Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
التابعين علقمة والنخعي وشريح والحسن وبن سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ وَزُفَرُ وَمَنْ تابعهم
وقال زيد بن ثابت وبن عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ لَا مِيرَاثَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ وَيُوضَعُ الْمَالُ عِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْفَرْضِ وَالْعَصَبَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَتَابَعَهُمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَالشَّافِعِيُّ ﵀
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَذَوُو الْأَرْحَامِ هُمْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ وَإِنْ سَفَلُوا وَأَوْلَادُ بَنَاتِ الِابْنِ كَذَلِكَ وَالْأَجْدَادُ الْفَاسِدُونَ وَإِنْ عَلَوْا وَالْجَدَّاتُ الْفَاسِدَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ وَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْعَمَّاتُ وَغَيْرُهُمْ كَمَا فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ
(مَنْ تَرَكَ كَلًّا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ ثِقَلًا وَهُوَ يَشْمَلُ الدَّيْنَ وَالْعِيَالَ وَالْمَعْنَى إِنْ ترك الأولاد فإلى ملجأهم وَأَنَا كَافِلُهُمْ وَإِنْ تَرَكَ الدَّيْنَ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ (أَعْقِلُ لَهُ) أَيْ أُؤَدِّي عَنْهُ مَا يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ (وَأَرِثُهُ) أَيْ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ
قَالَ الْقَاضِي ﵀ يُرِيدُ بِهِ صَرْفَ مَالِهِ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ (يَعْقِلُ عَنْهُ) أَيْ إذا جنى بن أُخْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ يُؤَدِّي الْخَالُ عَنْهُ الدِّيَةَ كَالْعَصَبَةِ (وَيَرِثُهُ) أَيِ الْخَالُ إِيَّاهُ قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْمِقْدَامِ وَرُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ عَنِ الْمِقْدَامِ وَرُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ أن رسول الله ﷺ قَالَ مُرْسَلًا
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي هذا الحديث وكان بن مَعِينٍ يُضَعِّفُهُ وَيَقُولُ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ قَوِيٌّ وقال وأيضا وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَالَ الَّذِي لَا يكون بن عَمٍّ أَوْ مَوْلًى لَا يَعْقِلُ إِلَّا بِالْخُؤُولَةِ فَخَالَفُوا الْحَدِيثَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِي الْعَقْلِ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ كَانَ يَعْقِلُ الْخُؤُولَةَ ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ أَرَادَ خَالًا يَعْقِلُ بأن يكون بن عَمٍّ أَوْ مَوْلًى أَوِ اخْتَارَ وَضْعَ مَالِهِ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
стр. 2557
[٢٩٠٠] (أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ مَعْنَى الْأَوْلَوِيَّةِ النُّصْرَةُ وَالْقَوْلِيَّةُ أَيْ أَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَأَنْصُرهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا (أَوْ ضَيْعَةً) أَيْ عِيَالًا (فَإِلَيَّ) أَيْ أَدَاءُ الدَّيْنِ وَكَفَالَةُ الضَّيْعَةِ (وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ) أَيْ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ
قَالَهُ القارىء (وَأَفُكُّ عَانَهُ) أَيْ أُخَلِّصُ أَسِيرَهُ بِالْفِدَاءِ عَنْهُ وَأَصْلُهُ عَانِيَهُ حَذَفَ الْيَاءَ تَخْفِيفًا كَمَا فِي يد يقال عنا يعنو إذ خَضَعَ وَذَلَّ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ الحقوق بسبب الجنايات
قاله القارىء (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ) بَالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَيُشِيرُ الْمُؤَلِّفُ بِكَلَامِهِ هَذَا إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٢٩٠١] (أَفُكُّ عُنِيَّهُ) بِضَمِّ عَيْنٍ وَكَسْرِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ بِمَعْنَى الْأَسْرِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ مَصْدَرُ عَنَا الرَّجُلُ يَعْنُو عُنُوًّا وَعُنِيًّا وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى عَنِيَ يَعْنِي
ومعنى الأسر ها هنا هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَّتُهُ وَيَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي سَبِيلُهَا أَنْ تَتَحَمَّلَهَا الْعَاقِلَةُ وَبَيَانُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُ مَالَهُ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذهب
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فَهَذَا مَا رُدَّ بِهِ حَدِيث الْخَال وَهِيَ بِأَسْرِهَا وُجُوه ضَعِيفَة
أَمَّا قَوْلهمْ إِنَّ أَحَادِيثه ضِعَاف فَكَلَام فِيهِ إِجْمَال فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي دَرَجَة الصِّحَاح الَّتِي
стр. 2558
إِلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَتَأَوَّلَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِتَوْرِيثِهِمْ حَدِيثَ الْمِقْدَامِ عَلَى أَنَّهُ طُعْمَةٌ أَطْعَمَهَا ﵇ الْخَالَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْخَالِ مِيرَاثٌ وَلَكِنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ ﵇ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَالِ سَمَّاهُ وَارِثًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا قِيلَ الصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ وَالْجُوعُ طَعَامُ مَنْ لَا طَعَامَ لَهُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لَا عِلَّة فِيهَا فَصَحِيح وَلَكِنْ هَذَا لَا يَمْنَع الِاحْتِجَاج بِهَا وَلَا يُوجِب اِنْحِطَاطهَا عَنْ دَرَجَة الْحَسَن بَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَمْثَالهَا هِيَ الْأَحَادِيث الْحِسَان فَإِنَّهَا قَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقهَا وَرُوِيَتْ مِنْ وُجُوه مُخْتَلِفَة وَعُرِفَتْ مَخَارِجهَا وَرُوَاتهَا لَيْسُوا بِمَجْرُوحِينَ وَلَا مُتَّهَمِينَ
وَقَدْ أَخْرَجَهَا أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَحَكَمَ بِصِحَّتِهَا
وَلَيْسَ فِي أَحَادِيث الْأُصُول مَا يُعَارِضهَا
وَقَدْ رُوِيَتْ مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِب هَذَا وَمِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ حَكِيم بْن حَكِيم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حُنَيْف قَالَ كَتَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِلَى أَبِي عُبَيْدَة إِنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ اللَّه وَرَسُوله مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ وَالْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ قَالَ التِّرْمِذِيّ هذا حديث حسن
ورواه بن حِبَّان فِي صَحِيحه وَلَمْ يَصْنَع مَنْ أَعَلَّ هَذَا الْحَدِيث بِحَكِيمِ بْن حَكِيم وَأَنَّهُ مَجْهُول شَيْئًا فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ سُهَيْل بْن صَالِح وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث وَعُثْمَان بْن حَكِيم أَخُوهُ
وَلَمْ يُعْلَم أَنَّ أَحَدًا جَرَّحَهُ وَبِمِثْلِ هَذَا يَرْتَفِع عَنْهُ الْجَهَالَة وَيُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ
وَمِنْ حَدِيث عَائِشَة ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا عَنْ بن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن مُسْلِم عَنْ طَاوُس عَنْ عَائِشَة تَرْفَعهُ الْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب
قَالَ وَإِلَى هَذَا الْحَدِيث ذَهَبَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم فِي تَوْرِيث ذَوِي الْأَرْحَام
وَأَمَّا زَيْد بْن ثَابِت فَلَمْ يُوَرِّثهُمْ
وَقَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضهمْ وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ عَنْ عَائِشَة تَمَّ كَلَامه
وَهَذَا عَلَى طَرِيقَة مُنَازِعِينَا لَا يَضُرّ الْحَدِيث شَيْئًا لِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُمْ يَحْكُمُونَ بِزِيَادَةِ الثِّقَة
وَاَلَّذِي وَصَلَهُ ثِقَة وَقَدْ زَادَ فَيَجِب عِنْدهمْ قَبُول زِيَادَته
الثَّانِي أَنَّهُ مُرْسَل قَدْ عَمِلَ بِهِ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ وَمِثْل هَذَا حُجَّة عِنْد مَنْ يَرَى الْمُرْسَل حُجَّة كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ
وَأَمَّا حَمْل الْحَدِيث عَلَى الْخَال الَّذِي هُوَ عَصَبَته فَبَاطِل يُنَزَّه كَلَام الرَّسُول عَنْ أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ لِمَا يَتَضَمَّنهُ مِنْ اللَّبْس فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَلَّقَ الْمِيرَاث بِكَوْنِهِ خَالًا فَإِذَا كَانَ سَبَب تَوْرِيثه كَوْنه بن عَمّ أَوْ مَوْلًى
стр. 2559
إلى وصف لا على أن يكون بن عَمٍّ أَوْ مَوْلًى لَا يَعْقِلُ بِالْخُؤُولَةِ فَلَا إِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا وَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى خِلَافِهِ فِي التَّعَاقُلِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى عَدَمِ تَوْرِيثِهِ بَلْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يُوَرِّثُونَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْقَوْلُ بِتَوْرِيثِهِ لِأَجْلِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَحَمُّلِهِ فِي الْعَاقِلَةِ وَهَذَا حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخِمَارِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ وَالْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ قَدْ أَخَذُوا مِنْهُ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ فِي الَّذِي تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَهَا حُبْلَى أَخَذُوا بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَقَوْلُهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا يَكُونُ فِي وَقْتٍ كَانَ الْخَالُ يَعْقِلُ بِالْخُؤُولَةِ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى النَّسْخِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بَعْدَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ مُعَارَضَتِهِ الْمُقَاوِمَ لَهُ وَالثَّانِي تَأَخُّرُهُ عَنْهُ وَلَا سَبِيلَ هنا إلى واحد مِنَ الْمَالِ سَمَّاهُ وَارِثًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا قِيلَ الصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ وَالْجُوعُ طَعَامُ مَنْ لَا طَعَامَ لَهُ انتهى مختصرا
والحديث سكت عنه المنذري
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَعَدَلَ عَنْ هَذَا الْوَصْف الْمُوجِب لِلتَّوْرِيثِ إِلَى وَصْف لَا يُوجِب التَّوْرِيث
وَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْم
فهذا ضد البيان وكلام الرسول ﷺ مُنَزَّه عَنْ مِثْل ذَلِكَ
وَأَمَّا قَوْله قَدْ أجمعوا على أن الخال لا يكون بن عَمّ أَوْ مَوْلًى لَا يَعْقِل بِالْخُؤُولَةِ فَلَا إِجْمَاع فِي ذَلِكَ أَصْلًا وَأَيْنَ الْإِجْمَاع ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ عَلَى خِلَافه فِي التَّعَاقُل فَلَمْ يَنْعَقِد عَلَى عَدَم تَوْرِيثه بَلْ جُمْهُور الْعُلَمَاء يُوَرِّثُونَهُ وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الصَّحَابَة فَكَيْف يُتْرَك الْقَوْل بِتَوْرِيثِهِ لِأَجْلِ الْقَوْل بِعَدَمِ تَحَمُّله فِي الْعَاقِلَة وَهَذَا حَدِيث الْمَسْح عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخِمَار وَالْمَسْح عَلَى الْعَصَائِب وَالتَّسَاخِين وَالْمَسْح عَلَى النَّاصِيَة وَالْعِمَامَة قَدْ أَخَذُوا مِنْهُ ببعضه دون بعض وكذلك حديث بصرة بن أَبِي بصرة فِي الَّذِي تَزَوَّجَ اِمْرَأَة فَوَجَدَهَا حُبْلَى أَخَذُوا بِبَعْضِهِ دُون بَعْض وَهَذَا مَوْجُود فِي غَيْر حَدِيث
وَقَوْله لَوْ كَانَ ثَابِتًا يَكُون فِي وَقْت كَانَ الْخَال يَعْقِل بِالْخُؤُولَةِ فَهُوَ إِشَارَة إِلَى النَّسْخ الَّذِي لَا يُمْكِن إثباته إلا بعد أمرين أحدهما ثبوت معارضته الْمُقَاوِم لَهُ
وَالثَّانِي تَأَخُّره عَنْهُ
وَلَا سَبِيل هُنَا إِلَى وَاحِد مِنْ الْأَمْرَيْنِ
وَقَوْله اِخْتَارَ وَضْع مَاله فِيهِ يَعْنِي عَلَى سَبِيل الطُّعْمَة لَا الْمِيرَاث فَبَاطِل لِثَلَاثَةِ أَوْجُه أَحَدهَا أَنَّ لَفْظ الْحَدِيث يُبْطِلهُ فَإِنَّهُ قَالَ يَرِث مَاله وَفِي لَفْظ يَرِثهُ
الثَّانِي أَنَّهُ سَمَّاهُ وَارِثًا وَالْأَصْل فِي التَّسْمِيَة الْحَقِيقَة فَلَا يُعْدَل عَنْهَا إِلَّا بَعْد أُمُور أَرْبَعَة أَحَدهَا قِيَام دَلِيل عَلَى اِمْتِنَاع إِرَادَتهَا
الثَّانِي بَيَان اِحْتِمَال اللَّفْظ لِلْمَعْنَى الَّذِي عَيَّنَهُ مَجَازًا لَهُ وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ إِلَّا بِالثَّالِثِ وَهُوَ بَيَان اِسْتِعْمَاله فِيهِ لُغَة حَتَّى لَا يَكُون لَنَا وَضْع يُحْمَل عَلَيْهِ لَفْظ النَّصّ
وَكَثِير مِنْ النَّاس يَغْفُل عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَة وَيَقُول يُحْمَل عَلَى كَذَا وَكَذَا وَهَذَا غَلَط
فَإِنَّ الْحَمْل لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَنْ اِسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا كَانَ خَبَرًا كَاذِبًا وَإِنْ أَرَادَ به أني أنشىء حَمْله عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَمَا يَظُنّ كَثِير مِمَّنْ لَا تَحْقِيق عِنْده فَهُوَ بَاطِل قَطْعًا لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْتَكِبهُ ثُمَّ يَحْمِل كَلَام الشَّارِع عَلَيْهِ
الرَّابِع الْجَوَاب عَنْ الْمُعَارِض وَهُوَ دَلِيل إِرَادَة الْحَقِيقِيَّة وَلَا يَكْفِيه دَلِيل اِمْتِنَاع إِرَادَتهَا مَا لَمْ يُجِبْ عَنْ دَلِيل الإرادة
стр. 2560
[٢٩٠٢] (أَنَّ مَوْلَى) أَيْ عَتِيقًا (وَلَا حَمِيمًا) أَيْ قَرِيبًا (أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ) أَيْ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ الْقَاضِي ﵀ إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُعْطِيَ رَجُلًا مِنْ قَرْيَتِهِ تَصَدُّقًا مِنْهُ أَوْ تَرَفُّعًا أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّ حَاجَاتِهِمْ فَوَضَعَهُ فِيهِمْ لِمَا رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَمَا لَا يُورَثُ عَنْهُمْ لَا يَرِثُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ انْتَهَى
قَالَ فِي النَّيْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ صَرْفِ مِيرَاثِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مَعْلُومٌ إِلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
[٢٩٠٣] (فَالْتَمِسْ أَزْدِيًّا) قَالَ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ أَزْدُ بْنُ الْغَوْثِ أبو حي باليمين وَمِنْ أَوْلَادِهِ الْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ وَخُزَاعَةُ حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ انْتَهَى (حَوْلًا) أَيْ سَنَةً (عَلَيَّ الرَّجُلَ) أَيْ رَدُّوهُ (كُبْرَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْخَامِس أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا اللَّفْظ فَهِمُوا مِنْهُ الميراث دون غيره وهم الصحابة ﵃ ولهذا كتب به عمر ﵁ جَوَابًا لِأَبِي عُبَيْدَة حِين سَأَلَهُ فِي كِتَابه عَنْ مِيرَاث الْخَال وَهُمْ أَحَقّ الْخَلْق بِالْإِصَابَةِ فِي الْفَهْم
وَقَدْ عُلِمَ بِهَذَا بُطْلَان حَمْل الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْخَال السُّلْطَان وَعَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ السَّلَب
وَكُلّ هَذِهِ وُجُوه بَاطِلَة
وَأَسْعَد النَّاس بِهَذِهِ الْأَحَادِيث مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهَا وبالله التوفيق
стр. 2561
خُزَاعَةَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ فُلَانٌ كُبْرُ قَوْمِهِ بِالضَّمِّ إِذَا كَانَ أَقْعَدَهُمْ فِي النَّسَبِ وَهُوَ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ بِآبَاءٍ أَقَلِّ عَدَدًا مِنْ بَاقِي عَشِيرَتِهِ وَقَوْلُهُ أَكْبَرُ رَجُلٍ أَيْ كَبِيرُهُمْ وَهُوَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَقَالَ جِبْرِيلُ بْنُ أَحْمَرَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَالْحَدِيثُ مُنْكَرٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ الْمُوصِلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ شَيْخٌ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ
[٢٩٠٤] (الْكَبِيرُ مِنْ خُزَاعَةَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْكُبْرُ مِنْ خُزَاعَةَ وَالْمُرَادُ مِنَ الْكَبِيرِ هُوَ الْكُبْرُ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ) أَيْ كَبِيرُهُمْ وَهُوَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ
[٢٩٠٥] (وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا) أَيْ لَمْ يَتْرُكُ أَحَدًا يَرِثُهُ (إِلَّا غُلَامًا لَهُ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لَكِنْ تَرَكَ عَبْدًا (هَلْ لَهُ أَحَدٌ) أَيْ يَرِثُهُ (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَهُ) أَيْ مِيرَاثُ الرَّجُلِ (لَهُ) أَيْ لِلْغُلَامِ
قال القارىء وهذا لجعل مِثْلُ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ لِأَنَّهُ صَارَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ قَالَ الْمُظْهِرُ قَالَ شُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ يَرِثُ الْعَتِيقُ مِنَ الْمُعْتِقِ كَمَا يَرِثُ الْمُعْتِقُ مِنَ العقيق انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
هَذَا آخِرُ كلامه وقال البخاري عوسجة مولى بن عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَلَمْ يَصِحَّ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيِّ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ عَوْسَجَةُ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَرْوِي عَنْهُ غَيْرَ عَمْرٍو
وَقَالَ أبو زرعة الرازي ثقة
стр. 2562
٩ - (باب ميراث بن الْمُلَاعَنَةِ)
[٢٩٠٦] (النَّصْرِيُّ) بِالنُّونِ ثُمَّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْجَدِّ (الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ) أَيْ تَجْمَعُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَحُوزُ (عَتِيقَهَا) أَيْ مِيرَاثُ عَتِيقِهَا فَإِنَّهُ إِذَا أَعْتَقَتْ عَبْدًا وَمَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ تَرِثُ مَالَهُ بِالْوَلَاءِ (وَلَقِيطُهَا) هُوَ طِفْلٌ يُوجَدُ مُلْقًى عَلَى الطَّرِيقِ لَا يُعْرَفُ أَبَوَاهُ
قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَمَّا اللَّقِيطُ فَإِنَّهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ حُرٌّ فَإِذَا كَانَ حُرًّا فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ وَالْمِيرَاثُ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّقِيطِ وَمُلْتَقِطِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا
وَكَانَ إِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ يَقُولُ وَلَاءُ اللَّقِيطِ لِمُلْتَقِطِهِ وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ لَمْ يَلْزَمِ الْقَوْلُ بِهِ فَكَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى انْتَهَى (لَاعَنَتْ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْهُ أَيْ عَنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَأَمَّا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَأُعِلَّ أَيْضًا بِعَبْدِ الْوَاحِد بْن عَبْد اللَّه بْن بُسْر النَّصْرِيّ رَاوِيه عَنْ وَائِلَة قال بن أَبِي حَاتِم صَالِح لَا يُحْتَجّ بِهِ
وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاث جُمَل إِحْدَاهَا مِيرَاث الْمَرْأَة عَتِيقهَا وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ
الثَّانِيَة مِيرَاثهَا وَلَدهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَانَ زَيْد بْن ثَابِت يَجْعَل مِيرَاثهَا مِنْهُ كَمِيرَاثِهَا مِنْ الْوَلَد الَّذِي لَمْ تُلَاعِن عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عن بن عَبَّاس نَحْوه وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ وَعِنْدهمْ لَا تَأْثِير لِانْقِطَاعِ نَسَبه مِنْ أَبِيهِ في ميراث الأم منه
وكان الحسن وبن سِيرِينَ وَجَابِر بْن زَيْد وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَن بْن صَالِح وَغَيْرهمْ يَجْعَلُونَ عَصَبَة أُمّه عَصَبَة لَهُ وَهَذَا مَذْهَب أَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن علي وبن عباس
وكان بن مَسْعُود وَعَلِيّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْهُ يَجْعَلُونَ أُمّه نَفْسهَا عَصَبَة وَهِيَ قَائِمَة مَقَام أُمّه وَأَبِيهِ فَإِنْ عُدِمَتْ فَعَصَبَتهَا عَصَبَته
стр. 2563
الْوَلَدُ الَّذِي نَفَاهُ الرَّجُلُ بِاللِّعَانِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَرِثُ الْآخَرَ لِأَنَّ التَّوَارُثَ بِسَبَبِ النَّسَبِ انْتَفَى بِاللِّعَانِ وَأَمَّا نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَثَابِتٌ وَيَتَوَارَثَانِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَهَذَا هُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ أَحْمَد نَقَلَهَا عَنْهُ أَبُو الْحَارِث وَمُهَنَّا
وَنَقَلَ الْأُولَى الْأَثْرَم وَحَنْبَل وَهُوَ مَذْهَب مَكْحُول وَالشَّعْبِيّ
وَأَصَحّ هَذِهِ الْأَقْوَال أَنَّ أُمّه نَفْسهَا عصبة وَعَصَبَتهَا مِنْ بَعْدهَا عَصَبَة لَهُ هَذَا مُقْتَضَى الْآثَار وَالْقِيَاس
أَمَّا الْآثَار فَمِنْهَا حَدِيث وَاثِلَة هَذَا
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَاب عَنْ مَكْحُول
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ النَّبِيّ ﷺ مِثْله
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد عَنْ رَجُل مِنْ أَهْل الشَّام أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَة عَصَبَته عصبة أُمّه ذَكَرَهُ فِي الْمَرَاسِيل
وَفِي لَفْظ لَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ كَتَبْت إِلَى صَدِيق لِي مِنْ أَهْل الْمَدِينَة مِنْ بَنِي زُرَيْق أَسْأَلهُ عَنْ وَلَد الملاعنة لِمَنْ قَضَى بِهِ رَسُول اللَّه ﷺ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنِّي سَأَلْت فَأُخْبِرْت أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمّه
وَهَذِهِ آثَار يَشُدّ بَعْضهَا بَعْضًا
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ إِنَّ الْمُرْسَل إِذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ رُوِيَ مُسْنَدًا أَوْ اُعْتُضِدَ بِعَمَلِ بَعْض الصَّحَابَة فَهُوَ حُجَّة
وَهَذَا قَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوه مُتَعَدِّدَة وَعَمِلَ بِهِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَة وَالْقِيَاس مَعَهُ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُعْتَقَة كَانَ عَصَبَتهَا مِنْ الْوَلَاء عَصَبَة لِوَلَدِهَا وَلَا يَكُون عَصَبَتهَا مِنْ النَّسَب عَصَبَة لَهُمْ
وَمَعْلُوم أَنَّ تَعْصِيب الْوَلَاء الثَّابِت لِغَيْرِ الْمُبَاشَر بِالْعِتْقِ فَرْع عَلَى ثُبُوت تَعْصِيب النَّسَب فَكَيْف يَثْبُت الْفَرْع مَعَ اِنْتِفَاء أَصْله وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَلَاء فِي الْأَصْل لِمَوَالِي الْأَب فَإِذَا اِنْقَطَعَ مِنْ جِهَتهمْ رَجَعَ إِلَى مَوَالِي الْأُمّ فَإِذَا عَادَ مِنْ جِهَة الْأَب اِنْتَقَلَ مِنْ مَوَالِي الْأُمّ إِلَى مَوَالِي الْأَب وَهَكَذَا النَّسَب هُوَ فِي الْأَصْل لِلْأَبِ وَعَصَبَاته فَإِذَا اِنْقَطَعَ مِنْ جِهَته بِاللِّعَانِ عَادَ إِلَى الْأُمّ وَعَصَبَاتهَا فَإِذَا عَادَ إِلَى الْأَب بِاعْتِرَافِهِ بِالْوَلَدِ وَإِكْذَابه نَفْسه رَجَعَ النَّسَب إِلَيْهِ كَالْوَلَاءِ سَوَاء بَلْ النَّسَب هُوَ الْأَصْل فِي ذَلِكَ وَالْوَلَاء مُلْحَق بِهِ
وَهَذَا مِنْ أَوْضَح الْقِيَاس وَأَبْيَنه وَأَدَلّه عَلَى دِقَّة أَفْهَام الصَّحَابَة وَبُعْد غَوْرهمْ فِي مَأْخَذ الْأَحْكَام
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا فِي قَوْله فِي الْحَدِيث هِيَ بِمَنْزِلَةِ أُمّه وَأَبِيهِ
стр. 2564
والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ رُوَيَّةَ التَّغْلِبِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَسُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ صَالِحُ الْحَدِيثِ قِيلَ تَقُومُ بِالْحُجَّةِ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ صَالِحٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَمْ يُثْبِتِ الْبُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثُ لِجَهَالَةِ بَعْضِ رُوَاتِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
حَتَّى لَوْ لَمْ تَرِد هَذِهِ الْآثَار لَكَانَ هَذَا مَحْض الْقِيَاس الصَّحِيح
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَصَبَة أُمّه عَصَبَة لَهُ فَهِيَ أَوْلَى أَنْ تَكُون عَصَبَته لِأَنَّهُمْ فَرْعهَا وَهُمْ إِنَّمَا صَارُوا عَصَبَة لَهُ بِوَاسِطَتِهَا وَمِنْ جِهَتهَا اِسْتَفَادُوا تَعْصِيبهمْ فَلَأَنْ تَكُون هِيَ نَفْسهَا عَصَبَة أَوْلَى وَأَحْرَى
فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَتْ أُمّه بِمَنْزِلَةِ أُمّه وَأَبِيهِ لَحَجَبَتْ إِخْوَته وَلَمْ يَرِثُوا مَعَهَا شَيْئًا وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَرِثُونَ مِنْهُ بِالْفَرْضِ فَكَيْف يَكُونُونَ عَصَبَة لَهُ فَالْجَوَاب إِنَّهَا إِنَّمَا لَمْ تَحْجُب إِخْوَته مِنْ حَيْثُ إِنَّ تَعْصِيبهَا مُفَرَّع عَلَى اِنْقِطَاع تَعْصِيبه مِنْ جِهَة الْأَب كَمَا أَنَّ تَعْصِيب الْوَلَاء مُفَرَّع عَلَى اِنْقِطَاع التَّعْصِيب مِنْ جِهَة النَّسَب فَكَمَا لَا يَحْجُب عَصَبَة الْوَلَاء أَحَدًا مِنْ أَهْل النَّسَب كَذَلِكَ لَا تَحْجُب الْأُمّ الْإِخْوَة لِضَعْفِ تَعْصِيبهَا وَكَوْنه إِنَّمَا صَارَ إِلَيْهَا ضَرُورَة تَعَذُّره مِنْ جِهَة أَصْله وَهُوَ بِعَرْضِ الزَّوَال بِأَنْ يُقِرّ بِهِ الْمُلَاعِن فَيَزُول
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِخْوَة اِسْتَفَادُوا مِنْ جِهَتهَا أَمْرَيْنِ أُخُوَّة وَلَد الْمُلَاعَنَة وَتَعْصِيبه
فَهُمْ يَرِثُونَ أَخَاهُمْ مَعَهَا بِالْأُخُوَّةِ لَا بِالتَّعْصِيبِ وَتَعْصِيبهَا إِنَّمَا يَدْفَع تَعْصِيبهمْ لَا أُخُوَّتهمْ وَلِهَذَا وَرِثُوا مَعَهَا بِالْفَرْضِ لَا بِالتَّعْصِيبِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
الْجُمْلَة الثَّالِثَة فِي حَدِيث وَاثِلَة مِيرَاث اللَّقِيط وَهَذَا قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ
فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا تَوَارُث بَيْنه وَبَيْن مُلْتَقِطه بِذَلِكَ
وَذَهَبَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ إِلَى أَنَّ مِيرَاثه لِمُلْتَقِطِهِ عِنْد عَدَم نَسَبه لِظَاهِرِ حَدِيث وَاثِلَة وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيث فَالْقَوْل مَا قَالَ إِسْحَاق لِأَنَّ إِنْعَام الْمُلْتَقِط عَلَى اللَّقِيط بِتَرْبِيَتِهِ وَالْقِيَام عَلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ لَيْسَ بِدُونِ إِنْعَام الْمُعْتِق عَلَى الْعَبْد بِعِتْقِهِ فَإِذَا كَانَ الْإِنْعَام بِالْعِتْقِ سَبَبًا لِمِيرَاثِ الْمُعْتَق مَعَ أَنَّهُ لَا نَسَب بَيْنهمَا فَكَيْف يُسْتَبْعَد أَنْ يَكُون الْإِنْعَام بِالِالْتِقَاطِ سَبَبًا لَهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُون أَعْظَم مَوْقِعًا وَأَتَمّ نِعْمَة وَأَيْضًا فَقَدْ سَاوَى هَذَا الْمُلْتَقِط الْمُسْلِمِينَ فِي مَال اللَّقِيط وَامْتَازَ عَنْهُمْ بِتَرْبِيَةِ اللَّقِيط وَالْقِيَام بِمَصَالِحِهِ وَإِحْيَائِهِ مِنْ الْهَلَكَة فَمِنْ مَحَاسِن الشَّرْع وَمَصْلَحَته وَحِكْمَته أَنْ يَكُون أَحَقّ بِمِيرَاثِهِ
وَإِذَا تَدَبَّرْت هَذَا وَجَدْته أَصَحّ مِنْ كَثِير مِنْ الْقِيَاسَات الَّتِي يَبْنُونَ عَلَيْهَا الْأَحْكَام وَالْعُقُول أَشَدّ قَبُولًا لَهُ
стр. 2565
[٢٩٠٧] (جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ميراث بن الملاعنة الخ) فيه أن بن الْمُلَاعِنَةِ يَكُونُ مِيرَاثُهُ لِأُمِّهِ فَيَكُونُ لِلْأُمِّ سَهْمُهَا ثُمَّ لِعَصَبَتِهَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يكن غير الأم وقرابتها من بن للميت أو زوجة فإن كان له بن أَوْ زَوْجَةٌ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا يَسْتَحِقّهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَارِيثِ
قَالَهُ فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ حَدِيثُ مَكْحُولٍ مُرْسَلٌ
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ احْتَجَّ بِرِوَايَةٍ لَيْسَتْ مِمَّا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَظُنُّهُ أَرَادَ حَدِيثَ مَكْحُولٍ
[٢٩٠٨] (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إِلَخْ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَفِي رُوَاتِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ
([٢٩٠٩] بَاب هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ)
(لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَأَمَّا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ فَفِيهِ خِلَافٌ فَالْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بعدهم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَقَوْل إِسْحَاق فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي غَايَة الْقُوَّة وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ يَدْفَع الْمِيرَاث بِدُونِ هَذَا كَمَا دَفَعَهُ إِلَى الْعَتِيق مَرَّة وَإِلَى الْكُبْر مِنْ خُزَاعَة مَرَّة وَإِلَى أَهْل سِكَّة الْمَيِّت وَدَرْبه مَرَّة وَإِلَى مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ مَرَّة وَلَمْ يُعْرَف عنه ﷺ شَيْء يَنْسَخ ذَلِكَ وَلَكِنْ الَّذِي اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ شَرْعه تَقْدِيم النَّسَب عَلَى هَذِهِ الْأُمُور كُلّهَا وَأَمَّا نَسْخهَا عِنْد عَدَم النَّسَب فَمِمَّا لَا سَبِيل إِلَى إِثْبَاته أَصْلًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 2566
عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَيْضًا وَذَهَبَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَسْرُوقٌ ﵏ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَرِثُ مِنَ الْكَافِرِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﵊ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ
وَالْمُرَادُ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ فَضْلُ الْإِسْلَامِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْمِيرَاثِ فَلَا يُتْرَكُ النَّصُّ الصَّرِيحُ وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ بِالْإِجْمَاعِ
وَأَمَّا الْمُسْلِمُ مِنَ الْمُرْتَدِّ فَفِيهِ أَيْضًا الْخِلَافُ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرَبِيعَةَ وبن أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٢٩١٠] (وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا) وَزَادَ بن مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ فَكَانَ عُمَرُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَقُولُ لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَوْضِعُ اسْتِدْلَالِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ أَنَّ عَقِيلًا لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ فَوَرِثَهُ وَكَانَ عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ مُسْلِمَيْنِ فَلَمْ يَرِثَاهُ وَلَمَّا مَلَكَ عَقِيلٌ رِبَاعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَاعَهَا فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مَنْزِلًا انْتَهَى (بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ مَا ارْتَفَعَ عَنِ السَّيْلِ وَانْحَدَرَ عَنِ الْجَبَلِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُحَصَّبُ (حَيْثُ قَاسَمَتْ) أَيْ حَالَفَتْ (يَعْنِي الْمُحَصَّبَ) تَفْسِيرٌ لِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ الْمُحَصَّبُ هُوَ الشِّعْبُ الَّذِي مَخْرَجُهُ إِلَى الْأَبْطَحِ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى (حَالَفَتْ قُرَيْشًا) قَالَ النَّوَوِيُّ تَحَالَفُوا عَلَى إِخْرَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى هَذَا
стр. 2567
الشِّعْبِ وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ وَكَتَبُوا بَيْنَهُمُ الصحيفة المسطورة فيها أنواع من الأباطل فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْكُفْرِ وَتَرَكَ مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخْبَرَ جبرائيل النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ فَأَخْبَرَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ فَسَقَطَ في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم
وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ
وَإِنَّمَا اخْتَارَ النُّزُولَ هُنَاكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ فِي دُخُولِهِ ظَاهِرًا وَنَقْضًا لِمَا تَعَاقَدُوهُ بَيْنَهُمْ كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ وَالْقَسْطَلَّانِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٢٩١١] (لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ صِفَةُ أَهْلٍ أَيْ مُتَفَرِّقُونَ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَا يَتَوَارَثُ أَيْ مُتَفَرِّقِينَ
وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةُ الْمِلَّتَيْنِ أَيْ مِلَّتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ شَيْئًا مَكَانَ شَتَّى
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالْكُفْرِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّتَيْنِ الْكُفْرُ وَالْإِسْلَامُ فَيَكُونُ كَحَدِيثِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ الْحَدِيثَ
قَالُوا وَأَمَّا تَوْرِيثُ مِلَلِ الْكُفْرِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ وَلَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ لِلْمِلَلِ كُلِّهَا إِلَّا الْأَوْزَاعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَلَا عَكْسُهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمِلَلِ
قَالَ فِي السُّبُلِ وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ من حديث جابر إلا من حديث بن أبي ليلى
هذا آخر كلامه
وبن أَبِي لَيْلَى هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
[٢٩١٢] (إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ مَرْوٍ وَقَاضِيهَا ثِقَةٌ فَصِيحٌ وَكَانَ يُرْسِلُ مِنَ الثَّالِثَةِ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ (يَهُودِيٌّ وَمُسْلِمٌ) أَيْ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ
стр. 2568
يَهُودِيٌّ وَالْآخَرُ مِنْهُمَا مُسْلِمٌ (الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ) أَيْ يَزِيدُ بِالدَّاخِلِينَ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ بِالْمُرْتَدِّينَ أَوْ يَزِيدُ بِمَا يُفْتَحُ مِنَ الْبِلَادِ وَلَا يَنْقُصُ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَفَرَةُ مِنْهَا أَوْ أَنَّ حُكْمَهُ يَغْلِبُ وَمِنْ تَغْلِيبِهِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَاسْتَدَلَّ مُعَاذٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُورِثُ الْكَافِرَ وَلَا عَكْسَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ
انْتَهَى
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ
[٢٩١٣] (أَنَّ مُعَاذًا أُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِمِيرَاثِ يَهُودِيٍّ) مِيرَاثٌ مُضَافٌ إِلَى يَهُودِيٍّ (وَارِثُهُ مُسْلِمٌ) صِفَةُ يَهُودِيٍّ وَالْمَعْنَى أَنَّ يَهُودِيًّا مَاتَ وَتَرَكَ وَارِثَيْنِ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ يَهُودِيٌّ فَوَرَّثَ مُعَاذٌ مُسْلِمًا وَلَمْ يُوَرِّثْ يَهُودِيًّا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي سَمَاعِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ نَظَرٌ
([٢٩١٤] بَاب فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ أَيْ أَسْلَمَ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ فَمَاذَا حكمه)
وقال بن مَاجَهْ بَابُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ انْتَهَى
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بَابُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا مِنْ الرِّبَا وَلَمْ يَتَعَرَّض لِمَا قَبَضُوهُ بَلْ أَمْضَاهُ لَهُمْ
وَكَذَلِكَ الْأَنْكِحَة لَمْ يَتَعَرَّض فِيهَا لِمَا مَضَى وَلَا لِكَيْفِيَّةِ عَقْدهَا بَلْ أَمْضَاهَا وَأَبْطَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُوجِب إِبْطَاله قَائِمًا فِي الْإِسْلَام كَنِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ وَالزَّائِدَة عَلَى الْأَرْبَع فَهُوَ نَظِير الْبَاقِي مِنْ الرِّبَا
стр. 2569
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَيْ إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ الْمُخَلَّفُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْمَوْتِ لَا بِوَقْتِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ انْتَهَى
(كُلُّ قَسْمٍ) مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْمَالُ الْمَقْسُومُ (قُسِمَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قَسِمَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَمْوَالِ وَالْأَسْبَابِ وَالْأَنْكِحَةِ الَّتِي كَانَتْ في الجاهلية
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَكَذَلِكَ الْأَمْوَال لَمْ يَسْأَل النَّبِيّ ﷺ أَحَدًا بَعْد إِسْلَامه عَنْ مَاله وَوَجْه أَخْذه وَلَا تَعَرَّضَ لِذَلِكَ
وَكَذَلِكَ لِلْأَسْبَابِ الْأُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَلْحَق فِي بَابه
وَهَذَا أَصْل مِنْ أُصُول الشَّرِيعَة يَنْبَنِي عَلَيْهِ أَحْكَام كَثِيرَة
وَأَمَّا الرَّجُل يُسْلِم عَلَى الْمِيرَاث قَبْل أَنْ يُقَسَّم فَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُثْمَان وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَالْحَسَن بْن عَلِيّ أَنَّهُ يَرِث وَقَالَ بِهِ جَابِر بْن زَيْد وَالْحَسَن وَمَكْحُول وَقَتَادَةُ وَحُمَيْدٌ وَإِيَاس بْن مُعَاوِيَة وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالْإِمَام أَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ اِخْتَارَهَا أَكْثَر أَصْحَابه
وَذَهَبَ عَامَّة الْفُقَهَاء إِلَى أَنَّهُ لَا يَرِث كَمَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْد الْقِسْمَة وَهَذَا مَذْهَب الثلاثة
وذكر بن عَبْد الْبَرّ فِي التَّمْهِيد أَنَّ عُمَر قَضَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاث قَبْل أَنْ يُقَسَّم فَلَهُ نَصِيبه
وَقَضَى بِهِ عُثْمَان
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْل الْأَوَّل بِمَا رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور فِي سُنَنه عَنْ عُرْوَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْء فَهُوَ لَهُ وَرَوَاهُ أَيْضًا عن بن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَضَاء اِنْتَشَرَ فِي الصَّحَابَة مِنْ عمر وعثمان ولم يعلم لهما مخالفا
وَفِيهِ نَظَر فَإِنَّ الْمَشْهُور عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ لَا يَرِث
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ التَّرِكَة إِنَّمَا يَتَحَقَّق اِنْتِقَالهَا إِلَيْهِمْ بِقِسْمَتِهَا وَحَوْزهَا وَاخْتِصَاص كُلّ مِنْ الْوَارِثِينَ بِنَصِيبِهِ وَمَا قَبْل ذَلِكَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ مَا قَبْل الْمَوْت
وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَا قَبْل الْمَوْت مِنْ وَجْه وَبِمَنْزِلَةِ مَا قَبْل الْقِسْمَة مِنْ وَجْه فَإِنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْمَوْتِ مِلْكًا قَهْرِيًّا وَنَمَاؤُهَا لَهُمْ وَابْتَدَأَ حَوْل الزَّكَاة مِنْ حِين الْمَوْت وَلَكِنْ هِيَ قَبْل الْقِسْمَة كالباقي على
стр. 2570
مَاضِيَةٌ عَلَى مَا وَقَعَ الْحُكْمُ مِنْهُمْ فِيهَا فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُرَدُّ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنَّ مَا حَدَثَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَأْنَفُ فِيهِ حُكْمُ الإسلام انتهى
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
٢ - (بَاب فِي الْوَلَاءِ)
[٢٩١٥] بِفَتْحِ الْوَاوِ يَعْنِي وَلَاءَ الْعِتْقِ وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ أَوْ وَرِثَهُ مُعْتَقُهُ وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ فَلَا يَزُولُ بِالْإِزَالَةِ
(أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً) اسْمُهَا بَرِيرَةٌ (لَا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ) أَيِ الِاشْتِرَاطُ مِنْهُمْ بَقِيَ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ عِنْدَ كَثِيرٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ لِمَصْلَحَةٍ وَيَجُوزُ لِلشَّارِعِ مِثْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ
مَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَا شَرَطُوهُ من الولاء لغير المعتق انتهى
قال المنذري وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[٢٩١٦] (وَوَلِيَ النِّعْمَةَ) أَيْ نِعْمَةُ الْعِتْقِ
قَالَ الْحَافِظُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ أَعْتَقَ انْتَهَى
قَالَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مِلْك الْمَوْرُوث وَلَوْ نَمَتْ لَضُوعِفَ مِنْهَا وَصَايَاهُ وَقُضِيَتْ مِنْهَا دُيُونه فَهِيَ فِي حُكْم الْبَاقِي عَلَى مِلْكه مِنْ بَعْض الْوُجُوه
وَلَوْ تَجَدَّدَ لِلْمَيِّتِ صَيْد بَعْد مَوْته بِأَنْ يَقَع فِي شَبَكَة نَصَبَهَا قَبْل مَوْته ثَبَتَ مِلْكه عَلَيْهِ
وَلَوْ وَقَعَ إِنْسَان فِي بِئْر حَفَرَهَا لَتَعَلَّقَ ضَمَانه بِتَرِكَتِهِ بَعْد مَوْته فَإِذَا قُسِّمَتْ التَّرِكَة وَتَعَيَّنَ حَقّ كُلّ وَارِث اِنْقَطَعَتْ عَلَاقَة الْمَيِّت عَنْهَا وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2571
القسطلاني والحديث كما قاله بن بَطَّالٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَاءَ لِكُلِّ مُعْتِقٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ خِلَافٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّهُ إِلَيْهِنَّ مَنْ أَعْتَقَ بِوِلَادَةٍ أَوْ عِتْقٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٩١٧] (رِئَابُ بْنُ حُذَيْفَةَ) يَجِيءُ ضَبْطُهُ فِي كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ (تَزَوَّجَ امْرَأَةً) اسْمُهَا أُمُّ وَائِلٍ بِنْتُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيَّةُ كما في رواية بن مَاجَهْ (ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ) جَمْعُ غُلَامٍ أَيْ ثَلَاثَةُ أَبْنَاءٍ (فَوَرَّثُوهَا) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْغِلْمَةِ وَالْمُؤَنَّثُ لِلْمَرْأَةِ
ولفظ بن مَاجَهْ فَوَرِثَهَا بَنُوهَا (رِبَاعَهَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رَبْعٍ أَيْ دُورُهَا (فَأَخْرَجَهُمْ) أَيْ أَخْرَجَ عَمْرَو بن العاص بنيها وفي رواية بن مَاجَهْ فَخَرَجَ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (فَمَاتُوا) أَيْ بَنُو الْمَرْأَةِ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ الَّذِي وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الشَّامِ وَمَاتَ فِيهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (مَالًا لَهُ) أَيْ مَالًا كَانَ فِي مِلْكِهِ (فَخَاصَمَهُ) أَيْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ
وَالْمَعْنَى وَرِثَ عَمْرُو مَالَ بَنِي الْمَرْأَةِ وَمَالَ مَوْلَاهَا فَخَاصَمَهُ إخوتها في ولاء أختهم
ولفظ بن مَاجَهْ فَلَمَّا رَجَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَاءَ بَنُو مَعْمَرٍ يُخَاصِمُونَهُ فِي وَلَاءِ أُخْتِهِمْ إِلَى عُمَرَ (مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ) أَيْ مِنْ إِرْثِ الْأَبِ أَوِ الْأُمِّ (أَوِ الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ) أَيِ الْوَلَدُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُحْرِزَ (مَنْ كَانَ) قَالَ فِي السُّبُلِ الْمُرَادُ بِإِحْرَازِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ مَا صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَصَبَةِ مِيرَاثًا
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ وَفِيهِ خِلَافٌ وَتَظْهَرُ فِيهِ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَخَوَيْنِ أَوِ ابْنَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ وَتَرَكَ ابْنًا أَوْ أَحَدَ الْأَخَوَيْنِ وَتَرَكَ ابْنًا فَعَلَى القول بالتوريث ميراثه بين الإبن وبن الإبن أو بن الْأَخِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهِ يَكُونُ لِلِابْنِ وَحْدَهُ انْتَهَى (فَكَتَبَ) أَيْ عُمَرُ ﵁ (لَهُ) أَيْ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَبْدُ الْمَلِكِ) أي بن مَرْوَانَ (اخْتَصَمُوا) أَيْ إِخْوَةُ الْمَرْأَةِ (أَوْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مَا
стр. 2572
كُنْتُ أَرَاهُ) مَا مَوْصُولَةٌ (إِلَى السَّاعَةِ أَيْ إلى هذه الساعة
ولفظ بن مَاجَهْ فَقَالَ عُمَرُ أَقْضِي بَيْنكُمْ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ قَالَ فَقَضَى لَنَا بِهِ وَكَتَبَ لَنَا بِهِ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَآخَرَ حَتَّى إِذَا اسْتَخْلَفَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ تُوُفِّيَ مَوْلًى لَهَا وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِينَارٍ فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَضَاءَ قَدْ غُيِّرَ فَخَاصَمَهُ إِلَى هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فَرَفَعَنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَتَيْنَاهُ بِكِتَابِ عُمَرَ فَقَالَ إِنْ كُنْتُ لَأَرَى أَنَّ هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ وَمَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَمْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَلَغَ هَذَا أَنْ يَشُكُّوا فِي هَذَا الْقَضَاءِ فَقَضَى لَنَا فِيهِ فَلَمْ نَزَلْ فِيهِ بعد انتهى
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مُرْسَلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَرِيَابٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ مَفْتُوحَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ يَاءٌ بِوَاحِدَةٍ انْتَهَى
(حَدَّثَنَا أَبُو دَاودَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ إِلَى قَولِهِ بِمِثْلِ هَذَا) هِذِهِ الْعَبَارَةُ إِنَّمَا وُجِدَتْ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَعَامَّةُ النُسَخِ خَالِيَةٌ عَنْهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقال بن عَبْد الْبَرّ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب
وَذَكَرَ تَوْثِيق النَّاس لِعَمْرِو بْن شُعَيْب وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ مِنْ حَدِيثه وَضَعَّفَ مَا كَانَ عَنْ قَوْم ضُعَفَاء عَنْهُ وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم عَنْ عَمْرو فذكره
стр. 2573
١٣ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ)
[٢٩١٨] (مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ) أَيْ مَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِي الرَّجُلِ الْكَافِرِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (هُوَ) أَيِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ الْكَافِرُ (بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ) أَيْ بِمَنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَوْرِيثَ الرَّجُلِ مِمَّنْ يُسْلِمُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ شَرْطًا وَهُوَ أَنْ يُعَاقِدَهُ وَيُوَالِيَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يُعَاقِدْهُ وَلَمْ يُوَالِهِ فَلَا شَيْءَ
لَهُ وَقَالَ إسحاق بن رَاهْوَيْهِ كَقَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمُوَالَاةَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ مُبْهَمَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَرِثُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي رَعْيِ الذِّمَامِ وَالْإِيثَارِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأُمُورِ وَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَرِثُهُ
وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ هَذَا وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ رَاوِيهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ انْتَهَى
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْبَرَكَاتِ النَّسَفِيُّ الْحَنَفِيُّ وَعَقْدُ الْمُوَالَاةِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَاَلَّذِينَ رَدُّوا هَذَا الْحَدِيث مِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ لِضَعْفِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى الْمِيرَاث بَلْ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ هُوَ أَحَقّ بِهِ يُوَالِيه وَيَنْصُرهُ وَيَبَرّهُ وَيَصِلهُ وَيَرْعَى ذِمَامه وَيُغَسِّلهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَدْفِنهُ فَهَذِهِ أَوْلَوِيَّته بِهِ لَا أَنَّهَا أَوْلَوِيَّته بِمِيرَاثِهِ وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيل
وَقَالَ بِهَذَا الْحَدِيث آخَرُونَ مِنْهُمْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَطَاوُسٌ وَرَبِيعَة وَاللَّيْث بْن سَعْد وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز
وَفِيهَا مَذْهَب ثَالِث أَنَّهُ إِنْ عَقَلَ عَنْهُ وَرِثَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْقِل عَنْهُ لم يرثه وهو مذهب سعيد بن المسيب
стр. 2574
مَشْرُوعَةٌ وَالْوِرَاثَةُ بِهَا ثَابِتَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَتَفْسِيرُهُ إِذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لَا وَارِثَ لَهُ وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ وَلَا مُعْتَقٍ فَيَقُولُ الْآخَرُ وَالَيْتُكَ عَلَى أَنْ تَعْقِلَنِي إِذَا جَنَيْتُ وَتَرِثَ مِنِّي إِذَا مُتُّ وَيَقُولُ الْآخَرُ قَبِلْتُ انْعَقَدَ ذَلِكَ وَيَرِثُ الْأَعْلَى مِنَ الْأَسْفَلِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن موهب ويقال بن وَهْبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ وَبَيْنَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عمر عن بن موهب عن تميم الداري وبن مَوْهِبٍ لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ عِنْدَنَا وَلَا نَعْلَمُهُ لَقِيَ تَمِيمًا وَمِثْلُ هَذَا لَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَا أَعْلَمُهُ مُتَّصِلًا
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ هَذَا وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ رَاوِيهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ وَقَدْ قُلْتُ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا وَأَخْرَجَ لَهُ عن نافع مولى بن عُمَرَ حَدِيثًا وَاحِدًا وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا أَخْرَجَا لَهُ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِيهَا مَذْهَب رَابِع أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَوَالَاهُ فَإِنَّهُ يَرِثهُ وَيَعْقِل عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يَتَحَوَّل عَنْهُ إِلَى غَيْره مَا لَمْ يَعْقِل عَنْهُ إِلَى غَيْره فَإِذَا عَقَلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّل عَنْهُ إِلَى غَيْره
وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد
وَفِيهَا مَذْهَب خَامِس أَنَّ هَذَا الْحُكْم ثَابِت فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْحَرْب دُون أَهْل الذِّمَّة وَهُوَ مَذْهَب يَحْيَى بْن سَعِيد
فَلَا إِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة مَعَ مُخَالَفَة هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام
وَأَمَّا تَضْعِيف الْحَدِيث فَقَدْ رُوِيَتْ لَهُ شَوَاهِد
مِنْهَا حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ
وَأَمَّا رَدّه بِجَعْفَرِ بْن الزُّبَيْر فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور أَخْبَرَنَا عِيسَى بْن يُونُس حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن يَحْيَى الصَّدَفِيّ عَنْ الْقَاسِم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ النَّبِيّ ﷺ مُرْسَلًا
وَحَدِيث تَمِيم وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي رُتْبَة الصَّحِيح فَلَا يَنْحَطّ عَنْ أَدْنَى دَرَجَات الْحَسَن وَقَدْ عَضَّدَهُ الْمُرْسَل وَقَضَاء عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بِرِوَايَةِ الْفَرَائِض وَإِنَّمَا يَقْتَضِي تَقْدِيم الْأَقَارِب عَلَيْهِ وَلَا يَدُلّ عَلَى عَدَم تَوْرِيثه إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَب وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2575
عَبْدِ الْعَزِيزِ ثِقَةٌ لَيْسَ بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ اخْتِلَافٌ
هَكَذَا قَالَ
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْخِلَافَ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٤ - (بَاب فِي بَيْعِ الْوَلَاءِ)
[٢٩١٩] (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ قال بن الْأَعْرَابِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ كَانَتِ الْعَرَبُ تَبِيعُ وَلَاءَ مَوَالِيهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ الْمَالَ وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ فَبَاعُوهُ مَمْلُوكًا وَبَاعُوهُ مُعْتَقًا
فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْمَمَاتِ خَلَاصٌ
فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ قَالَ وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّهَا وَهَبَتْ وَلَاءَ مواليها من العباس أو من بن عَبَّاسٍ
وَسَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ حَسَّانَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ أَنَّ الَّذِي وَهَبَتْ مَيْمُونَةُ مِنَ الْوَلَاءِ كَانَ وَلَاءَ السَّائِبَةِ وَوَلَاءُ السَّائِبَةِ قَدِ اخْتَلَفَ فيه أهل العلم انتهى
وقال بن الْأَثِيرِ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ يَعْنِي وَلَاءَ الْعِتْقِ وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ أَوْ وَرَثَةُ مُعْتِقِهِ كَانَتِ الْعَرَبُ تَبِيعُهُ وَتَهَبُهُ فَنُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ فَلَا يَزُولُ بِالْإِزَالَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
٥ - (بَاب فِي الْمَوْلُودِ يَسْتَهِلُّ ثُمَّ يَمُوتُ)
[٢٩٢٠] (إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ يَعْنِي عُلِمَ حَيَاتُهُ (وُرِّثَ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ رَاءٍ مَكْسُورٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عن جابر عن النبي ﷺ قَالَ الصَّبِيّ إِذَا اِسْتَهَلَّ وَرِثَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث قَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِر وَكَانَ الْمَوْقُوف أَصَحّ
ولفظه
стр. 2576
أَيْ جُعِلَ وَارِثًا
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَوْ مَاتَ إِنْسَانٌ وَوَارِثُهُ حَمْلٌ فِي الْبَطْنِ يُوقَفُ لَهُ الْمِيرَاثُ
فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا كَانَ لَهُ وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَلَا يُوَرَّثُ مِنْهُ بَلْ لِسَائِرِ وَرَثَةِ الْأَوَّلِ فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ يُوَرَّثُ مِنْهُ سَوَاءً اسْتَهَلَّ أَوْ لَمْ يَسْتَهِلَّ بَعْدَ أَنْ وُجِدَتْ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ مِنْ عُطَاسٍ أَوْ تَنَفُّسٍ أَوْ حَرَكَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْحَيَاةِ سِوَى اخْتِلَاجِ الْخَارِجِ عَنِ الْمَضِيقِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْتَهِلَّ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ
وَالِاسْتِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ وُجُودُ أَمَارَةِ الْحَيَاةِ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالِاسْتِهْلَالِ لِأَنَّهُ يَسْتَهِلُّ حَالَةَ الِانْفِصَالِ فِي الْأَغْلَبِ وَبِهِ يُعْرَفُ حَيَاتُهُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ أَرَى الْعُطَاسَ اسْتِهْلَالًا انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ البيهقي في سننه رواه بن خُزَيْمَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجَزَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ مَوْصُولًا بِالْحَدِيثِ تِلْكَ طَعْنَةُ الشَّيْطَانِ كُلُّ بَنِي آدَمَ نَائِلٌ مِنْهُ تِلْكَ الطَّعْنَةَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ وَابْنِهَا فَإِنَّهَا لَمَّا وَضَعَتْهَا أُمُّهَا قَالَتْ إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَضُرِبَ دُونَهُمَا حِجَابٌ فَطَعَنَ فِيهِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وقد تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ
٦ - (بَاب نَسْخِ مِيرَاثِ الْعَقْدِ)
[٢٩٢١] قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُعَاقَدَةُ الْمُعَاهَدَةُ وَالْمِيثَاقُ (بِمِيرَاثِ الرحم) أي بميراث ذوي الأرحام
(قال) بن عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أيمانكم وقريء عَقَدَتْ بِغَيْرِ أَلِفٍ مَعَ التَّخْفِيفِ
قَالَ الْخَازِنُ
الْمُعَاقَدَةُ الْمُحَالَفَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ
وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْقَسَمُ أَوِ الْيَدُ أَوْ هُمَا جَمِيعًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَدِ صَاحِبِهِ وَتَحَالَفُوا عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَالتَّمَسُّكِ بِذَلِكَ الْعَقْدِ وَكَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُعَاقِدُهُ فَيَقُولُ دَمِي دَمُكَ وَهَدْمِي هَدْمُكَ وَثَأْرِي ثَأْرُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ وَسِلْمِي سِلْمُكَ تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَلِيفَيْنِ السُّدُسُ فِي مَالِ الْآخَرِ وَكَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ انتهى والمعنى أي الحلفاء الذي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الطِّفْل لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِث وَلَا يُورَث حَتَّى يَسْتَهِلّ وَفِي مُسْنَد الْبَزَّار مِنْ حديث بن عمر يرفعه استهلال الصبي العطاس فيه بن الْبَيْلَمَانِيّ عَنْ أَبِيهِ
стр. 2577
عَاهَدْتُمُوهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ (فَآتُوهُمْ) أَيِ الْآنَ (نَصِيبَهُمْ) أَيْ حَظَّهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ وَهُوَ السُّدُسُ (كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ) أَيْ يُعَاهِدُهُ عَلَى الْأُخُوَّةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ (فَنَسَخَ ذَلِكَ) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ (الْأَنْفَالُ) بِالرَّفْعِ أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في سورة الأنفال (فقال وأولو الأرحام إِلَخْ) أَيْ وَأُولُو الْقَرَابَاتِ أَوْلَى بِالتَّوَارُثِ وَهُوَ نَسْخٌ لِلتَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ
قَالَ الْخَازِنُ قَالَ بن عَبَّاسٍ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِخَاءِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ أَيْ فِي الْمِيرَاثِ فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ سَبَبَ الْقَرَابَةِ أَقْوَى وَأَوْلَى مِنْ سَبَبِ الْهِجْرَةِ وَالْإِخَاءِ وَنُسِخَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ذَلِكَ التَّوَارُثُ
وَقَوْلُهُ في كتاب الله يَعْنِي فِي حُكْمِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ وَهِيَ أَنَّ قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ مَذْكُورَةٌ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ
وَتَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ وَافَقَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ بأنه لما قال في كتاب الله كَانَ مَعْنَاهُ فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَإِعْطَاءِ أَهْلِ الْفُرُوضِ فُرُوضَهُمْ وَمَا بَقِيَ فَلِلْعَصَبَاتِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مقال
[٢٩٢٢] (تُوَرَّثُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْمُهَاجِرُونَ وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِتَأْوِيلِ الْجَمَاعَةِ (الْأَنْصَارَ) بِالنَّصْبِ وَالْمَعْنَى أُعْطُوا الْمِيرَاثَ مِنَ الْأَنْصَارِ (دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أَيْ أَقَارِبِهِ
وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قدمو الْمَدِينَةَ يُوَرَّثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ (لِلْأُخُوَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِتُوَرَّثُ (بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (وَلِكُلٍّ) أَيْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (جَعَلْنَا مَوَالِيَ) وُرَّاثًا يَلُونَهُ وَيُحْرِزُونَهُ
قَالَهُ النَّسَفِيُّ
وَقَالَ الْخَازِنُ يَعْنِي وَرَثَةً مِنْ بَنِي عَمِّ
стр. 2578
وإخوة وسائر العصبات (مما ترك) يَعْنِي يَرِثُونَ مِمَّا تَرَكَ وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ الْوَالِدَانِ والأقربون مِنْ مِيرَاثِهِمْ فَعَلَى هَذَا الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ هُمُ المورثون انتهى (قال) بن عَبَّاسٍ (نَسَخَتْهَا) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ
وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ نَسَخَتْهَا وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ
وَالصَّوَابُ كما قاله بن بَطَّالٍ إِنَّ الْمَنْسُوخَةَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالنَّاسِخَةَ ولكل جعلنا موالي وَكَذَا وَقَعَ فِي الْكَفَالَةِ وَالتَّفْسِيرُ مِنْ رِوَايَةِ الصَّلْتِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ فَلَمَّا نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت
وقال بن الْمُنِيرِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ نَسَخَتْهَا عَائِدٌ عَلَى الْمُؤَاخَاةِ لَا عَلَى الْآيَةِ وَالضَّمِيرُ فِي نَسَخَتْهَا وَهُوَ الْفَاعِلُ الْمُسْتَتِرُ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ وَلِكُلٍّ جعلنا موالي وَقَوْلُهُ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ
وَأَصْلُ الْكَلَامِ لَمَّا نَزَلَتْ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فَاعِلٌ نَسَخَتْهَا آيَةُ جَعَلْنَا وَالَّذِينَ عَقَدَتْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي
وَالْمُرَادُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا نَسَخَ حَكِيمُ الْمِيرَاثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وَالَّذِينَ عاقدت أيمانكم وقال بن الْجَوْزِيِّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْأُخُوَّةِ وَيَرَوْنَهَا دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله نَسَخَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَبَقِيَ النُّصْرَةُ وَالرِّفَادَةُ وَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ لَهُمُ انْتَهَى (الرِّفَادَةُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُعَاوَنَةُ (وَيُوصِي لَهُ) بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ لِلْحَلِيفِ (وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ) أَيْ نُسِخَ حُكْمُ الْمِيرَاثِ بِالْمُؤَاخَاةِ
قَالَ الْخَازِنُ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تعالى ولكل جعلنا موالي وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ بَلْ حُكْمُهَا بَاقٍ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ الْحُلَفَاءُ وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يَعْنِي مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْمُوَافَاةِ وَالْمُصَافَاةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ مَنْسُوخَةً
وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَلَى هَذَا فَلَا نَسْخَ أَيْضًا
فَمَنْ قَالَ إِنَّ حُكْمَ الْآيَةِ بَاقٍ قَالَ إِنَّمَا كَانَتِ الْمُعَاقَدَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى النُّصْرَةِ لَا غَيْرُ وَالْإِسْلَامُ لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا ثُمَّ ذَكَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ التَّالِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 2579
[٢٩٢٣] (عَلَى أُمِّ سَعْدِ بِنْتِ الرَّبِيعِ) هِيَ أُمُّ سَعْدٍ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيَّةِ صَحَابِيَّةٌ أَوْصَى بِهَا أَبُوهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَكَانَتْ فِي حِجْرِهِ وَيُقَالُ إِنَّ اسْمَهَا جَمِيلَةٌ (لَا تَقْرَأُ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ) أَيْ بِالْأَلِفِ وَلَكِنِ اقرأ والذين عقدت أَيْ بِغَيْرِ أَلِفٍ مَعَ التَّخْفِيفِ وَكَانَتْ هَذِهِ قِرَاءَتَهَا مَعَ أَنَّهُ قُرِئَ فِي الْقُرْآنِ بِالْوَجْهَيْنِ (حِينَ أَبَى الْإِسْلَامَ) فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى أَيَّامِ الْهُدْنَةِ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَقِيلَ إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَيُقَالُ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ أَسَنُّ وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ كَذَا فِي الْإِصَابَةِ (فَمَا أَسْلَمَ) مَا نَافِيَةٌ أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (حَتَّى حُمِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى الْإِسْلَامِ) أَيْ عَلَى قَبُولِ الْإِسْلَامِ (بِالسَّيْفِ) وَالْمَعْنَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يُسْلِمْ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى أَنْ غَلَبَ الْإِسْلَامُ بِقُوَّةِ السَّيْفِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (مَنْ قَالَ عَقَدَتْ جَعَلَهُ حِلْفًا) فَمَعْنَى قَوْلِهِ عَقَدَتْ أَيْ عَقَدَتْ عُهُودُهُمْ أَيْدِيَكُمْ
وَمَعْنَى عَاقَدَتْ أَيْ عاقدتهم أيديكم (والصوب حَدِيثُ طَلْحَةَ عَاقَدَتْ) أَيْ بِالْأَلِفِ مِنْ بَابِ المفاعلة وهي قراءة نافع وبن عامر وبن كثير وأبي عمرو
وقال الحافظ بن كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أُمِّ سَعْدٍ وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ ثُمَّ نُسِخَ وَبَقِيَ تأثير الحلف بعد ذلك وإن كَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ يُوَفُّوا بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ وَالْحِلْفِ الَّذِي كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ انتهى
[٢٩٢٤] (والذين آمنوا وهاجروا الخ) أشار بن عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِي فِي الْأَنْفَالِ وتمام الآية
стр. 2580
هكذا وإن الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سبيل الله يَعْنِي إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَصَدَّقُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ وَهَاجَرُوا يَعْنِي وَهَجَرُوا دِيَارَهُمْ وَقَوْمَهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ (والذين اووا ونصروا) يَعْنِي آوَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَسْكَنُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ وَنَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُمُ الْأَنْصَارُ (أُولَئِكَ) يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ والأنصار (بعضهم أولياء بعض) يَعْنِي فِي الْعَوْنِ وَالنَّصْرِ دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ مِنَ الكفار
وقال بن عَبَّاسٍ أَيْ يَتَوَلَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمِيرَاثِ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ وَذَوِي أَرْحَامِهِمْ وَكَانَ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَا يَرِثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ حَتَّى كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ فَتَوَارَثُوا بِالْأَرْحَامِ حَيْثُمَا كَانُوا فَصَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تعالى وأولوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَذَا فِي الْخَازِنِ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا) يَعْنِي آمَنُوا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ (مَا لَكُمْ مِنْ ولايتهم) أَيْ مِنْ تَوَلِّيهِمْ فِي الْمِيرَاثِ
قَالَهُ النَّسَفِيُّ
وَفِي السَّمِينِ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ الْمُوَالَاةُ فِي الدِّينِ وَهِيَ النُّصْرَةُ انْتَهَى
وَفِي تَفْسِيرِ الْخَطِيبِ مالكم من ولايتهم من شيء أَيْ فَلَا إِرْثِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَلَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ (مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ مِمَّنْ آمَنَ وَهَاجَرَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وفي إسناده علي بن الحسين بن وقد وَفِيهِ مَقَالٌ
٧ - (بَاب فِي الْحِلْفِ)
[٢٩٢٥] (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ الْمُعَاهَدَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا كَانَ يُفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْمُعَاهَدَةِ عَلَى الْقِتَالِ وَالْغَارَاتِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَفَاسِدِ (وَأَيّمَا حِلْفٍ) مَا فِيهِ زَائِدَةٌ (كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) الْمُرَادُ مِنْهُ مَا كَانَ مِنَ الْمُعَاهَدَةِ عَلَى الْخَيْرِ كَصِلَةِ الأرحام
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فَالظَّاهِر وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَلَّفَ بَيْن الْمُسْلِمِينَ بالإسلام
стр. 2581
وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَغَيْرِهِمَا (لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً) أَيْ تَأْكِيدًا وَحِفْظًا عَلَى ذَلِكَ
كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِابْنِ الْمَلَكِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ الطَّبَرِيُّ لَا يَجُوزُ الْحِلْفُ الْيَوْمَ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُوَارَثَةَ بِهِ وَبِالْمُؤَاخَاةِ كُلُّهُ مَنْسُوخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى ببعض وَقَالَ الْحَسَنُ كَانَ التَّوَارُثُ بِالْحِلْفِ فَنُسِخَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ
قُلْتُ أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْثِ فَنُسِخَتْ فِيهِ الْمُحَالَفَةُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا الْمُؤَاخَاةُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْمُحَالَفَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّنَاصُرُ فِي الدِّينِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَإِقَامَةِ الْحَقِّ فَهَذَا بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ فَالْمُرَادُ بِهِ حِلْفُ التَّوَارُثِ وَالْحِلْفُ عَلَى مَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كَذَا فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ﵀
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَصْلُ الْحِلْفِ الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالْإِنْفَاقِ فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَالْغَارَاتِ فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ ﷺ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ كَحِلْفِ للطيبين وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ وَأَيّمَا حِلْفٍ كَانَ في الجاهلية
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَجَعَلَهُمْ بِهِ إِخْوَة مُتَنَاصِرِينَ مُتَعَاضِدِينَ يَدًا وَاحِدَة بِمَنْزِلَةِ الْجَسَد الْوَاحِد فَقَدْ أَغْنَاهُمْ بِالْإِسْلَامِ عَنْ الْحِلْف بَلْ الَّذِي تُوجِبهُ أُخُوَّة الْإِسْلَام لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْض أَعْظَم مِمَّا يَقْتَضِيه الْحِلْف
فَالْحِلْف إِنْ اِقْتَضَى شَيْئًا يُخَالِف الْإِسْلَام فَهُوَ بَاطِل وَإِنْ اِقْتَضَى مَا يَقْتَضِيه الْإِسْلَام فَلَا تَأْثِير لَهُ فَلَا فَائِدَة فِيهِ
وَإِذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّة ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَام بِمُقْتَضَاهُ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شِدَّة وَتَأْكِيدًا
وَأَمَّا قَوْل النَّبِيّ ﷺ شَهِدْت حِلْفًا فِي الْجَاهِلِيَّة مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْر النَّعَم لَوْ دُعِيت إِلَى مِثْله فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت فَهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم هُوَ حِلْف الْمُطَيِّبِينَ حَيْثُ تَحَالَفَتْ قُرَيْش عَلَى نَصْر الْمَظْلُوم وَكَفّ الظَّالِم وَنَحْوه فَهَذَا إِذَا وَقَعَ فِي الْإِسْلَام كَانَ تَأْكِيدًا لِمُوجَبِ الْإِسْلَام وَتَقْوِيَة لَهُ
وَأَمَّا الْحِلْف الَّذِي أَبْطَلَهُ فَهُوَ تَحَالُف الْقَبَائِل بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره ويحارب حَارَبَهُ وَيُسَالِم مَنْ سَالَمَهُ
فَهَذَا لَا يُعْقَد فِي الْإِسْلَام وَمَا كَانَ مِنْهُ قَدْ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّة
فَإِنَّ الْإِسْلَام يُؤَكِّدهُ وَيَشُدّهُ إِذَا صَارَ مُوجَبه فِي الْإِسْلَام التَّنَاصُر وَالتَّعَاضُد وَالتَّسَاعُد عَلَى إِعْلَاء كَلِمَة اللَّه تَعَالَى وَجِهَاد أَعْدَائِهِ وَتَأْلِيف الْكَلِمَة وَجَمْع الشَّمْل
стр. 2582
لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً يُرِيدُ مِنَ الْمُعَاقَدَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْحَدِيثَانِ وَهَذَا هُوَ الْحِلْفُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْمَمْنُوعُ مِنْهُ مَا خَالَفَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ الْمُحَالَفَةُ كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَقَوْلُهُ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَهُ زَمَنَ الْفَتْحِ انْتَهَى
وَقَالَ بن كَثِيرٍ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ الْيَوْمَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى وَلِكُلٍّ جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون أَيْ وَرَثَةٌ مِنْ قَرَابَاتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ وَهُمْ يَرِثُونَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٢٩٢٦] (حَالَفَ) أَيْ آخَى (فِي دَارِنَا) أَيْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالنُّصْرَةِ وَالْأَخْذِ على يد الظالم كما قال بن عَبَّاسٍ ﵁ إِلَّا النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَيُوصِي لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ لَا عَهْدَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ
كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْقَسْطَلَّانِيِّ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) أَيْ قَالَ أَنَسٌ قَوْلَهُ حَالَفَ إِلَخْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ
٨ - [٢٩٢٧] (بَاب فِي الْمَرْأَةِ تَرِثُ مَنْ دِيَةِ زَوْجِهَا)
(الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ الْعَاقِلَةُ الْعَصَبَةُ وَالْأَقَارِبُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ الَّذِينَ يعطون
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحِلْف الَّذِي نَفَاهُ رَسُول اللَّه ﷺ لَيْسَ هُوَ الْحِلْف وَالْإِخَاء الَّذِي عَقَدَهُ بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَيُشْبِه أَنْ يَكُون أَنَس فَهِمَ مِنْ السَّائِل لَهُ أَنَّ النَّهْي عَنْ الْحِلْف مُتَنَاوِل لِمِثْلِ مَا عَقَدَهُ النَّبِيّ ﷺ فَرَدَّ عَلَيْهِ أَنَس بِحِلْفِ النَّبِيّ ﷺ بَيْن أَصْحَابه فِي دَارهمْ والله أعلم
стр. 2583
دِيَةَ قَتِيلِ الْخَطَأِ وَهِيَ صِفَةُ جَمَاعَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْعَقْلِ (حَتَّى قَالَ لَهُ) أَيْ لِعُمَرَ ﵁ (الضَّحَّاكُ) بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ المهملة (بن سُفْيَانَ) بِالتَّثْلِيثِ وَالضَّمِّ أَشْهَرُ
قَالَ مُؤَلِّفُ الْمِشْكَاةِ وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ بِشَجَاعَتِهِ يُعَدُّ بِمِائَةِ فَارِسٍ وَكَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّيْفِ وَوَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ (أَنْ) مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ فَإِنَّ الْكِتَابَةَ فِيهَا مَعْنَى الْقَوْلِ (وَرِّثْ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ أَعْطِ الْمِيرَاثَ (امْرَأَةَ أَشْيَمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَسُكُونِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ وَكَانَ قُتِلَ خَطَأً (الضِّبَابِيِّ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الأولى منسوب إلى صباب قلعة بالكوفة وهو صحابي ذكره بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ (فَرَجَعَ عُمَرُ) أَيْ عَنْ قَوْلِهِ لَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْمَقْتُولِ أَوَّلًا ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنْهُ إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأُمِّ وَلَا الزَّوْجَ وَلَا الْمَرْأَةَ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِيِّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ عُمَرُ يَذْهَبُ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ إِلَى ظَاهِرِ الْقِيَاسِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْتُولَ لَا تَجِبُ دِيَتُهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِذَا مَاتَ بَطَلَ مِلْكُهُ فَلَمَّا بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ تَرَكَ الرَّأْيَ وَصَارَ إِلَى السُّنَّةِ انْتَهَى (اسْتَعْمَلَهُ) أَيِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَيْ جَعَلَهُ عَامِلًا عليهم
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح
стр. 2584
١٩ - كتاب الخراج والفيء والإمارة
[٢٩٢٨] (باب ما يلزم الإمام)
الخ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (كُلُّكُمْ رَاعٍ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ الرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا اؤْتُمِنَ عَلَى حِفْظِهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بمصالحه (وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ) أَيْ فِي الْآخِرَةِ فَإِنْ وَفَّى مَا عَلَيْهِ مِنَ الرِّعَايَةِ حَصَلَ لَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ وَإِلَّا طَالَبَهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ (فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ) مُبْتَدَأٌ (رَاعٍ عَلَيْهِمْ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ) أَيْ زَوْجَتُهُ وغيرها (وهو) أي الرجل (مسؤول عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ هَلْ وَفَّاهُمْ حُقُوقَهُمْ مِنْ كِسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا كَحُسْنِ عِشْرَةٍ أولا (عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا) أَيْ زَوْجِهَا بِحُسْنِ تَدْبِيرِ الْمَعِيشَةِ وَالْأَمَانَةِ فِي مَالِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَوَلَدِهِ) أَيْ وَلَدُ بَعْلِهَا (وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ حَقِّ زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَغَلَبَ الْعُقَلَاءُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِمْ
стр. 2585
(فَكُلّكُمْ رَاعٍ إِلَخْ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَكُلُّكُمْ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ وَدَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ الْمُنْفَرِدِ الَّذِي لَا زَوْجَ لَهُ وَلَا خَادِمَ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَاعٍ فِي جَوَارِحِهِ حَتَّى يَعْمَلَ الْمَأْمُورَاتِ وَيَتَجَنَّبُ الْمَنْهِيَّاتِ
انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم الترمذي وَالنَّسَائِيُّ
([٢٩٢٩] بَاب مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْإِمَارَةِ)
(عَنْ مَسْأَلَةٍ) أَيْ سُؤَالٌ (وُكِلْتَ فِيهَا) أَيْ فِي الْإِمَارَةِ (إِلَى نَفْسِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وُكِلْتَ إِلَيْهَا قَالَ فِي الْفَتْحِ بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْكَافِ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا وَسُكُونِ اللَّامِ وَمَعْنَى الْمُخَفَّفِ أَيْ صُرِفْتَ إِلَيْهَا وَمَنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ هَلَكَ وَمِنْهُ فِي الدُّعَاءِ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي وَوَكَلَ أَمْرَهُ إِلَى فُلَانٍ صَرَفَهُ إِلَيْهِ وَوَكَّلَهُ بِالتَّشْدِيدِ اسْتَحْفَظَهُ
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْإِمَارَةَ فَأُعْطِيهَا تُرِكَتْ إِعَانَتُهُ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ حِرْصِهِ
وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ طَلَبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ مَكْرُوهٌ فَيَدْخُلُ فِي الْإِمَارَةِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ وَنَحْوِ ذَلِكَ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا بِنَحْوِهِ
[٢٩٣٠] (الْكَلْبِيِّ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْكِنْدِيُّ
قَالَ فِي الْأَطْرَافِ بِشْرُ بْنُ قُرَّةَ وَيُقَالُ قُرَّةُ بْنُ بِشْرٍ الْكَلْبِيُّ انْتَهَى وَكَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ
وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ بِشْرُ بْنُ قُرَّةَ الْكَلْبِيُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ (عَنْ أَبِي مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيُّ (فَتَشَهَّدَ) أَيْ خَطَبَ (إِنَّ أَخْوَنَكُمْ) أَيْ أَكْثَرُكُمْ
стр. 2586
وَأَشَدُّكُمْ خِيَانَةً (مَنْ طَلَبَهُ) أَيِ الْعَمَلُ (لِمَا جَاءَا) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَيِ الرَّجُلَانِ (فَلَمْ يَسْتَعِنْ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (حَتَّى مَاتَ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَخِيهِ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي وَكِلَاهُمَا يَسْأَلُ الْعَمَلَ وَفِيهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا
وَفِيهِ لَنْ نَسْتَعْمِلَ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ
قَالَ الْمُهَلَّبُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَعَاطَى أَمْرًا وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّهُ قَائِمٌ بِذَلِكَ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُخْذَلُ فِيهِ فِي أَغْلِبِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ مَنْ سَأَلَ الْإِمَارَةَ لَا يَسْأَلُهَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لَهَا
وَقَدْ قَالَ ﵇ وُكِلَ إِلَيْهَا بِمَعْنَى لَمْ يُعَنْ عَلَى مَا تَعَاطَاهُ وَالتَّعَاطِي أَبَدًا مَقْرُونٌ بِالْخِذْلَانِ وَإِنَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى عَمَلٍ أَوْ إِمَامَةٍ فِي الدِّينِ فَقَصَرَ نَفْسَهُ عَنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ وَهَابَ أَمْرَ اللَّهِ رَزَقَهُ اللَّهُ الْمَعُونَةَ
وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ
وَقَالَ غَيْرُهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَلَبِ الْوِلَايَةِ مُجَرَّدًا هَلْ يَجُوزُ أَوْ يُمْنَعُ وَأَمَّا إِنْ كَانَ لِرِزْقٍ يَرْزُقُهُ اللَّهُ أَوْ لِتَضْيِيعِ الْقَائِمِ بِهَا أَوْ خَوْفِهِ حُصُولُهَا فِي غَيْرِ مُسْتَوْجِبِهَا وَنِيَّتِهِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ
انْتَهَى كلام المنذري
([٢٩٣١] باب في الضرير يولي بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّوْلِيَةِ)
أَيْ يُجْعَلُ وَالِيًا وحاكما والضرير الأعمى
(الْمَخَرِّمِيُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ نِسْبَةً إِلَى الْمَخَرِّمِ مَوْضِعٌ ببغداد
كذا في المغنى (استخلف بن أُمِّ مَكْتُومِ) وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى (مَرَّتَيْنِ) قَالَ
стр. 2587
الْحَافِظُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالسِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استخلف بن أُمِّ مَكْتُومٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي غَزَوَاتِهِ مِنْهَا غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ وَبُوَاطٌ وَذُو الْعَسِيرَةِ وَخُرُوجُهُ إِلَى جُهَيْنَةَ فِي طَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ وَغَزْوَةُ السَّوِيقِ وَغَطَفَانُ وَأُحُدٌ وَحَمْرَاءُ الْأَسَدِ وَنَجْرَانُ وَذَاتُ الرِّقَاعِ وَاسْتَخْلَفَهُ حِينَ سَارَ إِلَى بَدْرٍ ثُمَّ رَدَّ إِلَيْهَا أَبَا لُبَابَةَ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ أَيْضًا فِي مَسِيرَتِهِ إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ بن أُمَّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ ما بلغ غيره
قاله الحافظ بن الأثير وبن حَجَرٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عِمْرَانُ بْنُ داود القطان وقد ضعفه بن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ عُثْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا وَلَّاهُ لِلصَّلَاةِ بِالْمَدِينَةِ دُونَ الْقَضَاءِ فَإِنَّ الضَّرِيرَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْأَشْخَاصَ وَلَا يُثْبِتُ الْأَعْيَانَ وَلَا يَدْرِي لِمَنْ يَحْكُمُ وَهُوَ مُقَلَّدٌ فِي كُلِّ مَا يَلِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالْحُكْمُ بِالتَّقْلِيدِ غَيْرُ جَائِزٍ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ ﷺ إِنَّمَا وَلَّاهُ الْإِمَامَةَ بِالْمَدِينَةِ إِكْرَامًا لَهُ وَأَخْذًا بِالْأَدَبِ فِيمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ فِي قوله عبس وتولى أن جاءه الأعمى وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِمَامَةَ الضَّرِيرِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
([٢٩٣٢] بَاب فِي اتِّخَاذِ الْوَزِيرِ)
وَهُوَ مَنْ يُؤَازِرُ الْأَمِيرَ فَيَحْمِلُ عَنْهُ مَا حَمَلَهُ مِنَ الْأَثْقَالِ وَمَنْ يَلْتَجِئُ الْأَمِيرُ إِلَى رَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ فَهُوَ مَلْجَأٌ لَهُ وَمَفْزَعٌ
قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ
(الْمُرِّيُّ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُزَنِيُّ وَكَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ (بِالْأَمِيرِ) أَيْ بِمَنْ يَكُونُ أَمِيرًا (خَيْرًا) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى (وَزِيرَ صِدْقٍ) أَيْ صَادِقًا فِي النُّصْحِ لَهُ وَلِرَعِيَّتِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَزِيرًا صَالِحًا لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا وَلَمْ يُرِدْ بِالصِّدْقِ الِاخْتِصَاصَ بِالْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ
قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ (إِنْ نَسِيَ) أَيِ الْأَمِيرُ حُكْمَ اللَّهِ (ذَكَّرَهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَخْبَرَ الْأَمِيرَ به
стр. 2588
(وَإِنْ ذَكَرَ) بِالتَّخْفِيفِ أَيْ وَإِنْ تَذَكَّرَهُ الْأَمِيرُ بِنَفْسِهِ (أَعَانَهُ) أَيِ الْوَزِيرُ الْأَمِيرَ (بِهِ) أَيْ بِالْأَمِيرِ (غَيْرَ ذَلِكَ) أَيْ شَرًّا (وَزِيرَ سَوْءٍ) بفتح السين وضمه قاله القارىء
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
([٢٩٣٣] بَاب فِي الْعِرَافَةِ)
بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَمِنْهُ الْعَرِيفُ وَهُوَ الْقَيِّمُ بِأُمُورِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْجَمَاعَةِ مِنَ النَّاسِ يَلِي أُمُورَهُمْ وَيَتَعَرَّفُ الْأَمِيرُ مِنْهُ أَحْوَالَهُمْ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَالْعِرَافَةُ عَمَلُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَفِي الْمِصْبَاحِ عِرَافَةٌ بِالْكَسْرِ فَأَنَا عَارِفٌ أَيْ مُدَبِّرٌ أَمْرَهُمْ وَقَائِمٌ بِسِيَاسَتِهِمْ وَالْجَمْعُ عُرَفَاءُ
قِيلَ الْعَرِيفُ يَكُونُ عَلَى نَفِيرٍ وَالْمَنْكِبُ يَكُونُ عَلَى خَمْسَةِ عُرَفَاءَ وَنَحْوَهَا ثُمَّ الْأَمِيرُ فَوْقَ هَؤُلَاءِ انْتَهَى
(سُلَيْمَانَ بْنَ سُلَيْمٍ) بِالتَّصْغِيرِ (ضَرَبَ) أَيْ يَدَيْهِ إِظْهَارًا لِلشَّفَقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَتَنْبِيهًا لَهُ عَنْ حَالَةِ الْغَفْلَةِ (عَلَى مَنْكِبِهِ) الضَّمِيرُ لِلْمِقْدَامِ (يَا قُدَيْمُ) تَصْغِيرُ مِقْدَامٍ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ وَهُوَ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ (إِنْ مُتَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا (وَلَا كَاتِبًا) أَيْ لَهُ (وَلَا عَرِيفًا) فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَاحِدُ العرفاء وتقدم معناه
قال القارىء أَوْ وَلَا مَعْرُوفًا يَعْرِفُكَ النَّاسُ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخُمُولَ رَاحَةٌ وَالشُّهْرَةُ آفَةٌ انْتَهَى
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ صَالِحُ بْنُ يَحْيَى قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَافِظُ
لَا يُعْرَفُ صَالِحٌ وَلَا أَبُوهُ إِلَّا بِجَدِّهِ
[٢٩٣٤] (عَلَى مَنْهَلٍ) هُوَ كُلُّ مَاءٍ يَكُونُ عَلَى الطَّرِيقِ وَيُقَالُ مَنْهَلُ بَنِي فُلَانٍ أَيْ مَشْرَبُهُمْ (وَبَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا) أَيْ ظَهَرَ لِصَاحِبِ الْمَاءِ أَنْ يُرْجِعَ الْإِبِلَ مِنْ قَوْمَهَ (نَعَمْ) أَيْ لِأَبِيكَ حَقُّ الرجوع (أو
стр. 2589
لَا) أَيْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ (أَنْ يُسْلِمَهَا) أَيِ الْإِبِلُ (لَهُمْ) لِقَوْمِهِ الْمُسْلِمِينَ (فَهُوَ) أَيْ عَرِيفُ الْمَاءِ الَّذِي قَسَمَ الْإِبِلَ بَيْنَ قَوْمِهِ (أَحَقُّ بِهَا) أَيْ بِالْإِبِلِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ رُجُوعِ الْعَطَايَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَكِنِ الْحَدِيثُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ (إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ) أَيْ عَمَلُهَا حَقٌّ لَيْسَ بِبَاطِلٍ لِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلنَّاسِ وَرِفْقًا بِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ وَأُمُورِهِمْ لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ
وَالْعِرَافَةُ تَدْبِيرُ أُمُورِ الْقَوْمِ وَالْقِيَامِ بِسِيَاسَتِهِمْ (وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الْعُرَفَاءِ) لِيَتَعَرَّفَ أَحْوَالُهُمْ فِي تَرْتِيبِ الْبُعُوثِ وَالْأَجْنَادِ وَالْعَطَايَا وَالسِّهَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَلَكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّارِ) وَهَذَا قَالَهُ تَحْذِيرًا مِنْ التَّعَرُّضِ لِلرِّيَاسَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِحَقِّهَا أَثِمَ وَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْعَاجِلَةَ وَالْآجِلَةَ
كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ
وَفِي اللُّغَاتِ الْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ أَيْ عَلَى خَطَرٍ وَفِي وَرْطَةِ الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ لِتَعَذُّرِ الْقِيَامِ بِشَرَائِطِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاعُوا الْحَقَّ وَالصَّوَابَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلٌ وَغَالِبُ الْقَطَّانُ قَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَاحْتَجَّ بِهِ البخاري ومسلم في صحيحيهما
وذكر بن عَدِيٍّ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ فِي تَرْجَمَةِ غَالِبٍ الْقَطَّانِ مُخْتَصَرًا
وَقَالَ وَلِغَالِبٍ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُ وَفِي حَدِيثِهِ النَّكِرَةُ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ يَشْهَدُ اللَّهُ حَدِيثٌ مُعْضَلٌ
وَقَالَ أَيْضًا وَغَالِبُ الضَّعْفِ عَلَى حَدِيثِهِ بَيِّنٌ
стр. 2590
٦ - (بَاب فِي اتِّخَاذِ الْكَاتِبِ)
[٢٩٣٥] (السِّجِلُّ) بِكَسْرِ السِّينِ وَالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ اسْمُ كَاتِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ (كَطَيِّ السجل للكتب) الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِيهَا الْكِتَابُ أَوْ مَلَكٌ أَوْ كَاتِبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى
وقال بن الْأَثِيرِ سِجِلٌّ كَاتِبُ النَّبِيِّ ﷺ مَجْهُولٌ انْتَهَى
وَفِي الْإِصَابَةِ سِجِلُّ كَاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْرَجَ أَبُو داود والنسائي وبن مردويه من طريق أبي الجوزاء عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ نطوي السماء كطي السجل للكتب قال السجل هو الرجل زاد بن مردويه والسجل هو الرجل بالحبشة
وروى بن مردويه وبن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ حَمْدَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ بن نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ السِّجِلُّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ للكتب قَالَ لَا مِنَ السِّجِلِّ هُوَ الرَّجُلُ بِالْحَبَشَةِ ونقل الشعبي وغيره عن بن عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ السِّجِلُّ الصَّحِيفَةُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
([٢٩٣٦] بَابٌ فِي السعاية على الصدقة)
بِكَسْرِ السِّينِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ سَعَى سِعَايَةً باشر عمل الصدقات
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ سَمِعْت شَيْخنَا أَبَا الْعَبَّاس بْن تَيْمِيَة يَقُول هَذَا الْحَدِيث مَوْضُوع وَلَا يُعْرَف لِرَسُولِ اللَّه ﷺ كَاتِب اِسْمه السِّجِلّ قَطّ
وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة مَنْ اِسْمه السِّجِلّ وَكُتَّاب النَّبِيّ ﷺ مَعْرُوفُونَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُقَال لَهُ السِّجِلّ
قَالَ وَالْآيَة مَكِّيَّة وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ كَاتِب بِمَكَّة
وَالسِّجِلّ هُوَ الْكِتَاب الْمَكْتُوب وَاللَّام فِي قَوْله (لِلْكِتَابِ) بِمَعْنَى عَلَى وَالْمَعْنَى نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلّ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَاب
كَقَوْلِهِ ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ وَقَوْل الشَّاعِر فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ أَيْ عَلَى الْيَدَيْنِ وَعَلَى الْفَم وَاَللَّه أعلم
стр. 2591
(بِالْحَقِّ) مُتَعَلِّقٌ بِالْعَامِلِ أَيْ عَمَلًا بِالصِّدْقِ وَالثَّوَابِ وَبِالْإِخْلَاصِ وَالِاحْتِسَابِ (كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي حُصُولِ الْأَجْرِ (حَتَّى يَرْجِعَ) أَيِ الْعَامِلُ
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ
[٢٩٣٧] (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ (صَاحِبُ مَكْسٍ) فِي الْقَامُوسِ الْمَكْسُ النَّقْصُ وَالظُّلْمُ وَدَرَاهِمُ كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ بَائِعِي السِّلَعِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ دِرْهَمٌ كَانَ يَأْخُذُهُ الْمُصَّدِّقُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الضَّرِيبَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمَاكِسُ وَهُوَ الْعَشَّارُ انْتَهَى
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَرَادَ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنَ التُّجَّارِ إِذَا مَرُّوا مَكْسًا بِاسْمِ الْعُشْرِ فَأَمَّا السَّاعِي الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ وَمَنْ يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعُشْرَ الَّذِي صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْتَسِبٌ مَا لَمْ يَتَعَدَّ فَيَأْثَمُ بِالتَّعَدِّي وَالظُّلْمِ انْتَهَى
وَكَذَلِكَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري
[٢٩٣٨] (عن بن مَغْرَاءَ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهَا رَاءٌ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ بن أَبِي حَمَّادٍ الْقَطَّانُ الطُّرْسُوسِيُّ (الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ إِلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ وَيُقَالُ عَشَرْتُ الْمَالَ عَشْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَعُشُورًا أَخَذْتُ عُشْرَهُ وَعَشَرْتُ الْقَوْمَ عَشْرًا من باب ضرب صرت عاشرهم ذكره القارىء عَنِ الْمَصَابِيحِ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ لِأَنَسٍ تَسْتَعْمِلُنِي عَلَى الْمَكْسِ أَيْ عَلَى عشور الناس
стр. 2592
٨ - (باب في الخليفة يستخلف)
[٢٩٣٩] وَالِاسْتِخْلَافُ هُوَ تَعْيِينُ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ خَلِيفَةً بَعْدَهُ أَوْ يُعَيِّنُ جَمَاعَةً لِيَتَخَيَّرُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا
(قَالَ عُمَرُ) أَيْ قِيلَ لِعُمَرَ ﵁ لَمَّا أُصِيبَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ خَلِيفَةً بَعْدَكَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ عُمَرُ فِي جَوَابِهِ (إِنْ لَا أَسْتَخْلِفُ) أَيْ أَنْ أَتْرُكَ الِاسْتِخْلَافَ (فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَسْتَخْلِفْ) أَيْ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا بِعَيْنِهِ خَلِيفَةً نَصًّا (وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ) أَنَا أَحَدًا بِالتَّعْيِينِ (فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ) أَيْ جَعَلَ عُمَرَ خَلِيفَةً وَقْتَ وَفَاتِهِ فَأَخَذَ عُمَرُ وَسَطًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ فَلَمْ يَتْرُكِ التَّعْيِينَ بِمَرَّةٍ وَلَا فَعَلَهُ مَنْصُوصًا فِيهِ عَلَى الشَّخْصِ الْمُسْتَخْلَفِ وَجَعَلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ شُورَى بَيْنَ مَنْ قُطِعَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَأَبْقَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تَعْيِينِ مَنِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ جُعِلَتِ الشُّورَى فِيهِمْ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ إِذَا حَضَرَهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ وَقَبْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدِ اقْتَدَى بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا وَإِلَّا فَقَدِ اقْتَدَى بِأَبِي بَكْرٍ
وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفِ الْخَلِيفَةُ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِالسِّتَّةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَصْبُ خَلِيفَةٍ وَوُجُوبِهِ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ انْتَهَى (قَالَ) أَيِ بن عُمَرَ مَا هُوَ أَيْ عُمَرُ (إِلَّا أَنْ ذَكَرَ) أَيْ عُمَرُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ) أَيْ قِصَّةُ عَدَمِ الِاسْتِخْلَافِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقصة الاستخلاف عن أبي بكر ﵁ (لَا يَعْدِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَدَلَ فُلَانًا بِفُلَانٍ سَوَّى بَيْنَهُمَا انْتَهَى (وَأَنَّهُ) أَيْ عُمَرُ (غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ) أَحَدًا كَمَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
стр. 2593
٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ)
[٢٩٤٠] (عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) أَيْ عَلَى أَنْ نَسْمَعَ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ وَنُطِيعَهُ فِي ذَلِكَ (وَيُلَقِّنَّا) بِالْإِدْغَامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُلَقِّنُنَا بِالْفَكِّ (فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِيمَا اسْتَطَعْتَ بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِيمَا اسْتَطَعْتَ أَيْ قُلْ فِيمَا اسْتَطَعْتَ وَهَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ ﷺ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ يُلَقِّنُهُمْ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فِيمَا اسْتَطَعْتَ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي عُمُومِ بَيْعَتِهِ مالا يُطِيقُ انْتَهَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْإِكْرَاهِ سَاقِطٌ عَنْهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٩٤١] (إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا) الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَقَطِّعٌ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ مَا مَسَّ امْرَأَةً قَطُّ لَكِنْ يَأْخُذُ عَلَيْهَا الْبَيْعَةَ بِالْكَلَامِ فَإِذَا أَخَذَهَا بِالْكَلَامِ قَالَ اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ وَهَذَا التَّقْدِيرُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَلَا بُدَّ مِنْهُ (فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا) الْعَهْدَ (فَأَعْطَتْهُ) أَيْ أَعْطَتِ الْمَرْأَةُ الْمِيثَاقَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ لا يشركن بالله شيئا قَالَتْ وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَةَ النِّسَاءِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ كَفٍّ وَفِيهِ أَنَّ بَيْعَةَ الرِّجَالِ بِأَخْذِ الْكَفِّ مَعَ الْكَلَامِ وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْأَجْنَبِيَّةِ يُبَاحُ سَمَاعُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ
стр. 2594
بِعَوْرَةٍ وَأَنَّهُ لَا يَلْمِسُ بَشَرَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غير ضرورة كتطبيب
وقصد وَحِجَامَةُ وَقَلْعِ ضِرْسٍ وَكَحْلِ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا تُوجَدُ امْرَأَةٌ تَفْعَلُهُ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِعْلُهُ لِلضَّرُورَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٩٤٢] (أَخْبَرَنَا أَبُو عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ (زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ بَدَلٌ مِنْ أَبُو عَقِيلٍ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ) بَدَلٌ مِنْ جَدِّهِ (وَكَانَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (زَيْنَبُ) بَدَلٌ مِنْ أُمِّهِ (بِنْتُ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (بَايِعْهُ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ (هُوَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (صَغِيرٌ) أَيْ لَا تَلْزَمُهُ الْبَيْعَةُ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَدَعَا لَهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
([٢٩٤٣] بَاب فِي أَرْزَاقِ الْعُمَّالِ جَمْعُ عَامِلٍ)
(مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ) أَيْ جَعَلْنَاهُ عَامِلًا (عَلَى عَمَلٍ) أَيْ مِنْ أَعْمَالِ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ (فَرَزَقْنَاهُ) أَيْ فَأَعْطَيْنَاهُ (رِزْقًا) أَيْ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا (فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ) جَزَاءُ الشَّرْطِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَقَوْلُهُ (فهو غلول) خبره فيء بِالْفَاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الشَّرْطِ
وَالْغُلُولُ بِضَمَّتَيْنِ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ وَفِي مَالِ الْفَيْءِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٢٩٤٤] (اسْتَعْمَلَنِي) أَيْ جَعَلَنِي عَامِلًا (بِعُمَالَةٍ) يضم الْعَيْنِ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ مِنَ الْأُجْرَةِ (مَا
стр. 2595
أُعْطِيتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ) أَيْ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْإِمَارَةِ (فَعَمَّلَنِي) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ أَعْطَانِي الْعُمَالَةَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانُ جَوَازِ أَخْذِ الْعَامِلِ الْأُجْرَةَ بِقَدْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْأَمْرِ
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَامِلِينَ سَهْمًا فِي الصَّدَقَةِ فَقَالَ (وَالْعَامِلِينَ عليها) فَرَأَى الْعُلَمَاءُ أَنْ يُعْطَوْا عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِمْ وَسَعْيِهِمْ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَتَمُّ مِنْهُ وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اجْتَمَعَ فِي إِسْنَادِهَا أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ
[٢٩٤٥] (مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ إِلَخْ) أَيْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا فِي تَصَرُّفِهِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ قَدْرِ مَهْرِ زَوْجَةٍ وَنَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَكَذَلِكَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَتَنَعُّمٍ فَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةً فهو حرام عليه
ذكره القارىء نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يَتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ اكْتِسَابَ الْخَادِمِ وَالْمَسْكَنِ مِنْ عُمَالَتِهِ الَّتِي هِيَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَفِقَ بِشَيْءٍ سِوَاهَا وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ لِلْعَامِلِ السُّكْنَى وَالْخِدْمَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ اسْتُؤْجِرَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ فَيَكْفِيهِ مِهْنَةَ مِثْلِهِ وَيُكْتَرَى لَهُ مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي عَمَلِهِ انْتَهَى (قَالَ) أَيِ الْمُسْتَوْرِدُ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ (أُخْبِرْتُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ
وَأَوْرَدَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ أَوْ لَيْسَ له خادم فلتخذ خَادِمًا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةِ لَهُ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ انْتَهَى (غَيْرَ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ (فَهُوَ غَالٌّ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ خَائِنٌ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
следующие страницы →