Полный текст (4 665 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي نَوْبَةِ ضَرَّتِهَا مَمْنُوعٌ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ جَزَمَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْوُجُوبُ
قَالَ الْحَافِظُ وَيَحْتَاجُ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ
فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ كَمَا اسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِسْمَةَ
وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ إِقْبَالِهِ مِنْ سَفَرٍ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرُ بِمَنْ يَخْرُجُ سَهْمُهَا فَإِذَا انْصَرَفَ اسْتَأْنَفَ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَقَعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ تُرِكَ بَعْدَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ وَالْحِكْمَةُ فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ ذلك الكثير الطيب ومن نم فَضْلُ بَعْضِهِمْ (بَعْضِهِنَّ) عَلَى الْبَاقِيَاتِ
٦ - (بَاب الْوُضُوءِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ)
[٢١٩] (أَيْ) فِي الْجِمَاعِ
(يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ) بَعْدَ الْمُعَاوَدَةِ على حدة على حدة
(قال) أبو رافع (يارسول الله ألا تجعله غسلا واحدا) وأن لا تَكْتَفِيَ عَلَى الْغُسْلِ الْوَاحِدِ فِي آخِرِ الْجِمَاعِ (قَالَ هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ) وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْمُعَاوَدَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ
قَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ اخْتِلَافٌ بَلْ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا وَذَلِكَ أُخْرَى
انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالَّذِي قَالَاهُ هُوَ حَسَنٌ جِدًّا وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَمَرَّةً تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ وَمَرَّةً فَعَلَهُ لِكَوْنِهِ أَزْكَى وَأَطْهَرَ (حَدِيثُ أَنَسٍ) الْمُتَقَدِّمُ (أَصَحُّ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ وَرُوَاةُ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لَيْسُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ هَذَا لَيْسَ بِطَعْنٍ فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِ الصِّحَّةَ عَنْهُ وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْغُسْلَ يَشْمَلُ الْوُضُوءَ أَيْضًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه النسائي وبن ماجه
стр. 247
[٢٢٠] (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ) أَيْ جَامَعَهَا (ثُمَّ بداله) أَيْ ظَهَرَ لَهُ (أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءًا) ورواه أحمد وبن خزيمة وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي اخْتَلَفُوا فِي الْوُضُوءِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُسْتَحَبُّ
وقال الجمهور يستحب وقال بن حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَجِبُ
وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحديث وأشار بن خُزَيْمَةَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَمَلَهُ عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ فَقَالَ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلُ الفرج ثم رده بن خزيمة بما رواه من طريق بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَظُنُّ الْمُشَارَ هو إسحاق بن راهويه فقد نقل بن الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الفرج إذا أراد العود ثم استدل بن خُزَيْمَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ لِلنَّدْبِ لَا لِلْوُجُوبِ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عاصم في هذا الحديث كرواية بن عُيَيْنَةَ وَزَادَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِرْشَادِ أَوْ لِلنَّدْبِ
وَيَدُلُّ أَيْضًا أَنَّهُ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُجَامِعُ ثُمَّ يَعُودُ وَلَا يَتَوَضَّأُ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
٧ - (بَابُ الْجُنُبِ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ)
[٢٢١] (أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي تُصِيبُهُ لِابْنِ عُمَرَ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رواية النسائي من طريق بن عون عن نافع قال أصاب بن عُمَرَ جَنَابَةٌ فَأَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِيَتَوَضَّأْ وَلْيَرْقُدْ (مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ فِي الليل كقوله تعالى من يوم الجمعة أَيْ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ
أَيِ ابْتِدَاءُ إِصَابَةِ الْجَنَابَةِ اللَّيْلُ (توضأ) يحتمل أن يكون بن عمر كان
стр. 248
حَاضِرًا فَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِطَابَ لِعُمَرَ فِي غَيْبَةِ ابْنِهِ جَوَابًا لِاسْتِفْتَائِهِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ إِلَى ابْنِهِ لِأَنَّ اسْتِفْتَاءَ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ ابْنِهِ
ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ (وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أَيِ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ عَنْ مَالِكٍ اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ وَلِذَا قال بن عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَرَادَ اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ
وَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ بِتَقْدِيمِ غَسْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ
قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ إِذِ الْجَنَابَةُ أَشَدُّ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ
وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ أَنَّ غَسْلَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُضُوءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمَسَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بأن مسه ينقض (ثم نم) قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ جَاءَ الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَجَاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بن أسماء عن نافع عن بن عُمَرَ قَالَ اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ نَعَمْ يَنَامُ إِذَا تَوَضَّأَ وَهُوَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قال بوجوبه
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِهِ وَفِيهِ شُذُوذٌ
وقال بن الْعَرَبِيِّ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ
وَاسْتَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا النَّقْلَ وَقَالَ لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوبِهِ وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُمَا وُجُوبُهُ وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٨ - (بَاب الْجُنُبِ يَأْكُلُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ)
[٢٢٢] (تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْأَكْلِ لِلْجُنُبِ الَّذِي بَوَّبَ لَهُ لَكِنْ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي فِيهِ ذِكْرُهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ اخْتِصَارٌ
стр. 249
[٢٢٣] (عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ) الْمَذْكُورِ قَبْلَ هَذَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا لَا بِلَفْظِهِ (زَادَ) أَيْ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ قِصَّتَيْنِ قِصَّةُ الْأَكْلِ وَقِصَّةُ النَّوْمِ (مقصورا) أي اقتصر بن وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى ذِكْرِ أَكْلِ الْجُنُبِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ النَّوْمِ (صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ضَعِيفٌ يُعْتَبَرُ به (كما قال بن الْمُبَارَكِ) بِذِكْرِ الْقِصَّتَيْنِ (عَنْ عُرْوَةَ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ) بِالشَّكِّ فِي الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ (وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يُونُسَ) أَيْ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ بِذِكْرِ قِصَّةِ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ مَعًا
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ مِنْ غَيْرِ التَّوَضِّي وَالِاغْتِسَالِ وَالْبَابُ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّوَضِّي فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٩ - (بَاب مَنْ قال الجنب يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ)
[٢٢٤] أَوْ يَنَامُ
(تَوَضَّأَ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ (تَعْنِي) عَائِشَةُ (وَهُوَ جُنُبٌ) أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ وَهُوَ جُنُبٌ وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِأَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَسَّرَ بِهِ لِلْإِيضَاحِ
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن ماجه
стр. 250
[٢٢٥] (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ (أَنْ يَتَوَضَّأَ) وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ لِأَنَّ الْعَظِيمَةَ (الْعَزِيمَةَ) أَفْضَلُ مِنَ الرُّخْصَةِ
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ الْوُضُوءِ لِإِرَادَةِ النَّوْمِ وَالْوُضُوءِ لِإِرَادَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالْمُعَاوَدَةِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعِنْدَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَبِحَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ كَانَ تَارَةً يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ وَتَارَةً يَقْتَصِرُ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ لَكِنَّ هَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ خَاصَّةً وَأَمَّا فِي النَّوْمِ وَالْمُعَاوَدَةِ فَهُوَ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لِلْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ فِيهَا بِأَنَّهُ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ
انْتَهَى (بَيْنَ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ) وَمُفَادُ كَلَامِهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَاسِطَةٌ فَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ عَمَّارٍ وفيه وضوءه للصلاة
([٢٢٦] بَابُ الْجُنُبِ يُؤَخِّرُ الْغُسْلَ)
هَلْ عَلَيْهِ مِنْ الإثم
(حَدَّثَنَا بُرْدٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ (عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ) بِالتَّصْغِيرِ (يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ فِي آخِرِهِ) أَيْ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جُنُبًا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَيَغْتَسِلُ عَلَى الْفَوْرِ أم
стр. 251
كَانَ يُؤَخِّرُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ (وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ لَيْلًا عَلَى الْفَوْرِ بَلْ لَهُ أَنْ يَنَامَ وَيَغْتَسِلَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ (قُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ (فِي الْأَمْرِ) فِي أَمْرِ الشَّرْعِ أَوْ فِي هَذَا الْأَمْرِ (سَعَةً) بِفَتْحِ السِّينِ
وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ ﵎ جعل في الاغتسال وسعة بِأَنْ يَغْتَسِلَ مَتَى شَاءَ مِنَ اللَّيْلِ وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ فِيهِ بِأَنْ يَغْتَسِلَ عَلَى الْفَوْرِ (وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ) وَأَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ ثُمَّ لِيَرْقُدْ وَمَنْ وَثِقَ بِقِيامِنْ (بِقِيَامٍ) آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ وَيَجِيءُ بَحْثُهُ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى (أَوْ يُخْفِتُ بِهِ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا أَوْ يُخَافِتُ بِهِ وكذا في بن مَاجَهْ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ خَفَتَ الصَّوْتُ خُفُوتًا سَكَنَ
وَلِهَذَا قِيلَ لِلْمَيِّتِ خَفَتَ إِذَا انْقَطَعَ كَلَامُهُ
وَسَكَتَ فَهُوَ خَافِتٌ وَخَفَتَ خُفَاتًا أَيْ مَاتَ فجأة والمخافة والتخافت أسرار المنطلق وَالْخَفْتُ مِثْلُهُ
انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ خَافَتَ بِقِرَاءَتِهِ مُخَافَتَةً إِذَا لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِهَا (رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ يُسِرُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي مقتصرا على الفصل الأول وبن مَاجَهْ مُقْتَصِرًا عَلَى الْفَصْلِ الْأَخِيرِ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٢٢٧] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ) بِالتَّصْغِيرِ (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ) قَالَ
стр. 252
الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ يُرِيدُ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الْحَفَظَةُ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْجُنُبَ وَغَيْرَ الْجُنُبِ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْجُنُبِ ها هنا مَنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَأَخَّرَ الِاغْتِسَالَ إِلَى حُضُورِ الصَّلَاةِ وَلَكِنِ الَّذِي يُجْنِبُ فَلَا يَغْتَسِلُ وَيَتَهَاوَنُ بِهِ وَيَتَّخِذُ تَرْكَهُ عَادَةً وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ وَفِي هَذَا تَأْخِيرُ الِاغْتِسَالِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً
وَأَمَّا الْكَلْبُ فَهُوَ أَنْ يَقْتَنِيَ كَلْبًا لَيْسَ لِزَرْعٍ أَوْ لِضَرْعٍ أَوْ لِصَيْدٍ فَأَمَّا إِذْ يَرْبُطُهُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ لِحِرَاسَةِ دَارِهِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الصُّورَةُ فَهِيَ كُلُّ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ كَانَتْ لَهُ أَشْخَاصٌ مُنْتَصِبَةٌ أَوْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً فِي سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ مَصْنُوعَةً فِي نَمَطٍ أَوْ مَنْسُوجَةً فِي ثَوْبٍ أَوْ مَا كَانَ فَإِنَّ قَضِيَّةَ الْعُمُومِ تَأْتِي عَلَيْهِ فليجتنب
انتهى كلامه بحروفه
قال الحافظ بن حَجَرٍ يَحْتَمِلُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُنُبِ مَنْ يَتَهَاوَنُ بِالِاغْتِسَالِ وَيَتَّخِذُ تَرْكَهُ عَادَةً لَا مَنْ يُؤَخِّرُهُ لِيَفْعَلَهُ قَالَ وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلْبِ غَيْرُ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ وَبِالصُّورَةِ مَا فِيهِ رُوحٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الْكَلْبِ نَظَرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجُنُبِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مَنْ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ كُلُّهُ وَلَا بَعْضُهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ ارْتَفَعَ بَعْضُ حَدَثِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ حَيْثُ قَالَ بَابُ كَيْنُونَةِ الْجُنُبِ فِي الْبَيْتِ إِذَا تَوَضَّأَ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ إِذَا تَوَضَّأَ وَأَوْرَدَ النَّسَائِيُّ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا فِي بَابِ الْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ فَظَهَرَ مِنْ تَبْوِيبِهِ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي
وَالَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن ماجه وليس في حديث بن مَاجَهْ وَلَا جُنُبٌ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ نَظَرٌ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ انْتَهَى
[٢٢٨] (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً) أَيْ لَا يَغْتَسِلُ بِهِ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ إِنْ صَحَّ هذا الحديث
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الْحَافِظ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ قَالَ أبو محمد بن حزم نظرنا في حديث أَبِي إِسْحَاقَ فَوَجَدْنَاهُ ثَابِتًا صَحِيحًا تَقُوم بِهِ الْحُجَّة
ثُمَّ قَالَ وَقَدْ قَالَ قَوْم إِنَّ زُهَيْرَ بْنَ مُعَاوِيَةَ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الْخَبَر فَقَالَ فِيهِ وَإِنْ نَامَ جُنُبًا توضأ وضوء
стр. 253
لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا جَوَابُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَمَسُّ مَاءً لِلْغُسْلِ وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا يَمَسُّ مَاءً أَصْلًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتُوُهِّمَ وُجُوبُهُ
انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ هَارُونَ هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَذَكَرْتُ الْحَدِيثَ يَوْمًا
يَعْنِي حديث أبي إسحاق فقال لي إسماعيل يافتى تَشُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِشَيْءٍ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَمَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ رِوَايَةَ أَبِي إِسْحَاقَ على أنه كان لا يمس ماءا لِلْغُسْلِ (يَقُولُ هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ) وَقَالَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الرَّجُل لِلصَّلَاةِ قَالَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سُفْيَانَ اِخْتَصَرَهُ أَوْ وَهِمَ فِيهِ
وَمُدَّعِي هَذَا الخطأ والاختصار في هذا الحديث هو المخطىء بَلْ نَقُول إِنَّ رِوَايَة زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ صَحِيحَة
وَرِوَايَة الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ صَحِيحَة
وَلَمْ تَكُنْ لَيْلَة وَاحِدَة فَتُحْمَل رِوَايَتهمْ عَلَى التَّضَادّ بَلْ كَانَ يَفْعَل مرة هذا ومرة هذا
قال بن مُعَوِّذٍ وَهَذَا كُلّه تَصْحِيحٌ لِلْخَطَأِ الْفَاسِد بِالْخَطَأِ الْبَيِّن
أَمَّا حَدِيث أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيِّ وَغَيْره فَأَجْمَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَمَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ أَنَّهُ خَطَأ مُنْذُ زَمَان أَبِي إِسْحَاقَ إِلَى الْيَوْم وَعَلَى ذَلِكَ تَلْقَوْهُ مِنْهُ وَحَمَلُوهُ عَنْهُ وَهُوَ أَوَّل حَدِيث أَوْ ثَانٍ مِمَّا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَاب التَّمْيِيز لَهُ مِمَّا حَمَلَ مِنْ الْحَدِيث عَلَى الْخَطَأ
وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ وَأَيْنَ يَقَع أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ أَحَدهمَا فَكَيْف بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى مُخَالَفَته رَوَيَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رسول الله ﷺ إذا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَنَام تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَحُكْم الْأَئِمَّة بِرِوَايَةِ هَذَيْنَ الْفَقِيهَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ عَنْ الْأَسْوَد عَلَى رِوَايَة أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ إِنَّهُ كَانَ يَنَام وَلَا يَمَسّ مَاء ثُمَّ عَضَّدُوا ذَلِكَ بِرِوَايَةِ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ عَنْ عَائِشَةَ وَبِفَتْوَى رَسُول اللَّه ﷺ عُمَرَ بِذَلِكَ حِين اِسْتَفْتَاهُ
وَبَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفُقَهَاء الَّذِينَ لَا يَعْتَبِرُونَ الْأَسَانِيد وَلَا يَنْظُرُونَ الطُّرُق يَجْمَعُونَ بَيْنهمَا بِالتَّأْوِيلِ فَيَقُولُونَ لَا يَمَسّ مَاء لِلْغُسْلِ
وَلَا يَصِحّ هَذَا
وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ وَحُفَّاظهمْ عَلَى مَا أَعْلَمْتُك
وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى رِوَايَة زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ فِيهِ وَإِنْ نَامَ جُنُبًا تَوَضَّأَ وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا اِدَّعَوْا فِيهِ الْخَطَأ وَالِاخْتِصَار ثُمَّ صَحَّحَهُ هُوَ فَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيَّ فَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ الَّذِي اِدَّعَى فِيهِ الِاخْتِصَار
وَرِوَايَته خَطَأ وَدَعْوَاهُ سَهْو وَغَفْلَة
وَرِوَايَة زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَرِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَغَيْره عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَحَدِيث زُهَيْرٍ أَتَمّ سِيَاقه
وَقَدْ رَوَى مسلم الحديث بكماله في
стр. 254
التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَالَ شَارِحُهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ تَفْسِيرُ غَلَطِ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ ها هنا مُخْتَصَرًا اقْتَطَعَهُ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فَأَخْطَأَ فِي اخْتِصَارِهِ إِيَّاهُ
١ - (بَاب فِي الْجُنُبِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ)
[٢٢٩] أَيْ هَلْ يَقْرَأُ فَثَبَتَ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَدَمُ جَوَازِهَا
(دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ (أَنَا وَرَجُلَانِ رَجُلٌ مِنَّا) أَيْ مِنْ مُرَادٍ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنِ الْيَمَنِ (وَرَجُلٌ مِنْ بني أسد) وأسد أبو قبيلة من مصر (أَحْسَبُ) أَيْ أَحْسَبُ كَوْنَ رَجُلٍ مِنَّا وَالْآخَرِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَلَا أَتَيَقَّنُ بِهِ (فَبَعَثَهُمَا عَلِيٌّ وَجْهًا) الْوَجْهُ وَالْجِهَةُ بِمَعْنًى كَذَا فِي الصِّحَاحِ
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْوَجْهُ مَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ عَمَلٍ وَغَيْرِهِ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى بَعَثَهُمَا عَامِلًا أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْمُدُنِ أَوِ الْقُرَى (وَقَالَ إِنَّكُمَا عَلْجَانِ) تَثْنِيَةُ عَلْجٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِثْلَ ثَلَاثِ لُغَاتٍ فِي كَتِفٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ الشِّدَّةَ وَالْقُوَّةَ عَلَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
كِتَاب الصَّلَاة وَقَالَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَأَسْقَطَ مِنْهُ وَهْم أَبِي إِسْحَاقَ
وَهُوَ قَوْله ثُمَّ يَنَام قَبْل أَنْ يَمَسّ مَاء فَأَخْطَأَ فِيهِ بَعْض النَّقَلَة فَقَالَ وإن نام جنبا توضأ للصلاة فعمد بن حَزْمٍ إِلَى هَذَا الْخَطَأ الْحَادِث عَلَى زُهَيْرٍ فَصَحَّحَهُ وَقَدْ كَانَ صَحَّحَ خَطَأ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَدِيم فَصَحَّحَ خَطَأَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ وَجَمَعَ بَيْن غَلَطَيْنِ مُتَنَافِرَيْنِ تَمَّ كَلَامه
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحُفَّاظُ طَعَنُوا فِي هَذِهِ اللَّفْظَة وَتَوَهَّمُوهَا مَأْخُوذَة عَنْ غَيْر الْأَسْوَد وَأَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ رُبَّمَا دَلَّسَ فَرَوَاهَا مِنْ تَدْلِيسَاته بِدَلِيلِ رِوَايَة إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَام وَهُوَ جُنُب تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَنَام رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ وَحَدِيث أَبِي إِسْحَاقَ صَحِيح مِنْ جِهَة الرِّوَايَة فَإِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ بَيَّنَ فِيهِ سَمَاعه مِنْ الْأَسْوَدِ وَالْمُدَلِّسُ إِذَا بَيَّنَ سَمَاعه وَكَانَ ثِقَة فَلَا وَجْه لِرَدِّهِ
تَمَّ كَلَامه
وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ أَئِمَّة الْحَدِيث الْكِبَار مِثْل يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرهمْ مِنْ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهْم وَغَلَط
وَاللَّهُ أَعْلَم
стр. 255
الْعَمَلِ يُقَالُ رَجُلٌ عِلْجٌ إِذَا كَانَ قَوِيَّ الْخِلْقَةِ
وَفِي النِّهَايَةِ الْعِلْجُ الْقَوِيُّ الضَّخْمُ (فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ جَاهِدَا أَوْ جالدا انتهى
وقال بن الْأَثِيرِ أَيْ مَارِسَا الْعَمَلَ الَّذِي نَدَبْتُكُمَا إِلَيْهِ وَاعْمَلَا بِهِ (ثُمَّ قَامَ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَائِرُ النُّسَخِ خَالٍ عَنْهَا (فَدَخَلَ الْمَخْرَجَ) هُوَ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَتَمَسَّحَ بِهَا) أَيْ بِحَفْنَةٍ مِنَ الْمَاءِ أَيْ غَسَلَ بِهَا بَعْضَ أَعْضَائِهِ
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ الْمَغْسُولُ هُوَ الْيَدَانِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَفِيهَا فَغَسَلَ كَفَّيْهِ (ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَضَّأَ (فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ) الْفِعْلَ عَلَيْهِ فَأَجَابَ عَنِ اسْتِعْجَالِهِمْ (فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ) مِنَ الْإِقْرَاءِ أَيْ يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ (وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ) أَيْ لَا يَمْنَعُهُ (أَوْ قَالَ يَحْجِزُهُ) وَهَذَا شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَمَعْنَاهُ أَيْضًا لَا يَمْنَعُ
وَلَعَلَّ ضَمَّ أَكْلِ اللَّحْمِ مَعَ الْقِرَاءَةِ لِلْإِشْعَارِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ مَضْمَضَةٍ (عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ) فَاعِلُ يَحْجِزُ (لَيْسَ الْجَنَابَةَ) بِالنَّصْبِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ غَيْرَ الْجَنَابَةِ وَحَرْفُ ليس لها ثلاثة معاني أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَهُوَ يَرْفَعُ الِاسْمَ وَيَنْصِبُ الْخَبَرَ كَقَوْلِكَ لَيْسَ عَبْدُ اللَّهِ غَافِلًا وَيَكُونُ بِمَعْنَى لَا كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ عَبْدَ الله ليس زيدا ينصب زَيْدٍ كَمَا يَنْصِبُ بِلَا وَيَكُونُ بِمَعْنَى غَيْرِ كَقَوْلِكَ مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْ عَمْرٍو لَيْسَ زَيْدٍ وَهُوَ يَجُرُّ مَا بَعْدَهُ انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ أَنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ
وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ كَانَ عَبْدُ الله يعني بن سَلَمَةَ يُحَدِّثُنَا فَنَعْرِفُ وَنُنْكِرُ وَكَانَ قَدْ كَبِرَ لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُونَهُ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْكُوفِيِّ وَكَانَ قَدْ كَبِرَ وَأُنْكِرَ مِنْ حَدِيثِهِ وَعَقْلِهِ بعض النكرة وإنما روى هذا الحديث بعد ما كَبِرَ
قَالَهُ شُعْبَةُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵁ كَانَ يُوَهِّنُ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا وَيُضَعِّفُ أَمْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ لِلْمُحْدِثِ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَمْ نَرَ فِيهِ خِلَافًا وَعَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لِلْجُنُبِ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَفِي كُلِّهَا مَقَالٌ لَكِنْ تَحْصُلُ الْقُوَّةُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ لِأَنَّ بَعْضَ الطُّرُقِ لَيْسَ فِيهِ شَدِيدُ الضَّعْفِ وَهُوَ يَصْلُحُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَكَذَلِكَ
стр. 256
الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجُنُبِ إِنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ قَالَ تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ لِأَنَّ الْحَائِضَ إِنْ لَمْ تَقْرَأْ نَسِيَتِ الْقُرْآنَ لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَيْضِ تَتَطَاوَلُ وَمُدَّةُ الْجَنَابَةِ لَا تَطُولُ
وروى عن بن الْمُسَيِّبِ وَعِكْرِمَةُ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ انْتَهَى
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْمُحْدِثِ فِي الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِطَهَارَةٍ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا وَكَانَ فِيهِ لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بن عمر بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رسول الله ﷺ لعمر بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَا تَمَسَ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ وَفِي إِسْنَادِهِ سُوَيْدٌ أَبُو حَاتِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ وَحَسَّنَ الْحَازِمِيُّ إِسْنَادَهُ
وَقَدْ ضعف النووي وبن كثير في إرشاده وبن حَزْمٍ حَدِيثَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَحَدِيثَ عَمْرِو بن حزم جميعا
وفي الباب عن بن عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ قَالَ الْحَافِظُ إِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ فِيهِ سُلَيْمَانُ الْأَشْدَقُ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ رَوَاهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أبيه عن بن عمر
قال صاحب المنتقي وبن حَجَرٍ ذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ احتج بحديث بن عُمَرَ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ العاص وفيه من لا يعرف
وأخرج بن أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ
وَفِي الْبَابِ عَنْ ثَوْبَانَ أَوْرَدَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مُنْتَخَبِ مُسْنَدِهِ وَفِي سَنَدِهِ حُصَيْبُ بْنُ جَحْدَرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ عُمَرَ أَنَّ أُخْتَهُ قَالَتْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ إِنَّهُ رِجْسٌ وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ
وَفِيهِ عَنْ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَكِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ
قَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ لِتَلَقِّي النَّاسِ لَهُ بِالْقَبُولِ
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ لَا أَعْلَمُ كِتَابًا أَصَحَّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَيَدَعُونَ رَأْيَهُمْ
وَقَالَ الْحَاكِمُ قَدْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيُّ لِهَذَا الْكِتَابِ بِالصِّحَّةِ
كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَالنَّيْلِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ طَاهِرًا وَالْمُحْدِثُ بِحَدَثٍ أَصْغَرَ أَيْضًا غَيْرُ طَاهِرٍ مِنْ وَجْهٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَعَلَى الْمُحْدِثِ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا بِالْوُضُوءِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَأَمَّا الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فَذَهَبَ بن عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَجُوزُ
انْتَهَى
وَاللَّهُ تعالى أعلم
стр. 257
٩٢ - (بَاب فِي الْجُنُبِ يُصَافِحُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ)
[٢٣٠] (لَقِيَهُ) أَيْ حُذَيْفَةَ زَادَ مُسْلِمٌ وَهُوَ جُنُبٌ (فَأَهْوَى) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَهْوَى إِلَى الشَّيْءِ بيده مدها ليأخذها إِذَا كَانَ عَنْ قُرْبٍ وَإِنْ كَانَ عَنْ بُعْدٍ قِيلَ هَوَى إِلَيْهِ بِغَيْرِ أَلِفٍ
انْتَهَى (إِلَيْهِ) أَيْ مَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ (فَقَالَ) حُذَيْفَةُ (إِنِّي جُنُبٌ) وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَازَحَهُ وَدَعَا لَهُ قَالَ فَرَأَيْتُهُ يوما بكرة فحدث عَنْهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَقَالَ إني رأيتك فحدث عَنِّي فَقُلْتُ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَخَشِيتُ أَنْ تَمَسَّنِي (فَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِنَجَسٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ وَإِذَا كَانَ لَا يَنْجُسُ فَعَرَقُهُ لَا يَنْجُسُ
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي طَهَارَةِ الْمُسْلِمِ حَيًّا وَمَيِّتًا فَأَمَّا الْحَيُّ فَطَاهِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى الْجَنِينُ وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ أَبْدَانُهُمْ وَثِيَابُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تُتَيَقَّنَ النَّجَاسَةُ فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِهِمْ وَالْأَكْلُ مَعَهُمْ مِنَ الْمَائِعِ إِذَا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهِ وَدَلَائِلُ هَذَا كُلِّهِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مَشْهُورَةٌ
وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَفِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عن بن عَبَّاسٍ تَعْلِيقًا الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا انْتَهَى
وَتَمَسَّكَ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ إِنَّ الْكَافِرَ نَجَسُ الْعَيْنِ وَقَوَّاهُ بقوله تعالى إنما المشركون نجس وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَاهِرُ الْأَعْضَاءِ لِاعْتِيَادِهِ مُجَانَبَةَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ لِعَدَمِ تَحَفُّظِهِ عَنِ النَّجَاسَةِ
وَعَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ نَجَسٌ فِي الِاعْتِقَادِ وَالِاسْتِقْذَارِ
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَرَقَهُنَّ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ مَنْ يُضَاجِعُهُنَّ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْكِتَابِيَّةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْمُسْلِمَةِ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآدَمِيَّ الْحَيَّ لَيْسَ بِنَجَسِ الْعَيْنِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 258
[٢٣١] (فَاخْتَنَسْتُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ثُمَّ النُّونِ ثُمَّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ بن الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَالْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ الْكِتَابِ وَالْمَعْنَى تَأَخَّرْتُ وَتَوَارَيْتُ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (سُبْحَانَ اللَّهِ) تَعَجَّبَ مِنِ اعْتِقَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّنَجُّسَ بِالْجَنَابَةِ أَيْ كَيْفَ يخفي عليه هذا الظاهر وفي اسْتِحْبَابُ تَنْبِيهِ الْمَتْبُوعِ لِتَابِعِهِ عَلَى الصَّوَابِ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ
قَالَهُ الْحَافِظُ (إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ) يُقَالُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ وَفِي مَاضِيهِ لُغَتَانِ نَجِسَ وَنَجُسَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا فَمَنْ كَسَرَهَا فِي الْمَاضِي فَتَحَهَا فِي الْمُضَارِعِ وَمَنْ ضَمَّهَا فِي الْمَاضِي ضَمَّهَا فِي الْمُضَارِعِ أيضا
قاله النووي
ومعنى قوله لاينجس أَيْ بِالْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ إِذِ الْمَقَامُ مَقَامُ الْحَدَثِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالنَّجَاسَةِ وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ الْمُرَادَ نَفْسُهُ لَا يَصِيرُ نَجَسًا لِأَنَّهُ إِنْ صَحِبَهُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ فَنَجَاسَتُهُ بِسَبَبِ صُحْبَتِهِ بِذَلِكَ لَا أَنَّ ذَاتَهُ صَارَ نَجَسًا فَإِذَا زَالَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ فَالْمُؤْمِنُ عَلَى حَالِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ فَصَدَقَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ أَصْلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُقْتَضَى مَا فَعَلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَصِيرُ نجسا بحيث يحترز عن صحبته حالة الجناية فَرَدَّهُ ﷺ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَصِيرُ كَذَلِكَ أَصْلًا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَصْحَبُهُ مِنْ بَعْضِ الْأَنْجَاسِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مِنْ خَارِجٍ
قَالَهُ الْفَاضِلُ السِّنْدِيُّ فِي حَوَاشِي التِّرْمِذِيِّ
قَالَ الْحَافِظُ وَالْحَدِيثُ فِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الِاغْتِسَالِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهِ وَبَوَّبَ عليه بن حِبَّانَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَنَوَى الِاغْتِسَالَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ يَنْجُسُ
وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِ الْجُنُبِ لِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَنْجُسُ بِالْجَنَابَةِ فَكَذَلِكَ مَا تَحَلَّبَ مِنْهُ انْتَهَى (قَالَ) الْمُؤَلِّفُ (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرٌ) فَرَوَى بِشْرٌ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ بِالتَّحْدِيثِ وَأَمَّا يَحْيَى الْقَطَّانُ فَبِالْعَنْعَنَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ فَانْسَلَلْتُ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ فَانْخَنَسْتُ وَفِي لَفْظٍ فَانْسَلَلْتُ
وَفِي لفظ مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ فَانْسَلَّ
انْتَهَى
стр. 259
٩٣ - (بَاب فِي الْجُنُبِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ)
[٢٣٢] وَكَذَا الْحَائِضُ هَلْ يَجُوزُ لَهُمَا
(حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وسكون السين المهملة (بنت دجاجة) قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الوهم والإيهام لابن القطان المقر وعليه دِجَاجَةٌ بِكَسْرِ الدَّالِ وَعَلَيْهَا صَحَّ وَكَتَبَ النَّاسِخُ في الحاشية بكسر الدال انتهى
وقال مغلطاىء هِيَ بِكَسْرِ الدَّالِ لَا غَيْرُ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي أَمْثَالِهِ (وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ) ﷺ
وَوَجْهُ الْبَيْتِ الْحَدُّ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ وَلِذَا قِيلَ لِحَدِّ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ وَجْهُ الْكَعْبَةِ أَيْ كَانَتْ أَبْوَابُ بُيُوتِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (شَارِعَةً فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَشْرَعْتُ بَابًا إِلَى الطَّرِيقِ أَيْ فَتَحْتُ وَفِي الْمِصْبَاحِ شَرَعَ الْبَابَ إِلَى الطَّرِيقِ شُرُوعًا اتَّصَلَ بِهِ وَشَرَعْتُهُ أَنَا يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا وَيَتَعَدَّى بِالْأَلِفِ أَيْضًا فَيُقَالُ أَشْرَعْتُهُ إِذَا فَتَحْتُهُ وَأَوْصَلْتُهُ وَطَرِيقٌ شَارِعٌ يَسْلُكُهُ النَّاسُ عَامَّةً
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَتْ أَبْوَابُ بَعْضِ الْبُيُوتِ حَوْلَ مَسْجِدِهِ ﷺ مَفْتُوحَةً يَدْخُلُونَ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ وَيَمُرُّونَ فِيهِ فَأُمِرُوا أَنْ يَصْرِفُوهَا إِلَى جَانِبٍ آخَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ (فَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ) أَيِ اصْرِفُوا أَبْوَابَ الْبُيُوتِ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُقَالُ وَجَّهْتُ الرَّجُلَ إِلَى نَاحِيَةِ كَذَا
إِذَا جَعَلْتُ وَجْهَهُ إِلَيْهَا وَوَجَّهْتُهُ عَنْهَا إِذَا صَرَفْتُهُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا (ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بُيُوتِهِمْ (وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا) مِنْ تَحْوِيلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ (رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رَجَاءَهُ أَنْ تَنْزِلَ لَهُمْ (رُخْصَةٌ) مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ (فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حُرْمَةِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ والحائض لكنه مأول عَلَى الْمُكْثِ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا
وَأَمَّا عبورهما
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ بن الْقَيِّمِ ﵀ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَفْلَتُ بْنُ خليفة صالح
وقد روى بن مَاجَهْ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث أَبِي الْخَطَّابِ الْهَجَرِيُّ عَنْ مَحْدُوجٍ الذُّهْلِيِّ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ نَادَى بِأَعْلَى صَوْته
стр. 260
وَمُرُورُهُمُا مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ إِلَّا إِذَا خَافَتِ التَّلَوُّثَ
وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﵎ (يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عابري سبيل حتى تغتسلوا) روى الحافظ بن كثير في تفسيره عن بن أبي حاتم بسنده إلى بن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عابري سبيل) قَالَ لَا تَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ قَالَ تَمُرُّ بِهِ مَرًّا وَلَا تَجْلِسُ
ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَسْرُوقٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِي مَالِكٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ويحيى بن سعيد الأنصاري وبن شِهَابٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ
قُلْتُ وَالْعُبُورُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ لَا فِي الصَّلَاةِ
وَتَقْيِيدُ جَوَازِ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْمَارِّ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ تَكْرَارًا يُصَانُ الْقُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ
قَالَ بن كَثِيرٍ وَمِنَ الآيَةِ الْمَذْكُورَةِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَجُوزُ لَهُ الْمُرُورُ وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِي مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ يمنع مرورهما التلويث لاحتمال وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنْ أَمِنَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا التَّلْوِيثَ فِي حَالِ الْمُرُورِ جَازَ لَهُمَا المرور وإلا فلا
قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ ﷺ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْعُبُورِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ مُتَرَدِّدًا عَلَى أي حال متوضأ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِإِطْلَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَمْ لَا وحكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ لَا يَجُوزُ الْعُبُورُ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْهُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَمُرُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يَتَيَمَّمُ
وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ يُبَاحُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَاجَةِ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ أَوْ كَوْنِ الطَّرِيقِ فِيهِ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ انتهى كلامه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَلَا إِنَّ هَذَا الْمَسْجِد لَا يَحِلّ لِجُنُبٍ وَلَا لِحَائِضٍ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ مَحْدُوجٌ سَاقِط وَأَبُو الْخَطَّابِ مَجْهُول
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيق عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ الْخَفَّافِ عن بن أَبِي عُتْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَسْرَةَ عَنْ أم سلمة عن النبي ﷺ هَذَا الْمَسْجِد حَرَامٌ عَلَى كُلّ جُنُب مِنْ الرِّجَال وَحَائِض مِنْ النِّسَاء إِلَّا مُحَمَّدًا وأزواجه وعليا وفاطمة قال بن حَزْمٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ مُنْكَر الْحَدِيث وَإِسْمَاعِيلُ مَجْهُول وَلَيْسَ الْأَمْر كَمَا قَالَ أَبُو محمد فقد قال بن مَعِينٍ فِي رِوَايَة الدُّورِيِّ إِنَّهُ ثِقَة وَقَالَ في رواية الدارمي وبن أَبِي خَيْثَمَةَ لَيْسَ بِهِ بَأْس
وَقَالَ فِي رِوَايَة الْغَلَّابِيِّ يَكْتُب حَدِيثه
وَقَالَ أَحْمَدُ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَسَن الرَّأْي فِيهِ وَكَانَ يَعْرِفهُ مَعْرِفَة قَدِيمَة
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنْكَرُوا عَلَى الْخِفَاف حَدِيثًا رَوَاهُ لِثَوْرِ بْنِ يزيد على
стр. 261
قُلْتُ الْقَوْلُ الْمُحَقَّقُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ جَوَازُ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ناوليني الخمر مِنَ الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى إِحْدَانَا وَهِيَ حَائِضٌ فَيَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ تَقُومُ إِحْدَانَا بِخُمْرَةٍ فَتَضَعُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ حَائِضٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَمَّا الْمُكْثُ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّهُ مَتَى تَوَضَّأَ الْجُنُبُ جَازَ لَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إِذَا توضؤوا وضوء الصلاة قال بن كَثِيرٍ هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا أَفْلَتُ رَاوِيهِ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ وَفِيمَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ﵁ أَنَّهُ مَجْهُولٌ نَظَرٌ فَإِنَّهُ أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ وَيُقَالُ فُلَيْتُ بْنُ خَلِيفَةَ الْعَامِرِيُّ وَيُقَالُ الذُّهْلِيُّ وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَسَّانَ حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا
وَسُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ شَيْخٌ وَحَكَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دِجَاجَةَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ وَعِنْدَ جَسْرَةَ عَجَائِبُ انْتَهَى
كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ) أَيْ أفلت يقال به (فليت العامري) أيضا
٤ - (بَابٌ فِي الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ)
[٢٣٣] وَهُوَ أَيِ الْإِمَامُ الْجُنُبُ (نَاسٍ) لِلْجَنَابَةِ فَذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَمَاذَا يَصْنَعُ
(فَأَوْمَأَ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ أَشَارَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مكحول عن كريب عن بن عَبَّاسٍ فِي فَضْل الْعَبَّاسِ وَمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ غَيْره فَكَانَ يَحْيَى يَقُول هَذَا مَوْضُوع وَعَبْدُ الْوَهَّابِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ حَدَّثَنَا ثَوْرٌ وَلَعَلَّهُ دَلَّسَ فِيهِ وَهُوَ ثِقَة
وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَإِنْ كَانَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ رَجَاءِ بْنِ رَبِيعَةَ الزُّبَيْدِيَّ فإنه ذكر في ترجمة بن أَبِي عُتْبَةَ أَنَّهُ رَوَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ هَذَا وَلَمْ يَذْكُر فِي شُيُوخه إِسْمَاعِيلَ غَيْره فَهُوَ ثِقَة وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيح
وَبَعْد فَهَذَا الِاسْتِثْنَاء بَاطِل مَوْضُوع مِنْ زِيَادَة بَعْض غلاة الشيعة ولم يخرجه بن مَاجَهْ فِي الْحَدِيث
стр. 262
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ يُقَالُ أَوْمَأْتُ إِلَيْهِ أَشَرْتُ وَلَا يُقَالُ أوميت وَوَمَأْتُ إِلَيْهِ (أَنْ مَكَانَكُمْ) أَنْ مُفَسِّرَةٌ وَمَكَانَكُمْ بِالنَّصْبِ أَيِ امْكُثُوا مَكَانَكُمْ وَالْزَمُوهُ (يَقْطُرُ) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ يَسِيلُ بِسَبَبِ الِاغْتِسَالِ
[٢٣٤] (بِإِسْنَادِهِ) الْأَوَّلِ مِنْ زِيَادٍ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ الصَّحَابِيِّ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (وَقَالَ) يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (فِي أَوَّلِهِ) أَيْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ (فَكَبَّرَ) أَيْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَبَّرَ (وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا) فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ (وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ (وَكَذَلِكَ) أَيْ مُرْسَلًا وَبِزِيَادَةِ لَفْظِ كَبَّرَ (رواه مالك) بن أنس في موطإه
[٢٣٥] (إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ صَنْعَاءُ الْيَمَنِ
стр. 263
وَأَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ بِمَسْجِدِهَا سَبْعِينَ سَنَةً (مُؤَمَّلٌ) عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى خَرَجَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ تَقَدَّمَتْ خُرُوجَهُ وَكَانَ مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا يُكَبِّرَ حَتَّى تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ وَكَانَتْ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ سُنَّةً مَعْهُودَةً عِنْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ (فِي مَقَامِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ فِي مُصَلَّاهُ (ذَكَرَ) أَيْ تَذَكَّرَ لَا أَنَّهُ قَالَ لَفْظًا وَعَلِمَ الرَّاوِي بِذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ أَوْ بِإِعْلَامِهِ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (يَنْطِفُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ يَقْطُرُ (صُفُوفٌ) جَمْعُ الصَّفِّ يُقَالُ صَفَفْتُ الشَّيْءَ صَفًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَهُوَ مَصْفُوفٌ وَصَفَفْتُ الْقَوْمَ فَاصْطَفُّوا (فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ) وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي فِيهَا ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى الْقَوْمِ أَنِ اجْلِسُوا وَسَكَتَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَلْفَاظِ بَقِيَّةِ الرُّوَاةِ فلعلها كانت نحو لفظ بن حَرْبٍ وَعَيَّاشٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ يَنْطِفُ رأسه ماءا فَكَبَّرَ فَصَلَّى بِنَا انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنِ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ
وَمِنْهَا جَوَازُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى بِهِمْ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرَةَ ظَاهِرٌ أَنَّ الْإِقَامَةَ لَمْ تُعَدْ وَلَمْ تُجَدَّدْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالضَّرُورَةِ وَبِأَمْنِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَعَنْ مَالِكٍ ﵁ إِذَا بَعُدَتِ الْإِقَامَةُ مِنَ الْإِحْرَامِ تُعَادُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ
وَمِنْهَا جَوَازُ انْتِظَارِ الْمَأْمُومِينَ مَجِيءَ الْإِمَامِ قِيَامًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهُوَ غَيْرُ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ فِي حَدِيثِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرَةَ الْمُتَّصِلَةَ وَرِوَايَاتِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُرْسَلَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انصرف بعد ما دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ
وَكَذَا رِوَايَةُ أَبِي هريرة التي أخرجها بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالَّتِي أَخْرَجَهَا البيهقي
стр. 264
مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انْصَرَفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ أَخْرَجَهُ أيضا أحمد وبن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ الْحَافِظُ وَصَحَّحَهُ بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ انْتَهَى
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ وَالشَّيْخَانِ تَدُلُّ بِدَلَالَةٍ صَرِيحَةٍ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انصرف بعد ما قَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَقَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذِهِ مُعَارِضَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ قَوْلِهِ كَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ قَامَ فِي مَقَامِهِ لِلصَّلَاةِ وَتَهَيَّأَ لِلْإِحْرَامِ بِهَا وَأَرَادَ أَنْ يُكَبِّرَ أَوْ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ أَبَدَاهُ الْعِيَاضُ وَالْقُرْطُبِيُّ احْتِمَالًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّهُ الْأَظْهَرُ وجزم بن حِبَّانَ كَعَادَتِهِ فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ انْتَهَى
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَإِنَّمَا الْإِعَادَةُ عَلَى الْإِمَامِ فَقَطْ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ حَكَاهُ الْأَثْرَمُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ أيضا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ
وَلِلطَّائِفَتَيْنِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ فَمِنَ الأَحَادِيثِ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ بِكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ
وَمِنْهَا حَدِيثُ بَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّمَا إِمَامٍ منها فَصَلَّى بِالْقَوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُمْ وَلْيَغْتَسِلْ هُوَ ثُمَّ لِيُعِدْ صَلَاتَهُ (وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَمِثْلُ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ جُوَيْبِرًا أَحَدَ رُوَاتِهِ مَتْرُوكٌ وَالضَّحَّاكَ الرَّاوِي عَنِ الْبَرَاءِ لَمْ يَلْقَهُ وَمِنَ الآثَارِ لَهُمْ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ثُمَّ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ إِنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتِ الْعُرُوقُ فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِلَفْظِ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا
وَلِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا الْإِمَامُ ضَامِنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ أَيْضًا
قَالُوا إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ لِصَلَاةِ الْمُقْتَدِي فَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي مَشْمُولَةٌ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مُتَضَمِّنَةٌ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَصِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بصحة
стр. 265
صلاة الْإِمَامِ وَفَسَادُهَا بِفَسَادِهَا فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ جُنُبًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَيْضًا فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ لِلْإِمَامِ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِهِ لِيُعِيدُوا صَلَاتَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ وَلِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى آثَارٌ كُلُّهَا ضِعَافٌ
وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي الْحَدِيثِ فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْوِيَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ رَاجِحَةٌ وَرِوَايَاتُ غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انْصَرَفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ مَرْجُوحَةٌ إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّرْجِيحَ لِأَحَادِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عِنْدَ التَّعَارُضِ
قُلْتُ وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ فَاعْلَمْ أن حديث أبي بكرة الذي صححه بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي صَحَّحَهُ الْهَيْثَمِيُّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ ﷺ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْجَنَابَةَ وَانْصَرَفَ وَبَقِيَ النَّاسُ قِيَامًا مُنْتَظِرِينَ فَكَانَ بَعْضُ صَلَاتِهِمْ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جُنُبٌ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَثَبَتَ بِهَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ النَّاسِي وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا كَمَا مَرَّ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا فِعْلُ عُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا أَخْرَجَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ
وَأَمَّا التَّرْجِيحُ لِأَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَهُوَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ لَكِنْ لَيْسَ ها هنا التَّعَارُضُ لِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ فَحَدَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا شَاهَدَ وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِ أَنَّ كَبَّرَ فِي مَعْنَى قَارَبَ أَنْ يُكَبِّرَ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ أَنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا خَلْفَ عُمَرَ ﵁ وَعُثْمَانَ ﵁ وبن عُمَرَ ﵁ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ بَلْ سَكَتُوا فَفِي سُكُوتِهِمْ وَعَدَمِ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ إِيَّاهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَأَنَّهُ كَانَ لَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ إِنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ ﷺ انصرف بعد ما كبر ودخل في الصَّلَاةَ لَا تُقَاوِمُ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ ﷺ انْصَرَفَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بَعْضُهَا مُرْسَلَةٌ وَبَعْضُهَا مَرْفُوعَةٌ فَأَمَّا الْمُرْسَلَةُ فَمُرْسَلَةٌ وَأَمَّا الْمَرْفُوعَةُ فَرِوَايَةُ أَبِي بَكْرَةَ وَإِنْ صححها بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهَا وَوَصْلِهَا قَالَهُ الْحَافِظُ
وَرِوَايَةُ أَنَسٍ وَإِنْ كَانَ جَيِّدَ الْإِسْنَادِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهَا وَإِرْسَالِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي أخرجها بن مَاجَهْ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي إِسْنَادِهَا نَظَرٌ وَأَمَّا رواية على مرفوعة (المرفوعة) فمدار طرقها على بن لهيعة
стр. 266
فَلَمَّا لَمْ تَصْلُحْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ وَالشَّيْخَانِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الروايات ما تدل عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَلَا حَاجَةَ أَيْضًا إِلَى ارْتِكَابِ التَّجَوُّزِ فِي مَعْنَى كَبَّرَ وَدَخَلَ وَلَاحَ لَكَ أَيْضًا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسي لَيْسَ بِتَامٍّ وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ ﵁ وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ عُثْمَانَ ﵁ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ هُوَ أَفْعَالُهُمْ وَأَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا لِأَنَّهُمْ رَأَوُا النَّبِيِّ ﷺ يَفْعَلُهُ فَغَيْرُ مَقْطُوعٍ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ الصَّحِيحِ الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ يُصَلُّونَ بِكُمْ فَإِنْ أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْخَطَأَ الْمُقَابِلَ لِلْعَمَلِ لِأَنَّهُ لَا إِثْمَ فِيهِ بَلِ الْمُرَادُ ارْتِكَابُ الْخَطِيئَةِ
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْوَادِي فَتَأَمَّلْ
٥ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَجِدُ الْبِلَّةَ)
[٢٣٦] بِكَسْرِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الرَّطْبَةُ مِنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ يُقَالُ بَلَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ بَلًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَابْتَلَّ هُوَ
(فِي مَنَامِهِ) وَلَا يَذْكُرُ الِاحْتِلَامَ فَمَا حُكْمُهُ (يَجِدُ الْبَلَلَ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الرُّطُوبَةَ (وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا) الِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ والمراد به ها هنا أَمْرٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْجِمَاعُ أَيْ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ جَامَعَ فِي النَّوْمِ (يَغْتَسِلُ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ (يَرَى) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْتَقِدُ وَبِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يَظُنُّ (قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ إِذَا رَأَى بِلَّةً وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهَا الْمَاءُ الدَّافِقُ وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يَغْتَسِلَ وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ حَتَّى
стр. 267
يعلم أنها الماء الدافق واستحبوا أن يَغْتَسِلَ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرَ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ
انْتَهَى كَلَامُهُ
قُلْتُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ رُؤْيَةِ الْبِلَّةِ فِي الْمَنَامِ مُوجِبٌ لِلِاغْتِسَالِ هُوَ أَوْفَقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ
وَبِحَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ بِلَفْظِ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ وُجُودِ الْمَنِيِّ سَوَاءٌ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الدَّفْقُ وَالشَّهْوَةُ أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) هِيَ أُمُّ أَنَسٍ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اشْتَهَرَتْ بِكُنْيَتِهَا وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا (أَعْلَيْهَا غُسْلٌ) بهمزة الاستفهام وعليها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَغُسْلٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ (إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ فِيهَا مَعْنَى التعليل
قال بن الْأَثِيرِ أَيْ نَظَائِرُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ كَأَنَّهُنَّ شُقِقْنَ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ آدَمَ ﵊ وَشَقِيقُ الرَّجُلِ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ لِأَنَّ شِقَّ نَسَبِهِ مِنْ نَسَبِهِ يَعْنِي فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِرُؤْيَةِ الْبَلَلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالرَّجُلِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَإِلْحَاقُ حُكْمِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ فَإِنَّ الْخِطَابَ إِذَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ كَانَ خِطَابًا لِلنِّسَاءِ إِلَّا مَوَاضِعَ الْخُصُوصِ الَّتِي قَامَتْ أَدِلَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهَا
انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّ رَاوِيهِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ في الحديث
٦ - (بَابُ الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنَ الإحتلام والبلة)
[٢٣٧] (يَرَى الرَّجُلُ) فَمَا حُكْمُهَا وَإِنَّمَا وُضِعَ الْبَابُ لِلْمَرْأَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ كَمَا حَكَاهُ بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
وَاسْتَبْعَدَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صِحَّتَهُ عَنْهُ لَكِنْ رَوَاهُ بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَهُ الْحَافِظُ
(إن الله لا يستحي مِنَ الْحَقِّ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يُقَالُ اسْتَحْيَا بِيَاءٍ قَبْلَ الْأَلِفِ
стр. 268
يَسْتَحْيِي بِيَاءَيْنِ وَيُقَالُ أَيْضًا يَسْتَحِي بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمُضَارِعِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي والمراد بالحياء ها هنا معناه اللغوي إذا الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ خَيْرٌ كُلُّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيَاءَ اللُّغَوِيَّ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ أَوْ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ
انْتَهَى (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (مَا يَرَى الرَّجُلُ) مِنَ الْمَنِيِّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ (إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ) أَيِ الْمَنِيَّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ (فَقُلْتُ أُفٍّ لَكِ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ اسْتِحْقَارًا لَهَا وَلِمَا تَكَلَّمَتْ بِهِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الِاحْتِقَارِ وَالِاسْتِقْذَارِ والإنكار
قال الباجي المراد ها هنا الْإِنْكَارُ
وَأَصْلُ الْأُفِّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ
وَفِي أُفٍّ عَشْرُ لُغَاتٍ أُفُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ فِي الْفَاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَالسَّابِعَةُ إِفَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالثَّامِنَةُ أُفْ عَلَى وَزْنِ قُلْ وَالتَّاسِعَةُ أُفِي بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالْيَاءِ وَالْعَاشِرَةُ أُفَّهْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالْهَاءِ وهذه لغات مشهورات ذكرهن كلهن بن الْأَنْبَارِيِّ وَجَمَاعَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَدَلَائِلُهَا مَشْهُورَةٌ (وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ) بِكَسْرِ الْكَافِ (الْمَرْأَةُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنْكَارُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ ﵂ قَضِيَّةَ احْتِلَامِ النِّسَاءِ يَدُلُّ على قلة وقوعه من النساء
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ وَإِلَّا لَمَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ
قَالَ وَقَدْ يُوجَدُ عَدَمُ الِاحْتِلَامِ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ أَوْجَدُ وَأَكْثَرُ (فَقَالَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ جِدًّا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا وَالْأَصَحُّ الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَلِمَةٌ أَصْلُهَا افْتَقَرْتِ وَلَكِنِ الْعَرَبُ اعْتَادَتِ اسْتِعْمَالَهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيَّ فَيَذْكُرُونَ تَرِبَتْ يَدَاكَ وَقَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ وَلَا أُمَّ لَهُ وَلَا أَبَ لَكَ وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ أَلْفَاظِهِمْ يَقُولُونَهَا عِنْدَ إِنْكَارِ الشَّيْءِ أَوِ الزَّجْرِ عَنْهُ أَوِ الذَّمِّ عَلَيْهِ أَو اسْتِعْظَامِهِ أَوِ الْحَثِّ عَلَيْهِ أَوِ الْإِعْجَابِ بِهِ
أَيْ إِنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ فَعَلَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنَ السُّؤَالِ عَنْ دِينِهَا فَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْإِنْكَارَ وَاسْتَحْقَقْتِ أَنْتِ الْإِنْكَارَ لِإِنْكَارِكِ فِيهِ (وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشِّبْهُ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِهِمَا وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلَدَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ فَأَيُّهُمَا غَلَبَ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ مَنِيٌّ فَإِنْزَالُهُ وَخُرُوجُهُ مِنْهَا مُمْكِنٌ (وَكَذَا رَوَى) أَيْ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ (وَوَافَقَ الزُّهْرِيَّ) مَفْعُولٌ لِوَافَقَ (مسافع الحجبي
стр. 269
فَاعِلٌ وَمُسَافِعٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَالْحَجَبِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَجَبَةِ جَمْعُ حَاجِبٍ وَالْمُرَادُ بِهِمْ حَجَبَةُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ (قَالَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلْمُوَافَقَةِ (وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَقَالَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ سُلَيْمٍ
وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الْحَدِيثَ فَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ سُلَيْمٍ وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْمَاضِيَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسَافِعٍ الْحَجَبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سُلَيْمٍ فَبَعْضُهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَبَعْضُهُمْ رَجَّحُوا إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى
أَمَّا الْمُؤَلِّفُ فَرَجَّحَ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ حَيْثُ أَكْثَرَ بِذِكْرِ أَسَامِي الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَبَيَّنَ مُتَابَعَةِ مُسَافِعٍ الْحَجَبِيِّ لِلزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَنَقَلَ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُمِّ سلمة لا لعائشةوهذا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ
وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ جَمِيعًا أَنْكَرَتَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ
قُلْتُ بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِصِحَّةِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَمْتَنِعُ حُضُورُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مجلس واحد والله تعالى أعلم
٧ - (بَابِ مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الْغُسْلُ)
[٢٣٨] وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَجْزِيهِ فِي الْغُسْلِ أَيْ يجزئ الْغَاسِلَ
(هُوَ الْفَرَقُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وإسكانها لغتان حكاهما بن دُرَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ
وَزَعَمَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُمَا لُغَتَانِ قاله النووي
وقال الحافظ وقال بن التِّينِ الْفَرْقُ بِتَسْكِينِ الرَّاءِ وَرُوِّينَاهُ
стр. 270
بِفَتْحِهَا وَجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الْأَمْرَيْنِ
وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُ هُوَ بِالْفَتْحِ وَالْمُحَدِّثُونَ يُسَكِّنُونَهُ وَكَلَامُ الْعَرَبِ بِالْفَتْحِ انْتَهَى وَيَجِيءُ تَفْسِيرُ الْفَرَقِ مَشْرُوحًا مِنَ الْجَنَابَةِ أي بسبب الجنابة (وروى بن عُيَيْنَةَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا قَالَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِتَوْقِيتٍ وَتَحْدِيدٍ وَهُوَ الْغُسْلُ مِنَ الْفَرَقِ وَقَالَ مَعْمَرٌ بِلَا تَوْقِيتٍ وَهُوَ قَدْرُ الْفَرَقِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْغُسْلُ بِالصَّاعِ أَوِ الْفَرَقِ لِلتَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُبَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّاعِ وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ وَالْقَدْرُ الْمُجْزِي مِنَ الْغُسْلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ سَوَاءٌ كَانَ صَاعًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ يَبْلُغْ فِي النُّقْصَانِ إِلَى مِقْدَارٍ لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمِلُهُ مُغْتَسِلًا أَوْ إِلَى مِقْدَارٍ فِي الزِّيَادَةِ يَدْخُلُ فَاعِلُهُ فِي حَدِّ الْإِسْرَافِ (يَقُولُ الْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا) الرِّطْلُ مِعْيَارٌ يُوزَنُ بِهِ وَكَسْرُهُ أَفْصَحُ مِنْ فتحه وهو بالبغدادي اثنتا عشر أوقية والأوقية أستار وثلثا أستار والأستار أربعة مثاقيل ونصف مثقال والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم والدرهم ستة دوانيق والدانق ثماني حبات وَخُمُسَا حَبَّةٍ وَعَلَى هَذَا فَالرِّطْلُ تِسْعُونَ مِثْقَالًا وَهِيَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْفَرَقُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ سِتَّةُ عَشَرَ رِطْلًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ رِوَايَةِ بن عيينة عن الزهري قال سفيان يعني بن عُيَيْنَةَ الْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَكَذَا قَالَ الْجَمَاهِيرُ وَقِيلَ الْفَرَقُ صَاعَانِ لَكِنْ أَبُو عُبَيْدٍ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ وَعَلَى أَنَّ الْفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ الْفَرَقِ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مَا رَوَاهُ بن حبان عن عائشة بلفظ قدر سنة أَقْسَاطٍ وَالْقِسْطُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ نِصْفُ صَاعٍ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا فَصَحَّ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَسَمِعْتُهُ) أَيْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ (يقول صاع بن أَبِي ذِئْبٍ) وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ) وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ كَافَّةً وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِدَلَائِلَ مِنْهَا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الْفِدْيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ
стр. 271
صَاعٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَوْلُهُ نِصْفُ صاع حجة لهم والفرق اثني عَشَرَ مُدًّا وَالْمُدُّ هُوَ رُبْعُ الصَّاعِ أَوْ يُقَالُ إِنَّ الْفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ وَأَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ قَالَ قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَجِّ فَقَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفْتَحَ عَلَيْكُمْ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ أَهَمَّنِي فَفَحَصْتُ عَنْهُ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فسألت عن الصاع فقال صَاعُنَا هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ لَهُمْ مَا حُجَّتُكُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا نَأْتِيكَ بِالْحُجَّةِ غَدًا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَانِي نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ شَيْخًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ الصَّاعُ تَحْتَ رِدَائِهِ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَنَّ هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هِيَ سَوَاءٌ قَالَ فَعَيَّرْتُهُ فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِنُقْصَانٍ يَسِيرٍ فَرَأَيْتُ أَمْرًا قَوِيًّا فَتَرَكْتُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصَّاعِ وَأَخَذْتُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا ﵁ نَاظَرَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالصِّيعَانِ الَّتِي جَاءَ بِهَا أُولَئِكَ الرَّهْطُ فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَوْلِهِ
قُلْتُ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ فِي مِقْدَارِ الصَّاعِ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَلَا يَغُرَّنَّكَ كَلَامُ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ فَإِنَّهُ بَنَى الْكَلَامَ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ بَعِيدَةٍ وَاحْتِمَالَاتٍ كَاسِدَةٍ (قَالَ) أَبُو دَاوُدَ فَقُلْتُ لِأَحْمَدَ (فَمَنْ قَالَ) فِي تَفْسِيرِ الصَّاعِ إِنَّهُ (ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ) فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا (قَالَ) أَحْمَدُ (لَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ (بِمَحْفُوظٍ) بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ فِي الْأَحْكَامِ بِمِثْلِهِ
قُلْتُ ذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِرِوَايَاتٍ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ أَتَى مُجَاهِدٌ بِقَدَحٍ حَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ
فَقَالَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِوُجُوهٍ
الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَزْرَ لَا يُعَارَضُ بِهِ التَّحْدِيدُ وَالثَّانِي لَمْ يُصَرِّحْ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ الْإِنَاءَ الْمَذْكُورَ كَانَ صَاعًا فَيُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَوَانِي مَعَ تَقَارُبِهَا
وَالثَّالِثُ أَنَّ مُجَاهِدًا قَدْ شَكَّ فِي الْحَزْرِ وَالتَّقْدِيرِ فَقَالَ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ تِسْعَةَ أَرْطَالٍ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فَكَيْفَ يُعَارَضُ التَّحْدِيدُ الْمُصَرَّحُ بِهَذَا الْحَزْرِ الْمَشْكُوكِ
وَهَكَذَا فِي كُلِّ رِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ كَلَامٌ يُسْقِطُهَا عَنِ الِاحْتِجَاجِ
وَقَدْ بَسَطَ أَخُونَا الْمُعَظَّمُ الْأَدِلَّةَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَحَقَّقَ أَنَّ الصَّاعَ الْحِجَازِيَّ هُوَ صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
(قَالَ) أَبُو دَاوُدَ (وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ مَنْ أَعْطَى فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِرِطْلِنَا هذا
стр. 272
خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَقَدْ أَوْفَى) أَيْ أَتَمَّ
وأكمل قال بن رَسْلَانَ نَقَلَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الصَّاعِ بَيْنَ قَدْرِ مَاءِ الْغُسْلِ وَبَيْنَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَتَوَسَّطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ الصَّاعُ الَّذِي لِمَاءِ الْغُسْلِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَالَّذِي لِزَكَاةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ
والمشهور أنه لافرق انْتَهَى (قِيلَ) لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (الصَّيْحَانِيُّ) تَمْرٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ قِيلَ كَانَ كَبْشٌ اسْمُهُ صَيْحَانُ يشد بنخله فنسب إليه قاله بن رَسْلَانَ
وَقَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الصَّيْحَانِيُّ ضَرْبٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الصَّيْحَانِيُّ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ أَسْوَدُ صَلْبُ الْمَضْغَةِ وَسُمِّيَ صَيْحَانِيًّا لِأَنَّ صَيْحَانَ اسْمُ كَبْشٍ كَانَ رُبِطَ إِلَى نَخْلَةٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَثْمَرَتْ تَمْرًا فَنُسِبَ إِلَى صَيْحَانَ انْتَهَى
وَفِي الْقَامُوسِ وَشَرْحِهِ الصَّيْحَانِيُّ ضَرْبٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ نُسِبَ إِلَى صَيْحَانَ اسْمٌ لِكَبْشٍ كَانَ يُرْبَطُ إِلَى تِلْكَ النَّخْلَةِ أَوِ اسْمُ الْكَبْشِ الصَّيَّاحِ كَكَتَّانٍ وَهُوَ مِنْ تَغَيُّرَاتِ النَّسَبِ كَصَنْعَانِيٍّ فِي صَنْعَاءَ
انْتَهَى (ثَقِيلٌ) فِي الْوَزْنِ فَإِنْ يُوزَنُ بِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثِ رِطْلٍ يَقِلُّ مِقْدَارُهُ لِثِقَلِهِ عِنْدَ الرَّائِي وَلَا يُمْلَأُ بِهِ الصَّاعُ فَهَلْ يَكْفِي الصَّاعُ مِنَ الصَّيْحَانِيِّ الْمَوْزُونِ بِالرِّطْلِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ (قَالَ) أَحْمَدُ فِي جَوَابِهِ (الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ) التَّمْرِ فَيَكْفِي الصَّاعُ مِنْهُ الموزون بالرطل بلا مرية (قال لاأدري) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أثقل قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ
فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ مَقُولَةِ أَحْمَدَ أَيْ قَالَ أَحْمَدُ الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ
وَقَالَ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا مِنَ الْمَاءِ والصيحاني أثقل هذا معنى قول بن رَسْلَانَ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ لِلسَّائِلِ الْقَائِلِ لِأَحْمَدَ
أَيْ قَالَ ذَلِكَ الْقَائِلُ إِنِّي لَا أَدْرِي أَنَّ الصَّيْحَانَ أَطْيَبُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ مَعْنَى لَا أَدْرِي أَيْ قَالَ أَحْمَدُ لَا أَدْرِي هَلْ يَكْفِي أَقَلُّ مِنَ الصَّاعِ الَّذِي يُكَالُ وَإِنْ كَانَ الصَّيْحَانِيُّ بِوَزْنِ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِمِلْءِ الصَّاعِ وَإِنْ كَانَ وَزْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ
وَحَاصِلُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ السَّائِلَ قَالَ الصَّيْحَانِيُّ ثَقِيلٌ فِي الْوَزْنِ
فَهَلْ يَكْفِي الصَّيْحَانِيُّ الْمَوْزُونُ بِالرِّطْلِ وَإِنْ كَانَ دُونَ الصَّاعِ قَالَ أَحْمَدُ فِي جَوَابِهِ الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ التَّمْرِ لَكِنْ لَا أَدْرِي هَلْ يَكْفِي أَمْ لَا
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْ قَالَ أَحْمَدُ الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ التَّمْرِ فَيَكْفِي الصَّاعُ مِنْهُ الْمَوْزُونُ بِالرِّطْلِ بِلَا مِرْيَةٍ
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ وَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا مِنَ الْمَاءِ والصيحاني أثقل
стр. 273
[٢٣٩] ٩٨ بَاب فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَيْ كَيْفَ يُغْتَسَلُ مِنَ الْجَنَابَةِ
(أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ) أَيْ أُسِيلُ (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ أَكُفٍّ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أما أنا فآخذ ملأ كَفِّي فَأَصُبُّ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أُفِيضُ بَعْدُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِي وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ (وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا) فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِفَاضَةَ ثَلَاثًا بِالْيَدَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأُلْحِقَ بِهِ سَائِرُ الْجَسَدِ قِيَاسًا عَلَى الرَّأْسِ وَعَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوْلَى بِالتَّثْلِيثِ مِنَ الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ مَعَ تَكْرَارِهِ فَإِذَا اسْتُحِبَّ فِيهِ الثَّلَاثُ فَفِي الْغُسْلِ أَوْلَى وَلَا يُعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافٌ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ يُسْتَحَبُّ التَّكْرَارُ فِي الْغُسْلِ وَهَذَا قَوْلٌ مَتْرُوكٌ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٢٤٠] (إِذَا اغْتَسَلَ) أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ كَمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ (مِنْ نَحْوِ الْحِلَابِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ طَلَبَ إِنَاءً مِثْلَ الْإِنَاءِ الَّذِي يُسَمَّى الْحِلَابُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ الْحِلَابُ إِنَاءٌ يَسَعُ قَدْرَ حَلْبِ نَاقَةٍ
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الطَّهُورِ وَأَحْسَبُهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمِحْلَبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الْأَيْدِي وَلَيْسَ الْحِلَابُ من الطيب في شيء وإنما هُوَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ
انْتَهَى
وَقَدْ وَصَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ بِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَأَشَارَ أَبُو عَاصِمٍ بِكَفَّيْهِ فَكَأَنَّهُ حَلَّقَ بِشِبْرَيْهِ يَصِفُ بِهِ دَوْرَهُ الْأَعْلَى
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ كَقَدْرِ كُوزٍ يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ (فَأَخَذَ) الْمَاءَ الَّذِي فِي الْحِلَابِ (بِكَفَّيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَفِّهِ (فَبَدَأَ) صَبَّ الماء
стр. 274
ابْتِدَاءً (بِشِقِّ بِالْكَسْرِ أَيْ جَانِبِ (ثُمَّ الْأَيْسَرِ) أَيْ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى جَانِبِ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ (ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ) هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَرْفَةِ الثَّالِثَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ (فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ مَجَازًا وَمَعْنَاهُ صَبَّ الْمَاءَ بِكَفَّيْهِ عَلَى رَأْسِهِ كُلِّهِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ فِي التَّطَهُّرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٤١] (حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ) كِلَاهُمَا مُصَغَّرًا (أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ) مَعْنَى تَيْمِ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ
قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (فَسَأَلَتْهَا) أَيْ عَائِشَةَ (إِحْدَاهُمَا) أُمُّ جُمَيْعٍ أَوْ خَالَتُهُ (كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ عِنْدَ الغسل) وفي رواية بن ماجه كيف كان يصنع رسول الله عِنْدَ غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ (وَنَحْنُ نُفِيضُ عَلَى رؤوسنا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضُّفُرِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ ضَفِيرَةٍ هِيَ الْخُصْلَةُ مِنَ الشَّعْرِ وَالذُّؤَابَةُ يُقَالُ ضَفَرَتِ الشَّعْرَ ضَفْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ جَعَلَتْهُ ضَفَائِرَ كُلُّ ضَفِيرَةٍ عَلَى حِدَةٍ بِثَلَاثِ طَاقَاتٍ فَمَا فوقها والضفير بغير هاء حبل شَعْرٍ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إنا نغسل رؤوسنا خَمْسًا لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَيَتَشَرَّبَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ هَذَا ظَاهِرُهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَغْسِلُ رَأْسَهَا خَمْسَ مِرَارٍ لَكِنِ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَمَعَ ضَعْفِهِ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْآتِي فِي بَابِ الْمَرْأَةُ تَنْقُضُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ بِلَفْظِ يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سائر جسدك
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
وَجُمَيْعُ هَذَا بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
стр. 275
[٢٤٢] (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيْ سُلَيْمَانُ وَمُسَدَّدٌ عَلَى رِوَايَتِهِمَا فَقَالَا (وَقَالَ مُسَدَّدٌ) وَحْدَهُ (يُفْرِغُ عَلَى شِمَالِهِ) أَيْ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَيَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (وَرُبَّمَا كَنَّتْ) أَيْ عَائِشَةُ (عَنِ الْفَرْجِ) أَيِ اسْمِهِ وَذِكْرِهِ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ
وَالْكِنَايَةُ كَلَامٌ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةَ أَوِ الْمَجَازَ فَيَكُونُ تَرَدُّدٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ
وَالْكِنَايَةُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ هِيَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ شَيْءٍ لَفْظًا كَانَ أَوْ مَعْنًى بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ كَالْإِبْهَامِ عَلَى السَّامِعِ نَحْوَ جَاءَ فُلَانٌ أَوْ لِنَوْعِ فَصَاحَةٍ نَحْوَ فُلَانٌ كَثِيرُ الرَّمَادِ أَيْ كَثِيرُ الْقِرَى
قَالَهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ فِي تَعْرِيفَاتِهِ
وَالْكِنَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا مُسَدَّدٌ فِي رِوَايَتِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بِلَفْظِ غَسَلَ مَرَافِغَهُ وَذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظِ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِهِ وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ (فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ) أَيْ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ لِيُلِينَ الشَّعْرَ وَيُرَطِّبَهُ فَيَسْهُلُ مُرُورُ الْمَاءِ عَلَيْهِ (قَدْ أَصَابَ الْبِشْرَةَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ أَيْ أَوْصَلَ الْبَلَلَ إِلَى ظَاهِرِ جِلْدِ الرَّأْسِ (أَوْ أَنْقَى الْبِشْرَةَ) الشَّكُّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ (فَإِذَا فَضَلَ) مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ بَقِيَ وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَفَضِلَ بِالْكَسْرِ يَفْضُلُ بِالضَّمِّ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِالْأَصْلِ لَكِنَّهَا عَلَى تَدَاخُلِ اللُّغَتَيْنِ قَالَهُ أَحْمَدُ الْفَيُّومِيُّ (فُضْلَةً) بِالضَّمِّ اسْمٌ لِمَا يَفْضُلُ أَيْ إِذَا بَقِيَ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَاءِ (صَبَّهَا عَلَيْهِ) أَيْ صَبَّ الْفُضْلَةَ عَلَى جَسَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٤٣] (ثُمَّ غَسَلَ مَرَافِغَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ثُمَّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ
هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَهِيَ جَمْعُ رُفْغٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ هِيَ الْمَغَابِنُ مِنَ الآبَاطِ وَأُصُولِ الْفَخِذَيْنِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَطَاوِي الْأَعْضَاءِ وَمَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْوَسَخِ وَالْعَرَقِ
قاله الجوهري وبن الْأَثِيرِ
وَالْمُرَادُ غَسْلَ الْفَرْجِ
стр. 276
فَكَنَّتْ عَنْهُ بِغَسْلِ الْمَرَافِغِ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِذَا الْتَقَى الرُّفْغَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ يُرِيدُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ فَكَنَّى عَنْهُ بِالْتِقَاءِ أُصُولِ الْفَخِذَيْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي النُّسْخَتَيْنِ مِنَ الْمَتْنِ مَرَافِقَهُ بِالْقَافِ جَمْعُ مِرْفَقٍ مَكَانَ مَرَافِغَهُ وَوَقَفَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ العراقي أيضا ولذا قال والأولى هي الدواية الصَّحِيحَةُ (وَأَفَاضَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رُفْغِهِ وَفَرْجِهِ (فَإِذَا أَنْقَاهُمَا) أَيِ الْيَدَيْنِ أَيْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ ثُمَّ غَسَلَ الْيَدَيْنِ وَأَنْقَاهُمَا (أَهْوَى بِهِمَا إِلَى حَائِطٍ) أَيْ أَمَالَ وَضَرَبَ بِهِمَا إِلَى جِدَارٍ مِنْ صَعِيدٍ لِتَحْصُلَ بِهِ النُّقَايَةُ الْكَامِلَةُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ضَرْبَ الْيَدَيْنِ عَلَى الْجِدَارِ كَانَ بَعْدَ غَسْلِهِمَا وَإِنْقَائِهِمَا بِالْمَاءِ فَغَسَلَ أَوَّلًا بِالْمَاءِ الْخَالِصِ ثُمَّ دَلَّكَ يديه على الجدار وتتربهما وَغَسَلَ (ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ) الِاسْتِقْبَالُ ضِدُّ الِاسْتِدْبَارِ أَيْ يَشْرَعُ فِي الْوُضُوءِ
وَاعْلَمْ أَنَّ مَتْنَ هَذَا الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتِصَارٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَلَعَلَّ بعض الرواة قد فعله ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[٢٤٤] (لَئِنْ شِئْتُمْ) أَيُّهَا الرَّاغِبُونَ إِلَى رُؤْيَةِ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ (لَأُرِيَنَّكُمْ) مِنَ الْإِرَاءَةِ وَبِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ (حَيْثُ) لِلزَّمَانِ أَيْ حِينَ (يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ) فَيَضْرِبُ يَدَهُ عَلَيْهِ مُبْتَلًّا بِالْمَاءِ وَيُدَلِّكُ دَلْكًا لِيَذْهَبَ الِاسْتِقْذَارُ مِنْهَا أَوْ حَيْثُ لِلْمَكَانِ أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ يَضْرِبُ يَدَهُ ثمة على الجدار
وكان أثر يد فِي الْجِدَارِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لقرب عهده فأرادت عائشة أن تريهم أثر يده
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مُرْسَلٌ الشَّعْبِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ
(غُسْلًا) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ هو الماء الذي يغتسل به كالأكل لمايؤكل وَكَذَلِكَ الْغُسُولُ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَالْمُغْتَسَلُ يُقَالُ لِمَاءِ الْغُسْلِ
قَالَ اللَّهُ ﵎ هَذَا مُغْتَسَلٌ بارد وشراب وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ اسْمٌ أَيْضًا مِنْ غَسَلْتُهُ غُسْلًا وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَسِدْرٍ وَنَحْوِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ [٢٤٥] (فَأَكْفَأَ) أَيْ أَمَالَ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) الشَّكُّ مِنْ
стр. 277
سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ كَمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ سُلَيْمَانُ لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا (ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ مِنَ الْحَائِطِ أَوِ الْأَرْضِ (ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ) قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ قاله بن دَقِيقِ الْعِيدِ
قُلْتُ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ هَلْ هُمَا وَاجِبَتَانِ أَوْ سُنَّتَانِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ سَوَاءً وبه يقول بن أَبِي لَيْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ أَحْمَدُ الِاسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُعِيدُ فِي الْجَنَابَةِ وَلَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ لأنهما سنة من النبي فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ مِنْ تَرْكِهِمَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ
انْتَهَى
قُلْتُ إِنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَشُكُّ شَاكٌّ فِي وُجُوبِهِمَا لِأَنَّ أَدِلَّةَ الوجوب قد تكاثرت
قال إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ يانبي اللَّهِ حَدِّثْنِي عَنِ الْوُضُوءِ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَذَكَرَ فِي تَعْلِيمِهِ لَهُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَمَنْ تركهما لا يكون متوضأ ولم يحك أحد من الصحابة أنه تَرَكَهُمَا قَطُّ وَلَوْ بِمَرَّةٍ بَلْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَبْلُغُ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ مُوَاظَبَتُهُ ﷺ عليهما فأمره مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِمَا يَدُلُّ بِدَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى وُجُوبِهِمَا
وَأَمَّا وُجُوبُهُمَا فِي الْغُسْلِ فَهُوَ أَيْضًا ثَابِتٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ أَوْ قَالَ بَشَرَتَكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حسن صحيح وصححه أبو حاتم
فقوله أَمِسَّهُ بَشَرَتَكَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَمَوْضِعُ الْمَضْمَضَةِ هُوَ الْفَمُ وَاللِّسَانُ وَمَوْضِعُ الِاسْتِنْشَاقِ كِلَاهُمَا مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ فَيَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِمَا وَبَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى أَنَّهُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(ثُمَّ تَنَحَّى) أَيْ تَبَاعَدَ وَتَحَوَّلَ عَنْ مَكَانِهِ (نَاحِيَةً) أُخْرَى (فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ) وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِتَأْخِيرِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ إِلَى آخِرِ الْغُسْلِ
وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ
стр. 278
النَّوْعُ الْأَوَّلُ مَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَصْلًا بَلِ اقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ
كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
النَّوْعُ الثَّانِي مَا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلِ الرِّجْلَيْنِ قَبْلَ إِكْمَالِ الْغُسْلِ بَلْ أَخَّرَهُ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ
أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عن كريب عن بن عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ
النَّوْعُ الثَّالِثُ مَا فِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ وَمَرَّةً بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْغُسْلِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ عن أبيه عن عائشة قال الحافظ بن حَجَرٍ تُحْمَلُ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ أَيْ أَكْثَرَهُ وَهُوَ مَا سِوَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ
ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَيْ أَعَادَ غَسْلَهُمَا لِاسْتِيعَابِ الْغُسْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَسَلَهُمَا فِي الْوُضُوءِ
قَالَ وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ ﵂ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِمَّا بِحَمْلِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِمَّا بِحَمْلِهِ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ نَظِيفٍ فَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُمَا وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَمُخْتَارُهُمَا أَنَّهُ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ
قَالَ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ كَذَلِكَ انْتَهَى
كَذَا قَالَ
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ بَلْ هِيَ إِمَّا مُحْتَمِلَةٌ كَرِوَايَةِ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ أَوْ ظَاهِرَةٌ فِي تَأْخِيرِهِمَا كَحَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَرَاوِيهَا مُقَدَّمٌ فِي الْحِفْظِ وَالْفِقْهِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ وَلَفْظُهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ ثُمَّ يَتَنَحَّى فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِيَحْصُلَ الِافْتِتَاحُ وَالِاخْتِتَامُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قُلْتُ قَالَ الشَّارِحُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ أَو اقْتِصَارُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا كُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ وَالَّذِي نَخْتَارُهُ هُوَ غَسْلُهُمَا مَرَّتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 279
(فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُحْمَلُ فِي الْيَدِ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَمَسْحِ الدَّرَنِ وَتَنْشِيفِ الْعَرَقِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخِدْمَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا أَيْ لِيُنَشِّفَ بِهِ مَاءَ الْجَسَدِ (فَلَمْ يَأْخُذْهُ) الْمِنْدِيلَ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التَّنْشِيفَ بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أن رسول الله لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عَلِيٌّ ولا بن مسعود أخرجه بن شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْبَصْرِيُّ
قَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ بن حِبَّانَ يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ وَإِنْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ نهيه وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَرَهُ وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلنَّهْيِ
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَلْمَانَ الفارسي أن رسول الله تَوَضَّأَ فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بها وجهه أخرجه بن مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَصْلُحُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ فِي جَوَازِ التَّنْشِيفِ بِانْضِمَامِ رِوَايَاتٍ أُخْرَى جَاءَتْ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَسٌ وَعُثْمَانُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ
قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ
(وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ) أَيْ يُحَرِّكُ وَيَدْفَعُ الْمَاءَ (عَنْ جَسَدِهِ) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُتَطَهِّرِ خِلَافًا لِمَنْ غَلَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ بِنَجَاسَتِهِ وَقَالَ بَعْضٌ النفض ها هنا مَحْمُولٌ عَلَى تَحْرِيكِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ مَرْدُودٌ
وَمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ نَفْضِ الْأَيْدِي فَهُوَ ضَعِيفٌ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أَيْ حكم التنشيف ووجه رده (لِإِبْرَاهِيمَ) إِبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ النَّخَعِيُّ وَالْقَائِلُ لَهُ هُوَ سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (فَقَالَ) إِبْرَاهِيمُ (يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ) أَيْ يَكْرَهُونَ التَّنْشِيفَ بِالْمَاءِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ عَادَةً لَا لِمَنْ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا
فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَةَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً (يَكْرَهُونَهُ) أَيِ التَّنْشِيفَ (لِلْعَادَةِ) فَقَطْ وَلَيْسَ كَرَاهَةً فِي أَصْلِ الْفِعْلِ (فَقَالَ) عَبْدُ اللَّهِ (هَكَذَا هُوَ
стр. 280
أَيْ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ الَّذِي فِيهِ نَاوَلَتْهُ الْمِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ هَكَذَا فِي حِفْظِي وَجْهُ رَدِّهِ ولا مذاكرة الأعمش مَعَ شَيْخِهِ إِبْرَاهِيمَ (لَكِنْ وَجَدْتُهُ) أَيْ تَوْجِيهَ إِبْرَاهِيمَ وَمُذَاكَرَةَ الْأَعْمَشِ مَعَهُ (فِي كِتَابِي هَكَذَا) وَيُحْتَمَلُ عَكْسُ ذَلِكَ أَيْ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ هَكَذَا فِي حِفْظِي مَعَ مُذَاكَرَةِ الْأَعْمَشِ مَعَ شَيْخِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِنَّا نَحْفَظُهَا لَكِنْ وَجَدْتُ حَدِيثَ مَيْمُونَةَ فِي كِتَابِي هَكَذَا بِغَيْرِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِمُذَاكَرَتِهِمَا
وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مَتَّعَنَا اللَّهُ بِطُولِ بَقَائِهِ وَقْتَ الدرس
قال بن رَسْلَانَ قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ إِذَا وَجَدَ الْحَافِظُ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ خِلَافَ مَا يَحْفَظُهُ فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ مِنْ كِتَابِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى كِتَابِهِ وَإِنْ حَفِظَهُ مِنْ فَمِ الْمُحَدِّثِ أَوْ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِي حِفْظِهِ فَلْيَعْتَمِدْ عَلَى حِفْظِهِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ فَيَقُولُ فِي حِفْظِي كَذَا وَفِي كِتَابِي كَذَا وَكَذَا فَعَلَ شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ
[٢٤٦] (عَنْ شُعْبَةَ) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ مولى بن عَبَّاسٍ ﵁ ضَعِيفٌ (سَبْعَ مِرَارٍ) هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِحَجَّةٍ لِكَوْنِهِ ضَعِيفًا وَإِنْ صح فيحمل فعل بن عَبَّاسٍ ﵁ مِنْ غَسْلِهِ لِلْأَعْضَاءِ سَبْعَ مِرَارٍ عَلَى مَا كَانَ الْأَمْرُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ (ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ) كذلك سبع مرار (فنسى) بن عَبَّاسٍ (مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ) أَيْ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ عَلَى أَيِّ عُضْوٍ من أعضاء البدن من الماء (فسألني) بن عَبَّاسٍ وَهَذِهِ مَقُولَةُ شُعْبَةَ (كَمْ أَفْرَغْتُ) أَيْ أَفْرَغْتُ سَبْعَ مِرَارٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ (فَقَالَ لَا أُمَّ لَكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ لَا أُمَّ لَكَ وَلَا أَبَ لَكَ هُوَ أَكْثَرُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمَدْحِ أَيْ لَا كَافِيَ لَكَ غَيْرُ نَفْسِكَ وَقَدْ يُذْكَرُ لِلذَّمِّ وَالتَّعَجُّبِ ودفعا للعين انتهى
فعلى الذم والسبب يَكُونُ الْمَعْنَى أَنْتَ لَقِيطٌ لَا يُعْرَفُ لَكَ أُمٌّ فَأَنْتَ مَجْهُولٌ (وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ) أَيْ لِمَ لَمْ تَنْظُرْ إِلَيَّ حَتَّى تَعْلَمَ (ثم يقول هكذا كان رسول الله يَتَطَهَّرُ) الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ فِي الْغُسْلِ سَبْعَ مِرَارٍ لَكِنِ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُعَارَضَةَ لِلْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي فِيهَا تَنْصِيصٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 281
يَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ فِي الْغُسْلِ ثَلَاثَ مِرَارٍ
قَالَ المنذري شعبة هذا هو بن عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ أَبُو يَحْيَى مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَدَنِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ انْتَهَى
[٢٤٧] (يَسْأَلُ) رَبَّهُ التَّخْفِيفَ (حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا) قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَالْمَشْهُورُ أَحَادِيثُ الْمِعْرَاجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا هُوَ ذِكْرُ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ انْتَهَى
وَأَوْرَدَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشعراني حديث بن عُمَرَ هَذَا فِي كِتَابِهِ كَشْفِ الْغُمَّةِ عَنْ جميع الأمة بلفظ كان بن عُمَرَ ﵁ يَقُولُ كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَزَلْ رسول الله يَسْأَلُ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً وَغَسْلُ الْبَوْلِ مَرَّةً قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ وَغَسْلُ الثَّوْبِ مَرَّةً هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَتَثْلِيثُ الْغُسْلِ مَنْدُوبٌ
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّثْلِيثُ فِي نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ وَاجِبٌ
قَالَ الْفَقِيهُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ مِنْ أَجَلِّ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ مَرْئِيَّةٌ وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَرْئِيًّا فَطَهَارَتُهَا بِزَوَالِ عَيْنِهَا وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ فَطَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا انْتَهَى قَالَ المنذري عبد الله بن عصم ويقال بن عِصْمَةَ نَصِيبِيٌّ وَيُقَالُ كُوفِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو عِلْوَانَ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالرَّاوِي عَنْهُ أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْيَمَامِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
[٢٤٨] (إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ) الشَّعْرُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لِلْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ فَيُجْمَعُ عَلَى شُعُورٍ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ فَيُجْمَعُ عَلَى أَشْعَارٍ مِثْلُ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ وَهُوَ مُذَكَّرٌ الْوَاحِدَةُ شَعْرَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالشِّعْرَةُ بِكَسْرِ الشين على وزن سدرة شعر الراكب لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً قَالَهُ فِي
стр. 282
الْعُبَابِ
فَلَوْ بَقِيَتْ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا الْمَاءُ بَقِيَتِ الْجَنَابَةُ (فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا أَيْ جَمِيعَهُ
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ نَقْضَ الْقُرُونِ وَالضَّفَائِرِ إِذَا أَرَادَ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَعْرُهُ مَغْسُولًا إِلَّا أَنْ يَنْقُضَهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِنْ لَمْ يَنْقُضْ شَعْرَهُ يَجْزِيهِ
وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ انْتَهَى
قُلْتُ وَاسْتُثْنِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ كَمَا سَيَجِيءُ (وَأَنْقُوا الْبَشَرَ) مِنَ الْإِنْقَاءِ أَيْ نَظِّفُوا الْبَشَرَ مِنَ الْأَوْسَاخِ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وُصُولَ الْمَاءِ لَمْ تَرْتَفِعِ الْجَنَابَةُ
وَالْبَشَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالشِّينِ قَالَ إِمَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ الْبَشَرُ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ وَفُلَانٌ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ إِذَا كَانَ كَامِلًا مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ جَمَعَ لِينَ الْأَدَمَةِ وَخُشُونَةَ الْبَشَرَةِ وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ وَأَمَّا الْأَدَمَةُ فَقَالَ الجوهر الْأَدَمَةُ بَاطِنُ الْجِلْدِ الَّذِي يَلِي اللَّحْمَ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْأَدَمَةُ مُحَرَّكَةٌ بَاطِنُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تَلِي اللَّحْمَ أَوْ ظَاهِرُهُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُوجِبُ الِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ لِمَا فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ مِنَ الشَّعْرِ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي إِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ بِقَوْلِهِ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ فَزَعَمَ أَنَّ دَاخِلَ الْفَمِ مِنَ الْبَشَرِ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ عِنْدَهُمْ هِيَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْبَدَنِ وَأَمَّا دَاخِلُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ فَهُوَ الْأَدَمَةُ وَالْعَرَبُ تَقُولُ فُلَانٌ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ إِذَا كَانَ خَشِنَ الظاهر مخبوز الْبَاطِنِ كَذَلِكَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى انْتَهَى كَلَامُهُ
قُلْتُ عَلَى تَصْرِيحِ الْجَوْهَرِيِّ دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَيْسَ مِنَ الْأَدَمَةِ لِأَنَّ الْأَدَمَةَ عَلَى تَفْسِيرِهِ هِيَ بَاطِنُ الْجِلْدِ الَّذِي يَلِي اللَّحْمَ وَدَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِمَّا لَا يَلِي اللَّحْمَ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْبَاطِنِ بَلْ هُوَ مِنَ الظَّاهِرِ فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ في الغسل من الجنابة بقوله وَأَنْقُوا الْبَشَرَ صَحِيحٌ (حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُنْكَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْمَسْتُورُ أَوِ الْمَوْصُوفُ بِسُوءِ الْحِفْظِ أَوِ الضعف في بعض مشائخه خَاصَّةً أَوْ نَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يُحْكَمُ لِحَدِيثِهِمْ بِالْقَبُولِ بِغَيْرِ عَاضِدٍ يُعَضِّدُهُ بِمَا لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ يُوجَدُ إطلاق المنكر لكثير من المحدثين كأحمد والنسائي وَإِنْ خُولِفَ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْمُنْكَرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى رَأْيِ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ
وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ (وَهُوَ) الْحَارِثُ (ضَعِيفٌ) وَكَذَا ضَعَّفَهُ آخرون
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ وَهُوَ شَيْخٌ لَيْسَ بِذَاكَ
وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَفَرَّدَ بِهِ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ وَعَنْهُ الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا أَنَّ الْحَارِثَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَعَنْهُ الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا أَنَّ الْحَارِثَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
стр. 283
[٢٤٩] (مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ أَيٍّ مِنْ عُضْوٍ مُجْنِبٍ (لَمْ يَغْسِلْهَا) الظَّاهِرُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَوْضِعٍ أَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ (فُعِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِهَا) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالضَّمِيرُ لِلتَّأْنِيثِ يَرْجِعُ إِلَى الشَّعْرَةِ أَوْ مَوْضِعِهَا وَلَفْظُ أَحْمَدَ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ (كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ) كِنَايَةً عَنِ الْعَدَدِ أَيْ كَذَا وَكَذَا عَذَابًا أَوْ زَمَانًا (قَالَ عَلِيٌّ ﵁ فَمِنْ ثَمَّ) أَيْ فَمِنْ أَجْلِ أَنْ سَمِعْتُ هَذَا التَّهْدِيدَ (عَادَيْتُ رَأْسِي) أَيْ فَعَلْتُ بِشَعْرِ رَأْسِي فِعْلَ الْعَدُوِّ بِالْعَدُوِّ يَعْنِي قَطَعْتُ شَعْرَ رَأْسِي مَخَافَةَ أَنْ لَا يَصِلَ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ رَأْسِي
وَقَوْلُهُ عَادَيْتُ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ جَزِّ شَعْرِ الرَّأْسِ وَقَطْعِهِ (وَكَانَ) عَلِيٌّ (يَجُزُّ شعره) من الجز بالجيم وتشديد الزاء الْمُعْجَمَةِ هُوَ قَصُّ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ جَزَزْتُ الصُّوفَ جَزًّا قَطَعْتُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْجَزُّ الْقَطْعُ فِي الصُّوفِ وغيره
وقال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ فِي إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا مَقْرُونًا بِأَبِي بِشْرٍ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ وَقَدْ كَانَ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ وَوَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ غَيْرُ وَاحِدٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ وَلَوْ دَوَامًا وَيَدُلُّ عَلَى جواز حلق الرأس حديث بن عمر أن النبي رَأَى صَبِيًّا حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ احْلِقُوا كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوا كُلَّهُ
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ وَيَجِيءُ بَحْثُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّرَجُّلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى
٩ - (باب الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ)
[٢٥٠] (يَغْتَسِلُ) مِنَ الْجَنَابَةِ (وَيُصَلِّي) بعد الغسل (الركعتين) قبل الصبح يصلي (صلاة
стр. 284
الْغَدَاةِ) أَيِ الصُّبْحِ (وَلَا أُرَاهُ بِالضَّمِّ أَيْ لَا أَظُنُّهُ (يُحْدِثُ) مِنَ الْإِحْدَاثِ أَيْ يُجَدِّدُ (وُضُوءًا بَعْدَ الْغُسْلِ) اكْتِفَاءَا بِوُضُوئِهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْغُسْلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَوْ بِانْدِرَاجِ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ تَحْتَ ارْتِفَاعِ الْأَكْبَرِ بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ بَعْدَ الْغُسْلِ
قُلْتُ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي الْغُسْلِ لَا مَحَالَةَ فَالْوُضُوءُ قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ عَنْهُ وَأَمَّا الْوُضُوءُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْغُسْلِ فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ﷺ وَلَمْ يَثْبُتْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الغسل وفي حديث بن مَاجَهْ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ حَسَنٌ
قَالَ بن سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ إِنَّهَا تَخْتَلِفُ نُسَخُ التِّرْمِذِيِّ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ
وَفِي الْبَابِ عَنِ بن عُمَرَ مَرْفُوعًا وَعَنْهُ مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ وَأَيُّ وُضُوءٍ أعم من الغسل رواه بن أبي شيبة
وروى بن أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ إِنِّي أَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ فَقَالَ لَقَدْ تَعَمَّقْتَ وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله والله تعالى أعلم
٠
([٢٥١] بَابُ الْمَرْأَةِ هَلْ تَنْقُضُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ)
أَوْ يَكْفِيهَا صَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْضِ الضَّفَائِرِ
(قَالَتْ إِنَّ امْرَأَةً مِنَ المسلمين) هذا لفظ بن السَّرْحِ فَلَمْ يُصَرِّحْ مَنْ هِيَ (وَقَالَ زُهَيْرٌ) في
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَة أَنَّ تَنْقُض شَعْرهَا لِغُسْلِ الْجَنَابَة وَهَذَا اِتِّفَاق مِنْ أَهْل الْعِلْم إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا تَنْقُضهُ وَلَا يُعْلَم لَهُمَا مُوَافِق
وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ قَوْله وَقَالَتْ يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ولا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لَقَدْ كُنْت أَغْتَسِل أَنَا وَرَسُول اللَّه ﷺ مِنْ إِنَاء وَاحِد
стр. 285
رِوَايَتِهِ (إِنَّهَا) أَيْ أُمَّ سَلَمَةَ فَزُهَيْرٌ صَرَّحَ بِأَنَّ السَّائِلَةَ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ (أَشُدُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ أُحْكِمُ (ضَفْرَ رَأْسِي) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ والمستفيض عند المحدثين والفقهاء
وقال الإمام بن أَبْزَى وَقَوْلُهُمْ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي يَقُولُونَهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَصَوَابُهُ ضَمُّ الضَّادِ وَالْفَاءِ جَمْعُ ضَفِيرَةٍ كَسَفِينَةٍ وَسُفُنٍ وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ لَيْسَ كَمَا زَعَمَهُ بَلِ الصَّوَابُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَلَكِنْ يَتَرَجَّحُ فَتْحُ الضَّادِ وَالْمَعْنَى إِنِّي امْرَأَةٌ أُحْكِمُ فَتْلَ شَعْرِ رَأْسِي (أَنْ تحفني) من الحفن وهو ملأ الْكَفَّيْنِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ أَيْ تَأْخُذِي الْحَفْنَةَ مِنَ الْمَاءِ (عَلَيْهِ ثَلَاثًا) أَيْ عَلَى رَأْسِكِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَهَذَا لَفْظُ بن السَّرْحِ (تَحْثِي عَلَيْهِ) تَحْثِي بِكَسْرِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ أَصْلُهُ تَحْثِوِينَ كَتَضْرِبِينَ أَوْ تَنْصُرِينَ فَحَذَفَ حَرْفَ الْعِلَّةِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهِ أَوْ حَذَفَهُ وَحَذَفَ النُّونَ لِلنَّصْبِ وَهُوَ بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ يُقَالُ حَثَيْتُ وَحَثَوْتُ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْحَثْيَةُ هِيَ الْحَفْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى (ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ أو جلل به بدنه من غير ذلك بِالْيَدِ وَإِمْرَارٍ بِهَا عَلَيْهِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مَا أَزِيد عَلَى أَنْ أُفْرِغ عَلَى رَأْسِي ثَلَاث إِفْرَاغَات رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَأَمَّا نَقْضِهِ فِي غُسْل الْحَيْض فَالْمَنْصُوص عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْقُضهُ فِيهِ
قَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَة تَنْقُض شَعْرهَا مِنْ الْحَيْض قَالَ نَعَمْ
قُلْت لَهُ كَيْف تَنْقُضهُ مِنْ الْحَيْض وَلَا تَنْقُضهُ مِنْ الْجَنَابَة فَقَالَ حَدَّثَتْ أَسْمَاء عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ تَنْفُضهُ
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابه فِي نَصّه هَذَا
فَحَمَلَتْهُ طَائِفَة مِنْهُمْ عَلَى الِاسْتِحْبَاب وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَجْرَتْهُ طَائِفَة عَلَى ظَاهِره وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَطَاوُسٍ
وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا اِحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيث عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيّ ﷺ عَنْ غُسْل الْمَحِيضِ فَقَالَ تَأْخُذ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرهَا فَتَطَهَّرَ فَتُحْسِن الطَّهُور ثُمَّ تَصُبّ عَلَى رَأْسهَا فَتَدْلُكهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغ شُؤُون رَأْسهَا الْحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ إِفَاضَة الْمَاء كَغُسْلِ الجنابة ولاسيما فَإِنَّ فِي الْحَدِيث نَفْسه وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْل الْجَنَابَة فَقَالَ تَأْخُذ مَاء فَتَطَهَّرَ بِهِ فَتُحْسِن الطَّهُور أَوْ تُبْلِغ الطَّهُور ثُمَّ تَصُبّ عَلَى رَأْسهَا فَتَدْلُكهُ حَتَّى تَبْلُغ شُؤُون رَأْسهَا
ثُمَّ تُفِيض عَلَيْهَا الْمَاء فَفَرَّقَ بَيْن غُسْل الْحَيْضِ وَغُسْل الْجَنَابَة فِي هَذَا الْحَدِيث
وَجَعَلَ غُسْلَ الْحَيْض آكَد
وَلِهَذَا أَمَرَ فِيهِ بِالسِّدْرِ الْمُتَضَمِّن لِنَقْضِهِ
وَفِي وُجُوب السِّدْر قَوْلَانِ هُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ
وَفِي حَدِيث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا إِذَا كَانَتْ
следующие страницы →