← Адаб

Адаб · id 575

نسيم الصبا

ابن حبيب الحلبي

Полный текст (130 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد حمد الله الذي أعلى مقام أهل الأدب، واستخرج من بحار خواطرهم الخاطرة ما يقضي لهم بالعجب، وجمع بهم شتات الفوائد، وأمدهم بكلمات يقف عندها رائد العوائد، ونفى عن كامل فضلهم قول ليت ولكن، وحرك بما يبدونه من المطرب والمرقص كل ساكن، والصلاة والسلام على نبيه الفائض على أقواله صوب الصواب، وعلى آله وأصحابه الذين بأساليب آدابهم الحسنة تُسلب الألباب. فهذه ثلاثون فصلاً، طالت فروعاً وطابت أصلاً، تشتمل على ألفاظ أرق من الشمول، ومعان بعيون عقائلها تفتن العقول، وأنشأتها بعد الإاقة من نشوة الصبا وسميتها حيث ملكت زمام اللطف نسيم الصبا وأودعتها

стр. 2

أبياتاً لغيري على وجه التضمين، محلياً جيد منثورها بالمنظوم من عقدها الثمين، منبهاً عليها بالحمرة، مظهراً ما لها على مأمور قولي من الإمرة، والله يهدي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. الفصل الأول: في السماء وزينتها أيقظتني ليلة دواعي الهموم، فنظرت نظرة في النجوم فإذا السماء كأنها روضة مزهرة، أو صرح كنَّسُ جواريه مسفرة، أو غدير تطفو عليه الفواقع، أو بنفسج نور أقاحه لامع، أو مسح ألقي عليه دررُ غواص، أو ستر به لعين كل نجم وصواص، أو جمر في خلال رماد، أو كما قال من أجاد: بساط زمرد نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم ونهر المجرة يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذابل نرجسها، وياله من نهر صفا ماؤه، وعقد على الأفق لواؤه، ينقلب القلب إليه، ويقف طِرف الطرف عليه، ويقبل نحوه الدبران، وينصب على شطه الميزان، ويحوم حوله النسران، ويعوم فيه الحوت والسرطان والثريا كأكرة أو كجام ... أو بنان أو طائر أو وشاح

стр. 3

أو باقة من نرجس، أو كأس يدار في المجلس، أو شمع يتوقد، أو شمس من عسجد، أو شذر منضود، أو كرم أو عنقود، أو عقد لؤلؤ حسن الاتساق، أو أقراط خَود ترتعد فرقاً من الفراق: وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان أو كمصباح تلعب به أيدي الرياح، أوظامئ يريد أن يرد، أو فارس في حمي الحمى مجتهد، أو مُشوق يتبع الآثار، أو غريب لا يزور ولا يزار، أو غريق يدعي قوة السباحة، أو ماجد أنف من الذل فألف السباحة، أو مغاضب يدعى فلا يجيب، أو محب يغض الطرف ويفتحه خوف الرقيب، والجوزاء النيرة كالشجرة المنورة: كأنها منطقة من ذهب ... قد عقدت على قباء أزرق والفرقدان الهاديان المرشدان: كأنهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه: قل فإني سامع والذراع يذرع شقة الأفق، والجبهة تسجد على مفارق الطرق، والعيوق يعوق عن السير إذا سار، والعوا أعينها نشاوى قد تغشاها خمار، والسماك معتقل رمحه، والنثرة منتظمة كالسُبحة، والنعائم تحدوها النعامى، وزهرة الزهرة تضيء بين الخزامى،

стр. 4

وبهرام يُخجل البهرمان، والإكليل ليس يكل من مسايرة الأظعان، والمقدم لا يتأخر عن الإعناق والإيجاف، والصرفة قد همت مع العسكر بالانصراف: تمر بوادياً ليلاً وتطوى ... نهاراً مثل ما طوي الإزار فكم بصقالها صدي البرايا ... وما يصدى لها أبداً غرار فبينما أنا أسرح في درر الدراري نظري، وأروّض في رياضها جواد فكري. وأقدس من هي مسخرات بأمره، وأنزه من هدى خلقه بها في بره وبحره، إذ هب نسيم السحر يروي عن أهل نجد أطيب الخبر، فعطر الكون بعرفه، وملك الرق برقته ولطفه، وأهدى الروح إلى الأرواح، وأطرب السمع بأحاديثه الصحاح: فهو حياة لكل حي ... كأن أنفاسه نفوس فاستبشرت بوروده، وحصلت على الفائدة من وفوده، وسرّ بمناجاته سرّي، وقلت له والدموع تجري: أعد ذكر من حل الغضا يا محدثي ... وإن أضرموه بالأضالع والصدر ولا تنس سكان العقيق وإن هم ... على وجنتي أجرَوه في مدة الهجر

стр. 5

فلما أتمت الإنشاء، والانشاد وشرعت في طلب الإسعاف والإسعاد؛ تبسم الفجر ضاحكاً من شرقه، ونصب أعلامه على منازل أفقه، فانطوى نشر الليل، وكف من غمره الذيل، وارتفعت الحجب، وتأججت نار الشهب، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام، وفضّ كافور النور عن الغسق مسك الختام: وشردّ الصبح عنا الليل فاتضحت ... سطوره البيض في ألواحه السود وفلت جيوش الدجا، وحرك النهار منه ما سجا، وجنح جنحه إلى الرحيل، وتلا لسان حال التحويل: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ الفصل الثاني: في الشمس والقمر بكرت يوماً بعد أداء الفرض، أتفكر في خلق السموات والأرض، فلمحت المشرق بالنظر، وإذا قرن الغزالة قد ظهر، كأنه جذوة نار، أو قطعة من دينار، أو كأس سُتر بعضه بالحباب، أو حسناء غطت وجهها بنقاب، ثم كشفت أستارها، وألقت على الأفق أنوارها، وبرزت كأنها كرة في ميدان، أو مجَنّ دولاب ضمخ بالزعفران، أو مرآة لم

стр. 6

تصقل ولم تطرق، أو وجه المليحة في خمار أزرق، أو سبيكة زجاج منتفخة الجوانب، أو بُودقة يحرك فيها ذهب ذائب. وكأنها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق فقلت أهلاً بالجارية، التي في طلعتها ما يغني عن الجارية، والعين التي تغار منها العين، والجونة التي وضح منها الجبين، والسراج الوهاج التي تبرجت بها الأبراج، أنت المخصوصة بالشرف والرفعة، أنت واسطة عقد الكواكب السبعة، أنت للحكمة برهان، وللفلك معيار وميزان، أنت الناطقة في صمتها، التي قصر البليغ عن وصفها ونعتها، أنت ملك مقدم، أنت النير الأعظم، أنت يوح التي تغدو في مصالح العالم وتروح، أنت ذكاء التي ذكت نارها، أنت الضحى التي علا منارها، أنت الشمس، التي بها تعرف الأوقات الخمس، بك ينشر الظل ويطوى، ويشتد النبات بعد ضعفه ويقوى، ويستدل على طريق الصواب، ويعلم عدد السنين والحساب، لما سفرت رافلة في الحلل المعصفرة، حيت آية الليل وجعلت آية النهار مبصرة، وناهيك بها منزلة، وحسبك أن صفاتك في الكتاب منزلة، ثم تمشت على بساطها وخطرت

стр. 7

في وشيها ورياطها، وسبحت في فلكها مرشدة إلى الحقائق، مظهرة أسرار الساعات والدرج والدقائق. تسمو إلى كبد السماء كأنها ... تبغي هناك دفاع أمر معضل واستمرت سائرة يحدوها مر النسيم ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. فلم يزل فكري يصاحبها، وطرفي يرعاها ويراقبها: حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائلٍ عن منزل ثم انثنت تبغي الخدورَ كأنها ... طيرٌ هفا لمخافة من أجدل فلما حجبت عن العيون شخصها، وخطف المغرب من يد المشرق قرصها، واكتحلت جفون الأفق بالنار، وطرد زنجي الليل رومي النهار، بزغ الهلال، بأمر ذي الجلال، كأنه قوس موتور، أو زورق منحدر في بحر الدَيجور، أو شطرُ سِوار، أو منجلٌ معدّ لحصاد الأعمار، أو خنجر مرهفُ النصلَين، أو نونٌ مرسومة الشأفة: الأصل من لُجين، شفة كأس مائلة، أو مخلب عقاب صائلة، أو قطعة من قيد، أو فخ نصب للصيد، أو حرف جيم، أو عرجون قديم، أو حاجب شيخ أدركه الشمط،

стр. 8

أو نعل من حافر أدهم الدجا سقط، أو ذباب سيف خرج من جفنه، أو راكع يعبد من لا يحدث أمر إلا بإذنه. وفي معناه من قصيدة وترى الهلال يلوح في أفق السما ... يبدو كقوس بالمنى يرميني أو شبه فخ أو كدملج غادة ... وكجانب المراّة العرجون وجبين حب بالعمامة قد زها ... وكوجه خود بالنقاب مصون وكتاب فيل أو قلامة أنمل ... وكزورق وكحاجب مقرون أو كالسوار أزيل منه البعض أو ... قربوس سرج مذهب أو نون وكشأفة الكأس المخبأ بعضه ... ضمن الشفاه ومنجل مسنون هو منجل الأعمار للحصد الذي ... يُفني أولي التزيين والتحسين وإذا مضى سبع تراه كأنه ... نصف لتعويذ بدا لعيون وإذا تكامل صار جاماً صافيا ... كأنه من لؤلؤ مكنون

стр. 9

أو غادة قد أسفرت عن وجهها ... غنيت عن التحسين والتزيين هذا هو المشهور في تشبيهه ... قدماً وذلك جمعه يكفيني فقلت: مرحباً بمن ثياب مناوئه رثاث قر عيناً ستعود قمراً بعد ثلاث. ثم تصير بدراً، إن في ذلك لذكرى: وإذا رأيت من الهلال نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً أنت الزمهرير الذي ليس له في نضارته نظير، أنت الزبرقان الذي له في كل شهر مهرجان. أيها القمر كم محب طاب له فيك السمر، أيها الواضح الباهر، ما أنت إلا مثل سائر، أيها البدر الكامل، الذي فضله للبرية شامل، لا تأس على ما فاتك من الدرج، ولا يكن في صدرك من الغزالة حرج: فقد تخمد الشمس الصباح بضوئها ... تفاوتت الأنوار والكل رائق منازلك معروفة، ومحاسنك موصوفة، وشرفك باذخ، وقدمك راسخ، وآياتك ظاهرة، وسفارتك سافرة، وكم أوضحت من طريق، وهديت الرفيق إلى الفريق، وذكرت محبوباً

стр. 10

لمحبوبه، وبلغت طالباً غاية مطلوبه، أحسن بضوء ذبالتك وحسبي مثالاً بهالتك، جعلك الباري في السموات نورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا. فسبحان من جلا بمحياك حندس الغسق، وأقسم بك في قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، قدرك أثيث أثيل، ومحبك نبيه نبيل، ووجهك يابثينة الحسن جميل: على رسل فما لك من مجار ... إلى رتب العلاء ولا رسيل فتبارك أسم من ألبسكما أحسن الحبر، وتعالى جد من جعلكما مصباحين لأهل النظر، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر. ثم لم يبرح يسري وأنا لا أبرح، وينجلي وأنا أشاهد وجهه الأصبح، إلى أن غاب واختفى، وحسبنا الله وكفى. الفصل الثالث: في السحاب والمطر إن الله تعالى حكم دائم النفوذ، وحكيم يهدي شفاء النجاة لمن به يلوذ. وله أسرار معناها دقيق، لا يفهمه إلا أرباب التحقيق. أمسك الغيث عن عباده في عام، فخاض كل منهم في بحر دمعه وعام. وساءت الظنون بضن السحاب، واشتاق النبات إلى سماع وقع الرباب. وظمئت الحياض، وعبست وجوه الرياض. واستدت العيون بالنقع المثار، وتعطلت

стр. 11

من حلى المزن أجياد الأزهار. وذهلت العقول لفقد الصوب عن الصواب، وقص جناح السرور وطارت الألباب. وطوي بساط الإنبساط ووقع القول في هياط ومياط. وطالت عهود العهاد، وتأهبت الأرض للبس أثواب الحداد: وأصابت نبت الربا فاصل عين شمس ... أورثته مذلة واصفرارا كلما جال طرفها ترك النا ... س سكارى وما هم بسكارى فبينما هم يجرون أذيال الكآبة، ويرفعون الدعاء إلى مواطن الإجابة، تداركهم الله بالطف الخفي، وانثال عليهم المن الحفي، ونظر الله عليهم بعين حكمته، وحرك ساكن الرخاء لتجري بنعمته، وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته، فمدت أعناقها، وجدت إعناقها وركضت عادياتها، وجرت على أحسن عاداتها، وسدلت من أرديتها الأردان، وارخت العنان في طلب العنان: ورياح تبشر الأرض بالقطر ... كذيل الغلالة المبلول ووجوه البقاع تنتظر الغيث ... انتظار المحب رد الرسول فأقلت سحاباً ثقالاً، يستهل كرماً ونوالاً، مشكي الإهاب، خصيب الجناب، فسيح الرحاب، صادق الوعود، متلاحق الوفود، كثير الأعوان والجنود، يؤذن بالموارد الطامية، وشفاء

стр. 12

الشفاه الظامية، وإثراء فقير الثرى، وإجراء دمعه أسفاً على ما جرى: أكب على الآفاق إكباب مطرق ... يفكر، أو كالنادم الملتهف ومد جناحيه إلى الأرض جانحاً ... وراح عليها كالغراب المرفرف والرعد يزجره ويسوقه بين يديه، فإذا قصر صاح به وزمجر عليه، تارة يترنم كالحمام، وطوراً يزأر كالأسد الضرغام: وكأن صوت الرعد خلف سحابة ... حاد إذا ونت النجائب صاحا والبرق يلمع ويلمع، ويمنح ثم يمنع، كأنه ثغر أشنب، أو قبس يلتهب، أوحسام يمان، أو فؤاد جبان، أو سلاسل من ذهب، أو أشهب مال جله حين وثب أو أنامل بعض الحساب، أو حية تتلوى، أو كف خضيب يمد ويقبض، أو خود تعرض بعد أن تتعرض: ترى الأرض منه وقد فضضت ... ووجه السماء وقد ذهبا وقوس الغمام للجو نطاق، لا بل تاج على مفارق الآفاق، يزهو بلجَينه وعسجده، ويفخر بياقوته وزبرجده:

стр. 13

كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض فلما تراكمت السحائب، واجتمعت حولها الكتائب، واتسع صدرها، واستحكم أمرها، وحلق بالجو ناهضها واعترض في الأفق عارضها، ونصبت راياتها، وانتهت غاياتها، وآن رحيلها وتفريق شملها، وحان وضعها وفصال حملها، أجرت مدامعها، وردت ودائعها، وحلت نطاقها، وفكت أزرار أطواقها، وحثت الركائب، وأسبلت الذوائب، وسمحت بطلها وطشها، وسكنت رهج الغبراء برشها، وأروت الحرة برذاذها وهطلها، وأذهبت الحرقة بديمها ووبلها، وآثرت بجودها وجودها، ونثرت على بساط الأرض جواهر عقودها. أبو هلال العسكري: تخال بها مسكاً وبالقطر لؤلؤاً ... وبالروض ياقوتاً وبالوحل عنبراً كم أبدت إحساناً وبراً، وبردت من كبد حرى، وأسدت معروفاً، وأغاثت ملهوفاً، وساقت إنعاماً، وسقت حرثاً وأنعاماً، وكفت هماً حين وكفت، وقرطت اّذان الأغصان وشنفت، وأنشرت أمواتاً، وأخرجت حباً ونباتاً، ونشرت مطرفاً بعد الطي ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وكم نقعت غليلاً، ونفعت عليلاً،

стр. 14

وملأت حياضاً، ونورت رياضاً، وأذلت دراً مصوناً، وشرحت صدوراً، وأقرت عيوناً، وألبست الحدائق بروداً عليها طلاوة، وأهدت للزهر قطراً ظاهر الحلاوة: ترى فواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر فأمسى الناس في عيشة راضية، يرفلون في حلل الرفاهية، أمرعوا بعد الضنك والشظف، وأخصبوا بعد الجدب والطفف، وأصبح محل المحل دارساً، ووجه الأمل يضحك بعد أن كان عابساً، وأخذت الأرض زخرفها بعد أن كان زرعها يهيج، واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فثغورها مبتسمة، وفرائد قلائدها منتظمة، ونمارقها مدبجة، ورؤوس أشجارها متوجة، وغدرانها طافحة، ومخايل السعادة عليها لائحة، وألسنة أهلها مشتغلة بشكر علام الغيوب، وقلوبهم مطمئنة بذكره ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. يبدئ ويعيد، ويمتحن العبيد، ثم يفتح لهم أبواب جوده الوافر وفضله المديد. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾. الفصل الرابع: في الليل والنهار أرقت ذات ليلة في مهادي، فسمعت طارقاً ينادي في النادي

стр. 15

عتاب بن ورقاء الشاعر: إن الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار فقمت من مضجعي، وقد بل ردني مدمعي، متحيراً في أمري، متأسفاً على ما فات من عمري، وقلت: أيها الطارق في ظلمة الليل الغاسق، هل لك في المنادمة؟ فقال: كم نديم سفك المنى، دمه. ثم سلم وجلس، وما تنفس وما نبس. فقلت: يا من شنف السمع بدُره، اذكر لي شيئاً في طول الليل وقصره. فقال: وليل كواكبه لا تسير ... ولا هو منها يطيق البراحا كيوم القيامة في طوله ... على من يراقب فيه الصباحا مقيم ليس يبرح، وعاجز لا يظعن ولا ينزح، برد نجومه لا يذوب وغائب ضوئه ليس يؤوب، لا يبلى جديد مسحه، ولا يجنح إلى الحركة ساكن جنحه، عليله ما يرجى صلاحه، وصباحه، لا يلوح مصباحه، قطع الطريق على السحر، وعذب أجفان المحبين بالسهر: حدثوني عن النهار حديثاً ... أوصفوه، فقد نسيت النهارا كأنه صريع راح، أو طائر مقصوص الجناح، أو أسير يخبط

стр. 16

في قيده، أو بحر منع الجزر عن مده، أوكسير ليس له على النهوض اقتدار، أو ضرير يئس طرفه من رؤية النهار: أو هائم غمر بقطع الفلا ... قد حار لا يدري بمن يهتدي؟ أو جيش زنج بالثرى قد ثوى ... أو دارة حيث انتهت تبتدي واعلم أيها البصير الناقد، أنه يطول على المهجور الفاقد، ويقصر على المسرور الراقد أبو سام ﵀: ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال، وإن زارت فليلي قصير فقلت: إيه أيها الإمام، أسمعني شيئاً في وصف الأيام. فقال ابن الرومي ﵀: لله أيام تقضت لنا ... ما كان أحلاها وأهناها مرت فلم يبق لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها حيث الوقت معين، دماء الشيبة معين، ونشر البشر فائح، ونور الهناء لائح، والحبيب مجيب، والرقيب غير قريب، وغصن الصبار طيب، ومطرف اللهو قشيب، والعيش غض والدهر غضيض الطرف، وسعاد السعد ممنوعة من الصرف: والشمل مجتمع، والجمع مشتمل ... على الجميل وحسن الخلق والخلق

стр. 17

أيا أخا الأدب، إلى كم ذا الحرص والدأب، الأيام نجمها غرار، ومدعي الوفاء منها غدار، كثيرة الملال، سريعة الزوال، تفرق الحبائب، وتسترجع المواهب، ذمامها ذميم ومسالمها سليم. تحل العقود، ولا تحفظ العهود، تكدر الصافي من الشراب، وتعد الظامئ بورود السراب، لقد سقط من تمسك بعراها، وتعب من قصد الراحة من ذراها. قال التهامي رحمه الله تعالى: ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار ثم قال: مضت الجهمة والشفق، والفحمة والغسق والقطع والسدفة، والبهرة والزلفة وآن لنسمات السحر أن تتبختر، ولعيون الفجر أن تتفجر. وقام للوداع، فقلت زودني بأنعم المتاع. فقال: دع إزار الأوزار، واتق من لا تدركه الأبصار، وسبحه بالعشي والإبكار ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾. الفصل الخامس: في أقسام العام حضر فصول العام مجلس الأدب في يوم بلغ منه الأريب نهاية الأدب، بمشهد من ذوي البلاغة، ومتقني صناعة

стр. 18

الصياغة. فقام كل منهم يعرب عن نفسه، ويفتخر على أبناء جنسه، فقال الربيع: أنا شاب الزمان، وروح الحيوان، وإنسان عين الإنسان، أما حياة النفوس، وزينة عروس الغروس، ونزهة الأبصار، ومنطق الأطيار. عرف أوقاتي ناسم، وأيامي أعياد ومواسم، فيها يظهر النبات، وتنشر الأموات، وترد الودائع، وتتحرك الطبائع، ويمرح جَنيب الجنوب، وينزح وجيب القلوب، وتفيض عيون الأنهار، ويعتدل الليل والنهار. كم لي عقد منظوم، وطراز وشي مرقوم، وحلة فاخرة، وحلية ظاهرة، ونجم سعد يدني راعيه من الأمل، وشمس حسن تنشدنا بأبعد ما بين برج الجدي والحمل. عساكري منصورة، وأسلحتي مشهورة: فمن سيف غصن مجوهر، ودرع بنفسج مشهّر، ومغفر شقيق أحمر، وترس بهار يبهر، وسهم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أزرق، تحرسها آيات، وتكنفها ألوية ورايات. بي تحمر من الورد خدوده، وتهتز من البان قدوده، ويخضر عذار الريحان، وينتبه من النرجس طرفه الوسنان، وتخرج الخبايا من الزوايا، ويفتر ثغر الأقحوان قائلاً: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا:

стр. 19

إن هذا الربيع شيء عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء وقال الصيف: أنا الخل الموافق، والصديق الصادق، والطيب الحاذق. أجتهد في مصلحة الأصحاب وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب، وأخفف أثقالهم، وأوفر أموالهم، وأكفيهم المؤونة وأجزل لهم المعونة، وأغنيهم عن شراء الفرا، وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا، نصرت بالصبا، وأوتيت الحكمة في زمن الصبا. بي تتضح الجادة، وتنضح من الفواكة المادة، ويزهو البسر والرطب، وينصلح مزاج العنب، ويقوى قلب النور، ويلين عطف التين والموز، وينعقد حب الرمان، فيقمع الصفراء ويسكن الخفقان، وتخضب وجنات التفاح ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح، وتسود عيون الزيتون، وتخلق تيجان النارنج والليمون، مواعدي منقودة، وموائدي ممدودة. الخير موجود في مقامي، والرزق مقسوم في أيامي. الفقير ينصاع بملء مده وصاعه، والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه. والوحش تأتي زرافات ووحدانا، والطير تغدو خماصاً وتروح بطانا.

стр. 20

ابن حبيب رحمه الله تعالى: مصيف له ظل مديد على الورى ... ومن حلا طعماً وحلل أخلاطا يعالج أنواع الفواكه مبدياً ... لصحتها حفظاً يعجز بقراطا وقال الخريف: أنا سائق الغيوم، وكاسر جيش الغموم، وهازم أحزاب السموم، وحادي نجائب السحائب، وحاسر نقاب المناقب. انا أصد الصدى وأجود بالندى، وأظهر كل معنى جلي، وأسمو بالوسمي والولي، في أيامي تقطف الثمار وتصفو الأنهار من الأكدار، ويترقرق دمع العيون، ويتلون ورق الغصون، طوراً يحاكي البقم وتارة يشبه الأرقم، وحيناً يبدو في حلته الذهبية، فينجذب إلى خلته القلوب الأبية. وفيها يكفى الناس هم الهوام، ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام، وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها، رافلة في الملابس المجددة من ريشها، وتعصفر بنت العنقود، وتوثق في سجن الدن بالقيود، على أنها لم تجترح إثماً، ولم تعاقب إلا عدواناً وظلماً. بي تطيب الأوقات، وتحصل اللذات، وترق النسمات وترمى حصى الجمرات، وتسكن حرارة القلوب، وتكثر أنواع المطموم والمشروب. كم لي من شجرة

стр. 21

أكلها دائم، وحملها للنفع المتعدي لازم، وورقها على الدوام غير زائل، وقدود أغصانها تخجل كل رمح ذابل ابن حبيب ﵀. إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حلة كالعروس غيره كان للعيون ربيعاً ... وهو ما بيننا ربيع النفوس وقال الشتاء: أنا شيخ الجماعة، ورب البضاعة، والمقابل بالسمع والطاعة. أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب، وأتحفهم بالطعام والشراب. ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب. أميل إلى المطيع، القادر المستطيع، المعتضد بالبرود والفرا المستمسك من الدثار بأوثق العرا، المرتقب قدومي وموافاتي، المتأهب للسبعة المشهورة من كافاتي. ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري، أرجفته بصوت الرعد، وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد، وسرت إليه بعساكر السحاب، ولم أقنع من الغنيمة بالإياب. معروفي معروف، ونيل نيلي موصوف، وثمار إحساني دانية القطوف. كم لي من وابل طويل المدى وجود وافر الجدا، وقطر حلا مذاقه، وغيث قيد العفاة إطلاقه، وديمة تطرب السمع بصوتها،

стр. 22

وحيا يحيي الأرض بعد موتها، أيامي وجيزة، وأوقاتي عزيزة، ومجالسي معمورة بذوي السيادة، مغمورة بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه بالعجب، ومناقلها تسمح بذهب اللهب، وراحتها تنعش الأرواح، وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالاً ممدودا، وإن زرتها شاهدت لها بنين شهودا: وإذا رميت بفضل كاسك في الهوى ... عادت عليك من الدقيق عقودا يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عوداً وحرق عودا فلما نظم كل منهم سلك مقاله، وفرغ من الكلام على شرح حاله، أخذ الجماعة من الطرف ما يأخذ السكر، وتجاذبوا أطرف مطارف الثناء والشكر، وظهرت أسرار السرور، وأنشرت صدور الصدور، وهبت قبول الإقبال، وأنشد لسان الحال: وماذا يعيب المرء في مدح نفسه ... إذا لم يكن في قوله بكذوب؟ ثم انفض المجلس وحل النطاق، وتفرق شمل أهله وآخر الصحبة الفراق.

стр. 23

الفصل السادس: في البحر والنهر هزتني رياح الأمل البسيط، إلى امتطاء ثبج البحر المحيط. فأتيت سفينة يطيب للسفر مثواها، وركبت فيها ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، موقناً بأن المقدور صائر، معرضاً عن قول الشاعر: لا أركب البحر أخشى ... علي منه المعاطب طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب يالها سفينة، على الأموال أمينة، ذات دسر وألواح، تجري مع الرياح، وتطير بغير جناح، وتعتاض عن الحادي بالملاح. تخوض وتلعب، وترد ولا تشرب. لها قلاع كالقلاع وشراع يحجب الشعاع، وسكينة وسكان ومكانة وإمكان، وجؤجؤ وفقار، وأضلاع محكمة بالقار وجسم عار من الفؤاد، وهو في عين الماء بمنزلة السواد، بعيدة ما بين السحر والنحر، من أحسن الجواري المنشآت في البحر. معقود بنواصيها الخير كالخيل لا تمل من سير النهار ولا من سرى الليل: ما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها تسير سير القداح

стр. 24

كأنها وعل ينحط من شاهق، أو عرباض سابق يحثه سائق، أو عقرب شائلة، أو عقاب صائلة. أوغراب أعصم، أو تمساح أو أرقم، أو ظليم ثفر في الظلام، أو جواد فر مستنكفاً من صحبة الأنام. حاكمها عادل في حكمه، عارف بنقض أمرها وبرمه، يهتدي بالنجوم، ويبتدئ باسم الحي القيوم، يبرز من نواتيها في جنود، يشمل إحسانهم أهلها أيقاظاً وهم رقود. يتأنفون فيما يعمرون، ويفعلون ما يؤمرون: يكثرون الصياح حتى كأن الس ... فن تجري من خوف ذاك الصياح فبينما نحن من البحر في قاموسه، كتب الجو حروف الغيم في طروسه، وثارت ريح عاصف، يتبعها رعد قاصف. فمالت بنا الفلك واضطربت، ودنت شفتها من رشف الماء واقتربت، واستمرت ترفع وتخفض، وتقرب وترفض، وتعلو على الأوتاد، وتهيم في كل واد، وتحوم وتحول، وتجود وتجول، وتضرم في الكبود نار ناجر، إلى أن بلغت القلوب الحناجر: ألا فارجه واخشه إنه ... هو البحر فيه الغنى والغرق ثم نظر إلينا من لا تخفى عليه السرائر، وأمر الجارية بحمل العبيد إلى بعض الجزائر، فلم ندر إلا

стр. 25

ونحن تجاه جزيرة، تسر النفوس بمحاسنها الغزيرة، فانحدرت ماضياً إلى بينها، نائياً عن السفينة وساكنيها، فوجدتها مخضرة الأفنان، مخضلة الكثبان، بها من الياقوت ما يرجع خاسئاً مناويه، ومن الأشجار ما يحمل الفواكه والأفاويه. وبين رياضها نهر شديد الخصر، أرضه ذهب وحصباؤه درر، وأمواجه عكن وداراته سرر: عذب إذا ما عب منه ناهل ... فكأنه من ريق خود ينهل لين الأديم، مزاجه من تسنيم، يصقله الصبا ويفركه النسيم، فكأنه دروع موضونة، أو مبارد مسنونة، أو دمع يتسلسل، أو أفاع تتململ، أو ذوب فضة يسيل، أو صفحة سيف صقيل، أو لوح بلور مرقوم، أو رحيق بالمسك مختوم: وكأن الطيور إذ وردته ... من صفاء به تزق فراخا إن مالت إليه الغصون فالشخوص ترقص في الخيال، وإن كرعت منه الظباء فالغيد يرشفن من ثغور أترابهن الزلال. وإن أشرقت عليه النجوم خلت الفلك يدور في أرجائه، وإن تجلى له البدر حسبته قلباً خافقاً بين أحشائه. قال مؤيد الدين الطغرائي: والشمس إن وافته رأد الضحى ... حسناء في مرآته ناظره

стр. 26

أنموذج الماء الذي جاءنا ال ... وعد بأن نسقاه في الآخره فلبثت فيها مدة، مفكراً فيما رأيت من الفرج بعد الشدة، مؤمناً بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، واقفاً على شكر من تجري الفلك في البحر بأمره: ربما تجزع النفوس لأمر ... ولها فرجة كحل العقال ولم أزل بها في أحسن حال، وأرغد عيش وأنعم بال، إلى أن حرك الله مني ما كان ساكناً، وأدخلني مصر بمشيئته آمناً. الفصل السابع: في المعقل والدار عرض لي فكر أثار العزيمة، إلى مشاهدة الآثار القديمة، فأعددت الزاد، وسرت أجوب البلاد، وأصل العنق بالوخد والزميل وأكتحل من إثمد الفلاة بميل بعد ميل. فبينما أنا أترامى لنيل المرام، لاح لي بناء على أيهم خشام فتوجهت مسرعاً للوقوف عليه، واجتهدت إلى أن توصلت إليه، فرأيت معقلاً يسبي العقول، ويجر على السحاب فضل الذيول، رفيع الذرا رحيب الذرا رأسه فوق الثريا، وأسه تحت الثرى، صهوته عالية وثغوره حالية، ومهور عرائسه غالية، الجوزاء لخصره منطقة والزهرة في أذنه

стр. 27

كالشنف معلقة، يباهي الأفلاك ويسمو إلى السماك، ويعلو على الزواهر، ويخجل الشمس بنوره الباهر، ويعوق العيوق، وينادم القمر عند الصبوح والغبوق: إذا ما سرى برق بدا من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل الحجب سوره منعطف كالسوار، وأبراجه تدهش بتبريجها الأبصار، وشرفاته تلمع كالمشرفية، وخبايا صياصيه عن الأوهام خفية. ممنعة مصادره وموارده، متسعة معالمه ومعاهده، لايرى الوعل أعلى طوره، ولا يبلغ الطرف منتهاه لعجزه وقصوره، عروقه مؤتزرة بالتخوم، وفروعه متوجة بالنجوم، وبنيانه مرصوص، وخواتمه مرصعة بجواهر الفصوص، لايتصل الفناء بفنائه، وتظهر العزة على من يرجو تملك أرجائه. عقوده محكمة، وأحجاره مهندمة، وأركانه مشيدة، وملابسه مع القدم جديدة، وقواعده مرفوعة، وأقوال ديكته في السماء مسموعة. له عقاب عُقاب الجو حائمة ... من فوقها فهي تخفى في خوافيها وبوسطه دار دار بها فلك السعود، وأورق لطالب كنزها عود الوعود، وسحت عيون ساحتها ورفع في العقار فرش

стр. 28

عقرها وباحتها، وتوقفت الكواكب لمراقبة عجائبها وغرائبها، وسال لعاب الشمس من الحيرة في ملاعبها. أنيقة المباني، مأهولة بأهلة المعاني، تنشرح الصدور في قاعاتها وبقاعها، وتخبر محاسنها بصنائع أهلها وحذق صناعها: إذا فتحت أبوابها خلت أنها ... تقول بترحيب لداخلها: أهلاً رحبة الأكناف، بديعة الأوصاف، تدل على أنها كانت منزل الأشراف، ومقر قرى الأضياف، ومقعد الوفود، ومحل الكرم والجود. تحار الأعين في وشي أزاهيرها، وتقصر الألسن عن تقريظ مقاصيرها. مياه بركها غزيرة، وجدرانها بالتمكين جديرة، وأشجارها لم تزل مورقة مثمرة، ولياليها لا تبرح بالسنا على مر السنين مقمرة: تتقابل الأنوار في جنباتها ... فالليل فيها كالنهار المشمس كم بها من صدر مجلس مشروح، وسقف مرفوع وباب مفتوح، وبهو بالبهاء تراه أثرى، وإيوان يكسر بسهام قوسه جيش إيوان كسرى، وحدائق لم تنبت بالتراب، ولا جادتها أيدي السحاب، وتصاوير تحرك العارف بسكونها، وتفتن الألباب بحمرة خدودها وسواد عيونها، وتبعث الخواطر بمعانيها ومغانيها، ويكاد ماء الذهب يقطر من أعاليها، قد جل عن الترخيم رخامها، وتوفرت من المحاسن أقسامها، وابيضت

стр. 29

وجوه مرمرها، وزادت بهجة جباهها وطررها، وتخلقت أثواب ساجها واجتمع شمل أبنوسها وعاجها، وعلت رتبة أرائكها، وغلت قيمة سبائكها، فلو ساجلها الروض لذهب مع الرياح عرفه ولو كحل بنورها الأعمى لارتد إليه طرفه: ديار عليها من بشاشة أهلها ... بقايا تسر النفس أنساً ومنظرا فلما أحاط علمي بغوره ونجده، وبلغ رائد فكري منه غاية قصده، أدخلته في زمرة عقائل المعاقل، ونظمته في سلك ما أتكلم عليه في المحافل، وسألته عن بانيه وساكنيه فلم يجب. ثم قال بلسان الحال: كل منهم بغمام الرغام قد حجب. فحققت أن الدهر يديل كل مصون، وتلوث: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وخرجت منه معتبراً، وظلت في طريقي متذكراً: قلت يوماً لدار قوم تناءوا ... أين سكانك الكرام لدينا؟ فأجابت هنا أقاموا قليلاً ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا؟ الفصل الثامن: في الأشجار والثمار لما صدئت مرآة الجنان، قصدت لجلائها الجنان، فطرقت الباب فقيل: من؟ فقلت: فتى لا يدري من له فتن؟ ففتح

стр. 30

الوصيد ودنا المراد من المريد، فدخلت إليها، وما كدت أن أقدم عليها. فإذا جنة عالية، قطوفها دانية، وطلحها منضود، وظلها ممدود، وأعلام أشجارها مرفوعة، وفاكهتها كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة. ربع الربيع بها فحالت كفه ... حللاً بها عقد الهموم يحلل تجوس المياه خلال ديارها، وتشرق بآفاقها أنوار نوارها، وتحدق الحدق بفنون أفنانها، وتغني الوُرق على عيدانها، وتميد أدواحها على مذهب الأنماط، وتميس من الحلي في أحلى الشنوف والأقراط: كأن غصونها سقيت رحيقاً ... فمالت مثل شُراب الرحيق نزهة النواظر، وشرك الخواطر. كم لرقيق نسيمها من رقيق، قلبه مقيد ودمعه طليق، بها الأشجار لا تحصى، وثمار لا تعد ولا تستقصى، فمنها نخيل، مُتحفها غير بخيل، جُماره: جسم لطيف اللمس لكنه ... قد لف في ثوب من الصوف وطلعه: كصدر فتاة ناهد شق قلبها ... سماع فشقت عنه ثوباً ممسكا وبلحه: مكاحل من زمرد خرطت ... مقمعات الرؤوس بالذهب

стр. 31

وبُسره: كأنما خوصه عليه ... زبرجد مثمر عقيقا ورطبه: إهليلج من لجين ... مسمر بالنضار وتمره: يشف مثل كؤوس ... مملوءة من عُقار وكروم كريمة، منافعها عميمة: كأنما عنقودها ... زنج جنوا في سرقة فأصبحت رؤوسهم ... على الذرا معلقة أو الثريا عند الصباح، أو أوعية نور ملئت من الراح: كم درة فيها وكم جزعة ... صحيحة التدوير لم تثقب وتفاح سرى نشره وفاح، كأنه خمر جمد، أو جمر ما خمد، أو در جُمع معه ياقوت، أو وجنة من هي للقلوب في الدنيا قوت، نصفه من بهار، ونصفه من جلنار: كأن الهوى قد ضم من بعد فرقة ... به خد معشوق إلى خد عاشق وسفرجل جل قدراً، وأطلع من زهره زهراً: يحكي نهود الغانيات وتحتها ... سرر لهن حشين مسكاً أذفرا ينوب طعمه عن الراح، ويُهدي عطر الخود الرداح:

стр. 32

له ريح محبوب وقسوة قلبه ... ولون محب حلة السقم قد كسي وموز من نضار، كأنه أنياب فيلة صغار، أو طفل قماطه معصفر، أولفات زبد عجنت بسكر: أو مغرم أنحله وصفره ... بعد الذي بوصله ما ظفره وتين ممزق الجلباب، كدر القشر صافي اللباب: كأنه رب نعمة سلبت ... فعاد بعد الجديد في خلق ورمان بديع النظام، يبسم عن مثل حب الغمام، كأنه نهود الحسان، أو حقاق صندل حشيت بالمرجان: حقاق كأمثال الكرات تضمنت ... شذور عقيق في غشاء حرير في شجره جلنار أشرق وأنار: يحكي فصوص بلخش ... في قبة من زبرجد وإجاص أسود العين، لا يعتريه شيب ولا شين، كأنه كرات من العنبر، أو طليعة من الزنج تنتظر العسكر: وإذا ما قشرته ففصوص ... صبغتها بمائها الظلماء وخوخ ذو لونين، في بياضه وحمرته جلاء للعين: كوجنة غادة خافت رقيباً ... فغطتها بمحمر البنان وكمثرى لطيف الذات، حسن الصفات، في غاية اللطف والرقة، يذوب من الراحة ولا يحمل المشقة: كأنه في شكله ولونه ... وطعمه قوالب من سكر

стр. 33

ومشمش تقمص بالشفق، وتدرع بالورق، ككرات من العقيان، أو بنادق ضمخت بالزعفران: وكأنما الأفلاك من طرب به ... نثرت كواكبها على الأغصان وتوت خمري اللون، ليس له صبر على الصون مزمل بدمائه، لم يبق فيه غير ذمائه: يكاد بأن يفنى إذا ما لمسته ... فأرحمه من سائر الثمرات وعُناب نقي الإهاب، كأنه قلوب الأطيار، أو خرز ركب من النضار: أقراط ياقوت تحركها الصبا ... أو أنمل بالأرجوان مطرفة وفستق شريق كأنه عند التحقيق والتحديق: زبرجدة ملفوفة في حريرة ... مضمنة دراً مغشى بياقوت أو مسرور تبسم، أو مأسور فتح فاه ليتكلم: والقلب ما بين قشريه يلوح لنا ... كألسن الطير، من بين المناقير ولوز قلوبه مؤتلفة، وأثوابه مختلفة، لطيف المعاني، له بها جنة من الجاني كأنه خز بزه رفيع، أو عذار جديد شرط الخليع: أو سندس أخضر من تحته صدف ... أحسن به صدفاً في ضمنه درر

стр. 34

وجوز جسمه من العرعر، وقميصه من الزمرد الأخضر، صحيح التدوير، يسقط على الخبارلا على الخبير: والجوز مقشور يروق كأنه ... لوناً وشكلاً مصطكى ممضوغ وصنوبر يقري الضيف، لا يعرف رحلة الشتاء والصيف، كأنه طيور على ذرا القصب، أو كافور ضمخ بالمسك المنتخب: عقد لآل مشرق لونه ... في جوف أدراع من العود وأترج حسن ذرعاً وزرعاً، وطاب أصلاً وفرعاً، فيه روح وريحان، وهو للأغصان بمنزلة التيجان: أباريق من الذهب المصفى ... وقد سقطت عراها بالعراء ونارنج بهيج، طيب زهره أريج، كأنه مصابيح، تهزها أيدي الريح، أو عذراء صبغت بالورس إزارها، أو وجنه عاشق أضرم الوجد نارها: أو جذوة حملتها كف قابسها ... لكنها جذوة معدومة اللهب وليمون كأنه بنادق من لجين، أودعت غلفاً من العين مخافة العين: يشبهه بيض الدجاج وقد ... لطخه العابث بالزعفران وزيتون شجرته ميمونة، وأسرار أنواره مكنونة:

стр. 35

بدا لنا كأعين ... شهل وذات دعج مخضره زبرجد ... مسوده من سبج وخرنوب كقرن ظبي معطوف، أو هلال عاجله الخسوف: وكأنه مذ لاح في أوراقه ... أصداف در ضمنها مرجان ونبق جلبابه معصفر كأنه كهربا أصفر: أو عدة من شنوف ... قد علقت بالغصون وزعرور كالياقوت، مسك نكهته مفتوت: جلاجل مخضوبة عندماً ... أو خرز أخرطت من عقيق وبأرضها الباقلاء الذي فاح نشره، وصدق خَبر خُبره يبرز له من الكمائم، نور يحكي بلق الحمائم، كأنه لؤلؤ يقق، متلفع بمروط السرق أو خواتم من فضة، أو مخالب جوارح منقضة: فصوص زمرد في غلف در ... بأقماع حكت تقلم ظفر والخشخاش الذي تضيء بنوره الأغباش. أعلام تميل مع الرياح، أو أكاليل على رؤوس الرماح: حبلى تضم أُطيفالاً إذا درجوا ... رأيت شملهم المنظوم منشورا والكتان الذي رقت حواشي شققه وراقت محاسن

стр. 36

أخضره وأزرقه، وامتدت رياطه وحبره، وتبلبلت أصداغه وطُرره: إذا درجت فيه الرياح تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غدير وفيها من النبات ما يطول إليه بناني، ويقصر عن حصر وصف بعضه لساني. يسقى بماء واحد، ويبطل قول المعترض والجاحد، ولعمري لقد بلغتني ما أملته من جلاء قلبي المعمود، وأذكرتني ما لم أكن ناسياً من فنائها وبقاء جنة الخلود، فإنها - وإن طاب جناها، وأوقفت النفوس على حلي من سناها - مؤذنة بالتلاشي والرحيل، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ﴾. فلما قضيت منها وطري ثنيت عنها عنان نظري، ومضيت ذاكراً محاسن صفتها وموصوفها، شاكراً سرو سرورها وعرف معروفها: وعذراً فإني في الثناء مقصر ... وقولي بالتقصير يبسط لي عذرا الفصل التاسع: في الروض والأزهار جد بي الوجد في إبان الربيع، إلى رؤية الغيث بمنازل الربيع. فسرت أحدق في جوانب الحدائق، وصحبني من الشوق وسائق، يتلوهن حاد وسائق. فإذا أنا بروضة أريضة، عيون أزهارها مريضة، قد فاح أرجها،

стр. 37

وأضاءت سرجها، وبرز إبريزها، وحسن تطريزها، وأبدت من زينتها ما هو باللطف منعوت، ونثرت على الزمرد أصناف الدر والياقوت، وتحلت بما يروق إنسان كل إنسان وتجلت في رفرف خضر وعبقري حسان، أعلن السحاب أسرارها وهتك النسيم أستارها: كأن تفتحها بالضحى ... عذارى تحلل أزرارها حكت الخنساء لا في الحزن بل في الحسن والفخر. ولها عيون تجري على الديباج لا على الصخر، يضوع عرفها في الآفاق ولا يضيع، ويبهر الطرف من صنع صنائعها كل زهر رفيع. تنهار جداولها وأنهارها، ويضحك في وجه من أم بابها وأملها، ثغر نوارها: وما غربت نجوم الليل لكن ... نقلن من السماء إلى الرياض فمن ورد أحمر الإهاب، عندمي الخضاب: كالشمس شكلاً ونشر المسك رائحة ... واللؤلؤ الرطب في تفريجه عرق ملك جليل، مخصوص بالتبجيل، رفيع الجناب، خفيف الركاب. الرياحين جنده، والشوك سنانه وسلاحه، والعقبان والمرجان قلبه وجناحه: مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أجوافها ذهب

стр. 38

ومنه الأبيض المذهب المفضض: كأن وجوهه لما توافت ... بدور في مطالعها سعود بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرت من الخجل الخدود ومن نرجس باسم، عرفه ناسم: كأنما صفرته ... على بياض يقق أعشار جزء ذهبت ... من ورق في ورق له عيون هدبها من لجين، وحدقها من خالص العين، قامت من الزبرجد على ساق، فهامت بها قلوب العشاق: وأحسن مافي الوجوه العيون ... وأشبه الشيء بها النرجس ومن ياسمين يجلو البصر، كأنه أقراط من الدرر، يحفظ الذمام، ولا يمل من طول المقام. ثغوره ضاحكة، وحسنه آمن من المشاركة: والطرق الحمر في جوانبه ... كخد عذراء مسه عض ومن نسرين، جوهر عقده ثمين، درر على زبرجد، أو حقاق ورق فيها برادة عسجد: ما إن رأينا قط من قبله ... زمرداً يثمر بلورا ومن خلاف، ليس في طيب عرفه خلاف، حكي القدود باهتزازه، ويصل وعده بانجازه. كأنه ثمل من الراح وهو

стр. 39

يومئ برأسه نحوه، وكأن غصونه أحست برحلة الشتاء، فقلبت فروها: والبان تحسبه سنانيراً رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها ومن بنفسج حسن لباسه، وطابت انفاسه: كأنه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار في أطراف كبريت وفصوص فيروزج نضيدة، أو آثار قرص بخد خريدة، أو حروف لازوردية، أو بقايا نقش في راحة ندية: أو أعين زرق كحلن بأثمد ومن زعفران معطر الجيب والأردان: كأنه ألسن الحيات قد شدخت ... رؤوسها فاكتست من حمرة العلق أو بصيص رماد، أو ألفات كتبت بالذهب لا بالمداد: يتفرى عن قانيات حسان ... مثل هدب معصفر من رداء ومن لينوفر يألف المياه، طمعاً في دوام الحياه، صفره السقام وعذبه، وغربه الأمل وغربه: كأنه ودروع الماء تشمله ... تحت الشماع أكاليل الطواويس أو طرف باهت من الفراق يفرق، أو سابح ضعيف يعوم ويغرق. يخفى بالليل ويظهر بالنهار، ويتكلم في الماء بألسنة من النار:

стр. 40

يحب الشمس لا يبغي سواها ... ويلحظها بمقلة مستهام إذا غابت تكنفها اشتياقاً ... فنام لكي يراها في المنام ومن آس ما لجرح محبه آس. يرعى العهود، ولا يميل إلى الصدور. كأنه بقية خضاب في كف رداح، أو نضال ساهم أعدت للكفاح: حكى لونه أصداغ ريم معذر ... وصورته آذان خيل نوافر ومن ريحان يقول: إن وقت الري حان. كأنه وشم يد مطرفة. أو حلة مخضرة مفوفة، أو أطواق الحمام، أو سلاسل سوالف الغلام: له حسن العوارض حين تبدو ... وفيه لين أعطاف القوام ومن منثور، منظوم جوهره منثور. عطافه مؤتلفة، وألوانه مختلفة. أبيضه وأحمره كثغر الجيب وخده، وأصفره كوجه من مني بإعراضه وصده، يبخل بشذاه نهاراً ويجود به ليلا، وإلام يتستر وهو متهتك في حب ليلى؟ كأنه عاشق يطوي صبابته ... صبحاً وينشرها في ظلمة الغسق ومن سوسن، تعالى الله ما أحسن. قائم على سوقه، ينتظر إياب معشوقه. من أزرق بهي الملبوس، وأبيض تميل إلى ضوء صبحه النفوس: كأنه ملاعق من ورق ... قد خط فيها نقط من عنبر
следующие страницы →