Полный текст (4 665 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْحَجَّ لَا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهُ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُمْ بِدَلِيلٍ فَأَمَّا نَفْسُ اللَّفْظِ فَقَدْ كَانَ مُوهِمًا لِلتَّكْرَارِ وَمِنْ أَجْلِهِ عَرَضَ هَذَا السُّؤَالُ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ فِي اللُّغَةِ قَصْدٌ فِيهِ تَكْرَارٌ وَمِنْ ذَلِكَ قول الشاعر يحجون بيت الزبرقان المزعفرا يزيد أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَهُ فِي أُمُورِهِمْ وَيَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ فِي حَاجَاتِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَكَانَ سَيِّدًا لَهُمْ وَرَئِيسًا فِيهِمْ
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْمَعْنَى فِي إِيجَابِ الْعُمْرَةِ وَقَالُوا إِذَا كَانَ الْحَجُّ قَصْدًا فِيهِ تَكَرُّرٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي الْحَجِّ إِنَّمَا هُوَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَتَكَرَّرُ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا حَجَّ مَرَّةً ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَمْرِ الْوَارِدِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ هَلْ يُوجِبُ التَّكْرَارَ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَفْسُ الْأَمْرِ يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَذَهَبُوا إِلَى مَعْنَى اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ مِنْهُ وَقَالَ الْآخَرُونَ لَا يُوجِبُهُ وَيَقَعُ الْخَلَاصُ مِنْهُ وَالْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَتِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ لَهُ أَفَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَالَ نَعَمْ كَانَ صَادِقًا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
وَفِي إِسْنَادِهِ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ صَاحِبُ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ فَرَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا رَوَاهُ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رجل لكل عام يارسول اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا انْتَهَى (عُقَيْلٌ عَنْ سِنَانَ) أَيْ بِغَيْرِ لَفْظِ أَبِي وَالْحَاصِلُ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ حُسَيْنٍ وَعَبْدَ الْجَلِيلِ بْنَ حُمَيْدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ كُلَّهُمْ قَالُوا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانَ وَأَمَّا عُقَيْلٌ وَحْدَهُ فَقَالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سِنَانَ
قُلْتُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَبَا سِنَانَ كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ أُمَيَّةَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1507
[١٧٢٢] (هَذِهِ) أَيْ هَذِهِ الْحَجَّةُ مَفْرُوضَةٌ عَلَيْكُنَّ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (ظُهُورَ) جَمْعُ ظَهْرٍ (الْحُصُرِ بِضَمَّتَيْنِ وتسكن الصاد تخفيفا جمع الحصر الَّذِي يُبْسَطُ فِي الْبُيُوتِ أَيْ عَلَيْكُنَّ لُزُومَ الْبَيْتِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْكُنَّ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ الْحَجُّ
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ مَرَّةً وَلِذَا أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ فَرْضِ الْحَجِّ
وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحَجِّ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
قَالَ الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ
وَفِي الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ حَجٌّ مَبْرُورٌ ثُمَّ لُزُومُ الْحُصُرِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَزْوَاجِهِ هَذِهِ ثُمَّ لُزُومُ الْحُصُرِ أَيْ إِنَّكُنَّ لَا تَعُدْنَ تَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِكُنَّ وَتَلْزَمْنَ الْحُصُرَ انْتَهَى
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي وَاقِدٍ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنَيَيْنِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا وَاضِحٍ عَلَى الْمَنْعِ فَلَا يُتْرَكُ بِهِ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ الْجَوَازُ وَذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنين قالت قلت يارسول الله ألا نغزوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ فَقَالَ لَكِنْ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولفظ بن ماجه قلت يارسول اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَلَفْظُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَوْ جَاهَدْنَا مَعَكَ قَالَ لَا جِهَادَ وَلَكِنْ حَجٌّ مَبْرُورٌ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا فِي جَوَابِ قَوْلِهِنَّ أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْكُنَّ كَمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِنَّ فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ وَافَقَهَا مِنْ هَذَا التَّرْغِيبِ فِي الْحَجِّ إِبَاحَةَ تَكْرِيرِهِ لَهُنَّ كَمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ تَكْرِيرُ الْجِهَادِ وَخُصَّ بِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ وَقَوْلِهِ تعالى وقرن في بيوتكن وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ قُوَّةُ دَلِيلِهَا فَأَذِنَ لَهُنَّ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ بَعْدَهُ يَحُجُّ بِهِنَّ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا كَمَا سَيَجِيءُ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ وُجُوبُ الْحَجِّ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالرِّجَالِ لَا الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَالثَّانِي الْمُرَادُ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ جَوَازُ التَّرْكِ لَا النَّهْيِ مِنَ الْحَجِّ لَهُنَّ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدْ ثَبَتَ حَجُّهُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ عن أبيه عن جده إذن عمر ﵁ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخَرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عفان وعبد الرحمن
وروى بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِإِسْنَادٍ صَحَّحَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ رَأَيْتُ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَجْنَ فِي هَوَادِجَ عَلَيْهَا الطَّيَالِسَةُ زَمَنَ الْمُغِيرَةِ أي
стр. 1508
بن شُعْبَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ زَمَنَ وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لِمُعَاوِيَةَ وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ قَبْلِهَا وَلِابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ حَجَّا بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلْنَ بِقُدَيْدٍ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ ثَمَانٍ
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ عُثْمَانَ فِي الْحَجِّ فَقَالَ أَنَا أَحُجُّ بِكُنَّ فَحَجَّ بِنَا جَمِيعًا إِلَّا زَيْنَبَ كَانَتْ مَاتَتْ وَإِلَّا سَوْدَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وأخرج بن سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكُنَّ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْجُجْنَ إِلَّا سَوْدَةَ وَزَيْنَبَ فَقَالَا لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ عُمَرُ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْجَوَازُ فَأَذِنَ لَهُنَّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ فِي عَصْرِهِ مِنْ غير نكير
وروى بن سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ مَنَعَ عُمَرُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ دُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَنَعَنَا عُمَرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ عَامٍ فَأَذِنَ لَنَا
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَجَجْنَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ الْحَدِيثَ قَالَهُ الْحَافِظُ
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
قال المنذري وبن أَبِي وَاقِدٍ هَذَا اسْمُهُ وَاقِدٌ وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا وَوَاقِدٌ هَذَا شِبْهُ الْمَجْهُولِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَاب فِي الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ)
[١٧٢٣] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَذُو الْمَحْرَمِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْأَقَارِبِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ
(ذُو حُرْمَةٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بِمَعْنَى ذِي الْمَحْرَمِ فَذُو حُرْمَةٍ وَذُو الْمَحْرَمِ كِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ
قُلْتُ وَرَدَ حَدِيثُ نَهْيِ السَّفَرِ لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَفِي رِوَايَةٍ لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَوْقَ ثَلَاث وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثَةً وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا ومعها ذو محرم منها أَوْ زَوْجُهَا وَفِي رِوَايَةٍ نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ لامرأة مسلمة تسافر
стр. 1509
مسيرة لَيْلَةً إِلَّا وَمَعَهَا ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَفِي رِوَايَةٍ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ هَذِهِ رِوَايَاتُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ لَا تُسَافِرْ بَرِيدًا وَالْبَرِيدُ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ اخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَاخْتِلَافِ الْمَوَاطِنِ وَلَيْسَ فِي النَّهْيِ عَنِ الثَّلَاثَةِ تَصْرِيحٌ بِإِبَاحَةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَوِ الْبَرِيدِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَأَنَّهُ ﷺ يُسْأَلُ عَنِ الْمَرْأَةِ تُسَافِرُ ثَلَاثًا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَقَالَ لَا وَسُئِلَ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَقَالَ لَا وَسُئِلَ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا فَقَالَ لَا وَكَذَلِكَ الْبَرِيدُ فَأَدَّى كُلٌّ مِنْهُمْ مَا سَمِعَهُ وَمَا جَاءَ مِنْهَا مُخْتَلِفًا عَنْ رَاوٍ وَاحِدٍ فَسَمِعَهُ فِي مَوَاطِنَ فَرَوَى تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا وَكُلُّهُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ تَحْدِيدٌ لِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ وَلَمْ يُرِدْ ﷺ تَحْدِيدَ أَقَلِّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا
فالحاصل أن كل ما يسمى سفر انْتُهِيَ عَنْهُ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ سَوَاءً كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِرِوَايَةِ بن عَبَّاسٍ الْمُطْلَقَةُ وَهِيَ آخِرُ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ السَّابِقَةِ لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى سَفَرًا
وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إِذَا اسْتَطَاعَتْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ عَلَى الناس حج البيت وَقَوْلِهِ ﷺ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ الْحَدِيثَ وَاسْتَطَاعَتُهَا كَاسْتِطَاعَةِ الرَّجُلِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِ لَهَا فَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ حُكِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ
وَقَالَ عطاء وسعيد بن جبير وبن سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ بَلْ يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَحْصُلُ الْأَمْنُ بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ
وَلَا يَلْزَمُهَا الْحَجُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَوْ وُجِدَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِقَةٌ لَمْ يَلْزَمْهَا لَكِنْ يَجُوزُ لَهَا الْحَجُّ مَعَهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ مُخَالَفَةُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْبَدَنِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ وَمَنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا قَادِرَةً بِبَدَنِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا فَلَمَّا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَجَمَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ مُبَيِّنًا الِاسْتِطَاعَةَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَرَأَى مَالِكٌ ومن وافقه أن للاستطاعة الْأَمْنِيَّةَ بِنَفْسِهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْأَسْفَارِ الْوَاجِبَةِ وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا إِذَا لم
стр. 1510
تَكُنِ الطَّرِيقُ آمِنًا ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ تُسَافِرُ هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِدُونِ أَنْ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ فَتَسْمَعُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَتُسَافِرُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ فَيَجُوزُ رَفَعُهُ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَنْ
قَالَهُ الْحَافِظُ وَلِيٌّ الْعِرَاقِيُّ
وَقَوْلُهُ مَسِيرَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ كَمَعِيشَةٍ بِمَعْنَى الْعَيْشِ وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ
[١٧٢٤] (قَالَ الْحَسَنُ) بْنُ عَلِيٍّ وَحْدَهُ فِي حَدِيثِهِ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ وَالنُّفَيْلِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أبي سعيد بن أبي هريرة وأما القعنبي والنفيلي فقال عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَذْفِ لَفْظِ عَنْ أَبِيهِ بَيْنَ سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (ثُمَّ اتَّفَقُوا) أَيِ الْقَعْنَبِيُّ وَالنُّفَيْلِيُّ وَالْحَسَنُ كُلُّهُمْ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ جَعَلَ كُلُّهُمْ مِنْ مُسْنَدَاتِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي زِيَادَةِ لَفْظِ عَنْ أَبِيهِ (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ ذَكَرَ مَالِكٌ مَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ
وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا قَالَ المنذري وأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُتَابَعَةً انْتَهَى
(قَالَ النُّفَيْلِيُّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ) وَأَمَّا الْقَعْنَبِيُّ فَقَالَ عَنْ مَالِكٍ (وَالْقَعْنَبِيُّ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ لَفْظُ عَنْ أَبِيهِ بَيْنَ سَعِيدِ بن أبي سعيد وأبي هريرة (رواه بن وَهْبٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ (وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بْنِ فَارِسٍ كِلَاهُمَا (عَنْ مَالِكٍ) بِحَذْفِ عَنْ أَبِيهِ (كَمَا قَالَ الْقَعْنَبِيُّ) أَيْ كَمَا رَوَى الْقَعْنَبِيُّ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ بِحَذْفِ لَفْظِ عَنْ أَبِيهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَحْتَ حَدِيثِ مَالِكٍ هَكَذَا أَيْ بِإِثْبَاتِ عَنْ أَبِيهِ وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ
قَالَ الْقَاضِي وَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ عَنِ الْجُلُودِيِّ وَأَبِي الْعَلَاءِ وَالْكِسَائِيِّ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبيه وكذا رواه الشيخان من رواية بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ
وَاسْتَدْرَكَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَيْهِمَا وَقَالَ الصَّوَابُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَبِيهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ مَالِكًا وَيَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلًا قَالُوا عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَنْ أَبِيهِ وَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَمُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ
стр. 1511
وَرَوَاهُ الزَّهْرَانِيُّ وَالْفَرَوِيُّ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي النِّكَاحِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ وَسُهَيْلٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَصَلَ اخْتِلَافٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ الْحُفَّاظِ فِي ذِكْرِ أَبِيهِ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَفْسِهِ فَرَوَاهُ تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا وَسَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ مُلَخَّصًا
وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ لَا يَقْدَحُ فَإِنَّ سَمَاعَ سَعِيدٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نفسه فحدث به على الوجهين وبهذا بن حِبَّانَ فَقَالَ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ انْتَهَى
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ سَعِيدًا لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ انْتَهَى
[١٧٢٥] (وَذَكَرَ) أَيْ سُهَيْلٌ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَرِيدًا) أَيْ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ بَرِيدًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْبَرِيدُ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ
وقال بن الْأَثِيرِ هُوَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ والميل أربعة آلاف ذارع انْتَهَى
[١٧٢٦] (لَا يَحِلُّ) نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ (فَصَاعِدًا) هو منصوب على الحال
قال بن مَالِكٍ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ هُوَ بِحَذْفِ عَامِلِهِ وُجُوبًا أَيْ فَارْتَقَى ذَلِكَ صَاعِدًا أَوْ فَذَهَبَ صَاعِدًا (ذُو مَحْرَمٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ حَرَامٍ (مِنْهَا) بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ إِلَّا أن مالكا كره تنزيها سفرها مع بن زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى النَّفْرَةِ عَنِ امْرَأَةِ الْأَبِ لَيْسَ كَالدَّاعِي إِلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ
وَقَوْلُهُ أَوْ زَوْجُهَا وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذِكْرُ الزَّوْجِ لَقِيسَ عَلَى الْمَحْرَمِ قِيَاسًا جَلِيًّا
وَلَفْظُ امْرَأَةٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ فِي الشَّابَّةِ أَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَتُسَافِرُ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زوج ولا محرم
قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى
стр. 1512
المعنى
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ قَزَعَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ انْتَهَى
[١٧٢٧] (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(كَانَ يُرْدِفُ) الرَّدِيفُ الَّذِي تَحْمِلُهُ خَلْفَكَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ [١٧٢٨] (مُوَلَّاةً لَهُ) أَيْ أَمَةً لِابْنِ عُمَرَ وَالسَّيِّدُ فِي حُكْمِ الزَّوْجِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(بَاب لا صرورة)
[١٧٢٩] بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَهُوَ نَفْيٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ أَوِ الَّذِي انْقَطَعَ عَنِ النِّكَاحِ عَلَى طَرِيقِ الرُّهْبَانِ
وَفِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّرُورَةِ مِنَ النِّسَاءِ التي تَحُجَّ قَطُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا أَوْ كَانَ لَهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ وَلْتَخْرُجْ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ فِي الْحَدِيثِ التَّبَتُّلُ وَتَرْكُ النِّكَاحِ والصَّرُورَةُ أَيْضًا الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَأَصْلُهُ مِنَ الصَّرِّ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ وَقِيلَ أَرَادَ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ إِنِّي صَرُورَةٌ مَا حَجَجْتُ وَلَا عَرَفْتُ حُرْمَةَ الْحَرَمِ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثًا فَلَجَأَ إِلَى الْكَعْبَةِ لَمْ يُهْجَ فَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ وَلِيُّ الدَّمِ فِي الْحَرَمِ قِيلَ لَهُ هُوَ صَرُورَةٌ فَلَا تَهْجُهُ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ
الصَّرُورَةُ تُفَسَّرُ تَفْسِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الصَّرُورَةَ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي قَدِ انْقَطَعَ عَنِ النِّكَاحِ وَتَبَتَّلَ عَلَى مَذْهَبِ رَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى وَالْآخَرَةُ أَنَّ الصَّرُورَةَ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ
стр. 1513
يَحُجَّ فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا أَنَّ سُنَّةَ الدِّينِ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ فَلَا يَحُجُّ حَتَّى يَكُونَ صَرُورَةً فِي الْإِسْلَامِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بن عطاء وهو بن أَبِي الْخَوَّارِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ
(بَابُ التَّزَوُّدِ فِي الْحَجِّ)
[١٧٣٠] (يَحُجُّونَ) أَيْ يَقْصِدُونَ الْحَجَّ (وَلَا يَتَزَوَّدُونَ) أَيْ لَا يَأْخُذُونَ الزَّادَ مَعَهُمْ مُطْلَقًا أَوْ يَأْخُذُونَ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الْبَرِّيَّةِ (نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ) وَالْحَالُ أَنَّهُمُ الْمُتَآكِلُونَ أَوِ الْمُعْتَمِدُونَ عَلَى النَّاسِ يَقُولُونَ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يُطْعِمُنَا وَسَأَلُوا فِي مَكَّةَ كَمَا سَأَلُوا فِي الطَّرِيقِ (وَتَزَوَّدُوا) أَيْ خُذُوا زَادَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَاتَّقُوا الِاسْتِطْعَامَ وَالتَّثْقِيلَ على الأنام (فإن خير الزاد التقوى) أَيِ الَّذِي يَتَّقِي صَاحِبُهُ عَنِ السُّؤَالِ فَمِنَ التَّقْوَى الْكَفُّ عَنِ السُّؤَالِ وَالْإِبْرَامِ
وَمَفْعُولُ تَزَوَّدُوا مَحْذُوفٌ هُوَ التَّقْوَى وَلَمَّا حَذَفَ مَفْعُولَهُ أَتَى بِخَبَرِ إِنَّ ظَاهِرًا لِيَدُلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ وَلَوْلَا الْمَحْذُوفُ لَأَتَى مُضْمَرًا كَذَا فِي جَامِعِ الْبَيَانِ
قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ فَفِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ارْتِكَابَ الْأَسْبَابِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ التَّوَكُّلَ الْمُجَرَّدَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُسْتَقِيمًا فِي حَالِهِ غَيْرَ مُضْطَرِبٍ حَيْثُ لَا يَخْطُرُ الْخَلْقُ بِبَالِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(بَاب التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ)
[١٧٣١] (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) إِثْمٌ (أَنْ تَبْتَغُوا) أَيْ فِي أَنْ تَبْتَغُوا (فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) عَطَاءً وَرِزْقًا مِنْهُ
стр. 1514
بِالتِّجَارَةِ
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ كَرِهُوا التِّجَارَةَ فِي الْحَجِّ فَنَزَلَتْ (فَأُمِرُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهَذَا أَمْرُ إِرْشَادٍ لَا أَمْرَ إِيجَابٍ (أَفَاضُوا) أَيْ رَجَعُوا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَأَخْرَجَهُ له مسلم في المتابعة انتهى
باب [١٧٣٢] (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلِيَتَعَجَّلْ) زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ وَفِي لَفْظٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ وَإِلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ﷺ حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ وَفَرْضُ الْحَجِّ كَانَ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي فُرِضَ فِيهِ الْحَجُّ وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ فُرِضَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ فَلَا تَأْخِيرَ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ فُرِضَ قَبْلَ الْعَاشِرَةِ فَتَرَاخِيهِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ لِكَرَاهَةِ اخْتِلَاطٍ فِي الْحَجِّ بِأَهْلِ الشِّرْكِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحُجُّونَ وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً فَلَمَّا طَهَّرَ اللَّهُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مِنْهُمْ حج ﷺ فَتَرَاخِيهِ لِعُذْرٍ
وَمَحِلُّ النِّزَاعِ التَّرَاخِي مَعَ عَدَمِهِ ذَكَرَهُ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ مِهْرَانُ أَبُو صَفْوَانَ
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ
(بَاب الْكَرِيِّ)
[١٧٣٣] (أُكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ) أَيْ سَفَرِ الْحَجِّ (لَيْسَ لَكَ حَجٌّ) أَيْ لَا يَصِحُّ حَجُّكَ مَعَ الْكِرَاءِ (قَالَ
стр. 1515
لَكَ حَجٌّ) أَيْ يَصِحُّ حَجُّكَ مَعَ الْكِرَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو أُمَامَةَ هَذَا لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ رَوَى عَنْهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بْنِ عُمَرَ وَالْفُقَيْمِيُّ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ كُوفِيٌّ لَا بَأْسَ بِهِ
(وَسُوقِ ذِي الْمَجَازِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ والجيم المخففة وبعد الألف زاء وكانت بناحية عرفة إلى جانبها
وعند بن الْكَلْبِيِّ مِمَّا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّهُ كَانَ لِهُذَيلٍ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ عَرَفَةَ
وَقَوْلُ الْبِرْمَاوِيِّ كَالْكِرْمَانِيِّ مَوْضِعٌ بِمِنًى كَانَ لَهُ سُوقٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُخَالَفٌ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَبِيعُونَ وَلَا يَبْتَاعُونَ بِعَرَفَةَ وَلَا مِنًى لَكِنْ يُرَدُّ قَوْلُ مُجَاهِدٍ هَذَا بِمَا رَوَاهُ الْمُؤَلِّفُ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّاسَ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَمَوَاسِمِ الْحَجِّ الْحَدِيثَ
[١٧٣٤] (وَمَوَاسِمِ الْحَجِّ) جَمْعُ مَوْسِمٍ بِفَتْحِ الجيم وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ مَوْسِمُ الْحَجِّ مُجْتَمَعُهُ (أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا فِي الْمُصْحَفِ) وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ ورواه بن أبي عمر في مسنده كان بن عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا فَهِيَ عَلَى هَذَا مِنَ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ حُكْمُهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ حُكْمُ التَّفْسِيرِ قَالَهُ الحافظ
وقال المنذري الحديث الأول رواه بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بن عمير عن بن عباس والثاني رواه بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عُبَيْدِ
стр. 1516
بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ كَلَامًا معناه أنه مولى بن عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيِّ الْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدٍ اللَّيْثِيِّ الْمَكِّيِّ فَأَمَّا عُبَيْدُ بْنُ عمير مولى بن عباس فغير مشهور ولم يذكر بن أبي ذؤيب عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ فَلَعَلَّهُمَا اثْنَانِ رَوَيَا الْحَدِيثَ إن صح قول بن صَالِحٍ انْتَهَى
(بَاب فِي الصَّبِيِّ يَحُجُّ)
[١٧٣٦] (بِالرَّوْحَاءِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ مِنْ أَعْمَالِ الْفَرْعِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ
وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْهَا (فَلَقِيَ رَكْبًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ جَمْعُ رَاكِبٍ أَوِ اسْمُ جَمْعٍ كَصَاحِبٍ وَهُوَ الْعَشَرَةُ فَمَا فَوْقَهَا مِنْ أَصْحَابِ الْإِبِلِ فِي السَّفَرِ دُونَ بَقِيَّةِ الدَّوَابِّ ثُمَّ اتَّسَعَ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ (فَقَالَ مَنِ الْقَوْمُ) بِالِاسْتِفْهَامِ (فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ كَالْهَوْدَجِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُقَبَّبُ كَمَا تُقَبَّبُ الْهَوْدَجِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ (قَالَ نَعَمْ وَلَكَ أَجْرٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْحَجُّ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَضِيلَةِ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَحْسُوبًا عَنْ فَرْضِهِ لَوْ بَقِيَ حَتَّى بَلَغَ وَيُدْرِكَ مَدْرَكَ الرِّجَالِ وَهَذَا كَالصَّلَاةِ يُؤْمَرُ بِهَا إِذَا أَطَاقَهَا وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ وُجُوبَ فَرْضٍ وَلَكِنْ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُهَا تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ وَيُكْتَبُ لِمَنْ يَأْمُرُهُ بِهَا وَيُرْشِدُهُ إِلَيْهَا أَجْرٌ فَإِذَا كَانَ لَهُ حَجٌّ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مِنْ سُنَنِهِ أَنْ يُوقَفَ بِهِ الْمَوَاقِفَ وَيُطَافُ بِهِ حَوْلَ الْبَيْتِ مَحْمُولًا إِنْ لَمْ يُطِقِ الْمَشْيَ وَكَذَلِكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَنَحْوَهَا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ
وَفِي مَعْنَاهُ الْمَجْنُونُ إِذَا كَانَ مَيْئُوسًا مِنْ إِفَاقَتِهِ
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَجِّهِ إِذَا فَسَدَ وَدَخَلَهُ نَقَصٌ فَإِنَّ جُبْرَانَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَالْكَبِيرِ وَإِنِ اصْطَادَ صَيْدًا لَزِمَهُ الْفِدَاءُ كَمَا يَلْزَمُ الكبير وفي
стр. 1517
وُجُوبِ هَذِهِ الْغَرَامَاتِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ تَلَفَ مَالًا لِإِنْسَانٍ فَيَكُونُ غُرْمُهُ فِي مَالِهِ أَوْ وُجُوبُهَا عَلَى وَلِيِّهِ إِذَا كَانَ هُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْحَجِّ وَالنَّائِبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَحُجُّ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ وَالسُّنَّةُ أَوْلَى مَا اتُّبِعَ انْتَهَى
قال المنذري
(باب في المواقيت)
[١٧٣٧] (عن بن عمر قال وقت) أي اجعل مِيقَاتًا لِلْإِحْرَامِ وَالْمُرَادُ بِالتَّوْقِيتِ هُنَا التَّحْدِيدُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَعْلِيقُ الْإِحْرَامِ بِوَقْتِ الْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ بِالشَّرْطِ الْمُعْتَبَرِ
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَّتَ أَيْ حَدَّدَ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَصْلُ التَّوْقِيتِ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمُدَّةِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فأطلق على المكان أيضا
قال بن الْأَثِيرِ التَّأْقِيتُ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمُدَّةِ يُقَالُ وَقَّتَ الشَّيْءَ بِالتَّشْدِيدِ يُؤَقِّتُهُ وَوَقَتَهُ بِالتَّخْفِيفِ يَقِتُهُ إِذَا بَيَّنَ مُدَّتَهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَقِيلَ لِلْمَوْضِعِ ميقات
وقال بن دَقِيقِ الْعِيدِ إِنَّ التَّأْقِيتَ فِي اللُّغَةِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْوَقْتِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلتَّحْدِيدِ وَالتَّعْيِينِ وَعَلَى هَذَا فَالتَّحْدِيدُ مِنْ لَوَازِمِ الْوَقْتِ وَقَدْ يَكُونُ وَقَّتَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُصَغَّرًا
قَالَ فِي الْفَتْحِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِائَتَا مِيلٍ غَيْرَ مِيلَيْنِ قَالَهُ بن حَزْمٍ
وَقَالَ غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا عَشْرُ مَرَاحِلَ
قَالَ النَّوَوِيُّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَوَهَمَ من قال بينهما ميل واحد وهو بن الصَّبَّاغِ وَبِهَا مَسْجِدٌ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الشَّجَرَةِ خَرَابٌ وَفِيهَا بِئْرٌ يُقَالُ لَهَا بِئْرُ عَلِيٍّ انْتَهَى
(الْجُحْفَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسُ مَرَاحِلَ أَوْ سِتٌّ
وَفِي قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ نَظَرٌ
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ هِيَ عَلَى اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ وَبِهَا غَدِيرُ خُمٍّ كَمَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ (وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ وَضَبَطَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَغَلَّطَهُ الْقَامُوسُ وَحَكَى النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ
стр. 1518
عَلَى تَخْطِئَتِهِ وَقِيلَ إِنَّهُ بِالسُّكُونِ الْجَبَلُ وَبِالْفَتْحِ الطَّرِيقُ حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنِ الْقَابِسِيِّ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْجَبَلُ الْمَذْكُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ مَرْحَلَتَانِ (يَلَمْلَمَ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مِيمٌ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ كَذَلِكَ وَزَادَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثُونَ مِيلًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
[١٧٣٨] (عن بن طاووس) هو عبد الله بن طاووس (عن أبيه) طاووس عن بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (قَالَا) أَيْ عمرو بن دينار وعبد الله بن طاووس بِإِسْنَادِهِمَا (بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ (وَقَالَ أحدهما) أي عمرو بن دينار أو بن طاووس (أَلَمْلَمَ) بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ (فَهُنَّ) أَيِ الْمَوَاقِيتُ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ ضَمِيرُ جَمَاعَةِ الْمُؤَنَّثِ وَأَصْلُهُ لِمَا يَعْقِلُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا يَعْقِلُ لَكِنْ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (لَهُمْ) أَيْ لِأَهْلِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ) أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ فَإِذَا أَرَادَ الشَّامِيُّ الْحَجَّ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَمِيقَاتُهُ ذُو الْحُلَيْفَةِ لِاجْتِيَازِهِ عَلَيْهَا وَلَا يُؤَخِّرْ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُحْفَةَ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُهُ الْأَصْلِيُّ فَإِنْ أَخَّرَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَادَّعَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَهُ وَبِهِ قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وبن الْمُنْذِرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَهَكَذَا مَا كَانَ مِنَ الْبُلْدَانِ خَارِجًا عَنِ الْبُلْدَانِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ مِيقَاتَ أَهْلِهَا الْمِيقَاتُ الَّذِي يَأْتُونَ عَلَيْهِ (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ أَيْ دَاخِلُ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ أَيْ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ (مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ أَيْ يُهِلُّ مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ سَفَرَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[١٧٣٩] (وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 1519
مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ وَهِيَ وَالْعَقِيقُ مُتَقَارِبَانِ لَكِنِ الْعَقِيقُ قُبَيْلَ ذَاتِ عِرْقٍ وَفِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ مَقَالٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا بَيَّنَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ميقاتا وإنما حد لهم عمر ﵁ حِينَ فَتَحَ الْعِرَاقَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْعَقِيقِ احْتِيَاطًا وَجَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ صَارَتْ بِتَوْقِيتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أم باجتهاد عمر ﵁ وَالْأَصَحُّ هُوَ الثَّانِي كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى
وَصَحَّحَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ الْأَوَّلَ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ فَقَالَ أَحْسَبُهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ من ذات عرق وأخرجه بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْزِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ جَازِمًا بِهِ غَيْرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ غَيْرِهِ عَلَى أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ أَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي ذَاتِ عِرْقٍ
[١٧٤٠] (لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحَدِيثُ فِي الْعَقِيقِ أَثْبَتُ مِنْهُ فِي ذَاتِ عِرْقٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَّتَهَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتِ الْعِرَاقُ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرِ عَلَى مُوَازَاةِ قَرْنٍ لِأَهْلِ نَجْدٍ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُحْرِمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنَ الْعَقِيقِ فَإِذَا أَحْرَمُوا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ أَجْزَأَهُمْ وَقَدْ تَابَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عُمَرَ ﵁ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أنه تفرد به
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقال بن الْقَطَّانِ عِلَّته الشَّكّ فِي اِتِّصَاله فَإِنَّ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس يرويه عن بن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف في الرواية عن أبيه عن جده بن عَبَّاس
وَفِي صَحِيح مُسْلِم حَدَّثَنَا حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أَنَّهُ رَقَدَ عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ الْحَدِيث وَحَدِيثه عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ أَكَلَ كَتِفًا أَوْ لَحْمًا ثُمَّ
стр. 1520
[١٧٤١] (بن يُحَنَّسَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ (مَنْ أَهَلَّ) أَيْ أَحْرَمَ (بحجة أو عمرة) أو للتنويع (غفر مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) أَيْ مِنَ الصَّغَائِرِ وَيُرْجَى الْكَبَائِرُ (أَوْ وَجَبَتْ) أَيْ ثَبَتَتْ (لَهُ الْجَنَّةُ) أَيِ ابْتِدَاءً وَأَوْ لِلشَّكِّ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْإِحْرَامِ مَتَى كَانَ أَبْعَدَ كَانَ الثَّوَابُ أَكْثَرَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ جَوَازُ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ مِنَ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ مَعَ التَّرْغِيبِ فِيهِ وَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ
ذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَأَنْكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إِحْرَامَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ قُلْتُ وَيُشْبِهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
صَلَّى وَلَمْ يَمَسّ مَاء ذَكَرَهُ الْبَزَّار وَقَالَ وَلَا أَعْلَم رَوَى عَنْ جَدّه إِلَّا هَذَا الحديث يعني وقت لأهل السرق إِلَخْ وَأَخَاف أَنْ يَكُون مُنْقَطِعًا وَلَمْ يَذْكُر البخاري ولا بن أَبِي حَاتِم أَنَّهُ رَوَى عَنْ جَدّه وَقَالَ مُسْلِم فِي كِتَاب التَّمْيِيز
لَمْ يُعْلَم لَهُ سَمَاع مِنْ جَدّه وَلَا أَنَّهُ لَقِيَهُ
قَالَ الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث حَدِيث أُمّ سَلَمَة قَالَ غَيْر وَاحِد مِنْ الْحُفَّاظ إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يُحَنِّس هَلْ قَالَ وَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة أَوْ قَالَ أَوْ وَجَبَتْ بِالشَّكِّ بَدَل قَوْله غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ هذا هو الصواب بأو
وفي كَثِير مِنْ النُّسَخ وَوَجَبَتْ بِالْوَاوِ وَهُوَ غَلَط والله أعلم
стр. 1521
أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ﵁ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ شَفَقًا أَنْ يَعْرِضَ لِلْمُحْرِمِ إِذَا بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ آفَةٌ تُفْسِدُ إِحْرَامَهُ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ فِي أَقْصَرِ الْمَسَافَةِ أَسْلَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ ذُنُوبٍ وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي مَتْنِهِ وَإِسْنَادِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
(وَوَقَّتَ) حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ فِي أَيِّ سَنَةٍ وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَوَاقِيتَ فَقَالَ عَامَ حَجَّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ
(بَاب الْحَائِضِ تُهِلُّ بِالْحَجِّ)
[١٧٤٣] (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ نُفِسَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ (أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ) إِحْدَى زَوْجَاتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهَا نُفِسَتْ أَيْ وَلَدَتْ وَبِكَسْرِ الْفَاءِ لَا غَيْرَ وَفِي النُّونِ لُغَتَانِ الْمَشْهُورَةُ ضَمُّهَا وَالثَّانِيَةُ فَتْحُهَا سُمِّيَ نِفَاسًا لِخُرُوجِ النَّفْسِ وَهِيَ الْمَوْلُودُ وَالدَّمُ أَيْضًا وَفِيهِ صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمْ لِلْإِحْرَامِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ لَكِنْ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ هُوَ وَاجِبٌ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَصِحُّ مِنْهُمَا أَفْعَالُ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي وَفِيهِ أَنَّ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ لَيْسَتَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَجِّ لِأَنَّ أَسْمَاءَ لَمْ تُصَلِّهِمَا (بِالشَّجَرَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَفِي رِوَايَةٍ بِالْبَيْدَاءِ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ فَالشَّجَرَةُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَمَّا الْبَيْدَاءُ فَهِيَ طَرَفُ ذِي الْحُلَيْفَةِ
قَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِطَرَفِ الْبَيْدَاءِ لِتَبْعُدَ عَنِ النَّاسِ وَكَانَ مَنْزِلُ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَقِيقَةً وَهُنَاكَ بَاتَ وَأَحْرَمَ فَسُمِّيَ مَنْزِلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِاسْمِ مَنْزِلِ إِمَامِهِمْ (تُهِلَّ) أَيْ تحرم
قال
стр. 1522
المنذري وأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ
[١٧٤٤] (عَلَى الْوَقْتِ) أَيِ الْمِيقَاتِ (قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ خُصَيْفٌ وَهُوَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَوْنٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
١ - (بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ)
[١٧٤٥] (كُنْتُ أُطَيِّبُ) أَيْ أُعَطِّرُ (لِإِحْرَامِهِ) أَيْ لِأَجْلِ دُخُولِهِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ لِأَجْلِ إِحْرَامِ حَجِّهِ (وَلِإِحْلَالِهِ) أَيْ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْإِحْرَامِ وَهُوَ الْإِحْلَالُ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ كُلُّ مَحْظُورٍ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَيُقَالُ لَهُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ كَانَ حَلَّ بَعْضَ الْإِحْلَالِ وَهُوَ بِالرَّمْيِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الطِّيبُ وَغَيْرُهُ وَلَا يُمْنَعُ بَعْدَهُ إِلَّا مِنَ النِّسَاءِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْحَلْقَ وَالرَّمْيَ وَبَقِيَ الطَّوَافُ كَذَا فِي السُّبُلِ (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) أَيْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحِلِّهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ يَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِمَاعِ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّطَيُّبِ عِنْدَ إِرَادَةِ فِعْلِ الْإِحْرَامِ وَجَوَازُ اسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى خِلَافِهِ وَتَكَلَّفُوا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَنَحْوِهَا بِمَا لَا يَتِمُّ بِهِ مُدَّعَاهُمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ ﷺ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ الطِّيبُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الصَّوَابُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الطِّيبُ لِلْإِحْرَامِ لِقَوْلِهَا لِإِحْرَامِهِ
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ به ﷺ وَلَا يَتِمُّ ثُبُوتُ الْخُصُوصِيَّةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهَا بَلِ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خِلَافِهَا وَهُوَ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ كُنَّا نَنْضَحُ وُجُوهَنَا بِالطِّيبِ الْمِسْكِ قَبْلَ أَنْ نُحْرِمَ فَنَعْرَقَ فَنَغْسِلَ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ
стр. 1523
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّخُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وجهها فيراه النبي ﷺ فَلَا يَنْهَانَا وَلَا يُقَالُ هَذَا خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي الطِّيبِ سَوَاءٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالطِّيبُ يَحْرُمُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ وَإِنْ دَامَ حَالُهُ فَإِنَّهُ كَالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيهِ وَالنِّكَاحُ إِنَّمَا يَمْنَعُ الْمُحْرِمَ مِنِ ابْتِدَائِهِ لَا مِنِ اسْتِدَامَتِهِ فَكَذَلِكَ الطِّيبُ وَلِأَنَّ الطِّيبَ مِنَ النَّظَافَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ دفع الرائحة الكريهة كما يقصد بِالنَّظَافَةِ إِزَالَةُ مَا يَجْمَعُهُ الشَّعْرُ وَالظُّفْرُ مِنَ الْوَسَخِ وَلِذَا اسْتُحِبَّ أَنْ يَأْخُذَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَهُ
أَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ كيف يصنع في عمرته وكان الرَّجُلُ قَدْ أَحْرَمَ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالطِّيبِ فَقَالَ ﷺ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مرات الحديث فقد أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ كَانَا بِالْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقَدْ حج ﷺ سنة عشر واستدام الطيب وإنما يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[١٧٤٦] (كَأَنِّي أَنْظُرُ) قَالَ الْحَافِظُ أَرَادَتْ بِذَلِكَ قُوَّةَ تَحَقُّقِهَا لِذَلِكَ بِحَيْثُ إِنَّهَا لِشِدَّةِ اسْتِحْضَارِهَا لَهُ كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ إِلَيْهِ (وَبِيصِ) بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْبَرِيقُ
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِنَّ الْوَبِيصَ زِيَادَةٌ عَلَى الْبَرِيقِ وَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّلَأْلُؤُ وَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ عَيْنٍ قَائِمَةٍ لَا الرِّيحُ فَقَطْ (فِي مَفْرِقِ) هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُفْرَقُ فِيهِ الشَّعْرُ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٢ - (بَاب التَّلْبِيدِ)
[١٧٤٧] (يُهِلُّ مُلَبِّدًا) أَيْ يُحْرِمُ بِالتَّلْبِيدِ وَالتَّلْبِيدُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُحْرِمُ فِي رَأْسِهِ صَمْغًا أو غيره
стр. 1524
لِيَتَلَبَّدَ شَعْرُهُ أَيْ يَلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَلَا يَتَخَلَّلُهُ الْغُبَارُ وَلَا يُصِيبُهُ الشَّعَثُ وَلَا الْقَمْلُ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَطُولُ مُكْثُهُ فِي الْإِحْرَامِ
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
[١٧٤٨] (لبد رأسه بالعسل) قال بن عَبْدِ السَّلَامِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خَطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي ضَبَطْنَاهُ فِي رِوَايَتِنَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ
قَالَهُ السُّيُوطِيُّ
٣ - (بَاب فِي الْهَدْيِ)
[١٧٤٩] (أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَهِيَ السَّنَةُ السَّادِسَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ تَوَجَّهَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ فَأَحْصَرَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ أَطْرَافِ الْحِلِّ وَقَضِيَّتُهُ مَشْهُورَةٌ (فِي هَدَايَا) أَيْ فِي جُمْلَةِ هَدَايَا (جَمَلًا) نُصِبَ بِأَهْدَى وَفِي هَدَايَا صِلَةٌ لَهُ وَكَأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ فِي هَدَايَاهُ فَوَضَعَ الْمُظْهَرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ وَالْمَعْنَى جَمَلًا كَائِنًا فِي هَدَايَاهُ كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ أَيْ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ اغْتَنَمَهُ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ (فِي رَأْسِهِ) أَيْ أَنْفِهِ (بُرَةُ فِضَّةٍ) بِضَمِّ الموحدة وفتح الراي الْمُخَفَّفَةِ أَيْ حَلْقَةٌ وَالْمَعْنَى أَيْ فِي أَنْفِهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ فَإِنَّ الْبُرَةَ حَلْقَةُ صُفْرٍ وَنَحْوِهِ تُجْعَلُ فِي لَحْمِ أَنْفِ الْبَعِيرِ
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْمَنْخِرَيْنِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَنْفُ مِنَ الرَّأْسِ قَالَ فِي رَأْسِهِ عَلَى الاتساع (قال بن مِنْهَالٍ بُرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) وَيُمْكِنُ التَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْمَنْخِرَيْنِ (يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ أَيْ يُوصِلُ الْغَيْظَ إِلَى قُلُوبِهِمْ فِي نَحْرِ ذَلِكَ الْجَمَلِ
قُلْتُ خَاتِمَةُ جَمَلِهِ أَجْمَلُ مِنْهُ فَإِنَّهَا نُحِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ ثُمَّ نَظِيرُ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ تَعَالَى ليغيظ بهم الكفار كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
стр. 1525
١٤ - (بَاب فِي هَدْيِ الْبَقَرِ)
[١٧٥٠] (عَنْ عَائِشَةَ) وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ (بَقَرَةً وَاحِدَةً) قَالَ المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
[١٧٥١] (بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
٥ - (بَاب فِي الْإِشْعَارِ)
[١٧٥٢] (قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ) فِي رِوَايَتِهِ (قَالَ) قَتَادَةُ (صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الحليفة) أي ركعتين لكونه مسافر (فَأَشْعَرَهَا) الْإِشْعَارُ هُوَ أَنْ يَكْشِطَ جِلْدَ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَسِيلَ دَمٌ ثُمَّ يَسْلِتَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ علامة
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث إِسْرَائِيل عَنْ عَمَّار عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ ذَبَحَ عَنَّا رَسُول اللَّه ﷺ يَوْم حَجَجْنَا بَقَرَة بَقَرَة وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ مَا ذُبِحَ عَنْ آل مُحَمَّد فِي الْوَدَاع إِلَّا بَقَرَة وَبِهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ نَحَرَ عَنْ آل مُحَمَّد فِي حَجَّة
стр. 1526
عَلَى كَوْنِهَا هَدْيًا وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حنيفة كراهته والأحاديث ترد عليه
وقد خالف النَّاسُ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَاحْتَجَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُثْلَةِ وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِمَنْعِ كَوْنِهِ مِنْهَا بَلْ هُوَ بَابٌ آخَرُ كَالْكَيِّ وَشَقِّ أُذُنِ الْحَيَوَانِ فَيَصِيرُ عَلَامَةً وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسْمِ وَكَالْخِتَانِ وَالْحِجَامَةِ كَمَا سَيَجِيءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْمُثْلَةِ لَكَانَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مُخَصِّصًا لَهُ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنْهَا (الدَّمَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا (وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَبِهِ قَالَ الجمهور
قال بن الْمُنْذِرِ أَنْكَرَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ التَّقْلِيدَ لِلْغَنَمِ زَادَ غَيْرُهُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ وَسَيَجِيءُ (عَلَى الْبَيْدَاءِ) مَحَلٌّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَيْ عَلَتْ فَوْقَ الْبَيْدَاءِ وَصَعِدَتْ (أَهَلَّ) أَيْ لَبَّى (بِالْحَجِّ) وَكَذَا بِالْعُمْرَةِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْوَدَاع بَقَرَة وَاحِدَة وَسَيَأْتِي قَوْل عَائِشَة ذَبَحَ رَسُول اللَّه ﷺ الْبَقَر يَوْم النَّحْر
وَلَا رَيْب أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ حَجَّ بِنِسَائِهِ كُلّهنَّ وَهُنَّ يَوْمئِذٍ تِسْع وَكُلّهنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَات حَتَّى عَائِشَة فَإِنَّهَا قَرَنَتْ فَإِنْ كَانَ الْهَدْي مُتَعَدِّدًا فَلَا إِشْكَال وَإِنْ كَانَ بَقَرَة وَاحِدَة بَيْنهنَّ وَهُنَّ تِسْع فَهَذَا حُجَّة لِإِسْحَاق وَمَنْ قَالَ بقوله إن البدنة تجزىء عَنْ عَشَرَة وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد
وقد ذهب بن حَزْم إِلَى أَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاك فِي الْبَقَرَة إِنَّمَا كَانَ بَيْن ثَمَان نِسْوَة قَالَ لِأَنَّ عَائِشَة لَمَّا قَرَنَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا هَدْي
وَاحْتَجَّ بِمَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْهَا مِنْ قَوْلهَا فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَة الْحَصْبَة وَقَدْ قَضَى اللَّه حَجّنَا أَرْسَلَ مَعِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر فَأَرْدَفَنِي وَخَرَجَ بِي إِلَى التَّنْعِيم فَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَقَضَى اللَّه حَجّنَا وَعُمْرَتنَا وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي وَلَا صَدَقَة وَلَا صَوْم وَجُعِلَ هَذَا أَصْلًا فِي إِسْقَاط الدَّم عَنْ الْقَارِن وَلَكِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي مُدْرَجَة فِي الْحَدِيث مِنْ كَلَام هِشَام بْن عُرْوَة بَيَّنَهُ مُسْلِم فِي الصَّحِيح
قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو كُرَيْب أَنْبَأَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا هشام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِره قَالَ عُرْوَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا قَالَ هشام وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة فَجَعَلَ وَكِيع هذا اللفظ من قول هشام وبن نُمَيْر وَعَبَدَة لَمْ يَقُولَا قَالَتْ عَائِشَة بَلْ أَدْرَجَاهُ إِدْرَاجًا وَفَصَّلَهُ وَكِيع وَغَيْره
стр. 1527
[١٧٥٣] (قَالَ ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ بِيَدِهِ) أَيْ مَسَحَ وَأَمَاطَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ سَلَتَ بِيَدِهِ أَيْ أَمَاطَهُ بِإِصْبَعَيْهِ
وَأَصْلُ السَّلْتِ الْقَطْعُ وَيُقَالُ سَلَتَ اللَّهُ أَنْفَ فُلَانٍ أَيْ جَدَعَهُ (هَذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) أَيْ حَدِيثُ التَّقْلِيدِ بِالنَّعْلَيْنِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّ رُوَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ أَبُو حَسَّانَ الْأَعْرَجُ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي يَدُورُ الْإِسْنَادُ إِلَيْهِ بَصْرِيٌّ وَقَتَادَةُ الرَّاوِي عَنْ أَبِي حَسَّانَ ثُمَّ شُعْبَةُ الرَّاوِي عَنْ قَتَادَةَ كِلَاهُمَا بَصْرِيَّانِ
وَرَوَى أَيْضًا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ وَهُوَ أَيْضًا بَصْرِيٌّ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى أَيْضًا رَوَى عَنْ قَتَادَةَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ هَمَّامٌ
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
[١٧٥٤] (قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْإِشْعَارُ أَنْ يَطْعَنَ فِي سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيلَ دَمُهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَمًا أَنَّهَا بَدَنَةٌ وَمِنْهَا الشِّعَارُ فِي الْحُرُوبِ هُوَ الْعَلَامَةُ الَّتِي يَعْرِفُ بِهَا الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَيُمَيِّزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِشْعَارَ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُثْلَةِ وَإِنَّمَا الْمُثْلَةُ أَنْ يَقْطَعَ عُضْوًا مِنَ الْبَهِيمَةِ يُرَادُ بِذَلِكَ التَّعْذِيبُ
وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ السُّنَّةِ التَّقْلِيدُ وَهُوَ فِي الْإِبِلِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفِيهِ أَنَّ الْإِشْعَارَ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ وَهُوَ السُّنَّةُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[١٧٥٥] (أَهْدَى غَنَمًا مُقَلَّدَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْغَنَمَ قَدْ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْهَدْيِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغَنَمَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْهَدْيِ
وَفِيهِ أَنَّ الْغَنَمَ تُقَلَّدُ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ ثُمَّ قَلَّدَهُ فَلَا تُقَلَّدُ الْغَنَمُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم والنسائي وبن ماجه بنحوه
стр. 1528
١٦ - (باب تعديل الْهَدْيِ)
[١٧٥٦] (قَالَ أَهْدَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بُخْتِيًّا) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ التَّاءُ الْمُثَنَّاةُ الْفَوْقَانِيَّةُ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ هِيَ الْإِبِلُ الْخُرَاسَانِيَّةُ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ الْبُخْتِيَّةُ الْأُنْثَى مِنَ الْجِمَالِ الْبُخْتِ وَالذَّكَرُ بُخْتِيٌّ وَهِيَ جِمَالٌ طِوَالُ الْأَعْنَاقِ انْتَهَى
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نَجِيبًا بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ثُمَّ الْيَاءُ وَالنَّجِيبُ وَالنَّجِيبَةُ النَّاقَةُ وَالْجَمْعُ النَّجَائِبُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ النَّجِيبُ الْفَاضِلُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ
ثُمَّ قَالَ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ النَّجِيبِ مِنَ الْإِبِلِ مُفْرَدًا وَمَجْمُوعًا وَهُوَ الْقَوِيُّ مِنْهَا الْخَفِيفُ السَّرِيعُ انْتَهَى (بُدْنًا) جَمْعُ بَدَنَةٍ (قَالَ لَا) أَيْ لَا تَبِعْهَا بَلِ انْحَرْهَا (إِيَّاهَا) لِلتَّأْكِيدِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا) أَيْ مَنْعُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِهَا
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهَدْيِ لِإِبْدَالِ مِثْلِهِ أَوْ أَفْضَلَ
وَمِنْ قَوْلِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ إِلَى قَوْلِهِ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهَذِهِ تَرْجَمَةٌ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ فَأَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ هَذَا هُوَ خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ خَالُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ وَمَكْحُولٍ وَجَهْمِ بْنِ الْجَارُودِ وَعَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سلمة وموسى بن أعين وثقه بن مَعِينٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُعْرَفُ لِجَهْمٍ سَمَاعٌ مِنْ سَالِمٍ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هُوَ الْجَهْم بْن الْجَارُود
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير وَعَلَّلَهُ بهذه العلة وأعله بن الْقَطَّانِ بِأَنَّ جَهْم بْن الْجَارُود لَا يُعْرَف حَاله وَلَا يُعْرَف لَهُ رَاوٍ إِلَّا أَبُو عَبْد الرَّحِيم خَالِد بْن أَبِي يَزِيد
قَالَ وَبِذَلِكَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم
стр. 1529
قُلْتُ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تاريخه وبن حبان وبن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا
٧ - (بَاب مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ وَأَقَامَ [١٧٥٧] بِبَلَدِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ)
(قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَلَائِدُ جَمْعُ قِلَادَةٍ وَهِيَ مَا تُعَلَّقُ بِالْعُنُقِ
وَالْبُدْنُ جَمْعُ الْبَدَنَةِ وَهِيَ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ تُنْحَرُ بِمَكَّةَ (بِيَدَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا) مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ (فَمَا حَرُمَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا) أَرَادَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ وَلَا يُحْرِمُ فَلِهَذَا لَا يَجْتَنِبُ عَنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْثُهُ مَعَ غَيْرِهِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ يَبْعَثُ هَدْيَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شيء ما يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهُوَ مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ إلا رواية حكيت عن بن عباس وبن عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اجْتَنَبَ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ وَلَا يَصِيرُ مُحْرِمًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِحْرَامِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
وَسَبَبُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ بَلَغَهَا فُتْيَا بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِيمَنْ بَعَثَ هَدْيًا إِلَى مَكَّةَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ من لبس
стр. 1530
الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ بِمَكَّةَ فَقَالَتْ رَدًّا عَلَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
[١٧٥٩] (زعم) أي بن عَوْنٍ (سَمِعَهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (مِنْهُمَا) أَيِ الْقَاسِمُ وَإِبْرَاهِيمُ (وَلَمْ يَحْفَظْ) أَيْ لَمْ يُمَيِّزْ حَدِيثَ هَذَا مِنَ الْآخَرِ (أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) وَهِيَ عَائِشَةُ (مِنْ عِهْنٍ) هُوَ الصُّوفُ الْمَصْبُوغُ أَلْوَانًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٨ - (بَاب فِي رُكُوبِ الْبُدْنِ)
[١٧٦٠] (يَسُوقُ بَدَنَةً) أَيْ نَاقَةً (قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أَيْ هَدْيٌ ظَنًّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُكُوبُ الْهَدْيِ مُطْلَقًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[١٧٦١] (ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِوَجْهٍ لَا يَلْحَقُهَا ضَرَرٌ (إِذَا أُلْجِئْتَ) أَيْ إِذَا اضْطُرِرْتَ (إِلَيْهَا) إِلَى رُكُوبِهَا (حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا) أَيْ مَرْكُوبًا آخَرَ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ وَفِيهِ مَذَاهِبُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْكَبُهَا إِذَا احْتَاجَ وَلَا يَرْكَبُهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَإِنَّمَا يَرْكَبُهَا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ لَهُ رُكُوبُهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِحَيْثُ لا
стр. 1531
يَضُرُّهَا وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرْكَبُهَا إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مِنْهُ بُدًّا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٩ - (بَابَ الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ)
[١٧٦٢] (فَقَالَ إِنْ عَطِبَ) بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ عَيِيَ وَعَجَزَ مِنَ السَّيْرِ وَوَقَفَ فِي الطَّرِيقِ وَقِيلَ أَيْ قَرُبَ مِنَ الْعَطَبِ وَهُوَ الْهَلَاكُ
فَفِي الْقَامُوسِ عَطَبَ كَنَصَرَ لَانَ وَكَفَرِحِ هَلَكَ وَالْمَعْنَى عَلَى الثَّانِي (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْهَدْيِ الْمُهْدَاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ بَيَانٌ (ثُمَّ اصْبُغْ) أَيِ اغْمِسْ (نَعْلَهُ) أَيِ الْمُقَلَّدَةَ بِهِ (فِي دَمِهِ) أَيْ ثُمَّ اجْعَلْهَا عَلَى صَفْحَتِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَصْبُغَ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ لِيَعْلَمَ الْمَارُّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَجْتَنِبَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا وَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إِلَى أَكْلِهِ (ثم خل بينه وبين الناس) في دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ نَاجِيَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[١٧٦٣] (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) أَيْ حَمَّادٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ (إِنْ أُزْحِفَ) أَيْ أُعْيِيَ وَعَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ بفتح الهمزة وإسكان الزاء
قَالَ النَّوَوِيُّ كِلَاهُمَا صَحِيحَانِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أُعْيِيَ وَكَلَّ يُقَالُ زَحَفَ الْبَعِيرُ إِذَا خَرَّ عَلَى اسْتِهِ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْإِعْيَاءِ وَأَزْحَفَهُ السَّيْرُ إِذَا جَهَدَ وَبَلَغَ بِهِ هَذَا الْحَالُ (ثُمَّ تَصْبُغُ نَعْلَهَا) أَيِ الَّتِي قَلَّدْتَهَا فِي عُنُقِهَا (فِي دَمِهَا) لِئَلَّا يَأْكُلَ مِنْهَا الْأَغْنِيَاءُ (ثُمَّ اضْرِبْهَا) أَيِ النَّعْلَ (عَلَى صَفْحَتِهَا) أَيْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ النَّعْلَيْنِ عَلَى
стр. 1532
صَفْحَةٍ مِنْ صَفْحَتَيْ سَنَامِهَا (وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ) لِلتَّأْكِيدِ (وَلَا أَحَدٌ) أَيْ لَا يَأْكُلْ أَحَدٌ (مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الفاء وفي القاموس الرفقة مثلته أَيْ رُفَقَائِكَ فَأَهْلٌ زَائِدٌ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ سَوَاءً كَانَ فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا وَإِنَّمَا مَنَعُوا ذَلِكَ قَطْعًا لِأَطْمَاعِهِمْ لِئَلَّا يَنْحَرَهَا أَحَدٌ وَيَتَعَلَّلُ بِالْعَطَبِ هَذَا إِذَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا فَلَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ وَيَأْكُلَ مِنْهُ فَإِنَّ مُجَرَّدَ التَّقْلِيدِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ انْتَهَى) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَيْسَتْ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَلَا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى بِهَا فَإِنَّ التَّفَرُّدَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي طَبَقَةِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ بن عَبَّاسٍ رَوَاهَا عَنْ ذُؤَيْبٍ أَبِي قَبِيصَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا عِنْدَ مسلم وأرسله بن عَبَّاسٍ مَرَّةً كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَهَكَذَا رَوَى عَمْرُو بْنُ خَارِجَةَ الثُّمَالِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَلَفْظُهُ وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَهْلُ رُفْقَتِكَ وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ بَلْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي حَدِيثِ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَيْضًا عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ فِي الْمَغَازِي لَكِنَّ الْوَاقِدِيَّ ضَعِيفٌ جِدًّا
وَأَمَّا فِي طَبَقَةِ التَّابِعِينَ فَرَوَى مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنِ بن عباس كما عند مسلم وشهر بن حوب عَنْ عَمُّورِ بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَفَرُّدًا لِأَبِي التَّيَّاحِ فَإِنَّ مَدَارَ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا التَّيَّاحِ قَدْ تُوبِعَ تَابَعَهُ قَتَادَةُ عَنْ سِنَانَ بْنِ سَلَمَةَ عن بن عَبَّاسٍ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) هُوَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَنْقَرِيُّ (إِذَا أَقَمْتَ الْإِسْنَادَ) فِي الْحَدِيثِ (وَالْمَعْنَى كَفَاكَ) وَلَا يَضُرُّكَ رِوَايَتُكَ الْحَدِيثِ إِنْ غَيَّرْتَ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى جَائِزٌ كَذَا فِي الشَّرْحِ
وَاعْلَمْ أَنَّ بَابَ الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أن يبلغ تم إلى حديث بن عَبَّاسٍ وَبِهِ تَمَّ الْجُزْءُ الْعَاشِرُ
وَفَرَّقَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ بَيْنَ الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَيْ حَدِيثُ عَلِيٍّ إِلَى حَدِيثِ عَرَفَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ بِالْبَسْمَلَةِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
стр. 1533
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ آخِرَ الْجُزْءِ الْعَاشِرِ وَيَتْلُوهُ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ أَصْلِهِ انْتَهَى
وَالْأَشْبَهُ أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَابٌ آخَرُ فَسَقَطَ الْبَابُ وَأَمَّا إِدْخَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ أَيْ حَدِيثُ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ وَعَرَفَةَ الْكِنْدِيِّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَخْلُو مِنْ تَعَسُّفٍ وَتَكَلُّفٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٧٦٤] (فَنَحَرْتُ سَائِرَهَا) أَيْ بَاقِيَهَا
وَالْحَدِيثُ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ عَنْعَنَ وَبِهِ أَعَلَّهُ الْمُنْذِرِيُّ
[١٧٦٥] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ (ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ) هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ لِأَنَّ النَّاسَ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى بَعْدَ أَنْ فَرَغُوا مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالنَّحْرِ وَاسْتَرَاحُوا وَالْقَرُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (وَقُرِّبَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَجْهُولًا (بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ تَرْدِيدٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ تقريب الْأَمْرِ أَيْ بَدَنَاتٌ مِنْ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ (فَطَفِقْنَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ الثَّانِيَةِ أَيْ شَرَعْنَ (يَزْدَلِفْنَ) أَيْ يَتَقَرَّبْنَ وَيَسْعَيْنَ يَعْنِي يَقْصِدُ كُلٌّ مِنَ الْبَدَنَةِ أَنْ يَبْدَأَ فِي النَّحْرِ بِهَا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ المعجزة الباهرة
قال الطيبي أي منتظرات يأتيهن يَبْدَأُ لِلتَّبَرُّكِ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِهِنَّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَزْدَلِفْنَ مَعْنَاهُ يَقْرَبْنَ مِنْ قَوْلِكَ زَلَفَ الشَّيْءُ إِذَا قَرُبَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الدُّنُوُّ وَالْقُرْبُ مِنَ الْهَلَاكِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ لِاقْتِرَابِ النَّاسِ إِلَى مِنًى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ عَنْ عَرَفَاتٍ (فَلَمَّا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا) أَيْ سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ ذَهَبَتْ أَنْفُسُهَا فَسَقَطَتْ عَلَى جَنُوبِهَا
وَأَصْلُ الْوُجُوبِ السقوط (من
стр. 1534
شَاءَ اقْتَطَعَ) أَيْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمُشَاعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[١٧٦٦] (قَالَ شَهِدْتُ) أَيْ حَضَرْتُ (أَبَا حَسَنٍ) أَرَادَ بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ) هِيَ كَالرُّمْحِ وَإِنَّمَا أَخَذَ أَسْفَلَهَا لِيُمْسِكَهَا فَلَا تَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ
٠ - (بَاب كَيْفَ تُنْحَرُ الْبُدْنُ)
[١٧٦٧] (وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ) وَالْمُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابط هو بن جُرَيْجٍ فَالْحَدِيثُ مِنْ مُسْنَدِ جَابِرٍ كَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَكُتُبُ الْأَحْكَامِ وَغَيْرُهُمْ لَكِنْ رَوَاهُ بن أبي شيبة في مصنفه عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِيهِ أَيّ فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ يَوْم النَّحْر أَفْضَل الْأَيَّام وَذَهَبَتْ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ يَوْم الْجُمْعَة أَفْضَل الْأَيَّام وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ خَيْر يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمْعَة وهو حديث صحيح رواه بن حِبَّانَ وَغَيْره
وَفَصْل النِّزَاع أَنَّ يَوْم الْجُمْعَة أَفْضَل أَيَّام الْأُسْبُوع وَيَوْم النَّحْر أَفْضَل أَيَّام الْعَام فَيَوْم النَّحْر مُفَضَّل عَلَى الْأَيَّام كُلّهَا الَّتِي فِيهَا الْجُمْعَة وَغَيْرهَا وَيَوْم الْجُمْعَة مُفَضَّل عَلَى أَيَّام الْأُسْبُوع
فَإِنْ اِجْتَمَعَا فِي يَوْم تَظَاهَرَتْ الْفَضِيلَتَانِ وَإِنْ تَبَايَنَا فَيَوْم النَّحْر أَفْضَل وَأَعْظَم لِهَذَا الْحَدِيث
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 1535
قال بن الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ مِنْ جهة أبي داود القائل وأخبرني هو بن جريج فيكون بن جُرَيْجٍ رَوَاهُ عَنْ تَابِعِيَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَسْنَدَهُ وَهُوَ أَبُو الزُّبَيْرِ وَالْآخَرُ أَرْسَلَهُ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ كَذَا فِي الشَّرْحِ (مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى) أَيْ مَرْبُوطَةً قَائِمَتُهَا الْيُسْرَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[١٧٦٨] (بَارِكَةٌ) أَيْ جَالِسَةٌ (فَقَالَ ابْعَثْهَا) أَيْ أَقِمْهَا (قِيَامًا) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ أَيْ قَائِمَةً (مُقَيَّدَةً) حَالٌ ثَانِيَةٌ أَوْ صِفَةٌ لِقَائِمَةٍ مَعْنَاهُ مَعْقُولَةٌ بِرِجْلٍ وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ (سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ نُصِبَ بِعَامِلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اتَّبِعْ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبدل عَلَيْهِ رِوَايَةُ انْحَرْ قَائِمَةً فَإِنَّهَا سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ والثوري ينحر باركة وقائمة واستحب عطاء أي يَنْحَرَهَا بَارِكَةً مَعْقُولَةً
وَأَمَّا الْبَقَرَةُ وَالْغَنَمُ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُذْبَحَ مُضْطَجِعَةً عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[١٧٦٩] (وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ لَا يُعْطَى عَلَى مَعْنَى الْأُجْرَةِ شَيْئًا فَأَمَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا أَيْ أَجْرَ عَمَلِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الْجَزَّارُ الْجِلْدَ وَأَمَّا الْأَكْلُ مِنْ لُحُومِ الْهَدْيِ فَمَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ وَهُوَ مِثْلُ الدَّمِ يَجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَإِفْسَادِ الْحَجِّ وَدَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ نَذْرًا أَوْجَبَهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا كَانَ تَطَوُّعًا كَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيُهْدِيَ وَيَتَصَدَّقَ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ مَالِكٌ يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَهُ لِفَسَادِ حَجِّهِ وَلِفَوَاتِ الْحَجِّ وَمِنْ هَدْيِ التمتع ومن
стр. 1536
الْهَدْيِ كُلِّهِ إِلَّا فَدِيَةَ الْأَذَى وَجَزَاءَ الصَّيْدِ وَمَا نُذِرَ لِلْمَسَاكِينِ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْبُدْنِ وَمِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَيُؤْكَلُ مَا سِوَى ذَلِكَ
وروي عن بن عُمَرَ ﵄
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَهَدْيِ الْقِرَانِ وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ وَلَا يَأْكُلُ مِمَّا سِوَاهُمَا
قَالَ المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
١ - (باب وَقْتِ الْإِحْرَامِ)
[١٧٧٠] (فِي إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ إِحْرَامِهِ (فَسَمِعَ ذَلِكَ) أَيْ إِهْلَالَهُ وَتَلْبِيَتَهُ (فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ) أَيْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (نَاقَتُهُ) فَاعِلُ اسْتَقَلَّتْ
وَالْمَعْنَى ارْتَفَعَتْ وَتَعَالَتْ نَاقَتُهُ بِهِ ﷺ (يَأْتُونَ أَرْسَالًا) أَيْ أَفْوَاجًا وَفِرَقًا (فَقَالُوا) أَيْ زَعَمُوا (وَأَدْرَكَ ذَلِكَ) أَيْ إِهْلَالَهُ هُنَا الْبَيْدَاءُ الْمَفَازَةُ الَّتِي لَا شيء فيها وهي ها هنا اسْمُ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ بِقُرْبِ ذِي الْحُلَيْفَةِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ وَيَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ بِمَا فِيهِ فَيَكُونُ شُرُوعُهُ ﷺ فِي الْإِهْلَالِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ بِمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي مَجْلِسِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ فَنَقَلَ عَنْهُ مَنْ سَمِعَهُ يُهِلُّ هُنَالِكَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِذَلِكَ
стр. 1537
الْمَكَانِ ثُمَّ أَهَلَّ لَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَظَنَّ مَنْ سَمِعَ إِهْلَالَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ إِهْلَالَهُ بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ثُمَّ رَوَى كَذَلِكَ مَنْ سَمِعَهُ يُهِلُّ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ كَانَ مِيقَاتُهُ ذَا الْحُلَيْفَةِ أَنْ يُهِلَّ فِي مَسْجِدِهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَيُكَرِّرَ الْإِهْلَالَ عِنْدَ أَنْ يَرْكَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَعِنْدَ أَنْ يَمُرَّ بِشَرَفِ الْبَيْدَاءِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ حُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ
[١٧٧١] (قَالَ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ إِلَخْ) يَعْنِي بِقَوْلِكُمْ إِنَّهُ أَهَلَّ فِيهَا وَإِنَّمَا أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ وسماهم بن عُمَرَ كَاذِبِينَ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ وَالْكَذِبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ سَوَاءً تَعَمَّدَهُ أَمْ غَلِطَ فِيهِ وَسَهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[١٧٧٢] (كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَمَّا الْيَمَانِيَانِ فَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وَالْمُرَادُ بِالرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ وَالرُّكْنُ الَّذِي فِيهِ الْحَجْرُ الْأَسْوَدُ وَيُقَالُ لَهُ الْعِرَاقِيُّ لِكَوْنِهِ جِهَةَ الْعِرَاقِ وَقِيلَ لِلَّذِي قَبْلَهُ الْيَمَانِيُّ لِأَنَّهُ جِهَةُ الْيَمَنِ وَيُقَالُ لَهُمَا الْيَمَانِيَانِ تَغْلِيبًا لِأَحَدِ الِاسْمَيْنِ
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَيُقَالُ لِلرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الشَّامِيَّانِ لِجِهَةِ الشَّامِ قَالُوا فَالْيَمَانِيَانِ بَاقِيَانِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ بِخِلَافِ الشَّامِيَّانِ فَلِهَذَا لَمْ يُسْتَلَمَا وَاسْتُلِمَ الْيَمَانِيَانِ لبقائهما عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ ثُمَّ إِنَّ الْعِرَاقِيَّ مِنَ الْيَمَانِيَيْنِ اخْتَصَّ بِفَضِيلَةٍ
стр. 1538
أُخْرَى وَهِيَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ فَاخْتَصَّ لِذَلِكَ مَعَ الِاسْتِلَامِ بِتَقْبِيلِهِ وَوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْيَمَانِيِّ
قَالَ الْقَاضِي وَقَدِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَالْفُقَهَاءِ الْيَوْمَ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيِّينَ لَا يُسْتَلَمَانِ وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَعْضِ التَّابِعِينَ ثُمَّ ذَهَبَ (وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فَبِكَسْرِ السِّينِ وإسكان الباء الموحدة وقد أشار بن عُمَرَ إِلَى تَفْسِيرِهَا بِقَوْلِهِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَهَكَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلُ الْعَرَبِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ إِنَّهَا الَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السَّبْتِ بِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْحَلْقُ وَالْإِزَالَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ سَبَتَ رَأْسَهُ أَيْ حَلَقَهُ (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ
قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ قِيلَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَبْغُ الشَّعْرِ وَقِيلَ صَبْغُ الثَّوْبِ قَالَ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ صَبْغَ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَبَغَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ صَبَغَ شَعْرَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ جَاءَتْ آثَارٌ عن بن عمر بين فيها تصفير بن عُمَرَ لِحْيَتَهُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ
وَذُكِرَ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ احْتِجَاجُهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتَهُ (وَأَمَّا الْإِهْلَالُ) قَالَ المازري إجابة بن عُمَرَ بِضَرْبٍ مِنْ الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِنَفْسِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بَيْنَهَا فَاسْتَدَلَّ فِي مَعْنَاهُ وَوَجْهُ قِيَاسِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَحْرَمَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالذَّهَابِ إِلَيْهِ فَأَخَّرَ بن عُمَرَ الْإِحْرَامَ إِلَى حَالِ شُرُوعِهِ فِي الْحَجِّ وَتَوَجُّهِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ حِينَئِذٍ يَخْرُجُونَ من مكة إلى منى ووافق بن عُمَرَ عَلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ
وَقَالَ آخَرُونَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَكُلٌّ مِنْهَا جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا
стр. 1539
[١٧٧٣] (بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ قَصْرِ الصَّلَاةِ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ الْبَلَدِ وَبَاتَ خَارِجًا عَنْهَا وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ سَفَرُهُ وَاحْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرَةِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ ابْتِدَاءً لَا الْمُنْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَبِيتِ
[١٧٧٤] (جَبَلِ الْبَيْدَاءِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[١٧٧٥] (إِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الْفُرْعِ) بِضَمِّ الْفَاءِ اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ
٢ - (بَاب الِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ)
[١٧٧٦] (أَنَّ ضُبَاعَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ كُنْيَتُهَا أُمُّ حَكِيمٍ وَهِيَ بنت عم
стр. 1540
النَّبِيِّ ﷺ أَبُوهَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ (آشْتَرِطُ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (وَمَحِلِّي) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَكَانُ إِحْلَالِي
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ هَذَا الِاشْتِرَاطَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَا يَحْبِسُهُ عَنِ الْحَجِّ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ مَعَ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وبن مَسْعُودٍ وَعُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ الْمُصَحَّحُ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ وَهُوَ مروي عن بن عمر
قال البيهقي لو بلغ بن عُمَرَ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ لَقَالَ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرِ الِاشْتِرَاطَ كَمَا لَمْ يُنْكِرْ أَبُوهُ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يَحِلُّ حَيْثُ يُحْبَسُ وَيَنْحَرُ
هَدْيَهُ هُنَاكَ حَرَمًا كَانَ أَوْ حِلًّا وَكَذَلِكَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أُحْصِرَ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ دَمُ الْإِحْصَارِ لَا يُرَاقُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ يُقِيمُ الْمُحْصَرُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَيَبْعَثُ بِالْهَدْيِ وَيُوَاعِدُهُمْ يَوْمَ يُقَدِّرُ فِيهِ بُلُوغَ الْهَدْيِ الْمَنْسَكَ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَلَّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ
٣ - (بَاب فِي إِفْرَادِ الْحَجِّ)
[١٧٧٧] (أَفْرَدَ الْحَجَّ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ وَيَفْرُغُ مِنْهُ ثُمَّ يَعْتَمِرُ وَالتَّمَتُّعُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ تَخْتَلِفِ الْأُمَّةُ فِي أَنَّ الْإِفْرَادَ وَالْقِرَانَ وَالتَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ كُلَّهَا جَائِزَةٌ غَيْرَ أَنَّ طَوَائِفَ الْعُلَمَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ هُوَ الْأَفْضَلُ
وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثٍ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ وَتِلْكَ الْأَحَادِيثُ عَلَى اخْتِلَافِهَا مُجْمَلًا وَمُفَسَّرًا وَعَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ وَسَيَأْتِي الْبَيَانُ عَلَى شَرْحِهَا وَكَشْفِ مَوَاضِعِ الْإِشْكَالِ مِنْهَا فِي مَوَاضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
غَيْرَ أَنَّ نَفَرًا مِنَ
стр. 1541
الْمُلْحِدِينَ طَعَنُوا فِي أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَالُوا لَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قِيَامِ الْإِسْلَامِ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ الْحَجَّةَ مُفْرِدًا وَقَارِنًا وَمُتَمَتِّعًا وَأَفْعَالُ نُسُكِهَا مُخْتَلِفَةٌ وَأَحْكَامُهَا غَيْرُ مُتَّفِقَةٍ وَأَسَانِيدُهَا كُلُّهَا عِنْدَ أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَنَقَلَةِ الْأَخْبَارِ جِيَادٌ صِحَاحٌ ثُمَّ قَدْ وُجِدَ فِيهَا هَذَا التَّنَاقُضُ وَالِاخْتِلَافُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ تَوْهِينَ الْحَدِيثِ وَتَصْغِيرَ شَأْنِهِ وَضَعْفَ أَمْرِ حَمَلَتِهِ وَرُوَاتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[١٧٧٨] (عَنْ هِشَامٍ) أَيْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَوُهَيْبٌ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ (مُوَافِينَ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ مُقَارِنِينَ لِاسْتِهْلَالِهِ وَكَانَ خُرُوجُهُمْ قَبْلَهُ بِخَمْسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا صَرَّحْتُ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْعُمْرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ (لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) أَيْ خَالِصَةٍ لَكِنَّ الْهَدْيَ يَمْنَعُ الْإِحْلَالَ قَبْلَ الْحَجِّ كَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ
هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ التَّمَتُّعِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُمَا أَنَّهُ ﷺ لَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا (ارْفِضِي عُمْرَتَكِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتْرُكِيهَا وَأَخِّرِيهَا عَلَى الْقَضَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الْعَمَلَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِأَنَّهَا تَتْرُكُ الْعُمْرَةَ أَصْلًا وَإِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَتَكُونَ قَارِنَةً
قُلْتُ وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ تَكُونُ عُمْرَتُهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطَوُّعًا لَا عَنْ وَاجِبٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنَّ يُطَيِّبَ نَفْسَهَا فَأَعْمَرَهَا وَكَانَتْ قَدْ سَأَلَتْهُ ذَلِكَ
وَقَدْ رُوِيَ مَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ
стр. 1542
انْتَهَى كَلَامُهُ (لَيْلَةُ الصَّدَرِ) أَيْ لَيْلَةُ طَوَافِ الصَّدَرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بِمَعْنَى رُجُوعِ الْمُسَافِرِ مِنْ مَقْصِدِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ يَعْنِي بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ نُسُكَهُ
قَالَ فِي اللِّسَانِ وَالصَّدَرُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لِأَنَّ النَّاسَ يَصْدُرُونَ فِيهِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى أَمَاكِنِهِمْ
وَفِي الْمَثَلِ تَرَكْتُهُ عَلَى مِثْلِ لَيْلَةِ الصَّدَرِ يَعْنِي حِينَ صَدَرَ النَّاسُ مِنْ حَجِّهِمْ (لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ) قَالَ فِي اللِّسَانِ الْبَطْحَاءُ مَسِيلٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْأَبْطَحُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى وَبَطْحَاءُ مَكَّةَ وَأَبْطُحُهَا مَعْرُوفَةٌ وَمِنًى مِنَ الْأَبْطَحِ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى أَنَّ عَائِشَةَ طَهُرَتْ فِي لَيْلَةٍ مِنْ أَيَّامِ نُزُولِ الْبَطْحَاءِ وَهِيَ مِنًى فَكَانَتْ طَهَارَتُهَا فِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي أَيَّامِ مِنًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة صَرِيحَة بِأَنَّهَا أَهَلَّتْ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَمَرَهَا رَسُول اللَّه ﷺ لَمَّا حَاضَتْ أَنْ تُهِلّ بِالْحَجِّ فَصَارَتْ قَارِنَة
وَلِهَذَا قَالَ لَهَا النَّبِيّ ﷺ يَكْفِيك طَوَافك بِالْبَيْتِ وَبَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة لِحَجِّك وَعُمْرَتك مُتَّفَق عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيح فِي رَدّ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا رَفَضَتْ إِحْرَام الْعُمْرَة رَأْسًا وَانْتَقَلَتْ إِلَى الْإِفْرَاد وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِرَفْضِ أَعْمَال الْعُمْرَة مِنْ الطَّوَاف وَالسَّعْي حَتَّى تَطْهُر لَا بِرَفْضِ إِحْرَامهَا
وَأَمَّا قَوْله وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي فَهُوَ مُدْرَج مِنْ كَلَام هِشَام كَمَا بَيَّنَهُ وَكِيع وَغَيْره عَنْهُ حَيْثُ فَصَلَ كَلَام عائشة من كلام هشام وأما بن نُمَيْر وَعَبَدَة فَأَدْرَجَاهُ فِي حَدِيثهمَا وَلَمْ يُمَيِّزَاهُ وَاَلَّذِي مَيَّزَهُ مَعَهُ زِيَادَة عِلْم وَلَمْ يُعَارِض غَيْره فَابْن نُمَيْر وَعَبَدَة لَمْ يَقُولَا قَالَتْ عَائِشَة وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي بَلْ أَدْرَجَاهُ وَمَيَّزَهُ غَيْرهمَا
وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ ثُمَّ نَوَتْ فَسْخه بِعُمْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى حَجّ مُفْرَد فَهُوَ خِلَاف مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ نَفْسهَا وَخِلَاف مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْل النَّبِيّ ﷺ لَهَا يَسَعك طَوَافك لِحَجِّك وعمرتك والنبي ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تُهِلّ بِالْحَجِّ لَمَّا حَاضَتْ
стр. 1543
[١٧٧٩] (فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) الْمُحَقِّقُونَ قَالُوا فِي نُسُكِهِ ﷺ إِنَّهُ الْقِرَانُ فَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِحَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ
وَقَدْ جَمَعَ أَحَادِيثَهُمُ بن حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَذَكَرَهَا حَدِيثًا حَدِيثًا
قَالُوا وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ
أَمَّا أَحَادِيثُ الْإِفْرَادِ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ فَزَعَمَ أَنَّهُ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ فَأَخْبَرَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِفْرَادِ الْحَجِّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الِافْتِرَاضِ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً
وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّمَتُّعِ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْعُمْرَةِ فَزَعَمَ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ وَهَذَا لَا مَانِعَ مِنْهُ مِنْ إِفْرَادِ نُسُكٍ بِالذِّكْرِ لِلْقَارِنِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَخْتَفِي الصَّوْتُ بِالثَّانِي وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمَتُّعِ الْقِرَانُ لِأَنَّهُ مِنْ إِطْلَاقَاتِ الْقَدِيمَةِ وَهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْقِرَانَ تَمَتُّعًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
كَمَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَدَع الْعُمْرَة وَتُهِلّ بِالْحَجِّ
وَهَذَا كَانَ بِسَرِف قَبْل أَنْ يَأْمُر أَصْحَابه بِفَسْخِ حَجّهمْ إِلَى الْعُمْرَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْمَرْوَة
وَقَوْله إِنَّهَا أَشَارَتْ بِقَوْلِهَا فَكُنْت فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ إِلَى الْوَقْت الَّذِي نَوَتْ فِيهِ الْفَسْخ فِي غَايَة الْفَسَاد فَإِنَّ صَرِيح الْحَدِيث يَشْهَد بِبُطْلَانِهِ فَإِنَّهَا قَالَتْ فَكُنْت فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض الطَّرِيق حِضْت فَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّهَا حَاضَتْ بَعْد إِهْلَالهَا بِعُمْرَةٍ
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحَادِيثهَا عَلِمَ أَنَّهَا أَحْرَمَتْ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجّ فَصَارَتْ قَارِنَة ثُمَّ اِعْتَمَرَتْ مِنْ التَّنْعِيم عُمْرَة مُسْتَقِلَّة تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا
وَقَدْ غَلِطَ فِي قِصَّة عَائِشَة مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ مُفْرِدَة فَإِنَّ عُمْرَتهَا مِنْ التَّنْعِيم هِيَ عُمْرَة الْإِسْلَام الْوَاجِبَة
وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ مُتَمَتِّعَة ثُمَّ فَسَخَتْ الْمُتْعَة إِلَى إِفْرَاد وَكَانَتْ عُمْرَة التَّنْعِيم قَضَاء لِتَلِك الْعُمْرَة
وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ قَارِنَة وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا صَدَقَة وَلَا صَوْم وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجِب عَلَى الْمُتَمَتِّع
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحَادِيثهَا عَلِمَ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 1544
[١٧٨١] (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي إِحْرَامِ عَائِشَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَبَسَطَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (انْقُضِي رَأَسَكِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حِلِّي ضَفْرَ شَعْرِكِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ بِلَفْظِ وَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ (وَامْتَشِطِي) أَيْ سَرِّحِي بِالْمُشْطِ
قَالَ الْحَافِظُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَمْرَهُ لَهَا بِنَقْضِ رَأْسِهَا ثُمَّ بِالِامْتِشَاطِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَتَأَوَّلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الْعُمْرَةَ وَتُدْخِلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ فَتَصِيرُ قَارِنَةً قَالَ وَهَذَا لَا يُشَاكِلُ الْقِصَّةَ وَقِيلَ إِنَّ مَذْهَبَهَا أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ اسْتَبَاحَ مَا يَسْتَبِيحُهُ الْحَاجُّ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ قال وهذا لا يعلم وجودها لَا يُعْلَمُ وَجْهُهُ وَقِيلَ كَانَتْ مُضْطَرَّةً إِلَى ذَلِكَ
قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَقْضُ رَأْسِهَا كَانَ لِأَجْلِ الْغُسْلِ لِتُهِلَّ بِالْحَجِّ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ مُلَبِّدَةً فَتَحْتَاجُ إِلَى نَقْضِ الضَّفْرِ وَأَمَّا الِامْتِشَاطُ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ تَسْرِيحُهَا شَعْرَهَا بِأَصَابِعِهَا بِرِفْقٍ حَتَّى لَا يَسْقُطَ مِنْهُ شَيْءٌ ثُمَّ تُضَفِّرُهُ كَمَا كَانَ انْتَهَى (بِالْبَيْتِ) مُتَعَلِّقُ طَافَ أَيْ طَوَافُ الْعُمْرَةِ (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (طَوَافًا وَاحِدًا) لِأَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ أفعال
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد احتج به بن حَزْم عَلَى أَنَّ الْمُحْرِم لَا يَحْرُم عَلَيْهِ الِامْتِشَاط وَلَمْ يَأْتِ بِتَحْرِيمِهِ نَصّ وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ عَلَى اِمْتِشَاط رَفِيق لَا يَقْطَع الشَّعْر وَمَنْ قَالَ كَانَ بَعْد جَمْرَة الْعَقَبَة فَسِيَاق الْحَدِيث يبطل
стр. 1545
الْعُمْرَةِ تَنْدَرِجُ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَهُوَ مَذْهَبُ عطاء والحسن وطاووس وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ قَالُوا لَا بُدَّ لِلْقَارِنِ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ لِأَنَّ الْقِرَانَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْإِتْيَانِ بِأَفْعَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ مَحْكِيٌّ عن أبي بكر وعمر وعلي وبن مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ عَنْ واحد منهم واستدل العيني بحديث بن عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ بِلَفْظِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا وَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ
وَبِحَدِيثِ عَلِيٍّ عند الدارقطني أيضا وبحديث بن مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَهُ أَيْضًا وَكُلُّهَا مَطْعُونٌ فِيهَا لِمَا فِي رُوَاتِهَا مِنَ الضَّعْفِ الْمَانِعِ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[١٧٨٢] (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ هُوَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَوْله وَمَنْ قَالَ هُوَ التَّمَشُّط بِالْأَصَابِعِ فَقَدْ أَبْعَدَ فِي التَّأْوِيل وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا أُمِرَتْ بِتَرْكِ الْعُمْرَة رَأْسًا فَقَوْله بَاطِل لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهَا لَوْ تَرَكَتْهَا رَأْسًا لَكَانَ قَضَاؤُهَا وَاجِبًا وَالنَّبِيّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَا عُمْرَة عَلَيْهَا وَأَنَّ طَوَافهَا يَكْفِي عَنْهُمَا وَقَوْله أَهِلِّي بِالْحَجِّ صَرِيح فِي أَنَّ إِحْرَامهَا الْأَوَّل كَانَ بِعُمْرَةٍ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ نَفْسهَا وَهُوَ يُبْطِل قَوْل مَنْ قَالَ كَانَتْ مُفْرِدَة فَأُمِرَتْ بِاسْتِدَامَةِ الْإِفْرَاد
وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى تَعَدُّد السَّعْي عَلَى الْمُتَمَتِّع فَإِنَّ قَوْلهَا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَر بَعْد أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ تُرِيد بِهِ الطَّوَاف بَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة وَلِهَذَا نَفَتْهُ عَنْ الْقَارِنِينَ وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ لَكَانَ الْجَمِيع فِيهِ سَوَاء فَإِنَّ طَوَاف الْإِفَاضَة لَا يَفْتَرِق فِيهِ الْقَارِن وَالْمُتَمَتِّع
وَقَدْ خَالَفَهَا جَابِر فِي ذَلِكَ فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَطُفْ النَّبِيّ ﷺ وَلَا أَصْحَابه بَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافه الْأَوَّل وَأَخَذَ الْإِمَام أَحْمَد بِحَدِيثِ جَابِر هَذَا فِي رِوَايَة اِبْنه عَبْد الله والمشهور عنه أنه لابد مِنْ طَوَافَيْنِ عَلَى حَدِيث عَائِشَة وَلَكِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ إِلَى آخِره قَدْ قِيلَ إِنَّهَا مُدْرَجَة فِي الْحَدِيث مِنْ كَلَام عُرْوَة
следующие страницы →