← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فِي أصل الحَدِيث الَّذِي ذكره وَاكْتفى بِهِ على عَادَته بِذكر تَرْجَمَة، وَيذكر فِيهَا مَا تضمنه بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ إِمَّا لكَون تِلْكَ الطَّرِيق على غير شَرطه، أَو باكتفائه بِالْإِشَارَةِ أَو لغير ذَلِك من الْأَغْرَاض، وَتَمَامه عِنْد مُسلم، فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور الَّتِي أخرجه مِنْهَا البُخَارِيّ فَذكره بعد قَوْله: (كَيفَ تَغْتَسِل، ثمَّ تَأْخُذ) ، ثمَّ رَوَاهُ من طرق أُخْرَى عَن صَفِيَّة عَن عَائِشَة، وفيهَا كَيْفيَّة الِاغْتِسَال وَلَفظه: (فَقَالَ: تَأْخُذ إحداكن ماءها وسدرها فَتطهر فتحسن الطّهُور ثمَّ تصب على رَأسهَا فتدلكه دلكا شَدِيدا حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا. (أَي: أُصُوله ثمَّ تصب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة) فَذكر الحَدِيث، وَإِنَّمَا لم يخرج البُخَارِيّ هَذَا الطَّرِيق لكَونه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن صَفِيَّة، وَلَيْسَ هُوَ على شَرطه وَقَالَ البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ لإِبْرَاهِيم هَذَا نَحْو أَرْبَعِينَ حَدِيثا وَقَالَ ابْن مهْدي: قَالَ سُفْيَان: لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ أَحْمد لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان: لم يكن يُقَوي، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء. ذكر رِجَاله وهم حمسة: الأول: يحيى هُوَ ابْن مُوسَى الْبَلْخِي، وَجزم بِهِ ابْن السكن فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هُوَ يحيى بن جَعْفَر. وَقَالَ الغساني: فِي (تَقْيِيد المهمل) قَالَ ابْن السكن: يحيى هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي بَاب الْحيض هُوَ: يحيى ابْن مُوسَى، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ على سَبِيل الْقَاعِدَة الْكُلية، كل مَا كَانَ للْبُخَارِيّ فِي هَذَا الصَّحِيح عَن يحيى غير مَنْسُوب فَهُوَ يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي المعروق ببخت، بِفَتْح الْخَاء المنقوطة وَشدَّة الْمُثَنَّاة من فَوق؛ وَيعرف بالخنثى، وبابن خت أَيْضا، كَانَ من خِيَار الْمُسلمين، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ: وَذكر أَبُو نصر الكلاباذي أَنه يحيى بن جَعْفَر أَي: البيكندي، يروي عَن ابْن عُيَيْنَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ الَّتِي عندنَا هَكَذَا: حَدثنِي يحيى بن البيكندي: حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَوَقع فِي شرح بعض شُيُوخنَا، حَدثنَا يحيى يَعْنِي ابْن مُعَاوِيَة بن أعين، وَلَا أعلم فِي البُخَارِيّ من اسْمه كَذَلِك وَفِي (أَسمَاء رجال الصَّحِيحَيْنِ) يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الحذائي الْبَلْخِي: يُقَال لَهُ: خت، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع وَالْحج ومواضع، وَذكر ابْن مَاكُولَا فِي بَاب: خت وخب وثب، أما خت بخاء مُعْجمَة وتاء مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوْقهَا. فَهُوَ يحيى بن مُوسَى يعرف بِابْن الْبَلْخِي بِابْن خت الْبَلْخِي. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مَنْصُور بن صَفِيَّة. الرَّابِع: صَفِيَّة بنت شيبَة. الْخَامِس: عَائِشَة، ﵂. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَوَقع فِي (مُسْند الْحميدِي) التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ فِي جَمِيع السَّنَد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي ومكي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب، وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عُيَيْنَة عَن فضل بن سُلَيْمَان، وَفِيهِمَا جَمِيعًا عَن يحيى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، ثَلَاثَتهمْ عَن مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ مَنْصُور بن صَفِيَّة، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عمر، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ عَن حبَان بن هِلَال عَن وهيب بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد عَن عَفَّان عَن وهيب بِهِ. ذكر لغاته قَوْله: (فرْصَة) الْمَشْهُور فِيهِ كسر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء. قَالَ مُسَدّد كَانَ أَبُو عوَانَة يَقُول: فرْصَة، وَكَانَ أَبُو الْأَحْوَص يَقُول: فرْصَة وَقَالَ ابْن سَيّده: فرص الْجلد فرصاً، قِطْعَة، والمفراص الحديدة الَّتِي يقطع بهَا، والفرصة والفرصة والفرصة الأخيرتان عَن كرَاع الْقطعَة من الصُّوف أَو الْقطن، وَقَالَ كرَاع، هِيَ: الفرصة: بِالْفَتْح والفرصة، الْقطعَة من الْمسك عَن الْفَارِسِي، حَكَاهُ فِي البصريات، وَقَالَ أبوعلي الهجري فِي كتاب (الأمالي) وَقد فرص يفرص لزيد من حَقه يَعْنِي قطع لَهُ مِنْهُ شَيْئا وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يفرص وأفرص لزيد فريصة من حَقه، بجر الْفَاء لَا اخْتِلَاف فِيهَا، وافترص لي من حَقي فرْصَة، الفرصة الْخِرْقَة الَّتِي تستعملها الْحَائِض لتعرق التبرأة ونقاءها عِنْد الْحيض فِي آخِره وَفِي (غَرِيب) أبي عبيد هِيَ: الْقطعَة من الصُّوف أَو الْقطن أَو غير ذَلِك. وَفِي (الباهر) لِابْنِ عديس، والفرص بِالْكَسْرِ وَالصَّاد: جمع الفرصة، وَهِي الْقطعَة من الْمسك، وَأنكر ابْن قُتَيْبَة كَونهَا بِالْفَاءِ، وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ فرْصَة بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهِي الْقطعَة وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا هِيَ: فرْصَة، بقاف وصاد مُهْملَة وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ أَي شَيْئا يَسِيرا مثل الفرصة، بِطرف الإصبعين. قَوْله: (من مسك) يَعْنِي دم الغزال الْمَعْرُوف. وَقَالَ بَعضهم: ميمه مَفْتُوحَة، أَي: جلد عَلَيْهِ شعر. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وأنكرها ابْن قُتَيْبَة وَقَالَ: الْمسك لم يكن عِنْدهم من

стр. 912

السعَة بِحَيْثُ يمتهنونه فِي هَذَا، وَالْجَلد لَيْسَ فِيهِ مَا يُمَيّز غَيره فَيخْتَص بِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ فرْصَة من شَيْء صوف أَو قطن أَو خرقَة أَو نَحوه، يدل عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى: فرْصَة ممسكة بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَتَشْديد السِّين مَعَ فتحهَا: أَي قِطْعَة من صوف أَو نَحْوهَا مطيبة بالمسك، وروى بَعضهم: ممسكة، بِضَم الْمِيم الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وسين مُخَفّفَة مَفْتُوحَة، وَقيل: مكسوة أَي: من الْإِمْسَاك وَفِي بعض الرِّوَايَات: (خذي فرْصَة ممسكة فتحملي بهَا) قيل: أَرَادَ الْخلق الَّتِي أَمْسَكت كثيرا. فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن لَا تسْتَعْمل الْجَدِيد من الْقطن وَغَيره للارتقاق بِهِ، وَلِأَن الْخلق أصلح لذَلِك، وَوَقع فِي كتاب عبد الرَّزَّاق يَعْنِي بالفرصة: الْمسك، قَالَ بَعضهم هِيَ: الذريرة، وَفِي الْأَوْسَط للطبراني: (خذي سكيكك) . ذكر مَعَانِيه قَوْلهَا: (إِن امْرَأَة) زَاد فِي رِوَايَة وهيب: (من الْأَنْصَار) وسماها مُسلم فِي رِوَايَة الْأَحْوَص عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر أَسمَاء بنت شكل، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْكَاف وَفِي آخِره لَام، وَلم يسم أَبَاهَا فِي رِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم. وَقَالَ الْخَطِيب: أَسمَاء بنت يزِيد، وَجزم بِهِ الْأَنْصَارِيَّة الَّتِي يُقَال لَهَا خطيبة النِّسَاء وَتَبعهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّنْقِيح) والدمياطي وَزَاد أَن وَقع فِي مُسلم تَصْحِيف، وَيحْتَمل أَن يكون شكل، لقيا لَا إسماً، وَالْمَشْهُور فِي المسانيد والمجامع فِي هَذَا الحَدِيث أَسمَاء بنت شكل، كَمَا فِي مُسلم، وَأَسْمَاء بِغَيْر نسب كَمَا فِي أبي دَاوُد، وَكَذَا فِي (مستخرج) أبي نعيم من الطَّرِيق الَّتِي أخرجه مِنْهَا الْخَطِيب، وَحكى النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) الْوَجْهَيْنِ من غير تَرْجِيح، وَتبع رِوَايَة مُسلم جماعات مِنْهُم ابْن طَاهِر وَأَبُو مُوسَى فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة، وَصوب بعض الْمُتَأَخِّرين مَا قَالَه الْخَطِيب لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَنْصَار من اسْمه، شكل، وَفِي (التَّوْضِيح) بنت يزِيد، وَلم ينْفَرد مُسلم بذلك،، فقد أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجه) كَمَا ذكره مُسلم سَوَاء، قَوْلهَا: (من الْمَحِيض) وَفِي رِوَايَة: (من الْحيض) وَكِلَاهُمَا مصدران قَوْلهَا: (قَالَ: خذي) هُوَ بَيَان لأمرها وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يكون بَيَانا للاغتسال وَهُوَ إِيصَال المَاء إِلَى جَمِيع الْبشرَة لَا أَخذ الفرصة؟ قلت: السُّؤَال لم يكن عَن نفس الِاغْتِسَال، لِأَن ذَلِك مَعْلُوما لكل أحد، بل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك مُخْتَصًّا بِغسْل الْحيض فَلذَلِك أجَاب بِهِ، أَو هُوَ جملَة حَالية لَا بَيَانِيَّة انْتهى. قلت: هَذَا الْجَواب غير كَاف لِأَنَّهَا سَأَلت عَن غسلهَا من الْمَحِيض، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ سؤالاً عَن مَاهِيَّة الِاغْتِسَال، فَلذَلِك قَالَ: ﷺ فِي جَوَابه إِيَّاهَا: فَأمرهَا كَيفَ تَغْتَسِل، يَعْنِي قَالَ لَهَا: اغْتَسِلِي كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا بِمَعْنَاهُ ثمَّ قَول: (خذي فرْصَة من مسك) لَيْسَ بِبَيَان للاغتسال الْمَعْهُود، وَقَوله لِأَن ذَلِك مَعْلُوم لكل أحد. فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن لَا يكون مَعْلُوما لَهَا على مَا يَنْبَغِي، أَو كَانَ فِي اعتقادها أَن الْغسْل عَن الْمَحِيض خلاف الْغسْل عَن الْجَنَابَة، فَلذَلِك قَالَت عَائِشَة: سَأَلت النَّبِي، ﵊، عَن غسلهَا من الْمَحِيض، وَالْأَوْجه عِنْدِي أَن الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ مُخْتَصر عَن أصل هَذَا الحَدِيث، وَفِيه بَيَان كَيْفيَّة الْغسْل وَغَيره على مَا رَوَاهُ مُسلم: أَن أَسمَاء سَأَلت عَن غسل الْمَحِيض. فَقَالَ: تَأْخُذ إحداكن ماءها وسدرها فَتطهر فتحسن الطّهُور، ثمَّ تصب على رَأسهَا فتدلكه دلكا شَدِيدا حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا، ثمَّ تصب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة ممسكة فَتطهر بهَا، فَقَالَت أَسمَاء: وَكَيف أتطهر بهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله تطهرين بهَا. فَقَالَت عَائِشَة، كَأَنَّهَا تحفى ذَلِك: تتبعين بهَا أثر الدَّم، وَسَأَلته غسل الْجَنَابَة فَقَالَ: تَأْخُذ مَاء، فَتطهر فتحسن الطّهُور، أَو تبلغ الطّهُور ثمَّ تصب على رَأسهَا فتدلكه حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا ثمَّ تفيض عَلَيْهَا المَاء. فَقَالَت عَائِشَة: نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدّين. قَوْلهَا: (فتطهري بهَا) قَالَ: فِي الرِّوَايَة الَّتِي بعْدهَا: (فتوضئي ثَلَاثًا) . قَوْله: (سُبْحَانَ الله) وَزَاد فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة، (ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ استحيا فَأَعْرض بِوَجْهِهِ) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَلَمَّا رَأَيْته يستحي علمتها) وَزَاد الدَّارمِيّ: (وَهُوَ يسمع وَلَا يُنكر) ، وَقد ذكرنَا: أَن: سُبْحَانَ الله، فِي مثل هَذَا الْموضع يُرَاد بهَا التَّعَجُّب، وَمعنى التَّعَجُّب هُنَا: كَيفَ يحفى مثل هَذَا الظَّاهِر الَّذِي لَا يحْتَاج الْإِنْسَان فِي فهمه إِلَى فكر؟ قَوْله: (فجذبتها) وَفِي بعض الرِّوَايَة: (فاجتبذنها) وَفِي رِوَايَة: (فاجتذبتها) يُقَال: جذبت واجتذبت واجتبذ، وَهُوَ مقول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (تتبعي) أَمر من التتبع، وَهُوَ المُرَاد من تطهري. قَوْله: (أثر الدَّم) مقول: تتبعي، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِهِ عِنْد الْعلمَاء، الْفرج، وَقَالَ المحاميل: يسْتَحبّ لَهَا أَن تطيب كل مَوضِع أَصَابَهُ الدَّم من بدنهَا، قَالَ، وَلم أره لغيره، وَيُؤَيّد مَا قَالَه الْمحَامِلِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، (تتبعي بهَا مَوَاضِع الدَّم) .

стр. 913

بَيَان استنباط الْأَحْكَام فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّطَيُّب للمغتسلة من الْحيض وَالنّفاس على جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي أَصَابَهَا الدَّم من بدها قَالَ المحالي: لِأَنَّهُ أسْرع إِلَى الْعلُوق وأدفع للرائحة الكريهة، وَاخْتلف فِي وَقت اسْتِعْمَالهَا لذَلِك: فَقَالَ بَعضهم: بعد الْغسْل، وَقَالَ آخرونه قبله. وَفِيه: أَنه لَا عَار على من سَأَلَ عَن أَمر دينه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تطييب فرج الْمَرْأَة يَأْخُذ قِطْعَة من صوف وَنَحْوهَا، وَتجْعَل عَلَيْهَا مسكاً أَو نَحوه وَتدْخلهَا فِي فرجهَا بعد الْغسْل، وَالنُّفَسَاء مثلهَا. وَفِيه: التَّسْبِيح عِنْد التَّعَجُّب. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْكِنَايَات بِمَا يتَعَلَّق بالعورات. وَفِيه: سُؤال الْمَرْأَة الْعَالم عَن أحوالها الَّتِي تحتشم مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة فِي نسَاء الْأَنْصَار: (لم يمنعهن الحاير أَن يتفقهن فِي الدّين) وَفِيه الِاكْتِفَاء بالتعريض وَالْإِشَارَة فِي الْأُمُور المستهجنة. وَفِيه: تَكْرِير الْجَواب لإفهام السَّائِل. وَفِيه: تَفْسِير كَلَام الْعَالم بِحَضْرَتِهِ لمن خَفِي عَلَيْهِ إِذا عرف أَن ذَلِك يُعجبهُ. وَفِيه: أَن السَّائِل إِذا لم يفهم فهمه بعض من فِي مجْلِس الْعَالم والعالم يسمع، وَأَن ذَلِك سَماع من الْعَالم يجوز أَن يَقُول فِيهِ: حَدثنِي وَأَخْبرنِي. وَفِيه: الْأَخْذ عَن الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وحضرته. وَفِيه: صِحَة الْعرض على الْمُحدث إِذا أقره، وَلَو لم يقل عَقِيبه نعم. وَفِيه: أَنه لَا يشْتَرط فهم السَّامع لجَمِيع مَا يسمعهُ. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم وَإِقَامَة الغذر لمن لَا يفهم. وَفِيه: أَن الْمَرْء مَطْلُوب بستر عيوبه. وَفِيه: دلَالَة على حسن خلقه ﵊. ١٤ - (بابُ غُسْلِ المَحِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغسْل من الْحيض، وَغسل الْمَرْأَة من الْحيض كغسلها من الْجَنَابَة سَوَاء، غير أَنَّهَا تزيد على ذَلِك اسْتِعْمَال الطّيب، وَهَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة لَا فَائِدَة فِي ذكره، لِأَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن ذَلِك عَن يحيى عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور، وَهَذَا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب بن خَالِد عَن مَنْصُور. ٣١٥ - حدّثنا مُسْلِمٌ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا مَنْصُورٌ عَنْ أُمَّهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قالَتْ ل لنَّبيِّ ﷺ كَيْفَ اغْتَسِلُ مِنَ المَحيضِ قالَ خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةٌ فَتَوَضَئِي ثَلَاثًا ثُمَّ أنَّ النَّبي ﷺ اسْتَحْيَا فاعْرِضَ بِوَجْهِهِ أَو قالَ تَوَضَئِي بِهَا فَاخَذْتُهَا فَجَذِبْتَها فأخْبَرْتُها بِمَا يُرِيدُ النَّبيِّ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٣١٤ وطرفه) [/ ح. قيل: التَّرْجَمَة لغسل الْمَحِيض، والْحَدِيث لم يدل عَلَيْهَا فَلَا مُطَابقَة. قلت: إِن كَانَ لفظ الْغسْل فِي التَّرْجَمَة بِفَتْح الْغَيْن، والمحيض اسْم مَكَان، فَالْمَعْنى ظَاهر، وَإِن كَانَ بِضَم الْغَيْن والمحيض مصدر فالإضافة بِمَعْنى اللَّام الاختصاصية، فَلهَذَا ذكر خَاصَّة هَذَا الْغسْل وَمَا بِهِ يمتاز عَن سَائِر الِاغْتِسَال. الْكَلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ قد مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (وتوضئي ثَلَاثًا) وَفِي بَعْضهَا: فتوضئي. قَوْله: (ثَلَاثًا) يتَعَلَّق: يُقَال، أَي: يُقَال ثَلَاث مَرَّات لَا تتوضئي، وَيحْتَمل تعلقه بقالت أَيْضا بِدَلِيل الحَدِيث الْمُتَقَدّم. قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من عَائِشَة، وَالْفرق بَين الرِّوَايَتَيْنِ زِيَادَة لَفظه بهَا يَعْنِي: تطهري بالفرصة، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر بِالْوَاو من غير شكّ. قَوْله: (مِمَّا يُرِيد) أَي: يتتبع أثر الدَّم وَإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة من الْفرج. ١٥ - (بابُ امْتِشاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان امتشاط الْمَرْأَة، وَهُوَ تَسْرِيح رَأسهَا عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض أَي: الْحيض. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا مَا يشْعر بِزِيَادَة التَّنْظِيف والنقاء، وَلَا يحفى ذَلِك على المتأمل. ٣١٦ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ قالَ حدّثنا ابْنُ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَن عائِشَةَ قالَتْ أهْلْلتُ مَعَ رسولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ فَزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ هاذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإنَّما كُنْتُ تَمَتَّعْتُ فَقَالَ لَها رسولُ اللَّهِ ﷺ انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي

стр. 914

وأَمْسِكِي عَنْ عَمْرتِكِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ لَيْلَةَ الحَصبةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعيمِ مَكانَ عَمْرَتِي الَّتي نَسَكْتُ. قَالَ الدَّاودِيّ وَمن تبعه لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على التَّرْجَمَة لِأَن أمرهَا بالامتشاط كَانَ للإهلال وَهِي حَائِض، لَا عِنْد غسلهَا أجَاب الْكرْمَانِي عَن هَذَا بِأَن الْإِحْرَام بِالْحَجِّ يدل على غسل الْإِحْرَام لِأَنَّهُ سنة، وَلما سنّ الامتشاط عِنْد غسله فَعِنْدَ غسل الْحيض بِالطَّرِيقِ الأولى، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّنْظِيف، وَذَلِكَ عِنْد إِرَادَة إِزَالَة أثر الْحيض الَّذِي هُوَ نَجَاسَة غَلِيظَة أهم أَو لأنَّه إِذا سنّ فِي النَّفْل فَفِي الْفَرْض أولى، وَقيل: إِن الإهلال بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الِاغْتِسَال صَرِيحًا فِي هَذِه الْقِصَّة، فِيمَا أخرجه مُسلم من طَرِيق ابْن الزبير عَن جَابر وَلَفظه: (فاغتسلي ثمَّ أَهلِي بِالْحَجِّ) وَقيل: جرت عَادَة البُخَارِيّ فِي كثير من التراجم أَنه يُشِير إِلَى مَا تضمنه بعض طرق الحَدِيث، وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فِيمَا سَاقه كَمَا ذكرنَا فِي بَاب الْمَرْأَة نَفسهَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النبوذكي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمدنِي نزيل بَغْدَاد. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدنيين. وَفِيه: أَن إِبْرَاهِيم يروي عَن الزُّهْرِيّ بِلَا وَاسِطَة، وَرُوِيَ عَنهُ فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان بِوَاسِطَة، روى عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ. ذكر مَعَانِيه قَوْلهَا: (أَهلَلْت) أَي: أَحرمت وَرفعت الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ، قَوْلهَا: (فِيمَن تمتّع) فِيهِ الْتِفَات من الْمُتَكَلّم إِلَى الْغَائِب لِأَن أَصله أَن يُقَال: تمتعت، وَلَكِن ذكر بِاعْتِبَار لفظ من قَوْلهَا: (الْهدى) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال وبكسرها مَعَ تَشْدِيد الْبَاء، وَهُوَ اسْم لما يهدى إِلَى مَكَّة من الْأَنْعَام قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (وَلم يسق الْهدى) كالتأكيد لبَيَان التَّمَتُّع، إِذْ الْمُتَمَتّع لَا يكون مَعَه الْهَدْي. قلت: الْمُتَمَتّع على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يَسُوق الْهَدْي مَعَه، وَالْآخر: لَا يَسُوق. وحكمهما مُخْتَلف كَمَا ذكر فِي فروع الْفِقْه قَوْلهَا: (فَزَعَمت) إِنَّمَا لم يقل، فَقَالَت: لِأَنَّهَا لم تَتَكَلَّم بِهِ صَرِيحًا إِذْ هُوَ مِمَّا يستحي فِي تصريحه، قَوْله: وَقَالَت: عطف على حَاضَت، ويروي، قَالَت، بِغَيْر عطف قَوْلهَا: (تمتعت بِعُمْرَة) تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا إِذا التَّمَتُّع هُوَ أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحجر من على مَسَافَة الْقصر من الْحرم، ثمَّ يحرم بِالْحَجِّ فِي سنة تِلْكَ الْعمرَة بِلَا عود إِلَى مِيقَات، وَبعد فَفِي هَذَا الْكَلَام مُقَدّر، تَقْدِيره، تمتعت بِعُمْرَة، وَأَنا حَائِض. قَوْله: (انْقَضى) بِضَم الْقَاف، وَفِي بعض الرِّوَايَات انفضى، بِالْفَاءِ، والمضاف مَحْذُوف أَي: شعر رَأسك، قَوْلهَا: (فَفعلت) أَي: فعلت النَّقْض والامتشاط والإمساك، وَهَاهُنَا، أَيْضا مُقَدّر، وَهُوَ فِي قَوْلهَا: (فَلَمَّا قضيت الْحَج) أَي: بعد إحرامي بِهِ، وقضيت، أَي: أدّيت قَوْلهَا: (أَمر عبد الرَّحْمَن) أَي امْر رَسُول الله ﷺ عبد الرَّحْمَن بن ابي بكر قَوْلهَا (لَيْلَة الحصبة) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي نزلُوا فِيهَا فِي المحصب، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي نزلوه بعد النَّفر من منى خَارج مَكَّة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي بعد أَيَّام التَّشْرِيق سميت بذلك لأَنهم نفروا من منى، فنزلوا فِي المحصب وَبَاتُوا بِهِ، والحصبة والحصباء والأبطح والبطحاء والمحصب وَخيف بني كنَانَة يُرَاد بهَا مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ بَين مَكَّة وَمنى، قَوْلهَا: (فأعمرني) ويروي (فاعتمرني) قَوْلهَا: (من التَّنْعِيم) ، وَهُوَ تفعيل من النِّعْمَة، وَهُوَ مَوضِع على فَرسَخ من مَكَّة على طَرِيق الْمَدِينَة، وَفِيه مَسْجِد عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْلهَا: (الَّتِي نسكت) من النّسك، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَمَعْنَاهُ: أَحرمت بهَا، أَو قصدت النّسك بهَا، وَفِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: (سكت) من السُّكُوت أَي: عمرتي الَّتِي تركت أَعمالهَا، وَسكت عَنْهَا وروى القايسي: (شكت) بالشين الْمُعْجَمَة. أَي: شكت الْعمرَة، من الْحيض وَإِطْلَاق الشكاية عَلَيْهَا كِنَايَة عَن إخلالها وَعدم بَقَاء استقلالها، وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فِيهِ رَاجعا، إِلَى عَائِشَة، وَكَانَ حَقه التَّكَلُّم، وَذكره بِلَفْظ الْغَيْبَة التفاتاً. ذكر استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَحرمت بِعُمْرَة أَولا، وَهُوَ صَرِيح حَدِيثهَا الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده، لَكِن قَوْلهَا فِي الحَدِيث الَّذِي مضى: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله

стр. 915

عَلَيْهِ وَسلم لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن عَائِشَة فِي مَا أَحرمت بِهِ اخْتِلَافا كثيرا كَمَا ذكره القَاضِي عِيَاض فَفِي رِوَايَة عُرْوَة " فأهلنا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى " وَلم أهل إِلَّا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة " لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَفِي أُخْرَى " لَا نرى إِلَّا الْحَج " وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا " لبينا بِالْحَجِّ " وَفِي أُخْرَى " مهلين بِالْحَجِّ " وَاخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَمنهمْ من رجح رِوَايَات الْحَج وَغلظ رِوَايَات الْعمرَة وَإِلَيْهِ ذهب إِسْمَاعِيل القَاضِي وَمِنْهُم من جمع لثقة رواتها لِأَنَّهَا أَحرمت أَولا بِالْحَجِّ وَلم تسق الْهَدْي فَلَمَّا أَمر الشَّارِع من لم يسق الْهَدْي بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة إِن شَاءَ فسخت هِيَ فِيمَن فسخ وَجَعَلته عمْرَة وأهلت بهَا ثمَّ إِنَّهَا لم تحل مِنْهَا حَتَّى حَاضَت فَتعذر عَلَيْهَا إِتْمَامهَا والتحلل مِنْهَا فَأمرهَا أَن تحرم بِالْحَجِّ فأحرمت فَصَارَت قارنة ووقفت وَهِي حَائِض ثمَّ طهرت يَوْم النَّحْر فأفاضت وَذكر ابْن حزم أَنه ﷺ َ - خَيرهمْ بسرف بَين فَسخه إِلَى الْعمرَة والتمادي عَلَيْهِ وَأَنه بِمَكَّة أوجب عَلَيْهِم التَّحَلُّل إِلَّا من صَحَّ مَعَه الْهَدْي وَالصَّحِيح أَنَّهَا حَاضَت بسرف أَو قريب مِنْهَا فَلَمَّا قدم مَكَّة قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - اجْعَلُوهَا عمْرَة. وَقَالَ أَبُو عمر الِاضْطِرَاب عَن عَائِشَة فِي حَدِيثهَا فِي الْحَج عَظِيم وَقد أَكثر الْعلمَاء فِي تَوْجِيه الرِّوَايَات فِيهِ وَدفع بَعضهم بَعْضهَا فِيهِ بِبَعْض وَلم يستطيعوا الْجمع بَينهَا ورام قوم الْجمع فِي بعض مَعَانِيهَا. روى مُحَمَّد بن عبيد عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ أَلا تعجب من اخْتِلَاف عُرْوَة وَالقَاسِم قَالَ الْقَاسِم أهلت عَائِشَة بِالْحَجِّ وَقَالَ عُرْوَة أهلت بِالْعُمْرَةِ وَذكر الْحَارِث بن مِسْكين عَن يُوسُف بن عَمْرو عَن ابْن وهب عَن مَالك أَنه قَالَ لَيْسَ الْعَمَل فِي رفض الْعمرَة لِأَن الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْده فِي أَشْيَاء كَثِيرَة. مِنْهَا أَنه جَائِز للْإنْسَان أَن يهل بِعُمْرَة. وَمِنْهَا أَن الْقَارِن يطوف وَاحِدًا أَو غير ذَلِك وَقَالَ ابْن حزم فِي الْمحلى حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة مُنكر وَخطأ عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل فَذكر حَدِيث مَالك عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة " خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - عَام حجَّة الْوَدَاع " الحَدِيث فَقَالَ أَحْمد أشعر فِي هَذَا الحَدِيث من الْعجب خطأ قَالَ الْأَثْرَم فَقلت لَهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة بِخِلَافِهِ قَالَ نعم وَهِشَام بن عُرْوَة وَفِي التَّمْهِيد دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا وَقَالُوا هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن اسحق قد اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة عَن عُرْوَة غلط الثَّانِي أَن ظَاهر قَوْلهَا يَا رَسُول الله هَذِه لَيْلَة عَرَفَة إِلَى آخِره يدل على أَنه ﵊ أمرهَا برفض عمرتها وَأَن تخرج مِنْهَا قبل تَمامهَا وَفِي التَّوْضِيح وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ فِي الْمَرْأَة تحيض قبل الطّواف وتخشى فَوَات الْحَج أَنَّهَا ترفض الْعمرَة وَقَالَ الْجُمْهُور أَنَّهَا تردف الْحَج وَتَكون قارنة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَحمله بعض الْمَالِكِيَّة على أَنه ﷺ َ - أمرهَا بالإرداف لَا بِنَقْض الْعمرَة وَاعْتَذَرُوا عَن هَذِه الْأَلْفَاظ بتأويلات. أَحدهَا أَنَّهَا كَانَت مضطرة إِلَى ذَلِك فَرخص لَهَا كَمَا رخص لكعب بن عجْرَة فِي الْحلق للأذى ثَانِيهَا أَنه خص بهَا. ثَالِثهَا أَن المُرَاد بِالنَّقْضِ والامتشاط تَسْرِيح الشّعْر لغسل الإهلال بِالْحَجِّ ولعلها كَانَت لبدت رَأسهَا وَلَا يتأنى إِيصَال المَاء إِلَى الْبشرَة مَعَ التلبيد إِلَّا بِحل الظفر والتسريح وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي نقض الْمَرْأَة شعرهَا عِنْد الِاغْتِسَال فَأمر بِهِ ابْن عمر وَالنَّخَعِيّ وَوَافَقَهُمَا طَاوُوس فِي الْحيض دون الْجَنَابَة وَلَا يتَبَيَّن بَينهمَا فرق وَلم توجبه عَلَيْهَا فِيهَا عَائِشَة وَأم سَلمَة وَابْن عمر وَجَابِر وَبِه قَالَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَعَامة الْفُقَهَاء وَالْعبْرَة بالوصول فَإِن لم يصل فتنقض. الثَّالِث أَن قَول عَائِشَة تمتعت بِعُمْرَة يدل على أَنَّهَا كَانَت معتمرة أَولا. قَالَ النَّوَوِيّ فَإِن قلت أصح الرِّوَايَات عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت لَا نرى إِلَّا الْحَج وَلَا نذْكر إِلَّا الْحَج وَخَرجْنَا مهلين بِالْحَجِّ فَكيف الْجمع بَينهَا وَبَين مَا قَالَت تمتعت بِعُمْرَة قلت الْحَاصِل أَنَّهَا أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ فسخته إِلَى الْعمرَة حِين أَمر النَّاس بِالْفَسْخِ فَلَمَّا حَاضَت وَتعذر عَلَيْهَا إتْمَام الْعمرَة أمرهَا النَّبِي ﷺ َ - بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فأحرمت بِهِ فَصَارَت مدخلة الْحَج على الْعمرَة وقارنة لما ثَبت من قَوْله ﷺ َ - " يكفك طوافك لحجك وعمرتك " وَمعنى امسكي من عمرتك لَيْسَ إبِْطَال لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوج مِنْهَا بعد الْإِحْرَام بنية الْخُرُوج وَإِنَّمَا تخرج مِنْهَا بالتحلل بعد فراغها بل مَعْنَاهُ إمضي الْعَمَل فيهمَا وإتمام أفعالها وأعرضي عَنْهَا وَلَا يلْزم من نقض الرَّأْس والامتشاط إبِْطَال الْعمرَة لِأَنَّهَا جائزان عندنَا فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا ينتف شعر الْكن يكره الامتشاط إِلَّا لعذر وتأولوا فعلهَا على أَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى وَقيل لَيْسَ المُرَاد -

стр. 916

بالامتشاط حَقِيقَته، بل تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع للْغسْل لإحرامها بِالْحَجِّ، لَا سِيمَا إِن كَانَت لبدت رَأسهَا فَلَا يَصح غسلهَا إِلَّا بإيصال المَاء إِلَى جَمِيع شعرهَا، وَيلْزم مِنْهُ نقضه، فَإِن قلت: اذا كَانَت قارنة فَلم امرها بِالْعُمْرَةِ بعد الْفَرَاغ من الْحَج (قلت) مَعْنَاهُ أَرَادَت أَن يكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة عَن الْحَج كَمَا حصل لسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وغيرهن من الصَّحَابَة الَّذِي فسخوا الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَأَتمُّوا الْعمرَة ثمَّ أَحْرمُوا بِالْحَجِّ، فَحصل لَهُم عمْرَة مُنْفَرِدَة وَحج مُنْفَرد فَلم يحصل لَهَا إلَاّ عمْرَة مندرجة فِي حجَّة الْقُرْآن فاعتمرت بعد ذَلِك مَكَان عمرتها الَّتِي كَانَت أَرَادَت أَولا حُصُولهَا مُنْفَرِدَة غير مندرجة، ومنعها الْحيض عَنهُ، وَإِنَّمَا فعلت كَذَلِك حرصاً على كَثْرَة الْعِبَادَات انْتهى. قلت: الْمَشْهُور الثَّابِت أَن عَائِشَة كَانَت مُنْفَرِدَة بِالْحَجِّ وَأَنه ﵊ أمرهَا برفض الْعمرَة، وَقَوْلها فِي الحَدِيث وأرجع بِحجَّة وَاحِدَة، دَلِيل وَاضح على ذَلِك، وَقَوْلها: ترجع صواحبي بِحَجّ وَعمرَة، وأرجع أَنا بِالْحَجِّ، صَرِيح فِي رفض الْعمرَة، إِذْ لَو دخل الْحَج على الْعمرَة لكَانَتْ هِيَ وَغَيرهَا سَوَاء، وَلما احْتَاجَت إِلَى عمْرَة أُخْرَى بعد الْعمرَة وَالْحج الَّذِي فعلتهما وَقَوله ﷺ عِنْد عمرتها الْأَخِيرَة: (هَذِه مَكَان عمرتك) صَرِيح فِي أَنَّهَا خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها إِذْ لَا تكون الثَّانِيَة مَكَان الأولى، وَالْأولَى مُنْفَرِدَة وَفِي بعض الرِّوَايَات هَذِه قَضَاء من عمرتك. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) يَعْنِي قَوْله: ودعي الْعمرَة أمسكي عَن أفعالها، وأدخلي عَلَيْهَا الْحَج قلت: هَذَا خلاف حَقِيقَة قَوْله: دعِي الْعمرَة: بل حَقِيقَته أَنه أمرهَا برفض الْعمرَة بِالْحَجِّ، وَقَوْلها: انقضي رَأسك وامتشطي، يدل على ذَلِك، وَيدْفَع تَأْوِيل الْبَيْهَقِيّ بالإمساك عَن أَفعَال الْعمرَة، إِذا الْمحرم لَيْسَ لَهُ أَن يعفل ذَلِك. فَإِن قلت: قَالَ الشَّافِعِي: لَا يعرف فِي الشَّرْع رفض الْعمرَة بِالْحيضِ. قلت: قَالَ الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) مَا رفضتها بِالْحيضِ، لَكِن تَعَذَّرَتْ أفعالها، وَكَانَت ترفضها بِالْوُقُوفِ، فَأَمرهمْ بتعجيل الرَّفْض. ١٦ - (بابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسَلِ المَحِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقض الْمَرْأَة شعر رَأسهَا، عِنْد غسل الْمَحِيض أَي: الْحيض، وَجَوَابه مُقَدّر أَي: هَل يجب أم لَا؟ وَظَاهر الحَدِيث الْوُجُوب، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي الْبَاب السَّابِق. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن النَّقْض والامتشاط من جنس وَاحِد وَحكم وَاحِد. ٣١٧ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مُوافينَ لِهلالِ ذِي الحِجَّةِ فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ مَنْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلُ فإنِّى لَوْلَا أنِّي أهْدَيْتُ لَاهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بُعُمْرَةٍ وَأَهْلُ بَعْضُهُمْ بِخحَجٍ وَكُنْتُ أَنَّا مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فأَدْرَكَنِي يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنا حائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فقالَ دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضَي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وَأْهِلِّى بِحَجٍ فَفَعَلْتُ حَتَّى كانَ لَيْلَةُ الخَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي أخِي عَبُدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرً فَخَرَجَتْ إلىَ التَنْعِيمِ فَأَهَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قالَ هِشامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلا صَوْمٌ وَلا صَدَقَةٌ. مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عبيد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْهَبَّاري، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء الْمُهْملَة. الْكُوفِي، وَيُقَال اسْمه عبيد الله مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْهَاشِمِي الْكُوفِي، مر فِي بَاب فضل من علم. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني. ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْلهَا: (موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة) أَي: مكملين ذِي الْقعدَة مُسْتَقْبلين لهلاله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَي مقارنين لاستهلاله، وَكَانَ خُرُوجهمْ قبله لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَيُقَال موافين أَي: مشرفين يُقَال: أوفى على كَذَا أَي:

стр. 917

أشرف، وَلَا يلْزم الدُّخُول فِيهِ، وَقدم النَّبِي ﷺ مَكَّة لأَرْبَع أَو خمس من ذِي الْحجَّة، أَقَامَ فِي طَرِيقه إِلَى مَكَّة تِسْعَة أَيَّام أَو عشرَة أَيَّام قَوْله: (فليهل) ، بتَشْديد اللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، (فليهلل) ، يفك الْإِدْغَام أَي: فليحرم بهَا. قَوْله: (أهديت) أَي: سقت الْهَدْي، وَإِنَّمَا كَانَ وجود الْهَدْي عِلّة لانْتِفَاء الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ، لِأَن صَاحب الْهَدْي لَا يجوز لَهُ التَّحَلُّل حَتَّى ينحره، وَلَا ينحره إلَاّ يَوْم النَّحْر، والمتمتع يتَحَلَّل قبل يَوْم النَّحْر، فهما متنافيان. قَوْله: (فَأهل بَعضهم بِعُمْرَة) أَي: صَارُوا متمتعين، وَبَعْضهمْ محج أَي: صَارُوا مفردين. قَوْله: (دعِي عمرتك) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: أفعالها لأنفسها، قلت: قد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّابِق أَنه أمرهَا بِالتّرْكِ حَقِيقَة، وَذكرنَا وجهة. قَوْله: (لَيْلَة الحصبة) كَلَام إضافي مَرْفُوع وَكَانَ تَامَّة أَن التَّمَتُّع أفضل من الْإِفْرَاد فَمَاذَا قَالَ الشَّافِعِي فِي دلعه؟ قلت: أَنه ﷺ إِنَّمَا قَالَه من أجل من فسخ الْحجر إِلَى الْعمرَة وَالَّذِي هُوَ خَاص بهم فِي تِلْكَ السّنة خَاصَّة لمُخَالفَة الْجَاهِلِيَّة من حَيْثُ حرمُوا الْعمرَة فِي أشهر الْحجر، وَلم يرد بذلك، التَّمَتُّع الَّذِي فِيهِ الْخلاف وَقَالَ هَذَا تطيباً لقلوب أَصْحَابه، وَكَانَت نُفُوسهم لَا تسمح بِفَسْخ الْحَج إِلَيْهَا لإرادتهم مُوَافَقَته ﷺ ، وَمَعْنَاهُ، مَا يَمْنعنِي من موافقتكم مِمَّا أَمرتكُم بِهِ إلَاّ سوقي الْهَدْي، ولولاه لوافقتكم قلت: الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة أَن الْإِفْرَاد أفضل من التَّمَتُّع كمذهب الشَّافِعِي، وَلَكِن الْمَذْهَب التَّمَتُّع أفضل من الْإِفْرَاد لِأَن فِيهِ جمعا بَين عبادتي الْعمرَة وَالْحج فِي سفر وَاحِد، فَأشبه القِرَان. قَوْله: (قَالَ هِشَام) أَي: ابْن عُرْوَة، هَذَا يحْتَمل التَّعْلِيق، وَيحْتَمل أَن يكون عطفا من جِهَة الْمَعْنى على لفظ هِشَام، ثمَّ قَول هِشَام: يحْتَمل أَن يكون مُعَلّقا، وَيحْتَمل أَن يكون مُتَّصِلا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَالظَّاهِر الأول. ثمَّ اعْلَم أَن ظَاهر قَول هِشَام مُشكل، فَإِنَّهَا إِن كَانَت قارنة فعلَيْهَا هدي الْقُرْآن عِنْد كَافَّة الْعلمَاء، إلَاّ دَاوُد وَإِن كَانَت متمتعة فَكَذَلِك، لَكِنَّهَا كَانَت فاسخة كَمَا سلف، وَلم تكن قارنة وَلَا متمتعة، وَإِنَّمَا أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ نَوَت فَسخه فِي عمْرَة، فَلَمَّا حَاضَت وَلم يتم لَهَا ذَلِك رجعت إِلَى حَجهَا فَلَمَّا أكملته اعْتَمَرت عمْرَة مستبدأة، نبه عَلَيْهِ القَاضِي، لَكِن يُعَكر عَلَيْهِ قَوْلهَا: وَكنت مِمَّن أهل بِعُمْرَة، وَقَوْلها: وَلم أهل إلَاّ بِعُمْرَة، وَيُجَاب بِأَن هُنَا مآلما لم يبلغهُ ذَلِك أخبر بنفيه، وَلَا يلْزم من ذَلِك نَفْيه من نفس الْأَمر، وَيحْتَمل أَن يكون لم يَأْمر بِهِ، بل نوى أَنه يقولم بِهِ عَنْهَا، بل روى جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه ﵊، أهْدى عَن عَائِشَة بقرة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِيهِ دَلِيل على أَنَّهَا كَانَت فِي حجر مُفْرد لَا تمتّع وَلَا قرَان، لِأَن الْعلمَاء مجمعون على وجوب الدَّم فيهمَا. سميرة كتاب الْحيض من صفحة ٢٩١ الفايل الثَّالِث ١٧ - (بابٌ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ﴾ (الْحَج: ٥) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول فِي إعرابه: الْأَحْسَن أَن يكون: بَاب، منونا، وَيكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان. قَوْله ﷺ : (فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي الله خلقه، قَالَ الْملك: مخلقة، وَإِن لم يرد قَالَ: غير مخلقة) . وَرُوِيَ عَن عَلْقَمَة: (إِذا وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم قَالَ لَهُ الْملك: مخلقة أوغير مخلقة؟ فَإِن قَالَ: غير مخلقة مجت الرَّحِم دَمًا، وَإِن قَالَ: مخلقة. قَالَ أذكر أم أُنْثَى؟) وَيحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ أَرَادَ الْآيَة الْكَرِيمَة، فأورد الحَدِيث لِأَن فِيهِ ذكر المضغة، والمضغة مخلقة وَغير مخلقة وَقَالَ بَعضهم: روينَاهُ بِالْإِضَافَة أَي: بَاب تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿مخلقة وَغير مخلقة﴾ (الْحَج: ٥) قلت لَيْت شعري أَنه روى هَذَا عَن البُخَارِيّ نَفسه أم عَن الْفربرِي وَكَيف يَقُول بَاب تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿مخلقة وَغير مخلقة﴾ وَلَيْسَ فِي متن حَدِيث الْبَاب: مخلقة وَغير مخلقة، وَإِنَّمَا فِيهِ ذكر المضغة، وَهِي مخلقة وَغير مخلقة. لما ذكرنَا. النَّوْع الثَّانِي: إِن غَرَض البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، لِأَن اشْتِمَال الرَّحِم على الْوَلَد يمْنَع خُرُوج دم الْحيض. وَيُقَال: إِنَّه يصير غذَاء للجنين، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض الْكُوفِيُّونَ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأحمد بن حَنْبَل وَأَبُو نور وَابْن الْمُنْذر وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو عبيد وَعَطَاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَجَابِر بن زيد وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَوْله الْقَدِيم، وَقَالَ فِي الْجَدِيد: إِنَّهَا تحيض، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ، وَحكي عَن بعض الْمَالِكِيَّة: إِن كَانَ فِي آخر الْحمل فَلَيْسَ بحيض، وَذكر الدَّاودِيّ أَن الِاحْتِيَاط أَن تَصُوم وَتصلي ثمَّ تقضي الصَّوْم وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ بِإِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْحيض تَقْوِيَة

стр. 918

مَذْهَب من يَقُول: إِن الْحَامِل لَا تحيض. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على أَنَّهَا لَا تحيض نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون مَا يخرج من الْحَامِل من السقط الَّذِي لم يصور أَن لَا يكون الدَّم الَّذِي ترَاهُ الْمَرْأَة الَّتِي يسْتَمر حملهَا لَيْسَ بحيض، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُخَالف من أَنه رشح من الْوَلَد أَو من فضلَة غذائه أَو من دم فَاسد لعِلَّة فمحتاج إِلَى الدَّلِيل، لِأَن هَذَا دم بِصِفَات دم الْحيض، وَفِي زمن إِمْكَانه فَلهُ حكم دم الْحيض. فَمن ادّعى خِلَافه فَعَلَيهِ الْبَيَان. قلت: إِنَّمَا ادعيت الْخلاف وَعلي الْبَيَان: أما أَولا فَنَقُول: لنا فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث وأخبار. مِنْهَا: حَدِيث سَالم عَن أَبِيه وَهُوَ: (إِن ابْن عمر طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَسَأَلَ عمر النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مره فَلْيُرَاجِعهَا ثمَّ ليمسكها حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إِن شَاءَ أمْسكهَا وَإِن شَاءَ طَلقهَا قبل أَن يمس، فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس: (لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع، وَلَا حَائِل حَتَّى تستبرأ بِحَيْضَة) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَمِنْهَا: حَدِيث رويفع بن ثَابت، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : [حم (لَا يحل لأحد أَن يسْقِي بمائه زرع غَيره، وَلَا يَقع على أمة حَتَّى تحيض أَو يتَبَيَّن حملهَا) [/ حم. رَوَاهُ أَحْمد، فَجعل ﷺ وجود الْحيض علما على بَرَاءَة الرَّحِم من الْحَبل فِي الْحَدِيثين، وَلَو جَازَ اجْتِمَاعهمَا لم يكن دَلِيلا على انتفائه، وَلَو كَانَ بعد الِاسْتِبْرَاء بِحَيْضَة احْتِمَال الْحمل لم يحل وَطْؤُهَا للِاحْتِيَاط فِي أَمر الإبضاع. وَأما الاخبار فَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: (إِن الله تَعَالَى رفع الْحيض عَن الحبلى وَجعل الدَّم رزقا للْوَلَد مِمَّا تفيض الْأَرْحَام) ، رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين. وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: [حم (إِن الله رفع الْحيض عَن الحبلى وَجعل الدَّم رزقا للْوَلَد) [/ حم، رَوَاهُ ابْن شاهين أَيْضا. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم، وَالدَّارَقُطْنِيّ بإسنادهما عَن عَائِشَة فِي: [حم (الْحَامِل ترى الدَّم، فَقَالَت: الحبلى لَا تحيض وتغتسل وَتصلي) [/ حم، وَقَوْلها: تَغْتَسِل، اسْتِحْبَاب لكَونهَا مُسْتَحَاضَة، وَلَا يعرف عَن غَيرهم خِلَافه. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاسْتدلَّ ابْن التِّين على أَنه: لَيْسَ بِدَم حيض، بِأَن الْملك مُوكل برحم الْحَامِل، وَالْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ قذر. وَأجِيب: بِأَن لَا يلْزم من كَون الْملك موكلاً بِهِ أَن يكون حَالا فِيهِ، ثمَّ هُوَ مُشْتَرك الْإِلْزَام لِأَن الدَّم كُله قذر. قلت: وَلَا يلْزم أَيْضا أَن لَا يكون حَالا فِيهِ، وَالدَّم فِي معدته لَا يُوصف بِالنَّجَاسَةِ، وَإِلَّا يلْزم أَن لَا يُوجد أحد طَاهِرا خَالِيا عَن النَّجَاسَة. النَّوْع الثَّالِث فِي معنى المخلقة: وَعَن قَتَادَة: ﴿مخلقة وَغير مخلقة﴾ (الْحَج: ٥) أَي: تَامَّة وَغير تَامَّة، وَعَن الشّعبِيّ: النُّطْفَة والعلقة والمضغة إِذا أكسيت فِي الْخلق الرَّابِع كَانَت مخلقة، وَإِذا قذفتها قبل ذَلِك كَانَت غير مخلقة. وَعَن أبي الْعَالِيَة: المخلقة المصورة، وَغير المخلقة، السقط. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مُضْغَة مخلقة أَي تَامَّة الْخلق، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مخلقة أَي مسواة ملساء من النُّقْصَان وَالْعَيْب، يُقَال: خلق السِّوَاك إِذا سواهُ وملسه، وَغير مخلقة أَي غير مسواة. النَّوْع الرَّابِع فِي وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله من حَيْثُ إِن الْبَاب الَّذِي قبله يشْتَمل على أُمُور من أَحْكَام الْحيض، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا يشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض، وَهُوَ أَن الْحَامِل إِذا رَأَتْ دَمًا هَل يكون حيضا أم لَا؟ وَقد ذكرنَا أَن غَرَض البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، وَنَذْكُر كَيْفيَّة ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٢٣ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن عبيد الله بن أبي بكر عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِن الله وكل بالرحم ملكا يَقُول يَا رب نُطْفَة يَا رب علقَة يَا رب مُضْغَة فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي خلقه قَالَ أذكر أم أُنْثَى أشقي أم سعيد فَمَا الرزق وَمَا الْأَجَل فَيكْتب فِي بطن أمه) وَجه تطابق هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يُفَسر المخلقة وَغير المخلقة فَإِن قَوْله فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي خلقه هُوَ المخلقة وبالضرورة يعلم مِنْهُ أَنه إِذا لم يرد خلقه يكون غير مخلقة وَقد بَين ذَلِك حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ " إِذا وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم بعث الله ملكا فَقَالَ يَا رب مخلقة أَو غير مخلقة فَإِن قَالَ غير مخلقة مجها الرَّحِم دَمًا وَإِن قَالَ مخلقة قَالَ يَا رب فَمَا صفة هَذِه النُّطْفَة فَيُقَال لَهُ انْطلق إِلَى

стр. 919

أم الْكتاب فَإنَّك تَجِد قصَّة هَذِه النُّطْفَة فَينْطَلق فيجد قصَّتهَا فِي أم الْكتاب " وَهُوَ مَوْقُوف لفظا مَرْفُوع حكما لِأَن الْإِخْبَار عَن شَيْء لَا يُدْرِكهُ الْعقل مَحْمُول على السماع (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد الثَّانِي حَمَّاد بن زيد الْبَصْرِيّ الثَّالِث عبيد الله بِلَفْظ الصَّغِير ابْن أبي بكر بن أنس بن مَالك أَبُو مُعَاوِيَة الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع أنس بن مَالك وَهُوَ جده يروي عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون وَفِيه الرِّوَايَة عَن الْجد (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي خلق بني آدم عَن أبي النُّعْمَان وَفِي الْقدر عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن أبي كَامِل الجحدري الْكل عَن حَمَّاد بن زيد (ذكر لغاته) قَوْله " نُطْفَة " بِضَم النُّون قَالَ الْجَوْهَرِي النُّطْفَة المَاء الصافي قل أَو كثر وَالْجمع النطاف ونطفان المَاء سيلانه وَقد نطف ينطف وينطف من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب وَلَيْلَة نطوف تمطر إِلَى الصَّباح وَيُقَال جمع النُّطْفَة نطف أَيْضا وكل شَيْء خَفِي نُطْفَة ونطافة حَتَّى أَنهم يسمون الشَّيْء الْخَفي بذلك وَأَصله للْمَاء الْقَلِيل يبْقى فِي الغدير أَو السقاء أَو غَيره من الْآنِية وَيُقَال لَهُ مَا دَامَ نُطْفَة صراة ذكره ابْن سَيّده فِي الْمُخَصّص قَوْله " علقَة " بِفَتْح اللَّام قَالَ الْأَزْهَرِي فِي التَّهْذِيب الْعلقَة الدَّم الجامد الغليظ وَمِنْه قيل لهَذِهِ الدَّابَّة الَّتِي تكون فِي المَاء علقَة لِأَنَّهَا حَمْرَاء كَالدَّمِ وكل دم غليظ علق وَفِي الموعب العلق الدَّم مَا كَانَ وَقيل هُوَ الجامد قبل أَن ييبس وَقيل هُوَ مَا اشتدت حمرته والقطعة مِنْهُ علقَة وَفِي المغيث هُوَ مَا انْعَقَد وَقيل الْيَابِس كَأَن بعضه علق بِبَعْض تعقدا ويبسا قَوْله " مُضْغَة " قَالَ الْجَوْهَرِي المضغة قِطْعَة لحم وَفِي الغريبين وَجَمعهَا مضغ وَيُقَال مضيغة وَتجمع على مضائغ وَيُقَال المضغة اللحمة الصَّغِيرَة قدر مَا يمضغ وَفِي الْمُحكم قَالَ عمر بن الْخطابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّا لَا نتغافل المضغ بَيْننَا أَرَادَ الْجِرَاحَات وسماها مضغا على التَّشْبِيه بمضغة الْإِنْسَان فِي حلقه يذهب بذلك إِلَى تصغيرها وتقليلها (ذكر مَعْنَاهُ ونكاته) قَوْله " وكل " بِالتَّشْدِيدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ملك الْمَوْت الَّذِي وكل بكم﴾ وَظَاهر قَوْله " أَن الله وكل بالرحم ملكا " يدل على أَن بَعثه إِلَيْهِ عِنْد وُقُوع النُّطْفَة فِي الرَّحِم وَلَكِن فِيهِ اخْتِلَاف الرِّوَايَات فَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " أَن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَيكْتب رزقه وأجله وَعَمله وشقي أَو سعيد " وَظَاهره إرْسَال الْملك بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَفِي رِوَايَة " يدْخل الْملك على النُّطْفَة بَعْدَمَا تَسْتَقِر فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَو خَمْسَة وَأَرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يَا رب شقي أَو سعيد " وَعند مُسلم " إِذا مر بالنطفة اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ أَو ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ أَو خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ " وَفِي أُخْرَى " إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها " وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة بن أسيد " أَن النُّطْفَة تقع فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْهَا الْملك " وَفِي أُخْرَى " أَن ملكا وكل بالرحم إِذا أَرَادَ الله أَن يخلق شَيْئا يَأْذَن لَهُ لبضع وَأَرْبَعين لَيْلَة " وَجمع الْعلمَاء بَين ذَلِك بِأَن الْمَلَائِكَة لَازِمَة ومراعية بِحَال النُّطْفَة فِي أَوْقَاتهَا وَأَنه يَقُول يَا رب هَذِه نُطْفَة هَذِه علقَة هَذِه مُضْغَة فِي أَوْقَاتهَا وكل وَقت يَقُول فِيهِ مَا صَارَت إِلَيْهِ بِأَمْر الله تَعَالَى وَهُوَ أعلم. ولكلام الْملك وتصرفه أَوْقَات. أَحدهَا حِين يكون نُطْفَة ثمَّ ينقلها علقَة وَهُوَ أول علم الْملك أَنه ولد إِذْ لَيْسَ كل نُطْفَة تصير ولدا وَذَلِكَ عقيب الْأَرْبَعين الأولى وَحِينَئِذٍ يكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد ثمَّ للْملك فِيهِ تصرف آخر وَهُوَ تَصْوِيره وَخلق سَمعه وبصره وَكَونه ذكرا أَو أُنْثَى وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة وَهِي مُدَّة المضغة وَقبل انْقِضَاء هَذِه الْأَرْبَعين وَقبل نفخ الرّوح لِأَن النفخ لَا يكون إِلَّا بعد تَمام صورته وَالرِّوَايَة السالفة " إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة " لَيست على ظَاهره قَالَه عِيَاض وَغَيره بل المُرَاد بتصويرها وَخلق سَمعهَا إِلَى آخِره أَنه يكْتب ذَلِك ثمَّ يَفْعَله فِي وَقت آخر لِأَن التَّصْوِير عقيب الْأَرْبَعين الأولى غير مَوْجُود فِي الْعَادة وَإِنَّمَا يَقع فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة وَهِي مُدَّة المضغة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة﴾ الْآيَة ثمَّ يكون للْملك فِيهِ تصرف آخر وَهُوَ وَقت نفخ الرّوح عقيب الْأَرْبَعين الثَّالِثَة حَتَّى يكمل لَهُ أَرْبَعَة أشهر. وَاتفقَ الْعلمَاء أَن نفخ الرّوح لَا يكون إِلَّا بعد أَرْبَعَة أشهر ودخوله فِي الْخَامِسَة وَقَالَ الرَّاغِب وَذكر الْأَطِبَّاء أَن الْوَلَد إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر (فَإِن قلت) وَقع فِي رِوَايَة

стр. 920

البُخَارِيّ " أَن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله ثمَّ يبْعَث الله فِيهِ الْملك فَيُؤذن بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح " فَأتى فِيهِ بِكَلِمَة ثمَّ الَّتِي هِيَ تَقْتَضِي التَّرَاخِي فِي الْكتب إِلَى مَا بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَالْأَحَادِيث الْبَاقِيَة تَقْتَضِي الْكتب عقيب الْأَرْبَعين الأولى (قلت) أُجِيب بِأَن قَوْله " ثمَّ يبْعَث إِلَيْهِ الْملك فَيُؤذن بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب " مَعْطُوف على قَوْله " يجمع فِي بطن أمه " ومتعلقا بِهِ لَا بِمَا قبله وَهُوَ قَوْله " ثمَّ يكون مُضْغَة مثله " وَيكون قَوْله " ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله " مُعْتَرضًا بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِز مَوْجُود فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح وَكَلَام الْعَرَب وَقَالَ عِيَاض وَالْمرَاد بإرسال الْملك فِي هَذِه الْأَشْيَاء أمره بهَا وَالتَّصَرُّف فِيهَا بِهَذِهِ الْأَفْعَال وَإِلَّا فقد صرح فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ وكل بالرحم ملكا وَأَنه يَقُول يَا رب نُطْفَة يَا رب علقَة وَقَوله فِي حَدِيث أنس " وَإِذا أَرَادَ الله أَن يقْضِي خلقا قَالَ يَا رب أذكر أم أُنْثَى " لَا يُخَالف مَا قدمْنَاهُ وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يَقُول ذَلِك بعد المضغة بل هُوَ ابْتِدَاء كَلَام وإخبار عَن حَالَة أُخْرَى فَأخْبر أَولا بِحَال الْملك مَعَ النُّطْفَة ثمَّ أخبر أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ خلق النُّطْفَة علقَة كَانَ كَذَا وَكَذَا ثمَّ المُرَاد بِجَمِيعِ مَا ذكر من الرزق وَالْأَجَل والشقاء والسعادة وَالْعقل والذكورة وَالْأُنُوثَة يظْهر ذَلِك للْملك فَيُؤْمَر بإنفاذه وكتابته وَإِلَّا فقضاء الله تَعَالَى وَعلمه وإرادته سَابِقَة على ذَلِك قَوْله فِي حَدِيث أنس " فَيكْتب " بَيَانه فِي حَدِيث يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة حَدثنَا دَاوُد عَن عَامر عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ " أَن النُّطْفَة إِذا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِم أَخذهَا الْملك بكفه قَالَ أَي رب أذكر أم أُنْثَى مَا الْأَمر بِأَيّ أَرض تَمُوت فَيُقَال لَهُ انْطلق إِلَى أم الْكتاب فَإنَّك تَجِد قصَّة هَذِه النُّطْفَة فَينْطَلق فيجد صفتهَا فِي أم الْكتاب " قَوْله " وَمَا الْأَجَل " ويروى " فَمَا الرزق وَالْأَجَل " قَوْله " فَيكْتب ويروى " قَالَ فَيكْتب " (بَيَان إعرابه) قَوْله " ملكا " مَنْصُوب بقوله " وكل " قَوْله " يَقُول " جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْملك فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة الْملك وَقَوله " يَا رب " بِحَذْف يَاء الْمُتَكَلّم وَفِي مثله يجوز يَا رَبِّي وَيَا رب وَيَا رَبًّا وَيَا رباه بِالْهَاءِ وَقفا قَوْله " نُطْفَة " يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب أما النصب فَهُوَ رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَوَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره جعلت الْمَنِيّ نُطْفَة فِي الرَّحِم أَو خلقت نُطْفَة وَأما وَجه الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي يَا رب هَذِه نُطْفَة " فَإِن قلت " كَيفَ يكون الشَّيْء الْوَاحِد نُطْفَة علقَة مُضْغَة " قلت " هَذِه الْأَخْبَار الثَّلَاثَة تصدر من الْملك فِي أَوْقَات مُتعَدِّدَة لَا فِي وَقت وَاحِد وَلَا يُقَال لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة الْخَبَر وَلَا لَازمه لِأَن الله علام الغيوب لأَنا نقُول هَذَا إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الْكَلَام جَارِيا على ظَاهره أما إِذا عدل عَن الظَّاهِر فَلَا يلْزم الْمَحْذُور الْمَذْكُور وَهَهُنَا المُرَاد التمَاس إتْمَام خلقه وَالدُّعَاء بإفاضة الصُّورَة الْكَامِلَة عَلَيْهِ أَو الاستعلام عَن ذَلِك وَنَحْوهمَا وَمثل هَذَا كثير وَوَقع فِي الْقُرْآن أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن أم مَرْيَم ﵉ ﴿رَبِّي إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى﴾ فَإِنَّهُ يكون للاعتذار وَإِظْهَار التأسف قَوْله " فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي " أَي فَإِذا أَرَادَ الله أَن يقْضِي أَي أَن يتم خلقه أَي خلق مَا فِي الرَّحِم من النُّطْفَة الَّتِي صَارَت علقَة ثمَّ صَارَت مُضْغَة وَيَجِيء الْقَضَاء بِمَعْنى الْفَرَاغ أَيْضا قَوْله " قَالَ " أَي الْملك قَوْله " أذكر أم أُنْثَى " أَي أذكر هُوَ أم أُنْثَى وَقَوله " ذكر " مُبْتَدأ أَو خبر فَإِذا قُلْنَا خبر يكون لَفْظَة هُوَ المؤخرة مُبْتَدأ وَلَا يُقَال النكرَة لَا تقع مُبْتَدأ لِأَن فِيهِ المسوغ لوُقُوعه مُبْتَدأ وَهِي كَونهَا قد تخصصت بِثُبُوت أَحدهمَا إِذْ السُّؤَال فِيهِ عَن التَّعْيِين فصح الِابْتِدَاء بِهِ وَهُوَ من جملَة المخصصات لوُقُوع الْمُبْتَدَأ نكرَة ويروي " أذكرا " بِالنّصب فوجهه إِن صحت الرِّوَايَة أَي أَتُرِيدُ أَو أتخلق ذكرا قَوْله " شقي أم سعيد " الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي أذكر أم أُنْثَى وَمعنى شقي عَاص لله تَعَالَى وَسَعِيد أَي مُطِيع لَهُ قَالَ الْكرْمَانِي " فَإِن قلت " أم الْمُتَّصِلَة ملزومة لهمزة الِاسْتِفْهَام فَأَيْنَ هِيَ " قلت " مقدرَة ووجودها فِي قرينها يدل عَلَيْهِ كَمَا هُوَ قَول الشَّاعِر (بِسبع رمين الْجَمْر أم بثمان ... ) أَي أبسبع قَوْله " فَمَا الرزق " الرزق فِي كَلَام الْعَرَب الْحَظ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ أَي حظكم من هَذَا الْأَمر والحظ هُوَ نصيب الرجل وَمَا هُوَ خَاص لَهُ دون غَيره وَقيل الرزق كل شَيْء يُؤْكَل أَو يسْتَعْمل وَهَذَا بَاطِل لِأَن الله تَعَالَى أمرنَا بِأَن ننفق مِمَّا رزقنا فَقَالَ ﴿وأنفقوا مِمَّا رزقناكم﴾ فَلَو كَانَ الرزق هُوَ الَّذِي يُؤْكَل لما أمكن إِنْفَاقه وَقيل الرزق هُوَ مَا يملك وَهُوَ أَيْضا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان قد يَقُول اللَّهُمَّ ارزقني ولدا صَالحا وَزَوْجَة صَالِحَة وَهُوَ لَا يملك الْوَلَد

стр. 921

وَالزَّوْجَة. وَأما فِي عرف الشَّرْع فقد اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ الرزق هُوَ تَمْكِين الْحَيَوَان من الِانْتِفَاع بالشَّيْء والحظر على غَيره أَن يمنعهُ من الِانْتِفَاع بِهِ وَلما فسرت الْمُعْتَزلَة الرزق بِهَذَا لَا جرم قَالُوا الْحَرَام لَا يكون رزقا وَقَالَ أهل السّنة الْحَرَام رزق لِأَنَّهُ فِي أصل اللُّغَة الْحَظ والنصيب كَمَا ذكرنَا فَمن انْتفع بالحرام فَذَلِك الْحَرَام صَار حظا لَهُ ونصيبا فَوَجَبَ أَن يكون رزقا لَهُ وَأَيْضًا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ وَقد يعِيش الرجل طول عمره لَا يَأْكُل إِلَّا من السّرقَة فَوَجَبَ أَن نقُول طول عمره لم يَأْكُل من رزقه شَيْئا قَوْله " وَمَا الْأَجَل " ويروى " وَالْأَجَل " بِدُونِ كلمة مَا وَالْأَجَل هُوَ الزَّمَان الَّذِي علم الله أَن الشَّخْص يَمُوت فِيهِ أَو مُدَّة حَيَاته لِأَنَّهُ يُطلق على غَايَة الْمدَّة وعَلى الْمدَّة قَوْله " فَيكْتب " على صِيغَة الْمَعْلُوم قيل الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعله هُوَ الله تَعَالَى وَقيل يرجع إِلَى الْملك ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول وَهَذِه الْكِتَابَة يجوز أَن تكون حَقِيقَة لِأَنَّهُ أَمر مُمكن وَالله على كل شَيْء قدير وَيجوز أَن تكون مجَازًا عَن التَّقْدِير قَوْله " فِي بطن أمه " ظرف لقَوْله " يكْتب " وَهُوَ الْمَكْتُوب فِيهِ والشخص هُوَ الْمَكْتُوب عَلَيْهِ كَمَا تَقول كتبت فِي الدَّار فَإِن فِي الدَّار ظرف لِقَوْلِك كتبت والمكتوب عَلَيْهِ خَارج عَن ذَلِك وَالتَّقْدِير أزلي وَهُوَ أَمر عَقْلِي مَحْض وَيُسمى قَضَاء وَالْحَاصِل فِي الْبَطن تعلقه بِالْمحل الْمَوْجُود وَيُسمى قدرا والمكتوب هُوَ الْأُمُور الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد وَغَيرهَا من الْأَحْكَام) اعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث جَامع لجَمِيع أَحْوَال الشَّخْص إِذْ فِيهِ من الْأَحْكَام بَيَان حَال المبدأ وَهُوَ ذَاته ذكرا وَأُنْثَى وَحَال الْمعَاد وَهُوَ السَّعَادَة والشقاوة وَمَا بَينهمَا وَهُوَ الْأَجَل وَمَا يتَصَرَّف فِيهِ وَهُوَ الرزق. وَقد جَاءَ أَيْضا " فرغ الله من أَربع من الْخلق والخلق وَالْأَجَل والرزق " والخلق بِفَتْح الْخَاء إِشَارَة إِلَى الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وَبِضَمِّهَا السَّعَادَة وضدها وَقَالَ الْمُهلب أَن الله تَعَالَى علم أَحْوَال الْخلق قبل أَن يخلقهم وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. وَأجْمع الْعلمَاء أَن الْأمة تكون أم ولد بِمَا أسقطته من ولد تَامّ الْخلق. وَاخْتلفُوا فِيمَن لم يتم خلقه من المضغة والعلقة فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك تكون بالمضغة أم ولد مخلقة كَانَت أَو غير مخلقة وتنقضي بهَا الْعدة وَعَن ابْن الْقَاسِم تكون أم ولد بِالدَّمِ الْمُجْتَمع وَعَن أَشهب لَا تكون أم ولد وَتَكون بالمضغة والعلقة وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا إِن كَانَ قد تبين فِي المضغة شَيْء من الْخلق أصْبع أَو عين أَو غير ذَلِك فَهِيَ أم ولد وعَلى مثله هَذَا انْقِضَاء الْعدة. ثمَّ المُرَاد بِجَمِيعِ مَا ذكر من الرزق وَالْأَجَل والسعادة والشقاوة وَالْعَمَل والذكورة وَالْأُنُوثَة أَنه يظْهر ذَلِك للْملك وَيُؤمر بإنفاذه وكتابته وَإِلَّا فقضاء الله وَعلمه وإرادته سَابق على ذَلِك قَالَ القَاضِي عِيَاض وَلم يخْتَلف أَن نفخ الرّوح فِيهِ يكون بعد مائَة وَعشْرين يَوْمًا وَذَلِكَ تَمام أَرْبَعَة أشهر ودخوله فِي الْخَامِس وَهَذَا مَوْجُود بِالْمُشَاهَدَةِ وَعَلِيهِ يعول فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَحْكَام من الِاسْتِلْحَاق وَوُجُوب النَّفَقَات وَذَلِكَ للثقة بحركة الْجَنِين فِي الْجوف وَقيل أَن الْحِكْمَة فِي عدتهَا عَن الْوَفَاة بأَرْبعَة أشهر وَالدُّخُول فِي الْخَامِس تحقق بَرَاءَة الرَّحِم ببلوغ هَذِه الْمدَّة إِذا لم يظْهر حمل وَنفخ الْملك فِي الصُّورَة سَبَب لخلق الله عِنْده فِيهَا الرّوح والحياة لِأَن النفخ الْمُتَعَارف إِنَّمَا هُوَ إِخْرَاج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فِيهِ فَإِن قدر حُدُوث شَيْء عِنْد ذَلِك النفخ بإحداث الله تَعَالَى لَا بالنفخ وَغَايَة النفخ أَن يكون سَببا عَادَة لَا مُوجبا عقلا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي سَائِر الْأَسْبَاب الْمُعْتَادَة ١٨ - (بابُ كَيفَ تُهِلُّ الحائِضُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة، وَالْمرَاد من الْكَيْفِيَّة: الْحَال من الصِّحَّة والبطلان وَالْجَوَاز وَغير الْجَوَاز، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب صِحَة إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ أَو بِالْعُمْرَةِ، أَو: بَاب جَوَازهَا. وَالْمَقْصُود من الصِّحَّة أَعم من أَن تكون فِي الِابْتِدَاء أَو فِي الدَّوَام. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ أَرَادَ من وضع الْبَاب السَّابِق الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، وَهُوَ حكم من أَحْكَام الْحيض. وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حكم من أَحْكَام الْحيض، وَفِيه نوع من تعسف، وَفِي بعض النّسخ هَذَا الْبَاب قد ذكر قبل الْبَاب السَّابِق.

стр. 922

٣١٩ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيثُ عنْ عُقَيْلٍ عنْ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا منْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فقالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ ومنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَي فَلَا يَحِلُّ حتَّى يَحلَّ بِنَحْرِ هَدْيه ومَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فلْيُتِمَّ حَجَّهُ قالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حائِضا حتَّى كانَ يَوْمُ عَرَفَة ولَمْ أُهْلِلْ إلَاّ بِعُمْرَةٍ فأَمَرَنِي النبيُّ ﷺ أنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وأمْتَشِطَ وأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حتَّى قَضَيْتُ حَجِّي فَبَعَثَ معِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبي بَكْرٍ وأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي منَ التنْعِيم. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (وَأهل بِحَجّ) فَإِن فِيهِ إهلال الْحَائِض بِالْحَجِّ، لِأَن عَائِشَة كَانَت حائضة حِين أهلت بِالْحَجِّ. وعَلى قَول من قَالَ: إِنَّهَا كَانَت قارنة، كَانَت الْمُطَابقَة أظهر لِأَنَّهَا أَحرمت بِالْحَجِّ وَهِي حَائِض، وَكَانَت معتمرة فَلهَذَا قَالَت: (أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أترك الْعمرَة) ، وَترك الشَّيْء لَا يكون إِلَّا بعد وجوده. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى ابْن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف: بن خَالِد بن عقيل، بِفَتْح الْعين: الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأيلي ومدني. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك، وَيَأْتِي بِزِيَادَة فِي الْحَج إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْلهَا: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا، وَكَانَت حجَّة الْوَدَاع فِي سنة عشر من الْهِجْرَة. قَوْلهَا: (وَمنا من أهل بِحجَّة) بِفَتْح، الْحَاء وَكسرهَا، وَهُوَ بِالتَّاءِ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَرِوَايَة غَيره: (بِحَجّ) . قَوْلهَا: (فقدمنا) بِكَسْر الدَّال. قَوْلهَا: (وَلم يهد) بِضَم الْيَاء: من الإهداء، وَهُوَ جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فليحلل) ، بِكَسْر اللَّام من الثلاثي، وَفِي مثل هَذِه الْمَادَّة يجوز الْإِدْغَام وفكه. قَوْله: (حَتَّى يحل نحر هَدْيه) ، يَعْنِي يَوْم الْعِيد، ويروى: (حَتَّى يحل بنحر هَدْيه) ، بِزِيَادَة: الْبَاء، لَا يُقَال: إِنَّه متمتع، فَلَا بُد لَهُ من تحلله عَن الْعمرَة، ثمَّ إِحْرَامه بِالْحَجِّ قبل الْوُقُوف لأَنا نقُول: لَا يلْزم أَن يكون مُتَمَتِّعا لجَوَاز أَن يدْخل الْحَج فِي الْعمرَة فَيصير قَارنا فَلَا يتَحَلَّل. قَوْله: (وَمن أهل بِحجَّة) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي. وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (بِحَجّ) ، بِدُونِ التَّاء، وَمَعْنَاهُ: أهلَّ بِحجَّة وَنوى الْإِفْرَاد، سَوَاء كَانَ مَعَه هدي أَو لَا. وَلِهَذَا لم يُقيد: بلم يهد، وَلَا: بأهدى. قَوْلهَا: (حَتَّى كَانَ يَوْم عَرَفَة) بِرَفْع: يَوْم، و: كَانَ، تَامَّة. قَوْله: (وأترك الْعمرَة) ، صَرِيح بِفَسْخ الْعمرَة، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِيَّة. قَوْلهَا: (حَتَّى قضيت حجتي) . ويروى: (حجي) . قَوْلهَا: (فَأمرنِي) ، بفاء الْعَطف، ويروى: (أَمرنِي) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْلهَا: (من التَّنْعِيم) يتَعَلَّق بقوله: (ان اعْتَمر) . وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ أَن الْحَائِض تهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة وَتبقى على إحرامها، وَتفعل مَا يفعل الْحَاج كُله غير الطّواف، فَإِذا طهرت اغْتَسَلت وطافت وأكملت حَجهَا، وَأمر النَّبِي ﷺ أَن تنقض شعرهَا وتمتشط وَهِي حَائِض لَيْسَ للْوُجُوب، وَإِنَّمَا ذَلِك لإهلالها بِالْحَجِّ، لِأَن من سنة الْحَائِض وَالنُّفَسَاء أَن يغتسلا لَهُ، وَالله تَعَالَى أعلم. ١٩ - (بابُ إقْبالِ المَحِيضِ وإدْبارِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إقبال الْحيض وإدباره. وَقَالَ ابْن بطال: إقبال الْحيض هُوَ الدفعة من الدَّم، وإدباره أقبال الطُّهْر. وَعند أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: عَلامَة إدبار الْحيض وانقطاعه الزَّمَان وَالْعَادَة، فَإِذا أخلت عَادَتهَا تحرت، وَإِن لم يكن لَهَا ظن أخذت بِالْأَقَلِّ. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ وجود حكم الْحيض فِي كل مِنْهُمَا.

стр. 923

وكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عائشَةَ بالدُّرْجَةِ فِيها الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةَ فَتَقُولُ لَا تعْجَلْنَ حتَّى تَرَيْنَ القَصةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء) ، فَإِنَّهَا عَلامَة إدبار الْحيض، وَهَذَا الْأَثر ذكره مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) فَقَالَ: عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة، عَن أمه مولاة عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: (كَانَ النِّسَاء يبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَة بالدرجة فِيهَا الكرسف فِيهَا الصُّفْرَة من دم الْحيض يسألنها عَن الصَّلَاة فَتَقول لَهُنَّ: لَا تعجلن حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء، تُرِيدُ الطُّهْر من الْحَيْضَة) . وَقَالَ ابْن حزم: خولفت أم عَلْقَمَة بِمَا هُوَ أقوي من رِوَايَتهَا، وَاسم: أم عَلْقَمَة، مرْجَانَة سَمَّاهَا ابْن حبَان فِي (كتاب الثِّقَات) . وَقَالَ الْعجلِيّ: مَدَنِيَّة تابعية ثِقَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره البُخَارِيّ هُنَا مُعَلّقا مَجْزُومًا، وَبِه تعلق النَّوَوِيّ فَقَالَ: هَذَا تَعْلِيق صَحِيح لِأَن البُخَارِيّ ذكره بِصِيغَة الْجَزْم، وَمَا علم أَن هَذِه الْعبارَة قد لَا تصح كَمَا سبق بَيَانه فِي كثير من التَّعْلِيق المجزوم بِهِ عِنْد البُخَارِيّ، وَلَو نظر كتاب (الْمُوَطَّأ) لمَالِك بن أنس لوجده قد قَالَ: عَن علقمةِ إِلَى آخِره، وَلَو وجده ابْن حزم لما قَالَ: خولفت أم عَلْقَمَة بِمَا هُوَ أقوى من رِوَايَاتهَا. قلت: حَاصِل كَلَامه أَنه يرد على النَّوَوِيّ فِي دَعْوَاهُ الْجَزْم بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن الْحصار: هَذَا حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ من غير تَقْيِيد. قَوْله: (وَكن نسَاء) ، بِصِيغَة الْجمع للمؤنث، وَفِيه ضمير يرجع إِلَى النِّسَاء، وَيُسمى مثل هَذَا الضَّمِير بالضمير الْمُبْهم، وَجوز ذَلِك بِشَرْط أَن يكون مشعرا بِمَا بعده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يُقَال: إِنَّه إِضْمَار قبل الذّكر. قَوْله: (نسَاء) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ بدل من الضَّمِير الَّذِي فِي: ركن، وَهَذَا على لُغَة: أكلوني البراغيث. وَفَائِدَة ذكره بعد أَن علم من لفظ كن إِشَارَة إِلَى التنويع، والتنوين فِيهِ يدل عَلَيْهِ. وَالْمرَاد أَن ذَلِك كَانَ من بَعضهنَّ لَا من كُلهنَّ. وَقَالَ بَعضهم: والتنكير فِي النِّسَاء للتنويع. قلت: إِن لم يكن هَذَا مُصحفا من النَّاسِخ فَهُوَ غلط لِأَنَّهُ ماثم كسر فِي النِّسَاء، وَإِنَّمَا فِيهِ الرّفْع كَمَا ذكرنَا، أَو النصب على الِاخْتِصَاص، لَا يُقَال: إِنَّه نكرَة وَشرط النصب على الِاخْتِصَاص أَن يكون معرفَة، لأَنا نقُول: جَاءَ نكرَة كَمَا جَاءَ معرفَة. وَقَالَ الْهُذلِيّ: (ويأوي إِلَى نسْوَة عطلوشعثا مراضيع مثل السعالي.) قَوْله: (بالدرجة) ، بِضَم الدَّال وَسُكُون الرَّاء. قَالَه ابْن قرقول. وَقيل بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء، وَعند الْبَاجِيّ بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء. قَالَ ابْن قرقول: وَهِي بعيدَة عَن الصَّوَاب. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كتاب (الْمُنْتَهى) : والدرج، بالتسكين: خفش النِّسَاء، والدرجة شَيْء يدرج فَيدْخل فِي حَيا النَّاقة، ثمَّ تشمه فتظنه وَلَدهَا فتراه، وَكَذَا ذكره الْقَزاز، وَصَاحب (الصِّحَاح) وَابْن سَيّده زَاد: والدرجة أَيْضا خرقَة يوضع فِيهَا دَوَاء ثمَّ يدْخل فِي حَيا النَّاقة، وَذَلِكَ إِذا اشتكت مِنْهُ. وَفِي (الباهر) : الدرجَة بِالْكَسْرِ، والإدراج جمع: الدرج، وَهُوَ سفط صَغِير. والدرجة مِثَال رطبَة. وَفِي (الجمهرة) لِابْنِ دُرَيْد: الدرج سفط صَغِير تجْعَل فِيهِ الْمَرْأَة طيبها وَمَا أشبهه. وَقَالَ ابْن قرقول: وَمن قَالَ بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء فَهُوَ عِنْده جمع درج، وَهُوَ سفط صَغِير نَحْو خرج وخرجة، وَنَحْو ترس وترسة. قَوْله: (الكرسف) بِضَم الْكَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَضم السِّين الْمُهْملَة، وَفِي آخِره فَاء: وَهُوَ الْقطن، كَذَا قَالَه أَبُو عبيد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب (النَّبَات) : وَزعم بعض الروَاة أَنه يُقَال لَهُ: الكرسف، على الْقلب، وَيجمع الكرفس على كراسف. وَفِي (الْمُحكم) : إِنَّمَا اختير الْقطن لبياضه، وَلِأَنَّهُ ينشف الرُّطُوبَة فَيظْهر فِيهِ من آثَار الدَّم مَا لَا يظْهر من غَيره. قَوْله: (فَتَقول) أَي عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْلهَا: (لَا تعجلن) بِسُكُون اللَّام نهي لجمع مؤنث مُخَاطبَة، وَيَأْتِي كَذَلِك للْجمع الْمُؤَنَّث الغائبة، وَيجوز هَهُنَا الْوَجْهَانِ. وَكَذَا: (فِي تَرين) فَافْهَم. قَوْلهَا: (حَتَّى تَرين) صِيغَة جمع الْمُؤَنَّث المخاطبة، وَأَصلهَا: ترأين، على وزن: تفعلن، لِأَنَّهَا من: رأى يرأى رُؤْيَة بِالْعينِ، وَتقول للْمَرْأَة: أَنْت تَرين، وللجماعة: أنتن تَرين، لِأَن الْفِعْل للواحدة وَالْجَمَاعَة سَوَاء فِي المواجهة فِي خبر الْمَرْأَة من بَنَات الْيَاء، إلَاّ أَن النُّون الَّتِي فِي الْوَاحِدَة عَلامَة الرّفْع، وَالَّتِي فِي الْجمع نون الْجمع. فَإِن قلت: إِذا كَانَ أصل: تَرين ترأين، كَيفَ فعل بِهِ حَتَّى صَار: تَرين؟ قلت: نقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الرَّاء، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها فِي الأَصْل وانفتاح مَا قبلهَا، ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ: تَرين، على وزن: تفلن، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ عين الْفِعْل وَهُوَ الْهمزَة فَقَط، وَوزن الْوَاحِدَة: تفين، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ عين الْفِعْل ولامه. قَوْلهَا: (الْقِصَّة الْبَيْضَاء) ، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي تَفْسِيرهَا أَقْوَال. قَالَ ابْن سَيّده: الْقِصَّة والقص والجص، وَقيل: الْحِجَارَة من الجص. وَقَالَ

стр. 924

الْجَوْهَرِي: هِيَ لُغَة حجازية، يُقَال: قصَص دَاره أَي: جصصها. وَيُقَال: الْقِصَّة القطنة والخرقة الْبَيْضَاء الَّتِي تحتشى بهَا الْمَرْأَة عِنْد الْحيض. وَقَالَ الْقَزاز: الْقِصَّة الجص، هَكَذَا قرأته بِفَتْح الْقَاف وحكيت بِالْكَسْرِ. وَفِي (الغريبين) و (الْمغرب) و (الْجَامِع) : الْقِصَّة شَيْء كالخيط الْأَبْيَض يخرج بعد انْقِطَاع الدَّم كُله. وَفِي (الْمُحِيط) من كتب أَصْحَابنَا: الْقِصَّة الطين الَّذِي يغسل بِهِ الرَّأْس. وَهُوَ أَبيض يضْرب إِلَى الصُّفْرَة. وَجَاء فِي الحَدِيث: (الْحَائِض لَا تَغْتَسِل حَتَّى تري الْقِصَّة الْبَيْضَاء) . إِي: حَتَّى تخرج الْقطن الَّتِي تحتشي بهَا كَأَنَّهَا جصة لَا تخالطها صفرَة. قلت: أُرِيد بهَا التَّشْبِيه بالجصة فِي الْبيَاض والصفاء، وأنث لِأَنَّهُ ذهب الى الْمُطَابقَة، كَمَا حكى سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم: لبنة وعسلة. وَقَالَ ابْن قرقول: قد فسر مَالك الْقِصَّة بقوله: تُرِيدُ بذلك الطُّهْر، أَي: تُرِيدُ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بقولِهَا: (حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء) : الطُّهْر من الْحَيْضَة. وَفسّر الْخطابِيّ بقوله: تُرِيدُ الْبيَاض التَّام. وَقَالَ ابْن وهب فِي تَفْسِيره: رَأَتْ الْقطن الْأَبْيَض كَأَنَّهُ هُوَ، وَقَالَ مَالك: سَأَلت النِّسَاء عَن الْقِصَّة الْبَيْضَاء، فَإِذا ذَلِك أَمر مَعْلُوم عِنْد النِّسَاء يرينه عِنْد الطُّهْر. وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن اسحاق عَن عبد الله بن أبي بكر عَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد، وَكَانَت فِي حجر عمْرَة. قَالَت: أرْسلت امْرَأَة من قُرَيْش إِلَى عمْرَة كرسفة قطن فِيهَا. أَظُنهُ أَرَادَ الصُّفْرَة تسألها إِذا لم تَرَ من الْحَيْضَة إلَاّ هَذَا طهرت؟ قَالَ: فَقَالَت: لَا حَتَّى ترى الْبيَاض خَالِصا. وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، فَإِن رَأَتْ صفرَة فِي زمن الْحيض ابْتِدَاء فَهُوَ حيض عِنْدهم. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا حَتَّى يتقدمها دم. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيدِ بنِ ثابِتٍ أنَّ نِساءً يَدْعُونَ بالمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ مَا كانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن نظر النِّسَاء إِلَى الطُّهْر لأجل أَن يعلمن إدبار الْحيض. وَأخرجه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عمته عَن ابْنة زيد بن ثَابت أَنه: بلغنَا ... فَذكره، وعمة ابْن أبي بكر اسْمهَا عمْرَة بنت حزم، وَوَقع ذكر بنت زيد بن ثَابت هَهُنَا هَكَذَا مُبْهما، وَوَقع فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: لزيد بن ثَابت من الْبَنَات: أم إِسْحَاق وحسنة وَعمرَة وَأم كُلْثُوم وَأم حسن وَأم مُحَمَّد وَقَرِيبَة وَأم سعد. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيُشبه أَن تكون هَذِه المبهمة أم سعد، ذكرهَا ابْن عبد الْبر فِي الصحابيات، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أر لوَاحِدَة مِنْهُنَّ يَعْنِي من بَنَات زيد رِوَايَة إلَاّ لأم كُلْثُوم، وَكَانَت زوج سَالم بن عبد الله بن عمر، فَكَأَنَّهَا هِيَ المبهمة هُنَا. وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنَّهَا أم سعد. قَالَ لِأَن ابْن عبد الْبر ذكرهَا فِي الصَّحَابَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَلَيْسَ فِي ذكره لَهَا دَلِيل على الْمُدعى، لِأَنَّهُ لم يقل: إِنَّهَا صَاحِبَة هَذِه الْقِصَّة، بل لم يَأْتِ لَهَا ذكر عِنْده وَلَا عِنْد غَيره إلَاّ من طَرِيق عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن، وَقد كذبوه، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يضطرب فِيهَا، فَتَارَة يَقُول: بنت زيد، وَتارَة يَقُول: امْرَأَة زيد. وَلم يذكر أحد من أهل الْمعرفَة بِالنّسَبِ فِي أَوْلَاد زيد من يُقَال لَهَا أم سعد. انْتهى. قلت: ذكره الذَّهَبِيّ، فَقَالَ: أم سعد بنت زيد بن ثَابت. وَقيل: امْرَأَته، وَأَيْضًا عدم رُؤْيَة هَذَا الْقَائِل رِوَايَة الْوَاحِدَة من بَنَات زيد إلَاّ لأم كُلْثُوم لَا يُنَافِي رِوَايَة غَيرهَا من بَنَاته، لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَأْنه أَن يُحِيط بِجَمِيعِ الرِّوَايَات. وَقَوله: زعم بعض الشُّرَّاح، أَرَادَ بِهِ صَاحب (التَّوْضِيح) ، فليت شعري مَا الْفرق بَين زعم هَذَا وزعمه هُوَ حَيْثُ قَالَ: فَكَأَنَّهَا هِيَ المبهمة، أَي: أم كُلْثُوم هِيَ المبهمة فِي هَذَا الْأَثر؟ على أَن صَاحب (التَّوْضِيح) مَا جزم بِمَا قَالَه، بل قَالَ: وَيُشبه أَن تكون هَذِه المبهمة أم سعد. قَوْله: (إِن نسَاء) هَكَذَا وَقع فِي غَالب النّسخ بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَفِي بَعْضهَا: (إِن النِّسَاء) ، بِالْألف وَاللَّام، حَتَّى قَالَ الْكرْمَانِي: إِن اللَّام، للْعهد عَن نسَاء الصَّحَابَة، وَبِدُون اللَّام أَعم وأشمل. قَوْله: (يدعونَ) بِلَفْظ الْجمع الْمُؤَنَّث، ويشترك فِي هَذِه الْمَادَّة الْجمع الْمُذكر والمؤنث، وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يفعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث: يفعلن، وَمعنى: يدعونَ بالمصابيح؛ يطلبنها لينظرن بهَا إِلَى مَا فِي الكراسيف حَتَّى يَقِفن على مَا يدل على الطُّهْر. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يدعين، قَالَه بَعضهم: قلت: فِي نِسْبَة هَذَا إِلَيْهِ نظر لَا يخفى، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: قَالَ صَاحب (الْقَامُوس) : دعيت لُغَة فِي دَعَوْت. قلت: أَرَادَ بِهَذَا تَقْوِيَة صِحَة مَا رَوَاهُ عَن الْكشميهني، وَلَا يفِيدهُ هَذَا، لِأَن صَاحب (الْقَامُوس) تكلم فِيهِ. قَوْله: (إِلَى الطُّهْر) أَي: إِلَى مَا يدل على الطُّهْر من القطنة. قَوْله: (وعابت عَلَيْهِنَّ) ، أَي: عابت بنت زيد بن ثَابت على النِّسَاء الْمَذْكُورَة، وَإِنَّمَا عابت عَلَيْهِنَّ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي الْحَرج وَهُوَ مَذْمُوم، وَكَيف لَا وجوف اللَّيْل لَيْسَ إلَاّ وَقت الاسْتِرَاحَة؟ وَقيل: لكَون ذَلِك كَانَ فِي غير وَقت الصَّلَاة، وَهُوَ جَوف اللَّيْل. قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ وَقت الْعشَاء. قلت: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لم يدل شَيْء أَنه

стр. 925

كَانَ وَقت الْعشَاء، لِأَن طلب المصابيح لأمر غَالب لَا يكون إلَاّ فِي شدَّة الظلمَة، وَشدَّة الظلمَة لَا تكون إلَاّ فِي جَوف اللَّيْل. وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عباد بن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عمْرَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تنْهى النِّسَاء أَن ينظرن إِلَى أَنْفسهنَّ لَيْلًا فِي الْحيض، وَتقول: (إِنَّهَا قد تكون الصُّفْرَة والكدرة) . وَعَن مَالك: لَا يُعجبنِي ذَلِك، وَلم يكن للنَّاس مصابيح. وروى ابْن الْقَاسِم عَنهُ: أَنَّهُنَّ كن لَا يقمن بِاللَّيْلِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) يشبه أَن يكون مَا بلغ ابْنة زيد عَن النِّسَاء كَانَ فِي أَيَّام الصَّوْم لينظرن الطُّهْر لنِيَّة الصَّوْم، لِأَن الصَّلَاة لَا تحْتَاج لذَلِك، لِأَن وُجُوبهَا عَلَيْهِنَّ إِنَّمَا يكون بعد طُلُوع الْفجْر. وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي الْحَائِض تطهر قبل الْفجْر وَلَا تغسل حَتَّى يطلع الْفجْر. فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَت أَيَّامهَا أقل من عشرَة صَامت وقضت، وَإِن كَانَت عشرَة صَامت وَلم تقض. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هِيَ بِمَنْزِلَة الْجنب تَغْتَسِل وتصوم، ويجزيها صَوْم ذَلِك الْيَوْم، وَعَن عبد الْملك بن ماجشون: يَوْمهَا ذَلِك يَوْم فطر. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: تصومه وتقضيه. وَفِي (الْقَوَاعِد) لِابْنِ رشد: اخْتلف الْفُقَهَاء فِي عَلامَة الطُّهْر، فَرَأى قوم أَن علامته الْقِصَّة أَو الجفوف. قَالَ ابْن حبيب: وَسَوَاء كَانَت الْمَرْأَة من عَادَتهَا انها تطهر بِهَذِهِ، وَفرق قوم فَقَالُوا: إِن كَانَت مِمَّن لَا يَرَاهَا فطهرها الجفوف. وَقَالَ ابْن حبيب: الْحيض أَوله دم ثمَّ يصير صفرَة ثمَّ تربة ثمَّ كدرة ثمَّ يكون ريقا كالقصة ثمَّ يَنْقَطِع، فَإِذا انْقَطع قبل هَذِه الْمنَازل وجف أصلا فَذَلِك إِبْرَاء للرحم. وَفِي (المُصَنّف) عَن عَطاء: الطُّهْر الْأَبْيَض الجفوف الَّذِي لَيْسَ مَعَه صفرَة وَلَا مَاء، وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر، ﵁: سُئِلت عَن الصُّفْرَة الْيَسِيرَة، قَالَت: اعتزلن الصَّلَاة مَا رأين ذَلِك حَتَّى لَا تَرين إلَاّ لَبَنًا خَالِصا. ٣٢٠ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ أبِي حُبَيْشٍ كانَتْ تُسْتَحَاضُ فسألَتِ النَّبِيَّ ﷺ فقالَ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بالحَيْضَةِ فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ وإذَا أدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي فِي قَوْله: (فَإِذا أَقبلت، وَإِذا أَدْبَرت) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب غسل الدَّم وَفِي بَاب الِاسْتِحَاضَة، وسُفْيَان فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ ابْن عُيَيْنَة، لِأَن عبد الله بن مُحَمَّد وَهُوَ المسندي لم يسمع من سُفْيَان الثَّوْريّ، وَلَفظ الحَدِيث فِي بَاب غسل الدَّم: (فَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي) من غير إِيجَاب الْغسْل، وَقَالَ عُرْوَة: ثمَّ توضئي لكل صَلَاة لإِيجَاب الْوضُوء، وَهنا قَالَ: (فاغتسلي وَصلي) لإِيجَاب الْغسْل، لِأَن أَحْوَال المستحاضات مُخْتَلفَة، فيوزع عَلَيْهَا. أَو نقُول: إِيجَاب الْغسْل والتوضىء لَا يُنَافِي عدم التَّعَرُّض لَهما، وَإِنَّمَا يُنَافِي التَّعَرُّض لعدمهما. وَقَوله: (فاغتسلي وَصلي) لَا يَقْتَضِي تكْرَار الِاغْتِسَال لكل صَلَاة، بل يَكْفِي غسل وَاحِد، وَلَا يرد عَلَيْهِ حَدِيث أم حَبِيبَة: كَانَت تَغْتَسِل لكل صَلَاة، على مَا يَأْتِي فِي بَاب عرق الِاسْتِحَاضَة، لِأَنَّهَا لَعَلَّهَا كَانَت من المستحاضات الَّتِي يجب عَلَيْهَا الْغسْل لكل صَلَاة. وَقَالَ [قعالشافعي [/ قع، رَحمَه الله تَعَالَى: إِنَّمَا أمرهَا أَن تَغْتَسِل وَتصلي، وَلَيْسَ فِي أَنه أمرهَا أَن تَغْتَسِل لكل صَلَاة قَالَ: وَلَا أَشك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَن غسلهَا كَانَ تَطَوّعا غير مَا أمرت بِهِ. وَذَلِكَ وَاسع. ٢٠ - (بابٌ لَا تَقْضِي الحائِضُ الصَّلاةَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا تقضي الصَّلَاة، وَلم يقل: تدع الصَّلَاة، كَمَا فِي حَدِيث جَابر وَأبي سعيد، لِأَن عدم الْقَضَاء أَعم وأشمل. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول ترك الصَّلَاة عِنْد إقبال الْحيض، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ كَذَلِك. وقالَ جابرٌ وَأبُو سَعِيدٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ تَدَعُ الصَّلَاةَ مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ترك الصَّلَاة يسْتَلْزم عدم الْقَضَاء، وَلِأَن الشَّارِع أَمر بِالتّرْكِ، ومتروك الشَّرْع لَا يجب فعله فَلَا يجب قَضَاؤُهُ إِذا ترك. أما التَّعْلِيق عَن جَابر فقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام من طَرِيق حبيب عَن جَابر فِي قصَّة حيض عَائِشَة فِي الْحَج، وَفِيه: (غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي) . وَمعنى قَوْله: (وَلَا تصلي) تدع الصَّلَاة، وَرَوَاهُ مُسلم نَحوه

стр. 926

من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما التَّعْلِيق عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَأخْرجهُ فِي بَاب ترك الْحَائِض الصَّوْم، وَفِيه: (إِذا حَاضَت لم تصم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فَإِن قلت: عقد الْبَاب فِي الْقَضَاء لَا فِي التّرْك! قلت: التّرْك مُطلق أَدَاء وَقَضَاء. قلت: عقد الْبَاب فِي عدم الْقَضَاء، وَعدم الْقَضَاء ترك، وَالتّرْك أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَن هَذَا كَلَام صادر من غير تَأمل، لِأَن التّرْك وَعدم الْقَضَاء بِمَعْنى وَاحِد فِي الْحَقِيقَة، وَكَلَامه يشْعر بالتغاير بَينهمَا، فَإِذا سلمنَا ذَلِك كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يُشِير إِلَيْهِمَا فِي التَّرْجَمَة، وَحَيْثُ لم يشر إِلَى ذَلِك فِيهَا، علمنَا أَن مَا بَينهمَا مُغَايرَة، فَلذَلِك اقْتصر فِي التَّرْجَمَة على أَحدهمَا. ٢٦ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا همام قَالَ حَدثنَا قَتَادَة قَالَ حَدَّثتنِي معَاذَة أَن امْرَأَة قَالَت لعَائِشَة أتجزي إحدانا صلَاتهَا إِذا طهرت فَقَالَت أحرورية أَنْت كُنَّا نحيض مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ أَو قَالَت فَلَا نفعله) مُطَابقَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ " أَي بِقَضَاء الصَّلَاة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي الثَّانِي همام بِالتَّشْدِيدِ بن يحيى بن دِينَار الْعَدوي قَالَ أَحْمد همام ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ مَاتَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة الثَّالِث قَتَادَة الأكمه الْمُفَسّر الرَّابِع معَاذَة بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة بنت عبد الله العدوية الثِّقَة الْحجَّة الزاهدة روى لَهَا الْجَمَاعَة وَكَانَت تحيي اللَّيْل مَاتَت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ الْخَامِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه تَصْرِيح لسَمَاع قَتَادَة عَنهُ معَاذَة وَهُوَ رد على مَا ذكره شُعْبَة وَأحمد أَنه لم يسمع مِنْهَا وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون. (ذكر من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه السِّتَّة مُسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن الْحسن بن عَمْرو وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد وَالنَّسَائِيّ عَن عمر بن زُرَارَة وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة كلهم أَخْرجُوهُ فِي الطَّهَارَة وَالنَّسَائِيّ أخرجه فِي الصَّوْم عَن عَليّ بن مسْهر. (ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ) قَوْلهَا " إِن امْرَأَة " هَاهُنَا مُبْهمَة أبهما همام وَبَين فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة أَنَّهَا هِيَ معَاذَة الراوية وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه وَكَذَا مُسلم من طَرِيق عَاصِم وَغَيره عَن معَاذَة قَالَت " سَأَلت عَائِشَة مَا بَال الْحَائِض تقضي الصَّوْم وَلَا تقضي الصَّلَاة فَقَالَت أحرورية أَنْت قلت لست بحرورية وَلَكِن أسأَل كَانَ يصيبنا ذَلِك فنؤمر بِقَضَاء الصَّوْم وَلَا نؤمر بِقَضَاء الصَّلَاة " وَفِي لفظ آخر " قد كَانَت إحدانا تحيض على عهد رَسُول الله ﷺ َ - لَا نؤمر بِقَضَاء " وَفِي لفظ آخر " قد كُنَّا نسَاء رَسُول الله ﷺ َ - يحضن وَلَا يؤمرن أَن يجزين " قَالَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يَعْنِي يقضين قَوْلهَا " أتجزي إحدانا " بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الزَّاي غير مَهْمُوز وَحكى بَعضهم الْهمزَة وَمَعْنَاهُ أتقضي وَبِه فسروا قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ وَلَا يُقَال هَذَا الشَّيْء يَجْزِي عَن كَذَا أَي يقوم مقَامه قَوْلهَا " صلَاتهَا " بِالنّصب على المفعولية ويروى " أتجزي " على صِيغَة الْمَجْهُول وعَلى هَذَا صلَاتهَا بِالرَّفْع لِأَنَّهُ مفعول قَامَ مقَام الْفَاعِل وَمَعْنَاهُ أتكفي الْمَرْأَة الصَّلَاة الْحَاضِرَة وَهِي طَاهِرَة وَلَا تحْتَاج إِلَى قَضَاء عَن الْفَائِتَة. قَوْلهَا " أحرورية أَنْت " من الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَهُوَ أَنْت وَالْخَبَر وَهُوَ أحرورية دخلت عَلَيْهَا همزَة الِاسْتِفْهَام الإنكارية وَفَائِدَة تقدم الْخَبَر للدلالة على الْحصْر أَي أحرورية أَنْت لَا غير وَهِي نِسْبَة إِلَى حروراء قَرْيَة بِقرب الْكُوفَة وَكَانَ أول اجْتِمَاع الْخَوَارِج فِيهَا وَقَالَ الْهَرَوِيّ تعاقدوا فِي هَذِه الْقرْيَة فنسبوا إِلَيْهَا فَمَعْنَى كَلَام عَائِشَة هَذَا أخارجية أَنْت لِأَن طَائِفَة من الْخَوَارِج يوجبون على الْحَائِض قَضَاء الصَّلَاة الْفَائِتَة فِي زمن الْحيض وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع وكبار فرق الحروية سِتَّة الْأزَارِقَة والصفرية والنجدات والعجاردة والأباضية والثعالبة وَالْبَاقُونَ فروع وهم الَّذين خَرجُوا على عَليّ ﵁ ويجمعهم القَوْل بالتبري من عُثْمَان وَعلي ﵄ ويقدمون ذَلِك على كل طَاعَة وَلَا يصححون المناكحات إِلَّا على ذَلِك وَكَانَ خُرُوجهمْ على عهد عَليّ ﵁ لما حكم أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَمْرو بن

стр. 927

الْعَاصِ وأنكروا على عَليّ فِي ذَلِك وَقَالُوا شَككت فِي أَمر الله وحكمت عَدوك وطالت خصومتهم ثمَّ أَصْبحُوا يَوْمًا وَقد خَرجُوا وهم ثَمَانِيَة آلَاف وأميرهم ابْن الكوا عبد الله فَبعث إِلَيْهِم على عبد الله بن عَبَّاس فناظرهم فَرجع مِنْهُم أَلفَانِ وَبَقِي سِتَّة آلَاف فَخرج إِلَيْهِم عَليّ فَقَاتلهُمْ وَكَانَ يشددون فِي الدّين وَمِنْه قَضَاء الصَّلَاة على الْحَائِض قَالُوا إِذا لم يسْقط فِي كتاب الله تَعَالَى عَنْهَا على أَصْلهَا وَقد قُلْنَا إِن حروراء اسْم قَرْيَة وَهِي ممدودة وَقَالَ بَعضهم بِالْقصرِ أَيْضا حَكَاهُ أَبُو عبيد وَزعم أَبُو الْقَاسِم الغوراني أَن حروراء هَذِه مَوضِع بِالشَّام وَفِيه نظر لِأَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّمَا كَانَ بِالْكُوفَةِ وقتاله لَهُم إِنَّمَا كَانَ هُنَاكَ وَلم يَأْتِي أَنه قَاتلهم بِالشَّام لِأَن الشَّام لم يكن فِي طَاعَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعَلى ذَلِك أطبق المؤرخون وَقَالَ الْمبرد النِّسْبَة إِلَى حروراء حروراو وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ فِي آخِره ألف التَّأْنِيث الممدودة وَلكنه نسب إِلَى الْبَلَد بِحَذْف الزَّوَائِد فَقيل الحروري قَوْلهَا " مَعَ النَّبِي ﷺ َ - " أَي مَعَ وجوده وَالْمعْنَى فِي عَهده وَالْغَرَض مِنْهُ بَيَان أَنه ﷺ َ - كَانَ مطلعا على حالهن من الْحيض وتركهن الصَّلَاة فِي أَيَّامه وَمَا كَانَ يَأْمُرهُنَّ بِالْقضَاءِ وَلَو كَانَ وَاجِبا لأمرهن بِهِ وَقَوْلها " فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ " أَي بل كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يَأْمُرنَا بِقَضَاء الصَّوْم قَوْلهَا " أَو قَالَت لَا نفعله " أَي الْقَضَاء وَلَفْظَة أَو للشَّكّ قَالَ الْكرْمَانِي وَالظَّاهِر أَنه من معَاذَة وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر فَلم نَكُنْ نقضي وَلم نؤمر بِهِ (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) وَهُوَ أَن الْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة وَلَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْأمة إِلَّا لطائفة من الْخَوَارِج قَالَ معمر قَالَ الزُّهْرِيّ تقضي الْحَائِض الصَّوْم وَلَا تقضي الصَّلَاة قلت عَمَّن قَالَ أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي كل شَيْء تَجِد الْإِسْنَاد الْقوي أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لَا يجب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم فِي الْحَال وعَلى أَنه لَا يجب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّلَاة وعَلى أَنه عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّوْم وَالْفرق بَينهمَا أَن الصَّلَاة كَثِيرَة متكررة فشق قَضَاؤُهَا بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يجب فِي السّنة مرّة وَاحِدَة وَمن السّلف من كَانَ يَأْمر بالحائض بِأَن تتوضأ عِنْد وَقت الصَّلَاة وتذكر الله تَعَالَى تسْتَقْبل الْقبْلَة ذاكرة لله جالسة رُوِيَ ذَلِك عَن عقبَة بن عَامر وَمَكْحُول وَقَالَ كَانَ ذَلِك من هدي نسَاء الْمُسلمين فِي حيضهن وَقَالَ عبد الرَّزَّاق بَلغنِي أَن الْحَائِض كَانَت تُؤمر بذلك عِنْد وَقت كل صَلَاة وَقَالَ عَطاء لم يبلغنِي ذَلِك وَإنَّهُ لحسن وَقَالَ أَبُو عمر هُوَ أَمر مَتْرُوك عِنْد جمَاعَة الْفُقَهَاء بل يكرهونه قَالَ أَبُو قلَابَة سَأَلنَا عَن ذَلِك فَلم نجد لَهُ أصلا وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز مَا نعرفه وَإِنَّا لنكرهه وَفِي منية الْمُفْتِي للحنفية يسْتَحبّ لَهَا عِنْد وَقت كل صَلَاة أَن تتوضأ وتجلس فِي مَسْجِد بَيتهَا تسبح وتهلل مِقْدَار أَدَاء الصَّلَاة لَو كَانَت طَاهِرَة حَتَّى لَا تبطل عَادَتهَا وَفِي الدِّرَايَة يكْتب لَهَا ثَوَاب أحسن صَلَاة كَانَت تصلى فَإِن قلت هَل الْحَائِض مُخَاطبَة بِالصَّوْمِ أَولا (قلت) لَا وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهَا الْقَضَاء بِأَمْر جَدِيد وَقيل مُخَاطبَة بِهِ مأمورة بِتَرْكِهِ كَمَا يُخَاطب الْمُحدث بِالصَّلَاةِ وَإنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ فِي زمن الْحَدث وَهَذَا غير صَحِيح وَكَيف يكون الصَّوْم وَاجِبا عَلَيْهَا ومحرما عَلَيْهَا بِسَبَب لَا قدرَة لَهَا على إِزَالَته بِخِلَاف الْمُحدث فَإِنَّهُ قَادر على الْإِزَالَة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ ٢١ - (بابُ النَّوْمَ مَعَ الحَائِضِ وهْيَ فِي ثِيَابِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم النّوم مَعَ زَوجته الْحَائِض، وَالْحَال أَنَّهَا فِي ثِيَابهَا الَّتِي معدة لحيضها، وَهُوَ جَائِز لدلَالَة حَدِيث الْبَاب عَلَيْهِ. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على حكم مُخْتَصّ بالحائض. ٣٢٢ - ح دَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ قالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عَنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ حِضْتُ وأنَا معَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ فانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فأخذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلبِسْتُهَا فقالَ لِي رسولُ الله ﷺ أنُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ قالَتْ وَحَدَّثَتْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُقَبِّلُها وَهْوَ صَائِم وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ.

стр. 928

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الحكم الأول، لِأَن الحَدِيث مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَحْكَام، وَقد مر هَذَا الحكم، وَهُوَ الْجُزْء الأول مِنْهُ، فِي بَاب من سمى النّفاس حيضا، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من رجال الْإِسْنَاد ولطائفه وتعدد مَوْضِعه ومعانيه وَأَحْكَامه، فَنَذْكُر هُنَا مَا لم نذْكر هُنَاكَ. ورجالهههنا: سعد بن حَفْص عَن شَيبَان النَّحْوِيّ عَن يحيى وَهُوَ ابْن أبي كثير، وَهُنَاكَ مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن يحيى بن أبي كثير، والخميلة: القطيفة، والخميلة الثَّانِيَة هِيَ الخميلة الأولى لِأَن الْمعرفَة إِذا أُعِيدَت معرفَة يكون الثَّانِي عين الأول. قَوْله: (قَالَت) أَي: زَيْنَب، وَظَاهره التَّعْلِيق، لَكِن السِّيَاق مشْعر بِأَنَّهُ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الْمَذْكُور. وَقَوْلها: (حَدَّثتنِي) عطف على مُقَدّر هُوَ مقول القَوْل. قَوْلهَا: (وَكنت) ، عطف على مُقَدّر تَقْدِيره: وَقَالَت: كنت أَغْتَسِل، وَإِظْهَار الضَّمِير بعده لصِحَّة الْعَطف عَلَيْهِ، وَهُوَ لفظ النَّبِي، وَيجوز فِيهِ النصب على الْمَعِيَّة. قَوْلهَا: (من إِنَاء وَاحِد من الْجَنَابَة) كلمة: من، فيهمَا يتعلقان بقوله: (اغْتسل) ، وَلَا يمْتَنع هَذَا لِأَن الِابْتِدَاء فِي الأول: من عين، وَفِي الثَّانِي: من معنى. وَإِنَّمَا يمْتَنع إِذا كَانَ الِابْتِدَاء من شَيْئَيْنِ هما من جنس وَاحِد: كزمانين، نَحْو: رَأَيْته من شهر من سنة، أَو مكانين نَحْو: خرجت من الْبَصْرَة من الْكُوفَة. فإفهم. ٢٢ - (بابُ مَنْ اتخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اتخذ من النِّسَاء ثيابًا معدة للْحيض سوى ثِيَابهَا الَّتِي تلبسها وَهِي طَاهِرَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب من أعد، من الإعداد. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الحَدِيث الْمَذْكُور فيهمَا وَاحِد. ٣٢٣ - ح دَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قالَ حدَّثنا هِشامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عنْ أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ بَيْنَا أنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيلَةٍ حضْتُ فانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثيَابَ حِيضَتِي فقالَ أَنُفِسْتِ فقُلْتُ نعَمْ فَدَعَانِي فاضْطَجَعْتُ مَعَه فِي الخَمِيلةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعاذ بن فضَالة الزهْرَانِي الْبَصْرِيّ أَبُو زيد، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير. قَوْلهَا: (فَقلت) ، ويروى: (قلت) بِدُونِ الْفَاء. وَقَالَ ابْن بطال: إِن قيل هَذَا الحَدِيث يُعَارض قَول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثوب وَاحِد تحيض فِيهِ) . قيل: لَا تعَارض، فَإِن حَدِيث عَائِشَة فِي بَدْء الْإِسْلَام لقِيَام الشدَّة والقلة إِذن قبل فتح الْفتُوح من الْغَنَائِم، فَلَمَّا فتح عَلَيْهِم اتسعت وَاتخذ النِّسَاء ثيابًا للْحيض سوى ثيابهن فِي اللبَاس، فَأخْبرت أم سَلمَة عَن ذَلِك الْوَقْت. ٢٣ - (بابُ شُهُودِ الحَائِضِ الْعِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم حُضُور الْحَائِض فِي يَوْم الْعِيدَيْنِ. قَوْله: (ودعوة الْمُسلمين) ، بِالنّصب عطف على الْعِيدَيْنِ وَهِي الاسْتِسْقَاء، نَص عَلَيْهِ الْكرْمَانِي، وَهِي أَعم مِنْهُ على مَا لَا يخفى قَوْله: (ويعتزلن) أَي: حَال كونهن يعتزلن الْمصلى، وَهُوَ مَكَان الصَّلَاة، وَإِنَّمَا جمعه لِأَن الْحَائِض اسْم جنس، فبالنظر إِلَى مَعْنَاهُ يجوز الْجمع، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: واعتزالهن. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ حكم من أَحْكَام الْحَائِض، كَمَا أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق كَذَلِك. ٣٢٤ - ح دَّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلَامٍ قالَ أخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أيُّوبَ عنْ حَفْصةَ قالتْ كنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنا أنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ فَقَامَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ عنْ أُخْتِهَا وكانَ زوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وكانَتْ أخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ قالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ أعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أنْ لَا تَخْرُجَ قالَ لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَد الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا قَدِمَتْ أمُّ عَطِيَّةَ سَألْتُهَا أسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ قالتْ بِأبِي نَعَمْ وَكَانَتْ

стр. 929

لَا تَذْكُرُهُ إلَاّ قالتْ بِأبِي سَمِعْتُهُ يَقُولُ تَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ أوْ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ والْحُيَّضُ وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى قالتْ حَفْصَةُ فَقُلْتُ الْحُيَّضُ فقالتْ ألَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام البيكندي، كَذَا وَقع: مُحَمَّد بن سَلام فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: حَدثنَا مُحَمَّد، بِغَيْر ذكر أَبِيه. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: حَفْصَة بنت سِيرِين، أم الْهُذيْل الْأَنْصَارِيَّة البصرية، أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين، روى لَهَا الْجَمَاعَة. الْخَامِس: امْرَأَة فِي قَوْله: (فَقدمت امْرَأَة) وَلم يعلم اسْمهَا. السَّادِس: أُخْتهَا، قيل: هِيَ أُخْت أم عَطِيَّة، وَقيل: غَيرهَا. وَنَصّ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهَا أم عَطِيَّة. السَّابِع: زوج أُخْتهَا وَلم يعلم اسْمهَا. الثَّامِن: أم عَطِيَّة. وَاخْتلف فِي اسْمهَا فَقيل: نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: بنت الْحَارِث. وَقيل: بنت كَعْب، وَقيل، بِفَتْح النُّون وَكسر السِّين كَذَا ذكره الْخَطِيب، وَزعم الْقشيرِي أَنَّهَا بنُون وشين مُعْجمَة. وَفِي (التَّنْقِيح) لِابْنِ الْجَوْزِيّ: لسينة، بلام مَضْمُومَة وسين مَفْتُوحَة وياء سَاكِنة وَنون مَفْتُوحَة. ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل وَالسُّؤَال وَالسَّمَاع. وَفِيه: إِن رُوَاته مَا بَين بخاري وبصري ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعِيدَيْنِ عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث، وَعَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي عَن حَمَّاد بن زيد، وَفِي الْحَج عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل ابْن علية، أربعتهم عَن أَيُّوب بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْعِيدَيْنِ عَن عَمْرو النَّاقِد عَن عِيسَى بن يُونُس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن النُّفَيْلِي عَن زُهَيْر بِهِ، وَأخرجه أَيْضا مُحَمَّد بن عبيد عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ، وَعَن مُوسَى بن سَلمَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم عَن مَنْصُور بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهَا عَن أبي بكر بن عَليّ عَن شُرَيْح بن يُونُس عَن هشيم بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهَا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب بِهِ. ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ: قَوْلهَا: (كُنَّا نمْنَع عواتقنا) ، جمع: عاتق، أَي: شَابة أول مَا أدْركْت فخدرت فِي بَيت أَهلهَا وَلم تفارق أَهلهَا إِلَى زوج. وَفِي (الموعب) : قَالَ أَبُو زيد: العاتق من النِّسَاء الَّتِي بَين الَّتِي قد أدْركْت وَبَين الَّتِي عنست. والعاتق الَّتِي لم تتَزَوَّج. وَعَن الْأَصْمَعِي: هِيَ من الْجَوَارِي فَوق المعصر. وَعَن أبي حَاتِم هِيَ الَّتِي لم تبن عَن أَهلهَا. وَعَن ثَابت هِيَ الْبكر الَّتِي لم تبن إِلَى الزَّوْج. وَعَن ثَعْلَب: سميت عاتقا لِأَنَّهَا عتقت عَن خدمَة أَبَوَيْهَا وَلم يملكهَا زوج بعد. وَفِي (الْمُخَصّص) : الَّتِي اشتكت الْبلُوغ. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: هِيَ الْجَارِيَة الَّتِي قد أدْركْت وَبَلغت وَلم تتَزَوَّج. وَقيل: الَّتِي بلغت أَن تدرع وعتقت من الصباء والاستعانة بهَا فِي مهنة أَهلهَا. قَوْلهَا: (فَقدمت امْرَأَة) لم يسم اسْمهَا. قَوْلهَا: (قصر بني خلف) هُوَ مَكَان بِالْبَصْرَةِ مَنْسُوب إِلَى طَلْحَة ابْن عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ الْمَعْرُوف بطلحة الطلحات، كَذَا قَالَه بَعضهم. قلت: لَيْسَ مَنْسُوبا إِلَى طَلْحَة، بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى خلف جد طَلْحَة الْمَذْكُور. وَكَذَا جَاءَ مُبينًا فِي رِوَايَة. قَوْلهَا: (ثِنْتَيْ عشرَة غَزْوَة) هَذِه رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَرِوَايَة غَيره (ثِنْتَيْ عشرَة) فَقَط، وَعشرَة بِسُكُون الشين، وَتَمِيم تكسرها. قَوْلهَا: (وَكَانَت) أَي: قَالَت الْمَرْأَة المحدثة: كَانَت أُخْتِي، وَلَا بُد من تَقْدِير: قَالَت، حَتَّى يَصح الْمَعْنى، وَتَقْدِير القَوْل فِي الْكَلَام غير عَزِيز. قَوْلهَا: (مَعَه) أَي مَعَ زَوجهَا، أَو مَعَ رَسُول الله ﷺ . قَوْلهَا: (فِي سِتّ) أَي فِي سِتّ غزوات، وروى الطَّبَرَانِيّ أَنَّهَا غزت مَعَه سبعا. قَوْلهَا: (قَالَت) أَي: الْأُخْت لَا الْمَرْأَة، وَإِنَّمَا قَالَت: (كُنَّا) بِلَفْظ الْجمع لبَيَان فَائِدَة حُضُور النِّسَاء الْغَزَوَات على سَبِيل الْعُمُوم. قَوْلهَا: (كلمى) جمع: كليم، وَهُوَ على الْقيَاس، لِأَنَّهُ فعيل بِمَعْنى مفعول، والمرضى مَحْمُول عَلَيْهِ، والكلمى: الْجَرْحى. وَقَالَ ابْن سَيّده: جمع كليم وكلوم وَكَلَام وَكَلمه ويكلمه ويكلمه من بَاب: نصر ينصر وَضرب يضْرب. وَكلما، بِالْفَتْح مصدره، وَكَلمه: جرحه. وَرجل مكلوم وكليم وَفِي (الصِّحَاح) : التكليم: التجريح قَوْلهَا: (بَأْس) : أَي حرج وإثم. قَوْلهَا: (جِلْبَاب) ، وَهُوَ خمار وَاسع كالملحفة تغطي بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا وصدرها. وتجلببت الْمَرْأَة وجلببها غَيرهَا، وَلم يدغم لِأَنَّهُ مُلْحق. وَفِي (الْمُحكم) : الجلباب الْقَمِيص، وَقيل: هُوَ ثوب وَاسع دون الملحفة

стр. 930

تلبسه الْمَرْأَة. وَقيل: مَا يُغطي بِهِ الثِّيَاب من فَوق كالملحفة. وَقيل: هُوَ الْخمار. وَفِي (الصِّحَاح) : الجلباب الملحفة، والمصدر: الجلببة، وَلم تُدْغَم لِأَنَّهَا مُلْحقَة بدحرجة. وَفِي (الغريبين) : الجلباب الْإِزَار. وَقيل: هُوَ الملاة الَّتِي تشْتَمل بهَا. وَقَالَ عِيَاض: هُوَ أقصر من الْخمار وَأعْرض، وَهِي المقنعة. وَقيل: دون الرِّدَاء تغطي بِهِ الْمَرْأَة ظهرهَا وصدرها. قَوْله: (لتلبسها) أَي: تعيرها من ثِيَابهَا مَا لَا تحْتَاج المعيرة إِلَيْهِ. وَقيل: تشركها مَعهَا فِي لبس الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهَا، وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن يكون الثَّوْب وَاسِعًا حَتَّى يسع فِيهِ اثْنَان، وَفِيه نظر، على مَا يَجِيء فِي بَاب إِذا لم يكن لَهَا جِلْبَاب فِي الْعِيد. وَقيل: هَذَا مُبَالغَة مَعْنَاهُ: ليخرجن وَلَو كَانَت ثِنْتَانِ فِي ثوب. قَوْله: (وليشهدن الْخَيْر) أَي: وليحضرن مجَالِس الْخَيْر كسماع الحَدِيث وعيادة الْمَرِيض. قَوْله: (ودعوة الْمُسلمين) ، كالاجتماع لصَلَاة الاسْتِسْقَاء. وَفِي رِوَايَة: (ودعوة الْمُؤمنِينَ) ، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني. قَوْله: (وَذَوَات الْخُدُور) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالدَّال: جمع خدر، بِكَسْر الْخَاء وَسُكُون الدَّال: وَهُوَ ستر يكون فِي نَاحيَة الْبَيْت تقعد الْبكر وَرَاءه. وَقَالَ ابْن سَيّده: الخدر ستر يمد لِلْجَارِيَةِ فِي نَاحيَة الْبَيْت، ثمَّ صَار كل مَا واراك من بَيت وَنَحْوه خدرا، وَالْجمع: خدور وأخدار، وأخادير جمع الْجمع. والخدر: خشبات تنصب فَوق قتب الْبَعِير مستورة بِثَوْب، وَهُوَ دج مخدور ومخدر: ذُو خدر، وَقد أخدر الْجَارِيَة وخدرها وتخدرت واختدرت. وَفِي (الْمُخَصّص) : الخدر ثوب يمد فِي عرض الخباء فَتكون فِيهِ الْجَارِيَة. وَفِي (المغيث) عَن الْأَصْمَعِي: الخدر نَاحيَة الْبَيْت يقطع للستر فَتكون فِيهِ الْجَارِيَة الْبكر. وَقيل: هُوَ الهودج. وَقَالَ ابْن قرقول: سَرِير عَلَيْهِ ستر، وَقيل: الخدر الْبَيْت. قَوْلهَا: (وَالْحيض) بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء جمع: حَائِض. قَوْلهَا: (وَكَذَا) أَي: نَحْو الْمزْدَلِفَة، وَكَذَا: أَي نَحْو صَلَاة الاسْتِسْقَاء. ذكر إعرابه: قَوْلهَا: (عواتقنا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول نمْنَع، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر: كُنَّا، قَوْلهَا: (أَن يخْرجن) ، أَي: من أَن يخْرجن، وَأَن مَصْدَرِيَّة. أَي: من خروجهن. قَوْلهَا: (أَعلَى إحدانا) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْلهَا: (أَن لَا تخرج) أَي: لِأَن لَا تخرج. وَأَن مَصْدَرِيَّة. أَي: لعدم خُرُوجهَا إِلَى الْمصلى للعيد. قَوْلهَا: (لتلبسها) بجزم السِّين. (وصاحبتها) بِالرَّفْع فَاعله. ويروى: (فتلبسها) ، بِضَم السِّين. قَوْلهَا: (ودعوة الْمُسلمين) كَلَام إضافي مَنْصُوب عطفا على: الْخَيْر. قَوْلهَا: (سَأَلتهَا) أَي قَالَت حَفْصَة: سَأَلت أم عَطِيَّة. قَوْلهَا: (أسمعت النَّبِي ﷺ الْهمزَة للاستفهام، وَتَقْدِيره: هَل سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول، الْمَذْكُور، وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف، وَقد قُلْنَا فِي أول الْكتاب: إِن النُّحَاة اخْتلفُوا فِي: سَمِعت، هَل يتَعَدَّى إِلَى مفعولين على قَوْلَيْنِ: فالمانعون يجْعَلُونَ الثَّانِي حَالا. قَوْلهَا: (بِأبي) قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ أَربع نسخ الْمَشْهُور هَذَا، وبيبي، بقلب الْهمزَة يَاء. وبأبا، بِالْألف بدل الْيَاء. وبيبا، بقلب الْهمزَة يَاء. قلت: الْبَاء: فِي (بِأبي) مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره: أَنْت مفدى بِأبي، فَيكون الْمَحْذُوف إسما وَمَا بعده فِي مَحل الرّفْع على الخبرية، وَيجوز أَن يكون الْمَحْذُوف فعلا تَقْدِيره: فديتك بِأبي، وَيكون مَا بعده فِي مَحل النصب، وَهَذَا الْحَذف لطلب التَّخْفِيف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَعلم الْمُخَاطب بِهِ، واللغتان الأوليان فصيحتان، وأصل بأبا: بِأبي هُوَ، وَيُقَال: بأبأت الصَّبِي، إِذا قلت لَهُ بِأبي أَنْت وَأمي. فَلَمَّا سكنت الْيَاء قلبت ألفا. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (بِأبي هُوَ وَأمي) قَوْلهَا: (وَكَانَت لَا تذكرة) أَي: لاتذكرة أم عَطِيَّة الرَّسُول ﵊ إِلَّا قَالَت: (بِأبي، أَي: رَسُول الله مفدى بِأبي. أَو: أَنْت مفدي بِأبي. وَيحْتَمل أَن يكون قسما أَي: أقسم بِأبي، لَكِن الْوَجْه الأول أقرب إِلَى السِّيَاق وَأظْهر وَأولى. قَوْلهَا: (سمعته يَقُول) لَيْسَ من تَتِمَّة الْمُسْتَثْنى، إِذْ الْحصْر هُوَ فِي قَوْله: بِأبي، فَقَط بِقَرِينَة مَا تقدم من قَوْلهَا: بِأبي نعم. قَوْله: (وَذَوَات الْخُدُور) فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات: الأولى بواو الْعَطف، وَالثَّانيَِة: بِلَا وَاو، وَتَكون صفة للعواتق، وَالثَّالِثَة: ذَات الْخُدُور بإفراد: ذَات. قَوْله: (وَالْحيض) ، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء عطف على الْعَوَاتِق. قَوْله: (ويعتزلن الْحيض) بِلَفْظ الْجمع على لُغَة: أكلوني البراغيث، ويروى: يعتزل الْحيض بِالْإِفْرَادِ. قَوْلهَا: (فَقلت آلحيض؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام، كَأَنَّهَا تتعجب من إخبارها بِشُهُود الْحَائِض. فَإِن قلت: وليشهدن عطف على مَاذَا؟ قلت: على قَوْله: تخرج الْعَوَاتِق. فَإِن قلت: كَيفَ يعْطف الْأَمر على الْخَبَر؟ قلت: الْخَبَر من الشَّارِع فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَحْمُول على الطّلب، فَمَعْنَاه: ليخرج الْعَوَاتِق وليشهدن. قَوْلهَا: (أَلَيْسَ يشهدن؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. ويروى: (أَلَيْسَ تشهد) أَي: الْحيض وألس، بِدُونِ الْيَاء، وَفِيه ضمير الشان. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أليست تشهد؟) بِالتَّاءِ فِي: لَيْسَ، وَهُوَ على الأَصْل. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (ألسن يشهدن؟) بنُون الْجمع فِي: لسن. قَوْله: (عَرَفَة) ، فِيهِ الْمُضَاف مَحْذُوف أَي: يَوْم عَرَفَة فِي عَرَفَات.

стр. 931

ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن الْحَائِض لَا تهجر ذكر الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: مَا قَالَه [قعالخطابي [/ قع: أَنَّهُنَّ يشهدن مَوَاطِن الْخَيْر ومجالس الْعلم خلا أَنَّهُنَّ لَا يدخلن الْمَسَاجِد. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء الطاهرات وَالْحيض إِلَى الْعِيدَيْنِ، وشهود الْجَمَاعَات، وتعتزل الْحيض الْمصلى، وَليكن مِمَّن يَدْعُو أَو يُؤمن رَجَاء بركَة المشهد الْكَرِيم. قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: يسْتَحبّ إِخْرَاج النِّسَاء فِي الْعِيدَيْنِ غير ذَوَات الهيئات والمستحسنات، وَأَجَابُوا عَن هَذَا الحَدِيث بِأَن الْمفْسدَة فِي ذَلِك الزَّمن كَانَت مَأْمُونَة بِخِلَاف الْيَوْم، وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: (لَو رأى رَسُول الله ﷺ مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل) . وَقَالَ [قععياض [/ قع: وَقد اخْتلف السّلف فِي خروجهن، فَرَأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر فِي آخَرين، ﵃، ومنعهن جمَاعَة، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف؛ وَأَجَازَهُ [قعأبو حنيفَة [/ قع مرّة وَمنعه مرّة، وَفِي التِّرْمِذِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك: أكره الْيَوْم خروجهن فِي الْعِيدَيْنِ، فَإِن أَبَت الْمَرْأَة إِلَّا أَن تخرج فلتخرج فِي أطمارها بِغَيْر زِينَة، فَإِن أَبى ذَلِك فَللزَّوْج أَن يمْنَعهَا. ويروى عَن الثَّوْريّ أَنه كره الْيَوْم خروجهن قلت: الْيَوْم الْفَتْوَى على الْمَنْع مُطلقًا، وَلَا سِيمَا فِي الديار المصرية. وَمِنْهَا: أَن بَعضهم استدلوا بِهَذَا على وجوب صَلَاة الْعِيدَيْنِ؛ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يسْتَدلّ بذلك على الْوُجُوب لِأَن هَذَا إِنَّمَا توجه لمن لَيْسَ بمكلف بِالصَّلَاةِ بالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود التدرب على الصَّلَاة والمشاركة فِي الْخَيْر وَإِظْهَار جمال الْإِسْلَام. وَقَالَ الْقشيرِي: لِأَن أهل الْإِسْلَام كَانُوا إِذْ ذَاك قليلين. وَمِنْهَا: جَوَاز اسْتِعَارَة الثِّيَاب لِلْخُرُوجِ إِلَى الطَّاعَات، وَجَوَاز اشْتِمَال الْمَرْأَتَيْنِ فِي ثوب وَاحِد لضَرُورَة الْخُرُوج إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ غَزْو النِّسَاء ومداواتهن للجرحى، وَإِن كَانُوا غير ذَوي محارم مِنْهُنَّ وَمِنْهَا: قبُول خبر الْمَرْأَة. وَمِنْهَا: أَن فِي قَوْلهَا: كُنَّا نداوي، جَوَاز نقل الْأَعْمَال الَّتِي كَانَت فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، وَإِن كَانَ ﵊، لم يخبر بِشَيْء من ذَلِك. وَمِنْهَا: جَوَاز النَّقْل عَمَّن لَا يعرف اسْمه من الصَّحَابَة خَاصَّة وَغَيرهم إِذا بيّن مَسْكَنه وَدلّ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: امْتنَاع خُرُوج النِّسَاء بِدُونِ الجلاليب. وَمِنْهَا: جَوَاز تكْرَار: بِأبي، فِي الْكَلَام. وَمِنْهَا: جَوَاز السُّؤَال بعد رِوَايَة الْعدْل عَن غَيره تَقْوِيَة لذَلِك. وَمِنْهَا: جَوَاز شُهُود الْحَائِض عَرَفَة. وَمِنْهَا: اعتزال الْحيض من الْمصلى، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُور: هُوَ منع تَنْزِيه وَسَببه الصيانة والاحتراز عَن مُقَارنَة النِّسَاء للرِّجَال من غير حَاجَة وَلَا صَلَاة، وَإِنَّمَا لم يحرم لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدا. وَقَالَ بَعضهم: يحرم الْمكْث فِي الْمصلى عَلَيْهَا كَمَا يحرم مكثها فِي الْمَسْجِد لِأَنَّهُ مَوضِع للصَّلَاة، فَأشبه الْمَسْجِد. وَالصَّوَاب الأول. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْأَمر بالاعتزال للْوُجُوب، فَهَل الشُّهُود وَالْخُرُوج واجبان أَيْضا؟ قلت: ظَاهر الْأَمر الْوُجُوب، لَكِن علم من مَوضِع آخر أَنه هَهُنَا للنَّدْب. وَقَالَ بَعضهم: أغرب الْكرْمَانِي فَقَالَ: الاعتزال وَاجِب وَالْخُرُوج مَنْدُوب قلت: لم يقل بِوُجُوب الإعتزال وندبية الْخُرُوج من هَذَا الْموضع خَاصَّة حَتَّى يكون مغربا، وَإِنَّمَا صرح بقوله: إِن الْوُجُوب لِلْأَمْرِ بالإعتزال، وَأما ندبية الْخُرُوج فَمن مَوضِع آخر. ٢٤ - (بابٌ إذَا حاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّساءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيما يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ لِقَوْلِ الله تَعَالَى وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أرْحَامِهِنَّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَائِض إِذا حَاضَت فِي شهر وَاحِد ثَلَاث حيض، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْيَاء: جمع حَيْضَة. قَوْله: (وَمَا يصدق) أَي: وَفِي بَيَان مَا يصدق النِّسَاء، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الدَّال. قَوْله: (فِي الْحيض) أَي: فِي مُدَّة الْحيض. قَوْله: (وَالْحمل) وَفِي نُسْخَة: (وَالْحَبل) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (فِيمَا يُمكن من الْحيض) يتَعَلَّق بقوله: (وَيصدق) ، أَي: تصدق فِيمَا يُمكن من تكْرَار الْحيض، وَلِهَذَا لم يقل: وَفِيمَا يُمكن من الْحَبل، لِأَنَّهُ لَا معنى للتصديق فِي تكْرَار الْحمل. قَوْله: (لقَوْل الله) تَعْلِيل للتصديق، وَوجه الدّلَالَة عَلَيْهِ أَنَّهَا إِذا لم يحل لَهَا الكتمان وَجب الْإِظْهَار، فَلَو لم تصدق فِيهِ لم يكن للإظهار فَائِدَة. وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: بلغنَا أَن المُرَاد بِمَا خلق الله فِي أرحامهن الْحمل أَو الْحيض، وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن ذَلِك لتنقضي الْعدة،

стр. 932

وَلَا يملك الزَّوْج الْعدة إِذا كَانَت لَهُ. وَرُوِيَ أَيْضا بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عمر، قَالَ: لَا يحل لَهَا إِذا كَانَت حَائِضًا أَن تكْتم حَيْضهَا، وَلَا إِن كَانَت حَامِلا أَن تكْتم حملهَا. وَعَن مُجَاهِد: لَا تَقول: إِنِّي حَائِض، وَلَيْسَت بحائض، وَلَا لست بحائض وَهِي حَائِض، وَكَذَا فِي الْحَبل. وَيُذْكَرُ عنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ إنِ امْرَأةٌ جاءَتْ بِبَيِّنَةٍ منْ بِطَانَةِ أهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أنَّهَا حاضَتْ ثَلَاثا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن عليا هَذَا هُوَ ابْن أبي طَالب، وشريحا هُوَ ابْن الْحَارِث بِالْمُثَلثَةِ الْكِنْدِيّ أَبُو أُميَّة الْكُوفِي، وَيُقَال: إِنَّه من أَوْلَاد الْفرس الَّذين كَانُوا بِالْيمن، أدْرك النَّبِي ﷺ وَلم يلقه، استقضاه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْكُوفَة وَأقرهُ من بعده إِلَى أَن ترك هُوَ بِنَفسِهِ زمن الْحجَّاج، كَانَ لَهُ مائَة وَعِشْرُونَ سنة، مَاتَ سنة ثَمَانِيَة وَتِسْعين، وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة. الثَّانِي: أَن هَذَا تَعْلِيق بِلَفْظ التمريض، وَوَصله الدَّارمِيّ: أخبرنَا يعلى بن عبيد أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن عَامر هُوَ الشّعبِيّ، قَالَ: (جَاءَت امْرَأَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تخاصم زَوجهَا طَلقهَا، فَقَالَت: حِضْت فِي شهر ثَلَاث حيض، فَقَالَ عَليّ لشريح: إقض بَينهمَا. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأَنت هَاهُنَا؟ قَالَ: إقضِ بَينهمَا. قَالَ: إِن جَاءَت من بطانة أَهلهَا مِمَّن يرضى دينه وأمانته يزْعم أَنَّهَا حَاضَت ثَلَاث حيض تطهر عِنْد كل قرء وَتصلي جَازَ لَهَا. وإلَاّ فَلَا. قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قالون) . وَمَعْنَاهُ بِلِسَان الرّوم: أَحْسَنت. وَرَوَاهُ ابْن حزم، وَقَالَ: روينَاهُ عَن هشيم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ: (أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَتَى بِرَجُل طلق امْرَأَته فَحَاضَت ثَلَاث حيض فِي شهر أَو خمس وَثَلَاثِينَ لَيْلَة، فَقَالَ عَليّ لشريح: إقض فِيهَا. فَقَالَ: إِن جَاءَت بِالْبَيِّنَةِ من النِّسَاء الْعُدُول من بطانة أَهلهَا مِمَّن يرضى صدقه وعدله أَنَّهَا رَأَتْ مَا يحرم عَلَيْهَا الصَّلَاة من الطُّهْر الَّذِي هُوَ الطمث، وتغتسل عِنْد كل قرء وَتصلي فِيهِ، فقد انْقَضتْ عدتهَا. وإلَاّ فَهِيَ كَاذِبَة. فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب: قالون) . وَمَعْنَاهُ: أصبت. قَالَ ابْن حزم: هَذَا نَص قَوْلهَا. انْتهى. وَاخْتلف فِي سَماع الشّعبِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسمع مِنْهُ إلَاّ حرفا مَا سمع غَيره. وَقَالَ الْحَازِمِي: لم تثبت أَئِمَّة الحَدِيث سَماع الشّعبِيّ من عَليّ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: مِنْهُم من يدْخل بَينه وَبَينه عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وسنه مُحْتَملَة لإدراك عَليّ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فَكَأَن البُخَارِيّ لمح هَذَا فِي عَليّ لَا فِي شُرَيْح، لِأَنَّهُ مُصَرح فِيهِ بِسَمَاع الشّعبِيّ مِنْهُ، فَينْظر فِي تمريضه الْأَثر عَنهُ، على رَأْي من يَقُول: إِنَّه إِذا ذكر شَيْئا بِغَيْر صِيغَة الْجَزْم لَا يكون صَحِيحا عِنْده، وَكَأَنَّهُ غير جيد، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْعَتَمَة. وَيذكر عَن أبي مُوسَى: كُنَّا نتناوب بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ سَنَد صَحِيح عِنْده. النَّوْع الثَّالِث: فِي مَعْنَاهُ: فَقَوله: (إِن جَاءَت) فِي رِوَايَة كَرِيمَة: (ان الْمَرْأَة جَاءَت) بِكَسْر النُّون (بِبَيِّنَة من بطانة أَهلهَا) أَي خواصها. وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل: لَيْسَ المُرَاد أَن تشهد النِّسَاء أَن ذَلِك وَقع، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا نرى أَن يشهدن أَن هَذَا يكون، وَقد كَانَ فِي نسائهن وَفِيه نظر، لِأَن سِيَاق هَذَا الحَدِيث يدْفع هَذَا التَّأْوِيل، لِأَن الظَّاهِر مِنْهُ أَن المُرَاد أَن يشهدن بِأَن ذَلِك وَقع مِنْهَا، وَكَأن مُرَاد إِسْمَاعِيل رد هَذِه الْقِصَّة إِلَى مُوَافقَة مذْهبه. وَمذهب أبي حنيفَة أَن الْمَرْأَة لَا تصدق فِي انْقِضَاء الْعدة فِي أقل من سِتِّينَ يَوْمًا. وَعَن مُحَمَّد بن الْحسن، فِيمَا حَكَاهُ ابْن حزم عَنهُ أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا. وَعَن أبي يُوسُف: تصدق فِي تِسْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. قَالَ ابْن بطال: وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَالثَّوْري. وَعَن الشَّافِعِي: تصدق فِي ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَعَن أبي ثَوْر: فِي سَبْعَة وَأَرْبَعين يَوْمًا. وَذكر ابْن أبي زيد عَن سَحْنُون: أقل الْعدة أَرْبَعُونَ يَوْمًا. النَّوْع الرَّابِع: فِي أَن هَذَا الْأَثر يُطَابق التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا يصدق النِّسَاء) إِلَى آخِره، لِأَن المُرَاد: مَا يصدق النِّسَاء فِيمَا يُمكن من الْمدَّة، والشهر يُمكن فِيهِ ثَلَاث حيض خُصُوصا على مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ فَإِن أقل الْحيض عِنْد مَالك فِي حق الْعدة ثَلَاثَة أَيَّام، وَفِي ترك الصَّلَاة وَالصَّوْم وَتَحْرِيم الوطىء دفْعَة، وَعند الشَّافِعِي فِي الْأَشْهر إِن أَقَله يَوْم وَلَيْلَة، وَهُوَ قَول أَحْمد: فَإِن قلت عنْدكُمْ أَيهَا الْحَنَفِيَّة أقل الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام، فَلِمَ شرطتم فِي تصديقها بستين يَوْمًا على مَذْهَب أبي حنيفَة؟ قلت: لِأَن أقل الطُّهْر عندنَا خَمْسَة عشر يَوْمًا، فَإِذا أقرَّت بِانْقِضَاء عدتهَا لم تصدق فِي أقل من سِتِّينَ يَوْمًا، لِأَنَّهُ يَجْعَل كَأَنَّهُ طَلقهَا أول الطُّهْر وَهُوَ خَمْسَة عشر، وحيضها خَمْسَة إعتبارا للْعَادَة، فَيحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أطهار وَثَلَاث حيض.

стр. 933

وقالَ عطَاءٌ أقْرَاؤُهَا مَا كانَتْ أَي: عَطاء بن أبي رَبَاح، والإقراء جمع: قرء، بِضَم الْقَاف وَفتحهَا، مَعْنَاهُ إقراؤها فِي زمن الْعدة مَا كَانَت قبل الْعدة أَي: لَو ادَّعَت فِي زمن الِاعْتِدَاد أَقراء مَعْدُودَة فِي مُدَّة مُعينَة فِي شهر مثلا، فَإِن كَانَت مُعْتَادَة بِمَا ادعتها فَذَاك، وَإِن ادَّعَت فِي الْعدة مَا يُخَالف مَا قبلهَا لم تقبل، وَهَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء. وبِهِ قالَ إبْرَاهِيمُ أَي: بِمَا قَالَ عَطاء قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوَصله عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن أبي مسعر عَن إِبْرَاهِيم نَحوه. وقالَ عَطاءٌ الْحَيْضُ يَوْمٌ الَى خمْسَ عَشْرَةَ هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن أقل الْحيض عِنْد عَطاء يَوْم، وَأَكْثَره خَمْسَة عشر، يَعْنِي أقل الْحيض يَوْم وَأَكْثَره خَمْسَة عشر، وَهَذَا الْمُعَلق وَصله الدَّارمِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: (أقْصَى الْحيض خَمْسَة عشر وَأدنى الْحيض يَوْم وَلَيْلَة)) . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: حدثناالحسين حَدثنَا إِبْرَاهِيم حَدثنَا النُّفَيْلِي حَدثنَا معقل بن عبد الله عَن عَطاء: (أدنى وَقت الْحيض يَوْم وَأَكْثَره خَمْسَة عشر) . وَحدثنَا ابْن حَمَّاد حَدثنَا الحرمي حَدثنَا ابْن يحيى حَفْص عَن أَشْعَث عَن عَطاء. قَالَ: (أَكثر الْحيض خمس عشرَة) . وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أقل مُدَّة الْحيض وَأَكْثَره، فمذهب أبي حنيفَة: أَقَله ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا نقص عَن ذَلِك فَهُوَ اسْتِحَاضَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام. وَعَن أبي يُوسُف: أَقَله يَوْمَانِ وَالْأَكْثَر من الْيَوْم الثَّالِث، وَاسْتدلَّ أَبُو حنيفَة بِمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁: (الْحيض ثَلَاث وَأَرْبع وَخمْس وست وَسبع وثمان وتسع وَعشر، فَإِن زَاد فَهِيَ مُسْتَحَاضَة) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: لم يروه غير هَارُون بن زِيَاد، وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَبِمَا رُوِيَ عَن أبي أُمَامَة، ﵁، أَن النَّبِي، ﵊، قَالَ: [حم (أقل الْحيض لِلْجَارِيَةِ الْبكر وَالثَّيِّب ثَلَاث، وَأَكْثَره مَا يكون عشرَة أَيَّام، فَإِذا زَاد فَهِيَ مُسْتَحَاضَة) [/ حم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي سَنَده عبد الْملك مَجْهُول، والْعَلَاء بن الْكثير ضَعِيف الحَدِيث، وَمَكْحُول لم يسمع من أبي أُمَامَة. وَبِمَا رُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أقل الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي سَنَده حَمَّاد بن منهال مَجْهُول، وَبِمَا رُوِيَ عَن معَاذ بن جبل أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: [حم (لَا حيض دون ثَلَاثَة أَيَّام، وَلَا حيض فَوق عشرَة أَيَّام، فَمَا زَاد على ذَلِك فَهِيَ اسْتِحَاضَة، تتوضأ لكل صَلَاة إلاّ أَيَّام إقرائها. وَلَا نِفَاس دون أسبوعين، وَلَا نِفَاس فَوق أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَإِن رَأَتْ النُّفَسَاء الطُّهْر دون الْأَرْبَعين صَامت وصلت وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا إلاّ بعد أَرْبَعِينَ) [/ حم. رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن سعيد عَن البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن معِين: إِنَّه يضع الحَدِيث، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: [حم (أقل الْحيض ثَلَاث وَأَكْثَره عشر، وَأَقل مَا بَين الحيضتين خَمْسَة عشر يَوْمًا) [/ حم. وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الْعِلَل المتناهية) وَفِيه أَبُو دَاوُد النَّخعِيّ واسْمه سُلَيْمَان، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث. وَبِمَا روى أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة وَسِتَّة وَسَبْعَة وَثَمَانِية وَتِسْعَة وَعشرَة، فَإِذا جَاوز الْعشْرَة فَهِيَ اسْتِحَاضَة) ، رَوَاهُ ابْن عدي، وَفِيه الْحسن بن دِينَار ضَعِيف. وَبِمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، ﵂، عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (أَكثر الْحيض عشر وَأقله ثَلَاث) ، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّحْقِيق) ، وَفِيه حُسَيْن بن علوان، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث. وَأجَاب الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) أَن ظَاهر الْإِسْلَام يَكْفِي لعدالة الرَّاوِي مَا لم يُوجد فِيهِ قَادِح، وَضعف الرَّاوِي لَا يقْدَح إلاّ أَن يُقَوي وَجه الضعْف. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : إِن الحَدِيث إِذا رُوِيَ من طرق ومفرداتها ضِعَاف يحْتَج بِهِ، على أَنا نقُول: قد شهد لمذهبنا عدَّة أَحَادِيث من الصَّحَابَة بطرق مُخْتَلفَة كَثِيرَة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِن كَانَ كل وَاحِد ضَعِيفا، لَكِن يحدث عِنْد الِاجْتِمَاع مَا لَا بِحَدَث عِنْد الِانْفِرَاد، على أَن بعض طرقها صَحِيحَة، وَذَلِكَ يَكْفِي للاحتجاج، خُصُوصا فِي المقدرات، وَالْعَمَل بِهِ أولى من الْعَمَل بالبلاغات والحكايات المروية عَن نسَاء مَجْهُولَة، وَمَعَ هَذَا نَحن لَا نكتفي بِمَا ذكرنَا، بل نقُول: مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ بالآثار المنقولة عَن الصَّحَابَة، ﵃، فِي هَذَا الْبَاب، وَقد أمعنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا للهداية) .

стр. 934

وقالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أبِيهِ سَأَلْتُ ابنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أيَّامٍ قالَ النِّساءُ أعْلَمُ بِذَلِكَ. مُعْتَمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ أعبد أهل زَمَانه، وَأَبُو سُلَيْمَان بن طرحان، قَالَ شُعْبَة: مَا رَأَيْت أصدق من سُلَيْمَان، كَانَ إِذا حدث عَن النَّبِي ﷺ يتَغَيَّر لَونه. وَقَالَ: شكه يَقِين، وَكَانَ يُصَلِّي اللَّيْل كُله بِوضُوء عشَاء الْآخِرَة. وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين تقدم، وَوصل هَذَا الْأَثر الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن مُعْتَمر، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بعد قرئها أَي: طهرهَا لَا حَيْضهَا بِقَرِينَة لفظ الدَّم، وَالْغَرَض مِنْهُ أَن أقل الطُّهْر هَل يحْتَمل أَن يكون خَمْسَة أَيَّام أم لَا؟ . قلت: لَيْسَ الْمَعْنى هَكَذَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَن ابْن سِيرِين سُئِلَ عَن امْرَأَة كَانَ لَهَا حيض مُعْتَاد، ثمَّ رَأَتْ بعد أَيَّام عَادَتهَا خَمْسَة أَيَّام أَو أقل أَو أَكثر، فَكيف يكون حكم هَذِه الزِّيَادَة؟ فَقَالَ ابْن سِيرِين: هِيَ أعلم بذلك، يَعْنِي التَّمْيِيز بَين الدمين رَاجع إِلَيْهَا، فَيكون المرئي فِي أَيَّام عَادَتهَا حيضا، وَمَا زَاد على ذَلِك اسْتِحَاضَة، فَإِن لم يكن لَهَا علم بالتمييز يكون حَيْضهَا مَا ترَاهُ إِلَى أَكثر مُدَّة الْحيض، وَمَا زَاد عَلَيْهَا يكون اسْتِحَاضَة، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْله: بعد قرئها، أَي: طهرهَا، كَمَا قَالَ الْكرْمَانِي، بل المُرَاد: بعد حَيْضهَا الْمُعْتَاد، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) ، بعد ذكر هَذَا الْأَثر عَن ابْن سِيرِين: وَهَذَا يشْهد لمن يَقُول: الْقُرْء الْحيض، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَقَالَ السفاقسي: وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَعَطَاء وَأحد عشر صحابيا وَالْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود ومعاذ وَقَتَادَة وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وَابْن جُبَير وطاووس وَالضَّحَّاك وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَأبي عبيد. ٣٢٥ - ح دّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ قالَ حَدثنَا أبُو أسَامَةَ قالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ عُرْوَةَ قالَ أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ أبِي حُبَيْشٍ سألَتِ النَّبِيَّ ﷺ قالتْ انِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أطْهُرُ أفأدَعِ الصَّلاةَ فَقَالَ لَا إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ ولَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ التِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي. . وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَنه ﷺ وكل ذَلِك إِلَى أمانتها وعادتها، فقد يقل ذَلِك وَيكثر على قدر أَحْوَال النِّسَاء فِي أسنانهن وبلدانهن. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن أبي رَجَاء، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم وبالمد، واسْمه عبد الله بن أَيُّوب الْهَرَوِيّ، ويكنى أَحْمد بِأبي الْوَلِيد، وَهُوَ حَنَفِيّ النّسَب لَا الْمَذْهَب، مَاتَ بهراة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْكُوفِي. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين هروي وكوفي ومدني. وَقد ذكرنَا أَكثر بَقِيَّة الْأَشْيَاء فِي بَاب الِاسْتِحَاضَة وَفِي بَاب غسل الدَّم مستقصىً. قَوْله: (قَالَت: بَيَان لقولها: (سَأَلت) ، ويروى: (فَقَالَت) ، بِالْفَاءِ التفسيرية. قَوْله: (استحاض) بِضَم الْهمزَة على بِنَاء الْمَجْهُول، كَمَا يُقَال: استحيضت. وَلم يبن هَذَا الْفِعْل للْفَاعِل، وأصل الْكَلِمَة من الْحيض، والزوائد للْمُبَالَغَة. قَوْله: (أفأدع؟) سُؤال عَن اسْتِمْرَار حكم الْحَائِض فِي حَالَة دوَام الدَّم وإزالته، وَهُوَ كَلَام من تقرر عِنْده أَن الْحَائِض مَمْنُوعَة من الصَّلَاة. قَوْله: (إِن ذَلِك عرق) ، أَي: دم عرق، وَهُوَ يُسمى بالعاذل. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. فَإِن قيل: لَا بُد أَن يكون بَين كلامين متغايرين. أُجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ: لَا تتركي الصَّلَاة فِي كل الْأَوْقَات، لَكِن اتركيها فِي مِقْدَار الْعَادة. وَلَفظ: قدر الْأَيَّام، مشْعر بِأَنَّهَا كَانَت مُعْتَادَة. قَوْله: (دعِي الصَّلَاة) أَي: اتركي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا، مثلا إِن كَانَت عَادَتهَا من كل شهر عشرَة أَيَّام من أَولهَا، أَو من وَسطهَا، أَو من آخرهَا تتْرك الصَّلَاة عشرَة أَيَّام من هَذَا الشَّهْر، نَظِير ذَلِك فَإِن قلت من أَيْن كَانَت تحفظ فَاطِمَة عدد أَيَّامهَا الَّتِي كَانَت تحيضها أَيَّام الصِّحَّة؟ قلت: لَو لم تكن تحفظ ذَلِك لم يكن لقَوْله ﷺ : (دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا) من الشَّهْر، فَائِدَة. وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَغَيره، فِي حَدِيث أم سلمةٍ (لتنظر عدَّة اللَّيَالِي وَالْأَيَّام

стр. 935

الَّتِي كَانَت تحيض من الشَّهْر قبل أَن يُصِيبهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فلتترك الصَّلَاة قدر ذَلِك من الشَّهْر، فَإِذا خلفت ذَلِك فلتغتسل ثمَّ لتستثفر بِثَوْب ثمَّ لتصلي) . وَجَاء أَيْضا فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : (إِذا كَانَ دم الْحَيْضَة فَإِنَّهُ دم أسود يعرف، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة، وَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي، وَصلي، فَإِنَّمَا ذَلِك عرق) . فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ الْأَمر فِيمَن لم تحفظ عدد أَيَّامهَا؟ قلت: هَذِه مَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْفُرُوع، وَهِي أَنَّهَا تحسب من كل شهر عشرَة حَيْضهَا وَيكون الْبَاقِي اسْتِحَاضَة، وَاحْتج الرَّازِيّ لِأَصْحَابِنَا فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) بقوله ﷺ : قدر الْأَيَّام الَّتِي تحيضين فِيهَا على تَقْدِير أقل الْحيض وَأَكْثَره، لِأَن أقل مَا يتَنَاوَلهُ اسْم الْأَيَّام ثَلَاثَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام، لِأَن مَا دون الثَّلَاثَة لَا تسمى أَيَّامًا، ونقول ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى عشرَة أَيَّام، ثمَّ نقُول: أحد عشر يَوْمًا. ٢٥ - (بابُ الصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصُّفْرَة والكدرة اللَّتَيْنِ تراهما الْمَرْأَة فِي غير أَيَّام حَيْضهَا، يَعْنِي: لَا يكون حيضا، وألوان الدَّم سِتَّة: السوَاد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية. أما الْحمرَة فَهُوَ اللَّوْن الْأَصْلِيّ للدم إلَاّ عِنْد غَلَبَة السوَاد يضْرب إِلَى السوَاد، وَعند غَلَبَة الصَّفْرَاء يضْرب إِلَى الصُّفْرَة، ويتبين ذَلِك لمن اقتصده، وَأما الصُّفْرَة فَهِيَ من ألوان الدَّم إِذا راق، وَقيل: هِيَ كصفرة الْبيض أَو كصفرة القز. وَفِي (فتاوي قاضيحان) : الصُّفْرَة تكون كلون القز أَو لون الْبُسْر أَو لون التِّبْن، فالسواد والحمرة والصفرة حيض، وَالْمَنْقُول عَن الشَّافِعِي فِي (مُخْتَصر الْمُزنِيّ) : أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي أَيَّام الْحيض حيض. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي ذَلِك على وُجُوه مَذْكُورَة فِي كتبهمْ. وَأما الكدرة فَهِيَ حيض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، سَوَاء رَأَتْ فِي أول أَيَّامهَا أَو فِي آخرهَا، وَهِي لون كلون الصديد يعلوه أصفرار. وَأما الخضرة فقد اخْتلف مَشَايِخنَا فِيهَا، فَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور: إِن رأتها فِي أول الْحيض يكون حيضا. وَإِن رأتها فِي آخر الْحيض واتصل بهَا أَيَّام الْحيض لَا يكون حيضا، وَجُمْهُور الْأَصْحَاب على كَونهَا حيضا كَيفَ مَا كَانَ. وَأما التربية فَهِيَ الَّتِي تكون على لون التُّرَاب، وَهُوَ نوع من الكدرة، فَحكمهَا حكم الكدرة، وَهِي بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيُقَال: الترابية. وَفِي (قاضيخان) : التربية على لون التربة. وَقيل فِيهَا: تربية على وزن تفعلة، من الرؤبة، وَقيل تريبة على وزن فعيلة، وَقيل: تربية بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِغَيْر همزَة. ٣٢٦ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ شَيئا مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي غير أَيَّام الْحيض لَيْسَ بِشَيْء. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن أبي علية تقدم فِي بَاب حب رَسُول الله من الْإِيمَان. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، قد مر ذكرهَا عَن قريب. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة من رأى أنس بن مَالك عَن الصحابية. وَفِيه: أَنه مَوْقُوف، كَذَا قَالَه ابْن عَسَاكِر، وَلَكِن قَوْلهَا: كُنَّا، يَعْنِي فِي زمن النَّبِي ﷺ ، أَي: مَعَ علمه بذلك وَتَقْرِيره إياهن، وَهَذَا فِي حكم الْمَرْفُوع. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب بِهِ. وَقَالَ الْمدنِي: رَوَاهُ وهيب عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَ مُحَمَّد بن يحيى: خبر وهيب أولاهما عندنَا. فَإِن قلت: مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ من تَصْحِيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل أرجح لمتابعة معمر لَهُ عَن أَيُّوب، لِأَن إِسْمَاعِيل أحفظ لحَدِيث أَيُّوب من غَيره، وَيجوز أَن يكون أَيُّوب قد سَمعه من مُحَمَّد وَمن حَفْصَة كليهمَا. ذكر استنباط الْأَحْكَام: يستنبط مِنْهُ أَن الكدرة والصفرة لَا تكون حيضا إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، وَهُوَ معنى قَوْلهَا: (لَا نعد الكدرة والصفرة شَيْئا) أَي: شَيْئا معتدا بِهِ. وَإِنَّمَا قيدنَا بقولنَا: إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، لِأَن المُرَاد من الحَدِيث هَكَذَا. ويوضحه رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أم عَطِيَّة، وَكَانَت بَايَعت النَّبِي ﷺ قَالَت: (كُنَّا لَا نعد الكدرة والصفرة بعد

стр. 936

الطُّهْر شَيْئا) . وعَلى هَذَا ترْجم البُخَارِيّ، وَصَححهُ الْحَاكِم. وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: (كُنَّا لَا نعد الصُّفْرَة والكدرة شَيْئا فِي الْحيض) . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: (كُنَّا لَا نرى التربية بعد الطُّهْر شَيْئا، وَهِي الصُّفْرَة والكدرة) . وروى ابْن بطال من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن حَفْصَة: (كُنَّا لَا نرى التربية بعد الْغسْل شَيْئا) . قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن عَائِشَة: (كُنَّا نعد الكدرة والصفرة حيضا) . فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا؟ . قلت: هَذَا فِي وَقت الْحيض وَذَاكَ فِي غير وقته. قلت: حَدِيث عَائِشَة أخرجه ابْن حزم بِسَنَد واهٍ لأجل أبي بكر النَّهْشَلِي الْكذَّاب، وَوَقع فِي (وسيط الْغَزالِيّ) ذكره لَهُ من حَدِيث زَيْنَب، وَلَا يعرف. وروى الْبَيْهَقِيّ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: (مَا كُنَّا نعد الكدرة والصفرة شَيْئا، وَنحن مَعَ رَسُول الله ﷺ . قَالَ: وَسَنَده ضَعِيف لَا يسوى ذكره، قَالَ: وَقد رُوِيَ مَعْنَاهُ عَن عَائِشَة بِسَنَد أمثل من هَذَا، وَهُوَ أَنَّهَا قَالَت: (إِذا رَأَتْ الْمَرْأَة الدَّم فلتمسك عَن الصَّلَاة حَتَّى ترَاهُ أَبيض كالقصة، فَإِذا رَأَتْ ذَلِك فلتغتسل ولتصلِّ، فَإِذا رَأَتْ بعد ذَلِك صفرَة أَو كدرة فلتتوضأ ولتصلِّ، فَإِذا رَأَتْ مَاء أَحْمَر فلتغتسل ولتصلِّ) . وَقَالَ ابْن بطال: ذهب جُمْهُور الْعلمَاء فِي معنى هَذَا الحَدِيث إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ فِي تَرْجَمته، فَقَالَ أَكْثَرهم: الصُّفْرَة والكدرة حيض فِي أَيَّام الْحيض خَاصَّة، وَبعد أَيَّام الْحيض لَيْسَ بِشَيْء، رُوِيَ هَذَا عَن عَليّ، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَرَبِيعَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَيْسَ قبل الْحيض حيض، وَفِي آخر الْحيض حيض، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر. وَقَالَ مَالك: حيض فِي أَيَّام الْحيض وَغَيرهَا، وأظن أَن حَدِيث أم عَطِيَّة لم يبلغهُ. ٢٦ - (بابُ عِرْق الإسْتِحَاضَة) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عرق الِاسْتِحَاضَة، وَهُوَ بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء، وَقد ذكرنَا أَنه يُسمى هَذَا الْعرق العاذل، وَأَرَادَ بِهَذَا أَن دم الِاسْتِحَاضَة من عرق، كَمَا صرح بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَفِي رِوَايَة أخرجهَا أَبُو دَاوُد: (إِنَّمَا ذَلِك عرق وَلَيْسَت بالحيضة) . والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على ذكر حكم الِاسْتِحَاضَة. ٣٢٧ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قالَ حَدَّثَنا مَعْنٌ قالَ حدَّثني ابنُ أَبي ذِئْبٍ عنِ ابْن شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ وَعَنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّ أمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رسولَ الله ﷺ عنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أنْ تَغْتَسِلَ فقالَ هَذَا عرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: الْحزَامِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي المخففة، سبق فِي أول كتاب الْعلم، ونسبته إِلَى حزَام أحد الأجداد المنتسب إِلَيْهِ الثَّانِي: معن بن عِيسَى الْقَزاز، بتَشْديد الزَّاي الأولى، مر فِي بَاب: مَا يَقع من النَّجَاسَات فِي السّمن. الثَّالِث: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمر فِي بَاب حفظ الْعلم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير. السَّادِس: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد الْأَنْصَارِيَّة الثِّقَة الْحجَّة العالمة، مَاتَت سنة ثَمَان وَتِسْعين. السَّابِع: عَائِشَة الصديقة، ﵂. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون، وَفِي رِوَايَة ابْن شهَاب: عَن عُرْوَة وَعَن عمْرَة، بواو الْعَطف كِلَاهُمَا عَن عَائِشَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت وَابْن عَسَاكِر: عَن عُرْوَة عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، بِحَذْف الْوَاو، وَالْمَحْفُوظ إِثْبَات الْوَاو، وَأَن ابْن شهَاب رَوَاهُ عَن شيخين: عُرْوَة وَعمرَة كِلَاهُمَا عَن عَائِشَة. وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره من طرق عَن ابْن أبي ذِئْب. وَكَذَا أخرجه من طَرِيق عَمْرو بن الْحَارِث وَأَبُو دَاوُد من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ وَعَن عُرْوَة وَعمرَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق

стр. 937

اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة وَحده، وَكَذَا من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد، وَأَبُو دَاوُد من طَرِيق يُونُس، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ عَن عمْرَة وَحدهَا. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ صَحِيح من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عمْرَة جَمِيعًا. ذكر من أخرجه غَيره: قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا حَدِيث أخرجه السِّتَّة فِي كتبهمْ. قلت: أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح. وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن يزِيد بن خَالِد بن موهب، ثَلَاثَتهمْ عَن لَيْث بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة وَعمرَة عَن عَائِشَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن عَطاء عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمسَيبِي عَن أَبِيه عَن ابْن أبي ذِئْب بِهِ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة اللؤْلُؤِي عَن أبي دَاوُد. وَقَالَ أَبُو الْحسن بن العَبْد وَأَبُو بكر بن داسة وَغير وَاحِد عَن أبي دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَن عُرْوَة وَعَن عمْرَة عَن عَائِشَة. ذكر مَا فِيهِ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ من الْفَوَائِد: قَوْلهَا: (أَن أم حَبِيبَة) هِيَ: بنت جحش أُخْت زَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ، وَهِي مَشْهُورَة بكنيتها. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَالْحَرْبِيّ: اسْمهَا حَبِيبَة، وكنيتها أم حبيب بِغَيْر هَاء، وَرجحه الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة: أم حَبِيبَة، بِإِثْبَات الْهَاء، وَكَانَت زوج عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا ثَبت عِنْد مُسلم من رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث، وَوَقع فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة (أَن زَيْنَب بنت جحش الَّتِي كَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَانَت تستحاض) ، الحَدِيث، فَقيل: هُوَ وهم، وَقيل: بل صَوَاب، وَإِن اسْمهَا زَيْنَب وكنيتها أم حَبِيبَة. وَأما كَون اسْم أُخْتهَا أم الْمُؤمنِينَ زَيْنَب فَإِنَّهُ لم يكن اسْمهَا الْأَصْلِيّ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمهَا برة فَغَيره النَّبِي ﷺ ، فَلَعَلَّهُ سَمَّاهَا باسم اختها لكَون أُخْتهَا غلبت عَلَيْهَا الكنية، فأمن اللّبْس، وَلها أُخْت أُخْرَى اسْمهَا: حمْنَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره نون، وَهِي إِحْدَى المستحاضات، وَفِي كتاب ابْن الْأَثِير: روى ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عمْرَة عَن عَائِشَة أَن أم حَبِيبَة أَو حبيب، وَعند ابْن عبد الْبر: أَكْثَرهم يسقطون الْهَاء، يَقُولُونَ: أم حبيب، وَأهل السّير يَقُولُونَ: الْمُسْتَحَاضَة حمْنَة، وَالصَّحِيح عِنْد أهل الحَدِيث أَنَّهُمَا كَانَتَا مستحاضتان جَمِيعًا. وَقيل: إِن زَيْنَب أَيْضا استحيضت، وَلَا يَصح. قَوْله: (سبع سِنِين) هُوَ جمع للسّنة على سَبِيل الشذوذ من وَجْهَيْن: الأول: أَن شَرط جمع السَّلامَة أَن يكون مفرده مذكرا عَاقِلا، وَلَيْسَت كَذَلِك. وَالْآخر: كسر أَوله وَالْقِيَاس فَتحه. قَوْله: (فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل) أَي: بِأَن تَغْتَسِل، وَأَن، مَصْدَرِيَّة. وَالتَّقْدِير: فَأمرهَا بالاغتسال. وَفِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي: [حم (فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل وَتصلي) [/ حم، ثمَّ إِن هَذَا الْأَمر بالاغتسال مُطلق يحْتَمل الْأَمر بالاغتسال لكل صَلَاة، وَيحْتَمل الِاغْتِسَال فِي الْجُمْلَة. وَعَن أبي دَاوُد رِوَايَة تدل على الِاغْتِسَال لكل صَلَاة، وَهِي: حَدثنَا هناد بن السّري عَن عَبدة عَن ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن أم حَبِيبَة بنت جحش استحيضت فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، فَأمرهَا بِالْغسْلِ لكل صَلَاة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ غلط لمخالفتها سَائِر الرِّوَايَات عَن الزُّهْرِيّ، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِن كَانَ هَذَا مُخَالفَة التّرْك فَلَا تنَاقض، وَإِن كَانَ هَذَا مُخَالفَة التَّعَارُض فَلَيْسَ كَذَلِك، إِذْ الْأَكْثَر فِيهِ السُّكُوت عَن أَمر النَّبِي ﷺ لَهَا بِالْغسْلِ عِنْد كل صَلَاة، وَفِي بَعْضهَا أَنَّهَا فعلته هِيَ. قلت: قد تَابع ابْن إِسْحَاق سُلَيْمَان بن كثير، قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ وَلم أسمعهُ مِنْهُ، عَن سُلَيْمَان بن كثير عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: (استحيضت زَيْنَب بنت جحش، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اغْتَسِلِي لكل صَلَاة) وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ عبد الصَّمد عَن سُلَيْمَان بن كثير، قَالَ: (توضئي لكل صَلَاة) ، ثمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا وهم من عبد الصَّمد، وَالْقَوْل فِيهِ قَول أبي الْوَلِيد، يَعْنِي قَوْله: توضئي لكل صَلَاة، وهم من عبد الصَّمد. قلت: ذكر هَذَا فِي حَدِيث حَمَّاد أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن ماجة. وَقَالَ مُسلم فِي (صَحِيحه) : وَفِي حَدِيث حَمَّاد بن زيد حرف تَرَكْنَاهُ، وَهِي: (توضئي لكل صَلَاة) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: وأسقطها مُسلم لِأَنَّهَا مِمَّا انْفَرد بِهِ حَمَّاد. قُلْنَا: لم ينْفَرد بِهِ حَمَّاد عَن هِشَام، بل رَوَاهُ عَنهُ أَبُو عوَانَة، أخرجه الطَّحَاوِيّ فِي كتاب (الرَّد على الْكَرَابِيسِي) من طَرِيقه بِسَنَد جيد، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا حَمَّاد بن سَلمَة، أخرجه الدَّارمِيّ من طَرِيقه، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا أَبُو حنيفَة. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيق أبي نعيم وَعبد الله بن يزِيد الْمقري عَن أبي حنيفَة عَن هِشَام. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من طَرِيق وَكِيع وَعَبدَة وَأبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام، وَقَالَ فِي آخِره: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة فِي حَدِيثه: (توضئي لكل صَلَاة) ، وَقد جَاءَ الْأَمر أَيْضا بِالْوضُوءِ فِيمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب الْمُسْتَحَاضَة إِذا كَانَت مُمَيزَة من حَدِيث مُحَمَّد بن عمر عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش إِلَى آخِره،

стр. 938

على أَن حَمَّاد بن زيد لَو انْفَرد بذلك لَكَانَ كَافِيا لِثِقَتِهِ وَحفظه، لَا سِيمَا فِي هِشَام، وَلَيْسَ هَذَا بمخالفة، بل زِيَادَة ثِقَة وَهِي مَقْبُولَة لَا سِيمَا من مثله. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَقَوله (فَكَانَت تَغْتَسِل لكل صَلَاة) قيل: هُوَ من قَول الرَّاوِي وَمَعْنَاهُ: تَغْتَسِل من الدَّم الَّذِي كَانَ يُصِيب الْفرج، إِذْ الْمَشْهُور من مَذْهَب عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا كَانَت لَا ترى الْغسْل لكل صَلَاة، يدل على صِحَة هَذَا قَوْله ﷺ : (هَذَا عرق) ، لِأَن دم الْعرق لَا يُوجب غسلا. وَقيل: إِن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ بِحَدِيث فَاطِمَة، لِأَن عَائِشَة أفتت بِحَدِيث فَاطِمَة بعد النَّبِي ﷺ وخالفت حَدِيث أم حَبِيبَة، وَلِهَذَا إِن أَبَا مُحَمَّد الأشبيلي قَالَ: حَدِيث فَاطِمَة أصح حَدِيث يرْوى فِي الِاسْتِحَاضَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِنَّمَا أمرهَا ﷺ أَن تَغْتَسِل وَتصلي، وَإِنَّمَا كَانَت تَغْتَسِل لكل صَلَاة تَطَوّعا. وَكَذَا قَالَ اللَّيْث بن سعد فِي رِوَايَته عِنْد مُسلم: لم يذكر ابْن شهَاب أَنه ﷺ أمرهاأن تَغْتَسِل لكل صَلَاة، وَلكنه شَيْء فعلته هِيَ، وَإِلَى هَذَا ذهب الْجُمْهُور، قَالُوا: لَا يجب على الْمُسْتَحَاضَة الْغسْل لكل صَلَاة، لَكِن يجب عَلَيْهَا الْوضُوء إلاّ الْمُتَحَيِّرَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الْخَبَر مُخْتَصر لَيْسَ فِيهِ ذكر حَال هَذِه الْمَرْأَة وَلَا بَيَان أمرهَا، وَكَيْفِيَّة شَأْنهَا، وَلَيْسَ كل مُسْتَحَاضَة يجب عَلَيْهَا الِاغْتِسَال لكل صَلَاة، وَإِنَّمَا هِيَ فِيمَن تبتلى وَهِي لَا تميز دَمهَا، أَو كَانَت لَهَا أَيَّام فنسيتها وموضعها ووقتها وعددها، فَإِذا كَانَت كَذَلِك فَإِنَّهَا لَا تدع شَيْئا من الصَّلَاة، وَكَانَ عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل عِنْد كل صَلَاة، لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون ذَلِك الْوَقْت قد صَادف زمَان انْقِطَاع دَمهَا، فالغسل عَلَيْهَا عِنْد ذَلِك وَاجِب. ٢٧ - (بابُ الْمَرأةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإفَاضَة) أَي: هَذَا فِي بَيَان حكم الْمَرْأَة الَّتِي تحيض بعد طواف الافاضة، وَهِي الَّتِي تسمى أَيْضا: طواف الزِّيَارَة، وَهُوَ من أَرْكَان الْحَج، يَعْنِي هَل تنفر وتترك طواف الْوَدَاع؟ فَالْجَوَاب: نعم تتْرك وتنفر. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق حكم الْمُسْتَحَاضَة، وَفِي هَذَا الْبَاب حكم الْحَائِض، فالحيض والاستحاضة من وادٍ وَاحِد. ٣٢٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبَرَنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرٍ وبن حَزْمٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ عائشةَ زَوْجِ النَّبي ﷺ انهَا قالتْ لِرَسولِ الله ﷺ يَا رَسُول الله إنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ قالَ رَسولُ الله ﷺ لَعَلَّهَا تَحْبسِنَاألَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ فقالُوا بَلَى قالَ فَاخْرُجِي. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أَن صَفِيَّة إِنَّمَا حَاضَت بعد طواف الْإِفَاضَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس. الثَّالِث: عبد الله بن أبي بكر الْمدنِي الْأنْصَارِيّ، قَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدِيثه شِفَاء مر فِي بَاب الْوضُوء مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ. الرَّابِع: أَبوهُ أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو ابْن حزم، بِفَتْح الْهَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي، ولي الْقَضَاء والإمرة والموسم زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مر فِي بَاب كَيفَ يقبض الْعلم. الْخَامِس: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن، وَهِي الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب السَّابِق، وَعمرَة خَالَته الَّتِي تربت فِي حجر عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. السَّادِس: عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ . ذكر لطائف اسناده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وَصِيغَة الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون غير عبد الله فَإِنَّهُ مصري ثمَّ تنيسي: وَفِيه: رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين بعنعنة، وهم مَا بَين مَالك وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحَارِث بن مِسْكين، وَفِيه فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. ذكر بَقِيَّة الْكَلَام: قَوْله: (إِن صَفِيَّة) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت حييّ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وباليائين الأولى مَفْتُوحَة مُخَفّفَة، وَالثَّانيَِة مُشَدّدَة، ابْن أَخطب، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، النَّضْرِية، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، من بَنَات هَارُون

стр. 939

أخي مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، سباها النَّبِي، ﷺ ، عَام فتح خَيْبَر ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا، رُوِيَ لَهَا عشرَة أَحَادِيث، للْبُخَارِيّ وَاحِد مِنْهَا، مَاتَت سنة سِتِّينَ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة. قَالَه الواقديُّ: وَقَالَ غَيره مَاتَت فِي خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (لَعَلَّهَا تحسبنا) أَي: عَن الْخُرُوج من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى تطهر وَتَطوف بِالْبَيْتِ، وَلَعَلَّ، هَهُنَا لَيست للترجي، بل للاستفهام أَو للتردد أَو للظن وَمَا شاكله. قَوْله: (طافت) أَي طواف الرُّكْن، وَفِي بعض النّسخ: (أفاضت) ، أَي: طافت طواف الْإِفَاضَة، وَهُوَ طواف الرُّكْن، لِأَنَّهُ يُسمى طواف الْإِفَاضَة وَطواف الرُّكْن وَطواف الزِّيَارَة. قَوْله: (وَقَالُوا) ، أَي: النِّسَاء وَمن مَعَهُنَّ من الْمَحَارِم، وَكَذَا قَالَه بَعضهم، وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن فِيهِ تَغْلِيب الْإِنَاث على الذُّكُور. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي قَالَ: النَّاس، وإلَاّ فَحق السِّيَاق أَن يُقَال: فَقُلْنَ أَو فَقُلْنَا قلت: الْأَوْجه أَن يُقَال: قَالُوا، أَي الْحَاضِرُونَ هُنَاكَ، وَفِيهِمْ الرِّجَال وَالنِّسَاء. قَوْله: (قَالَ فاخرجي) أَي قَالَ النَّبِي ﷺ : أَخْرِجِي، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْإِفْرَادِ فِي الْخطاب، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (فاخرجن) ، بِصِيغَة الْجمع للإناث. أما الْوَجْه الأول فَفِيهِ الِالْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب، يَعْنِي قَالَ لصفية مُخَاطبا لَهَا: اخْرُجِي أَو يكون الْخطاب لعَائِشَة لِأَنَّهَا هِيَ القائلة لرَسُول الله ﷺ : إِن صَفِيَّة قد حَاضَت، فَقَالَ لَهَا: اخْرُجِي فَإِنَّهَا توافقك فِي الْخُرُوج، إِذْ لَا يجوز لَهَا تَأَخّر بعْدك، لِأَنَّهَا قد طافت طواف الرُّكْن وَلم يبْق عَلَيْهَا فرض. وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ: أَن يقدر فِي الْكَلَام شَيْء تَقْدِيره: قَالَ لعَائِشَة: قولي لَهَا اخْرُجِي. وَأما الْوَجْه الثَّانِي فعلى السِّيَاق. فَإِن قلت مَا الْفَاء فِي قَوْله: فاخرجي؟ قلت: فِيهِ أوجه: الأول: أَن يكون جَوَابا: لأما، مقدرَة، وَالتَّقْدِير: أما أَنْت فاخرجي كَمَا يخرج غَيْرك. وَالثَّانِي: يجوز أَن تكون زَائِدَة. وَالثَّالِث: يجوز أَن تكون عطفا على مُقَدّر تَقْدِيره: إعلمي أَن مَا عَلَيْك التَّأَخُّر، فاخرجي. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح صَحِيح مُسلم) فَفِي الحَدِيث دَلِيل لسُقُوط طواف الْوَدَاع عَن الْحَائِض، وَأَن طواف الْإِفَاضَة ركن لَا بُد مِنْهُ، وَأَنه لَا يسْقط عَن الْحَائِض وَلَا عَن غَيرهَا، وَأَن الْحَائِض تقيم لَهُ حَتَّى تطهر، فَإِن ذهبت إِلَى وطنها قبل طواف الْإِفَاضَة بقيت مُحرمَة. انْتهى. قلت: تبقى مُحرمَة أبدا حَتَّى تَطوف فِي حق الْجِمَاع مَعَ زَوجهَا، وَأما فِي حق غَيره فَتخرج عَن الْإِحْرَام. وَفِيه دَلِيل أَن الْحَائِض لَا تَطوف بِالْبَيْتِ، فَإِن هجمت وطافت وَهِي حَائِض فَفِيهِ تَفْصِيل: فَإِن كَانَت محدثة، وَكَانَ الطّواف طواف الْقدوم، فعلَيْهَا الصَّدَقَة عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي، لَا يعْتد بِهِ، وَإِن كَانَ طواف الرُّكْن فعلَيْهَا شَاة، وَإِن كَانَت حَائِضًا وَكَانَ الطّواف طواف الْقدوم فعلَيْهَا شَاة، وَإِن كَانَ طواف الرُّكْن فعلَيْهَا بَدَنَة، وَكَذَا حكم الْجنب من الرِّجَال وَالنِّسَاء. ٣٤ - (حَدثنَا مُعلى بن أَسد قَالَ حَدثنَا وهيب عَن عبد الله بن طَاوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ رخص للحائض أَن تنفر إِذا حَاضَت وَكَانَ ابْن عمر يَقُول فِي أول أمره إِنَّهَا لَا تنفر ثمَّ سمعته يَقُول تنفر إِن رَسُول الله ﷺ َ - رخص لَهُنَّ) ذكر هذَيْن الأثرين عَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم إيضاحا لِمَعْنى الحَدِيث السَّابِق وَمعلى بِضَم الْمِيم وَتَشْديد اللَّام ابْن أَسد مرادف اللَّيْث أَبُو الْهَيْثَم الْبَصْرِيّ مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ. ووهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد أثبت شُيُوخ الْبَصرِيين وَعبد الله بن طَاوس مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة قَالَ معمر مَا رَأَيْت ابْن فَقِيه مثل ابْن طَاوس وَأَبوهُ طَاوس بن كيسَان الْيَمَانِيّ الْحِمْيَرِي من أَبنَاء الْفرس كَانَ يعد الحَدِيث حرفا حرفا قَالَ عَمْرو بن دِينَار لَا تحسبن أحدا أصدق لهجة مِنْهُ مَاتَ سنة بضع عشرَة وَمِائَة قَوْله " رخص " بِلَفْظ الْمَجْهُول والرخصة حكم يثبت على خلاف الدَّلِيل لعذر (قلت) الرُّخْصَة حكم شرع تيسيرا لنا وَقيل هُوَ الْمَشْرُوع لعذر مَعَ قيام الْمحرم لَوْلَا الْعذر والعذر هُوَ وصف يطْرَأ على الْمُكَلف يُنَاسب التسهيل عَلَيْهِ قَوْله " أَن تنفر " بِكَسْر الْفَاء وَضمّهَا وَالْكَسْر أفْصح وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل رفع لِأَنَّهُ فَاعل نَاب عَن الْمَفْعُول وَالتَّقْدِير رخص لَهَا النفور أَي الرُّجُوع إِلَى وطنها قَوْله " وَكَانَ ابْن عمر يَقُول " هُوَ كَلَام طَاوس وَهُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الْمَذْكُور قَوْله " فِي أول أمره " يَعْنِي قبل وُقُوفه على الحَدِيث الْمَذْكُور قَوْله " لَا تنفر " بِمَعْنى لَا ترجع حَتَّى تَطوف طواف الْوَدَاع قَوْله " ثمَّ سمعته " أَي قَالَ طَاوس ثمَّ سَمِعت ابْن عمر يَقُول تنفر يَعْنِي ترجع بعد أَن

стр. 940

طَاف طواف الرُّكْن أَرَادَ أَنه رَجَعَ عَن تِلْكَ الْفَتْوَى الَّتِي كَانَ يفتيها أَولا إِلَى خلَافهَا قَوْله " أَن رَسُول الله ﷺ َ - " من كَلَام ابْن عمر فِي مقَام التَّعْلِيل لرجوعه عَن فتواه الأولى وَذَلِكَ أَنه لما لم يبلغهُ الحَدِيث أفتى بِاجْتِهَادِهِ ثمَّ لما بلغه رَجَعَ عَنهُ أَو كَانَ وقف عَلَيْهِ أَولا ثمَّ نَسيَه ثمَّ لما تذكره رَجَعَ إِلَيْهِ وَإِمَّا أَنه سمع ذَلِك من صَحَابِيّ آخر رَوَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ َ - فَرجع إِلَيْهِ قَوْله " رخص لَهُنَّ " أَي للحائض وَإِنَّمَا جمع نظرا إِلَى الْجِنْس ٢٨ - (بابٌ إذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْمُسْتَحَاضَة إِذا رَأَتْ الطُّهْر بِأَن انْقَطع دَمهَا تغسل وَتصلي وَلَو كَانَ ذَلِك الطُّهْر سَاعَة، هَذَا هُوَ الْمَعْنى الَّذِي قَصده البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ذكره الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس على مَا يذكر الْآن، وَقَالَ بَعضهم: أَي تميز لَهَا دم الْعرق من دم الْحيض، فَسمى الِاسْتِحَاضَة طهرا لِأَنَّهُ كَذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى زمن الْحيض، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ انْقِطَاع الدَّم، وَالْأول أوفق للسياق انْتهى. قلت: فِيهِ خدش من وُجُوه: الأول: أَن كَلَامه يدل على أَن دَمهَا مُسْتَمر، وَلَكِن لَهَا أَن تميز بَين دم الْعرق وَدم الْحيض، والترجمة لَيست كَذَلِك، فَإِنَّهُ نَص فِيهَا على الطُّهْر وَحَقِيقَته الِانْقِطَاع عَن الْحيض. وَالثَّانِي: أَنه يَقُول: فَسمى دم الِاسْتِحَاضَة طهرا، وَهَذَا مجَاز، وَلَا دَاعِي لَهُ وَلَا فَائِدَة. وَالثَّالِث: أَنه يَقُول: إِن الاول أوفق للسياق، وَهَذَا عكس مَا قَصده البُخَارِيّ، بل الأوفق للسياق مَا ذَكرْنَاهُ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةً وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إذَا صَلَّتْ. الصَّلَاةُ أعظَمُ هَذَا الْأَثر طبق التَّرْجَمَة، وَمُرَاد البُخَارِيّ من التَّرْجَمَة مَضْمُون هَذَا، وَعَن هَذَا قَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ إِذا رَأَتْ الطُّهْر سَاعَة ثمَّ عاودها دم فَإِنَّهَا تَغْتَسِل وَتصلي، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن خَالِد عَن أنس بن سِيرِين عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وَالْقَائِل الْمَذْكُور آنِفا كَأَنَّهُ اشْتبهَ حَيْثُ قَالَ عقيب هَذَا الْكَلَام: وَهَذَا مُوَافق للاحتمال الْمَذْكُور أَولا. قَوْله: (تَغْتَسِل) مَعْنَاهُ الْمُسْتَحَاضَة إِذا رَأَتْ طهرا تَغْتَسِل وَتصلي وَلَو كَانَ ذَاك الطُّهْر سَاعَة. وَفِي بعض النّسخ: (وَلَو سَاعَة من نَهَار) ، وَمن هَذَا يعلم أَن أقل الطُّهْر سَاعَة عِنْد ابْن عَبَّاس، وَعند جُمْهُور الْفُقَهَاء أقل الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ذكر أَبُو ثَوْر أَن ذَلِك لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِيمَا نعلم، وَفِي (الْمُهَذّب) : لَا أعرف فِيهِ خلافًا. وَقَالَ الْمحَامِلِي: أقل الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا بِالْإِجْمَاع، وَنَحْوه فِي (التَّهْذِيب) . وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: أجمع النَّاس على أَن أقل الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: دَعْوَى الْإِجْمَاع غير صَحِيح، لِأَن الْخلاف فِيهِ مَشْهُور، فَإِن أَحْمد وَإِسْحَاق أنكرا التَّحْدِيد فِي الطُّهْر، فَقَالَ أَحْمد: الطُّهْر بَين الحيضتين على مَا يكون، وَقَالَ إِسْحَاق توقيفهم الطُّهْر بِخَمْسَة عشر غير صَحِيح، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أما أقل الطُّهْر فقد اضْطربَ فِيهِ قَول مَالك وَأَصْحَابه، فروى ابْن الْقَاسِم عَنهُ عشرَة أَيَّام، وروى سَحْنُون عَنهُ ثَمَانِيَة أَيَّام، وَقَالَ عبد الْملك بن الْمَاجشون: أقل الطُّهْر خَمْسَة أَيَّام، وَرَوَاهُ عَن مَالك ﵀. قَوْله: (ويأتيها زَوجهَا) أَي: يَأْتِي الْمُسْتَحَاضَة زَوجهَا يَعْنِي: يَطَؤُهَا، وَبِه قَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء وَعَامة الْعلمَاء وَمنع من ذَلِك قوم، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (الْمُسْتَحَاضَة لَا يَأْتِيهَا زَوجهَا) . وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحكم وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: (إِنَّمَا سمعنَا بِالرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاة، وَحجَّة الْجَمَاعَة أَن دم الِاسْتِحَاضَة لَيْسَ بأذى يمْنَع الصَّلَاة وَالصَّوْم، فَوَجَبَ أَن لَا يمْنَع الْوَطْء، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من حَدِيث عِكْرِمَة، قَالَ: (كَانَت أم حَبِيبَة تستحاض وَكَانَ زَوجهَا يَغْشَاهَا) . أَي: يُجَامِعهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن عِكْرِمَة عَن حمْنَة بنت جحش: (أَنَّهَا كَانَت مُسْتَحَاضَة، وَكَانَ زَوجهَا يُجَامِعهَا) . وَقَالَ الْحَافِظ ركن الدّين: فِي سَماع عِكْرِمَة عَن أم حَبِيبَة وَحمْنَة نظر، وَلَيْسَ فيهمَا مَا يدل على سَمَاعه مِنْهُمَا. قَوْله: (إِذا صلت) ، لَيْسَ لَهُ تعلق بقوله: (ويأتيها زَوجهَا) ، بل هِيَ جملَة مُسْتَقلَّة ابتدائية جزائية، وَفِي جوابها وَجْهَان: الأول: على قَول الْكُوفِيّين: جوابها مَا تقدمها، وَهُوَ قَوْله: (تَغْتَسِل وَتصلي) ، وَالتَّقْدِير على قَوْلهم: الْمُسْتَحَاضَة إِذا صلت يَعْنِي إِذا أَرَادَت الصَّلَاة تَغْتَسِل وَتصلي. الْوَجْه الثَّانِي: على قَول الْبَصرِيين: إِن الْجَواب مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا صلت تَغْتَسِل وَتصلي. قَوْله: (الصَّلَاة أعظم) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، كَأَنَّهَا جَوَاب على سُؤال مُقَدّر بِأَن يُقَال: كَيفَ يَأْتِي الْمُسْتَحَاضَة زَوجهَا؟ فَقَالَ: الصَّلَاة أعظم، أَي: أعظم من الْوَطْء. فَإِذا جَازَ لَهَا الصَّلَاة الَّتِي هِيَ أعظم، فالوطء بطرِيق الأولى. وَقَالَ بَعضهم قَوْله: (الصَّلَاة

стр. 941

أعظم) الظَّاهِر أَن هَذَا بحث من البُخَارِيّ، وَأَرَادَ بِهِ بَيَان الْمُلَازمَة أَي: إِذا جَازَت الصَّلَاة فجواز الْوَطْء أولى. قلت: قَوْله: وَأَرَادَ بِهِ بَيَان الْمُلَازمَة أَخذه من الْكرْمَانِي. ٣٣١ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ قالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ عُرْوةَ عنْ عائِشَةَ قالَتْ قالَ النبيُّ ﷺ إذَا أقْبَلتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وإذَا أدْبَرَتْ فاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وصَلِّي. وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى قَوْله: بَاب إِذا رَأَتْ الْمُسْتَحَاضَة الطُّهْر، بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِحَاضَة إِذا رَأَتْ الطُّهْر، كَمَا ذَكرْنَاهُ. والْحَدِيث دلّ على حكمهَا من وجوب الصَّلَاة عَلَيْهَا عِنْد إدبار الْحيض ورؤية الطُّهْر، والْحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش الْمُصَرّح فِيهِ بِأَمْر الْمُسْتَحَاضَة بِالصَّلَاةِ، وَقد تقدم فِي بَاب الْمُسْتَحَاضَة. وَزُهَيْر فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (فدعي) أَي: أتركي. ٢٩ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على النُّفَسَاء وَبَيَان سنتها. أَي: بَيَان سنة الصَّلَاة عَلَيْهَا. قَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ قصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَن النُّفَسَاء، وَإِن كَانَت لَا تصلي، إِن لَهَا حكم غَيرهَا من النِّسَاء، أَي: فِي طَهَارَة الْعين لصَلَاة النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا، قَالَ: وَفِيه رد على من زعم أَن ابْن آدم ينجس بِالْمَوْتِ، لِأَن النُّفَسَاء جمعت الْمَوْت وَحمل النَّجَاسَة بِالدَّمِ الملازم لَهَا، فَلَمَّا لم يَضرهَا ذَلِك كَانَ الْمَيِّت الَّذِي لَا يسيل مِنْهُ نَجَاسَة أولى. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ظن الشَّارِح أَرَادَ بِهِ ابْن بطال أَن مَقْصُود التَّرْجَمَة التَّنْبِيه على أَن النُّفَسَاء طَاهِرَة الْعين لَا نَجِسَة، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، صلى عَلَيْهَا، وَأوجب لَهَا بِصَلَاتِهِ حكم الطَّهَارَة، فيقاس الْمُؤمن الطَّاهِر مُطلقًا عَلَيْهَا فِي أَنه لَا ينجس، وَذَلِكَ كُله أَجْنَبِي عَن مَقْصُوده. وَالله أعلم. وَإِنَّمَا قصد أَنَّهَا، وَإِن ورد أَنَّهَا من الشُّهَدَاء، فَهِيَ مِمَّن يصلى عَلَيْهَا كَغَيْر الشُّهَدَاء، وَقَالَ ابْن رشيد: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يسْتَدلّ بِلَازِم من لَوَازِم الصَّلَاة، لِأَن الصَّلَاة اقْتَضَت أَن الْمُسْتَقْبل فِيهَا يَنْبَغِي أَن يكون مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ، فَلَمَّا صلى عَلَيْهَا، أَي إِلَيْهَا، لزم من ذَلِك القَوْل بِطَهَارَة عينهَا. قلت: كل هَذَا لَا يجدي، وَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالصَّوَاب من القَوْل فِي هَذَا: أَن هَذَا الْبَاب لَا دخل لَهُ فِي كتاب الْحيض، ومورده فِي كتاب الْجَنَائِز، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ لَهُ مُنَاسبَة أصلا بِالْبَابِ الَّذِي قبله، ورعاية الْمُنَاسبَة بَين الْأَبْوَاب مَطْلُوبَة، وَقَول ابْن بطال: إِن حكم النُّفَسَاء مثل حكم غَيرهَا من النِّسَاء فِي طَهَارَة الْعين لصَلَاة النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا مسَلَّم، وَلكنه لَا يلائم حَدِيث الْبَاب، فَإِن حَدِيث الْبَاب فِي أَن النَّبِي ﷺ صلى على النُّفَسَاء، وَقَامَ فِي وَسطهَا، وَلَيْسَ لهَذَا دخل فِي كتاب الْحيض. وَقَول ابْن الْمُنِير، أبعد من هَذَا، لِأَن مَظَنَّة مَا ذكره فِي بَاب الشَّهِيد، وَلَيْسَ لَهُ دخل فِي كتاب الْحيض. وَقَول ابْن رشيد أبعد من الْكل، لِأَنَّهُ ارْتكب أمورا غير موجهة. الأول: أَنه شَرط أَن يكون الْمُسْتَقْبل فِي الصَّلَاة طَاهِرا، فَهَذَا فرض أَو وَاجِب أَو سنة أَو مُسْتَحبّ؟ . وَالثَّانِي: ارْتكب مجَازًا من غير دَاع إِلَى ذَلِك. وَالثَّالِث: ادّعى الْمُلَازمَة، وَهِي غير صَحِيحَة على مَا لَا يخفى على المتأمل. ٣٦ - (حَدثنَا أَحْمد بن أبي سُرَيج قَالَ أخبرنَا شَبابَة قَالَ أخبرنَا شُعْبَة عَن حُسَيْن الْمعلم عَن ابْن بُرَيْدَة عَن سَمُرَة بن جُنْدُب أَن امْرَأَة مَاتَت فِي بطن فصلى عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ َ - فَقَامَ وَسطهَا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مَعَ وضع التَّرْجَمَة فِي غير موضعهَا كَمَا ذكرنَا. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول أَحْمد ابْن أبي سُرَيج أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ انْفَرد البُخَارِيّ بالرواية عَنهُ وَأَبُو سُرَيج اسْمه الصَّباح وَهُوَ بِضَم السِّين الْمُهْملَة وبالجيم الثَّانِي شَبابَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الباءين الموحدتين ابْن سوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو بالراء الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي المدايني وَأَصله من خُرَاسَان مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع حُسَيْن الْمعلم بِكَسْر اللَّام الْمكتب مر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يحب لِأَخِيهِ. الْخَامِس عبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة

стр. 942

وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة ابْن الْحصيب بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة الْأَسْلَمِيّ الْمروزِي التَّابِعِيّ الْمَشْهُور وَقَالَ الغساني قد صحف بَعضهم فَقَالَ هُوَ خصيب بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة. السَّادِس سَمُرَة بن جُنْدُب بِضَم الْجِيم وَفتح الدَّال وَضمّهَا ابْن هِلَال الْفَزارِيّ روى لَهُ مائَة حَدِيث وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ مِنْهَا أَرْبَعَة وَكَانَ زِيَاد اسْتَخْلَفَهُ على الْكُوفَة سِتَّة أشهر وعَلى الْبَصْرَة سِتَّة أشهر مَاتَ سنة تسع وَخمسين قَالَ الغساني وَمِنْهُم من يَقُول سَمُرَة بِسُكُون الْمِيم تَخْفِيفًا نَحْو عضد فِي عضد وَهِي لُغَة أهل الْحجاز وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ بضَمهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه الْأَخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين رازي ومدائني وبصري ومروزي (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن حجر وَعَن ابْن الْمثنى وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن سُوَيْد بن نصر وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي أُسَامَة عَن الْحُسَيْن بن ذكْوَان بِهِ (ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ) قَوْله " إِن امْرَأَة " هِيَ أم كَعْب سَمَّاهَا مُسلم فِي رِوَايَة من طَرِيق عبد الْوَارِث عَن حُسَيْن الْمعلم وَذكر أَبُو نعيم فِي الصَّحَابَة أَنَّهَا أنصارية قَوْله " مَاتَت فِي بطن " كلمة فِيهَا هُنَا للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله ﷺ َ - " إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها " وكما فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ وَالْمعْنَى مَاتَت لأجل مرض بطن كالاستسقاء وَنَحْوه وَلَكِن قَالَ ابْن الْأَثِير الْأَظْهر هَهُنَا أَنَّهَا مَاتَت فِي نِفَاس لِأَن البُخَارِيّ ترْجم عَلَيْهِ بقوله بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء وَقَالَ الْكرْمَانِي قَالَ التَّيْمِيّ قيل وهم البُخَارِيّ فِي هَذِه التَّرْجَمَة حَيْثُ ظن أَن المُرَاد بقوله " مَاتَت فِي بطن " مَاتَت فِي الْولادَة فَوضع الْبَاب على بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء وَمعنى مَاتَت فِي بطن مَاتَت مبطونة روى ذَلِك مُبينًا من غير هَذَا الْوَجْه ثمَّ قَالَ أَقُول لَيْسَ وهما لِأَنَّهُ قد جَاءَ صَرِيحًا فِي بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء إِذا مَاتَت فِي نفَاسهَا فِي كتاب الْجَنَائِز وَفِي بَاب أَيْن يقوم الإِمَام من الْمَرْأَة عَن سَمُرَة بن جُنْدُب قَالَ " صليت وَرَاء النَّبِي ﷺ َ - على امْرَأَة مَاتَت فِي نفَاسهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسطهَا " فالترجمة صَحِيحَة والموهم واهم انْتهى وَقَالَ بَعضهم قَوْله " مَاتَت فِي بطن " أَي بِسَبَب بطن يَعْنِي الْحمل ثمَّ قَالَ مَا قَالَه التَّيْمِيّ ثمَّ أجَاب عَنهُ بِمَا أجَاب بِهِ الْكرْمَانِي وَنسب الْجَواب إِلَى نَفسه بقوله قلت بل الموهم لَهُ واهم إِلَى آخر مَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت لقَائِل أَن يَقُول لم لَا يجوز أَن يكون من سَمُرَة حديثان أَحدهمَا فِي الَّتِي مَاتَت فِي بطن وَالْآخر فِي الَّتِي مَاتَت فِي نفَاسهَا وَيكون الْوَهم فِي اسْتِعْمَال معنى الحَدِيث الثَّانِي الَّذِي فِيهِ التَّصْرِيح بالنفاس فِي معنى الحَدِيث الأول الَّذِي فِيهِ التَّصْرِيح بالبطن قَوْله " فَقَامَ وَسطهَا " يَعْنِي قَامَ محاذيا لوسطها قد ذكرنَا الْفرق بَين الْوسط بِالسُّكُونِ وَبَين الْوسط بِالتَّحْرِيكِ وَجَاء هَهُنَا كِلَاهُمَا وَضَبطه ابْن التِّين بِفَتْح السِّين وَضَبطه غَيره بِالسُّكُونِ وَفِيه رِوَايَة الْكشميهني " فَقَامَ عِنْد وَسطهَا " فَمن اخْتَار الْفَتْح يَقُول أَنه اسْم وَمن اخْتَار السّكُون يَقُول أَنه ظرف وَلَا يُقَال بِالسُّكُونِ إِلَّا فِي متفرق الْأَجْزَاء كالناس وَالدَّوَاب وبالفتح فِيمَا كَانَ مُتَّصِل الْأَجْزَاء كَالدَّارِ (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) وَهُوَ أَن الإِمَام يقوم من الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا قَالَ الْخطابِيّ اخْتلفُوا فِي موقف الإِمَام من الْجِنَازَة فَقَالَ أَحْمد يقوم من الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا وَمن الرجل بحذاء صَدره وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي يقوم مِنْهُمَا بحذاء الصَّدْر وَفِي الْمُغنِي لَا يخْتَلف الْمَذْهَب فِي أَن السّنة أَن يقوم الإِمَام فِي صَلَاة الْجِنَازَة عِنْد صدر الرجل وَعند مَنْكِبَيْه وحذاء وسط الْمَرْأَة وروى حَرْب عَن ابْن حَنْبَل كَقَوْل أبي حنيفَة فَقَالَ رَأَيْت أَحْمد صلى على جَنَازَة فَقَامَ عِنْد صدر الْمَرْأَة وَفِي الْمَبْسُوط وَأحسن مَوَاقِف الإِمَام من الْمَيِّت بحذاء الصَّدْر قَالَ فِي جَوَامِع الْفِقْه هُوَ الْمُخْتَار وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يقوم بحذاء وسط الْمَرْأَة وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَفِي الْبَدَائِع وروى الْحسن عَنهُ فِي كتاب الصَّلَاة أَنه يقوم بحذاء وسط الرجل وَعند رَأس الْمَرْأَة قَالَ وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَفِي الْمَبْسُوط الصَّدْر هُوَ الْوسط فَإِن فَوْقه يَدَيْهِ وَرَأسه وَتَحْته بَطْنه وَرجلَيْهِ وَفِي التُّحْفَة والمفيد الْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الأَصْل وَغَيره أَنه يقوم من الرجل وَالْمَرْأَة

стр. 943

حذاء الصَّدْر وَعَن الْحسن بحذاء الْوسط مِنْهُمَا إِلَّا أَنه يكون فِي الْمَرْأَة إِلَى رَأسهَا أقرب وَعَن أبي يُوسُف أَنه يقف بحذاء الْوسط من الْمَرْأَة وحذاء الرَّأْس من الرجل ذكره فِي الْمُفِيد وَهُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة قَالَا يقوم مِنْهُمَا بحذاء صدرهما وَقَالَ مَالك يقوم من الرجل عِنْد وَسطه وَمن الْمَرْأَة عِنْد منكبيها إِذْ الْوُقُوف عِنْد أعالي الْمَرْأَة أمثل وَأسلم وَقَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ من الشَّافِعِيَّة يقوم الإِمَام عِنْد صَدره وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَقطع بِهِ السَّرخسِيّ قَالَ الصيدلاني وَهُوَ اخْتِيَار أَئِمَّتنَا وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَقَالَ أَصْحَابنَا البصريون يقوم عِنْد صَدره وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَقَالَ البغداديون عِنْد رَأسه وَقَالُوا لَيْسَ فِي ذَلِك نَص وَمِمَّنْ قَالَه الْمحَامِلِي فِي الْمَجْمُوع والتجريد وَصَاحب الْحَاوِي وَالْقَاضِي حُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ ٣٠ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب إِن قرىء بِالتَّنْوِينِ، وإلَاّ فبالسكون، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد العقد والتركيب، وَلما كَانَ حكم الحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب خلاف حكم حَدِيث الْبَاب الَّذِي قبله، فصل بَينهمَا بقوله: بَاب، وَلكنه مَا ترْجم لَهُ، وَهَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره لم يذكر لفظ بَاب، بل أَدخل حَدِيث مَيْمُونَة الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي قبله. وَوجه مُنَاسبَة ذكر حَدِيث مَيْمُونَة فِيهِ هُوَ التَّنْبِيه وَالْإِشَارَة إِلَى أَن عين الْحَائِض وَالنُّفَسَاء طَاهِرَة، لِأَن ثوب النَّبِي ﷺ كَانَ يُصِيب مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، إِذا سجد وَهِي حَائِض، وَلَا يضرّهُ ذَلِك، فَلذَلِك لم يكن يمْتَنع مِنْهُ ﷺ . ٣٣٣ - حدَّثنا الْحَسَنُ بنُ مُدْرِكٍ قالَ حدَّثنَا يَحْيَى بنُ حَمَّادٍ قالَ أخبرنَا أبُو عَوَانةَ اسْمُهُ الوَضَّاحُ مِنْ كِتَابِهِ قالَ أخبَرنا سُلَيمانُ الشَّيْبَانِيُّ عنْ عَبْدِ الله بنِ شَدَّادٍ قالَ سَمِعْتُ خالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ أنَّهَا كانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي وَهْيَ مُفْترِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رسولِ اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ إذَا سَجَدَ أصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ.. لم يذكر تَرْجَمَة لهَذَا الحَدِيث، لِأَنَّهُ ذكر قَوْله: بَاب، كَذَا مُجَردا، لِأَنَّهُ بِمَعْنى فصل، فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر شَيْء. وَأما على الرِّوَايَة الَّتِي لم يذكر فِيهَا لفظ بَاب فوجهه مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. ذكر رِجَاله وهم سنة: الأول: الْحسن بن مدرك، بِضَم الْمِيم من الْإِدْرَاك أَبُو عَليّ السدُوسِي الْحَافِظ الطَّحَّان الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: يحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ، ختن أبي عوَانَة، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين واسْمه الوضاح، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: سُلَيْمَان بن أبي سِنَان فَيْرُوز أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ. الْخَامِس: عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد، تقدم ذكره. السَّادِس: مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ ، وَهِي خَالَة عبد الله بن شَدَّاد، لِأَن أمه سلمى بنت عُمَيْس أُخْت لميمونة لأمها، أَي: أُخْت أَخِيهَا وَفِيه. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ قَوْله: أَبُو عوَانَة. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد، وَفِيه السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة البُخَارِيّ من صغَار شُيُوخه، وَهُوَ الْحسن الْمَذْكُور، وَالْبُخَارِيّ أقدم مِنْهُ سَمَاعا. وروى البُخَارِيّ عَن يحيى بن حَمَّاد أَيْضا شيخ الْحسن الْمَذْكُور، والنكتة فِيهِ أَن هَذَا الحَدِيث قد فَاتَ البُخَارِيّ عَن شَيْخه يحيى، فَرَوَاهُ عَن الْحسن لِأَنَّهُ عَارِف بِحَدِيث يحيى بن حَمَّاد، وَفِيه: الْإِشَارَة إِلَى أَن أَبَا عوَانَة حدث بِهَذَا الحَدِيث، من كِتَابه، تَقْوِيَة لما رُوِيَ عَنهُ، قَالَ أَحْمد: إِذا حدث أَبُو عوَانَة من كِتَابه فَهُوَ أثبت، وَإِذا حدث من غير كِتَابه رُبمَا وهم، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: أَبُو عوَانَة ثِقَة، إِذا حدث من الْكتاب، وَقَالَ ابْن مهْدي: كتاب أبي عوَانَة أثبت من هشيم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد، وَعَن عَمْرو بن زُرَارَة، وَعَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد بِهِ. وَأخرجه ابْن ماجة عَن ابْن أبي شيبَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (أَنَّهَا) ، أَي: أَن مَيْمُونَة. قَوْله: (كَانَت تكون) فِيهِ ثَلَاث أوجه: أَحدهَا: أَن يكون أحد لَفْظِي الْكَوْن زَائِدا كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: وجيران لنا كَانُوا كرام فَلفظ: كَانُوا، زَائِد، و: كرام، بِالْجَرِّ صفة: لجيران.

стр. 944

الثَّانِي: أَن يكون فِي: كَانَت، ضمير الْقِصَّة وَهُوَ اسْمهَا، وخبرها. قَوْله: (تكون حَائِضًا) فِي مَحل النصب. الثَّالِث: أَن يكون لفظ: تكون، بِمَعْنى: تصير، فِي مَحل النصب على أَنَّهَا إسم: كَانَت، وَيكون الضَّمِير فِي كَانَت رَاجعا إِلَى مَيْمُونَة، وَهُوَ اسْمهَا. وَقَوله: (حَائِضًا) يكون خبر تكون الَّتِي بِمَعْنى: تصير. قَوْله: (لَا تصلي) جملَة مُؤَكدَة. (لقَوْله حَائِضًا) وأعرب الْكرْمَانِي: لَا تصلي صفة لحائضا فِي وَجه، وَفِي وَجه أعربه حَالا. وأعرب: لَا تصلي خَبرا لكَانَتْ، وَالتَّحْقِيق مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَهِي مفترشة) جملَة إسمية وَقعت حَالا، يُقَال: افترش الشَّيْء، انبسط، وافترش ذِرَاعَيْهِ، بسطهما على الأَرْض. قَوْله: (بحذاء) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد بِمَعْنى: إزاء. قَوْله: (مَسْجِد رَسُول الله ﷺ أَي: مَوضِع سُجُوده فِي بَيته، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْمَسْجِد الْمَعْرُوف الْمَعْهُود. قَوْله: (على خمرته) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: وَهِي سجادة صَغِيرَة تعْمل من سعف النّخل، تنسج بالخيوط، وَسميت بذلك لسترها الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ من حر الأَرْض وبردها، وَإِذا كَانَت كَبِيرَة سميت حَصِيرا. قَوْله: (أصابني بعض ثَوْبه) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. فَإِن قلت: مَا محلهَا من الْإِعْرَاب؟ قلت: النصب على الْحَال، وَقد علمت أَن الْجُمْلَة الفعلية الْمَاضِيَة المثبتة إِذا وَقعت حَالا تكون بِلَا: وَاو، فَافْهَم. ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا على أَن الْحَائِض لَيست بنجسة لِأَنَّهَا لَو كَانَت نَجِسَة لما وَقع ثَوْبه ﷺ على مَيْمُونَة وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَذَلِكَ النُّفَسَاء. وَمِنْهَا: أَن الْحَائِض إِذا قربت من الْمُصَلِّي لَا يضر ذَلِك صلَاته. وَمِنْهَا: ترك الْحَائِض الصَّلَاة. وَمِنْهَا: جَوَاز الافتراش بحذاء الْمُصَلِّي. وَمِنْهَا: جَوَاز الصَّلَاة على الشَّيْء الْمُتَّخذ من سعف النّخل، سَوَاء كَانَ كَبِيرا أَو صَغِيرا، بل هَذَا أقرب إِلَى التَّوَاضُع والمسكنة، بِخِلَاف صَلَاة المتكبرين على سجاجيد مثمنة مُخْتَلفَة الألوان والقماش. وَمِنْهُم من ينسج لَهُ سجادة من حَرِير، فَالصَّلَاة عَلَيْهَا مَكْرُوهَة، وَإِن كَانَ دوس الْحَرِير جَائِزا، لِأَن فِيهِ زِيَادَة كبر وطغيان. كمل بعون الله تَعَالَى واعانته الْجُزْء الثَّالِث من (عُمْدَة الْقَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ للامام الْعَيْنِيّ، ويتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الرَّابِع ومطلعه كتاب التَّيَمُّم وفقنا الله لإكماله فَإِنَّهُ ولي التَّوْفِيق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 945

٧ - (كتاب التَّيَمُّم) الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: أَن قبله (بِسم االرحمن الرَّحِيم) فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بعده. وَتَقْدِيم الْبَسْمَلَة على الْكتاب ظَاهر للْحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَأما تَأْخِيرهَا عَن الْكتاب فوجهه أَن الْكتب الَّتِي فِيهَا التراجم مثل السُّور، حَتَّى يُقَال سُورَة كَذَا وَسورَة كَذَا، والبسملة تذكر بعْدهَا على رَأس الْأَحَادِيث، كَمَا تذكر على رُؤُوس الْآيَات ويستفتتح بهَا. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْكتاب وَالْكتاب الَّذِي قبله أَن الْمَذْكُور قبله أَحْكَام الْوضُوء بِالْمَاءِ، وَالْمَذْكُور هَهُنَا التَّيَمُّم، وَهُوَ خلف عَن المَاء، فيذكر الأَصْل أَولا ثمَّ يذكر الْخلف عَقِيبه. الثَّالِث: فِي إعرابه: وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا كتاب التَّيَمُّم، وَالْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى: فِي، أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام التَّيَمُّم، وَيجوز نصب الْكتاب بعامل مُقَدّر تَقْدِيره. خُذ، أَو: هاك كتاب التَّيَمُّم. الرَّابِع: فِي معنى التَّيَمُّم: وَهُوَ مصدر تيَمّم تيمماً من بَاب التفعل، وَأَصله من الْأُم وَهُوَ: الْقَصْد. يَقُول أمَّه يؤمه أما إِذا قَصده. وَذكر أَبُو مُحَمَّد فِي الْكتاب (الواعي) : يُقَال: أم وتأمم ويمم وَتيَمّم بِمَعْنى وَاحِد، وَالتَّيَمُّم أَصله من ذَلِك، لِأَنَّهُ يقْصد التُّرَاب فيتمسح بِهِ. وَفِي (الْجَامِع) عَن الْخَلِيل: التَّيَمُّم يجْرِي مجْرى التوخي تَقول: تيَمّم أطيب مَا عنْدك فأطعمنا مِنْهُ، أَي: توخاه. وَأَجَازَ أَن يكون التَّيَمُّم الْعمد وَالْقَصْد. وَهَذَا الِاسْم كثر حَتَّى صَار اسْما للتمسح بِالتُّرَابِ. قَالَ الْفراء: وَلم أسمع: يممت بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي (التَّهْذِيب) لأبي مَنْصُور: التَّيَمُّم التعمد، وَهُوَ مَا ذكره البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر عَن سُفْيَان. قلت: التَّيَمُّم فِي اللُّغَة: مُطلق الْقَصْد، قَالَ الشَّاعِر: (وَلَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا ... أُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني؟) وَفِي الشَّرْع: قصد الصَّعِيد الطَّاهِر واستعماله بِصفة مَخْصُوصَة، وَهُوَ مسح الْيَدَيْنِ وَالْوَجْه لاستباحة الصَّلَاة وامتثال الْأَمر. الْخَامِس: الأَصْل فِيهِ الْكتاب، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) وَالسّنة وَهِي أَحَادِيث الْبَاب وَغَيره، وَالْإِجْمَاع على جَوَازه للمحدث وَفِي الْجَنَابَة أَيْضا، وَخَالف فِيهِ عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود وَالنَّخَعِيّ وَالْأسود كَمَا نَقله ابْن حزم، وَقد ذكرُوا رجوعهم عَن هَذَا. السَّادِس: أَن التَّيَمُّم فَضِيلَة خصت بهَا هَذِه الْأمة دون غَيرهَا من الْأُمَم. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمُّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكمْ مِنْهُ﴾ (الْمَائِدَة: ٦) . وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: قَول ا، بِلَا: وَاو، فوجهه أَن يكون مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: ﴿فَلم تَجدوا﴾ (النِّسَاء: ٣٦، الْمَائِدَة: ٦) ، وَالْمعْنَى: قَول فِي شَأْن التَّيَمُّم هَذِه الْآيَة، وَفِي رِوَايَة غَيره؟ بواو الْعَطف على كتاب التَّيَمُّم، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان قَول الله تَعَالَى ﴿فَلم تَجدوا﴾ . وَقَالَ بَعضهم: الْوَاو استئنافية، وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن الِاسْتِئْنَاف جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر وَلَيْسَ لهَذَا مَحل هَهُنَا، فَإِن قَالَ: هَذَا الْقَائِل: مرادي الِاسْتِئْنَاف اللّغَوِيّ. قلت: هَذَا أَيْضا غير صَحِيح، لِأَن الِاسْتِئْنَاف فِي اللُّغَة الْإِعَادَة وَلَا مَحل لهَذَا الْمَعْنى هَهُنَا. فَافْهَم. قَوْله: (فَلم تَجدوا مَاء) الْقُرْآن هَكَذَا فِي سُورَة النِّسَاء والمائدة، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين على هَذَا وَهُوَ الصَّوَاب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وعبدوس والحموي وَالْمُسْتَمْلِي: (فَإِن لم تَجدوا) ، وَوَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى

стр. 946

عَنْهَا، فِي قصَّتهَا الْمَذْكُورَة. قَالَ: فَأنْزل اآية التَّيَمُّم: فَإِن لم ﴿تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَن هَذَا وهم من حَمَّاد أَو غَيره، أَو قِرَاءَة شَاذَّة لحماد. قَوْله: (صَعِيدا طيبا) أَي أَرضًا طَاهِرَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: الصَّعِيد وَجه الأَرْض، فعيل بِمَعْنى مفعول، أَي: مصعود عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ ابْن الْأَعرَابِي، وَكَذَلِكَ قَالَه الْخَلِيل وثعلب. وَفِي (الجمهرة) : وَهُوَ التُّرَاب الَّذِي لَا يخالطه رمل وَلَا سبخ، هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة. وَقيل: وَهُوَ الظَّاهِر من وَجه الأَرْض. وَقَالَ الزّجاج فِي (الْمعَانِي) : الصَّعِيد وَجه الأَرْض وَلَا تبالي أَكَانَ فِي الْموضع تُرَاب أم لم يكن، لِأَن الصَّعِيد لَيْسَ اسْما للتراب، إِنَّمَا هُوَ وَجه الأَرْض تُرَابا كَانَ أَو صخراً لَا تُرَاب عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتُصْبِح صَعِيدا زلقاً﴾ (الْكَهْف: ٠٤) فأعلمك أَن الصَّعِيد يكون زلقا. وَعَن قَتَادَة أَن الصَّعِيد: الأَرْض الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا وَلَا شجر، وَمعنى: طيبا طَاهِرا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: الطّيب النَّظِيف. وَقيل: الْحَلَال. وَقيل: الطّيب مَا تستطيبه النَّفس، وَأكْثر الْعلمَاء أَن مَعْنَاهُ: طَاهِرا قَوْله: (وَأَيْدِيكُمْ) إِلَى هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر بِدُونِ لَفْظَة: مِنْهُ. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: مِنْهُ، وَهِي تعين آيَة الْمَائِدَة دون آيَة النِّسَاء، لِأَن آيَة النِّسَاء لَيْسَ فِيهَا: مِنْهُ، وَلَفْظَة: مِنْهُ، فِي آيَة الْمَائِدَة. ٤٣٣١ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ قالَتْ خَرَجنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أسْفارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بالْبَيْدَاءِ أوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقامَ رسولُ اللَّهِصلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى الْتماسِهِ وَأقامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى ماءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلى أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فقالُوا ألَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عائشَةُ أقامَتْ بِرَسُولِ الله ﷺ والنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلى ماءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ وَاضِعٌ رَأسَهُ عَلَي فَخِذِي قَدْ نَامَ فقالَ حَبَسْتِ رسولَ الله والناسَ وَلَيْسُوا عَلَى ماءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ فقالَتْ عائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ وقالَ مَا شاءَ اللَّهُ أنْ يقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَاّ مَكانُ رَسولِ اللَّهِ علَى فَخِذِي فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ حِينَ أصبْحَ عَلَى غَيْرِ ماءٍ فأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فتيَمَّمُوا فقالَ أسَيْدُ بنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكمْ يَا آلَ أبِي بَكْرٍ قالَتْ فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأصَبْنَا العِقْدَ تحْتَهُ. (الحَدِيث ٤٣٣ أَطْرَافه فِي: ٦٣٣، ٢٧٦٣، ٣٧٧٣، ٣٨٥٤، ٧٠٦٤، ٨٠٦٤، ٤٦١٥، ٠٥٢٥، ٢٨٨٥، ٤٤٨٦، ٥٤٨٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أَشَارَ أَولا إِلَى مَشْرُوعِيَّة التَّيَمُّم بِالْكتاب، وَهُوَ الْآيَة الْمَذْكُورَة، ثمَّ بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا غير مرّة، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم هُوَ بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار وَكَذَلِكَ. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل، وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عبد ابْن يُوسُف، وَفِي فضل أبي بكر، رَضِي اعنه، عَن قُتَيْبَة، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي الْمُحَاربين عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة، أربعتهم عَن مَالك بِهِ. ذكر لغاته: قَوْله: (بِالْبَيْدَاءِ) قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: الْبَيْدَاء أدنى إِلَى مَكَّة من ذِي الحليفة، ثمَّ قَالَ: هُوَ السَّرف الَّذِي قدّام ذِي الحليفة من طَرِيق مَكَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْبَيْدَاء، بِفَتْح الْمُوَحدَة وبالمد، وَذَات الْجَيْش، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وبإعجام السِّين: موضعان بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة. وَكلمَة: أَو، للشَّكّ من عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا. قَوْله: (عقد لي) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْقَاف: وَهُوَ القلادة، وَهُوَ كل مَا يعْقد ويعلق فِي الْعُنُق. وَذكر السفاقسي أَن ثمنه كَانَ يَسِيرا. وَقيل: كَانَ ثمنه اثْنَا عشر درهما. قَوْله: (يطعنني)

стр. 947

، بِضَم الْعين، وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا هُوَ حسي. وَأما الْمَعْنَوِيّ فَيُقَال: يطعن بِالْفَتْح هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فيهمَا. وَحكي الْفَتْح فيهمَا مَعًا، كَذَا فِي (الْمطَالع) وَحكى صَاحب (الْجَامِع) الضَّم فيهمَا. قَوْله: (فِي خاصرتي) ، وَهِي الشاكلة. قَوْله: (بركتكم) ، الْبركَة: كَثْرَة الْخَيْر. قَوْله: (يَا آل أبي بكر) لفظ: آل، مقحمة وَأَرَادَ بِهِ: أَبَا بكر نَفسه وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَبَا بكر وَأَهله وَأَتْبَاعه، والآل: يسْتَعْمل فِي الْأَشْرَاف بِخِلَاف الْأَهْل. وَلَا يرد ﴿أَدخِلوا آل فِرْعَوْن﴾ (غَافِر: ٦٤) لِأَنَّهُ بِحَسب تصَوره ذكر ذَلِك أَو بطرق التهكم، وَيجوز فِيهِ: يال أبي بكر، بِحَذْف الْهمزَة للتَّخْفِيف. ذكر مَعَانِيه: قَوْله: (فِي بعض أَسْفَاره) قَالَ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) يُقَال: إِنَّه كَانَ فِي غَزْوَة بني المصطلق، وَجزم بذلك فِي كتاب (الاستذكار) ، وَورد ذَلِك عَن ابْن سعد وَابْن حبَان قبله، وغزوة بني المصطلق هِيَ: غَزْوَة الْمُريْسِيع الَّتِي كَانَ فِيهَا قصَّة الْإِفْك. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي حَدِيث الْإِفْك: (فَانْقَطع عقدٌ لَهَا من جزع ظفار، فحبس النَّاس ابتغاؤه) . وَقَالَ ابْن سعد: (خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُريْسِيع يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر شعْبَان سنة خمس) ، وَرجحه أَبُو عبد افي (الإكليل) وَقَالَ البُخَارِيّ: عَن ابْن إِسْحَاق سنة سِتّ، وَقَالَ عَن مُوسَى بن عقبَة سنة أَربع، وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَن ابْن حبيب قَالَ: سقط عقدهَا فِي السّنة الرَّابِعَة فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَفِي غَزْوَة بني المصطلق قصَّة الْإِفْك. قلت: يُعَارض هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَن الْإِفْك قبل التَّيَمُّم، فَقَالَ: حدّثنا الْقَاسِم عَن حَمَّاد. حدّثنا مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ حدّثنا سَلمَة بن الْفضل وَإِبْرَاهِيم بن الْمُخْتَار عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يحيى بن عباد عَن عبد ابْن الزبير عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (لما كَانَ من أَمر عقدي مَا كَانَ، وَقَالَ أهل الْإِفْك مَا قَالُوا، خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة أُخْرَى، فَسقط أَيْضا عقدي حَتَّى حبس النَّاس على التماسه، وطلع الْفجْر، فَلَقِيت من أبي بكر مَا شَاءَ ا، وَقَالَ: يَا بنية فِي كل سفر تكونين عناء وبلاء؟ لَيْسَ مَعَ النَّاس مَاء فَأنْزل االرخصة فِي التَّيَمُّم. فَقَالَ أَبُو بكر: إِنَّك مَا عملت لمباركة) . قلت: إِسْنَاده جيد حسن، وَادّعى بَعضهم تعدد السّفر بِرِوَايَة الطَّبَرَانِيّ هَذِه، ثمَّ إِن بعض الْمُتَأَخِّرين استبعد سُقُوط العقد فِي الْمُريْسِيع. قَالَ: لِأَن الْمُريْسِيع من نَاحيَة مَكَّة بَين قديد والساحل، وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت من نَاحيَة خَيْبَر، لقولها فِي الحَدِيث: (حَتَّى إِذا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَو بِذَات الْجَيْش) ، وهما بَين الْمَدِينَة وخيبر، كَمَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ، وَيرد هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ عَن أبي عبيد فِي فصل اللّعان، وَجزم أَيْضا ابْن التِّين أَن الْبَيْدَاء هِيَ ذُو الحليفة، وَقَالَ أَبُو عبيد أَيْضا: إِن ذَات الْجَيْش من الْمَدِينَة على بريد، قَالَ: وَبَينهَا وَبَين العقيق سَبْعَة أَمْيَال، والعقيق من طَرِيق مَكَّة لَا من طَرِيق خَيْبَر. وَيُؤَيّد هَذَا أَيْضا مَا رَوَاهُ الْحميدِي فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان: حدّثنا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: فِيهِ أَن القلادة سَقَطت لَيْلَة الْأَبْوَاء. انْتهى. والأبواء بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر فِي هَذَا الحَدِيث، عَن هِشَام قَالَ: وَكَانَ ذَلِك الْمَكَان يَقُول لَهُ: الصلصل: رَوَاهُ جَعْفَر الْفرْيَابِيّ فِي كتاب الطَّهَارَة لَهُ، وَابْن عبد الْبر من طَرِيقه، والصلصل. بصادين مهملتين ولامين أولاهما سَاكِنة. قَالَ الْبكْرِيّ: هُوَ جبل عِنْد ذِي الحليفة. وَذكره فِي حرف الصَّاد الْمُهْملَة، وَوهم فِيهِ صَاحب (التَّلْوِيح) مغلطاي، فَزعم أَنه بالضاد الْمُعْجَمَة، وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) ابْن الملقن، وَقَالَ صَاحب (الْعباب) : الصلصل مَوضِع على طَرِيق الْمَدِينَة، وصلصل مَاء قريب من الْيَمَامَة لبني العجلان، وصلصل مَاء فِي جَوف هضبة جراء، ودارة صلصل لبني عَمْرو بن كلاب، وَهِي بِأَعْلَى دارها، ذكر ذَلِك كُله فِي الصَّاد الْمُهْملَة. وَقَالَ فِي (الْمُعْجَمَة) : الضلضلة مَوضِع. قَوْله: (على التماسه) أَي: لأجل طلبه. قَوْله: (وَلَيْسَ مَعَهم مَاء) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَسَقَطت الْجُمْلَة الثَّانِيَة فِي الْموضع الأول فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (مَا صنعت عَائِشَة) أَي: من إِقَامَة رَسُول ا، وَالنَّاس اسندوا الْفِعْل إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ بِسَبَبِهَا. قَوْلهَا: (فعاتبني أَبُو بكر وَقَالَ مَا شَاءَ اأن يَقُول) . وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث: (فَقَالَ: حبست النَّاس فِي قلادة) أَي: لأَجلهَا. فَإِن قلت: لم تقل عَائِشَة: أبي، بل سمته باسمه. قلت: مقَام الْأُبُوَّة لما كَانَ يَقْتَضِي الحنو والشفقة، وعاتبها أَبُو بكر صَار مغايراً لذَلِك، فَلذَلِك أنزلته بِمَنْزِلَة الْأَجْنَبِيّ، فَلم تقل: أبي. قَوْله: (فَقَامَ رَسُول الله حِين أصبح) وَفِي رِوَايَة: (فَنَامَ حَتَّى أصبح) ، وَالْمعْنَى فيهمَا مُتَقَارب، لِأَن كلَاّ مِنْهُمَا يدل على أَن قِيَامه من نَومه كَانَ عِنْد الصُّبْح. وَيُقَال: لَيْسَ المُرَاد بقوله (حَتَّى أصبح) بَيَان غَايَة النّوم إِلَى الصَّباح، بل بَيَان غَايَة فقد المَاء إِلَى الصَّباح، لِأَنَّهُ قيد قَوْله: (حِين أصبح) بقوله (على غير مَاء) أَي: آل أمره إِلَى الصُّبْح على غير مَاء (قلت) قَوْله: على غير مَاء مُتَعَلق بقام وَأصْبح على طَريقَة بقوله تنَازع العاملين. وَأصْبح، بِمَعْنى: دخل فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة فَلَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (فَأنْزل اآية التَّيَمُّم) قَالَ ابْن

стр. 948

الْعَرَبِيّ: هَذِه معضلة مَا وجدت لدائها من دَوَاء، لأَنا لَا نعلم أَي الْآيَتَيْنِ عنت عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا. وَقَالَ ابْن بطال: هِيَ أَيَّة النِّسَاء وَآيَة الْمَائِدَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هِيَ آيَة النِّسَاء. لِأَن آيَة الْمَائِدَة تسمى: آيَة الْوضُوء، وَلَيْسَ فِي آيَة النِّسَاء ذكر الْوضُوء، وَأورد الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) هَذَا الحَدِيث عِنْد ذكر آيَة النِّسَاء أَيْضا. وَقَالَ السفاقسي، كلَاما طَويلا ملخصه: أَن الْوضُوء كَانَ لَازِما لَهُم، وَآيَة التَّيَمُّم، أما الْمَائِدَة أَو النِّسَاء، وهما مدنيتان، وَلم يكن صَلَاة قبلُ إلَاّ بِوضُوء، فَلَمَّا نزلت آيَة التَّيَمُّم لم يذكر الْوضُوء لكَونه مُتَقَدما متلواً، لِأَن حكم التَّيَمُّم هُوَ الطارىء على الْوضُوء. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون نزل أَولا أول الْآيَة، وَهُوَ فرض الْوضُوء، ثمَّ نزلت عِنْد هَذِه الْوَاقِعَة آيَة التَّيَمُّم وَهُوَ تَمام الْآيَة وَهُوَ: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى﴾ (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) وَيحْتَمل أَن يكون الْوضُوء كَانَ بِالسنةِ لَا بِالْقُرْآنِ، ثمَّ أنزلا مَعًا، فعبرته عَائِشَة بِالتَّيَمُّمِ إِذْ كَانَ هُوَ الْمَقْصُود. قلت: لَو وقف هَؤُلَاءِ على مَا ذكره أَبُو بكر الْحميدِي فِي جمعه فِي حَدِيث عَمْرو بن الْحَارِث عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا، فَذكر الحَدِيث، وَفِيه فَنزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٦) الْآيَة إِلَى قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ (الْمَائِدَة: ٦) لما احتاجوا إِلَى هَذَا التخرص، وَكَأن البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى هَذَا إِذْ تَلا بَقِيَّة هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة. قَوْله: (فَتَيَمَّمُوا) صِيغَة الْمَاضِي، أَي: فَتَيَمم النَّاس بعد نزُول الْآيَة وَهِي. قَوْله: (فَلم تَجدوا مَاء) وَالظَّاهِر أَنه صِيغَة الْأَمر على مَا هُوَ لفظ الْقُرْآن ذكره بَيَانا أَو بَدَلا عَن آيَة التَّيَمُّم، أَي: أنزل اتعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (الْمَائِدَة: ٦ النِّسَاء: ٣٦) . قَوْله: (فَقَالَ أسيد بن الْحضير) ، بِضَم الْهمزَة: مصغر أَسد، والحضير، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا بالنُّون، قَالَ: وَفِي بَعْضهَا: الْحضير، بِالْألف وَاللَّام. وَهُوَ نَحْو: الْحَارِث، من الْأَعْلَام الَّتِي تدْخلهَا لَام التَّعْرِيف جَوَازًا. قلت: إِنَّمَا يدْخلُونَهَا للمح الوصفية، وَأسيد بن حضير بن شمال الأوسي الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي، أَبُو يحيى، أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة الثَّانِيَة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة عشْرين، وَحمل عمر، رَضِي اعنه، جنَازَته من حملهَا وَصلى عَلَيْهِ وَدفن بِالبَقِيعِ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة عبد ابْن نمير عَن هِشَام: (فَبعث رجلا فَوَجَدَهَا) ، وَفِي رِوَايَة مَالك: (فَبَعَثنَا الْبَعِير فأصبنا العقد) ، وَبَينهمَا تضَاد. قلت: قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ بَينهمَا تنَاقض، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الْمَبْعُوث هُوَ أسيد بن حضير فَوَجَدَهَا بعد رُجُوعه من طلبَهَا، وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي وجدهَا عِنْد إثارة الْبَعِير بعد انصراف المبعوثين إِلَيْهَا، فَلَا يكون بَينهمَا تعَارض. انْتهى. قلت: هما وَاقِعَتَانِ كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي الرِّوَايَة الأولى: (عقد) ، وَفِي الْأُخْرَى: (قلادة) ، فَلَا تعَارض حينئذٍ، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: بعث رجلا، يَعْنِي أَمِيرا على جمَاعَة كعادته، فَعبر بعض الروَاة: بأناس، يَعْنِي أسيداً وَأَصْحَابه. وَبَعْضهمْ: برجلاً، يَعْنِي الْمشَار إِلَيْهِ، أَو يكون قَوْلهَا، فَوَجَدَهُ، تَعْنِي بذلك النَّبِي، لَا الرجل الْمَبْعُوث. فَإِن قلت: مَا معنى قَول أسيد مَا قَالَه دون غَيره؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ رَأس المبعوثين فِي طلب العقد الَّذِي ضَاعَ. قَوْله: (مَا هِيَ بِأول بركتكم) أَي: لَيْسَ هَذِه الْبركَة أول بركتكم، بل هِيَ مسبوقة بغَيْرهَا من البركات، والقرينة الحالية والمقالية تدلان على أَن قَوْله: (هِيَ) ، يرجع إِلَى الْبركَة وَإِن لم يمض ذكرهَا، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث: (لقد بَارك اللناس فِيكُم) ، وَفِي تَفْسِير إِسْحَاق البستي من طَرِيق ابْن أبي مليكَة عَنْهَا: (أَن النَّبِي، قَالَ لَهَا: مَا كَانَ أعظم بركَة قلادتك) . وَفِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: (فوا مَا نزل بك أَمر تكرهينه إلَاّ جعل اللمسلمين خيرا) . وَفِي النِّكَاح من هَذَا الْوَجْه: (إلَاّ جعل الك مِنْهُ مخرجا، وَجعل للْمُسلمين فِيهِ بركَة) ، وَهَذَا يشْعر بِأَن هَذِه الْقِصَّة كَانَت بعد قصَّة الْإِفْك، فيقوي قَول من ذهب إِلَى تعدد ضيَاع العقد، وَمِمَّنْ جزم بذلك مُحَمَّد بن حبيب الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: (سقط عقد عَائِشَة فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع وَفِي غَزْوَة بني المصطلق) ، وَقد اخْتلف أهل الْمَغَازِي فِي أَي هَاتين الغزوتين كَانَت أول، فَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانَت قصَّة التَّيَمُّم فِي غَزْوَة الْفَتْح، ثمَّ تردد فِي ذَلِك، وَقد روى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي اعنه، قَالَ: (لما نزلت آيَة التَّيَمُّم لم أدرِ كَيفَ أصنع) . الحَدِيث، فَهَذَا يدل على تأخرها عَن غَزْوَة بني المصطلق. لِأَن إِسْلَام أبي هُرَيْرَة كَانَ فِي السّنة السَّابِعَة، وَهِي بعْدهَا بِلَا خلاف، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي، إِن شَاءَ اتعالى، أَن البُخَارِيّ يرى أَن غَزْوَة ذَات الرّقاع كَانَت بعد قدوم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، وقدومه كَانَ وَقت إِسْلَام أبي هُرَيْرَة. وَمِمَّا يدل على تَأَخّر الْقِصَّة أَيْضا عَن قصَّة الْإِفْك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عباد بن عبد ابْن الزبير عَن عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا. وَتقدم ذكره عَن قريب. قَوْله: (فَبَعَثنَا الْبَعِير) أَي: أثرنا الْبَعِير الَّذِي كنت عَلَيْهِ حَالَة

стр. 949

السّير. قَوْله: (فأصبنا) أَي: وجدنَا، وَهَذَا يدل على أَن الَّذين توجهوا فِي طلبه أَولا لم يجدوه. فَإِن قلت: وَفِي رِوَايَة عُرْوَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: (فَبعث رَسُول ا، رجلا فَوَجَدَهَا) . أَي: القلادة. وللبخاري فِي فضل عَائِشَة من هَذَا الْوَجْه، وَكَذَا لمُسلم: (فَبعث نَاسا من الصَّحَابَة فِي طلبَهَا) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد (فَبعث أسيد بن حضير وناساً مَعَه) . قلت: الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات أَن أسيداً كَانَ رَأس من بعث لذَلِك، كَمَا ذكرنَا، فَلذَلِك سمي فِي بعض الرِّوَايَات دون غَيره، وَكَذَا أسْند الْفِعْل إِلَى وَاحِد مِنْهُم. وَهُوَ المُرَاد بِهِ، وَكَأَنَّهُم لم يَجدوا العقد أَولا، فَلَمَّا رجعُوا وَنزلت آيَة التَّيَمُّم، وَأَرَادُوا الرحيل وآثاروا الْبَعِير وجده أسيد بن حضير، فعلى هَذَا فَقَوله فِي رِوَايَة عُرْوَة الْآتِيَة: فَوَجَدَهَا أَي: بعد جَمِيع مَا تقدم من التفتيش وَغَيره، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن يكون فَاعل: وجدهَا، هُوَ النَّبِي، وَقد بَالغ الدَّاودِيّ فِي توهيم رِوَايَة عُرْوَة، وَنقل عَن إِسْمَاعِيل القَاضِي أَنه حمل الْوَهم فِيهَا على عبد ابْن نمير، وَقد بَان بذلك أَن لَا تخَالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا وهم. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث: (سَقَطت قلادة لي) ، وَفِي رِوَايَة عُرْوَة الْآتِيَة عَنْهَا: أَنَّهَا استعارت قلادة من أَسمَاء يَعْنِي أُخْتهَا فَهَلَكت، أَي: ضَاعَت، فَكيف التَّوْفِيق هَهُنَا؟ قلت: إِضَافَة القلادة إِلَى عَائِشَة لكَونهَا فِي يَدهَا وتصرفها، وَإِلَى أَسمَاء لكَونهَا ملكهَا لتصريح عَائِشَة بذلك فِي رِوَايَة عُرْوَة الْمَذْكُورَة. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام الأول: أَن بَعضهم اسْتدلَّ مِنْهُ على جَوَاز الْإِقَامَة فِي الْمَكَان الَّذِي لَا مَاء فِيهِ، وسلوك الطَّرِيق الَّذِي لَا مَاء فِيهَا، وَفِيه نظر، لِأَن الْمَدِينَة كَانَت قريبَة مِنْهُم وهم على قصد دُخُولهَا، وَيحْتَمل أَن النَّبِي لم يعلم بِعَدَمِ المَاء مَعَ الركب، وَإِن كَانَ قد علم بِأَن الْمَكَان لَا مَاء فِيهِ، وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (لَيْسَ مَعَهم مَاء) أَي: للْوُضُوء، وَأما مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ للشُّرْب فَيحْتَمل أَن يكون كَانَ مَعَهم. الثَّانِي: فِيهِ شكوى الْمَرْأَة إِلَى أَبِيهَا، وَإِن كَانَ لَهَا زوج، وَإِنَّمَا شكوا إِلَى أبي بكر، رَضِي اتعالى عَنهُ، لكَون النَّبِي كَانَ نَائِما، وَكَانُوا لَا يوقظونه، كَذَا قَالُوا. قلت: يجوز أَن تكون شكواهم إِلَى أبي بكر دون النَّبِي خوفًا على خاطر النَّبِي من تغيره عَلَيْهَا. الثَّالِث: فِيهِ نِسْبَة الْفِعْل إِلَى من كَانَ سَببا فِيهِ لقَولهم: أَلا ترى إِلَى مَا صنعت؟ يَعْنِي: عَائِشَة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز دُخُول الرجل على ابْنَته، وَإِن كَانَ زَوجهَا عِنْدهَا إِذا علم رِضَاهُ بذلك وَلم يكن حَالَة الْمُبَاشرَة. الْخَامِس: فِيهِ تَأْدِيب الرجل ابْنَته وَلَو كَانَت متزوجة كَبِيرَة خَارِجَة عَن بَيته، ويلتحق بذلك تَأْدِيب من لَهُ تأديبه وَإِن لم يَأْذَن لَهُ الإِمَام. السَّادِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الصَّبْر لمن ناله مَا يُوجب الْحَرَكَة إِذْ يحصل بِهِ التشويش لنائم، وَكَذَا الْمُصَلِّي أَو قارىء أَو مشتغل بِعلم أَو ذكر. السَّابِع: فِيهِ الِاسْتِدْلَال على الرُّخْصَة فِي ترك التَّهَجُّد فِي السّفر إِن ثَبت أَن التَّهَجُّد كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ. الثَّامِن: فِيهِ أَن طلب المَاء لَا يجب إلَاّ بعد دُخُول الْوَقْت، لقَوْله فِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث، بعد قَوْله: (وَحَضَرت الصَّلَاة فالتمس المَاء) . التَّاسِع: فِيهِ دَلِيل على أَن الْوضُوء كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ قبل نزُول آيَة الْوضُوء، وَلِهَذَا استعظموا نزولهم على غير مَاء، وَوَقع من أبي بكر فِي حق عَائِشَة مَا وَقع، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: مَعْلُوم عِنْد جَمِيع أهل الْمَغَازِي أَنه ﷺ لم يصلِّ مُنْذُ فرضت عَلَيْهِ الصَّلَاة إلَاّ بِوضُوء، وَلَا يدْفع ذَلِك إلَاّ جَاهِل أَو معاند. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، مَا الْحِكْمَة فِي نزُول آيَة الْوضُوء مَعَ تقدم الْعَمَل بِهِ. قلت: ليَكُون فَرْضه متلواً بالتنزيل، وَيحْتَمل أَن يكون أول آيَة الْوضُوء نزل قَدِيما فعملوا بِهِ، ثمَّ نزلت بقيتها وَهُوَ ذكر التَّيَمُّم فِي هَذِه الْقِصَّة، فإطلاق آيَة التَّيَمُّم على هَذَا من إِطْلَاق الْكل على الْبَعْض، لَكِن رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم فِي هَذَا الحَدِيث، فَنزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿تشكرون﴾ (الْمَائِدَة: ٦) تدل على أَن الْآيَة نزلت جَمِيعهَا فِي هَذِه الْقِصَّة، وَيُقَال: كَانَ الْوضُوء بِالسنةِ لَا بِالْقُرْآنِ أَولا. ثمَّ أنزلا مَعًا، فعبرت عَائِشَة بِالتَّيَمُّمِ إِذْ كَانَ هُوَ الْمَقْصُود. فَإِن قلت: ذكر الْحَافِظ فِي كتاب (الْبُرْهَان) أَن الأسلع الأعرجي الَّذِي كَانَ يرحل للنَّبِي ﷺ ، قَالَ للنَّبِي ﷺ يَوْمًا: إِنِّي جنب وَلَيْسَ عِنْدِي مَاء، فَأنْزل اآية التَّيَمُّم. قلت: هَذَا ضَعِيف، وَلَئِن صَحَّ فَجَوَابه يحْتَمل أَن يكون قَضِيَّة الأسلع وَاقعَة فِي قَضِيَّة سُقُوط العقد، لِأَنَّهُ كَانَ يخْدم النَّبِي، وَكَانَ صَاحب رَاحِلَته، فاتفق لَهُ هَذَا الْأَمر عِنْد وُقُوع قَضِيَّة سُقُوط العقد. الْعَاشِر: فِيهِ دَلِيل على وجوب النِّيَّة فِي التَّيَمُّم، لِأَن معنى: (تيمموا) اقصدوا، وَهُوَ قَول فُقَهَاء الْأَمْصَار إلَاّ الْأَوْزَاعِيّ وَزفر. الْحَادِي عشر: فِيهِ دَلِيل على أَنه يَسْتَوِي فِيهِ الصَّحِيح وَالْمَرِيض والمحدث وَالْجنب، وَلم يخْتَلف فِيهِ عُلَمَاء الْأَمْصَار بالحجاز وَالْعراق وَالشَّام والمشرق وَالْمغْرب، وَقد كَانَ عمر بن

стр. 950

الْخطاب وَابْن مَسْعُود رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، يَقُولَانِ: الْجنب لَا يطهره إلَاّ المَاء، لقَوْله : ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ (الْمَائِدَة: ٦) وَقَوله: ﴿وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا﴾ (النِّسَاء: ٣٤) وذهبا إِلَى أَن الْجنب لم يدْخل فِي الْمَعْنى المُرَاد بقوله: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) وَلم يتَعَلَّق بقولهمَا أحد من الْفُقَهَاء للأحاديث الثَّابِتَة الْوَارِدَة فِي تيَمّم الْجنب. الثَّانِي عشر: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز التَّيَمُّم فِي السّفر، وَهَذَا أَمر مجمع عَلَيْهِ، وَاخْتلفُوا فِي الْحَضَر، فَذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى أَن التَّيَمُّم فِي الْحَضَر وَالسّفر سَوَاء إِذا عدم المَاء أَو تعذر اسْتِعْمَاله لمَرض أَو خوف شَدِيد أَو خوف خُرُوج الْوَقْت، قَالَ أَبُو عمر: هَذَا كُله قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد؛ وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز للحاضر الصَّحِيح أَن يتَيَمَّم إلَاّ أَن يخَاف التّلف، وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ؛ وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَزفر: لَا يجوز التَّيَمُّم فِي الْحَضَر لَا لمَرض وَلَا لخوف خُرُوج الْوَقْت. وَقَالَ الشَّافِعِي أَيْضا. وَاللَّيْث والطبري: إِذا عدم المَاء فِي الْحَضَر مَعَ خوف فَوت الْوَقْت الصَّحِيح والسقيم يتَيَمَّم وَيُصلي وَيُعِيد. وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: لَا يتَيَمَّم الْمَرِيض إِذا وجد المَاء وَلَا غير الْمَرِيض. قلت: قَوْله: وَهَذَا كُله قَول أبي حنيفَة، غير صَحِيح، فَإِن عِنْده: لَا يجوز التَّيَمُّم لأجل خوف فَوت الْوَقْت. الثَّالِث عشر: فِيهِ جَوَاز السّفر بِالنسَاء فِي الْغَزَوَات وَغَيرهَا عِنْد الْأَمْن عَلَيْهِنَّ، فَإِذا كَانَ لوَاحِد نسَاء فَلهُ أَن يُسَافر مَعَ أيتهن شَاءَ، وَيسْتَحب أَن يقرع بَينهُنَّ، فَمن خرجت قرعتها أخرجهَا مَعَه؛ وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: الْقرعَة وَاجِبَة. الرَّابِع عشر: فِيهِ دَلِيل على حُرْمَة الْأَمْوَال الْحَلَال وَلَا يضيعها، وَإِن قلت: أَلَا ترى أَن العقد كَانَ ثمنه اثْنَي عشر دهماً؟ كَمَا ذَكرْنَاهُ. الْخَامِس عشر: فِيهِ جَوَاز حفظ الْأَمْوَال وَإِن أدّى إِلَى عدم المَاء فِي الْوَقْت. السَّادِس عشر: فِيهِ جَوَاز الِاسْتِعَارَة، وَجَوَاز السّفر بالعارية عِنْد إِذن صَاحبهَا. السَّابِع عشر: فِيهِ جَوَاز اتِّخَاذ النِّسَاء الْحلِيّ، وَاسْتِعْمَال القلادة تجملاً لِأَزْوَاجِهِنَّ. الثَّامِن عشر: فِيهِ جَوَاز وضع الرجل رَأسه على فَخذ امْرَأَته. التَّاسِع عشر: فِيهِ جَوَاز احْتِمَال الْمَشَقَّة لأجل الْمصلحَة، لقَوْل عَائِشَة رَضِي اعنها: (فَلَا يَمْنعنِي من التحرك إلَاّ مَكَان رَسُول الله ﷺ على فَخذي) . الْعشْرُونَ: فِيهِ دَلِيل على فَضِيلَة عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، وتكرر الْبركَة مِنْهَا. ٥٣٣ - ح دثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ قَالَ حدّثنا هُشَيمٌ ح قالَ وحدّثني سَعيدُ بنُ النَّضْرِ قالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرَنا سَيَّارٌ قَالَ حدّثنا يَزِيدُ هُوَ ابنُ صُهَيْبٍ الفَقِيرُ قالَ أخبرنَا جابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: ((أُعطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْر وجُعلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجداً وَطَهُوراً فَأَيُّما رَجلٍ مِنْ أمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِإَحَدٍ قَبْلِي وَأْعطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عامَّةً) . (الحَدِيث ٥٣٣ طرفاه فِي: ٨٣٤، ٢١٣) . مُنَاسبَة إِيرَاد هَذَا الحَدِيث ومطابقته للتَّرْجَمَة الْمُطلقَة فِي قَوْله: (وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا) . ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون: العوقي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْوَاو وبالقاف: الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ، مر فِي أول كتاب الْعلم، تفرد بِهِ البُخَارِيّ. الثَّانِي: هشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو مُعَاوِيَة الوَاسِطِيّ. قَالَ ابْن عون: مكث هشيم يُصَلِّي الْفجْر بِوضُوء عشَاء الْآخِرَة قبل أَن يَمُوت بِعشر سِنِين، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: سعيد بن النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ بساحل جيحون. الرَّابِع: سيار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: ابْن أبي سيار، ورد ان أَبُو الحكم، بِفَتْح الْكَاف: الوَاسِطِيّ، مَاتَ بواسط سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: يزِيد، من الزِّيَادَة: بن صُهَيْب مُصَغرًا مخففاً، الْفَقِير ضد الْغَنِيّ، أَبُو عُثْمَان الْكُوفِي، أحد مَشَايِخ الإِمَام أبي حنيفَة، رَضِي اتعالى عَنهُ، وَقيل لَهُ: الْفَقِير، لِأَنَّهُ كَانَ يشكو فقار ظَهره وَلم يكن فَقِيرا من المَال. وَفِي (الْمُحكم) : رجل فَقير: مكسور
следующие страницы →