← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

هَذَا الْكَلَام للاستغراق والانحصار، كَمَا فهمت الْأَنْصَار، لَكِن لما دلّ الدَّلِيل وهوالإجماع على وجوب الِاغْتِسَال من الْحيض وَالنّفاس أَيْضا نفي الانحصار فِيمَا وَرَاء ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بالمني، وَصَارَ الْمَعْنى جَمِيع الاغتسالات الْمُتَعَلّقَة بالمني منحصر فِيهِ لَا يثبت لغيره. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يجب الْغسْل بالإكسال لعد المَاء. قلت: المَاء فِيهِ ثَابت تَقْديرا لِأَنَّهُ تَارَة يثبت عيَانًا كَمَا فِي حَقِيقَة الْإِنْزَال وَمرَّة دلَالَة كَمَا فِي التقاء الختانين فَإِنَّهُ سَبَب لنزول المَاء فأقيم مقَامه لكَونه أمرا خفِيا كالنوم، فاقيم مقَام الْحَدث لتعذر الْوُقُوف عَلَيْهِ. فَإِن قلت: الْمَنْسُوخ يَنْبَغِي أَن يكون حكما شَرْعِيًّا، وَعدم وجوب الْغسْل عِنْد عدم الْإِنْزَال ثَابت بِالْأَصْلِ. قلت: عَدمه ثَابت بِالشَّرْعِ، إِذْ مَفْهُوم الْحصْر فِي، إِنَّمَا يدل عَلَيْهِ لِأَن معنى الْحصْر إِثْبَات الْمَذْكُور، وَنفي غير الْمَذْكُور، فيفي، أَنه لَا مَاء من غير المَاء وَقَالَ الْكرْمَانِي: ثمَّ الرَّاجِح من الْحَدِيثين يَعْنِي حَدِيث: (المَاء من المَاء) حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب حَدِيث التقاء الختانين، لِأَنَّهُ بالمنطوق يدل على وجوب الْغسْل، وَحَدِيث (المَاء من المَاء) بِالْمَفْهُومِ يدل على عَدمه، وَحجَّة الْمَفْهُوم مُخْتَلف فِيهَا وعَلى تَقْدِير ثُبُوتهَا الْمَنْطُوق أقوى من الْمَفْهُوم، وعَلى هَذَا التَّقْرِير لَا يحْتَاج إِلَى القَوْل بالنسخ. قلت: عدم دَعْوَى الِاحْتِيَاج إِلَى القَوْل بالنسخ غير صَحِيح، لِأَن المستنبطين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ مَا وفقوا بَين أَحَادِيث هَذَا الْبَاب المتضادة إلَاّ بِإِثْبَات النّسخ على مَا ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت: حَدِيث الالتقاء مُطلق، وَحَدِيث: (المَاء من المَاء) مُقَيّد فَيجب حمل الْمُطلق على الْمُقَيد. قلت: هَذَا سُؤال الْكرْمَانِي على مذْهبه، ثمَّ أجَاب: لَيْسَ ذَلِك مُطلقًا بل عَاما لِأَن الالتقاء وصف يَتَرَتَّب الحكم عَلَيْهِ، وَكلما وجد الْوَصْف وجد الحكم، وَهَذَا لَيْسَ مُقَيّدا بل خَاصّا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: بالالتقاء يجب الْغسْل. ثمَّ قَالَ: بالالتقاء مَعَ الْإِنْزَال يجب الْغسْل، فَيصير من بَاب قَوْله ﷺ : (أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر) ثمَّ قَالَ ﷺ : (ودباغها طهرهَا) وإفراد فَرد من الْعَام بِحكم الْعَام لَيْسَ من المخصصات. تابَعَهُ عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ عَمْرو: بِالْوَاو وَهُوَ عَمْرو بن مَرْزُوق الْبَصْرِيّ، أَبُو عُثْمَان الْبَاهِلِيّ: يُقَال: مَوْلَاهُم وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، روى عَن شُعْبَة وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَعمْرَان الْقطَّان والحمادين وَآخَرين، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي أول الدِّيات، وَفِي مَنَاقِب عَائِشَة، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وروى عَنهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَذكره صَاحب (اسماء الرِّجَال) للْبُخَارِيّ، وَمُسلم فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة يَعْنِي، من تَرْجَمَة عمر بِالْوَاو، فَدلَّ على أَن مُسلما لم يرو عَنهُ وَلَا روى لَهُ شَيْئا، وَإِنَّمَا ذكر مِنْهُ هَذَا، لِأَن صَاحب (التَّلْوِيح) ذكر فِي شَرحه أَن رِوَايَة عمر بن مَرْزُوق هَذِه عِنْد مُسلم: عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن جبلة عَن وهب بن جرير وَابْن أبي عدي كِلَاهُمَا عَن عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة، وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) وَهُوَ من الْغَلَط الصَّرِيح، وَذكره فِي إِسْنَاد مُسلم حَشْو زَائِد بِلَا فَائِدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذَا اللَّفْظ، يَعْنِي. قَوْله: (تَابعه عَمْرو عَن شُعْبَة) يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة أَو عَن شُعْبَة عَن الْحسن، فيختلف الضَّمِير فِي تَابعه بِحَسب الْمرجع قلت: لَا اخْتِلَاف للضمير فِيهِ، بل هُوَ رَاجع إِلَى هِشَام على كل حَال، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عُثْمَان بن أَحْمد بن السماك، فَقَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر الضَّبِّيّ حَدثنَا عَمْرو بن مَرْزُوق حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره، نَحْو سِيَاق حَدِيث الْبَاب لَكِن فِي رِوَايَته: ثمَّ أجهدها، من بَاب الإجهاد قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث الْبَاب. وقالَ مُوسَى حدّثنا أبَانُ قَالَ حدّثنا قَتادَةُ أخبرنَا الْحَسَنُ مِثْلَهُ مُوسَى: هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَأَبَان هُوَ ابْن يزِيد الْعَطَّار، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ. وفيهذا الْإِسْنَاد التحديث فِي موضِعين أَحدهمَا: مُوسَى عَن أبان، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: هُوَ الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع. وَالْآخر: أبان عَن قَتَادَة. وَفِيه: الْإِخْبَار فِي مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ قَتَادَة عَن الْحسن. وَمن فَوَائِد هَذَا أَن فِيهِ التَّصْرِيح بتحديث الْحسن لِقَتَادَة، لِأَن فِي رِوَايَة حَدِيث الْبَاب قَتَادَة عَن الْحسن، وَقَتَادَة ثِقَة ثَبت لكنه مُدَلّس، وَإِذا صرح بِالتَّحْدِيثِ لَا يبْقى كَلَام. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) رِوَايَة مُوسَى هَذِه عِنْد الْبَيْهَقِيّ أخرجهَا من طَرِيق عُثْمَان وَهِشَام، كِلَاهُمَا عَن مُوسَى عَن أبان وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) كِلَاهُمَا غَلطا وَلم يخرج الْبَيْهَقِيّ إلَاّ من طَرِيق عُثْمَان عَن همام وَأَبَان جَمِيعًا عَن قَتَادَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم قَالَ: تَابعه عَمْرو، وَقَالَ

стр. 877

مُوسَى: وَلم يسْلك فيهمَا طَرِيقا وَاحِدًا قلت: الْمُتَابَعَة أقوى لِأَن القَوْل أَعم من الذّكر على سَبِيل النَّقْل والتحمل، أَو من الذّكر على سَبِيل المحاورة والمذاكرة، فَأَرَادَ الْإِشْعَار بذلك، ثمَّ قَالَ: وَاعْلَم بِأَنَّهُ يحْتَمل سَماع البُخَارِيّ من عَمْرو ومُوسَى فَلَا يجوم بِأَنَّهُ ذكرهمَا على سَبِيل التَّعْلِيق قلت: كِلَاهُمَا تَعْلِيق صُورَة، وَلَكِن الِاحْتِمَال الْمَذْكُور مَوْجُود لِأَن كليهمَا من مَشَايِخ البُخَارِيّ. ٢٩ - (بابُ غَسْلِ مَا يُصيبُ منْ رُطُوبَةِ فَرْجِ المَرْأَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل مَا يُصِيب الرجل من فرج الْمَرْأَة من رُطُوبَة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْإِصَابَة الْمَذْكُورَة تكون عِنْد التقاء الختانين. ٢٩٢ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عَنِ الحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى اوَأَخْبَرَنِي أبُو سَلَمَة أنَّ عطَاءَ بنَ يَسَارِ أخْبَرَهُ أنَّ زَيْدَ بْنِ خالِدٍ الجُهْنِي أخْبَرَهُ أنَّهُ سَأَلَ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ قالَ أَرَأَيْتَ إِذا جامَعَ الرَّجلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمِنْ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوضَأُ كَمَا يَتَوَضَأُ لِلصَّلاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ عُثْمانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ علِيَّ بْنَ أبي طالِبٍ والزُّبَيُرَ بْنَ العَوَّامِ وطلْحَةَ بْنَ عبيد الله وَأبي بن كَعْب ﵃ فأمروه بذلك قَالَ يحي وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة أَن عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أنَّ أَبَا أيُّوب أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ١٧٩) [/ ح] . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيغسل ذكره) يَعْنِي: إِذا جَامع امْرَأَته فَلم ينزل يغسل ذكره، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَصَابَهُ من رُطُوبَة فرج الْمَرْأَة. ذكر رِجَاله والمذكورون فِيهِ أَرْبَعَة عشر نفسا، مِنْهُم سَبْعَة من الصَّحَابَة الأجلاء وهم: عُثْمَان بن عَفَّان، وَزيد بن خَالِد، وَعلي بن أبي طَالب، وَالزُّبَيْر بن الْعَوام، وَطَلْحَة بن عبيد الله، وَأبي بن كَعْب، وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ واسْمه خَالِد بن زيد، والسبعة الْبَاقِيَة: أَبُو معمر، بِفَتْح الْمِيم عبد الله بن عَمْرو، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَالْحُسَيْن بن ذكْوَان الْمعلم، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين عَن الْحُسَيْن فَقَط وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحُسَيْن الْمعلم، وَيحيى بن أبي كثير وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه: لفظ الْإِخْبَار فِي خَمْسَة مَوَاضِع: مِنْهَا بِلَفْظ أَخْبرنِي، فِي موضِعين، وبلفظ أخبرهُ فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: لفظ القَوْل فِي موضِعين: أَحدهمَا: هُوَ قَوْله: قَالَ يحيى، أَي: قَالَ الْحُسَيْن. قَالَ يحيى وَلَفظ. قَالَ الأولى بِحَذْف فِي الْخط فِي اصطلاحهم، وَقَالَ الآخر قَوْله، وَقَالَ عُثْمَان. وَفِيه: السُّؤَال فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: قَالَ يحيى وَأَخْبرنِي هَذَا عطف على مُقَدّر تَقْدِيره، قَالَ يحيى أَخْبرنِي بكذاوكذا وَأَخْبرنِي بِهَذَا وَإِنَّمَا احتجنا إِلَى التَّقْدِير لِأَن أَخْبرنِي، مقول، قَالَ: وَهُوَ مفعول حَقِيقَة، فَلَا يجوز دُخُول الْوَاو بَينهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم بِحَذْف الْوَاو، على الأَصْل، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ دقة وهوالإشعار بِأَن هَذَا من جملَة مَا سمع يحيى من أبي سَلمَة فَإِن قلت: قَول الْحُسَيْن، قَالَ يحيى، يُوهم أَنه لم يسمع من يحيى، وَلذَا قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: أَنه لم يسمع من يحيى، فَلذَلِك قَالَ: قَالَ يحيى قلت: وَقع فِي رِوَايَة مُسلم فِي هَذَا الْموضع عَن الْحُسَيْن عَن يحيى، فَإِن قلت: العنعنة لَا تدل صَرِيحًا على التحديث قلت: الْحُسَيْن لَيْسَ بمدلس، وعنعنة غير المدلس مَحْمُولَة على السماع، على أَنه قد وَقع التَّصْرِيح فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَفِي رِوَايَة الْحُسَيْن عَن يحيى بِالتَّحْدِيثِ، وَلَفظه حَدثنِي يحيى بن أبي كثير، وَأَيْضًا لم ينْفَرد بِهِ الْحُسَيْن، فقد رَوَاهُ عَن يحيى أَيْضا مُعَاوِيَة بن سَلام، أخرجه ابْن شاهين، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن أخرجه البُخَارِيّ فِي بَاب الْوضُوء من المخرجين: حَدثنَا سعد بن حَفْص، قَالَ: حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة أَن عَطاء بن يسَار أخبرهُ أَن زيد أَنه سَأَلَ عُثْمَان بن عَفَّان الحَدِيث، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ.

стр. 878

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن أبي معمر، وَفِي بَاب الْوضُوء من المخرجين عَن سعد بن حَفْص كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَأخرجه مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعبد بن حميد، وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه عَن حُسَيْن الْمعلم بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ الْجُهَنِيّ بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء وبالنون نِسْبَة إِلَى جُهَيْنَة بن زيد. قَوْله: (فَقَالَ: أَرَأَيْت) أَي: فَقَالَ زيد لعُثْمَان أَرَأَيْت، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ لَهُ: أَرَأَيْت؟ أَي: قَالَ زيد لعُثْمَان. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (فَلم يمن) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف، من الإمناء إراداته أَنه لم ينزل الْمَنِيّ، وَهَذَا أفْصح اللُّغَات. وَالثَّانِي: مِنْهَا فتح الْيَاء. وَالثَّالِث: بِضَم الْيَاء مَعَ فتح الْمِيم وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (فَقَالَ عُثْمَان: سمعته من رَسُول الله ﷺ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مَا ذكره من قَوْله: (يتَوَضَّأ للصَّلَاة وَيغسل ذكره) وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، وَهَذَا سَماع وَرِوَايَة وَقَوله: أَولا فَتْوَى مِنْهُ. قَوْله: (فَسَأَلت عَن ذَلِك) أَي: عَمَّن يُجَامع امْرَأَته فَلم يمن، وَالظَّاهِر أَن سُؤَاله عَن عَليّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَأبي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، استفتاء من عُثْمَان، وفتوى مِنْهُم لَا رِوَايَة لَكِن رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مرّة بِإِظْهَار أَنه رِوَايَة، وَصرح بِهِ أُخْرَى وَلم يذكر عليا، ثمَّ ذكر بعد ذَلِك، رِوَايَات وَقَالَ: لم يقل أحد مِنْهُم عَن النَّبِي، ﵊، غير الْحمانِي، وَلَيْسَ هُوَ من شَرط هَذَا الْكتاب قَوْله: (فأمروه) الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الصَّحَابَة الْأَرْبَعَة: وهم: عَليّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَأبي بن كَعْب، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى المجامع الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (إِذا جَامع الرجل امْرَأَته) وَهَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (سُورَة الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل أقرب للتقوى، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ الْتِفَات لِأَن الأَصْل فِيهِ أَن يَقُول: فأمروني قلت، لَيْسَ فِيهِ الْتِفَات أصلا لِأَن عُثْمَان سَأَلَ هَؤُلَاءِ عَن المجامع الَّذِي لم يمن فَأَجَابُوا لَهُ بِمَا أجابوا، وَالْكَلَام على أَصله، لِأَن قَوْله: فأمروه عطف على. قَوْله: (فَسَأَلت) أَي: فَأمروا المجامع الَّذِي لم يمن بذلك أَي: بِغسْل الذّكر وَالْوُضُوء، وَالْإِشَارَة ترجع إِلَى الْجُمْلَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. قَوْله: (وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَوَقع فِي رِوَايَة البَاقِينَ قَالَ يحيى: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة، وَهَذَا هُوَ المُرَاد لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: قَالَ يحيى: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة أَن عَطاء بن يسَار، فَيكون دَاخِلا فِي الْإِسْنَاد فيندفع بِهَذَا قَول من يَقُول: إِن ظَاهره مُعَلّق، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَيْضا مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه بالإسنادين جَمِيعًا. قَوْله: (أَنه سمع ذَلِك) أَي: أخبر أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ عُرْوَة بن الزبير أَنه سمع ذَلِك. أَي: غسل الذّكر وَالْوُضُوء كوضوء الصَّلَاة، وتذكير الْإِشَارَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور كَمَا قُلْنَا آنِفا مثله، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: فِيهِ وهم، لِأَن أَبَا أَيُّوب لم يسمعهُ من رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا سَمعه من أبي بن كَعْب عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك هِشَام عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب عَن أبي بن كَعْب. قلت: قَوْله: لم يسمعهُ من رَسُول الله ﷺ . نفي، وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر عَن أبي أَيُّوب عَن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ إِثْبَات، وَالْإِثْبَات مقدم على النَّفْي، على أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أكبر قدرا وسناً وعلماً من هِشَام بن عُرْوَة، وَحَدِيث الْإِثْبَات رَوَاهُ الدَّارمِيّ وَابْن مَاجَه. فَإِن قلت: حكى الْأَثْرَم عَن أَحْمد أَن حَدِيث زيد بن خَالِد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب مَعْلُول لِأَنَّهُ ثَبت عَن هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة الْفَتْوَى بِخِلَاف مَا فِي خذا الحَدِيث. قلت: كَونهم أفتوا بِخِلَافِهِ لَا يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث، لِأَنَّهُ حكم من حَدِيث مَنْسُوخ وَهُوَ صَحِيح، فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، أَلا ترى أَن أَبَيَا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يرى المَاء من المَاء لظَاهِر الحَدِيث، ثمَّ أخبر عَنهُ سهل بن سعد أَن النَّبِي ﷺ جعل المَاء من المَاء رخصَة فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نهى عَن ذَلِك وَأمره بِالْغسْلِ. وَأما الَّذِي يستنبط من حَدِيث الْبَاب إِن الَّذِي يُجَامع امْرَأَته وَلم ينزل منيه لَا يجب عَلَيْهِ الْغسْل، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَن يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة وَهَذَا مَنْسُوخ لما بَيناهُ وَمذهب الْجُمْهُور هُوَ أَن إِيجَاب الْغسْل لَا يتَوَقَّف على إِنْزَال الْمَنِيّ، بل مَتى غَابَتْ الْحَشَفَة فِي الْفرج وَجب الْغسْل على الرجل وَالْمَرْأَة، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي (الصَّحِيح) وَإِن لم ينزل وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة تغييب الْحَشَفَة فِي الْفرج هُوَ الْمُوجب للْغسْل سَوَاء كَانَ الْفرج قبلا أَو دبراً من كل حَيَوَان آدَمِيّ أَو بهيم حَيا أَو مَيتا طَائِعا أَو مكْرها، نَائِما أَو مستيقظاً انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا والتقاء الختانين يُوجب الْغسْل أَي: مَعَ توازي الْحَشَفَة فَإِن نفس ملاقاة الْفرج بالفرج من غير التواري لَا يُوجب الْغسْل، وَلَكِن يُوجب الْوضُوء عِنْدهمَا، خلافًا لمُحَمد. وَفِي (الْمُحِيط) لَو أَتَى امْرَأَته وَهِي بكر فَلَا غسل مَا لم ينزل، لِأَن بِبَقَاء الْبكارَة يعلم أَنه لم يُوجد الْإِيلَاج، وَلَكِن إِذا جومعت الْبكر فِيمَا دون الْفرج فحبلت فعلَيْهِمَا الْغسْل لوُجُود الْإِنْزَال لِأَنَّهُ لَا حَبل بِدُونِ، وَقَالَ [قعأبو حنيفَة [/ قع:

стр. 879

لَا يجب الْغسْل بِوَطْء الْبَهِيمَة أَو الْميتَة إلَاّ بإنزال. ٢٩٣ - حدّثنا مُسَدَّدُ قالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بَنْ عُرْوة قالَ أخْبَرَنِي أبي قالَ أخْبَرَنِي أبُو أيُّوبَ قَالَ أخْبَرَني أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قالَ يَا رَسُول الله إذَا جَامَعَ الرَّجْلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قالَ يَغْسِلُ مَا مَسّ المَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَأُ ويُصَلِي. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. وَالثَّانِي: يحيى الْقطَّان. وَالثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. وَالرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: أَخْبرنِي أبي، وَرُبمَا يظنّ ظان أَنه أبي، بِضَم الْهمزَة، وَهُوَ أبي ابْن كَعْب لكَونه ذكر فِي الْإِسْنَاد. وَالْخَامِس: أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، واسْمه خَالِد بن زيد. وَالسَّادِس: أبي بن كَعْب. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الإفرد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَأَبُو أَيُّوب يروي عَن رَسُول الله ﷺ فِي تِلْكَ الطَّرِيق بِلَا وَاسِطَة وَفِي هَذِه الطَّرِيق بِوَاسِطَة لِأَن الطريقان مُخْتَلِفَانِ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَإِن توافقا فِي بعض الْأَحْكَام مَعَ جَوَاز سَمَاعه من رَسُول الله ﷺ ، وَمن أبي بن كَعْب وَذكر الْوَاسِطَة تكون للتقوية أَو لغَرَض آخر. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (إِذا جَامع الرجل الْمَرْأَة) ويروى: (امْرَأَته) قَوْله: (مَا مس الْمَرْأَة مِنْهُ) وَفِي: مس، ضمير وَهُوَ فَاعله يرجع إِلَى كلمة مَا، ومحلها النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: (يغسل) أَي: يغسل الرجل الْمَذْكُور الْعُضْو الَّذِي مس فرج المآأة من أَعْضَائِهِ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان مَا أَصَابَهُ من رُطُوبَة فرج الْمَرْأَة، فَكيف يدل عَلَيْهِ وَظَاهر، أَن مَا مس الْمَرْأَة مُطلقًا من يدٍ وَرجل وَنَحْوه لَا يجب غسله؟ قلت: فِيهِ إِمَّا إِضْمَار أَو كِنَايَة، لِأَن تَقْدِيره يغسل عضوا مس فرج الْمَرْأَة، وَهُوَ إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم، وَهُوَ: مس الْمَرْأَة، وَإِرَادَة اللُّزُوم، وَهُوَ إِصَابَة رُطُوبَة فرجهَا. قَوْله: (ثمَّ يتَوَضَّأ صَرِيح بِتَأْخِير الْوضُوء عَن غسل مَا يُصِيبهُ مِنْهَا، وَزَاد عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن هِشَام فِيهِ، وضوءه للصَّلَاة. قَوْله: (وَيُصلي) هُوَ صَرِيح فِي الدّلَالَة على ترك الْغسْل من الحَدِيث الَّذِي قبله. قالَ أبُو عبْدِ الْغَسْلُ أحُوَطُ وذَاكَ الآخِرُ وإنَّما بَيَّنَّا لاِخْتِلَافِهِمْ فَاعل: قَالَ، مَحْذُوف هُوَ الرَّاوِي عَن البُخَارِيّ. وَأَبُو عبد الله، هُوَ كنية البُخَارِيّ. قَوْله: (الْغسْل أحوط) مقول القَوْل، أَي: الِاغْتِسَال من الْجِمَاع بِغَيْر إِنْزَال أحوط أَي: أَكثر احْتِيَاطًا فِي أَمر الدّين، وَأَشَارَ بقوله: وَذَلِكَ الْأَخير، إِلَى أَن هَذَا الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب غير مَنْسُوخ أَي: آخر الْأَمريْنِ من الشَّارِع. قَوْله: (الْأَخير) على وزن فعيل، وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، وَذَلِكَ الآخر، بِالْمدِّ بِغَيْر يَاء، وَقَالَ ابْن الَّتِي: ضبطناه بِفَتْح الْهَاء. قَوْله: (إِنَّمَا بَينا لاختلافهم) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (إِنَّمَا بَينا اخْتلَافهمْ) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (إِنَّمَا بَيناهُ لاختلافهم) أَي: لأجل اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْوُجُوب وَعَدَمه، أَو لاخْتِلَاف الْمُحدثين فِي صِحَّته وَعدمهَا، وَقد خبط ابْن الْعَرَبِيّ على البُخَارِيّ لمُخَالفَته فِي هَذَا الْجُمْهُور، فَإِن إِيجَاب الْغسْل أطبق عَلَيْهِ الصَّحَابَة. وَمن بعدهمْ، وَمَا خَالف إلَاّ دَاوُد، وَلَا عِبْرَة بِخِلَافِهِ، وَكَيف يحكم بأستحباب الْغسْل وَهُوَ أحد أَئِمَّة الدّين، وَمن أَجله عُلَمَاء الْمُسلمين، ثمَّ قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده بقوله: الْغسْل أحوط، أَي: فِي الدّين؟ وَهُوَ بَاب مَشْهُور فِي أصُول الدّين، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَه بإمامته وَعلمه؟ قَالَ بَعضهم: قلت: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر من تصرفه، فَإِنَّهُ لم يترجم بِجَوَاز ترك الْغسْل، وَإِنَّمَا ترْجم بِبَعْض مَا يُسْتَفَاد من الحَدِيث بِغَيْر هَذِه الْمَسْأَلَة قلت: من تَرْجَمته يفهم جَوَاز ترك الْغسْل لِأَنَّهُ اقْتصر على غسل مَا يُصِيب الرجل من الْمَرْأَة وَأَنه هُوَ الْوَاجِب، وَالْغسْل غير وَاجِب، وَلكنه مُسْتَحبّ للِاحْتِيَاط وَأما قَول ابْن الْعَرَبِيّ: أطبق عَلَيْهِ الصَّحَابَة، فَفِيهِ نظر، فَإِن الْخلاف مَشْهُور فِي الصَّحَابَة ثَبت عَن جمَاعَة مِنْهُم، كَذَا قَالَ بَعضهم: قلت لقَائِل أَن يَقُول انْعَقَد الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فارتفع الْخلاف، بَيَانه مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا روح بن الْفرج، قَالَ: حَدثنِي يحيى بن عبد الله بن بكير، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي معمر بن أبي حَبِيبَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف المكررة، فَهِيَ حَبِيبَة بنت مرّة بن عَمْرو بن عبد الله بن عَمْرو بن شُعَيْب، قَالَه الزبير، وَقَالَ ابْن مَاكُولَا وَمن قَالَ فِيهِ ابْن أبي حَبِيبَة، فقد غلط وَمعمر هَذَا يروي عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار، قَالَ تَذَاكر أَصْحَاب

стр. 880

رَسُول الله ﷺ عِنْد عمر بن الْخطاب الْغسْل من الْجَنَابَة، فَقَالَ بَعضهم: إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: المَاء من المَاء. فَقَالَ عمر: قد اختلفتم وَأَنْتُم أهل بدر الأخيار، فَكيف بِالنَّاسِ بعدكم؟ فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! إِن أردْت أَن تعلم ذَلِك فارسل إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فاسألهن عَن ذَلِك: فَأرْسل إِلَى عَائِشَة فَقَالَت: إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل. فَقَالَ عمر عِنْد ذَلِك لَا أسمع أحدا يَقُول: المَاء من المَاء، إلَاّ جعلته نكالاً قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا عمر قد حمل النَّاس على هَذَا بِحَضْرَة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ مُنكر وَادّعى ابْن الْقصار أَن الْخلاف ارْتَفع بَين التَّابِعين، وَفِيه نظر، لِأَن الْخطابِيّ قَالَ: قَالَ بِهِ جمَاعَة من الصَّحَابَة، فَسمى بَعضهم: وَمن التَّابِعين الْأَعْمَش، وَتَبعهُ القَاضِي عِيَاض: وَلكنه قَالَ: لم يقل بِهِ أحد من بعد أَصْحَابه غَيره، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ قد ثَبت ذَلِك عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ فِي (سنَن أبي دَاوُد) بِإِسْنَاد صَحِيح حَدثنَا أَحْمد بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: المَاء من المَاء) وَكَانَ أَبُو سَلمَة يفعل ذَلِك، وَعند هِشَام ابْن عُرْوَة عَن عبد الرَّزَّاق وَعِنْده أَيْضا عَن أبي جريح عَن عَطاء أَنه قَالَ: لَا تطيب نَفسِي حَتَّى اغْتسل من أجل اخْتِلَاف النَّاس لآخذ بالعروة الوثقى. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم ٦ - (كتاب الحيضِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْحيض. وَلما فرغ مِمَّا ورد فِي بَيَان أَحْكَام الطَّهَارَة من الإحداث أصلا وخلفاً، شرع فِي بَيَان مَا ورد فِي بَيَان الْحيض الَّذِي هُوَ من الأنجاس، وَقدم مَا ورد فِيهِ على مَا ورد فِي النّفاس لِكَثْرَة وُقُوع الْحيض بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُقُوع النّفاس. وَالْحيض فِي اللُّغَة السيلان، يُقَال حَاضَت السمرَة، وَهِي شَجَرَة يسيل مِنْهَا شَيْء كَالدَّمِ، وَيُقَال: الْحيض لُغَة الدَّم الْخَارِج يُقَال: حَاضَت الأرانب، إِذا خرج مِنْهَا الدَّم وَفِي (الْعباب) التحييض التسييل، يُقَال حَاضَت الْمَرْأَة تحيض حيضا ومحاضاً ومحيضاً. وَعَن اللحياني: حاض وجاض وحاص، بالمهملتين، وحاد كلهَا بِمَعْنى: وَالْمَرْأَة حَائِض، وَهِي اللُّغَة الفصيحة الفاشية بِغَيْر تَاء، وَاخْتلف النُّحَاة فِي ذَلِك، فَقَالَ الْخَلِيل: لما لم يكن جَارِيا على الْفِعْل كَانَ بِمَنْزِلَة الْمَنْسُوب بِمَعْنى حائضي، أَي: ذَات حيض، كدراع ونابل وتامر وَلابْن، وَكَذَا طَالِق وطامت وقاعد للآيسة أَي: ذَات طَلَاق وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن ذَلِك صفة شَيْء مُذَكّر أَي شَيْء أَو أنسان أَو شخص حَائِض. وَمذهب الْكُوفِيّين أَنه اسْتغنى عَن عَلامَة التَّأْنِيث لِأَنَّهُ مَخْصُوص بالمؤنث، وَنقض: بجمل باذل، وناقة بازل، وضامر فيهمَا. وَإِمَّا مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع فَهُوَ: دم ينفضه رحم امْرَأَة سليمَة عَن دَاء وَصغر، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْحيض دم يرخيه رحم الْمَرْأَة بعد بُلُوغهَا فِي أَوْقَات مُعْتَادَة من قَعْر الرَّحِم وَقَالَ الْكَرْخِي: الْحيض دم تصير بِهِ الْمَرْأَة بَالِغَة بابتداء خُرُوجه، وَقيل: هُوَ دم ممتد خَارج عَن مَوضِع مَخْصُوص، وَهُوَ القيل، والاستحاضة، جَرَيَان الدَّم فِي غير أَوَانه، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الِاسْتِحَاضَة مَا ترَاهُ الْمَرْأَة فِي أقل من ثَلَاثَة أَيَّام أَو على أَكثر من عشرَة أَيَّام. وقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعَتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحِيضِ إِلَى﴾ قَوْله: ﴿وَيُحِبُ المُتَطَهِّرِينَ﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٢) قَول الله بِالْجَرِّ، عطفا على قَوْله: الْحيض الْمُضَاف إِلَيْهِ لفظ، كتاب، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن الْيَهُود كَانُوا إِذا حَاضَت الْمَرْأَة فيهم لم يؤاكلوها وَلم يجامعوها فِي الْبيُوت فَسَأَلَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٢) الْآيَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (افعلوا كل شَيْء إلَاّ النِّكَاح) وَقَالَ الواحدي: السَّائِل هُوَ أَبُو الدحداح، وَفِي مُسلم أَن أسيد بن حضير وَعباد بن بشر قَالَا بعد ذَلِك، أَفلا نجامعهن فَتغير وَجه رَسُول الله ﷺ ، الحَدِيث، وَهَذَا بَيَان للأذى الْمَذْكُور فِي الْآيَة وَقَالَ الطَّبَرِيّ: سمي الْحيض أَذَى لنتنه وقذره ونجاسته وَقَالَ الْخطابِيّ: الْأَذَى الْمَكْرُوه الَّذِي لَيْسَ بشديد كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لن يضروكم إلَاّ أذَىً﴾ (سُورَة آل عمرَان: ١١١) فَالْمَعْنى أَن الْمَحِيض أَذَى يعتزل من الْمَرْأَة بِوَضْعِهِ، وَلَكِن لَا يتَعَدَّى ذَلِك إِلَى بَقِيَّة بدنهَا. قَالُوا: وَالْمرَاد من الْمَحِيض الأول الدَّم، وَأما الثَّانِي فقد اخْتلف فِيهِ أهوَ نفس الدَّم أَو زمن الْحيض،

стр. 881

أَو الْفرج؟ وَالْأول هُوَ الْأَصَح. فَإِن قلت: أورد هَذِه الْآيَة هَاهُنَا وَلم يبين مِنْهَا شَيْئا فَمَا كَانَت فَائِدَة ذكرهَا هَاهُنَا. قلت: أقل فَائِدَة التَّنْبِيه إِلَى نَجَاسَة الْحيض، وَالْإِشَارَة أَيْضا إِلَى وجوب الاعتزال عَنْهُن فِي حَالَة الْحيض، وَغير ذَلِك. ١ - (بابُ كَيْفَ كانَ بَدْءَ الحَيْضِ) أَي: هَذَا بَاب، فارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَيجوز فِيهِ التَّنْوِين بِالْقطعِ عَمَّا بعده، وَتَركه للإضافة إِلَى مَا بعده وَالْبَاب أَصله: البوب، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَيجمع على أَبْوَاب وابوية، وَالْمرَاد من الْبَاب هُنَا النَّوْع. كَمَا فِي قَوْلهم: من فتح بَابا من الْعلم أَي: نوعا وَكلمَة، كَيفَ اسْم لدُخُول الْجَار عَلَيْهِ بِلَا تَأْوِيل فِي قَوْلهم: على كَيفَ تبيع الأحمرين؟ فَإِن قلت: مَا مَحل: كَيفَ، من الْإِعْرَاب؟ قلت: يجوز أَن تكون حَالا، كَمَا فِي قَوْلك كَيفَ جَاءَ زيد، أَي: على أَي حَالَة جَاءَ زيد؟ وَالتَّقْدِير هَاهُنَا على أَي حَالَة كَانَ ابْتِدَاء الْحيض؟ وَلَفظ كَانَ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة تدل على الزَّمَان الْمَاضِي من غير تعرض لزواله فِي الْحَال أَو لَا زَوَاله وَبِهَذَا يفْتَرق عَن: صَار، فَإِن مَعْنَاهُ الِانْتِقَال من حَال إِلَى حَال، وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال: صَار الله، وَلَا يُقَال إِلَّا كَانَ كَانَ الله. قَوْله: (بَدْء الْحيض) من بَدَأَ يبدؤ بدوأ أَي: ظهر، والبدأ بِالْهَمْزَةِ فِي آخِره على فعل، بِسُكُون الْعين من بدأت الشَّيْء بدأت: ابتدأت بِهِ. وقَوْلُ النَّبيِّ ﷺ هَذَا شَيْءٌ كتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ، والآن يذكرهُ مَوْصُولا لَا عقيب هَذَا، وسيذكره أَيْضا فِي الْبَاب السَّادِس فِي جملَة حَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَقَول النَّبِي ﷺ : هَذَا شَيْء، يُشِير إِلَى حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَقِيبه. قلت: هَذَا الْكَلَام غير صَحِيح، بل قَوْله ﷺ : هَذَا شَيْء، يُشِير بِهِ إِلَى الْحيض فَكَذَلِك لفظ: شَيْء فِي الحَدِيث الَّذِي سَيَأْتِي فِي الْبَاب السَّادِس، وَلكنه بِلَفْظ: (فَإِن ذَلِك شَيْء كتبه الله على بَنَات آدم) وَفِي الحَدِيث الَّذِي عَقِيبه: (إِن هَذَا أَمر كتبه الله على بَنَات آدم) وعَلى كل تَقْدِير الْإِشَارَة إِلَى الْحيض، وَقد استدركه هَذَا الْقَائِل فِي آخر كَلَامه بقوله: وَالْإِشَارَة بقوله هَذَا إِلَى الْحيض. وَقَالَ بَعْضُهُمْ كانِ أَوَّلُ مَا أُرْسلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ هَذَا قَول عبد الله بن معسود وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أخرجه عبد الرَّزَّاق عَنْهُمَا وَلَفظه (كَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي بني إِسْرَائِيل يصلونَ جَمِيعًا، وَكَانَت الْمَرْأَة تتشرف للرجل فَألْقى الله عَلَيْهِنَّ الْحيض ومنعهن الْمَسَاجِد) فَإِن قلت: الْحيض أرسل على بَنَات بني إِسْرَائِيل على هَذَا القَوْل: وَلم يُرْسل على بنيه، فَكيف قَالَ: على بني إِسْرَائِيل؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: يسْتَعْمل بَنو إِسْرَائِيل، وَيُرَاد بِهِ أَوْلَاده، كَمَا يُرَاد من بني آدم أَوْلَاده. أَو المُرَاد بِهِ الْقَبِيلَة. قلت: هَذَا من حَيْثُ اللُّغَة يمشي، وَمن حَيْثُ الْعرف لَا يذكر الإبن وَيُرَاد بِهِ الْوَلَد، حَتَّى لَو أوصى بِثلث مَاله لِابْنِ زيد، وَله ابْن وَبنت لَا تدخل الْبِنْت فِيهِ، وَدخُول الْبَنَات فِي بني آدم بطرِيق التّبعِيَّة. وَقَوله: أَو المُرَاد بِهِ الْقَبِيلَة، لَيْسَ لَهُ وَجه أصلا لِأَن الْقَبِيلَة تجمع الْكل فَيدْخل فِيهِ الرِّجَال أَيْضا. وَقد علم أَن طَبَقَات الْعَرَب سِتّ، فالقبائل تجمع الْكل وَيُمكن أَن يُقَال إِن الْمُضَاف فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره، على بَنَات بني إِسْرَائِيل، يشْهد بذلك قَوْله: ﵊: (كتبه الله على بَنَات بني آدم) وَقد ذكر التَّوْفِيق بَينهمَا عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: مَا مَحل قَوْله: على بني إِسْرَائِيل من الْإِعْرَاب؟ قلت: النصب لِأَنَّهَا جملَة وَقعت خَبرا لَكَانَ قَوْله أَو ل مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْمه، وَكلمَة مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره، كَانَ أول إرْسَال الْحيض على بني إِسْرَائِيل. قالَ أبُو عبْدِ اللَّهِ وَحَدِيثُ النَّبيِّ ﷺ أكْثَرُ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا الْكَلَام إِلَى دَرَجَة التَّوْفِيق بَين الْخَبَرَيْنِ، وَهُوَ أَن كَلَام الرَّسُول، ﷺ أَكثر قُوَّة وقبولاً من كَلَام غَيره من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ الْكرْمَانِي:، ويروي: (أكبر) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَمَعْنَاهُ: على هَذَا، وَحَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلمأعظم وَأجل وآكد ثبوتاً وَفسّر الْكرْمَانِي الْأَكْثَر، بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَأي: أشمل، لِأَنَّهُ يتَنَاوَل بَنَات إِسْرَائِيل وغيرهن، وَقَالَ بَعضهم: أَكثر أَي: أشمل لِأَنَّهُ عَام فِي جَمِيع بَنَات بني آدم، فَيتَنَاوَل الْإسْرَائِيلِيات وَمن قبلهن. قلت: لم لَا يجوز أَن يكون الشُّمُول فِي بَنَات إِسْرَائِيل وَمن بعدهن؟ وَقَالَ الدَّاودِيّ لَيْسَ بَينهمَا مُخَالفَة، فَإِن نسَاء

стр. 882

بني إِسْرَائِيل من بَنَات آدم، وَقَالَ بَعضهم: فعلى هَذَا فَقَوله: بَنَات آدم أُرِيد بِهِ الْخُصُوص. قلت: مَا أبعد كَلَام الدَّاودِيّ فِي التَّوْفِيق بَينهمَا. نعم، نَحن مَا ننكر أَن نسَاء من بني إِسْرَائِيل من بَنَات آدم، وَلَكِن الْكَلَام فِي لفظ الأولية فيهمَا وَلَا تَنْتفِي الْمُخَالفَة إِلَّا بالتوفيق بَين لَفْظِي الأولية، وَأبْعد من هَذَا قَول هَذَا الْقَائِل: عَام أُرِيد بِهِ الْخُصُوص فَكيف يجوز تَخْصِيص عُمُوم كَلَام النَّبِي ﷺ بِكَلَام غَيره؟ ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُمكن أَن يجمع بَينهمَا بِأَن الَّذِي أرسل على نسَاء بني إِسْرَائِيل طول مكثه بِهن عُقُوبَة لَهُنَّ لَا ابْتِدَاء وجوده. قلت: هَذَا كَلَام من لَا يَذُوق الْمَعْنى، وَكَيف يَقُول: لَا ابْتِدَاء وجوده؟ وَالْخَبَر فِيهِ أول مَا أرسل، وَبَينه وَبَين كَلَامه مُنَافَاة، وَأَيْضًا من أَيْن ورد أَن الْحيض طَال مكثه فِي نسَاء بني إِسْرَائِيل؟ وَمن نقل هَذَا؟ وَقد روى الْحَاكِم بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس: رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أَن ابْتِدَاء الْحيض كَانَ على حَوَّاء، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، بعد أَن أهبطت من الْجنَّة وَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر. وَقد روى الطَّبَرِيّ وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره أَن قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﷺ : ﴿وَامْرَأَته قَائِمَة فَضَحكت﴾ (سُورَة هود: ٧١) أَي: حَاضَت، والقصة مُتَقَدّمَة على بني إِسْرَائِيل بِلَا ريب، لِأَن إِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: وَلَقَد حضر لي جَوَاب فِي التَّوْفِيق من الْأَنْوَار الإلهية بعونه ولطفه، وَهُوَ أَنه، يُمكن أنالله تَعَالَى قطع نِسَائِهِم، لِأَن من حكم الله تَعَالَى أَنه جعل الْحيض مسبباً لوجو، النَّسْل، أَلا ترى أَن الْمَرْأَة إِذا ارْتَفع حَيْضهَا لَا تحمل عَادَة؟ أَعَادَهُ عَلَيْهِنَّ كَانَ ذَلِك أول الْحيض بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُدَّة الِانْقِطَاع، فَأطلق الأولية عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَار، لِأَنَّهَا من الْأُمُور النسبية فَافْهَم. ٢٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ المَدِينِي حدّثنا سُفْيَانُ قالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنْنَ القَاسِمِ قالَ سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ خَرَجْنَا لَا نَرَى إلَاّ الحَجْ فَلَمَّا كُنَّا بِسِرِفَ حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنَا أَبْكِي فَقَالَ مالَكَ أنُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إنَّ هَذَا إِمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتَ آدَمَ فَافْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ قَالَتْ وضَحَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بالْبَقَر. . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن هَذَا أَمر كتبه الله على بَنَات آدم) . وعَلى رَأس هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت بَاب الْأَمر بالنفساء إِذا نفس، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات هَذِه التَّرْجَمَة سَاقِطَة، أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْأَمر الْمُتَعَلّق بالنفساء قَالَ الْكرْمَانِي: الْبَحْث فِي الْحيض، فَمَا وَجه تعلقه بِهِ. قلت: المُرَاد بالنفساء الْحَائِض. قلت: النُّفَسَاء مُفْرد، وَجمعه نِفَاس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي لَيْسَ فِي الْكَلَام من فعلاء يجمع على فعال غير نفسَاء وعشراء، وَهِي الْحَامِل من الْبَهَائِم، ثمَّ قلت: وَيجمع أَيْضا على نفساوات بِضَم النُّون، وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) بِالْفَتْح أَيْضا، وَيجمع أَيْضا على نفس، بِضَم النُّون وَالْفَاء، قَالَ: وَيُقَال فِي الْوَاحِد نَفسِي مثل كبرى، وبفتح النُّون أَيْضا، وَامْرَأَتَانِ نفساوان، وَنسَاء نِفَاس، وَالنّفاس أَيْضا مصدر سمي بِهِ الدَّم كَمَا يُسمى بِالْحيضِ مَأْخُوذ من تنفس الرَّحِم بِخُرُوج النَّفس الَّذِي الدَّم وَفِي المعزب النفا مصدر نفست الْمَرْأَة بِضَم النُّون وَفتحهَا إِذا ولدت فَهِيَ نفسَاء قَوْله: إِذا نفس، بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى النُّفَسَاء، وتذكيره بِاعْتِبَار الشَّخْص أَو لعدم الإلتباس كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب فَإِن قلت: الْبَاء فِي النُّفَسَاء مَا هِيَ؟ قلت: زَائِدَة لِأَن النُّفَسَاء مأمورة لَا مَأْمُور بهَا، أويكون التَّقْدِير الْأَمر الملتبس بالنفساء. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ، بِفَتْح الْمِيم وَكسر الدَّال قَالَ ابْن الْأَثِير: مَنْسُوب إِلَى مَدِينَة رَسُول الله ﷺ وَهَذَا أحد مَا اسْتعْمل بِالنّسَبِ فِيهِ خَارِجا عَن الْقيَاس، فَإِن قِيَاسه الْمدنِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول فِي النِّسْبَة إِلَى مَدِينَة رَسُول الله ﷺ . مدنِي وَإِلَى مَدِينَة الْمَنْصُور: مديني، للْفرق. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة، رَضِي

стр. 883

الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: السماع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني. ذكر تعدده وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب عَن سُفْيَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الله والْحَارث بن مِسْكين، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن يحيى بن آدم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (لَا نرى إلَاّ الْحَج) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال، وَلَا نرى، بِضَم النُّون، بِمَعْنى: لَا نظن وَقَوله: إلَاّ الْحَج، يَعْنِي: إلَاّ قصد الْحَج، لأَنهم كَانُوا يظنون امْتنَاع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، فَأخْبرت عَن اعتقادها، أَو عَن الْغَالِب عَن حَال النَّاس، أَو عَن حَال الشَّارِع أما هِيَ فقد قَالَت: إِنَّهَا لم تحرم إلَاّ بِالْعُمْرَةِ. قَوْله: (فَلَمَّا كنت) وَفِي بعض النّسخ: (فَلَمَّا كُنَّا) قَوْله: (بسرف) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء فِي آخِره فَاء وَهُوَ اسْم مَوضِع قريب من مَكَّة بَينهمَا نَحْو من عشرَة أَمْيَال، وَقيل: عشرَة، وَقيل: تِسْعَة، وَقيل: سَبْعَة، وَقيل: سِتَّة، وَهُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (حِضْت) بِكَسْر الْحَاء، لِأَنَّهُ من حاض يحيض، كبعت من بَاعَ يَبِيع، بِأَصْلِهِ حيضت، قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ، حِضْت، بِالْفَتْح ثمَّ أبدلت الفتحة كسرة لتدل على الْيَاء المحذوفة. قَوْله: (وَأَنا أبْكِي) جملَة إسمية وَقعت حَالا بِالْوَاو. قَوْله: (أنفست؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، ونفست، قَالَ النَّوَوِيّ: بِضَم الْفَاء وَفتحهَا فِي الْحيض وَالنّفاس، لَكِن الضَّم فِي الْولادَة وَالْفَتْح فِي الْحيض أَكثر. وَحكى صَاحب (الْأَفْعَال) الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَفِي (شرح مُسلم) الْمَشْهُور فِي اللُّغَة أَن نفست، بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء مَعْنَاهُ: حِضْت، وَأما فِي الْولادَة فَيُقَال: نفست، بِضَم النُّون، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: نفست، بِضَم النُّون وَفتحهَا فِي الْولادَة وَفِي الْحيض بِالْفَتْح لَا غير. قَوْله: (إِن هَذَا أَمر) إِشَارَة إِلَى الْحيض، فَالْأَمْر بِمَعْنى الشَّأْن. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: أَمر، وَفِي التَّرْجَمَة، شَيْء، فَهُوَ إِمَّا من بَاب نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَإِمَّا أَن اللَّفْظَيْنِ ثابتان. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى الترديد، إِذْ اللفظان ثابتان. قَوْله: (فاقضى) خطاب لعَائِشَة، فَلذَلِك لم تسْقط الْيَاء، وَمَعْنَاهُ، فأدي لِأَن الْقَضَاء يَأْتِي بِمَعْنى الْأَدَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا﴾ (سُورَة الْجُمُعَة: ١٠) أَي: إِذا أدّيت صَلَاة الْجُمُعَة. قَوْله: (مَا يقْضِي الْحَاج) قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد من الْحَاج الْحسن، فَيشْمَل الْجمع، هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿سامر اتهجرون﴾ (سُورَة الْمُؤْمِنُونَ: ٦٧) قلت: لَا ضَرُورَة إِلَى هَذَا الْكَلَام، بل هُوَ اسْم فَاعل، وَأَصله، حاجج، وَرُبمَا يَأْتِي فِي ضَرُورَة الشّعْر هَكَذَا قَالَ الراجز: بِكُل شيخ عَامر أَو حاجج وَفِي (الصِّحَاح) تَقول: حججْت الْبَيْت أحجه حجا فَأَنا حَاج، وَيجمع على: حجج مثل: بازل وبزل. قَوْله: (غير ألَاّ تطوفي) بِنصب غير، وإلَاّ بِالتَّشْدِيدِ أَصله أَن لَا يجوز، أَن تكون: أَن مُخَفّفَة، من المثقلة، وَفِيه ضمير الشَّأْن، وَلَا تطوفي، مجزوم وَالْمعْنَى لَا تطوفي مَا دمت حَائِضًا لفقدان شَرط صِحَة الطّواف، وَهُوَ الطَّهَارَة. قَوْله: (بالبقر) ويروي: (بالبقر) وَالْفرق بَينهمَا: كتمرة وتمر، وعَلى تَقْدِير عدم التَّاء يحْتَمل التَّضْحِيَة بِأَكْثَرَ من بقرة وَاحِدَة. ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن الْمَرْأَة إِذا حَاضَت بعد الْإِحْرَام يَنْبَغِي لَهَا أَن تَأتي بِأَفْعَال الْحَج كلهَا غير أَنَّهَا لَا تَطوف بِالْبَيْتِ، فَإِذا طافت قبل أَن تتطهر فعلَيْهَا بدلة، وَكَذَلِكَ النُّفَسَاء وَالْجنب عَلَيْهِمَا بَدَنَة بِالطّوافِ قبل التطهر عَن النّفاس والجنابة، وَأما الْمُحدث فَإِن طَاف طواف الْقدوم فَعَلَيهِ صَدَقَة، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يعْتد بِهِ، وَالطَّهَارَة من شَرطه عِنْده، وَكَذَا الحكم فِي كل طواف هُوَ تطوع، وَلَو طَاف طواف الزِّيَارَة مُحدثا فَعَلَيهِ شَاة، وَإِن كَانَ جنبا فَعَلَيهِ بَدَنَة، وَكَذَا الْحَائِض وَالنُّفَسَاء. وَمِنْهَا: جَوَاز الْبكاء والحزن لأجل حُصُول مَانع لِلْعِبَادَةِ وَمِنْهَا جَوَاز التَّضْحِيَة ببقرة وَاحِدَة لجَمِيع نِسَائِهِ وَمِنْهَا جَوَاز تضحية الرجل لامْرَأَته. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا مَحْمُول على أَنه، ﷺ ، استأذنهن فِي ذَلِك، فَإِن تضحية الْإِنْسَان عَن غَيره لَا يجوز إلَاّ بِإِذْنِهِ قلت: هَذَا فِي الْوَاجِب، وَأما فِي التَّطَوُّع فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِذْن، فاستدل مَالك بِهِ على أَن التَّضْحِيَة بالبقر أفضل من الْبَدنَة، وَلَا دلَالَة فِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ، مِنْهُم الشَّافِعِي ذَهَبُوا إِلَى أَن التَّضْحِيَة بالبدنة أفضل من الْبَقَرَة لتقديم الْبَدنَة على الْبَقَرَة فِي حَدِيث سَاعَة الْجُمُعَة. وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ هَاهُنَا حَدِيث طَوِيل فِيهِ أَحْكَام كَثِيرَة وخلافات بَين الْعلمَاء، وموضعها كتاب الْحَج.

стр. 884

٢ - (بابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِها وَتَرْجِيلِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا، وَحكم ترجيل رَأسه، والترجيل مجرور عطف على غسل، وَهُوَ بِالْجِيم: تَسْرِيح شعر الرَّأْس. وَقَالَ ابْن السّكيت، شعر رجل، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا، إِذا لم يكن شَدِيد الجعودة وَلَا سبطاً، تَقول مِنْهُ: رجل شعره ترجيلاً. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم مُتَعَلق بالحائض. ٢٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنا حائِضٌ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي ترجيل رَأس رَسُول الله ﷺ ، وَأما أَمر الْغسْل فَلَا مُطَابقَة لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: الْحق بِهِ الْغسْل قِيَاسا أَو إِشَارَة إِلَى الطَّرِيق الْآتِيَة فِي بَاب مُبَاشرَة الْحَائِض، فَإِنَّهُ صَرِيح فِي ذَلِك، والوجهان اللَّذَان ذكرهمَا هَذَا الْقَائِل لَا وَجه لَهما أصلا. أما الأول: فَلِأَن وضع التراجم من الْأَبْوَاب هَل هُوَ حكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة حَتَّى يُقَاس حكم مِنْهَا على حكم آخر. وَأما الثَّانِي: فَهَل وَجه الْوَضع تَرْجَمَة فِي بَاب، وَالْإِشَارَة إِلَى المترجم الَّذِي وضع لَهَا فِي الْبَاب الثَّالِث. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة ذكرُوا فِي بَاب الْوَحْي على هَذَا التَّرْتِيب. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا عبد الله فَإِنَّهُ تنيسي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن عبد الله بن يُوسُف، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة، وَفِي الِاعْتِكَاف عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك. قَوْله: (كنت أرجل رَأس رَسُول الله ﷺ فِيهِ الْإِضْمَار تَقْدِيره: كنت أرجل شعر رَسُول الله ﷺ ، لِأَن الترجيل للشعر لَا للرأس، وَيجوز أَن يكون من بَاب إِطْلَاق الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) جملَة أسمية وَقعت حَالا. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز ترجيل الْحَائِض شعر رَأس زَوجهَا، وَاعْلَم أَنه لم يخْتَلف أحد فِي غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا وترجيله إلَاّ مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس أَنه دخل على مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. فَقَالَت: (أَي بني مَالِي أَرَاك شعث الرَّأْس، فَقَالَ: إِن أم عمار ترجلني وَهِي الْآن حَائِض. فَقَالَت: أَي بني لَيست الْحَيْضَة بِالْيَدِ، كَانَ رَسُول الله ﷺ يضع رَأسه فِي حجر إحدانا وَهِي حَائِض) ذكره ابْن أبي شيبَة. فَقَالَ: حدّثنا ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا منبوذ عَن أَبِيه بِهِ. وَمِمَّا يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز اسْتِخْدَام الزَّوْجَة بِرِضَاهَا وَهُوَ إِجْمَاع. ٢٩٦ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قالَ أخْبَرَنَا هِشَامُ بنُ يُوسِفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قالَ أخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ فَقالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذِلِكَ عَلَى هَيْنٌ وكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذِلِكَ بَأْسٌ أَخْبَرْتَنِي عائِشَةُ أنَّهَا كانَتْ ترَجِّلُ تَعْني رَأَسَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حائِضٌ ورسولُ اللَّهِ ﷺ حينَئِذٍ مُجَاوِرُ فِي المَسْجِدِ يُدْنَى لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حائِضٌ. . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة كمطابقة الحَدِيث السَّابِق. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الرَّازِيّ أَبُو إِسْحَاق الْفراء، يعرف بالصغير، وَكَانَ أَحْمد يُنكر على من يَقُول لَهُ الصَّغِير، وَقَالَ: هُوَ كَبِير فِي الْعلم وَالْجَلالَة. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي صنعاء من أَبنَاء الْفرس، وَهُوَ أكبر اليمانيين وأحفظهم وأتقنهم، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: ابْن جريح، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء واسْمه عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريح الْمَكِّيّ القريشي الْمدنِي، أَصله رومي، وَهُوَ أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين، وَهُوَ أول من صنف فِي الْإِسْلَام فِي قَول: وَكَانَت لَهُ كنيتان أَبُو الْوَلِيد وَأَبُو خَالِد، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَة، وَهُوَ جَاوز السّبْعين. الرَّابِع: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة الصديقة بنت الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

стр. 885

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع غير أَن فِي قَوْله: قَالَ أَخْبرنِي، رُوِيَ: الثَّالِث: أخبرنَا الأول أَكثر. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: لَطِيفَة حَسَنَة وَهِي أَن ابْن جريح يروي عَن هِشَام، وَهِشَام يروي عَن ابْن جريج فالأعلى ابْن عُرْوَة، والأدنى ابْن يُوسُف. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين رازي وصنعاني ومكي ومدني. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (أَنه سُئِلَ) أَي: عُرْوَة سُئِلَ، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أتخدمني الْحَائِض؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (أَو تَدْنُو؟) أَي: أَو تقرب؟ قَوْله: (وَهِي جنب) جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَلَفظ جنب، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْوَاحد وَالْجمع، وَهِي اللُّغَة الفصيحة قَوْله: (كل ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الْخدمَة، والدنو اللَّذَان يدلان عَلَيْهِمَا لفظ أتخدمني وتدنو؟ وَجَاءَت الْإِشَارَة بِلَفْظ ذَلِك للمثنى قَالَ الله تَعَالَى: ﴿عوان بَين ذَلِك﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٦٨) قَوْله: (هَين) أَي: سهل، وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف: كميت وميت، وَأَصله: هيون إجتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ، فقلبت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: (وكل ذَلِك) أَي: الْحَائِض وَالْجنب، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور لفظا، وَوجه التَّثْنِيَة قد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَلَيْسَ على أحد فِي ذَلِك بَأْس) أَي: حرج، وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول: وَلَيْسَ عَليّ فِي ذَلِك بَأْس، لكنه قصد بذلك التَّعْمِيم مُبَالغَة فِيهِ، وَدخل هُوَ فِيهِ بِالْقَصْدِ الأول. قَوْله: (ترجل رَسُول الله ﷺ أَي: شعر رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَهِي حَائِض) جملَة حَالية، وَإِنَّمَا لم يقل: حائضة، لعدم الالتباس، وَأما قَوْلهم: جَاءَ الحاملة والمرضعة، فِي الِاسْتِعْمَال، فلإرادة التباسهما بِتِلْكَ الصّفة بِالْفِعْلِ، فَإِذا أُرِيد التباسهما بِالْقُوَّةِ. يكون بِلَا تَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت﴾ (سُورَة الْحَج: ٢) فَإِن قلت: لم قيل مُرْضِعَة دون مرضع؟ قلت: الْمُرضعَة الَّتِي هِيَ فِي حَال الْإِرْضَاع تلقم ثديها الصَّبِي، والمرضع الَّتِي من شَأْنهَا أَن ترْضع وَإِن لم تباشر الْإِرْضَاع فِي حَال وصفهَا بِهِ. قَوْله: (حِينَئِذٍ) أَي: حِين الترجيل. قَوْله: (مجاور) أَي: معتكف. قَوْله: (بدني) بِضَم الْيَاء أَي: يقرب لَهَا، أَي: لعَائِشَة رَأسه، وَالْحَال أَنَّهَا فِي حُجْرَتهَا، وَكَانَت حُجْرَتهَا ملاصقة لِلْمَسْجِدِ، والحجرة، بِضَم الْحَاء الْبَيْت. قَوْله: (فترجله) أَي: ترجل عَائِشَة رَسُول الله ﷺ ، أَي: ترجل شعر رَأسه، وَالْحَال أَنَّهَا حَائِض. والْحَدِيث دلّ على جَوَاز خدمَة الْحَائِض فَقَط، وَأما دلَالَته على دنو الْجنب فبالقياس عَلَيْهَا، وَالْجَامِع إشتراكهما فِي الْحَدث الْأَكْبَر، وَهُوَ من بَاب الْقيَاس الْجَلِيّ، لِأَن الحكم بالفرع أولى، لِأَن الاستقذار من الْحَائِض أَكثر. وَمِمَّا يستنبط من الحَدِيث أَن الْمُعْتَكف إِذا خرج رَأسه أَو يَده أَو رِجَاله من الْمَسْجِد لم يبطل اعْتِكَافه، وَأَن من حلف لَا يدْخل دالااً أَو لَا يخرج مِنْهَا فَأدْخل بعضه أَو أخرج بعضه لَا يخنث. وَفِيه: جَوَاز اسْتِخْدَام الزَّوْجَة فِي الْغسْل وَنَحْوه بِرِضَاهَا، وَأما بِغَيْر رِضَاهَا فَلَا يجوز، لِأَن عَلَيْهَا تَمْكِين الزَّوْج من نَفسهَا وملازمة بَيته فَقَط، وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ حجَّة على طَهَارَة الْحَائِض وَجَوَاز مباشرتها. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمُبَاشرَة الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ١٨٧) لم يرد بهَا كل مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم الْمس، وَإِنَّمَا أَرَادَ بهَا الْجِمَاع أَو مَا دونه من الدَّوَاعِي للذة. وَفِيه: ترجيل الشّعْر للرِّجَال وَمَا فِي مَعْنَاهُ من الزِّينَة. وَفِيه: أَن الْحَائِض لَا تدخل الْمَسْجِد تَنْزِيها لَهُ وتعظيماً، وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك، وَحكى ابْن سَلمَة أَنَّهَا تدخل هِيَ وَالْجنب، وَفِي رِوَايَة: يدْخل الْجنب وَلَا تدخل الْحَائِض. وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه: حجَّة على الشَّافِعِي فِي أَن الْمُبَاشرَة الْخَفِيفَة مثل مَا فِي هَذَا الحَدِيث لَا تنقض الْوضُوء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِيهِ حجَّة على الشَّافِعِي، إِذْ هُوَ لَا يَقُول بِأَن مس الشّعْر نَاقض للْوُضُوء، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَن الِاعْتِكَاف لَا يشْتَرط فِيهِ الْوضُوء، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه عقب ذَلِك الْفِعْل بِالصَّلَاةِ، وعَلى تَقْدِير ذَاك فمس الشّعْر لَا ينْقض الْوضُوء. قلت: وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَيْضا أَنه تَوَضَّأ عقيب ذَلِك، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٣ - (بابُ قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حائِضٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قِرَاءَة الرجل فِي حجر امْرَأَته، وَالْحَال أَنَّهَا حَائِض، وَالْحجر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا، وَسُكُون الْجِيم وَالْجمع حجور، وَمحل: فِي حجر امْرَأَته، نصب على الْحَال تَقْدِيره قِرَاءَة الرجل حَال كَونه مُتكئا على حجر امْرَأَته،

стр. 886

وَكلمَة: فِي، تَأتي بِمَعْنى على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأصلبنكم فِي جزوع النّخل﴾ (سُورَة طه: ٧١) أَي: عَلَيْهَا وَيجوز أَن يقدر، وَاضِعا رَأسه على حجر امْرَأَته ومستنداً إِلَيْهِ. ثمَّ وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهَا على حكم مُتَعَلق بالحائض، وَهُوَ ظَاهر. وكانَ أَبُو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وهَيَ حائضٌ إلَى أبي رَزِينٍ فَتَأْتِيهِ بالمُصْحَفٍ فَتُمُسِكُهُ بَعِلَاقَتِهِ الْكَلَام فِي هَذَا على أَنْوَاع. الأول: فِي وَجه مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة فَقَالَ: صَاحب (التَّلْوِيح) وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) لما ذكر البُخَارِيّ حمل الْحَائِض العلاقة الَّتِي فِيهَا الْمُصحف، نطرها بِمن يحفظ الْقُرْآن فَهُوَ حامله، لِأَنَّهُ فِي جَوْفه، كَمَا رُوِيَ عَن سعيد ابْن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير، هُوَ فِي جَوْفه ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ورقة وَهُوَ جنب قَالَ: فِي جوفي أَكثر من هَذَا وَنزل ثِيَاب الْحَائِض بِمَنْزِلَة العلاقة، وَقِرَاءَة الرجل بِمَنْزِلَة الْمُصحف، لكَونه فِي جَوْفه. قلت: هَذَا فِي غَايَة الْبعد، لِأَن بَين قِرَاءَة الرجل فِي حجر امْرَأَته، وَبَين حمل الْحَائِض الْمُصحف بعلاقته بون عَظِيم من الْجِهَة الَّتِي ذكرت، لِأَن قَوْله: نظرها، إِمَّا تَشْبِيه وَإِمَّا قِيَاس، فَإِن أَرَادَ بِهِ التَّشْبِيه، وَهُوَ تَشْبِيه محسوس بمعقول، فَلَا وَجه للتشبيه، وَإِن أَرَادَ بِهِ الْقيَاس فشروطه غير مَوْجُودَة فِيهِ، وَيُمكن أَن يُقَال: وَجه التطابق بَينهمَا هُوَ جَوَاز الحكم فِي كل مِنْهُمَا، فَكَمَا تجوز قِرَاءَة الرجل فِي حجر الْحَائِض. فَكَذَلِك يجوز حمل الْحَائِض الْمُصحف بعلاقته، وَفِي كل مِنْهُمَا دخل للحائض، وَفِيه وَجه التطابق. ثمَّ لَو قيل: مَا قيل فِي ذَلِك فَلَا يَخْلُو عَن تعسف. النَّوْع الثَّانِي: أَن هَذَا الْأَثر أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِسَنَد صَحِيح، فَقَالَ: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة، كَانَ أَبُو وَائِل. فَذكره. النَّوْع الثَّالِث: فِي مَعْنَاهُ: فَقَوله: (يُرْسل خادمه) الْخَادِم اسْم لمن يخْدم غَيره، وَيُطلق على الْغُلَام وَالْجَارِيَة، فَلذَلِك قَالَ: وَهِي حَائِض، فأنث الضَّمِير. قَوْله: (بعلاقته) بِكَسْر الْعين: مَا يتَعَلَّق بِهِ الْمُصحف، وَكَذَلِكَ علاقَة السَّيْف وَنَحْو ذَلِك. وَأَبُو وَائِل: اسْمه شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي أدْرك النَّبِي ﷺ وَلم يره، روى عَن كثيرين من الصَّحَابَة، وَقَالَ يحيى بن معِين ثِقَة لَا يسْأَل عَن مثله، قَالَ الْوَاقِدِيّ مَاتَ فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، ﵁، وَأَبُو رزين، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الزَّاي الْمُعْجَمَة اسْمه مَسْعُود بن مَالك الْأَسدي مولى أبي وَائِل وَأَبُو الْكُوفِي التَّابِعِيّ، روى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. النَّوْع الرَّابِع فِي استنباط الحكم مِنْهُ. وَهُوَ جَوَاز حمل الْحَائِض الْمُصحف بعلاقته، وَكَذَلِكَ الْجنب، وَمِمَّنْ أجَاز ذَلِك عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَعَطَاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَمُجاهد وَطَاوُس وَأَبُو وَائِل رزين وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَالشعْبِيّ وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَقَالَ ابْن بطال: رخص فِي حمله الحكم وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأهل الظَّاهِر، وَمنع الحكم مَسّه بباطن الْكَفّ خَاصَّة، وَقَالَ ابْن حزم، وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالسُّجُود فِيهِ وَمَسّ الْمُصحف وَذكر الله تَعَالَى جَائِز، كل ذَلِك وضوء وَبلا وضوء وللجنب وَالْحَائِض، وَهُوَ قَول ربيعَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَابْن جُبَير وَابْن عَبَّاس وَدَاوُد وَجَمِيع أَصْحَابنَا، وَأما مس الْمُصحف فَإِن الْآثَار الَّتِي احْتج بهَا من لم يجز للْجنب مَسّه، فآنه لَا يَصح مِنْهَا شَيْء لِأَنَّهَا إِمَّا مُرْسلَة وَإِمَّا صحيفَة لَا يسْتَند بِهِ، وَأما عَن ضَعِيف، وَالصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي سُفْيَان حَدِيث هِرقل الَّذِي فِيهِ و ﴿يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا: ﴿أشهدوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ (سُورَة آل عمرَان: ٦٤) فَهَذَا النَّبِي ﷺ قد بعث كتابا فِيهِ قُرْآن للنصاري، وَقد أَيقَن أَنهم يمسونه، فَإِن ذكرُوا حَدِيث ابْن عمر، (نهى أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو) قُلْنَا: هَذَا حق يلْزم اتِّبَاعه وَلَيْسَ فِيهِ لَا يمس الْمُصحف جنب وَلَا كَافِر، وَإِنَّمَا فِيهِ أَن لَا ينَال أهل الْحَرْب الْقُرْآن فَقَط، فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا بعث إِلَى هِرقل بِآيَة وَاحِدَة، قيل: لَهُم: وَلم يمْنَع من غَيرهَا وَأَنْتُم أهل قِيَاس، فَإِن لم تقيسوا على الْآيَة مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا فَلَا تقيسوا على هَذِه الْآيَة غَيرهَا فَإِن ذكرُوا قَوْله جلّ وَعلا: ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ (سُورَة الْوَاقِعَة: ٧٩) قُلْنَا: لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أمرا وَإِنَّمَا هُوَ خير، والرب تَعَالَى لَا يَقُول إلَاّ حَقًا وَلَا يجوز أَن يصرف لفظ الْخَبَر إِلَى معنى الْأَمر إلَاّ بِنَصّ جلي أَو إِجْمَاع مُتَيَقن، فَلَمَّا رَأينَا الْمُصحف يمسهُ الطَّاهِر وَغير الطَّاهِر علمنَا أَنه لم يعن الْمُصحف، وَإِنَّمَا عَنى كتابا آخر عِنْده كَمَا جَاءَ عَن سعيد بن جُبَير فِي هَذِه الْآيَة هم الْمَلَائِكَة الَّذين فِي السَّمَاء، وَكَانَ عَلْقَمَة إِذا أَرَادَ أَن يتَّخذ مُصحفا أَمر نَصْرَانِيّا فينسخه لَهُ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا بَأْس أَن يحمل الْجنب الْمُصحف بعلاقته، وَغير المتوضىء عِنْده كَذَلِك، وأبى ذَلِك مَالك إلَاّ إِن كَانَ فِي خرج أَو تَابُوت فَلَا بَأْس أَن يحملهُ

стр. 887

الْجنب واليهودي وَالنَّصْرَانِيّ، قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَهَذِه تفاريق لَا دَلِيل على صِحَّتهَا. انْتهى كَلَامه. وَالْجَوَاب عَمَّا قَالَه. فَقَوله بِأَن الْآثَار الَّتِي احْتج بهَا من لم يجز للْجنب مَسّه إِلَخ، لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَكثر الْآثَار فِي ذَلِك صِحَاح. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) بِسَنَد صَحِيح مُتَّصِل عَن أنس: (خرج عمر بن الْخطاب مُتَقَلِّدًا السَّيْف، فَدخل على أُخْته وَزوجهَا خباب وهم يقرؤون سُورَة طه، فَقَالَ: أعطوني الْكتاب الَّذِي عنْدكُمْ فاقرؤوه، فَقَالَت لَهُ أُخْته: إِنَّك رِجْس ﴿وَلَا يمسهُ إلَاّ الْمُطهرُونَ﴾ (سُورَة الْوَاقِعَة: ٧٩) فَقُمْ فاغتسل أَو تَوَضَّأ، فَقَامَ وَتَوَضَّأ ثمَّ أَخذ الْكتاب بِيَدِهِ) وَالْعجب من أبي عمر بن عبد الْبر إِذْ ذكره فِي سيرا ابْن إِسْحَاق وَقَالَ: هُوَ معضل، وَتَبعهُ على ذَلِك أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي: وَهَذَا أعجب مِنْهُ، وَقَالَ السُّهيْلي: هُوَ من أَحَادِيث السّير. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث سَالم يحدث عَن أَبِيه قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يمس الْقُرْآن إلَاّ طَاهِر) وَلما ذكره الجوزقاني فِي كِتَابه، قَالَ: هَذَا حَدِيث مَشْهُور حسن. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده: (أَن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَى أهل الْيمن كتابا فِيهِ، لَا يمس الْقُرْآن إلَاّ طَاهِر) وَرَوَاهُ فِي (الغرائب) من حَدِيث إِسْحَاق إلطباع عَن مَالك مُسْندًا وَمن الطَّرِيق الأولى خرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَابْن عبد الْبر وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الشّعب) . وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة بِمَنْع قِرَاءَة الْقُرْآن للْجنب وَالْحَائِض. مِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن رَوَاحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. [حم (نهى رَسُول الله ﷺ أَن يقْرَأ أَحَدنَا الْقُرْآن وَهُوَ جنب) [/ حم. قَالَ أَبُو عمر: روينَاهُ من وُجُوه صِحَاح. وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يرفعهُ: (لَا يَحْجُبهُ عَن قِرَاءَة الْقُرْآن شَيْء إلَاّ الْجَنَابَة) صَححهُ جمَاعَة مِنْهُمَا بن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَأَبُو عَليّ الطوسي وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَغوِيّ فِي (شرح السّنة) وَفِي (سُؤَالَات الْمَيْمُونِيّ) قَالَ شُعْبَة: لَيْسَ أحد يحدث بِحَدِيث أَجود من ذَا، وَفِي (كَامِل) ابْن عدي عَنهُ، لم يرو عَمْرو وَأحسن من هَذَا وَكَانَ شُعْبَة يَقُول: هَذَا ثلث رَأس مَالِي، وخرجه ابْن الْجَارُود فِي (الْمُنْتَقى) زَاد ابْن حبَان، قد يتَوَهَّم غير المتحر فِي الحَدِيث أَن حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَ يذكر الله تَعَالَى على أحيائه، بِعَارِض هَذَا، وليبس كَذَلِك، لِأَنَّهَا أَرَادَت الذّكر الَّذِي هُوَ غير الْقُرْآن، إِذْ الْقُرْآن يجوز أَن يُسمى ذكرا وَكَانَ لَا يقْرَأ وَهُوَ جنب، ويقرؤه فِي سَائِر الْأَحْوَال. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يقْرَأ الْحَائِض وَلَا الْجنب وَلَا النُّفَسَاء الْقُرْآن شَيْئا) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ سَنَده صَحِيح وَمِنْهَا حَدِيث أبي مُوسَى قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا عَليّ لَا تقْرَأ الْقُرْآن وَأَنت جنب) ، وَعَن الْأسود أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ وَإِبْرَاهِيم لَا يقْرَأ الْجنب، وَعَن الشّعبِيّ وَأبي وَائِل مثله بِزِيَادَة، وَالْحَائِض. وَالْجَوَاب: عَن الْكتاب إِلَى هِرقل فَنحْن نقُول بِهِ لمصْلحَة الإبلاغ والإنذار، وَأَنه لم يقْصد بِهِ التِّلَاوَة. وَأما الْجَواب عَن الْآيَة بِأَن المُرَاد بالمطهرين الْمَلَائِكَة، كَمَا قَالَه قَتَادَة وَالربيع بِهِ أنس وَأنس بن مَالك وَمُجاهد بن جُبَير وَغَيرهم وَنَقله السُّهيْلي عَن مَالك وأكدوا هَذَا بقوله: (المطهرين) وَلم يقل: المتطهرين إِن تَخْصِيص الْمَلَائِكَة من بَين سَائِر المتطهرين على خلاف الأَصْل، وَكلهمْ مطهرون، والمس والإطلاع عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ لبَعْضهِم دون الجمبع. ٤ - (حَدثنَا أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن سمع زهيرا عَن مَنْصُور بن صَفِيَّة أَن أمه حدثته أَن عَائِشَة حدثتها أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يتكيء فِي حجري وَأَنا حَائِض ثمَّ يقْرَأ الْقُرْآن) قَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال حَدِيث عَائِشَة فِيهِ أَن ثِيَابهَا بِمَنْزِلَة العلاقة والشارع بِمَنْزِلَة الْمُصحف لِأَنَّهُ فِي جَوْفه وحامله إِذْ غَرَض البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب الدّلَالَة على جَوَاز حمل الْحَائِض الْمُصحف وقراءتها الْقُرْآن فالمؤمن الْحَافِظ لَهُ أكبر أوعيته قلت لَيْسَ فِي الحَدِيث إِشَارَة إِلَى الْحمل وَفِيه الاتكاء والاتكاء غير الْحمل وَكَون الرجل فِي حجر الْحَائِض لَا يدل على جَوَاز الْحمل وغرض البُخَارِيّ الدّلَالَة على جَوَاز الْقِرَاءَة بِقرب مَوضِع النَّجَاسَة لَا على جَوَاز حمل الْحَائِض للمصحف وَبِهَذَا رد الْكرْمَانِي على ابْن بطال فِي قَوْله وغرض البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب أَن يدل على جَوَاز حمل الْحَائِض للمصحف وقراءتها الْقُرْآن قلت رده عَلَيْهِ إِنَّمَا يَسْتَقِيم فِي قَوْله وقراءتها الْقُرْآن لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على جَوَاز قِرَاءَة الْحَائِض الْقُرْآن وَالَّذِي فِيهِ يدل على جَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن فِي حجر الْحَائِض وعَلى جَوَاز حمل الْمُصحف لَهَا بعلاقته فأورد حَدِيثا وأثرا

стр. 888

فَالْحَدِيث يدل على الأول والأثر يدل على الثَّانِي وَلكنه غير مُطَابق للتَّرْجَمَة وكل مَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل فِيهِ تعسف وَلَا يقرب من الْمُوَافقَة إِلَّا بِالْجَرِّ الثقيل (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أَبُو نعيم. الثَّانِي زُهَيْر بن مُعَاوِيَة بن خديج الْجعْفِيّ. الثَّالِث مَنْصُور بن صَفِيَّة بنت شيبَة وَأَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن الحَجبي الْعَبدَرِي الْمَكِّيّ كَانَ يحجب الْبَيْت وَهُوَ شيخ كَبِير وَإِنَّمَا نسب مَنْصُور إِلَى أمه لِأَنَّهُ اشْتهر بهَا وَلِأَنَّهُ روى عَنْهَا. الرَّابِع صَفِيَّة بنت شيبَة. الْخَامِس عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه السماع فِي مَوضِع وَاحِد والعنعنة كَذَلِك وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن قبيصَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْمَكِّيّ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعلي بن حجر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأخرجه ابْن ماجة عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أربعتهم عَن مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ وَغَيره) قَوْله " يتكيء فِي حجري " قَالَ الْقُرْطُبِيّ كَذَا صَوَابه وَوَقع فِي رِوَايَة العذري " حُجْرَتي " بتاء مثناة من فَوق وَهُوَ وهم " قَوْله " يتكيء " بِالْهَمْزَةِ من بَاب الافتعال أَصله يوتكيء قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء وثلاثيه وكأ وَهِي جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر كَانَ قَوْله " وَأَنا حَائِض " جملَة اسمية وَقعت حَالا قَالَ الْكرْمَانِي أما من فَاعل يتكيء وَأما من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ يَاء الْمُتَكَلّم قلت من فَاعل يتكيء لَا وَجه لَهُ على مَا لَا يخفى وَمَا هِيَ إِلَّا من يَاء الْمُتَكَلّم فِي حجري وَلَا يمْنَع وُقُوع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ شدَّة الِاتِّصَال كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ وَكلمَة فِي فِي قَوْله " فِي حجري " بِمَعْنى على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي على جُذُوع النّخل فَإِن قلت مَا فَائِدَة الْعُدُول عَنهُ قلت لبَيَان التَّمَكُّن فِيهِ كتمكن المظروف فِي الظّرْف قَوْله " فَيقْرَأ الْقُرْآن " وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد " كَانَ يقْرَأ الْقُرْآن وَرَأسه فِي حجري وَأَنا حَائِض " فعلى هَذَا المُرَاد بالاتكاء مَوضِع رَأسه فِي حجرها. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي هَذَا القَوْل إِشَارَة إِلَى أَن الْحَائِض لَا يقْرَأ الْقُرْآن لِأَن قرَاءَتهَا لَو كَانَت جَائِزَة لما توهم امْتنَاع الْقِرَاءَة فِي حجرها حَتَّى احْتِيجَ إِلَى التَّنْصِيص عَلَيْهَا. وَفِيه جَوَاز ملامسة الْحَائِض لِأَنَّهَا طَاهِرَة. وَفِيه جَوَاز الْقِرَاءَة بِقرب مَحل النَّجَاسَة قَالَه النَّوَوِيّ قلت فِيهِ نظر لِأَن الْحَائِض طَاهِرَة والنجاسة هُوَ الدَّم وَهُوَ غير طَاهِر فِي كل وَقت من أَوْقَات الْحيض فعلى هَذَا لَا يكره قِرَاءَة الْقُرْآن بحذاء بَيت الْخَلَاء وَمَعَ هَذَا يَنْبَغِي أَن يكره تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ لِأَن مَا قرب إِلَى الشَّيْء يَأْخُذ حكمه. وَفِيه جَوَاز استناد الْمَرِيض فِي صلَاته إِلَى الْحَائِض إِذا كَانَت ثِيَابهَا طَاهِرَة قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَفِيه نظر. ٤ - (بابُ مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضاً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سمى النّفاس حيضا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب من سمى الْحيض للنفاساً، لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب (فَقَالَ: أنفست , أَي: أحضت؟) أطلق على الْحيض النّفاس، وَقَالَ ابْن بطال: لم يجد البُخَارِيّ للنَّبِي ﷺ نصا فِي النّفاس، وَحكم دَمهَا فِي الْمدَّة الْمُخْتَلفَة، وسمى الْحيض نفاساً فِي هَذَا الحَدِيث، فهم مِنْهُ أَن حكم دم النُّفَسَاء حكم دم الْحيض فِي ترك الصَّلَاة، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحيض نفاساً وَجب أَن يكون النّفاس حيضا لاشْتِرَاكهمَا فِي التَّسْمِيَة من جِهَة اللُّغَة لِأَن الدَّم هُوَ النَّفس، وَلزِمَ الحكم لما لم ينص عَلَيْهِ مِمَّا نَص، وَحكم النّفاس ترك الصَّلَاة مَا دَامَ مَوْجُودا وَقَالَ الْخطابِيّ: ترْجم أَبُو عبد الله بقوله: (من سمى النّفاس حيضا) وَالَّذِي ظَنّه من ذَلِك وهم، وأصل هَذِه الْكَلِمَة مَأْخُوذ من النَّفس وَهُوَ الدَّم إلَاّ أَنهم فرقوا فَقَالُوا: نفست، بِفَتْح النُّون، إِذا حَاضَت، وبضم النُّون إِذا ولدت، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ الَّذِي ظَنّه وهما لِأَنَّهُ إِذا ثَبت هَذَا الْفرق، وَالرِّوَايَة الَّتِي هِيَ بِالضَّمِّ صَحِيحَة، صَحَّ أَن يُقَال حِينَئِذٍ سمي النّفاس حيضا وَأَيْضًا يحْتَمل أَن الْفرق لم يثبت عِنْده لُغَة، بل وضعت نفست، مَفْتُوح النُّون ومضمومها عندن للنفاس، بِمَعْنى الْولادَة، كَمَا قَالَ بَعضهم بِعَدَمِ الْفرق أَيْضا بِأَن اللَّفْظَيْنِ للْحيض والولادة كليهمَا. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: حَاصله كَيفَ يُطَابق التَّرْجَمَة الحَدِيث وَفِيه تَسْمِيَة الْحيض نفاساً لَا تَسْمِيَة النّفاس حيضا؟ قلت: للتّنْبِيه على أَن حكم النّفاس وَالْحيض فِي مُنَافَاة الصَّلَاة وَنَحْوهَا

стр. 889

وَاحِد، وألجأه إِلَى ذَلِك أَنه لم يجد حَدِيثا على شَرطه فِي حكم النّفاس، فاستنبط من هَذَا الحَدِيث أَن حكمهَا وَاحِد. قلت: هَذَا الْكَلَام فِي الْحَقِيقَة مَضْمُون كَلَام ابْن بطال، وَكَلَامه يشْعر بالمساواة بَين مفهومي الْحيض وَالنّفاس، وَلَيْسَ كَذَلِك، لجَوَاز أَن يكون بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه كالإنسان وَالْحَيَوَان، وَقَول الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن الْفرق لم يثبت عِنْده لُغَة، إِلَى آخِره، غير سديد، لِأَن هَذَا لَا يُقَال عَن أحد إلَاّ مِمَّن يكون من أَئِمَّة اللُّغَة وَالْبُخَارِيّ من أَئِمَّة الحَدِيث، وَالصَّوَاب الَّذِي يُقَال هَاهُنَا على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذِه التَّرْجَمَة لَا فَائِدَة فِي ذكرهَا لِأَنَّهُ لَا ينبي عَلَيْهَا مزِيد فَائِدَة. وَالثَّانِي: لَو سلمنَا أَن لَهَا فَائِدَة فوجهها أَن يُقَال: لما لم يثبت الْفرق عِنْده بَين مفهومي الْحيض وَالنّفاس، يجوز ذكر أَحدهمَا وَإِرَادَة الآخر، فَفِي الحَدِيث ذكر النّفاس وَأُرِيد الْحيض، فَكَذَلِك ذكر المُصَنّف النّفاس وَأَرَادَ الْحيض، وعَلى هَذَا معنى قَوْله: بَاب من سمي، بَاب من ذكر النّفاس حيضا يَعْنِي: ذكر النّفاس وَأَرَادَ بِهِ الْحيض، فَكَذَلِك الْمَذْكُور فِي الحَدِيث نِفَاس، وَالْمرَاد حيض وَذَلِكَ أَنه لما قَالَ ﷺ لَهَا: أنفست، أجابت بنعم، وَكَانَت حَائِضًا، فقد جعلت النّفاس حيضا، فطابق الحَدِيث مَا ترْجم بِهِ. ٢٩٨ - حدّثنا الْمَكِي بْنُ إبْرَاهِيمَ قالَ حدّثنا عَنْ هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى ابْنِ أبي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَة أُمْ سَلْمَةَ حَدَّثَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْها قالتْ بَيْنَا أَنا مَعَ النَّبيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيصَةٍ إذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فأخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي قَالَ أنُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فَدَعانِي فاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ.. وَجه الْمُطَابقَة قد ذكرنَا مستقصى. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مكي بن إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم بن بشير التَّمِيمِي، أَبُو السكن الْبَلْخِي، ﵁. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي، ﵁. الثَّالِث: يحيى بن كثير، بالثاء الْمُثَلَّثَة، ﵁. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: زَيْنَب بنت أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، السَّادِس: أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْمُفْرد فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين وَفِيه: أَبُو سَلمَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَيْسَت كنيتان بِاعْتِبَار شخص وَاحِد، بل سَلمَة الأول هُوَ ولد ابْن عبد ان الرَّحْمَن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسَلَمَة الثَّانِي ولد ابْن عبد الْأسد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْغَرَض أَن أَبَا سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَيْسَ أَبَا زنيب النَّبِي ﷺ . وَفِيه: أَن يحيى روى عَن أبي سَلمَة، ﵁ بالعنعنة، وَفِي رِوَايَة مُسلم روى عَنهُ بِالتَّحْدِيثِ قَالَ: حَدثنِي أَبُو سَلمَة، أخرجهَا من طَرِيق معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن صحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وبصري ويماني ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُسَدّد، ﵁، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن سعد بن حَفْص عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه النَّسَائِيّ، ﵁، فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لغاته وَإِعْرَابه قَوْله: (بَينا) أَصله بَين أشعبت فَتْحة النُّون بِالْألف، وَبينا وبينما ظرفان زمَان بِمَعْنى المفاجأة، ومضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل ومبتدأ وَخبر ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، والأفصح فِي جوابها، أَن لَا يكون فِيهِ، إِذْ وَإِذا، وَهَا هُنَا جَاءَ الْجَواب، باذ، وَهُوَ قَوْله: (إِذْ حِضْت) وَهُوَ الْعَامِل فِيهِ. قَوْله: (مُضْطَجِعَة) أَصله: مضجعة، لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال، فقلبت التَّاء طاء، وَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فعلى الخبرية وَأما النصب فعلى الْحَال قبُوله: (فِي خميصة) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم وَهِي كسَاء، مربع لَهُ علمَان، وَقيل: الخمائض ثِيَاب من خزثخان سود وحمر، وَلها أَعْلَام ثخان أَيْضا، قَالَه ابْن سَيّده، وَفِي (الصِّحَاح) كسَاء أسود مربع وَإِن لم يكن معلما فَلَيْسَ بخمصيه، وَفِي (الغربيين) قَالَ الْأَصْمَعِي: الخمائص ثِيَاب خَز أَو صوف، معلمة، وَهِي سود، كَانَت من لِبَاس النَّاس، وَقَالَ ابْن سَيّده: والخميلة والخملة، القطيفة، وَقَالَ السكرِي: الخميل القطيفة ذَات الخمل، والخمل هدب القطيفة وَنَحْوهَا مِمَّا ينسج، ويفضل لَهُ فضول، وَفِي (الصِّحَاح) هِيَ الطنفسة، وَزعم النَّوَوِيّ، ﵀ أَن أهل اللُّغَة قَالُوا:

стр. 890

هُوَ كل ثوب لَهُ خمل من أَي لون كَانَ، وَقيل: هُوَ الْأسود من الثِّيَاب. قَوْلهَا: (فانسللت) أَي: ذهبت فِي خُفْيَة لاحْتِمَال وُصُول شَيْء من الدَّم إِلَيْهِ ﷺ أَو لِأَنَّهَا تقذرت نَفسهَا وَلم ترتضها لمضاجعة ﷺ ، وخافت أَن ينزل الْوَحْي على النَّبِي ﷺ ، فانسلت لِئَلَّا تشغله حركتها عَمَّا هُوَ فِيهِ من الْوَحْي أَو غَيره. قَوْله: (أنفست) بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء، قَالَ النَّوَوِيّ: ﵀، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي اللُّغَة بِمَعْنى: حِضْت، فَأَما فِي الْولادَة، فنفست، بِضَم النُّون وَكسر الْفَاء، وَقيل: بِضَم النُّون وَفتحهَا، وَفِي الْحيض بِالْفَتْح لَا غير، وَفِي (الواعي) نفست: بِضَم النُّون، حَاضَت وَفِي (نَوَادِر اللحياني) وَمن خطّ أبي مُوسَى الْحَافِظ: نفست الْمَرْأَة تنفس، بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي والمستقبل، أذا حَاضَت وَفِي (أدب الْكتاب) عَن ثَعْلَب، النُّفَسَاء الوالدة وَالْحَامِل وَالْحَائِض، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَالْجمع من كل ذَلِك، نفساوات ونفاس ونفاس وَنَفس وَنَفس وَنَفس وَنَفس ونفاس قَوْله: (ثِيَاب حيضتي) بِكَسْر الْحَاء، وَهِي حَال الْحيض هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل يَحْتَلِم، فتح الْحَاء هُنَا أَيْضا، فَإِن الْحَيْضَة، بِالْفَتْح، هِيَ الْحيض. قلت: لَا يُقَال هُنَا بِالِاحْتِمَالِ، فَإِن كلاًّ مِنْهُمَا لُغَة ثَبت عَن الْعَرَب، وَهِي أَن الْحَيْضَة: بِالْكَسْرِ، الِاسْم من الْحيض، وَالْحَال الَّتِي تلزمها الْحَائِض من التجنب والتحيض، كالجلسة والقعدة من الْجُلُوس وَالْقعُود، فَأَما الْحَيْضَة بِالْفَتْح، فالمرة الْوَاحِدَة من دفع الْحيض أَو ثَوْبه وَأَنت تفرق بَينهمَا بِمَا تَقْتَضِيه قرينَة الْحَال من مساق الحَدِيث، وَجَاء فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: لَيْتَني كنت حَيْضَة ملقاة، هِيَ بِالْكَسْرِ خرقَة الْحيض، وَجزم الْخطابِيّ هُنَا بِرِوَايَة الْكسر، ورجحها النَّوَوِيّ، وَرجح الْقُرْطُبِيّ رِوَايَة الْفَتْح لوروده فِي بعض طرقه بِلَفْظ: حيض بِغَيْر تَاء. ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز النّوم مَعَ الْحَائِض فِي ثِيَابهَا والاضطجاع مَعهَا فِي لِحَاف وَاحِد. وَمِنْهَا: اسْتِحْبَاب اتِّخَاذ الْمَرْأَة ثيابًا للْحيض غير ثِيَابهَا الْمُعْتَادَة. وَمِنْهَا: أَن عرقها طَاهِر. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٢) قلت: مَعْنَاهُ فاعتزلوا وطئهن. وَمِنْهَا: التَّنْبِيه على أَن حكم الْحيض وَالنّفاس وَاحِد فِي منع وجوب الصَّلَاة وَعدم جَوَاز الصَّوْم وَدخُول الْمَسْجِد وَالطّواف وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَمَسّ الْمُصحف وَنَحْو ذَلِك. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ ينص البُخَارِيّ على حكم النّفاس وَحده؟ قلت: الْمُهلب: لِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا على شَرطه فِي حكم النّفاس. واستنبط من الحَدِيث أَن حكمهمَا وَاحِد. قلت: النُّصُوص فِيهَا كَثِيرَة. مِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (كَانَت النُّفَسَاء تجْلِس على عهد رَسُول الله ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث سُهَيْل عَن مسَّة الإزدية عَن أم سَلمَة، وَحسنه الْبَيْهَقِيّ والخطابي، وَقَالَ الْأَزْدِيّ: حَدِيث مَسّه أحْسنهَا. وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: (أَن أم سَلمَة سَأَلت رَسُول الله ﷺ كم تجْلِس الْمَرْأَة، إِذا ولدت؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَاّ أَن ترى الطُّهْر قبل ذَلِك) وَعند ابْن مَاجَه، من حَدِيث سَلام بن سليم عَن حميد عَن أنس، ﵁: (وَقت النَّبِي ﷺ للنفساء أَرْبَعِينَ يَوْمًا) وَحَدِيث عُثْمَان عَن أبي الْعَاصِ مثله، وَضَعفه ابْن عدي. وَقَالَ الْحَاكِم: إِن سلم هَذَا الْإِسْنَاد من أبي بِلَال فَإِنَّهُ مُرْسل صَحِيح، فَإِن الْحسن لم يسمع من عُثْمَان، وَحَدِيث معَاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه أَحْمد بن حَنْبَل فِي كتاب الْحيض، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ضعفه ابْن عدي، وَحَدِيث عَائِذ بن عَمْرو ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَحَدِيث جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) وَحَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ضعفه ابْن حزم، وَحَدِيث الْعَلَاء بن كثير عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي هُرَيْرَة، ﵄، رَوَاهُ ابْن عدي بِالْإِرْسَال فِيمَا بَين مَكْحُول وَبَينهمَا. وَأما مَوْقُوف ابْن عَبَّاس فسنده صَحِيح فِي مُسْند الدَّارمِيّ، وخرجه أَيْضا ابْن الْجَارُود فِي (المنتفى) وَفِي (كتاب الْأَحْكَام) لأبي عَليّ الطوسي، أجمع أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ على أَن النُّفَسَاء تدع الصَّلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَاّ أَن ترى الطُّهْر قبل ذَلِك، فَإِنَّهَا تَغْتَسِل وَتصلي، فَإِذا رَأَتْ الدَّم بعد الْأَرْبَعين فَإِن أَكثر أهل الْعلم قَالُوا: لَا تدع الصَّلَاة بعد الْأَرْبَعين، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم من الْفُقَهَاء، ويروى عَن الْحسن، تدع الصَّلَاة خمسين يَوْمًا، وَعَن عَطاء سِتِّينَ يَوْمًا.

стр. 891

٥ - (بابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُبَاشرَة مَعَ زَوجته الْحَائِض وَأَرَادَ بِالْمُبَاشرَةِ هُنَا مماسة الخلدين لَا الْجِمَاع، فَإِن جماع الْحَائِض حرَام على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة جدا، وَهُوَ وجود الْمُبَاشرَة فِي كل مِنْهُمَا. ٢٩٩ - حدّثنا قَبِيصَةُ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبيِّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ كَلانَا جُنُبٌ. حدّثنا وَكانَ يَأْمُرُنِي فَاتزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنا حائِضُ. حدّثنا وَكانَ يُخْرُجُ رَأْسَهُ إلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأْغْتَسِلُهُ وَأَنَا حائِضٌ. . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (فيباشرني) . ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَفِي آخِره تَاء ابْن عقبَة أَبُو عَامر الْكُوفِي، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وخَالِد الْأسود بن يزِيد كلهم تقدمُوا فِي بَاب عَلامَة الْمُنَافِق. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم إِلَى عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. فَإِن قلت: إِبْرَاهِيم، هَل أدْرك أحدا من الصَّحَابَة، أَو سمع من أحد مِنْهُم؟ قلت: ذكر الْعجلِيّ: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لم يحدث عَن أحد من الصَّحَابَة، وَقد أدْرك مِنْهُم جمَاعَة، وَقد رأى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَيُقَال: رأى أَبَا جُحَيْفَة وَزيد بن أَرقم وَابْن أبي أوفى وَلم يسمع مِنْهُم، وَعَن ابْن حبَان بِأَنَّهُ سمع الْمُغيرَة وَالله تَعَالَى أعلم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي آخر الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَن جرير عَن مَنْصُور بِهِ أخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْلهَا: (أَنا وَالنَّبِيّ) النَّبِي بِالرَّفْع وَالنّصب وَأما الرّفْع فبالعطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: كنت، وَأما النصب فعلى أَن: الْوَاو، بِمَعْنى المصاحبة. وَقَوْلها: (أَنا) ذكر لِأَن فِي عطف الظَّاهِر على الضَّمِير الْمَرْفُوع المستكن بِدُونِ التَّأْكِيد خلافًا، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه. قَوْلهَا: (كِلَانَا جنب) وَقع حَالا، وَإِنَّمَا لم تقل: كِلَانَا جنبان، لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ اللُّغَة الفصيحة وَقد ذكرنَا أَن الْجنب يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع فِي اللُّغَة الفصحى، وَإِن كَانَ يُقَال: جنبان وجنبون. قَوْلهَا: (وَكَانَ يَأْمُرنِي) أَي: وَكَانَ النَّبِي ت يَأْمُرنِي بالاتزال قَوْلهَا: (فاتزر) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأَصله ائتزر، بالهمزتين أولاهما مَفْتُوحَة، وَالثَّانيَِة سَاكِنة، لِأَن أَصله من أزر، فَنقل إِلَى بَاب، افتعل، فَصَارَ، اتزر يتزر، وَكَذَا اسْتعْمل من غير إدغام فِي حَدِيث آخر، وَهُوَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يُبَاشر بعض نِسَائِهِ وَهِي مؤتزرة فِي حَالَة الْحيض) . وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: وَهِي متزرة، وَهُوَ خطأ، لِأَن الْهمزَة لَا تُدْغَم فِي التَّاء. قلت: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ: فآتزر بِالْمدِّ، لِأَن الهمزتين إِذا اجتمعتا وَكَانَت الأولى متحركة وَالثَّانيَِة سَاكِنة أبدلت الثَّانِيَة حرف عِلّة من جنس حَرَكَة الأولى، فتبدل ألفا بعد الفتحة، فَكَذَلِك هَاهُنَا، لِأَن أَصله أتزر، بهمزتين الأولى متحركة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، فأبدلت الثَّانِيَة ألفا فَصَارَت: آتزر بِالْمدِّ. وَقَالَ ابْن هِشَام: وعوام الْمُحدثين يحرفونه فيقرؤونه بِأَلف وتاء مُشَدّدَة، وَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ افتعل من الْإِزَار، ففاؤه همزَة فساكنة بعد همزَة المضارعة الْمَفْتُوحَة، وَكَذَا الزَّمَخْشَرِيّ أنكر الْإِدْغَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَا يجوز الْإِدْغَام فِيهِ عِنْد التصريف، قَالَ صَاحب (الْمفصل) قَول من قَالَ: اتزر خطأ. قلت: قَول عَائِشَة، وَهِي من فصحاء الْعَرَب، حجَّة فِي جَوَازه، فالمخطىء، قلت: إِنَّمَا يَصح مَا ادَّعَاهُ إِذا ثَبت عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت بِالْإِدْغَامِ، فَلم لَا يجوز أَن يكون

стр. 892

هَذَا خطأ مثل مَا قَالَ مُعظم أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن، وَيكون الْخَطَأ من بعض الروَاة أَو من عوام الْمُحدثين لَا من عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْلهَا: (وَأَنا حَائِض) فِي الْمَوْضِعَيْنِ جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْلهَا: (وَهُوَ معتكف) الِاعْتِكَاف فِي اللُّغَة مُجَرّد اللّّبْث، وَفِي الشَّرِيعَة: لبث فِي الْمَسْجِد مَعَ الصَّوْم، وَالِاعْتِكَاف من بَاب الافتعال من: عكف يعكف عكوفاً إِذا أَقَامَ، وعكفه عكفاً إِذا حبس. ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز اغتسال الرجل مَعَ امْرَأَته من إِنَاء وَاحِد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَمِنْهَا: جَوَاز مُبَاشرَة الْحَائِض وَهِي: الْمُلَامسَة، من لمس بشرة الرجل بشرة الْمَرْأَة، وَقد ترد الْمُبَاشرَة بِمَعْنى الْجِمَاع، وَالْمرَاد هَهُنَا الْمَعْنى الأول بِالْإِجْمَاع. ثمَّ اعْلَم أَن مُبَاشرَة الْحَائِض على أَقسَام: أَحدهَا: حرَام بِالْإِجْمَاع، وَلَو اعْتقد حلّه يكفر، وَهُوَ أَن يُبَاشِرهَا فِي الْفرج عَامِدًا، فَإِن فعله غير مستحل يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَلَا يعود إِلَيْهِ، وَهل يجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة أَو لَا؟ فِيهِ خلاف، فَذهب جمَاعَة إِلَى وجوب الْكَفَّارَة، مِنْهُم: قَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَقَالَ فِي الْجَدِيد: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَا يُنكر أَن يكون فِيهِ كَفَّارَة لِأَنَّهُ وَطْء مَحْظُور كَالْوَطْءِ فِي رَمَضَان. وَقَالَ أَكثر الْعلمَاء، لَا شَيْء عَلَيْهِ سوى الاسْتِغْفَار، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا. وَقَالَ الثَّوْريّ: وَلَو فعله غير مُعْتَقد حلّه، فَإِن كَانَ نَاسِيا أَو جَاهِلا بِوُجُود الْحيض أَو جَاهِلا تَحْرِيمه أَو مكْرها فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة، وَإِن كَانَ عَالما بِالْحيضِ وبالتحريم مُخْتَارًا عَامِدًا فقد ارْتكب مَعْصِيّة نَص الشَّافِعِي على أَنَّهَا كَبِيرَة، وَيجب عَلَيْهِ التَّوْبَة وَفِي وجوب الْكَفَّارَة قَولَانِ: أصَحهمَا، وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ. ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْكَفَّارَة، فَقيل: عتق رَقَبَة، وَقيل: دِينَار وَنصف دِينَار على اخْتِلَاف بَينهم، هَل الدِّينَار فِي أول الدَّم وَنصفه فِي آخِره؟ أَو الدِّينَار فِي زمن الدَّم وَنصفه بعد انْقِطَاعه؟ فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته وَهِي حَائِض، قَالَ: (يتَصَدَّق بِدِينَار أَو بِنصْف دِينَار) وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْأَرْبَعَة: قلت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأعله بأَشْيَاء: مِنْهَا: أَن جمَاعَة رَوَوْهُ عَن شُعْبَة، مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس، وَأَن شُعْبَة رَجَعَ عَن رَفعه، وَمِنْهَا: أَنه رُوِيَ مُرْسلا. وَمِنْهَا: أَنه رُوِيَ معضلاً، وَهُوَ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يزِيد بن أبي مَالك عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أمرت أَن يتَصَدَّق بخمسي دِينَار) ، والمعضل نوع خَاص من الْمُنْقَطع، فَكل معضل مُنْقَطع، وَلَيْسَ كل مُنْقَطع معضلاً، وَقوم يسمونه مُرْسلا، وَمِنْهَا: أَن فِي مَتنه اضطراباً، لِأَنَّهُ رُوِيَ: بِدِينَار، أَو نصف دِينَار على الشَّك، وَرُوِيَ: يتَصَدَّق بدينارد فَإِن لم يجد فبنصف دِينَار، وَرُوِيَ: يتَصَدَّق بِنصْف دِينَار، وَرُوِيَ: إِن كَانَ دَمًا أَحْمَر فدينار، وَإِن كَانَ أصفر فَنصف دِينَار، وَرُوِيَ: إِن كَانَ الدَّم عبيطاً فليتصدق بِدِينَار، وَإِن كَانَ صفرَة فَنصف دِينَار. قلت: هَذَا الحَدِيث صَححهُ الْحَاكِم وَابْن الْقطَّان، وَذكر الْحَلَال عَن أبي دَاوُد أَن أَحْمد قَالَ: مَا أحسن حَدِيث عبد الحميد، وَهُوَ أحد رُوَاة هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب بن نفَيْل الْقرشِي الْهَاشِمِي الْعَدوي، عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز على الْكُوفَة، رأى عبد الله بن عَبَّاس وَسَأَلَهُ، وروى عَن حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَقيل لِأَحْمَد: تذْهب إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، إِنَّمَا هُوَ كَفَّارَة، ثمَّ إِن شُعْبَة إِن كَانَ رَجَعَ عَن رَفعه فَإِن غَيره رَوَاهُ مَرْفُوعا، وَهُوَ عَمْرو بن قيس الْملَائي وَهُوَ ثِقَة، وَمن طَرِيقه أخرجه النَّسَائِيّ، وَكَذَا رَوَاهُ قَتَادَة مَرْفُوعا وأسقطا فِي روايتهما عبد الحميد، وَمُقْتَضى الْقَوَاعِد أَن رِوَايَة الرّفْع أشبه بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ زِيَادَة ثِقَة، وَأما مَا لاوي فِيهِ من خمسي دِينَارا، أَو عتق نسمَة، وَغير ذَلِك، فَمَا مِنْهَا شَيْء يعول عَلَيْهِ، ثمَّ إِن الَّذين ذَهَبُوا إِلَى عدم وجوب الصَّدَقَة، أجابوا أَن قَوْله ﷺ : (يتَصَدَّق) ، مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب، إِن شَاءَ تصدق وإلَاّ لَا وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: عَلَيْهِ مَا على من وَاقع أَهله فِي رَمَضَان. النَّوْع الثَّانِي من الْمُبَاشرَة: فِيمَا فَوق السُّرَّة وَتَحْت الرّكْبَة بالذكرة أَو بالقبلة أَو المعانقة أَو اللَّمْس أَو غَيره ذَلِك، فَهَذَا حَلَال بِالْإِجْمَاع، إلَاّ مَا حُكيَ عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَغَيره من أَنه لَا يُبَاشر شَيْئا مِنْهَا، فَهُوَ شَاذ مُنكر مَرْدُود بالأحاديث الصَّحِيحَة الْمَذْكُورَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَغَيرهمَا فِي مُبَاشرَة النَّبِي ﷺ فَوق الْإِزَار. النَّوْع الثَّالِث: الْمُبَاشرَة فِيمَا بَين السُّرَّة وَالركبَة فِي غير الْقبل والدبر، فَعِنْدَ أبي حنيفَة حرَام، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف، وَهُوَ الْوَجْه الصَّحِيح للشَّافِعِيَّة، وَهُوَ قَول مَالك: وَقَول أَكثر الْعلمَاء مِنْهُم: سعيد بن الْمسيب وَشُرَيْح وَطَاوُس وَعَطَاء وَسليمَان بن يسَار وَقَتَادَة. وَعند مُحَمَّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف فِي رِوَايَة يتَجَنَّب شعار الدَّم

стр. 893

فَقَط، وَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَأصبغ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو ثورة وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد، وَهَذَا أقوى دَلِيلا لحَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (اصنعوا كل شَيْء إلَاّ النِّكَاح) اقْتِصَار النَّبِي ﷺ فِي مُبَاشَرَته على مَا فَوق الْإِزَار مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب، وَقَول مُحَمَّد هُوَ الْمَنْقُول عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي طَلْحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَذكر الْقُرْطُبِيّ عَن مُجَاهِد: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يتجنبون النِّسَاء فِي الْحيض، ويأتونهن فِي أدبارهن فِي مدَّته. وَالنَّصَارَى كَانُوا بجامعونهن فِي فروجهن، وَالْيَهُود وَالْمَجُوس كَانُوا يبالغون فِي هجرانهن وتجنبهن فيعتزلونهن بعد انْقِطَاع الدَّم وارتفاعه سَبْعَة أَيَّام، ويزعمون أَن ذَلِك فِي كِتَابهمْ. وَمِنْهَا: جَوَاز اسْتِخْدَام الزَّوْجَات. وَمِنْهَا: فِيهِ طَهَارَة عرق الْحَائِض. وَمِنْهَا: أَن إِخْرَاج الرَّأْس من الْمَسْجِد لَا يبطل الِاعْتِكَاف. ٣٠٢ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قالَ أَخْبَرنا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ قالَ أَخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ هُوَ الشُيْبَانِي عَنُ عَبْدِ الرِّحْمنَ بْنِ الأسْوَدِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ كانتْ إحْدَانَا إذَا كانَتْ حائِضاً فأرَادَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَها أنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرُ حَيْضَتِها ثُمَّ يُبَاشِرُها قالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَما كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٠ وطرفه) . مطابقتة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْمَاعِيل بن خَلِيل أَبُو عبد الله الْكُوفِي فِي الخزاز، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة والزايين المعجمتين أولاهما مُشَدّدَة، قَالَ البُخَارِيّ: جَاءَنَا نعيه سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء أَبُو الْحسن الْقرشِي الْكُوفِي، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سُلَيْمَان بن فَيْرُوز، من مشاهير التَّابِعين، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، من خِيَار التَّابِعين وَالْعُلَمَاء العاملين، مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين. الْخَامِس: أَبوهُ الْأسود بن يزِيد، وَقد مر غير مرّة. السَّادِس: عاشة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: خَلِيل، بِدُونِ الْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة أبي ذكر وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: الْخَلِيل، بِالْألف وَاللَّام. فَإِن قلت: هُوَ علم فَلَا تدخله أَدَاة التَّعْرِيف. قلت: إِذا قصد بِهِ لمح الصّفة يجوز كَمَا فِي: الْعَبَّاس والْحَارث وَنَحْوهمَا وَفِيه: التحديث، أَشَارَ إِلَى أَنه تَعْرِيف لَهُ من تِلْقَاء نَفسه، وَلَيْسَ من كَلَام شَيْخه. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم إِلَى عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابَة. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطهاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن حجر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ، وَعَن أبي سَلمَة يحيى بن خلف. ذكر مَعْنَاهُ قَوْلهَا: (كَانَت إحدانا) أَرَادَت: إِحْدَى زَوْجَات النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ إحدانا) بِدُونِ التَّاء، وَحكى سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه أَنه قَالَ بعض الْعَرَب، قَالَ امْرَأَة قَوْله: (أَن يُبَاشِرهَا) من الْمُبَاشرَة الَّتِي هِيَ أَن يمس الْجلد الْجلد، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الْجِمَاع، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى. قَوْله: (أَن تتزر) قد ذكرنَا أَن اللُّغَة الفصحى بأتزر بِالْهَمْزَةِ بِلَا إدغام. قَوْله: (فِي فَور حَيْضَتهَا) بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء، وأرادت بِهِ مُعظم حَيْضَتهَا وَوقت كثرتها، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فورة الْحر شدته، وفار الْقدر فَوْرًا إِذا حاشت، وحيضتها بِفَتْح الْحَاء لَا غير. قَوْله: (إربه) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَقيل: المُرَاد عضوه الَّذِي يستمنع بِهِ، وَقيل: حَاجته، وَفِي كتاب (الْمُنْتَهى) فِيهِ لُغَات إرب وإربة وأراب ومأربة ومأربة ومأربة، عَن أبي سَلمَة، وَفِي الحَدِيث: وَلكنه (أملككم لإربه) قَالَ الْأَصْمَعِي: هِيَ الْحَاجة، أَي: أضبطكم لشهوته، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أَي: لجزمه، وَضبط نَفسه وَقد أرب يأرب إرباً إِذا احْتَاجَ. يُقَال آإن فلَانا لأرب بفلانة إِذا كَانَ ذاهم بهَا، وَيشْهد لقَوْل ابْن الْأَعرَابِي مَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: (أملككم لنَفسِهِ) وَفِي (الْمُحكم) و (الْجَامِع) والمأرب، وَهِي الإراب والأرب، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَأكْثر الروَاة يَقُولُونَ: لإربه، والإرب الْعُضْو، وَإِنَّمَا هُوَ الأرب

стр. 894

مَفْتُوحَة الرَّاء، وَهِي الْوَطْء وحاجة النَّفس، وَقد يكون الإرب، الْحَاجة أَيْضا، وَالْأول أميز، وَكَذَا حَكَاهُ صَاحب (الواعي) وَأما ابْن سَيّده وَابْن عديس فِي كتاب (الباهر) فَقَالَا الإرب بِكَسْر الْهَمْز جمع إربه، وَهِي الْحَاجة، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: أَخطَأ من رَوَاهُ بِكَسْر الْهمزَة. قَالَ: وَإِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا. وَفِي (مجمع الغرائب) لعبد الغافر هُوَ فِي الْكَلَام مَعْرُوف الإرب والإربة بِمَعْنى الْحَاجة، فَإِن كَانَ الأول مَحْفُوظًا، يَعْنِي فِي حَدِيث عَائِشَة فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات، الإرب والأرب والإربة، والإرب يكون بِمَعْنى الْعُضْو فَيحْتَمل أَنَّهَا أَرَادَ كَانَ، أملككم لعضوه، لِأَنَّهَا ذكرت التَّقْبِيل فِي الصَّوْم وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: أرب فِي الشَّيْء رغب فِيهِ، وَالْحَاصِل أَن النَّبِي ﷺ كَانَ أملك النَّاس لأَمره، فَلَا يخْشَى عَلَيْهِ مَا يخْشَى على غيرهممن يحوم حول الْحمى، وَكَانَ يُبَاشر فَوق الْإِزَار تشريعاً لغيره. ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز مُبَاشرَة الْحَائِض فِيمَا فَوق الْإِزَار، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي وَمِنْهَا: أَن الْحَائِض لَا بُد لَهَا من الاتزار فِي أَيَّام حَيْضهَا، إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ أَمر عَائِشَة بذلك، وَذَلِكَ لتمتنع الْمَرْأَة بِهِ عَن الْجِمَاع، وروى أَبُو دَاوُد عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن النَّبِي ﷺ : (كَانَ يُبَاشر الْمَرْأَة من نِسَائِهِ وَهِي حَائِض إِذا كَانَ عَلَيْهَا إِزَار إِلَى اتصاف الْفَخْذ أَو الرُّكْبَتَيْنِ تحتجز بِهِ) أَي: بالإزار عَن الْجِمَاع فِي رِوَايَة محتجزه بِهِ، أَي: حَال كَون الْمَرْأَة ممتنعة بِهِ عَن الْجِمَاع، وَأَصله من حجزه يحجزه حجزاً أَي: مَنعه من بَاب: نصر ينصر، وَمِنْه الحاجز بَين الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ الْحَائِل بَينهمَا. وَمِنْهَا: أَن هَذِه الْمُبَاشرَة إِنَّمَا تجوز لَهُ إِذا كَانَ يضْبط نَفسه ويمنعها من الْوُقُوع فِي الْجِمَاع، وَإِن كَانَ لَا يملك ذَلِك فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك، لِأَن من رعى حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ، وَعَلِيهِ بعض الشَّافِعِيَّة، وَاسْتَحْسنهُ النَّوَوِيّ. وَمِنْهَا: أَن التَّقْيِيد بقولِهَا: فِي فَور حَيْضَتهَا، يدل على الْفرق بَين ابْتِدَاء الْحيض وَمَا بعده، وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) بِإِسْنَاد حسن عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنه ﷺ : (كَانَ يتفي سُورَة الدَّم ثَلَاثًا ثمَّ يُبَاشِرهَا بعد ذَلِك) وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الْمُبَاشرَة مُطلقًا، لِأَنَّهَا تجمع بَينهَا على اخْتِلَاف الْحَالَتَيْنِ، وَالله تَعَالَى أعلم. تابعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشيْبَانِيِّ أَي تَابع عَليّ بن مسْهر خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، وَقد وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم التنوخي من طَرِيق وهب بن بَقِيَّة عَنهُ. قَوْله: (وَجَرِير) عطف على: خَالِد، أَي: وَتَابعه أَيْضا جرير بن عبد الحميد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الرَّحْمَن، وَقد وصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَقَالَ: حَدثنَا جرير عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمُرنَا فِي فوح حيضتنا أَن نتزر ثمَّ يباشرنا، وَأَيكُمْ كَانَ يملك إربه؟ كَانَ رَسُول الله ﷺ يملك إربه) رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) أَيْضا قَوْله: (فِي فوح حيضتنا) فوح الْحيض، بِالْفَاءِ والحاء الْمُهْملَة، معظمة وأوله، مثله، فوعة الدَّم، يُقَال: فاع وفاح بِمَعْنى وَاحِد، وفوعة الطّيب أول مَا يفوح مِنْهُ، ويروي بالغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ لُغَة فِيهِ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم: (فِي فَور حيضتنا) كَمَا ذَكرْنَاهُ. ٣٠٣ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ قالَ حدّثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ قالَ حدّثنا الشَّيْبَانِيُّ قالَ حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ ابنْ شَدَّادٍ قالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تقولُ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَها فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حائِضٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْمَعْرُوف بعارم. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن شَدَّاد، بتَشْديد الدَّال ابْن الْهَاد اللَّيْثِيّ. الْخَامِس: مَيْمُونَة، أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي، وكوفي ومدني.

стр. 895

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن خَالِد بن عبد الله عَن الشَّيْبَانِيّ بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُسَدّد، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، كِلَاهُمَا عَن حَفْص بن غياث عَن الشَّيْبَانِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: [حم (كَانَت إحدانا فِي فورها أول مَا تحيض تشد عَلَيْهَا إزاراً إِلَى أَنْصَاف فخذيها ثمَّ تضطجع مَعَه، ﵊ [/ حم وَأخرج أَبُو يعلى الْموصِلِي، من حَدِيث عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَهُ مَا فَوق الْإِزَار وَلَيْسَ لَهُ مَا تَحْتَهُ) وَفِي لفظ: [حم (لَا يطلعن إِلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى يطهرن) [/ حم وَأخرج أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ : [حم (أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ من الْحَائِض شَيْئا ألْقى على فرجهَا ثوبا) [/ حم وَأخرج ابْن أبي دَاوُد بِسَنَد جيد عَن أم سَلمَة: [حم (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُبَاشِرهَا وعَلى قبلهَا ثوب) [/ حم تَعْنِي: وَهِي حَائِض، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث معَاذ وَعبد الله بن سعد: (مَا يحل للرجل من امْرَأَته وَهِي حَائِض؟ قَالَ: مَا فَوق الْإِزَار) وَفِي حَدِيث معَاذ: (وَالتَّعَفُّف عَن ذَلِك أجمل) ، وَأخرج عبد الله بن وهب بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث كريب، قَالَ: سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ تَقول: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يضطجع معي وَأَنا حَائِض، وبيني وَبَينه ثوب) وَأخرج الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل، قَالَ: (قَالَت أم الْمُؤمنِينَ: كنت أتزر وَأَنا حَائِض وَأدْخل مَعَ النَّبِي ﷺ فِي لِحَافه) وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي (الْمُوَطَّأ) عَن زيد بن أسلم: (سَأَلَ رجل النَّبِي ﷺ مَا يحل لي من امْرَأَتي وَهِي حَائِض؟ قَالَ لِتشد عَلَيْهَا إزَارهَا ثمَّ شَأْنك بِأَعْلَاهَا) قَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث مُسْندًا بِهَذَا اللَّفْظ. ورَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِي يَعْنِي: روى هَذَا الحَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، كَذَا قَالَ بَعضهم، سُفْيَان هُوَ: الثَّوْريّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي سَوَاء كَانَ هُوَ الثَّوْريّ أَو ابْن عُيَيْنَة فَهُوَ على شَرط البُخَارِيّ فَلَا بَأْس فِي إبهامه وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَكَانَ البُخَارِيّ يُرِيد بمتابعة سُفْيَان هُنَا الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سمع عبد الله بن شَدَّاد عَن مَيْمُونَة: (أَن النَّبِي ﷺ مرط على بعض أَزوَاجه مِنْهُ وَهِي حَائِض) وَقد رَوَاهُ عَن الشَّيْبَانِيّ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد خَالِد بن عبد الله عِنْد مُسلم وَجَرِير بن عبد الحميد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا بِإِسْنَاد مَيْمُونَة حَفْص بن غياث عِنْد أبي دَاوُد، ﵀، وَأَبُو مُعَاوِيَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وأسباط بن مُحَمَّد عَن أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ رَوَاهُ، وَلم يقل تَابعه؟ قلت: الرِّوَايَة أَعم مِنْهَا، فَلَعَلَّهُ لم يروها مُتَابعَة. ٦ - (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحَائِض الصَّوْم فِي أَيَّام حَيْضَتهَا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض. فَإِن قلت: الْحَائِض تتْرك الصَّلَاة أَيْضا فَمَا وَجه ذكر الصَّوْم فِي تَركهَا دون الصَّلَاة، مَعَ أَنَّهُمَا مذكوران فِي حَدِيث الْبَاب؟ قلت: تَركهَا الصَّلَاة لعدم وجود شَرطهَا وَهِي الطَّهَارَة، فَكَانَت ملجأة إِلَى ذَلِك بِخِلَاف الصَّوْم فَإِن الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَكَانَ تَركهَا إِيَّاه من بَاب التَّعَبُّد وَأَيْضًا فَإِن تَركهَا للصَّلَاة لَا إِلَى خلف بِخِلَاف الصَّوْم، فخصص الصَّوْم بِالذكر دون الصَّلَاة إشعاراً لما ذكرنَا. ٣٠٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ قالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ أخبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابنُ أسْلَمَ عَنْ عِياضٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِي قالَ خَرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى عَلَى النِّساء تَصَدَّقْنَ فَانِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَر أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَيِمَ يَا رسولَ اللَّهِ قالَ تُكْبِرْنَ اللَّعْنَ وَتكْفُرْنَ العَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ ناقِصاتِ عَقْلٍ وَدينٍ أذْهَبَ لِلُبِ الرَّجْلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْداكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رسولَ اللَّهِ قالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها أَلَيْسَ إِذا

стр. 896

حاضَتْ لَمْ تصَلِّ وَلَمْ تَصُمَّ قُلَّنَ بَلَى قالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِها. . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم تصم) . بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن الحكم ابْن مُحَمَّد بن سَالم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم الجُمَحِي، أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، مر ذكره فِي بَاب من سمع شَيْئا فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ ابْن أبي كثير، بِفَتْح الْكَاف وبالتاء الْمُثَلَّثَة الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، أَبُو أُسَامَة الْمدنِي، مر فِي بَاب كفران العشير. الرَّابِع: عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بن عبد الله وَهُوَ ابْن أبي سرح العامري، لِأَبِيهِ صُحْبَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: واسْمه سعد بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا ابْن أبي مَرْيَم فَإِنَّهُ مصري. ذكر تعدده وَضعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّوْم وَالطَّهَارَة وَفِي الزَّكَاة، وَأخرجه فِي الْعِيدَيْنِ بِطُولِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حسن الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن دَاوُد بن قيس عَنهُ بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة، ثَلَاثَتهمْ عَن دَاوُد بن قيس نَحوه. بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (خرج رَسُول الله ﷺ يَعْنِي: خرج إِمَّا من بَيته أَو من مَسْجده. قَوْله: (فِي أضحى) أَي: فِي يَوْم أضحى، قَالَ الْخطابِيّ: الْأُضْحِية شَاة تذبح يَوْم الْأَضْحَى، وفيهَا أَربع لُغَات: أضْحِية، بِضَم الْهمزَة وبكسرها، وضحية وأضحاة، وَالْجمع: أضحى، وَبهَا سمي يَوْم الْأَضْحَى، والأضحى يذكر وَيُؤَنث، وَقيل: سميت بذلك لِأَنَّهَا تفعل فِي الْأَضْحَى وَهُوَ ارْتِفَاع النَّهَار. قَوْله: (أَو فطر) أَي: أَو يَوْم فطر، وَهُوَ يَوْم عيد الْفطر، وَالشَّكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من أبي سعيد. قلت: لَا يتَعَيَّن ذَلِك. قَوْله: (إِلَى الْمصلى) هُوَ مَوضِع صَلَاة الْعِيد فِي الْجَبانَة. قَوْله: (فَقَالَ: يَا معشر النِّسَاء) ، المعشر: الْجَمَاعَة متخالطين كَانُوا أَو غير ذَلِك، قَالَ الْأَزْهَرِي: أَخْبرنِي الْمُنْذر عَن أَحْمد بن يحيى، قَالَ: المعشر والنفر وَالْقَوْم والرهط، هَؤُلَاءِ معناهم: الْجمع لَا وَاحِد لَهُم من لَفظهمْ للرِّجَال دون النِّسَاء، وَعَن اللَّيْث: المعشر كل جمَاعَة أَمرهم وَاحِد، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَقَول أَحْمد بن يحيى مَرْدُود بِالْحَدِيثِ، وَيجمع على معاشر. قَوْله: (اللَّعْن) فِي اللُّغَة الطَّرْد والإيعاد من الْخَيْر، واللعنة وَالِاسْم، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ يتلفظن باللعنة كثيرا. قَوْله: (ويكفرن) من الْكفْر وَهُوَ السّتْر، وكفران النِّعْمَة وكفرها سترهَا بترك أَدَاء شكرها، وَالْمرَاد يجحدن نعْمَة الزَّوْج ويستقللن مَا كَانَ مِنْهُ. قَوْله: (العشير) هُوَ: الزَّوْج سمي بذلك لمعاشرته إِيَّاهَا. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عشيرك الَّذِي يعاشرك أَيْدِيكُم وأمركما وَاحِد، لَا يكادون يَقُولُونَ فِي جمعه عشراء وَلَكنهُمْ، معاشروك وعشيرون. وَقَالَ بَعضهم: هم عشراؤك. وَقَالَ الْفراء: يجمع العشير على عشراء، مثل: جليس وجلساء، وَإِن الْعَرَب لتكرهه كَرَاهَة أَن يشاكل قَوْلهم، نَاقَة عشراء، والعشير: الخليط، والعشير: الصّديق وَالزَّوْج وَابْن الْعم. قَوْله: (عقل) الْعقل فِي اللُّغَة ضد، الْحمق، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ مصدر: عقل الْإِنْسَان يعقل، وَعَن ابْن دُرَيْد، اشتق من عقال النَّاقة، لِأَنَّهُ يعقل صَاحبه عَن الْجَهْل، أَي: يحْبسهُ وَلِهَذَا قيل: عقل الدَّوَاء بَطْنه، أَي أمْسكهُ، وَفِي (الْعين) عقلت بعد الصِّبَا، أَي: عرفت بعد الْخَطَأ الَّذِي كنت فِيهِ، واللغة الْغَالِبَة، عقل، وَقَالُوا: عقل يعقل مثل حكم يحكم الَّذِي يحبس نَفسه ويردها عَن هَواهَا، أخذا من قَوْلهم: أعتقل لِسَانه إِذا حبس، وَمنع من الْكَلَام. وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا: الْعقل، كَمَا قَالُوا: الظّرْف، أدخلوه فِي بَاب عجز، لِأَنَّهُ مثله، وَالْعقل من المصادر الْمَجْمُوعَة من غير أَن تخْتَلف أَنْوَاعهَا. وَقَالَ أَبُو عَليّ: الْعقل والحجى، وَالنَّهْي، كلهَا مُتَقَارِبَة الْمعَانِي، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْقَبِيح وَقصر النَّفس وحبسها على الْحسن، وَقَالُوا: عَاقل وعقلاء وَهُوَ: الْحلم واللب وَالْحجر والعظم والمحت والمرجح والجول وَالْخَوْف والذهن والهرمان والحصاة، وَفِي (الْمُحكم) وَجمعه عقول. وَقَالَ الْقَزاز: مَسْكَنه عِنْد قوم فِي الدِّمَاغ، وَعند آخَرين فِي الْقلب الأول قَول أبي

стр. 897

حنيفَة، وَالثَّانِي قَول الشَّافِعِي. وَقيل: مَسْكَنه الدِّمَاغ وتدبيره فِي الْقلب. قلت: وَعَن هَذَا قَالُوا: الْعقل جَوْهَر خلقه الله فِي الدِّمَاغ وَجعل نوره فِي الْقلب، تدْرك بِهِ المغيبات بالوسائط والمحسوسات بِالْمُشَاهَدَةِ، وَعند الْمُتَكَلِّمين، الْعقل الْعلم، وَقيل: بعض الْعُلُوم هِيَ الضرورية، وَقيل: قُوَّة يُمَيّز بهَا حقائق المعلومات، وَفِي كتاب (الْحُدُود) لأبي عَليّ بن سينا، هُوَ اسْم مُشْتَرك لمعان عدَّة: عقل لصِحَّة الْفطْرَة الأولى فِي الناى، وَهُوَ قُوَّة يُمَيّز بهَا بَين الْأُمُور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب بَين الْأَحْكَام تكون مُقَدّمَة يحصل بهَا الْأَغْرَاض والمصالح، وعقل لِمَعْنى آخر، وَهَذِه هَيْئَة محمودة للْإنْسَان فِي حركاته وَكَلَامه، وَأما الْحُكَمَاء فقد فرقوا بَينه وَبَين الْعلم، وَقَالُوا: الْعقل النظري، وبالفعل والفعال، وتحقيقه فِي كتبهمْ، وَإِنَّمَا سمي: الْعقل، عقلا من قَوْلهم: ظَبْي عَاقل، إِذا امْتنع فِي أَعلَى الْجَبَل، يُسمى هَذَا بِهِ لِأَنَّهُ فِي أَعلَى الْجَسَد بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي أَعلَى الْجَبَل. وَقيل: الْعَاقِل: الْجَامِع لأموره بِرَأْيهِ، مَأْخُوذ من قَوْلهم: عقلت الْفرس إِذا جمعت قوائمه وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن المُرَاد من الْعقل الدِّيَة، لِأَن دِيَتهَا على النّصْف من دِيَة الرجل. قلت: ظَاهر الحَدِيث يأباه. بَيَان إعرابه قَوْله: (إِلَى الْمصلى) يتَعَلَّق بقوله: (خرج) . قَوْله: (يتصدقن) مقول القَوْل، وَالْفَاء، فِي: فَانِي، للتَّعْلِيل قَوْله: (أريتكن) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمعْنَى أَرَانِي الله إياكن أَكثر أهل النَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَكثر، بِنصب الرَّاء على أَن أريت، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين. أَو على الْحَال إِذا قُلْنَا أَن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، كَمَا صَار إِلَيْهِ الْفَارِسِي وَغَيره وَقيل: إِنَّه بدل من الْكَاف فِي: أريتكن. انْتهى قلت: نقل هَذَا من صَاحب (التَّلْوِيح) وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قَوْله: أريتكن مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل: الأول التَّاء الَّتِي هِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَالثَّانِي:. قَوْله: (كنَّ) . وَالثَّالِث:. قَوْله: (أَكثر أهل النَّار) فَإِن قلت: فِي أَيْن أريهن أَكثر أهل النَّار؟ قلت: فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِلَفْظ (أريت النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث، قَالَ: لكل رجل زوجتان من الْآدَمِيّين. قلت: لَعَلَّ هَذَا قبل وُقُوع الشَّفَاعَة. قَوْله: (ويم يَا رَسُول الله) قَالَ بَعضهم: الْوَاو، استئنافية. قلت: للْعَطْف على مُقَدّر تَقْدِيره، مَا دنبنا، وَبِمَ، الْبَاء للسبيبة، وَكلمَة استفهامية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حذفت الفها تَخْفِيفًا. قلت: يجب حذف ألف، مَا الاستفهامية إِذا جرت، وإبقاء الفتحة دَلِيل عَلَيْهَا وَنَحْوهَا، إلَاّمَ، وَعَلَامَ، وَعلة حذف الْألف، الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: ﴿فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا﴾ (سُورَة النَّحْل: ٣٥) ﴿فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ﴾ (سُورَة النازعات: ٤٣) وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: ﴿عَمَّا يتساءلون﴾ (سُورَة النبإ: ١) فنادر. قَوْله: (تكثرن اللَّعْن) فِي مقَام التَّعْلِيل، وَكَانَ الْمَعْنى: لأنكن تكثرن اللَّعْن، الْإِكْثَار، قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الأسلوب الْحَكِيم لِأَن قَوْله: (مَا رَأَيْت) إِلَخ زِيَادَة، فَإِن قَوْله: (تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) جَوَاب تَامّ، فَكَأَنَّهُ من بَاب الاتتباع، إِذا الذَّم بِالنُّقْصَانِ استتبع للذم بِأَمْر آخر غَرِيب، وَهُوَ كَون الرجل الْكَامِل الحازم منقاداً للنِّسَاء الناقصات عقلاء دينا. قَوْله: (من ناقصات عقل) صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: مَا رَأَيْت أحدا من ناقصات. قَوْله: (أذهب) أفعل التَّفْضِيل من الإذهاب، هَذَا على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ حَيْثُ جوز بِنَاء أفعل التَّفْضِيل من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ أَشد إذهاباً. بَقِيَّة مَا فِيهِ من الْمعَانِي والأسئلة والأجوبة قَوْله: (قُلْنَ وَمَا نُقْصَان ديننَا) ويروي: (فَقُلْنَ) بِالْفَاءِ، وَهَذَا استفسار مِنْهُنَّ عَن وَجه نُقْصَان دينهن وعقلهن، وَفك لِأَنَّهُ خفى عَلَيْهِنَّ ذَلِك حَتَّى استفسرن. وَقَالَ بَعضهم: وَنَفس هَذَا السُّؤَال دَال على النُّقْصَان لِأَنَّهُنَّ سلمن مَا نسب إلَيْهِنَّ من الْأُمُور الثَّلَاثَة: الْإِكْثَار والكفران والإذهاب، ثمَّ استشكلن كونهن ناقصات. قلت: هَذَا استفسار وَلَيْسَ باستشكال، لِأَنَّهُنَّ بعد أَن سلمن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة، لَا يكون عَلَيْهِنَّ إِشْكَال، وَلَكِن لما خَفِي سَبَب نُقْصَان دينهن وعقلهن سَأَلَهُنَّ عَن ذَلِك بقولهن: مَا نُقْصَان ديننَا وعقلنا، وَالتَّسْلِيم بِهَذِهِ الْأُمُور كَيفَ يدل على النُّقْصَان، وبَيْنَ، ﵊، مَا خَفِي عَلَيْهِنَّ من ذَلِك بقوله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة) إِلَى آخِره؟ وَهَذَا جَوَاب مِنْهُ، ﵊، بلطف وإرشاد من غير تعفيف وَلَا لوم، بِحَيْثُ خاطبهن على قدر فهمهن، لِأَنَّهُ ﷺ أَمر أَن يُخَاطب النَّاس على قدر عُقُولهمْ، قَوَّال النَّوَوِيّ: وَأما وَصفه النِّسَاء بِنُقْصَان الدّين لتركهن الصَّلَاة وَالصَّوْم فقد يسْتَشْكل مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بمشكل، فَإِن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام مُشْتَرك فِي معنى وَاحِد، فَإِن من كثرت عِبَادَته زَاد إيمَانه وَدينه، وَمن نقصت عِبَادَته نقص دينه. قلت: دَعْوَاهُ الِاشْتِرَاك فِي هَذِه الثَّلَاثَة غير مسلمة، لِأَن بَينهَا فرقا لُغَة وَشرعا، وَقَوله: زَاد إيمَانه أَو نقص، لَيْسَ براجع إِلَى الذَّات، بل هُوَ رَاجع إِلَى الصّفة

стр. 898

كَمَا تقرر هَذَا فِي مَوْضِعه. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٢) فَإِن قلت: النُّكْتَة فِي تَعْبِيره بِهَذِهِ الْعبارَة وَلم يقل: أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ مثل شَهَادَة الرجل؟ قلت: لِأَن فِي عِبَارَته تِلْكَ تنصيصاً على النَّقْص صَرِيحًا. بِخِلَاف مَا ذكرت، فَإِنَّهُ يدل عَلَيْهِ ضمنا فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق فَإِن قلت: أَلَيْسَ ذَلِك ذماً لَهُنَّ؟ قلت: لَا وَإِنَّمَا هُوَ على معنى التَّعَجُّب بأنهن مَعَ اتصافهن بِهَذِهِ الْحَالة يفعلن بِالرجلِ الحازم كَذَا وَكَذَا فَإِن قلت: هَذَا الْعُمُوم فِيهِنَّ يُعَارضهُ قَوْله ﷺ : (كمل من الرِّجَال كثير، وَلم يكمل من النِّسَاء إلَاّ مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم) وَفِي رِوَايَة أَربع، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَأحمد من حَدِيث أنس: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قَالَ النَّبِي ﷺ حَسبك من نسَاء الْعَالمين بِأَرْبَع: مَرْيَم بنت عمرَان، وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن، وَخَدِيجَة بنت خويلد، وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد ﷺ قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن الْإِفْرَاد خرج عَن ذَلِك لِأَنَّهُ نَادِر قَلِيل، وَالْجَوَاب السديد فِي ذَلِك هُوَ أَن الحكم على الْكل بِشَيْء لَا يسْتَلْزم الحكم على كل فَرد من أَفْرَاده بذلك الشَّيْء وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَنقص الدّين قد يكون على وَجه يَأْثَم بِهِ، كمن ترك الصَّلَاة بِلَا عذر، وَقد يكون على وَجه لَا يَأْثَم لَهُ، كمن ترك الْجُمُعَة بِعُذْر، وَقد يكون على وَجه هُوَ مُكَلّف بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِض الصَّلَاة وَالصَّوْم. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَت معذورة، فَهَل تثاب على ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض؟ وَإِن كَانَت لَا تقضيها كَمَا يُثَاب الْمَرِيض، وَيكْتب لَهُ فِي مَرضه مثل نوافل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته. وَالْجَوَاب أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنَّهَا لَا تثاب، وَالْفرق أَن الْمَرِيض كَانَ يَفْعَلهَا بنية الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّته لَهَا، وَالْحَائِض لَيست كَذَلِك، بل نِيَّتهَا ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَكَيف لَا وَهِي حرَام عَلَيْهَا؟ قلت: يَنْبَغِي أَن يُثَاب على ترك الْحَرَام. قَوْله: (فَذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) . قَوْله: (فَذَلِك) بِكَسْر الْكَاف، خطابا للواحدة الَّتِي تولت الْخطاب، وَيجوز فتح الْكَاف على أَنه للخطاب الْعَام. بَيَان استنباط الْأَحْكَام وهوعلى وُجُوه: الأول: فِيهِ اسْتِحْبَاب خُرُوج الإِمَام مَعَ الْقَوْم إِلَى مصلى الْعِيد فِي الْجَبانَة لأجل صَلَاة الْعِيد، وَلم يزل الصَّدْر الأول كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، ثمَّ تَركه أَكْثَرهم لِكَثْرَة الْجَوَامِع، وَمَعَ هَذَا فَإِن أهل بِلَاد شَتَّى لم يتْركُوا ذَلِك. الثَّانِي: فِيهِ الْحَث على الصَّدَقَة لِأَنَّهَا من أَفعَال الْخيرَات وَالْمِيرَاث فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات، وَلَا سِيمَا فِي مثل يَوْم الْعِيدَيْنِ لِاجْتِمَاع الْأَغْنِيَاء والفقراء، وتحسر الْفُقَرَاء عِنْد رُؤْيَتهمْ الْأَغْنِيَاء وَعَلَيْهِم الثِّيَاب الفاخرة، وَلَا سِيمَا الْأَيْتَام الْفُقَرَاء والأرامل الفقيرات، فَإِن الصَّدَقَة عَلَيْهِم فِي مثل هَذَا الْيَوْم مِمَّا يقل تحسرهم وهمهم، وَإِمَّا تَخْصِيصه، ﷺ النِّسَاء فِي ذَلِك الْيَوْم، حَيْثُ أمرهن بِالصَّدَقَةِ فلغلبة الْبُخْل عَلَيْهِنَّ، وَقلة معرفتهن بِثَوَاب الصَّدَقَة وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْحسن وَالْفضل فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْآخِرَة. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء أَيَّام الْعِيد إِلَى الْمصلى للصَّلَاة مَعَ النَّاس. وَقَالَت الْعلمَاء: كَانَ هَذَا فِي زَمَنه ﷺ ، وَأما الْيَوْم فَلَا تخرج الشَّابَّة ذَات الْهَيْئَة، وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَو رأى رَسُول الله، ﷺ مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد، كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل. قلت: هَذَا الْكَلَام من عَائِشَة بِعُذْر من يسير جدا بعد النَّبِي ﷺ ، وَأما الْيَوْم فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك، فَلَا يرخص فِي خروجهن مُطلقًا للعيد وَغَيره، وَلَا سِيمَا نسَاء مصر، على مَا لَا يخفى. وَفِي (التَّوْضِيح) رأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا عَلَيْهِنَّ، يَعْنِي: فِي خروجهن للعيد مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر وَغَيرهم، وَمِنْهُم من منعن ذَلِك، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف، وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة مرّة وَمنعه أُخْرَى، وَمنع بَعضهم فِي الشَّابَّة دون غَيرهَا، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي يُوسُف، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: كَانَ الْأَمر بخروجهن أول الْإِسْلَام لتكثير الْمُسلمين فِي أعين الْعَدو. قلت: كَانَ ذَلِك لوُجُود الْأَمْن أَيْضا، وَالْيَوْم قلَّ الأمنُ، والمسلمون كثير، وَمذهب أَصْحَابنَا فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره صَاحب (الْبَدَائِع) أَجمعُوا على أَنه لَا يرخص للشابة الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَة وَشَيْء من الصَّلَوَات، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وقرون فِي بُيُوتكُمْ﴾ (سُورَة الْأَحْزَاب: ٣٣) وَلِأَن خروجهن سَبَب للفتنة وَأما الْعَجَائِز فيرخص لَهُنَّ الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ، وَلَا خلاف أَن الْأَفْضَل أَن لَا يخْرجن فِي صَلَاة مَا، فَإِذا خرجن يصلين صَلَاة الْعِيد، فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف عَنهُ، لَا يصلين، بل يكثرن سَواد الْمُسلمين وينتفعن بدعائهم، وَفِي حَدِيث أم عَطِيَّة، قَالَت: [حم (كَانَ رَسُول الله ﷺ يخرج الْعَوَاتِق ذَوَات الْخُدُور وَالْحيض

стр. 899

فِي الْعِيد، وَأما الْحيض فيعتزلن الْمصلى ويشهدن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين) [/ حم أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ، ﵊: [حم (لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله) [/ حم أَخْرجَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي دواد: (وليخرجن ثقلات غير عطرات) ، الْعَوَاتِق، جمع عاتق، وَهِي الْبِنْت الَّتِي بلغت وَقيل: الَّتِي لم تتَزَوَّج، والخدور جمع: خدر، وَهُوَ السّتْر، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: يكره للشابة وَمن تشْتَهي الْحُضُور ولخوف الْفِتْنَة عَلَيْهِنَّ وبهن. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز عظة النِّسَاء على حِدة، وَهَذِه للْإِمَام، فَإِن لم يكن فلنائبه. الْخَامِس: فِيهِ إِشَارَة إِلَى الإغلاظ فِي النصح بِمَا يكون سَببا لإِزَالَة الصّفة الَّتِي تعاب أَو الذَّنب الَّذِي ينصف بِهِ الْإِنْسَان، السَّادِس: فِيهِ أَن لَا يواجه بذلك الشَّخْص الْمعِين، فَإِن فِي الشُّمُول تَسْلِيَة وتسهيلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الصَّدَقَة تدفع الْعَذَاب وَأَنَّهَا تكفر الذُّنُوب. الثَّامِن: فِيهِ أَن جحد النعم حرَام، وكفران النِّعْمَة مَذْمُوم. التَّاسِع: فِيهِ أَن اسْتِعْمَال الْكَلَام الْقَبِيح: كاللعن والشتم حرَام، وَأَنه من الْمعاصِي: فَإِن داوم عَلَيْهِ صَار كَبِيرَة، وَاسْتدلَّ النَّوَوِيّ على أَن اللَّعْن والشتم من الْكَبَائِر بالتوعد عَلَيْهِمَا بالنَّار. الْعَاشِر: فِيهِ ذمّ الدُّعَاء باللعن لِأَنَّهُ دُعَاء بالإبعاد من رَحْمَة الله تَعَالَى. قَالُوا: إِنَّه مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ على معِين. الْحَادِي عشر: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على الذُّنُوب الَّتِي لَا تخرج عَن الْملَّة تَغْلِيظًا على فاعلها. الثَّانِي عشرَة: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه. الثَّالِث عشر: فِيهِ مُرَاجعَة المتعلم وَالتَّابِع الْمَتْبُوع والمعلم فِيمَا قَالَه إِذا لم يظْهر لَهُ مَعْنَاهُ. الرَّابِع عشر: فِيهِ تَنْبِيه على أَن شَهَادَة امْرَأتَيْنِ تعدل شَهَادَة رجل. الْخَامِس عشر: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن النَّقْص من الطَّاعَات نقص من الدّين. قلت: لَا ينقص من نفس الدّين شَيْء وَإِنَّمَا النَّقْص أَو الزِّيَادَة يرجعان إِلَى الْكَمَال. السَّادِس عشر: فِيهِ دلَالَة على أَن ملاك الشَّهَادَة الْعقل. السَّابِعَة عشر: فِيهِ نَص على أَن الْحَائِض يسْقط عَنْهَا فرض الصَّوْم وَالصَّلَاة. الثَّامِن عشر: فِيهِ الشَّفَاعَة للْمَسَاكِين وَغَيرهم أَن يسْأَل لَهُم. التَّاسِع عشر: فِيهِ حجَّة لمن كره السُّؤَال لغيره. الْعشْرُونَ: فِيهِ مَا دلّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ ، من الْخلق الْعَظِيم والصفح الْجَمِيل والرأفة وَالرَّحْمَة أمته، عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وأشرف التَّحِيَّات. ٧ - (بابُ تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ) بَاب منون لِأَنَّهُ مَقْطُوع عَمَّا بعده أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان أَن الْمَرْأَة إِذا حَاضَت بعد الإحرامتقضي أَي: تُؤدِّي جَمِيع الْمَنَاسِك كلهَا إلَاّ أَنَّهَا لَا تَطوف بِالْبَيْتِ والمناسك: جمع منسك، بِفَتْح السِّين وَكسرهَا، وَهُوَ التَّعَبُّد وَيَقَع على الْمصدر وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَسميت أُمُور الْحَج كلهَا مَنَاسِك الْحَج، وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن الْمَنَاسِك، مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ مَأْخُوذ من النسيكة وَهُوَ سبيكة الْفضة المصفاة كَأَنَّهُ صفى نَفسه لله تَعَالَى. وَفِي (الْمطَالع) الْمَنَاسِك مَوَاضِع متعبدات الْحَج، والمنسك المذبح أَيْضا، وَقد نسك ينْسك نسكا إِذا ذبح، والنسيكة الذَّبِيحَة، وَجَمعهَا: نسك والنسك أَيْضا الطَّاعَة وَالْعِبَادَة، وكل مَا تقرب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى: والنسك: مَا أمرت بِهِ الشَّرِيعَة والورع، وَمَا نهت عَنهُ. والناسك العابد، وَجمعه النساك. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن فِي الأول ترك الْحَائِض الصَّوْم، وَهُوَ فرض، وَفِي هَذَا تَركهَا الطّواف الَّذِي هُوَ ركن، وَهُوَ أَيْضا فرض، وَبَقِيَّة الطّواف كالركعتين بعده أَيْضا لَا تعْمل إلَاّ بِالطَّهَارَةِ، وَهل هِيَ شَرط فِي الطّواف، أم لَا فِيهِ خلاف مَشْهُور. وقالَ إبْرَاهِيمُ لَا بَأْسَ أنْ تَقْرَأْ الآيَةَ وَجه تطابق هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة والْآثَار الَّتِي بعده من حَيْثُ أَن الْحيض لَا يُنَافِي كل عبَادَة، بل صحت مَعَه عبادات بدنية من الْأَذْكَار نَحْو: التَّسْبِيح والتحميد والتهليل، وَنَحْو ذَلِك، وَقِرَاءَة مَا دون الْآيَة عِنْد جمَاعَة وَالْآيَة عِنْد إِبْرَاهِيم، ومناسك الْحَج كَذَلِك من جملَة مَا لَا يُنَافِيهِ الْحيض إلَاّ الطّواف، فَإِنَّهُ مُسْتَثْنى من ذَلِك، وَكَذَلِكَ الْآيَة وَمَا قوقها مُسْتَثْنى من ذَلِك فَمن هَذَا الْوَجْه طابق هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة، وَكَذَلِكَ الْآثَار الَّتِي تَأتي، وَحكم الْجنب كَحكم الْحَائِض فِيمَا ذكرنَا، وَإِذا وجد التطابق بِأَدْنَى شَيْء يَكْتَفِي بِهِ، والتطويل فِيهِ يؤول إِلَى التعسف. قَوْله: (قَالَ إِبْرَاهِيم) هُوَ: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. قَوْله: (لَا بَأْس) أَي: لَا حرج أَن تقْرَأ أَي: الْحَائِض الْآيَة من الْقُرْآن، وَقد وَصله الدَّارمِيّ بِلَفْظ أَرْبَعَة لَا يقرؤون الْقُرْآن: الْجنب وَالْحَائِض وَعند الْخَلَاء وَفِي الْحمام إلَاّ آيَة وَعَن إِبْرَاهِيم فِيهِ أَقْوَال: فِي قَول: يستفتح رَأس الْآيَة وَلَا يُتمهَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَسَعِيد بن جُبَير، لما روى ابْن أبي شيبَة حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حجاج عَن عَطاء، وَعَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم وَسَعِيد بن جُبَير

стр. 900

فِي الْحَائِض وَالْجنب: يستفتحون رَأس الْآيَة وَلَا يتمون آخرهَا. وَفِي قَول: يكره قِرَاءَة الْقُرْآن للْجنب، وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة بن حَمَّاد أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: يقْرَأ الْجنب الْقُرْآن قَالَ: فَذَكرته لإِبْرَاهِيم فكرهه. وَفِي قَول: يقْرَأ مَا دون الْآيَة وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وروى ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يقْرَأ مَا دون الْآيَة: وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وَفِي قَوْله: يقْرَأ الْقُرْآن مَا لم يكن جنبا، وَحدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عمر قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض الْقُرْآن. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسِ بالقِرَاءَةِ لَلْجُنُبِ بَأْساً هَذَا الْأَثر وَصله ابْن الْمُنْذر بِلَفْظ: أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرَأ ورده وَهُوَ جنب. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا الثَّقَفِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْرَأ الْجنب الْآيَة والآيتين، وَكَانَ أَحْمد يرخص للْجنب أَن يقْرَأ الْآيَة وَنَحْوهَا، وَبِه قَالَ مَالك: وَقد حكى عَنهُ أَنه قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض وَلَا يقْرَأ الْجنب لِأَن الْحَائِض إِذا لم تقْرَأ نسيت الْقُرْآن، لِأَن أَيَّام الْحَائِض تتطاول وَمُدَّة الْجَنَابَة لَا تطول. وكانَ النَّبيِّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ أَحْيَائِهِ هَذَا حَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يرْوى على كل أَحْوَاله وَأَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا، وَبِمَا ذكره فِي هَذَا الْبَاب، الِاسْتِدْلَال على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض، لِأَن الذّكر أَعم من أَن يكون بِالْقُرْآنِ أَو بِغَيْرِهِ، وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد. وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أنْ يَخْرُجَ الحَيَّضُ فَيَكُبرنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي أَيَّام التَّكْبِير: أَيَّام مني، وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ حَدثنَا عمر ابْن حَفْص، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن عَاصِم عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كُنَّا نؤمر أَن نخرج يَوْم الْعِيد، حَتَّى تخرج الْبكر من خدرها، وَحَتَّى تخرج الْحيض، فيكنَّ خلف النَّاس فيكبرنَّ بتكبيرهم، ويدعونَ بدعائهم يرجون بركَة ذَلِك الْيَوْم وطهرته) ، وَرَوَاهُ أَيْضا فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء الْحيض إِلَى الْمصلى على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا فرق بَين الذّكر والتلاوة، لِأَن الذّكر أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَيدعونَ، كَذَا الْأَكْثَر الروَاة، وللكشميهني: يدعين، بياء تَحْتَانِيَّة بدل الْوَاو. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره مُخَالف لقواعد التصريف، لِأَن هَذِه الصِّيغَة معتل الْأُم من ذَوَات الْوَاو، ويستوى فِيهَا لفظ جمَاعَة الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي الْخطاب والغيبة جَمِيعًا. وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يقعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث يفعلن، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِي مَوضِع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ﴿وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَني أبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتابِ النَّبي ﷺ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمان الرَّحِيمِ وَيَا أَهْلَ الكِتابِ تَعَالُوا إِلَى كَلِمَةٍ الآيَةَ﴾ (سُورَة آل عمرَان: ٦٤) هَذَا قِطْعَة من حَدِيث أبي سُفْيَان فِي قصَّة هِرقل: وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي بَدْء الْوَحْي وَغَيره، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ (أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة الْكَلْبِيّ إِلَى عَظِيم بصرى، فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه، فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرحمان الرَّحِيم من مُحَمَّد ابْن عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم، سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد، فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ، فَإِن توليت فَعَلَيْك إِثْم الأريسين. ﴿يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَى الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا أشهدوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ . وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وسلمكتب إِلَى الرّوم وهم كفار، وَالْكَافِر جنب، كَأَنَّهُ يَقُول: إِذا جَازَ مس الْكتاب للْجنب مَعَ كَونه مُشْتَمِلًا على آيَتَيْنِ، فَكَذَا يجوز لَهُ قِرَاءَته، وَالْحَاصِل أَن رَسُول الله ﷺ بعث للْكفَّار الْقُرْآن مَعَ أَنهم غير ظَاهِرين، فجوز مسهم وقراءتهم لَهُ، فَدلَّ على جَوَاز الْقِرَاءَة للْجنب.

стр. 901

وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرٍ حاضَتْ عائِشَةٌ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوافِ بالبَيْتِ لَا تُصَلِّى عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي بَاب قَول النَّبِي ﷺ : (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت) حدّثنا الْحسن بن عمر حدّثنا يزِيد عَن حبيب عَن عَطاء عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فلبينا بِالْحَجِّ وَقدمنَا مَكَّة إِلَى أَن قَالَ: وَكَانَت عَائِشَة قدمت مَكَّة وَهِي حَائِض، فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تنسك الْمَنَاسِك كلهَا غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي حَتَّى تطهر) الحَدِيث. قَوْله: (فنسكت) ، بِفَتْح السِّين، وَالْمعْنَى: أَقَامَت بِأُمُور الْحَج كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ وَالصَّلَاة وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) قَوْله: (وَلَا تصلى) يحْتَمل أَن يكون من كَلَام عَطاء، أَو من كَلَام البُخَارِيّ، وَالله أعلم. وقالَ الحَكَمُ إنِّي لَا ذْبَحْ وَأَنَّا جُنُبٌ وقالَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١) الحكم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف ابْن عتيبة، بِضَم الْعين المهلمة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، الْكُوفِي، وَقد تقدم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) من رِوَايَته عَن عَليّ بن الحعد عَن شُعْبَة عَنهُ. قَوْله: (إِنِّي لأذبح) أَي: أَنِّي لأذبح الذَّبِيحَة وَالْحَال أَنِّي جنب، وَلَكِن لَا بُد أَن أذكر الله تَعَالَى يحكم هَذِه الْآيَة وَهِي: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١) وَأَرَادَ بِهَذَا أَن الذّبْح مُسْتَلْزم شرعا لذكر الله بِمُقْتَضى هَذِه الْآيَة، فَدلَّ على أَن الْجنب يجوز لَهُ التِّلَاوَة. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب سِتَّة من الْآثَار إِلَى هُنَا، وَاسْتدلَّ بهَا على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب الْقُرْآن، وَفِي كل ذَلِك مناقشة، ورد عَلَيْهِ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث وَردت بِمَنْع الْجنب عَن قِرَاءَة الْقُرْآن. وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا حَفْص بن عمر، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله ابْن سَلمَة، قَالَ: دخلت على عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنا ورجلان: رجل منا وَرجل من بني إسد، أحسبد فبعثهما عَليّ بعثاً وَقَالَ: إنَّكُمَا علجان فعالجان عَن دينكما، ثمَّ قَامَ فَدخل الْمخْرج، ثمَّ خرج فَدَعَا بِمَاء فَأخذ مِنْهُ حفْنَة فتمسح بهَا ثمَّ جعل يقْرَأ الْقُرْآن، فأنكروا ذَلِك، فَقَالَ: (إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَجِيء من الْخَلَاء فيقرإ بِنَا الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم لَا يحجزه عَن الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة) . فَإِن قلت: ذكر الْبَزَّار أَنه لَا يرْوى عَن عَليّ إلَاّ حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة، وَحكى البُخَارِيّ: عَن عَمْرو بن مرّة، كَانَ عبد الله، يَعْنِي ابْن سَلمَة يحدثنا، فتعرق وتنكر، وَكَانَ قد كبر وَلَا يُتَابع فِي حَدِيثه، وَذكر الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: وَإِن لم يكن أهل الحَدِيث يثبتونه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا توقف الثَّانِي فِي ثُبُوت هَذَا الحَدِيث لِأَن مَدَاره على عبد الله بن سَلمَة الْكُوفِي، وَكَانَ قد كبر وَأنكر من حَدِيث وعقله بعض النكرَة، وَإِنَّمَا روى هَذَا الحَدِيث بعد كبر. قَالَه شُعْبَة، وَذكر الْخطابِيّ أَن الإِمَام أَحْمد كَانَ يوهن حَدِيث عَليّ هَذَا، ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الضُّعَفَاء والمتروكين) وَقَالَ النَّسَائِيّ: يعرف وينكر. قلت: التِّرْمِذِيّ لما أخرجه قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا، وَقَالَ الْحَاكِم فِي عبد الله بن سَلمَة، أَنه غير مطعون فِيهِ. وَقَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَوْله: لَا يحجزه، بالزاي الْمُعْجَمَة، أَي: لَا يمنعهُ ويروى، بالراء الْمُهْملَة، بِمَعْنَاهُ ويروي: لَا يَحْجُبهُ، بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عرم، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يقْرَأ الْحَائِض وَلَا الْجنب شَيْئا من الْقُرْآن) ، وَضعف هَذَا الحَدِيث بِإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رِوَايَته عَن أهل الْحجاز ضَعِيفَة لَا يحْتَج بهَا، قَالَه أَحْمد وَيحيى وَغَيرهمَا من الْحفاظ. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه عَن طَاوُوس عَن جَابر مَرْفُوعا نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَأعله بِمُحَمد بن الْفضل وَأَغْلظ فِي تَضْعِيفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين. قلت: وَرُبمَا يعتضدان بِحَدِيث عَليّ الْمَذْكُور، وَلم يَصح عَن البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث، فَلذَلِك ذهب إِلَى جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض أَيْضا وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا صَحَّ عِنْده وَعند غَيره من حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم الَّذِي ذكر عَن قريب، قَالَ الطَّبَرِيّ فِي (كتاب التَّهْذِيب) الصَّوَاب أَن مَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ، الصَّلَاة وَالسَّلَام، من ذكر الله على كل أحيائه وَأَنه كَانَ يقْرَأ مَا لم يكن جنبا أَن قِرَاءَته طَاهِرا اخْتِيَار مِنْهُ لأَفْضَل الْحَالَتَيْنِ

стр. 902

وَالْحَالة الْأُخْرَى أَرَادَ تَعْلِيم الْأمة، وَأَن ذَلِك جَائِز لَهُم، غير مَحْظُور عَلَيْهِم ذكر الله وَقِرَاءَة الْقُرْآن. ٣٠٥ - حدّثنا أبُو نُعَيمؤغ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيرِ بنُ أبي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجُّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طمِثْتِ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ وأنَا أَبْكِي فقالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ لَوَدِدْتُ واللَّهِ أنِّي لَمْ أَحُجَّ العامَ قالَ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قالَ فإنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. . هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي أول كتاب الْحيض عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد، وشرحناه هُنَاكَ مُسْتَوْفِي. قَوْله: (سرف) بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء اسْم موع بِالْقربِ من مَكَّة قَوْلهَا: (طمثت) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا: أَي حِضْت. ٨ - (بابُ الاسْتِحَاضَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِحَاضَة، وَهِي جَرَيَان دم الْمَرْأَة من فرجهَا فِي غير أَوَانه، وَيخرج من عرق يُقَال لَهُ: العاذل، بِالْعينِ الْمُهْملَة. والذال الْمُعْجَمَة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن الْحيض والاستحاضة من أَحْكَام الْمَرْأَة. ٣٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ لرسولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَطْهُرُ أفَأَدَعُ الصَّلاةَ فقالَ رسولِ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بالحَيْضَةِ فإذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإذَا ذَهَبَ قَدْرُها فاغْسُلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي. . مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ غب حكم الِاسْتِحَاضَة، وَمر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم، وَصرح فِيهِ بالاستحاضة، وَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (جَاءَت فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت (يَا رَسُول الله إِنِّي أمْرَأَة استحاض فَلَا أطهر، أفأدع الصَّلَاة؟) الحَدِيث. رِجَاله قد تقدمُوا مرَارًا. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وحبيش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم، وَنَذْكُر هَاهُنَا غير مَا ذكرنَا هُنَاكَ. قَوْله: (وَصلى) أَي: بعد الِاغْتِسَال، كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ فِي بَاب إِذا حَاضَت فِي شهر ثَلَاث حيض، وَفِي لفظ: (فدعي الصَّلَاة قدر الإيام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه من جِهَة مَالك: (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي) وَفِي لفظ: (ثمَّ توضىء لكل صَلَاة) وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة: (أَن أم حَبِيبَة بنت جحش استحيضت سبع سِنِين، فاستففت النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن هَذِه لَيست بالحيضة، وَلَكِن هَذَا عرف فاغتسلي وَصلي، وَكَانَت تَغْتَسِل فِي مركن فِي حجرَة أُخْتهَا زَيْنَب بنت جحش حَتَّى تعلو حمرَة الدَّم على المَاء) وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة: (أَن سهلة بنت سُهَيْل استحيضت، فَاتَت النَّبِي ﷺ فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل عِنْد كل صَلَاة، فَلَمَّا جهدها ذلكأمرها أَن تجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِغسْل، وَالْمغْرب وَالْعشَاء بِغسْل وتغتسل للصبح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا قَالَت: (أستحيضت امْرَأَة على عهد رَسُول الله ﷺ فَأمرت أَن تعجل الْعَصْر وتؤخر الظّهْر وتغتسل لَهما غسلا، وَأَن تُؤخر الْمغرب وتعجل الْعشَاء وتغتسل لَهما غسلا وتغتسل لصَلَاة الصُّبْح) وَعِنْده من حَدِيث عَائِشَة فِي الْمُسْتَحَاضَة: (تَغْتَسِل مرّة وَاحِدَة ثمَّ تتوضأ

стр. 903

إِلَى أَيَّام اقرائها) وَفِي لفظ: [حم (فاجتنبي الصَّلَاة، أثر محيضك ثمَّ اغْتَسِلِي وتوضئي، لكل صَلَاة، وَإِن قطر الدَّم على الْحَصِير) [/ حم وَعند أبي عوَانَة الإسفرائني [حم (فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم) [/ حم وَعند التِّرْمِذِيّ مصححاً. [حم (توضئي لكل صَلَاة حَتَّى يَجِيء ذَلِك الْوَقْت) [/ حم وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة فلندع الصَّلَاة، وَإِذا أَدْبَرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صَلَاة) وَعند الطَّحَاوِيّ مَرْفُوعا: (فاغتسلي لطهرك وتوضئي عِنْد كل صَلَاة) وَعند الدَّارمِيّ: [حم (فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم وتوضئي وَصلي) [/ حم قَالَ هِشَام: وَكَانَ أبي يَقُول: تَغْتَسِل غسل الأول، ثمَّ مَا يكون بعد ذَلِك فَإِنَّهَا تطهر وَتصلي، وَعند أَحْمد: [حم (اغْتَسِلِي وتوضئي لكل صَلَاة وَصلي) [/ حم وَقَالَ الشَّافِعِي: ذكر الْوضُوء عندنَا غير مَحْفُوظ، وَلَو كَانَ مَحْفُوظًا لَكَانَ أحب إِلَيْنَا من الْقيَاس وَفِي (التَّمْهِيد) رَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن هِشَام مَرْفُوعا كَرِوَايَة يحيى عَن هِشَام سَوَاء، قَالَ فِيهِ: (وتوضئي لكل صَلَاة) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّاد ابْن سَلمَة عَن هِشَام مثله، وَحَمَّاد فِي ثِقَة ثَبت. وَاعْلَم أَن وَطْء الْمُسْتَحَاضَة جَائِز فِي حَال جَرَيَان الدَّم عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر، وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَقَتَادَة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَبكر الْمُزنِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري، وَكَانَ زَوجهَا يَأْتِيهَا، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: لَا يَأْتِيهَا زَوجهَا، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالْحكم وَسليمَان ابْن يسَار وَالزهْرِيّ وَالشعْبِيّ وَابْن عَلَيْهِ وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين، وَقَالَ أَحْمد لَا يَأْتِيهَا إلَاّ أَن يطول ذَلِك بهَا، وَفِي رِوَايَة: لَا يجوز وَطْؤُهَا إلَاّ أَن يخَاف زَوجهَا الْعَنَت، وَعَن مَنْصُور، تَصُوم وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا وَلَا تمس الْمُصحف وَتصلي مَا شَاءَت من الْفَرَائِض والنوافل. وَفِي وَجه للشَّافِعِيَّة: لَا تستبيح النَّافِلَة أصلا، وَمذهب الشَّافِعِي: أَنَّهَا لَا تصلي بِطَهَارَة وَاحِدَة أَكثر من فَرِيضَة وَاحِدَة مُؤَدَّاة أَو مقضية وَحكي ذَلِك عَن عُرْوَة وَالثَّوْري وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة طَهَارَتهَا مقدرَة فِي الْوَقْت فَتُصَلِّي فِي الْوَقْت بطهارتها الْوَاحِدَة مَا شَاءَت، وَقَالَ مَالك وَرَبِيعَة وَأَبُو دَاوُد: دم الِاسْتِحَاضَة لَا ينْقض الْوضُوء فَإِذا طهرت فلهَا أَن تصلي بطهارتها مَا شَاءَت من الْفَرَائِض والنوافل إلَاّ أَن تحديث بِغَيْر الِاسْتِحَاضَة، وَيصِح وضؤوها لفريضة قبل دُخُول وَقتهَا، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَلَا يجب عَلَيْهَا الِاغْتِسَال لشَيْء من الصَّلَاة وَلَا فِي وَقت من الْأَوْقَات إلَاّ مرّة وَاحِدَة إلَاّ فِي وَقت انْقِطَاع حَيْضهَا، وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عُرْوَة وَأبي سَلمَة وَمَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد. وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن الزبير أَنهم قَالُوا: يجب عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل لكل صَلَاة، وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: تَغْتَسِل كل يَوْم غسلا وَاحِدًا وَعَن ابْن الْمسيب وَالْحسن، تَغْتَسِل من صَلَاة الظّهْر إِلَى صَلَاة الظّهْر. فَائِدَة: كَانَ فِي زمن رَسُول الله ﷺ جمَاعَة من النِّسَاء مستحاضات، مِنْهُنَّ: أم حَبِيبَة بنت جحش وَسَيَأْتِي حَدِيثهَا وَزَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ وَأَسْمَاء أُخْت مَيْمُونَة لأمها وَفَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، وَحمْنَة بنت جحش، ذكرهَا أَبُو دَاوُد، وسهلة بنت سُهَيْل ذكرهَا أَيْضا، وَكَذَا زَيْنَب بنت جحش وَسَوْدَة بنت زَمعَة ذكرهَا الْعَلَاء بن الْمسيب عَن الحكم عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن، وَزَيْنَب بنت أم سَلمَة ذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه لحَدِيث يحيى بن أبي كثير، وَأَسْمَاء بنت مرشد الحارثية ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ، وبادية بنت غيلَان، ذكرهَا ابْن الْأَثِير. قلت: هِيَ الثقفية الَّتِي قَالَ عَنْهَا: هيت المخنث: تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان، تزَوجهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وأبوها أسلم وَتَحْته عشرَة نسْوَة. ٩ - (بابُ غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي فِي بَيَان غسل دم الْحيض، وَفِي نُسْخَة دم الْمَحِيض، وَفِي بَعْضهَا دم الْحَائِض، وَقد ذكر فِي كتاب الْوضُوء، بَاب غسل الدَّم وَهُوَ أَعم من هَذِه التَّرْجَمَة. الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لَا تخفى. ٣٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بُنُ يُوسُفَ قالَ أخْبَرنا مالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عَنُ أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ أَنَّهَا قالَتْ سَأَلْتِ امْرَأَةٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إحْدَانَا إذَا أصَابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ

стр. 904

وَسلم إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرِصْهُ ثُمَّ لَتَنْضَحْهُ بِمَاءِ ثُمَّ لتُصَلِّى فِيهِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٧) . مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: فالثلاثة الأول هم المذكورون بأعيانهم فس صدر سَنَد الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَمتْن هَذَا الحَدِيث ذكره فِي بَاب غسل الدَّم، فَقَالَ: حَدثنَا بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا يحيى عَن هِشَام، قَالَ: حَدَّثتنِي فَاطِمَة عَن أَسمَاء قَالَت: (جاءة امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت) الحَدِيث. وَرِجَال هَذَا الحَدِيث مدنيون مَا خلا عبد الله بن يُوسُف وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعه. ١٠ - (بابُ الاعْتِكَافِ لِلْمُسْتَحاضَةِ) أَي: هَذَا فِي بَيَان حكم الْمُسْتَحَاضَة إِذا اعتكفت، وَحكمه أَنه يجوز وَفِي بعض النّسخ بَاب الِاعْتِكَاف للمستحاضة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، وَقد ذكرنَا أَن الِاعْتِكَاف فِي اللُّغَة هُوَ، اللّّبْث، والعكف هُوَ الْحَبْس، وَفِي الشرعهو: اللّّبْث فِي المسجدمع الصَّوْم وَنِيَّة الِاعْتِكَاف. ٣٠٩ - حدّثنا إسْحاقُ قالَ حدّثنا خالِدُ بن عبد الله عَن خَالِد عَنْ عِكْرَمَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبيُّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَّ مُسْتَحَاضةُ تَرَى الدَّمَ فرُبَّما وَضعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَها مِنَ الدَّمِ وَزَعَمَ عِكْرَمَةُ أنَّ عائِشَةَ رَأْتْ ماءَ العُصْفُرِ فقالَتْ كأَنَّ هَذَا شَيْء ق كانَتْ فُلانَه تَجدُهُ.

стр. 905

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن شاهين، بِكَسْر الْهَاء، أَبُو بشر، بِكَسْر التَّاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الوَاسِطِيّ، جَاوز الْمِائَة. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان أَبُو الْهَيْثَم الْمُتَصَدّق بِوَزْن نَفسه الْفضة ثَلَاث مَرَّات. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الَّذِي يُقَال لَهُ: الْحذاء، بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين واسطي وبصري ومدني. وَهُوَ: عِكْرِمَة، والحذاء هوالبصري، ومدار هَذَا الحَدِيث عَلَيْهِ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد فِي هَذَا الْبَاب وَأخرجه فِي الصَّوْم، عَن قُتَيْبَة عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن عِيسَى وقتيبة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف عَن قُتَيْبَة وَأبي الْأَشْعَث الْعجلِيّ وَمُحَمّد بن عبد الله بن ربيع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن عَفَّان بن مُسلم، خمستهم عَن يزِيد بن زُرَيْع. ذكر لغاته ومعانيه وَإِعْرَابه قَوْلهَا: (بعض نِسَائِهِ) يرفع: لِأَنَّهُ فَاعل اعْتكف. قَوْلهَا: (وَهِي مُسْتَحَاضَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا وَوجه التَّأْنِيث مَعَ أَن لَفْظَة: هِيَ، ترجع إِلَى لفظ بعض إكتساب الْمُضَاف التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو التَّأْنِيث بِاعْتِبَار مَا صدق عَلَيْهِ لفظ الْبَعْض، وَهُوَ المُرَاد، وَإِنَّمَا لحق تَاء التَّأْنِيث فِي الْمُسْتَحَاضَة، وَإِن كَانَت الْمُسْتَحَاضَة من خَصَائِص النِّسَاء للإشعار بِأَن الِاسْتِحَاضَة حَاصِلَة لَهَا بِالْفِعْلِ. قَوْلهَا: (ترى الدَّم) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، صفة لَازِمَة للمستحاضة، وَهُوَ دَلِيل على أَن المُرَاد أَنَّهَا كَانَت فِي حَال الِاسْتِحَاضَة، لَا أَن من شَأْنهَا الِاسْتِحَاضَة، يَعْنِي: أَنَّهَا مُسْتَحَاضَة بِالْفِعْلِ لَا بِالْقُوَّةِ، وَيجوز أَن تكون التَّاء لنقل اللَّفْظ من الوصفية إِلَى الإسمية، وَإِنَّمَا لم يجز أَن يُقَال المستحيضة، على بِنَاء الْمَعْلُوم، لِأَن المتبع هُوَ الِاسْتِعْمَال، وَهُوَ لم يسْتَعْمل إلَاّ مَجْهُولا، كَمَا فِي نَحْو: جنّ من الجُنون. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: استحيضت الْمَرْأَة إستمر بهَا الدَّم بعد أَيَّامهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَة. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَا عرفنَا من أَزوَاج النَّبِي ﷺ من كَانَت مُسْتَحَاضَة، قَالَ: وَالظَّاهِر أَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أشارت بقولِهَا: من نِسَائِهِ، أَي: من النِّسَاء المتعلقات بِهِ، وَهِي أم حَبِيبَة بنت جحش أُخْت زَيْنَب بنت جحش زوج النَّبِي ﷺ ، كَأَن ابْن الْجَوْزِيّ قد ذهل عَن الرِّوَايَتَيْنِ فِي هَذَا الْبَاب: إِحْدَاهمَا امْرَأَة من أَزوَاجه، وَالْأُخْرَى كَانَ بعض أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ اعْتكف وَهِي مُسْتَحَاضَة، على مَا يأتيان عَن قريب، وَأَيْضًا فقد يبعد أَن يعْتَكف مَعَ النَّبِي ﷺ امْرَأَة من غير زَوْجَاته، وَإِن كَانَ لَهَا بِهِ تعلق، وَذكر ابْن عبد الْبر أَن بَنَات جحش الثَّلَاثَة كن مستحاضات، زَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ، وَحمْنَة زوج طَلْحَة، وَأم حَبِيبَة زوج عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَهِي الْمَشْهُورَة مِنْهُنَّ، بذلك، وَسَيَأْتِي حَدِيثهَا. ذكرُوا فِي هَذِه المبهمة، وَهُوَ قَوْلهَا: بعض نِسَائِهِ، ثَلَاثَة أَقْوَال: فَقيل: هِيَ سَوْدَة بنت زَمعَة. وَقيل: رَملَة أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان. قيل: زَيْنَب بنت جحش الأَسدِية أول من مَاتَ من أَزوَاج النَّبِي ﷺ بعده، وَأما على مَا زعم ابْن الْجَوْزِيّ من أَن الْمُسْتَحَاضَة لَيست أَزوَاجه ﷺ فقد روى: فَكَانَت زَيْنَب بنت أم سَلمَة أستحيضت وَهِي لَهَا تعلق بِالنَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهَا ربيبته، وَلَكِن هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حِكَايَة زَيْنَب على غَيرهَا، وَهُوَ الْأَشْبَه، فَإِن زَيْنَب كَانَت صَغِيرَة فِي زَمَنه ﷺ ، لِأَنَّهُ دخل على أمهَا فِي السّنة الثَّالِثَة وَزَيْنَب ترْضع. قَوْلهَا: (الطست) أَصله، الطس، بالتضعيف، فأبدلت إِحْدَى السينين تَاء للاستثقال، فَإِذا جمعت أَو صغرت رددت إِلَى أَصْلهَا فَقلت: طساس وطسيس، وَفِي اللُّغَة البلدية بالشين الْمُعْجَمَة، وَيجمع على طشوت. قَوْلهَا: (من الدَّم) كلمة من ابتدائية أَي: لأجل الدَّم، قَالَه الْكرْمَانِي: قلت: من، هُنَا للتَّعْلِيل قَوْلهَا: (وَزعم) فعل مَاض وفاعله، عِكْرِمَة، وَهُوَ بِمَعْنى: قَالَ قَالَ الْكرْمَانِي: أَو لَعَلَّه مَا ثَبت صَرِيح القَوْل من عِكْرِمَة بذلك، بل علم من قَرَائِن، الْأَحْوَال مِنْهُ، فَلهَذَا لم يسندالقول إِلَيْهِ صَرِيحًا وَهَذَا إِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَإِمَّا من تَتِمَّة قَول خَالِد الْحذاء فَيكون مُسْندًا أَو هُوَ عطف من جِهَة الْمَعْنى على عِكْرِمَة أَي قَالَ خَالِد قَالَ عِكْرِمَة وَزعم عِكْرِمَة وَقَالَ بَعضهم: وَزعم مَعْطُوف على معنى العنعنة، أَي: حَدثنِي عِكْرِمَة بِكَذَا وَزعم كَذَا، وابعد من زعم أَنه مُعَلّق انْتهى. قلت: هَذَا الْقَائِل يُرِيد بذلك الرَّد على الْكرْمَانِي: فَلَا وَجه لرده، لِأَن وَجه الْكَلَام هُوَ الَّذِي قَالَه: وَتردد هَذَا الِاحْتِمَال لَا يدْفع بقوله: وَزعم، مَعْطُوف على معنى العنعنة، والعطف من أَحْكَام الظَّوَاهِر فِي الأَصْل. قَوْلهَا: (مَاء العصفر) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وبالفاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ زهر القرطم، قَوْلهَا: (كَأَن) بتَشْديد النُّون قبلهَا همزَة. قَوْلهَا: (فُلَانَة) الطَّاهِر: أَنَّهَا هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي ذكرت قبل، وفلانة غير منصرف كِنَايَة عَن اسْمهَا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فلَان وفلانة كِنَايَة عَن أَسمَاء الْإِنَاث، وَإِذا

стр. 906

كنوا عَن أَعْلَام الْبَهَائِم أدخلُوا اللَّام فَقَالُوا: الفلان والفلانة. قَوْلهَا: تَجدهُ أَي: فِي زمن استحاضتها. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز اعْتِكَاف الْمُسْتَحَاضَة، وَجَوَاز صلَاتهَا لِأَن حَالهَا حَال الطاهرات، وَأَنَّهَا تضع الطست لِئَلَّا يُصِيب ثوبها أَو الْمَسْجِد وَأَن دم الِاسْتِحَاضَة رَقِيق لَيْسَ كَدم الْحيض، وَيلْحق بالمستحاضة مَا فِي مَعْنَاهَا كمن بِهِ سَلس الْبَوْل والمذي والودي، وَمن بِهِ جرح يسيل فِي جَوَاز الِاعْتِكَاف. ٣١٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خالِدٍ عَنْ عِكْرَمَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ اعْتَكَفتْ مَعَ رسولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فكانَتْ تَرَى الدَّمَ والصُّفْرَةَ والطَّسْتُ تَحْتِهَا وَهِيَ تُصَلِّي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وقتيبة، بِضَم الْقَاف هُوَ ابْن سعيد، وخَالِد، هُوَ الْحذاء قَوْلهَا: (ترى الدَّم والصفرة) كِنَايَة عَن الِاسْتِحَاضَة. قَوْلهَا: (والطست تحتهَا) جملَة حَالية، وَفِي نُسْخَة، بِدُونِ الْوَاو، وَهُوَ جَائِز. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز الْحَدث فِي الْمَسْجِد بِشَرْط عدم التلويث. ١١ - (بابٌ هَلْ تُصَلِّى المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حاضَتْ فِيهِ ؟) بَاب: إِنَّمَا يكون منوناً إِذا كَانَ خير مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا بَاب فِيهِ هَل تصلي الْمَرْأَة فِي ثوبها الَّذِي حَاضَت فِيهِ؟ وَهل، اسْتِفْهَام استفسار، وسؤال، وُجُوبه مَحْذُوف تَقْدِيره يجوز، أَو نَحْو ذَلِك. وَلَا يخفى وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ، لِأَن هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا فِيمَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الْحيض. ٣١٢ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ نافِعٍ عَنُ ابْنِ أبي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ قالَتْ عائِشَةُ مَا كانَ لاحْدانا إلَاّ ثَوْأ واحِدٌ تَحيضُ فِيهِ فَإِذا أصابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِ قالَتْ برِيقِها فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِها. مُطَابقَة لترجمة الْبَاب من حَيْثُ أما من لم يكن لَهَا إلَاّ ثوب وَاحِد تحيض فِيهِ لَا شكّ أَنَّهَا تصلي فِيهِ، لَكِن بتطهيرها إِيَّاه، دلّ عَلَيْهِ قَوْلهَا: (فَإِذا أَصَابَهُ شَيْء من دم إِلَخ) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن نَافِع بالنُّون وَالْفَاء، المَخْزُومِي أوثق شيخ بِمَكَّة فِي زَمَانه الثَّالِث: عبد الله بن أبي نجيح، وَاسم أبي نجيح: يسَار ضد الْيَمين، الْمَكِّيّ. الرَّابِع: مُجَاهِد بن جُبَير، تكَرر ذكره. الْخَامِس: عَائِشَة ﵂. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين: وَفِيه: القَوْل. قيل هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع ومضطرب، أما الِانْقِطَاع فَإِن أَبَا حَاتِم وَيحيى من معِين وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَشعْبَة وَأحمد قَالُوا: إِن مُجَاهدًا لم يسمع من عَائِشَة، وَأما الِاضْطِرَاب فلرواية أبي دَاوُد لَهُ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن إِبْرَاهِيم بن نَافِع عَن الْحسن بن مُسلم، بدل ابْن أبي نجيح، ورد عَلَيْهِ بِأَن البُخَارِيّ صرح بِسَمَاعِهِ مِنْهَا فِي غير هَذَا الْإِسْنَاد فِي عدَّة أَحَادِيث، وَكَذَا أثبت سَمَاعه مِنْهَا ابْن الْمَدِينِيّ وَابْن حبَان مَعَ أَن الْإِثْبَات مقدم على النَّفْي، أما الِاضْطِرَاب الَّذِي ذكره فَهُوَ لَيْسَ باضطراب لِأَنَّهُ مَحْمُول على أَن إِبْرَاهِيم بن نَافِع سَمعه من شيخين، وَشَيخ البُخَارِيّ أَبُو نعيم أحفظ من شيخ أبي دَاوُد وَمُحَمّد بن كثير، وَقد تَابع أَبَا نعيم، خَالِد بن يحيى وَأَبُو حُذَيْفَة والنعمان بن عبد السَّلَام فرجحت رِوَايَته، والمرجوح لَا يُؤثر فِي الرَّاجِح. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع قَالَ: سَمِعت الْحسن يَعْنِي أَبَا سليم يذكر عَن مُجَاهِد. قَالَ: قَالَت عَائِشَة: مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثوب وَاحِد فِيهِ

стр. 907

تحيض فَإِذا أَصَابَهُ شَيْء من دم بلته بريقها فمصعته بريقها. ذكر مَا فِيهِ من الْمَعْنى وَالْحكم قَوْلهَا: (لإحدانا) أَي: من زَوْجَات النَّبِي، ﵊، قَالَ الْكرْمَانِي: (فَإِن قلت:) هَذَا النَّفْي لَا يلْزم أَن يكون عَاما لكلهن لصدقه بِانْتِفَاء الثَّوْب الْوَاحِد مِنْهُنَّ. قلت: هُوَ عَام، إِذْ صدقه بِانْتِفَاء الثَّوْب لكلهن وإلَاّ لَكَانَ لإحداهن الثَّوْب فَيلْزم الْخلف، ثمَّ لفظ الْمُفْرد الْمُضَاف من صِيغ الْعُمُوم على الْأَصَح. قَوْله: (تحيض فِيهِ) جمَاعَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لثوب. قَوْلهَا: (قَالَت بريقها) يَعْنِي: صبَّتْ عَلَيْهِ من رِيقهَا، وَقد ذكرتا أَن القَوْل يسْتَعْمل فِي غير مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام أَو الْمَعْنى: بلته بريقها كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد. قَوْلهَا: (فمصعته بظفرها) يَعْنِي فركته، ومادته مِيم وصاد وَعين مهملتان وَفِي رِوَايَة: (فقصعته) بِالْقَافِ وَالصَّاد وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، وَمعنى: قصعته دلكته بِهِ وَمعنى قصع القملة، إِذا شدخها بَين حأظفاره وَأما قصع الرّطبَة فَهُوَ بِالْفَاءِ، وَهُوَ أَن يَأْخُذهَا بإصبعه فيغمزها أدنى غمز فَتخرج الرّطبَة خَالِصَة قشرها وَقَالَ ابْن الْأَثِير قصعته أَي: دلكته بظفرها، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا فِي الدَّم الْيَسِير الَّذِي يكون معفواً عَنهُ وَأما فِي الْكثير مِنْهُ، فصح عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تغسله. قلت: هم لَا يرَوْنَ بِأَن الْيَسِير من النَّجَاسَات عَفْو، وَلَا يُعْفَى عِنْدهم مِنْهَا عَن شَيْء سَوَاء كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا، وَهَذَا لَا يمشي إلَاّ على مَذْهَب أبي حنيفَة، فَإِن الْيَسِير عِنْده عَفْو، وَهُوَ مَا دون الدِّرْهَم، فَحِينَئِذٍ الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم حَيْثُ اختصوا فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بِالْمَاءِ، لَا يُقَال: إِن هَذَا الحَدِيث معَارض بِحَدِيث أم سَلمَة لِأَن فِيهِ: (فَأخذت ثِيَاب حيضتي) ، وَهُوَ يدل على تعدد الثَّوْب لِإِمْكَان كَون عدم التَّعَدُّد فِيهِ فِي بَدْء الْإِسْلَام، فَإِنَّهُم كَانُوا حِينَئِذٍ فِي شدَّة وَقلة، وَلما فتح الله الْفتُوح واتسعت أَحْوَالهم اتَّخذت النِّسَاء ثيابًا للْحيض سوى ثِيَاب لبساهن، فَأخْبرت أم سَلمَة عَنهُ. مِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز إِزَالَة النَّجَاسَة بِغَيْر المَاء فَإِن الدَّم نجس وَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين وَإِن إِزَالَة النَّجَاسَة لَا يشْتَرط فِيهَا الْعدَد بل المُرَاد الاتقاء. ١٢ - (بابُ الَطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا مِنَ الحَيْضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة الطّيب للْمَرْأَة عِنْد غسلهَا من الْحيض، وَفِي بعض النّسخ من الْمَحِيض. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول إِزَالَة الدَّم من الثَّوْب، وَهِي التَّنْظِيف والانقاء، وَفِي هَذَا الْبَاب، التَّطَيُّب، وَهُوَ زِيَادَة التَّنْظِيف. ٣١٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبُدِ الوَهَّابِ قالَ حدّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ أوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمَ عَطِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ كُنَّا نُنْهَى أنْ نُحِدَّ علَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وَلَا نَكْتَحِلَ وَلا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلَاّ ثَوْبَ عَصْبٍ وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطَّهْرِ إذَا اغْتَسَلَتْ إحْدانَا مِنْ مَحِيضِها فِي نُبْذةٍ مِنْ كُسْتٍ أظْفَارِ وَكُنَّا نُنْهَى عَنُ اتِّباعِ الجَنَائِزِ. . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقد رخص لناعند الطُّهْر) إِلَى آخِره. وَفِيه من التَّأْكِيد حَتَّى إِنَّه رخص للمحد الَّتِي حرم عَلَيْهَا اسْتِعْمَال الطّيب. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، تقدم غير مرّة. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: حَفْصَة بنت سِيرِين الْأنْصَارِيّ أم الْهُذيْل. الْخَامِس: أم عَطِيَّة من فاضلات الصَّحَابَة، كَانَت تمرض المرضى وتداوي الْجَرْحى وتغسل الْمَوْتَى، وَاسْمهَا نسيبة بنت الْحَارِث. وَقيل: بنت كَعْب الغاسلة. بَين لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته الْأَرْبَعَة بصريون. وَفِيه: فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وكريمة. قَالَ: حَدثنَا حما بن زيد عَن أَيُّوب، قَالَ: أَبُو عبد الله أَو هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، فَكَأَنَّهُ شكّ فِي شيخ حَمَّاد، وَهُوَ أَيُّوب أَو هِشَام، وَلَيْسَ ذَلِك عِنْد بَقِيَّة الروَاة، وَلَا

стр. 908

عِنْد أَصْحَاب الْأَطْرَاف، وَقد أورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الطَّلَاق بِهَذَا الْإِسْنَاد فَلم يذكر ذَلِك. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب بِهِ وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن أبي نعيم عَن عبد السَّلَام بن حَرْب قَالَ: وَقَالَ الْأنْصَارِيّ: أخرجه مُسلم فِيهِ عَن حسن بن الرّبيع عَن عبد الله بن إِدْرِيس وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير، وَعَن عَمْرو والناقد عَن يزِيد بن هَارُون. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن هَارُون بن عبد الله وَمَالك بن عبد الله المسمعي، كِلَاهُمَا عَن هَارُون بن عبد الله وَعَن عبد الله بن الْجراح عَن عبد الله بن بكر السَّهْمِي وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد عَن خَالِد وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة بِهِ. ذكر لغاته قَوْلهَا: (أَن نحد) بِضَم النُّون وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة من الْإِحْدَاد، وَهُوَ الِامْتِنَاع من الزِّينَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: أحدت الْمَرْأَة: أَي امْتنعت من الزِّينَة والخضاب بعد وَفَاة زَوجهَا، وَكَذَلِكَ حدث تحد بِالضَّمِّ، وتحد، بِالْكَسْرِ، حداداً وَهِي حاد، وَلم يعرف الْأَصْمَعِي إلَاّ أحدت، فَهِيَ محدة، كَذَا فِي (الْمُحكم) وأصل هَذِه الْمَادَّة الْمَنْع، وَمِنْه قيل: البواب حداد لِأَنَّهُ يمْنَع الدُّخُول وَالْخُرُوج، وَأغْرب بَعضهم فحكاه بِالْجِيم نَحْو: جددت الشَّيْء، إِذا قطعت، فَكَأَنَّهَا قد انْقَطَعت عَن الزِّينَة عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ قبل ذَلِك. قَوْله: (ثوب عصب) بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَهُوَ من برود الْيمن يصْبغ غزلها ثمَّ تنسج، وَفِي (الْمُحكم) هُوَ ضرب من برود الْيمن يعصب غزلها أَي يجمع ثمَّ يصْبغ ثمَّ ينسج، وَقيل: هِيَ مخططة. وَفِي (الْمُنْتَهى) العصب فِي اللُّغَة إحكام الْقَتْل والطي وَشدَّة الْجمع واللي وكل شَيْء أحكمته فقد عصبته، وَمِنْه أَخذ عصب الْيمن، وَهُوَ: المفتول من برودها، والعصب الْخِيَار، وَفِي (الْمُحكم) وَلَيْسَ من برود الرقم، وَلَا يجمع إِنَّمَا يُقَال: برد عصب وبرود وَعصب، وَرُبمَا اكتفوا بِأَن يَقُولُوا عَلَيْهِ العصب لِأَن الْبرد عرف بذلك زَاد فِي (الْمُخَصّص) لَا يثنى وَلَا يجمع لِأَنَّهُ أضيف إِلَى الْفِعْل، إِنَّمَا الْعلَّة فِيهِ بِالْإِضَافَة إِلَى الْجِنْس وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السَّحَاب كاللطخ، عصب، قَالَ الْقَزاز: وَكَانَ الْمُلُوك يلبسونها، وروى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه أَرَادَ أَن ينْهَى عَن عصب الْيمن، وَقَالَ: تثبت أَنه يصْبغ ثمَّ بالبول، ثمَّ قَالَ: نهينَا عَن التعمق، وَفِي حَدِيث ثَوْبَان: اشْتَرِ لفاطمة قلادة من عصب، قَالَ الْخطابِيّ: إِن لم تكن الثِّيَاب اليمانية فَلَا أَدْرِي، وَمَا أرى أَن القلادة تكون مِنْهَا وَقَالَ أَبُو مُوسَى ذكر لي بعض أهل الْيمن أَنه سنّ دَابَّة بحريّة تسمى فرس فِرْعَوْن يتَّخذ مِنْهَا الخرز وَغَيره يكون أَبيض. قَوْله: (فِي نبذة) بِضَم النُّون، وَفتحهَا وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالذال الْمُعْجَمَة، وه الشَّيْء الْيَسِير، وَالْمرَاد بِهِ الْقطعَة، قَالَ ابْن سَيّده: وَالْجمع إنباذ. قَوْله: (كسبت أظفار) كَذَا هُوَ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه، قسط ظفار، مَنْسُوب إِلَى ظفار، وَهِي سَاحل من سواحل عدن. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هِيَ مَدِينَة بِالْيمن، وَالَّذِي فِي مُسلم قسط وأظفار، وَهُوَ الْأَحْسَن فَإِنَّهَا نَوْعَانِ قيل: هُوَ شَيْء من الْعطر أسود الْقطعَة مِنْهُ شَبيهَة بالظفر، وَهُوَ بخور رخص فِيهِ للمغتسلة من الحيث لإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة، وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: ظفار، وبفتح أَوله وَفِي آخِره رَاء مَكْسُورَة مَبْنِيّ على الْكسر، وَهُوَ مَدِينَة بِالْيمن، وَبهَا قصر الملكة، وَيُقَال: إِن الْجِنّ بنتهَا وَعَن الصغاني، ظفار فِي الْيمن أَرْبَعَة مَوَاضِع: مدينتان وحصتان أما المدينتان. فإحداهما: ظفار الحقل، كَانَ ينزلها التابعية، وَهِي على مرحلَتَيْنِ من صنعاء وإليها ينْسب الْجزع، وَالْأُخْرَى: ظفار السَّاحِل، قرب مرابط، وإليها ينْسب الْقسْط: يجلب إِلَيْهَا من الْهِنْد، والحصتان: أَحدهمَا: فِي يماني صنعاء، على مرحلَتَيْنِ؟ وَيُسمى: ظفار الواديين. وَالثَّانِي: فِي بِلَاد هَمدَان وَيُسمى: ظفار الطَّاهِر، وَفِي (الْمُحكم) الظفر ضرب من الْعطر أسود مُقَلِّب من أَصله على شكل ظفر الْإِنْسَان يوضع فِي الدخنة، وَالْجمع أظفار وأظافير. وَقَالَ صَاحب (الْعين) لَا وَاحِد لَهُ، وظفّر ثَوْبه. طيبه الظفر، وَفِي (الْجَامِع) الْأَظْفَار شَيْء من الْعطر يشبه الْأَظْفَار يتَّخذ مِنْهَا مَعَ الأخلاط وَلَا يفرد وَاحِدهَا: وَأَن أفرد فَهُوَ أظفارة. وَفِي كتاب (الطّيب) للمفضل بن سَلمَة، الْقسْط والكسط والكشط، ثَلَاث لُغَات قَالَ: وَهُوَ من طيب الأعربا، وَسَماهُ ابْن البيطار فِي كتاب (الْجَامِع) راسناً أَيْضا وَفِي كتاب أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ، قَالَ الْأَزْهَرِي، واحده ظفر، وَقَالَ غَيره الْأَظْفَار، شَيْء من الْعطر وَقَالَ الإِمَام إِسْمَاعِيل: الْأَظْفَار شَيْء يتداوى بِهِ كَأَنَّهُ عود وَكَأَنَّهُ يثقب وَيجْعَل فِي القلادة، وَفِي أثبت الرِّوَايَات: (من جزع ظفار) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (ظفاري) . ذكر مَعَانِيه وَإِعْرَابه قَوْلهَا: (كُنَّا ننهى) ، بِضَم النُّون الأولى على صِيغَة الْمَجْهُول، والناهي هُوَ النَّبِي ﷺ كَمَا دلّت عَلَيْهِ

стр. 909

رِوَايَة هِشَام الْمُعَلقَة الْمَذْكُورَة فِي آخر الحَدِيث، وَهَذِه الصِّيغَة فِي حكم الْمَرْفُوع، وَكَذَلِكَ، كنار وَكَانُوا، وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ وَقع فِي زمن النَّبِي ﷺ وقررهم عَلَيْهِ فَهُوَ مَرْفُوع. معنى: قَوْله: (أَن تحد) كلمة أَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: كُنَّا ننهى عَن الْإِحْدَاد. قَوْله: (فَوق ثَلَاث) يَعْنِي بِهِ اللَّيَالِي مَعَ أَيَّامهَا وَلذَلِك أنث الْعدَد. قَوْله: (إِلَّا على زوج) كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: إلَاّ على زَوجهَا الأول مُوَافق للفظ: تحد غَائِبَة. وَالثَّانِي: بِصِيغَة الْمُتَكَلّم قَالَه الْكرْمَانِي: وَيُقَال: تَوْجِيه الثَّانِي أَن الضَّمِير يعود على الْوَاحِدَة المندرجة فِي قَوْلهَا: (كُنَّا ننهى) أَي: كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ. قَوْله: (وَعشرا) أَي: عشر لَيَال، إِذا وَأُرِيد بِهِ الْأَيَّام لقيل: ثَلَاثَة بِالتَّاءِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٣٤) لَو قلت فِي مثله: عشرَة، لخرج من كَلَام الْعَرَب، لَا نراهم قطّ يستعملون التَّذْكِير فِيهِ، وَقَالَ الْفرق بَين الْمُذكر والمؤنث فِي الإعداد إِنَّمَا هُوَ عِنْد ذكر الْمُمَيز أما لَو لم يذكر جَازَ فِيهِ التَّاء وَعَدَمه مُطلقًا فَإِن قلت: وَعشرا مَنْصُوب بِمَاذَا؟ قلت: هُوَ عطف على قَوْله: أَرْبَعَة وَهُوَ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَلَا تكتحل) بِالرَّفْع، ويروي بِالنّصب، فتوجيهه أَن تكون لَا زَائِدَة وتأكيداً فَإِن قلت: لَا، لاتؤكد إلَاّ إِذا تقدم النَّفْي عَلَيْهِ. قلت: تقدم معنى النَّفْي وَهُوَ النَّهْي. قَوْله: (وَقد رخص) أَي: التَّطَيُّب. ذكر استنباط الْأَحْكَام. الأول: وجوب الْإِحْدَاد على كل من هِيَ ذَات زوج، سَوَاء فِيهِ الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا، وَالصَّغِيرَة والكبيرة، وَالْبكْر وَالثَّيِّب، والحرة وَالْأمة، وَعند أبي حنيفَة: لَا إحداد على الصَّغِيرَة وَلَا على الزَّوْجَة الْأمة، وَأَجْمعُوا أَن لَا إحداد على أم الْوَلَد وَالْأمة إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا، وَلَا على الرَّجْعِيَّة، وَفِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا قَولَانِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، وَالْحكم أَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد: عَلَيْهَا الْإِحْدَاد، وَهُوَ قَول ضَعِيف للشَّافِعِيّ، وَقَالَ عَطاء وَرَبِيعَة وَمَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُنْذر: بِالْمَنْعِ، وَحكي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه لَا يجب الْإِحْدَاد على الْمُطلقَة وَلَا على المتوفي عَنْهَا زَوجهَا، وَهُوَ شَاذ وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَجمعُوا على وجوب الْإِحْدَاد، إلَاّ الْحسن فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِوَاجِب، وَتعلق أَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَمَالك فِي أحد قوليه، وَابْن كنَانَة وَابْن نَافِع وَأَشْهَب بِأَن لَا إحداد على الْكِتَابِيَّة المتوفي عَنْهَا زَوجهَا الْمُسلم بقوله فِي الحَدِيث: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد) الحَدِيث، وَقَالَ الشَّافِعِي وَعَامة أَصْحَاب مَالك: عَلَيْهَا الْإِحْدَاد سَوَاء دخل بهَا أَو لم يدْخل بهَا. فَإِن قلت: لم خص الْأَرْبَعَة الْأَشْهر وَالْعشرَة؟ قلت: لِأَن غَالب الْحمل تبين حركته فِي هَذِه الْمدَّة، وأنث الْعشْر، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْأَيَّام بلياليها، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إلَاّ مَا حُكيَ عَن يحيى بن أبي كثير، والأزاعي أَنه أَرَادَ أَرْبَعَة أشهر وَعشر لَيَال، وَإِنَّهَا تحل فِي الْيَوْم الْعَاشِر، وَعند الْجُمْهُور: لَا تحل حَتَّى تدخل اللَّيْلَة الْحَادِي عشر، وَهَذَا خرج على غَالب أَحْوَال المعتدات أَنَّهَا تَعْتَد بِالْأَشْهرِ، أما إِذا كَانَت حَامِلا فعدتها بِالْحملِ ويلزمها الْإِحْدَاد فِي جَمِيع الْمدَّة حَتَّى تضع، سَوَاء قصرت الْمدَّة أم طَالَتْ، فَإِذا وضعت فَلَا إحداد بعده وَقَالَ بعض الْعلمَاء: لَا يلْزمهَا الْإِحْدَاد بعد أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَإِن لم تضع الْحمل. الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم الْكحل سَوَاء احْتَاجَت إِلَيْهِ أم لَا، وَجَاء فِي (الْمُوَطَّأ) وَغَيره عَن أم سَلمَة: إجعليه بِاللَّيْلِ وامسحيه بِالنَّهَارِ. وَوجه الْجمع إِذا لم تحتج إِلَيْهِ لَا يحل لَهَا فعله، وَإِن احْتَاجَت لم يجز بِالنَّهَارِ دون اللَّيْل، وَالْأولَى تَركه لحَدِيث: إِن ابْنَتي اشتكت عينهَا أفنكحلها؟ قَالَ: لَا، وَلِهَذَا إِن سالما وَسليمَان بن يسَار قَالَا: إِذا خشيت على بصرها إِنَّهَا تكتحل وتتداوى بِهِ وَإِن كَانَ مطيباً، وَجوزهُ مَالك فِيمَا حَكَاهُ الْبَاجِيّ تكتحل بِغَيْر مُطيب وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَالْمرَاد بالكحل الْأسود والأصفر، أما الْأَبْيَض كالتوتيا وَنَحْوه فَلَا تَحْرِيم فِيهِ عِنْد أَصْحَابنَا إِذْ لَا زِينَة فِيهِ، وَحرمه بَعضهم على الشعْثَاء حَتَّى تتزين. الثَّالِث: فِيهِ تَحْرِيم الطّيب، وَهُوَ مَا حرم عَلَيْهَا فِي حَال الْإِحْرَام وَسَوَاء ثوبها وبدنها. وَفِي (التَّوْضِيح) يحرم عَلَيْهَا أَيْضا كل طَعَام فِيهِ طيب. الرَّابِع: فِيهِ تَحْرِيم لبس الثِّيَاب المعصفرة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء، على أَنه لَا يجوز للحادة لبس الثِّيَاب المعصفرة والمصبغة، إلَاّ مَا صبع بسواد، فَرخص فِيهِ عُرْوَة العصب، وَأَجَازَهُ الزُّهْرِيّ وَأَجَازَ مَالك تخليطه، وَصحح الشَّافِعِيَّة تَحْرِيم البرود مُطلقًا، وَهَذَا الحَدِيث حجَّة لمن أجَازه نعم، أجازوه فِيمَا إِذا كَانَ الصَّبْغ لَا يقْصد بِهِ الزِّينَة، بل يعْمل للمصيبة وَاحْتِمَال الْوَسخ كالأسود، والكحل، بل هُوَ أبلغ فِي الْحداد بل حكى الْمَاوَرْدِيّ وَجها أَنَّهَا يلْزمهَا فِي الْحداد، أَعنِي: الْأسود. الْخَامِس: فِيهِ الترخيص للحادة إِذا اغْتَسَلت من الْحيض لإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة، وَقَالَ النَّوَوِيّ وَلَيْسَ الْقسْط والظفرة مَقْصُودا للتطييب، وَإِنَّمَا رخص فِيهِ لإِزَالَة الرَّائِحَة، وَقَالَ الْمُهلب: رخص لَهَا

стр. 910

فِي التبخرية لدفع رَائِحَة الدَّم عَنْهَا، لما تستقبله من الصَّلَاة. وَقَالَ ابْن بطال: أُبِيح للحائض، محداً أَو غير محد عِنْد غسلهَا من الْحيض أَن تدرأ رَائِحَة الدَّم عَن نَفسهَا بالبخور بالقسد مُسْتَقْبلَة للصَّلَاة ومجالسة الْمَلَائِكَة لِئَلَّا تؤذيهم رَائِحَة الدَّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) الْمَقْصُود بِاسْتِعْمَال الْمسك إِمَّا تطييب الْمحل وَدفع الرَّائِحَة الكريهة، وَإِمَّا كَونه أسْرع إِلَى علوق الْوَلَد، أَن قُلْنَا بِالْأولِ يقوم مقَامه الْقسْط والأظفار، وشبههما. قلت: كَلَامه يدل على أَن الْأَظْفَار، بِالْهَمْز، طيب لَا مَوضِع. السَّادِس: فِيهِ تَحْرِيم إتباع النِّسَاء الْجَنَائِز، وسنذكره مفصلا فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قالَ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمَّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبيِّ لله هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره وَرَوَاهُ، أَي: روى هِشَام الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه مَوْصُول، وَرَوَاهُ فِي كتاب الطَّلَاق مَوْصُولا من حَدِيث هِشَام الْمَذْكُور على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ إِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَإِمَّا مقول حَمَّاد، فَيكون مُسْندًا قلت: قَوْله إِمَّا تَعْلِيق فَظَاهر. وَأما قَوْله: وَإِمَّا مقول حَمَّاد فَلَا وَجه لَهُ وَفِي نُسْخَة ذكر البُخَارِيّ حَدِيث هِشَام أَولا وَفِي بَعْضهَا ذكره آخر أَو قَالَ مُسلم فِي (صَحِيحه) حَدثنَا حسن بن الرّبيع حَدثنَا ابْن إِدْرِيس: قَالَ: حَدثنَا هِشَام عَن حَفْصَة بِهِ، وَفَائِدَته بَيَان أَن أم عَطِيَّة أسندته إِلَى النَّبِي ﷺ صَرِيحًا، وَكَذَا هُوَ فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَالنَّسَائِيّ ابْن مَاجَه من حَدِيث هِشَام مُسْندًا. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر: (توفّي ابْن لأم عَطِيَّة، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث دعت بصفرة فتمسحت بِهِ، وَقَالَت: نهينَا أَن نحد أَكثر من ثَلَاث إلَاّ لزوج) وَعند الطَّبَرَانِيّ: (وأمرنا أَن لَا نلبس فِي الْإِحْدَاد الثِّيَاب المصبغة إلَاّ العصب، وأمرنا أَن لَا نمس طيبا إلَاّ أدناه للطهرة، الكست والأظفار) وَفِي لفظ: (وَلَا نختضب) وَفِي لفظ: (إلَاّ ثوبا مغسولاً) . ١٣ - (بابُ دَلْكِ المَرْأَةِ نَفْسَها أذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب ذَلِك الْمَرْأَة نَفسهَا إِذا تطهرت من الْمَحِيض، أَي: الْحيض. قَوْله: (وَكَيف تَغْتَسِل) عطف على قَوْله: (دلك الْمَرْأَة نَفسهَا) أَي: وَفِي بَيَان كَيفَ تَغْتَسِل الْمَرْأَة. قَوْله: (وَتَأْخُذ) عطف على قَوْله: (تَغْتَسِل) أَي: وَكَيف تَأْخُذ فرْصَة، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَهِي الْقطعَة، يُقَال فرصت الشَّيْء فرصاً أَي: قطعته، وَقَالَ الْجَوْهَرِي هِيَ قِطْعَة قطن أَو خرقَة تمسح بهَا الْمَرْأَة من الْحيض. قَوْله: (ممسكة) بتَشْديد السِّين وَفتح الْكَاف، وَلها مَعْنيانِ: أَحدهمَا: قِطْعَة فِيهَا مسك. وَالْآخر: خرقَة مستعملة بالإمساك عَلَيْهَا، على مَا سنوضح ذَلِك عَن قريب. قَوْله: (فتتبع بهَا) أَي: بِتِلْكَ الفرصة وَفِي بعض النّسخ: (تتبعبدون الْفَاء، وَهُوَ بِلَفْظ الغائبة مضارع الْفِعْل، وَأَصله بالتاآت الثَّلَاث، فحذفت إِحْدَاهَا فَافْهَم. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة فِي كل مِنْهُمَا اسْتِعْمَال الطّيب. ٣١٤ - حدّثنا يَحْيَىَ قالَ حدّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَةَ عَنْ أُمَّهُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امرَأَةَ سَأَلَتْ النَّبيِّ ﷺ عَنْ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ فَأَمَرها كَيْفَ تَغْتَسِلُ قالَ خُذِي فُرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتٍّ طَهَّرِي بِا قالَتْ كَيْفَ تَطَهَّرُ قالَ تَطَهَّرِي بِها قالَتْ كَيْفَ قالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فاجْتبَذْتُها إلَيَّ فقُلْتُ تَنَبَّعِي بِها أَثَرَ الدَّمَ. ي: ٣١٥، ٧٣٥٧) [/ ح. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة إلَاّ فِي الدَّلْك وَكَيْفِيَّة الْغسْل صَرِيحًا، لِأَن التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على الدَّلْك أَولا، وَكَيْفِيَّة الْغسْل وَأخذ الفرصة الممسكة، والتتبع بهَا أثر الدَّم، والْحَدِيث أَيْضا مُشْتَمل على هَذِه الْأَشْيَاء مَا خلا الدَّلْك، وَكَيْفِيَّة الْغسْل، فَإِنَّهُ لَا يدل عَلَيْهَا صَرِيحًا، وَيدل على الدَّلْك بطرِيق الاستلزام، لِأَن تتبع الدَّم يسْتَلْزم الدك، وَهُوَ طَاهِر، وَأما كَيْفيَّة الْغسْل فَالْمُرَاد بهَا الصّفة المختصة لغسل الْمَحِيض، وهوالتطيب لانفس الِاغْتِسَال، وَلَئِن سلمنَا أَن المُرَاد بالكيفية نفس الْغسْل فَهِيَ

стр. 911

فِي أصل الحَدِيث الَّذِي ذكره وَاكْتفى بِهِ على عَادَته بِذكر تَرْجَمَة، وَيذكر فِيهَا مَا تضمنه بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ إِمَّا لكَون تِلْكَ الطَّرِيق على غير شَرطه، أَو باكتفائه بِالْإِشَارَةِ أَو لغير ذَلِك من الْأَغْرَاض، وَتَمَامه عِنْد مُسلم، فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور الَّتِي أخرجه مِنْهَا البُخَارِيّ فَذكره بعد قَوْله: (كَيفَ تَغْتَسِل، ثمَّ تَأْخُذ) ، ثمَّ رَوَاهُ من طرق أُخْرَى عَن صَفِيَّة عَن عَائِشَة، وفيهَا كَيْفيَّة الِاغْتِسَال وَلَفظه: (فَقَالَ: تَأْخُذ إحداكن ماءها وسدرها فَتطهر فتحسن الطّهُور ثمَّ تصب على رَأسهَا فتدلكه دلكا شَدِيدا حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا. (أَي: أُصُوله ثمَّ تصب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة) فَذكر الحَدِيث، وَإِنَّمَا لم يخرج البُخَارِيّ هَذَا الطَّرِيق لكَونه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن صَفِيَّة، وَلَيْسَ هُوَ على شَرطه وَقَالَ البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ لإِبْرَاهِيم هَذَا نَحْو أَرْبَعِينَ حَدِيثا وَقَالَ ابْن مهْدي: قَالَ سُفْيَان: لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ أَحْمد لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان: لم يكن يُقَوي، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء. ذكر رِجَاله وهم حمسة: الأول: يحيى هُوَ ابْن مُوسَى الْبَلْخِي، وَجزم بِهِ ابْن السكن فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هُوَ يحيى بن جَعْفَر. وَقَالَ الغساني: فِي (تَقْيِيد المهمل) قَالَ ابْن السكن: يحيى هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي بَاب الْحيض هُوَ: يحيى ابْن مُوسَى، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ على سَبِيل الْقَاعِدَة الْكُلية، كل مَا كَانَ للْبُخَارِيّ فِي هَذَا الصَّحِيح عَن يحيى غير مَنْسُوب فَهُوَ يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي المعروق ببخت، بِفَتْح الْخَاء المنقوطة وَشدَّة الْمُثَنَّاة من فَوق؛ وَيعرف بالخنثى، وبابن خت أَيْضا، كَانَ من خِيَار الْمُسلمين، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ: وَذكر أَبُو نصر الكلاباذي أَنه يحيى بن جَعْفَر أَي: البيكندي، يروي عَن ابْن عُيَيْنَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ الَّتِي عندنَا هَكَذَا: حَدثنِي يحيى بن البيكندي: حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَوَقع فِي شرح بعض شُيُوخنَا، حَدثنَا يحيى يَعْنِي ابْن مُعَاوِيَة بن أعين، وَلَا أعلم فِي البُخَارِيّ من اسْمه كَذَلِك وَفِي (أَسمَاء رجال الصَّحِيحَيْنِ) يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الحذائي الْبَلْخِي: يُقَال لَهُ: خت، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع وَالْحج ومواضع، وَذكر ابْن مَاكُولَا فِي بَاب: خت وخب وثب، أما خت بخاء مُعْجمَة وتاء مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوْقهَا. فَهُوَ يحيى بن مُوسَى يعرف بِابْن الْبَلْخِي بِابْن خت الْبَلْخِي. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مَنْصُور بن صَفِيَّة. الرَّابِع: صَفِيَّة بنت شيبَة. الْخَامِس: عَائِشَة، ﵂. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَوَقع فِي (مُسْند الْحميدِي) التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ فِي جَمِيع السَّنَد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي ومكي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب، وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عُيَيْنَة عَن فضل بن سُلَيْمَان، وَفِيهِمَا جَمِيعًا عَن يحيى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، ثَلَاثَتهمْ عَن مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ مَنْصُور بن صَفِيَّة، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عمر، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ عَن حبَان بن هِلَال عَن وهيب بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد عَن عَفَّان عَن وهيب بِهِ. ذكر لغاته قَوْله: (فرْصَة) الْمَشْهُور فِيهِ كسر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء. قَالَ مُسَدّد كَانَ أَبُو عوَانَة يَقُول: فرْصَة، وَكَانَ أَبُو الْأَحْوَص يَقُول: فرْصَة وَقَالَ ابْن سَيّده: فرص الْجلد فرصاً، قِطْعَة، والمفراص الحديدة الَّتِي يقطع بهَا، والفرصة والفرصة والفرصة الأخيرتان عَن كرَاع الْقطعَة من الصُّوف أَو الْقطن، وَقَالَ كرَاع، هِيَ: الفرصة: بِالْفَتْح والفرصة، الْقطعَة من الْمسك عَن الْفَارِسِي، حَكَاهُ فِي البصريات، وَقَالَ أبوعلي الهجري فِي كتاب (الأمالي) وَقد فرص يفرص لزيد من حَقه يَعْنِي قطع لَهُ مِنْهُ شَيْئا وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يفرص وأفرص لزيد فريصة من حَقه، بجر الْفَاء لَا اخْتِلَاف فِيهَا، وافترص لي من حَقي فرْصَة، الفرصة الْخِرْقَة الَّتِي تستعملها الْحَائِض لتعرق التبرأة ونقاءها عِنْد الْحيض فِي آخِره وَفِي (غَرِيب) أبي عبيد هِيَ: الْقطعَة من الصُّوف أَو الْقطن أَو غير ذَلِك. وَفِي (الباهر) لِابْنِ عديس، والفرص بِالْكَسْرِ وَالصَّاد: جمع الفرصة، وَهِي الْقطعَة من الْمسك، وَأنكر ابْن قُتَيْبَة كَونهَا بِالْفَاءِ، وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ فرْصَة بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهِي الْقطعَة وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا هِيَ: فرْصَة، بقاف وصاد مُهْملَة وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ أَي شَيْئا يَسِيرا مثل الفرصة، بِطرف الإصبعين. قَوْله: (من مسك) يَعْنِي دم الغزال الْمَعْرُوف. وَقَالَ بَعضهم: ميمه مَفْتُوحَة، أَي: جلد عَلَيْهِ شعر. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وأنكرها ابْن قُتَيْبَة وَقَالَ: الْمسك لم يكن عِنْدهم من

стр. 912

السعَة بِحَيْثُ يمتهنونه فِي هَذَا، وَالْجَلد لَيْسَ فِيهِ مَا يُمَيّز غَيره فَيخْتَص بِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ فرْصَة من شَيْء صوف أَو قطن أَو خرقَة أَو نَحوه، يدل عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى: فرْصَة ممسكة بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَتَشْديد السِّين مَعَ فتحهَا: أَي قِطْعَة من صوف أَو نَحْوهَا مطيبة بالمسك، وروى بَعضهم: ممسكة، بِضَم الْمِيم الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وسين مُخَفّفَة مَفْتُوحَة، وَقيل: مكسوة أَي: من الْإِمْسَاك وَفِي بعض الرِّوَايَات: (خذي فرْصَة ممسكة فتحملي بهَا) قيل: أَرَادَ الْخلق الَّتِي أَمْسَكت كثيرا. فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن لَا تسْتَعْمل الْجَدِيد من الْقطن وَغَيره للارتقاق بِهِ، وَلِأَن الْخلق أصلح لذَلِك، وَوَقع فِي كتاب عبد الرَّزَّاق يَعْنِي بالفرصة: الْمسك، قَالَ بَعضهم هِيَ: الذريرة، وَفِي الْأَوْسَط للطبراني: (خذي سكيكك) . ذكر مَعَانِيه قَوْلهَا: (إِن امْرَأَة) زَاد فِي رِوَايَة وهيب: (من الْأَنْصَار) وسماها مُسلم فِي رِوَايَة الْأَحْوَص عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر أَسمَاء بنت شكل، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْكَاف وَفِي آخِره لَام، وَلم يسم أَبَاهَا فِي رِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم. وَقَالَ الْخَطِيب: أَسمَاء بنت يزِيد، وَجزم بِهِ الْأَنْصَارِيَّة الَّتِي يُقَال لَهَا خطيبة النِّسَاء وَتَبعهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّنْقِيح) والدمياطي وَزَاد أَن وَقع فِي مُسلم تَصْحِيف، وَيحْتَمل أَن يكون شكل، لقيا لَا إسماً، وَالْمَشْهُور فِي المسانيد والمجامع فِي هَذَا الحَدِيث أَسمَاء بنت شكل، كَمَا فِي مُسلم، وَأَسْمَاء بِغَيْر نسب كَمَا فِي أبي دَاوُد، وَكَذَا فِي (مستخرج) أبي نعيم من الطَّرِيق الَّتِي أخرجه مِنْهَا الْخَطِيب، وَحكى النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) الْوَجْهَيْنِ من غير تَرْجِيح، وَتبع رِوَايَة مُسلم جماعات مِنْهُم ابْن طَاهِر وَأَبُو مُوسَى فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة، وَصوب بعض الْمُتَأَخِّرين مَا قَالَه الْخَطِيب لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَنْصَار من اسْمه، شكل، وَفِي (التَّوْضِيح) بنت يزِيد، وَلم ينْفَرد مُسلم بذلك،، فقد أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجه) كَمَا ذكره مُسلم سَوَاء، قَوْلهَا: (من الْمَحِيض) وَفِي رِوَايَة: (من الْحيض) وَكِلَاهُمَا مصدران قَوْلهَا: (قَالَ: خذي) هُوَ بَيَان لأمرها وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يكون بَيَانا للاغتسال وَهُوَ إِيصَال المَاء إِلَى جَمِيع الْبشرَة لَا أَخذ الفرصة؟ قلت: السُّؤَال لم يكن عَن نفس الِاغْتِسَال، لِأَن ذَلِك مَعْلُوما لكل أحد، بل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك مُخْتَصًّا بِغسْل الْحيض فَلذَلِك أجَاب بِهِ، أَو هُوَ جملَة حَالية لَا بَيَانِيَّة انْتهى. قلت: هَذَا الْجَواب غير كَاف لِأَنَّهَا سَأَلت عَن غسلهَا من الْمَحِيض، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ سؤالاً عَن مَاهِيَّة الِاغْتِسَال، فَلذَلِك قَالَ: ﷺ فِي جَوَابه إِيَّاهَا: فَأمرهَا كَيفَ تَغْتَسِل، يَعْنِي قَالَ لَهَا: اغْتَسِلِي كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا بِمَعْنَاهُ ثمَّ قَول: (خذي فرْصَة من مسك) لَيْسَ بِبَيَان للاغتسال الْمَعْهُود، وَقَوله لِأَن ذَلِك مَعْلُوم لكل أحد. فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن لَا يكون مَعْلُوما لَهَا على مَا يَنْبَغِي، أَو كَانَ فِي اعتقادها أَن الْغسْل عَن الْمَحِيض خلاف الْغسْل عَن الْجَنَابَة، فَلذَلِك قَالَت عَائِشَة: سَأَلت النَّبِي، ﵊، عَن غسلهَا من الْمَحِيض، وَالْأَوْجه عِنْدِي أَن الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ مُخْتَصر عَن أصل هَذَا الحَدِيث، وَفِيه بَيَان كَيْفيَّة الْغسْل وَغَيره على مَا رَوَاهُ مُسلم: أَن أَسمَاء سَأَلت عَن غسل الْمَحِيض. فَقَالَ: تَأْخُذ إحداكن ماءها وسدرها فَتطهر فتحسن الطّهُور، ثمَّ تصب على رَأسهَا فتدلكه دلكا شَدِيدا حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا، ثمَّ تصب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة ممسكة فَتطهر بهَا، فَقَالَت أَسمَاء: وَكَيف أتطهر بهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله تطهرين بهَا. فَقَالَت عَائِشَة، كَأَنَّهَا تحفى ذَلِك: تتبعين بهَا أثر الدَّم، وَسَأَلته غسل الْجَنَابَة فَقَالَ: تَأْخُذ مَاء، فَتطهر فتحسن الطّهُور، أَو تبلغ الطّهُور ثمَّ تصب على رَأسهَا فتدلكه حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا ثمَّ تفيض عَلَيْهَا المَاء. فَقَالَت عَائِشَة: نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدّين. قَوْلهَا: (فتطهري بهَا) قَالَ: فِي الرِّوَايَة الَّتِي بعْدهَا: (فتوضئي ثَلَاثًا) . قَوْله: (سُبْحَانَ الله) وَزَاد فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة، (ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ استحيا فَأَعْرض بِوَجْهِهِ) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَلَمَّا رَأَيْته يستحي علمتها) وَزَاد الدَّارمِيّ: (وَهُوَ يسمع وَلَا يُنكر) ، وَقد ذكرنَا: أَن: سُبْحَانَ الله، فِي مثل هَذَا الْموضع يُرَاد بهَا التَّعَجُّب، وَمعنى التَّعَجُّب هُنَا: كَيفَ يحفى مثل هَذَا الظَّاهِر الَّذِي لَا يحْتَاج الْإِنْسَان فِي فهمه إِلَى فكر؟ قَوْله: (فجذبتها) وَفِي بعض الرِّوَايَة: (فاجتبذنها) وَفِي رِوَايَة: (فاجتذبتها) يُقَال: جذبت واجتذبت واجتبذ، وَهُوَ مقول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (تتبعي) أَمر من التتبع، وَهُوَ المُرَاد من تطهري. قَوْله: (أثر الدَّم) مقول: تتبعي، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِهِ عِنْد الْعلمَاء، الْفرج، وَقَالَ المحاميل: يسْتَحبّ لَهَا أَن تطيب كل مَوضِع أَصَابَهُ الدَّم من بدنهَا، قَالَ، وَلم أره لغيره، وَيُؤَيّد مَا قَالَه الْمحَامِلِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، (تتبعي بهَا مَوَاضِع الدَّم) .

стр. 913

بَيَان استنباط الْأَحْكَام فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّطَيُّب للمغتسلة من الْحيض وَالنّفاس على جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي أَصَابَهَا الدَّم من بدها قَالَ المحالي: لِأَنَّهُ أسْرع إِلَى الْعلُوق وأدفع للرائحة الكريهة، وَاخْتلف فِي وَقت اسْتِعْمَالهَا لذَلِك: فَقَالَ بَعضهم: بعد الْغسْل، وَقَالَ آخرونه قبله. وَفِيه: أَنه لَا عَار على من سَأَلَ عَن أَمر دينه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تطييب فرج الْمَرْأَة يَأْخُذ قِطْعَة من صوف وَنَحْوهَا، وَتجْعَل عَلَيْهَا مسكاً أَو نَحوه وَتدْخلهَا فِي فرجهَا بعد الْغسْل، وَالنُّفَسَاء مثلهَا. وَفِيه: التَّسْبِيح عِنْد التَّعَجُّب. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْكِنَايَات بِمَا يتَعَلَّق بالعورات. وَفِيه: سُؤال الْمَرْأَة الْعَالم عَن أحوالها الَّتِي تحتشم مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة فِي نسَاء الْأَنْصَار: (لم يمنعهن الحاير أَن يتفقهن فِي الدّين) وَفِيه الِاكْتِفَاء بالتعريض وَالْإِشَارَة فِي الْأُمُور المستهجنة. وَفِيه: تَكْرِير الْجَواب لإفهام السَّائِل. وَفِيه: تَفْسِير كَلَام الْعَالم بِحَضْرَتِهِ لمن خَفِي عَلَيْهِ إِذا عرف أَن ذَلِك يُعجبهُ. وَفِيه: أَن السَّائِل إِذا لم يفهم فهمه بعض من فِي مجْلِس الْعَالم والعالم يسمع، وَأَن ذَلِك سَماع من الْعَالم يجوز أَن يَقُول فِيهِ: حَدثنِي وَأَخْبرنِي. وَفِيه: الْأَخْذ عَن الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وحضرته. وَفِيه: صِحَة الْعرض على الْمُحدث إِذا أقره، وَلَو لم يقل عَقِيبه نعم. وَفِيه: أَنه لَا يشْتَرط فهم السَّامع لجَمِيع مَا يسمعهُ. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم وَإِقَامَة الغذر لمن لَا يفهم. وَفِيه: أَن الْمَرْء مَطْلُوب بستر عيوبه. وَفِيه: دلَالَة على حسن خلقه ﵊. ١٤ - (بابُ غُسْلِ المَحِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغسْل من الْحيض، وَغسل الْمَرْأَة من الْحيض كغسلها من الْجَنَابَة سَوَاء، غير أَنَّهَا تزيد على ذَلِك اسْتِعْمَال الطّيب، وَهَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة لَا فَائِدَة فِي ذكره، لِأَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن ذَلِك عَن يحيى عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور، وَهَذَا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب بن خَالِد عَن مَنْصُور. ٣١٥ - حدّثنا مُسْلِمٌ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا مَنْصُورٌ عَنْ أُمَّهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قالَتْ ل لنَّبيِّ ﷺ كَيْفَ اغْتَسِلُ مِنَ المَحيضِ قالَ خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةٌ فَتَوَضَئِي ثَلَاثًا ثُمَّ أنَّ النَّبي ﷺ اسْتَحْيَا فاعْرِضَ بِوَجْهِهِ أَو قالَ تَوَضَئِي بِهَا فَاخَذْتُهَا فَجَذِبْتَها فأخْبَرْتُها بِمَا يُرِيدُ النَّبيِّ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٣١٤ وطرفه) [/ ح. قيل: التَّرْجَمَة لغسل الْمَحِيض، والْحَدِيث لم يدل عَلَيْهَا فَلَا مُطَابقَة. قلت: إِن كَانَ لفظ الْغسْل فِي التَّرْجَمَة بِفَتْح الْغَيْن، والمحيض اسْم مَكَان، فَالْمَعْنى ظَاهر، وَإِن كَانَ بِضَم الْغَيْن والمحيض مصدر فالإضافة بِمَعْنى اللَّام الاختصاصية، فَلهَذَا ذكر خَاصَّة هَذَا الْغسْل وَمَا بِهِ يمتاز عَن سَائِر الِاغْتِسَال. الْكَلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ قد مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (وتوضئي ثَلَاثًا) وَفِي بَعْضهَا: فتوضئي. قَوْله: (ثَلَاثًا) يتَعَلَّق: يُقَال، أَي: يُقَال ثَلَاث مَرَّات لَا تتوضئي، وَيحْتَمل تعلقه بقالت أَيْضا بِدَلِيل الحَدِيث الْمُتَقَدّم. قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من عَائِشَة، وَالْفرق بَين الرِّوَايَتَيْنِ زِيَادَة لَفظه بهَا يَعْنِي: تطهري بالفرصة، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر بِالْوَاو من غير شكّ. قَوْله: (مِمَّا يُرِيد) أَي: يتتبع أثر الدَّم وَإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة من الْفرج. ١٥ - (بابُ امْتِشاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان امتشاط الْمَرْأَة، وَهُوَ تَسْرِيح رَأسهَا عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض أَي: الْحيض. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا مَا يشْعر بِزِيَادَة التَّنْظِيف والنقاء، وَلَا يحفى ذَلِك على المتأمل. ٣١٦ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ قالَ حدّثنا ابْنُ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَن عائِشَةَ قالَتْ أهْلْلتُ مَعَ رسولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ فَزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ هاذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإنَّما كُنْتُ تَمَتَّعْتُ فَقَالَ لَها رسولُ اللَّهِ ﷺ انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي

стр. 914

وأَمْسِكِي عَنْ عَمْرتِكِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ لَيْلَةَ الحَصبةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعيمِ مَكانَ عَمْرَتِي الَّتي نَسَكْتُ. قَالَ الدَّاودِيّ وَمن تبعه لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على التَّرْجَمَة لِأَن أمرهَا بالامتشاط كَانَ للإهلال وَهِي حَائِض، لَا عِنْد غسلهَا أجَاب الْكرْمَانِي عَن هَذَا بِأَن الْإِحْرَام بِالْحَجِّ يدل على غسل الْإِحْرَام لِأَنَّهُ سنة، وَلما سنّ الامتشاط عِنْد غسله فَعِنْدَ غسل الْحيض بِالطَّرِيقِ الأولى، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّنْظِيف، وَذَلِكَ عِنْد إِرَادَة إِزَالَة أثر الْحيض الَّذِي هُوَ نَجَاسَة غَلِيظَة أهم أَو لأنَّه إِذا سنّ فِي النَّفْل فَفِي الْفَرْض أولى، وَقيل: إِن الإهلال بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الِاغْتِسَال صَرِيحًا فِي هَذِه الْقِصَّة، فِيمَا أخرجه مُسلم من طَرِيق ابْن الزبير عَن جَابر وَلَفظه: (فاغتسلي ثمَّ أَهلِي بِالْحَجِّ) وَقيل: جرت عَادَة البُخَارِيّ فِي كثير من التراجم أَنه يُشِير إِلَى مَا تضمنه بعض طرق الحَدِيث، وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فِيمَا سَاقه كَمَا ذكرنَا فِي بَاب الْمَرْأَة نَفسهَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النبوذكي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمدنِي نزيل بَغْدَاد. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدنيين. وَفِيه: أَن إِبْرَاهِيم يروي عَن الزُّهْرِيّ بِلَا وَاسِطَة، وَرُوِيَ عَنهُ فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان بِوَاسِطَة، روى عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ. ذكر مَعَانِيه قَوْلهَا: (أَهلَلْت) أَي: أَحرمت وَرفعت الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ، قَوْلهَا: (فِيمَن تمتّع) فِيهِ الْتِفَات من الْمُتَكَلّم إِلَى الْغَائِب لِأَن أَصله أَن يُقَال: تمتعت، وَلَكِن ذكر بِاعْتِبَار لفظ من قَوْلهَا: (الْهدى) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال وبكسرها مَعَ تَشْدِيد الْبَاء، وَهُوَ اسْم لما يهدى إِلَى مَكَّة من الْأَنْعَام قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (وَلم يسق الْهدى) كالتأكيد لبَيَان التَّمَتُّع، إِذْ الْمُتَمَتّع لَا يكون مَعَه الْهَدْي. قلت: الْمُتَمَتّع على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يَسُوق الْهَدْي مَعَه، وَالْآخر: لَا يَسُوق. وحكمهما مُخْتَلف كَمَا ذكر فِي فروع الْفِقْه قَوْلهَا: (فَزَعَمت) إِنَّمَا لم يقل، فَقَالَت: لِأَنَّهَا لم تَتَكَلَّم بِهِ صَرِيحًا إِذْ هُوَ مِمَّا يستحي فِي تصريحه، قَوْله: وَقَالَت: عطف على حَاضَت، ويروي، قَالَت، بِغَيْر عطف قَوْلهَا: (تمتعت بِعُمْرَة) تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا إِذا التَّمَتُّع هُوَ أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحجر من على مَسَافَة الْقصر من الْحرم، ثمَّ يحرم بِالْحَجِّ فِي سنة تِلْكَ الْعمرَة بِلَا عود إِلَى مِيقَات، وَبعد فَفِي هَذَا الْكَلَام مُقَدّر، تَقْدِيره، تمتعت بِعُمْرَة، وَأَنا حَائِض. قَوْله: (انْقَضى) بِضَم الْقَاف، وَفِي بعض الرِّوَايَات انفضى، بِالْفَاءِ، والمضاف مَحْذُوف أَي: شعر رَأسك، قَوْلهَا: (فَفعلت) أَي: فعلت النَّقْض والامتشاط والإمساك، وَهَاهُنَا، أَيْضا مُقَدّر، وَهُوَ فِي قَوْلهَا: (فَلَمَّا قضيت الْحَج) أَي: بعد إحرامي بِهِ، وقضيت، أَي: أدّيت قَوْلهَا: (أَمر عبد الرَّحْمَن) أَي امْر رَسُول الله ﷺ عبد الرَّحْمَن بن ابي بكر قَوْلهَا (لَيْلَة الحصبة) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي نزلُوا فِيهَا فِي المحصب، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي نزلوه بعد النَّفر من منى خَارج مَكَّة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي بعد أَيَّام التَّشْرِيق سميت بذلك لأَنهم نفروا من منى، فنزلوا فِي المحصب وَبَاتُوا بِهِ، والحصبة والحصباء والأبطح والبطحاء والمحصب وَخيف بني كنَانَة يُرَاد بهَا مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ بَين مَكَّة وَمنى، قَوْلهَا: (فأعمرني) ويروي (فاعتمرني) قَوْلهَا: (من التَّنْعِيم) ، وَهُوَ تفعيل من النِّعْمَة، وَهُوَ مَوضِع على فَرسَخ من مَكَّة على طَرِيق الْمَدِينَة، وَفِيه مَسْجِد عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْلهَا: (الَّتِي نسكت) من النّسك، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَمَعْنَاهُ: أَحرمت بهَا، أَو قصدت النّسك بهَا، وَفِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: (سكت) من السُّكُوت أَي: عمرتي الَّتِي تركت أَعمالهَا، وَسكت عَنْهَا وروى القايسي: (شكت) بالشين الْمُعْجَمَة. أَي: شكت الْعمرَة، من الْحيض وَإِطْلَاق الشكاية عَلَيْهَا كِنَايَة عَن إخلالها وَعدم بَقَاء استقلالها، وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فِيهِ رَاجعا، إِلَى عَائِشَة، وَكَانَ حَقه التَّكَلُّم، وَذكره بِلَفْظ الْغَيْبَة التفاتاً. ذكر استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَحرمت بِعُمْرَة أَولا، وَهُوَ صَرِيح حَدِيثهَا الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده، لَكِن قَوْلهَا فِي الحَدِيث الَّذِي مضى: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله

стр. 915

عَلَيْهِ وَسلم لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن عَائِشَة فِي مَا أَحرمت بِهِ اخْتِلَافا كثيرا كَمَا ذكره القَاضِي عِيَاض فَفِي رِوَايَة عُرْوَة " فأهلنا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى " وَلم أهل إِلَّا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة " لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَفِي أُخْرَى " لَا نرى إِلَّا الْحَج " وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا " لبينا بِالْحَجِّ " وَفِي أُخْرَى " مهلين بِالْحَجِّ " وَاخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَمنهمْ من رجح رِوَايَات الْحَج وَغلظ رِوَايَات الْعمرَة وَإِلَيْهِ ذهب إِسْمَاعِيل القَاضِي وَمِنْهُم من جمع لثقة رواتها لِأَنَّهَا أَحرمت أَولا بِالْحَجِّ وَلم تسق الْهَدْي فَلَمَّا أَمر الشَّارِع من لم يسق الْهَدْي بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة إِن شَاءَ فسخت هِيَ فِيمَن فسخ وَجَعَلته عمْرَة وأهلت بهَا ثمَّ إِنَّهَا لم تحل مِنْهَا حَتَّى حَاضَت فَتعذر عَلَيْهَا إِتْمَامهَا والتحلل مِنْهَا فَأمرهَا أَن تحرم بِالْحَجِّ فأحرمت فَصَارَت قارنة ووقفت وَهِي حَائِض ثمَّ طهرت يَوْم النَّحْر فأفاضت وَذكر ابْن حزم أَنه ﷺ َ - خَيرهمْ بسرف بَين فَسخه إِلَى الْعمرَة والتمادي عَلَيْهِ وَأَنه بِمَكَّة أوجب عَلَيْهِم التَّحَلُّل إِلَّا من صَحَّ مَعَه الْهَدْي وَالصَّحِيح أَنَّهَا حَاضَت بسرف أَو قريب مِنْهَا فَلَمَّا قدم مَكَّة قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - اجْعَلُوهَا عمْرَة. وَقَالَ أَبُو عمر الِاضْطِرَاب عَن عَائِشَة فِي حَدِيثهَا فِي الْحَج عَظِيم وَقد أَكثر الْعلمَاء فِي تَوْجِيه الرِّوَايَات فِيهِ وَدفع بَعضهم بَعْضهَا فِيهِ بِبَعْض وَلم يستطيعوا الْجمع بَينهَا ورام قوم الْجمع فِي بعض مَعَانِيهَا. روى مُحَمَّد بن عبيد عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ أَلا تعجب من اخْتِلَاف عُرْوَة وَالقَاسِم قَالَ الْقَاسِم أهلت عَائِشَة بِالْحَجِّ وَقَالَ عُرْوَة أهلت بِالْعُمْرَةِ وَذكر الْحَارِث بن مِسْكين عَن يُوسُف بن عَمْرو عَن ابْن وهب عَن مَالك أَنه قَالَ لَيْسَ الْعَمَل فِي رفض الْعمرَة لِأَن الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْده فِي أَشْيَاء كَثِيرَة. مِنْهَا أَنه جَائِز للْإنْسَان أَن يهل بِعُمْرَة. وَمِنْهَا أَن الْقَارِن يطوف وَاحِدًا أَو غير ذَلِك وَقَالَ ابْن حزم فِي الْمحلى حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة مُنكر وَخطأ عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل فَذكر حَدِيث مَالك عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة " خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - عَام حجَّة الْوَدَاع " الحَدِيث فَقَالَ أَحْمد أشعر فِي هَذَا الحَدِيث من الْعجب خطأ قَالَ الْأَثْرَم فَقلت لَهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة بِخِلَافِهِ قَالَ نعم وَهِشَام بن عُرْوَة وَفِي التَّمْهِيد دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا وَقَالُوا هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن اسحق قد اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة عَن عُرْوَة غلط الثَّانِي أَن ظَاهر قَوْلهَا يَا رَسُول الله هَذِه لَيْلَة عَرَفَة إِلَى آخِره يدل على أَنه ﵊ أمرهَا برفض عمرتها وَأَن تخرج مِنْهَا قبل تَمامهَا وَفِي التَّوْضِيح وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ فِي الْمَرْأَة تحيض قبل الطّواف وتخشى فَوَات الْحَج أَنَّهَا ترفض الْعمرَة وَقَالَ الْجُمْهُور أَنَّهَا تردف الْحَج وَتَكون قارنة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَحمله بعض الْمَالِكِيَّة على أَنه ﷺ َ - أمرهَا بالإرداف لَا بِنَقْض الْعمرَة وَاعْتَذَرُوا عَن هَذِه الْأَلْفَاظ بتأويلات. أَحدهَا أَنَّهَا كَانَت مضطرة إِلَى ذَلِك فَرخص لَهَا كَمَا رخص لكعب بن عجْرَة فِي الْحلق للأذى ثَانِيهَا أَنه خص بهَا. ثَالِثهَا أَن المُرَاد بِالنَّقْضِ والامتشاط تَسْرِيح الشّعْر لغسل الإهلال بِالْحَجِّ ولعلها كَانَت لبدت رَأسهَا وَلَا يتأنى إِيصَال المَاء إِلَى الْبشرَة مَعَ التلبيد إِلَّا بِحل الظفر والتسريح وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي نقض الْمَرْأَة شعرهَا عِنْد الِاغْتِسَال فَأمر بِهِ ابْن عمر وَالنَّخَعِيّ وَوَافَقَهُمَا طَاوُوس فِي الْحيض دون الْجَنَابَة وَلَا يتَبَيَّن بَينهمَا فرق وَلم توجبه عَلَيْهَا فِيهَا عَائِشَة وَأم سَلمَة وَابْن عمر وَجَابِر وَبِه قَالَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَعَامة الْفُقَهَاء وَالْعبْرَة بالوصول فَإِن لم يصل فتنقض. الثَّالِث أَن قَول عَائِشَة تمتعت بِعُمْرَة يدل على أَنَّهَا كَانَت معتمرة أَولا. قَالَ النَّوَوِيّ فَإِن قلت أصح الرِّوَايَات عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت لَا نرى إِلَّا الْحَج وَلَا نذْكر إِلَّا الْحَج وَخَرجْنَا مهلين بِالْحَجِّ فَكيف الْجمع بَينهَا وَبَين مَا قَالَت تمتعت بِعُمْرَة قلت الْحَاصِل أَنَّهَا أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ فسخته إِلَى الْعمرَة حِين أَمر النَّاس بِالْفَسْخِ فَلَمَّا حَاضَت وَتعذر عَلَيْهَا إتْمَام الْعمرَة أمرهَا النَّبِي ﷺ َ - بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فأحرمت بِهِ فَصَارَت مدخلة الْحَج على الْعمرَة وقارنة لما ثَبت من قَوْله ﷺ َ - " يكفك طوافك لحجك وعمرتك " وَمعنى امسكي من عمرتك لَيْسَ إبِْطَال لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوج مِنْهَا بعد الْإِحْرَام بنية الْخُرُوج وَإِنَّمَا تخرج مِنْهَا بالتحلل بعد فراغها بل مَعْنَاهُ إمضي الْعَمَل فيهمَا وإتمام أفعالها وأعرضي عَنْهَا وَلَا يلْزم من نقض الرَّأْس والامتشاط إبِْطَال الْعمرَة لِأَنَّهَا جائزان عندنَا فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا ينتف شعر الْكن يكره الامتشاط إِلَّا لعذر وتأولوا فعلهَا على أَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى وَقيل لَيْسَ المُرَاد -
следующие страницы →