Полный текст (130 стр.). Показаны 106–130 · переход к 111.
стр. 106
وتجاوز الحد في الكرم والإكرام. وعم بفضله البسيط وإحسانه الشامل، وآلى أن لا أرحل عن حيه مدة شهر كامل:
وحقق آمالي وقرب مجلسي ... وأرشفني كأس النوال مروقا
وقيدني بالمكرمات، أما ترى ... لساني له بالشكر أصبح مطلقا
ياله جواداً لا يلحق، وغيدقاً لا يطرق حين يطرق، وقلمساً بعيد المدى، وخضرماً تفيض أنديته بالندى، وصنديداً سخي البنان، وسميذعاً لا تبرح ربوعه ربيعاً للضيفان. وهماماً تهمي سحائب جوده، وأريحاً لم يزل مرتاحاً لملاقاة وفوده. يطوى حاتم الطائي عند نشره، ويفنى هرم بن سنان لبقاء شارح ذكره. ويطوف كعب بن مامة بكعبة حرمه، ويخلد به خالد القشري ليقتبس من كرمه وينقص لديه معن بن زائدة، ويلتقط يزيد بن الملهب في هلبة الزمان فرائده:
مفيد ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نارٍ عندها خير موقد
جزيل المروة شريف الأبوة. كريم النجار، جليل المقدار، علي الهمة، طليق الوجه عند الملمة، ويحرز المجد ويذهب الذهب، ويتبدئ بالإحسان إلى العفاة قبل الطلب. ظله ممدود، وجوده موجود، وفناؤه مقصود، وباب منزله عن الواردين غير مردود. يعطي من لا يرجوه، ويفصل قضية
стр. 107
المتقاضي وعده على أحسن الوجوه. كم أولى من أيادي، وأنجز إيعاد الأعادي، ومنح براً، وكف عن نزيله ضراً. وأجرى نيل النوال، وأماط عن المجتدي سوء السؤال:
علم المزن الندى حتى إذا ... ما حكا، علم البأس الأسد
فله الغيث مقر بالجدا ... وله الليث مقر بالجلد
ولقد شاهدت منه في مدة مقامي، يكبو دون منتهاه جواد كلامي، من كرم زهت كرومه، وشجاعة طال أسلها وزهت نجومه، ونعم تجل عن الحصر، ونجدة مؤذنة بالنصر، وسماحة وحماسة، وتدبير وسياسة، وثبات أقدام وصبر وإقدام، ولسان لذوي المسألة مجيب، وصدر لمن ورد وصدر رحيب. وهبات طاب هبوب نسيمها ومنح راقت جنات نعيمها، وسخاء بحره زائد، وصلة نفعها على من وصل إليه عائد، وأخلاق حسنة، ومناقب تقصر عن وصفها الألسنة:
وعدل أباح الشاء أتلعة الفلا ... تلس كلاها، والذئاب رعاء
وفضل حباه الله سبحانه به ... ولله وضع الفضل حيث يشاء
لله نسبه الذي علا على الفلك، وفتحت السعادة له الأبواب وقالت هيت لك، وبيته الذي رفع المجد قواعده، وأطلع الرفد في آفاق الإنفاق موائده، وقومه الذين زكت نفوسهم، وأينعت في حدائق العطايا غروسهم، وملكوا أعنة المعالي، ورفعوا خيام
стр. 108
خيمهم بأطراف العوالي، يسير الفخر تحت ألويتهم، وتتعطر المجالس بطيب أنديتهم. يقتحمون عتبة الوغى صابرين على الطعن والضرب، ويفضلون مقارعة كماة الحرب، على معاقرة كميت الشرب.
طالما كفوا أكف العدى، ووجد أبناء السرى على نارهم هدى، وشتتوا شمل الأبطال، وجروا على تاج المجرة فضل الأذيال:
إن ترد خبر حالهم عن يقين ... فأتهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار الذ ... قع خضر الأكناف حمر النصال
وبعد فمحاسنه لا تحصى بعد، وأوصافه لا تدرك لأنها لا تنتهي إلى حد. والإسهاب يضع ممن زاد طولا، واختصار القول أجدر وأولى.
فلما انقضت مدة أليته وقرت عيني بما عاينت من لطف محبته، وآن للمقيم أن يرحل، وللضيف العائد بالفرائد أن يخير وإن لم يسأل، استأذنته في الظعن، وأعلمته باشتياقي إلى الوطن. فأذن لي مكرهاً وأنشدني متأوها:
تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
جعلت وداعي واحداً لثلاثة: ... جمالك، والعلم المبرح، والمجد
ثم إني سرت شاكراً بره المألوف، ناشراً ألوية معروفه المعروف، حامداً إنعامه الذي شمل القريب والبعيد، مادحاً
стр. 109
شخصه الذي لم يشك وحشة قط وهو في الدنيا وحيد، مجرياً ذكر ما حواه ثم عزم العزائم مثنياً على أياديه الجميلة ثناء الروض على الغمائم.
الفصل الخامس والعشرون: في العدل والاحسان
إن الله يأمر بالعدل والإحسان، فبادر إلى امتثال الأمر أيها الإنسان، وانشر أعلام الإنصاف، واتصف بمحاسن الأوصاف، وارفق بالرعية، وأكثر من البر إلى البرية، وابسط رداء المعدلة، وساو بين الخصوم في المنزلة، واسمح بجبرك وخيرك، ولا تظلم الناس لغيرك.
واعلم أن العدل حارس الملك، ومدبر فلك الفلك، وغيث البلاد، وغوث العباد، وخصب الزمان، ومظنة الأمان. وكبت الحاسد، وصلاح الفاسد، وملجأ الحائر ومرشد السائر، وناصر المظلوم ومجيب السائل والمحروم. به تطمئن القلوب، وتنجلي غياهب الكروب، ويرغم أنف الشيطان، وترتفع به قواعد السلطان. عليه مدار السياسة، وهو مغن عن النجدة والحماسة:
عن العدل لا تعدل وكن متيقظاً ... وحكمك بين الناس فليك بالقسط
وبالرفق عاملهم وأحسن إليهم ... ولا تبدلن وجه الرضا منك بالسخط
стр. 110
وحل بدر الحق جيد نظامهم ... وراقب إله الخلق في الحل والربط
وإياك والظلم فإنه ظلمة، وداع إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة. يقرب المحن ويسبب الإحن، ويخلي الديار، ويمحق الأعمار، ويعفي الآثار، ويوجب المثوى في النار، وينقص العدد، ويسرع يتم الولد، ويذهب المال، ويتعب البال، ويجلب العقاب، ويضرب الرقاب، ويقص الجناح، ويخص بالإثم والجناح، والمظلوم أنفاسه متعلقة بالسحاب، ودعوته ليس بينها وبين الله حجاب:
كن منصفاً واسلك سبيل التقى ... فالبغي ليل جنحه مظلم
واجتنب الظلم ولا تأته ... والله لا يفلح من يظلم
وأيقظ عيون حزمك وشيد مباني عزمك، واحتم بالاحتمال، فهو أنصر لك من الرجال. وزين مجلسك بألمعيتك، وسس نفسك قبل رعيتك وامزج الرغبة بالرهبة، وارع لأوليائك حقوق الصحبة، وادفع بالتي هي أحسن، وأت من المعروف بما أمكن:
واصنع جميلاً ما استطعت فإنه ... لا بد أن تتحدث السمار
وتجاوز عن الهفوات، وادرأ الحدود بالشبهات. وأنجز الوعد وأخلف الوعيد، وقيد لفظك فلديك رقيب عتيد، وتفكر في العواقب، والحظ الأخرى بعين المراقب:
стр. 111
من لم يفكر في العواقب ناظراً ... فيما يؤول إليه آخر أمره
خسرت تجارته وضل عن الهوى ... ورأى مساعيه بطرف أمره
وعليك بالحلم فإنه معدن السرور، وعقال الفتن والشرور. يبلغك من المجد قاصيته، وتملك به من الحمد ناصيته. مطية وطية وعطية يالها من عطية، وخصلة محمودة، وشيمة ألويتها بالسعد معقودة. يسهل الأمور، ويقي كل محذور. همة صاحبه علية، ومرآة متعاطية جلية. لا يظهر إلا عن صدر سليم:
قابلت بالإحسان من ساءني ... ميلاً لتحصيل الثناء المقيم
وقمت بالواجب من شكره ... إذ عرف الناس بأني حليم
واعف عمن ظلمك، وصل رحمك، وارحم حرمك، وأطف بالأناة جمر الغضب، واحذر من غاسق الغيظ إذا وقب، وصن عرضك عن الأدناس، وادخل في زمرة العافين عن الناس، فهم أهل الفضل يوم القيامة، والمتقلدون بكرم الكرامة، يرفلون في أثواب الثواب، ويدخلون الجنة بغير حساب. ولا تعج عن سنن السنن، وراقب الله في السر والعلن، واتبع في الإحسان طريق من أفلح به المؤمنون، والزم التقوى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.
الفصل السادس والعشرون: في الشكر والثناء
شكر المنعم واجب، والثناء على المحسن ضربة لازب. فاشكر
стр. 112
من وضع الخير لديك، وكن مثنياً على من أحسن إليك، حيث أجاب سؤالك، وحقق آمالك، وصدق ظنك، وأضحك سنك، وأتحفك بكرائم كرمه، وأطلع في أفقك نعائم نعمه، ولبى دعوتك، وروض عدوتك، ورعى جانبك، وبلغك مآربك، وقوى معينيك وأيد معانيك، وأسكنك من العليا قباباً، وفتح لك إلى دار السعادة أبواباً:
وأولاك الجميل بغير مطل ... وعن وجه الندى رفع الحجابا
وبل ثراك بالجدوى فحق ... عليك تصير التقريظ دابا
إن قصر عن المكافأة بنانك، فيطل بنشر الشكر لسانك، فبه تدوم النعم، وهو داعية الجود والكرم. كثرته تبعث على بذل الألوف، وقلته تزهد في اصطناع المعروف. فاجتهد في إقامة شعاره، واحتفل برفع علمه وإعلاء مناره، وإياك والتقصير في حق من شملك بفضله الغزير، وقم بواجب من قلدك المنة، ولا تجعل الاعتذار بعجزك من غير حرص جنة.
أطلق لسانك بالثناء على الذي ... أولاك حسن غرائب ورغائب
واشكره شكر الروض حياه الحيا ... كيما تقوم له ببعض الواجب
أيها المتطول بأياديه، المتفضل بما غمر من غواديه، الجائد بأمواله، الزائد نيل نواله، المرتدي بأثواب الجلال،
стр. 113
المبتدئ بالعطاء قبل السؤال، لو استطعت تمثيل حمدك ومدحك، واعتدادي بإفضالك العميم ومنحك، لأبرزته في صورة تروق النواظر، وأفرغته في قالب يسر القلوب والخواطر. لقد أترعت مواردي ومناهلي، وحملتني من حقائب الجود ما أثقل كاهلي، وأرحت سري بهبات هباتك، وقطعت أملي إلا من موارد صلاتك:
كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كل وداد
شكر الإله صنانعاً أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد
إلام تنشر علي ملابس العوارف؟ وحتام تهدي إلي نفائس اللطائف؟ وتلحظ بعيون العناية، وتمد ظل الرعاية، وتصل أسباب الصنائع، وتأتي من الإحسان بما عهده محفوظ، ونشره ضائع، من غير خدمة سابقة، ولا حرمة لهدى العواطف سائقة.
طالما غنيت بالغناء من خيرك، وألهمتني لهاك عن الاجتماع بغيرك، وقابلتني عطاياك بجبرك، ومنحتني سماحتك من كنزها الوافر بخالص تبرها:
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها
صيرت لساني كليلاً بعد حدته، وأعدت قلمي جافاً بعد غزارة مدته. فها أنا لا أطيق أداء بعض حقك، ولا يخرجني فرط برك عن عهدة رقك. وكلما فرغت من شكر يد كثر
стр. 114
مددها، وصلتها بأياد جزيلة أعد منها ولا أعددها. فلا تحدث لي بعدها زيادة، وارفق بعبدك فقد ملك العجز قياده:
أنت الذي قلدتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وماذا عسى مادحك أن يقول، يامن فتن بحسن مناقبه العقول؟ المتكلم يقصر عن وصفك باعه، والبليغ يعجز عن حصر فضلك يراعه. والعالم يغرق في بحرك، والناظم يلقط جواهر نثرك، على أن كلاً منهم لو استعار الدهر لساناً، واتخذ الريح في نقل أخبارك ترجماناً، أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك، وأعياه الكلال دون الوقوف عند نهايتك. فالله يتولى من مكافأتك ما هو أبلغ من شكر الناس، ويمتع الأولياء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس.
الفصل السابع والعشرون: في الهناء
صحبني شخص من الكتاب، له رفيق يدعي معرفة الآداب. فجاءني يوماً من ديوان النظر قائلاً: كان رفيقي غائباً ثم حضر، وقصدي إملاء شيء في هذا المعنى، ولست أعرف لروض الأدب سواك مزناً. فقلت له: اكتب:
ورد البشير بما أقر العيون، وسكن هواجس الظنون، وشرح
стр. 115
الصدور وأبهجها، وألجم خيل السرور وأسرجها، من إياب مولانا مصحوباً بالسلامة، مالكاً قياد الفضل وزمامه. فتلقاه العبد بمزيد القبول، واعترف بطيب عرفه الضائع قبل الوصول:
وتقاسم القوم المسرة بينهم ... قسماً فكان أجلهم حظاً أنا
ولم يزل مدة غيبته مستديماً لذكره، مشاهداً له وإن شط المزار بعين فكره، متشوقاً إلى أيامه التي راق نعيمها، مرتقباً نجوم لياليه التي رق كخلقه نسيمها:
ليالي لم نحذر حزون قطيعة ... ولم نمش إلا في سهول وصال
إلى أن جمع الله به شتات الأمور، وألف بمقدمه من الأنس كل نفور، وأعاد بدره إلى منازل سعوده، وفطر قلب حسوده بصعدة صعوده. فله الحمد على نعمه التي لا تعد، وكرمه الذي تجاوزت سيوفه غاية الحد. وهو المسؤول أن يعيذه من شر من حسد وطعن، ويكلأه بعينه التي لا تنام إن أقام أو ظعن.
ثم إنه وافاني بعد مدة، فحمل يراعه ومن النقس مده، وقال: إن رفيقي قد أبل من المرض، وما يخفى عن مثلك - أيدك الله - سر الغرض. فقلت له اكتب:
الحكمة أطال الله بقاءك، وأدام صحتك وشفاءك، تقتضي
стр. 116
المنح والمحن، وتوجب الفرح والحزن، ليتذكر أولو الألباب، وتتأكد أسباب الثواب. ولقد منعني لذيذ الرقاد ما حصل لمولاي من الافتقاد، وأسكرني بخمر التحير، ما حصل لمزاجه اللطيف من التغير. يالها غفلة من الدهر صدرت، وهفوة على غرة من الأمل ظهرت، حيث أزعج كريم جسده، وعلا على ذخر الملك وسنده، وارتقى من الرياسة إلى رأسها، وامتطى ذروة كاشف غمها ومزيل بأسها، وبالجملة فما اعتل إلا لأنه كالنسيم لطفاً، وما جاورته الحمى إلا أنه كالأسد وصفاً:
لا تخش من ألم ألم مودعاً ... يامن بسيط العمر منه طويل
إن التي يدعونها الحمى على ... أسد الشرى، وكذا النسيم عليل
وأنا أحمد الله على لبسه أثواب الصحة، ودخوله من العافية منزلاً مهد البرء صرحه. وأسأله أن يفيض عليه سحائب نواله الزائد، ولا يحوج شخصه المغرى بالصلة إلى عائد. ثم إنه جاءني بعد حين، وأساريره تخبر أنه من الفرحين. فقال: إن رفيقي ولي الوزارة، فهل من رسالة تسفر عن حسن السفارة؟ فقلت له اكتب:
أيد الله مولانا الوزير، وأفاض على الكافة فضله الغزير، وهنأه بهذه الرتبة التي أوضح وجه مذهبها، وبلغها بتحرير قلمه
стр. 117
المهذب نهاية مطلبها، وأنمى بتدبير أحوالها، وقرر على القواعد المرضية أحوالها:
فلم تكن تصلح إلا له ... ولم يكن يصلح إلا لها
هذا ما كانت تنتظره النواظر، وتشهد بوقوعه خطرات الخواطر، وأسند الأمر إلى أهله، وأجلب الخير بخيله ورجله، وأصاب الدهر فيما أمضاه من فعله، وانتهت القوس إلى باريها، وتمكنت الرعايا بعرا أمانيها، وزفت عروس الوزارة على كافلها وكافيها. ما أحق هذه البشرى بأن تبدي الرياض من ورودها لورودها نشراً، وتميد الأغصان وتميل، ويتخلق الكون بزعفران الأصيل، ويتقلد الأفق بعقود نجومه الزواهر، وتنطق بشكرها ألسن الأقلام من أفواه المحابر:
سرت بك الدنيا وسكانها ... وامتلأت بشراً صدور الصدور
وأجرت الأعداء سحب البكا ... للحزن وافترت ثغور الثغور
فالحمد لله ثم الحمد لله، والشكر له على ما أولاه، من إسباغ نعمه المألوفة، ومعروف أياديه المعروفة، وإليه الرغبة في إدامة سروره المتوالي، وإدارة فلك سعده على ممر الليالي.
ثم إنه قدم إلي بعد أيام، وقال: إن الوزير بشر بغلام، فأمل علي زادك الله رفعة، ما أشنف به من الهناء سمعه، فقلت له: أكتب:
стр. 118
أهلاً بطلوع نجم السعادة، ومرحباً بظهور هلال السيادة، غصن الشجرة الوارف ظلها، العالي في جنات الفضائل محلها. أكرم بها من شجرة أصلها ثابت، وفرعها النامي كل طرف إليه باهت. تؤتي أكلها كل حين، وتمنح برها الغادين والرائحين.
ياله مولوداً راقت نضرته، وتبسمت من خلال المكارم زهرته، واهتزت لقدومه قدود العوالي، وارتاحت لمورده نفوس المعالي، واستشرفت له صدور المحافل، وتهيأت لخطبته
عقائل المراتب والمنازل، فتهن به أيها الوزير، وتمل بمشاهدة صبحه المنير:
وابشر فقد وافاك يوم رزقته ... حظ بتخليد السرور زعيم
لا زالت التهاني بكعبة حرمك طائفة، ولا برحت المسرات على جنابك متضاعفة، ودمت راوياً حديث الجود عن أصلك بإسناده، جامعاً بين كرم طارف نجلك ويمن تلاده:
وبقيت حتى تستضيء برأيه ... وترى الكهول الشيب من أولاده
فلما فرغت من نقشها، وتأمل محاسن رقشها، نشر أعلام الثناء والشكر، وتمايل طرباً كالثمل من السكر، واعتذر من التثقيل، واستعفى من القال والقيل. ثم ودعني وبان، ولم اجتمع به إلى الآن.
الفصل الثامن والعشرون: في الرثاء
مات لمن يعز علي ولد، لم يبلغ من فصاله منتهى الأمد.
стр. 119
وكنت أستحليه واستجليه، إذا حصل الاجتماع بيني وبين أبيه، فأكثر - وهو معذور - من الوجد عليه، فكتبت على سبيل التعزية إليه:
برغمي أن أعنف فيك دهراً ... قليلاً فكره بمعنفيه
وأن أرعى النجوم ولست فيها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه
الدنيا مد الله في عمرك وصبرك، ومحى آية الحزن من صحيفة صدرك، دار تمكر بسكانها، وتغدر بأهلها وجيرانها. كم أفنت قروناً، وأسخنت بالبكاء عيوناً، ونثرت عقداً، وأضرمت وقداً، وأخلقت جديداً، وأخذت من والد وليداً، وفرقت شمل الأحباب، وألبست الأتراب أردية التراب:
وكم قد روعت قلباً ... وساقت نحوه حزنا
وملت بعد أن مالت ... وأذوت بالردى غصنا
ولا كغصن دوحك الرطيب، وزهرة روضك الخصيب، الذي عز فقده، وهتك ستر المدامع بعده، وأحيا بموته الأسف، وشوى الأكباد على جمر التلف. ياله زائراً ما سلم حتى ودع، وهاجراً خشع القلب لصده وتصدع، وطفلاً ذهب مبرأ من الذنوب والأوزار، وعصفوراً طار إلى الجنة وتركنا نتقلب في تلهب النار، وديناراً أولعت بصرفه أيدي الزمان، ودرة نقلها الدهر إلى صدف الأكفان، وهلالاً عاجله الخسوف قبل الإبدار، ونجماً أخفاه إسفار صبح الأقدار:
стр. 120
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
وقد علم الله شوقي إليه، وشدة قلقي وحرقي عليه، وغمي لمغيبه بعد إشراقه، وفرط بثي وحزني لفراقه، وما سال من دموعي وساح، وأصاب جوارحي من الجراح:
موت الصغير مصيبة غاراتها ... ما تنقضي، وكميها لم يقهر
قسماً بمن يحيي رفات الخلق ما ... فقد الهشيم كفقد روض مزهر
ولقد أجرى ماء العيون معيناً، وكنا نرجوه معيناً. أعاد أيامنا سوداً وكانت به بيضاً ليالينا. لو أن الحتف يقبل الفدا، أو أن الحمية ترد الردى، لفديناه بالأموال والأرواح، وخضنا دونه بحار السيوف والرماح، ولكنه الكأس الذي يستوي في شربه الصغير والكبير، والسبيل
المحتوم سلوكه على المأمور والأمير. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبحكمه راضون، ولأمره طائعون، له ما أعطى وله ما أخذ، وهو الذي يرسل سهم المنية ولولاه ما نفذ.
وأنت أبقاك الله أولى من للقضاء سلم، وسكن منبسط النفس ولو بأنياب النوائب تكلم، وقابل القدر بوجه الرضا لا الغضب، والحمد لله على كل حال إن وهب أو سلب، فالجزع لا يجدي ولا يفيد، والماضي لا يعاد إلى يوم الوعيد، والأجر موقوف على الاحتساب، والله عنده حسن الثواب، فادخره للأخرى فالدنيا متاع الغرور ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
стр. 121
يا راحلاً أذهب عنا السرور ... وكادت الأرض بنا أن تمور
ويا هلالاً بالخسوف احتفى ... من قبل أن يدرك شأو البدور
إن كنت قد فارقت أهلاً فكم ... حولك ولدان حسان وحور
جاورت من بعدك من ساءني ... ليهنك الجار الذي لا يجور
ويلاه من بدر رفيع مضى ... تجارة العاني به لن تبور
شق الجيوب القوم لما سرى ... لو أنصفوا شقوا عليه الصدور
ما كنت أدري قبل دفني له ... أن الدراري في الصحارى تغور
لهفي على طفل فؤادي له ... نعش ودمع العين غسل طهور
لهفي على زهرة روض زهت ... فعوجلت بالقطف دون الزهور
لهفي على غصن ذوى قبل أن ... يبدو لنا من نوره الغض نور
آهاً لذاك الوجه كيف انطوت ... آياته الحسنى ليوم النشور
آهاً لدر قد غدا ثاوياً ... في صدف اللحد جوار القبور
آهاً لمر الهجر حلو الحلى ... الوجد حق فيه والصبر زور
والله ما عجل يوم النوى ... إلا لنحظى في غد بالأجور
ما هذه الدنيا - وسحقاً لما ... تلهي به - إلا متاع الغرور
تمحو بكف الحتف رسم الورى ... لما اغتدوا في رقها كالسطور
ما تأتلي من غير خوف إلى ... دار البلى تنقل أهل القصور
كم من رحى للموت فيها، على ... ضائع أعمار البرايا تدور
أخنى علينا الدهر في أخذ من ... كنا نرجيه لسد الثغور
يا دهر بالإمرة كم تعتدي ... ألا إلى الله تصير الأمور
стр. 122
الفصل التاسع والعشرون: في الحكم
العلم نعم السمير، والعقل بشير بالخير يشير. اجتهد في طلب العلوم، تنفرد بما يرفعك إلى النجوم. المجد يبذل اللها، والفضل بالأدب والنهى. من صادق العلماء زها بدره، ومن رافق السفهاء وهي قدره. العلم ثمرته الإنصاف، والزهد نتيجته العفاف. التقوى أفضل حلة، والمروءة
أجل خلة. الحق سيف قاطع، والحلم درع مانع. الزم الحجا فهو ألطف سائس، ولا تعدل عن العدل فهو أحفظ حارس. العقل أحسن المواهب، والجهل أقبح المصائب.
العقل أحسن معقل فاهرع إلى ... أبوابه العليا تنل كل العلا
واعلم بأن الشيء يرخص كثرةً ... والعقل إن كثرت حواصله غلا
من رضي بالقدر، وقي شر الحذر، اليأس يعز الأصاغر، والطمع يذل الأكابر، حاسب نفسك تسلم، ولا تقتحم الأخطار تندم. من سره الفساد في الأرض ساءه طول التعب يوم العرض. لا تقل إلا ما يطيب عنك نشره، ولا تفعل إلا ما يسطر لك أجره. السعيد من اتعظ بماضي أمسه، والشقي من ضن بخبره على نفسه. لا تغرنك صحة بدنك اليسيرة، فمدة العمر - وإن طالت - قصيرة. من لم يعتبر بالمساء والصباح، لم يرتدع بقول اللوام والنصاح. من قنع برزقه استغنى، ومن صبر نال ما يتمنى.
стр. 123
إذا الرزق عنك نأى فاصطبر ... ومنه اقتنع بالذي قد حصل
ولا تتعب النفس في جلبه ... فإن كان ثم نصيب وصل
من أنس بالآخرة، فاز بالملابس الفاخرة. ومن رفع حاجته إلى الله نجحت، ومن تمسك بغيره خسرت تجارته وما ربحت. من لم تفسد شهوته دينه، وصل إلى الأماكن المكنية. أبصر الناس من نظر إلى عيوبه، ولجأ إلى ربه في التجاوز عن ذنوبه. أرفع الأعمال ما أوجب شكراً، وأنفع الأموال ما أعقب أجراً. الدنيا ظل زائل، والشيبة ضيف راحل. من غالب الحق غلب، ومن استهان بالدين سلب. لا تخل نفسك من فكرة، تدني من طرفك وقلبك قراراً وقرة. عد عن طاعة هواك، واحذر من مخالفة مولاك:
لا تتابع هواك ياذا المعاصي ... واجتنب ذلة الهوى والهوان
أحمق الناس من أطاع هواه ... وتمنى على الإله الأماني
من وثق بالله أغناه، ومن خرج عن حكمه عناه. من لزم شأنه دامت سلامته، ومن حفظ
لسانه قلت ندامته. الصمت يرفع لك المنار، ويخلع عليك ثوب الوقار. الزمان لا يبقي على حال، والدنيا طبعها الغدر والملال، تفتن بزهرتها الذاوية، وتخدع بزينتها المتلاشية. لا تفن عمرك في المعاصي، وخذ حذرك من مالك النواصي. إياك وكثرة
стр. 124
الكلام، فإنها تنفر عنك الكرام. ما سعد من شقي صاحبه، وما عزت من ذلت أقاربه. من لزم شكر الإحسان استدام عدم الحرمان. لا تودع سرك غير صدرك، ولا تتكلم بما يحوجك إلى إقامة عذرك:
تفرد بحفظ السر وحدك لا تثق ... إلى أحد فيه ولو كان من كانا
فإنك أن أودعت سرك عاقلاً ... يزل وإن أودعته جاهلاً خانا
من بسط يده بالجود، خرج من العدم إلى الوجود. من علا علم شيمته، غلا مقدار قيمته، استر براً يظهر من يديك، وانشر معروفاً يسدى إليك. من أحسن إلى جاره أطلع قمر الحمد في داره دارة، ومن جاد لطلب الجزاء فليس بكريم، ومن صفح لعدم القدرة فليس بحليم. أحسن الخلق ما حثك على المكارم، وأوضع الطرق ما كفك عن المحارم. عي تسلم بميلك إليه، خير من نطق تندم عليه. من قل عقله كثر قوله، ومن زكا أصله تواتر طوله. توق جناية اللسان، ولا تأمن من سطوات الزمان، واستعذ من شر أفعى أفعالك، وتحل بالصدق في جميع أحوالك.
الصدق يورث قائليه مهابة ... سر نحوه نعم الطريق طريقه
واحفظ به عهد الصحاب فإنه ... من قل منه الصدق قل صديقه
لا تعج عن سبيل الصواب، ولذ بجناب رب الأرباب، واسع
стр. 125
إلى باب من بيده الملك وهو على كل شيء قدير، واخش من يعلم السر وأخفى، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾
الفصل الثلاثون: في المواعظ
أعلمني من أثق بنقله، ولا أشك في معرفته وفضله، بقدوم بليغ من الوعاظ، يبرز دقائق المعاني في جليل الألفاظ. وأشار بحضور مجلسه، والاهتداء بضوء قبسه، فقبلت الإشارة، وانتظمت في سلك السيارة. حتى أفضينا إلى ناد فسيح، لسان مناديه فصيح، قد جمع بين الغني والفقير، واشتمل على المأمور والأمير. وإذا بشيخ قائم في بهرة حلقته، يفتن بسحر الكلام قلوب فرقته. فسمعته يقول: أيها الناس، ما الموت بساه ولا ناس، فتأهبوا لحلوله، واستعدوا له قبل نزوله، وحصلوا الراحلة والزاد، وردوا العاصي إلى الطريق فقد زاد، ولا تعدلوا عن محجة الحجا، واتقوا دعوة المظلوم في ظلام الدجا، وامنوا بالقدر خيره وشره، وارضوا بالقضاء حلوه ومره، وأفرغوا ذنوب الذنوب وافزعوا إلى علام الغيوب، وامنعوا من الأمل ما كان جموحا، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً:
وتجنبوا سبق الخطا فلكم هوى ... رب الهوى من حصنه وعقابه
стр. 126
وتمسكوا بجناب تقوى ربكم ... كي تسلموا من خزيه وعقابه
وإياكم والدنيا فإنها تمكر بصاحبها، وتهدي إلى أقاربها سم عقاربها. عامرها خراب، وغامرها سراب. أمدها قصير، وإلى الفناء تصير. صفوها كدر وجرحها هدر، والخاطر بها على خطر. لأنها لا تبقي ولا تذر، بحرها العميق، كم له من غريق. فاركبوا فيها من التقى فلكا منيعة، واجعلوا شراعها التمسك بعرا الشريعة، لعلكم تبلغون الساحل، ويقدم بشير بشركم الراحل، وهي قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، واخشوا عيون شركها المفتوحة لكسركم واحذروها:
مجاز حقيقتها فاعبروا ... ولا تعمروا، هونوها تهن
فما حسن بيت له زخرف ... تراه إذا زلزلت لم يكن؟
ابن آدم ما أكثر حرضك، وشرك ومرضك، وأجزل حرصك وأشرك، وأقوى على من دونك ظفرك، وأضعف بمن فوقك ظفرك، وأخجل من يؤنبك، وأتعب من يتعبك، ووثبك إلى صيد الحرام، وأشد شرهك على الحطام. أما علمت أن الشره، في عين الرجل مره؟ لا بالقليل تقنع، ولا من الكثير تشبع، ولا إلى المواعظ تصغي، ولا تبغي أنك لا تبغي. أنفاسك معدودة وأوقاتك محدودة، ومالك عارية مردودة، وذاتك الموجودة عن قريب مفقودة:
стр. 127
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
ويحك أتحسب أنك تترك سدى؟ أو أن الحقوق تبطل بطول المدى؟ كلا يا كليل الذهن، لتبعثن يوم تكون الجبال كالعهن، ولتحاسبن على الذرة والبرة إن الله لا يظلم مثقال ذرة:
تنبه أيها المغرور واسأل ... إلهك مرة من بعد مره
وقف بالباب معتذراً لتحظى ... من البر المهيمن بالمبره
ولا تركن إلى الدنيا ففيها ... من الأحزان ما يخفي المسره
ألا بعداً لها من دار قوم ... بها يرضون وهي لهم مضره
تعر من الذنوب، فعن قريب ... تحل من الممات بك المعره
وبالنزر إقتنع، فالحرص ذل ... وإياك الهوى وتوق شره
وحلو العيش لا تقربه واصبر ... وإن كانت حميا الصبر مره
يا أرباب الملابس الفاخرة، الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة. وما هذه الغفلة التي رانت على قلوبكم؟! ما هذا الطمع الذي ألحق بالعبيد أحراركم؟! آما آن لكم أن تنيبوا؟ وتصغوا إلى داعي الفلاح وتجيبوا؟ بلى والله آن، وظهر فجر الحق وبان، فاجنحوا إلى الطاعة، ولازموا أهل السنة والجماعة، واشتملوا على الخيرات قبل أن تمزقوا، ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾، وأخلصوا في الأعمال، واقطعوا حبائل الآمال، وتزودوا
стр. 128
للرحيل عن الوطن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحلوا بعقود المكارم، وتخلوا عن انتهاك المحارم، وجدوا كي تنالوا جد المجتهدين، ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، واعقلوا بالشكر شوارد النعم، وصونوا أعراضكم ببذل النعم، واتخذوا الصبر على البلوى عدة وجنة، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة:
أحسن بها من جنة عالية ... قطوفها للمجتني دانيه
آذان أهليها أولي العزم لا ... تسمع فيها أبداً لاغيه
وجوههم فيها - ويا حسنها - ... ناعمة مرضية راضيه
الحور والولدان من حولهم ... يسعون في روضاتها الزاهية
كم سرر للوفد مرفوعة ... فيها، وكم من أعين جاريه
مبثوثة فيها زرابيها ... موضوعة أكوابها الصافية
فاجتهدوا كي تدخلوها غداً ... يوم دخول الفرقة الناجية
إلام تهتمون في إدراك الغرض؟! وتذهبون جوهر نفوسكم في تحصيل العرض؟! وتستبدلون الضلالة بالهدى؟! وترتدون بما يوقعكم في الردى. وتسمحون بشركم وتبخلون بخيركم؟! وتسوفون بالعمل كأن منفعته لغيركم؟! ألا حسنوا الصفات، لتكريم الذات. وأكثروا من ذكر هاذم اللذات واستيقظوا من سنة الفترة واتقوا النار ولو بشق تمره، فأنى بكم
стр. 129
إذا أصبحتم أمواتاً؟! وعدتم بعد الرفاهية رفاتاً؟! ونقلتم إلى دار البلى، وأجيب السائل عن بقائكم بلا؟! وفجع بكم الأحباب، وغلقت دونكم الأبواب؟! وانقلبتم في قليب البرزخ، وأضحت عقودكم تحل وتفسخ؟! أم كيف بكم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور؟! ووقفتم للعرض على من بيده مقاليد الأمور؟! ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
ثم إنه بسط للدعاء يديه، وأجرى سوابق دمعه على خديه. فبكى القوم لبكائه، وأمنوا على صالح دعائه. فلما فرغ اقبل الناس إليه، وأكثروا من تعظيمه والثناء عليه. فمن لاثم راحته، وقاصد بالجود راحته، وملتمس بركة عنايته، وناطق بشكر نصحه وهدايته. وهو يروح أرواحهم المكروبة، ويسقي كل واحد منهم مشروبه. ثم ولى يتهادى بين صحابته، وانسحبت عنا أذيال سحابته.
فمضيت قرير الناظر، منشرح للصدر والخاطر، متعظاً بما استمعت من قول النصيح، مستنشقاً من عرف الشيخ عرف الشيح، حامداً صحبة المشير الذي لم يزل من المحسنين، مصلياً على من أنزل عليه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
هذا آخر ما نطق به لسان اليراع، وانتهى ما أورده نسيم الصبا من أحباره الطيبة على الأسماع. والله المسئول في غفر الذنوب
стр. 130
وستر العوار، ومسامحة ذي اللعب والخوض، بوروده الحوض، يوم الأوار. وله الحمد على سابغ نعمه، وما من به من فيض فضله ودوام ديمه. والصلاة والسلام، على صاحب المقال والمقام، سيدنا محمد المؤيد باللسن والبراعة صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الساعة آمين.