَخا وصديقاً فَقلت لَهُ: يَا أَبَا عمر حَدثنِي مَا حدثتك عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ عَن صَلَاة النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (قَالَت عَائِشَة كَانَ النَّبِي ﷺ ينَام أول اللَّيْل ويحيي آخِره، ثمَّ إِن كَانَت لَهُ حَاجَة قضى حَاجته، ثمَّ ينَام قبل أَن يمس مَاء، فَإِذا كَانَ عِنْد النداء الأول وثب، وَمَا قَالَت: قَامَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ المَاء، وَمَا قَالَت: اغْتسل، وَأَنا أعلم مَا تُرِيدُ، وَإِن نَام جنبا تَوَضَّأ وضوء الرجل للصَّلَاة) فَهَذَا الْأسود بن زيد قد بَان فِي حَدِيثه لما ذكر بِطُولِهِ أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، وَأما قَوْلهَا: فَإِن كَانَت لَهُ حَاجَة قَضَاهَا ثمَّ نَام قبل أَن يمس مَاء، فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك مَحْمُولا على المَاء الَّذِي يغْتَسل بِهِ، لَا على الْوضُوء، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا الْحُسَيْن الوَاسِطِيّ، سَمِعت يزِيد بن هَارُون يَقُول: هَذَا الحَدِيث وهم، يَعْنِي حَدِيث أبي إِسْحَاق. وَفِي رِوَايَة عَنهُ: لَيْسَ بِصَحِيح، وَقَالَ المهني: سَأَلت أَبَا عبد الله عَنهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيح قلت: لم قَالَ: لِأَن شُعْبَة روى عَن الْحَاكِم عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة: [حم (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة) [/ حم قلت: من قبل من جَاءَ هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قَالَ: من قبل أبي إِسْحَاق، قَالَ: وَسَأَلت أَحْمد بن صَالح عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لَا يحل أَن يرْوى. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو عَليّ الطوسي، روى غير وَاحِد عَن الْأسود عَن عَائِشَة: (أَنه ﷺ كَانَ يتَوَضَّأ قبل أَن ينَام وَهُوَ جنب، يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة) وَهَذَا أصح من حَدِيث أبي إِسْحَاق قَالَ: وَكَانُوا يرَوْنَ أَن هَذَا غلط من أبي إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن مَاجَه، عقيب رِوَايَته هَذَا الحَدِيث قَالَ سُفْيَان: ذكرت الحَدِيث يَعْنِي هَذَا، يَوْمًا، فَقَالَ لي إِسْمَاعِيل: شدّ هَذَا الحَدِيث ياقتي بِشَيْء. وتصدى جمَاعَة لتصحيح هَذَا الحَدِيث. مِنْهُم الدراقطني: فَإِنَّهُ قَالَ: يشبه أَن يكون الخبران صَحِيحَيْنِ، لِأَن عَائِشَة قَالَت: رُبمَا قدم الْغسْل، وَرُبمَا أَخّرهُ، وكما حكى ذَلِك غُضَيْف وَعبد الله بن أبي قيس وَغَيرهمَا عَن عَائِشَة، وَأَن الْأسود حفظ ذَلِك عَنْهَا. فحفظ أَبُو إِسْحَاق عَنهُ تَأْخِير الْوضُوء وَالْغسْل، وَحفظ إِبْرَاهِيم وَعبد الرَّحْمَن تَقْدِيم الْوضُوء على الْغسْل. وَمِنْهُم الْبَيْهَقِيّ: وَمُلَخَّص كَلَامه أَن حَدِيث أبي إِسْحَاق صَحِيح من جِهَة الرِّوَايَة، وَذَلِكَ أَنه بَين فِيهِ سَمَاعه من الْأسود فِي رِوَايَة زُهَيْر عَنهُ، والمدلس إِذا بَين سَمَاعه مِمَّن روى عَنهُ، وَكَانَ ثِقَة، فَلَا وَجه لرده، وَوجه الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ على وَجه يحْتَمل، وقدجمع بَينهمَا أَبُو الْعَبَّاس ابْن شُرَيْح فاحسن الْجمع، وَسُئِلَ عَنهُ وَعَن حَدِيث عمر: [حم (أَيَنَامُ أَحَدنَا وَهُوَ جنب؟ قَالَ: نعم، إِذا تَوَضَّأ) [/ حم وَقَالَ الحكم لَهما جَمِيعًا أما حَدِيث عَائِشَة فَإِنَّمَا أَرَادَت أَنه كَانَ لَا يمس مَاء للْغسْل. وَأما حَدِيث عمر: (أَيَنَامُ أَحَدنَا وَهُوَ جنب؟ قَالَ: نعم إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليرقد) . فمفسره ذكر فِيهِ الْوضُوء وَبِه، نَأْخُذ. وَمِنْهُم ابْن قُتَيْبَة. فَإِنَّهُ قَالَ: يُمكن أَن يكون الْأَمْرَانِ جميعاٌ وقعاد فالفعل لبَيَان الِاسْتِحْبَاب، وَالتّرْك لبَيَان الْجَوَاز، وَمَعَ هَذَا قَالُوا: إِنَّا وجدنَا لحَدِيث أبي إِسْحَاق شَوَاهِد ومتابعين، فَمِمَّنْ تَابعه عَطاء وَالقَاسِم وكريب والسوائي فِيمَا ذكره أَبُو إِسْحَاق الْجرْمِي فِي كتاب (الْعِلَل) قَالَ: وَأحسن الْوُجُوه فِي ذَلِك أَن صَحَّ حَدِيث أبي إِسْحَاق فِينَا رَوَاهُ وَوَافَقَهُ هَؤُلَاءِ أَن تكون عَائِشَة أخْبرت الْأسود أَنه كَانَ رُبمَا تَوَضَّأ، وَرُبمَا أخر الْوضُوء وَالْغسْل حَتَّى يصبح، فَأخْبر الْأسود إِبْرَاهِيم أَنه كَانَ يتَوَضَّأ وَأخْبر أَبَا إِسْحَاق أَنه كَانَ يُؤَخر الْغسْل، وَهَذَا أحسن وأوجه. فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن عَائِشَة مَا يضاد مَا رُوِيَ عَنْهَا أَولا، وَهُوَ أَن الطَّحَاوِيّ روى من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل وَهُوَ جنب غسل كفيه) وَرُوِيَ عَنْهَا: (أَنه كَانَ يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة) . قلت: أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن هَذَا بِأَنَّهَا لما أخْبرت بِغسْل الْكَفَّيْنِ، بعد أَن كَانَت علمت بِأَنَّهُ ﷺ أَمر بِالْوضُوءِ التَّام، دلّ ذَلِك على ثُبُوت النّسخ عِنْدهَا، وَقَالَ بَعضهم: جنح الطَّحَاوِيّ إِلَى أَن المُرَاد بِالْوضُوءِ التَّنْظِيف، وَاحْتج بِأَن ابْن عمر رَاوِي الحَدِيث وَهُوَ صَاحب الْقِصَّة. كَانَ يتَوَضَّأ وَهُوَ جنب لَا يغسل رجلَيْهِ، كَمَا رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع وَأجِيب بِأَنَّهُ ثَبت تَقْيِيد الْوضُوء بِالصَّلَاةِ فِي رِوَايَة عَائِشَة فيعتمد عَلَيْهَا وَيحمل ترك ابْن عمر غسل رجلَيْهِ، على أَن ذَلِك كَانَ لعذر. قلت: هَذَا الْقَائِل مَا أدْرك كَلَام الطَّحَاوِيّ وَلَا ذاق مَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَائِل بورود هَذِه الرِّوَايَة عَن عَائِشَة، وَلكنه حمله على النّسخ كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر حمله على النّسخ لِأَن فعله هَذَا بعد علمه أَن النَّبِي ﷺ أَمر بِالْوضُوءِ التَّام للْجنب يدل على

стр. 871

ثُبُوت النّسخ عِنْده، لِأَن الرَّاوِي روى شَيْئا عَن النَّبِي ﷺ أَو علمه مِنْهُ، ثمَّ فعل أَو أفتى بِخِلَافِهِ يدل على ثُبُوت النّسخ عِنْده، إِذا لم يثبت ذَلِك لما كَانَ لَهُ الْإِقْدَام على خِلَافه، وَكَذَلِكَ روى من قَول ابْن عمر مَا رَوَاهُ من حَدِيث أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: (إِذا أجنب الرجل، وَأَرَادَ أَن يَأْكُل أَو يشرب أَو ينَام غسل كفيه وتمضمض واستنشق. وَغسل وَجهه وذراعيه، وَغسل فرجه وَلم يغسل قَدَمَيْهِ) فَبِهَذَا ابطل قَول هَذَا الْقَائِل: وَيحمل ترك ابْن عمر غسل قَدَمَيْهِ على أَن ذَلِك كَانَ لعذر. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي هَذَا الْوضُوء؟ قلت: فِيهِ تَخْفيف الحَدِيث يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِسَنَد رِجَاله ثِقَات عَن شَدَّاد بن أَوْس الصَّحَابِيّ قَالَ: إِذا أجنب أحدكُم من اللَّيْل، ثمَّ أَرَادَ أَن ينَام فَليَتَوَضَّأ فَإِنَّهُ نصف غسل الْجَنَابَة وَقيل لِأَنَّهُ إِحْدَى الطهارتين فعلى هَذَا يقوم التَّيَمُّم مقَامه، وَقد روى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: [حم (أَنه ﷺ كَانَ إِذا أجنب فَأَرَادَ أَن ينَام يتَوَضَّأ أَو يتَيَمَّم) [/ حم قلت: الظَّاهِر أَن التَّيَمُّم هَذَا كَانَ عِنْد عدم المَاء، وَقيل: إِنَّه ينشط إِلَى الْعود أَو إِلَى الْغسْل، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الْحِكْمَة فِيهِ أَن الْمَلَائِكَة تبعد عَن الْوَسخ وَالرِّيح الكريهة، بِخِلَاف الشَّيَاطِين، فَإِنَّهَا تقرب من ذَلِك. ٢٧ - (بابُ الجنُبِ يَتَوَضَأُ ثُمَّ يَنَامُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْجنب يتَوَضَّأ ثمَّ ينَام، والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة. ٢٨٨ - ح دّثنا يحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنَ أبي جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ كانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَأَ لِلصَّلاةِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٦) . مطابقتة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، سبق فِي بَاب الْوَحْي، وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير الْمصْرِيّ، وينسب غَالِبا إِلَى جده. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عبيد الله بن أبي جَعْفَر أَبُو بكر الْفَقِيه الْمصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْأسود الْأَسدي الْمدنِي، بتيم عُرْوَة بن الزبير كَانَ أَبوهُ أوصى بِهِ إِلَيْهِ. الْخَامِس: عُرْوَة ابْن الزبير. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن نصف رُوَاته مصريون. وَالنّصف الآخر مدنيون. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كَانَ) يدل على الِاسْتِمْرَار قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة حَالية. قَوْله: (غسل) جَوَاب، إِذا قَوْله: (تَوَضَّأ للصَّلَاة) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه تَوَضَّأ لأَدَاء الصَّلَاة إِذْ لَا يجوز الصَّلَاة لَهُ قبل الْغسْل، بل مَعْنَاهُ تَوَضَّأ وضوأً مُخْتَصًّا بِالصَّلَاةِ، يَعْنِي وضوأً شَرْعِيًّا لَا وضوء لغوياً أَو يقدر مَحْذُوف أَي: تَوَضَّأ وضوأً كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة، وَفِي بعض الرِّوَايَات وضوءه للصَّلَاة. ٢٨٩ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا جُوَيْرِيَةَ عنْ نافِعٍ عَنْ عَبَدٍ اللَّهِ قالَ اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبيُّ ﷺ أَيَنَامُ أَحَدنَا وَهُوَ جُنُبٌ قالَ نَعَمْ إذَا تَوَضَأَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٧ وطرفه) [/ ح. جوَيْرِية، بِالْجِيم وَالرَّاء، مُصَغرًا اسْم رجل، وَاسم أَبِيه أَسمَاء من عبيد الضبعِي، سمع من نَافِع وَمن مَالك. قَوْله: (عَن عبد الله ابْن عمر) وَفِي رِوَايَة ابْن عشاكر: عَن ابْن عمر. قَوْله: (استفتى) أَي: طلب الْفَتْوَى من النَّبِي ﷺ قَوْله: (أَيَنَامُ أَحَدنَا) صُورَة الاستفتاء. قَوْله: (فَقَالَ: نعم) جَوَابه والهمزة فِي: أَيَنَامُ للإستفهام. قَوْله: (وَهُوَ جنب) جملَة حَالية. قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن جريح عَن نَافِع، ليتوضأ ثمَّ لينم. ٢٩٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُعْسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبُدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ أنَّهُ قالَ ذَكَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ تُصِيبُهُ الجَنَابَةَ مِنَ الَّليْلِ فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ تَوَضَأْ وَاعْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٧ وطرفه) .

стр. 872

هَكَذَا رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو زيد، وَرَوَاهُ ابْن السكن عَن الْفربرِي فَقَالَ مَالك عَن نَافِع، وَقَالَ: الجياني فِي بعض النّسخ، جعل نَافِعًا بدل عبد الله بن دِينَار، وَكِلَاهُمَا صَوَاب، لِأَن مَالِكًا يروي هَذَا الحَدِيث عَنْهُمَا. لكنه بروايه عبد الله أشهر وَقَالَ ابْن عبد الْبر، الحَدِيث لمَالِك عَنْهُمَا جَمِيعًا، لَكِن الْمَحْفُوظ عَن عبد الله بن دِينَار، وَحَدِيث نَافِع غَرِيب. قلت: لَا غرابة، لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنهُ كَذَلِك عَن نَافِع خَمْسَة أَو سِتَّة، وَلكنه الأول أشهر. قَوْله: (ذكر عمر بن الْخطاب) يَقْتَضِي أَن يكون الحَدِيث من مُسْند ابْن عمر قَوْله: (أَنه تصيبه الْجَنَابَة من اللَّيْل) الضَّمِير فِي أَنه يرجع إِلَى عبد الله بن عمر لَا إِلَى عمر يدل عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عون عَن نَافِع قَالَ: [حم (أصَاب ابْن عمر جَنَابَة فَأتى عمر فَذكر ذَلِك لَهُ فَأتى عمر إِلَى رَسُول الله ﷺ فاستأمره فَقَالَ: ليتوضأ وليرقد) [/ حم وَكَذَلِكَ الضَّمِير فِي لَهُ، يرجع إِلَى عبد الله بن عمر لَا إِلَى عمر. فَإِن قلت: ظَاهر عبارَة البُخَارِيّ يدل على أَن الضَّمِير فِي أَنه وَله يرجع إِلَى عمر. قلت: الظَّاهِر كَذَا، وَلَكِن رِوَايَة النَّسَائِيّ بيّنت أَن الضَّمِير لعبد الله، فَكَأَنَّهُ حضر إِلَى رَسُول الله ﷺ بعد أَن ذكر عمر ذَلِك، فَلهَذَا خاطبه بقوله: (تَوَضَّأ واغسل ذكرك) وَإِن لم يكن حضر فالخطاب لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ جَوَاب استفتائه، وَلكنه يرجع إِلَى ابْنه عبد الله لِأَن الاستفتاء من عمر لأجل عبد الله كَمَا دلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) لَيست لَفْظَة لَهُ بموجودة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ قَوْله: (تَوَضَّأ واغسل ذكرك) مَعْنَاهُ إجمع بَينهمَا لِأَن الْوَاو وَلَا تدل على التَّرْتِيب لِأَنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن يقدم غسل الذّكر على الْوضُوء وَفِي رِوَايَة أبي نوح عَن مَالك: اغسل ذكرك ثمَّ تَوَضَّأ ثمَّ نم وَهُوَ على الأَصْل. وَفِيه: رد على من حمل الرِّوَايَة الأولى على ظَاهرهَا وَأَجَازَ تَقْدِيم الْوضُوء على غسل الذّكر لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوضُوء ينقصهُ الْحَدث وَإِنَّمَا هُوَ للتعبد. ٢٨ - (بابٌ إذَا التَقَى الخِتَانانِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا إِذا التقى الختانان يَعْنِي: ختان الرجل وختان الْمَرْأَة وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِهَذِهِ التَّثْنِيَة ختان الرجل وخفاض الْمَرْأَة، وَإِنَّمَا ثنيا بِلَفْظ وَاحِد تَغْلِيبًا لَهُ قلت: ذكرُوا هَذَا وَلَكِن ذكر هَذَا بِنَاء على عَادَة الْعَرَب، فَإِنَّهُم يختنون النِّسَاء. وَقَالَ ﷺ : (الْخِتَان للرِّجَال سنة وللنساء مكرمَة) رَوَاهُ الْجَصَّاص فِي كتاب (أدب الْقَضَاء) عَن شَدَّاد بن أَوْس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ الْخِتَان قطع جليدة الكمرة، وَكَذَلِكَ الختن والخفاض قطع جلدَة من أَعلَى فرجهَا تشبه عرف الديك بَينهَا وَبَين مدْخل الذّكر جلدَة رقيقَة، وَكَذَلِكَ الْخَفْض. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ جهدها) لِأَنَّهُ رُوِيَ: (والزق الْخِتَان بالختان) ، بدل قَوْله: (ثمَّ جهدها) على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة لِأَنَّهُ رَوَاهُ من طَرِيقين. الأول: عَن معَاذ بن فضَالة، بِضَم الْمِيم فِي، مَعْنَاهُ وَفتح الْفَاء فِي فضَالة الْبَصْرِيّ عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة بن دعامة الْمُفَسّر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن أبي رَافع نفيع الصَّائِغ، وَالطَّرِيق. الثَّانِي: عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن هِشَام الخ وَعلم على الطَّرِيقَيْنِ بِصُورَة (ح) بَين الإسنادين من التَّحْوِيل. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: العنعنة فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي خثيمَةَ زُهَيْر بن حَرْب، وَأبي غَسَّان المسمعي وَابْن الْمثنى، وَابْن بشار، أربعتهم عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه عَن الْحسن بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن ابْن أبي عدي عَن ابْن الْمثنى عَن وهب بن جرير، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام وَشعْبَة، كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن

стр. 873

ذكر لغاته قَوْله: (بَين شعبها) بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة جمع شُعْبَة، ويروي: أشعبها، جمع شعب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الشعبة الطَّائِفَة من كل شَيْء، والقطعة مِنْهُ والشعب، النواحي، وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالشعبِ الْأَرْبَع، فَقيل: هِيَ اليدان وَالرجلَانِ، وَقيل: الفخذان وَالرجلَانِ، وَقيل: الرّجلَانِ والشفران، وَاخْتَارَ القَاضِي عِيَاض، أَن المُرَاد من الشّعب الْأَرْبَع واحيها الْأَرْبَع، وَالْأَقْرَب أَن يكون المُرَاد الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ أَو الرجلَيْن والفخذين وَيكون الْجِمَاع مكنياً عَنهُ بذلك، يَكْتَفِي بِمَا ذكر عَن التَّصْرِيح، وَإِنَّمَا رجح هَذَا لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة فِي الْجُلُوس بَينهمَا، وَالضَّمِير فِي جلس، يرجع إِلَى الرجل، وَكَذَلِكَ الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: جهدها، وَأما الضَّمِير الَّذِي فِي شعبها، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: جهدهاد، فيرجعان إِلَى الْمَرْأَة، وَإِن لم يمض ذكرهَا الدّلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ (سُورَة ص: ٣٢) قَوْله: (ثمَّ جهدها) بِفَتْح الْجِيم وَالْهَاء أَي: بلغ جهده فِيهَا وَقيل: بلغ مشقتها يُقَال: جهدته وأجهدته إِذا بلغت مشقته، وَقيل: مَعْنَاهُ كدها بحركته وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شُعْبَة وَهِشَام عَن قَتَادَة ثمَّ اجْتهد، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق شُعْبَة وَهِشَام مَعًا عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا قعد بَين شعبها الْأَرْبَع، وألزق الْخِتَان بالختان فقد وَجب الْغسْل) أَي: مَوضِع الْخِتَان بِموضع الْخِتَان، لِأَن الْخِتَان اسْم للْفِعْل، وَهَذَا يدل على أَن الْجهد هَاهُنَا كِنَايَة عَن معالجة الْإِيلَاج، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة (إِذا التقى الختانان فقد وَجب الْغسْل) وَرُوِيَ أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث عَائِشَة، أخرجه الشَّافِعِي من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَنْهَا، وَلَكِن فِي طَريقَة عَليّ بن زيد، وَهُوَ ضَعِيف وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَنْهَا بِرِجَال ثِقَات، رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَنْهَا، وَلَفظه: (وسم الْخِتَان الْخِتَان) وَالْمرَاد بالمس، الالتقاء عَلَيْهِ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ: (إِذا جَاوز) وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَة الْمس، حَتَّى لَو حصل الْمس بِدُونِ التقاء الختانين لَا يجب الْغسْل بِلَا خلاف، وَالْحَاصِل أَن إِيجَاب الْغسْل لَا يتَوَقَّف على نزُول الْمَنِيّ، بل مَتى غَابَتْ الْحَشَفَة فِي الْفرج وَجب الْغسْل عَلَيْهِمَا، وَإِن لم ينزل يدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم من طَرِيق مطر الْوراق عَن الْحسن فِي آخر هَذَا الحَدِيث: (وَإِن لم ينزل) وَوَقع ذَلِك فِي رِوَايَة قَتَادَة أَيْضا، رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه) عَن عَفَّان قَالَ: حَدثنَا همام وَأَبَان قَالَا أخبرنَا قَتَادَة بِهِ وَزَاد فِي آخِره: (أنزل أَو لم ينزل) ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَححهُ من طَرِيق عَليّ بن سهل عَن عَفَّان، وَكَذَا ذكرهَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة، وَقيل: الْجهد من أَسمَاء النِّكَاح، فَمَعْنَى جهدها جَامعهَا، وَإِنَّمَا عدل إِلَى الْكِنَايَة للاجتناب عَن التفوه بِمَا يفحش ذكره صَرِيحًا. ذكر استنباط الحكم مِنْهُ يستنبط من الحَدِيث الْمَذْكُور: أَن إِيجَاب الْغسْل لَا يتَوَقَّف على نزُول الْمَنِيّ، بل مَتى غَابَتْ الْحَشَفَة يجب الْغسْل عَلَيْهِمَا وَإِن لم ينزلا، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ الْيَوْم، وَقد كَانَ الْخلاف فِيهِ فِي الصَّدْر الأول فَإِن جمَاعَة ذَهَبُوا إِلَى أَن من وطىء فِي الْفرج وَلم ينزل فَلَيْسَ عَلَيْهِ غسل، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك أَحَادِيث نذكرها الْآن وَفِي (الْمحلى) وَمِمَّنْ رأى أَن لَا غسل من الْإِيلَاج فِي الْفرج إِن لم يكن إِنْزَال عُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَطَلْحَة بن عبيد الله وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن مَسْعُود وَرَافِع بن خديج وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي بن كَعْب وأبوا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَابْن عَبَّاس والنعمان بن بشير وَزيد بن ثَابت وجمهرة الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَهِشَام بن عُرْوَة وَالْأَعْمَش، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة. وَمن الْآثَار الَّتِي احْتَجُّوا بهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث زيد بن خَالِد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على مَا يَجِيء فِي الْبَاب الْآتِي واخرجه مُسلم أَيْضا والطَّحَاوِي واخرجه الْبَزَّار أَيْضا وَلَفظه عَن يزِيد الْجُهَنِيّ: (أَنه سَأَلَ عُثْمَان عَن الرجل يُجَامع وَلَا ينزل، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْوضُوء،) وَقَالَ عُثْمَان أشهد أَنِّي سَمِعت ذَلِك من رَسُول الله ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بن كَعْب، رَوَاهُ مُسلم حَدثنَا أَبُو الرّبيع الْأنْصَارِيّ حَدثنَا حَمَّاد عَن هِشَام بن عُرْوَة وَحدثنَا أَبُو كريب وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، قَالَ: حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب عَن أبي بن كَعْب قَالَ: [حم (سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الرجل يُصِيب من الْمَرْأَة ثمَّ يكسل، فَقَالَ: يغسل مَا أَصَابَهُ من الْمَرْأَة ثمَّ يتَوَضَّأ) [/ حم وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة وَأحمد والطَّحَاوِي. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم عَنهُ، (أَن رَسُول الله ﷺ مر على رجل من الْأَنْصَار فَأرْسل إِلَيْهِ فَخرج وَرَأسه يقطر، فَقَالَ: لَعَلَّنَا أعجلناك؟ فَقَالَ: نعم يَا رَسُول الله، قَالَ: إِذا

стр. 874

أعجلت أَو قحطت فَلَا غسل عَلَيْك، وَعَلَيْك الْوضُوء أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قلت لإخواني من الْأَنْصَار اتْرُكُوا الْأَمر كَمَا يَقُولُونَ المَاء من المَاء، أَرَأَيْتُم أَن اغْتسل؟ فَقَالُوا: لَا وَالله حَتَّى لَا يكون فِي نَفسك حرج مِمَّا قضى الله وَرَسُوله، وَأخرج أَبُو الْعَبَّاس السراج أَيْضا فِي (مُسْنده) حَدثنَا روح بن عبَادَة عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق عَن عَمْرو بن دِينَار أَن ابْن عَبَّاس أخبرهُ أَن أَبَا سعيدالخدري كَانَ ينزل فِي دَاره، وَأَن أَبَا سعيد أخبرهُ أَنه كَانَ يَقُول لأَصْحَابه: أَرَأَيْتُم إِذا اغْتَسَلت وَأَنا أعرف أَنه كَمَا تَقولُونَ؟ إِلَّا حَتَّى لَا يكون فِي نَفسك حرج مِمَّا قضى الله وَرَسُوله فِي الرجل يَأْتِي امْرَأَته وَلَا ينزل وَأخرج مُسلم أَيْضا عَن سعيد عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (المَاء من المَاء) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب أخرجه ابْن مَاجَه والطَّحَاوِي عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (المَاء من المَاء) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ قَالَ: (بعث رَسُول الله ﷺ إِلَى رجل من الْأَنْصَار، فَأَبْطَأَ، فَقَالَ: مَا حَبسك؟ قَالَ: كَانَت أصبت من أَهلِي فَلَمَّا جَاءَنِي رَسُولك اغْتَسَلت من غير أَن أحدث شَيْئا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (المَاء من المَاء، وَالْغسْل على من أنزل.) . [/ حم وَمِنْهَا: حَدِيث عتْبَان الْأنْصَارِيّ، رَوَاهُ أَحْمد عَنهُ، أَن عتْبَان الْأنْصَارِيّ، قَالَ: قلت: يَا نَبِي الله ﴿إِنِّي كنت مَعَ أَهلِي، فَلَمَّا سَمِعت صوزتك أقلعت فاغتسلت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (المَاء من المَاء) . وَمِنْهَا: حَدِيث رَافع ابْن خديج، أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَأحمد عَنهُ. [حم (ناداني رَسُول الله ﷺ وَأَنا على بطن امْرَأَتي فَقُمْت وَلم أنزل فاغتسلت، فَأَخْبَرته أَنَّك دعوتني وَأَنا على بطن امْرَأَتي فَقُمْت ولمأمن، فاغتسلت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا عَلَيْهِ المَاء من المَاء) [/ حم. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أخرجه أَبُو يعلى عَنهُ قَالَ: [حم (انْطلق رَسُول الله ﷺ فِي طلب رجل من الْأَنْصَار فَدَعَاهُ، فَخرج الْأنْصَارِيّ وَرَأسه يقطر مَاء، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا لرأسك؟ فَقَالَ دعوتني وَأَنا مَعَ أَهلِي فَخفت أَن أحتبس عَلَيْك فعجلت فَقُمْت وصببت على المَاء ثمَّ خرجت فَقَالَ: هَل كنت أنزلت؟ قَالَ: لَا قَالَ: إِذا فعلت ذَلِك فَلَا تغتسلن اغسل مَا مس الْمَرْأَة مِنْك وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة، فَإِن المَاء من المَاء [/ حم، وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس أخرجه الْبَزَّار عَنهُ قَالَ: [حم (أرسل رَسُول الله ﷺ إِلَى رجل من الْأَنْصَار فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا حَبسك؟ قَالَ: كنت حِين أَتَانِي رَسُولك على امْرَأَتي، فَقُمْت فاغتسلت فَقَالَ: وَكَانَ عَلَيْك أَن لَا تَغْتَسِل مَا لم تنزل، قَالَ: فَكَانَ الْأَنْصَار يَفْعَلُونَ ذَلِك) . [/ حم وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عبد الله بن عقيل، أخرجه معمر بن رَاشد فِي (جَامعه) عَنهُ، قَالَ: [حم (سلم النَّبِي ﷺ على سعد بن عباد فَلم يَأْذَن لَهُ، كَانَ على حَاجته فَرجع النَّبِي ﷺ ، فَقَامَ سعد سَرِيعا فاغتسل ثمَّ تبعه، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَنِّي كنت على حَاجَة فَقُمْت فاغتسلت، فَقَالَ النَّبِي ﷺ (المَاء من المَاء) [/ حم. وَحجَّة الْجُمْهُور حَدِيث الْبَاب، وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: [حم (أَنَّهَا سُئِلت عَن الرجل يُجَامع فَلَا ينزل، فَقَالَت: فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا مِنْهُ جَمِيعًا) [/ حم أخرجه الطَّحَاوِيّ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان وَجب الْغسْل فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا وروى مَالك عَن يحيى بن سعد عَن سعيد بن الْمسيب: (أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَتَى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَ: لقد شقّ عَليّ اخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي أَمر إِنِّي لأعظم أَن استقبلك بِهِ؟ فَقَالَت: مَا هُوَ؟ مَا كنت سَائِلًا عَنهُ أمك فاسألني عَنهُ﴾ فَقَالَ لَهَا الرجل يُصِيب أَهله فيكسل وَلَا ينزل قَالَت إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَا أسأَل أحدا عَن هَذَا بعْدك أبدا) وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن مَالك وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح إلَاّ أَنه مَوْقُوف على عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا الحَدِيث مَوْقُوف فِي (الْمُوَطَّأ) عِنْد جمَاعَة من رُوَاته، وروى مُوسَى بن طَارق، وَأَبُو قُرَّة عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي مُوسَى عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِذا التقى الخاتنان وَجب الْغسْل) وَلم يُتَابع على رَفعه عَن مَالك مَرْفُوعا عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: أَخْبَرتنِي أم كُلْثُوم عَن عَائِشَة ﵂: (أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن الرجل يُجَامع أَهله ثمَّ بكسل، هَل عَلَيْهِ من غسل؟ وَعَائِشَة جالسة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِنِّي لأَفْعَل ذَلِك أَنا وَهَذِه ثمَّ نغتسل) قَالُوا: فَهَذِهِ الْآثَار تخبر عَن فعل رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يغسل إِذا جَامع وَإِن لم ينزل. وَقَالَت الطَّائِفَة الأولى: هَذِه الْآثَار تخبر عَن فعل رَسُول الله ﷺ ، وَقد يجوز أَن يفعل مَا لَيْسَ عَلَيْهِ، يَعْنِي كَانَ يَفْعَله بطرِيق الِاسْتِحْبَاب لَا بطرِيق الْوُجُوب، فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بهَا، والْآثَار

стр. 875

الأول تخبر عَمَّا يجب وَمَا لَا يجب فَهِيَ أولى. وَأجَاب الْجُمْهُور عَن هَذِه أَن هَذِه الْآثَار على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: المَاء من المَاء، لَا غَيره فَهَذَا ابْن عَبَّاس قد روى عَنهُ أَنه قَالَ: مُرَاد رَسُول الله ﵊ أَن يكون هَذَا فِي الِاحْتِلَام، وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن حجر عَن شريك عَن أبي الْحجاب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: إِنَّمَا المَاء من المَاء فِي الِاحْتِلَام، يَعْنِي إِذا رأى أَنه يُجَامع ثمَّ ينزل فَلَا غسل عَلَيْهِ، وَالنَّوْع الآخر: الَّذِي فِيهِ الْأَمر، وَأخْبر فِيهِ الْقِصَّة، وَأَنه: لَا غل فِي ذَلِك حَتَّى يكون المَاء، قد جَاءَ خلاف ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَهَذَا نَاسخ لتِلْك الْآثَار. فَإِن قتل: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على النّسخ لعدم التَّعَرُّض إِلَى شَيْء من التَّارِيخ. قلت: قد جَاءَ مَا يدل على النّسخ صَرِيحًا وَهُوَ مَا روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) حَدثنَا أَحْمد بن صَالح حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو يَعْنِي بن الحاري عَن ابْن شهَاب، قَالَ: حَدثنِي بعض من أرضي: أَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أخبرهُ أَن أبي بن كَعْب أخبرهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا جعل ذَلِك رخصَة للنَّاس فِي أول الْإِسْلَام لقلَّة الثَّبَات ثمَّ أمرنَا بِالْغسْلِ، وَنهى عَن ذَلِك) قَالَ أَبُو دَاوُد: يَعْنِي المَاء من المَاء، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَأخرج أَبُو دَاوُد أَيْضا حَدثنَا مُحَمَّد بن مهْرَان الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُبشر الْحلَبِي عَن مُحَمَّد بن غَسَّان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد. قَالَ: حَدثنِي أبي بن كَعْب أَن الْفتيا الَّتِي كَانُوا يفتون إِن المَاء من المَاء، كَانَت رخصَة رخصها رَسُول الله ﷺ فِي بَدْء الْإِسْلَام ثمَّ أمرنَا بالاغتسال بعد، وَأخرجه ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، فَإِن قلت: فِي الحَدِيث الأول مَجْهُول وَهُوَ قَوْله: حَدثنِي بعض من أرضي. قلت: الظَّاهِر أَنه أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج لِأَن الْبَيْهَقِيّ روى هَذَا الحَدِيث. ثمَّ قَالَ: روينَاهُ بِإِسْنَاد آخر مَوْصُول عَن أبي حَازِم عَن سهل ابْن سعد، والْحَدِيث مَحْفُوظ عَن سهل عَن أبي بن كَعْب كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (الأستذكار) إِنَّمَا رَوَاهُ ابْن شهَاب عَن أبي حَازِم، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ثَابت بِنَقْل الْعُدُول لَهُ وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن زيد بن أبي حبيب عَن معمر بن أبي حَيَّة، مولى ابْنة صَفْوَان، عَن عبيد بن رِفَاعَة بن رَافع عَن أَبِيه رِفَاعَة بن رَافع، قَالَ: (بَينا أَنا عِنْد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا زيد بن ثَابت يُفْتِي النَّاس فِي الْمَسْجِد بِرَأْيهِ فِي الْغسْل من الْجَنَابَة، فَقَالَ عمر: عَليّ بِهِ، فجَاء زيد، فَلَمَّا رَآهُ عمر، قَالَ: أَي عَدو نَفسه، قد بلغت أَنَّك تُفْتِي النَّاس بِرَأْيِك! فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، بِاللَّه مَا فعلت، لكني سَمِعت من أعمامي حَدِيثا فَحدثت بِهِ، من أبي أَيُّوب، وَمن أبي بن كَعْب، وَمن رِفَاعَة بن رَافع، فاقبل عمر على رِفَاعَة بن رَافع فَقَالَ: وَقد كُنْتُم تَفْعَلُونَ ذَلِك؟ إِذا أصَاب أحدكُم من الْمَرْأَة فأكسل لم يغْتَسل؟ فَقَالَ: قد كُنَّا نَفْعل ذَلِك على عهد رَسُول الله ﷺ فَلم يأتنا فِيهِ تَحْرِيم، وَلم يكن من رَسُول الله ﷺ فِيهِ نهي، قَالَ: رَسُول الله ﷺ يعلم ذَلِك؟ قَالَ: لَا أَدْرِي فَأمر عمر بِجمع الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، فَجمعُوا لَهُ فشاورهم، فَأَشَارَ النَّاس أَن لَا غسل فِي ذَلِك إلَاّ مَا كَانَ من معَاذ وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَإِنَّهُمَا قَالَا: الثَّالِث: إِذا لَا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا وَأَنْتُم أَصْحَاب بدر، وَقد اختلفتم فَمن بعدكم أَشد اخْتِلَافا قَالَ: فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه لَيْسَ أحد أعلم بِهَذَا مِمَّن سَأَلَ رَسُول الله ﷺ من أَزوَاجه، فَأرْسل إِلَى حَفْصَة فَقَالَت: لَا علم لي بِهَذَا، فَأرْسل إِلَى عَائِشَة فَقَالَت: إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا أسمع بِرَجُل فعل ذَلِك، إِلَّا أوجعته ضربا) وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا فِيهِ: لَا أعلم أحدا فعله ثمَّ لم يغْتَسل إِلَّا جعلته نكالاً وَلم يتقن الْكَلَام أحد فِي هَذَا الْبَاب مثل الإِمَام الْحَافِظ أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، فَإِن أَرَادَ أحد أَن يتقنه فَعَلَيهِ بكتابه (مَعَاني الْآثَار) وشرحنا الَّذِي عَمِلْنَاهُ عَلَيْهِ الْمُسَمّى (بمباني الْأَخْبَار) . فَإِن قلت: ادّعى بَعضهم أَن أحد أَن التَّنْصِيص على الشَّيْء باسمه الْعلم يُوجب نفي لحكم عَمَّا عداهُ، لِأَن الْأَنْصَار فَهموا عدم وجوب الِاغْتِسَال بالأكسال من قَوْله ﷺ : (المَاء من المَاء) أَي: الِاغْتِسَال وَاجِب بالمني، فالماء الأول هُوَ المطهر. وَالثَّانِي هُوَ الْمَنِيّ، وَمن، للسبيبة، وَالْأَنْصَار كَانُوا من أهل اللِّسَان وفصحاء الْعَرَب وَقد فَهموا والتخصيص مِنْهُ حَتَّى استدلوا بِهِ على نفي وجوب الِاغْتِسَال بالإكسال لعد المَاء، وَلَو لم يكن التَّنْصِيص باسم المَاء مُوجبا للنَّفْي لما صَحَّ استدلالهم على ذَلِك. قلت: الَّذِي يَقُول بِهَذَا أَبُو بكر الدقاق وَبَعض الْحَنَابِلَة، وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَيْسَ من دلَالَة التَّنْصِيص على التَّخْصِيص، بل إنماهو من اللَّام الْمعرفَة الْمُوجبَة للاستغراق عِنْد عدم الْمَعْهُود، وَنحن نقُول:

стр. 876

هَذَا الْكَلَام للاستغراق والانحصار، كَمَا فهمت الْأَنْصَار، لَكِن لما دلّ الدَّلِيل وهوالإجماع على وجوب الِاغْتِسَال من الْحيض وَالنّفاس أَيْضا نفي الانحصار فِيمَا وَرَاء ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بالمني، وَصَارَ الْمَعْنى جَمِيع الاغتسالات الْمُتَعَلّقَة بالمني منحصر فِيهِ لَا يثبت لغيره. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يجب الْغسْل بالإكسال لعد المَاء. قلت: المَاء فِيهِ ثَابت تَقْديرا لِأَنَّهُ تَارَة يثبت عيَانًا كَمَا فِي حَقِيقَة الْإِنْزَال وَمرَّة دلَالَة كَمَا فِي التقاء الختانين فَإِنَّهُ سَبَب لنزول المَاء فأقيم مقَامه لكَونه أمرا خفِيا كالنوم، فاقيم مقَام الْحَدث لتعذر الْوُقُوف عَلَيْهِ. فَإِن قلت: الْمَنْسُوخ يَنْبَغِي أَن يكون حكما شَرْعِيًّا، وَعدم وجوب الْغسْل عِنْد عدم الْإِنْزَال ثَابت بِالْأَصْلِ. قلت: عَدمه ثَابت بِالشَّرْعِ، إِذْ مَفْهُوم الْحصْر فِي، إِنَّمَا يدل عَلَيْهِ لِأَن معنى الْحصْر إِثْبَات الْمَذْكُور، وَنفي غير الْمَذْكُور، فيفي، أَنه لَا مَاء من غير المَاء وَقَالَ الْكرْمَانِي: ثمَّ الرَّاجِح من الْحَدِيثين يَعْنِي حَدِيث: (المَاء من المَاء) حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب حَدِيث التقاء الختانين، لِأَنَّهُ بالمنطوق يدل على وجوب الْغسْل، وَحَدِيث (المَاء من المَاء) بِالْمَفْهُومِ يدل على عَدمه، وَحجَّة الْمَفْهُوم مُخْتَلف فِيهَا وعَلى تَقْدِير ثُبُوتهَا الْمَنْطُوق أقوى من الْمَفْهُوم، وعَلى هَذَا التَّقْرِير لَا يحْتَاج إِلَى القَوْل بالنسخ. قلت: عدم دَعْوَى الِاحْتِيَاج إِلَى القَوْل بالنسخ غير صَحِيح، لِأَن المستنبطين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ مَا وفقوا بَين أَحَادِيث هَذَا الْبَاب المتضادة إلَاّ بِإِثْبَات النّسخ على مَا ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت: حَدِيث الالتقاء مُطلق، وَحَدِيث: (المَاء من المَاء) مُقَيّد فَيجب حمل الْمُطلق على الْمُقَيد. قلت: هَذَا سُؤال الْكرْمَانِي على مذْهبه، ثمَّ أجَاب: لَيْسَ ذَلِك مُطلقًا بل عَاما لِأَن الالتقاء وصف يَتَرَتَّب الحكم عَلَيْهِ، وَكلما وجد الْوَصْف وجد الحكم، وَهَذَا لَيْسَ مُقَيّدا بل خَاصّا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: بالالتقاء يجب الْغسْل. ثمَّ قَالَ: بالالتقاء مَعَ الْإِنْزَال يجب الْغسْل، فَيصير من بَاب قَوْله ﷺ : (أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر) ثمَّ قَالَ ﷺ : (ودباغها طهرهَا) وإفراد فَرد من الْعَام بِحكم الْعَام لَيْسَ من المخصصات. تابَعَهُ عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ عَمْرو: بِالْوَاو وَهُوَ عَمْرو بن مَرْزُوق الْبَصْرِيّ، أَبُو عُثْمَان الْبَاهِلِيّ: يُقَال: مَوْلَاهُم وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، روى عَن شُعْبَة وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَعمْرَان الْقطَّان والحمادين وَآخَرين، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي أول الدِّيات، وَفِي مَنَاقِب عَائِشَة، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وروى عَنهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَذكره صَاحب (اسماء الرِّجَال) للْبُخَارِيّ، وَمُسلم فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة يَعْنِي، من تَرْجَمَة عمر بِالْوَاو، فَدلَّ على أَن مُسلما لم يرو عَنهُ وَلَا روى لَهُ شَيْئا، وَإِنَّمَا ذكر مِنْهُ هَذَا، لِأَن صَاحب (التَّلْوِيح) ذكر فِي شَرحه أَن رِوَايَة عمر بن مَرْزُوق هَذِه عِنْد مُسلم: عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن جبلة عَن وهب بن جرير وَابْن أبي عدي كِلَاهُمَا عَن عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة، وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) وَهُوَ من الْغَلَط الصَّرِيح، وَذكره فِي إِسْنَاد مُسلم حَشْو زَائِد بِلَا فَائِدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذَا اللَّفْظ، يَعْنِي. قَوْله: (تَابعه عَمْرو عَن شُعْبَة) يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة أَو عَن شُعْبَة عَن الْحسن، فيختلف الضَّمِير فِي تَابعه بِحَسب الْمرجع قلت: لَا اخْتِلَاف للضمير فِيهِ، بل هُوَ رَاجع إِلَى هِشَام على كل حَال، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عُثْمَان بن أَحْمد بن السماك، فَقَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر الضَّبِّيّ حَدثنَا عَمْرو بن مَرْزُوق حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره، نَحْو سِيَاق حَدِيث الْبَاب لَكِن فِي رِوَايَته: ثمَّ أجهدها، من بَاب الإجهاد قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث الْبَاب. وقالَ مُوسَى حدّثنا أبَانُ قَالَ حدّثنا قَتادَةُ أخبرنَا الْحَسَنُ مِثْلَهُ مُوسَى: هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَأَبَان هُوَ ابْن يزِيد الْعَطَّار، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ. وفيهذا الْإِسْنَاد التحديث فِي موضِعين أَحدهمَا: مُوسَى عَن أبان، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: هُوَ الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع. وَالْآخر: أبان عَن قَتَادَة. وَفِيه: الْإِخْبَار فِي مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ قَتَادَة عَن الْحسن. وَمن فَوَائِد هَذَا أَن فِيهِ التَّصْرِيح بتحديث الْحسن لِقَتَادَة، لِأَن فِي رِوَايَة حَدِيث الْبَاب قَتَادَة عَن الْحسن، وَقَتَادَة ثِقَة ثَبت لكنه مُدَلّس، وَإِذا صرح بِالتَّحْدِيثِ لَا يبْقى كَلَام. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) رِوَايَة مُوسَى هَذِه عِنْد الْبَيْهَقِيّ أخرجهَا من طَرِيق عُثْمَان وَهِشَام، كِلَاهُمَا عَن مُوسَى عَن أبان وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) كِلَاهُمَا غَلطا وَلم يخرج الْبَيْهَقِيّ إلَاّ من طَرِيق عُثْمَان عَن همام وَأَبَان جَمِيعًا عَن قَتَادَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم قَالَ: تَابعه عَمْرو، وَقَالَ

стр. 877

مُوسَى: وَلم يسْلك فيهمَا طَرِيقا وَاحِدًا قلت: الْمُتَابَعَة أقوى لِأَن القَوْل أَعم من الذّكر على سَبِيل النَّقْل والتحمل، أَو من الذّكر على سَبِيل المحاورة والمذاكرة، فَأَرَادَ الْإِشْعَار بذلك، ثمَّ قَالَ: وَاعْلَم بِأَنَّهُ يحْتَمل سَماع البُخَارِيّ من عَمْرو ومُوسَى فَلَا يجوم بِأَنَّهُ ذكرهمَا على سَبِيل التَّعْلِيق قلت: كِلَاهُمَا تَعْلِيق صُورَة، وَلَكِن الِاحْتِمَال الْمَذْكُور مَوْجُود لِأَن كليهمَا من مَشَايِخ البُخَارِيّ. ٢٩ - (بابُ غَسْلِ مَا يُصيبُ منْ رُطُوبَةِ فَرْجِ المَرْأَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل مَا يُصِيب الرجل من فرج الْمَرْأَة من رُطُوبَة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْإِصَابَة الْمَذْكُورَة تكون عِنْد التقاء الختانين. ٢٩٢ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عَنِ الحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى اوَأَخْبَرَنِي أبُو سَلَمَة أنَّ عطَاءَ بنَ يَسَارِ أخْبَرَهُ أنَّ زَيْدَ بْنِ خالِدٍ الجُهْنِي أخْبَرَهُ أنَّهُ سَأَلَ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ قالَ أَرَأَيْتَ إِذا جامَعَ الرَّجلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمِنْ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوضَأُ كَمَا يَتَوَضَأُ لِلصَّلاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ عُثْمانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ علِيَّ بْنَ أبي طالِبٍ والزُّبَيُرَ بْنَ العَوَّامِ وطلْحَةَ بْنَ عبيد الله وَأبي بن كَعْب ﵃ فأمروه بذلك قَالَ يحي وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة أَن عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أنَّ أَبَا أيُّوب أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ١٧٩) [/ ح] . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيغسل ذكره) يَعْنِي: إِذا جَامع امْرَأَته فَلم ينزل يغسل ذكره، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَصَابَهُ من رُطُوبَة فرج الْمَرْأَة. ذكر رِجَاله والمذكورون فِيهِ أَرْبَعَة عشر نفسا، مِنْهُم سَبْعَة من الصَّحَابَة الأجلاء وهم: عُثْمَان بن عَفَّان، وَزيد بن خَالِد، وَعلي بن أبي طَالب، وَالزُّبَيْر بن الْعَوام، وَطَلْحَة بن عبيد الله، وَأبي بن كَعْب، وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ واسْمه خَالِد بن زيد، والسبعة الْبَاقِيَة: أَبُو معمر، بِفَتْح الْمِيم عبد الله بن عَمْرو، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَالْحُسَيْن بن ذكْوَان الْمعلم، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين عَن الْحُسَيْن فَقَط وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحُسَيْن الْمعلم، وَيحيى بن أبي كثير وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه: لفظ الْإِخْبَار فِي خَمْسَة مَوَاضِع: مِنْهَا بِلَفْظ أَخْبرنِي، فِي موضِعين، وبلفظ أخبرهُ فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: لفظ القَوْل فِي موضِعين: أَحدهمَا: هُوَ قَوْله: قَالَ يحيى، أَي: قَالَ الْحُسَيْن. قَالَ يحيى وَلَفظ. قَالَ الأولى بِحَذْف فِي الْخط فِي اصطلاحهم، وَقَالَ الآخر قَوْله، وَقَالَ عُثْمَان. وَفِيه: السُّؤَال فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: قَالَ يحيى وَأَخْبرنِي هَذَا عطف على مُقَدّر تَقْدِيره، قَالَ يحيى أَخْبرنِي بكذاوكذا وَأَخْبرنِي بِهَذَا وَإِنَّمَا احتجنا إِلَى التَّقْدِير لِأَن أَخْبرنِي، مقول، قَالَ: وَهُوَ مفعول حَقِيقَة، فَلَا يجوز دُخُول الْوَاو بَينهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم بِحَذْف الْوَاو، على الأَصْل، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ دقة وهوالإشعار بِأَن هَذَا من جملَة مَا سمع يحيى من أبي سَلمَة فَإِن قلت: قَول الْحُسَيْن، قَالَ يحيى، يُوهم أَنه لم يسمع من يحيى، وَلذَا قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: أَنه لم يسمع من يحيى، فَلذَلِك قَالَ: قَالَ يحيى قلت: وَقع فِي رِوَايَة مُسلم فِي هَذَا الْموضع عَن الْحُسَيْن عَن يحيى، فَإِن قلت: العنعنة لَا تدل صَرِيحًا على التحديث قلت: الْحُسَيْن لَيْسَ بمدلس، وعنعنة غير المدلس مَحْمُولَة على السماع، على أَنه قد وَقع التَّصْرِيح فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَفِي رِوَايَة الْحُسَيْن عَن يحيى بِالتَّحْدِيثِ، وَلَفظه حَدثنِي يحيى بن أبي كثير، وَأَيْضًا لم ينْفَرد بِهِ الْحُسَيْن، فقد رَوَاهُ عَن يحيى أَيْضا مُعَاوِيَة بن سَلام، أخرجه ابْن شاهين، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن أخرجه البُخَارِيّ فِي بَاب الْوضُوء من المخرجين: حَدثنَا سعد بن حَفْص، قَالَ: حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة أَن عَطاء بن يسَار أخبرهُ أَن زيد أَنه سَأَلَ عُثْمَان بن عَفَّان الحَدِيث، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ.

стр. 878

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن أبي معمر، وَفِي بَاب الْوضُوء من المخرجين عَن سعد بن حَفْص كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَأخرجه مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعبد بن حميد، وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه عَن حُسَيْن الْمعلم بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ الْجُهَنِيّ بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء وبالنون نِسْبَة إِلَى جُهَيْنَة بن زيد. قَوْله: (فَقَالَ: أَرَأَيْت) أَي: فَقَالَ زيد لعُثْمَان أَرَأَيْت، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ لَهُ: أَرَأَيْت؟ أَي: قَالَ زيد لعُثْمَان. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (فَلم يمن) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف، من الإمناء إراداته أَنه لم ينزل الْمَنِيّ، وَهَذَا أفْصح اللُّغَات. وَالثَّانِي: مِنْهَا فتح الْيَاء. وَالثَّالِث: بِضَم الْيَاء مَعَ فتح الْمِيم وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (فَقَالَ عُثْمَان: سمعته من رَسُول الله ﷺ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مَا ذكره من قَوْله: (يتَوَضَّأ للصَّلَاة وَيغسل ذكره) وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، وَهَذَا سَماع وَرِوَايَة وَقَوله: أَولا فَتْوَى مِنْهُ. قَوْله: (فَسَأَلت عَن ذَلِك) أَي: عَمَّن يُجَامع امْرَأَته فَلم يمن، وَالظَّاهِر أَن سُؤَاله عَن عَليّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَأبي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، استفتاء من عُثْمَان، وفتوى مِنْهُم لَا رِوَايَة لَكِن رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مرّة بِإِظْهَار أَنه رِوَايَة، وَصرح بِهِ أُخْرَى وَلم يذكر عليا، ثمَّ ذكر بعد ذَلِك، رِوَايَات وَقَالَ: لم يقل أحد مِنْهُم عَن النَّبِي، ﵊، غير الْحمانِي، وَلَيْسَ هُوَ من شَرط هَذَا الْكتاب قَوْله: (فأمروه) الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الصَّحَابَة الْأَرْبَعَة: وهم: عَليّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَأبي بن كَعْب، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى المجامع الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (إِذا جَامع الرجل امْرَأَته) وَهَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (سُورَة الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل أقرب للتقوى، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ الْتِفَات لِأَن الأَصْل فِيهِ أَن يَقُول: فأمروني قلت، لَيْسَ فِيهِ الْتِفَات أصلا لِأَن عُثْمَان سَأَلَ هَؤُلَاءِ عَن المجامع الَّذِي لم يمن فَأَجَابُوا لَهُ بِمَا أجابوا، وَالْكَلَام على أَصله، لِأَن قَوْله: فأمروه عطف على. قَوْله: (فَسَأَلت) أَي: فَأمروا المجامع الَّذِي لم يمن بذلك أَي: بِغسْل الذّكر وَالْوُضُوء، وَالْإِشَارَة ترجع إِلَى الْجُمْلَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. قَوْله: (وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَوَقع فِي رِوَايَة البَاقِينَ قَالَ يحيى: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة، وَهَذَا هُوَ المُرَاد لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: قَالَ يحيى: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة أَن عَطاء بن يسَار، فَيكون دَاخِلا فِي الْإِسْنَاد فيندفع بِهَذَا قَول من يَقُول: إِن ظَاهره مُعَلّق، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَيْضا مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه بالإسنادين جَمِيعًا. قَوْله: (أَنه سمع ذَلِك) أَي: أخبر أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ عُرْوَة بن الزبير أَنه سمع ذَلِك. أَي: غسل الذّكر وَالْوُضُوء كوضوء الصَّلَاة، وتذكير الْإِشَارَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور كَمَا قُلْنَا آنِفا مثله، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: فِيهِ وهم، لِأَن أَبَا أَيُّوب لم يسمعهُ من رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا سَمعه من أبي بن كَعْب عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك هِشَام عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب عَن أبي بن كَعْب. قلت: قَوْله: لم يسمعهُ من رَسُول الله ﷺ . نفي، وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر عَن أبي أَيُّوب عَن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ إِثْبَات، وَالْإِثْبَات مقدم على النَّفْي، على أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أكبر قدرا وسناً وعلماً من هِشَام بن عُرْوَة، وَحَدِيث الْإِثْبَات رَوَاهُ الدَّارمِيّ وَابْن مَاجَه. فَإِن قلت: حكى الْأَثْرَم عَن أَحْمد أَن حَدِيث زيد بن خَالِد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب مَعْلُول لِأَنَّهُ ثَبت عَن هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة الْفَتْوَى بِخِلَاف مَا فِي خذا الحَدِيث. قلت: كَونهم أفتوا بِخِلَافِهِ لَا يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث، لِأَنَّهُ حكم من حَدِيث مَنْسُوخ وَهُوَ صَحِيح، فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، أَلا ترى أَن أَبَيَا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يرى المَاء من المَاء لظَاهِر الحَدِيث، ثمَّ أخبر عَنهُ سهل بن سعد أَن النَّبِي ﷺ جعل المَاء من المَاء رخصَة فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نهى عَن ذَلِك وَأمره بِالْغسْلِ. وَأما الَّذِي يستنبط من حَدِيث الْبَاب إِن الَّذِي يُجَامع امْرَأَته وَلم ينزل منيه لَا يجب عَلَيْهِ الْغسْل، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَن يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة وَهَذَا مَنْسُوخ لما بَيناهُ وَمذهب الْجُمْهُور هُوَ أَن إِيجَاب الْغسْل لَا يتَوَقَّف على إِنْزَال الْمَنِيّ، بل مَتى غَابَتْ الْحَشَفَة فِي الْفرج وَجب الْغسْل على الرجل وَالْمَرْأَة، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي (الصَّحِيح) وَإِن لم ينزل وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة تغييب الْحَشَفَة فِي الْفرج هُوَ الْمُوجب للْغسْل سَوَاء كَانَ الْفرج قبلا أَو دبراً من كل حَيَوَان آدَمِيّ أَو بهيم حَيا أَو مَيتا طَائِعا أَو مكْرها، نَائِما أَو مستيقظاً انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا والتقاء الختانين يُوجب الْغسْل أَي: مَعَ توازي الْحَشَفَة فَإِن نفس ملاقاة الْفرج بالفرج من غير التواري لَا يُوجب الْغسْل، وَلَكِن يُوجب الْوضُوء عِنْدهمَا، خلافًا لمُحَمد. وَفِي (الْمُحِيط) لَو أَتَى امْرَأَته وَهِي بكر فَلَا غسل مَا لم ينزل، لِأَن بِبَقَاء الْبكارَة يعلم أَنه لم يُوجد الْإِيلَاج، وَلَكِن إِذا جومعت الْبكر فِيمَا دون الْفرج فحبلت فعلَيْهِمَا الْغسْل لوُجُود الْإِنْزَال لِأَنَّهُ لَا حَبل بِدُونِ، وَقَالَ [قعأبو حنيفَة [/ قع:

стр. 879

لَا يجب الْغسْل بِوَطْء الْبَهِيمَة أَو الْميتَة إلَاّ بإنزال. ٢٩٣ - حدّثنا مُسَدَّدُ قالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بَنْ عُرْوة قالَ أخْبَرَنِي أبي قالَ أخْبَرَنِي أبُو أيُّوبَ قَالَ أخْبَرَني أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قالَ يَا رَسُول الله إذَا جَامَعَ الرَّجْلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قالَ يَغْسِلُ مَا مَسّ المَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَأُ ويُصَلِي. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. وَالثَّانِي: يحيى الْقطَّان. وَالثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. وَالرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: أَخْبرنِي أبي، وَرُبمَا يظنّ ظان أَنه أبي، بِضَم الْهمزَة، وَهُوَ أبي ابْن كَعْب لكَونه ذكر فِي الْإِسْنَاد. وَالْخَامِس: أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، واسْمه خَالِد بن زيد. وَالسَّادِس: أبي بن كَعْب. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الإفرد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَأَبُو أَيُّوب يروي عَن رَسُول الله ﷺ فِي تِلْكَ الطَّرِيق بِلَا وَاسِطَة وَفِي هَذِه الطَّرِيق بِوَاسِطَة لِأَن الطريقان مُخْتَلِفَانِ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَإِن توافقا فِي بعض الْأَحْكَام مَعَ جَوَاز سَمَاعه من رَسُول الله ﷺ ، وَمن أبي بن كَعْب وَذكر الْوَاسِطَة تكون للتقوية أَو لغَرَض آخر. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (إِذا جَامع الرجل الْمَرْأَة) ويروى: (امْرَأَته) قَوْله: (مَا مس الْمَرْأَة مِنْهُ) وَفِي: مس، ضمير وَهُوَ فَاعله يرجع إِلَى كلمة مَا، ومحلها النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: (يغسل) أَي: يغسل الرجل الْمَذْكُور الْعُضْو الَّذِي مس فرج المآأة من أَعْضَائِهِ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان مَا أَصَابَهُ من رُطُوبَة فرج الْمَرْأَة، فَكيف يدل عَلَيْهِ وَظَاهر، أَن مَا مس الْمَرْأَة مُطلقًا من يدٍ وَرجل وَنَحْوه لَا يجب غسله؟ قلت: فِيهِ إِمَّا إِضْمَار أَو كِنَايَة، لِأَن تَقْدِيره يغسل عضوا مس فرج الْمَرْأَة، وَهُوَ إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم، وَهُوَ: مس الْمَرْأَة، وَإِرَادَة اللُّزُوم، وَهُوَ إِصَابَة رُطُوبَة فرجهَا. قَوْله: (ثمَّ يتَوَضَّأ صَرِيح بِتَأْخِير الْوضُوء عَن غسل مَا يُصِيبهُ مِنْهَا، وَزَاد عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن هِشَام فِيهِ، وضوءه للصَّلَاة. قَوْله: (وَيُصلي) هُوَ صَرِيح فِي الدّلَالَة على ترك الْغسْل من الحَدِيث الَّذِي قبله. قالَ أبُو عبْدِ الْغَسْلُ أحُوَطُ وذَاكَ الآخِرُ وإنَّما بَيَّنَّا لاِخْتِلَافِهِمْ فَاعل: قَالَ، مَحْذُوف هُوَ الرَّاوِي عَن البُخَارِيّ. وَأَبُو عبد الله، هُوَ كنية البُخَارِيّ. قَوْله: (الْغسْل أحوط) مقول القَوْل، أَي: الِاغْتِسَال من الْجِمَاع بِغَيْر إِنْزَال أحوط أَي: أَكثر احْتِيَاطًا فِي أَمر الدّين، وَأَشَارَ بقوله: وَذَلِكَ الْأَخير، إِلَى أَن هَذَا الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب غير مَنْسُوخ أَي: آخر الْأَمريْنِ من الشَّارِع. قَوْله: (الْأَخير) على وزن فعيل، وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، وَذَلِكَ الآخر، بِالْمدِّ بِغَيْر يَاء، وَقَالَ ابْن الَّتِي: ضبطناه بِفَتْح الْهَاء. قَوْله: (إِنَّمَا بَينا لاختلافهم) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (إِنَّمَا بَينا اخْتلَافهمْ) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (إِنَّمَا بَيناهُ لاختلافهم) أَي: لأجل اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْوُجُوب وَعَدَمه، أَو لاخْتِلَاف الْمُحدثين فِي صِحَّته وَعدمهَا، وَقد خبط ابْن الْعَرَبِيّ على البُخَارِيّ لمُخَالفَته فِي هَذَا الْجُمْهُور، فَإِن إِيجَاب الْغسْل أطبق عَلَيْهِ الصَّحَابَة. وَمن بعدهمْ، وَمَا خَالف إلَاّ دَاوُد، وَلَا عِبْرَة بِخِلَافِهِ، وَكَيف يحكم بأستحباب الْغسْل وَهُوَ أحد أَئِمَّة الدّين، وَمن أَجله عُلَمَاء الْمُسلمين، ثمَّ قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده بقوله: الْغسْل أحوط، أَي: فِي الدّين؟ وَهُوَ بَاب مَشْهُور فِي أصُول الدّين، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَه بإمامته وَعلمه؟ قَالَ بَعضهم: قلت: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر من تصرفه، فَإِنَّهُ لم يترجم بِجَوَاز ترك الْغسْل، وَإِنَّمَا ترْجم بِبَعْض مَا يُسْتَفَاد من الحَدِيث بِغَيْر هَذِه الْمَسْأَلَة قلت: من تَرْجَمته يفهم جَوَاز ترك الْغسْل لِأَنَّهُ اقْتصر على غسل مَا يُصِيب الرجل من الْمَرْأَة وَأَنه هُوَ الْوَاجِب، وَالْغسْل غير وَاجِب، وَلكنه مُسْتَحبّ للِاحْتِيَاط وَأما قَول ابْن الْعَرَبِيّ: أطبق عَلَيْهِ الصَّحَابَة، فَفِيهِ نظر، فَإِن الْخلاف مَشْهُور فِي الصَّحَابَة ثَبت عَن جمَاعَة مِنْهُم، كَذَا قَالَ بَعضهم: قلت لقَائِل أَن يَقُول انْعَقَد الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فارتفع الْخلاف، بَيَانه مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا روح بن الْفرج، قَالَ: حَدثنِي يحيى بن عبد الله بن بكير، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي معمر بن أبي حَبِيبَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف المكررة، فَهِيَ حَبِيبَة بنت مرّة بن عَمْرو بن عبد الله بن عَمْرو بن شُعَيْب، قَالَه الزبير، وَقَالَ ابْن مَاكُولَا وَمن قَالَ فِيهِ ابْن أبي حَبِيبَة، فقد غلط وَمعمر هَذَا يروي عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار، قَالَ تَذَاكر أَصْحَاب

стр. 880

رَسُول الله ﷺ عِنْد عمر بن الْخطاب الْغسْل من الْجَنَابَة، فَقَالَ بَعضهم: إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: المَاء من المَاء. فَقَالَ عمر: قد اختلفتم وَأَنْتُم أهل بدر الأخيار، فَكيف بِالنَّاسِ بعدكم؟ فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! إِن أردْت أَن تعلم ذَلِك فارسل إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فاسألهن عَن ذَلِك: فَأرْسل إِلَى عَائِشَة فَقَالَت: إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل. فَقَالَ عمر عِنْد ذَلِك لَا أسمع أحدا يَقُول: المَاء من المَاء، إلَاّ جعلته نكالاً قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا عمر قد حمل النَّاس على هَذَا بِحَضْرَة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ مُنكر وَادّعى ابْن الْقصار أَن الْخلاف ارْتَفع بَين التَّابِعين، وَفِيه نظر، لِأَن الْخطابِيّ قَالَ: قَالَ بِهِ جمَاعَة من الصَّحَابَة، فَسمى بَعضهم: وَمن التَّابِعين الْأَعْمَش، وَتَبعهُ القَاضِي عِيَاض: وَلكنه قَالَ: لم يقل بِهِ أحد من بعد أَصْحَابه غَيره، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ قد ثَبت ذَلِك عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ فِي (سنَن أبي دَاوُد) بِإِسْنَاد صَحِيح حَدثنَا أَحْمد بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: المَاء من المَاء) وَكَانَ أَبُو سَلمَة يفعل ذَلِك، وَعند هِشَام ابْن عُرْوَة عَن عبد الرَّزَّاق وَعِنْده أَيْضا عَن أبي جريح عَن عَطاء أَنه قَالَ: لَا تطيب نَفسِي حَتَّى اغْتسل من أجل اخْتِلَاف النَّاس لآخذ بالعروة الوثقى. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم ٦ - (كتاب الحيضِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْحيض. وَلما فرغ مِمَّا ورد فِي بَيَان أَحْكَام الطَّهَارَة من الإحداث أصلا وخلفاً، شرع فِي بَيَان مَا ورد فِي بَيَان الْحيض الَّذِي هُوَ من الأنجاس، وَقدم مَا ورد فِيهِ على مَا ورد فِي النّفاس لِكَثْرَة وُقُوع الْحيض بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُقُوع النّفاس. وَالْحيض فِي اللُّغَة السيلان، يُقَال حَاضَت السمرَة، وَهِي شَجَرَة يسيل مِنْهَا شَيْء كَالدَّمِ، وَيُقَال: الْحيض لُغَة الدَّم الْخَارِج يُقَال: حَاضَت الأرانب، إِذا خرج مِنْهَا الدَّم وَفِي (الْعباب) التحييض التسييل، يُقَال حَاضَت الْمَرْأَة تحيض حيضا ومحاضاً ومحيضاً. وَعَن اللحياني: حاض وجاض وحاص، بالمهملتين، وحاد كلهَا بِمَعْنى: وَالْمَرْأَة حَائِض، وَهِي اللُّغَة الفصيحة الفاشية بِغَيْر تَاء، وَاخْتلف النُّحَاة فِي ذَلِك، فَقَالَ الْخَلِيل: لما لم يكن جَارِيا على الْفِعْل كَانَ بِمَنْزِلَة الْمَنْسُوب بِمَعْنى حائضي، أَي: ذَات حيض، كدراع ونابل وتامر وَلابْن، وَكَذَا طَالِق وطامت وقاعد للآيسة أَي: ذَات طَلَاق وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن ذَلِك صفة شَيْء مُذَكّر أَي شَيْء أَو أنسان أَو شخص حَائِض. وَمذهب الْكُوفِيّين أَنه اسْتغنى عَن عَلامَة التَّأْنِيث لِأَنَّهُ مَخْصُوص بالمؤنث، وَنقض: بجمل باذل، وناقة بازل، وضامر فيهمَا. وَإِمَّا مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع فَهُوَ: دم ينفضه رحم امْرَأَة سليمَة عَن دَاء وَصغر، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْحيض دم يرخيه رحم الْمَرْأَة بعد بُلُوغهَا فِي أَوْقَات مُعْتَادَة من قَعْر الرَّحِم وَقَالَ الْكَرْخِي: الْحيض دم تصير بِهِ الْمَرْأَة بَالِغَة بابتداء خُرُوجه، وَقيل: هُوَ دم ممتد خَارج عَن مَوضِع مَخْصُوص، وَهُوَ القيل، والاستحاضة، جَرَيَان الدَّم فِي غير أَوَانه، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الِاسْتِحَاضَة مَا ترَاهُ الْمَرْأَة فِي أقل من ثَلَاثَة أَيَّام أَو على أَكثر من عشرَة أَيَّام. وقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعَتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحِيضِ إِلَى﴾ قَوْله: ﴿وَيُحِبُ المُتَطَهِّرِينَ﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٢) قَول الله بِالْجَرِّ، عطفا على قَوْله: الْحيض الْمُضَاف إِلَيْهِ لفظ، كتاب، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن الْيَهُود كَانُوا إِذا حَاضَت الْمَرْأَة فيهم لم يؤاكلوها وَلم يجامعوها فِي الْبيُوت فَسَأَلَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٢) الْآيَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (افعلوا كل شَيْء إلَاّ النِّكَاح) وَقَالَ الواحدي: السَّائِل هُوَ أَبُو الدحداح، وَفِي مُسلم أَن أسيد بن حضير وَعباد بن بشر قَالَا بعد ذَلِك، أَفلا نجامعهن فَتغير وَجه رَسُول الله ﷺ ، الحَدِيث، وَهَذَا بَيَان للأذى الْمَذْكُور فِي الْآيَة وَقَالَ الطَّبَرِيّ: سمي الْحيض أَذَى لنتنه وقذره ونجاسته وَقَالَ الْخطابِيّ: الْأَذَى الْمَكْرُوه الَّذِي لَيْسَ بشديد كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لن يضروكم إلَاّ أذَىً﴾ (سُورَة آل عمرَان: ١١١) فَالْمَعْنى أَن الْمَحِيض أَذَى يعتزل من الْمَرْأَة بِوَضْعِهِ، وَلَكِن لَا يتَعَدَّى ذَلِك إِلَى بَقِيَّة بدنهَا. قَالُوا: وَالْمرَاد من الْمَحِيض الأول الدَّم، وَأما الثَّانِي فقد اخْتلف فِيهِ أهوَ نفس الدَّم أَو زمن الْحيض،
следующие страницы →