Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَتْ صلاة رسول الله عَلَى الْمَيِّتِ قَالَتْ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَغَائِبِنَا وَشَاهِدِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا
اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
قُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ نَزِيلُ بَغْدَادَ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وبن خِرَاشٍ
وَحَدِيثُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وبن الْجَارُودِ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ الله إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا
قَالَ يَحْيَى وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ وَزَادَ فِيهِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ
قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ وَالِدِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَرَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ النبي مُرْسَلًا
وَرَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عائشة عن النبي
وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَعِكْرِمَةُ رُبَّمَا يَهِمُ فِي حَدِيثِ يَحْيَى وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ
قَالَ أَبُو عِيسَى وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ أَصَحُّ الروايات في هذا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَسَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ فَلَمْ يَعْرِفْهُ انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وبن الْجَارُودِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ سَمِعَهُ يَقُولُ سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ الله عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا
стр. 2837
مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ
قَالَ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ قَالَ عَوْفٌ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوْ كُنْتُ أَنَا الْمَيِّتَ لدعاء رسول الله عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ هَذَا الْحَدِيثُ انْتَهَى
وحديث واثلة بن الأسقع أخرجه المؤلف وبن ماجه قال صلى بنا رسول الله عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذر الهروي
وحديث بن عَبَّاسٍ تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْحَاكِمِ
وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَلَّالُ بِمَكَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْكَاتِبُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُكَانَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ كان رسول الله إِذَا قَامَ لِلْجِنَازَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا قَالَ اللَّهُمَّ عبدك وبن أَمَتِكَ احْتَاجَ إِلَى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ هَذَا إِسْنَادٌ صحيح ويزيد بن ركانة
أبو رُكَانَةَ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ صَحَابِيَّانِ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ انْتَهَى
وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أبيه أن النبي عَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَحْيَائِنَا وَأَمْوَاتِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ فَاغْفِرْ لنا وله كذا في عمدة القارىء وَأُسْدِ الْغَابَةِ
فَهَذِهِ صِيَغُ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ذِكْرُ أَدْعِيَةٍ غَيْرِ المأثورة عن النبي والتمسك بالثابت عنه أَلْزَمُ وَأَوْكَدُ وَاخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو لِمَيِّتٍ بِدُعَاءٍ وَلِآخَرَ بآخر والذي أمر به إِخْلَاصَ الدُّعَاءِ فَلِلرَّجُلِ الْمُتَّبِعِ لِلسُّنَّةِ أَنَّهُ يَدْعُو بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ سَوَاءً كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَلَا يُحَوِّلُ
стр. 2838
الضَّمَائِرُ الْمُذَكَّرَةُ إِلَى صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى لِأَنَّ مَرْجِعَهَا الْمَيِّتُ وَهُوَ يُقَالُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى
كَذَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ وَكَلَامُهُ هَذَا حَسَنٌ جِدًّا
فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثم يصلي على النبي ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَانِيًا وَلَا يقرأ الفاتحة بل يصلي على النبي وَيَسْتَكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ مُخْلِصًا لَهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَالِثًا وَيُصَلِّي وَيَدْعُو مِثْلَ مَا فَعَلَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ الثَّانِي ثُمَّ يُكَبِّرُ رَابِعًا مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ وَيُسَلِّمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينُ مَوْضِعِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ فَإِنْ شَاءَ الْمُصَلِّي جَاءَ بِمَا يَخْتَارُ مِنْهَا دُفْعَةً إِمَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ التَّكْبِيرِ أَوْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ أَوْ يُفَرِّقُهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ يَدْعُو بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِجَمِيعِ مَا روى عنه
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الَّذِي عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ إِلَّا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ دَعَا بَعْدَهَا وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ انْتَهَى
قُلْتُ وَالْأَحَبُّ أَنْ يَسْتَكْثِرَ فِي الدُّعَاءِ وَيَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ دُعَاءٌ لِلْمَيِّتِ وَاسْتِغْفَارٌ لَهُ وَالِاسْتِكْثَارُ وَالْمُبَالَغَةُ مَطْلُوبٌ فِيهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ جَاءَ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ أَيْضًا لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ مَاتَتِ ابْنَةٌ لَهُ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ثُمَّ قَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَدْرَ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ يَدْعُو ثُمَّ قَالَ كان رسول الله يصنع في الجنازة هكذا وأخرجه بن ماجه بمعناه كما سيجيء
ولفظا الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ثُمَّ قَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَدْرَ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو وَقَالَ كان رسول الله يَصْنَعُ هَكَذَا قَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَفِي التَّلْخِيصِ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ وَزَادَ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ لَا أَزِيدُ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله يَصْنَعُ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ ابْنَتِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْسًا ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ إِنِّي لَا أَزِيدُ عَلَى مَا رأيت رسول الله يصنع وهكذا كان يصنع رسول الله
стр. 2839
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْآخِرَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالرَّاجِحُ الِاسْتِحْبَابُ لِهَذَا الْحَدِيثِ
كَذَا فِي النَّيْلِ
وَأَمَّا التَّسْلِيمُ فَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْمُتَقَدِّمِ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ثَلَاثٌ كَانَ رَسُولُ الله يَفْعَلُهُنَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ إِحْدَاهُنَّ التَّسْلِيمُ عَلَى الْجَنَائِزِ مِثْلُ التَّسْلِيمَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى
كَذَا نَقَلَهُ العيني في شرح البخاري
ونقل بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَالشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بِلَفْظِ التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلُ التَّسْلِيمِ فِي الصلاة وعند بن أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَيْنِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي زَادِ المعاد وأما هديه فِي التَّسْلِيمِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَرُوِيَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ حَرْمَلَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيِّ وَفِيهِ كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ثُمَّ قَامَ سَاعَةً فَسَبَّحَ الْقَوْمُ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي أَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَبَّرَ أَرْبَعًا وَلَمْ يَقُلْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ورواه بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ حَدَّثَنَا الْهَجَرِيُّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي أوفى الأسلمى صاحب رسول الله عَلَى جِنَازَةِ ابْنَةٍ لَهُ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا فَمَكَثَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ شَيْئًا قَالَ فَسَمِعْتُ الْقَوْمَ يُسَبِّحُونَ بِهِ مِنْ نَوَاحِي الصُّفُوفِ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ أَكُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي مُكَبِّرٌ خَمْسًا قَالُوا تَخَوَّفْنَا ذَلِكَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلَ وَلَكِنَّ رسول الله كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَمْكُثُ سَاعَةً فَيَقُولُ مَا شَاءَ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ
وَذِكْرُ السَّلَامِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ انْفَرَدَ عَنْهَا شَرِيكٌ عَنْ إبراهيم الهجري والمعروف عن بن أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَتَعْرِفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَيْنِ عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ لَا وَلَكِنْ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً عَنْ يَمِينِهِ فَذَكَرَ بن عمر وبن عباس وأبا هريرة وواثلة بن الأسقع وبن أَبِي أَوْفَى وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَأَبَا أُمَامَةَ فَهَؤُلَاءِ عشرة من الصحابة
انتهى كلام بن الْقَيِّمِ بِتَغَيُّرٍ
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ تَحْتَ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ثم يسلم
стр. 2840
تَسْلِيمًا خَفِيًّا إِلَخْ
وَلَيْسَ فِي التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَصَحُّ مِنْهُ وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ أَبِي الْعَنْبَسِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ثُمَّ سَاقَ رِوَايَتَهُ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَارِمٍ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامِ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
التَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ قَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً
انْتَهَى كَلَامُ الْحَاكِمِ وَزَادَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَسٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ثُمَّ هَلْ يُسِرُّ بِهَا أَوْ يَجْهَرُ فَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِخْفَاؤُهَا وَعَنْ مَالِكٍ يَسْمَعُ بِهَا مَنْ يَلِيهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ وَلَا يُسِرُّ كُلَّ الإسرار كذا في عمدة القارىء
وَأَمَّا وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهَا فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْجِنَازَةِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الْكُوفِيُّ أَخْبَرَنَا إسماعيل بن أبان الوراق عن يحيى بن يَعْلَى الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هريرة أن رسول الله كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبي وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تكبيرة على الجنازة وهو قول بن الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ
وَذُكِرَ عن بن الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا يَقْبِضُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ وَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقْبِضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو عِيسَى يَقْبِضُ أَحَبُّ إِلَيَّ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال كان رسول الله إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى عَنْ
стр. 2841
إسماعيل بن أبان الوراق عن يحيى بن يَعْلَى عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ انْتَهَى
قُلْتُ يُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ ضَعِيفٌ
وأعل بن الْقَطَّانِ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ بِأَبِي فَرْوَةَ وَنَقَلَ تَضْعِيفَهُ عن أحمد والنسائي وبن مَعِينٍ وَالْعُقَيْلِيِّ
قَالَ وَفِيهِ عِلَّةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْلَى الرَّاوِي عَنْ أَبِي فَرْوَةَ وَهُوَ أَبُو زَكَرِيَّا الْقَطْوَانِيُّ الْأَسْلَمِيُّ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ بن طاوس عن أبيه عن بن عباس أن رسول الله كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَا يَعُودُ انْتَهَى وَسَكَتَ عَنْهُ لَكِنْ أَعَلَّهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ بِالْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ وَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ انْتَهَى
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ ولم أجده في ضعفاء بن حِبَّانَ
وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي عِلَلِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عن بن عمر أن النبي كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَإِذَا انْصَرَفَ سَلَّمَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَكَذَا رَفَعَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ فَرَوَوْهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ مَوْقُوفًا وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى
وَلَمْ يَرْوِ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ شَيْئًا فِي هذا الباب إلا حديثا موقوفا على بن عَمْرٍو حَدِيثًا مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ وأخرجه البيهقي عن بن عُمَرَ قَالَ الْحَافِظُ سَنَدُهُ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى بْنِ عِيسَى مَرْفُوعًا وَقَالَ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِعٍ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ
تَفَرَّدَ بِهِ عَبَّادُ بْنُ صُهَيْبٍ
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَهُمَا ضَعِيفَانِ
وروى الشافعي عمن سمع سلمة بن ورد أن يَذْكُرُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ
وَرَوَى أَيْضًا الشَّافِعِيُّ عن عروة وبن الْمُسَيِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ
قَالَ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْنَا أهل العلم ببلدنا انتهى
وحكى بن الْمُنْذِرِ مَشْرُوعِيَّةَ الرَّفْعِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَنِ بن عُمَرَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق واختاره بن الْمُنْذِرِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إِنَّهُ لَا يَرْفَعُ عِنْدَ سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ بَلْ عِنْدَ الْأُولَى فَقَطْ وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ الرَّفْعُ فِي الْجَمِيعِ وَفِي الْأُولَى فَقَطْ وَعَدَمُهُ فِي كُلِّهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2842
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ فَكَالصَّلَاةِ عَلَى الْكَبِيرِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النبي بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ عَلَّمَ أَصْحَابَهُ دُعَاءً آخَرَ لِلْمَيِّتِ الصَّغِيرِ غَيْرَ الدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ لِلْمَيِّتِ الْكَبِيرِ بَلْ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا كَمَا عَرَفْتَ
وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ انْتَهَى
فَالدُّعَاءُ لِلطِّفْلِ عَلَى مَعْنَى الزِّيَادَةِ كَمَا كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَهَا وَتَسْتَغْفِرُهُ
لَكِنْ رَوَى الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب قال قال رسول الله يَا عَلِيٌّ إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى جِنَازَةٍ فَقُلِ اللهم عبدك وبن عبدك وبن أمتك ماض في حُكْمُكَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا زَارَكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَزُورٍ اللَّهُمَّ لَقِّنْهُ حُجَّتَهُ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ وَنِرْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَوَسِّعْ عَلَيْهِ فِي مُدْخَلِهِ وَثَبِّتْهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فَإِنَّهُ افْتَقَرَ إِلَيْكَ وَاسْتَغْنَيْتَ عَنْهُ وَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ
يَا عَلِيٌّ وَإِذَا صَلَّيْتَ عَلَى امْرَأَةٍ فَقُلْ أَنْتَ خَلَقْتَهَا وَرَزَقْتَهَا وَأَنْتَ أَحْيَيْتَهَا وَأَنْتَ أَمَتَّهَا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ لَهَا اغْفِرْ لَهَا اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهَا وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهَا
يَا عَلِيٌّ وَإِذَا صَلَّيْتَ عَلَى طِفْلٍ قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِأَبَوَيْهِ سَلَفًا وَاجْعَلْ لَهُمَا نُورًا وَسَدَادًا أَعْقِبْ وَالِدِيهِ الْجَنَّةَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير كذا في عمدة القارىء شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
وَالْحَدِيثُ يُنْظَرُ فِي إِسْنَادِهِ وَالْغَالِبُ فِيهِ الضَّعْفُ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النُّفُوسِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا
وَفِي جَامِعِ سُفْيَانَ عَنِ الْحَسَنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَاجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا انتهى
وفي سنن بن مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلُّوا عَلَى أَطْفَالِكُمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَفْرَاطِكُمْ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَعِنْدَ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ فَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا انْتَهَى وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَا يَسْتَغْفِرُ لِلصَّبِيِّ وَلَكِنْ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا وَمُشَفَّعًا
стр. 2843
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَرْفُوعُ الْقَلَمِ عَنْهُ وَلَا ذَنْبَ لَهُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ
وَفِي الْبَدَائِعِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ صَبِيًّا يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَذُخْرًا وَشَفِّعْهُ فِينَا
كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حنيفة وهو مروي عن النبي وَفِي الْمُحِيطِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ صَبِيًّا يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا ذُخْرًا اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا وَمُشَفَّعًا
وَفِي الْمُفِيدِ وَيَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَقِيلَ يَقُولُ اللَّهُمَّ ثَقِّلْ مَوَازِينَهُمَا وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِسَلَفِنَا وَفَرَطنَا وَمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِيهِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2844
٦
([٣٢٠٣] بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رُوِيَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سِتَّةِ وجوه حسان كلها
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ بَلْ مِنْ تِسْعَةٍ كُلِّهَا حِسَانٍ وَسَاقَهَا كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهِ فِي تَمْهِيدِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَامِرِ بْنِ ربيعة وبن عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْخَمْسَةِ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِسْكِينَةِ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي صَلَاةِ الْمُصْطَفَى عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بَعْدَ دَفْنِهَا بِشَهْرٍ وَحَدِيثِ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ فِي صَلَاتِهِ ﷺ عَلَى قَبْرِ طَلْحَةَ بْنِ الْبَرَاءِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى البخاري عن بن عباس أن النبي ﷺ قَامَ عَلَى قَبْر مَنْبُوذ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفه قَالَ التِّرْمِذِيّ وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَس وَبُرَيْدَةَ وَزَيْد بْن ثَابِت وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَامِر بْن رَبِيعَة وَأَبِي قَتَادَةَ وَسَهْل بْن حُنَيْف
قَالَ الترمذي وحديث بن عَبَّاس حَدِيث حَسَن صَحِيح
وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ وَغَيْرهمْ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْر وَهُوَ قَوْل مَالِك بْن أَنَس وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك إِذَا دُفِنَ الْمَيِّت وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَى الْقَبْر
وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد وَمَنْ يَشُكّ فِي الصَّلَاة عَلَى الْقَبْر يُرْوَى عَنْ النَّبِيّ ﷺ مِنْ سِتَّة وُجُوه حِسَان
وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ أنس أن النبي ﷺ صلى على قبر
وفي الصحيحين عن بن عَبَّاس قَالَ مَاتَ إِنْسَان كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَعُودهُ فَذَكَرَ الْحَدِيث وفيه فأتى قبره فَصَلَّى عَلَيْهِ وَلَكِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث إِنَّمَا تَدُلّ على قول بن الْمُبَارَك فَإِنَّهَا وَقَائِع أَعْيَان وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2845
الْقَ طَلْحَةَ يَضْحَكُ إِلَيْكَ وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ ﷺ رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ وَقَدْ تُوُفِّيَتْ أُمُّ أَبِي أُمَامَةَ فَصَلَّى عَلَيْهَا وَحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى امرأة بعد ما دُفِنَتْ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمِسْكِينَةِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهُوَ فِي الْمِسْكِينَةِ فِي عَشَرَةِ أَوْجُهٍ
كَذَا فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ لِلزُّرْقَانِيِّ
فَالصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ سَوَاءٌ صُلِّيَ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ قَبْلَهُ أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
قَالَ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ فَصَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ لَيْلَةٍ وَمَرَّةً بَعْدَ ثَلَاثٍ وَمَرَّةً بَعْدَ شَهْرٍ وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا
وَحَدَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ بِشَهْرٍ إِذْ هُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ صَلَّى بَعْدَهُ
وَحَدَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا إِذَا لَمْ يَبْلَ الْمَيِّتُ انْتَهَى
وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ من طريق عامر عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا وَفِيهِ فَصَفَفْنَا خلفه قال بن عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَفِي الْمُوَطَّأِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ
(كَانَ يَقُمُّ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ يَكْنُسُ وَالْقُمَامَةُ الْكُنَاسَةُ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (أَلَا آذَنْتُمُونِي بِهِ) أَيْ أَخْبَرْتُمُونِي بِمَوْتِهِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (دُلُّونِي) بِضَمِّ الدَّالِ أَمْرٌ مِنَ الدَّلَالَةِ (فَصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ على قبره
قال الحافظ زاد بن حِبَّانَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا عَلَيْهِمْ بِصَلَاتِي وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُخَالِفِينَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَفِيهَا ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَصَفَفْنَا خلفه وكبر عليه أربعا قال بن حِبَّانَ فِي تَرْكِ إِنْكَارِهِ ﷺ عَلَى مَنْ صَلَّى مَعَهُ عَلَى الْقَبْرِ بَيَانُ جَوَازِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ بِالتَّبَعِيَّةِ لَا يَنْهَضُ دَلِيلًا لِلْأَصَالَةِ انْتَهَى
قُلْتُ لَا يَلِيقُ بِشَأْنِ الْحَافِظِ أَنْ يَنْقُلَ قَوْلَ هَذَا الْمُتَعَقِّبِ فَإِنَّ قَوْلَهُ هَذَا غَلَطٌ بَاطِلٌ وَيَكْفِي لِرَدِّهِ قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ بَيَانُ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ لِمَنْ لَمْ يَلْحَقِ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ الدَّفْنِ وَفِي الصَّلَاةِ اخْتِلَافٌ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ
стр. 2846
مَنْ قَالَ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مَا لَمْ يَبْلَ صَاحِبُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِلَى شَهْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَبَدًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن ماجه
١ - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَمُوتُ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ)
[٣٢٠٤] هَكَذَا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ وَلَكِنْ أَوْرَدَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ تَرْجَمَةَ الْبَابِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَلَفْظُ الْمُنْذِرِيِّ بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ قَتَلَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَلَفْظُ الْخَطَّابِيِّ بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَلِيهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَهَكَذَا نَقَلَ الْحَافِظُ أَيْضًا فِي الْفَتْحِ تَرْجَمَةَ الْبَابِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ
(نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ) أَيْ أَخْبَرَ النَّاسَ بِمَوْتِهِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فد تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمُّوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ
وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النبي نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَأَخْرَجَاهُ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ انْتَهَى
وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَعَى النَّجَاشِيَّ لِأَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ اسْتَغْفِرُوا لَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِهِمْ كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين أن رسول الله قَالَ إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيُّ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ قَالَ قُمْنَا فَصَفَفْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ فِي الْفَتْحِ النَّجَاشِيِّ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ يَاءٌ ثَقِيلَةٌ كَيَاءِ النَّسَبِ وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ وَرَجَّحَهُ الصَّغَانِيُّ وَهُوَ لَقَبٌ مِنْ مَلِكِ الْحَبَشَةِ
وَحَكَى الْمُطَّرِّزِيُّ تَشْدِيدَ الْجِيمِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَخَطَّأَهُ انْتَهَى
وَاسْمُ النَّجَاشِيِّ أَصْحَمَةُ قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ وَهَكَذَا هُوَ فِي كُتُبِ الحديث والمغازي وغيرها ووقع في مسند بن شَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَسْمِيَتُهُ صَحْمَةَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ وَقَالَ هَكَذَا قَالَ لَنَا يَزِيدُ وَإِنَّمَا هُوَ صَمْحَةُ يَعْنِي بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ
стр. 2847
عَلَى الْحَاءِ وَهَذَانِ شَاذَّانِ وَالصَّوَابُ أَصْحَمَةُ بِالْأَلِفِ
قال بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةٌ انْتَهَى (إِلَى الْمُصَلَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْمَوْتَى فِيهِ (وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) قَدِ اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مَوْتُهُ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ كَمَا يَلُوحُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبَابِ
وَمِمَّنِ اخْتَارَ هَذَا الشَّيْخُ الْخَطَّابِيُّ وَشَيْخُ الإسلام بن تَيْمِيَّةَ وَالْعَلَّامَةُ الْمُقْبِلِيُّ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وجمهور السلف حتى قال بن حَزْمٍ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْعُهُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ لَهُ وَهُوَ إِذَا كَانَ مُلَفَّفًا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يُدْعَى لَهُ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ فِي الْقَبْرِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ بِهِ وَهُوَ مُلَفَّفٌ
وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لَا يُشْرَعُ ذَلِكَ
وَقَدِ اعْتَذَرَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِهَا أَحَدٌ فَتَعَيَّنَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مَوْتُهُ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِ يَلِيهِ أَهْلُ الشِّرْكِ بِبَلَدٍ آخَرَ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ انْتَهَى وَتَعَقَّبَهُ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ فَقَالَ وَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ فَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي بَلَدِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَمَحَلُّهُ فِي اتِّسَاعِ الْحِفْظِ مَعْلُومٌ انْتَهَى
قُلْتُ نَعَمْ مَا وَرَدَ فِيهِ شَيْءٌ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا لَكِنْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَسْلَمَ وَشَاعَ إِسْلَامُهُ وَوَصَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَكَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ فَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنَّهُ مَا صَلَّى عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَلَدِهِ
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أبو داود الطيالسي وأحمد وبن مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَاللَّفْظُ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ بِهِمْ فَقَالَ صَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ قَالُوا مَنْ هُوَ قَالَ النجاشي
ولفظ غيره أن النبي قَالَ إِنَّ أَخَاكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ
стр. 2848
حُجَّةٌ لِلْمَانِعِينَ بَلْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْمَانِعِينَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِأَرْضِكُمْ هِيَ الْمَدِينَةُ كَأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ إِنَّ النَّجَاشِيَّ إِنْ مَاتَ فِي أَرْضِكُمُ الْمَدِينَةَ لَصَلَّيْتُمْ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مَاتَ فِي غَيْرِ أَرْضِكُمُ الْمَدِينَةِ فَصَلُّوا عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ فَهَذَا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غَائِبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْحَافِظُ وَمِنْ ذَلِكَ قول بعضهم كشف له عَنْهُ حَتَّى رَآهُ فَتَكُونُ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى مَيِّتٍ رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ ولا خلاف في جوازها
قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ وَلَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ كَافٍ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ قَائِلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ في أسبابه بغير إسناد عن بن عباس قال كشف للنبي عَنْ سَرِيرِ النَّجَاشِيِّ حَتَّى رَآهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ
وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَقَامَ وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الأوزاعي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْهُ
وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجَنَازَةَ قُدَّامَنَا
وَمِنَ الِاعْتِذَارَاتِ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ غَائِبٍ غَيْرِهِ قَالَهُ الْمُهَلَّبُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ قِصَّةُ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّ خَبَرَهُ قَوِيٌّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ
وَاسْتَنَدَ مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ النَّجَاشِيِّ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِرَادَةِ إِشَاعَةِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا أَوِ اسْتِئْلَافِ قُلُوبِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاتِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ لَوْ فُتِحَ بَابُ هَذَا الْخُصُوصِ لَانْسَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي على نقله
وقال بن الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ قُلْنَا وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ تَعْمَلْ بِهِ أُمَّتُهُ يَعْنِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ قَالُوا طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَأُحْضِرَتِ الْجَنَازَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْنَا إِنَّ رَبَّنَا عَلَيْهِ لَقَادِرٌ وَإِنَّ نَبِيَّنَا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رُوِّيتُمْ وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ وَدَعُوا الضِّعَافَ فَإِنَّهَا سَبِيلُ تَلَافٍ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٍ
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ قَوْلُهُمْ رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْهُ مَمْنُوعٌ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَكَانَ غَائِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ الذين صلوا عليه مع النبي قُلْتُ وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَيُؤَيِّدُهُ
стр. 2849
حَدِيثُ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ بِالْجِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ فِي قِصَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَمَا نَرَى شَيْئًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَصْلُهُ في بن مَاجَهْ لَكِنْ أَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا انْتَهَى
وَفِي زَادِ الْمَعَادِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ غَائِبٍ فَقَدْ مَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ غُيَّبٌ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنَّ هَذَا تَشْرِيعٌ مِنْهُ وَسُنَّةٌ لِلْأُمَّةِ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ هَذَا خَاصٌّ بِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَقَالَهُ أَصْحَابُهُمَا
وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ يَرَى صَلَاتَهُ عَلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الْبُعْدِ وَالصَّحَابَةُ وَإِنْ لم يروه فهم تابعون للنبي فِي الصَّلَاةِ
قَالُوا وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لم ينقل عنه أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى كُلِّ الْغَائِبِينَ غَيْرِهِ وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ يُعَايِنَ سَرِيرَ الْمَيِّتِ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ وَيُرْفَعَ لَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ غَائِبٌ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ الْعَلَاءَ بْنَ زَيْدٍ قال علي بن الْمَدِينِيِّ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ
وَقَالَ شيخ الإسلام بن تَيْمِيَّةَ الصَّوَابُ أَنَّ الْغَائِبَ إِنْ مَاتَ بِبَلَدٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِيهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الغائب كما صلى النبي عَلَى النَّجَاشِيِّ لِأَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَإِنْ صُلِّيَ حَيْثُ مَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْغَائِبِ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سقط لصلاة المسلمين عليه والنبي صَلَّى عَلَى الْغَائِبِ وَتَرَكَهُ وَفِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ وهذا لَهُ مَوْضِعٌ وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا انْتَهَى
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ وَلِأَصْحَابِنَا عَنْهُ أجوبة أحدها أن النبي رُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ فَرَآهُ فَيَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَمَيِّتٍ رَآهُ الْإِمَامُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِ بَيِّنَةٍ وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ
قُلْتُ ورد ما يدل على ذلك فروى بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حصين أن النبي
стр. 2850
قَالَ إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ تُوُفِّيَ فَقُومُوا صَلُّوا عليه فقام رسول الله وَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ
الثَّانِي أَنَّهُ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضٍ لَمْ يَقُمْ فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ
ثُمَّ يدل على ذلك أن النبي لَمْ يُصَلِّ عَلَى غَائِبٍ غَيْرِهِ وَقَدْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَهُمْ غَائِبُونَ عَنْهُ وَسَمِعَ بِهِمْ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ إِلَّا غَائِبًا وَاحِدًا انْتَهَى
وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ وَدَلَائِلُ الْخُصُوصِيَّةِ وَاضِحَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ لِأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أُحْضِرَ رُوحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ رُفِعَتْ لَهُ جَنَازَتُهُ حَتَّى شَاهَدَهَا كَمَا رُفِعَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ صِفَتِهِ انْتَهَى
قُلْتُ دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ لَيْسَ عَلَيْهَا دليل ولا برهان بل قوله فَهَلُمُّوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ وَقَوْلُ جَابِرٍ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ اسْتَغْفِرُوا لَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِأَصْحَابِهِ فَصَلَّى بِهِمْ كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ وَقَوْلُ عِمْرَانَ فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ ببطل دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْغَائِبِ إِنْ كَانَتْ خاصة بالنبي فلا معنى لأمره أَصْحَابَهُ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ بَلْ نَهَى عَنْهَا لِأَنَّ ما كان خاصا به لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِأُمَّتِهِ أَلَا تَرَى صَوْمَ الْوِصَالِ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ بِهِ مَعَ شِدَّةِ حِرْصِهِمْ لِأَدَائِهِ
وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عليها وليس هنا دليل عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ بَلْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ رُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ أَوْ أُحْضِرَ رُوحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ ﵎ لقادر عليه وأن محمدا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ وَإِنَّمَا ذكره الواحدي عن بن عَبَّاسٍ بِلَا سَنَدٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَلِذَا قال بن الْعَرَبِيِّ وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ وَدَعُوا الضِّعَافَ
وأما ما رواه أبو عوانة وبن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ لَفْظَهُ وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفِي لَفْظٍ وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا الْجَنَازَةَ قُدَّامَنَا وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ خَلْفَ النبي كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ وَالْحَالُ أَنَّا لَمْ نَرَ الْمَيِّتِ لَكِنْ صَفَفْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ كَأَنَّ الْمَيِّتَ قُدَّامَنَا وَنَظُنُّ أَنَّ جنازته بين يديه لصلاته كعلى الحاضر المشاهد فحينئذ يؤول مَعْنَى لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى مَعْنَى
стр. 2851
لَفْظِ أَحْمَدَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ مُجَمِعٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَمَا نَرَى شيئا ومن ها هنا انْدَفَعَ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الزَّرْقَانِيِّ حَيْثُ شَنَّعَ عَلَى بن الْعَرَبِيِّ وَقَالَ قَدْ جَاءَ مَا يُؤَيِّدُ رَفْعَ الْحِجَابِ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ فَمَا حَدَّثَنَا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ انْتَهَى
فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الْحِجَابِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فكان الميت غائبا عن أصحابه الذين صلوا عليه مع النبي
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فَيَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَمَيِّتٍ رَآهُ الْإِمَامُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ هَذَا رَأْيٌ وَتَصْوِيرُ صُورَةٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُعْبَأُ بِهِ
وَقَوْلُهُمْ وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ فَمَنْظُورٌ فِيهِ لِأَنَّ الْعَدَمَ وَالتَّرْكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ نَعَمْ إِذَا كَانَ الْعَدَمُ مُسْتَمِرًّا فِي زَمَانِ النبي والخلفاء الراشدين ففعله يكون بدعة وها هنا لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعَدَمِ وَالتَّرْكِ سُنَّةً مَعَ كَوْنِ الْفِعْلِ سنة أنه كَانَ يَكْتَفِي بِتَرْكِهِ أَيْضًا فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ السُّنَّةِ لَا يُثَابُ فَاعِلُهُ فَإِنَّ مُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا لَا عَلَى تَرْكِ الْآخَرِينَ نَعَمْ يَكْفِيهِ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ تِلْكَ الرَّكْعَتَانِ وَمُصَلِّي الْأَرْبَعَةِ فَثَوَابُهُ أَكْمَلُ مِنْ ثَوَابِ الْأَوَّلِ
هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الشَّهِيدِ مُحَمَّدِ إِسْمَاعِيلَ الدَّهْلَوِيِّ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ أَنَّهُ مِنْ باب الضرورة لأنه مات بأرض لم يقم فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ فَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ فِي ضِمْنِ كَلَامِ الْحَافِظِ
وَقَوْلُهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ عَلَى غَائِبٍ غَيْرَ النَّجَاشِيِّ وَقَدْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِإِثْبَاتِ السُّنِّيَّةِ أَوْ لِاسْتِحْبَابِ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ يَكْفِي فِيهِ وُرُودُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا أَوْ سُكُوتِيًّا وَلَا يَلْزَمُ لِإِثْبَاتِ السُّنِّيَّةِ كَوْنُ الْحَدِيثِ مَرْوِيًّا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْوَاقِعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَإِلَّا لَا يَثْبُتُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي مَعْمُولٌ بِهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ صَلَاةَ الْجَنَازَةِ اسْتِغْفَارٌ ودعاء وقد بين لنا رسول الله أَنَّ طَرِيقَ أَدَائِهَا بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ مَشْهُودًا حَاضِرًا قُدَّامَ الْمُصَلِّينَ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْعُمْدَةُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا النَّوْعِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يثبت عن النبي قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ الشَّاهِدِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهُ عَلَى
стр. 2852
قَبْرِهِ أَوْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَائِبِ عَلَيْهِ
وَالنَّوْعُ الثَّانِي الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ لِمَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ لَكِنْ مَا أَمْكَنَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ حَتَّى دُفِنَ أَوْ كَانَ غَائِبًا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَمَّا دَخَلَ أُخْبِرَ بِمَوْتِهِ فَصَلَّى عَلَى قبره كما فعل رسول الله فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِسْكِينَةِ أُمِّ سَعْدٍ وَأُمِّ أَبِي أُمَامَةَ وَطَلْحَةَ بْنِ الْبَرَاءِ ﵃ النَّوْعُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَجَاءَ نَعْيُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَيُصَلُّونَ صَلَاةَ الْغَائِبِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ أَوِ الْقَصِيرَةِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ الله بِالنَّجَاشِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُزَنِيِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي هَذَا هُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَالْفَرْضُ قَدْ يَسْقُطُ لِصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَدُعَاءٌ مَحْضٌ وَاسْتِغْفَارٌ خَالِصٌ لِلْمَيِّتِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِيَّةِ
الوجه الثالث أن صلاة النبي عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَوَّلُ النَّجَاشِيُّ ﵁ وَقِصَّتُهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَالِاعْتِمَادُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ وَيُضَمُّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ
وَالْغَائِبُ الثَّانِي مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ
وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
أَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالُوا مَاتَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَدَتْ قِصَّتُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ مُسْنَدَةً وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلَةً فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ الضُّرَيْسِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَسُمُّوَيَةُ في فوائده وبن مَنْدَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ نَزَلَ جبرائيل عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يامحمد مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ أَتُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ (قَالَ نَعَمْ) فَضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ أَكَمَةً وَلَا شَجَرَةً إِلَّا تَضَعْضَعَتْ فَرَفَعَ سَرِيرَهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَخَلْفُهُ صَفَّانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كُلُّ صَفٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ ملك فقال يا جبرائيل بِمَا نَالَ مُعَاوِيَةُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ قَالَ بِحُبِّ قل هو الله أحد وقراءته إياها جاثيا وَذَاهِبًا وَقَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ
وَأَوَّلُ حديث بن الضُّرَيْسِ كَانَ النَّبِيُّ ﵌ بِالشَّامِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ
وأخرج بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ عَنِ بن مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
قَالَ هَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ
стр. 2853
بِهِ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَصْرِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ كَانَ صَدُوقًا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَلَقَّنُ بِآخِرِهِ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَانَ صَدُوقًا كَثِيرَ الْخَطَأِ وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ
وَأَمَّا مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ لَا يُعْرَفْ وَحَدِيثُهُ مُنْكَرٌ انْتَهَى
وَفِي زَادِ الْمَعَادِ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعْ عَلَيْهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ وَمَحْبُوبٌ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ليس بالمشهور وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ انْتَهَى
وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى أَنَسٍ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ كَانَ يَرَى الْقَدَرَ وَهُوَ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ كَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ
وَالطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ هِيَ ما ذكرها بن مَنْدَهْ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ عن أنس قال بن مَنْدَهْ وَرَوَاهُ نُوحُ بْنُ عَمْرِو عَنْ بَقِيَّةَ عن محمد بن زياد عن أبي أمامة نَحْوَهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْمُحَارِبِيِّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ قَدْ ضُعِّفَ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ يُكْتَبْ حَدِيثُهُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ أَحَادِيثُهُ مُتَقَارِبَةٌ سِوَى حَدِيثَيْنِ وَذَكَرَهُ بن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَذَكَرَ لَهُ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ ثُمَّ قَالَ عَامَّةُ أَحَادِيثِهِ مُسْتَقِيمَةٌ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مُتَابَعَةً كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَالْخُلَاصَةِ
وَالطَّرِيقُ الثالثة هي ما رواها بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ
كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
وَقَالَ الحافظ في الإصابة وأخرجه بن الأعرابي وبن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنْبَأَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله غَزْوَةَ تَبُوكَ فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمًا بِنُورٍ وَشُعَاعٍ وَضِيَاءٍ لَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَعَجَّبَ النَّبِيُّ مِنْ شَأْنِهَا إِذْ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَبَعَثَ اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَالَ بِمَ ذَاكَ قَالَ بكثرة تلاوته قل هو الله أحد فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ فَهَلْ لَكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَقْبِضَ لَكَ الْأَرْضَ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى عليه والعلاء أبو محمد هو بن زَيْدٍ الثَّقَفِيُّ هُوَ وَاهٍ انْتَهَى
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْعَلَاءُ هَذَا بن زيد ويقال بن زيد اتفقوا على ضعفه
قال البخاري وبن عَدِيٍّ وَأَبُو حَاتِمٍ هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ
قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ الْعَلَاءُ بْنُ زَيْدٍ الثَّقَفِيُّ بَصْرِيٌّ رَوَى عَنْ أَنَسٍ
قَالَ بن الْمَدِينِيِّ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وقال بن حِبَّانَ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ
стр. 2854
مِنْهَا الصَّلَاةُ بِتَبُوكٍ صَلَاةَ الْغَائِبِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بن معاوية الليثي
قال بن حِبَّانَ وَهَذَا مُنْكَرٌ وَلَا أَحْفَظُ فِي أَصْحَابِ رسول الله هَذَا وَالْحَدِيثُ فَقَدْ سَرَقَهُ شَيْخٌ شَامِيٌّ فَرَوَاهُ عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ انْتَهَى
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ وَكِتَابِ مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ عَمْرٍو السَّكْسَكِيُّ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بتبوك فنزل عليه جبرائيل فقال يا رسول الله إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيَّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ أَتُحِبُّ أَنْ أَطْوِيَ لَكَ الْأَرْضَ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ قَالَ نَعَمْ فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَرُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَخَلْفُهُ صَفَّانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي كُلِّ صَفٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثم رجع وقال النبي لِجِبْرِيلَ بِمَ أَدْرَكَ هَذَا قَالَ بِحُبِّ سُورَةِ قل هو الله أحد وَقِرَاءَتُهُ إِيَّاهَا جَائِيًا وَقَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
وَأَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بِدِمَشْقَ حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُوَيٍّ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أبي أمامة قال أتى رسول الله جبرائيل وَهُوَ بِتَبُوكَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدَ اشْهَدْ جَنَازَةَ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ في أصحابه ونزل جبرائيل في سبعين ألف مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَوَضَعَ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْجِبَالِ فَتَوَاضَعَتْ وَوَضَعَ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى الْأَرْضِينَ فَتَوَاضَعَتْ حَتَّى نَظَرْنَا إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رسول الله وَجَبْرَئِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ فَذَكَرَهُ
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
وَفِي الْإِصَابَةِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ فِي فَوَائِدِهِ وَالْخَلَّالُ فِي فَضَائِلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وبن عَبْدِ الْبَرِّ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ نُوحٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ انْتَهَى
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ قال بن حِبَّانَ يُقَالُ إِنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْحَدِيثَ انْتَهَى لكن قال الحافظ في الإصابة وقال بن حِبَّانَ فِي تَرْجَمَةِ الْعَلَاءِ مِنَ الضُّعَفَاءِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ سَرَقَهُ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَرَوَاهُ عَنْ بَقِيَّةَ فَذَكَرَهُ
قُلْتُ فَمَا أَدْرِي عَنَى نُوحًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نُوحًا فِي الضُّعَفَاءِ انْتَهَى كلام الحافظ
وقال الحافظ بن الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ وَيُقَالُ اللَّيْثِيُّ وَيُقَالُ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ قَالَ أَبُو عَمْرٍو هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ رَوَى حَدِيثَهُ مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ عَنِ بن أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسٍ وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ الْعَلَاءِ
стр. 2855
أَبِي مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عن محمد بن زياد عن أبي أمامة الْبَاهِلِيِّ نَحْوَهُ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ قَالَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ وَإِخْوَتِهِ النُّعْمَانُ وَسُوَيْدُ وَمَعْقِلُ وَكَانُوا سَبْعَةَ مَعْرُوفِينَ فِي الصَّحَابَةِ مَشْهُورِينَ قَالَ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ فَلَا أَعْرِفُهُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْتُ وَفَضْلُ قل هو الله أحد لَا يُنْكَرُ انْتَهَى
وَفِي تَجْرِيدِ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ وَيُقَالُ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ رسول الله إِنْ صَحَّ فَهُوَ الَّذِي قِيلَ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فصلى عليه النبي وهو بتبوك ورفع له جبرائيل الْأَرْضَ وَلَهُ طُرُقٌ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ انْتَهَى
وَفِي الإصابة قال بن عَبْدِ الْبَرِّ أَسَانِيدُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ وَلَوْ أَنَّهَا فِي الْأَحْكَامِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا حُجَّةً وَمُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ مَعْرُوفٌ هُوَ وَإِخْوَتُهُ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَلَا أعرفه
قال بن حَجَرٍ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ وَيَدْفَعُهُ مَا وَرَدَ أَنَّهُ رُفِعَتِ الْحُجُبُ حَتَّى شَهِدَ جَنَازَتَهُ فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ انْتَهَى
وَأَمَّا طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ الْحَافِظُ رَوَيْنَاهَا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لِابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدٍ
وَأَمَّا طَرِيقُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ فَأَخْرَجَهَا البغوي وبن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ أَبِي سَهْلٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كان غازيا بتبوك فأتاه جبرائيل فَقَالَ يَا مُحَمَّدٌ هَلْ لَكَ فِي جَنَازَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَهَذَا الْمُرْسَلُ
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَنْ أَدَاةُ الرُّوَاةِ وَإِنَّمَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّ الْحَسَنَ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ انْتَهَى
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ كما قال الحافظ بن عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالذَّهَبِيُّ أَنَّ أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ لَكِنْ فِيهِ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ رُوِيَ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ فَطَرِيقُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَلَاءُ الثَّقَفِيُّ عَنْهُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذَا السَّنَدِ
وَأَمَّا طَرِيقُ مَحْبُوبِ بْنِ هِلَالٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ لَا يَنْحَطُّ دَرَجَتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ لغيره
стр. 2856
وَمَحْبُوبٌ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ الذَّهَبِيُّ وَقَالَ حَدِيثُهُ منكر فقد ذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَإِنَّمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ
وقد قال الذهبي في ترجمة علي بن المديني فانظر إلى أصحاب رسول الله الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ مَا فِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدِ انْفَرَدَ بِسُنَّةٍ وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ كُلُّ وَاحِدٍ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ مِنَ الْعِلْمِ فَإِنَّ تَفَرُّدَ الثِّقَةِ الْمُتْقِنِ يُعَدُّ صَحِيحًا غَرِيبًا وَإِنَّ تَفَرُّدَ الصَّدُوقِ وَمَنْ دُونَهُ يُعَدُّ مُنْكَرًا انْتَهَى مُخْتَصَرًا وَمَحْبُوبٌ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الصَّدُوقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا طَرِيقُ يَحْيَى بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَهُوَ أَدْوَنُ مِنْ طَرِيقِ مَحْبُوبٍ
وَأَمَّا سَنَدُ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَيْضًا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ شَيْخُ الطَّبَرَانِيِّ هو حافظ رحال
قال بن يُونُسَ كَانَ يَفْهَمُ وَيَحْفَظُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَيْسَ بِذَاكَ تَفَرَّدَ بِأَشْيَاءَ انْتَهَى وَهَذَا لَيْسَ بِجَرْحٍ وَنُوحُ بْنُ عُمَرَ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ جَرْحٌ وَرَوَى عَنْهُ اثْنَانِ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ وَأَمَّا بَقِيَّةُ فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَخَبَرُ مُعَاوِيَةَ قَوِيٌّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ انْتَهَى
قُلْتُ اعْتِمَادِي فِي هَذَا الْبَابَ عَلَى حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فَيَنْضَمُّ إِلَى خَبَرِ النَّجَاشِيِّ وَتَحْدُثُ لَهُ بِهِ الْقُوَّةُ
وَأَمَّا كَشْفُ السَّرِيرِ لِلنَّبِيِّ كما في قصة معاوية فهو إكراما له كما كشف للنبي فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَهَلْ مِنْ قَائِلٍ إِنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ لَا تَجُوزُ إِلَّا لمن كشف له الجنة والنار
وأما الصلاة عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَخْرَجَهَا الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ بِمُؤْتَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَكُشِفَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشام فهو ينظر إلى معركتهم فقال أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَمَضَى حَتَّى اسْتُشْهِدَ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ وَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لَهُ قَدْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَسْعَى ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَمَضَى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله وَدَعَا لَهُ وَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لَهُ وَقَدْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَهُوَ يَطِيرُ فِيهَا بِجَنَاحَيْنِ حَيْثُ شَاءَ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَالْوَاقِدِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّجَاشِيُّ رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَدْ آمَنَ برسول الله وَصَدَّقَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وَالْمُسْلِمُ إِذَا مَاتَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ
стр. 2857
ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَقُومُ بِحَقِّهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَلَزِمَ رَسُولَ الله أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِذْ هُوَ نَبِيُّهُ وَوَلِيُّهُ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهِ فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فَإِذَا صَلَّوْا عَلَيْهِ اسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ وَلَمْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى بَلَدِ الْمَيِّتِ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْقِبْلَةِ انْتَهَى
قُلْتُ قَوْلُهُ إِنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَنْظُورٌ فِيهِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الميت الغائب وزعمو أن النبي كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْفِعْلِ إِذْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُشَاهِدِ لِلنَّجَاشِيِّ
لِمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَدْ سُوِّيَتْ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى يُبْصِرَ مَكَانَهُ وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ رَسُولَ الله إِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الشَّرِيعَةِ كَانَ علينا المتابعة والإيتساء بِهِ وَالتَّخْصِيصُ لَا يُعْلَمْ إِلَّا بِدَلِيلٍ
وَمِمَّا يبين ذلك أن النبي خَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَفَّ بِهِمْ وَصَلَّوْا مَعَهُ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ فَاسِدٌ انْتَهَى
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ لَمْ يَأْتِ الْمَانِعُونَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ سِوَى الِاعْتِذَارِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ كَانَ فِي أَرْضٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِيهَا وَهُوَ أَيْضًا جُمُودٌ عَلَى قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ يَدْفَعُهُ الْأَثَرُ وَالنَّظَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ) فِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ أَنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ قد أسلم قال بن الأثير أسلم في عهد النبي وَأَحْسَنَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى أَرْضِهِ وَأَخْبَارُهُ مَعَهُمْ وَمَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمِينَ مَشْهُورَةٌ
تُوُفِّيَ بِبِلَادِهِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ انْتَهَى
وَفِي الْإِصَابَةِ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النبي ولم يهاجر إليه وكان ردا لِلْمُسْلِمِينَ نَافِعًا وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَغَازِي فِي إِحْسَانِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَيْهِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ انْتَهَى (وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ) هَذَا مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ النَّجَاشِيَّ ما رحل إلى النبي لِأَجْلِ مَخَافَةِ مُلْكِهِ وَضَيَاعِ سَلْطَنَتِهِ وَبَغَاوَةِ رَعَايَاهُ الذين كانوا
стр. 2858
عَلَى كُفْرِهِمْ وَأَقَامَ فِي أَرْضِهِ وَمَاتَ فِيهَا وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٢ - (بَاب فِي جَمْعِ الْمَوْتَى فِي قَبْرٍ)
[٣٢٠٦] وَالْقَبْرُ يُعَلَّمُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِعْلَامِ أَيْ يُجْعَلُ عَلَى الْقَبْرِ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ الْقَبْرُ بِهَا
قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَالْعَلَمُ رَسْمُ الثَّوْبِ وَعَلَّمَهُ رَقَمَهُ فِي أَطْرَافِهِ وَقَدْ أَعْلَمَهُ جَعَلَ فِيهِ عَلَامَةً وَجَعَلَ لَهُ عَلَمًا وَأَعْلَمَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ فَهُوَ مُعْلِمٌ وَالثَّوْبُ معلم انتهى
وبوب بن مَاجَهْ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَلَامَةِ فِي القبر انتهى
(عن المطلب) هو بن أبي وداعة أبو عبد اللهالمدني (مَظْعُونٌ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ (أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ) هُوَ جَوَابُ لَمَّا (أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ) أَيْ كَبِيرٍ لِوَضْعِ الْعَلَامَةِ (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) ذَلِكَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ (فَقَامَ إِلَيْهَا) وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ عَلَى تَأْوِيلِ الصَّخْرَةِ (وَحَسَرَ) أَيْ كَشَفَ وَأَبْعَدَ كُمَّهُ (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) أَيْ سَاعِدَيْهِ (حِينَ حَسَرَ) أَيْ كَشَفَ الثَّوْبَ (عَنْهُمَا) أَيْ عَنِ الذِّرَاعَيْنِ (فَوَضَعَهَا) أَيِ الصَّخْرَةَ (عِنْدَ رَأْسِهِ) أَيْ رَأْسِ قَبْرِ عُثْمَانَ (وَقَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَتَعَلَّمُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بَابِ الْفِعْلِ أَيْ أَتَعَرَّفُ (بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْحِجَارَةِ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُعْلِمُ بِهَا مُضَارِعُ مُتَكَلِّمٍ مِنَ الْإِعْلَامِ وَمَعْنَاهُ أُعَلِّمُ النَّاسَ بِهَذِهِ الْحِجَارَةِ (قَبْرَ أَخِي) وَأَجْعَلُ الصَّخْرَةَ عَلَامَةً لِقَبْرِ أَخِي وَسَمَّاهُ أَخًا تَشْرِيفًا لَهُ وَلِأَنَّهُ كَانَ قُرَشِيًّا أَوْ لِأَنَّهُ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى قُرْبِهِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ أَضُمُّ إِلَيْهِ فِي الدَّفْنِ انْتَهَى
وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرْجَمَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ مَدَنِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
стр. 2859
٦٣ - (بَابٌ فِي الْحَفَّارِ يَجِدُ الْعَظْمَ)
[٣٢٠٧] أَيْ عَظْمَ الْمَيِّتِ وَقْتَ الْحَفْرِ
(هَلْ يَتَنَكَّبُ) أَيْ يَتَجَنَّبُ وَيَعْتَزِلُ (ذَلِكَ الْمَكَانَ) وَيَحْفِرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي بَيَانِ سَبَبِ الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ فَأَخْرَجَ الْحَفَّارُ عَظْمًا سَاقًا أَوْ عَضُدًا فَذَهَبَ لِيَكْسِرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَكْسِرْهَا فَإِنَّ كَسْرَكَ إِيَّاهُ مَيِّتًا كَكَسْرِكَ إِيَّاهُ حَيًّا وَلَكِنْ دُسَّهُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (كَكَسْرِهِ حَيًّا) يَعْنِي فِي الْإِثْمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُهَانُ مَيِّتًا كَمَا لَا يُهَانُ حَيًّا
قال بن الملك وإلى أن الميت يتألم
قال بن حَجَرٍ وَمِنْ لَازِمِهِ أَنَّهُ يَسْتَلِذُّ بِمَا يَسْتَلِذُّ به الحي انتهى
وقد أخرج بن أبي شيبة عن بن مَسْعُودٍ قَالَ أَذَى الْمُؤْمِنِ فِي مَوْتِهِ كَأَذَاهُ فِي حَيَاتِهِ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ
٤ - (بَاب فِي اللَّحْدِ)
[٣٢٠٨] (اللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا
فِي النِّهَايَةِ اللَّحْدُ الشَّقُّ الَّذِي يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضه الَّذِي هَلَكَ فِيهِ اِلْحَدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبَن نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2860
لِمَوْضِعِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِيلَ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ يُقَالُ لَحَدْتُ وَأَلْحَدْتُ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ يُقَالُ لَحَدَ يَلْحَدُ كَذَهَبَ يَذْهَبُ وَأَلْحَدَ يُلْحِدُ إِذَا حَفَرَ الْقَبْرَ وَاللَّحْدُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا مَعْرُوفٌ وَهُوَ الشَّقُّ تَحْتَ الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الْقَبْرِ انْتَهَى
زَادَ الْمُنَاوِيُّ قَدْرَ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ وَيُوضَعْ فِيهِ وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ (لَنَا) أَيْ هُوَ الَّذِي نُؤْثِرُهُ وَنَخْتَارُهُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (وَالشَّقُّ) بِفَتْحِ الشِّينِ أَنْ يُحْفَرَ وَسَطَ أَرْضِ الْقَبْرِ وَيُبْنَى حَافَتَاهُ بِلَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ بَيْنَهُمَا وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ (لِغَيْرِنَا) مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ فَاللَّحْدُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ اللَّحْدِ وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنِ الشَّقِّ
قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّحْدَ آثَرُ لَنَا وَالشَّقُّ لَهُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ اللَّحْدِ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنَ الشَّقِّ لَا الْمَنْعُ مِنْهُ لَكِنْ مَحَلُّ أَفْضَلِيَّةِ اللَّحْدِ فِي الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ وَإِلَّا فالشق أفضل
قال بن تَيْمِيَّةَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مُخَالَفَتِنَا لِأَهْلِ الْكِتَابِ في كل ما هو شعارهم حتى في وضع الميت في أسفل القبر انتهى
كذا في فتح القدير للمناوي قلت حديث بن عباس هكذا مروي بلفظ اللحد لنا والشق لغيرناوروى أحمد في مسنده مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ بلفظ اللحد لنا والشق لغيرنا من أهل الكتاب قال العلقمي والمناوي فيه أبو الْيَقْظَانَ الْأَعْمَى عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَجَلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَفْظُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَلْحِدُوا وَلَا تَشُقُّوا فَإِنَّ اللَّحْدَ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّفْنَ فِي اللَّحْدِ وَالشَّقِّ جَائِزَانِ لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ صُلْبَةٌ لَا يَنْهَارُ تُرَابُهَا فَاللَّحْدُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَتْ رَخْوَةً فَالشَّقُّ أَفْضَلُ
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي اللَّحْدُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وغيره انتهى
والحاصل أن حديث بن عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ اللَّحْدِ وَأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الضَّرْحِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَحَكَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ وَيَدُلُّ عَلَى ذلك ما أخرجه أحمد وبن مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَآخَرُ يَضْرَحُ فَقَالُوا نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا سَبَقَ تَرَكْنَاهُ فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ فَلَحَدُوا لَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ هَذَا المعنى من حديث بن عَبَّاسٍ وَفِيهِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ كَانَ يَضْرَحُ وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَلْحَدُ وحديث أنس إسناده حسن وحديث بن عَبَّاسٍ فِيهِ ضَعْفٌ قَالَهُ الْحَافِظُ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ كَانَ يَضْرَحُ أَيْ يَشُقُّ فِي وَسَطِ الْقَبْرِ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الضَّرْحُ الشَّقُّ انْتَهَى
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَّرَ مَنْ كَانَ يَضْرَحُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ
стр. 2861
إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي لَنَا المسلمين وبغيرنا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَثَلًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ اللَّحْدِ بَلْ عَلَى كَرَاهِيَةِ غَيْرِهِ وإن كان المراد بغيرنا الْأُمَمُ السَّابِقَةُ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْأَفْضَلِيَّةِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَ اللَّحْدُ وَاجِبًا وَالشَّقُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَإِلَّا لَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنَ الرَّسُولِ أَوْ تَقْرِيرٍ مِنْهُ وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَعِنْدَ أحمد من حديث بن عُمَرَ بِلَفْظِ أَنَّهُمْ أَلْحَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ لحدا وأخرجه بن أبي شيبة عن بن عُمَرَ بِلَفْظِ أَلْحَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ولأبي بكر وعمر
وحديث بن عَبَّاسٍ الَّذِي فِي الْبَابِ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ المنذري وصححه بن السَّكَنِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ كَمَا وَجَدْنَا ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنْ جَامِعِهِ
وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ قَالَ جَمْعٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقَالَ أحمد منكر الحديث
وقال بن معين ليس بالقوي
وقال بن عَدِيٍّ حَدَّثَ بِأَشْيَاءْ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا
وَقَالَ بن الْقَطَّانِ فَأَرَى هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ مِنْ أجله
وقال بن حَجَرٍ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ
انْتَهَى كَلَامُهُ
فإن قلت لما كان عند بن عَبَّاسٍ عِلْمٌ فِي ذَلِكَ لِمَ تَحَيَّرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ هَلْ يُلْحِدُونَ لَهُ أَوْ يَضْرَحُونَ قُلْتُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ ﷺ ذلك لم يحضرعند مَوْتِهِ
وَقَدْ أَغْرَبَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ حيث قال في معنى حديث بن عَبَّاسٍ وَمَعْنَى اللَّحْدُ لَنَا أَيْ لِأَجْلِ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَالشَّقُّ لِأَجْلِ أَمْوَاتِ الْكُفَّارِ انْتَهَى وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ كَمَا وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَرِيرٍ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّقُّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ فَضِيلَةِ اللَّحْدِ عَلَى الشَّقِّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2862
٦٥ - (بَاب كَمْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ)
[٣٢٠٩] (عَنْ عَامِرِ) وَهُوَ الشعبي (والفضل) بن عَبَّاسٍ (أَدْخَلُوهُ أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (قَالَ) أَيْ عَامِرُ الشَّعْبِيُّ (وَحَدَّثَنِي مُرَحَّبُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ فَالشَّعْبِيُّ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا مِنْ رِوَايَةِ مرحب قال بن الأثير مرحب أو بن مُرَحَّبٍ يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ مِنَ الصَّحَابَةِ
رَوَى زُهَيْرُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُرَحَّبٍ أَوْ أَبُو مُرَحَّبٍ قَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةَ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عوف أو العباس وأسامة ورواه الثورى وبن عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي مُرَحَّبٍ وَلَمْ يَشُكَّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَاخْتَلَفُوا عَنِ الشَّعْبِيِّ كَمَا تَرَى وَلَيْسَ يُؤْخَذُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ مَعَهُمْ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه
وأما بن شهاب فروى عن بن الْمُسَيِّبِ قَالَ إِنَّمَا دَفَنُوهُ الَّذِينَ غَسَّلُوهُ وَكَانُوا أَرْبَعَةً عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَالْعَبَّاسُ وَصَالِحُ شُقْرَانٍ قَالَ وَلَحَدُوا لَهُ وَنَصَبُوا اللَّبِنَ نَصْبًا قَالَ وَقَدْ نَزَلَ مَعَهُمْ فِي الْقَبْرِ خَوْلِيُّ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ انْتَهَى (قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ (إِنَّمَا يَلِي) أَيْ يَتَوَلَّى (الرَّجُلُ أَهْلَهُ) وَهُوَ بِمَعْنَى الِاعْتِذَارِ عَنْ تَوْلِيَةِ أَمْرِهِ ﷺ وَعَدَمِ دَخَلِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَأَعْلَى مِنْهُ دَرَجَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
[٣٢١٠] (عَنْ أَبِي مُرَحَّبٍ) قِيلَ اسْمُهُ سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (قَالَ) أَيْ أَبُو مُرَحَّبٍ (أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أَيْ إِلَى الَّذِينَ نَزَلُوا فِي قَبْرِ النَّبِيُّ ﷺ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
стр. 2863
٦٦ - (باب كيف يدخل الميت قبره)
[٣٢١١] (فَصَلَّى) عَبْدُ اللَّهِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَارِثِ (ثم أدخله) أي أدخل عبد اللهالحارث (وَقَالَ) عَبْدُ اللَّهِ (هَذَا مِنَ السُّنَّةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخَلَ الْمَيِّتُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرِ أَيْ مَوْضِعَ رِجْلَيِ الْمَيِّتِ مِنْهُ عِنْدَ وَضْعِهِ فِيهِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّهُ يُدْخَلُ الْقَبْرَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ مُعَرَّضًا إِذْ هُوَ أَيْسَرُ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى مِنَ الرَّأْيِ
وَقَدِ اسْتُدِلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ من حديث بن عباس وبن مَسْعُودٍ وَبُرَيْدَةَ أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ ضَعَّفَهَا
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ التِّرْمِذِيُّ تَحْسِينُ حديث بن عَبَّاسٍ مِنْهَا وَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ
قَالَ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى التَّضْعِيفِ بِذَلِكَ لِأَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ عَنْ يَمِينِ الدَّاخِلِ إِلَى الْبَيْتِ لَاصِقًا بِالْجِدَارِ وَالْجِدَارُ الَّذِي أُلْحِدَ تَحْتَهُ هُوَ الْقِبْلَةُ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ إِدْخَالِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ ضَرُورِيٌّ
قَالَهُ فِي النَّيْلِ
وَقَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ مَا ذُكِرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالثَّانِي يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنِ الثِّقَةِ مَرْفُوعًا مِنْ حديث بن عباس أنه ﷺ سَلَّ مَيِّتًا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَالثَّالِثُ لِأَبِي حُنَيْفَةَ أَنَّهُ يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ مُعْتَرِضًا إِذْ هُوَ أَيْسَرُ
قُلْتُ بَلْ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فَإِنَّهُ أخرج الترمذي من حديث بن عَبَّاسٍ مَا هُوَ نَصٌّ فِي إِدْخَالِ الْمَيِّتِ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَيُسْتَفَادُ مِنَ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ فِعْلٌ مُخَيَّرٌ فِيهِ انْتَهَى والحديث سكت عنه المنذري
стр. 2864
٦٧ - (باب كيف يجلس عِنْدَ الْقَبْرِ)
[٣٢١٢] (فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ) أَيْ فَوَصَلْنَا (وَلَمْ يُلْحَدْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بَعْدَ) أَيْ لَمْ يُفْرَغْ مِنْ حَفْرِ اللَّحْدِ بَعْدَ مَجِيئِنَا (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ
٨ - (بَاب فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ)
[٣٢١٣] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ لَفْظِ سُفْيَانَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ وَبَيْنَ هَمَّامٍ أَيْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا هَمَّامُ لَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَلَطٌ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ كَانَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَأَخْرَجَهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالْحَاكِم فِي صَحِيحه
وَقَدْ أَعَلَّهُ أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان بِأَنْ قَالَ زَاذَان لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ الْبَرَاء قَالَ وَلِذَلِكَ لَمْ أُخَرِّجهُ
وَهَذِهِ الْعِلَّة فَاسِدَة فَإِنَّ زَاذَانَ قَالَ سَمِعْت الْبَرَاء بْن عَازِب يَقُول فذكره ذكره أبو عوانة الإسفرائيني في صحيحه
وأعله بن حَزْم أَيْضًا بِضَعْفِ الْمِنْهَال بْن عَمْرو
وَهَى عِلَّة فَاسِدَة فَإِنَّ المنهال ثِقَة صَدُوق وَقَدْ صَحَّحَهُ أَبُو نُعَيْم وَغَيْره
стр. 2865
وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ كِلَاهُمَا عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ هَمَّامٍ بِهِ وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ عَنِ بن الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ مَوْقُوفًا قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (وَعَلَى سنة رسول الله) أَيْ شَرِيعَتِهِ وَطَرِيقَتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمَوْقُوفًا
٩ - (بَاب الرَّجُلِ يَمُوتُ لَهُ قَرَابَةٌ كَسَحَابَةٍ)
[٣٢١٤] وَالْقَرَابَةُ فِي الرَّحِمِ وَالْقَرَابَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ يُقَالُ هُوَ قَرَابَتِي وَهُمْ قَرَابَتِي وَعَدَّ هَذَا الرَّازِيُّ مِنْ كَلَامِ الْعَوَامِّ وَأَنْكَرَهُ الْحَرِيرِيُّ وَقَالَ الصَّوَابُ هُوَ ذُو قَرَابَتِي وَهُمَا ذَوَا قَرَابَتِي وَهُمْ ذَوُو قَرَابَتِي وَرَدَّ الْخَفَاجِيُّ كَلَامَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَّةِ
وَالْقَرِيبُ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ
قَالَ الْفَرَّاءُ إِذَا كَانَ الْقَرِيبُ فِي الْمَسَافَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَإِذَا كَانَ فِي مَعْنَى النَّسَبِ يُؤَنَّثُ بِلَا اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ تَقُولُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَرِيبَتِي أَيْ ذَاتُ قَرَابَتِي (مُشْرِكٌ) أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ قَرَابَةُ مُشْرِكٍ فَيَمُوتُ الْمُشْرِكُ فَمَاذَا يَصْنَعُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بِالْقَرَابَةِ مَعَ الْمُشْرِكِ
(إِنَّ عَمَّكَ) يَعْنِي أَبَاهُ أَبَا طَالِبٍ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ) مِنَ الْإِحْدَاثِ أَيْ لَا تَفْعَلَنَّ (فَوَارَيْتُهُ) أَيْ أَبَا طَالِبٍ (وَجِئْتُهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (فَأَمَرَنِي) النَّبِيُّ ﷺ بِالِاغْتِسَالِ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِالْكَافِرِ انْتَهَى
قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ أَبُو الطَّيِّبِ عُفِيَ عَنْهُ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَفِي هَذَا نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ الصَّوَابُ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِثْبَاتِ إِسْلَامِهِ فَهُوَ غَلَطٌ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 2866
٧
([٣٢١٥] بَاب فِي تَعْمِيقِ الْقَبْرِ)
(أَصَابَنَا قُرْحٌ) بِالْفَتْحِ الْجُرْحُ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ (وَجَهْدٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ (فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا قَالَ احْفِرُوا) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فقلنا يارسول اللَّهِ الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ الْحَدِيثُ (وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ) فِيهِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ كَمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ (فَأَيُّهُمْ يُقَدَّمُ) إِلَى جِدَارِ اللَّحْدِ (أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا) فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى تَعْظِيمِ الْمُعَظَّمِ عِلْمًا وَعَمَلًا حَيًّا وَمَيِّتًا (قَالَ) أَيْ هِشَامُ (أُصِيبَ) وَدُفِنَ (عَامِرُ) بَدَلٌ مِنْ أَبِي (بَيْنَ اثْنَيْنِ) وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ وَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ أَوْ لِلشَّكِّ قَالَ وَاحِدٍ
أَيْ قَالَ هِشَامُ دُفِنَ أَبِي مَعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٣٢١٦] (زَادَ فِيهِ وَأَعْمِقُوا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ إِعْمَاقِ الْقَبْرِ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْإِعْمَاقِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَامَةٌ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عبد العزيز إلى السرة وقال مالك لاحد لإعماقه
وأخرج بن أبي شيبة وبن الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ أَعْمِقُوا الْقَبْرَ إِلَى قَدْرِ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ قَالَهُ في النيل
стр. 2867
٧١ - (بَاب فِي تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ)
[٣٢١٨] (عَنْ أَبِي هَيَّاجٍ الْأَسَدِيِّ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَاسْمُهُ حَيَّانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلَنِي إِلَى تَغْيِيرِهِ وَلِذَا عُدِّيَ بِعَلَى أَوْ أُرْسِلَكَ لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرْسَلَنِي له (أن لا أدع) أن مصدرية ولا نَافِيَةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ أَنْ لا أدع وقيل أن تفسيرية ولا نَاهِيَةٌ أَيْ لَا أَدَعَ (قَبْرًا مُشْرِفًا) هُوَ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ حَتَّى ارْتَفَعَ دُونَ الَّذِي أُعْلِمَ عَلَيْهِ بِالرَّمْلِ وَالْحَصْبَاءِ أَوْ مَحْسُومَةٌ بِالْحِجَارَةِ ليعرف ولا يوطأ
قاله القارىء (إِلَّا سَوَّيْتُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ عَلَى الْأَرْضِ رَفْعًا كَثِيرًا وَلَا يُسَنَّمُ بَلْ يُرْفَعُ نَحْوَ شِبْرٍ وَيُسَطَّحُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُمْ تَسْنِيمَهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَوْلُهُ لَا يُسَنَّمُ فِيهِ نَظَرٌ
وَفِي النَّيْلِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ رَفْعًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَنْ كَانَ فَاضِلًا وَمَنْ كَانَ غَيْرَ فَاضِلٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَ الْقُبُورِ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مُحَرَّمٌ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٌ
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ لِوُقُوعِهِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِلَا نَكِيرٍ لَا يَصِحُّ وَهُوَ مِنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَاعِلَ ذَلِكَ وَكَمْ قَدْ سَرَى عَنْ تَشْيِيدِ أَبْنِيَةِ الْقُبُورِ وَتَحْسِينِهَا مِنْ مَفَاسِدَ يَبْكِي لَهَا الْإِسْلَامُ مِنْهَا اعْتِقَادُ الْجَهَلَةِ لَهَا كَاعْتِقَادِ الْكُفَّارِ لِلْأَصْنَامِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَهَذِهِ الْآثَار لَا تَضَادّ بَيْنهَا وَالْأَمْر بِتَسْوِيَةِ الْقُبُور إِنَّمَا هُوَ تَسْوِيَتهَا بِالْأَرْضِ وَأَنْ لَا تُرْفَع مُشْرِفَة عَالِيَة وَهَذَا لَا يُنَاقِض تَسْنِيمهَا شَيْئًا يَسِيرًا عَنْ الْأَرْض
وَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُضهَا فَحَدِيث سُفْيَان بْن دِينَار التَّمَّار أَصَحّ مِنْ حَدِيث الْقَاسِم
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيث الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فِي هَذَا الْبَاب أَصَحّ وَأَوْلَى أَنْ يَكُون مَحْفُوظًا
وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ
فَحَدِيث سُفْيَان رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَحَدِيث الْقَاسِم لَمْ يَرْوِهِ أَحَد مِنْ أَصْحَاب الصَّحِيح
стр. 2868
وَعُظِّمَ ذَلِكَ فَظَنُّوا أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ فَجَعَلُوهَا مَقْصِدًا لِطَلَبِ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَمَلْجَأً لِنَجَاحِ الْمَطَالِبِ وَسَأَلُوا مِنْهَا مَا يَسْأَلُهُ الْعُبَّادُ مِنْ رَبِّهِمْ وَشَدُّوا إِلَيْهَا الرِّحَالَ وَتَمَسَّحُوا بِهَا وَاسْتَغَاثُوا وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ بِالْأَصْنَامِ إِلَّا فَعَلُوهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
وَمَعَ هَذَا الْمُنْكَرِ الشَّنِيعِ وَالْكُفْرِ الْفَظِيعِ لَا نَجِدُ من يغضب لله ويغتار حَمِيَّةً لِلدِّينِ الْحَنِيفِ لَا عَالِمًا وَلَا مُتَعَلِّمًا وَلَا أَمِيرًا وَلَا وَزِيرًا وَلَا مَلِكًا وَقَدْ تَوَارَدَ إِلَيْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ مَا لَا شَكَّ مَعَهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْقُبُورِيِّينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ إِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مِنْ جِهَةِ خَصْمِهِ حَلَفَ بِاللَّهِ فَاجِرًا فَإِذَا قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ احْلِفْ بِشَيْخِكَ وَمُعْتَقَدِكَ الْوَلِيِّ الْفُلَانِيِّ تَلَعْثَمَ وَتَلَكَّأَ وَأَبَى وَاعْتَرَفَ بِالْحَقِّ وَهَذَا مِنْ بَيْنِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ شِرْكَهُمْ قَدْ بَلَغَ فَوْقَ شِرْكِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ تَعَالَى ثَانِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ
فَيَا عُلَمَاءَ الدِّينِ وَيَا مُلُوكَ الْمُسْلِمِينَ أَيُّ رُزْءٍ لِلْإِسْلَامِ أَشَدُّ مِنَ الْكُفْرِ وَأَيُّ بَلَاءٍ لِهَذَا الدِّينِ أَضَرُّ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَأَيُّ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ تَعْدِلُ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ وَأَيُّ مُنْكَرٍ يَجِبُ إِنْكَارُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارُ هَذَا الشِّرْكِ الْبَيِّنِ وَاجِبًا
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ انْتَهَى وَكَلَامُهُ
هَذَا حَسَنٌ جِدًّا لَا مَزِيَّةَ عَلَى حُسْنِهِ جَزَاهُ الله خيرا
وقال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ قُدُومُ وُفُودِ الْعَرَبِ وَهَذَا حَالُ الْمَشَاهِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقُبُورِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيُشْرَكُ بِأَرْبَابِهَا مَعَ اللَّهِ لَا يَحِلُّ إِبْقَاؤُهَا فِي الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ هَدْمُهَا وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا وَلَا الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَأَوْقَافَهَا لِجُنْدِ الْإِسْلَامِ وَيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ الْآلَاتِ وَالْمَتَاعِ وَالنُّذُورِ الَّتِي تُسَاقُ إِلَيْهَا يُضَاهَى بِهَا الْهَدَايَا الَّتِي تُسَاقُ إِلَى الْبَيْتِ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا كُلِّهَا وَصَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْوَالَ بُيُوتِ هَذِهِ الطَّوَاغِيتِ وَصَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَكَانَ يُفْعَلُ عِنْدَهَا مَا يُفْعَلُ عِنْدَ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ سَوَاءٌ مِنَ النُّذُورِ لَهَا وَالتَّبَرُّكِ بِهَا وَتَقْبِيلِهَا وَاسْتِلَامِهَا هَذَا كَانَ شِرْكُ الْقَوْمِ بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات وَالْأَرْضَ بَلْ كَانَ شِرْكُهُمْ بِهَا كَشِرْكِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَشَاهِدِ بِعَيْنِهِ انْتَهَى
(وَلَا تِمْثَالًا) أَيْ صُورَةً ذِي رُوحٍ (إِلَّا طَمَسْتُهُ) أي محوته
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِيُّ حَدِيث سُفْيَان التَّمَّار أَثْبَت وَأَصَحّ فَكَانَ الْعَمَل بِهِ أَوْلَى
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيث سُفْيَان وَصِحَّة رِوَايَة سُفْيَان لَهُ مُسَنَّمًا فَكَأَنَّهُ غُيِّرَ يَعْنِي الْقَبْر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيم
فَقَدْ سَقَطَ جِدَاره فِي زَمَن الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك ثم أصلح
الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَتَبْوِيب أَبِي دَاوُدَ وَذِكْره هَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّد عِنْده بِوَقْتٍ لَا شَهْر وَلَا غَيْره وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ صَلَّى عَلَى أُمّ سَعْد بَعْد موتها بشهر وهذا مرسل صحيح
وصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين وصلى عَلَى غَيْر وَاحِد فِي الْقَبْر لِدُونِ الشَّهْر
стр. 2869
وَأَبْطَلْتُهُ
فِيهِ الْأَمْرُ بِتَغْيِيرِ صُوَرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٢١٩] (أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ) هُوَ ثُمَامَةُ بْنُ شُفَيٍّ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ وَهُوَ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ مِصْرَ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (بِرُودِسَ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِرَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الدَّالِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَنِ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَقَالَ هِيَ جَزِيرَةٌ بِأَرْضِ الرُّومِ انْتَهَى
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ وَسِينٌ مُهْمَلَةٌ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَقْيِيدِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ (فَسُوِّيَ) أَيْ جُعِلَ مُتَّصِلًا بِالْأَرْضِ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ مُسَنَّمًا بَلْ جُعِلَ مُسَطَّحًا وَإِنِ ارْتَفَعَ عَنِ الْأَرْضِ بِقَلِيلٍ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٢٢٠] (عَنِ الْقَاسِمُ) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ (يَا أُمَّهْ) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ عَمَّتُهُ لَكِنْ قَالَ يَا أُمَّهْ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ أَوْ لِكَوْنِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ (اكْشِفِي لِي) أَيْ أَظْهِرِي وَارْفَعِي السِّتَارَةَ (وَصَاحِبَيْهِ) أَيْ ضَجِيعَيْهِ وَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵁ (فَكَشَفَتْ لِي) أَيْ لِأَجْلِي أَوْ لِرُؤْيَتِي (لَا مُشْرِفَةٍ) أَيْ مُرْتَفِعَةٍ غَايَةَ الِارْتِفَاعِ وَقِيلَ أَيْ عَالِيَةً أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ (وَلَا لاطئة) بالهمزة والياء أي مستوية على وجه الأرض يقل لَطَأَ بِالْأَرْضِ أَيْ لَصِقَ بِهَا (مَبْطُوحَةٍ) صِفَةُ القبور
قال بن الْمَلَكِ أَيْ مُسَوَّاةٌ مَبْسُوطَةٌ عَلَى الْأَرْضِ
قَالَ القارىء وَفِيهِ أَنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى لَاطِئَةٍ وَتَقَدَّمَ نَفْيُهَا وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهَا مُلْقَاةٌ فِيهَا الْبَطْحَاءُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ بَطْحُ الْمَكَانِ تَسْوِيَتُهُ وَبَطَحَ
стр. 2870
الْمَسْجِدَ أَلْقَى فِيهِ الْبَطْحَاءَ وَهُوَ الْحَصَى الصِّغَارُ الْعَرْصَةُ جَمْعُهَا عَرَصَاتٍ وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ وَالْبَطْحَاءُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْحَصَى لِإِضَافَتِهَا إِلَى الْعَرْصَةِ (الْحَمْرَاءِ) صِفَةٌ لِلْبَطْحَاءِ أَوِ الْعَرْصَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ كَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُرْتَفِعَةٍ وَلَا مُنْخَفِضَةٍ لَاصِقَةٍ بِالْأَرْضِ مَبْسُوطَةٍ مُسَوَّاةٍ وَالْبَطْحُ أَنْ يُجْعَلَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ مُسَطَّحًا حَتَّى يُسَوَّى وَيَذْهَبَ التَّفَاوُتُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أُلْقِيَ فِيهَا بَطْحَاءُ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءُ انْتَهَى
وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا وَطُيِّنَ بِطِينٍ أَحْمَرَ مِنَ الْعَرْصَةِ انْتَهَى
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ وَرَأَيْتُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقَدَّمًا وَأَبُو بَكْرٍ رَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَابِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ قَالَ رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ شِبْرًا أَوْ نَحْوَ شِبْرٍ وَعَنْ عَيْثَمِ بْنِ بِسْطَامٍ الْمَدِينِيِّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ فِي كِتَابِ صِفَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رَأَيْتُ قَبْرَهُ ﷺ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَأَيْتُهُ مُرْتَفِعًا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَرَأَيْتُ قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَرَاءَ قَبْرِهِ وَرَأَيْتُ قَبْرَ عُمَرَ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ أَسْفَلَ مِنْهُ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا انْتَهَى أَيْ مُرْتَفِعًا
قَالَ فِي الْقَامُوسِ التَّسْنِيمُ ضِدُّ التَّسْطِيحِ وَقَالَ سَطَحَهُ كَمَنَعَهُ بَسَطَهُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ التَّسْنِيمِ وَالتَّسْطِيحِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ الْكُلِّ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنَّ التَّسْطِيحَ أَفْضَلُ وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمَا وَافَقَهَا قَالُوا وَقَوْلُ سُفْيَانَ التَّمَّارِ لَا حُجَّةَ فِيهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّ قَبْرَهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّلِ مُسَنَّمًا بَلْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مُسَطَّحًا ثُمَّ لَمَّا بُنِيَ جِدَارُ الْقَبْرِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَيَّرُوهَا مُرْتَفِعَةً وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَيُرَجِّحُ التَّسْطِيحَ أَمْرُهُ ﷺ عَلِيًّا أَنْ لَا يَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّاهُ
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُزَنِيُّ وَكَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ اتِّفَاقَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّسْنِيمَ أَفْضَلُ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ
стр. 2871
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَالْأَرْجَحُ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّسْطِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (قَالَ أبو علي) هو اللؤلؤي رَاوِي السُّنَنِ (عِنْدَ رَأْسِهِ) أَيِ النَّبِيِّ ﷺ (عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أَيِ النَّبِيِّ ﷺ (رَأْسُهُ) أَيْ عُمَرُ وَهَذِهِ صِفَةُ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النسخ الصحيحة والله أعلم
٢ - [٣٢٢١] (وَقَفَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (وَاسْأَلُوا لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (بِالتَّثْبِيتِ) أَيْ أَنْ يُثَبِّتَهُ اللَّهُ فِي الْجَوَابِ (فَإِنَّهُ) الْمَيِّتُ فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِغْفَارِ للميت عند الفراغ من دفنه وسؤال للتثبيت لَهُ لِأَنَّهُ يُسْأَلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ حَيَاةِ الْقَبْرِ وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ أَيْضًا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٣ - (بَاب كَرَاهِيَةِ الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ)
[٣٢٢٢] (لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْقِرُونَ الْإِبِلَ عَلَى قبر الرجل
стр. 2872
الْجَوَادِ يَقُولُونَ نُجَازِيهِ عَلَى فِعْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْقِرُهَا فِي حَيَاتِهِ فَيُطْعِمُهَا الْأَضْيَافَ فَنَعْقِرُهَا عِنْدَ قَبْرِهِ فَتَأْكُلُهَا السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ فَتَكُونُ مَطْعَمًا بَعْدَ مماته كما كان مَطْعَمًا فِي حَيَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عُقِرَتْ رَاحِلَتُهُ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَاكِبًا وَمَنْ لَمْ يُعْقَرْ عَنْهُ حُشِرَ رَاجِلًا وَكَانَ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى مِنْهُمُ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ كَانُوا يَعْقِرُونَ الْإِبِلَ عَلَى قُبُورِ الْمَوْتَى أَيْ يَنْحَرُونَهَا وَيَقُولُونَ إِنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ كَانَ يَعْقِرُ لِلْأَضْيَافِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ فَنُكَافِئُهُ بِمِثْلِ صَنِيعِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَصْلُ الْعَقْرِ ضَرْبُ قَوَائِمِ الْبَعِيرِ أَوِ الشَّاةِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ قَائِمٌ انتهى
والحديث سكت عنه المنذري
٤ - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ حِينٍ)
أَيْ بَعْدَ زَمَانٍ كَثِيرٍ
[٣٢٢٤] (صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ الْحَدِيثَ
стр. 2873
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَكَانَتْ أُحُدٌ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمَاتَ ﷺ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ فَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِهِ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ تَجَوُّزٌ عَلَى طَرِيقِ جَبْرِ الْكَسْرِ وَإِلَّا فَهِيَ سَبْعُ سِنِينَ وَدُونَ النِّصْفِ انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَدْ صَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ بَعْدَ مُدَّةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَوَّلَ الْخَبَرَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى مَعْنَى اشْتِغَالِهِ عَنْهُمْ وَقِلَّةِ فَرَاغِهِ لِذَلِكَ وَكَانَ يَوْمًا صَعْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَعُذِرُوا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمُ انْتَهَى
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَحْمِلُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الدُّعَاءِ لَكِنَّ قَوْلَهُ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ يَدْفَعُهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ لِأَنَّهُ ﵇ قَصَدَ بِهَا التَّوْدِيعَ وَالتَّوْدِيعُ لِلْأَحْيَاءِ التَّذْكِيرُ والدعاء لهم وقت الوداع وللأموات الإستغفار لَهُمْ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ بَيَانِهِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٥ - (بَاب فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ)
[٣٢٢٥] (نَهَى أَنْ يُقْعَدَ عَلَى الْقَبْرِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ لِلتَّغَوُّطِ وَالْحَدَثِ وَقِيلَ لِلْإِحْدَادِ وَهُوَ أَنْ يُلَازِمَ الْقَبْرَ وَلَا يَرْجِعَ عَنْهُ
وَقِيلَ مُطْلَقًا لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْمُرَادُ مِنَ الْقُعُودِ الْجُلُوسُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ لِمَا فِيهِ من الاستخفاف
قاله القارىء
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَلَمْ يَأْتِ فِي التَّحْدِيد نَصّ
وَصَلَاته عَلَى أُمّ سَعْد بَعْد شَهْر لَا يَنْفِي الصَّلَاة بَعْد أَزْيَد مِنْهُ وَكَوْن الْمَيِّت فِي الْغَالِب لَا يَبْقَى أَكْثَر مِنْ شَهْر لَا مَعْنَى لَهُ
فَإِنَّ هَذَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَرْض وَالْعِظَام تَبْقَى مُدَّة طَوِيلَة وَلَا تَأْثِير لِتَمَزُّقِ اللُّحُوم
стр. 2874
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ نَهْيُهُ ﵇ عَنْ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْقُعُودِ لِلْحَدَثِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ كَرَاهِيَةُ أَنْ يَطَأَ الْقَبْرَ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ وَقَدْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَدِ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ لَهُ لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ (وَأَنْ يُقَصَّصَ) بِالْقَافِ وَصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ يُجَصَّصَ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ هِيَ الْجِصُّ (وَيُبْنَى عَلَيْهِ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهِيَةُ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ وَكَرَاهِيَةُ الْقُعُودِ عَلَيْهَا وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ذِكْرُ الزِّيَادَةِ وَالْكِتَابَةِ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ
[٣٢٢٦] (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى) وَهُوَ الْأَشْدَقُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (قَالَ عُثْمَانُ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ) بَوَّبَ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْبَيْهَقِيُّ بَابُ لَا يُزَادُ عَلَى الْقَبْرِ أَكْثَرُ مِنْ تُرَابِهِ لِئَلَّا تُرْفَعَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى تُرَابِهِ
قَالَهُ فِي النَّيْلِ (أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِ كَرَاهِيَةُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقُبُورِ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ كِتَابَةِ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْقَبْرِ وَغَيْرِهَا
قَالَ المنذري والحديث أخرجه النسائي وأخرجه بن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْقَبْرِ شَيْءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي صَحِيح أَبِي حَاتِم بْن حِبَّان مِنْ حَدِيث عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول مِنْ شِرَار النَّاس مَنْ تُدْرِكهُمْ السَّاعَة وَهُمْ أَحْيَاء وَمَنْ يَتَّخِذُونَ الْقُبُور مَسَاجِد وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جُنْدَب بْن عَبْد اللَّه الْبَجْلِيِّ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ قَبْل أَنْ يَمُوت بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُول إِنِّي أَبْرَأ إِلَى اللَّه أَنْ يَكُون لِي مِنْكُمْ خَلِيل
فَإِنَّ اللَّه قَدْ اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا
стр. 2875
[٣٢٢٧] (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) زَادَ الْمُسْلِمُ وَالنَّصَارَى وَمَعْنَى قَاتَلَ قَتَلَ وَقِيلَ لَعَنَ فَإِنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ اللَّعْنِ (اتَّخَذُوا) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِمُوجِبِ الْمُقَاتَلَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَا سَبَبُ مُقَاتَلَتِهِمْ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ اتَّخَذُوا (مَسَاجِدَ) أَيْ قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ يُصَلُّونَ إِلَيْهَا أَوْ بَنَوْا مَسَاجِدَ عَلَيْهَا يُصَلُّونَ فِيهَا وَإِلَى الثَّانِي يَمِيلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ وَلَعَلَّ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِ الْقَبْرِ انْتَهَى
وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْبَيَانِ فِي بَابِ تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا
وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خليلا لا تخذت أَبَا بَكْر خَلِيلًا
وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِد أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ أُمّ حَبِيبَة وَأُمّ سَلَمَة ذَكَرَتَا كَنِيسَة رَأَتَاهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِير لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُل الصَّالِح فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْره مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تَلِك التَّصَاوِير أُولَئِكَ شِرَار الْخَلْق عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة
وَزَادَ الْبُخَارِيّ إِنَّ هَذِهِ الْكَنِيسَة ذُكِرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ فِي مَرَضه الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد قَالَتْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْره غَيْر أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رسول الله ﷺ لعن اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد
وفي الصحيحين عن عائشة وبن عَبَّاس قَالَا لَمَّا نَزَلَ (١) بِرَسُولِ اللَّه ﷺ طَفِقَ يَطْرَح خَمِيصَة لَهُ عَلَى وَجْهه فَإِذَا اِغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهه فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ لَعْنَة اللَّه عَلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد يُحَذِّر مِثْل مَا صَنَعُوا
وَفِي صَحِيح أَبِي حَاتِم بْن حبان عن أبي صالح عن بن عَبَّاس قَالَ لَعَنَ رَسُول اللَّه ﷺ زَائِرَات
следующие страницы →