← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ هُوَ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَى شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْعَارِيَةِ وَالْوَدِيعَةِ فَيَأْخُذَهُ وَيَدَّعِيَ ضَيَاعَهُ أَوْ يُنْكِرَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَةً [٤٣٩١] (لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ) النَّهْبُ هُوَ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الْعَلَانِيَةِ قَهْرًا (قَطْعٌ) وَالنَّهْبُ وَإِنْ كَانَ أَقْبَحَ مِنَ الْأَخْذِ سِرًّا لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ لِعَدَمِ إِطْلَاقِ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ (وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً) بِضَمِّ النُّونِ الْمَالُ الَّذِي يُنْهَبُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَتْحِ وَيُرَادُ بِهَا الْمَصْدَرُ (مَشْهُورَةً) أَيْ ظَاهِرَةً غَيْرَ مَخْفِيَّةٍ صِفَةً كَاشِفَةً (فَلَيْسَ مِنَّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا أَوْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا زَجْرًا [٤٣٩٢] (وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ) أَيِ الْمَذْكُورِ (لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ) الْخِيَانَةُ الْأَخْذُ مِمَّا فِي يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْخَوْنُ أَنْ يُؤْتَمَنَ الْإِنْسَانُ فَلَا يَنْصَحَ خَانَهُ خَوْنًا وَخِيَانَةً وَمَخَانَةً وَاخْتَانَهُ فَهُوَ خَائِنٌ [٤٣٩٣] (بِمِثْلِهِ) أَيْ بِمِثْلِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ) الِاخْتِلَاسُ هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ ظَاهِرٍ بِسُرْعَةٍ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يقطع المنتهب والخائن والمختلس قال بن الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ لَكِنَّ مَذْهَبَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ فِي جَاحِدِ الْعَارِيَةِ أَنَّهُ يُقْطَعُ انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى إِيجَابَ الْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا كَالِاخْتِلَاسِ وَالِانْتِهَابِ وَالْغَصْبِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّرِقَةِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا النَّوْعِ بِالِاسْتِغَاثَةِ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَتَسْهِيلِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِهَا فَيَعْظُمُ أَمْرُهَا وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتُهَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا (هَذَانِ الْحَدِيثَانِ) أَيْ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ وَحَدِيثُ عِيسَى بْنِ يُونُسَ (لم يسمعهما بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إِلَخْ) وَفِي رِوَايَةٍ لابن حبان عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْخَائِنِ

стр. 3957

ورواه بن الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إبراهيم عن بن جُرَيْجٍ وَقَالَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْخَائِنَ غَيْرُ مكي قال الحافظ قد رواه بن حِبَّانَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ أَبَى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَلَا عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ وقال بن أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يسمعه بن جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ وَقَدْ رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَأَسْنَدَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَرَوَاهُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نصر عن بن المبارك عن بن جريج أخبرني أبو الزبير وأعله بن الْقَطَّانِ بِأَنَّهُ مِنْ مُعَنْعَنِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرزاق في مصنفه عن بن جُرَيْجٍ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ أَبِي الزُّبَيْرِ لَهُ مِنْ جَابِرٍ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرحمن بن عوف رواه بن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَآخَرُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فِي ترجمة أحمد بن القاسم ورواه بن الجوزي في العلل من حديث بن عَبَّاسٍ وَضَعَّفَهُ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَقَالَ الشوكاني وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا ولاسيما بعد تصحيح الترمذي وبن حِبَّانَ لِحَدِيثِ الْبَابِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مُعَلَّقًا قَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مُسْنَدًا وَيَاسِينُ الزَّيَّاتُ هُوَ أَبُو خَلَفٍ يَاسِينُ بْنُ مُعَاذٍ الْكُوفِيُّ وَأَصْلُهُ يَمَامِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ السَّرَّاجُ خُرَاسَانِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو سلمة قال بن مَعِينٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ صَدُوقٌ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ وَكَانَ صَدُوقًا مسلما وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مختلس قطع ولفظ بن مَاجَهْ فِي مَوْضِعٍ مَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا وَفِي مَوْضِعٍ لَا يُقْطَعُ الْخَائِنُ وَلَا الْمُنْتَهِبُ وَلَا الْمُخْتَلِسُ

стр. 3958

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ وَقَدْ رَوَى هذا الحديث عن بن جُرَيْجٍ عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى وبن وَهْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ وَلَا أَحْسَبُهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا آخِرُ كلامه وقد صححه الترمذي من حديث بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ اتِّصَالُهُ وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ صَدُوقٌ انْتَهَى كلام المنذري ٤ - (باب فيمن سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي شَرْطِيَّةِ أَنْ يَكُونَ السَّرِقَةُ فِي حِرْزٍ فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اشْتِرَاطِهِ وقال بن بَطَّالٍ الْحِرْزُ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِ السَّرِقَةِ لُغَةً وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ السَّرِقَةُ وَالِاسْتِرَاقُ الْمَجِيءُ مُسْتَتِرًا لِأَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ مِنْ حِرْزٍ [٤٣٩٤] (عَنْ حُمَيْدٍ) هو بن حجير بضم الحاء المهملة في كليهما (بن أخت صفوان) بن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْقُرَشِيِّ الْمَكِّيِّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَحُمَيْدٌ هَذَا لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا سِمَاكٌ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَشِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ صَفْوَانَ وَرَوَاهُ أَشْعَثُ بن سوار عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ صَفْوَانَ ذَكَرَ هَذِهِ الطُّرُقَ النَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ مالك في الموطأ عن بن شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ صَفْوَانَ رَوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ وَلَا أَعْلَمُهُ يَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ انتهى وقال بن القطان في كتابه حديث سماك فضعيف بِحُمَيْدٍ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي غَيْرِ هذا وقد ذكره بن أَبِي حَاتِمٍ بِذَلِكَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ البخاري فقال إنه حميد بن حجير بن أُخْتِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ثُمَّ سَاقَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ كَمَا قُلْنَا مَجْهُولُ الْحَالِ انْتَهَى (كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ وتوسد رداءه

стр. 3959

قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْخَمِيصَةُ كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ (فَاخْتَلَسَهَا) أَيْ سَلَبَهَا بِسُرْعَةٍ (فَأُخِذَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (الرَّجُلُ) أَيِ السَّارِقُ (فَأُمِرَ بِهِ لِيُقْطَعَ) أَيْ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ أَوْ ثُبُوتِهَا بِالْبَيِّنَةِ (أَبِيعُهُ) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَا أَهَبُهَا لَهُ أَوْ أَبِيعُهَا لَهُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ (وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا) مِنَ الْإِنْسَاءِ أي أبيع منه نسئة فَيَرْتَفِعُ مُسَمَّى السَّرِقَةِ (قَالَ) ﷺ (فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) أَيْ لِمَ لَا بِعْتَهُ قَبْلَ إِتْيَانِكَ بِهِ إِلَيَّ وَأَمَّا الْآنَ فَقَطْعُهُ وَاجِبٌ وَلَا حَقَّ لَكَ فِيهِ بَلْ هُوَ مِنَ الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ لِلشَّرْعِ وَلَا سَبِيلَ فِيهَا إِلَى التَّرْكِ وَفِيهِ أَنَّ الْعَفْوَ جَائِزٌ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلى الحاكم كذا ذكره الطيبي وتبعه بن الملك وقال بن الْهُمَامِ إِذَا قُضِيَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ فَوَهَبَهَا لَهُ الْمَالِكُ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ لَا يُقْطَعُ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُقْطَعُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ تَمَّتِ انْعِقَادًا بِفِعْلِهَا بِلَا شُبْهَةٍ وَظُهُورًا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ ويؤيده حديث صفوان انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ هَذَا مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لِمَا دَاخِلُهُ مِنْ آلَتِهِ وغيرها ولاسيما بَعْدَ أَنْ جَعَلَ صَفْوَانُ خَمِيصَتَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَأَمَّا جَعْلُ الْمَسْجِدِ حِرْزًا لِآلَتِهِ فَقَطْ فَخِلَافُ الظَّاهِرِ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ كَانَ غَايَتُهُ تَخْصِيصَ الْحِرْزِ بِمِثْلِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهِ لِمَا فِي تَرْكِ الْقَطْعِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ قَالَ وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ أَيْ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ فَلَا يَنْتَهِضُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِأَنَّهُ عُمُومٌ مَخْصُوصٌ بِالْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِاعْتِبَارِ الْحِرْزِ انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ) مَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ أَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْمَتْنِ وَالثَّانِي ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْأَسَانِيدِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ مُتَّصِلًا وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ مُرْسَلًا (عَنْ جُعَيْدٍ) بِالْجِيمِ ثُمَّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ مصغرا (بن حُجَيْرٍ) بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْجِيمِ مُصَغَّرًا قال الحافظ في التقريب حميد بن

стр. 3960

أُخْتِ صَفْوَانَ وَقِيلَ اسْمُهُ جُعَيْدٌ مَقْبُولٌ وَفِيهِ أيضا حميد بن حجير بالتصغير هو بن أخت صفوان انتهى (نام صفوان) بن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ الْقُرَشِيُّ الْمَكِّيُّ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَسْبَاطَ بْنَ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيَّ رَوَى عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ فقال عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ عَنْ صَفْوَانَ مُتَّصِلًا وَرَوَاهُ زَائِدَةُ عَنْ سِمَاكٍ فَقَالَ عَنْ جُعَيْدٍ قَالَ نَامَ صَفْوَانُ مُرْسَلًا (وَرَوَاهُ طَاوُسٌ) وَرِوَايَةُ طَاوُسٍ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سُرِقَتْ خَمِيصَةٌ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ اللِّصَّ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ الْحَدِيثَ قَالَ الْإِمَامُ الحافظ بن الْقَطَّانِ طَرِيقُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ يُشْبِهُ أَنَّهَا متصلة قال بن عَبْدِ الْبَرِّ سَمَاعُ طَاوُسٍ مِنْ صَفْوَانَ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ زَمَانَ عُثْمَانَ وَذَكَرَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ شَيْخًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى كَذَا فِي نصب الراية وقال الحافظ بن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ طَرِيقُ طَاوُسٍ عَنْ صَفْوَانَ رجحها بن عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ إِنَّ سَمَاعَ طَاوُسٍ مِنْ صَفْوَانَ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ زَمَنَ عُثْمَانَ وَقَالَ البيهقي روي عن طاوس عن بن عَبَّاسٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ انْتَهَى (فَاسْتَلَّهُ) مِنَ الِاسْتِلَالِ أَيِ اسْتَخْرَجَهُ بِتَأَنٍّ وَتَدْرِيجٍ (وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ صفوان بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ صَفْوَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ غَلَطٌ قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ الْحَدِيثَ وَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ انْتَهَى قلت لفظ الموطأ مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صفوان أن صفوان بن أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَجَاءَ سَارِقٌ فأخذ رداءه الحديث قال الحافظ بن عَبْدِ الْبَرِّ رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ وَحْدَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ فَوَصَلَهُ وَرَوَاهُ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ انْتَهَى قُلْتُ أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ مالك وقال الإمام الحافظ بن عَبْدِ الْهَادِي فِي تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ حَدِيثُ صَفْوَانَ حديث

стр. 3961

صحيح رواه أبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ انْتَهَى (وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ) أَيْ جَعَلَهُ وِسَادَةً بِأَنْ جَعَلَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ ٥ - (بَاب فِي الْقَطْعِ فِي الْعَارِيَةِ) إِذَا جُحِدَتْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَهَلْ فِيهَا الْقَطْعُ أَمْ لَا [٤٣٩٥] (أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ إِلَخْ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ الْفَتْحِ إِلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ إسحاق بن راشد وإسماعيل بن أمية وبن عُيَيْنَةَ وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى كُلِّهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَفْظُ الْعَارِيَةِ لَيْسَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ فِي أَحْكَامِهِ قَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي قِصَّةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَالَّذِينَ قَالُوا سَرَقَتْ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا اسْتَعَارَتْ انْتَهَى وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﷺ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا فَقُطِعَتِ انْتَهَى وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْبَيَانِ فِي بَابِ الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الْعَارِيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الرُّوَاةِ وَأَنَّ اللَّيْثَ رَاوِيَ السَّرِقَةِ تَابَعَهُ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ فَرَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةِ اللَّيْثِ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَافَقَ مَعْمَرًا فِي رِوَايَةِ الْعَارِيَةِ لَكِنْ لَا يُقَاوِمُ مَنْ ذُكِرَ فَظَهَرَ أَنَّ ذِكْرَ الْعَارِيَةِ إِنَّمَا كَانَ تَعْرِيفًا لَهَا بِخَاصِّ صِفَتِهَا إِذْ كَانَتْ كَثِيرَةَ الِاسْتِعَارَةِ حَتَّى عُرِفَتْ بِذَلِكَ كَمَا عُرِفَتْ بِأَنَّهَا مَخْزُومِيَّةٌ وَاسْتَمَرَّ بِهَا هَذَا الصَّنِيعُ حَتَّى سَرَقَتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِهَا

стр. 3962

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ بن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهَا قَالَ لَمَّا سَرَقَتِ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمْنَا ذَلِكَ وَكَانَتِ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَجِئْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نُكَلِّمُهُ إِلَى أَنْ قَالَ أَتَيْنَا أُسَامَةَ فَقُلْنَا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ مَا إِكْثَارُكُمْ عَلَيَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَقَعَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَاءِ اللَّهِ الْحَدِيثَ وَلَكِنْ يُخَالِفُهُ مَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ رواية الليث عن يونس عن بن شِهَابٍ قَالَ كَانَ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي كِتَابِهِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهُ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ أَصْحَابُهُ وَلِمُوَافَقَتِهِ حَدِيثَ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ فَذَكَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَقُطِعَتْ يَدُهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْقَطْعِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِرْزٍ وَهُوَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَانْتَصَرَ له بن حَزْمٍ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَطْعِ لِمَنْ جَحَدَ الْعَارِيَةَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ أَوْجَبَا الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ وَالْجَاحِدُ لِلْوَدِيعَةِ لَيْسَ بِسَارِقٍ وَرُدَّ بِأَنَّ الْجَحْدَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ السَّرِقَةِ لِأَنَّهُ هُوَ وَالسَّارِقُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ كَذَا قال بن الْقَيِّمِ وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَائِنَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِأَنَّهُ آخِذُ الْمَالِ خُفْيَةً مَعَ إِظْهَارِ النُّصْحِ كَمَا سَلَفَ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَعَنْ مِثْلِهِ مِمَّا فِيهِ ذِكْرُ الْجَحْدِ دُونَ السَّرِقَةِ بِأَنَّ الْجَحْدَ لِلْعَارِيَةِ وإن كان مرويا من طريق عائشة وبن عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا لَكِنْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِذِكْرِ السَّرِقَةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّهَا سَرَقَتْ قَطِيفَةً مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَقَرَّرَ أَنَّ الْمَذْكُورَةَ قَدْ وَقَعَ مِنْهَا السَّرَقُ فَذِكْرُ جَحْدِ الْعَارِيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لَهُ فَقَطْ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْجَحْدِ لِقَصْدِ التَّعْرِيفِ بِحَالِهَا وَأَنَّهَا كَانَتْ مُشْتَهِرَةً بِذَلِكَ الْوَصْفِ وَالْقَطْعُ كَانَ لِلسَّرِقَةِ كَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَتَبِعَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ إِلَخْ فَإِنَّ ذِكْرَ هَذَا عَقِبَ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْهَا السَّرَقُ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَّلَ ذَلِكَ الْجَحْدَ مَنْزِلَةَ السَّرَقِ فَيَكُونُ دَلِيلًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَصْدُقُ اسْمُ السَّرَقِ عَلَى جَحْدِ الْوَدِيعَةِ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حديث بن عُمَرَ بَعْدَ وَصْفِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ يَدُهَا أَنَّ الْقَطْعَ كان

стр. 3963

لِأَجْلِ ذَلِكَ الْجَحْدِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ وَصْفَ الْمَرْأَةِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهَا سَرَقَتْ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى جَاحِدِ الْوَدِيعَةِ بِأَنَّهُ سَارِقٌ قَالَ فَالْحَقُّ قَطْعُ جَاحِدِ الْوَدِيعَةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ فَتَذَكَّرْ وَعِنْدِي الرَّاجِحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ والله تعالى أعلم بالصواب (عن بن عُمَرَ أَوْ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدِ بن مسعود الثقفية زوج بن عُمَرَ قِيلَ لَهَا إِدْرَاكٌ وَأَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ الْعِجْلِيُّ ثِقَةٌ فَهِيَ مِنَ الثَّانِيَةِ (هَلْ مِنَ امْرَأَةٍ تَائِبَةٍ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ جَحْدَ الْعَارِيَةِ دُونَ السَّرِقَةِ فَيُقْبَلُ فِيهَا التَّوْبَةُ (وَتِلْكَ) أَيِ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ (شَاهِدَةٌ) أَيْ حَاضِرَةٌ (وَلَمْ تَكَلَّمْ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي كِتَابِهِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمَرْأَةُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ﷺ هَلْ مِنَ امْرَأَةٍ تَائِبَةٍ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ تَقُمْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَتَكَلَّمْ فَقَالَ ﷺ قُمْ يَا فُلَانُ فَاقْطَعْ يَدَهَا لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقَطَعَهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَهُ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيمَنْ عَصَاهُ وَرَغِبَ عَنْ أَمْرِهِ انْتَهَى ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (رواه بن غَنَجٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا جِيمٌ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنَجٍ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ مَقْبُولٌ مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ نَافِعٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَمَا رَوَى مَعْمَرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَنْ نَافِعٍ فَقِيلَ عنه عن بن عُمَرَ أَوْ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَحَدِيثُ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِمَا ذكرنا من توابعه والله أعلم يريد بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا الَّذِي فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا وَيُرِيدُ بِحَدِيثِ اللَّيْثِ الَّذِي تَقَدَّمَ وَفِيهِ الَّتِي سَرَقَتْ وَيُرِيدُ بِتَوَابِعِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ مُصَرَّحًا فِيهَا بِالسَّرِقَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ والله أعلم

стр. 3964

[٤٣٩٦] (عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَلَا تُعْرَفُ هِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْنَى أَنَّ امْرَأَةً اسْتَعَارَتْ عَلَى لِسَانِ أُنَاسٍ مَعْرُوفِينَ بَيْنَ النَّاسِ وَهِيَ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ (فَقَالَ فِيهَا) أَيْ فِي شَأْنِهَا (مَا قَالَ) مَا مَوْصُولَةٌ يَعْنِي أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ [٤٣٩٧] (وَقَصَّ نَحْوَ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ) وَحَدِيثُ قُتَيْبَةُ هَذَا قَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ٦ - (بَاب فِي الْمَجْنُونِ يَسْرِقُ أَوْ يُصِيبُ حدا) [٤٣٩٨] (عن حماد) هو بن أَبِي سُلَيْمَانَ (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ) قَالَ السُّيُوطِيُّ نَقْلًا عَنِ السُّبْكِيِّ وَقَوْلُهُ رُفِعَ الْقَلَمُ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ فِيهِ احْتِمَالَانِ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَنْقُولُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَجَازٌ لَمْ يُرِدْ فِيهِ حَقِيقَةَ الْقَلَمِ وَلَا الرَّفْعَ وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّكْلِيفِ وَوَجْهُ الْكِنَايَةِ فِيهِ أَنَّ التَّكْلِيفَ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكِتَابَةُ كَقَوْلِهِ كتب عليكم الصيام وَغَيْرُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ مِنَ الْكِتَابَةِ الْقَلَمُ لِأَنَّهُ آلَةُ الْكِتَابَةِ فَالْقَلَمُ لَازِمٌ لِلتَّكْلِيفِ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ فَلِذَلِكَ كَنَّى بِنَفْيِ الْقَلَمِ عَنْ نَفْيِ الْكِتَابَةِ وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْكِنَايَاتِ وَأَتَى بِلَفْظِ الرَّفْعِ إِشْعَارًا بِأَنَّ التَّكْلِيفَ

стр. 3965

لَازِمٌ لِبَنِي آدَمَ إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ وَأَنَّ صِفَةَ الْوَضْعِ ثَابِتٌ لِلْقَلَمِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ عَنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ مَوْضُوعًا عَلَيْهِ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَنْ يُرَادَ حَقِيقَةُ الْقَلَمِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ كُلُّهَا حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا يَجْرِي بِهِ ذَلِكَ الْقَلَمُ وَيَكْتُبُهُ حَقِيقَةً وَثَوَابُ الطَّاعَاتِ وَعِقَابُ السَّيِّئَاتِ يَكْتُبُهُ حَقِيقَةً وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِكَتْبِهِ وَصَارَ مَوْضُوعًا عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِيُكْتَبَ ذَلِكَ فِيهِ جَارِيًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ كُتِبَ ذَلِكَ وَفُرِغَ مِنْهُ وَحُفِظَ وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ لَا إِثْمَ فِيهِ فَلَا يَكْتُبُ الْقَلَمُ إِثْمَهُ وَلَا التَّكْلِيفَ بِهِ فَحُكْمُ اللَّهِ بِأَنَّ الْقَلَمَ لَا يَكْتُبُ ذَلِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ رَفْعٌ لِلْقَلَمِ الْمَوْضُوعِ لِلْكِتَابَةِ وَالرَّفْعُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى فَالرَّفْعُ نَفْسُهُ حَقِيقَةٌ وَالْمَجَازُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْقَلَمَ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْقُوَّةِ وَالنَّهْيِ لِأَنْ يَكْتُبَ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ فَسُمِّيَ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ رَفْعًا فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُشَارِكُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ وَفِيمَا قَبْلَهَ يُفَارِقُهُ (حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) قَالَ السُّبْكِيُّ هُوَ وَقَوْلُهُ حَتَّى يَبْرَأَ وَحَتَّى يَكْبُرَ غَايَاتٌ مُسْتَقْبَلَةٌ وَالْفِعْلُ الْمُغَيَّا بِهَا قَوْلُهُ رُفِعَ مَاضٍ وَالْمَاضِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَايَتُهُ مُسْتَقْبَلَةً فَلَا تَقُولُ سِرْتُ أَمْسِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ غَدًا قَالَ وَجَوَابُهُ بِالْتِزَامِ حَذْفٍ أَوْ مَجَازٍ حَتَّى يَصِحَّ الْكَلَامُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّرَ رَفْعُ الْقَلَمِ عَنِ الصَّبِيِّ فَلَا يَزَالُ مُرْتَفِعًا حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ فَهُوَ مُرْتَفِعٌ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَبْقَى الْفِعْلُ الْمَاضِي عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمُغَيَّا مَحْذُوفٌ بِهِ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الْغَايَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ أَيْ إِلَى بُلُوغِهِ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ فِي مَاضٍ وَمَنْ هُوَ صَبِيٌّ الْآنَ وَيَبْلُغُ فِي مُسْتَقْبَلٍ وَمَنْ يَصِيرُ صَبِيًّا وَيَبْلُغُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْحَالَاتُ كُلُّهَا فِي التَّقْدِيرِ أَمَّا فِي التَّجَوُّزِ فِي الْفِعْلِ الثَّانِي أَوِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ أَوِ الْحَذْفِ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْحُكْمُ بِرَفْعِ الْقَلَمِ لِلْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَفِي بن مَاجَهْ يُرْفَعُ بِلَفْظِ الْآتِي فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ السُّيُوطِيُّ وَأَفْضَلُ مِنْ هَذَا الطَّوْلِ وَالتَّكَلُّفِ كُلِّهِ أَنَّ رُفِعَ بِمَعْنَى يُرْفَعُ مِنْ وَضْعِ الْمَاضِي مَوْضِعَ الْآتِي وَهُوَ كثير كقوله تعالى أتى أمر الله (وَعَنِ الْمُبْتَلَى) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عَنِ الْمَجْنُونِ فَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَلَى الْمُبْتَلَى بِالْجُنُونِ (حَتَّى يَبْرَأَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ حَتَّى يُفِيقَ (وَعَنِ الصَّبِيِّ) قَالَ السُّبْكِيُّ الصَّبِيُّ الْغُلَامُ وَقَالَ غَيْرُهُ الْوَلَدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُسَمَّى جَنِينًا فَإِذَا وُلِدَ فَصَبِيٌّ فَإِذَا فُطِمَ فَغُلَامٌ إِلَى سَبْعٍ ثُمَّ يَصِيرُ يَافِعًا إِلَى عَشْرٍ ثُمَّ حَزْوَرًا إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى صَبِيًّا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (حَتَّى يَكْبُرَ) قَالَ السُّبْكِيُّ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْبَيَانِ وَلَا فِي قَوْلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ حَتَّى يَحْتَلِمَ فَالتَّمَسُّكُ بِهَا أَوْلَى لِبَيَانِهَا وَصِحَّةِ سَنَدِهَا

стр. 3966

وَقَوْلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ مُطْلَقٌ وَالِاحْتِلَامُ مُقَيَّدٌ فَيُحْمَلُ عليه فإن الاحتلام بلوغ بُلُوغٌ قَطْعًا وَعَدَمُ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْسَ بِبُلُوغٍ قَطْعًا قَالَ وَشَرْطُ هَذَا الْحَمْلِ ثُبُوتُ اللَّفْظَيْنِ عَنْهُ ﷺ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ [٤٣٩٩] (أُتِيَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أَتَاهُ النَّاسُ بِمَجْنُونَةٍ (قَدْ زَنَتْ) حَالٌ (فَاسْتَشَارَ) أَيْ طَلَبَ الْمَشُورَةَ (فِيهَا) فِي شَأْنِ تِلْكَ الْمَجْنُونَةِ هَلْ تُرْجَمُ أَمْ لَا (قَالَ) أَيْ بن عَبَّاسٍ (فَقَالَ) أَيْ عَلِيٌّ ﵁ (ارْجِعُوا بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْمَجْنُونَةِ وَالْخِطَابُ لِمَنْ كَانَ عِنْدَهَا (ثُمَّ أَتَاهُ) أَيْ أَتَى عَلِيٌّ ﵁ عُمَرَ ﵁ (فَقَالَ) أَيْ عَلِيٌّ ﵁ (أَمَا عَلِمْتَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ (حَتَّى يَعْقِلَ) أَيْ يَصِيرَ ذَا عَقْلٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبُلُوغُ (قَالَ) أَيْ عُمَرُ (بَلَى) حَرْفُ إِيجَابٍ (قَالَ) عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (فَمَا بَالُ) أَيْ فَمَا حَالُ (هَذِهِ) الْمَرْأَةِ (تُرْجَمُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ مَعَ كَوْنِهَا مَجْنُونَةً (قَالَ) عُمَرُ (لَا شَيْءَ) عَلَيْهَا الْآنَ (قَالَ) عَلِيٌّ ﵁ (فَأَرْسِلْهَا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ قَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ ﵄ فَأَطْلِقْ هَذِهِ المجنونة (قال) أي بن عَبَّاسٍ (فَأَرْسَلَهَا) أَيْ عُمَرُ ﵁ (فَجَعَلَ يُكَبِّرُ) أَيْ فَجَعَلَ عُمَرُ ﵁ يُكَبِّرُ وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ وَشَأْنٍ فَخِيمٍ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ عَلِمَ عَدَمَ صَوَابِ رَأْيِهِ وَظَنَّ عَلَى نَفْسِهِ وُقُوعَ الْخَطَأِ بِرَجْمِ الْمَرْأَةِ الْمَجْنُونَةِ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْهُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَخَذَ الْفُقَهَاءُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَكِنْ ذكر بن حِبَّانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِ الْقَلَمِ تَرْكُ كِتَابَةِ الشَّرِّ عَنْهُمْ دُونَ الْخَيْرِ وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّبِيِّ دُونَ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ لِأَنَّهُمَا فِي حَيِّزِ مَنْ لَيْسَ قَابِلًا لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ لِزَوَالِ الشُّعُورِ

стр. 3967

وحكى بن الْعَرَبِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ سُئِلَ عَنْ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ فَقَالَ لَا يَصِحُّ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَعُورِضَ بِأَنَّ الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْهُ قَلَمُ الْمُؤَاخَذَةِ وَأَمَّا قَلَمُ الثَّوَابِ فَلَا لِقَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ لَمَّا سَأَلَتْهُ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَلِقَوْلِهِ مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا جَرَى لَهُ قَلَمُ الثَّوَابِ فَكَلِمَةُ الْإِسْلَامِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ الثَّوَابِ فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّهَا تَقَعُ لَغْوًا وَيُعْتَدُّ بِحَجِّهِ وَصَلَاتِهِ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ قَبْلَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ يُؤَاخَذُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالرِّدَّةِ وَكَذَا مَنْ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُرَاهِقِ وَيُعْتَبَرُ طَلَاقُهُ لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى حَتَّى يَكْبُرَ وَالْأُخْرَى حَتَّى يَشِبَّ وتعقبه بن الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ حَتَّى يَحْتَلِمَ هِيَ الْعَلَامَةُ الْمُحَقَّقَةُ فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُهَا وَحَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا انْتَهَى [٤٤٠٠] (وَقَالَ أَيْضًا حَتَّى يَعْقِلَ) أَيْ قَالَ وَكِيعٌ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا لَفْظَ حَتَّى يَعْقِلَ كَمَا قَالَهُ جَرِيرٌ فِي رِوَايَتِهِ (وَقَالَ) وَكِيعٌ (وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ) وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ الْمُتَقَدِّمَةِ حَتَّى يَبْرَأَ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ [٤٤٠١] (مُرَّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِمَعْنَى عُثْمَانَ) أَيْ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُثْمَانَ (قَالَ أَوَمَا تَذْكُرُ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ أَيْ أَتَأْمُرُ بِالرَّجْمِ وَمَا تَذْكُرُ (فَخَلَّى عَنْهَا سَبِيلَهَا) أَيْ أَطْلَقَهَا وَتَرَكَهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ [٤٤٠٢] (قَالَ هَنَّادُ الْجَنْبِيُّ) أَيْ زَادَ هَنَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ أَبِي ظَبْيَانَ لَفْظَ الْجَنْبِيِّ بِأَنْ قَالَ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ الْجَنْبِيِّ وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَلَمْ يَزِدْ فِي رِوَايَتِهِ هَذَا اللَّفْظَ وَهُوَ بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ نُونٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ مَنْسُوبٌ إِلَى جَنْبِ بْنِ صَعْبٍ (قَدْ فَجَرَتْ) أَيْ زَنَتْ (فَأَخَذَهَا) أَيْ أَخَذَ عَلِيٌّ

стр. 3968

الْمَجْنُونَةَ (فَخَلَّى سَبِيلَهَا أَيْ أَطْلَقَهَا (وَعَنِ الْمَعْتُوهِ) هُوَ الْمَجْنُونُ الْمُصَابُ بِعَقْلِهِ قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ (لَعَلَّ الَّذِي أَتَاهَا) أَيْ زِنَاهَا (وَهِيَ فِي بلائها) أي في جنونها والجملة حَالِيَّةٌ (فَقَالَ عُمَرُ لَا أَدْرِي) أَيْ إِتْيَانَهُ فِي حَالَةِ جُنُونِهَا (فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ وَأَنَا لَا أَدْرِي) أَيْ إِتْيَانَهُ فِي حَالَةِ عَدَمِ جُنُونِهَا وَلَعَلَّ الْمَرْأَةَ الْمَجْنُونَةَ لَمْ يُصَاحِبْهَا الْجُنُونُ دَائِمًا بَلْ أَصَابَهَا مَرَّةً وَتُفِيقُ مَرَّةً فَلِذَا قَالَ عُمَرُ ﵁ لَا أَدْرِي إِتْيَانَهُ فِي حَالَةِ جُنُونِهَا فَأَجَابَ عَنْهُ عَلِيٌّ ﵁ وَأَنَا لَا أدري إتيانه في حالة إتيانه عَدَمِ جُنُونِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَالَ مُشْتَبِهَةٌ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ أَيُّوبَ هُوَ ثِقَةٌ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لَهُ حَدِيثٌ مَقْرُونٌ بِأَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ وَوَافَقَ الْإِمَامَ أحمد على هذا بن مَعِينٍ وَسَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُصَيْنٍ عُثْمَانَ بْنِ عَاصِمٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ عَلِيٍّ قَوْلَهُ وَقَالَ وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَأَبُو حُصَيْنٍ أَثْبَتُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ [٤٤٠٣] (حَتَّى يَعْقِلَ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُنْقَطِعٌ أَبُو الضُّحَى لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ أبو داود رواه بن جُرَيْجٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيٍّ) قَالَ السُّبْكِيُّ هَذِهِ رِوَايَةٌ مُعَلَّقَةٌ مُنْقَطِعَةٌ وَقَدْ رواها بن مَاجَهْ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَخْبَرَنَا روح بن عبادة أخبرنا بن جريج أنبأنا

стр. 3969

الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يُرْفَعُ الْقَلَمُ عَنِ الصَّغِيرِ وَعَنِ الْمَجْنُونِ وَعَنِ النَّائِمِ فَانْقَطَعَ لِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ يَزِيدَ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا (زَادَ فِيهِ وَالْخَرِفِ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ مِنَ الْخَرَفِ بِفَتْحَتَيْنِ فَسَادُ الْعَقْلِ مِنَ الْكِبَرِ قَالَ السُّبْكِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَهَذَا صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي زَالَ عَقْلُهُ مِنْ كِبَرٍ فَإِنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلَاطُ عَقْلٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمْيِيزِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ وَلَا يُسَمَّى جُنُونًا لِأَنَّ الْجُنُونَ يَعْرِضُ مِنْ أَمْرَاضٍ سَوْدَاوِيَّةٍ وَيَقْبَلُ الْعِلَاجَ وَالْخَرَفُ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى يَعْقِلَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إِلَى الْمَوْتِ ولو برء فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِرُجُوعِ عَقْلِهِ تَعَلَّقَ بِهِ التَّكْلِيفُ فَسُكُوتُهُ عَنِ الْغَايَةِ فِيهِ لَا يَضُرُّ كَمَا سَكَتَ عَنْهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الْمَجْنُونِ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ كَمَا أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَعْنَى النَّائِمِ فَلَا يَفُوتُ الْحَصْرُ بِذَلِكَ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمَعْنَى فَهُمْ فِي الصُّورَةِ خَمْسَةٌ الصَّبِيُّ وَالنَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونُ وَالْخَرِفُ وَفِي الْمَعْنَى ثَلَاثَةٌ وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ النَّائِمُ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ لِأَنَّ الْجُنُونَ يُفْسِدُ الْعَقْلَ بِالْكُلِّيَّةِ وَالنَّوْمُ شَاغِلٌ لَهُ فَقَطْ فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ كَبِيرٌ لَمْ يُجْعَلْ فِي مَعْنَاهُ وَأَحْكَامُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ بِخِلَافِ الْخَرَفِ وَالْجُنُونِ فَإِنَّ أَحْكَامَهُمَا وَاحِدَةٌ وَبَيْنَهُمَا تَقَارُبٌ وَيَظْهَرُ أَنَّ الْخَرَفَ رُتْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَهِيَ إِلَى الْإِغْمَاءِ أَقْرَبُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ مُسْنَدًا وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ٧ - (بَاب فِي الْغُلَامِ يُصِيبُ الْحَدَّ هَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ) أَمْ لَا [٤٤٠٤] (الْقُرَظِيُّ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ (مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ) أَيْ مِنْ أُسَرَائِهِمْ (فَكَانُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (يَنْظُرُونَ) أَيْ فِي صِبْيَانِ السَّبْيِ (فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ) أَيْ شَعْرَ الْعَانَةِ (قُتِلَ) فَإِنَّ إِنْبَاتَ الشَّعْرِ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ فَيَكُونُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ (وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ) لِأَنَّهُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عِنْدَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْكُفْرِ حِينَ جَعَلَ الْإِنْبَاتَ فِي الْكُفَّارِ بُلُوغًا وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي الْمُسْلِمِينَ هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ لَا يُوقَفُ عَلَى بُلُوغِهِمْ مِنْ جِهَةِ السِّنِّ وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ فِي ذَلِكَ لِدَفْعِ الْقَتْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلِأَنَّ أَخْبَارَهُمْ غَيْرُ

стр. 3970

مَقْبُولَةٍ فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ وَأَوْلَادُهُمْ فَقَدْ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى مَقَادِيرِ أَسْنَانِهِمْ لِأَنَّ أَسْنَانَهُمْ مَحْفُوظَةٌ وَأَوْقَاتُ مَوَالِيدِهِمْ مُؤَرَّخَةٌ مَعْلُومَةٌ وَأَخْبَارُهُمْ فِي ذَلِكَ مَقْبُولَةٌ فَلِهَذَا اعْتُبِرَ فِي الْمُشْرِكِينَ الْإِنْبَاتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الْإِنْبَاتُ في حقهم لمكان الضرورة إذ لو سألوا عَنِ الِاحْتِلَامِ أَوْ مَبْلَغِ سِنِّهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَحَدَّثُونَ بِالصِّدْقِ إِذْ رَأَوْا فِيهِ الْهَلَاكَ انْتَهَى قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ [٤٤٠٥] (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) اسْمُهُ وَضَّاحٌ بِتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي آخِرِهِ مُهْمَلَةٌ [٤٤٠٦] (عُرِضَهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ عَرَضَ الْأَمِيرُ الْجُنْدَ اخْتَبَرَ حَالَهُمْ (فَلَمْ يُجِزْهُ) مِنَ الإجازة وهي الإنفاذ (وهو بن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ) قَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي مَجْمُوعٍ لَهُ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا نِيطَتْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً مِنْ عَامِ الْخَنْدَقِ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّمْيِيزِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [٤٤٠٧] (فَقَالَ) أَيْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (إِنَّ هَذَا) أَيْ بُلُوغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (لَحَدٌّ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخَ الْحَدُّ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ (بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) فَمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَهُوَ كَبِيرٌ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَعَلَيْهِ غَالِبُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْ بِالِاحْتِلَامِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الصَّبِيُّ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ أَوْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبَالِغِينَ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ حَاضَتْ وَأَمَّا الْإِنْبَاتُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَدًّا لِلْبُلُوغِ وَإِنَّمَا يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الشِّرْكِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَمَا

стр. 3971

كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ وَذَكَرَ الترمذي أن في حديث بن عيينة هذا حد بين الذرية والمقاتلة ٨ - (باب السارق يَسْرِقُ فِي الْغَزْوِ أَيُقْطَعُ) [٤٤٠٨] (عَنْ عَيَّاشٍ) بِالتَّحْتِيَّةِ المشددة وفي آخره معجمة (بن عَبَّاسٍ) بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ (الْقِتْبَانِيِّ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ (عَنْ شُيَيْمٍ) بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُصَغَّرًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها (بن بَيْتَانَ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ ثُمَّ فَوْقِيَّةٍ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ (وَيَزِيدُ بْنُ صُبْحٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ جُنَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ (مَعَ بُسْرِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ (بْنِ أَرْطَاةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (يُقَالُ لَهُ مِصْدَرٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هَكَذَا ضُبِطَ فِي النُّسْخَتَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْبُخْتُ بِالضَّمِّ الإبل الخرسانية كَالْبُخْتِيَّةِ وَالْجَمْعُ بَخَاتِيٌّ وَبَخَاتَى وَبَخَّاتٌ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ سَرَقَ بُخْتِيَّةً أَيِ الْأُنْثَى مِنَ الْجِمَالِ طِوَالِ الْأَعْنَاقِ وَالذَّكَرُ بُخْتِيٌّ وَالْجَمْعُ بُخْتٌ وَبَخَاتَى (لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالدَّارِمِيِّ فِي الْغَزْوِ بَدَلَ السَّفَرِ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ قَالَ الطِّيِبِيُّ السَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مُطْلَقٌ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ انْتَهَى وَقَالَ الْعَزِيزِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلُهُ فِي السَّفَرِ أَيْ فِي سَفَرِ الْغَزْوِ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ الْمَقْطُوعُ بِالْعَدُوِّ فَإِذَا رَجَعُوا قُطِعَ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِحَدِّ السَّرِقَةِ بَلْ يَجْرِي حُكْمُهُ فِي مَا في معناه من حد الزنى وَحَدِّ الْقَذْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ انتهى وقال القارىء قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَلَعَلَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَأَى فِيهِ احْتِمَالَ افْتِتَانِ الْمَقْطُوعِ بِأَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَالْأَمِيرُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْغَزْوِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الدَّفْعِ وَلَا يُغْنِي عَنَّا فَيُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَقْفِلَ الْجَيْشُ قَالَ وَقَالَ الْقَاضِي وَلَعَلَّهُ ﵊ أَرَادَ بِهِ الْمَنْعَ مِنَ الْقَطْعِ فِي مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْغَنَائِمِ انْتَهَى قُلْتُ وَيَشْهَدُ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ حَدِيثُ عُبَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ جَاهِدُوا النَّاسَ فِي اللَّهِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ وَلَا تُبَالُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَأَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى قال في

стр. 3972

النيل وحديث عبادة بن الصَّامِتِ أَخْرَجَ أَوَّلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ وَأَسَانِيدُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ثِقَاتٌ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ عُمُومَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِطْلَاقَاتُهُمَا لِعَدَمِ الْفَرْقِ فِيهَا بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَالْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ انْتَهَى (وَلَوْلَا ذَلِكَ) أَيِ اسْتِمَاعِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَذْكُورَ (لَقَطَعْتُهُ) أَيْ لَقَطَعْتُ يَدَ السَّارِقِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ وَقَالَ فِيهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ وَيُقَالُ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ أَيْضًا هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَبُسْرٌ هَذَا بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ فَقِيلَ لَهُ صُحْبَةٌ وَقِيلَ لَا صُحْبَةَ لَهُ وَأَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسِنِينَ وَلَهُ أَخْبَارٌ مَشْهُورَةٌ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَا يُحْسِنُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَغَمَزَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ٩ - (بَاب فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ) هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى بَعْدَ الدَّفْنِ [٤٤٠٩] (قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ) أَيْ أَجَبْتُ لَكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَطَلَبْتُ السَّعَادَةَ لِإِجَابَتِكَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى (كَيْفَ أَنْتَ) أَيْ كَيْفَ حَالُكَ (إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ) أَيْ وَبَاءٌ عَظِيمٌ (يَكُونُ الْبَيْتُ) أَيْ بَيْتُ الْمَوْتِ أَوِ الْمَيِّتِ وَهُوَ الْقَبْرُ (فِيهِ) أَيْ فِي وَقْتِ إِصَابَتِهِمْ (بِالْوَصِيفِ) أَيْ مُقَابَلٌ بِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْوَصِيفُ الْعَبْدُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَكْثُرُ الْمَوْتُ حَتَّى يَصِيرَ مَوْضِعَ قَبْرٍ يُشْتَرَى بِعَبْدٍ مِنْ كَثْرَةِ الْمَوْتَى (يَعْنِي الْقَبْرَ) أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ الْقَبْرَ وَهُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ (أَوْ مَا خَارَ اللَّهُ) أَيِ اخْتَارَ (عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ) أَيِ الْزَمِ الصَّبْرَ (أَوْ قَالَ تَصْبِرُ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي (حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) هُوَ شَيْخُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (يُقْطَعُ) بِصِيغَةِ

стр. 3973

الْمَجْهُولِ (النَّبَّاشُ) أَيْ يَدُهُ (لِأَنَّهُ) أَيِ النَّبَّاشُ (دَخَلَ عَلَى الْمَيِّتِ بَيْتَهُ) بِالنَّصْبِ قَالَ الطِّيِبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمَيِّتِ وَمَنْصُوبًا عَلَى ٨ التَّفْسِيرِ وَالتَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سفه نفسه أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي وَاسْتَدَلَّ حَمَّادٌ بِتَسْمِيَةِ الْقَبْرِ الْبَيْتَ عَلَى أَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِلْمَيِّتِ فتقطع يد النباش قال القارىء وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ إِطْلَاقِ الْبَيْتِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَوْنُهُ حِرْزًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ مُغْلَقٌ أَوْ حَارِسٌ لَمْ يُقْطَعْ بِلَا خِلَافٍ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ حِرْزُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ مَا يَعُدُّهُ الْعُرْفُ حِرْزًا وَلِذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في قطعه قال بن الْهُمَامِ وَلَا قَطْعَ عَلَى نَبَّاشٍ وَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى بَعْدَ الدَّفْنِ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ أَبُو ثَوْرٍ وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ وَعُمَرُ بْنُ عبد العزيز وقول أبي حنيفة قول بن عَبَّاسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِلِ الْجُزْءِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ يُقْطَعُ النَّبَّاشُ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَيِّتِ بَيْتَهُ اسْتَدَلَّ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُسَمَّى الْقَبْرُ بَيْتًا وَالْبَيْتُ حِرْزٌ وَالسَّارِقُ مِنَ الْحِرْزِ مَقْطُوعٌ إِذَا بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ مَبْلَغَ مَا يُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ انْتَهَى قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الحديث بأبسط مما هنا ٠ - (باب السَّارِقِ يَسْرِقُ مِرَارًا) [٤٤١٠] (فَقَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ (اقْطَعُوهُ) أَيْ يَدَهُ (ثُمَّ جِيءَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ السَّارِقِ (فَانْطَلَقْنَا بِهِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذَكَرَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ إِلَى قَوْله وَالْإِجْمَاع مِنْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث مَصْعَب بْن ثَابِت عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر وَهُوَ الْمُتَقَدِّم وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيث النَّضْر بْن شُمَيْلٍ حَدَّثَنَا حَمَّاد حَدَّثَنَا يُوسُف عَنْ الحرث بْن حَاطِب أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ اُقْتُلُوهُ فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا سَرَقَ قَالَ اِقْطَعُوا يَده قَالَ ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْله ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْد أَبِي بَكْر حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمه كُلّهَا ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الْخَامِسَة فَقَالَ

стр. 3974

فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ إِلَخْ) قَالَ الطِّيِبِيُّ فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ هَذَا لِلْإِهَانَةِ وَالصَّغَارُ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُسْلِمِ وَإِنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ فَإِنَّهُ قَدْ يُعَزَّرُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ وَتَطْهِيرِهِ فَلَعَلَّهُ ارْتَدَّ وَوَقَفَ ﷺ عَلَى ارْتِدَادِهِ كَمَا فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ مِنَ الْمُثْلَةِ وَالْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ وَلَعَلَّ الرَّجُلَ بَعْدَ الْقَطْعِ تَكَلَّمَ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ انتهى ذكره القارىء قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يبيح ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أَبُو بَكْر كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ أَعْلَم بِهَذَا حِين قَالَ اُقْتُلُوهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَة مِنْ قُرَيْش لِيَقْتُلُوهُ مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَكَانَ يُحِبّ الْإِمَارَة فَقَالَ أَمِّرُونِي عَلَيْكُمْ فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ ضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ قَالَ النَّسَائِيُّ وَلَا أَعْلَم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثًا صَحِيحًا وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَتْل شَارِب الْخَمْر بَعْد الرَّابِعَة فَقَدْ قَالَ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء إِنَّ الْأَمْر بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَة مَتْرُوك بِالْإِجْمَاعِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره وَقِيلَ هُوَ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن حِمَار أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يَقْتُلهُ فِي الرَّابِعَة وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد وَقَدْ قِيلَ لَهُ لِمَ تَرَكْته فَقَالَ لِحَدِيثِ عُثْمَان لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث وَفِي ذَلِكَ كُلّه نَظَر أَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاع عَلَى خِلَافه فَلَا إِجْمَاع قَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو اِئْتُونِي بِهِ فِي الرَّابِعَة فَعَلَيَّ أَنْ أَقْتُلهُ وَهَذَا مَذْهَب بَعْض السَّلَف وَأَمَّا اِدِّعَاء نَسْخه بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن حِمَار فَإِنَّمَا يَتِمّ بِثُبُوتِ تَأَخُّره وَالْإِتْيَان بِهِ بَعْد الرَّابِعَة وَمُنَافَاته لِلْأَمْرِ بِقَتْلِهِ وَأَمَّا دَعْوَى نَسْخه بِحَدِيثِ لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث فَلَا يَصِحّ لِأَنَّهُ عَامّ وَحَدِيث الْقَتْل خَاصّ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه الدَّلِيل أَنَّ الْأَمْر بِقَتْلِهِ لَيْسَ حَتْمًا وَلَكِنَّهُ تَعْزِيز بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة فَإِذَا أَكْثَر النَّاس مِنْ الْخَمْر وَلَمْ يَنْزَجِرُوا بِالْحَدِّ فَرَأَى الْإِمَام أَنْ يُقْتَل فِيهِ قُتِلَ وَلِهَذَا كَانَ عمر ﵁ يَنْفِي فِيهِ مَرَّة وَيَحْلِق فِيهِ الرَّأْس مَرَّة وَجَلَدَ فِيهِ ثَمَانِينَ وَقَدْ جَلَدَ فِيهِ رَسُول اللَّه ﷺ وَأَبُو بَكْر ﵁ أَرْبَعِينَ فَقَتْله فِي الرَّابِعَة لَيْسَ حَدًّا وَإِنَّمَا هُوَ تَعْزِيز بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّج حَدِيث الْأَمْر بِقَتْلِ السَّارِق إِنْ صَحَّ وَاللَّهُ أعلم

стр. 3975

دَمَ السَّارِقِ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ السَّرِقَةُ وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي عُقُوبَتِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَدِّ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُقْتَلَ قُتِلَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ هَذَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ الْمَدَنِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمَّا حَدَّثَ بِحَدِيثِ الْقَتْلِ فِي الرَّابِعَةِ وَقَدْ تُرِكَ ذَلِكَ قَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ فَجَلَدَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَزِدْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْقَتْلُ مَنْسُوخٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْتُهُ يُرِيدُ حَدِيثَ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَفِيهِ وَوُضِعَ الْقَتْلُ فَكَانَتْ رُخْصَةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ حُفِظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَلْدُ الشَّارِبِ الْعَدَدَ الَّذِي قَالَ يُقْتَلُ بَعْدَهُ ثُمَّ جِيءَ بِهِ فَجَلَدَهُ وَرُفِعَ الْقَتْلُ وَصَارَتْ رُخْصَةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ خَاصًّا فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ وَقَدْ تَخَرَّجَ عَلَى مَذَاهِبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُبَاحُ دَمُهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعْزِيرِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَدِّ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُقْتَلَ قُتِلَ وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ لَمَّا جِيءَ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَشْهُورًا بِالْفَسَادِ مَعْلُومًا مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَى سُوءِ فِعْلِهِ فَلَا يَنْتَهِي حَتَّى تَنْتَهِيَ حَيَاتُهُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَالْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ وَالسُّنَّةُ مُصَرِّحَةٌ بِالنَّاسِخِ وَالْإِجْمَاعِ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ١ - (باب في السارق تعلق يده فِي عُنُقِهِ) [٤٤١١] (سَأَلْنَا فَضَالَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (بْنَ عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (أَمِنَ السُّنَّةِ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (أُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا) أَيْ بِيَدِهِ (فَعُلِّقَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّعْلِيقِ (فِي عُنُقِهِ) لِيَكُونَ عِبْرَةً وَنَكَالًا قَالَ فِي النَّيْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الزَّجْرِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَإِنَّ السَّارِقَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مقطوعة معلقة فيتذكر السبب لذلك وماجر إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرُ مِنَ الْخَسَارِ بِمُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ النَّفِيسِ وَكَذَلِكَ الْغَيْرُ يَحْصُلُ لَهُ بِمُشَاهَدَةِ الْيَدِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ

стр. 3976

مِنَ الِانْزِجَارِ مَا تَنْقَطِعُ بِهِ وَسَاوِسُهُ الرَّدِيئَةُ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ سَارِقًا فَمَرُّوا بِهِ وَيَدُهُ مُعَلَّقَةٌ فِي عُنُقِهِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيِّ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ شَامِيٌّ وَقَالَ النَّسَائِيُّ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ والحجاج بن أَرْطَاةَ هُوَ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو طَاهِرٍ وهو الَّذِي قَالَهُ النَّسَائِيُّ فِيهِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّخْوِيفِ وَالْإِشَارَةِ لِيُرَوَّعَ بِهِ وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ حَسَنًا صَحِيحًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ انْتَهَى كَلَامُ المنذري ٢ - (باب بَيْعِ الْمَمْلُوكِ إِذَا سَرَقَ) [٤٤١٢] (فَبِعْهُ وَلَوْ بِنَشٍّ) بِفَتْحِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا نِصْفَ أُوقِيَّةٍ وَالْمَعْنَى بِعْهُ وَلَوْ بِثَمَنٍ بخس قال القارىء قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالُوا الْعَبْدُ إِذَا سَرَقَ قُطِعَ آبِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ آبِقٍ يروى عن بن عُمَرَ أَنَّ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ وَكَانَ آبِقًا فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَأَبَى سَعِيدٌ وَقَالَ لَا تُقْطَعُ يَدُ الْآبِقِ إِذَا سَرَقَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي أَيِّ كِتَابٍ وَجَدْتَ هَذَا فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ النَّسَائِيُّ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ٣ - (باب في الرجم) قال بن بَطَّالٍ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَ إِذَا زَنَى عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ وَدَفَعَ ذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الرَّجْمَ لَمْ يُذْكَرْ فِي

стр. 3977

القران وحكاه بن الْعَرَبِيِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ لَقِيَهُمْ وَهُمْ مِنْ بَقَايَا الْخَوَارِجِ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ [٤٤١٣] وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الفاحشة أي الزنى مِنْ نِسَائِكُمْ هُنَّ الْمُسْلِمَاتُ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ أَوْ لِلْحُكَّامِ مِنْكُمْ أَيْ رِجَالِكُمُ المسلمين فإن شهدوا يعني الشهود بالزنى فأمسكوهن في البيوت أَيِ احْبِسُوهُنَّ فِيهَا وَامْنَعُوهُنَّ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ لأن المرأة إنما تقع في الزنى عِنْدَ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ إِلَى الرِّجَالِ فَإِذَا حُبِسَتْ في البيت لم تقدر على الزنى قال في فتح البيان عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا فَجَرَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ فَإِنْ مَاتَتْ مَاتَتْ وَإِنْ عَاشَتْ عَاشَتْ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النُّورِ الزانية والزاني فاجلدوا فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا جُلِدَ وَأُرْسِلَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ انتهى حتى يتوفاهن الموت أَيْ مَلَائِكَتُهُ أَوْ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لهن سبيلا طَرِيقًا إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا قَالَ السُّيُوطِيُّ أُمِرُوا بِذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا بِجَلْدِ الْبِكْرِ مِائَةً وَتَغْرِيبِهَا عَامًا وَرَجْمِ الْمُحْصَنَةِ وَفِي الْحَدِيثِ لَمَّا بَيَّنَ الْحَدَّ قَالَ خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى وَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَالَ الْخَازِنُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَاسِخِهَا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ نَاسِخَهَا هُوَ حَدِيثُ عُبَادَةَ يَعْنِي خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي الْحَدِيثَ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْحَدِّ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْحَدِيثِ وَالْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْجَلْدِ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أو أن يجعل الله لهن سبيلا يَدُلُّ عَلَى إِمْسَاكِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ مَمْدُودًا إِلَى غَايَةِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَأَنَّ ذَلِكَ السَّبِيلَ كَانَ مُجْمَلًا فَلَمَّا قَالَ ﷺ خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْحَدِيثَ صَارَ هَذَا الْحَدِيثُ بَيَانًا لِتِلْكَ الْآيَةِ الْمُجْمَلَةِ لَا نَاسِخًا لَهَا انْتَهَى وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا وَاللَّذَانِ يأتيانها أي الفاحشة الزنى أَوِ اللِّوَاطَ مِنْكُمْ أَيِ الرِّجَالِ فَآذُوهُمَا بِالسَّبِّ وَالضَّرْبِ بِالنِّعَالِ فَإِنْ تَابَا مِنْهَا وَأَصْلَحَا الْعَمَلَ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا وَلَا تُؤْذُوهُمَا (إِنَّ اللَّهَ كَانَ توابا) عَلَى مَنْ تَابَ (رَحِيمًا) بِهِ قَالَ السُّيُوطِيُّ وهذا منسوخ بالحد إن أريد بها الزنى وَكَذَا إِنْ أُرِيدَ اللِّوَاطُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَكِنَّ

стр. 3978

الْمَفْعُولَ بِهِ لَا يُرْجَمُ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا بَلْ يُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ وَإِرَادَةُ اللِّوَاطِ أَظْهَرُ بِدَلِيلِ تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ وَالْأَوَّلُ أَرَادَ الزَّانِيَ وَالزَّانِيَةَ وَيَرُدُّهُ تَبْيِينُهُمَا بِمِنَ الْمُتَّصِلَةِ بِضَمِيرِ الرِّجَالِ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِي الْأَذَى وَالتَّوْبَةِ وَالْإِعْرَاضِ وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسَاءِ مِنَ الْحَبْسِ انْتَهَى وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَمَلُ قَوْلُهُ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِي الْأَذَى إِلَخْ نُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي ذَلِكَ لَا يَخُصُّ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ وَبِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِضَمِيرِ الرِّجَالِ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ النِّسَاءِ فِي الْخِطَابِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ انْتَهَى (وَذَكَرَ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (الرَّجُلَ بَعْدَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ جَمَعَهُمَا) أَيْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوَّلًا الْمَرْأَةَ حيث قال واللاتي يأتين الفاحشة ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَكِنْ لَا وَحْدَهُ بَلْ جَمَعَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَيْثُ قَالَ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا أَيِ الرَّجُلُ الزَّانِي وَالْمَرْأَةُ الزَّانِيَةُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا عند بن عباس ﵄ الزنى لَا اللِّوَاطُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (فَنَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْجَلْدِ) أَيِ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ [٤٤١٤] (قَالَ السَّبِيلُ الْحَدُّ) أَيِ السَّبِيلُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سبيلا هُوَ الْحَدُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٤٤١٥] (خُذُوا عني) أي حكم حد الزنى (خُذُوا عَنِّي) كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) قَالَ النَّوَوِيُّ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أو يجعل الله لهن سبيلا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا هُوَ ذَلِكَ السَّبِيلُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقِيلَ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لَهَا وَقِيلَ مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النُّورِ وَقِيلَ إِنَّ آيَةَ النُّورِ فِي الْبِكْرَيْنِ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الثَّيِّبَيْنِ (الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ) اخْتَلَفُوا فِي جَلْدِ الثَّيِّبِ مَعَ الرَّجْمِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَيُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ وَبِهِ قَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ

стр. 3979

وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ الْوَاجِبُ الرَّجْمُ وَحْدَهُ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قِصَّةُ مَاعِزٍ وَقِصَّةُ الْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرُ أَنَّهُ يَجِبُ نَفْيُ سَنَةٍ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً وَقَالَ الْحَسَنُ لَا يَجِبُ النَّفْيُ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا نَفْيَ عَلَى النِّسَاءِ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالُوا لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَفِي نَفْيِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا وَتَعْرِيضٌ لَهَا لِلْفِتْنَةِ وَلِهَذَا نُهِيَتْ عَنِ الْمُسَافَرَةِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ ظَاهِرَةٌ وَقَوْلُهُ ﷺ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ إِلَخْ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ بَلْ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ سَوَاءً زَنَى بِبِكْرٍ أَمْ بِثَيِّبٍ وَحَدُّ الثَّيِّبِ الرَّجْمُ سَوَاءٌ زَنَى بِثَيِّبٍ أَمْ بِبِكْرٍ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْغَالِبِ قَالَهُ النَّوَوِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٤٤١٧] (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحِ بْنِ خُلَيْدٍ) الْحِمْصِيُّ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ (يَسْكُتَا) مِنَ السُّكُوتِ أَيْ يَمُوتَا (فَإِلَى ذَلِكَ) الزَّمَانِ أَيْ مُدَّةِ الذَّهَابِ وَإِحْضَارِ الشُّهَدَاءِ (قَدْ قَضَى الْحَاجَةَ) وفرغ من الزنى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى بن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْهَضْهَاض الدَّوْسِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ جَاءَ مَاعِز بْن مَالِك إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ لَهُ الأبعد قد زنا فقال له النبي ﷺ وما يدريك ما الزنى ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَطُرِدَ وَأُخْرِج ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ الْأَبْعَد قد زنا فقال ويلك وما يدريك ما الزنى فَطُرِدَ وَأُخْرِج ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَقَالَ يَا رسول الله إن الأبعد قد زنا قال ويلك وما يدريك ما الزنى قَالَ أَتَيْت مِنْ اِمْرَأَة حَرَامًا مِثْل مَا

стр. 3980

(كَفَى بِالسَّيْفِ شَاهِدًا) فَهَذَا السَّيْفُ مَوْضِعُ الشُّهَدَاءِ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (لَا لَا) بِتَكْرَارِ لَا النَّهْيِ أَيْ لَا تَقْتُلُوهُ بِالسَّيْفِ لِأَنِّي (أَخَافُ أَنْ يَتَتَايَعَ) بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ قَبْلَ الْعَيْنِ أَيْ يَتَتَابَعُ وَزْنًا وَمَعْنًى (فِيهَا) فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ أَيْ مِثْلِهَا (السَّكْرَانُ) بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ صَاحِبُ الْغَيْظِ وَالْغَضَبِ يُقَالُ سَكِرَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ غَضِبَ وَاغْتَاظَ وَلَهُمْ عَلَيَّ سَكَرٌ أَيْ غَضَبٌ شَدِيدٌ (وَالْغَيْرَانُ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صَاحِبُ الْغَيْرَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْغَيْرَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ غَارَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَغَارُ غَيْرًا وَرَجُلٌ غَيُورٌ وَغَيْرَانُ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَنَّ صَاحِبَ الْغَضَبِ وَالْغَيْظِ وَصَاحِبَ الْغَيْرَةِ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ الَّذِي دَخَلَ بَيْتَهُ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ مِنْ غير تحقق الزنى مِنْهُمَا (رَوَى وَكِيعٌ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثِ) وَهُوَ قَوْلُهُ خُذُوا عَنِّي إِلَى قَوْلِهِ نَفْيُ سَنَةٍ دُونَ الزِّيَادَةِ الَّتِي زَادَهَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ (وَإِنَّمَا هَذَا) الْإِسْنَادُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَكِيعٌ (إسناد حديث بن الْمُحَبَّقِ أَنَّ رَجُلًا) وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ سَيَأْتِي فِي بَابِ الرَّجُلِ يَزْنِي بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ أَيْ إِسْنَادَ الْحَسَنِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ فِي قِصَّةِ الْجَارِيَةِ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ الْحَدِيثَ دُونَ حَدِيثِ خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي وَإِنَّمَا غَلِطَ فِيهِ فَضْلُ بْنُ دَلْهَمٍ فَأَدْخَلَ سَنَدَ مَتْنٍ فِي مَتْنٍ آخَرَ وَإِنَّمَا هُمَا مَتْنَانِ بِإِسْنَادَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] يَأْتِي الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته فَأَمَرَ بِهِ فَطُرِدَ وَأُخْرِج ثُمَّ أَتَاهُ الرَّابِعَة فَقَالَ يَا رَسُول الله إن الأبعد قد زنا قال ويلك وما يدريك ما الزنى قَالَ أَدْخَلْت وَأَخْرَجْت قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَم فَذَكَر الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ إِنَّهُ الْآن لَفِي نَهَر مِنْ أَنْهَار الْجَنَّة يَنْغَمِس وَهَذَا صَرِيح فِي تَعَدُّد الْإِقْرَار وَأَنَّ مَا دُون الْأَرْبَع لَا يَسْتَقِلّ بِإِيجَابِ الْحَدّ وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ اِعْتَبَرَ تَعَدُّد الْمَجْلِس وَقَدْ رَوَى بن حِبَّان أَيْضًا فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَيُّوب عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا رَجَمَ مَاعِز بْن مَالِك قَالَ لَقَدْ رَأَيْته يَتَخَضْخَض فِي أنهار الجنة

стр. 3981

وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى [٤٤١٨] (فَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ وَفِيمَا أُنْزِلَ خَبَرُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ أَرَادَ بِآيَةِ الرَّجْمِ الشَّيْخَ وَالشَّيْخَةَ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ وَهَذَا مِمَّا نُسِخَ لَفْظُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَقَدْ وَقَعَ نَسْخُ حُكْمٍ دُونَ اللَّفْظِ وَقَدْ وَقَعَ نَسْخُهُمَا جَمِيعًا فَمَا نُسِخَ لَفْظُهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْقُرْآنِ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي تَرْكِ الصَّحَابَةِ كِتَابَةَ هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يُكْتَبُ فِي الْمُصْحَفِ وَفِي إِعْلَانِ عُمَرَ ﵁ بِالرَّجْمِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَسُكُوتِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحَاضِرِينَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ بِالْإِنْكَارِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الرَّجْمِ انْتَهَى (وَوَعَيْنَاهَا) أَيْ حَفِظْنَاهَا (وَرَجَمْنَا مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ تَبَعًا لَهُ ﷺ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَهُ (أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ) أَيْ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي نُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الَّذِي خَشِيَهُ قَدْ وَقَعَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَهَذَا مِنْ كَرَامَاتِ عُمَرَ ﵁ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا كَانَ مُحْصَنًا) أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا قَدْ تَزَوَّجَ حُرَّةً تَزْوِيجًا صَحِيحًا وَجَامَعَهَا قَالَهُ الْحَافِظُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَصْلُ الْإِحْصَانِ الْمَنْعُ وَالْمَرْأَةُ تَكُونُ مُحْصَنَةً بِالْإِسْلَامِ وَبِالْعَفَافِ وَالْحُرِّيَّةِ وَبِالتَّزْوِيجِ يُقَالُ أَحْصَنَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُحْصِنَةٌ وَمُحْصَنَةٌ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمُحْصَنُ بِالْفَتْحِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّتِي جِئْنَ نَوَادِرَ يُقَالُ أَحْصَنَ فَهُوَ مُحْصَنٌ وَأَسْهَبَ فَهُوَ مُسْهَبٌ وَأَلْفَجَ فَهُوَ مُلْفَجٌ انْتَهَى وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ هُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعَةُ شَرَائِطَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِصَابَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ (إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ شَهَادَةُ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ ذُكُورٍ بِالْإِجْمَاعِ (أَوْ كَانَ حمل

стр. 3982

اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَرْأَةَ تُحَدُّ إِذَا وُجِدَتْ حَامِلًا وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَلَمْ تَذْكُرْ شُبْهَةً وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ قَالُوا إِذَا حَمَلَتْ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا عَرَفْنَا إِكْرَاهَهَا لَزِمَهَا الْحَدُّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَرِيبَةً وَتَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْحَبَلِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَدُّ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرَافِ أَوِ الْبَيِّنَةِ وَاسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى هَلَاكِ النُّفُوسِ وَكَوْنُهُ قَالَهُ فِي مَجْمَعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُخَالِفِ (أَوِ اعْتِرَافٌ) أَيِ الإقرار بالزنى وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى من اعترف بالزنى وَهُوَ مُحْصَنٌ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِالْحَدِّ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ تَكْرَارِ إِقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا ٤ - (بَاب رَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ) [٤٤١٩] (عَنْ هِشَامِ بن سعد) هو القرشي ضعفه بن معين والنسائي وبن عَدِيٍّ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ نُعَيْمٍ (فِي حِجْرِ أَبِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ فِي تَرْبِيَةِ أَبِي هَزَّالٍ (فَأَصَابَ جَارِيَةً) أَيْ جَامَعَ مَمْلُوكَةً (مِنَ الْحَيِّ) أَيِ الْقَبِيلَةِ (فَقَالَ لَهُ أَبِي) أَيْ هَزَّالٌ (ائْتِ) أَمْرٌ مِنَ الْإِتْيَانِ أَيِ احْضُرْ وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَيْ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْإِتْيَانِ وَالْإِخْبَارِ (رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا) أَيْ عَنِ الذَّنْبِ قَالَ الطِّيِبِيُّ اسْمُ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى الْمَذْكُورِ وَخَبَرُهُ مَخْرَجًا وَلَهُ ظَرْفُ لَغْوٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ

стр. 3983

تعالى ولم يكن له كفوا أحد والمعنى يكون إتيانك وإخبارك رسول الله مَخْرَجًا لَكَ (فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ) أَيْ حكمه (فأعرض) أي رسول الله (عَنْهُ) أَيْ عَنْ مَاعِزٍ (فَعَادَ) أَيْ فَرَجَعَ بعد ما غاب قاله القارىء (قَالَهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (فَبِمَنْ) أَيْ فَبِمَنْ زَنَيْتَ قَالَ الطِّيِبِيُّ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَبِمَنْ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا كَانَ كَمَا قُلْتَ فَبِمَنْ زَنَيْتَ (هَلْ بَاشَرْتَهَا) أَيْ وَصَلَ بَشَرَتُكَ بَشَرَتَهَا وَقَدْ يُكَنَّى بِالْمُبَاشَرَةِ عَنِ الْمُجَامَعَةِ قال تعالى فالآن باشروهن (فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي بِهِ (فَأُخْرِجَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِهِ) قَالَ الطِّيِبِيُّ وَعُدِّيَ أُخْرِجَ بِالْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ تَأْكِيدًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ (إِلَى الْحَرَّةِ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ هِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ فَوَاللَّهِ مَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَكِنَّهُ قَامَ لَنَا قَالَ أَبُو كَامِلٍ قَالَ فَرَمَيْنَاهُ بِالْعِظَامِ وَالْمَدَرِ وَالْخَزَفِ فَاشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَرَجَمْنَاهُ يَعْنِي مَاعِزًا بِالْمُصَلَّى وَفِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَالْمُصَلَّى كَانَ بِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ فَيَتَّفِقُ الْحَدِيثَانِ وَأَمَّا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ قَوْلِهِ فَأُمِرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يُتَأَوَّلْ عَلَى أَنَّهُ اتُّبِعَ حِينَ هَرَبَ حَتَّى أُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الصِّحَاحَ وَالْحِسَانَ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِلَيْهَا هَارِبًا لَا أَنَّهُ ذُهِبَ بِهِ إِلَيْهَا ابْتِدَاءً لِيُرْجَمَ بِهَا (مَسَّ الْحِجَارَةَ) أَيْ أَلَمَ إِصَابَتِهَا (فَجَزِعَ) أَيْ فَلَمْ يَصْبِرْ (فَخَرَجَ) أَيْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي يُرْجَمُ فِيهِ (يَشْتَدُّ) أَيْ يَسْعَى وَيَعْدُو حَالٌ (فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ) بِالتَّصْغِيرِ (أَصْحَابَهُ) أَيْ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَصْحَابَ مَاعِزٍ الَّذِينَ يَرْجُمُونَهُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (بِوَظِيفِ بَعِيرٍ) الْوَظِيفُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مُسْتَدَقُّ الذراع

стр. 3984

وَالسَّاقِ مِنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَغَيْرِهِمَا وَفِي الْمُغْرِبِ وَظِيفُ الْبَعِيرِ مَا فَوْقَ الرُّسْغِ مِنَ السَّاقِ (ثم أتى) أي جاء بن أُنَيْسٍ (فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ جَزَعَهُ وَهَرَبَهُ (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) جَمَعَ الْخِطَابَ لِيَشْمَلَهُ وَغَيْرَهُ (لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ) أَيْ يَرْجِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ (فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ فَيَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وَيُكَفِّرَ عنه سيئته من غير رجمه قال القارىء قَالَ الطِّيِبِيُّ الْفَاءَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ لَمَّا فِي قَوْلِهِ فَلَمَّا رُجِمَ إِلَى قَوْلِهِ فَقَتَلَهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَصْلُحُ لِلْعَطْفِ إِمَّا عَلَى الشَّرْطِ أَوْ عَلَى الْجَزَاءِ إِلَّا قَوْلَهُ فَوَجَدَ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْجَزَاءِ وَقَوْلُهُ فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَصْلُحُ لِلْجَزَاءِ وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ جَوَابَ لَمَّا لَا يَدْخُلُهُ الْفَاءُ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ الْجَزَاءُ وَيُقَالُ تَقْدِيرُهُ لَمَّا رُجِمَ فَكَانَ كَيْتُ فَكَيْتُ عَلِمْنَا حُكْمَ الرَّجْمِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا الْفَاءَاتُ كُلُّهَا لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا الْعَطْفَ عَلَى الشَّرْطِ انْتَهَى قُلْتُ فِي بَعْضِ النُّسَخَ الْمَوْجُودَةِ جَزِعَ بِغَيْرِ الْفَاءِ فَعَلَى هَذَا الظَّاهِرِ أَنَّهُ هُوَ جَوَابُ لَمَّا وَبَقِيَّةُ الْفَاءَاتِ لِلْعَطْفِ عَلَى الْجَزَاءِ وَفِي قَوْلِهِ هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ إِلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُقِرَّ إِذَا فَرَّ يُتْرَكُ فَإِنْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ فَذَاكَ وَإِلَّا اتُّبِعَ وَرُجِمَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ لَا يُتْرَكُ إِذَا هَرَبَ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ تُرِكَ وعن بن عُيَيْنَةَ إِنْ أُخِذَ فِي الْحَالِ كُمِّلَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ أُخِذَ بَعْدَ أَيَّامٍ تُرِكَ وَعَنْ أَشْهَبَ إِنْ ذَكَرَ عُذْرًا يُقْبَلُ تُرِكَ وَإِلَّا فَلَا وَنَقَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالرَّجْمِ بَسَطَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ يَزِيدَ وَصُحْبَةِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ [٤٤٢٠] (قِصَّةُ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ) أَيِ الْمَذْكُورَةُ في الحديث المتقدم وفيه قوله هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ (فَقَالَ) أَيْ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ (حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) هُوَ أبو محمد المدني وأبوه بن الْحَنَفِيَّةِ الْفَقِيهُ مُوَثَّقٌ (قَالَ) أَيْ حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ذَلِكَ) مَفْعُولُ حَدَّثَنِي وَفَاعِلُهُ مَنْ شِئْتُمْ (من قول رسول الله) مِنْ بَيَانِيَّةٌ (فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِ رسول الله (مِنْ رِجَالِ أَسْلَمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ قَبِيلَةٌ (مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ) أَيْ رِجَالِ أَسْلَمَ الَّذِينَ حَدَّثُونِي الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ غَيْرَ مُتَّهَمِينَ عِنْدِي (قَالَ) أَيْ حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ (وَلَمْ أَعْرِفْ هَذَا الْحَدِيثَ) أَيْ مَعَ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ أو

стр. 3985

الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ فَقَطْ (كنت في من رَجَمَ الرَّجُلَ) أَيْ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ (صَرَخَ) أَيْ صَاحَ (رُدُّونِي) أَيْ أَرْجِعُونِي (وَغَرُّونِي) أَيْ خدعوني (وأخبروني أن رسول الله غَيْرُ قَاتِلِي) هَذَا بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ قَتَلُونِي وَغَرُّونِي (فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ) أَيْ لَمْ نَنْتَهِ عَنْهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ نَزَعَ عَنِ الْأُمُورِ انْتَهَى عَنْهَا (لِيَسْتَثْبِتَ إِلَخْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِيَسْتَتِيبَ وَهَذَا مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ ﵁ يعني أن النبي إِنَّمَا قَالَ كَذَلِكَ لِأَجْلِ الِاسْتِيتَابِ أَوْ لِأَجْلِ الِاسْتِثْبَاتِ وَالِاسْتِفْصَالِ فَإِنْ وَجَدَ شُبْهَةً يَسْقُطُ بِهَا الْحَدُّ أَسْقَطَهُ لِأَجْلِهَا وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شُبْهَةً كَذَلِكَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ النبي أَمَرَهُمْ أَنْ يَدَعُوهُ وَأَنَّ هَرَبَ الْمَحْدُودِ مِنَ الْحَدِّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْقِطَاتِ وَلِهَذَا قَالَ فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ وَجِئْتُمُونِي بِهِ (فَأَمَّا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ حَرْفُ الشَّرْطِ (لِتَرْكِ حَدٍّ فَلَا) أَيْ إنما قال فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ إِلَخْ لِلِاسْتِثْبَاتِ وَأَمَّا قَوْلُهُ لِتَرْكِ الْحَدِّ فَلَا (قَالَ) أَيْ حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ الْمُقِرَّ إِنْ فَرَّ فِي أَثْنَاءِ إِقَامَةِ الْحَدِّ هَلْ يُتْرَكُ أَمْ يُتْبَعُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ طَرَفًا مِنْهُ بِنَحْوِهِ [٤٤٢١] (فَسَأَلَ قَوْمَهُ أَمَجْنُونٌ هُوَ) وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سلمة عنه فقال له النبي أَبِكَ جُنُونٌ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ سَأَلَهُ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ قَوْمَهُ احْتِيَاطًا فَإِنَّ فَائِدَةَ سُؤَالِهِ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى الْجُنُونَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ دَفْعٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ دَعْوَاهُ فَلَمَّا أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا جُنُونَ بِهِ سَأَلَ عَنْهُ قَوْمَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ولا يعتد

стр. 3986

بِقَوْلِهِ كَذَا جَمَعَ الْحَافِظُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ (فَانْطُلِقَ) بصيغة المجهول (به) الباء للتعدية (فلم يصل) أي النبي (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَاعِزٍ وَسَيَجِيءُ فِي هَذَا الباب تحقيق أنه صَلَّى عَلَيْهِ أَمْ لَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا [٤٤٢٢] (أَعْضَلُ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُشْتَدُّ الْخَلْقِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الْحَافِظُ وَفِي لَفْظٍ ذُو عَضَلَاتٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَضَلَةُ مَا اجْتَمَعَ مِنَ اللَّحْمِ فِي أَعْلَى بَاطِنِ السَّاقِ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ كُلُّ عصبة مع لحم فهي عضلة وقال بن الْقَطَّاعِ الْعَضَلَةُ لَحْمُ السَّاقِ وَالذِّرَاعِ وَكُلُّ لَحْمَةٍ مُسْتَدِيرَةٍ فِي الْبَدَنِ وَالْأَعْضَلُ الشَّدِيدُ الْخَلْقِ وَمِنْهُ أَعْضَلَ الْأَمْرُ إِذَا اشْتَدَّ لَكِنْ دَلَّتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا كَثِيرُ الْعَضَلَاتِ انْتَهَى (فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) احتج به من قال إن الإقرار بالزنى لَا يَثْبُتُ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (قَبَّلْتُهَا) مِنَ التَّقْبِيلِ (إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ) بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ مَعْنَاهُ الْأَرْذَلُ وَالْأَبْعَدُ وَالْأَدْنَى وَقِيلَ اللَّئِيمُ وَقِيلَ الشَّقِيُّ وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ وَمُرَادُهُ نفسه فحقرها وعابها لاسيما وَقَدْ فَعَلَ هَذِهِ الْفَاحِشَةَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ السُّيُوطِيُّ الْأَخِرَ بِوَزْنِ الْكَبِدِ أَيِ الْأَبْعَدَ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ الْخَيْرِ (فَرَجَمَهُ) أَيْ أَمَرَ بِرَجْمِهِ (أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ (كُلَّمَا نَفَرْنَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (خَلَفَ أَحَدُهُمْ) أَيْ بَقِيَ خَلْفَ الْغُزَاةِ خَلِيفَةٌ لَهُمْ فِي أَهَالِيهِمْ وَيَخُونُ فِي نِسَائِهِمْ (لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ الْخَلِيفَةِ (نَبِيبٌ) بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ يَاءٍ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ عَلَى وَزْنِ الْأَمِيرِ هُوَ صَوْتُ التَّيْسِ عِنْدَ السِّفَادِ (كَنَبِيبِ التَّيْسِ) فِي الْقَامُوسِ التَّيْسُ الذَّكَرُ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْمَعْزِ (يَمْنَحُ) أَيْ يُعْطِي (إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ الْقَلِيلُ مِنَ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَفِي النِّهَايَةِ الْكُثْبَةُ كُلُّ قَلِيلٍ جَمَعْتَهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَالْجَمْعُ كُثَبٌ وَالْمَعْنَى أَيْ يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمُغِيبَةِ فَيَخْدَعُهَا بِالْقَلِيلِ مِنَ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ فَيُجَامِعُ مَعَهَا (إِنْ يُمْكِنَنِي مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ) كَلِمَةُ إِنْ نَافِيَةٌ (إِلَّا نَكَّلْتُهُ) أَيْ عَذَّبْتُهُ بِالرَّجْمِ أَوِ الْجَلْدِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَمَا وَاللَّهِ إِنْ يُمَكِّنَنِي مِنْ أَحَدٍ لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُمَكِّنَنِي مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ سِمَاكًا عَنِ الْكُثْبَةِ فَقَالَ اللَّبَنُ

стр. 3987

الْقَلِيلُ [٤٤٢٣] (وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ) الْمُرَادُ مِنَ الْأَوَّلِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ (قَالَ فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ) أَيْ رَدَّ رَسُولُ الله ماعز بن مَالِكٍ مَرَّتَيْنِ (فَقَالَ إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) قَالَ الْحَافِظُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ وَفِي أُخْرَى مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ شُعْبَةُ قَالَ سِمَاكٌ فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عند مسلم أيضا فاعترف بالزنى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا أَمَّا رِوَايَةُ مَرَّتَيْنِ فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اعْتَرَفَ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَمَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ آخَرَ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ بُرَيْدَةَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَاقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى إِحْدَاهُمَا أَوْ مُرَادِهِ اعْتَرَفَ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ فَيَكُونُ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي اثْنَيْنِ وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عَبَّاسٍ جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ فاعترف بالزنى مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنى مَرَّتَيْنِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الثَّلَاثِ فَكَانَ الْمُرَادُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرَّاتِ الَّتِي رَدَّهُ فِيهَا وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ بَلِ اسْتَثْبَتَ فِيهِ وَسَأَلَ عَنْ عَقْلِهِ لَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الصَّامِتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْبَاتَ فِيهِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَلَفْظُهُ جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عنه رسول الله فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ تَدْرِي مَا الزَّانِي إِلَى آخِرِهِ وَالْمُرَادُ بِالْخَامِسَةِ الصِّفَةُ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْهُ عِنْدَ السُّؤَالِ وَالِاسْتِثْبَاتِ لِأَنَّ صِفَةَ الْإِعْرَاضِ وَقَعَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَصِفَةَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ لِلسُّؤَالِ وَقَعَ بَعْدَهَا انْتَهَى [٤٤٢٥] (أَحَقٌّ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَثَابِتٌ (مَا بَلَغَنِي عَنْكَ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الْخَبَرُ الَّذِي وَصَلَ إِلَيَّ فِي شَأْنِكَ هَلْ هُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ (قَالَ) مَاعِزٌ (فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) أَيْ أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (فَأَمَرَ بِهِ) أَيْ بِرَجْمِهِ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ الذي يدل على أنه كَانَ عَارِفًا بِزِنَا مَاعِزٍ فَاسْتَنْطَقَهُ لِيُقِرَّ بِهِ لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى الَّتِي تدل على أنه لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ فَجَاءَ مَاعِزٌ فَأَقَرَّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ مِرَارًا قُلْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اختصار

стр. 3988

وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَهُ حَدِيثُ مَاعِزٍ فَأَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَاسْتَنْطَقَهُ لِيُنْكِرَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ لِدَرْءِ الْحَدِّ فَلَمَّا أَقَرَّ أَعْرَضَ عَنْهُ مِرَارًا وَكُلُّ ذَلِكَ لِيَرْجِعَ عَمَّا أَقَرَّ فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ ذَلِكَ فَقَالَ أَبِهِ جُنُونٌ إِلَخْ هَذَا تَلْخِيصُ مَا قَالَهُ الطِّيِبِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٤٤٢٦] (فَطَرَدَهُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الطَّرْدُ الْإِبْعَادُ (اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَنْ يَرْجُمُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٤٤٢٧] (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنِي يَعْلَى عَنْ عِكْرِمَةَ أن النبي) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُرْسَلَةٌ وَرِوَايَةُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ مَوْصُولَةٌ قَالَ الْحَافِظُ لَمْ يَذْكُرْ مُوسَى فِي روايته بن عَبَّاسٍ بَلْ أَرْسَلَهُ وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الْعِلَّةَ لِأَنَّ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ وَصَلَهُ وَهُوَ أَخْبَرَ بِحَدِيثِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ دُونَ مُوسَى فِي الْحِفْظِ وَلِأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ مَعْرُوفٌ عن بن عَبَّاسٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَمِنْ رواية خالد الحذاء عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سعيد بن جبير عن بن عَبَّاسٍ انْتَهَى (لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ) مِنَ التَّقْبِيلِ حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ أَيِ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَحَلَّ التَّقْبِيلِ (أَوْ غَمَزْتَ) أَيْ لَمَسْتَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ مِنْ غَمَزْتُ الشَّيْءَ بِيَدِي أَيْ لَمَسْتُ بِهَا أَوْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ بِهَا قاله القارىء قُلْتُ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هِيَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ لَمَسْتَ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ غَمَزَهُ بِيَدِهِ شِبْهُ نَخَسَهُ وَبِالْعَيْنِ وَالْجَفْنِ وَالْحَاجِبِ أَشَارَ (أَوْ نَظَرْتَ) أَيْ فَأَطْلَقْتَ عَلَى أَيِّ وَاحِدَةٍ فَعَلْتَ مِنَ الثلاث زنا الْمُرَادُ لَعَلَّكَ وَقَعَ مِنْكَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ فَتَجَوَّزْتَ بإطلاق لفظ الزنى عَلَيْهَا فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ

стр. 3989

عِنْدَهُمَا أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا ذِكْرُ اللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأُذُنِ قَالَهُ الْحَافِظُ (أَفَنِكْتَهَا) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْكَافِ عَلَى وَزْنِ بِعْتَ أَيْ أَفَجَامَعْتَهَا يُقَالُ نَاكَهَا يَنِيكُهَا جَامَعَهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مُرْسَلًا وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُسْنَدًا [٤٤٢٨] (جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ) يَعْنِي مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ (حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ) أَيِ الذَّكَرُ (فِي ذَلِكَ مِنْهَا) أَيْ فِي فَرْجِهَا وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ عَلَى مَا قَالَ الْحَافِظُ هَلْ أَدْخَلْتَهُ وَأَخْرَجْتَهُ قَالَ نَعَمْ (كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْمِيلُ (فِي الْمُكْحُلَةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمُكْحُلَةُ مَا فِيهِ الْكُحْلُ وَهُوَ أَحَدُ مَا جَاءَ مِنَ الْأَدَوَاتِ بِالضَّمِّ (وَالرِّشَاءِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الرِّشَاءُ كَكِسَاءِ الْحَبْلِ وَفِي هَذَا مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِثْبَاتِ وَالِاسْتِفْصَالِ مَا لَيْسَ بَعْدَهُ فِي تَطَلُّبِ بَيَانِ حَقِيقَةِ الْحَالِ فَلَمْ يَكْتَفِ بِإِقْرَارِ المقر بالزنى بَلِ اسْتَفْهَمَهُ بِلَفْظٍ لَا أَصْرَحَ مِنْهُ فِي المطلوب وهو لفظ النيك الذي كان يَتَحَاشَى عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ صَوَّرَهُ تَصْوِيرًا حِسِّيًّا وَلَا شَكَّ أَنَّ تَصْوِيرَ الشَّيْءِ بِأَمْرٍ مَحْسُوسٍ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِفْصَالِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِأَصْرَحِ أَسْمَائِهِ وَأَدَلِّهَا عَلَيْهِ (انْظُرْ إِلَى هَذَا) أَيْ مَاعِزٍ (فَلَمْ تَدَعْهُ) مِنْ وَدَعَ أَيْ فَلَمْ تَتْرُكْهُ (رَجْمَ الْكَلْبِ) مَفْعُولٌ لَهُ لِلنَّوْعِ (فَسَكَتَ) رسول الله (عَنْهُمَا) وَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا شَيْئًا (شَائِلٌ بِرِجْلِهِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ رَافِعٌ رِجْلَهُ مِنْ شِدَّةِ الِانْتِفَاخِ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ شَالَتِ النَّاقَةُ بِذَنَبِهَا شَوْلًا وَشَوَلَانًا وَأَشَالَتْهُ رَفَعَتْهُ فَشَالَ الذَّنَبُ نَفْسُهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ (نَحْنُ ذَانِ) تَثْنِيَةُ ذَا أَيْ نَحْنُ هَذَانِ مَوْجُودَانِ وَحَاضِرَانِ (فَقَالَ انْزِلَا) لَعَلَّهُمَا كَانَا عَلَى الْمَرْكَبِ أَوْ كَانَتْ جِيفَةُ الْحِمَارِ

стр. 3990

فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ نَالَ مِنْ عِرْضِهِ سَبَّهُ (أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْحِمَارِ (إِنَّهُ) أَيْ مَاعِزًا (يَنْغَمِسُ فِيهَا) أَيْ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَنْقَمِسُ بِالْقَافِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ يَنْغَمِسُ وَيَغُوصُ فِيهَا وَالْقَامُوسُ مُعْظَمُ الْمَاءِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ قَمَسَهُ فِي الْمَاءِ فَانْقَمَسَ أَيْ غَمَسَهُ وَغَطَّهُ وَيُرْوَى بِالصَّادِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ فِيهِ أَنَكَحْتَهَا قُلْتُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُقَالُ فيه بن الصَّامِتِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ هَصَّاصٍ وبن الهصهاص وصحح بعضهم بن الْهَصْهَاصِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَحَكَى الْخِلَافَ فِيهِ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ حَدِيثُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ لَيْسَ يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْوَاحِدِ [٤٤٢٩] (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ إِلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي نُسْخَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَأَوْرَدَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ثُمَّ قَالَ حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ (زَادَ) أَيْ حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (وَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ رُبِطَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالضَّمِيرُ لِمَاعِزٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَيَكُونُ لَفْظُ الْحَدِيثِ هَكَذَا فَأَمَرَ بِهِ فَرُبِطَ إِلَى شَجَرَةٍ فَرُجِمَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ وُقِفَ) أَيْ مَكَانَ رُبِطَ [٤٤٣٠] (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ (قَالَ أَحْصَنْتَ) بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَتَزَوَّجْتَ وَدَخَلْتَ بِهَا وَأَصَبْتَهَا (فَرُجِمَ فِي الْمُصَلَّى) أَيْ عِنْدَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُصَلَّى عنده

стр. 3991

الْعِيدُ وَالْجَنَائِزُ وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأُمِرْنَا أَنْ نَرْجُمَهُ فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَالَهُ الْحَافِظُ (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ أَيْ أَوْجَعَتْهُ (فَرَّ) بِالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ هَرَبَ (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ خَيْرًا) أَيْ ذَكَرَهُ بِخَيْرٍ وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا (وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا وَهُوَ فِي السُّنَنِ لِأَبِي قُرَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَ لَا قَالَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله وَالنَّاسُ فَهَذَا الْخَبَرُ يَجْمَعُ الِاخْتِلَافَ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ النَّفْيِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حِينَ رُجِمَ وَرِوَايَةُ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَكَذَا طَرِيقُ الْجَمْعِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ بُرَيْدَةَ أن النبي لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَاعِزٍ وَلَمْ يَنْهَ عن الصلاة عليه وبتأيد بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْجُهَنِيَّةِ الَّتِي زَنَتْ وَرُجِمَتْ أن النبي صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ لَوَسِعَتْهُمْ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِالرَّجْمِ وَلَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ يُغَسِّلُونَهُ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ رَدْعًا لِأَهْلِ الْمَعَاصِي إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مِمَّنْ لا يصلى عليه ولئلا يجترىء النَّاسُ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرْجُومِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَرْجُومِ وَلَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَعَنْ قَتَادَةَ لَا يصلى على المولود من الزنى وَأَطْلَقَ عِيَاضٌ فَقَالَ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي وَالْمَقْتُولِينَ فِي الْحُدُودِ وَإِنْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُحَارِبِينَ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ فِي الْمَيِّتَةِ من نفاس الزنى وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ قَالَ وَحَدِيثُ الْبَابِ فِي صِفَةِ الْغَامِدِيَّةِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي الْجُزْءِ الْعِشْرِينَ [٤٤٣١] (إِلَى الْبَقِيعِ) أَيْ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (مَا أَوْثَقْنَاهُ) قَالَ النووي هكذا

стр. 3992

الْحُكْمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (وَلَا حَفَرْنَا لَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا الْحَفْرُ لِلْمَرْجُومِ وَلِلْمَرْجُومَةِ فَفِيهِ مَذَاهِبُ لِلْعُلَمَاءِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ ﵃ لَا يُحْفَرُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ يُحْفَرُ لَهُمَا وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُحْفَرُ لِمَنْ يُرْجَمُ بِالْبَيِّنَةِ لَا لِمَنْ يُرْجَمُ بِالْإِقْرَارِ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا لَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ بِالْإِقْرَارِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهَا يُسْتَحَبُّ الْحَفْرُ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا لِيَكُونَ أَسْتَرَ وَالثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ بَلْ هُوَ إِلَى خِيرَةِ الْإِمَامِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ اسْتُحِبَّ وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فَلَا لِيُمْكِنَهَا الْهَرَبُ إِنْ رَجَعَتْ فَالْقَائِلُ بِالْحَفْرِ لَهُمَا احْتَجَّ بِأَنَّهُ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ وَلِمَاعِزٍ فِي رِوَايَةٍ وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ أَنَّ الْمُرَادَ حَفِيرَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَمَّا الْقَائِلُ بِعَدَمِ الْحَفْرِ فَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مُنَابِذٌ لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ وَلِرِوَايَةِ الْحَفْرِ لِمَاعِزٍ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَيَحْمِلُ رِوَايَةَ الْحَفْرِ لِمَاعِزٍ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ انْتَهَى (وَالْمَدَرُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ هُوَ الطِّينُ الْمُجْتَمِعُ الصُّلْبُ (وَالْخَزَفُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالزَّايِ آخِرُهُ فَاءٌ وهي ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَقَدْ اِخْتُلِفَ فِي حَدِيث مَاعِز هَلْ حُفِرَ لَهُ أَمْ لَا فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَمَرَنَا رَسُول اللَّه ﷺ أَنْ نَرْجُم مَاعِز بْن مَالِك خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الْبَقِيع فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَكِنْ قَامَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِالْعِظَامِ وَالْخَزَف فَاشْتَكَى فَخَرَجَ يَشْتَدّ حَتَّى اِنْتَصَبَ لَنَا فِي عُرْض الْحَرَّة الْحَدِيث وَفِي صحيح مسلم أيضا عن بن بُرَيْدَةَ قَالَ جَاءَ مَاعِز بْن مَالِك إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي زَنَيْت فَأُرِيد أَنْ تُطَهِّرنِي فَرَدَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَد أَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي قَدْ زَنَيْت فَرَدَّهُ الثَّانِيَة فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى أَهْله فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا هَلْ تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالُوا مَا نَعْلَمهُ إِلَّا وَفِي الْعَقْل مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نَرَى فَأَتَاهُ الثَّالِثَة فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْس بِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَة حَفَرَ لَهُ حُفْرَة ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَهَذَا الْحَدِيث فِيهِ أَمْرَانِ سَائِر طُرُق حَدِيث مَالِك تَدُلّ عَلَى خِلَافهمَا أَحَدهمَا أَنَّ الْإِقْرَار مِنْهُ وَتَرْدِيد النَّبِيّ ﷺ كَانَ فِي مَجَالِس مُتَعَدِّدَة وَسَائِر الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَجْلِس وَاحِد الثَّانِي ذَكَرَ الْحَفْر فِيهِ وَالصَّحِيح فِي حَدِيثه أَنَّهُ لَمْ يَحْفِر لَهُ وَالْحَفْر وَهْم وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّهُ هَرَبَ وَتَبِعُوهُ

стр. 3993

أَكْسَارُ الْأَوَانِي الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الْمَدَرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجَارَةَ لَا تَتَعَيَّنُ لِلرَّجْمِ وَعَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ (فَاشْتَدَّ) أَيْ عَدَا عَدْوًا شَدِيدًا (عُرْضُ الْحَرَّةِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ جَانِبُهَا وَالْحَرَّةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ (فَانْتَصَبَ) أَيْ قَامَ (بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ) أَيِ الْحِجَارَةِ الْكِبَارِ وَاحِدُهَا جَلْمَدٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَجُلْمُودٌ بِضَمِّ الْجِيمِ (حَتَّى سَكَتَ) هُوَ بِالتَّاءِ فِي آخِرِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ سَكَنَ بِالنُّونِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَمَعْنَاهُمَا مَاتَ انْتَهَى (فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ) أَمَّا عَدَمُ السَّبِّ فَلِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ لَهُ مَطْهَرَةٌ لَهُ مِنْ مَعْصِيَةٍ وَأَمَّا عَدَمُ الِاسْتِغْفَارِ فَلِئَلَّا يَغْتَرَّ غَيْرُهُ فَيَقَعَ فِي الزنى اتكالا على استغفاره قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ [٤٤٣٢] (جَاءَ رَجُلٌ) وَهُوَ مَاعِزٌ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ) أَيْ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ تَامًّا مِثْلَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (ذَهَبُوا يَسُبُّونَهُ) أَيْ جَعَلُوا يَسُبُّونَهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ [٤٤٣٣] (اسْتَنْكَهَ مَاعِزًا) مِنَ النَّكْهَةِ وَهِيَ رِيحُ الْفَمِ أَيْ شَمَّ رِيحَ فَمِهِ لَعَلَّهُ يَكُونُ شَرِبَ خَمْرًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَأَنَّهُ ارْتَابَ بِأَمْرِهِ هَلْ هُوَ سَكْرَانُ انْتَهَى وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ فَقَالَ أَشَرِبَ خَمْرًا فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ قَالَ النَّوَوِيُّ مَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ الصَّحِيحُ صِحَّةُ إِقْرَارِ السَّكْرَانِ وَنُفُوذُ أَقْوَالِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ وَالسُّؤَالُ عَنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَكْرَانَ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَم مِنْ سُوء حِفْظ بَشِير بْن مُهَاجِر وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل الْإِمَام أَحْمَد إِنَّ تَرْدِيده إِنَّمَا كَانَ فِي مَجْلِس وَاحِد إلا ذلك الشيخ بن مهاجر

стр. 3994

الْحَدُّ قَالَ وَاحْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَجُمْهُورُ الْحِجَازِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِشُرْبِهَا وَلَا أَقَرَّ بِهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا لَا يُحَدُّ بِمُجَرَّدِ رِيحِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى شُرْبِهِ أَوْ إِقْرَارِهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِطُولِهِ وَفِيهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ [٤٤٣٤] (أَنَّ الْغَامِدِيَّةَ) هِيَ امرأة من غامد رجمت بإقرارها بالزنى وَسَيَجِيءُ حَدِيثُهَا (لَوْ رَجَعَا) أَيْ إِلَى رِحَالِهِمَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِقْرَارِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ يَرْجِعَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ لَمْ يَرْجِعَا إِلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَوْ رَجَعَا إِلَى رِحَالِهِمَا ولم يرجعا إليه بَعْدَ كَمَالِ الْإِقْرَارِ لَمْ يَرْجُمْهُمَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْكُوفِيُّ وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ [٤٤٣٥] (أَنَّ اللَّجْلَاجَ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ جِيمٌ أَيْضًا بِوَزْنِ تَكْرَارِ (أَبَاهُ) بَدَلٌ مِنْ اللَّجْلَاجِ (أَخْبَرَهُ) أَيْ خَالِدًا أَنَّهُ أَيْ اللَّجْلَاجَ (يَعْتَمِلُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ اعْتَمَلَ عَمِلَ بِنَفْسِهِ (تَحْمِلُ صَبِيًّا) صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ (فَثَارَ النَّاسُ) أَيْ وَثَبُوا (مَعَهَا) أَيْ مَعَ تِلْكَ المرأة (وهو) أي رسول الله وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ (مَنْ أَبُو هَذَا) أَيْ هَذَا الصبي (معك) بكسر الكاف والحاصل أنه قَالَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ مَنِ الَّذِي تَوَلَّدَ هَذَا الصَّبِيَّ مِنْ زِنَاهُ بِكِ فَصَارَ هُوَ أَبًا لِهَذَا الصَّبِيِّ (فَسَكَتَتْ) تِلْكَ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تُجِبْ شَيْئًا (فَقَالَ شَابٌّ حَذْوَهَا) بِالْفَتْحِ وَبِالنَّصْبِ أَيْ قَالَ شَابٌّ كَائِنٌ حِذَاءَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ دَارِي حِذْوَةَ دَارِهِ وَحِذَتُهَا وَحَذْوُهَا بالفتح مرفوعا ومنصوبا

стр. 3995

إزائها (أَنَا أَبُوهُ) أَيْ أَنَا الَّذِي زَنَيْتُ بِأُمِّهِ (إِلَى بَعْضِ مَنْ حَوْلَهُ) أَيْ حَوْلَ ذَلِكَ الشَّابِّ (فَحَفَرْنَا لَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِالْحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ وَتَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا (حَتَّى هَدَأَ) أَيْ سَكَنَ (فَانْطَلَقْنَا بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الرَّجُلِ (فَإِذَا هُوَ أَبُوهُ) أَيْ فَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَبًا لِلْمَرْجُومِ (فَأَعَنَّاهُ) مِنَ الْإِعَانَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَاللَّجْلَاجُ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ أسلم وهو بن خَمْسِينَ سَنَةً وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ جِيمٌ أَيْضًا وَهُوَ عَامِرِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْعَلَاءِ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً ﵁ [٤٤٣٧] (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ إِلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فِي بَابِ إِذَا أقر الرجل بالزنى وَلَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ وَسَيَأْتِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَجَلَدَهُ الْحَدَّ) لِإِقْرَارِهِ (وَتَرَكَهَا) لِإِنْكَارِهَا [٤٤٣٨] (أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) فَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وبن السَّرْحِ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
следующие страницы →