Полный текст (4 665 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
وَفِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ خَاتِمِ الْحَدِيدِ وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ وَلِأَصْحَابِنَا فِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ضَعِيفٌ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
(قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا لِأَنَّ الْبَاءَ يَقْتَضِي الْمُقَابَلَةَ فِي الْعُقُودِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَهْرًا لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِهِ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ مَعْنًى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا تَزْوِيج الْمَرْأَة عَلَى تَعْلِيم الْقُرْآن فَكَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم يُجِيزهُ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَصْحَابهمَا وَكَثِير يَمْنَعهُ كَأَبِي حَنِيفَة وَمَالِك وَفِيهِ جَوَاز نِكَاح الْمُعْدِم الَّذِي لَا مَال لَهُ وَفِيهِ الرد عَلَى مَنْ قَالَ بِتَقْدِيرِ أَقَلّ الصَّدَاق إِمَّا بخمسة دراهم كقول بن شُبْرُمَةَ أَوْ بِعَشْرَةٍ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة أَوْ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا كَقَوْلِ النَّخَعِيِّ أَوْ بِخَمْسِينَ كَقَوْلِ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ ثَلَاثَة دَرَاهِم أَوْ رُبْع دِينَار كَقَوْلِ مَالِك وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال حُجَّة يَجِب الْمَصِير إِلَيْهَا وَلَيْسَ بَعْضهَا بِأَوْلَى مِنْ بَعْض وَغَايَة مَا ذَكَرَهُ الْمُقَدِّرُونَ قِيَاس اِسْتِبَاحَة الْبُضْع عَلَى قَطْع يَد السَّارِق وَهَذَا الْقِيَاس مَعَ مُخَالَفَته لِلنَّصِّ فَاسِد إِذْ لَيْسَ بَيْن الْبَابَيْنِ عِلَّة مُشْتَرَكَة تُوجِب إِلْحَاق أَحَدهمَا بِالْآخَرِ وَأَيْنَ قَطْع يَد السَّارِق مِنْ بَاب الصَّدَاق وَهَذَا هُوَ الْوَصْف الطَّرْدِيّ الْمَحْض الَّذِي لَا أَثَر لَهُ فِي تَعْلِيق الأحكام به وفيه جَوَاز عَرْض الْمَرْأَة نَفْسهَا عَلَى الرَّجُل الصَّالِح وَفِيهِ جَوَاز كَوْن الْوَلِيّ هُوَ الْخَاطِب وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه كَذَلِكَ وَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ جَوَاز سُكُوت الْعَالِم وَمَنْ سُئِلَ شَيْئًا لَمْ يَرُدّ قَضَاءَهُ وَلَا الْجَوَاب عَنْهُ وَذَلِكَ أَلْيَن فِي صَرْف السَّائِل وَأَجْمَل مِنْ جِهَة الرَّدّ وَهُوَ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز أَنْ تَكُون مَنَافِع الْحُرّ صَدَاقًا وَفِيهِ نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 1857
[٢١١٢] (فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً عَلَى سُورَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ يُعَلِّمُهَا إِيَّاهُمَا
وَفِي مُرْسَلِ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَزْدِيِّ زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنَ القرآن
وفي حديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ هَلْ تَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا قَالَ نَعَمْ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ قَالَ أَصْدِقْهَا إِيَّاهَا
قَالَ الْحَافِظُ وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْضٌ أَوْ أَنَّ الْقَصَصَ مُتَعَدِّدَةٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عِسْلُ بْنُ سُفْيَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ
[٢١١٣] (وَكَانَ مَكْحُولٌ يَقُولُ إِلَخْ) هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَأَمَّا مَا احْتُجَّ عَلَيْهَا بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَزْدِيِّ قَالَ زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَالَ لَا تَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا فَهَذَا مَعَ إِرْسَالِهِ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ
قَالَهُ الْحَافِظُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ النِّكَاحِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِجَوَازِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ أَحْمَدُ أَكْرَهُهُ انْتَهَى
٢ - (بَاب فِيمَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ)
[٢١١٤] (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء بن يحيى الهمداني المكتب الكوفي وثقه بن معين (عن عبد الله) هو بن مَسْعُودٍ (وَلَمْ يَفْرِضْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لَمْ يُقَدِّرْ وَلَمْ يُعَيِّنْ (فَقَالَ) أَيْ
стр. 1858
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا) أَرَادَ بَالصَّدَاقِ الْكَامِلِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا يَأْتِي (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) أَيْ لِلْوَفَاةِ (قَالَ مَعْقِلٌ) بِفَتْحِ الميم وكسر القاف (بن سِنَانٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْأَشْجَعِيُّ (قَضَى بِهِ) أَيْ بِمَا قَضَيْتُ (فِي بَرْوَعٍ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ كَجَدْوَلٍ وَلَا يُكَبَّرُ بِنْتِ وَاشِقٍ صَحَابِيَّةٌ وَفِي الْمُغْنِي بِفَتْحِ الْبَاءِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَكَسْرِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَاشِقٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ كَمَالَ الْمَهْرِ بَالْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا الزَّوْجُ وَلَا دَخَلَ بِهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٢١١٦] (أُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِهَذَا الْخَبَرِ) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ المذكور (فاختلفوا إليه) أي إلى بن مَسْعُودٍ (أَوْ قَالَ مَرَّاتٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (لَا وَكْسَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ لَا نَقْصَ (وَلَا شَطَطَ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ وَلَا زِيَادَةَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْوَكْسُ النُّقْصَانُ وَالشَّطَطُ الْعُدْوَانُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الْحَقِّ يُقَالُ اشْتَطَّ الرَّجُلُ فِي الْحُكْمِ إِذَا تَعَدَّى الْحَقَّ وَجَاوَزَهُ (فَإِنْ يَكُ) حُكْمِي هَذَا وَقَضَائِي (فَمِنَ اللَّهِ) أَيْ مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ (وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وفيه أن الصواب في قول واحد ولا يكون القولان المتضادان صوابا معا
وهو منصوص الأئمة الأربعة والسلف
وأكثر الخلف
وفيه أن الله تعالى هو الموفق للصواب الملهم له بتوفيقه وإعانته وأن الخطأ من النفس
стр. 1859
وَمِنَ الشَّيْطَانِ أَيْ مِنْ قُصُورِ عِلْمِي وَمِنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسِهِ عَلَيَّ وَجْهَ الْحَقِّ فِيهِ (والله ورسوله يريان) يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ثُمَّ رَسُولَهُ ﷺ لَمْ يَتْرُكَا شَيْئًا لَمْ يُبَيِّنَاهُ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ وَلَمْ يُرْشِدَا إِلَى صَوَابِ الْحَقِّ فِيهِ إِمَّا نَصًّا أَوْ دَلَالَةً وَهُمَا بَرِيئَانِ مِنْ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِمَا الْخَطَأُ الَّذِي يُؤْتَى الْمَرْءُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ عَجْزِهِ وَتَقْصِيرِهِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ بِمَوْتِ زَوْجِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّدَاقِ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ دُخُولٌ وَلَا خَلْوَةٌ وَبِهِ قَالَ بن مسعود وبن سيرين وبن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ
وعن علي وبن عباس وبن عُمَرَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ إِلَّا الْمِيرَاثَ فَقَطْ وَلَا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا وَلَا مُتْعَةً لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَمْ تَرِدْ إِلَّا لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَهْرُ عِوَضٌ عَنِ الْوَطْءِ وَلَمْ يَقَعْ مِنَ الزَّوْجِ
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بَالِاضْطِرَابِ فَرُوِيَ مَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَمَرَّةً عَنْ رَجُلٍ مِنْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
والشيطان ولا يضاف إلى الله ولا إلى رسوله
ولا حجة فيه للقدرية المجوسية إذا إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محله ومصدره وهو النفس وشبهها وهو الشيطان وتلبيسه الحق بالباطل بل فيه رد على القدرية الجبرية الذين يبرئون النفس والشيطان من الأفعال البتة ولا يرون للمكلف فعلا اختياريا يكون صوابا أو خطأ
والذي دل عليه قول بن مسعود وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد
إثبات فعل العبد الأختياري
الذي هو نظام الأمر والنهي
وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب والله أعلم
قال الحافظ شمس الدين بن الْقَيِّم ﵀ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ سعيد بن جبير عن بن عَبَّاس
أَنَّ رَجُلًا كَلَّمَ النَّبِيّ ﷺ فِي شَيْء فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ إِنَّ الْحَمْد لِلَّهِ نَحْمَدهُ وَنَسْتَعِينهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَلَا مُضِلّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِي لَهُ وَأَشْهَد أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله أَمَّا بَعْد وَالْأَحَادِيث كُلّهَا مُتَّفِقَة عَلَى أَنَّ نَسْتَعِينهُ وَنَسْتَغْفِرهُ وَنَعُوذ بِهِ بِالنُّونِ وَالشَّهَادَتَانِ بِالْإِفْرَادِ وَأَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَشْهَد أَنَّ محمدا عبده ورسوله
стр. 1860
أَشْجَعَ أَوْ نَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاضْطِرَابَ غَيْرُ قَادِحٍ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَصَحَابِيٍّ وَهَذَا لَا يُطْعَنُ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ
وَقَالُوا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لَا تَقْبَلْ قَوْلَ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ فِيمَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ وَلَوْ سُلِّمَ ثُبُوتُهُ فَلَمْ يَنْفَرِدْ بَالْحَدِيثِ مَعْقِلٌ الْمَذْكُورُ بَلْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ بَلْ مَعَهُ الْجَرَّاحُ كَمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَيْضًا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِنَّمَا نَفَيَا مَهْرَ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْمَسِّ وَالْفَرْضِ لَا مَهْرَ مَنْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَأَحْكَامُ الْمَوْتِ غَيْرُ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ
[٢١١٧] (وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى (عَبْدُ العزيز بن يحيى) بدل من أبو الْأَصْبَغِ وَهُوَ كُنْيَتُهُ (فَدَخَلَ بِهَا الرَّجُلُ) أَيْ جَامَعَهَا (وَلَمْ يَفْرِضْ) أَيْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا (وَكَانَ) أَيِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال شيخ الإسلام بن تَيْمِيَة لَمَّا كَانَتْ كَلِمَة الشَّهَادَة لَا يَتَحَمَّلهَا أَحَد عَنْ أَحَد وَلَا تُقْبَل النِّيَابَة بِحَالٍ أَفْرَدَ الشَّهَادَة بِهَا
وَلَمَّا كَانَتْ الِاسْتِعَانَة وَالِاسْتِعَاذَة وَالِاسْتِغْفَار يُقْبَل ذَلِكَ فَيَسْتَغْفِر الرَّجُل لِغَيْرِهِ وَيَسْتَعِين اللَّه لَهُ وَيَسْتَعِيذ بِاَللَّهِ لَهُ أَتَى فِيهَا بِلَفْظِ الْجَمْع وَلِهَذَا يَقُول اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَأَعِذْنَا واغفر لنا
قال ذلك في حديث بن مسعود وليس فيه نحمده وفي حديث بن عَبَّاس نَحْمَدهُ بِالنُّونِ مَعَ أَنَّ الْحَمْد لَا يَتَحَمَّلهُ أَحَد عَنْ أَحَد وَلَا يَقْبَل النِّيَابَة فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مَحْفُوظَة فِيهِ إِلَى أَلْفَاظ الْحَمْد وَالِاسْتِعَانَة عَلَى نَسَق وَاحِد
وَفِيهِ مَعْنًى آخَر وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِعَانَة وَالِاسْتِعَاذَة وَالِاسْتِغْفَار طَلَب وَإِنْشَاء فَيُسْتَحَبّ لِلطَّالِبِ أَنْ يَطْلُبهُ لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا الشَّهَادَة فَهِيَ إِخْبَار عَنْ شَهَادَته لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِنَبِيِّهِ بِالرِّسَالَةِ وَهِيَ خَبَر يطابق عقد الْقَلْب وَتَصْدِيقه وَهَذَا إِنَّمَا يُخْبِر بِهِ الْإِنْسَان عَنْ نَفْسه لِعِلْمِهِ بِحَالِهِ بِخِلَافِ إِخْبَاره عَنْ غَيْره فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُخْبِر عَنْ قَوْله وَنُطْقه لَا عَنْ عَقْد قَلْبه
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 1861
الرَّجُلُ (مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ) أَيْ غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ سُمِّيَتْ بِبِئْرٍ هُنَاكَ وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُشَدِّدُونَهَا وَكَانَ تَوَجُّهُهُ ﷺ إِلَيْهَا مِنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مُسْتَهَلَّ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ فَخَرَجَ قَاصِدًا إِلَى الْعُمْرَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمُ الْمُصَالَحَةُ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ (وَكَانَ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَهُمْ (لَهُ) سَهْمٌ بِخَيْبَرَ) خَيْبَرُ عَلَى وَزْنِ جَعْفَرٍ وَهِيَ مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذَاتُ حُصُونٍ وَمَزَارِعَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشام
قال بن إِسْحَاقَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ فَأَقَامَ يُحَاصِرُهَا بِضْعَ عشرة ليلا إِلَى أَنْ فَتَحَهَا فِي صَفَرٍ
وَرَوَى يُونُسُ بن بكير في المغازي عن بن إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ قَالَا انْصَرَفَ رسول الله ﷺ من الْحُدَيْبِيَةِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَتْحِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ فِيهَا خَيْبَرَ بِقَوْلِهِ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه يَعْنِي خَيْبَرَ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى سَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ (وَإِنِّي أُشْهِدكُمْ أَنِّي أَعْطَيْتُهَا) أَيْ فُلَانَةً (سَهْمِي بِخَيْبَرَ) أَيْ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَافِظَ جَعَلَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ هذا شاهد الحديث مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ الْمَذْكُورِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا فِي امْرَأَةٍ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا نَعَمْ فِيهِ شَاهِدٌ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ (خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ) أَيْ أَسْهَلُهُ عَلَى الرَّجُلِ بِتَخْفِيفِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ الْعَزِيزِيُّ أَيْ أَقَلُّهُ مَهْرًا أَوْ أَسْهَلُهُ إِجَابَةً لِلْخِطْبَةِ انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ يُخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مُلْزَقًا) أَيْ مُلْحَقًا (لِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا) لِأَنَّهُ أعطاها
стр. 1862
زَائِدًا عَلَى الْمَهْرِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ إِنَّمَا تُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَأَكْثَرُهَا خَالِيَةٌ مِنْهَا
٣ - (بَاب فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ)
[٢١١٨] (فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه النسائي
وأبو عبيدة هو بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ (أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) بِتَخْفِيفِ أَنْ وَرَفْعِ الْحَمْدِ
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ يَجُوزُ تَخْفِيفُ أَنْ وَتَشْدِيدُهَا وَمَعَ التَّشْدِيدِ يَجُوزُ رَفْعُ الحمد ونصبه ورويناه بذلك ذكره القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ رَفْعُ الْحَمْدِ مَعَ التَّشْدِيدِ عَلَى الْحِكَايَةِ (نَسْتَعِينُهُ) أَيْ فِي حَمْدِهِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ وَمَا بَعْدَهُ جُمَلٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِأَحْوَالِ الْحَامِدِينَ (وَنَسْتَغْفِرُهُ) أَيْ فِي تَقْصِيرِ عِبَادَتِهِ وَتَأْخِيرِ طَاعَتِهِ (وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) أَيْ مِنْ ظُهُورِ شُرُورِ أَخْلَاقِ نُفُوسِنَا الرَّدِيَّةِ وَأَحْوَالِ طباع هوائنا الدَّنِيَّةِ (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ) بِإِثْبَاتِ الضَّمِيرِ أَيْ مَنْ يُوَفِّقْهُ لِلْعِبَادَةِ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أَيْ مِنْ شَيْطَانٍ وَنَفْسٍ وَغَيْرِهِمَا (وَمَنْ يُضْلِلْ) بِحَذْفِ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِثْبَاتِ الضَّمِيرِ (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أَيْ لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَبِيٍّ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَضَافَ الشَّرَّ إِلَى الْأَنْفُسِ أَوَّلًا كَسْبًا وَالْإِضْلَالَ إِلَى اللَّهِ تعالى ثانيا خلقا وتقديرا (ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ ولعله هكذا في مصحف بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَإِنَّ الْمُثْبَتَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي بدون ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلًا لِمَا فِي الْإِمَامِ فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ اللام في ياأيها النَّاسُ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ الْمُؤْمِنُونَ
قُلْتُ لَا يَصِحُّ هَذَا الِاحْتِمَالُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ ياأيها الذين آمنوا اتقوا ربكم
стр. 1863
الذي خلقكم من نفس واحدة الْآيَةَ مَعَ أَنَّ الْمَوْصُولَيْنِ لَا يُلَائِمَانِ لِلتَّخْصِيصِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (تَسَّاءَلُونَ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَبِتَشْدِيدِ السِّينِ قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ (بِهِ) أَيْ تَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ حَوَائِجَكُمْ بَاللَّهِ كَمَا تَقُولُونَ أَسْأَلُكَ بَاللَّهِ (وَالْأَرْحَامَ) بَالنَّصْبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْقُرَّاءِ أَيْ وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا وَفِيهِ عَظِيمُ مُبَالَغَةٍ فِي اجْتِنَابِ قَطْعِ الرَّحِمِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ بَالْخَفْضِ أَيْ بِهِ وَبَالْأَرْحَامِ كَمَا فِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ عن بن مَسْعُودٍ يُقَالُ سَأَلْتُكَ بَاللَّهِ وَبَالرَّحِمِ وَالْعَطْفُ عَلَى الضمير المجرور من غير إعادة الجار فصيح عَلَى الصَّحِيحِ وَطَعَنَ مَنْ طَعَنَ فِيهِ
وَقِيلَ الْجَرُّ لِلْجِوَارِ
وَقِيلَ الْوَاوُ لِلْقَسَمِ (رَقِيبًا) أَيْ حافظا (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) في المعالم قال بن مسعود وبن عَبَّاسٍ هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى قِيلَ وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فقالوا يارسول اللَّهِ وَمَنْ يَقْوَى عَلَى هَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى فاتقوا الله ما استطعتم فَنُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
وَقِيلَ إِنَّهَا ثَابِتَةٌ وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ مُبَيِّنَةٌ (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) النَّهْيُ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ وَإِنَّمَا نُهُوا فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ تَرْكِ الْإِسْلَامِ وَمَعْنَاهُ دَاوِمُوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يُصَادِفُكُمُ الموت إلا وأنتم مسلمون (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي مخالفته ومعاقبته (وقولوا قولا سديدا) أَيْ صَوَابًا وَقِيلَ عَدْلًا وَقِيلَ صِدْقًا وَقِيلَ مُسْتَقِيمًا وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَيْ دَاوِمُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (يُصْلِحْ لكم أعمالكم) أي يتقبل حسناتكم (ويغفر لكم ذنوبكم) أَيْ يَمْحُو سَيِّئَاتِكُمْ (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أَيْ بَامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الزَّوَاجِرِ (فَقَدْ فَازَ فوزا عظيما) أَيْ ظَفِرَ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَدْرَكَ مُلْكًا كَبِيرًا
وقد استدل بحديث بن مَسْعُودٍ هَذَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ وَعِنْدَ كُلِّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْد النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ أَحَدهمَا مَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِمهَا فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ بِئْسَ الْخَطِيب أَنْتَ فَإِنْ صَحَّ حَدِيث عِمْرَان بْن دَاوَرَ فَلَعَلَّهُ رَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْمَعْنَى فَظَنَّ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ سَوَاء وَلَمْ يَبْلُغهُ حَدِيث بِئْسَ الْخَطِيب أَنْتَ وَلَيْسَ عِمْرَان بِذَلِكَ الْحَافِظ
стр. 1864
حَاجَةٍ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْآتِي فَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْخُطْبَةُ فِي النِّكَاحِ مَنْدُوبَةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصَ وَحْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أخرجه عنهما
انتهى
وزاد بن مَاجَهْ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَفْظَةَ نحمده وبعده قَوْلِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا لَفْظَةَ وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
وَزَادَ الدَّارِمِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ عَظِيمًا ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِحَاجَتِهِ
[٢١١٩] (عَنْ أَبِي عِيَاضٍ) اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْأَسَدِ الْعَنْسِيُّ بِنُونٍ أَوِ الْهَمْدَانِيُّ أَحَدُ زُهَّادِ الشَّامِ مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ (كَانَ إِذَا تَشَهَّدَ) أَيْ خَطَبَ (ذَكَرَ نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (أَرْسَلَهُ بَالْحَقِّ) أَيْ بَالْهُدَى (بَشِيرًا) مَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ (وَنَذِيرًا) مَنْ لَمْ يُجِبْ إِلَيْهِ (بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) أَيْ قُدَّامَهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عِمْرَانُ بْنُ دَاوُدَ الْقَطَّانُ وَفِيهِ مَقَالٌ
[٢١٢٠] (عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ هُوَ عَبَّادُ بْنُ شَيْبَانَ (خَطَبْتُ) مِنَ الْخِطْبَةِ بَالْكَسْرِ (أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أَيْ عَمَّتَهُ ﷺ (فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ) أَيْ يَخْطُبُ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِهَا خَطَبْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَمَّتَهُ فَأَنْكَحَنِي وَلَمْ يَتَشَهَّدْ وَفِي بَعْضِهَا أَلَا أُنْكِحُكَ أُمَامَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ انْتَهَى
(قَالَ لَنَا أَبُو عِيسَى) هُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ الرَّمْلِيُّ أَحَدُ
стр. 1865
رُوَاةِ هَذَا السُّنَنِ عَنِ الْمُؤَلِّفِ أَبِي دَاوُدَ وَرَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ دحيم بن خليل ولعل قائل قَالَ لَنَا إِلَخْ تِلْمِيذُهُ هَذَا أَوْ تِلْمِيذٌ آخَرُ مِنْ تَلَامِذَتِهِ (قِيلَ لَهُ أَيَجُوزُ هَذَا) أَيْ جَوَازُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ (أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَحَدِيثِ سَهْلِ بن سعد السَّاعِدِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَمْ تُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ
قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ حَدِيثِ سَهْلٍ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ العقد تقدم الخطبة إذا لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ وُقُوعُ حَمْدٍ وَلَا تَشَهُّدٍ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ أَرْكَانِ الْخِطْبَةِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الظَّاهِرِيَّةُ فَجَعَلُوهَا وَاجِبَةً وَوَافَقَهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو عَوَانَةَ فَتَرْجَمَ فِي صَحِيحِهِ بَابَ وُجُوبِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ انْتَهَى
٤ - (بَاب فِي تَزْوِيجِ الصِّغَارِ)
[٢١٢١] (قَالَ سُلَيْمَانُ أَوْ سِتٍّ) يَعْنِي قَالَ سُلَيْمَانُ فِي رِوَايَتِهِ وَأَنَا بِنْتُ سَبْعٍ أَوْ سِتٍّ بَالشَّكِّ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَزَوَّجَنِي وَأَنَا بِنْتُ سَبْعٍ وَفِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِهِ بِنْتُ سِتٍّ
قَالَ النَّوَوِيُّ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا سِتُّ وَكَسْرٌ فَفِي رِوَايَةٍ اقْتَصَرَتْ عَلَى السِّنِينَ وَفِي رِوَايَةٍ عَدَّتِ السَّنَةَ الَّتِي دَخَلَتْ فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ الصَّغِيرَةَ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِهِ بِنْتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ لِهَذَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ تَزَوَّجَهَا لِسَبْعِ سِنِينَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا لِتِسْعِ سِنِينَ ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْهَا أن رسول الله ﷺ تَزَوَّجَهَا
وَهِيَ بِنْت تِسْع وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْت ثَمَان عَشْرَة ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيث مُطَرِّف بْن طَرِيف عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي عُبَيْدَة قَالَ قَالَتْ عَائِشَة تَزَوَّجَنِي رَسُول اللَّه ﷺ لِتِسْعِ سِنِينَ وَصَحِبْته تِسْعًا وَلَيْسَ شَيْء مِنْ هَذَا بِمُخْتَلِفٍ فإن عقده ﷺ عَلَيْهَا كَانَ وَقَدْ اِسْتَكْمَلَتْ سِتّ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّابِعَة وَبِنَاؤُهُ بِهَا كَانَ لِتِسْعِ سِنِينَ مِنْ مَوْلِدهَا فَعَبَّرَ عَنْ الْعَقْد بِالتَّزْوِيجِ وَكَانَ لِسِتِّ سِنِينَ وَعَبَّرَ عَنْ الْبِنَاء بِهَا بِالتَّزْوِيجِ وَكَانَ لِتِسْعٍ
فَالرِّوَايَتَانِ حَقٌّ
стр. 1866
الْحَدِيثِ وَإِذَا بَلَغَتْ فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي فَسْخِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يزوجها عند الشافعي والثوري ومالك وبن أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورِ
قَالُوا فَإِنْ زَوَّجَهَا لَمْ يَصِحَّ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ مِنَ السَّلَفِ يَجُوزُ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ وَيَصِحُّ وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ إِلَّا أَبَا يُوسُفَ فَقَالَ لَا خِيَارَ لَهَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
٥ - (بَاب فِي الْمُقَامِ عِنْدَ الْبِكْرِ)
[٢١٢٢] أَيْ إِقَامَةُ الزَّوْجِ عِنْدَهَا بَعْدَ الزِّفَافِ
(أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ (لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ) أَيِ احْتِقَارٌ وَالْمُرَادُ بَالْأَهْلِ قَبِيلَتُهَا وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ لَا يَلْحَقُ أَهْلَكِ بِسَبَبِكِ هَوَانٌ وَقِيلَ أَرَادَ بَالْأَهْلِ نَفْسُهُ ﷺ وَكُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَهْلٌ وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَوَانٍ أَيْ لَيْسَ اقْتِصَارِي عَلَى الثَّلَاثَةِ لِهَوَانِكِ عَلَيَّ وَلَا لِعَدَمِ رَغْبَةٍ فِيكِ وَلَكِنْ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ (إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ قَالَتْ ثَلِّثْ
وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ عِنْدَكِ ثلاثا خالصة لك وإن شئت سبت لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي
قَالَتْ تُقِيمُ مَعِي ثَلَاثًا خَالِصَةً
قَالَ فِي النِّهَايَةِ اشْتَقُّوا فَعَّلَ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ فَمَعْنَى سَبَّعَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَثَلَّثَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا تَعَدَّى السَّبْعَ لِلْبِكْرِ وَالثَّلَاثَ لِلثَّيِّبِ بَطَلَ الْإِيثَارُ وَوَجَبَ قَضَاءُ سَائِرِ الزَّوْجَاتِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ بَالنَّصِّ فِي الثَّيِّبِ وَالْقِيَاسِ فِي الْبِكْرِ وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ مِنَ الزَّوْجِ تَعَدِّي تِلْكَ الْمُدَّةِ بِإِذْنِ الزَّوْجَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٢١٢٣] (لَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيَّةَ) هِيَ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ
стр. 1867
بَنَاتِ هَارُونَ ﵇ أَعْتَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا (زَادَ عُثْمَانُ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (وَكَانَتْ) أَيْ صَفِيَّةُ (وَقَالَ) أَيْ عُثْمَانُ (حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ أَخْبَرَنَا أَنَسٌ) وَأَمَّا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ فَقَالَ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بَالْعَنْعَنَةِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٢١٢٤] (إِذَا تَزَوَّجَ) أَيِ الرَّجُلُ (الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ) أَيْ تَكُونُ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ فَيَتَزَوَّجُ مَعَهَا بِكْرًا (وَلَوْ قُلْتَ) الْقَائِلُ أَبُو قِلَابَةَ (إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ صَادِقًا وَيَكُونُ رُوِيَ بَالْمَعْنَى وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى اللَّفْظِ أَوْلَى
وقال بن دَقِيقِ الْعِيدِ قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ عَنْ أنس مرفوعا لفظا فتحرر عَنْهُ تَوَرُّعًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَأَى أَنَّ قَوْلَ أَنَسٍ مِنَ السُّنَّةِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَلَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ لَصَحَّ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ
قَالَ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنَ السُّنَّةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِطَرِيقٍ اجْتِهَادِيٍّ مُحْتَمِلٌ وَقَوْلَهُ إِنَّهُ رَفَعَهُ نَصَّ فِي رَفْعِهِ وَلَيْسَ لِلرَّاوِي أَنْ يَنْقُلَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ مُحْتَمِلٌ إِلَى مَا هُوَ نَصٌّ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا وَبَيْنَ رَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَنَسٍ وَقَالُوا فِيهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي الْبَيْهَقِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِمُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِكْرَ تُؤْثَرُ بِسَبْعٍ وَالثَّيِّبَ بِثَلَاثٍ
قِيلَ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ قَبْلَ الجديدة
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ حَاكِيًا عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الزِّفَافِ وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ أَمْ لَا
وَحَكَى النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهَا وَإِلَّا فَيَجِبُ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا يُوَافِقُ كَلَامَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنْ لَا فَرْقَ وَإِطْلَاقُ الشَّافِعِيِّ يُعَضِّدُهُ وَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ لِقَوْلِ مَنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ قَبْلَ الْجَدِيدَةِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ لِمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ أَيْضًا
لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ
стр. 1868
قَالَ الْحَافِظُ لَكِنِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ وَفِيهِ يَعْنِي حَدِيثَ أَنَسٍ الْمَذْكُورَ حُجَّةٌ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ سَوَاءٌ وَعَلَى الْأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْلِهِ لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ وَلِلثَّيِّبِ يَوْمَانِ وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
٦ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهَا شَيْئًا)
[٢١٢٥] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ نَقَدْتُ الدَّرَاهِمَ نَقْدًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَالْفَاعِلُ نَاقِدٌ وَنَقَدْتُ الرَّجُلَ الدَّرَاهِمَ بِمَعْنَى أَعْطَيْتُهُ فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ انْتَهَى
(لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ) هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ ﵁ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَبَنَى عَلَيْهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ وَلَدَتْ لَهُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَالْمُحْسِنَ وَزَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَمَاتَتْ بَالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ (قَالَ أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْحُطَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَحْطِمُ السُّيُوفَ وَقِيلَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ يُقَالُ لَهُ حُطَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ الدُّرُوعَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْدِيمَ شَيْءٍ لِلزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولَ بِهَا جَبْرًا لِخَاطِرِهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الرِّوَايَةِ هَلْ أَعْطَاهَا دِرْعَهُ الْمَذْكُورَةَ أَوْ غَيْرَهَا
وَقَدْ وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ فِي تَعْيِينِ مَا أَعْطَى عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵂ إِلَّا إِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَنِدَةٍ
قَالَهُ فِي السُّبُلِ قُلْتُ قَدْ جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ تَعْيِينُ مَا أَعْطَى عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵂ وَقَدْ سَكَتَ عَنْهَا أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه النسائي
стр. 1869
[٢١٢٦] (فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَجُوزُ الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يُسْلِمَ الزَّوْجُ مَهْرَهَا وَكَذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الِامْتِنَاعُ حَتَّى يُسَمِّيَ الزَّوْجُ مَهْرَهَا وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ رَضِيَتْ بَالْعَقْدِ بِلَا تَسْمِيَةٍ وَأَجَازَتْهُ فَقَدْ نَفَذَ وَتَعَيَّنَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الِامْتِنَاعُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِهِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ وَلَا إِجَازَةٍ فَلَا عَقْدَ رَأْسًا فَضْلًا عَنِ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الِامْتِنَاعِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ حَتَّى يُعَيِّنَ الزَّوْجُ مَهْرَهَا ثُمَّ حَتَّى يُسْلِمَهُ
قِيلَ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَهْرَ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى عِنْدَ الْعَقْدِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مُسَمًّى عِنْدَ الْعَقْدِ وَوَقَعَ التَّأْجِيلُ بِهِ وَلَكِنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ مِنْهُ كَرَامَةً لِلْمَرْأَةِ وَتَأْنِيسًا
كَذَا فِي النَّيْلِ
[٢١٢٨] (أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُدْخِلَ) مِنَ الْإِدْخَالِ (قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا) فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ أَنْ يُسْلِمَ الزَّوْجُ إِلَى الْمَرْأَةِ مَهْرَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ وَلَا أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَخَيْثَمَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ) هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بَلْ إِنَّمَا وُجِدَتْ فِي بعضها وخيثمة هذا هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ عَنْ أَبِيهِ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ وَعَنْهُ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ الْأَعْمَشُ وَرِثَ خيثمة مائتي ألف درهما فأنفقها على الفقراء وثقه بن مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ
كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن ماجه
стр. 1870
[٢١٢٩] (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ) أَيْ تَزَوَّجَتْ (عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ الْمَدِّ أَصْلُهُ الْعَطِيَّةُ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ بَالْحُلْوَانِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْعَزِيزِيُّ
وَقَالَ فِي السُّبُلِ الْحِبَاءُ الْعَطِيَّةُ لِلْغَيْرِ أَوْ لِلزَّوْجِ زَائِدًا عَلَى مَهْرِهَا (أَوْ عِدَّةٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يلزمه الوفاء وعند بن مَاجَهْ أَوْ هِبَةٌ بَدَلُ الْعِدَّةِ (قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ) أَيْ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ (فَهُوَ لَهَا) أَيْ مُخْتَصٌّ بِهَا دُونَ أَبِيهَا لِأَنَّهُ وُهِبَ لَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ لِأَبِيهَا مَا شُرِطَ وَلَيْسَ لِأَبِيهَا حَقٌّ فِيهِ إِلَّا بِرِضَاهَا (وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ) أَيْ وَمَا شُرِطَ مِنْ نَحْوِ هِبَةٍ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ حَقٌّ لِمَنْ أُعْطِيَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ (وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ) بَالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (عَلَيْهِ الرَّجُلُ) أَيْ لأجله فعلي للتعليل
قال العلقمي قال بن رَسْلَانَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافٌ يَقْتَضِي الْحَضَّ عَلَى إِكْرَامِ الْوَلِيِّ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ (ابْنَتُهُ) بَالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى حَذْفِ كَانَ وَالتَّقْدِيرُ أَحَقُّ مَا أُكْرِمَ لِأَجْلِهِ الرِّجَالُ إِذَا كَانَتِ ابْنَتَهُ (أَوْ أُخْتُهُ) ظَاهِرُ الْعَطْفِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بَالْأَبِ بَلْ كُلُّ وَلِيٍّ كَذَلِكَ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَا يُذْكَرُ قَبْلَ الْعَقْدِ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَّةٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَذْكُورًا لِغَيْرِهَا وَمَا يُذْكَرُ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ جُعِلَ لَهُ سَوَاءً كَانَ وَلِيًّا أَوْ غَيْرَ وَلِيٍّ أَوِ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمَالِكٌ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَخٍ أَوْ أَبٍ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَهْرِ تَكُونُ فَاسِدَةً وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ كَذَا فِي النَّيْلِ وَالسُّبُلِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ وهذا مأول عَلَى مَا يَشْتَرِطُهُ الْوَلِيُّ لِنَفْسِهِ سِوَى الْمَهْرِ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِهِ فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنَّ لِأَبِيهَا كَذَا وَكَذَا شَيْئًا اتَّفَقَا عَلَيْهِ سِوَى الْمَهْرِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الأب وكذلك روي عن عطاء وطاؤس
وَقَالَ أَحْمَدُ هُوَ لِلْأَبِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ يَدَ الْأَبِ مَبْسُوطَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رَجُلًا فَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَالًا
وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رَجُلًا وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ يَجْعَلُهَا فِي الْحَجِّ وَالْمَسَاكِينِ
وَقَالَ
стр. 1871
الشافعي إذا فعل ذلك فلما مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَا شَيْءَ لِلْوَلِيِّ انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْحُفَّاظِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
٧ - (بَاب مَا يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّجِ [٢١٣٠] مِنَ الدُّعَاءِ)
(كَانَ إِذَا رَفَّأَ الْإِنْسَانُ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَهَمْزَةِ وَقَدْ لَا يُهْمَزُ أَيْ هَنَّأَهُ وَدَعَا لَهُ وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ لِلْمُتَزَوِّجِ أَنْ يَقُولُوا بَالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ بالرفاء والبنين
قال بن الْأَثِيرِ الرِّفَاءُ الِالْتِئَامُ وَالِاتِّفَاقُ وَالْبَرَكَةُ وَالنَّمَاءُ وَهُوَ من قولهم رفأت الثوب رفأ ورفوته ورفوا وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ كَرَاهِيَةً لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ وَلِهَذَا سُنَّ فِيهِ غَيْرُهُ انْتَهَى (وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ) قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الدُّعَاءَ لَهُ بَالْبَرَكَةِ مَوْضِعَ التَّرْفِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ النسائي وبن ماجه
وقال الترمذي حسن صحيح
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ عَلَى قَوْل الْخَطَّابِيّ فِي مَعْنَى رَفَأَ فَعَلَى الْأَوَّل أَصْله رَفَأَ بِالْهَمْزِ ثُمَّ خُفِّفَ فَقِيلَ رَفَأَ وَعَلَى الثَّانِي أَصْله الْوَاو فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَلّ
قَالَ الْجَوْهَرِيّ رَفَوْت الرَّجُل سَكَّنْته مِنْ الرُّعْب ثُمَّ ذَكَرَ بَيْت أَبِي خِرَاش الْهُذَلِيّ وَالْمُرَافَاة الِاتِّفَاق
قَالَ وَلَمَّا أَنْ رَأَيْت أَبَا رُوَيْم يُرَافِينِي وَيُكْرَه أَنْ يُلَامَا وَالرَّفَا الِالْتِحَام وَالِاتِّفَاق وَيُقَال رَفَّيْته تَرْفِيَة إِذَا قُلْت للمتزوج بالرفاء والبنين قال بن السِّكِّيت
وَإِنْ شِئْت كَانَ مَعْنَاهُ بِالسُّكُونِ وَالطُّمَأْنِينَة مِنْ رَفَوْت الرَّجُل إِذَا سَكَّنْته
تَمَّ كَلَامه
ثم ذكر المنذري حديث عقيل
قال بن الْقَيِّم ﵀ بَعْده وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه عَنْ الْحَسَن قَالَ تَزَوَّجَ عُقَيْل بْن أَبِي طَالِب اِمْرَأَة مِنْ بَنِي خَيْثَمٍ فَقِيلَ لَهُ بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ
فَقَالَ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ
بَارَكَ اللَّه فِيكُمْ وَبَارَكَ لَكُمْ
стр. 1872
٣٨ - (باب الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيَجِدُهَا حُبْلَى)
[٢١٣١] (ثُمَّ اتَّفَقُوا) أَيْ مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ (يُقَالُ لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ (بَصْرَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بن أَكْثَمَ بَالْمُثَلَّثَةِ وَيُقَالُ بُسْرَةُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبَالسِّينِ وَيُقَالُ نَضْلَةُ بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَةٍ صَحَابِيٌّ مِنَ الأنصار
كذا في التقريب (والولد عبدلك) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا من العلماء اختلف في أن ولد الزنى حُرٌّ إِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ فَكَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ أَنَّهُ أَوْصَاهُ بِهِ خَيْرًا وَأَمَرَهُ بَاصْطِنَاعِهِ وَتَرْبِيَتِهِ وَاقْتِنَائِهِ لِيَنْتَفِعَ بِخِدْمَتِهِ إِذَا بَلَغَ فَيَكُونُ كَالْعَبْدِ لَهُ فِي الطَّاعَةِ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى إِحْسَانِهِ وَجَزَاءً لِمَعْرُوفِهِ وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ بَالْبِرِّ يُسْتَعْبَدُ الحر انتهى
(قال الحسن) أي بن علي (فاجلدها) أي بصيغة الواحد (وقال بن أَبِي السَّرِيِّ فَاجْلِدُوهَا) أَيْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (أَوْ قال
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث قَدْ اُضْطُرِبَ فِي سَنَده وَحُكْمه وَاسْم الصَّحَابِيّ رَاوِيه
فَقِيلَ بَصْرَة بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالصَّاد الْمُهْمَلَة وَقِيلَ نَضْرَة بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَقِيلَ نَضْلَة بِالنُّونِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَقِيلَ بُسْرَة بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة وَقِيلَ نَضْرَة بْن أَكْثَم الْخُزَاعِيّ وَقِيلَ الْأَنْصَارِيّ وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهُ بَصْرَة بْن أَبِي بَصْرَة الْغِفَارِيُّ وَوَهِمَ قَائِله
وَقِيلَ بَصْرَة هَذَا مَجْهُول وَلَهُ عِلَّة عَجِيبَة وَهِيَ أَنَّهُ حَدِيث يَرْوِيه بن جُرَيْجٍ عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيد بن المسيب عن رجل من الأنصار
وبن جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ صَفْوَان إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيّ عَنْ صَفْوَان وَإِبْرَاهِيم هَذَا مَتْرُوك الْحَدِيث تَرَكَهُ أَحْمَد بْن
стр. 1873
فَحُدُّوهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أَرْسَلُوهُ كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ رَوَى قتادة ويحيى بن أبي كثير وعطاء الخرساني كُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مُرْسَلًا (وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ بَصْرَةَ بْنَ أَكْثَمَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بَصْرَةُ بْنُ أَكْثَمَ بَالْمُثَلَّثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ
[٢١٣٢] (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ فذكر
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
حنبل ويحيى بن معين وبن الْمُبَارَك وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زُرْعَة الرَّازِيَّانِ وَغَيْرهمْ وَسُئِلَ عَنْهُ مَالِك بْن أَنَس أَكَانَ ثِقَة فَقَالَ لَا وَلَا فِي دِينه
وَلَهُ عِلَّة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمَعْرُوف أَنَّهُ إِنَّمَا يُرْوَى مُرْسَلًا عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ النَّبِيّ ﷺ كَذَا رَوَاهُ قَتَادَة ويزيد بن نعيم وعطاء الخرساني
كُلّهمْ عَنْ سَعِيد عَنْ النَّبِيّ ﷺ
ذَكَرَ عَبْد الْحَقّ هَذَيْنِ التَّعْلِيلَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَالْإِرْسَال هُوَ الصَّحِيح
وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى أَرْبَعَة أَحْكَام أَحَدهَا وُجُوب الصَّدَاق عَلَيْهِ بِمَا اِسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجهَا وَهُوَ ظَاهِر لِأَنَّ الْوَطْء فِيهِ غَايَته أَنْ يَكُون وَطْء شُبْهَة إِنْ لَمْ يَصِحّ النِّكَاح
الثَّانِي بُطْلَان نِكَاح الحامل من الزنى
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نِكَاح الزَّانِيَة
فَمَذْهَب الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل أَنَّهُ لَا يَجُوز تَزَوُّجهَا حَتَّى تَتُوب وَتَنْقَضِي عِدَّتهَا فَمَتَى تَزَوَّجَهَا قَبْل التَّوْبَة أَوْ قَبْل اِنْقِضَاء عِدَّتهَا كَانَ النِّكَاح فَاسِدًا وَيُفَرَّق بَيْنهمَا وَهَلْ عِدَّتهَا ثَلَاث حِيَض أَوْ حَيْضَة عَلَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ
وَمَذْهَب الثَّلَاثَة أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَتَزَوَّجهَا قَبْل تَوْبَتهَا وَالزِّنَا لَا يَمْنَع عِنْدهمْ صِحَّة الْعَقْد كَمَا لَمْ يُوجِب طَرَيَانُهُ فَسْخه
ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي نِكَاحهَا فِي عِدَّتهَا فَمَنَعَهُ مَالِك اِحْتِرَامًا لِمَاءِ الزوج وصيانة لاختلاط النسب الصريح بولد الزنى وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّهُ يَجُوز الْعَقْد عَلَيْهَا مِنْ غَيْر اِنْقِضَاء عِدَّة ثُمَّ اِخْتَلَفَا فَقَالَ الشَّافِعِيّ
يَجُوز الْعَقْد عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا لِأَنَّهُ لَا حُرْمَة لِهَذَا الْحَمْل وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَأَبُو حَنِيفَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ لَا يَجُوز الْعَقْد عَلَيْهَا حَتَّى تَضَع الْحَمْل لِئَلَّا يَكُون الزَّوْج قَدْ سَقَى مَاءَهُ زَرْع غَيْره وَنَهَى النَّبِيّ ﷺ أَنْ تُوطَأ الْمَسْبِيَّة الْحَامِل حَتَّى تَضَع مَعَ أَنَّ حَمْلهَا مَمْلُوك لَهُ فَالْحَامِل من الزنى أَوْلَى أَنْ لَا تُوطَأ حَتَّى تَضَع وَلِأَنَّ مَاء الزَّانِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَة فَمَاء الزَّوْج مُحْتَرَم فَكَيْفَ يَسُوغ لَهُ أَنْ يَخْلِطهُ بِمَاءِ الْفُجُور وَلِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ هَمَّ بِلَعْنِ الَّذِي يُرِيد أَنْ يَطَأ أَمَته الْحَامِل مِنْ غَيْره
стр. 1874
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (زَادَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي رِوَايَتِهِ
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ إِنْ ثَبَتَ لِمَنْ رَأَى الْحَمْلَ مِنَ الْفُجُورِ يَمْنَعُ عَقْدَ النِّكَاحِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النِّكَاحُ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْوَطْءُ عَلَى مَذْهَبِهِ مَكْرُوهٌ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ
قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا جَعَلَ لَهَا صَدَاقَ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى لِأَنَّ فِي هذا الحديث من رواية بن نعيم عن بن الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا
وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ وَقَعَ صَحِيحًا لَمْ يَجُزِ التَّفْرِيقُ لِأَنَّ حُدُوثَ الزنى بَالْمَنْكُوحَةِ لَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ وَلَا يُوجِبُ لِلزَّوْجِ الْخِيَارَ
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ إِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مَنْسُوخًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَكَانَتْ مَسْبِيَّة مَعَ اِنْقِطَاع الْوَلَد عَنْ أَبِيهِ وَكَوْنه مَمْلُوكًا لَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَصِحّ الْعَقْد عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَا تُوطَأ حَتَّى تَضَع
الثَّالِث وُجُوب الْحَدّ بِالْحَبْلِ وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَحُجَّتهمْ قَوْل عُمَر ﵁ وَالرَّجْم حَقّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء إِذَا كَانَ مُحْصَنًا إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَة أَوْ كَانَ حَمْل أَوْ اِعْتِرَاف مُتَّفَق عَلَيْهِ وَلِأَنَّ وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنى أَظْهَر مِنْ دَلَالَة الْبَيِّنَة وَمَا يَتَطَرَّق إِلَى دَلَالَة الْحَمْل يَتَطَرَّق مِثْله إِلَى دَلَالَة الْبَيِّنَة وَأَكْثَر
وَحَدِيث بَصْرَة هَذَا فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِجَلْدِهَا بِمُجَرَّدِ الْحَمْل مِنْ غَيْر اِعْتِبَار بَيِّنَة وَلَا إِقْرَار
وَنَظِير هَذَا
حَدُّ الصَّحَابَة فِي الْخَمْر بِالرَّائِحَةِ وَالْقَيْء
الْحُكْم الرَّابِع إِرْفَاق وَلَد الزنى وَهُوَ مَوْضِع الْإِشْكَال فِي الْحَدِيث وَبَعْض الرُّوَاة لَمْ يَذْكُرهُ فِي حَدِيثه كَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيد وَغَيْره وَإِنَّمَا قَالُوا فَفَرَّقَ بَيْنهمَا وَجَعَلَ لَهَا الصَّدَاق وَجَلَدَهَا مِائَة وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَال فِي الْحَدِيث وَإِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة فَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذَا لَعَلَّهُ كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام حِين كَانَ الرِّقّ يَثْبُت عَلَى الْحُرّ الْمَدِين ثُمَّ نُسِخَ وَقِيلَ إِنَّ هَذَا مَجَاز وَالْمُرَاد بِهِ اِسْتِخْدَامه
стр. 1875
٣٩ - (بَاب فِي الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ)
[٢١٣٣] (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ) أَيْ مَثَلًا (فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا) أَيْ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا بَلْ مَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى (وَشِقُّهُ) أَيْ أَحَدُ جَنْبَيْهِ وَطَرَفِهِ (مَائِلٌ) أَيْ مَفْلُوجٌ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إِلَى إِحْدَاهُنَّ
وَقَدْ قَالَ تعالى فلا تميلوا كل الميل وَالْمُرَادُ الْمَيْلُ فِي الْقَسْمِ وَالْإِنْفَاقِ لَا فِي الْمَحَبَّةِ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا من حديث همام يعني بن يَحْيَى
[٢١٣٤] (الْخَطْمِيُّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةٌ إِلَى خَطْمَةَ فَخِذٌ مِنَ الْأَوْسِ (يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ) أَيْ فَيُسَوِّي بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْبَيْتُوتَةِ
وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ
وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى تُرْجِي من تشاء منهن الْآيَةَ وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ (اللَّهُمَّ هَذَا) أَيْ هَذَا الْعَدْلُ (قَسْمِي) بِفَتْحِ الْقَافِ (فِيمَا أَمْلِكُ) أَيْ فِيمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ (فَلَا تَلُمْنِي) أَيْ فَلَا تُعَاتِبْنِي أَوْ لَا تُؤَاخِذْنِي (فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ) أَيْ مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ وَمَيْلِ الْقَلْبِ فَإِنَّكَ مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ (يَعْنِي الْقَلْبَ) هَذَا تَفْسِيرٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ لِقَوْلِهِ مَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ يَعْنِي بِهِ الْحُبَّ وَالْمَوَدَّةَ كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ وَمَيْلَ الْقَلْبِ أَمْرٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ بَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جميعا ما ألفت بين قلوبهم وَبِهِ فُسِّرَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المرء وقلبه قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا وذكر الترمذي أن المرسل أصح
стр. 1876
[٢١٣٥] (ياابن أُخْتِي) أَيْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ (لَا يُفَضِّلُ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ (مِنْ مُكْثِهِ عِنْدنَا) هَذَا بَيَانُ الْقَسْمِ وَالْمُكْثُ الْإِقَامَةُ وَالتَّلَبُّثُ فِي الْمَكَانِ (وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا امْرَأَةً امْرَأَةً فَيَدْنُو وَيَلْمِسُ (مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ) وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ غَيْرِ وقاع وهو المراد ها هنا (سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) هِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا بِهَا وَهَاجَرَتْ مَعَهُ (حِينَ أَسَنَّتْ) أَيْ كَبِرَتْ (وَفَرِقَتْ) بِكَسْرِ الراء من باب سمع أي خافت (يارسول الله يومي لعائشة) أي نوبتي ووقعت بيتوتي لِعَائِشَةَ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الدُّخُولُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَوْمِهَا مِنْ نِسَائِهِ وَالتَّأْنِيسُ لَهَا وَاللَّمْسُ وَالتَّقْبِيلُ وَفِيهِ بَيَانُ حُسْنِ خُلُقِهِ ﷺ وَأَنَّهُ كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لِأَهْلِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا ويعتبر رضي الزَّوْجِ وَلِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الزَّوْجَةِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهُ إِلَّا بِرِضَائِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَوَثَّقَهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ﵁
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ
[٢١٣٦] (يَسْتَأْذِنَّا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَسْتَأْذِنُنَا (فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ) بِإِضَافَةِ يَوْمٍ إِلَى الْمَرْأَةِ أَيْ يَوْمَ نَوْبَتِهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْأُخْرَى (تُرْجِي) بَالْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ مِنْ أَرْجَأَ مَهْمُوزًا أَوْ مَنْقُوصًا أَيْ تُؤَخِّرُ وَتَتْرُكُ وَتُبْعِدُ (مَنْ تَشَاءُ) أَيْ مُضَاجَعَةَ مَنْ تَشَاءُ (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ من تشاء) أَيْ تَضُمُّهَا إِلَيْكَ وَتُضَاجِعُهَا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي تَأْوِيلِ تُرْجِي أَقْوَالٌ أَحَدُهَا
стр. 1877
تطلق وتمسك ثانيها تعتزل من شئت من مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَتَقْسِمُ لِغَيْرِهَا ثَالِثُهَا تَقْبَلُ مَنْ شِئْتَ مِنَ الْوَاهِبَاتِ وَتَرُدُّ مَنْ شِئْتَ انْتَهَى
قَالَ الْبَغَوِيُّ أَشْهَرُ الْأَقَاوِيلِ أَنَّهُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ وَذَلِكَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَقَطَ عَنْهُ وَصَارَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ فِيهِنَّ (إِنْ كَانَ ذَاكَ) أَيِ الِاسْتِئْذَانُ (إِلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (لَمْ أُوثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذِهِ الْمُنَافَسَةُ فِيهِ ﷺ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتَاعِ وَلِمُطْلَقِ الْعِشْرَةِ وَشَهَوَاتِ النُّفُوسِ وَحُظُوظِهَا الَّتِي تَكُونُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ بَلْ هِيَ مُنَافَسَةٌ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ وَفِي خِدْمَتِهِ وَمُعَاشَرَتِهِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ وَفِي قَضَاءٍ لِحُقُوقِهِ وَحَوَائِجِهِ وَتَوَقُّعِ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَالْوَحْيِ عَلَيْهِ عِنْدَهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٢١٣٧] (يَزِيدُ بْنُ بَابِنُوسَ) بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ثُمَّ نُونٌ مَضْمُومَةٌ وَوَاوٌ سَاكِنَةٌ وَسِينٌ مُهْمَلَةٌ
قَالَ الْحَافِظُ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (بَعَثَ إِلَى النِّسَاءِ) أَيْ أَرْسَلَ إِلَيْهِنَّ أَحَدًا (فِي مَرَضِهِ) أَيِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ (فَأَذِنَّ لَهُ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ فَكَانَ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ قَالَ يَزِيدُ بْنُ بَابِنُوسَ مَجْهُولٌ وَلَمْ أر ذلك في ما شَاهَدْتُهُ مِنْ كِتَابِ أَبِي حَاتِمٍ لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِهِ
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ وَأَنَّهُ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلِيًّا ﵁
[٢١٣٨] (إِذَا أَرَادَ سَفَرًا) مَفْهُومُهُ اخْتِصَاصُ الْقُرْعَةِ بِحَالَةِ السَّفَرِ وَلَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ لِتُعَيِّنَ الْقُرْعَةُ مَنْ يُسَافِرُ بِهَا وَتُجْرَى الْقُرْعَةُ أَيْضًا فِيمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فَلَا يَبْدَأُ بِأَيِّهِنَّ شَاءَ
стр. 1878
بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ فَيَبْدَأُ بَالَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ إِلَّا أَنْ يَرْضَيْنَ بِشَيْءٍ فَيَجُوزُ بِلَا قُرْعَةٍ
قَالَهُ الْحَافِظُ (خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ أَخْرَجَ النَّبِيَّ ﷺ الْمَرْأَةَ الَّتِي خَرَجَ سَهْمُهَا مَعَهُ ﷺ فِي السَّفَرِ
وَاسْتُدِلَّ بَالْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَةِ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَدَمَ اعْتِبَارِ الْقُرْعَةِ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مَشْهُورٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْخَطَرِ وَالْقِمَارِ وَحُكِيَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِجَازَتُهَا انْتَهَى
قَالَ المنذري أخرجه البخاري والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
(بَاب فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ لَهَا دَارَهَا)
[٢١٣٩] أَيْ يَشْتَرِطُ فِي الْعَقْدِ الْإِقَامَةَ مَعَهَا فِي بَلَدِهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَمْ لَا وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ
(أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) أَيْ أَحَقُّ الشُّرُوطِ بَالْوَفَاءِ شُرُوطُ النِّكَاحِ
وَقَوْلُهُ أَحَقُّ الشُّرُوطِ مُبْتَدَأٌ وَأَنْ تُوفُوا بِهِ بَدَلٌ مِنَ الشُّرُوطِ وَمَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ خَبَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كُلُّ مَا شَرَطَ الزَّوْجُ تَرْغِيبًا لِلْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ مَا لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا
وَمَنْ لَا يَقُولُ بَالْعُمُومِ يُجْمِلُهُ عَلَى الْمَهْرِ أَوْ عَلَى جَمِيعِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الزَّوْجِ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَنَحْوِهَا
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى شُرُوطٍ لَا تُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاحِ بَلْ تَكُونُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ وَمَقَاصِدِهِ كَاشْتِرَاطِ الْعِشْرَةِ بَالْمَعْرُوفِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَكِسْوَتِهَا وَسُكْنَاهَا بَالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهُ لَا يُقَصِّرُ فِي شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهَا وَيَقْسِمُ لَهَا كَغَيْرِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ كَشَرْطِ أَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا وَلَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا وَلَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَلَا يُسَافِرَ بِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بَلْ يَلْغُو الشَّرْطُ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِقَوْلِهِ ﷺ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَقَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بَالشَّرْطِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ أَحَقُّ الشُّرُوطِ انْتَهَى
وَفِي الْمَعَالِمِ لِلْخَطَّابِيِّ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ
стр. 1879
حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ يَرَيَانِ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِهَا مِنَ الْبَلَدِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ الْوَفَاءَ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ
وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَنْقُلَهَا عَنْ دَارِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
١ - (بَاب فِي حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ)
[٢١٤٠] (أَتَيْتُ الْحِيرَةَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَلْدَةٌ قَدِيمَةٌ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ (فَرَأَيْتُهُمْ) أَيْ أَهْلَهَا (يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانَ لَهُمْ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الزَّاي الْفَارِسُ الشُّجَاعُ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْقَوْمِ دُونَ الْمَلِكِ وَهُوَ مُعْرَبٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَقِيلَ أَهْلُ اللُّغَةِ يَضُمُّونَ مِيمَهُ ثُمَّ إِنَّهُ مُنْصَرِفٌ وَقَدْ لَا يَنْصَرِفُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ) لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَكْرَمُ الْمَوْجُودَاتِ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ) أَيْ لِلْقَبْرِ أَوْ لِمَنْ فِي الْقَبْرِ (قُلْتُ لَا قَالَ فَلَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُد لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَة أَنْ تَسْجُد لِزَوْجِهَا
قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب صَحِيح قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل وَسُرَاقَة بن مالك وعائشة وبن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى وَطَلْق بن علي وأم سلمة وأنس وبن عمر
فهذه أحد عشر حديثا
فحديث بن أَبِي أَوْفَى رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده قَالَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاذ مِنْ الشَّام سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُعَاذ قَالَ أَتَيْت الشَّام فَوَافَيْتهمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتهمْ فَوَدِدْت فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَل ذَلِكَ بِك فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ فَلَا تَفْعَلُوا فَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُد لِغَيْرِ اللَّه لَأَمَرْت الْمَرْأَة أَنْ تَسْجُد لِزَوْجِهَا وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَة حَقَّ رَبّهَا حَتَّى تُؤَدِّي حَقَّ زَوْجهَا وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسهَا وَهِيَ عَلَى قَتَب لَمْ تَمْنَعهُ وَرَوَاهُ بن ماجه
وروى
стр. 1880
تَفْعَلُوا) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيِ اسْجُدُوا لِلْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَلِمَنْ مُلْكُهُ لَا يَزُولُ فَإِنَّكَ إِنَّمَا تَسْجُدُ لِيَ الْآنَ مَهَابَةً وَإِجْلَالًا فَإِذَا صِرْتُ رَهِينَ رَمْسٍ امْتَنَعْتَ عَنْهُ (لَوْ كُنْتُ آمُرُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ آمِرًا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ لَوْ صَحَّ لِي أَنْ آمُرَ أَوْ لَوْ فُرِضَ أَنِّي كُنْتُ آمُرُ (لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ حَقٍّ فَالتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّعْرِيفِ لِلْجِنْسِ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ
[٢١٤١] (إِذَا دَعَا الرجل امرأته إلى فراشه) قال بن أَبِي حَمْزَةَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْفِرَاشَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ (فَلَمْ تَأْتِهِ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ (فَبَاتَ) أَيْ زَوْجُهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَأْمُورَةً إِلَى طَاعَةِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُعْصِيَةٍ
قِيلَ وَالْحَيْضُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي الِامْتِنَاعِ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِمَا عَدَا الْفَرْجِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ (حَتَّى تصبح) أي المرأة أو الملائكة
قال القارىء وَالْأَظْهَرُ أَنَّ حُكْمَ النَّهَارِ كَذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
النسائي من حديث حفص بن أَخِي عَنْ أَنَس رَفَعَهُ لَا يَصْلُح لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُد لِبَشَرٍ وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُد لِبَشَرٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَة أَنْ تَسْجُد لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَم حَقّه عَلَيْهَا وَرَوَاهُ أَحْمَد
وَفِيهِ زِيَادَة وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَوْ كَانَ مِنْ قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنجبس بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيد
ثُمَّ اِسْتَقْبَلَتْهُ تَلْحَسهُ مَا أَدَّتْ حَقّه
وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي عُتْبَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ سَأَلْت النَّبِيّ ﷺ أَيّ النَّاس أَعْظَم حَقًّا عَلَى الْمَرْأَة قَالَ
زَوْجهَا قُلْت فَأَيّ النَّاس أَعْظَم حَقًّا عَلَى الرَّجُل قَالَ أُمّه
وَرَوَى النسائي وبن حِبَّان مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا يَنْظُر اللَّه إِلَى اِمْرَأَة لَا تَشْكُر لِزَوْجِهَا وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ وَقَدْ رَوَى الترمذي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَيّمَا اِمْرَأَة مَاتَتْ وَزَوْجهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتْ الْجَنَّة قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إِذَا دَعَا الرَّجُل اِمْرَأَته لِفِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيء فَبَاتَ غَضْبَانًا عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَة حَتَّى تُصْبِح
стр. 1881
انْتَهَى
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ الذي في السماء سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا وَلَابْنِ حِبَّانَ وبن خُزَيْمَةَ ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ وَلَا يَصْعَدُ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ حَسَنَةً الْعَبْدُ الْآبِقُ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا فَهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ تَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
٢ - (بَابٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا)
[٢١٤٢] (وَتَكْسُوهَا) بَالنَّصْبِ (إِذَا اكْتَسَيْتَ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ اهْتِمَامًا بِثَبَاتِ مَا قَصَدَ مِنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ يَعْنِي كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمَ فَالْمُرَادُ بَالْخِطَابِ عَامٌّ لِكُلِّ زَوْجٍ أَيْ يَجِبُ عَلَيْكَ إِطْعَامُ الزَّوْجَةِ وَكِسْوَتُهَا عِنْدَ قُدْرَتِكَ عَلَيْهِمَا لِنَفْسِكَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ) فَإِنَّهُ أَعْظَمُ الْأَعْضَاءِ وَأَظْهَرُهَا وَمُشْتَمِلٌ عَلَى أَجْزَاءٍ شَرِيفَةٍ وَأَعْضَاءٍ لَطِيفَةٍ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ اجْتِنَابِ الْوَجْهِ عِنْدَ التَّأْدِيبِ (وَلَا تُقَبِّحْ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ أَيْ لَا تَقُلْ لَهَا قَوْلًا قَبِيحًا وَلَا تَشْتُمْهَا وَلَا قَبَّحَكِ اللَّهُ وَنَحْوَهُ (وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) أَيْ لَا تَتَحَوَّلْ عَنْهَا أَوْ لَا تُحَوِّلْهَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى واهجروهن في المضاجع قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
[٢١٤٣] (يارسول اللَّهِ نِسَاؤُنَا) أَيْ أَزْوَاجُنَا (مَا نَأْتِي مِنْهُنَّ) أي ما نستمع مِنْ أَزْوَاجِنَا (وَمَا نَذَرُ) أَيْ
стр. 1882
وَمَا نَتْرُكُ (ائْتِ حَرْثَكَ) أَيْ مَحَلَّ الْحَرْثِ مِنْ حَلِيلَتِكَ وَهُوَ قُبُلُهَا إِذْ هُوَ لَكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ تُزْرَعُ
وَذِكْرُ الْحَرْثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى حَرَامٌ (أَنَّى شِئْتَ) أَيْ كَيْفَ شِئْتَ مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَاضْطِجَاعٍ وَإِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ بِأَنْ يَأْتِيهَا فِي قُبُلِهَا مِنْ جِهَةِ دُبْرِهَا
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ حَيْثُ قَالُوا مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي قُبُلِهَا مِنْ جِهَةِ دُبُرِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلُ (وَأَطْعِمْهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (إِذَا طَعِمْتَ) بِتَاءِ الْخِطَابِ لَا التَّأْنِيثَ (وَاكْسُهَا) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ السِّينِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا (إِذَا اكْتَسَيْتَ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ وَهَذَا أَمْرُ إِرْشَادٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ كَمَالِ الْمُرُوءَةِ أن يطعهما كُلَّمَا أَكَلَ وَيَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَى
وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَكْلَهُ يُقَدَّمُ عَلَى أَكْلِهَا وَأَنَّهُ يَبْدَأُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَهَا وَحَقُّهُ فِي الْأَكْلِ وَالْكِسْوَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا لِحَدِيثِ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ (وَلَا تُقَبِّحِ الْوَجْهَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَا تَقُلْ إِنَّهُ قَبِيحٌ أَوْ لَا تَقُلْ قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكِ أَيْ ذَاتَكِ فَلَا تَنْسُبْهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا إِلَى الْقُبْحِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحُسْنِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَوَّرَ وَجْهَهَا وَجِسْمَهَا وَأَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَذَمُّ الصَّنْعَةِ يَعُودُ إِلَى مَذَمَّةِ الصَّانِعِ
كَذَا قَالَ الْعَزِيزِيُّ فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ (وَلَا تَضْرِبْ) أَيْ ضَرْبًا مُبَرِّحًا مُطْلَقًا وَلَا غَيْرَ مُبَرِّحٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ شَرْعِيٍّ كَنُشُوزٍ
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الضَّرْبِ مُطْلَقًا وَإِنْ حَصَلَ نُشُوزٌ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا الْأَوْلَى تَرْكُ الضَّرْبِ مَعَ النُّشُوزِ كَذَا قَالَ الْعَزِيزُ قُلْتُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ ضَرْبُ غَيْرِ الْوَجْهِ إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَقْتَضِي ضَرْبَهَا كَالنُّشُوزِ أَوِ الْفَاحِشَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٢١٤٤] (عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَفِي بَعْضِهَا عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
стр. 1883
٤٣ - (بَاب فِي ضَرْبِ النِّسَاءِ)
[٢١٤٥] (فَإِنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ) أَصْلُ النُّشُوزِ الِارْتِفَاعُ وَنُشُوزُ الْمَرْأَةِ هُوَ بُغْضُهَا لِزَوْجِهَا وَرَفْعُ نَفْسِهَا عَنْ طَاعَتِهِ وَالتَّكَبُّرُ عَلَيْهِ (فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) أَيِ اعْتَزِلُوا إِلَى فِرَاشٍ آخَرَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي الْمُرَادِ بَالْهِجْرَانِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ تَرْكُ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ وَالْإِقَامَةِ عِنْدَهُنَّ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَهُوَ مِنَ الْهِجْرَانِ وَهُوَ الْبُعْدُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُضَاجِعُهَا
وَقِيلَ الْمَعْنَى يُضَاجِعُهَا وَيُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ وَقِيلَ يَمْتَنِعُ عَنْ جِمَاعِهَا وَقِيلَ يُجَامِعُهَا وَلَا يُكَلِّمُهَا وَقِيلَ اهْجُرُوهُنَّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهُجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ أَيْ أَغْلِظُوا لَهُنَّ فِي الْقَوْلِ كَذَا قَالَ الحافظ في الفتح (قال حماد) هو بن سَلَمَةَ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (يَعْنِي النِّكَاحَ) أَيِ الْوَطْءَ فَالْمُرَادُ بَالْهِجْرَانِ فِي الْمَضَاجِعِ عِنْدَ حَمَّادٍ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْجِمَاعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو حُرَّةَ الرَّقَاشِيُّ اسْمُهُ حَنِيفَةُ وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ عَمُّهُ حَنِيفَةُ وَيُقَالُ حَكِيمُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ عَبْدَةَ الرَّقَاشِيُّ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ عَمُّ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيُّ بَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ حِذْيَمُ بْنُ حنيفة وعلي بن زيد هذا هو بن جُدْعَانَ الْمَكِّيُّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
[٢١٤٦] (إياس بن عبد الله بن أبي ذباب) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَهُ حَدِيثٌ وَعَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَطْ ذَكَرَهُ بن حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ (لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ الله) جمع أمة أي زوجاتكم فإنهن جوار اللَّهِ كَمَا أَنَّ الرِّجَالَ عَبِيدٌ لَهُ تَعَالَى (فَقَالَ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ) مِنْ بَابِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ ومن وادي قوله تعالى وأسروا النجوى أي اجترأن
стр. 1884
وَنَشَزْنَ وَغَلَبْنَ (فَأَطَافَ) هَذَا بَالْهَمْزِ يُقَالُ أَطَافَ بَالشَّيْءِ أَلَمَّ بِهِ وَقَارَنَهُ أَيِ اجْتَمَعَ وَنَزَلَ (بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ بِأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآلَ يَشْمَلُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ) أَيْ مِنْ ضَرْبِهِمْ إِيَّاهُنَّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَقَدْ طَافَ) هَذَا بِلَا هَمْزٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ لَقَدْ طَافَ صَحَّ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَالْأَوَّلُ بِهَمْزٍ وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ كِلَاهُمَا بَالْهَمْزِ فَهُوَ مِنْ طَافَ حَوْلَ الشَّيْءِ أَيْ دَارَ (ليس أولئك) أي الرجال الذي يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ ضَرْبًا مُبَرِّحًا أَيْ مُطْلَقًا (بِخِيَارِكُمْ) بَلْ خِيَارُكُمْ مَنْ لَا يَضْرِبُهُنَّ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُنَّ أَوْ يُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا يَضْرِبُهُنَّ ضَرْبًا شَدِيدًا يُؤَدِّي إِلَى شِكَايَتِهِنَّ
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ ضَرْبَ النِّسَاءِ فِي مَنْعِ حُقُوقِ النِّكَاحِ مُبَاحٌ إِلَّا أَنَّهُ يَضْرِبُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَوَجْهُ تَرَتُّبِ السُّنَّةِ عَلَى الْكِتَابِ فِي الضَّرْبِ يَحْتَمِلُ أَنَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ضَرْبِهِنَّ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ ثُمَّ لَمَّا ذَئِرْنَ النِّسَاءُ أَذِنَ فِي ضَرْبِهِنَّ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مُوَافِقًا لَهُ ثُمَّ لَمَّا بَالَغُوا فِي الضَّرْبِ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ الضَّرْبَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا عَلَى شَكَاسَةِ أَخْلَاقِهِنَّ فَالتَّحَمُّلُ وَالصَّبْرُ عَلَى سُوءِ أَخْلَاقِهِنَّ وَتَرْكُ الضَّرْبِ أَفْضَلُ وَأَجْمَلُ
وَيُحْكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ هَذَا الْمَعْنَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ لَا أَعْلَمُ رَوَى إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ فِي تَارِيخِهِ وَقَالَ لَا يُعْرَفُ لِإِيَاسٍ بِهِ صُحْبَةٌ
وَقَالَ بن أَبِي حَاتِمٍ إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ الدَّوْسِيُّ مَدَنِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ سَمِعْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ يَقُولَانِ ذَلِكَ
[٢١٤٧] (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُسْلِيُّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى مُسْلِيَةَ مِنْ كِنَانَةَ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَعَنْهُ دَاوُدُ الْأَوْدِيُّ (لَا يُسْأَلُ) نَفْيُ مَجْهُولٍ (فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ) أَيْ إِذَا رَاعَى شُرُوطَ الضَّرْبِ وَحُدُودَهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ لَا يُسْأَلُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّحَرُّجِ وَالتَّأَثُّمِ
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
стр. 1885
٤٤ - (باب فيما يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ)
[٢١٤٨] (عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ) بَالضَّمِّ وَالْمَدِّ وَبَالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ أَيِ الْبَغْتَةِ
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ فَجَأَهُ الْأَمْرُ فُجَاءَةً بَالضَّمِّ وَالْمَدِّ وَفَاجَأَهُ إِذَا جَاءَ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ بِصِيغَةِ الْمَرَّةِ (فَقَالَ اصْرِفْ بَصَرَكَ) أَيْ لَا تَنْظُرْ مَرَّةً ثَانِيَةً لِأَنَّ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَكُنْ بَالِاخْتِيَارِ فَهُوَ معفو عنها فإن أدام النظر أتم وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَهَا وَيَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إِلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَيُرْوَى أَطْرِقْ بَصَرَكَ قَالَ وَالْإِطْرَاقُ أَنْ يُقْبِلَ بِبَصَرِهِ إِلَى وَجْهِهِ وَالصَّرْفُ أَنْ يَفْتِلَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ وَالنَّاحِيَةِ الْأُخْرَى انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢١٤٩] (لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النظرة) من اتباع أَيْ لَا تُعْقِبْهَا إِيَّاهَا وَلَا تَجْعَلْ أُخْرَى بَعْدَ الْأُولَى (فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى) أَيِ النَّظْرَةَ الْأُولَى إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ) أَيِ النَّظْرَةُ الْآخِرَةُ لِأَنَّهَا بَاخْتِيَارِكَ فَتَكُونُ عَلَيْكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شريك
стр. 1886
[٢١٥٠] (لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ) زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَالْمُبَاشَرَةُ بِمَعْنَى الْمُخَالَطَةُ وَالْمُلَامَسَةُ وَأَصْلُهُ مِنْ لَمْسِ الْبَشَرَةِ الْبَشَرَةَ وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ (لِتَنْعَتَهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فتنعتها أي فتصف نعومة بدنها ولينة جَسَدِهَا (كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا) فَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهَا وَيَقَعُ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ
وَالْمَنْهِيُّ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْمَعْنِيُّ بِهِ فِي الْحَدِيثِ النَّظَرُ مَعَ اللَّمْسِ فَتَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِهَا مِنَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَتَجُسُّ بَاطِنَهَا بَاللَّمْسِ وَتَقِفُ عَلَى نُعُومَتِهَا وَسُمْنَتِهَا فَتَنْعَتُهَا عَطْفٌ عَلَى تُبَاشِرُ فَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِمَا فَيَجُوزُ الْمُبَاشَرَةُ بِغَيْرِ التَّوْصِيفِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢١٥١] (فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَائِهِ ﷺ مَوْتًا وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ وُضِعَ عَلَى النَّعْشِ فِي الْإِسْلَامِ (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ) مِنَ الْإِقْبَالِ (فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ) شَبَّهَهَا بَالشَّيْطَانِ فِي صِفَةِ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِضْلَالِ فَإِنَّ رُؤْيَتَهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ دَاعِيَةٌ لِلْفَسَادِ (فَإِنَّهُ يُضْمِرُ مَا فِي نَفْسِهِ) أَيْ يُضْعِفُهُ وَيُقَلِّلُهُ مِنَ الضُّمُورِ وَهُوَ الْهُزَالُ وَالضَّعْفُ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْهَوَى وَالدُّعَاءُ إِلَى الْفِتْنَةِ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نُفُوسِ الرِّجَالِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى النِّسَاءِ وَالتَّلَذُّذِ بَالنَّظَرِ إِلَيْهِنَّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ فَهِيَ شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بِوَسْوَسَتِهِ وَتَزْيِينِهِ لَهُ
وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا تَلْبَسَ ثِيَابًا فَاخِرَةً وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَيْهَا وَلَا إِلَى ثِيَابِهَا
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بَالرَّجُلِ أَنْ يَطْلُبَ امْرَأَتَهُ إِلَى الْوِقَاعِ فِي النَّهَارِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَغِلَةٌ بِمَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَتْ عَلَى الرجل شهوته
стр. 1887
فَيَتَضَرَّرُ بَالتَّأْخِيرِ فِي بَدَنِهِ أَوْ قَلْبِهِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ
[٢١٥٢] (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بَاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا عَفَا اللَّهُ مِنْ صِغَارِ الذُّنُوبِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللمم وَهُوَ مَا يُلِمُّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ صِغَارِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أَيْ أَثْبَتَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (حَظَّهُ) أَيْ نصيبه (من الزنى) بالقصر على الأفصح
قال القارىء والمراد من الحظ مقدمات الزنى مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّخَطِّي وَالتَّكَلُّمِ لِأَجْلِهِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ وَالتَّخَلِّي
وَقِيلَ أَثْبَتَ فِيهِ سَبَبَهُ وَهُوَ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ إِلَى النِّسَاءِ وَخَلَقَ فِيهِ الْعَيْنَيْنِ وَالْقَلْبَ والفرج وهي التي تجد لذة الزنى أَوِ الْمَعْنَى قَدَّرَ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَجْرِيَ عليه الزنى في الجملة (أدرك) أي أصاب بن آدَمَ وَوَجَدَ (ذَلِكَ) أَيْ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ وَقَضَاهُ أَوْ حَظَّهُ (لَا مَحَالَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ أَيْ لَا بُدَّ لَهُ وَلَا فِرَاقَ وَلَا احْتِيَالَ مِنْهُ فَهُوَ وَقَعَ الْبَتَّةَ (فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ) أَيْ حَظُّهَا عَلَى قَصْدِ الشَّهْوَةِ فِيمَا لَا يَحِلُّ لَهُ (وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ) أَيِ التَّكَلُّمُ عَلَى وَجْهِ الْحُرْمَةِ كَالْمُوَاعَدَةِ (وَالنَّفْسُ) أَيِ الْقَلْبُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَعَلَّ النَّفْسَ إِذَا طَلَبَتْ تَبِعَهَا الْقَلْبُ (تَمَنَّى) بِحَذْفِ أَحَدِ التَّاءَيْنِ (وَتَشْتَهِي) لَعَلَّهُ عَدَلَ عَنْ سَنَنِ السَّابِقِ لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ أَيْ زِنَا النفس تمنيها واشتهاؤها وقوع الزنى الْحَقِيقِيِّ (وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ سمى هذه الأشياء باسم الزنى لِأَنَّهَا مُقَدِّمَاتٌ لَهُ مُؤْذِنَةٌ بِوُقُوعِهِ
وَنَسَبَ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ إِلَى الْفَرْجِ لِأَنَّهُ مَنْشَؤُهُ وَمَكَانُهُ أَيْ يُصَدِّقُهُ بَالْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ وَيُكَذِّبُهُ بَالْكَفِّ عَنْهُ
وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنْ فَعَلَ بَالْفَرْجِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الفرج مصدقا لتلك الأعضاء أن ترك ما هو المقصود من لك فَقَدْ صَارَ الْفَرْجُ مُكَذِّبًا
وَقِيلَ مَعْنَى كَتَبَ أَنَّهُ أَثْبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ خَلَقَ لَهُ الْحَوَاسَّ الَّتِي يَجِدُ بِهَا لَذَّةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَعْطَاهُ الْقُوَى الَّتِي بِهَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ فَبَالْعَيْنَيْنِ وَبِمَا رُكِّبَ فِيهِمَا مِنَ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ تَجِدُ لَذَّةَ النَّظَرِ وَعَلَى هَذَا وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَلْجَأَهُ إِلَيْهِ وَأَجْبَرَهُ عَلَيْهِ بَلْ رَكَّزَ فِي جِبِلَّتِهِ حُبَّ الشَّهَوَاتِ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ يَعْصِمُ مَنْ يَشَاءُ
وَقِيلَ هَذَا لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ الْخَوَاصَّ مَعْصُومُونَ عن الزنى وَمُقَدِّمَاتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ بِأَنْ يُقَالَ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 1888
عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ صُدُورَ نفس الزنى فَمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِفَضْلِهِ صَدَرَ عَنْهُ من مقدمات الظَّاهِرَةِ وَمَنْ عَصَمَهُ بِمَزِيدِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ عَنْ صُدُورِ مُقَدِّمَاتِهِ وَهُمْ خَوَاصُّ عِبَادِهِ صَدَرَ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ مُقَدِّمَاتُهُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ تَمَنِّي النَّفْسِ وَاشْتِهَاؤُهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٢١٥٣] (فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ) أَيِ الْأَخْذُ وَاللَّمْسُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْكِتَابَةُ وَرَمْيُ الْحَصَى عَلَيْهَا وَنَحْوُهُمَا (فزناهما المشي) أي إلى موضع الزنى (فَزِنَاهُ الْقُبَلُ) جَمْعُ الْقُبْلَةُ
[٢١٥٤] (وَالْأُذُنُ زِنَاهَا الِاسْتِمَاعُ) إِلَى كَلَامِ الزَّانِيَةِ أَوِ الْوَاسِطَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
٥ - (بَاب فِي وَطْءِ السَّبَايَا)
[٢١٥٥] جَمْعُ السَّبِيَّةِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمَنْهُوبَةُ
(بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ) بَالتَّصْغِيرِ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَرَاءَ عَرَفَاتٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا وَهُوَ مَصْرُوفٌ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ (بَعْثًا) أَيْ جَيْشًا (إِلَى أَوْطَاسٍ) بَالصَّرْفِ وَقَدْ لَا يَنْصَرِفُ مَوْضِعٌ أَوْ بُقْعَةٌ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ (فَظَهَرُوا) أَيْ غَلَبُوا (تَحَرَّجُوا) أَيْ خَافُوا الحرج وهو
стр. 1889
الأثم (مِنْ غِشْيَانِهِنَّ أَيْ مِنْ وَطْئِهِنَّ (مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ مُزَوَّجَاتٌ وَالْمُزَوَّجَةُ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِ زَوْجِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِبَاحَتَهُنَّ بِقَوْلِهِ (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا ما ملكت أيمانكم) المراد بالمحصنات ها هنا الْمُزَوَّجَاتُ وَمَعْنَاهُ وَالْمُزَوَّجَاتُ حَرَامٌ عَلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ إِلَّا مَا مَلَكْتُمْ بَالسَّبْيِ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ زَوْجِهَا الْكَافِرِ وَتَحِلُّ لَكُمْ إِذَا انْقَضَى اسْتِبْرَاؤُهَا (إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ) أَيِ اسْتِبْرَاؤُهُنَّ وَهِيَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ عَنِ الْحَامِلِ وَبِحَيْضَةٍ عَنِ الْحَائِلِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا سُبِيَا مَعًا فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ السَّبْيَ وَأَمَرَ أَنْ لَا تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ ذَاتِ زَوْجٍ وَغَيْرِهَا وَلَا عَمَّنْ كَانَتْ سُبِيَتْ مِنْهُنَّ مَعَ الزَّوْجِ أَوْ وَحْدَهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فِي قَوْله ﷺ كَيْف يُوَرِّثهُ وَهُوَ لَا يَحِلّ لَهُ قَوْلَانِ أَحَدهمَا أَنَّ ذَلِكَ الْحَمْل قَدْ يَكُون مِنْ زَوْجهَا الْمُشْرِك فَلَا يَحِلّ لَهُ اِسْتِلْحَاقه وَتَوْرِيثه
وَقَدْ يَكُون إِذَا وَطِئَهَا تَنْفُش مَا كَانَ فِي الظَّاهِر حَمْلًا وَتَعَلَّقَ مِنْهُ فَيَظُنّهُ عَبْده وَهُوَ وَلَده فَيَسْتَخْدِمهُ اِسْتِخْدَام الْعَبْد وَيَنْفِيه عَنْهُ
وهذان الوجهان ذكر معناهما المنذري
قال بن الْقَيِّم وَهَذَا الْقَوْل ضَعِيف فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ جَمَعَ بَيْن إِنْكَار الْأَمْرَيْنِ
اِسْتِخْدَامه وَاسْتِلْحَاقه وَقَدْ جَاءَ كَيْف يَسْتَعْبِدهُ وَيُوَرِّثهُ وَمَعْلُوم أَنَّ اِسْتِلْحَاقه وَاسْتِعْبَاده جَمْع بَيْن الْمُتَنَاقِضَيْنِ وَكَذَا إِذَا تَفَشَّى الَّذِي هُوَ حَمْل فِي الظَّاهِر وَعَلِقَتْ مِنْهُ لَا يُتَصَوَّر فِيهِ الِاسْتِلْحَاق والاستعباد
стр. 1890
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا سُبِيَا جَمِيعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا كَانَ فِي الْمَقَاسِمِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَإِنِ اشْتَرَاهَا رَجُلٌ فَشَاءَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا جَمَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بحيضة
وقد تأول بن عَبَّاسٍ الْآيَةَ فِي الْأَمَةِ يَشْتَرِيهَا وَلَهَا زَوْجٌ فَقَالَ بَيْعُهَا طَلَاقُهَا وَلِلْمُشْتَرِي اتِّخَاذُهَا لِنَفْسِهِ وَهُوَ خِلَافُ أَقَاوِيلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ
انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢١٥٦] (فَرَأَى امْرَأَةً مُجِحًّا) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَجِيمٍ مَكْسُورَةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ حَامِلٌ تَقْرُبُ وِلَادَتُهَا (أَلَمَّ بِهَا) أَيْ جَامَعَهَا وَالْإِلْمَامُ مِنْ كِنَايَاتِ الْوَطْءِ (لَقَدْ هَمَمْتُ) أَيْ عَزَمْتُ وَقَصَدْتُ (أَنْ أَلْعَنَهُ) أَيْ أَدْعُوَ عَلَيْهِ بَالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ (لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ) أَيْ يَسْتَمِرُّ إِلَى مَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنَّمَا هَمَّ بِلَعْنِهِ لِأَنَّهُ إِذَا أَلَمَّ بِأَمَتِهِ الَّتِي يَمْلِكُهَا وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ تَارِكًا لِلِاسْتِبْرَاءِ وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ (كَيْفَ يُوَرِّثُهُ) أَيِ الْوَلَدُ (وَهُوَ) أَيْ تَوْرِيثُهُ (وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ) أَيِ الْوَلَدُ (وَهُوَ) أَيِ اسْتِخْدَامُهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ إِلَخْ أَنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ وِلَادَتُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْ هَذَا السَّابِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ قَبْلَهُ فَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِنَ السَّابِي يَكُونُ وَلَدًا لَهُ وَيَتَوَارَثَانِ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ السَّابِي لَا يَتَوَارَثَانِ هُوَ وَالسَّابِي لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ بَلْ لَهُ اسْتِخْدَامُهُ لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَلْحِقُهُ وَيَجْعَلُهُ ابْنًا لَهُ وَيُوَرِّثُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَوْرِيثُهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهُ وَلَا يَحِلُّ تَوَارُثُهُ وَمُزَاحَمَتُهُ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ وَقَدْ يَسْتَخْدِمُهُ اسْتِخْدَامَ الْعَبِيدِ وَيَجْعَلُهُ عَبْدًا يَتَمَلَّكُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْهُ إِذَا وَضَعَتْهُ لِمُدَّةٍ مُحْتَمِلَةٍ كَوْنَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَالصَّوَاب الْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَهَا حَامِلًا صَارَ فِي الْحَمْل جُزْء مِنْهُ
فَإِنَّ الْوَطْء يَزِيد فِي تَخْلِيقه وَهُوَ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ عَبْد لَهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَنْ يَسْتَعْبِدهُ وَيَجْعَلهُ كَالْمَالِ الْمَوْرُوث عَنْهُ فَيُوَرِّثهُ أَيْ يَجْعَلهُ مَالًا مَوْرُوثًا عَنْهُ
وَقَدْ صَارَ فِيهِ جُزْء مِنْ الْأَب
قَالَ الْإِمَام أَحْمَد الْوَطْء يَزِيد فِي سَمْعه وَبَصَره
وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيّ ﷺ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْله لَا يَحِلّ لِرَجُلٍ أَنْ يَسْقِي مَاءَهُ زَرْع غَيْره وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَاء الَّذِي يُسْقَى بِهِ الزَّرْع يَزِيد فِيهِ وَيَتَكَوَّن الزَّرْع مِنْهُ وَقَدْ شَبَّهَ وَطْء الْحَامِل بِسَاقِي الزَّرْع الْمَاء وَقَدْ جَعَلَ اللَّه ﵎ مَحِلّ الْوَطْء حَرْثًا وَشَبَّهَ النَّبِيّ ﷺ الْحَمْل بِالزَّرْعِ وَوَطْء الْحَامِل بِسَقْيِ الزَّرْع
وَهَذَا دَلِيل ظَاهِر جِدًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز نِكَاح الزَّانِيَة حَتَّى تَعْلَم بَرَاءَة رَحِمهَا إِمَّا بِثَلَاثِ حِيَض أَوْ بِحَيْضَةٍ وَالْحَيْضَة أَقْوَى لِأَنَّ الماء الذي من الزنى وَالْحَمْل وَإِنْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَة فَلِمَاءِ الزَّوْج حرمة وهو
стр. 1891
مِنْهُمَا
فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ وَطْئِهَا خَوْفًا مِنْ هَذَا الْمَحْظُورِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ
[٢١٥٧] (لَا تُوطَأُ) بِهَمْزٍ فِي آخِرِهِ أَيْ لَا تُجَامَعُ (وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ) أَيْ وَلَا تُوطَأُ حَائِلٌ (حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً) بَالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ وَقَوْلُهُ لَا تُوطَأُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ لَا تُجَامِعُوا مَسْبِيَّةً حَامِلًا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَلَا حَائِلًا ذَاتَ إِقْرَاءٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كَامِلَةً وَلَوْ مَلَكَهَا وَهِيَ حَائِضٌ لا تعتد بتلك الحيضة حتى تستبرىء بِحَيْضَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ لِصِغَرِهَا أَوْ كِبَرِهَا فَاسْتِبْرَاؤُهَا يَحْصُلُ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِحْدَاثَ الْمِلْكِ يُوجِبُ الِاسْتِبْرَاءَ وَبِظَاهِرِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ
كَذَا قَالَ القارىء نَقْلًا عَنْ مَيْرَكٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ شَرِيكٌ الْقَاضِي
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ
[٢١٥٨] (قَامَ) أَيْ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ (أَنْ يَسْقِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يُدْخِلَ (مَاءَهُ) أَيْ نُطْفَتَهُ (زَرْعَ غَيْرِهِ) أَيْ مَحَلَّ زَرْعٍ لِغَيْرِهِ (يَعْنِي) هَذَا قَوْلُ رُوَيْفِعٍ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْكَلَامِ (إِتْيَانَ الْحَبَالَى) أَيْ جِمَاعَهُنَّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ شَبَّهَ ﷺ الْوَلَدَ إِذَا عَلِقَ بَالرَّحِمِ بَالزَّرْعِ إِذَا نَبَتَ وَرَسَخَ فِي الْأَرْضِ وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ وَطْءِ الْحَبَالَى إِذَا كَانَ الْحَبَلُ مِنْ غير الواطىء عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَنْفِي عَنْهُ مَا قَدْ يَكُون مِنْ مَائِهِ وَوَطْئِهِ
وَقَدْ صَارَ فِيهِ جُزْء مِنْهُ كَمَا لَا يَحِلّ لواطىء الْمَسْبِيَّة الْحَامِل ذَلِكَ وَلَا فَرْق بَيْنهمَا
فَلِهَذَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنْهُ إِنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ الْأَمَة وَأَحْبَلَهَا ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا أَنَّهُ إِنْ وَطِئَهَا صَارَتْ أُمّ وَلَد لَهُ تُعْتَق بِمَوْتِهِ لِأَنَّ الْوَلَد قَدْ يَلْحَق من مائه الأول والثاني والله أعلم
стр. 1892
(أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ) أَيْ يُجَامِعُهَا (حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) أَيْ بِحَيْضَةٍ أَوْ بِشَهْرٍ (أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا) أَيْ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ (حَتَّى يَقْسِمَ) أَيْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَيُخْرِجُ مِنْهُ الْخُمُسَ
[٢١٥٩] (زَادَ) أَيْ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ (بِحَيْضَةٍ) أَيْ لَفْظَ بِحَيْضَةٍ (وَهُوَ) أَيْ زِيَادَةُ بِحَيْضَةٍ (وَهْمٌ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَهُوَ) أَيْ زِيَادَةُ بِحَيْضَةٍ (صَحِيحٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ) الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرَ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً (فَلَا يَرْكَبُ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ غَنِيمَتِهِمُ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا) أَيْ أَضْعَفَهَا (رَدَّهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْفَيْءِ بِمَعْنَى الْمَغْنَمِ
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الرُّكُوبَ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى الْعَجَفِ فَلَا بَأْسَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (فَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُلْجِئَةٍ (حَتَّى إِذَا أَخَلَقَهُ) بَالْقَافِ أَيْ أَبْلَاهُ (رَدَّهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْفَيْءِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٦ - بَاب فِي جَامِعِ النِّكَاحِ [٢١٦٠] (أو اشترى خادما) أي جارية أو رفيقا وَهُوَ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فَيَكُونُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ فيما
стр. 1893
سَيَأْتِي بَاعْتِبَارِ النَّسَمَةِ أَوِ النَّفْسِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا) أَيْ خَيْرَ ذَاتِهَا (وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ) أَيْ خَلَقْتَهَا وَطَبَعْتَهَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْبَهِيَّةِ (فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ) بِكَسْرِ الذَّالِ وَيُضَمُّ وَيُفْتَحُ أَيْ بِأَعْلَاهُ (زَادَ أَبُو سَعِيدٍ) هِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ (ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا) وَهِيَ الشَّعْرُ الْكَائِنُ فِي مُقَدَّمِ الرأس
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
[٢١٦١] (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ) أَيْ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ وَلَوْ هَذِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي عَلَى حَدِّ فَلَوْ أَنَّ لنا كرة وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ تَمَنَّى لَهُمْ ذَلِكَ الْخَيْرَ يَفْعَلُونَهُ لِتَحْصُلَ لَهُمُ السَّعَادَةُ وَحِينَئِذٍ فَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ هَلْ يَحْتَاجُ إلى جواب أو لا وبالثاني قال بن الصائغ وبن هِشَامٍ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ لَسَلِمَ مِنَ الشَّيْطَانِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (قَالَ بِسْمِ اللَّهِ) أَيْ مُسْتَعِينًا بَاللَّهِ وَبِذِكْرِ اسْمِهِ (اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) أَيْ بَعِّدْنَا (وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) أَيْ حِينَئِذٍ مِنَ الْوَلَدِ وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِجَنِّبْ وَأَطْلَقَ مَا عَلَى مَنْ يَعْقِلُ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى شَيْءٍ كَقَوْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بما وضعت (ثُمَّ قُدِّرَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ثُمَّ إِنْ قُدِّرَ (أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ) أَيِ الْإِتْيَانِ (لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا) اخْتُلِفَ فِي الضَّرَرِ الْمَنْفِيِّ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ فِي أَنْوَاعِ الضَّرَرِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْحَمْلِ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ من صيغة النفي مع التأييد وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ كل بن آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي بَطْنِهِ حِينَ يُولَدُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّ هَذَا الطَّعْنَ نَوْعُ ضَرَرٍ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ صُرَاخِهِ فَقِيلَ الْمَعْنَى لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ مِنْ أَجَلِ بَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادِ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لك عليهم سلطان
وَقِيلَ الْمُرَادُ لَمْ يَصْرَعْهُ وَقِيلَ لَمْ يَضُرُّهُ في بدنه
وقال بن
стр. 1894
دَقِيقِ الْعِيدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَضُرَّهُ فِي دِينِهِ أَيْضًا وَلَكِنْ يُبْعِدُهُ انْتِفَاءُ الْعِصْمَةِ
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اخْتِصَاصَ مَنْ خُصَّ بَالْعِصْمَةِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا بِطَرِيقِ الْجَوَازِ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُوجَدَ مَنْ لَا يُصْدَرُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ عَمْدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُ
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَى لَمْ يَضُرُّهُ أَيْ لَمْ يَفْتِنْهُ عَنْ دِينِهِ إِلَى الْكُفْرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ عِصْمَتَهُ مِنْهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٢١٦٢] (مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ امْرَأَتَهُ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتِ الْأُمَّةُ إِلَّا الْقَلِيلَ لِلْحَدِيثِ هَذَا وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ إِلَّا لِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَلَمْ يُحِلَّ تَعَالَى إِلَّا الْقُبُلَ كَمَا دَلَّ له قوله فأتوا حرثكم أنى شئتم وقوله فأتوهن من حيث أمركم الله فَأَبَاحَ مَوْضِعَ الْحَرْثِ وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْحَرْثِ نَبَاتُ الزَّرْعِ فَكَذَلِكَ النِّسَاءُ الْغَرَضُ مِنْ إِتْيَانِهِنَّ هُوَ طَلَبُ النَّسْلِ لَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْقُبُلِ فَيَحْرُمُ مَا عَدَا مَوْضِعَ الْحَرْثِ وَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْمُشَابَهَةِ فِي كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلزَّرْعِ
وَأَمَّا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَاب وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَاب أَحَادِيث أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَنَحْنُ نَذْكُرهَا
الْأَوَّل عَنْ خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول إِنَّ اللَّه لَا يستحي مِنْ الْحَقّ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أَدْبَارهنَّ
الثَّانِي عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ الرَّجُل يَأْتِي اِمْرَأَة فِي دُبُرهَا قَالَ تَلِك اللُّوطِيَّة الصُّغْرَى رَفَعَهُ هَمَّام عَنْ قَتَادَة عَنْ عَمْرو وَوَقَفَهُ سُفْيَان عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَج عَنْ عَمْرو وَتَابَعَهُ مَطَر الْوَرَّاق عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب مَوْقُوفًا
الثالث عن كريب عن بن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا يَنْظُر اللَّه إِلَى رَجُل أَتَى رَجُلًا أَوْ اِمْرَأَة فِي دُبُرهَا
هَذَا حَدِيث اُخْتُلِفَ فِيهِ فَرَوَاهُ الضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ مخرمة بن سليمان عن كريب عن بن عَبَّاس وَرَوَاهُ وَكِيع عَنْ الضَّحَّاك مَوْقُوفًا وَرَوَاهُ أَبُو خَالِد عَنْهُ مَرْفُوعًا وَصَحَّحَ الْبُسْتِيّ رَفْعه وأبو خالد هو الأحمر
الرابع عن بن الْهَاد عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أَدْبَارهنَّ
стр. 1895
مَحَلُّ الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجَ
وَذَهَبَتِ الْإِمَامِيَّةُ إِلَى جَوَازِ إِتْيَانِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ بَلْ وَالْمَمْلُوكِ فِي الدُّبُرِ
وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَصِحَّ فِي تَحْلِيلِهِ وَلَا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ حَلَالٌ وَلَكِنْ قَالَ الرَّبِيعُ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِحِلِّهِ فِي الْقَدِيمِ
وَفِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا أُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ أَنْهَى عَنْهُ وَقَالَ إِنَّ مَنْ نَقَلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ إِبَاحَتَهُ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِمْ أَفْحَشَ الْغَلَطِ وَأَقْبَحَهُ وَإِنَّمَا الَّذِي أَبَاحُوهُ أَنْ يَكُونَ الدُّبُرُ طَرِيقًا إِلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فَيَطَأُ مِنَ الدُّبُرِ لَا فِي الدُّبُرِ فَاشْتَبَهَ عَلَى السَّامِعِ انتهى
كذا في
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْخَامِس حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ
وَلَهُ عَنْ النَّبِيّ ﷺ لَا يَنْظُر اللَّه إِلَى رَجُل أَتَى اِمْرَأَة فِي دُبُرهَا
السَّادِس عَنْ عَلِيّ بْن طَلْق قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَكُون فِي الْبَادِيَة فَيَكُون مِنْ أَحَدنَا الرُّوَيْحَة فقال إن الله لا يستحي مِنْ الْحَقّ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أَعْجَازهنَّ
السابع عن بن عَبَّاس قَالَ جَاءَ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَلَكْت قَالَ وَمَا الَّذِي أَهْلَكَك قَالَ حَوَّلْت رَحْلِي اللَّيْلَة فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا
فَأَوْحَى اللَّه إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ هَذِهِ الْآيَة (نِسَاؤُكُمْ حَرْث لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) يَقُول أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُر وَالْحَيْضَة
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَاكِم وَتَفْسِير الصَّحَابِيّ فِي حُكْم الْمَرْفُوع
الثَّامِن عَنْ أَبِي تَمِيمَة الْهُجَيْمِيّ عَنْ أبي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ مَنْ أَتَى حَائِضًا
أَوْ اِمْرَأَة فِي دُبُرهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّد ﷺ
ثم ذكر أبو داود تفسير بن عَبَّاس لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى (فَأْتُوا حَرْثكُمْ)
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين وَهَذَا الَّذِي فَسَّرَ به بن عباس فسر به بن عُمَر
وَإِنَّمَا وَهِمُوا عَلَيْهِ لَمْ يَهِم هُوَ
فَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي النَّصْر أَنَّهُ قَالَ لِنَافِعٍ قَدْ أَكْثَر عَلَيْك الْقَوْل أَنَّك تَقُول عن بن عُمَر إِنَّهُ أَفْتَى بِأَنْ يُؤْتَى النِّسَاء فِي أَدْبَارهنَّ
قَالَ نَافِع لَقَدْ كَذَبُوا عَلَيَّ وَلَكِنْ سأخبرك كيف كان الأمر إن بن عُمَر عَرَضَ الْمُصْحَف يَوْمًا وَأَنَا عِنْده حَتَّى بَلَغَ (نِسَاؤُكُمْ حَرْث لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) قَالَ يَا نَافِع هَلْ تَعْلَم مَا أَمْر هَذِهِ الْآيَة إِنَّا كُنَّا مَعْشَر قُرَيْش نَجْبِي النِّسَاء فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَة وَنَكَحْنَا نِسَاء الْأَنْصَار أَرَدْنَا مِنْهُنَّ مِثْل مَا كُنَّا نُرِيد مِنْ نِسَائِنَا فَإِذَا هُنَّ قَدْ كَرِهْنَ ذَلِكَ وَأَعْظَمْنَهُ وَكَانَتْ نِسَاء الْأَنْصَار إِنَّمَا يُؤْتَيْنَ عَلَى جنوبهن فأنزل الله عزوجل (نِسَاؤُكُمْ حَرْث لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)
فهذا هو الثابت عن بن عُمَر وَلَمْ يُفْهَم عَنْهُ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ غَيْر ذَلِكَ
وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم قَالَ قُلْت لِمَالِك إِنَّ عِنْدنَا
следующие страницы →