Полный текст (130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أخضره وأزرقه، وامتدت رياطه وحبره، وتبلبلت أصداغه وطُرره:
إذا درجت فيه الرياح تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غدير
وفيها من النبات ما يطول إليه بناني، ويقصر عن حصر وصف بعضه لساني. يسقى بماء
واحد، ويبطل قول المعترض والجاحد، ولعمري لقد بلغتني ما أملته من جلاء قلبي المعمود، وأذكرتني ما لم أكن ناسياً من فنائها وبقاء جنة الخلود، فإنها - وإن طاب جناها، وأوقفت النفوس على حلي من سناها - مؤذنة بالتلاشي والرحيل، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ﴾.
فلما قضيت منها وطري ثنيت عنها عنان نظري، ومضيت ذاكراً محاسن صفتها وموصوفها، شاكراً سرو سرورها وعرف معروفها:
وعذراً فإني في الثناء مقصر ... وقولي بالتقصير يبسط لي عذرا
الفصل التاسع: في الروض والأزهار
جد بي الوجد في إبان الربيع، إلى رؤية الغيث بمنازل الربيع. فسرت أحدق في جوانب الحدائق، وصحبني من الشوق وسائق، يتلوهن حاد وسائق. فإذا أنا بروضة أريضة، عيون أزهارها مريضة، قد فاح أرجها،
стр. 37
وأضاءت سرجها، وبرز إبريزها، وحسن تطريزها، وأبدت من زينتها ما هو باللطف منعوت، ونثرت على الزمرد أصناف الدر والياقوت، وتحلت بما يروق إنسان كل إنسان وتجلت في رفرف خضر وعبقري حسان، أعلن السحاب أسرارها وهتك النسيم أستارها:
كأن تفتحها بالضحى ... عذارى تحلل أزرارها
حكت الخنساء لا في الحزن بل في الحسن والفخر. ولها عيون تجري على الديباج لا على الصخر، يضوع عرفها في الآفاق ولا يضيع، ويبهر الطرف من صنع صنائعها كل زهر رفيع. تنهار جداولها وأنهارها، ويضحك في وجه من أم بابها وأملها، ثغر نوارها:
وما غربت نجوم الليل لكن ... نقلن من السماء إلى الرياض
فمن ورد أحمر الإهاب، عندمي الخضاب:
كالشمس شكلاً ونشر المسك رائحة ... واللؤلؤ الرطب في تفريجه عرق
ملك جليل، مخصوص بالتبجيل، رفيع الجناب، خفيف الركاب. الرياحين جنده، والشوك سنانه وسلاحه، والعقبان والمرجان قلبه وجناحه:
مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أجوافها ذهب
стр. 38
ومنه الأبيض المذهب المفضض:
كأن وجوهه لما توافت ... بدور في مطالعها سعود
بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرت من الخجل الخدود
ومن نرجس باسم، عرفه ناسم:
كأنما صفرته ... على بياض يقق
أعشار جزء ذهبت ... من ورق في ورق
له عيون هدبها من لجين، وحدقها من خالص العين، قامت من الزبرجد على ساق، فهامت بها قلوب العشاق:
وأحسن مافي الوجوه العيون ... وأشبه الشيء بها النرجس
ومن ياسمين يجلو البصر، كأنه أقراط من الدرر، يحفظ الذمام، ولا يمل من طول المقام. ثغوره ضاحكة، وحسنه آمن من المشاركة:
والطرق الحمر في جوانبه ... كخد عذراء مسه عض
ومن نسرين، جوهر عقده ثمين، درر على زبرجد، أو حقاق ورق فيها برادة عسجد:
ما إن رأينا قط من قبله ... زمرداً يثمر بلورا
ومن خلاف، ليس في طيب عرفه خلاف، حكي القدود باهتزازه، ويصل وعده بانجازه. كأنه ثمل من الراح وهو
стр. 39
يومئ برأسه نحوه، وكأن غصونه أحست برحلة الشتاء، فقلبت فروها:
والبان تحسبه سنانيراً رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها
ومن بنفسج حسن لباسه، وطابت انفاسه:
كأنه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار في أطراف كبريت
وفصوص فيروزج نضيدة، أو آثار قرص بخد خريدة، أو حروف لازوردية، أو بقايا نقش في راحة ندية:
أو أعين زرق كحلن بأثمد
ومن زعفران معطر الجيب والأردان:
كأنه ألسن الحيات قد شدخت ... رؤوسها فاكتست من حمرة العلق
أو بصيص رماد، أو ألفات كتبت بالذهب لا بالمداد:
يتفرى عن قانيات حسان ... مثل هدب معصفر من رداء
ومن لينوفر يألف المياه، طمعاً في دوام الحياه، صفره السقام وعذبه، وغربه الأمل وغربه:
كأنه ودروع الماء تشمله ... تحت الشماع أكاليل الطواويس
أو طرف باهت من الفراق يفرق، أو سابح ضعيف يعوم ويغرق. يخفى بالليل ويظهر بالنهار، ويتكلم في الماء بألسنة من النار:
стр. 40
يحب الشمس لا يبغي سواها ... ويلحظها بمقلة مستهام
إذا غابت تكنفها اشتياقاً ... فنام لكي يراها في المنام
ومن آس ما لجرح محبه آس. يرعى العهود، ولا يميل إلى الصدور. كأنه بقية خضاب في
كف رداح، أو نضال ساهم أعدت للكفاح:
حكى لونه أصداغ ريم معذر ... وصورته آذان خيل نوافر
ومن ريحان يقول: إن وقت الري حان. كأنه وشم يد مطرفة. أو حلة مخضرة مفوفة، أو أطواق الحمام، أو سلاسل سوالف الغلام:
له حسن العوارض حين تبدو ... وفيه لين أعطاف القوام
ومن منثور، منظوم جوهره منثور. عطافه مؤتلفة، وألوانه مختلفة. أبيضه وأحمره كثغر الجيب وخده، وأصفره كوجه من مني بإعراضه وصده، يبخل بشذاه نهاراً ويجود به ليلا، وإلام يتستر وهو متهتك في حب ليلى؟
كأنه عاشق يطوي صبابته ... صبحاً وينشرها في ظلمة الغسق
ومن سوسن، تعالى الله ما أحسن. قائم على سوقه، ينتظر إياب معشوقه. من أزرق بهي الملبوس، وأبيض تميل إلى ضوء صبحه النفوس:
كأنه ملاعق من ورق ... قد خط فيها نقط من عنبر
стр. 41
ومن خزامى، قدره لا يسامى. يسكن المنازل العلية، ويرفل في حلته اللازوردية. يا لها حلة فاخرة، وحلية باهية باهرة:
لو حواها الطاووس أصبح لاشك ... مهنا بملك طير الهواء
ومن أقحوان، جمع في مفرده القمران.
كشمسة من لجين في زبرجدة ... قد أشرقت حول مسمار من الذهب
ومن آذريون، أظهر القطر سره المكنون:
كأنه أغصانه فيروزج بهج ... من فوقه ذهب في وسطه سبج
أو مسك في جام من ذهب، أو فحم أحاط به اللهب:
تراه عيوناً بالنهار نواظراً ... وعند غروب الشمس أزرار ديباج
ومن بهار، يبهر بحسنه الأبصار:
كسواعد من سندس وأكفها ... من فضة حملت كؤوس عقار
ومن شقيق، أين منه المرجان والعقيق؟
كأنه وجنات أربع جمعت ... وكل واحدة في صحنها خال
ومن ومن ومن، إشارة فتى بالعجز عن الحصر قمن.
فلما تأملت محاسن هذه الروض الأنيق، ونظرت إلى ما فيها من النبات بعين الحقيقة، شكرت أيادي صانعها، ولجأت إليه وأثنيت على صائغها، وإن كنت لا أحصى ثناء عليه،
стр. 42
وقلت تعظيماً لأمره: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وانشرح صدري بالوقوف على مغانيها، وجاد فكري حيث جال في معانيها، وامتلأ قلبي من نورها نوراً، وانقلبت إلى أهلي مسروراً.
الفصل العاشر: في وصف الغلام
بينما أنا جالس في بعض الحدائق، وحولي رفقة هذبتهم الحقائق، وحسنت منهم الأخلاق بين الخلائق، مر بنا غلام يخجل بدر التمام، من بني الأتراك، الناصبين مصائد الأشراك، بديع الجمال، أين منه الغزالة والغزال؟ لطيف الشمائل، يختال بين الخمائل، تمتد لرؤيته من الزهور الأعناق، وتستتر الغصون حياء منه بالأوراق. وهو ممتط صهوة جواد أشهب، لا يبلغ البليغ حصر وصفه ولو أسهب:
ساحر الطرف وافر الظرف أحوى ... خده الأبيض اللجين مذهب
لا تلمني على اعتقادي هواه ... مذهب الوجد فيه أحسن مذهب
فلما حاذى مثوانا، حيانا فأحيانا. فتلقيناه بالترحاب، ودعوناه فأجاب، فحصلنا من حضوره على المقصود، وتحققنا أن يومنا بمشاهدته مشهود. فأطلت في محاسنه نظري، وأجلت في ذاته وصفاته فكري، فإذا له ذؤابة تذيب المهج، وتدرج في
стр. 43
حبائلها من دب ودرج. ظلها وارف، وظلامها عاكف، تسلب العقول بالأثيث الأثيل، وتسهر العيون في ليلها الطويل. حندسية العذب، غزيرة الفضل والأدب:
إذا ما تثنى للسلام مليكها ... على أحد دارت وقبلت الأرضا
ووجه وسيم، تعرف فيه نضرة النعيم، يفوق سنا القمر، له خفير من الخفر، رقيق البشرة، تحار عند إسفاره السفرة، نزهة المشتاق، ومرآة لوجوه العشاق:
محيا به المقتول يحيا وكم له ... على وجنة العاني من الدمع جعفر
وجبين، منقطع القرين، واضح كالصباح، صلت تُصلت دونه بيض الصفاح:
وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
وحواجب، دم عاشقها مباح وقتله واجب، كأنها قسي موتورة. أو نونات في صحف اللجين مسطورة:
قد وليت إمرة أمثالها ... وحاجب الشمس لها حاجب
وعيون يا لها من عيون، قد جمعت بين المنى والمنون، تقتل وهي لاهية، وتسكر وهي صاحية، وتصول وهي كانسة، وتسهر وهي ناعسة. نفاثات في العقد، لا يسلم من سحرها أحد:
لحظاتها كم أرهفت من أبيض ... والجفن منها مثل حظي أسود
стр. 44
وصدغ معقرب، لكنه لرقيه السليم باب مجرب. بعيد من القطف، كأنه واو العطف، أو جيم محكمة العوج، أو منجل صيغ من سبج:
صدغ أعاديه أبدوا ... من عيبه ما حلا لي
ذم العناقيد جهلاً ... من لم يصل للدوالي
ووجنات، حركت من الخواطر السكنات، تغير الجلنار والتفاح، وتؤلف بين الماء والراح. بها ورد ريحه للأرواح بُلغة ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾.
ترى هل من طريق لاجتماع ... بحمرة ذلك الخد النقي؟
وخال خال من العيب، لا شك في حسنه ولا ريب. كأنه قيراط من عنبر، أو نقطة شقيق أحمر:
ورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي أن الخال لا يرث
وعذار، طاب فيه خلع العذار. أنيق يجل عن التشبيه، سائل كدمع محبيه. كأنه خمل ديباج، أو نمل دب في عاج، أو بنفسج أو سوسان أو حاشية كتبت بقلم الريحان:
إن نفسي تميل نحو اخضرار ... فيه، والنفس مثل ما قيل خضرا
ومرشف فائق، فيه ريق رائق، وثغر ماله من مثال، وألفاظ سحرها حلال، ونكهة نشرها معطر، وماء لسان أحلى من السكر:
стр. 45
يبسم عن در وعن جوهر ... وعن أقاح أو سنا البرق
وجيد جداية، فيه لمنهاج المحبة أي هداية، أحسن به من تليل، نحر نحره طويل:
لو جاد لي يوماً بتعنيقه ... قلدت ذاك الإثم في عنقي
وكف ندية، أرواحها ندية، رعبوبة بضة، سبائك أناملها من فضة:
يا حبذا من مالك الحسن يد ... لها على أهل الهوى أيادي
وقد قويم، ألطف من النسيم، مائل مائد، صائل صائد. تهيج عليه البلابل، وتطير إليه القلوب ولو كانت مقيدة بالسلاسل، إن حضر بان البان، وغار من غيرته في الكثبان:
أبى قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالاً فأضحى بين ذاك قواما
وخصر رقيق الحاشية، معاقد بنده متلاشية، نحيف نحيل، صحيح عليل:
يستر وجدان القبا معدومه ... ما أحسن المعدوم في الموجود
وردف مائج، نافر خارج، كثيب كثيف، كم له من أسير أسيف. تصعب على الصب نبأته، وتثقل على الخصر وطأته:
يا ردفه ها خصره ... من فرط جورك مائج
стр. 46
أنحلته بثقالة ... ما أنت إلا خارج
وسوق تسوق المحبين إلى العطب، ويضرم ماؤها الجامد في القلوب ناراً ذات لهب:
إن فرج العين في بستان طلعته ... مشى ففرجها في جانب السوق
وأقدام مقدمة على أمثالها، مقبولة عند إدبارها وإقبالها، حسنها لا يضاهى ولا يشارك. وكعبها على الحقيقة كعب مبارك:
كل يذل له حتى ذوائبه ... أما تراها ترامت تلثم القدما؟
وعليه من الحلل الفاخرة، والملابس الملونة الباهرة، ما يخجل من حمرته وجه الشفق، ويحسد النهار بياضه اليقق، وتخضع لأسوده الظلماء، وتغار من أزرقه السماء، وتعنو الرياض لأخضره، وتغيب الشمس حياء من أصفره.
حمالة الحلي والديباج قامته ... تبت غصون الربا حمالة الحطب
وبخصره منطقة، لم تبرج له معتنقة، تعوقها العوائق، وتثقلها - كما يقال - العلائق. فمن سيف ماض كناظره، وسهم نافذ كأوامره، وقوس كحاجبه، ومدى لتقصير مدى عائبه، وهي تجول في أضيق مجال، وتنشد بلسان الحال:
стр. 47
بروحي أفدي من ضربت من آجله ... وقاسيت حر النار وهي تفور
رشاً ضاع ما بين الغلائل خصره ... ألم ترني شوقاً عليه أدور
فخاطبناه في وضع السلاح فوضعه، وسألناه في رفع الحجاب فرفعه. وأخذ ينادمنا بأفصح لسان، ويجلو لنا عقائل أخلاقه الحسان، وينثر علينا من جواهر لفظه النظيم، ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. والزهور تضحك في الأكمام، والغصون ترقص على غناء الحمام، والنهر يصفق لتشبيب الريح في آفاقه، والدوح ينقطه بالدنانير من أوراقه، والعيون تجري بين أيدينا، والنسيم بطيب أنفاسه يحيينا، والروض يفرش لنا بساط سندسه، ويجلسنا حتى على أحداق نرجسه. ياله منظراً ما أنضره، وسروراً ما أوفاه وأوفره، ويوماً ما كان أطيبه وأقصره. ملكنا فيه زمام التهاني، وحصلنا على الأمان والأماني. ولم نزل نتمتع منه
بكل مطلوب، إلى أن آذنت الشمس بالغروب، فتأهب الغلام لمعاده، وعلا على ظهر جواده، ثم ودعنا وسار، وأودعنا الشوق والادكار وتركنا نتقلب على تلهب النار.
الفصل الحادي عشر: في وصف الجارية
تاقت نفسي إلى زيارة بعض الإخوان، فسرت إليه مشمراً
стр. 48
فضل الأردان، في ليلة سما قدرها، وتجلى على السماء بدرها.
فلما وصلت إليه، وانتظمت في سلك المجتمعين لديه، ظهر لي أنه متشوف إلى قادم، ومتشوق إلى حضور منادم: فكشفت الخبر وتقمصت الأثر، فقيل لي إنه واعد بعض الحسان، وهو منتظر إياب الإحسان. فما أتممت الكلام واتصلت من العلم إلى المرام، إلا وقد أقبلت من الباب، خود تختلس الألباب، غادة رؤود طفلة أملود. كاعب رداح، ترتاح لها الأرواح. عديمة المثال، نشأت في حجر الدلال. يسرح الطرف في روض جمالها وينتزه، وتمحو بكثير محاسنها البديعة ذكر عزة، في حليها وحللها تميد وتميل، وبالجملة فهي بثينة الحسن لأن وجهها جميل.
فوقفت واستأنست، ثم سلمت وجلست، فسر الجماعة بورودها، وتملوا من جنة وجنتيها بورودها. وأقبل يمن إقبالهم، وأنشد لسان حالهم:
أهلاً وسهلاً من غادة سمحت ... بالوصل ليلاً ولم تحذر من الحرس
لما تبدت أضا الداجي، ولا عجب ... فطرة الصبح تمحو آية الغلس
فلما كشفت القناع، وصدق النظر السماع، تأملت أوصافها، وسبرت شمائلها وأعطافها، فرأيت ما يشرف النظر ويشنف السمع، ويذيب القلوب على ناره ذوب الشمع.
стр. 49
فمن فرع نامي الأوراق،
مرسل لتعذيب العشاق، جثل أسحم يتلوى كالأرقم، غدائره مجمدة كالغدير، وضفائره مظفرة بقتل الأسير:
كأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
ووجه مشرق الأنوار، تحج إلى كعبته الأبصار. يزين اللآلئ والدرر، ويستمد من ضوئه الشمس والقمر، مرآته صقيلة، ومعاني حسنه جميلة. يترقرق فيه ماء الصبا، ويخفي من لمعه بروق الظبا:
عوذت بالسور المنيرة وجهها ... وهو الجدير بأن يكون معوذا
وجبين واضح، تحن إليه الجوارح، يتلألأ مصباحه، ويتبلج في ليل الطرة صباحه:
فتاة يسر القلب والطرف حسنها ... كأن الثريا علقت في جبينها
وحواجب تذيب المهج، وتجذب الأرواح من قسيها بقبضة البلج كأنها هلال محني القوام، أو فخ نصب لصيد أهل الغرام:
إذا شمت تحت الحاجبين جفونها ... ترى السحر منها قاب قوسين أو أدنى
وعيون بابلية، كم أوقعت لمن إليها صبا بلية، تسل السيوف، وترسل الحتوف، صحاح مراض، ليس لسهامها سوى القلوب أغراض:
стр. 50
لله أي لواحظ غلابة ... للأسد في وثباتها وثباتها
وخد كالجلنار، قد جمع بين الماء والنار، يشف الراح في زجاجه، ويهتدي الحائر بنور سراجه. يزهو بورده الأحمر الطري، وأظنه من دم المحبين غير بري:
تركية للقان ينسب خدها ... واشقوتي منها بخد قاني
وخال يختال في أحلى الحلل، له من الأقراط والشنوف خول. كأنه من الدائرة قطبها، ومن القلوب المتقلبة على نار حبها:
فتنت بخال فوق خدك صانه ... أبوك فويلي من أبيك وخالك
ومرشف عذب الأرياق، رضابه لسليم الهوى نعم الدرياق. فيه ماء مبرد، وثغر جوهري صحاحه منضد، ولعس يهيم به ذو الشوق، وشهد يشهد بحلاوته الذوق:
وبه شراب مسكر ما ذاقته ... لكنني أروي عن المسواك
وعنق كعنق ريم، در عقوده نظيم. يطوف الحلي بأركانه، ويملك الرق بورقه وعقيانه:
وجيد جداية لا عيب فيه ... سوى منع المحب من العناق
ونهود كالعاج، ملتحفة بمروط الديباج، رفيعة المنار، شغلت الحلي أن يعار. إن ثنيتها لم تجد عندها عطفاً لمرتاح، وإن لثمتها نشقت من الرمان عرف التفاح:
стр. 51
كحقين من لبّ كافورة ... برأسيهما نقطتا عنبر
وبنان رطيب، على مثله يدور الخطيب، مقبل بالأفواه، مصافح بالجباه، فضّيّ الإهاب، مرقوم بالخضاب:
فما أعذب السكب من أدمعي ... وأحلى المشبك من نقشها
وقوام يقيم الحروب، ويثير كرّ الكروب. كامل الحسن مهفهف، وافر الدالّ مثقف. الرماح تخضع لديه، والأغصان تسجد بين يديه:
وقد روت عن لينه واعتداله ... صحاح العوالي مسنداً بعد مسند
وخصر نحيل، يشكو من ردفها الثقيل. ليس فيه حظ للمجتني لو سألتها عنه لقالت فني:
عيون الناظرين به أحاطت ... فلم تحتج إلى عقد الوشاح
وأردافٍ كالأحقاف، وعدها موسوم بالإخلاف، خارجة عن العادة، لكن فيها للمحبين الحسنى وزيادة:
تمشي بأردافٍ أبين قعودها ... بين النساء كما أبين قيامها
وسوقٍ جمد ماؤها، وبهر الأعين ضياؤها. مشرقة النور، قصبها من بلور:
لو لم يكن من برد ساقها ... لاحترقت من نار خلخالها.
стр. 52
وأقدام لها على الفتك إقدام. تمشي كالقطا ولا تخطئ قياس الخطا:
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السحابة، لا ريث ولا عجل
وعليها من الحلي والحلل، ما يفتن العقول ويدهش المقل. فمن در ثمين كثغرها، وبلور صافٍ كصدرها، وعقيق كشفتيها، وياقوت كوجنتيها. وسبج كأجفانها، وزمرذ كنقش بنانها، وقميص رقيق الحواشي، ومطرف يحار في وصفه الناشي:
إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرّت بين درع ومجول
فلما أنست بالقوم، كفّت عنها لسان اللوم، وظهرت عن خلقٍ وسيم، وطباع ألطف من النسيم، ومنادمة تطرب الأسماع، ومداعبةٍ ما الصبر عنها بمستطاع، وملحٍ ألذ من الزلال، وحديث لو لم يجن قتل المحبّ لقيل هو السحر الحلال.
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل، وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنها لم توجز
والسعد يطلع نجمه، والشمع واقف في الخدمة. وعرف الطيب يفوح، وأعلام الهناء تلوح، وشمل الضد مفرق، والعود يحرك ويحرق. يا له ليلة محي ظلامها ونور الأفق ابتسامها، وحليت عروسها، وطلعت حارقةً للعادة شموسها. لم ير فيها ما يشين ويعيب،
стр. 53
سوى أنها أقصر من جلسة الخطيب.
ولم نزل في بشر وافر، وسرور متواتر، نجتلي وجوه الأفراح المتتابعة، ونجتني من الوصل ثماره اليانعة، إلى أن صاح العترفان، ولا في المشرق ذنب السرحان. فعزمت
الجارية على الذهاب، وأمرت بإحضار الإزار والنقاب. فقمنا إلى موقف الوداع، وتشتت الشمل بعد الاجتماع:
وكان الدمع لي ذخراً معداً ... فأنفقت الذخيرة حين ساروا
الفصل الثاني عشر: في الشمعة والنار
جلست مع بعض الأصحاب، في ليلة حالكة الجلباب، ماؤها جامد، وهواؤها بارد، وطلها متناثر، والماشي بها في ذيله عاثر. نجري ذكر أهل البراعة، ونعد مناقب فرسان أهل اليراعة، ونورد أخبار أرباب اللسن، ونروي عنهم كل حديث حسن:
قوم بهم شرف الزمان، كلامهم ... شرك النفوس وعقلة الأحداق
أشخاص صرفت، ولكن ذكرهم ... أبداً على مرّ الليالي باقي
فبينا نحن نجول في ميدان المحاضرة، ونحقق النظر في
стр. 54
وجوهها الناضرة، والليل قد روق، وشراب المنادمة مروق، لمحت في المجلس شمعة، وقفت في الخدمة وأجرت الدمعة، جسمها نحيل، ومحيّاها جميل، قامتها قويمة، ودرّة تاجها يتيمة. تحرقها أنفاسها، ويوبقها نبراسها. كاسية عارية، تخجل بضوئها الجارية:
مفتولة مجدولة ... تحكي لنا قد الأسل
كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل
أو نبل نصله ذهب، أو حية لسانها لهب، أو وردة على قضيب، أو محب أسهره بعد الحبيب، أو لينوفرة، أو سبيكة معصفرة، أو غرة في وجه أدهم السدف، أو كوكب أرخى ذؤابته ثم وقف:
أو ضرة خلقت للشمس حاسدة ... فكلما حجبت قامت تحاكيها
يخوض في لجة الدمع طرفها القريح، وتلعب بلهب قلبها الجريح يد الريح، فتطلعه نجماً، وترسله سهماً، وتحركه لساناً، وتنشره طيلساناً، وتضربه ديناراً، وتصيره جلناراً، وتصوره سوسناً، وتصوغه إكليلاً تبره ذو سناً، وتعطفه كالهلال السافر، وتنصبه أذن جواد نافر، وترفعه كالسنان، وتقيمه أنملة في بنان، وتبسطه كالمنديل، وتميله سلسلة قنديل، وتخطه ألفاً مستقيماً، وترسمه نوناً أو جيماً.
стр. 55
واستمرت مولعة بشخصها، ساعيةً في نقضها ونقصها، حتى فني عمرها، وانفصل أمرها، وانحل عقدها، وعز على الجماعة فقدها:
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب
وكان في المجلس كانون، يلقي فيه العود بغير قانون، يضم ناراً ذات لهب، له شرر شذره من ذهب، همتها علية، ومرآتها جلية. تعلو على الرماح في المواكب، وتزاحم الكواكب بالمناكب. فاكهتها في الشتاء محبوبة، وأعلامها للاصطلاء منصوبة، وهي بقضيب
الأبنوس لا بجزل الغضا مشبوبة:
كلما رفرف النسيم عليها ... رقصت في غلالةٍ حمراء
كأنها سبجُ على مرجان، أو زنجية بكفها كرة عقيان، أو شمس محجوبة بالغمام، أو ورد تبسم من خلال الكمام:
أو أشقرُ مطهم ... يموج تحت العثير
أو غادة قد ضمخت ... وجنتها بالعنبر
يهتم بها أقوام، هم واسطة عقد الأنام، كريمةُ أحسابهم، مفتوحة للوفود أبوابهم، يمتطون ذروة كل محبوك القرا ويبسطون موائد الفوائد والقرى:
إذا ضل عنهم ضيفهم رفعوا له ... من النار في الظلماء ألويةً حمرا
стр. 56
فلم تزل تضطرم، وتستعر وتحتدم، إلى أن خمد لظى جمرها، وغاض ماء شررها وشرها، واضطجعت في مهادها، تحكي تحت غطاء رمادها:
دماً جرى من فواختٍ ذبحت ... عليه من ريشهن منشور
فراقني ما شاهدت من حالهما، وأمعنت النظر في منقلبهما ومآلهما، وقمت من شكر المنعم بأداء الفرض، وقلت بلسان التعظيم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
ثم إن الصحب مالوا إلى الكرى، وطال عليهم - مع كونهم جلوساً - شقة السرى، فوثبنا لاقتفاء أثر ما تقر عين الهاجع، وسألنا الحي القيوم أن يجعلنا من الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع.
الفصل الثالث عشر: في مدح العشق وذمه
سألني بعض المائلين إلى الهوى، المصابين بسهام الصبابة والجوى - الساهرين في الليل الطويل الذوائب، الذين صرفوا على المحبة حبات قلوبهم الذوائب - عن مراتب العشق وضروبه، وقبائل الحب وشعوبه، وهزله وجده، وجزره ومده، وشواهد شهده وسمه، وما قيل في مدحه وذمه، فأجبته إلى سؤاله، وجمعت بينه وبين آماله:
يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
стр. 57
يا هذا إن أول العشق استحسان من يلائم الطبع من الجواري والغلمان، تحدث منه إرادة القرب والمودة، ثم يقوى الود فيكون حباً لا يمكن القلب رده. فإذا استحكمت المحبة في القلوب، عادت هوى يهوي بصاحبه في اختيار المحبوب، ثم يصير عشقاً ثم تتيماً ثم يرجع ولهاً على العقول مخيماً، وهو طمع في القلوب يتولد، يعظم بالحرص على الطلب ويتأكد. يخفى عن الأبصار، ويهيج باللجاج والتذكار، كامن كالنار في الحجر، والزهر في الشجر. إن قدحته أورى، وإن سقيته أخرج نوراً:
العشق أول ما يكون مجانة ... فإذا تحكم صار شغلا شاغلا
فأما أوصافه الممدوحة فإنه جليس ممتع بمشاهدته، وأليف مؤنس بمنادمته، مسالكه لطيفة، وممالكه شريفة. برق لامع، ونور ساطع. تستضيء به نواظر العقول، ويفعل في الشمائل مالا تفعله الشمول، ويتصل بجواهر النفوس، فيزيل عنها لبوس البوس، فرح يجول في الروح، وارتياح يغدو في القلب ويروح، وسانح ينشر من البشر ما انطوى، وسرور ينساب في أجزاء القوى:
إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
يطلق اللسان، ويشجع الجبان، ويصفي الأذهان. يولد
стр. 58
الأخلاق الجميلة، ويرغب في اكتساب الفضيلة، ويفتح للبليد باب الحيلة، ويرفع لواء الهمم، ويبعث على الحزم والكرم. يلطف الطباع
ويشنف الأسماع، ويدعو إلى تحسين اللباس، ويستعمل بالرياضة أهل الشماس، لا يقع فيه إلا من قليب قلبه صافي، ولا يسلم منه إلا كل جلف جافي:
فإن شئت أن تحيا سعيداً فمت به ... شهيداً وإلا فالغرام له أهل
وأما أوصافه المذمومة: فإنه ملك قاهر، وحاكم جائر. هزله جد وراحته تعب، وأوله لعب
وآخره عطب. يعتري النفوس العاطلة والقلوب الفارغة، ويكسف من الآراء شموسها البازغة، ويسوق إلى وليه غمام الغم، ويهيم في وادي الهم. يذهب العقل، ويمرض الجسد، ويقوي الفكر ويضعف الجلد، ترتعد منه الفرائص، وتتقد به نار النقائص. يستعبد الأحرار، ويستأثر ذوي الأقدار، ويصفر الأبدان، ويوقع في الذل والهوان:
وكنت أظن الهوى هيناً ... فلاقيت منه عذاباً مهينا
يورث الأسف والحرق، ويجلب الوسواس والأرق، ويجدد ملابس الوجد والألم، ويمنع عن الاشتغال بالعلوم والحكم. يحالف أرباب الشبهات، ويستخدمهم في تدبير الشهوات، ويعطل عن المصالح، ويجرح بمديته الجوارح. من جنده الغرام
стр. 59
والكلف، ومن رفده الهيام والشغف، يعوق الطالب عن الاستفادة، ويشغل الإنسان عما خلق له من العبادة. جان يفضي إلى الجنون، ويدني أهل المنى من المنون:
وما عجب موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب
واعلم، وقاك الله شر الشرر، أن أقوى أسباب العشق النظر. رياحه تنشئ سحائب الفكر، ومرآته تجلو على القلب محاسن الصور. فاتق النظرة، فإنها تزرع حَب حُب ينبت سنبل الحسرة. كم سلب النظر قلب عابد، وفتن عقل ناسك، وحل عقد زاهد، وأجرى آفة، وقرن ذلاً بمخافة، وأثار غبار معركة، وألقى شهماً إلى التهلكة، وأقام حرباً على ساق، وسفك الدماء وأراق، وأوقع في مصائد المصائب، وهشم العظام بأنياب النوائب:
فمن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أتيت، ومن قلبي
فاسلك سبيل السلامة، لتصل إلى دار الكرامة، واقطع أسباب المطامع، واشتغل عن المصنوع بالصانع. فأما من آثر اللذات فقد تورط في حبائل البلوى، وانتهى من حرم الحرمان إلى الغاية القصوى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
الفصل الرابع عشر: في الفراق
الفراق - جمع الله الشمل بمحياك، ورعى ودك على بعد المزار
стр. 60
وحياك - وقد اجترى واجترح، وأذهب المسرة والفرح، وضيق رحب الفضا، وقلب القلب على جمر الغضا، وأورث الكمد، وأذاب جليد الجلد، وجاب. وجال، ونثر عقود الاحتمال، وأوجد الوجد والهيام وأحوج الصب إلى العبث بالأقلام:
كتبت وعندي من فراقك لوعة ... تزيد بكائي أو تقل هجوعي
فلو أبصرت عيناك حالي كاتباً ... إذاً كنت ترثي في الهوى لخضوعي
أخط وداعي الشوق يملي، وكلما ... تعديت سطراً رملته دموعي
يا لها لوعة أسعرت وقد الضلوع، ومالت إلى الصبر فأذوت منه الأصول والفروع وصبابة صبت النفس إليها، ووقفت لامتثال الأمر طائعة بين يديها، وغراماً يلازم غريم الفؤاد، ويتكلم من الدموع بألسنة حداد، وشوقاً إلى تلك الليالي المستنيرة، والأيام التي تطول الشرح في وصف محاسنها وإن كانت قصيرة:
حيث اللقا والنوى حل ومرتحل ... والدهر يقضي لنا من وصلك الغرضا
لئن تعوضت عني غير مكترث ... فعنك، ما دمت حياً، لم أجد عوضاً
إلى الله أشكو جور أحباب، لا شك في ظلمهم ولا ارتياب:
стр. 61
ساروا وسر الوجد قلبي أودعوا ... يا ليتهم يوم النوى لو ودعوا
أفديهم غائبين أطالوا شقة البين، ونازحين سكنوا القلب حين غابوا عن العين:
رحلوا عن الأوطان لكن في الحشا ... نزلوا، وما راعوا ولكن روعوا
كيف العمل؟ عز الاحتيال، هل من طريق إلى منزلة الوصال؟
يا صاح إن ظباء جيران النقا ... جاروا علي فدلني ما أصنع؟
أحسن بهم ظباء غير أوانس، كم أسهرت العشاق عيونهم النواعس:
نفروا وما التفتوا وعادة مثلهم ... يتلفتون إذا نفاراً أوقعوا
أيها المغرم باللوم والتفنيد، لا تتعب نفسك فيما لا يجدي ولا يفيد:
قسماً بهم مالي غنىً عنهم ولو ... أمسيت كاسات الأسى أتجرع
كُف كف العذل والتأنيب، فلست أحول عنهم ولو براني النحيب.
وأنا المقيم على محبتهم وإن ... حفظوا عهودي في الهوى أو ضيعوا
نعم أقيم على الود والمحبة، وأرعى رب الخال ولو اشترى قلبه بحبة، وأحفظ زمام الذمام، وأصبر في هاجرة الهجر على
стр. 62
الأوام وأتعلل بلعل وعسى، وأحتمل مشقة آسي جرح الأسى، وأتعلق بأذيال ضيف الطيف، وأتشبت بأن أوقات الفراق سحابة صيف:
وأطوف في تلك الديار مسائلاً ... عن أهلها أبكي ما قد جرى
لله بعد البعد حمر مدامع ... بنُضارها المبدول قد أثرى الثرى
وقد علم الله أن يوم النوى، أضعف بناء جسدي بالهوى فهوى، وأحال صبغة حالي، وسقاني كأس بعد مذاقها غير حالي، فعدت ذا سكر دائم، وعناء تحل دونه عقد العزائم. القلب مأوى الهموم، والطرف موكل برعي النجوم، والكآبة في الخاطر خاطرة، والعين إلى نحو الطريق ناظرة، وأسياف الضنى تجرح الجوارح، وسهام الجوى تجنح إلى الجوانح. لا أعرف لذة الوسن، ولا أمل من السير في حزن الحزن. ولا أرد الماء النمير إلا ويلفحه من كبدي حر السعير. إن مر الفكر في خلدي شرحت له صدراً، وإن دعاني الذكر الجميل مرة لبيته عشراً. ولولا رجاء العود والإياب، لانفصمت من قوى حياة العليل عرا الأسباب، فتباً لأيام الصد والقطيعة، وسقياً لأوقات كانت على رغم العدا مطيعة، حيث الأوطان عامرة، ووجوه الأوطار ناضرة، وأغصان العيش مائدة، وصلة الأحباب عائدة:
وسعاد تسعدنا بروضات الرضا ... ويعمنا منها سنا وسناء
стр. 63
لهفي على ذاك الزمان وطيبه ... فلفقده أنا والخلال سواء
أمبشري برجوعه لك عن رضا ... روحي وما ملكت يداي فداء
والله المسؤول في بلوغ الأماني، وإباحة ممنوع التلاقي والتداني، واجتماع المشوق بأهل وداده، ونصرة المظلوم على أعدائه وحساده، فإنه ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.
الفصل الخامس عشر: في الاستعطاف
أيها المعرض الهاجر، الذي سعى لصده دمع صبه على المحاجر، رفقاً بمن ملك الوجد قياده، وعطفأ على من أذاب الشوق فؤاده، متيم أقلقه فرط صدودك، ومغرم أغراه بحبك قول حسودك، وسقيم لا شفاء له دون مزارك، ومقيم على عهدك ولو طالت مدة نفارك. إلام هذا التنائي والنفور؟ وعلام ياذا القد العادل تجور؟ لقد تضاعف الأسف والأسى، وتطاول التعلل بعل وعسى، وفني حاصل الصبر ولم يبق إلا المقابلة بالجبر.
هبني تخطيت إلى ذلة ... ولم أكن أذنبت فيما مضى
أليس لي من بعدها حرمة ... توجب لي منك جميل الرضى؟
نعم لي حرمة وذمام، وسابق خدمة توجب رفع الملال والملام.
стр. 64
ولت ألوذ إلا بباب نعمك، ولا أعتمد في محو الإساءة إلا على حلمك وكرمك. وما جل ذنب يضاف إلى صفحك، ولاعظم جرم يطرد غراب ليله باز صبحك. ومثلك من يسد الخلل، ويغفر الخطأ والخطل، ويقيل العثرات، ويتجاوز عن الهفوات، ويمح بالعفو تفضلاً، ويزيل القبض عن بسط العذر متطولاً، فلا تخدش وجه رضاك بالغضب، ولا تجمع لمن أسره التفريق بين العتب والتعب، ورق على عبد رقك، وأره الدجا والضحى من فرعك وفرقك، وأذقه أري وصالك، كما جرعته شري انفصالك.
وكنت اظن أن جبال رضوى ... تزول وأن ودك لا يزول
ولكن القلوب لها انقلاب ... وحالات ابن آدم تستحيل
طالما آنستني بقربك، ودنوت مني مفارقاً ظباء سربك، واعتنيت بأمري، وأخمدت برضاب ثغرك جمري، وأنجزت وعودي، وأطلعت نجوم سعودي، وأطلت سروري وابتهاجي، وأصلحت بشراب وصلك مزاجي، وجلوت طرفي بمحاسن طلعتك، وأرويت ظمئي بالعذب الفرات من
شرعتك.
وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر
стр. 65
قيدت أملي عن سواك، وبهرت ناظري بنظرة سناك، وضاقت بعدك عليّ المسالك، وغدت مطالبي محفوفة بالمهالك، وكسرت جيش قراري، وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري.
أجول حول الديار، وأعوم في بحر الأفكار، وأتمسك بعطف عطفك، وأتعلق بأذيال مكارمك ولطفك. أما علمت أن الكريم إذا قدر غفر؟ وإذا صدرت عن عبده زلة أسبل عليها رداء العفو وستر، وأن شفيع المذنب إقراره، ورفض خطيئته عند مولاه استغفاره. ومن أبدى باعترافه الحجة، فقد استوجب أن يُسلك في مساحته أوضح المحجة.
ومن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
لهفي على عيش بسلاف حديثك سلف، وأوقات حلت ثم خلت وأورثت التلف، وزمان ولى مجانباً، وحبيب ذهب مغاضباً، واهاً لأيام بطيب أنسك مضت، وبروق ليال لولا قربك ما أومضت:
ما كنت أعرف في الهوى مقدارها ... رحلت وبالأسف المبرح عوضت
كيف السبيل إلى إعادة مثلها؟ ... وهي التي، بالبعد، قلبي أمرضت
إلى كم أموه وأغالط، وأجاهد في سبيل الصبر وأرابط،
стр. 66
وأكلف اللسان مكابدة حمل الكتمان، وأسر من الصبابة ما أعلنه دمع الأجفان. أتكتم رائحة الطلا؟ وهل يخفى على ذوي الأبصار ابن جلا؟ لقد برح الخفاء، وأطلت يا رقيق الحاشية شقة الجفاء، وأشمت الأعادي، ومددت ظل التمادي، وزدت في الهجر والبعاد، وكلمت القلب بألسنة الصعاد. فجد بالتداني، واسمح بنيل الأماني، وارحم والهاً وأبدت ظلمة الفراق فرقه، وتصدق على مدنف سائل دمعه يقبل الصدقة. وألن قلبك القاسي، وعد عن التنائي والتناسي، وارع الود القديم، وأبدل شقاء محبك بالنعيم، ولا تعدل عن منهاج المعدلة، وسلم فقد أخذت حقها المسألة. واغمد سيف حيف صيرته مسلولا، وأوف بالعهد ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾.
الفصل السادس عشر: في مجلس الشراب
كان لي صديق مغرى بشرب الرحيق. غزير الفضل والآداب، كثير اللهج بذكر مجالس الشراب، وكان يود حضوري عنده، وأنا لا أبلغه مما يود قصده. فأتاني حيناً من الأحيان، يدعوني إلى مجلس بعض الأعيان، وألزمني بأن أحالفه، مقيماً على ألا أخالفه، فأجبت إلى المحاضرة، مشترطاً عدم المعاقرة. فقال: أجل أيها الأجلّ، وسآتيك إذا هزم النهار واضمحل. فلما آنس قدوم الليل، آب يسحب سحائب الذيل، وهو يقول:
стр. 67
يا من به ينفى الكمد ... ويثبت العيش الرغد
جد بالوفا قد آن أن ... ينجز حر ما وعد
فمضيت صحبته إلى دار، جرى بها فلك السعد ودار، عالية الجناب، رفيعة القباب. فاخترقنا أستارها، واجتلينا أقمارها، حتى انتهينا إلى مجلس فسيح، قدح الفائز بأقداحه غير منيح.
لا تسمع الآذان في جنباته ... إلا ترنم ألسن العيدان
أو صوت تصفيق الجليس ونقره ... وبكاء راووق وضحك قناني
يشتمل على ندمان، لا يسمح بمثلهم الزمان. حاشيتهم أرق من النسيم، ومزاج كاساتهم من تسنيم. إن نظموا أودعوا أصداف المسامع دراً، وإن نثروا نفثوا في عقد العقول سحراً.
تنازعوا درة الصهباء بينهم ... وأوجبو لرضيع الكأس ما يجب
لا يحفظون على النشوان زلته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب
بينهم سقاة حسنت صفاتهم، وتكفلت بالإنصاف كفاتهم. كم فيهم ذو وجه جميل، وده صحيح وجفنه عليل. سمهري القوام، جوهري الكلام. تنعطف الأغصان سجداً لعطفه، ويسقي بطرفه أضعاف ما يسقي بكفه:
ساق غدا يحكيه من ... بان النقا وريقه
واظمئي وكالزلا ... ل خمره وريقه
стр. 68
أيديهم أقداح، تفتح أبواب الأفراح، وملاكها ملوك أكاسرة على الأسرة. النور ضمن إزارها، ومعدن الذهب في قرارها. تعدل وهي جائرة، وتنشد وهي دائرة:
صل الراح بالراحات واقدح مسرة ... بأقداحها واعكف على لذة الشرب
ولا تخش من ذنب فأوراق كرمها ... أكف غدت تستغفر الله للذنب
وأباريق تسجد لربها، وتقبل الأرض لدى صبها. كم أصلحت فساد مزاج، وأوضحت منهاج ابتهاج. تحكي إوزاً معوجة الرقاب، أو ظباءً أشرفن من ذرى الهضاب:
وكأنما الإبريق عند ركوعه ... والإثم يلثم ثغره المنعوتا
طير بمنقار له من لؤلؤ ... لما أسف تناول الياقوتا
وأكواب مصفرة الأثواب، تغني عن المصباح، وتهدي ريح التفاح. تبعث على الحماسة والسماحة، وتتعب سوق ساقيها القلب وهي في راحة:
لله أكواب همومي حرمت ... لما أباحت خمرها المسكوبا
نار ولم تحرق، وإن أنكرت ما ... أوردته يا صاح فالمس كوبا
وكؤوس تسر بحسنها النفوس. ثغورها باسمة، ومناهلها لمادة الأسى حاسمة. تحمد عند الصبوح والغبوق، وتشرح الصدور في حالتي الغروب والشروق.
стр. 69
ولرب ساق محسن في كفه ... كأس برؤيتها نفى عنا العنا
وعلى ذراها ليس يبرح ناصباً ... شبك اللآلي كي يصيد لنا الهنا
وينطوي على قيان، ينشدن البديع من سحر البيان. لهن أصوات، توقظ أعين اللذات. يشنفن الأسماع، ويتقن أجناس الإيقاع:
قيان حكين البدر حسناً وبهجة ... زمان الذي يحظى بهن وسيم
إذا هن ألقين الغناء بمجلس ... فمعبد والغريض هشيم
وبه شمع يدهش الأبصار، ويحيى ما مات من ضوء النهار. دبيقي الملابس، عقيقي القلانس. وافر الأدب والهمة، لا يبرح واقفاً في الخدمة:
من كل هيفاء تهوى الشمس رؤيتها ... بكت وأنت فلاح الماء واللهب
تجلى على السراب في ثوب لها يقق ... كحية من لجين رأسها ذهب
وفيه أنواع من الشراب، تلمع في أوانيها كلمع السراب. فمن خرطوم، تخفي بدر حبابها النجوم، وشمول تشمل القوم بالقبول. ومشعشة منازل كواكبها مرتفعة، وعاتق تقدم عصرها، وخف على النديم أمرها. وخابية حانية، قطوف كرومها دانية:
стр. 70
وطوس وقنديل عقار وقرقف ... مدام وإسفنط سلاف وجريال
طلاً وسباء والحميا وقهوة ... كميت، شموس، خندريس وسلسال
إلى غير ذلك من روح وريحان، ومحاسن وإحسان. ومسموع ومشموم، ومشروب ومطعوم. وعود يحرق ويحرك، ومسك في الصحاف يفتت ويفرك. وقريض ينشد، وعرف ضائع لا ينشد، وبم وزير، وجنة وحرير، وزهور ومزاهر، وملح ونوادر، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون:
أيا نديمي لو شاهدت وقفتنا ... في مجلس اللهو حيث الخصم مغلوب
والدف والدن مضروب ومنكسر ... والزق يذبح والراووق مصلوب
وبالجملة فإني عاينت من التفضيل، ما يغني عن التفصيل، وكاد ثقيل الطرب يستخفني لولا عناية الملك الجليل. ثم نظرت وإذا أمر القوم قد اضطرب، والعترفان يخبر عن ذنب السرحان بحسن المنقلب، فأشرت إلى صاحبي بالنقلة، وعرفته أن الليل قد عزم على الرحلة. فقام يهتز من السكر اهتزاز الأفنان. وانصرفنا، وأنا أمشي كالرخ وهو يمشي كالفرزان. فلما صرنا إلى البيت، خر صعقاً كالميت. فجلست معرضاً عن الكرى، متفكراً فيما قد جرى، لائماً نفسي على اتباع الهوى، ذاماً لها على معاشرة من ضل وغوى. ثم إني
стр. 71
ملت إلى الاستغفار، وسألت العفو من العزيز الغفار، ولذت - كما قال الحريري - بالمتاب، وآليت لا أحضر - ما دمت حياً - مجالس الشراب.
الفصل السابع عشر: في الشيب والخضاب
رأيت بعض مشايخ الأصحاب، وهو يتعاطى ما يتعاطاه الشباب. فقلت: يامن وعظه الشيب، جاءك النذير بلا ريب، فاصرف عين العيب، واق عالم الشهادة والغيب. نأت الغرابيب السود، ودنت البزاة واثبة كالأسود. وظهرت غرة القمر، وأومض البرق في ليل الشعر. ورمي فاحم الفود بضده، واشتعل المبيض في مسوده. قدم رائد الهداية، وزائد الغواية، وطليعة العفاف، وذريعة الإنصاف. ومظنه الوقار، ومشرق الأنوار. فخل الخلال الجانية عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك:
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأزهار
من شباب عذاره لم تقبل أعذاره. من عذل شبابه ولي مصابه. من لمع ضوء فرعه، تفرق شمل جمعه. من كبر ذوى عوده، وغابت سعوده، وأفل نجمه، ووهن عظمه، وضعف بعد القوة جسمه، وخمدت منه الأنفاس، عنه ظباء الكناس:
لو كان عمر الفتى حساباً ... كان له شيبه فذالك
стр. 72
يامن أدركه المشيب، اترك الغزل والنسيب، إرجع إلى الله من قريب، ولذ بالمتاب واعدل عن الخضاب، واخش نصول الفضول، ودع من يزور ثم يزول. ولا تطمع بوصل الحسان، واكتب لهن تسريحاً بإحسان، واحذر منهن العدو الأزرق، واسبق إلى منعهن من قبل أن تسبق.
عذر الكواعب أنهن كواكب ... لا يجتمعن مع الصباح إذا بدا
فنظر إلي مليا، وقال: لقد جئت شيئاً فرياً. ياهذا أنت ناصح أمين، أم ذابح بغير سكين؟ نكست الأعلام وفتنت الأحلام، وفخمت الوعيد، وجلت في ميدان التهديد، وآثرت نيران التلف، ودثرت ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف﴾، وأدنيت غمام الغم، ومدحت ما يستحق الذم:
ما رأينا المشيب إلا كثلج ... أبيض بارد قليل المقام
واهاً له من زائر يظهر العدل وهو جائر، يأتي من الشهب على كل ضامر، ويخرب من الأعمار كل عامر، ولا يرجى لسليبه عوض، ولا يقضي لصاحبه غرض. ناع ينغص لذة الرفاق، وساع يطوف بحرم الفراق. معلول لا يعتني بحفظ ميثاقه، ورسول معجزته الخوف من اجتماعه، والفرق من فراقه:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
غرة مرة، ونور ليس معه مسرة. يبلي الجديد، ويصيد
стр. 73
الصنديد، ويعتدي على الشباب، ويفرق بين الأصحاب، ويسود بياضه اللون، وهو عنوان فساد الكون. رفعت عند نصحك مقداره، ونفيت قاره وأثبت وقاره:
وأي وقار لامرئ عري الصبا ... ومن خلفه شيب وقدامه شيب
ثم إنك رثيت وما رثيت، ومريض المشيب عن معالجة الخضاب نهيت، وأطلت التعنيف، وأكثرت الأراجيف. وسقت الشائب إلى رمسه، ومنعته من التصرف في نفسه، وبسطت شقة الشقاق. أما سمعت قول الوراق:
للضيف أن يقرى ويعرف حقه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب
فقلت له: إلام يختفي الزامر ويتستر؟ وحتام يكتم الكتم شيئاً بعد ثلاث يظهر؟ وهل يرد التمويه ما مضى؟ أو يخمد ماء الصبغ جمر الغضى؟
تستر بالخضاب، وأي شيء ... أدل على المشيب من الخضاب
فقال: قد أطلت الملام، وأثخنت القلب بكلام الكلام، ونشرت رداء الرد، وزاد سيف عدلك في الحد:
لمع المشيب، وبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل
يا هذا إني لأعلم أن الخرق يتسع على الراقع، وأن التمادي في التصابي سم ناقع. لكن الفطام صعب، وكل أحد لا
стр. 74
يمكنه رأب الشعب، وترك منصب الإمارة، شديد على النفس الأمارة. وهي إلى حضرة الخضرة تميل، وعلى الله قصد السبيل:
لعمرك ما خضبت بياض شيبي ... رجاء أن يعود لي الشباب
ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي المشيب فلا تصاب
وأنا أستغفر الله من الزلل، واستعين به على سد الخلل، وأتوكل عليه إنه جواد كريم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم.
الفصل الثامن عشر: في الخيل والإبل
وفد علي يوماً ذو ألوك، يدعوني إلى حضرة بعض الملوك. فلبيت مناديه، ويممت في المال ناديه. فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته. ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق، وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك.
فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله. فما استتم المقال إلا والنجائب تقاد بأيدي الرجال: فمن أشهب يقق، إن طلب لحق، وإن طُلب سبق. طِرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة
стр. 75
متنه. بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال. لا يخطر معه الخطار ولا تعلق الغبراء له بغبار. يهدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك.
ومن أدهم غربيب، لا يعلم أجنوب هو أم جنيب. يسبق السيل في السير، معقود بناصيتها الخير، ينساب كالثعبان، وينعطف انعطاف السرحان. زاد على زاد الركب وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن دسيعه وتليله ويخطف الأبصار برق غرته وتحجيله.
ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب. الراح تحكيه في لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب، متقلب في اللهب، يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لين شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت أعوج ثم يعوج متهكماً عليه.
ومن كميت طاب عرفه، واسود ذنبه وعرفه. أسيل الخدين، بارز النهدين، عندمي اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف عاينت كل عضو منه وردة كالدهان. يجد السير في حزن الفلاة وسهلها، ويرد الوديعة محمولة إلى أهلها.
ومن أصفر لونه فاقع، كم له في الحلبة من طائر خلفه واقع، ينتمي إلى الحبشان، ويعبر بلونه الزعفران. الدجا على عرفه قابض، وماء القار على ذيله فائض. يتجلى
следующие страницы →