← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

(ذلك) صفة مقامه إشارة إلى زمانه وَقَوْلُهُ (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) غَايَةً لِيَكُونُ وَالْمَعْنَى قَامَ قَائِمًا فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يُحَدِّثُ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ بِمَا يَظْهَرُ مِنَ الْفِتَنِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (إِلَّا حَدَّثَهُ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْكَائِنَ (حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ) أَيِ الْمُحَدَّثُ بِهِ (قَدْ عَلِمَهُ) أَيْ هَذَا الْقِيَامَ أَوْ هَذَا الْكَلَامَ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ (هَؤُلَاءِ) أَيِ الْمَوْجُودُونَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ مُفَصَّلًا لِمَا وَقَعَ لَهُمْ بَعْضُ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْإِنْسَانِ وأناالآخر مِمَّنْ نَسِيَ بَعْضَهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (وَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَيَكُونَ) مِنْهُ الشَّيْءُ وَاللَّامُ فِي لَيَكُونَ مَفْتُوحَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ وَالْمَعْنَى لَيَقَعَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَسِيتُهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَإِنَّهُ لَيَكُونَ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ (فَأَذْكُرُهُ) أَيْ فَإِذَا عَايَنْتُهُ تَذَكَّرْتُ مَا نَسِيتُهُ (إِذَا غَابَ عَنْهُ) أَيْ ثُمَّ ينسى وفيه كمال علمه بِمَا يَكُونُ وَكَمَالُ عِلْمِ حُذَيْفَةَ وَاهْتِمَامِهِ بِذَلِكَ وَاجْتِنَابِهِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْفِتَنِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْهَوَى عَلَى إِثْبَاتِ الغيب لرسول الله وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمَا وَقَعَ مِنْهُ عَلَى لسان رسول الله فَمِنَ اللَّهِ بِوَحْيٍ وَالشَّاهِدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إلا من ارتضى من رسول أَيْ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ فَكُلُّ مَا وَرَدَ عنه مِنَ الْأَنْبَاءِ الْمُنْبِئَةِ عَنِ الْغُيُوبِ لَيْسَ هُوَ إِلَّا مِنْ إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِهِ إِعْلَامًا عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ وَدَلِيلًا عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ قال على القارىء فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَعْلَمُوا الْمُغَيَّبَاتِ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ شَقِيق عَنْ حُذَيْفَة قَالَ كُنَّا عِنْد عُمَر فَقَالَ أَيّكُمْ يَحْفَظ حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ فِي الْفِتْنَة كَمَا قَالَ قَالَ قُلْت أَنَا قَالَ إِنَّك لَجَرِيء قَالَ وَكَيْف قَالَ قُلْت سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول فِتْنَة الرَّجُل فِي أَهْله وَمَاله وَنَفْسه وَوَلَده وَجَاره يُكَفِّرهَا الصِّيَام وَالصَّلَاة وَالصَّدَقَة وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فَقَالَ عُمَر لَيْسَ هَذَا أُرِيد وَإِنَّمَا أُرِيد الَّتِي تَمُوج كَمَوْجِ الْبَحْر قال فقلت ومالك وَلَهَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنك وَبَيْنهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ أَفَيُكْسَر الْبَاب أَمْ يُفْتَح قَالَ قُلْت لَا بَلْ يُكْسَر قَالَ ذَلِكَ أحرى أن لا يُغْلَق أَبَدًا قَالَ فَقُلْنَا لِحُذَيْفَة هَلْ كَانَ عُمَر يَعْلَم مَنْ الْبَاب قَالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَم أَنَّ دُون غَد لَيْلَة إِنِّي حَدَّثْته حديثا ليس بالأغاليظ قَالَ فَهَبْنَا أَنْ نَسْأَل حُذَيْفَة مَنْ الْبَاب فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عُمَر

стр. 3782

أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَحْيَانًا وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ تَصْرِيحًا بِالتَّكْفِيرِ باعتقاد أن النبي يَعْلَمُ الْغَيْبَ لِمُعَارَضَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله كذا في المسائرة وَقَالَ بَعْضُ الْأَعْلَامِ فِي إِبْطَالِ الْبَاطِلِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ أَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ تعالى والنصوص في ذلك كثيرة وعنده مفاتيح الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا في البر والبحر الآية وإن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث الْآيَةَ فَلَا يَصِحُّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقَالَ لَهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلِهَذَا لَمَّا قيل عند رسول الله فِي الرَّجَزِ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أَنْكَرَ عَلَى قَائِلِهِ وَقَالَ دَعْ هَذَا وَقُلْ غَيْرَ هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ نَعَمِ الْإِخْبَارُ بِالْغَيْبِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى جَائِزٌ وَطَرِيقُ هَذَا التَّعْلِيمِ إِمَّا الْوَحْيُ أَوِ الْإِلْهَامُ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُ طَرِيقًا إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ انْتَهَى وَفِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ لَوْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ وَيَكْفُرُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ يَعْلَمُ الْغَيْبَ انْتَهَى قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقَدَرِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو داود الفتن إنتهى [٤٢٤٣] (قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ فِي آخِرِ الْيَمَانِ وَهُوَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَالصَّحِيحُ الْيَمَانِيُّ بِالْيَاءِ وَكَذَا عَمْرُو بْنُ العاصِ وَشِبْهُهُمَا قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ (أَصْحَابِي) أي من الصحابة (أم تَنَاسَوْا) أَيْ أَظْهَرُوا النِّسْيَانَ لِمَصْلَحَةٍ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ كَذَا فِي الْأَزْهَارِ (مِنْ قَائِدِ فِتْنَةِ) أَيْ دَاعِي ضَلَالَةٍ وَبَاعِثِ بِدَعَةٍ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبِدْعَةِ وَيَدْعُوهُمُ النَّاسُ إِلَيْهَا وَيُحَارِبُ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ القارىء وفىِ الْأَزْهَارِ وَالْمُرَادُ بِقَائِدِ الْفِتْنَةِ بَاعِثُهَا وَالْبَادِي بِهَا وَهُوَ الْمَتْبُوعُ وَالْمُطَاعُ فِيهَا انْتَهَى وَمِنْ زَائِدَةٍ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي النَّفْيِ (إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا) أَيْ إِلَي انْقِضَائِهَا وَانْتِهَائِهَا (يَبْلُغُ) صِفَةٌ لِلْقَائِدِ أَيْ يَصِلُ (مَنْ مَعَهُ) أى مِقْدَارَ أتباعِهَ قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ وَمَنْ مَعَهُ فَاعِلُ يَبْلُغُ وثَلَاثُمِائَةٍ مَفْعُولُهُ انْتَهَى (فَصَاعِدًا) أَيْ فزائدًا عَلَيْهِ (إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ) أَيْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَائِدَ (لَنَا بِاسْمِهِ) أَيِ الْقَائِدَ (وَاسْمُ أَبِيهِ وَاسْمُ قَبِيلَتِهِ

стр. 3783

وَالْمَعْنَى مَا جَعَلَهُ مُتَّصِفًا بِوَصْفٍ إِلَّا بِوَصْفِ تَسْمِيَتِهِ الْخَ يَعْنِي وَصْفًا وَاضِحًا مُفَصَّلًا لَا مُبْهَمًا مُجْمَلًا فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَقَالَ الطِّيبِي قَوْلُهُ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ مَا ترك رسول الله ذِكْرَ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا مهملا لكن قد سماه فالاستثناء منقطع انتهى كلام القارىء وَقَالَ الْعَلَامَةُ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ ومعنىَ الْحَدِيثِ أنه ذَكَرَ لَنَا الْقَائِدِينَ لِلْفِتْنَةِ الَّذِينَ يَبْلُغُ أَتْبَاعُ كُلٍّ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ فصاعدًا بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَقَبِيلَتِهِ ولم يذكر الذين لا يبلغ أتباعهم ثلاثمائة وفيه كمال علم النبي وَكَمَالُ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَفِيهِ عِلْمٌ لِلنُّبُوَّةِ وإعجاز انتهى وبن لِقَبِيصَةَ مَجْهُولٌ وَقِيلَ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيُّ الشَّامِيُّ صَدُوقٌ يُرْسِلُ وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَبِي سَعِيدٍ الخُزَاعِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُرُوخٍ عَنْ أُسَامَةَ بن زيد أخبرني بن لِقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ حذيفة فذكره انتهى كلام المزي [٤٢٤١] (عن عبد الله) هو بن مَسْعُودٍ وَالرَّاوِي عَنْهُ مَجْهُولٌ وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ (أَرْبَعُ فِتَنٍ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْوَقَائِعُ الْكِبَارُ جِدًّا وَفِي كَنْزِ الْعُمَّالِ أَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ عَنْ حُذَيْفَةَ يَكُونُ فِي أُمَّتِي أَرْبَعُ فِتَنٍ وَفِي الرَّابِعَةِ الْفَنَاءُ وَأَخْرَجَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ تَكُونُ أَرْبَعُ فِتَنٍ الْأُولَى يُسْتَحَلُّ فِيهَا الدَّمُ وَالثَّانِيَةُ يُسْتَحَلُّ فِيهَا الدَّمُ وَالْمَالُ وَالثَّالِثَةُ يُسْتَحَلُّ فِيهَا الدَّمُ وَالْمَالُ وَالْفَرْجُ وَالرَّابِعَةُ الدَّجَّالُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ عن بن مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ [٤٢٤٢] (الْعَنْسِيُّ) بمفتوحة وسكون النون قَالَ فِي لُبِّ اللُّبَابِ مَنْسُوبٌ إِلَى عَنْسٍ حَيٌّ مِنْ مَذْحِجَ (كُنَّا قُعُودًا) أَيْ قَاعِدِينَ (فذكر) النبي (الْفِتَنَ) أَيِ الْوَاقِعَةَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (فَأَكْثَرَ) أي البيان

стр. 3784

(فِي ذِكْرِهَا) أَيِ الْفِتَنَ (حَتَّى ذَكَرَ) النَّبِيُّ (فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْأَحْلَاسُ جَمْعُ حِلْسٍ وَهُوَ الْكِسَاءُ الَّذِي يَلِي ظَهْرَ الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتَبِ شَبَّهَهَا بِهِ لِلُزُومِهَا وَدَوَامِهَا انْتَهَى وقال الخطابي إنما أضيفت إلى الأحلاس لدوامهاوطول لُبْثِهَا أَوْ لِسَوَادِ لَوْنِهَا وَظُلْمَتِهَا (قَالَ) النَّبِيُّ (هِيَ) أَيْ فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ (هَرَبٌ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ العداوة والمحاربة قاله القارىء (وَحَرَبٌ) فِي النِّهَايَةِ الْحَرَبُ بِالتَّحْرِيكِ نَهْبُ مَالِ الْإِنْسَانِ وَتَرْكِهِ لَا شَيْءَ لَهُ انْتَهَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحَرَبُ ذَهَابُ الْمَالِ وَالْأَهْلِ (ثُمَّ فِتْنَةُ السراء) قال القارىء وَالْمُرَادُ بِالسَّرَّاءِ النَّعْمَاءُ الَّتِي تَسُرُّ النَّاسَ مِنَ الصِّحَّةِ وَالرَّخَاءِ وَالْعَافِيَةِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْوَبَاءِ وَأُضِيفَتْ إِلَى السَّرَّاءِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي وُقُوعِهَا ارْتِكَابُ الْمَعَاصِي بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّنَعُّمِ أَوْ لِأَنَّهَا تَسُرُّ الْعَدُوَّ انْتَهَى وَفِي النِّهَايَةِ السَّرَّاءُ الْبَطْحَاءُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ الْبَاطِنَ وَتُزَلْزِلُهُ وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ انْتَهَى (دَخَنُهَا) يَعْنِي ظُهُورُهَا وَإِثَارَتُهَا شَبَّهَهَا بِالدُّخَانِ الْمُرْتَفِعِ وَالدَّخَنُ بِالتَّحْرِيكِ مَصْدَرُ دخلت النَّارِ تَدْخَنُ إِذَا أُلْقِيَ عَلَيْهَا حَطَبٌ رَطْبٌ فَكَثُرَ دُخَانُهَا وَقِيلَ أَصْلُ الدَّخَنِ أَنْ يَكُونَ في لون الدابة كدورة إلى سوداء قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَإِنَّمَا قَالَ (مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي إِثَارَتِهَا أَوْ إِلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ أَمْرَهَا (يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي) أَيْ فِي الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مِنِّي فِي النَّسَبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْفِتْنَةَ بِسَبَبِهِ وَأَنَّهُ بَاعِثٌ عَلَى إِقَامَتِهَا (وَلَيْسَ مِنِّي) أَيْ مِنْ أَخِلَّائِي أَوْ مِنْ أَهْلِي فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِي لَمْ يُهَيِّجِ الْفِتْنَةَ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنه عمل غير صالح أَوْ لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِي فِي الْحَقِيقَةِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ) قَالَ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِيهِ إِعْجَازٌ وَعِلْمٌ لِلنُّبُوَّةِ وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ كُلَّ الِاعْتِبَارِ لِلْمُتَّقِي وَإِنْ بَعُدَ عَنِ الرَّسُولِ فِي النَّسَبِ وَأَنْ لَا اعْتِبَارَ لِلْفَاسِقِ وَالْفَتَّانِ عِنْدَ رسول الله وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ فِي النَّسَبِ انْتَهَى (ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ) أَيْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى بيعة رجل (كورك) بفتح وكسر قاله القري (عَلَى ضِلَعٍ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَيُسَكَّنُ وَاحِدُ الضُّلُوعِ أو الأضلاع قاله القارىء قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ مَثَلٌ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ وَلَا يَسْتَقِيمُ وَذَلِكَ أَنَّ الضِّلَعَ لَا يَقُومُ بِالْوَرِكِ وَبِالْجُمْلَةِ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَيْرُ خَلِيقٍ لِلْمُلْكِ وَلَا مُسْتَقِلٍّ بِهِ انْتَهَى وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ يَصْطَلِحُونَ عَلَى أَمْرٍ وَاهٍ لَا نِظَامَ لَهُ وَلَا اسْتِقَامَةَ لِأَنَّ الْوَرِكَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الضِّلَعِ وَلَا يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَهُمَا وَبُعْدِهُ وَالْوَرِكُ مَا فوق الفخذ انتهى

стр. 3785

وقال القارىء هَذَا مَثَلٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى ثَبَاتٍ لِأَنَّ الْوَرِكَ لِثِقَلِهِ لَا يَثْبُتُ عَلَى الضلعِ لِدِقَّتِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ غَيْرَ أَهْلٍ الولاية لقلة عمله وَخِفَّةِ رَأْيِهِ انْتَهَى وَقَالَ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ يُقَالُ فِي التَّمْثِيلِ لِلْمُوَافَقَةِ وَالْمُلَائَمَةِ كَفٌّ فِي سَاعِدٍ وَلِلْمُخَالَفَةِ وَالْمُغَايَرَةِ وَرِكٌ عَلَى ضِلَعٍ انْتَهَى وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَثْبُتُ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الضِّلَعَ لَا يَقُومُ بِالْوَرِكِ وَلَا يَحْمِلُهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لا يستعد ولا يستهد لِذَلِكَ فَلَا يَقَعُ عَنْهُ الْأَمْرُ مَوْقِعَهُ كَمَا أَنَّ الْوَرِكَ عَلَى ضِلَعٍ يَقَعُ غَيْرَ مَوْقِعِهِ (ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ) وَهِيَ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَالدَّهْمَاءُ السَّوْدَاءُ وَالتَّصْغِيرُ لِلذَّمِّ أَيِ الْفِتْنَةُ الْعَظْمَاءُ وَالطَّامَّةُ العمياء قاله القارىء وَفِي النِّهَايَةِ تَصْغِيرُ الدَّهْمَاءِ الْفِتْنَةُ الْمُظْلِمَةُ وَالتَّصْغِيرُ فِيهَا لِلتَّعْظِيمِ وَقِيلَ أَرَادَ بِالدُّهَيْمَاءِ الدَّاهِيَةَ وَمِنْ أَسْمَائِهَا الدُّهَيْمُ زَعَمُوا أَنَّ الدُّهَيْمَ اسْمُ نَاقَةٍ كَانَ غَزَا عَلَيْهَا سَبْعَةُ إِخْوَةٍ فَقُتِلُوا عَنْ آخِرهِمْ وَحُمِلُوا عَلَيْهَا حَتَّى رَجَعَتْ بِهِمْ فَصَارَتْ مَثَلًا فِي كُلِّ دَاهِيَةِ (لَا تَدَعُ) أَيْ لَا تَتْرُكُ تِلْكَ الْفِتْنَةُ (إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً) أَيْ أَصَابَتْهُ بِمِحْنَةٍ وَمَسَّتْهُ بِبَلِيَّةٍ وَأَصْلُ اللَّطْمِ هُوَ الضَّرْبُ عَلَى الْوَجْهِ بِبَطْنِ الْكَفِّ وَالْمُرَادُ أَنَّ أَثَرَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ يَعُمُّ النَّاسَ وَيَصِلُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ ضَرَرِهَا (فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ) أَيْ فَمَهْمَا تَوَهَّمُوا أَنَّ تِلْكَ الْفِتْنَةَ انْتَهَتْ (تَمَادَتْ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ بَلَغَتِ الْمَدَى أَيِ الْغَايَةَ مِنَ التَّمَادِي وَبِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ التَّمَادُدِ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَدِّ أَيِ اسْتَطَالَتْ وَاسْتَمَرَّتْ وَاسْتَقَرَّتْ قاله القارىء (مُؤْمِنًا) أَيْ لِتَحْرِيمِهِ دَمَ أَخِيهِ وَعِرْضَهُ وَمَالَهُ (وَيُمْسِي كَافِرًا) أَيْ لِتَحْلِيلِهِ مَا ذُكِرَ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ (إِلَى فُسْطَاطَيْنِ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ فِرْقَتَيْنِ وَقِيلَ مَدِينَتَيْنِ وَأَصْلُ الْفُسْطَاطِ الْخَيْمَةُ فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ قَالَهُ القارىء (فُسْطَاطِ إِيمَانٍ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِيمَانٌ خَالِصٌ قَالَ الطِّيبِيُّ الْفُسْطَاطُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِيهَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ وَكُلُّ مَدِينَةٍ فُسْطَاطٌ وإضافة الفسطاط إلى الإيمان إما يجعل المؤمنين نفس الإيمان مبالغة وإما يجعل الفسطاط مستعارا للكتف والوقاية على المصرحة أي هم في كتف الإيمان ووقايته قاله القارىء (لَا نِفَاقَ فِيهِ) أَيْ لَا فِي أَصْلِهِ وَلَا فِي فَصْلِهِ مِنِ اعْتِقَادِهِ وَعَمَلِهِ (لَا إِيمَانَ فِيهِ) أَيْ أَصْلًا أَوْ كَمَالًا لِمَا فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ) أَيْ ظهوره

стр. 3786

قَالَ الْمِزِّيُّ حَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ أبي الوليد الدارزاني عن بن عمر أخرجه أبو داود في الفتن عن يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيِّ عَنْ أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ بِهِ انتهى والحديث عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ والله أعلم [٤٢٤٤] (تُسْتَرُ) بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْأُخْرَى وَرَاءٍ أَعْظَمُ مَدِينَةٍ بِخُوزِسْتَانَ الْيَوْمَ كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْكُوفَةِ (بِغَالًا) جَمْعُ بَغْلٍ (فَإِذَا صَدْعٌ مِنَ الرِّجَالِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ بِفَتْحِ الدَّالِ هُوَ الرَّجُلُ الشَّابُّ الْمُعْتَدِلُ انْتَهَى وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ رَجُلٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ انْتَهَى وَفِي الْمَجْمَعِ هُوَ بِسُكُونِ الدَّالِ وَرُبَّمَا حُرِّكَ انْتَهَى (تَعْرِفُ) عَلَى صِيغَةِ الْخِطَابِ (قَالَ) سُبَيْعٌ (فَتَجَهَّمَنِي الْقَوْمُ) أَيْ أَظْهَرُوا إِلَيَّ آثَارَ الْكَرَاهَةِ فِي وُجُوهِهِمْ وَفِي النِّهَايَةِ يَتَجَهَّمُنِي أَيْ يَلْقَانِي بِالْغِلْظَةِ وَالْوَجْهِ الْكَرِيهِ (أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مَا يَقَعُ فِي النَّاسِ مِنَ الْفِتَنِ (فَأَحْدَقَهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) أَيْ رَمَوْهُ بِأَحْدَاقِهِمْ وَفِي النِّهَايَةِ فَحَدَقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ أَيْ رَمَوْنِي بِحَدَقِهِمْ جَمْعُ حَدَقَةٍ وَهِيَ الْعَيْنُ وَالتَّحْدِيقُ شِدَّةُ النَّظَرِ (فَقَالَ) حُذَيْفَةُ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (هَذَا الْخَيْرَ) أَيِ الْإِسْلَامَ وَالنِّظَامَ التَّامَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تعالى اليوم أكملت لكم دينكم (أَيَكُونُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ وَالْمَعْنَى أَيُوجَدُ وَيَحْدُثُ بَعْدَ وُجُودِ هَذَا الْخَيْرِ (شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْخَيْرِ مِنَ الْإِسْلَامِ شَرٌّ وَهُوَ زَمَنُ الْجَاهِلِيَّةِ (قَالَ) النَّبِيُّ (فَمَا الْعِصْمَةُ) أَيْ فَمَا طَرِيقُ النَّجَاةِ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الْخَيْرِ وَالْمُحَافَظَةِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي ذلك الشر (قال) النبي (السَّيْفُ) أَيْ تَحْصُلُ الْعِصْمَةُ بِاسْتِعْمَالِ السَّيْفِ أَوْ طَرِيقِهَا أَنْ تَضْرِبَهُمْ بِالسَّيْفِ

стр. 3787

قَالَ قَتَادَةُ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الطَّائِفَةِ هُمُ الَّذِينَ ارتدوا بعد وفاة النبي فِي زَمَنِ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ قاله القارىء (قال) أي النبي (خَلِيفَةٌ فِي الْأَرْضِ) أَيْ مَوْجُودًا فِيهَا وَلَوْ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا (فَضَرَبَ ظَهْرَكَ) بِالْبَاطِلِ وَظَلَمَكَ فِي نَفْسِكَ (وَأَخَذَ مَالَكَ) بِالْغَصْبِ أو مالك من المنصب النصيب بالتعدي قاله القارىء (فَأَطِعْهُ) أَيْ وَلَا تُخَالِفُهُ لِئَلَّا تَثُورَ فِتْنَةٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ (فَمُتْ) أَمْرٌ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ كَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْخُمُولِ وَالْعُزْلَةِ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ غَالِبَ لَذَّةِ الْحَيَاةِ تَكُونُ بِالشُّهْرَةِ وَالْخِلْطَةِ وَالْجَلْوَةِ (وَأَنْتَ عَاضٌّ) بِتَشْدِيدِ الضَّادِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ حَالَ كَوْنِكِ آخِذًا بِقُوَّةٍ وَمَاسِكًا بِشِدَّةٍ (بِجِذْلِ شَجَرَةٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا أَيْ بِأَصْلِهَا أَيِ اخْرُجْ مِنْهُمْ إِلَى الْبَوَادِي وَكُلْ فِيهَا أُصُولَ الشَّجَرِ وَاكْتَفِ بِهَا قَالَهُ السِّنْدِيُّ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْجِذْلُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا لَامٌ عُودٌ يُنْصَبُ لِتَحْتَكَّ بِهِ الْإِبِلُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ فَعَلَيْكَ بِالْعُزْلَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِ شِدَّةِ الزَّمَانِ وَعَضُّ أَصْلِ الشَّجَرَةِ كِنَايَةٌ عَنْ مُكَابَدَةِ الْمَشَقَّةِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ يَعَضُّ الْحِجَارَةَ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ أَوِ الْمُرَادُ اللُّزُومُ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا) أي من الفتن (قال) النبي (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الدَّجَّالِ (نَهْرٌ) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ نَهْرُ مَاءٍ (وَنَارٌ) أَيْ خَنْدَقُ نَارٍ قِيلَ إِنَّهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّخَيُّلِ مِنْ طَرِيقِ السِّحْرِ وَالسِّيمِيَاءِ وَقِيلَ مَاؤُهُ فِي الْحَقِيقَةِ نَارٌ وَنَارُهُ مَاءٌ (فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ) أَيْ مَنْ خَالَفَهُ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي نَارِهِ وَأَضَافَ النَّارَ إِلَيْهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَارٍ حَقِيقَةً بَلْ سِحْرٍ (وَجَبَ أَجْرُهُ) أَيْ ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ أَجْرُ الْوَاقِعِ (وَحُطَّ) أَيْ وَرُفِعَ وَسُومِحَ (وِزْرُهُ) أَيْ إِثْمُهُ السَّابِقُ (وَمَنْ وَقَعَ في نهره) أي حديث وَافَقَهُ فِي أَمْرِهِ (وَجَبَ وِزْرُهُ) أَيِ اللَّاحِقُ (وَحُطَّ أَجْرُهُ) أَيْ بَطَلَ عَمَلُهُ السَّابِقُ (قَالَ) حذيفة (قال) النبي (ثُمَّ هِيَ) أَيِ الْفِتْنَةُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْحَدِيثِ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ كَيْفَ أَقَامَ كُلًّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ فَحَبَّبَ إِلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ السُّؤَالَ عَنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لِيَعْمَلُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرَهُمْ وَحَبَّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَالَ

стр. 3788

عَنِ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُونَ سَبَبًا فِي دَفْعِهِ عَمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ النَّجَاةَ وَفِيهِ سَعَةُ صدر النبي وَمَعْرِفَتِهِ بِوُجُوهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَفُوقُ فِيهِ غَيْرَهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ انْتَهَى قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ وَيُقَالُ خَالِدُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ سُبَيْعٍ بِهِ وَعَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ صَخْرِ بْنِ بَدْرٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ سُبَيْعٍ بِمَعْنَاهُ انْتَهَى قُلْتُ سَيَجِيءُ حَدِيثُ عَبْدِ الْوَارِثِ [٤٢٤٥] (بِهَذَا الْحَدِيثِ) السَّابِقِ (قَالَ) أَيْ حُذَيْفَةُ (قُلْتُ) أَيْ مَاذَا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ (بَقِيَّةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ) أَيْ يَبْقَى النَّاسُ بَقِيَّةً عَلَى فَسَادِ قُلُوبِهِمْ فَشَبَّهَ ذَلِكَ الْفَسَادَ بِالْأَقْذَاءِ جَمْعُ قَذًى وَهُوَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَالشَّرَابِ مِنْ غُبَارٍ وَوَسَخٍ قَالَهُ السِّنْدِيُّ (وَهُدْنَةٌ) بِضَمِّ الْهَاءِ أَيْ صُلْحٌ (عَلَى دَخَنٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أي مع خداع ونفاق وخيانة يعني صلح فِي الظَّاهِرِ مَعَ خِيَانَةِ الْقُلُوبِ وَخِدَاعِهَا وَنِفَاقِهَا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ صُلْحٌ عَلَى بَقَايَا مِنِ الضغن قال القارىء وَأَصْلُ الدَّخَنِ هُوَ الْكُدُورَةُ وَاللَّوْنُ الَّذِي يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ فَيَكُونُ فِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّهُ صَلَاحٌ مَشُوبٌ بِالْفَسَادِ انْتَهَى (قَالَ) مَعْمَرٌ (يَضَعُهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (يَقُولُ) أَيْ قَتَادَةُ (قَذًى) هُوَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَالشَّرَابِ مِنْ غُبَارٍ وَوَسَخٍ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ عَلَى أَقْذَاءَ (عَلَى ضَغَائِنَ) جَمْعُ ضِغْنٍ وَهُوَ الْحِقْدُ وَسَيَجِيءُ كَلَامُ الْمِزِّيِّ بَعْدَ هَذَا

стр. 3789

[٤٢٤٦] (أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ) وَهُوَ خَالِدُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ (فَقَالَ) أَيِ الْيَشْكُرِيُّ (قَالَ) حُذَيْفَةُ (قَالَ يَا حذيفة) أي النبي (هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ) أَيْ عَلَى فَسَادٍ وَاخْتِلَافٍ تَشْبِيهًا بِدُخَانِ الْحَطَبِ الرَّطْبِ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْفَسَادِ الْبَاطِنِ تَحْتَ الصَّلَاحِ الظَّاهِرِ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ (وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءَ) هِيَ كَائِنَةٌ (فِيهَا) أَيْ فِي الْجَمَاعَةِ (أَوْ فِيهِمْ) شَكٌّ مِنَ الراوي قال القارىء أَيْ وَاجْتِمَاعٌ عَلَى أَهْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ عُيُوبٍ مُؤْتَلِفَةٍ وَفِي النِّهَايَةِ أَرَادَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ يَكُونُ عَلَى فَسَادٍ فِي قُلُوبِهِمْ فَشَبَّهَهُ بِقَذَى الْعَيْنِ والماء والشراب (قال) النبي (لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ) بِرَفْعِ قُلُوبٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِنَصْبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رَجَعَ لَازِمٌ أَوْ مُتَعَدٍّ أَيْ لَا تَصِيرُ قُلُوبُ جَمَاعَاتٍ أَوْ لَا تَرُدُّ الْهُدْنَةُ قُلُوبَهُمْ (عَلَى الَّذِي) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْ عَلَى الصَّفَاءِ الَّذِي (كَانَتْ) أَيْ تِلْكَ الْقُلُوبُ (عَلَيْهِ) أَيْ لَا تَكُونُ قُلُوبُهُمْ صَافِيَةً عَنِ الْحِقْدِ وَالْبُغْضِ كَمَا كَانَتْ صَافِيَةً قَبْلَ ذَلِكَ (قَالَ فِتْنَةٌ) أي قال النبي نَعَمْ يَقَعُ شَرٌّ هُوَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ وَبَلِيَّةٌ جَسِيمَةٌ (عَمْيَاءُ) أَيْ يَعْمَى فِيهَا الْإِنْسَانُ عَنْ أَنْ يَرَى الْحَقَّ (صَمَّاءُ) أَيْ يُصَمُّ أَهْلُهَا عَنْ أَنْ يُسْمَعَ فِيهَا كَلِمَةُ الْحَقِّ أَوِ النَّصِيحَةِ قَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا عَمْيَاءَ صَمَّاءَ أن تكون بحيث لا يرى منها مخرجا ولا يوجد دونها مستغاثا أَوْ أَنْ يَقَعَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ فَيَعْمُونَ فِيهَا وَيَصَمُّونَ عَنْ تأمل قول الحق واستماع النصح قال القارىء أَقُولُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَصَفَ الْفِتْنَةَ بِهِمَا كِنَايَةً عَنْ ظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ ظُهُورِ الْحَقِّ فِيهَا وَعَنْ شِدَّةِ أَمْرِهَا وَصَلَابَةِ أَهْلِهَا (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْفِتْنَةِ (دُعَاةٌ) بِضَمِّ الدَّالِ جَمْعُ دَاعٍ أَيْ جَمَاعَةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِهَا وَدَاعِيَةٌ لِلنَّاسِ إِلَى قَبُولِهَا (عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ) حَالٌ أَيْ فَكَأَنَّهُمْ كَائِنُونَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ مِنَ النَّارِ يَدْعُونَ الْخَلْقَ إِلَيْهَا حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَى الدُّخُولِ فِيهَا (وَأَنْتَ عَاضٌّ) أَيْ آخِذٌ بِقُوَّةٍ (عَلَى جِذْلٍ) أَيْ أَصْلِ شَجَرٍ يَعْنِي وَالْحَالُ

стр. 3790

أَنَّكَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مِنَ اخْتِيَارِ الِاعْتِزَالِ (مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا وَفَتْحِ الْبَاءِ (أَحَدًا مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ أَوْ مِنْ دُعَاتِهِمْ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ وَيُقَالُ سُبَيْعُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ الْكُوفِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ عَنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ بِهِ وَعَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ فِي رَهْطٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ انْتَهَى [٤٢٤٧] (وَقَالَ) الرَّاوِي (فِي آخِرِهِ) أي الحديث (قال) حذيفة (قال) النبي (نَتَجَ فَرَسًا) أَيْ سَعَى فِي تَحْصِيلِ وَلَدِهَا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ (لَمْ تُنْتَجْ) أَيْ مَا يَجِيءُ لَهَا وَلَدٌ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) الْمُرَادُ بَيَانُ قُرْبِ السَّاعَةِ وَفِي رِوَايَةٍ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ يُنْتَجُ الْمُهْرُ فَلَا يُرْكَبُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَيْ ثُمَّ يُولَدُ وَلَدُ الْفَرَسِ فَلَا يُرْكَبُ لِأَجْلِ الْفِتَنِ أَوْ لِقُرْبِ الزَّمَنِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ زَمَنُ عِيسَى ﵇ فَلَا يُرْكَبُ الْمُهْرُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِ النَّاسِ فِيهِ إِلَى مُحَارَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ لَا يَكُونُ زَمَانٌ طَوِيلٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَيْ يَكُونُ حِينَئِذٍ قِيَامُ السَّاعَةِ قَرِيبًا قَدْرَ زَمَانِ إِنْتَاجِ الْمُهْرِ وَإِرْكَابِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُ هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [٤٢٤٨] (فَأَعْطَاهُ) أَيِ الْإِمَامَ إِيَّاهُ وَبِالْعَكْسِ (صَفْقَةَ يَدِهِ) فِي النِّهَايَةِ الصَّفْقَةُ الْمَرَّةُ مِنَ التَّصْفِيقِ بِالْيَدِ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَضَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ فِي يَدِ الْآخَرِ عِنْدَ يَمِينِهِ وَبَيْعَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُتَبَايِعَانِ (وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ) كِنَايَةً عَنِ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَهْدِ وَالْتِزَامِهِ قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ (فَلْيُطِعْهُ) أَيِ الْإِمَامَ (فَإِنْ جَاءَ آخَرُ) أَيْ إِمَامٌ آخر (ينازعه) أي الإمام الأول أو المبائع (فاضربوا) خطاب

стр. 3791

عام يشمل المبائع وَغَيْرَهُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ جَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ بَعْدَ مَا أَفْرَدَ فِي فَلْيُطِعْهُ نَظَرًا إِلَى لَفْظِ مَنْ تَارَةً وَمَعْنَاهَا أُخْرَى (قُلْتُ أَنْتَ) الْقَائِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (قَالَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو (قُلْتُ) الْقَائِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَأْمُرُنَا بِمُنَازَعَةِ عَلِيٍّ ﵁ مَعَ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْأَوَّلُ وَمُعَاوِيَةُ هُوَ الْآخَرُ الَّذِي قَامَ مُنَازِعًا (قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ (أَطِعْهُ) أَيْ مُعَاوِيَةَ (وَاعْصِهِ) أَيْ مُعَاوِيَةَ قَالَ الْمِزِّيُّ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِطُولِهِ فِي الْمَغَازِي وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْبَيْعَةِ وَفِي السير وأخرجه بن مَاجَهْ فِي الْفِتَنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [٤٢٤٩] (وَيْلٌ لِلْعَرَبِ) الْوَيْلُ حُلُولُ الشَّرِّ وَهُوَ تَفْجِيعٌ أَوْ وَيْلٌ كَلِمَةُ عَذَابٍ أَوْ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ وَخَصَّ الْعَرَبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ مُعْظَمَ مَنْ أَسْلَمَ (مِنْ شَرٍّ) عَظِيمٍ (قَدِ اقْتَرَبَ) ظُهُورُهُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ الْحَدِيثَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الطِّيبِيُّ أَرَادَ بِهِ الِاخْتِلَافَ الَّذِي ظَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَقْعَةِ عُثْمَانَ ﵁ أَوْ مَا وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ ﵁ وَمُعَاوِيَةَ ﵁ قال القارىء أَوْ أَرَادَ بِهِ قَضِيَّةَ يَزِيدَ مَعَ الْحُسَيْنِ ﵁ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى أَقْرَبُ لِأَنَّ شَرَّهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْعَجَمِ وَالْعَرَبِ (أَفْلَحَ) أَيْ نَجَا (مَنْ كَفَّ يَدَهُ) أَيْ عَنِ الْقِتَالِ وَالْأَذَى أَوْ تَرَكَ الْقِتَالَ إِذَا لَمْ يَتَمَيَّزِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ قَالَ الْمِزِّيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى وَفِي الْمِرْقَاةِ أَخْرَجَهُ دَاوُدُ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ خَلَا قَوْلِهِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ انْتَهَى

стр. 3792

[٤٢٥٠] (يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أي يحبسوا ويضطروا ويلتجؤا (إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيْ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَاصَرَةِ الْعَدُوِّ إِيَّاهُمْ أَوْ يَفِرُّ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَجْتَمِعُونَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَسَلَاحٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ أَوْ بَعْضُهُمْ دَخَلُوا فِي حِصْنِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُهُمْ ثَبَتُوا حواليها احتراسا عليها قاله القارىء وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْمُسْلِمِينَ زَمَنَ الدَّجَّالِ حِينَ يَأْرِزُ الْإِسْلَامُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُطَهَّرَةِ أَوْ يَكُونُ هَذَا فِي زَمَانٍ آخَرَ (أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَسْلَحَةٍ وَأَصْلُهُ مَوْضِعُ السِّلَاحِ ثم استعمل للثغر وهو المراد ها هنا أَيْ أَبْعَدُ ثُغُورِهِمْ هَذَا الْمَوْضِعُ الْقَرِيبُ مِنْ خَيْبَرَ الْقَرِيبُ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى عِدَّةِ مَرَاحِلَ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِقَوْمٍ يَحْفَظُونَ الثُّغُورَ مِنَ الْعَدُوِّ قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمَسَالِحُ جَمْعُ الْمَسْلَحِ وَالْمَسْلَحَةُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الثُّغُورَ مِنَ الْعَدُوِّ وَسُمُّوا مَسْلَحَةً لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ ذَوِي سِلَاحٍ أَوْ لِأَنَّهُمْ يَسْكُنُونَ الْمَسْلَحَةَ وَهِيَ كَالثَّغْرِ وَالْمَرْقَبِ يَكُونُ فِيهِ أَقْوَامٌ يَرْقُبُونَ الْعَدُوَّ لِئَلَّا يَطْرُقَهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ فَإِذَا رَأَوْهُ أَعْلَمُوا أَصْحَابَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا لَهُ انْتَهَى وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ الثَّغْرُ مِنَ الْبِلَادِ الْمَوْضِعُ الذي يخاف منه هجوم العدو فهوكالثلمة فِي الْحَائِطِ يُخَافُ هُجُومُ السَّارِقِ مِنْهَا وَالْجَمْعُ ثُغُورٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ (سَلَاحٌ) بِفَتْحِ السِّينِ قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَقَدْ ضُبِطَ بِرَفْعِهِ مَضْمُومًا عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ مُؤَخَّرٌ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ أَبْعَدَ وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهِ مُنَوَّنًا وَفِي أُخْرَى بِكَسْرِ الْحَاءِ فَفِي الْقَامُوسِ سَلَاحٌ كَسَحَابٍ وَقَطَامٍ مَوْضِعٌ أسفل خيبر وقال بن الْمَلَكِ سَلَاحٌ هُوَ مُنَوَّنٌ فِي نُسْخَةٍ وَمَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي أُخْرَى وَقِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي الْحِجَازِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَالْمَعْنَى أَبْعَدُ ثُغُورِهِمْ هَذَا الْمَوْضِعُ الْقَرِيبُ مِنْ خَيْبَرَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ التَّضْيِيقِ عليهم وإحاطة الكفار حواليهم قاله القارىء قَالَ الْمِزِّيُّ حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ الْأَزْدِيِّ الْبَصْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عمر أخرجه أبو داود في الفتن عن بن وَهْبٍ عَنْ جَرِيرٍ انْتَهَى قُلْتُ وَفِيهِ مَجْهُولٌ لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ حُدِّثْتُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ حَدَّثَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ والله أعلم

стр. 3793

[٤٢٥٢] (زَوَى لِيَ الْأَرْضَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ قَبَضَهَا وَجَمَعَهَا يُقَالُ انْزَوَى الشَّيْءُ إِذَا انْقَبَضَ وَتَجَمَّعَ (مَشَارِقَهَا) أَيِ الْأَرْضِ (مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْأَرْضِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ الناس أن من ها هنا معناها التبعيض فيقول كيف شرط ها هنا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ الِاسْتِيعَابَ وَرَدَّ آخِرَهُ إِلَى التَّبْعِيضِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُقَدِّرُونَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّفْصِيلُ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالتَّفْصِيلُ لَا يُنَاقِضُ الْجُمْلَةَ وَلَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْهَا لَكِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَسْتَوْفِيهَا جُزْءًا جُزْءًا وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ جُمْلَتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَآهَا ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ جُزْءٌ جُزْءٌ مِنْهَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا كُلِّهَا فَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى التَّبْعِيضِ فِيهَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُلْكَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَكُونُ مُعْظَمَ امْتِدَادِهِ فِي جِهَتَيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَهَكَذَا وَقَعَ وَأَمَّا فِي جِهَتَيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ فَقَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ انْتَهَى (الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ) أَيِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَفِي النِّهَايَةِ فَالْأَحْمَرُ مُلْكُ الشَّامِ وَالْأَبْيَضُ مُلْكُ فَارِسٍ وَإِنَّمَا قَالَ لِفَارِسٍ الْأَبْيَضَ لِبَيَاضِ أَلْوَانَهُمْ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَمْوَالِهِمُ الْفِضَّةُ كَمَا أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَلْوَانِ أَهْلِ الشَّامِ الْحُمْرَةُ وَعَلَى أَمْوَالِهِمُ الذَّهَبُ انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِالْكَنْزَيْنِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْمُرَادُ كَنْزُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ مَلِكَيِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ (أَنْ لَا يُهْلِكَهَا) أَيْ أَنْ لَا يُهْلِكَ اللَّهُ الْأُمَّةَ (بِسَنَةِ) قَحْطٍ (بِعَامَّةٍ) يَعُمُّ الْكُلَّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ (فَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ) أَيْ مُجْتَمَعَهُمْ وَمَوْضِعَ سُلْطَانِهِمْ وَمُسْتَقَرَّ دَعْوَتِهِمْ أَيْ يَجْعَلَهُمْ لَهُ مُبَاحًا لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيهِمْ وَيَسْبِيهِمْ وَيَنْهَبُهُمْ يُقَالُ أَبَاحَهُ يُبِيحُهُ وَاسْتَبَاحَهُ يَسْتَبِيحُهُ وَالْمُبَاحُ خِلَافُ الْمَحْذُورِ وَبَيْضَةُ الدَّارِ وَسَطُهَا وَمُعْظَمُهَا أَرَادَ عَدُوًّا يَسْتَأْصِلُهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ جَمِيعَهُمْ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَإِنَّهُ) أَيِ الْقَضَاءَ (وَلَا أهلكهم بسنة بعامة) أي لأهلكهم بِقَحْطٍ يَعُمُّهُمْ بَلْ إِنْ وَقَعَ قَحْطٌ وَقَعَ فِي نَاحِيَةٍ يَسِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ

стр. 3794

(وَلَوِ اجْتَمَعَ) أَيِ الْعَدُوُّ (أَقْطَارِهَا) أَيْ نَوَاحِي الْأَرْضِ (الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ) أَيِ الدَّاعِينَ إِلَى الْبِدَعِ وَالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ (فِي أُمَّتِي) أَيْ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ (لَمْ يُرْفَعِ) السَّيْفُ (عَنْهَا) أَيْ عَنِ الْأُمَّةِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَقَدِ ابتدىء فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَهَلُمَّ جَرًّا لَا يَخْلُو عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بأس بعض (بالمشركين) منها ما وقع بعد وفاته فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ (الْأَوْثَانَ) أَيِ الْأَصْنَامَ حَقِيقَةً وَلَعَلَّهُ يَكُونُ فِيمَا سَيَأْتِي أَوْ مَعْنًى وَمِنْهُ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ (وَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (كَذَّابُونَ) أَيْ فِي دَعْوَتِهِمُ النُّبُوَّةَ (ثَلَاثُونَ) أَيْ هُمْ أَوْ عَدَدُهُمْ ثَلَاثُونَ (وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (لَا نَبِيَّ بَعْدِي) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (عَلَى الْحَقِّ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ لَا تَزَالُ أَيْ ثَابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا (ظَاهِرِينَ) أَيْ غَالِبِينَ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ وَلَوْ حُجَّةً قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي ثَابِتِينَ أَيْ ثَابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ فِي حَالَةِ كَوْنِهِمْ غَالِبِينَ عَلَى الْعَدُوِّ (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيْ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى (مَنْ خَالَفَهُمْ) أَيْ لِثَبَاتِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا تَزَالُ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيِ الرِّيحُ الَّذِي يُقْبَضُ عِنْدَهَا رُوحُ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عُمَرَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ إِلَى قُرْبِ قِيَامِهَا لِأَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ انْتَهَى قُلْتُ حَدِيثُ ثَوْبَانَ مُطَوَّلًا هُوَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَلِّفِ فَأَخْرَجَهُ مُفَرَّقًا فِي الْمَوَاضِعِ فَحَدِيثُ إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا إِلَى قَوْلِهِ يَكُونُ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبو داود وبن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ كُلُّهُمْ فِي الْفِتَنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حسن

стр. 3795

صَحِيحٌ وَحَدِيثُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مسلم في الجهاد وبن مَاجَهْ فِي السُّنَّةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْفِتَنِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ وَقَالَ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَحَدِيثُ إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ [٤٢٥٣] (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بْنُ عَيَّاشٍ (حَدَّثَنِي أَبِي) إِسْمَاعِيلُ بن عياش (قال بن عَوْفٍ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ الْحِمْصِيُّ (وَقَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ) أَيْ فِي كِتَابِ إِسْمَاعِيلَ (قَالَ) إِسْمَاعِيلُ (حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ) بْنُ زُرْعَةَ (عَنْ شُرَيْحِ) بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ (عَنْ أَبِي مَالِكٍ يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ) قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ واختلف اسْمِهِ فَقِيلَ الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ وَقِيلَ عُبَيْدٌ وَقِيلَ عَمْرٌو وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ وَقِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ كَعْبٍ وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هَانِئٍ بْنِ كُلْثُومَ نَزَلَ الشَّامَ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ روى بن عَوْفٍ أَوَّلًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ ضَمْضَمٍ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالتَّحْدِيثِ والسماع وروى بن عَوْفٍ ثَانِيًا عَالِيًا بِدَرْجَةٍ عَنْ كِتَابِ إِسْمَاعِيلَ قال حدثني ضمضم فلا بن عَوْفٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ضَمْضَمٍ وَعَنْ كِتَابِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ ضَمْضَمٍ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُوهُ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ فِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ وَلَهُ طُرُقٌ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَنَدُهُ حَسَنٌ فَإِنَّهُ مِنْ رواية بن عَيَّاشٍ عَنِ الشَّامِيِّينَ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ وَقَالَ فِي تَخْرِيجِ الْمُخْتَصَرِ اخْتُلِفَ فِي أَبِي مَالِكٍ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ هُوَ فَإِنَّ فِي الصَّحْبِ ثَلَاثَةٌ يُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَحَدُهُمْ رَاوِي حَدِيثِ الْمَعَارِفِ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَفِي اسْمِهِ خِلَافٌ الثَّانِي الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ مَشْهُورٌ بِاسْمِهِ أَكْثَرُ الثَّالِثُ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ مَشْهُورٌ بِاسْمِهِ دُونَ كُنْيَتِهِ وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ الْأَوَّلِ وَذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الثَّانِي قَالَ الْحَافِظُ وَصَحَّ لِي أَنَّهُ الثَّالِثُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنَاوِيِّ (إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ) حَمَاكُمْ وَمَنَعَكُمْ وَأَنْقَذَكُمْ (مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ) خِصَالٍ الْأُولَى (أَنْ لَا يَدْعُو

стр. 3796

عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ) كَمَا دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ (فَتَهْلِكُوا) بِكَسْرِ اللَّامِ (جَمِيعًا) أَيْ بَلْ كَانَ النبي كثير الدعاء لأمته الثَّانِيَةُ (أَنْ لَا يَظْهَرَ) أَيْ لَا يَغْلِبَ (أَهْلُ) دِينِ (الْبَاطِلِ) وَهُوَ الْكُفْرُ (عَلَى) دِينِ (أهل الحق) وهو الإسلام بحيث يمحقه ويطفىء نوره الثَّالِثَةُ (أَنْ لَا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ) وَفِيهِ أَنَّ إِجْمَاعَ أُمَّتِهِ حُجَّةٌ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ وَكَلَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [٤٢٥٤] (تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ بِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِ مَعْنَى دَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِقَامَةُ أَمْرِ الدِّينِ وَاسْتِمْرَارِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ وَهَذَا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَالْبَغَوِيِّ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ وَشَرْحِ الْمَصَابِيحِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ الْمُرَادُ بِدَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ اسْتِمْرَارُ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَالْخِلَافَةِ وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِ الْوُلَاةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ وَلَا فُطُورٍ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الهجرة بدليل قوله فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِمَّا مَضَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَالشَّيْخُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْمُرَادُ بِدَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ وَشَبَّهَهَا بِالرَّحَى الدَّوَّارَةِ بِالْحَبِّ لِمَا فِيهَا مِنْ تَلَفِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ انْتَهَى فَإِنْ قُلْتَ إِرَادَةُ الْحَرْبِ مِنْ دَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنْ إِرَادَةِ اسْتِقَامَةِ أَمْرِ الدِّينِ وَاسْتِمْرَارِهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ يُكَنُّونَ عَنِ الْحَرْبِ بِدَوَرَانِ الرَّحَى قَالَ الشَّاعِرُ فَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمُ فَكَيْفَ اخْتَارَ الْأَكْثَرُونَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ الْعَرَبَ يُكَنُّونَ عَنِ الْحَرْبِ بِدَوَرَانِ الرَّحَى لَكِنْ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ ذِكْرُ الْحَرْبِ صَرَاحَةً أَوْ إِشَارَةً وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْحَرْبِ أَصْلًا قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ ﵀ إِنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ اشْتِدَادِ الْحَرْبِ بِدَوَرَانِ الرَّحَى وَيَقُولُونَ دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ أَيِ اسْتَتَبَّ أَمْرُهَا وَلَمْ تَجِدْهُمُ اسْتَعْمَلُوا دَوَرَانَ الرَّحَى فِي أَمْرِ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ ذِكْرِهَا أَوِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرِ الْحَرْبَ وَإِنَّمَا قَالَ رَحَى الْإِسْلَامِ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَسْتَتِبُّ أَمْرُهُ وَيَدُومُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ

стр. 3797

وَيَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ دَوَرَانُ الرَّحَى فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَقُومُ لِصَاحِبِهِ وَيَسْتَمِرُّ لَهُ فَإِنَّ الرَّحَى تُوجَدُ عَلَى نَعْتِ الْكَمَالِ مَا دَامَتْ دَائِرَةً مُسْتَمِرَّةً وَيُقَالُ فُلَانٌ صَاحِبُ دَارَتِهِمْ إِذَا كَانَ أَمْرُهُمْ يَدُورُ عَلَيْهِ وَرَحَى الْغَيْثِ مُعْظَمُهُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَرْبِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَزُولُ رَحَى الْإِسْلَامِ مَكَانَ تَدُورُ ثُمَّ قَالَ كَأَنَّ تَزُولُ أَقْرَبُ لِأَنَّهَا تَزُولُ عَنْ ثُبُوتِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا وَكَلَامُ التُّورْبَشْتِيِّ هَذَا ذَكَرَهُ القارىء في المرقاة وقال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ إِذَا قَامَتْ عَلَى سَاقِهَا وَأَصْلُ الرَّحَى الَّتِي يُطْحَنُ بِهَا وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يَمْتَدُّ قِيَامُ أَمْرِهِ عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْبُعْدِ مِنْ إِحْدَاثَاتِ الظَّلَمَةِ إِلَى تَقَضِّي هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي هِيَ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ انْتَهَى ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِخَمْسٍ لِلْوَقْتِ أَوْ بِمَعْنَى إِلَى قَالَ الْأَرْدَبِيلِيُّ وَاللَّامُ فِي لِخَمْسٍ لِلْوَقْتِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِرَمَضَانَ أَيْ وَقْتِهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وَقِيلَ بِمَعْنَى إِلَى لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَارَّةِ يُوضَعُ بَعْضُهَا مَوْضِعَ بَعْضٍ انْتَهَى قُلْتُ كَوْنُ اللَّامِ فِي لِخَمْسٍ بِمَعْنَى إِلَى هُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْتِهَاءَ مُدَّةِ دَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْتِدَاءَ مُدَّتِهِ فَمِنْ أَيِّ وَقْتٍ يُرَادُ الِابْتِدَاءُ قُلْتُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الِابْتِدَاءُ مِنَ الْهِجْرَةِ أَوْ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي بَقِيَتْ فيه من عمره خَمْسُ سِنِينَ أَوْ سِتُّ سِنِينَ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ قِيلَ إِنَّ الْإِسْلَامَ عِنْدَ قِيَامِ أَمْرِهِ عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْبُعْدِ مِنْ إِحْدَاثَاتِ الظَّلَمَةِ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ مُدَّةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَهُ وَقَدْ بقيت من عمره خَمْسُ سِنِينَ أَوْ سِتٌّ فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَى مُدَّةِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَهِيَ ثَلَاثُونَ سَنَةٍ كَانَتْ بَالِغَةً ذَلِكَ الْمَبْلَغَ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ فَفِيهَا خَرَجَ أَهْلُ مِصْرَ وَحَصَرُوا عُثْمَانَ ﵁ وَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الصِّفِّينِ انْتَهَى (فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا) اعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِدَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَتَفْسِيرِهِ أَيْضًا عَلَى قَوْلَيْنِ فَتَفْسِيرُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ هَكَذَا فَقَوْلُهُ فَإِنْ

стр. 3798

يَهْلِكُوا يَعْنِي بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ وَبِالْمَعَاصِي وَالْمَظَالِمِ وَتَرْكِ الْحُدُودِ وَإِقَامَتِهَا وَقَوْلُهُ فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ أَيْ فَسَبِيلُهُمْ فِي الْهَلَاكِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْوَهْنِ فِي الدِّينِ سَبِيلُ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ فِي الْهَلَاكِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْوَهْنِ فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ أَيْ لِعَدَمِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْوَهْنِ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا وَعَلَى قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ وَالشَّيْخِ مَعْنَاهُ فَإِنْ يَهْلِكُوا بِتَرْكِ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ فَسَبِيلُهُمْ سَبِيلُ مَنْ هَلَكَ بِذَلِكَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ بِإِقَامَةِ الْحَرْبِ وَالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا هَكَذَا قَرَّرَ الْأَرْدَبِيلِيُّ ﵀ وَلَيْسَ الْهَلَاكُ فِيهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَلْ سَمَّى أَسْبَابَ الْهَلَاكِ وَالِاشْتِغَالَ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ هَلَاكًا فَإِنْ قُلْتَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَوْعِدَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ إِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُهُمْ سَبِيلُ مَنْ هَلَكَ وَالثَّانِي أَنَّهُمْ إِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا وَهَذَانِ الْمَوْعِدَانِ لَا يُوجَدَانِ مَعًا بَلْ إِنْ وُجِدَ الْأَوَّلُ لَا يُوجَدُ الثَّانِي وَإِنْ وُجِدَ الثَّانِي لَا يُوجَدُ الْأَوَّلُ فَأَيٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْمَوْعِدَيْنِ وُجِدَ ووقع قلت قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَدْ وَقَعَ الْمَحْذُورُ فِي الْمَوْعِدِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَى الْآنَ انْتَهَى قُلْتُ لَا شَكَّ فِي وُقُوعِهِ فَقَدْ ظَهَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مَا ظَهَرَ وَجَرَى مَا جَرَى فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ فِي الْمَوْعِدِ الْأَوَّلِ ارْتَفَعَ الْمَوْعِدُ الثَّانِي كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ فَإِنْ قُلْتَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالدِّينِ هُنَا الْمُلْكُ قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَذَا مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ وَانْتِقَالَهُ عَنْهُمْ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ وَكَانَ مَا بَيْنَ اسْتِقْرَارِ الْمُلْكِ لِبَنِي أُمَيَّةَ إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ دُعَاةُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِخُرَاسَانَ وَضَعُفَ أَمْرُ بَنِي أُمَيَّةَ وَدَخَلَ الْوَهْنُ فِيهِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةٍ فَعَلَى قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْمَوْعِدَ الثَّانِي قَدْ وَقَعَ قُلْتُ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ بَاطِلٌ قَطْعًا وَلِذَلِكَ تُعُقِّبَ عَلَيْهِ من وجوه قال بن الْأَثِيرِ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِهِ هَذَا التَّأْوِيلُ كَمَا تَرَاهُ فَإِنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا لَمْ تَكُنْ سَبْعِينَ سَنَةً وَلَا كَانَ الدِّينُ فِيهَا قَائِمًا انْتَهَى وَقَالَ الْأَرْدَبِيلِيُّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِهِ وَضَعَّفُوهُ بِأَنَّ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ أَلْفَ شَهْرٍ وَهُوَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةٍ وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ انْتَهَى وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِهِ يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ أَيِ الْخَطَّابِيَّ فَإِنَّهُ لَوْ تَأَمَّلَ الْحَدِيثَ كُلَّ

стр. 3799

التَّأَمُّلِ وَبَنَى التَّأْوِيلَ عَلَى سِيَاقِهِ لَعَلِمَ أَنَّ النبي لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ بَلْ أَرَادَ بِهِ اسْتِقَامَةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ فِي طَاعَةِ الْوُلَاةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ وَجَعْلَ الْمَبْدَأَ فِيهِ أَوَّلَ زَمَانِ الْهِجْرَةِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ ثُمَّ يَشُقُّونَ عَصَا الْخِلَافِ فَتُفَرَّقُ كَلِمَتُهُمْ فَإِنْ هَلَكُوا فَسَبِيلُهُمْ سَبِيلُ مَنْ قَدْ هَلَكَ قَبْلَهُمْ وَإِنْ عَادَ أَمْرُهُمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إِيثَارِ الطَّاعَةِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ يَتِمُّ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَى تَمَامِ السَّبْعِينَ هَذَا مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَلَوِ اقْتَضَى اللَّفْظُ أَيْضًا غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُمْ ذَلِكَ الْقَوْلُ فَإِنَّ الْمُلْكَ فِي أَيَّامِ بَعْضِ الْعَبَّاسِيَّةِ لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ اسْتِقَامَةٍ مِنْهُ فِي أَيَّامِ الْمَرْوَانِيَّةِ وَمُدَّةُ إِمَارَةِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَتْ نَحْوًا مِنْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَالتَّوَارِيخُ تَشْهَدُ لَهُ مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ ينقض كل تأويل يخالف تأويلنا هذا وهي قول بن مَسْعُودٍ (قُلْتُ) أَيْ يَا رَسُولَ اللَّهِ (أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى) يُرِيدُ أَنَّ السَّبْعِينَ تَتِمُّ لَهُمْ مُسْتَأْنَفَةً بَعْدَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَمْ تَدْخُلُ الْأَعْوَامُ الْمَذْكُورَةُ فِي جُمْلَتِهَا (قَالَ مِمَّا مَضَى) يَعْنِي يَقُومُ لَهُمْ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَى تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ أَوَّلِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ لَا مِنَ انْقِضَاءِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ إِلَى انْقِضَاءِ سَبْعِينَ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ ناجية الكاهلي ويقال المحاربي عن بن مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ عَنْ محمد بن سليمان الأنباري عن بن مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْهُ بِهِ انْتَهَى قُلْتُ هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [٤٢٥٥] (يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ) قَدْ يُرَادُ بِهِ اقْتِرَابُ السَّاعَةِ أَوْ تَقَارُبُ أَهْلِ الزَّمَانِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ أَوْ قِصَرِ أَعْمَارِ أَهْلِهِ أَوْ قُرْبِ مدة الأيام والليالي حتى يكون السَّنَةُ كَالشَّهْرِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ قِصَرُ زَمَانِ الْأَعْمَارِ وَقِلَّةُ الْبَرَكَةِ فِيهَا وَقِيلَ هُوَ دُنُوُّ زَمَانِ السَّاعَةِ وَقِيلَ قِصَرُ مُدَّةِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الزَّمَانَ يَتَقَارَبُ حَتَّى يَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَالسَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السُّفْعَةِ انْتَهَى قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَقَارُبِ الزَّمَانِ تَسَارُعُ الدُّوَلِ إِلَى الِانْقِضَاءِ وَالْقُرُونِ إِلَى الِانْقِرَاضِ فَيَتَقَارَبُ زَمَانُهُمْ وَتَتَدَانَى أيامهم وقال بن بَطَّالٍ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَقَارُبُ أَحْوَالِهِ فِي أَهْلِهِ فِي قِلَّةِ الدِّينِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ وَظُهُورِ أَهْلِهِ (وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ) أَيْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ

стр. 3800

بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْيَانِ (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ) أَيْ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ (وَيُلْقَى الشُّحُّ) فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ أَيْ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ حَتَّى يَبْخَلَ الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ وَالصَّانِعُ بِصَنْعَتِهِ وَالْغَنِيُّ بِمَالِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُجُودَ أَصْلِ الشُّحِّ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ (أَيَّةُ هُوَ) أَيِ الْهَرْجُ أَيُّ شَيْءٍ (قَالَ) أي النبي قَالَ الْمِزِّيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَفِي الْفِتَنِ وَمُسْلِمٌ فِي الْقَدَرِ وَأَبُو دَاوُدَ في الفتن (باب النَّهْيِ عَنْ السَّعْيِ فِي الْفِتْنَةِ) [٤٢٥٦] (إِنَّهَا) أَيِ الْقِصَّةَ (سَتَكُونُ) أَيْ سَتُوجَدُ وَتَحْدُثُ وَتَقَعُ (الْمُضْطَجِعُ فِيهَا) أَيْ فِي الْفِتْنَةِ (مِنَ الْجَالِسِ) لِأَنَّهُ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْمُضْطَجِعُ فَيَكُونُ أَقْرَبَ مِنْ عَذَابِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ بِمُشَاهَدَتِهِ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الْمُضْطَجِعُ (وَالْجَالِسُ) فِي الْفِتْنَةِ يَكُونُ (خَيْرًا مِنَ الْقَائِمِ) لِأَنَّهُ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْجَالِسُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَالِسِ هُوَ الثَّابِتُ فِي مَكَانِهِ غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ لِمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي زَمَانِهِ وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ مَا يَكُونُ فِيهِ نَوْعٌ بَاعِثٌ وَدَاعِيَةٌ لَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ (وَالْقَائِمُ) فِي الْفِتْنَةِ أَيْ مِنْ بَعِيدٍ مُتَشَرِّفٌ عَلَيْهَا أَوِ الْقَائِمُ بِمَكَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (مِنَ الْمَاشِي) أَيْ مِنَ الذَّاهِبِ عَلَى رِجْلِهِ إِلَيْهَا (مِنَ السَّاعِي) أَيْ مِنَ الْمُسْرِعِ إِلَيْهَا مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (إِبِلٌ) أَيْ فِي الْبَرِيَّةِ (لَهُ أَرْضٌ) أَيْ عَقَارٌ أَوْ مَزْرَعَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الْخَلْقِ (فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ) فَإِنَّ الِاعْتِزَالَ وَالِاشْتِغَالَ بِخُوَيْصَةِ الْحَالِ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ لِوُقُوعِ عُمُومِ الْفِتْنَةِ الْعَمْيَاءِ بَيْنَ الرِّجَالِ (قَالَ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ فَأَيْنَ يَذْهَبُ وَكَيْفَ يَفْعَلُ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فَلْيَعْمِدْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ

стр. 3801

فَلْيَقْصِدْ (إِلَى سَيْفِهِ) أَيْ إِنْ كَانَ لَهُ (فَلْيَضْرِبْ بِحَدِّهِ) أَيْ جَانِبِ سَيْفِهِ الْحَادِّ (عَلَى حَرَّةٍ) فِي الْمِصْبَاحِ الْحَرَّةُ بِالْفَتْحِ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ انْتَهَى وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ الْقِتَالِ وَالْمَعْنَى فَلْيَكْسِرْ سِلَاحَهُ كَيْلَا يَذْهَبَ بِهِ إِلَى الْحَرْبِ لِأَنَّ تِلْكَ الْحُرُوبَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُهَا (ثُمَّ لِيَنْجُ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ أَيْ لِيَفِرَّ وَيُسْرِعْ هَرَبًا حَتَّى لَا تُصِيبَهُ الْفِتَنُ (النَّجَاءُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمَدِّ أَيِ الْإِسْرَاعُ قاله القارىء وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ النَّجَاءُ الْخَلَاصُ أَيْ لِيَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْفِتْنَةِ انْتَهَى وَفِي النِّهَايَةِ وَالنَّجَاءُ السُّرْعَةُ يُقَالُ نَجَا يَنْجُو نَجَاءً إِذَا أَسْرَعَ وَنَجَا مِنَ الْأَمْرِ إِذَا خَلَصَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ وَأَبُو بَكْرَةَ اسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ كُنِّيَ بِأَبِي بَكْرَةَ لِأَنَّهُ تَدَلَّى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ بِبِكْرَةٍ وَقِيلَ فِي اسْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ [٤٢٥٧] (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) الْمَذْكُورِ آنِفًا (قَالَ) سَعْدٌ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (كَابْنِ آدَمَ) الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ هَابِيلَ المقتول المظلوم هو بن آدَمَ لَا قَابِيلَ الْقَاتِلَ الظَّالِمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ وَلَدِ نُوحٍ ﵊ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غير صالح كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَابْنَيْ آدَمَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ أَيْ فَلْتَسْتَسْلِمْ حَتَّى تَكُونَ قَتِيلًا كَهَابِيلَ وَلَا تَكُنْ قَاتِلًا كَقَابِيلَ (وَتَلَا) أَيْ قَرَأَ (يَزِيدُ) بن خَالِدٍ الْمَذْكُورُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٤٢٥٨] (أَخْبَرَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ رَاءٍ (عَنْ أَبِيهِ وَابِصَةَ) لَهُ صُحْبَةٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ وَصَادٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ

стр. 3802

(قَتْلَاهَا) جَمْعُ قَتِيلٍ وَالضَّمِيرُ لِلْفِتْنَةِ (كُلُّهُمْ فِي النَّارِ) قَالَ الْقَاضِي ﵀ الْمُرَادُ بِقَتْلَاهَا مَنْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا بِتِلْكَ الْمُقَاتَلَةِ وَالْخُرُوجِ إِلَيْهَا إِعْلَاءَ دِينٍ أَوْ دَفْعَ ظَالِمٍ أَوْ إِعَانَةَ مُحِقٍّ وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّبَاغِيَ وَالتَّشَاجُرَ طَمَعًا فِي الْمَالِ وَالْمُلْكِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (أَيَّامُ الْهَرْجِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ الْفِتْنَةُ (وَتَكُونُ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكِ) أَحْلَاسُ الْبُيُوتِ مَا يُبْسَطُ تَحْتَ حُرِّ الثِّيَابِ فَلَا تَزَالُ مُلْقَاةً تَحْتَهَا وَقِيلَ الْحِلْسُ هُوَ الْكِسَاءُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتَبِ وَالْبَرْذَعَةِ شَبَّهَهَا بِهِ لِلُزُومِهَا وَدَوَامِهَا وَالْمَعْنَى الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَالْتَزِمُوا سُكُوتَكُمْ كَيْلَا تَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي بِهَا دِينُكُمْ يَفُوتُكُمْ (فَلَمَّا قُتِلَ) قَائِلُهُ هُوَ وَابِصَةُ (طَارَ قَلْبِي مَطَارَهُ) أَيْ مَالَ إِلَى جِهَةٍ يَهْوَاهَا وَتَعَلَّقَ بِهَا وَالْمَطَارُ مَوْضِعُ الطَّيَرَانِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (خُرَيْمٌ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ غَزْوَانَ وَهُوَ شِبْهُ مَجْهُولٍ وَفِيهِ أَيْضًا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ أَبُو الصَّلْتِ الْجَرَشِيُّ قال بن الْمُبَارَكِ ثِقَةٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ الرازي لا بأس به وقال بن حبان كان رجلا صالحا وكان ممن يخطىء كَثِيرًا حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَدِّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عند الاعتبار وقال بن عَدِيٍّ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ مَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ [٤٢٥٩] (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) أَيْ قُدَّامَهَا مِنْ أَشْرَاطِهَا (فِتَنًا) أَيْ فِتَنًا عِظَامًا وَمِحَنًا جِسَامًا (كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ كُلُّ فِتْنَةٍ كَقِطْعَةٍ مِنِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فِي شِدَّتِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ أَمْرِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْتِبَاسَهَا وَفَظَاعَتَهَا وَشُيُوعَهَا وَاسْتِمْرَارَهَا (فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الْفِتَنِ وَيُصْبِحُ كَافِرًا الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ تَقَلُّبُ النَّاسِ فِيهَا وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ لَا بِخُصُوصِ الزَّمَانَيْنِ فَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَرَدُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَتَذَبْذُبِ أَقْوَالِهِمْ وَتَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ مِنْ

стр. 3803

عَهْدٍ وَنَقْضٍ وَأَمَانَةٍ وَخِيَانَةٍ وَمَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ وَسُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْمَاشِي فِيهِ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) أَيْ كُلَّمَا بَعُدَ الشَّخْصُ عَنْهَا وَعَنْ أَهْلِهَا خَيْرٌ له من قربها واختلاط أهلها لما سيؤل أَمْرُهَا إِلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِهَا فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ (فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ) بِكِسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ الْقَوْسِ وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْكَسْرِ إِلَى التَّكْسِيرِ مُبَالَغَةٌ لِأَنَّ بَابَ التَّفْعِيلِ لِلتَّكْثِيرِ (وَقَطِّعُوا) مِنَ التقطيع (أو تاركم) جمع وتر بفتحتين قال القارىء فِيهِ زِيَادَةٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ إِذْ لَا مَنْفَعَةَ لِوُجُودِ الْأَوْتَارِ مَعَ كَسْرِ الْقِسِيِّ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْغَيْرُ (وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ) أَيْ حَتَّى تَنْكَسِرَ أَوْ حَتَّى تَذْهَبَ حِدَّتُهَا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْأَرْمَاحُ وَسَائِرُ السِّلَاحِ (فَإِنْ دُخِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَنَائِبِ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ (عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ (فَلْيَكُنْ) أي ذلك لأحد (كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ) أَيْ فَلْيَسْتَسْلِمْ حَتَّى يَكُونَ قَتِيلًا كَهَابِيلَ وَلَا يَكُونَ قَاتِلًا كَقَابِيلَ قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ هَذَا تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ [٤٢٦٠] (عَنْ رَقَبَةَ) بِقَافٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (على رأس منصوب) لعله رأس بن الزبير ﵀ (فقال) أي بن عمر (فليقل هكذا) أي فليقل هَكَذَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعْنِي فَلْيَمُدَّ عُنُقَهُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ هَكَذَا مَنْ مَشَى إِلَى رَجُلٍ لِقَتْلِهِ فَلْيَمُدَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عُنُقَهُ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ لِأَنَّ الْقَاتِلَ فِي النَّارِ وَالْمَقْتُولَ فِي الْجَنَّةِ فَمَدُّ الْعُنُقِ إِلَيْهِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِلَخْ) غَرَضُ الْمُصَنِّفِ ﵀ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرٍ أَوْ سُمَيْرَةَ) أَيْ رَوَى

стр. 3804

بِالشَّكِّ بَيْنَ سُمَيْرٍ مُصَغَّرًا وَبَيْنَ سُمَيْرَةَ مُصَغَّرًا مَعَ التَّاءِ (وَرَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرَةَ) أَيْ رَوَى لَيْثٌ بِلَفْظِ سُمَيْرَةَ مُصَغَّرًا مَعَ التَّاءِ وَلَمْ يَشُكَّ كَمَا شَكَّ الثَّوْرِيُّ (وَقَالَ هو في كتابي بن سَبَرَةَ إِلَخْ) يَعْنِي قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ إِنَّ اسْمَ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي كِتَابِي سَبَرَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَمُرَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سُمَيْرَةُ بِالتَّصْغِيرِ مَعَ التَّاءِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي اسْمِ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرٍ أَوْ سُمَيْرَةَ وَسَبَرَةَ وَسَمُرَةَ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا وَذَكَرَ الْخِلَافُ فِي اسْمِ أَبِيهِ وَقَالَ حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى الْمُسْنَدِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ رَقَبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْهُ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُمَيْرٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ [٤٢٦١] (عَنِ الْمُشَعَّثِ) بِتَشْدِيدٍ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ وَيُقَالُ مُنْبَعِثٌ بِسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) أَوْرَدَ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كُنْتُ رَدِيفًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ جُوعٌ تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلَا تَبْلُغْ مَسْجِدَكَ حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ تَعَفَّفْ يَا أَبَا ذَرٍّ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتَ الْعَبْدِ حَتَّى أَنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ قَالَ قلت الله ورسوله أعلم ورسوله قَالَ تَصْبِرْ يَا أَبَا ذَرٍّ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ قَالَ قُلْتُ وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ قَالَ شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًا قُلْتُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ وَالْعَلَّامَةُ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ مَيْرَكُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ انْتَهَى

стр. 3805

قُلْتُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ بِاللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ وَعَزَاهُ مُخَرِّجُوهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ فِي النُّسَخِ الَّتِي بِأَيْدِينَا مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ فَلَعَلَّهُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ) أَيْ بِسَبَبِ الْقَحْطِ أَوْ وَبَاءٌ مِنْ عُفُونَةِ هَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهَا (يَكُونُ البيت فيه بالوصيف) قال الخطابي البيت ها هنا الْقَبْرُ وَالْوَصِيفُ الْخَادِمُ يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ عَنْ دَفْنِ مَوْتَاهُمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ فِيهِمْ من يحفر قبر الميت أو دفنه إِلَّا أَنْ يُعْطَى وَصِيفًا أَوْ قِيمَتَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مَوَاضِعُ القبور عَنْهُمْ فَيَبْتَاعُونَ لِمَوْتَاهُمُ الْقُبُورَ كُلُّ قَبْرٍ بِوَصِيفٍ انْتَهَى وَقَدْ تَعَقَّبَ التُّورْبَشْتِيُّ ﵀ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَوْتَ وَإِنِ اسْتَمَرَّ بِالْأَحْيَاءِ وَفَشَا فِيهِمْ كُلَّ الْفَشْوِ لَمْ يَنْتَهِ بِهِمْ إِلَى ذَلِكَ وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْأَمْكِنَةَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ الْقُبُورِ الْجَبَّانَةُ الْمَعْهُودَةُ وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَجَاوَزُونَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قُلْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ وَالْمِشْكَاةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتَ الْعَبْدُ حَتَّى إِنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الثَّانِي وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْبُيُوتَ تَصِيرُ رَخِيصَةً لِكَثْرَةِ الْمَوْتِ وَقِلَّةِ مَنْ يَسْكُنُهَا فَيُبَاعُ بَيْتٌ بِعَبْدٍ مَعَ أن قيمة البيت تكون أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْغَالِبِ الْمُتَعَارَفِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي كُلِّ بَيْتٍ كَانَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا عَبْدٌ يَقُومُ بِمَصَالِحِ ضَعَفَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُمَا لَفْظُ الْمُؤَلِّفِ أَبِي دَاوُدَ وَأَمَّا لَفْظُ الْمَصَابِيحِ وَالْمِشْكَاةِ الْمَذْكُورُ فَكَلَّا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ (يَعْنِي الْقَبْرَ) تَفْسِيرٌ لِلْبَيْتِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أَيْ بِحَالِي وَحَالِ غَيْرِي فِي تِلْكَ الْحَالِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ (أَوْ قَالَ) لِلشَّكِّ (مَا خَارَ اللَّهُ) أَيِ اخْتَارَ (تَصَبَّرْ) قال القارىء بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ وَفَى نُسْخَةٍ تَصْبِرُ مُضَارِعُ صَبَرَ عَلَى أَنَّهُ خبر بمعنى الْأَمْرِ (أَحْجَارُ الزَّيْتِ) قِيلَ هِيَ مَحَلَّةٌ بِالْمَدِينَةِ وَقِيلَ مَوْضِعٌ بِهَا قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ هِيَ مِنَ الحرة التي

стр. 3806

كَانَتْ بِهَا الْوَقْعَةُ زَمَنَ يَزِيدَ وَالْأَمِيرُ عَلَى تِلْكَ الْجُيُوشِ الْعَاتِيَةِ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمُرِّيُّ الْمُسْتَبِيحُ بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ نُزُولُهُ بِعَسْكَرِهِ فِي الْحَرَّةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَبَاحَ حُرْمَتَهَا وَقَتَلَ رِجَالَهَا وَعَاثَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقِيلَ خَمْسَةً فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (غَرِقَتْ بِالدَّمِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَرِقَتْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ لَزِمَتْ وَالْعُرُوقُ اللُّزُومُ (عَلَيْكَ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ) أَيِ الْزَمْ أَهْلَكَ وَعَشِيرَتَكَ الَّذِينَ أَنْتَ مِنْهُمْ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ الْإِمَامُ أَيِ الْزَمْ إِمَامَكَ وَمَنْ بَايَعْتَهُ (شَارَكْتَ الْقَوْمَ) أَيْ فِي الْأَثِمِ (إِذًا) بِالتَّنْوِينِ أَيْ إِذَا أَخَذْتَ السَّيْفَ وَوَضَعْتَهُ عَلَى عاتقك قال بن الْمَلَكِ ﵀ قَوْلُهُ شَارَكْتَ لِتَأْكِيدِ الزَّجْرِ عَنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَإِلَّا فَالدَّفْعُ وَاجِبٌ قَالَ القارىء وَالصَّوَابُ أَنَّ الدَّفْعَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ الْخَصْمُ مُسْلِمًا إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فَسَادٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ كَافِرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ (أَنْ يَبْهَرَكَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ يَغْلِبَكَ (شُعَاعُ السَّيْفِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ بَرِيقِهِ وَلَمَعَانِهِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِعْمَالِ السَّيْفِ (فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكِ) أَيْ لِئَلَّا تَرَى وَلَا تَفْزَعَ وَلَا تَجْزَعَ وَالْمَعْنَى لَا تُحَارِبْهُمْ وَإِنْ حَارَبُوكَ بَلِ اسْتَسْلِمْ نَفْسَكَ لِلْقَتْلِ (يَبُوءُ) أَيْ يَرْجِعُ الْقَاتِلُ (بِإِثْمِكَ) أَيْ بِإِثْمِ قَتْلِكَ (وَبِإِثْمِهِ) أَيْ وَبِسَائِرِ إِثْمِهِ (وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعِّثَ) مَفْعُولٌ وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ غَيْرُ حَمَّادٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ [٤٢٦٢] (إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) أَيْ قُدَّامَكُمْ (كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا شَاعَتْ وَلَا يُعْرَفُ سَبُبُهَا وَلَا طَرِيقٌ لِلْخَلَاصِ مِنْهَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ قِطَعُ اللَّيْلِ طَائِفَةٌ مِنْهُ وَقِطْعَةٌ وَجَمْعُ الْقِطْعَةِ قِطَعٌ أَرَادَ فِتْنَةً مُظْلِمَةً سَوْدَاءَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا انْتَهَى (يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا إِلَخْ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ

стр. 3807

مُؤْمِنًا لِتَحْرِيمِهِ دَمَ أَخِيهِ وَعِرْضَهُ وَمَالَهُ كَافِرًا لِتَحْلِيلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَالْمَاشِي فِيهِ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) السَّعْيُ دويدن وشتاب كردن وكسب وكار كردن وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّبَاعُدَ عَنْهَا خَيْرٌ فِي أَيِّ مَرْتَبَةٍ كَانَتْ فَالْقَاعِدُ أَبْعَدُ ثُمَّ الْوَاقِفُ فِي مَكَانِهِ ثُمَّ الْمَاشِي مِنَ السَّاعِي وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا (كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ) جَمْعُ حِلْسٍ وَهُوَ الْكِسَاءُ الَّذِي يَلِي ظَهْرَ الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتَبِ أَيِ الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ فِيمَنْ نَعْرِفُهُ بِكُنْيَتِهِ وَلَا نَقِفُ عَلَى اسْمِهِ أَبُو كَبْشَةَ سَمِعَ أَبَا مُوسَى رَوَى عَنْهُ عَاصِمٌ كَنَّاهُ لَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَارِمِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي بن إِسْمَاعِيلَ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الْأَشْرَافِ أبو كبشة أظنه البداء بْنَ قَيْسٍ السَّكُونِيَّ عَنْ أَبِي مُوسَى وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَذَكَرَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ بْنُ مَاكُولَا أَبَا كَبْشَةَ الْبَرَاءَ بْنَ قَيْسٍ وَذَكَرَ بَعْدَهُ أَبَا كَبْشَةَ السَّكُونِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ثُمَّ قَالَ وَأَبُو كَبْشَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَوَى عَنْهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّفَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ فِي الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَبُو كَيْسَةَ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ [٤٢٦٣] (إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ) بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ لِلتَّأْكِيدِ فِي خَبَرِ إِنَّ (جُنِّبَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ بَعُدُ وَالتَّكْرَارُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الْفِتَنِ وَآخِرِهَا (وَلَمَنِ ابْتُلِيَ وَصَبَرَ) بِفَتْحِ اللَّامِ عَطْفٌ عَلَى لَمَنْ جُنِّبَ (فَوَاهًا) مَعْنَاهُ التَّلَهُّفُ وَالتَّحَسُّرُ أَيْ وَاهًا لِمَنْ بَاشَرَ الْفِتْنَةَ وَسَعَى فِيهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْإِعْجَابُ وَالِاسْتِطَابَةُ وَلِمَنْ بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ ما

стр. 3808

أَحْسَنَ وَمَا أَطْيَبَ صَبْرُ مَنْ صَبَرَ عَلَيْهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَعْنَى التَّعَجُّبِ لَصَحَّ بِالْفَتْحِ أَيْضًا كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ قِيلَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ التَّلَهُّفُ وَقَدْ تُوضَعُ مَوْضِعَ الْإِعْجَابِ بِالشَّيْءِ يُقَالُ وَاهًا لَهُ وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى التَّوَجُّعِ وَقِيلَ التَّوَجُّعُ يُقَالُ فِيهِ آهًا وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ زَمَانِكُمْ فِيمَا غَيَّرْتُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ إِنْ يَكُنْ خَيْرًا فَوَاهًا وَاهًا وَإِنْ يَكُنْ شَرًّا فَآهًا آهًا وَالْأَلِفُ فِيهَا غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ وَآهًا وَيُتْرَكُ تَنْوِينُهُ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ مِنْ طِيبِ شَيْءٍ وَكَلِمَةُ تَلَهُّفٍ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (بَاب فِي كَفِّ اللِّسَانِ) [٤٢٦٤] (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ اللَّامِ (سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ) وُصِفَتِ الْفِتْنَةُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ بِأَوْصَافِ أَصْحَابِهَا أَيْ لَا يُسْمَعُ فِيهَا الْحَقُّ وَلَا يُنْطَقُ بِهِ وَلَا يَتَّضِحُ الباطل عن الحق كذا في اللمعات وقال القارىء الْمَعْنَى لَا يُمَيِّزُونَ فِيهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَلَا يَسْمَعُونَ النَّصِيحَةَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المنكر بل من تكلم فيها بحق أو ذي وَوَقَعَ فِي الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ (مَنْ أَشْرَفَ لَهَا) أَيْ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا وَقَرُبَ مِنْهَا (اسْتَشْرَفَتْ لَهُ) أَيِ اطَّلَعَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ عَلَيْهِ وَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا (وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ) أَيْ إِطْلَاقُهُ وَإِطَالَتُهُ (كَوُقُوعِ السَّيْفِ) أَيْ فِي التَّأْثِيرِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ وَلَا يُحْتَجُّ بحديثه

стр. 3809

[٤٢٦٥] (تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَسْتَوْعِبُهُمْ هَلَاكًا مِنِ اسْتَنْظَفْتُ الشَّيْءَ أَخَذْتُهُ كُلَّهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَتْلَاهَا) جَمْعُ قَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ (فِي النَّارِ) لِقِتَالِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَاتِّبَاعِهِمُ الشَّيْطَانَ وَالْهَوَى أَيْ سَيَكُونُونَ فِي النَّارِ أَوْ هُمْ حِينَئِذٍ فِي النَّارِ لِأَنَّهُمْ يُبَاشِرُونَ مَا يُوجِبُ دُخُولَهُمْ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جحيم وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ (اللِّسَانُ إِلَخْ) أَيْ وَقْعُهُ وَطَعْنُهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْقَوْلُ وَالتَّكَلُّمُ فِيهَا إِطْلَاقًا لِلْمَحَلِّ وَإِرَادَةَ الْحَالِّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ بالكذب عند أئمة الحور وَنَقْلِ الْأَخْبَارِ إِلَيْهِمْ فَرُبَّمَا يَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ الْغَضَبُ وَالْقَتْلُ وَالْجَلَاءُ وَالْمَفَاسِدُ الْعَظِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْشَأُ مِنْ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ نَفْسِهَا وَقَالَ السَّيِّدُ ﵀ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمِشْكَاةِ أَيِ الطَّعْنُ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَمَدْحُ الْأُخْرَى مِمَّا يثير الفتنة فالكف واجب انتهى قال القارىء نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ يَحْتَمِلُ هَذَا احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَهْلَ تِلْكَ الْحَرْبِ بِسُوءٍ يَكُونُ كَمَنْ حَارَبَهُمْ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَغَيْبَةُ الْمُسْلِمِينَ إِثْمٌ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْفِتْنَةِ الْحَرْبُ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ هَذَيْنِ الصَّدْرَيْنِ وَأَصْحَابِهِمَا يَكُونُ مُبْتَدِعًا لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ مَنْ مَدَّ لِسَانَهُ فِيهِ بِشَتْمٍ أَوْ غَيْبَةٍ يَقْصِدْنَهُ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَيَفْعَلُونَ بِهِ مَا يَفْعَلُونَ بِمَنْ حَارَبَهُمْ قال القارىء فِي الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ وَرَدَ اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ وَلَا غَيْبَةَ لِفَاسِقٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ وَلِذَا اسْتَدْرَكَ كَلَامَهُ بِقَوْلِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ إِلَخْ قَالَ وَحَاصِلُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي أَنَّ الطَّعْنَ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَمَدْحِ الْأُخْرَى حِينَئِذٍ مِمَّا يُثِيرُ الْفِتْنَةَ فَالْوَاجِبُ كَفُّ اللِّسَانِ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ انْتَهَى (رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عن ليث عن طاؤس عَنِ الْأَعْجَمِ) أَيْ قَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْجَمِ مَكَانَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ وَالْأَعْجَمُ لَقَبُهُ [٤٢٦٦] (قَالَ زِيَادٌ سيمين كوش) أَيْ قَالَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ فِي رِوَايَتِهِ زِيَادٌ سَيَمِينُ كوش مَكَانَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ وسيمين كوش لَفْظٌ فَارِسِيٌّ مَعْنَاهُ أَبْيَضُ الْأُذُنِ

стр. 3810

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ الْأَعْجَمُ يَعْنِي زِيَادًا وَحَكَى أَيْضًا زِيَادُ بْنُ سيمين كوش وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ لَا نَعْرِفُ لِزِيَادِ بْنِ سيمين كوش غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ لَيْثٍ فَرَفَعَهُ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ لَيْثٍ فَوَقَفَهُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ رَوَاهُ عَنْ لَيْثٍ وَرَفَعَهُ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَوْلُهُ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْأَوَّلِ وَهَكَذَا قَالَ فِيهِ زِيَادُ بْنُ سيمين كوش وَقَالَ غَيْرُهُ زِيَادُ سيمين كوش وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ وَلَكِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ حَتَّى كَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَفِيهِ مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ قِيلَ هُوَ مِنَ الْإِشْرَافِ يُقَالُ تَشَرَّفْتُ الشَّيْءَ وَاسْتَشْرَفْتُهُ أَيْ عَلَوْتُهُ يُرِيدُ مَنِ انْتَصَبَ لَهَا انْتَصَبَتْ لَهُ وَصَرَعَتْهُ وَقَالَ الْهَرَوِيُّ أَشْرَفْتُهُ أَيْ عَلَوْتُهُ وَاسْتَشْرَفْتُ عَلَى الشَّيْءِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَالتَّغْرِيرِ وَالْإِشْفَاءِ عَلَى الْهَلَاكِ أَيْ مَنْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ فِيهَا أَهْلَكَتْهُ يُقَالُ أَشْرَفَ الْمَرِيضُ إِذَا أَشْفَى عَلَى الْمَوْتِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (باب الرخصة في التبدي فِي الْفِتْنَةِ) [٤٢٦٧] التَّبَدِّي تَفَعُّلٌ مِنَ الْبَدَاوَةِ أَيِ الْخُرُوجُ إِلَى الْبَادِيَةِ (يُوشِكُ) أَيْ يَقْرَبُ (يَتَّبِعُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ (بِهَا) أَيْ مَعَ الْغَنَمِ أَوْ بِسَبَبِهَا (شَعَفَ الْجِبَالِ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْعَيْنِ أَيْ رؤس الْجِبَالِ وَأَعَالِيهَا وَاحِدُهَا شَعَفَةٌ (وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ مَوَاضِعَ الْمَطَرِ وَآثَارَهُ مِنَ النَّبَاتِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ يُرِيدُ بِهَا الْمَرْعَى مِنَ الصَّحْرَاءِ وَالْجِبَالِ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أَيْ بِسَبَبِ حِفْظِهِ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يَتَّبِعُ أَوِ الْمُسْلِمُ إِذَا جَوَّزْنَا الْحَالَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ وَهُوَ شِدَّةُ الْمُلَابَسَةِ وَكَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ وَاتِّخَاذُ الْخَيْرِ بِالْمَالِ وَاضِحٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافِيَّةً وَهُوَ وَاضِحٌ انْتَهَى

стр. 3811

وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ خَافَ عَلَى دِينِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري والنسائي وبن ماجه (باب النَّهْيِ عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ) [٤٢٦٨] (يَعْنِي فِي الْقِتَالِ) أَيْ فِي الْحَرْبِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا وَفِي بَعضِ النُّسَخِ فِي قِتَالِ الْجَمَلِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرْبُ الْمَذْكُورَةُ سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْجَمَلِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي قِتَالٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا الرَّجُلُ لَأَنْصُرُهُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَيْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَ الْآخَرِ أَيْ ذَاتَهُ (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) أَيْ يَسْتَحِقَّانِهِ وَقَدْ يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُمَا أَوْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ (هَذَا الْقَاتِلُ) أَيْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ (فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ) أَيْ فَمَا ذَنْبُهُ حَتَّى يَدْخُلَهَا (إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْفِعْلُ وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا فِعْلًا وَهُوَ الْمُوَاجَهَةُ بِالسِّلَاحِ وَوُقُوعُ الْقِتَالِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي النَّارِ أَنْ يَكُونَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْقَاتِلُ يُعَذَّبُ عَلَى القتال والقاتل وَالْمَقْتُولُ يُعَذَّبُ عَلَى الْقِتَالِ فَقَطْ فَلَمْ يَقَعِ التَّعْذِيبُ عَلَى الْعَزْمِ الْمُجَرَّدِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [٤٢٦٩] (عَنِ الْحَسَنِ) هُوَ البصري

стр. 3812

٦ - (بَاب فِي تَعْظِيمِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ) [٤٢٧٠] (فِي غَزْوَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَيُقَالُ قسطنطينية بِإِسْقَاطِ يَاءِ النِّسْبَةِ وَقَدْ يُضَمُّ الطَّاءُ الْأُولَى مِنْهُمَا كَانَ اسْمُهَا بِزَنْطِيَةَ فَنَزَلَهَا قُسْطَنْطِينُ الْأَكْبَرُ وَبَنَى عَلَيْهَا سُورًا ارْتِفَاعُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَسَمَّاهَا بِاسْمِهِ وَصَارَتْ دَارَ مَلَكِ الرُّومِ إِلَى الْآنَ وَاسْمُهَا إِسْطَنْبُولُ أَيْضًا كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ (بِذُلُقْيَةَ) بِضَمِّ الذَّالِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ اسْمُ مَدِينةٍ بِالرُّومِ كَذَا فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ وَالْمَجْمَعِ (فِلَسْطِينَ) بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْفَتْحِ وَسُكُونِ السِّينِ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ نُونٌ آخرُ كُوَرِ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ مِصْرَ قَصَبَتُهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَمِنْ مَشْهُورِ مُدُنِهَا عَسْقَلَانُ وَالرَّمْلَةُ وَالْغَزَّةُ ونابلس وعمان ويافة كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ مُخْتَصَرًا (ذَلِكَ) أَيِ الشَّرَفَ وَالْعُلُوَّ (لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ الْمَذْكُورِ (وَكَانَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا (لَهُ) أَيْ لهانىء (حَقَّهُ) أَيْ فَضْلَهُ وَقَدْرَهُ (عَسَى اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَهُ) أَيْ تُرْجَى مَغْفِرَتَهُ (إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا) أَيْ إِلَّا ذَنْبَ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا (أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) قَالَ الْعَزِيزِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّ الْقَتْلَ أَوْ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ إِذَا مَا عُدَّ الشِّرْكُ مِنَ الْكَبَائِرِ يَجُوزُ أَنْ يُغْفَرَ وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ بِلَا تَوْبَةٍ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمَنْ يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) وهذا هو مذهب بن عَبَّاسٍ لَكِنْ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ حملوا ما ورد من ذلك على التغليظ وَصَحَّحُوا تَوْبَةَ الْقَاتِلِ كَغَيْرِهِ وَقَالُوا مَعْنَى قَوْلِهِ (فجزؤاه جَهَنَّمُ) أَيْ إِنْ شَاءَ أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يشاء وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ

стр. 3813

الْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ أَتَى تَمَامَ الْمِائَةِ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ لَا تَوْبَةَ لَكَ فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ جَاءَ آخَرَ فَقَالَ لَهُ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ الْحَدِيثَ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَمِثْلُهُ لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ فَاعْتَبَطَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ فَاغْتَبَطَ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْعَزِيزِيُّ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ قَتَلَهُ ظُلْمًا لَا عَنْ قِصَاصٍ وَقِيلَ بِمُعْجَمَةٍ مِنَ الْغِبْطَةِ الْفَرَحِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَفْرَحُ بِقَتْلِ عَدُوِّهُ انْتَهَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا لَا عَنْ قِصَاصٍ يُقَالُ عُبِطَتِ النَّاقَةُ وَاعْتَبَطْتُهَا إِذَا نَحَرْتُهَا مِنْ غَيْرِ دَاءٍ وَلَا آفَةٍ يَكُونُ بِهَا وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ثُمَّ جَاءَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى عَنْ قَوْلِهِ اعْتَبَطَ بِقَتْلِهِ قَالَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي الْفِتْنَةِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمْ فَيَرَى أَنَّهُ عَلَى هُدًى فَلَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قَالَ وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْغِبْطَةِ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَحُسْنُ الْحَالِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَفْرَحُ بِقَتْلِ خَصْمَهُ فَإِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُؤْمِنًا وَفَرِحَ بِقَتْلِهِ دَخَلَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ قَالَ وَشَرَحَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ خَالِدٍ وَلَا تَفْسِيرَ يَحْيَى (صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ أَيْ نَافِلَةً وَلَا فَرِيضَةً وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (مُعَنِّقًا) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِعْنَاقِ أَيْ خَفِيفَ الظَّهْرِ سَرِيعَ السَّيْرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ خَفِيفَ الظَّهْرِ يُعْنِقُ مَشْيَهُ أَيْ يَسِيرُ سَيْرَ الْعَنَقِ وَالْعَنَقُ ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ وَسِيعٌ يُقَالُ أَعْنَقَ الرَّجُلُ فِي سَيْرِهِ فَهُوَ مُعْنِقٌ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ مُسْرِعًا فِي طَاعَتِهِ مُنْبَسِطًا فِي عَمَلِهِ وَقِيلَ أَرَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ انْتَهَى (بَلَّحَ) بِمُوَحَّدَةٍ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أي أعيى وَانْقَطَعَ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ بَلَّحَ الرَّجُلُ إِذَا انْقَطَعَ مِنَ الْإِعْيَاءِ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَقَدْ أَبْلَحَهُ السَّيْرُ فَانْقَطَعَ بِهِ يُرِيدُ وُقُوعَهُ فِي الْهَلَاكِ بِإِصَابَةِ الدَّمِ الْحَرَامِ وَقَدْ يُخَفَّفُ اللَّامُ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ [٤٢٧١] (عَنْ قَوْلِهِ اعْتَبَطَ بِقَتْلِهِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (قَالَ) أَيْ

стр. 3814

يَحْيَى فِي تَفْسِيرِ اغْتَبَطَ بِقَتْلِهِ (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ إِلَخْ) هَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْغِبْطَةِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ الصُّغْرَى وَاسْمُهَا عُجَيْمَةُ وَيُقَالُ جُهَيْمَةُ وَيُقَالُ حِمَّانَةُ بِنْتُ حُيَيٍّ الْوِصَابِيَّةُ قَبِيلَةٌ مِنْ حِمْيَرَ شَامِيَّةٌ وَلَيْسَتْ لَهَا صُحْبَةٌ فَأَمَّا أُمُّ الدَّرْدَاءِ الْكُبْرَى فَاسْمُهَا خِيرَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَهَا صُحْبَةٌ وَكَانَتْ مِنْ فُضَلَاءِ النِّسَاءِ مَعَ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ [٤٢٧٢] (أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْآيَةَ (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) نَاسِخٌ لِلْآيَةِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ وَهِيَ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالحا فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما لِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِعَبَّادٍ الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمْ وَيُقَالُ ثَقَفِيٌّ مَدَنِيٌّ نَزَلَ بِالْبَصْرَةِ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَى عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً [٤٢٧٣] (فَهَذِهِ لأولئك إلخ) مقصود بن عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْآيَةَ الَّتِي فِي النِّسَاءِ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ عَلِمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَتَحْرِيمَ

стр. 3815

الْقَتْلِ فَجَعَلَ ﵁ مَحَلَّ الْآيَتَيْنِ مختلفا وفي رواية للبخاري فقال أي بن عَبَّاسٍ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ أَرَاهُ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَمِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يظهران محل الآيتين عند بن عَبَّاسٍ وَاحِدٌ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِنَّ بن عَبَّاسٍ كَانَ تَارَةً يَجْعَلُ الْآيَتَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلِذَلِكَ يَجْزِمُ بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا وَتَارَةً يَجْعَلُ مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِأَنَّ عُمُومَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ خُصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةُ الْمُؤْمِنِ الْقَتْلَ مُتَعَمِّدًا وَكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يُطْلِقُونَ النَّسْخَ عَلَى التَّخْصِيصِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى التَّنَاقُضِ وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ انْتَهَى (فَلَا تَوْبَةَ لَهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عن بن عَبَّاسٍ ﵄ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ تَوْبَةً وَجَوَازُ الْمَغْفِرَةِ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْقَتْلِ وَلَيْسَ فِي هذه الآية التي احتج بها بن عَبَّاسٍ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَخْلُدُ وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ جَزَاؤَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُجَازَى انْتَهَى (فَقَالَ إِلَّا مَنْ نَدِمَ) أَيْ فَإِنَّ لَهُ تَوْبَةً قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ [٤٢٧٥] (مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ) بَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى ظَاهِرِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ ﵁ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ [٤٢٧٦] (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وبعد اللام المفتوحة زاي قاله المنذري

стр. 3816

(قَالَ هِيَ جَزَاؤُهُ إِلَخْ) إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذهب جمهور السلف والخلف غير بن عَبَّاسٍ ﵁ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (بَاب مَا يُرْجَى فِي الْقَتْلِ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيْ بَابُ الَّذِي يُرْجَى فِي الْقَتْلِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ [٤٢٧٧] (فَقُلْنَا أَوْ قَالُوا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (هَذِهِ) أَيْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ (لَتُهْلِكُنَا مِنَ الْإِهْلَاكِ) أَيْ تُهْلِكُ تِلْكَ الْفِتْنَةُ دُنْيَانَا وَعَاقِبَتَنَا (إِنَّ بِحَسْبِكُمُ الْقَتْلُ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ هَذَا بِزِيَادَةِ الْبَاءِ فِي الْمُبْتَدَأِ عِنْدَ النُّحَاةِ قَالُوا لَا يُحْفَظُ زِيَادَةُ الْبَاءِ فِي الْمُبْتَدَأِ إِلَّا فِي بِحَسْبِكَ زَيْدٌ أَيْ حَسْبُكَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ بِحَسْبِكَ أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَاتِ قَالَ بن يَعِيشَ وَمَعْنَاهُ حَسْبُكَ فِعْلُ الْخَيْرِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ فِي الِابْتِدَاءِ قَالَ وَلَا يُعْلَمُ مُبْتَدَأٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرِّ فِي الْإِيجَابِ غَيْرَ هَذَا الْحَرْفِ انْتَهَى وَعَلَى هَذَا ها هنا هُوَ اسْمُ إِنَّ وَالْقَتْلُ مَرْفُوعٌ خَبَرُهَا انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ لَوْ أَدْرَكَتْكُمْ لَيَكْفِيكُمْ فِيهَا الْقَتْلُ أَيْ كونكم مقتولين والضرر الذي يحصلكم مِنْهَا لَيْسَ إِلَّا الْقَتْلَ وَأَمَّا هَلَاكُ عَاقِبَتِكُمْ فَكَلَّا بَلْ يَرْحَمُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ هُنَاكَ وَيَغْفِرُ لَكُمْ هَذَا ظَهَرَ لِي فِي مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قُتِلُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٤٢٧٨] (أُمَّتِي هَذِهِ) أَيِ الْمَوْجُودُونَ الْآنَ وَهُمْ قَرْنُهُ أَوْ أَعَمُّ (أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ) أَيْ مَخْصُوصَةٌ بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ أَوْ بِتَخْفِيفِ الْإِصْرِ وَالْأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهَا مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ

стр. 3817

فِي التَّوْبَةِ وَإِخْرَاجِ رُبْعِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ وَقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ (لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخرة) أي من عذب منهم لا تعذب مِثْلَ عَذَابِ الْكُفَّارِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا عَذَابَ عَلَيْهَا فِي عُمُومِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لَا يَمَسُّهَا النَّارُ فَتَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ إِنَّ الْغَالِبَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الْمَغْفِرَةِ وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ بَلْ غَالِبُ عَذَابِهُمْ أَنَّهُمْ مَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالْمِحَنِ وَالْأَمْرَاضِ وَأَنْوَاعِ الْبَلَايَا كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَنْ يَعْمَلْ سوءا يجز به) انْتَهَى (عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ) أَيِ الْحُرُوبُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَهُمْ (وَالزَّلَازِلُ) أَيِ الشَّدَائِدُ وَالْأَهْوَالُ (وَالْقَتْلُ) أَيْ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَخَفُّ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّ شَأْنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ جَارٍ عَلَى مِنْهَاجِ الْعَدْلِ وَأَسَاسِ الرُّبُوبِيَّةِ وَشَأْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَاشٍ عَلَى مَنْهَجِ الفضل وجود الإلهية قال القارىء وَقِيلَ الْحَدِيثُ خَاصٌّ بِجَمَاعَةٍ لَمْ تَأْتِ كَبِيرَةً وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ الْأُمَّةِ وَهُمُ الْمُشَاهَدُونَ مِنِ الصَّحَابَةِ أَوِ الْمَشِيئَةِ مُقَدَّرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء وَقَالَ الْمُظْهِرُ هَذَا حَدِيثٌ مُشْكِلٌ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنْ لَا يُعَذَّبَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ ﷺ سَوَاءً فِيهِ مَنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ وَغَيْرُهُ فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَعْذِيبِ مُرْتَكِبِ الكبيرة اللهم إلا أن يأول بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ هُنَا مَنِ اقْتَدَى بِهِ ﷺ كَمَا يَنْبَغِي وَيَمْتَثِلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَاهُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي مَدْحِ أُمَّتِهِ ﷺ وَاخْتِصَاصِهِمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ إِنْ أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ فِي الدُّنْيَا حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ذَنْبًا مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِسَائِرِ الْأُمَمِ وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ هَذِهِ وَتَعْقِيبُهَا بِقَوْلِهِ مَرْحُومَةٌ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ تَمْيِيزِهِمْ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ وَالذَّهَابُ إِلَى الْمَفْهُومِ مَهْجُورٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فسأكتبها للذين يتقون إِلَى قَوْلِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ انتهى قال القارىء وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ أَنَّ رَحْمَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ إِمَّا بِالشَّفَاعَةِ وَإِمَّا بِعَفْوِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ وَهَذَا مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ الْمَأْخُوذُ مِنَ أَلْفَاظِهِ وَمَبْنَاهُ وَلَيْسَ بِمَفْهُومِهِ الْمُتَعَارَفِ الْمُخْتَلَفِ فِي اعْتِبَارِهِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ مَهْجُورٌ بَلِ الْمُرَادُ بِمَفْهُومِهِ فِي كَلَامِ الْمُظْهِرِ الْمَعْلُومِ فِي الْعِبَارَةِ ثُمَّ قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ وَهِيَ كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ بِالْبَلِيَّةِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ

стр. 3818

يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ وَلَا عِبْرَةٍ بِمَا فيهم مِنَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ إِلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِكَوْنِ وُقُوعِ عَذَابِهَا بِهَا غَالِبًا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْمَسْعُودِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الله مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْكُوفِيُّ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ تَغَيَّرَ فِي آخر عمره في حديثه اضطراب وقال بن حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ اخْتَلَطَ حَدِيثُهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ وَفِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ الْمَسْعُودِيُّ مَشْهُورٌ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِالْكُوفَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى بَغْدَادَ فَسَمَاعُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى والله أعلم

стр. 3819

٣٥ - كِتَاب الْمَهْدِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْكَافَّةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ ظُهُورِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يُؤَيِّدُ الدِّينَ وَيُظْهِرُ الْعَدْلَ وَيَتَّبِعُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَسْتَوْلِي عَلَى الْمَمَالِكِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَيُسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ وَيَكُونُ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ عَلَى أَثَرِهِ وَأَنَّ عِيسَى ﵇ يَنْزِلُ مِنْ بَعْدِهِ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ أَوْ يَنْزِلُ مَعَهُ فَيُسَاعِدُهُ عَلَى قَتْلِهِ وَيَأْتَمُّ بِالْمَهْدِيِّ فِي صَلَاتِهِ وَخَرَّجُوا أَحَادِيثَ الْمَهْدِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَبُو داود والترمذي وبن مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ وَأَسْنَدُوهَا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ عَلِيٍّ وبن عباس وبن عُمَرَ وَطَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَثَوْبَانَ وَقُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ وَعَلِيٍّ الْهِلَالِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ ﵁ وَإِسْنَادُ أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ بَيْنَ صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ وَقَدْ بَالَغَ الْإِمَامُ الْمُؤَرِّخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونَ الْمَغْرِبِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَضْعِيفِ أَحَادِيثَ الْمَهْدِيِّ كُلِّهَا فَلَمْ يُصِبْ بَلْ أَخْطَأَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ مَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ حَدِيث الخلافة بعد وثلاثون سَنَة وَحَدِيث اِثْنَا عَشَر خَلِيفَة ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ فَكَيْف الْجَمْع قِيلَ لَا تَعَارُض بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فَإِنَّ الْخِلَافَة الْمُقَدَّرَة بِثَلَاثِينَ سَنَة هي خلافة النبوة كما في حَدِيث أَبِي بَكْرَة وَوَزْن النَّبِيّ ﷺ بِأَبِي بَكْر وَرُجْحَانه وَسَيَأْتِي وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ خِلَافَة نُبُوَّة ثُمَّ يُؤْتِي اللَّه الْمُلْك مَنْ يَشَاء

стр. 3820

وَمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ مَنْ كَذَّبَ بِالْمَهْدِيِّ فَقَدْ كَفَرَ فَمَوْضُوعٌ وَالْمُتَّهَمُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ الْمُنْكِرُونَ لِشَأْنِ الْمَهْدِيِّ بِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَمَ وَالْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَفِيهِ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [٤٢٧٩] لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا أَيْ مُسْتَقِيمًا سَدِيدًا جَارِيًا عَلَى الصَّوَابِ وَالْحَقِّ (حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً وَلَفْظُ مُسْلِمٍ لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا (كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ) الْمُرَادُ بِاجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ انْقِيَادُهَا لَهُ وَإِطَاعَتُهُ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَدْ مَضَى مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْعَدَدِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَأَمَّا الْخُلَفَاء الِاثْنَا عَشَر فَلَمْ يَقُلْ فِي خِلَافَتهمْ إِنَّمَا خِلَافَة نُبُوَّة وَلَكِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ اِسْم الْخُلَفَاء وَهُوَ مُشْتَرَك وَاخْتَصَّ الْأَئِمَّة الرَّاشِدُونَ مِنْهُمْ بِخَصِيصَةٍ فِي الْخِلَافَة وَهِيَ خِلَافَة النُّبُوَّة وَهِيَ الْمُقَدَّرَة بِثَلَاثِينَ سَنَة خِلَافَة الصِّدِّيق سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَة أَشْهُر وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَخِلَافَة عُمَر بْن الْخَطَّاب عَشْر سِنِينَ وَسِتَّة أَشْهُر وَأَرْبَع لَيَالٍ وَخِلَافَة عُثْمَان اِثْنَتَيْ عَشْر سَنَة إِلَّا اِثْنَيْ عَشَر يَوْمًا وَخِلَافَة عَلِيّ خَمْس سِنِينَ وَثَلَاثَة أَشْهُر إِلَّا أَرْبَعَة عَشَر يَوْمًا وَقُتِلَ عَلِيّ سَنَة أَرْبَعِينَ فَهَذِهِ خِلَافَة النُّبُوَّة ثَلَاثُونَ سَنَة وَأَمَّا الْخُلَفَاء اِثْنَا عَشَر فَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو حَاتِم بْن حِبَّانَ وَغَيْره إِنَّ آخِرهمْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَذَكَرُوا الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ثُمَّ مُعَاوِيَة ثُمَّ يَزِيد اِبْنه ثُمَّ مُعَاوِيَة بْن يَزِيد ثُمَّ مَرْوَان بْن الْحَكَم ثُمَّ عَبْد الْمَلِك اِبْنه ثُمَّ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك ثُمَّ سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك ثُمَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَكَانَتْ وفاته على رأس المائة وهي القرن الفضل الَّذِي هُوَ خَيْر الْقُرُون وَكَانَ الدِّين فِي هَذَا الْقَرْن فِي غَايَة الْعِزَّة ثُمَّ وَقَعَ مَا وَقَعَ وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا أَوْقَع عَلَيْهِمْ اِسْم الْخِلَافَة بِمَعْنَى الْمُلْك فِي غَيْر خِلَافَة النُّبُوَّة قَوْله فِي الْحَدِيث الصَّحِيح مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي خُلَفَاء يَعْمَلُونَ بِمَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَسَيَكُونُ مِنْ بَعْدهمْ خُلَفَاء يَعْمَلُونَ بِمَا لَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ من أنكر بريء وَمَنْ أَمْسَكَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ
следующие страницы →