← Адаб

Адаб · id 575

نسيم الصبا

ابن حبيب الحلبي

Полный текст (130 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ملت إلى الاستغفار، وسألت العفو من العزيز الغفار، ولذت - كما قال الحريري - بالمتاب، وآليت لا أحضر - ما دمت حياً - مجالس الشراب. الفصل السابع عشر: في الشيب والخضاب رأيت بعض مشايخ الأصحاب، وهو يتعاطى ما يتعاطاه الشباب. فقلت: يامن وعظه الشيب، جاءك النذير بلا ريب، فاصرف عين العيب، واق عالم الشهادة والغيب. نأت الغرابيب السود، ودنت البزاة واثبة كالأسود. وظهرت غرة القمر، وأومض البرق في ليل الشعر. ورمي فاحم الفود بضده، واشتعل المبيض في مسوده. قدم رائد الهداية، وزائد الغواية، وطليعة العفاف، وذريعة الإنصاف. ومظنه الوقار، ومشرق الأنوار. فخل الخلال الجانية عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك: إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأزهار من شباب عذاره لم تقبل أعذاره. من عذل شبابه ولي مصابه. من لمع ضوء فرعه، تفرق شمل جمعه. من كبر ذوى عوده، وغابت سعوده، وأفل نجمه، ووهن عظمه، وضعف بعد القوة جسمه، وخمدت منه الأنفاس، عنه ظباء الكناس: لو كان عمر الفتى حساباً ... كان له شيبه فذالك

стр. 72

يامن أدركه المشيب، اترك الغزل والنسيب، إرجع إلى الله من قريب، ولذ بالمتاب واعدل عن الخضاب، واخش نصول الفضول، ودع من يزور ثم يزول. ولا تطمع بوصل الحسان، واكتب لهن تسريحاً بإحسان، واحذر منهن العدو الأزرق، واسبق إلى منعهن من قبل أن تسبق. عذر الكواعب أنهن كواكب ... لا يجتمعن مع الصباح إذا بدا فنظر إلي مليا، وقال: لقد جئت شيئاً فرياً. ياهذا أنت ناصح أمين، أم ذابح بغير سكين؟ نكست الأعلام وفتنت الأحلام، وفخمت الوعيد، وجلت في ميدان التهديد، وآثرت نيران التلف، ودثرت ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف﴾، وأدنيت غمام الغم، ومدحت ما يستحق الذم: ما رأينا المشيب إلا كثلج ... أبيض بارد قليل المقام واهاً له من زائر يظهر العدل وهو جائر، يأتي من الشهب على كل ضامر، ويخرب من الأعمار كل عامر، ولا يرجى لسليبه عوض، ولا يقضي لصاحبه غرض. ناع ينغص لذة الرفاق، وساع يطوف بحرم الفراق. معلول لا يعتني بحفظ ميثاقه، ورسول معجزته الخوف من اجتماعه، والفرق من فراقه: له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع غرة مرة، ونور ليس معه مسرة. يبلي الجديد، ويصيد

стр. 73

الصنديد، ويعتدي على الشباب، ويفرق بين الأصحاب، ويسود بياضه اللون، وهو عنوان فساد الكون. رفعت عند نصحك مقداره، ونفيت قاره وأثبت وقاره: وأي وقار لامرئ عري الصبا ... ومن خلفه شيب وقدامه شيب ثم إنك رثيت وما رثيت، ومريض المشيب عن معالجة الخضاب نهيت، وأطلت التعنيف، وأكثرت الأراجيف. وسقت الشائب إلى رمسه، ومنعته من التصرف في نفسه، وبسطت شقة الشقاق. أما سمعت قول الوراق: للضيف أن يقرى ويعرف حقه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب فقلت له: إلام يختفي الزامر ويتستر؟ وحتام يكتم الكتم شيئاً بعد ثلاث يظهر؟ وهل يرد التمويه ما مضى؟ أو يخمد ماء الصبغ جمر الغضى؟ تستر بالخضاب، وأي شيء ... أدل على المشيب من الخضاب فقال: قد أطلت الملام، وأثخنت القلب بكلام الكلام، ونشرت رداء الرد، وزاد سيف عدلك في الحد: لمع المشيب، وبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل يا هذا إني لأعلم أن الخرق يتسع على الراقع، وأن التمادي في التصابي سم ناقع. لكن الفطام صعب، وكل أحد لا

стр. 74

يمكنه رأب الشعب، وترك منصب الإمارة، شديد على النفس الأمارة. وهي إلى حضرة الخضرة تميل، وعلى الله قصد السبيل: لعمرك ما خضبت بياض شيبي ... رجاء أن يعود لي الشباب ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي المشيب فلا تصاب وأنا أستغفر الله من الزلل، واستعين به على سد الخلل، وأتوكل عليه إنه جواد كريم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم. الفصل الثامن عشر: في الخيل والإبل وفد علي يوماً ذو ألوك، يدعوني إلى حضرة بعض الملوك. فلبيت مناديه، ويممت في المال ناديه. فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته. ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق، وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك. فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله. فما استتم المقال إلا والنجائب تقاد بأيدي الرجال: فمن أشهب يقق، إن طلب لحق، وإن طُلب سبق. طِرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة

стр. 75

متنه. بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال. لا يخطر معه الخطار ولا تعلق الغبراء له بغبار. يهدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك. ومن أدهم غربيب، لا يعلم أجنوب هو أم جنيب. يسبق السيل في السير، معقود بناصيتها الخير، ينساب كالثعبان، وينعطف انعطاف السرحان. زاد على زاد الركب وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن دسيعه وتليله ويخطف الأبصار برق غرته وتحجيله. ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب. الراح تحكيه في لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب، متقلب في اللهب، يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لين شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت أعوج ثم يعوج متهكماً عليه. ومن كميت طاب عرفه، واسود ذنبه وعرفه. أسيل الخدين، بارز النهدين، عندمي اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف عاينت كل عضو منه وردة كالدهان. يجد السير في حزن الفلاة وسهلها، ويرد الوديعة محمولة إلى أهلها. ومن أصفر لونه فاقع، كم له في الحلبة من طائر خلفه واقع، ينتمي إلى الحبشان، ويعبر بلونه الزعفران. الدجا على عرفه قابض، وماء القار على ذيله فائض. يتجلى

стр. 76

في الرياض الشمسية، ويسبح في الجداول الورسية. لا يمل من التقريب والإلهاب، ويأتي من عدوه بغرائب يشيب منها الغراب. ومن أخضر حسن وشياً، وراق للعيون جرياً ومشياً. زرزوري الإهاب، يجمع بين الشيب والشباب. زبرجدي الحافر، أين منه الغزال النافر؟ يظهر عجز مكتوم وتخمد عنده جمرة اليحموم يخجل بتفويفه الرياض، ويسابق أسهم راكبه إلى الأغراض. ومن أبلق عظمت فصوصه، واشتهر حسنه وشهر قميصه. طويل الحزام والذيل، وهامته من الصباح وشامته من الليل. يمرح في جلالة جلاله، ويولع إذا غابت الخيل بمسابقة خياله. ينحط الوجيه عن أوجه، ويغرق الفياض في موجه، يسبق النعامى والنعامة وينظر بعيني زرقاء اليمامة: جرد بهن لكل عين جنة ... فإذا جرين أتين بالنيران يحكين في البيد النعام رشاقة ... ويسرن في الأنهار كالحيتان ثم إن الملك أمر برد الجنائب، وأذن في عرض النجائب، فأقبلت تتهادى صحبة سواسها، وتتبختر في مصبغات أكوارها وأحلاسها: فمن جسرة لونها أحمر، وليل سراها واضح أقمر. عنكرة عيطموس، تميل إليها الخواطر والنفوس، موارة اليدين، بعيدة وخد الرجلين أنحلها التسيار، وهذبتها الأسفار. ومن سرداح لونها أرمك،

стр. 77

يكاد خيال السماك بها يمسك، مليئة بالذوح والإساد، تخالط حمرتها السواد. جميلة الصفات مرقال، حسنة الشمائل شملال. رحبة السقل والخطا، لا يعرف لها عدول عن الطريق ولا خطا. ومن رقوب لونها أزرق، تطفو في بحر السراب كالزورق. ظهيرة دوسرة، منوفة بهزرة تطس الآكام، وتثبت في أثواب وُرق الحمام. موصوفة بالإعصاف، معروفة بالإعناق والإيجاف. ومن أمون لونها جون، وكون مثلها من محاسن الكون. تميل إن شبهتها إلى الدجا، ولا تمل من السير ولو براها الوجى. لها فخذان لحمهما وافر، وذنب تكنفه جناحا طائر، تفوت الريح في خطراتها، وتطأ جمر القيظ بجمراتها. ومن وجناء لونها أصهب، ورباطها الدمسقي مذهب، ترعى الحدائق وترعى الحادي والسائق. شكول عسبور، تسامي رأسها أعواد الكور، غائرة الأحداق، سريعة الاندفاع والانطلاق. ومن مصباح لونها أغبش، وكل من قوائمها أحمش، يخالط بياضها شقرة، يولد الاجتماع بها طريقاً إلى النصرة. هوجاء دفاق، روعاء مزاق، ترض الحصا برصها، وتستطلع الأخبار بنصها. ومن شمردلة لونها أحوى، مهارق البيد بغيرها لا تطوى. تجوب القفار وتجوس خلال الديار. مشفرها رقيق، وسبب وظيفها وثيق. تختال في شنفها وزمامها، وتدهش الأبصار بسنا سنامها:

стр. 78

وحوص غدت سفن المهامه والفلا ... ألم ترها تطفو على بحر آلها تخط حروفاً بالمناسم في الثرى ... يقصر عن تحريرها ابن هلالها فلما تكامل العرض بعد الطول، وأفلت أقمار الإبل وغابت شموس الخيول، أحذ الحاضرون في تذكر أشكالها، وأفاضوا في نعت محاسنها وجمالها. ثم إن الملك أمر باحضار الطعام، واشتغل الناس بالمائدة عن الأنعام. فقمت مبادراً إلى الذهاب، متفكراً في رزق الله لمن يشاء بغير حساب، قائلاً: فاز المخفون، وهلك المثقلون، تالياً: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾. الفصل التاسع عشر: في الوحش هفا بي هيف الإسفار، وطوحني بين أنكر صحبة الأسفار، إلى خرق متسع الجوانب تطول على سالكه سبائب السباسب. فسرت أطوي خيفه وصمانه، وأرض جلاميده وصوانه، إلى أن دنت الشمس من الزوال، وآل أمر الظامئ إلى رؤية الآل. فبينما أنا أرود لأرد، لاح لعيني غدير مطرد. فأتيته مسروراً، ونهلت منه ماء مقروراً. ثم توضأت لأداء المكتوبة، وأبرد بالصلاة ما صلي من الجوارح المكروبة.

стр. 79

ونظرت فإذا تلعة من التلاع، مشرفة على اليفاع، من تلك البقاع، فاقتعدت ذروتها، وتلقيت للقيلولة هضبتها. فما استقر المجلس بي ولا بلغت من الراحة أربي، إلا والغبرة قد نشرت، والوحوش للورد قد حشرت: فمن أسد ورد شديد الباس، عرد صعب المراس، بين جفنيه مقباس. شثن الكف، لا يرهب من أبطال الصف. ملك مهاب، تبري الإهاب، حديد الظفر والناب، يخلفه الشبل إن غاب عن الغاب: متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا يطأ الثرى مترفقاً من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلاً ومن نمر شرس الأخلاق، دم الفريسة بين يديه يراق. الجلبة ضمن جلبابه، والنوائب كامنة في أنيابه، وثباته لاتنكر، وثباته أشهر من أن يذكر. يقطع الطريق، ويحب شرب الرحيق: أحسن به من النمور أهرتا ... يحار في تدبيجه أهل الحجا إذا بدا يريك من إهابه ... طرة صبح تحت أذيال الدجا ومن فهد خصره رقيق، وعقد فقاره وثيق، واضح الجبين، أفطس العرنين. كم فرى من فرا، واجترح واجترا، وظفر فظفر، وتخفر به الصيد فما خفر. فهد كحيل المقلتين مرقش ... جهم المحيا لا يمل من الحنق

стр. 80

والليل فيه والنهار تغايراً ... لله ثوب ألبساه من الحدق ومن دب مختلف الطباع، يأكل مما تأكله الدواب والسباع. بعيد مقترب، مغرى باللهو واللعب. كثير الشهوة، قليل الغيرة والنخوة. يقبل التعليم والتأديب، ويأتي من بحر فطنته بكل عجيب: وذي وبر قوي مصلخد ... تراه يدب ما بين الدباب له ظفر إذاً ما عن صيد ... له ظفر وناب غير نابي ومن ضبع حضاجر، كنيتها أم عامر. موصوفة بالعرج، تفترس من دب ودرج. تشتهي السفاد، وتميل إلى الفساد، وتخرج من الوجار، ولا ترعى حق الجار ولو أجار. صنعنا جميلاً قابلونا بضده ... وهذا فعال الخائنات الفواجر ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يجازى كما جوزي مجير ام عامر ومن ذئب أطلس، عمر وعسعس، يسطو بأنياب حداد ويألف الوحدة والانفراد. الغدر له شيمة، والغنم لديه غنيمة. صبور على السفر، شديد الخوف والحذر: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع ومن ثعلب رائغ، زائل عن الطريق زائغ. وافر المكر والحيل، يضرب بخديعته المثل. حسن اللباس،

стр. 81

يرتدي بالسندس والقرطاس. يحب الدجاج والحمام، وربما أوقعه في شرك الحمام: يطير قلب الطير في وكره ... مخافة من نابه النابل لكنه يلقى الردى بعدها ... كم أكلة أجنت على الآكل ومن هر يسبق الهرهور حاد الناب والأظفور. عيناه كالزجاج، ومرطه كالديباج، أخنس الأنف لطيف محل الشنف. يقعي إقعاء الأسد، ويلوي من ذنبه حبلاً من مسد: وهر أهرت الشدقين ضار ... له حسن بديع غير خافي بكعبة ربه كم طاف سبعاً ... ويغسل وجهه قبل الطواف ومن نمس كميت اللون، ماللطير والثعبان منه صون. صائل صائد، ظهره عظم واحد. طويل الخطم قصير اليدين، ليس له سوى صماخين من الأذنين: وظربان يألف الظرابا ... ويقنص الحسول والضبابا جلدته كالقد في قوتها ... لا يقطع السيف له إهاباً ومن سنجاب أبلق، بطنه أبيض وظهره أزرق. يأوي الأشجار العالية، ويسكن الأماكن الخالية، جميل الملابس، حسن اليلامق والقلانس: لله سنجاب بر ... ذو ناظر كالشهاب في الدوح يعدو ويبدو ... كقطعة من سحاب

стр. 82

ومن فيل، له خرطوم طويل، يشبه الصولجان، ويحكي في تلويه الأفعوان. وأذنان كالترسين، تحتهما نابان كالرمحين. عقبة كؤود، شديد الغيرة حقود، يرتاح إلىالطرب، وينخرط في سلك العجب: وهندي كطود مشمخر ... ذكي القلب يفهم ما يقول لقاء العسكر الشاكي عليه ... يهون لأن منظره يهول ومن كركدن كالجاموس، تنفر منه الخواطر والنفوس، قوته شديدة، وأسلحته عتيدة عديدة. له اختيال في مشيته، وقرن غليظ في جبهته، يظهر بأرض الهند والحبشان، فيخضع هيبة له سائر الحيوان: وكركدن كدن ... في خلقه عجائب له سلاح حاضر ... والعقل منه غائب ومن زرافة، حازت أنواع اللطافة. بردها بالوشي ملمع، وقرنها بالسبج مقمع، طال جيدها جداً، وجاوز غضب عجبها حداً. عالية الصدر منحطة المآخر، جميلة الأوصاف والمفاخر: نوبية المنشا تريك من الطلا ... روقاً ومن بزل المهارى مشفرا جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فنخالها للتيه تمشي القهقرى ومن مها ثمر حسنها قد زها. عنقاء مبهر، خدها

стр. 83

مضمخ بالعنبر. تفتن العقول بأحداقها، ويعز على القلوب غداة فراقها: عيون المها على ذي صبابة ... صبور على الهجران ليس يحول يحن إلى سلع ونجد وحاجر ... منازل فيها صحبكن نزول ومن أيل ضباضب، يحمي من قضب شجرتيه بالقواضب. يأكل الأفاعي، ويحسن في تحصيلها المساعي. يشتغل بالصفير والطرب، فيشتغل بنيران العطب: متشعب القرنين يدعى أيلاً ... من دمعه بادزهر الحيوان ومن فرا ليس في حسنه مرا. كل الصيد في جوفه، لا يستقر على الثرى من خوفه. يميس في برده القشيب، ويطول عمره ولا يشيب: شغلته لواقح ملأته ... غيرة فهو خلفهن كمي ومن وعل أرقب، لا يفارق النفق والمرقب، يحمي الأروية، ويحتجب في البر عن البرية. يسكن في الأماكن الوعرة، ويصبر على شدة القرة والوغرة: إن شئت تلقى راهباً ذا رغبة ... في شامخ عالي الذرا فالق الوعل سامي التليل بالضياء مرتد ... من تيهه وبالظلام منتعل ومن ظبي غرير، متلفع بمطارف الحرير. كحيل الطرف

стр. 84

ذكي العرف. جميل الصفات حسن الالتفات. إن حضر أحيا الأرواح، وإن أحضر فات الرياح: غزال قد غزا قلبي ... بأسياف من الطرف له عطف به ميل ... ولكن لا إلى العطف ومن أرنب يرتع بين الشيح والزرنب. بطنه يقق، ومتنه شفق. قصير اليدين، ينام وهو ساهر العين: وأرنب ذي وثوب في سياحته ... أثوابه صبغت من ماء عقبان إذا جرى في فلاة خوف مقتنص ... تخاله كرة تهفو بميدان ومن قرد نسناس، في خلقه ما يشبه الناس. خفيف الروح، يغدو في الشواهق ويروح. نزيه يهفوف، بالفهم والذكاء معروف: أحسن بقرد سريع الفهم ذي شبه ... بالآدمي وهذا القدر يكفيه له لسان ولكن لا يوافقه ... يكاد ينطق لولا عجمة فيه فلما عانيت من تلك الوحوش ما راقني، وشاهدت من أصنافها وأوصافها ما شاقني، واجتليت محاسن عرائسها، وتنزهت في رياض ملابسها، قمت من شكر بارئها بما يجب، وأعلنت بتوحيد رازقها من حيث لا تحتسب، وتلوث إذ أدهشني جمعها وخلقها: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾. ثم إنها مالت من الورد إلى الصدر، وتفرقت بعد

стр. 85

الاجتماع شذر مذر، فنهضت عازماً على الإياب متوكلاً على الكريم الوهاب، عائجاً إلى حيث أتيت، مثبتاً في ديوان الغرائب ما رأيت. الفصل العشرون: في الطيور أخبرني بعض الإخوان، أنه رأى بلدة من البلدان، متسعة الفناء، محكمة البناء، تروق العيون، وتحرك السكون، بالقرب منها واد خصيب، يشتمل من الأطيار على كل غريب، مديد الأشجار، منسرح الأنهار، وافر الخير، يعرف بوكر الطير. فتقت إلى رؤية ذلك الوادي، وحدا بي من الشوق إليه حادي، فسرت أطوي البيد، وأصل التحليج بالتخويد، إلى أن أتيت إليه، وأنخت راحلتي عليه. فعاينت منه ما حقق مطالبي ووجدت به ما صاح بي كما قال صاحبي: واد عليه للمحاسن رونق ... وبه طيور طاب عيش نديمها أرجاؤه مشحونة بسباعها ... وكلابها وبغاثها وبهيمها فمن صقر شريف النجار، رفيع المقدار. القمر منظره، والهلال منسره. له ثوب أرقط، بياضه بالسواد منقط، حسن السلوك، لا يصحب إلا الملوك. ومن باز أشهب، جمر مقلتيه يتلهب. خفيف الجناح، سريع النجاح. يلمع في الجو

стр. 86

كالبارق، وينقض انقضاض الطارق. قوي الافتراس، يثب على الطريدة وثوب الهرماس. وصقر أحمر الجلبات شهم ... طموح العين معقود اللواء يطير إلى الفلاة يروم صيداً ... فيرجع بالأرانب والظباء وشاهين رحيب الصدر جون ... يجيد السبح في بحر الفضاء إذا الكركي لاح سما إليه ... وعاجله بمحتوم القضاء ومن كوهية حالية الحلة، تجلى كالعرائس في الأكلة، ملابسها مدبجة، ومخالبها بدم القلوب مضرجة، ذات درع ظلها ضافي، منتظمة القوادم والخوافي. تمر مر السحاب، وتأتي بما لم يكن في الحساب. ومن باشق فرعه مع صغر حجمه باسق، زعرور الأخلاق ذهبي الأحداق. شاكي السلاح، محمود الغدو والرواح. يمرق كالسهام، ويوقع الحمام في شرك الحمام: وطاو أعار الروض لما ... مشى في اللازوردي المدثر يلوح على المفارق منه تاج ... بديع تاج قيصر عنه قصر وديك عرفه من أرجوان ... وجؤجؤه من الوشي المحبر يرى سهر الدجا حتى إذا ما ... دنا الإصباح هلل ثم كبر ومن ببغاء جميل الصفات، قوي على حكاية الأصوات. فهمه صحيح، ولسانه فصيح. هندي الأوطان، زبرجدي

стр. 87

الأردان. طرفه مركب من قار، وله من الياقوت منقار. ومن هدهد وافر الهداية، نافر عن الضلالة والغواية. يرى الماء في باطن الفجاج، كما ينظره الإنسان في داخل الزجاج. مرقوم البرود، كثير الركوع والسجود. يميد في حلله الفاخرة ويميس، كأنما ألبسه سليمان تاج بلقيس: ودراج تبدى في قميص ... نضير الزهر زهري أنيق فصوص بنفسج في ياسمين ... وريحان تشقق عن شقيق ومن حجل يعاقيب عليها ... مروط أشبهت لون الدبيق لها طرف تركب من نضار ... ومنقار تكون من عقيق ومن قطا، ياله من قطا، حسن المشي متقارب الخطا، جيده مطوق، ومبسمه بالزعفران مخلق. منقوش الإزار، كأنه عب من كأس عقار. جناحه مخضوب، وصدره بماء الذهب مكتوب. ومن يمام، يفي بالعهد والذمام، مشهور بالسجع، معروف بالذهاب والرجع. يألف الرياض ويرفل في ثوب فضفاض. يؤدي الأمانات إلى أهلها، ويتحرى في رواية الأحاديث ونقلها: ومن هزار كامل المعاني ... حلو الحلى منطلق اللسان تراه إن غنى على العيدان ... يطرب ما لا تطرب المثاني وبلبل بلبل قلب العاني ... حلته من أسود الجنان

стр. 88

قام خطيباً في ذرا الأغصان ... يأمر بالعدل وبالإحسان ومن ورشان، يودع المسامع أطيب الألحان. نوبي الدار، علي المنار. شهي التغريد، معبدي الأناشيد. يحسن الأنغام، ويغري الخلي بالوجد والغرام. ومن قمري أخفى القمر، كم نهى على منبر الأيك وأمر. ساجع مطراب، إعجامه لذي المعارف إعراب. أشهل العيون، وفي جيده من خط القلم نون. يستديم شكر الدائم، ولا تأخذه في التسبيح لومة لائم: وفواخت كدرية أطواقها ... مسكية والطرف منها أسود طوراً تفوح على الغصون لفقد من ... تهوى، وطوراً للوصال تغرد وغراب تغريب فصيح أعجم ... داجي الإهاب مقامه لا يحمد يهوى نوى أصحابه فإذا نأوا ... أضحى مقيماً بالديار يعدد فيالله من واد أنبت السرور، وحوى أصنافاً جمة من الطيور، لا أجمع بين أشخاصها وأسمائها، ولا أتحقق شيئاً من أحوالها وأنبائها. فسبحان المتكفل بأرزاقها، المباين بين طباعها وأخلاقها. فلما سبرت سر الوادي، تطلعت إلى طلعة شمس بلادي، فلويت زمام الراحلة، وودعت من الطير نجوماً غير آفلة، قائلاً: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأوطان، تالياً: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾.

стр. 89

الفصل الحادي والعشرون: في الكتابة الكتابة ألهمك الله معرفة فضلها، ولا حرمك نفع صداقة أهلها، أشرف الوظائف والمناصب، وأرفع المنازل والمراتب، وأفلح صناعة، وأربح بضاعة. قطب دائرة الآداب، وصدر أسرار الألباب، ورسول صادق، ولسان بالحق ناطق، وسيف تحد بحده المعارف، وميزان يميز التالد من الطارف، تلحق خبر الحاضر بالغائب، وإليها تنتهي الآمال والرغائب. بها تتم النعمة، وتفصل شذور الحكمة. تبرز إبريز البلاغة، وتصوغ لجين الكلام أحسن صياغة. لطف حواشي رقاعها محقق، وجدولها المسلسل على الريحان يتدفق. قد تحلت بصحة الوضع والتركيب، وحلت بما حكت من أعضاء الحبيب: فاللام والألف كعذاره وقده. والجيم كصدغه المعقرب على خده. والصاد والنون كعينه وحاجبه. والميم منه النائي عن رائد ورده بجانبه: لا تعد عن فن الكتابة، إنها ... مغنى الغنى ومفاتح الأرزاق واخش اليراعة وارجها فهي التي ... عرفت بنفث السم والدرياق والكتاب عماد الملك وأركانه، وعيونه المبصرة وأعوانه، وبهاء الدول ونظامها، ورؤوس الرياسة وقوامها. ملابسهم فاخرة، وشمائلهم لطيفة،

стр. 90

ونفوسهم شريفة. مدار الحل والعقد عليهم، ومرجع التصرف والتدبير إليهم. بهم تحلى العواطل، وتبتسم ثغور المعاقل. مجالسهم بالفضائل معمورة، وبندائهم أندية القصاد مغمورة. يهدون إلى الأسماع أنواع البديع، وينزهون الأحداق في حدائق التوشيح والتوشيع. هم أهل البراعة واللسن، وشيمتهم لف القبيح ونشر الحسن. يميلون إلى القول بموجب المدح، ولا يملون من مراجعة الراغبين في المنح. دأبهم استخدام الناس بالمعروف، وعدم التورية عن العاني والملهوف. ويجلون الكبير ويبجلون الصغير، ولا يخلون بمراعاة النظير. لهم إلى الخير رجوع والتفات. وبالجملة فقد حازوا جميع جميا الصفات. كتبت، فلولا أن هذا محلل ... وذاك حرام، قست خطك بالسحر فإن كان زهراً فهو صنع سحابة ... وإن كان دراً فهو من لجة البحر بأيديهم أقلام تختلس بلطفها الأحلام. صافية الجواهر، زاهية الأزاهر، لينة الأعطاف، ناعمة الأطراف. تبكي وهي مبتسمة، وتسكت وهي بما يطرب السمع متكلمة. قد اعتدلت قدودها، وأشرقت في سماء البراعة سعودها. أسنتها مرهفة، ومطارفها مفوقة. تجتهد في خدمة الباري، وتبدي من دررها ما يفضح الدراري. تميس في وشي أبرادها، وتشرح الصدور بعذوبة إبرادها. نشأت على شطوط

стр. 91

الأنهار وتعلمت اللحن من إعراب الأطيار. طويلة الأنابيب، تسلب القلوب بحسن الأساليب. تدهش الناظر وتخجل العامل، ولا ترضى بامتطاء غير الأنامل. الشجاعة كامنة في مهجتها، والفصاحة جارية على لهجتها. تبهر بالنضارة نواظر النهار، وتطرز بالليل أردية النهار. إن قالت لم تترك مقالاً لقائل، وإن صالت رجعت السيوف مستترة بأذيال الحمائل. سجدت للطرس، فرفعت إلى أعلى الرتب، وحلت وشببت فلا غرو إذا سميت بالقصب. قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد وهبت له الآجام حين نشا بها ... كرم السيول وصولة الآساد يكرع من دواة حالكة الحياض، مشرقة الأدواح والرياض، جنية الأثمار مطعمة الأشجار. ريقها رائق، ونيل نيلها دافق. تكشف غطاءها عن كل معنى أنيق، وتفتح فاها بكسر العدو وجبر الصديق. شرفها ليس فيه نزاع، وسقطها من أنفس المتاع. تحنو على أولادها طول المدى، ثم تقط رؤوسهن - ولا ذنب لهن - بحد المدى. سمت إلى المعالي بنفسها، وأعارت المسك السحيق بنقسها. ترشد بنور جمالها، وتنشد بلسان حالها: إن السعادة، حيث كنت، مقيمة ... والبحر أخبار الندى عني روى كم من عليل مقاصد أبرأته ... فأنا الدواة حقيقة وأنا الدوا

стр. 92

لله أطراسها التي أضاءت بمدادها، وأشبهت عيون العين ببياضها وسوادها، وانطوت المحاسن تحت رق منشورها، وصدحت حمائم البلاغة على أغصان سطورها. صحائف تنوب عن الصفائح، وقراطيس تزف إلى الأسماع عرائس القرائح. ألبسها الحبر أثواباً من الحير، ودبجها صواب الفكر لا صوب المطر. كم حازت من در منظوم، وعلم لفظ بوشي المعاني مرقوم. وفقر تفتقر إليها أجياد الحسان، وغرر كلم تذهب العقول بسحرها وإن من البيان: كتاب في سرائره سرور ... مناجيه من الأحزان ناجي كراح في زجاج بل كروح ... سرت في جسم معتدل المزاج فاجتهد أعزك الله في طلابها، واحرص على الدخول في زمرة أربابها، وتمسك بأذيال بنيها، تجد جواداً أو نبيلاً أو نبيهاً. وحسبهم شرفاً أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين، ووصف الكتبة بالحفظ والكرم فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. الفصل الثاني والعشرون: في الحرب والسلاح منع الجزية أهل الصليب، في عام عاموا منه في بحر عجيب، فأشار الأمير بالتأهب للنزال، وأمر بتحريض المؤمنين على القتال. فأخذوا في الاستعداد. وجدوا في تحصيل الجياد.

стр. 93

فأحببت الدخول في زمرة المجاهدين، ورفضت قاعدة الذين قالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ﴾. فلما كملوا عدداً وعُدداً وتحروا في أهبتهم رشداً، ساروا إلى جهة العدو المخذول، وطيور السعد تحوم عليهم ولا تحول. ياله من جحفل تحفل بالشوس، وكتيبة تميل إلى خضرتها النفوس، وجيش عرمرم، وخميس لهب أسلحته يتضرم، وعسكر جرار، وفيلق يتلو: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ﴾. يهول المنظر، مثار العثير. قوي القلب والجناحين، كم ليدها الطولى من جناحين. يدني بعيد الآجال، وينفر حتى الوعل والآجال. النصر من جملة آياته، والظفر معقود براياته: محلى بالسيوف وبالعوالي ... وبالحلق الموانع والقسي وفيه عيون درع ناظرات ... إلى الأعداء من طرف خفي ببحر الحرب منه سابحات ... تملك حسنها قلب الكمي ألا لا تخش فيه ليل نقع ... فكم قد حاز من وجه مضي ينطوي على غضنفر كاسر، وعقاب يصول من النصال بمناسر، وذفر مشيع، وباسل عمر خصمه مضيع، وبطل ثبت الغدر، وأحمش لامنجى منه ولا وزر وشهم أيام عداه مدلهمة، وقدم صمة، وما أدراك ما الصمة؟ من كل مرهوب السطا رحب الخطا ... عرد المطا ليث تأبط ارقما يبدو هلالاً في سماء عجاجه ... ويريك من زرق الأسنة أنجما

стр. 94

أكرم بهم شجعة برزوا للكفاح، واشتملوا على أنواع من السلاح: فمن سيف يفري بحده، ويأنف من المقام في غمده. أمضى من أمس، واشرق من الشمس. ينتقل من القراب إلى الرقاب، ويدب النمل منه على الذباب. يروع ويروق، ويخفي بلمعه البروق، يتمايل كالخمائل، وينجلي في حلي الحمائل. يجتهد في إهلال النفوس، ويبتسم حيث الأجل عبوس: ومنهد إن قابلته فريسة ... ينقض من جو القراب كأجدل مصغ إلى حكم الردى، فإذا مضى ... لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل الموت كامن في غربه، والحتف قريب من قربه. إن جرد عاينت عيون الجراد، ورأيته مطبوعاً على الجدال والجلاد. وإن سل حكم بقطع الأرزاق، وطفق مسحاً بالسوق والأعناق. يرتعد لا من الخوف، ويجل فعله الماضي عن السين وسوف. لم يبرح كارعاً من موارد الوريد، تالياً: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. حسام، وبتار، جراز، وصارم ... رسوب، وقرضاب، صنيع، ومخذم قشيب، وصمصام، وعضب، ومرهف ... قضيب ومأثور، ونصل مصمم نهيل، وهزهاز، وأبيض، قاطع ... رسول المنايا في الدماء محكم ومن رمح مثقف، أسمر اللون مهفهف. لدن القوام،

стр. 95

يبدل الكلام بالكلام له نصل مطعان، وسنان غير وسنان. صدق صادق مارق في المارق. يفرق الجموع ولا يفرق، ويصيب العدا بناظره الأزرق. يستوفي النفوس وهو عامل، ويضرب حاصل الكماة ولا يجامل. لهذمه ألمع من الشهاب، وكعبه أيمن من طلعة الكعاب، فعله حميد، وظله مديد. سلب اللطف من الأغصان، وتعلم الرعدة من جنان الجبان. خطار عظيم الخطر، خطي لا يخطئ في قص الأثر. طويل يقصر الأعمار، قناة تجري بدم الأذمار: وأسمر من رشف كأس الدما ... يهتز بالشكر اهتزاز الطروب يبسط في الإشراق بسط الردى ... ويقبض الأرواح عند الغروب ومن قوس حنانة، سحائب سهامها هتانة، تطلع كالهلال في سماء الرهج، وتسبح في الهواء سبح النون في اللجج. ضروح تسكن الضريح، عطوف لكن لا على الجريح، تبهر بأبهرها العيون، وتبلغ المنى برسل المنون. لها يد تمنح جميل الأيادي، ورجل تسعى في قتل الأعادي. تضم شمل أولاد نوافر، يصلن بلا أنياب، ولا ظوافر. ذوو أجنحة تروع السباع، مثنى وثلاث ورباع. عطوى مروح، تريح المنبضين لها ... هتانة لفراق السهم مرنان

стр. 96

أولادها تدرك الأغراض عن كثب ... وناظر السيف قد أخفته أجفان ومن ترس عنتر، يفل به حد الأبتر. جنة واقية، ومنة باقية. جوب يجوب حرة الحرب، ولا يمل من ملاقاة الطعن والضرب. بريء من الختل والختر، معروف بالحماية والستر. لله جَنة جُنة ... لا يجتليها من طغى من حل تحت ظلالها ... أنجته من نار الوغى ومن بيضة حسن ملبسها، وزاحم الفلك قونسها، وصفها بديع، وحرم حماها منيع. الرؤوس بها محفوظة، والنفوس بعيونها ملحوظة، تعلو على المفارق، وتطرق لهيبتها أجفان الطوارق. يا رائد الحرب تقنع، واقتنع ... بمغفر أحسن به من مغفر سامي الذرا عالي الجناب مانع ... ذمامه يوم الوغى لم يخفر ومن درع ستور، روض وشيها منثور، مضاعفة دلاص، منجية يوم لات مناص، فضفاضة مسرودة، ألوية النصر بها معقودة. كأنها سراب بقيعة، أو حباب يطفو على شريعة، أو سلخ أفعوان، أو لهب نار لم يشب بدخان. تنظر بعيون الجنادب وتصبر على وخز العوالي والقواضب.

стр. 97

يا رُب سابغة حبتني نعمة ... كافاثها بالسوء غير مفند أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند ومن أشياء يطول ذكرها، ويعز على البليغ البارع حصرها. ثم إنهم جدوا في الرحيل وتمسكوا بالنص واتبعوا الدليل. إلى أن وصلوا إلى بلد الأعداء سيس، وأرهبوا بجمعهم الراهب والقسيس. فسارعوا إلى النزول، وغصت بهم الوعور والسهول. وصابحوهم بما أشقى مساءهم. وناوحوهم بما دمرهم وساءهم. ونادوهم بألسنة الحمام، وناجوهم برسائل السهام، ونصبوا آلات الحصار لكسرهم، وأعدوا ما استطاعوا من القوة لقتلهم وأسرهم، وأحاطوا بأسوار المدينة، وصدموها بمن في آذانهم وقر عن الوقار والسكينة. فكم تكن إلا ساعة من نهار، حتى تحرك البناء وانهار، وسال السور بعد أن ماج، وهوت بكواكب المنجنيق منه الأبراج. فدخلوا البيوت من غير الأبواب، وجرعوا أعداء الدين مذاب العذاب، وحصل أهل الشرك في شرك القبضة، وعجزوا عند قص أجنحتهم عن النهضة، وتمشت في مفاصلهم حميا السيوف، وصفاح الرغام وجوههم على رغم الأنوف: لله در فوارس كم أقبلوا ... نحو الحروب، ونافسوا في وصلها قوم إذا دخلوا معالم قرية ... لعداتهم جعلوا أعزة أهلها ثم عاجوا لاقتلاع قلعتها، ومالوا إلى محو أسطار بقعتها. فقدموا

стр. 98

إليها النقابة، وحسروا عن وجه الاجتهاد نقابه. وباتوا يطلقون فيها ألسنة المعاول، ويعرضون عن رأي من قال: وأين الثريا من يد المتناول فأصبحت على الخشب معلقة، ثم عادت بذات الوقود محرقة. فلم تمض عليها إلا لمحة غافل، حتى صارت الأعالي منها أسافل، وأحيط بطاغيتهم وفرسانه، وقبض على أعوانه وأعيانه. ونزعت التيجان، ونكست الصلبان. وبل غليل السيف، وارتفع الحتف والحيف، وهدمت البيع والكنائس، واستخرجت الذخائر والنفائس، وأسر النساء والأطفال، وبلغ الطالب من الأموال منتهى الآمال. وأعز الله جنده، وأنجز من التأييد وعده، ومن بعوائد ألطافه الخفية، وجعل هام الملحدين لحوداً للمشرفية. وما النصر إلا من عنده وهو المتصدق بجزيل رفده على عبده. ثم إن العساكر عادوا إلى أوطانهم غانمين سالمين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. الفصل الثالث والعشرون: في رمي البندق برزت يوماً مع رفيق رقيق، يسر بمنادمته سر الصديق. لا يخرج عن الواجب. ولا يحجبه عن ذكر الجليل حاجب. رفيع المقام، صادق الكلام. ينطق بالحكمة وفصل الخطة، وهو لدائرة الفضل بمنزلة النقطة. يجتني من الرياض أزهار

стр. 99

الرياضة، ويعتني بما يشرح الصدر ويزيل انقباضه. ويحب معالي الأمور، ويتقدم إلى كل مقدمة تنتج السرور. ويتمسك بما كان داعياً إلى المروة، باعثاً على امتثال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ قد ألف لخطبة الطير كل خطب مهول، واعتاد خوض المنايا فأيسر ما تمر به الوحول، إلى روضة أنيقة تهدي الأنق، وتضيء في جوانبها وجه الملق. والغيم ممدود الرواق، والطل دمعه يراق، والجو مسكي الإهاب، والشمس قد توارت بالحجاب. والأرض وشي والنسيم معنبر ... والماء راح والطيور قيان فنزلنا بفنائها، وشممنا الأرج من أرجائها، واجتلينا محاسن أزهارها، وطربنا لسماع نغمات أطيارها، وقبلنا هناتها وهباتها، ورعينا على كلا الحالين كلأها مع نباتها، ورأينا بها عصبة من الرماة، وفرقة تفرق منهم الأبطال والكماة فألمنا بحضرتهم، وانتظمنا في سلك زمرتهم، فلما أنست بذراهم، وآنست نار قراهم، شاهدت قوماً نفوسهم أبية، ومقاماتهم علية. في وجوهم سيما القبول، ومعهم وصول بالوصول، يرعون حق الذمام، ويقتفون آثار الكرام، ويرفلون في حلل العفاف، ويسلكون سبل الإنصاف، ويحفظون الحديث عن القديم، ويثبتون الصحيح وينفون السقيم، ويوقرون الكبير، ويرضون من العيش باليسير، ويعتمدون حسن الوفاق، مع

стр. 100

الرفاق، ويعرضون عن أهل العرض لعلمهم أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق. أهل الصبابة إن قالوا وإن سمعوا ... وللسماع - كما للقول - إعراب كل يحاول ما يبغي الفلاح به ... فالمبتغى واحد، والناس أضراب فلو رأيتهم وقد أتوا إلى الخطة والتفوا، وحملوا غير متحاملين واصطفوا، وخطروا في تلك المطارف، يؤمهم القديم إلى جهة المواقف، مسرعين إلى الأخذ بالثارات، متدرعين الغبار لشن الغارات: لعاينت قوماً في مقامات عزهم ... وقوفاً، وكلاً منهم قد ترسما جفوا في الظلام النوم كي يتقدموا ... ومن سهر الليل الطويل تقدما جماعة طريق حرمهم للنزيل قبلة، وحسن شيمهم للعقول عقلة. كم فيهم نقي خد أخجل الدمى ورشيق قد جبل طرفه على سفك الدما: شغل الطيور بحسن منظر وجهه ... فتوقفت فأصابها بالبندق وكم لهم من دعرة وشطارة، يقولون ما أهون الحرب على النظارة، ونكتة غريبة يأتي بحرها بالعجب، ومصطحب شريف وما أدراك ما المصطحب؟ ما ألطف سجاياهم الطاهرة، وأطيب أوقات وجوههم الناضرة: في غدوة ومصبح ورواجع ... ومصوغ وخوارج وعشاء

стр. 101

بأيديهم قسي قدودها رشيقة، وملابسها مدبجة أنيقة، من الطين اللازب نجمها، ومن الدمقس المفتل لحمها. أجاد خرمها الصناع، وهذبت كماة الرماة منها الطباع. كأنها حواجب مقرونة، أونونات معرقة موضونة، أو أهلة مشرقة النور، أو مناجل لحصاد أعمار الطيور. حوامل إذا دنا نتاجها ... تقذف من أكبادها كواكبا ومعهم للرمي بنادق، أسرع في الإصابة من الفيالق، كأنها كرات دورية، لا بل كواكب درية، تمر بهم عساكر الطيور المختلفة، وهي تختال في برودها المفوفة ولم تدر أن أيدي المنون إليها ممتدة، وأن سيوف الحتوف لها معدة. إن هبطت مسبقة أصابتها عيون أوتارها المبصرة، وإن نهضت محلقة فكرات قسيهم عنها غير مقصرة، فتسقط عليهم سقوط الندى، وتهوي إليهم مجيبة لداعي الردى: تهوي إليهم وتأتي ... من كل فج عميق يا حسن بدر منير ... يسعى لصب مشوق فبينما هم في وجه عشاؤه أضاء بنور التهاني، ولمعت فيه بارقة بروق الأماني، والليل قد أرخى أستاره، وأبرز من النجوم درهمه وديناره، والأنهار سارية وسارحة، والأطيار في الملق سابحة وسائحة:

стр. 102

نزه الطرف يا أخا الظرف ليلاً ... في طيور أحسن بها من طيور فوق وجه الماء تسعى وترعى ... كنقوش قد خيلت في ستور عن لصاحبي إوزة فضية اللون، بينها وبين المرزم في الحسن بون. كأنما خاضت في اللهب، وكرعت من ماء الذهب، تسبق الريح في المطار، وترتفع إلى أن تغيب عن الأبصار فرماها، في حال بعدها عن العيون، وصرعها عاجلاً أسرع ما يكون، فحسنت له الجفة وباركت فيه، وأظهر من سر الظفر ما كان يخفيه، وخرج فرحاً بتحصيلها مائداً وحملها من كان له شاهداً، ورمى لمن قبله وسبقه، وفي بحر الحمد والشكر غرقه. ثم تواتر الرمي من كل نبيه ونبيل، وتفرقوا من ذلك الوجه على وجه جميل: كم طائر للأرض أمسى واقعاً ... بنجم قوس للسماء قد سما من حيث لا يشعر يأتيه الردى ... فاعجب له من صامت تكلما لم يدر من أين أصيب قلبه ... وإنما الترامي درى كيف رمى فلما شاهدت من أحوالهم ما راقني، ومن نوالهم ما قيدني عن غيرهم وعاقني، أثنيت على من بهم عرفني، وبالطيب المسكي من أنفاسهم عرفني. وقمت ناشراً وصف المواقف والأطيار قائلاً على سبيل التشوق والتذكار: ياصاح قم نسعى إلى الأملاق ... فنحوها قد ذبت من أشواقي

стр. 103

الله ما أحلى حلى أوقاتها ... وأملح الولدان في جناتها والجو يجلى في ثياب دكن ... يستلب اللب بفرط الحسن السحب قد تتابعت وفودها ... وانفرطت على الربا عقودها وروضة الأنس يفوح طيبها ... وينثني في دوحها رطيبها ونغمات الطير بالألحان ... تغني عن الجنوك والعيدان أحسن بها يا سعد من أطيار ... تلوح كالأنجم للأبصار تخالها إذا سجا جنح الغسق ... كأسطر خطت على وجه الملق من وارد وصادر، وواضع ... وناهض، وطائر، وواقع أبيض كالصبح إذ تبلجا ... وأسود محلولك يحكي الدجا وأخضر مدبج اللباس ... وأزهر يزهو على النبراس مختلفات في الحلى والشكل ... عن حصرها يعجز أهل الفضل لكنها جليلها معروف ... وهو لدى أربابه موصوف فهاكها بعد عشر أربع ... كعمر بدر التم حين يطلع قد جمعت أوصاف كل طائر ... مبينات المجد والمآثر فالتم يبدو في لباس يقق ... كأنه مركب من ورق في الرأس منه نقطة تحكي السبج ... من الرماة نحوه تصبو المهج والكي شيخ أبيض جلبابه ... معلق في عنقه جرابه منقاره كحربة من أسل ... وظهره محدب كالجبل وللإوز نغمة الأوتار ... إذا بدت تختال في المطار فضية منقارها من عسجد ... يا سعد في حبي لها كن مسعدي

стр. 104

واللغلغ المسكي كالإوز ... في الحسن والوصف وفرط العز لكن له مثل اللجين غره ... تدني لمن يصرعه المسره وحبذا الأنيسة الملونة ... لباسها المنقوش ياما أحسنه يبكي عليها الصب بالدموع ... لأنها عزيزة الوقوع خذ يا أخا الرمي صفات الحبرج ... يحكي القطا في لونه المدبج يألف أيام الربيع الزاهره ... فيجتبي ويجتلي أزاهره والنسر راميه شديد الأسهم ... لأنه عال كنسر الأنجم أقرع ذو مخالب حداد ... يذكر عصر تبع وعاد وبعده وصف العقاب الكاسره ... تلك التي للوحوش تغدو آسره مغبرة ظافرة، أظفارها ... بالصيد أدنى الردى منقارها قم نجتلي الكركي تحت الشفق ... فقد بدا في ثوب خز أزرق ومد جيداً ياله من جيد ... وأطرب الأسماع بالتغريد إذا بدا الغرنوق في الفضاء ... شبه بالغمامة الدكناء كأنه الكركي في لباسه ... سوى سواد عنقه وراسه والضوع مبيض شبيه الفلق ... أطراقه مصبوغة بالعلق يختال في الحمرة والبياض ... كخد من قد زاد في الإعراض ومرزم يا حسنه من مرزم ... كأنه قد خاض في بحر الدم أبيض وضاح طويل العنق ... راميه قد فاز بفضل السبق وتلوه السبيطر المسموم ... أبيض ضخم وصفه معلوم يسكن في الأماكن العليه ... وطعمه الحية والسحليه

стр. 105

وأقبل العناز بعد الجمع ... أسود ذا صدر كضوء الشمع قد جمع الضدين صبحاً ودجا ... من يرمه يعد من أهل الحجا وهذه تكملة الأطيار ... أعني طيور الواجب المختار ترفل في محاسن الملابس ... وتنجلى في الطرس كالعرائس كأنما تنظرها حقيقه ... سابحةً في غدرها الأنيقه لا زلت ترمي الطير والأعادي ... بأسهم ذي ألسن حداد ودمت تلقى السعد في مسيركا ... حتى تعد الكل من طيوركا ما سهر الليل رماة البندق ... وقبل الطير خدود الملق الفصل الرابع والعشرون: في الكرم والشجاعة مررت ببعض أحياء العرب، في يوم طما بحر آله واضطراب، فلمحني شخص من بعيد، حوله جماعة من الخدم والعبيد. فأرسل واحداَ منهم في طلبي، فلما دنوت منه رحب بي وأحسن منقلبي، ورفع قدري ومنزلي، وأعذب موردي ومنهلي. وأعز جانبي، وأترع مشاربي. وأجزل نولي وعظم قومي وقولي. وأتحفني باللطائف، وأمدني بكل ساعٍ من البر وطائف. وأضرم نار القرى، وسقى بدماء البدن ظامئ الثرى. ومنحني من الجود بأنواع مختلفة، وأسدى إلي المعروف من غير معرفة، وعقر النعم، وغمر بالإنعام،

стр. 106

وتجاوز الحد في الكرم والإكرام. وعم بفضله البسيط وإحسانه الشامل، وآلى أن لا أرحل عن حيه مدة شهر كامل: وحقق آمالي وقرب مجلسي ... وأرشفني كأس النوال مروقا وقيدني بالمكرمات، أما ترى ... لساني له بالشكر أصبح مطلقا ياله جواداً لا يلحق، وغيدقاً لا يطرق حين يطرق، وقلمساً بعيد المدى، وخضرماً تفيض أنديته بالندى، وصنديداً سخي البنان، وسميذعاً لا تبرح ربوعه ربيعاً للضيفان. وهماماً تهمي سحائب جوده، وأريحاً لم يزل مرتاحاً لملاقاة وفوده. يطوى حاتم الطائي عند نشره، ويفنى هرم بن سنان لبقاء شارح ذكره. ويطوف كعب بن مامة بكعبة حرمه، ويخلد به خالد القشري ليقتبس من كرمه وينقص لديه معن بن زائدة، ويلتقط يزيد بن الملهب في هلبة الزمان فرائده: مفيد ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نارٍ عندها خير موقد جزيل المروة شريف الأبوة. كريم النجار، جليل المقدار، علي الهمة، طليق الوجه عند الملمة، ويحرز المجد ويذهب الذهب، ويتبدئ بالإحسان إلى العفاة قبل الطلب. ظله ممدود، وجوده موجود، وفناؤه مقصود، وباب منزله عن الواردين غير مردود. يعطي من لا يرجوه، ويفصل قضية

стр. 107

المتقاضي وعده على أحسن الوجوه. كم أولى من أيادي، وأنجز إيعاد الأعادي، ومنح براً، وكف عن نزيله ضراً. وأجرى نيل النوال، وأماط عن المجتدي سوء السؤال: علم المزن الندى حتى إذا ... ما حكا، علم البأس الأسد فله الغيث مقر بالجدا ... وله الليث مقر بالجلد ولقد شاهدت منه في مدة مقامي، يكبو دون منتهاه جواد كلامي، من كرم زهت كرومه، وشجاعة طال أسلها وزهت نجومه، ونعم تجل عن الحصر، ونجدة مؤذنة بالنصر، وسماحة وحماسة، وتدبير وسياسة، وثبات أقدام وصبر وإقدام، ولسان لذوي المسألة مجيب، وصدر لمن ورد وصدر رحيب. وهبات طاب هبوب نسيمها ومنح راقت جنات نعيمها، وسخاء بحره زائد، وصلة نفعها على من وصل إليه عائد، وأخلاق حسنة، ومناقب تقصر عن وصفها الألسنة: وعدل أباح الشاء أتلعة الفلا ... تلس كلاها، والذئاب رعاء وفضل حباه الله سبحانه به ... ولله وضع الفضل حيث يشاء لله نسبه الذي علا على الفلك، وفتحت السعادة له الأبواب وقالت هيت لك، وبيته الذي رفع المجد قواعده، وأطلع الرفد في آفاق الإنفاق موائده، وقومه الذين زكت نفوسهم، وأينعت في حدائق العطايا غروسهم، وملكوا أعنة المعالي، ورفعوا خيام

стр. 108

خيمهم بأطراف العوالي، يسير الفخر تحت ألويتهم، وتتعطر المجالس بطيب أنديتهم. يقتحمون عتبة الوغى صابرين على الطعن والضرب، ويفضلون مقارعة كماة الحرب، على معاقرة كميت الشرب. طالما كفوا أكف العدى، ووجد أبناء السرى على نارهم هدى، وشتتوا شمل الأبطال، وجروا على تاج المجرة فضل الأذيال: إن ترد خبر حالهم عن يقين ... فأتهم يوم نائل أو نزال تلق بيض الوجوه سود مثار الذ ... قع خضر الأكناف حمر النصال وبعد فمحاسنه لا تحصى بعد، وأوصافه لا تدرك لأنها لا تنتهي إلى حد. والإسهاب يضع ممن زاد طولا، واختصار القول أجدر وأولى. فلما انقضت مدة أليته وقرت عيني بما عاينت من لطف محبته، وآن للمقيم أن يرحل، وللضيف العائد بالفرائد أن يخير وإن لم يسأل، استأذنته في الظعن، وأعلمته باشتياقي إلى الوطن. فأذن لي مكرهاً وأنشدني متأوها: تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد جعلت وداعي واحداً لثلاثة: ... جمالك، والعلم المبرح، والمجد ثم إني سرت شاكراً بره المألوف، ناشراً ألوية معروفه المعروف، حامداً إنعامه الذي شمل القريب والبعيد، مادحاً

стр. 109

شخصه الذي لم يشك وحشة قط وهو في الدنيا وحيد، مجرياً ذكر ما حواه ثم عزم العزائم مثنياً على أياديه الجميلة ثناء الروض على الغمائم. الفصل الخامس والعشرون: في العدل والاحسان إن الله يأمر بالعدل والإحسان، فبادر إلى امتثال الأمر أيها الإنسان، وانشر أعلام الإنصاف، واتصف بمحاسن الأوصاف، وارفق بالرعية، وأكثر من البر إلى البرية، وابسط رداء المعدلة، وساو بين الخصوم في المنزلة، واسمح بجبرك وخيرك، ولا تظلم الناس لغيرك. واعلم أن العدل حارس الملك، ومدبر فلك الفلك، وغيث البلاد، وغوث العباد، وخصب الزمان، ومظنة الأمان. وكبت الحاسد، وصلاح الفاسد، وملجأ الحائر ومرشد السائر، وناصر المظلوم ومجيب السائل والمحروم. به تطمئن القلوب، وتنجلي غياهب الكروب، ويرغم أنف الشيطان، وترتفع به قواعد السلطان. عليه مدار السياسة، وهو مغن عن النجدة والحماسة: عن العدل لا تعدل وكن متيقظاً ... وحكمك بين الناس فليك بالقسط وبالرفق عاملهم وأحسن إليهم ... ولا تبدلن وجه الرضا منك بالسخط

стр. 110

وحل بدر الحق جيد نظامهم ... وراقب إله الخلق في الحل والربط وإياك والظلم فإنه ظلمة، وداع إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة. يقرب المحن ويسبب الإحن، ويخلي الديار، ويمحق الأعمار، ويعفي الآثار، ويوجب المثوى في النار، وينقص العدد، ويسرع يتم الولد، ويذهب المال، ويتعب البال، ويجلب العقاب، ويضرب الرقاب، ويقص الجناح، ويخص بالإثم والجناح، والمظلوم أنفاسه متعلقة بالسحاب، ودعوته ليس بينها وبين الله حجاب: كن منصفاً واسلك سبيل التقى ... فالبغي ليل جنحه مظلم واجتنب الظلم ولا تأته ... والله لا يفلح من يظلم وأيقظ عيون حزمك وشيد مباني عزمك، واحتم بالاحتمال، فهو أنصر لك من الرجال. وزين مجلسك بألمعيتك، وسس نفسك قبل رعيتك وامزج الرغبة بالرهبة، وارع لأوليائك حقوق الصحبة، وادفع بالتي هي أحسن، وأت من المعروف بما أمكن: واصنع جميلاً ما استطعت فإنه ... لا بد أن تتحدث السمار وتجاوز عن الهفوات، وادرأ الحدود بالشبهات. وأنجز الوعد وأخلف الوعيد، وقيد لفظك فلديك رقيب عتيد، وتفكر في العواقب، والحظ الأخرى بعين المراقب:
следующие страницы →