Полный текст (4 665 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَيَاءَ أَحَدُ الشُّعَبِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّفَاصِيلِ فِي الْإِيمَانِ وَتَبَايُنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَرَجَاتِهِمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
(إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ) الْوَفْدُ جَمْعُ وَافِدٍ وَهُوَ الَّذِي أَتَى إِلَى الْأَمِيرِ بِرِسَالَةٍ مِنْ قَوْمٍ وَقِيلَ رَهْطٌ كِرَامٌ وَعَبْدُ الْقَيْسِ أَبُو قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ تَنْتَهِي إِلَى رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ (لَمَّا قَدِمُوا) أَيْ أَتَوْا (وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِهَا (مِنَ الْمَغْنَمِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ أَيِ الْغَنِيمَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ) مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَصْلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ
وَالْمَعْنَى يُوصِلُهُ إِلَيْهِ
وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ زَالَ الْإِشْكَالُ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ الْحَاجِزَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ فِعْلُ الصَّلَاةِ لَا تَرْكُهَا قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ
وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ الْفَرْضِ عَمْدًا قَالَ عُمَرُ ﵁ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ ترك الصلاة وقال بن مَسْعُودٍ تَرْكُهَا كُفْرٌ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﵊ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِهَا جُحُودًا أَوْ عَلَى الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَمَكْحُولٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ
وَقَالَ صَاحِبُ الرَّأْيِ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ
وَقَدْ أَطَالَ الكلام في هذه المسألة الإمام بن الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ فَأَطَابَ وَأَحْسَنَ وأجاد
стр. 4202
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ
٥ - (بَاب الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ)
وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَابُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁
قَالَ الْحَافِظُ ذَهَبَ السَّلَفُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالُوا مَتَى قُبِلَ ذَلِكَ كان شكا
وقال الشيخ محي الدِّينِ وَالْأَظْهَرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بكثرة النظر ووضوح الأدلة لهذا كَانَ إِيمَانُ الصِّدِّيقِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيْرِهِ لَا يَعْتَرِيهِ الشُّبْهَةُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى أَنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الْإِيمَانُ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَتَوَكُّلًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْبَرَاهِينَ وَكَثْرَتِهَا انتهى
(لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْكَعْبَةِ) أَيْ تَوَجَّهَ لِلصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أَيْ صَلَاتَكُمْ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ فَسُمِّيَتِ الصَّلَاةُ إِيمَانًا فَعُلِمَ أَنَّهَا مِنَ الْإِيمَانِ بِمَكَانٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) وَهُوَ الْبَاهِلِيُّ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ ﵁ (مَنْ أَحَبَّ) أَيْ شيئا أو شخصا فخذف الْمَفْعُولُ (لِلَّهِ) أَيْ لِأَجْلِهِ وَلِوَجْهِهِ مُخْلِصًا لَا لِمَيْلِ قَلْبِهِ وَلَا لِهَوَاهُ (وَأَبْغَضَ لِلَّهِ لَا) لِإِيذَاءِ مَنْ أَبْغَضَهُ لَهُ بَلْ لِكُفْرِهِ وَعِصْيَانِهِ (وَأَعْطَى لِلَّهِ) أَيْ لِثَوَابِهِ وَرِضَاهُ لَا لِنَحْوِ رِيَاءٍ (وَمَنَعَ لِلَّهِ) أَيْ لِأَمْرِ اللَّهِ كَأَنْ لَمْ يَصْرِفِ الزَّكَاةَ لِكَافِرٍ لِخِسَّتِهِ وَلَا لِهَاشِمِيٍّ لِشَرَفِهِ بَلْ لِمَنْعِ اللَّهِ لَهُمَا مِنْهَا
قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَكْمَلَهُ وَقِيلَ بِالرَّفْعِ أَيْ تَكَمَّلَ إِيمَانُهُ
стр. 4203
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فيه غير واحد
(لِذِي لُبٍّ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ بِمَعْنَى الْعَقْلِ (قَالَتْ) أَيِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي خَاطَبَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ (فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ) أَيْ تُعْدَلُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ (وتقيم أياما) أي أيام الحيض والنقاس (لَا تُصَلِّي) أَيْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَصْفُهُ ﷺ النِّسَاءَ نُقْصَانَ الدِّينِ لِتَرْكِهِنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ قَدْ يَسْتَشْكِلُ مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ بَلْ هو ظاهر فإن الدين والإيمان مُشْتَرِكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الطَّاعَاتِ تُسَمَّى إِيمَانًا وَدِينًا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ عِبَادَتُهُ زَادَ إِيمَانُهُ وَدِينُهُ وَمَنْ نَقَصَتْ عِبَادَتُهُ نَقَصَ دِينُهُ ثُمَّ نَقْصُ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَأْثَمُ بِهِ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ وَقَدْ يَكُونُ على وجه لاإثم فِيهِ كَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُذْرُ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ
انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
وَبِهَذَا الْكَلَامِ ظَهَرَ أَيْضًا وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْحَدِيثِ بِالْبَابِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سرح عن أبي سعيد الخدري
(أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) بِضَمِّ اللَّامِ
قال بن رَسْلَانَ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَوْصَافِ الْإِنْسَانِ الَّتِي يُعَامِلُ بِهَا غَيْرَهُ وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَحْمُودَةٍ وَمَذْمُومَةٍ فَالْمَحْمُودَةُ مِنْهَا صِفَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَالصَّبْرِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وَالْحَمْلِ عِنْدَ الْجَفَا وَحَمْلِ الْأَذَى وَالْإِحْسَانِ لِلنَّاسِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَاللِّينِ فِي الْقَوْلِ وَمُجَانَبَةِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الوجه
стр. 4204
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَزَادَ فِي آخره وخياركم خياركم لنسائهم
(قَالَ أَوْ مُسْلِمٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بإسكان الواو لا بفتحها
وفي رواية بن الْأَعْرَابِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا تَقُلْ مُؤْمِنٌ بَلْ مُسْلِمٌ فَوَضَّحَ أَنَّهَا لِلْإِضْرَابِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارَ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُسْلِمِ عَلَى مَنْ يُخْتَبَرُ حَالُهُ الْخِبْرَةَ الْبَاطِنَةَ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الظاهر انتهى مخلصا (مَخَافَةَ أَنْ يُكِبَّ) ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ مِنَ الْإِكْبَابِ
قَالَ الْحَافِظُ أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا أَطْرَقَ وَكَبَّهُ غَيْرُهُ إِذَا قَبَّلَهُ وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْفِعْلَ اللَّازِمَ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ فَقُصِرَ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ إِنْ لَمْ يُعْطِ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمُجَرَّدِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ بَعْدَ الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فقال وهو طرف من الذي قبله
(حَتَّى أَعَادَهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (وَأَدَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ أَتْرُكُ (مَخَافَةَ أَنْ يُكِبُّوا) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَوْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمُجَرَّدِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(قَالَ) أَيِ الزُّهْرِيُّ (نَرَى) بِضَمِّ النُّونِ وَبِفَتْحٍ (أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ) أَيْ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ (وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ) أَيِ الصالح
стр. 4205
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ مَا أَكْثَرَ مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى مَا حَكَاهُ مَعْمَرٌ عَنْهُ وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فَمَا وَجَدْنَا فيها غير بيت من المسلمين قَالَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ إِذْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ وَعَدَ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ مِنْهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْ وَجَدَهُ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنْجَازًا لِلْوَعْدِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
قَالَ وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَيَّدَ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَلَا يُطْلَقَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِهَا وَالْمُؤْمِنَ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا
فَإِذَا حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا اسْتَقَامَ لَكَ تَأْوِيلُ الْآيَاتِ وَاعْتَدَلَ الْقَوْلُ فِيهَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ شَيْءٌ مِنْهَا
وَأَصْلُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ وَقَدْ يكون المرء مستسلما في الظاهر غير مننقاد في الباطن ولا مصدق وَقَدْ يَكُونُ صَادِقَ الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِرِ انْتَهَى
وَحَاصِلُ مَا صَحَّحَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُسْلِمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ
والحديث سكت عنه المنذري
(لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكُفَّارِ الْمُتَكَفِّرِينَ بِالسِّلَاحِ يُقَالُ تَكَفَّرَ الرَّجُلُ بِسِلَاحِهِ إِذَا لَبِسَهُ فَكَفَرَ نَفْسَهُ أَيْ سَتَرَهَا وَأَصْلُ الْكُفْرِ السَّتْرُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَتَكُونُوا فِي ذَلِكَ مُضَاهِينَ لِلْكُفَّارِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ مُتَعَادُونَ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَالْمُسْلِمُونَ مُتَوَاخُونَ يَحْقِنُ بَعْضُهُمْ دَمَ بَعْضٍ
وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ قَالَ سَأَلْتُ مُوسَى بْنَ هَارُونَ عَنْ هَذَا فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ الرِّدَّةِ قَتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
(أَكْفَرَ رَجُلًا مُسْلِمًا) أَيْ نَسَبَهُ إِلَى الْكُفْرِ (فَإِنْ كَانَ) الرَّجُلُ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْكُفْرُ (كَافِرًا) فَلَا شَيْءَ
стр. 4206
عَلَى النَّاسِبِ (وَإِلَّا) أَيْ لَمْ يَكُنْ هُوَ كَافِرًا (كَانَ هُوَ) أَيِ النَّاسِبُ (الْكَافِرُ) أَيْ يُخَافُ عَلَيْهِ شُؤْمُ كَلَامِهِ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(أَرْبَعٌ) أَيْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ أَوْ أَرْبَعٌ مِنَ الْخِصَالِ فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ (مَنْ كُنَّ) أَيْ تِلْكَ الْأَرْبَعُ (فِيهِ) الضَّمِيرُ لِمَنْ (فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ أَيْ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ فَقَطْ لَا فِي غَيْرِهَا أَوْ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالْمُنَافِقِينَ وَوَصْفُهُ بِالْخُلُوصِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ الْعَمَلِيِّ دون الإيماني أن النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ لَا الشَّرْعِيُّ لِأَنَّ الْخُلُوصَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ الْمُلْقِي فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (حَتَّى يَدَعَهَا) أَيْ إِلَى أَنْ يَتْرُكَهَا (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أَيْ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ (وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) أَيْ إِذَا وَعَدَ بِالْخَيْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ (وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ) أَيْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَتَرَكَ الوفاء بماعاهد عَلَيْهِ
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ صريحا
والظاهر من صفيع الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ صَحِيحِهِ بَابُ مَنْ أُمِرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَضْمُونِ الْبَابِ بِأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا وَهُوَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ
فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ الْحَدِيثَ
وَلَوْلَا أَنَّ الْوَعْدَ وَالْعَهْدَ مُتَّحِدَانِ لَمَا تَمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ فَثَبَتَ مِنْ صَنِيعِهِ هَذَا أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ ﵀ فِي الْفَتْحِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ بَابِ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ حَصَلَ فِي مَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ لِأَنَّهُمَا تَوَارَدَتَا عَلَى الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَالْخِيَانَةِ فِي الْأَمَانَةِ وَزَادَ الْأَوَّلُ الْخُلْفَ فِي الْوَعْدِ وَالثَّانِي الْغَدْرَ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَالْفُجُورَ فِي الْخُصُومَةِ
قُلْتُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الثَّانِي بَدَلُ الْغَدْرِ فِي الْمُعَاهَدَةِ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ تَصَرَّفَ فِي لَفْظِهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ إِلَخْ
فَلَفْظُهُ قَدْ تَدُلُّ دِلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَيْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّ الْفَرْقَ هُوَ أَنَّ الْوَعْدَ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ مُطْلَقًا فَإِنَّ الْعَهْدَ هُوَ الْوَعْدُ الْمُوثَقُ فَأَيْنَمَا وُجِدَ الْعَهْدُ وُجِدَ الْوَعْدُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ
لِجَوَازِ أَنْ يُوجَدَ الْوَعْدُ مِنْ غَيْرِ تَوْثِيقٍ
стр. 4207
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ فَالْوَعْدُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ بِأَنَّ الْعَهْدَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْوَعْدُ مُوَثَّقًا والوعد أعم مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوَثَّقًا أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ الْحَدِيثِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْلَقَ عَلَى إِخْلَافِ الْوَعْدِ لَفْظَ الْإِخْلَافِ وَعَلَى إِخْلَافِ الْعَهْدِ لَفْظَ الْغَدْرِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَدْرَ أَشَدُّ مِنَ الْإِخْلَافِ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَهْدَ أَشَدُّ وَأَوْثَقُ مِنَ الْوَعْدِ
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ اللَّهِ (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) الآية
وأما العهد أعم مِنَ الْوَعْدِ فَبِأَنَّ الْوَعْدَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَا يَكُونُ لِشَخْصٍ آخَرَ وَالْعَهْدَ يُطْلَقُ على ما يكون لشخص آخرأو لِنَفْسِهِ كَمَا لَا يَخْفَى
قَالَ اللَّهُ (أو كلما عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يؤمنون) فههنا عَهْدُهُمْ لَيْسَ إِلَّا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَانِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) الآية فههنا مُعَاهَدَةُ الْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَلْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وَأَمَّا الْوَعْدُ فَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا لِرَجُلٍ آخَرَ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ووعدتكم فأخلفتكم) الْآيَةَ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وعدتنا على رسلك) الْآيَةَ
وَقَالَ تَعَالَى (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وعدتهم) الْآيَةَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْعَرَبِ
فَلَعَلَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ الْحَافِظِ بِاتِّحَادِ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَادَّةِ الْوَعْدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْوُثُوقِ وَغَيْرِ الْوُثُوقِ وكذلك إلى أنه لرجل آخرأو لِنَفْسِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أَيْ شَتَمَ وَرَمَى بِالْأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
(لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ كامل أو
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن القيم ﵀ حديث لا يزاني الزَّانِي ثُمَّ قَالَ وَفِي لَفْظ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا يَنْتَهِب نُهْبَة ذَات شَرَف يَرْفَع إِلَيْهِ النَّاس فِيهَا أَبْصَارهمْ حِين يَنْتَهِبهَا وَهُوَ مُؤْمِن وَزَادَ مُسْلِم وَلَا يَغُلّ حِين يَغُلّ وَهُوَ مُؤْمِن فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ وَزَادَ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِيهِ فِي الْمُسْنَد يَنْزِع الْإِيمَان مِنْ قَلْبه فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ في صحيحه عن بن عباس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم
стр. 4208
مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَوْ أَنَّهُ شَابَهَ الْكَافِرَ فِي عَمَلِهِ وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي جَوَازِ قِتَالِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَكُفَّ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَفْعَلُ هَذِهِ الْمَعَاصِيَ وَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ إِلَخْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لَا يَزْنِي الْعَبْد حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن
وَلَا يَسْرِق حِين يَسْرِق وَهُوَ مُؤْمِن
وَلَا يَشْرَب حِين يَشْرَب وَهُوَ مُؤْمِن
وَلَا يَقْتُل حين يقتل وهو مؤمن قال عكهمة قُلْت لِابْنِ عَبَّاس كَيْف يُنْزَع الْإِيمَان مِنْهُ قَالَ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْن أَصَابِعه
ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْن أصابعه
وروى بن صَخْر فِي الْفَوَائِد مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن خالد المخزومي عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ زُبَيْد الْيَامِيّ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ الْيَقِين الْإِيمَان كُلّه وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه موقوفا على بن مَسْعُود
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي قَتَادَة أن رسول الله ﷺ قَامَ فِيهِمْ
فَذَكَرَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ أَفْضَل الْأَعْمَال الْحَدِيث
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ سُئِلَ رَسُول اللَّه ﷺ أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل قَالَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجّ مَبْرُور
وَفِي لَفْظ إِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ (بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّة الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ عِدَّة مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنْ قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل قَالَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْجِهَاد فِي سَبِيله الْحَدِيث
وَرَوَى الْبَزَّار فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر عَنْ النَّبِيّ ﷺ ثَلَاث مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَان الْإِنْصَاف مِنْ نَفْسك وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ
وَالْإِنْفَاق مِنْ الْإِقْتَار
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ عَائِشَة مِنْ قَوْلهَا
وَقَالَ الْبُخَارِيّ قَالَ مُعَاذ اِجْلِسْ بِنَا نُؤْمِن سَاعَة وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح
بَاب سُؤَال جِبْرِيل النَّبِيّ ﷺ عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام
وَالْإِحْسَان وَعِلْم السَّاعَة وَبَيَان النَّبِيّ ﷺ لَهُ ثُمَّ قَالَ جَاءَ جِبْرِيل يُعَلِّمكُمْ دِينكُمْ فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلّه دِينًا
وَمَا بَيَّنَ النَّبِيّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْد الْقَيْس مِنْ الْإِيمَان وَقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وَفِي حَدِيث الشَّفَاعَة الْمُتَّفَق عَلَى صِحَّته أَخْرِجُوا مِنْ النَّار مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ مِثْقَال دِينَار مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ مِثْقَال شَعِيرَة مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ مِثْقَال خَرْدَلَة مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ اِنْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان وَفِي لفظ
стр. 4209
وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ فَارْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ) أَيْ عَلَى فَاعِلِهَا (بَعْدُ) بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
إذا كان يوم القيامة شفعت فقلت يا رَبّ أَدْخِلْ الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه خَرْدَلَة مِنْ إِيمَان فَيَدْخُلُونَ
ثُمَّ أَقُول أَدْخِلْ الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى شَيْء
قَالَ أَنَس كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى أَصَابِع رَسُول اللَّه ﷺ
وَفِي لَفْظ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ ﷺ يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن شَعِيرَة
ثُمَّ قَالَ يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن بُرَّة
ثُمَّ يَخْرُج مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن ذَرَّة
وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث
بَاب زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه
وَقَوْله تَعَالَى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ وَقَالَ ﴿وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ﴾ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْكَمَال فَهُوَ نَاقِص
وَكُلّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدهمَا وَالْمُرَاد بِالْخَيْرِ فِي حَدِيث أَنَس الْإِيمَان فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْرُج بِهِ مِنْ النَّار
وَكُلّ هَذِهِ النُّصُوص صَحِيحَة صَرِيحَة لَا تَحْتَمِل التَّأْوِيل فِي أَنَّ نَفْس الْإِيمَان الْقَائِم بِالْقَلْبِ يَقْبَل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَبَعْضهمْ أَرْجَح مِنْ بَعْض
وقال البخاري في صحيحه قال بن أبي ملكية أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ كُلّهمْ يَخَاف النِّفَاق عَلَى نَفْسه مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَد يَقُول إِنَّهُ عَلَى إِيمَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ
وَقَالَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا
بَاب الصَّلَاة مِنْ الْإِيمَان
وَقَوْله ﴿وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ﴾ يَعْنِي صَلَاتكُمْ عِنْد الْبَيْت ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث تَحْوِيل الْقِبْلَة
وَأَقْدَم مَنْ رُوِيَ عَنْهُ زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه مِنْ الصَّحَابَة عُمَيْر بْن حَبِيب الْخَطْمِيّ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُوسَى حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي جَعْفَر الْخَطْمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عُمَيْر بْن حَبِيب قَالَ الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص
قِيلَ وَمَا زِيَادَته وَنُقْصَانه قَالَ إِذَا ذَكَرْنَا اللَّه وَحَمِدْنَاهُ وَسَبَّحْنَاهُ فَذَلِكَ زِيَادَته وَإِذَا غَفَلْنَا وَضَيَّعْنَا وَنَسِينَا
فَذَلِكَ نُقْصَانه
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن طَلْحَة عَنْ زُبَيْد عَنْ ذَرّ قَالَ كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول لِأَصْحَابِهِ هَلُمُّوا نَزْدَدْ إِيمَانًا فَيَذْكُرُونَ اللَّه تَعَالَى
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ شَرِيك عَنْ هِلَال عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم قال سمعت عبد الله بن مَسْعُود يَقُول فِي دُعَائِهِ (اللَّهُمَّ زِدْنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفِقْهًا أَوْ قَالَ فَهْمًا وَقَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَخْبَرَنَا الْعَوَّام حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُدْرِك عَنْ أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ الْإِيمَان بر فمن زنا فَارَقَهُ الْإِيْمَان فَإِنْ لَامَ نَفْسه وَرَجَعَ رَاجَعَهُ الْإِيمَان
وَفِي تَفْسِير عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عن بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إيمانهم﴾ قال
стр. 4210
وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ فَارْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ) أَيْ عَلَى فَاعِلِهَا (بَعْدُ) بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
إن الله بعث محمدا ﷺ بشهادة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
فَلَمَّا صَدَّقَ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ زَادَهُمْ الصَّلَاة
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمْ الصِّيَام
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمْ الزَّكَاة
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمْ الْحَجّ
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمْ الْجِهَاد
ثُمَّ أَكْمَلَ لَهُمْ دِينهمْ فَقَالَ ﴿الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا﴾
وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش حَدَّثَنِي صَفْوَان بْن عَمْرو عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبِيعَة الْحَضْرَمِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ الْإِيمَان يَزْدَاد وَيَنْقُص
وَقَالَ إِسْمَاعِيل أَيْضًا عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن مُجَاهِد عَنْ أبيه عن أبي هريرة وبن عَبَّاس قَالَا الْإِيمَان يَزْدَاد وَيَنْقُص
وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب حَدَّثَنَا جَرِير بْن حَازِم عَنْ فُضَيْلِ بْن يَسَار قَالَ قَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ هَذَا الْإِسْلَام وَدَوَّرَ دَائِرَة وَدَوَّرَ فِي وَسَطهَا أُخْرَى
وَقَالَ هَذَا الْإِيمَان الَّذِي فِي وَسَطهَا مَقْصُور فِي الْإِسْلَام
وَقَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لا يزاني الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن وَلَا يَشْرَب الْخَمْر حِين يَشْرَبهَا وَهُوَ مُؤْمِن وَلَا يَسْرِق حين يسرق هو مُؤْمِن قَالَ قَالَ يَخْرُج مِنْ الْإِسْلَام فَإِذَا تَابَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِ فَرَجَعَ إِلَى الْإِيمَان
وَقَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَشَعْت عَنْ الْحَسَن عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ يُنْزَع مِنْهُ الْإِيمَان فَإِنْ تَابَ أُعِيدَ إِلَيْهِ
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَوْف عَنْ الْحَسَن مِنْ قَوْله وَهُوَ أَشْبَه
وَقَالَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان لُوَيْن سَمِعْت سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ غَيْر مَرَّة يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل وَأَخَذْنَاهُ مِمَّنْ قَبْلنَا قِيلَ لَهُ يَزِيد وَيَنْقُص قَالَ فَأَيّ شَيْء إِذَنْ
وَقَالَ مَرَّة وَسُئِلَ الْإِيمَان يَزِيد وينقص قال أليس تقرؤون الْقُرْآن ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ فِي غَيْر مَوْضِع قِيلَ يَنْقُص قَالَ لَيْسَ شَيْء يَزِيد إِلَّا وَهُوَ يَنْقُص وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق سَمِعْت سُفْيَان الثَّوْرِيَّ ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وبن جُرَيْجٍ وَمَعْمَرًا يَقُولُونَ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وينقص وقال الحميدي سمعت بن عُيَيْنَةَ يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم بْن عُيَيْنَةَ
يَا أَبَا مُحَمَّد لَا تَقُلْ يَزِيد وَيَنْقُص فَغَضِبَ وَقَالَ اُسْكُتْ يَا صَبِيّ بَلَى حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْت أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص وَقَالَ الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص ذَكَرَهُ الْحَاكِم فِي مَنَاقِبه
وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ النَّمِرِيّ قَالَ رَجُل لِلشَّافِعِيِّ أَيّ الْأَعْمَال عِنْد اللَّه أَفْضَل قَالَ مَا لَا يُقْبَل عَمَل إِلَّا بِهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ هُوَ أَعْلَى الْأَعْمَال دَرَجَة وَأَشْرَفهَا مَنْزِلَة وَأَسْنَاهَا
стр. 4211
وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ فَارْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ) أَيْ عَلَى فَاعِلِهَا (بَعْدُ) بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
حَظًّا
قَالَ الرَّجُل أَلَا تُخْبِرنِي عَنْ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل أَوْ قَوْل بِلَا عَمَل قَالَ الشَّافِعِيّ الْإِيمَان عَمَل لِلَّهِ وَالْقَوْل بَعْض ذَلِكَ ثُمَّ الْعَمَل احْتُجَّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْحَاكِم عَنْهُ
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا نَقَصَتْ أَمَانَة عَبْد إِلَّا نَقَصَ إِيمَانه
وَقَالَ وَكِيع حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قَالَ لِيَزْدَادَ إِيمَانًا
وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيِّ عَنْ مُجَاهِد أَنَّ أَبَا ذَرّ سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ الْإِيمَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَة
اِحْتَجَّ بِهِ أَحْمَد فِي كِتَاب الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَة
وَرَوَاهُ جَعْفَر بْن عَوْف عَنْ الْمَسْعُودِيّ عَنْ الْقَاسِم عَنْ أَبِي ذَرّ بِمِثْلِهِ
وَقَالَ يَحْيَى بْن سَلِيم الطَّائِفِيّ قَالَ هِشَام عَنْ الْحَسَن الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل فَقُلْت لِهِشَامٍ فَمَا تَقُول أَنْتَ فَقَالَ قَوْل وَعَمَل
وَقَالَ الْحُمَيْدِيّ سَمِعْت وَكِيعًا يَقُول وَأَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل وَالْمُرْجِئَة يَقُولُونَ الْإِيمَان قَوْل وَالْجَهْمِيّةُ يَقُولُونَ الْإِيمَان الْمَعْرِفَة وَصَحَّ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْإِيمَان بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْب وَصَدَّقَهُ الْعَمَل وَنَحْوه عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيّ ﷺ الْعَمَل تَصْدِيقًا فِي قوله حَدِيث زِنَى الْعَيْن وَالْجَوَارِح الْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أو يكذبه وأما الحديث الذي رواه بن مَاجَهْ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث عَبْد السَّلَام بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن مُرْسِيّ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ بْن الْحَسَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ الْإِيمَان مَعْرِفَة بِالْقَلْبِ وَقَوْل بِاللِّسَانِ وَعَمَل بِالْأَرْكَانِ قَالَ عَبْد السَّلَام بْن صَالِح لَوْ قُرِئَ هَذَا الْإِسْنَاد عَلَى مَجْنُون لَبَرَأَ
فَهَذَا حَدِيث مَوْضُوع لَيْسَ مِنْ كَلَام رسول الله ﷺ
قال بَعْض أَئِمَّة الْحَدِيث لَوْ قُرِئَ هَذَا عَلَى مَجْنُون لَبَرَأَ لَوْ سَلِمَ مِنْ عَبْد السَّلَام وَهُوَ الْمُتَّهَم بِهِ وَفِي الْحَقّ مَا يُغْنِي عَنْ الْبَاطِل وَلَوْ كُنَّا مِمَّنْ يَحْتَجّ بِالْبَاطِلِ وَيَسْتَحِلّهُ لَرَوَّجْنَا هَذَا الْحَدِيث وَذَكَرْنَا بَعْض مَنْ أَثْنَى عَلَى عَبْد السَّلَام وَلَكِنْ نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَة كَمَا نَعُوذ بِهِ مِنْ طَرِيقَة تَضْعِيف الْحَدِيث الثَّابِت وَتَعْلِيله إِذَا خَالَفَ قَوْل إِمَام مُعَيَّن وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 4212
(كَأَنَّ) أَيِ الْإِيمَانَ () عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ أَيْ كَالسَّحَابَةِ (فَإِذَا انْقَلَعَ) أَيْ فَرَغَ مِنْ فِعْلِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَقْلَعَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْإِقْلَاعُ عَنِ الْأَمْرِ الْكَفُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ بَيَّنُوا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ تَأْوِيلَاتٍ كَثِيرَةً وَهَذِهِ إِحْدَاهَا وَهُوَ أَنَّهُ يُسْلَبُ الْإِيمَانُ حَالَ تَلَبُّسِ الرِّجَالِ بالزنى فَإِذَا فَارَقَهُ عَادَ إِلَيْهِ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ في باب إثم الزنى مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ قَالَ عِكْرِمَةُ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ يُنْزَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ قَالَ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِذَا تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَأَخْرَجَ الحاكم من طريق بن حُجَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ الْإِيمَانَ كَمَا يَخْلَعُ الْإِنْسَانُ الْقَمِيصَ مِنْ رَأْسِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٦ - (بَاب فِي الْقَدَرِ)
بِفَتْحِ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ فَرْضٌ لَازِمٌ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَكَتَبَهَا فِي اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم وَالْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَرْضَى الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ وَوَعَدَ عَلَيْهِمَا الثَّوَابَ وَلَا يَرْضَى الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِمَا الْعِقَابَ وَالْقَدَرُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا وَلَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ وَالْبَحْثُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ خَلَقَهُمْ لِلنَّعِيمِ فَضْلًا وَفِرْقَةٌ لِلْجَحِيمِ عَدْلًا
(الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِنَّمَا جَعَلَهُمْ مجوسا لمضاهاة
стр. 4213
مَذْهَبِهِمْ مَذَاهِبَ الْمَجُوسِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَصْلَيْنِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخَيْرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَالشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الْخَيْرَ إِلَى اللَّهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيْرِهِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ
وَخَلْقُهُ الشَّرَّ شَرًّا فِي الْحِكْمَةِ كَخَلْقِهِ الْخَيْرَ خَيْرًا فَإِنَّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مُضَافَانِ إِلَيْهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الْفَاعِلِينَ لَهُمَا فِعْلًا وَاكْتِسَابًا انْتَهَى (وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ) أَيْ لَا تَحْضُرُوا جِنَازَتَهُمْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُنْقَطِعٌ
أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ لم يسمع من بن عُمَرَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ بن عُمَرَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مُثْبَتٌ انْتَهَى
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَدَهَا الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ عَلَى المصابيح وزعم أنه موضوع
وقال الحافظ بن حَجَرٍ فِيمَا تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّ لَهُ عِلَّتَيْنِ الْأُولَى الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ زَكَرِيَّا بْنُ مَنْظُورٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ فَقَالَ عَنْ نافع عن بن عُمَرَ
وَالْأُخْرَى مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ سَنَدَهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ أَبَا حَاتِمٍ لَمْ يسمع من بن عُمَرَ فَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِيَةِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَطَّانِ الْقَابِسِيَّ الْحَافِظَ صَحَّحَ سَنَدَهُ فَقَالَ إن أبا حازم عاصر بن عُمَرَ فَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ وَمُسْلِمٌ يَكْتَفِي فِي الِاتِّصَالِ بِالْمُعَاصَرَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِ
وَعَنِ الْأُولَى بِأَنَّ زَكَرِيَّا وُصِفَ بِالْوَهْمِ فَلَعَلَّهُ وَهِمَ فَأَبْدَلَ رَاوِيًا بِآخَرَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ وَهِمَ فَيَكُونُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ شَيْخَانِ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا لَا يَسُوغُ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَ مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْوَضْعَ تَسْمِيَتُهُمُ الْمَجُوسَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ فِي إِثْبَاتِ فَاعِلِينَ لَا فِي جَمِيعِ مُعْتَقَدِ الْمَجُوسِ وَمِنْ ثَمَّ سَاغَتْ إِضَافَتُهُمْ إِلَى هَذِهِ انْتَهَى
(مَوْلَى غُفْرَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ (وَيَقُولُونَ لَا قَدَرَ) يَعْنِي يَنْفُونَ القدر (وهم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث لِكُلِّ أُمَّة مَجُوس وَمَجُوس هَذِهِ الْأُمَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَر ثم قال
стр. 4214
شِيعَةُ الدَّجَّالِ) أَيْ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَنْصَارُهُ وَأَصْلُهُ الْفِرْقَةُ مِنَ النَّاسِ وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَغَلَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَوَلَّى عَلِيًّا وَأَهْلَ بَيْتِهِ حَتَّى اخْتُصَّ بِهِ وَجَمْعُهُ شِيَعٌ مِنَ الْمُشَايَعَةِ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُطَاوَعَةُ (أَنْ يُلْحِقَهُمْ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَجْهُولٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَلَا يَثْبُتُ
(خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ) القبضة بالضم ملأ الْكَفِّ وَرُبَّمَا جَاءَ بِفَتْحِ الْقَافِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْقَبْضُ الْأَخْذُ بِجَمِيعِ الْكَفِّ وَالْقَبْضَةُ الْمَرَّةُ مِنْهُ وَبِالضَّمِّ الِاسْمُ مِنْهُ (قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ) أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا (فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) أَيْ مَبْلَغِهَا مِنَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
هَذَا الْمَعْنَى قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ من حديث بن عمر وحذيفة وبن عَبَّاس وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَرَافِع بن خديج
فأما حديث بن عُمَر وَحُذَيْفَة فَلَهُمَا طُرُق وَقَدْ ضُعِّفَتْ
وَأَمَّا حديث بن عَبَّاس فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْقَاسِم بْن حَبِيب وَعَلِيّ بْن نِزَار عَنْ نِزَار عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَام نَصِيب الْقَدَرِيَّة وَالْمُرْجِئَة قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب
وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن بِشْر أَخْبَرَنَا سَلَام بْن أَبِي عَمْرَة عن عكرمة عن بن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ ﷺ وأما حديث جابر فرواه بن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُصَفَّى عن الأوزاعي عن بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر يَرْفَعهُ نحو حديث بن عُمَر
فَلَوْ قَالَ بَقِيَّة حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ مَشَى حَال الْحَدِيث وَلَكِنْ عَنْعَنَهُ مَعَ كَثْرَة تَدْلِيسه
وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَرَوَى عَبْد الْأَعْلَى بْن حَمَّاد حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ مَكْحُول عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أن رسول الله ﷺ قَالَ فَذَكَرَهُ رَوَاهُ عَنْ عَبْد الْأَعْلَى جَمَاعَة
وَلَهُ عِلَّتَانِ
إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْحُرّ حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن الْحَارِث عَنْ يَزِيد بْن مَيْسَرَة عَنْ عَطَاء الخرساني عَنْ مَكْحُول عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ
وَالْعِلَّة الثَّانِيَة أَنَّ مَكْحُولًا لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة
стр. 4215
الْأَلْوَانِ وَالطِّبَاعِ (جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ) بِحَسَبِ تُرَابِهِمْ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ الْأَلْوَانِ وَمَا عَدَاهَا مُرَكَّبٌ مِنْهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ باعتبار أجزاء أرضه قاله القارىء (وَالسَّهْلُ) أَيْ وَمِنْهُمُ السَّهْلُ أَيِ اللَّيِّنُ الْمُنْقَادُ (وَالْحَزْنُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ أَيِ الْغَلِيظُ الطَّبْعِ (وَالْخَبِيثُ) أَيْ خَبِيثُ الْخِصَالِ (وَالطَّيِّبُ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَرَادَ بِالْخَبِيثِ مِنَ الْأَرْضِ الْخَبِيثَةِ السَّبْخَةِ وَمِنْ بَنِي آدَمَ الْكَافِرَ وَبِالطَّيِّبِ مِنَ الْأَرْضِ الْعَذْبَةِ وَمِنْ بَنِي آدَمَ الْمُؤْمِنَ
ذَكَرَهُ الْعَزِيزِيُّ (زاد في حديث يحي) هو بن سَعِيدٍ (وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ السَّهْلِ وَالْحَزْنِ والخبيث والطيب
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَيَرْوِيه عَمْرو بْن مُهَاجِر عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ يَحْيَى بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَرْفَعهُ مَا هَلَكَتْ أُمَّة قَطّ إِلَّا بِالشِّرْكِ بِاَللَّهِ
وَمَا أَشْرَكَتْ قَطّ إِلَّا كَانَ بَدْء إِشْرَاكهَا التَّكْذِيب بِالْقَدَرِ وَهَذَا الْإِسْنَاد لَا يُحْتَجّ بِهِ
وَأَجْوَد مَا فِي الْبَاب حَدِيث حيوة بن شريح أخبرني بن صخر حدثني نافع أن بن عُمَر جَاءَهُ رَجُل
فَقَالَ إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام
فَقَالَ
إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَث
فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَث فَلَا تَقْرَأهُ مِنِّي السَّلَام
فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول يَكُون فِي هَذِهِ الْأُمَّة أَوْ أُمَّتِي الشَّكّ مِنْهُ خَسْفٌ وَمَسْخٌ أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْل الْقَدَر قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب
وَاَلَّذِي صَحَّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ ذَمّهمْ من طوائف أهل البدع هم الْخَوَارِج فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ الْحَدِيث مِنْ وُجُوه كُلّهَا صِحَاح
لِأَنَّ مَقَالَتهمْ حَدَثَتْ فِي زَمَن النَّبِيّ ﷺ
وَكَلِمَة رَئِيسهمْ
وَأَمَّا الْإِرْجَاء وَالرَّفْض وَالْقَدَر وَالتَّجَهُّم وَالْحُلُول وَغَيْرهَا مِنْ الْبِدَع فَإِنَّهَا حَدَثَتْ بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة
وَبِدْعَة الْقَدَر أَدْرَكَتْ آخِر عَصْر الصَّحَابَة فَأَنْكَرَهَا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا كَعَبْدِ الله بن عمر وبن عباس وأمثالهما ﵃
وأكثر مَا يَجِيء مِنْ ذِمَّتهمْ فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى الصَّحَابَة مِنْ قَوْلهمْ فِيهِ
ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة الْإِرْجَاء بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة فَتَكَلَّمَ فِيهَا كِبَار التَّابِعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكُوهَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة التَّجَهُّم بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر التَّابِعِينَ
وَاسْتَفْحَلَ أَمْرهَا وَاسْتَطَارَ شَرّهَا فِي زَمَن الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَزَوِيهِ
ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْد ذَلِكَ بِدْعَة الْحُلُول وَظَهَرَ أَمْرهَا فِي زَمَن الْحُسَيْن الْحَلَّاج
وَكُلَّمَا أَظْهَرَ الشَّيْطَان بِدْعَة مِنْ هَذِهِ الْبِدَع وَغَيْرهَا أَقَامَ اللَّه لَهَا مِنْ حِزْبه وَجُنْده مَنْ يَرُدّهَا وَيُحَذِّر
стр. 4216
قَالَ الْعَزِيزِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْمُرْتَكِبُ الْمَعَاصِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ) هُوَ مَقْبَرَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْغَرْقَدُ نَوْعٌ مِنَ الشَّجَرِ وَكَانَ بِالْبَقِيعِ فَأُضِيفَ إِلَيْهِ (وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ عَصًا أَوْ قَضِيبٌ يُمْسِكُهُ الرَّئِيسُ لِيَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ وَيَدْفَعَ بِهِ عَنْهُ وَيُشِيرُ بِهِ لِمَا يُرِيدُ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ تَحْتَ الْخَصْرِ غَالِبًا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا قَالَهُ الْحَافِظُ (فَجَعَلَ يَنْكُتُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقَ أَيْ يَخُطُّ بِالْمِخْصَرَةِ خَطًّا يَسِيرًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَهَذَا فِعْلُ الْمُفَكِّرِ الْمَهْمُومِ (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) أَيْ مَوْلُودَةٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ (أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (إِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ إِلَّا قَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا إِلَخْ وَالضَّمِيرُ فِي كُتِبَتْ لِلنَّفْسِ (قَالَ) أَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا) أَيْ أَفَلَا نَعْتَمِدُ عَلَى الْمُقَدَّرِ لَنَا فِي الْأَزَلِ (وَنَدَعُ الْعَمَلَ) أَيْ نَتْرُكُهُ (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ) أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى (لَيَكُونَنَّ) أَيْ لَيَصِيرَنَّ (إِلَى السَّعَادَةِ) أَيْ إِلَى عَمَلِ السَّعَادَةِ (مِنْ أَهْلِ الشِّقْوَةِ) بِكَسْرِ الشِّينِ بِمَعْنَى الشَّقَاوَةِ وَهِيَ ضِدُّ السَّعَادَةِ (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) أَيْ لِمَا خُلِقَ لَهُ (فَيُيَسَّرُونَ لِلسَّعَادَةِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُسَهَّلُونَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا نَصِيحَة لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَهْلِ الْإِسْلَام
وَجَعَلَهُ مِيرَاثًا يُعْرَف بِهِ حِزْب رَسُول اللَّه ﷺ وَوَلِيّ سُنَنه مِنْ حِزْب الْبِدْعَة وَنَاصِرهَا
وَقَدْ جَاءَ فِي أَثَر لَا يَحْضُرنِي إِسْنَاده إِنَّ لِلَّهِ عِنْد كُلّ بِدْعَة يُكَاد بِهَا الْإِسْلَام وَلِيًّا يَنْطِق بِعَلَامَاتِهِ
فَاغْتَنِمُوا تِلْكَ الْمَجَالِس وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّه
فَإِنَّ الرَّحْمَة تَنْزِل عَلَيْهِمْ
نَسْأَل اللَّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَلنَا مِنْهُمْ وَأَنْ يُلْحِقنَا بِهِمْ وَأَنْ يَجْعَلنَا لَهُمْ خَلَفًا كَمَا جَعَلَهُمْ لَنَا سَلَفًا بمنه وكرمه
стр. 4217
وَيُهَيَّئُونَ
وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَلَّا نَتْرُكَ مَشَقَّةَ الْعَمَلِ فَإِنَّا سَنُصَيَّرُ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا مَشَقَّةَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْجَوَابُ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ مَنَعَهُمْ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ وَأَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَزَجَرَهُمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمَغِيبَةِ فَلَا يَجْعَلُوا الْعِبَادَةَ وَتَرْكَهَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بَلْ هِيَ عَلَامَاتٌ فَقَطْ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) أَيْ حَقَّ اللَّهِ مِنَ الْمَالِ أَوِ الِامْتِثَالِ (وَاتَّقَى) أَيْ خَافَ مُخَالَفَتَهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ وَاجْتَنَبَ مَعْصِيَتَهُ (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أَيْ بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (فَسَنُيَسِّرُهُ) أَيْ نُهَيِّئُهُ فِي الدُّنْيَا (لِلْيُسْرَى) أَيْ لِلْخُلَّةِ الْيُسْرَى وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا يَرْضَاهُ (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أَيْ بِالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْرِ (وَاسْتَغْنَى) أَيْ بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ نَعِيمِ الْعُقْبَى (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أَيْ بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) أَيْ لِلْخُلَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْعُسْرِ وَالشِّدَّةِ وَهِيَ خِلَافُ الْيُسْرَى
وَفِي الْكَشَّافِ سَمَّى طَرِيقَةَ الْخَيْرِ بِالْيُسْرَى لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْيُسْرُ وَطَرِيقَةَ الشَّرِّ بِالْعُسْرَى لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْعُسْرُ
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
(أَخْبَرَنَا كَهْمَسٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وفتح الميم وبالسين المهملة هو بن الحسن أبو الحسن التميمي البصري (عن يحي بْنِ يَعْمُرَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِضَمِّهَا وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَالْعَلَمِيَّةِ (أَوَّلُ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ) أَيْ بِنَفْيِ الْقَدَرِ (مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ نِسْبَةً إِلَى جُهَيْنَةَ قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ (وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِيَاءِ النِّسْبَةِ (فَوَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ
قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ مَعْنَاهُ جُعِلَ وَفْقًا لَنَا وَهُوَ مِنَ الْمُوَافَقَةِ الَّتِي هِيَ كَالِالْتِحَامِ يُقَالُ أتانا لميفاق الْهِلَالِ وَمِيفَاقِهِ أَيْ حِينَ أَهَلَّ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَهِيَ لَفْظَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الِاجْتِمَاعِ وَالِالْتِئَامِ
وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ فوافق
стр. 4218
لَنَا بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالْمُوَافَقَةُ الْمُصَادَفَةُ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ (دَاخِلًا) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي) أَيْ صِرْنَا فِي نَاحِيَتِهِ وَأَحَطْنَا بِهِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ يُقَالُ اكْتَنَفَهُ النَّاسُ وَتَكَنَّفُوهُ أَيْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ (فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ) أَيْ يَسْكُتُ وَيَفْرِضُهُ إِلَيَّ لَإِقْدَامِي وَجُرْأَتِي وَبَسْطَةِ لِسَانِي فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنِّي كُنْتُ أَبْسَطَ لِسَانًا
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (فَقُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ وَهُوَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ (إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ) بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ أَيْ يَطْلُبُونَهُ وَيَتَتَبَّعُونَهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا مَعْنَاهُ يَبْحَثُونَ عَنْ غَامِضِهِ وَيَسْتَخْرِجُونَ خَفِيَّهُ (وَالْأَمْرُ أُنُفٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ أَيْ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَا عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ (فَأَنْفَقَهُ) أَيْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ طَاعَتِهِ (إِذْ طَلَعَ) أَيْ ظَهَرَ (عَلَيْنَا رَجُلٌ) أَيْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ) صِفَةُ رَجُلٍ وَاللَّامُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْعَائِدِ إِلَى الرَّجُلِ أَيْ شَدِيدُ بَيَاضِ ثِيَابِهِ شَدِيدُ سَوَادِ شَعْرِهِ (لَا يُرَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْغَائِبِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا نَرَى بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ (أَثَرُ السَّفَرِ) مِنْ ظُهُورِ التَّعَبِ وَالتَّغَيُّرِ وَالْغُبَارِ (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ) إِلَى رُكْبَتَيْهِ أَيْ رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ (وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) أَيْ فَخِذَيِ النَّبِيِّ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ (قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ) أَيْ لِلسَّائِلِ (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) وَجْهُ التَّعَجُّبِ السُّؤَالُ أَنْ يَقْتَضِيَ الْجَهْلَ غَالِبًا بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ وَالتَّصْدِيقُ يَقْتَضِي عِلْمَ السَّائِلِ بِهِ لِأَنَّ صَدَقْتَ إِنَّمَا يُقَالُ إِذَا عَرَفَ السَّائِلُ أَنَّ المسؤول طابق ما
стр. 4219
عِنْدَهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَهَذَا خِلَافُ عَادَةِ السَّائِلِ ومما يزيد التعجب أن ما أجابه لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا الرجل ممن عرف بلقائه فَضْلًا عَنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ (وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) وَالْمُرَادُ بِالْقَدَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا ثُمَّ أَوْجَدَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُوجَدُ فَكُلُّ مُحْدَثٍ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ (قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ) قَالَ الْحَافِظُ تَقُولُ أَحْسَنْتُ كَذَا إِذَا أَتْقَنْتُهُ وَأَحْسَنْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا أَوْصَلْتُ إِلَيْهِ النَّفْعَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِتْقَانُ الْعِبَادَةِ
قَالَ وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالْخُشُوعُ وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْبُودِ
وَأَشَارَ فِي الْجَوَابِ إِلَى حَالَتَيْنِ أَرْفَعُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ وَهُوَ يَرَاكَ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ يَرَى كُلَّ مَا يَعْمَلُ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُثْمِرُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
(فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أَيْ عَنْ وَقْتِ قِيَامِهَا (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) أَيْ لَيْسَ الَّذِي سُئِلَ عَنِ القيامة (بأعلم من السائل) هذا وإن كَانَ مُشْعِرًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَسْتُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْكَ إِلَى لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ أي أن كل سائل وكل مسؤول فَهُوَ كَذَلِكَ
قَالَهُ الْحَافِظُ (عَنْ أَمَارَاتِهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَمَارَةٍ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) أَيْ سَيِّدَتَهَا وَمَالِكَتَهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ثم ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث جِبْرِيل إِلَى قَوْل الْمُنْذِرِيِّ عَلْقَمَة بْن حَارِثَة اِتَّفَقَا عَلَى الِاحْتِجَاج بِحَدِيثِهِ ثُمَّ قَالَ وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَر الْعُقَيْلِيّ مِنْ طَرِيقه
وَقَالَ فِيهِ فَمَا شَرَائِع الْإِسْلَام قَالَ تُقِيم الصَّلَاة الْحَدِيث وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا اللفظ مرجىء آخَر وَهُوَ جَرَّاح بْن الضَّحَّاك قَالَ الْعُقَيْلِيّ وهذه زيادة مرجىء تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ الثِّقَات الْأَئِمَّة فَلَا تُقْبَل
ورواه بن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر
فَذَكَرَ فِيهِ أَلْفَاظًا لَمْ يَذْكُرهَا غَيْره
فَقَالَ فِي الْإِسْلَام وَتَحُجّ وَتَعْتَمِر وَتَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة وَأَنْ تُتِمّ الْوُضُوء وَقَالَ فِيهِ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِم قَالَ نَعَمْ وَقَالَ فِي الْإِيمَان أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَتُؤْمِن بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْمِيزَان وَذَكَرَ الْبَعْث وَالْقَدَر ثُمَّ قَالَ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِن قَالَ نَعَمْ وَقَالَ في
стр. 4220
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَّسِعَ الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرَ السَّبْيُ وَيَسْتَوْلِدَ النَّاسُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَتَكُونُ ابْنَةُ الرَّجُلِ مِنْ أَمَتِهِ فِي مَعْنَى السَّيِّدَةِ لِأُمِّهَا إِذْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِأَبِيهَا وَمِلْكُ الْأَبِ رَاجِعٌ فِي التَّقْدِيرِ إِلَى الْوَالِدِ انْتَهَى
وَقِيلَ تَحْكُمُ الْبِنْتُ عَلَى الْأُمِّ مِنْ كَثْرَةِ الْعُقُوقِ حُكْمَ السَّيِّدَةِ عَلَى أَمَتِهَا
وَقَدْ جَاءَ وُجُوهٌ أُخَرُ فِي مَعْنَاهُ (وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ الْحَافِي وَهُوَ مَنْ لَا نَعْلَ لَهُ (الْعُرَاةَ) جَمْعُ الْعَارِي وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى مَنْ يَكُونُ بَعْضُ بَدَنِهِ مَكْشُوفًا مِمَّا يَحْسُنُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَلْبُوسًا (الْعَالَةَ) جَمْعُ عَائِلٍ وَهُوَ الْفَقِيرُ مِنْ عَالَ يَعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ أَوْ مِنْ عَالَ يَعُولُ إِذَا افْتَقَرَ وَكَثُرَ عِيَالُهُ (رِعَاءَ الشَّاءِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاعٍ وَالشَّاءُ جَمْعُ شَاةٍ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ (يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) أَيْ يَتَفَاخَرُونَ فِي تَطْوِيلِ الْبُنْيَانِ وَيَتَكَاثَرُونَ بِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ تُبْسَطُ لهم الدنيا حتى يتباهون فِي الْبُنْيَانِ (ثُمَّ انْطَلَقَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ السَّائِلُ (فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ (هَلْ تَدْرِي) أَيْ تَعْلَمُ (أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) فِيهِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِخْلَاصَ يُسَمَّى كُلُّهَا دِينًا
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
(فَذَكَرَ نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا وَهُمَا قَبِيلَتَانِ وَأَوْ لِلشَّكِّ (فِيمَا نَعْمَلُ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (أَوْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ الْآنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ وَقَدَرِهِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْإِحْسَان وَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنَا مُحْسِن قَالَ نَعَمْ وَقَالَ فِي آخِره هَذَا جِبْرِيل أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمكُمْ دِينكُمْ
خُذُوا عَنْهُ
قَالَ أَبُو حَاتِم تَفَرَّدَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ
стр. 4221
(أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ) بِكَسْرِ الْفَاءِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ (يَزِيدُ وَيَنْقُصُ) أَيْ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَالضَّمِيرُ فِيهِمَا لِعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ (قَالَ أَبُو داود علقمة مرجيء) قال الحافظ في مقدمة فتح الباري إلا رجاء بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ بِهِ تَأْخِيرَ الْقَوْلِ فِي تَصْوِيبِ أَحَدِ الطَّائِفَتَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَاتَلُوا بَعْدَ عُثْمَانَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ تَأْخِيرَ الْقَوْلِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَنْ أَتَى الْكَبَائِرَ وَتَرَكَ الْفَرَائِضَ بِالنَّارِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمُ الْإِقْرَارُ وَالِاعْتِقَادُ وَلَا يَضُرُّ الْعَمَلُ مَعَ ذَلِكَ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَعَلْقَمَةُ هَذَا هُوَ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ الْكُوفِيُّ وَقَدِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ
(بَيْنَ ظَهْرَيْ أَصْحَابِهِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ وَظَهْرَانَيْهِمْ وَلَا تُكْسَرُ النُّونُ وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَيْ وَسَطَهُمْ وَفِي مُعْظَمِهِمْ (فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ) أَيِ الْمُسَافِرُ (فَلَا يدري أيهم هو) أي رسول الله (فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا) بِضَمِّ الدَّالِ وَشِدَّةِ الْكَافِ
قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ الدُّكَّانُ الدِّكَّةُ وَقِيلَ نونه زائدة انتهى
وقال في القاموس الدكة بِالْفَتْحِ وَالدُّكَّانُ بِالضَّمِّ بِنَاءٌ يُسْطَحُ أَعْلَاهُ لِلْمَقْعَدِ (بِجَنْبَتَيْهِ) أَيْ بِجَانِبَيْهِ (وَذَكَرَ هَيْئَتَهُ) أَيْ ذَكَرَ الرَّاوِي هَيْئَةَ الرَّجُلِ الْمُقْبِلِ (حَتَّى سَلَّمَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ (مِنْ طَرْفِ السِّمَاطِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيِ الْجَمَاعَةِ يَعْنِي الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ كَانُوا جُلُوسًا عَنْ جَانِبَيْهِ (فَرَدَّ عَلَيْهِ) أَيِ السَّلَامَ
стр. 4222
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ بِتَمَامِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ
(عن بن الدَّيْلَمِيِّ) هُوَ أَبُو بُسْرٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمَضْمُومَةِ
وَيُقَالُ بِشْرٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ
قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ) أَيْ مِنْ بَعْضِ شُبَهِ الْقَدَرِ الَّتِي رُبَّمَا تُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِيهِ (فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ) أَيْ بِحَدِيثٍ (فَقَالَ) أَيْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ) لِأَنَّهُ مَالِكُ الْجَمِيعِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَيْفَ شَاءَ وَلَا ظُلْمَ أَصْلًا
وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ الصَّالِحَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَعْمَالِ كَيْفَ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِهِمْ فَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ مَحْضُ فَضْلٍ مِنْهُ تَعَالَى فَلَوْ رَحِمَ الْجَمِيعَ فَلَهُ ذَلِكَ (مِثْلَ أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَبَلٌ عَظِيمٌ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ (ذَهَبًا) تَمْيِيزٌ (مَا قَبِلَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَبَلِ (مَا أَصَابَكَ) مِنَ النِّعْمَةِ وَالْبَلِيَّةِ أَوِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) أَيْ يُجَاوِزَكَ (وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ) أَيْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أَيْ عَلَى اعْتِقَادٍ غَيْرِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لك من الإيمان بالقدر (قال) أي بن الديلمي (فحدثني عن النبي مِثْلَ ذَلِكَ) فَصَارَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سنان الشيباني وثقه يحي بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثِقَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (يَا بُنَيَّ) بالتصغير
стр. 4223
(الْقَلَمُ) بِالرَّفْعِ (وَمَاذَا أَكْتُبُ) أَيْ مَا الَّذِي أَكْتُبُ (اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ) جَمْعُ مِقْدَارٍ وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ قَدْرُ الشَّيْءِ وَكَمِّيَّتُهُ كَالْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقَدْرِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْكَمِّيَّةُ وَالْكَيْفِيَّةُ (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أَيْ عَلَى غَيْرِ هَذَا الِاعْتِقَادِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) أَيْ عِنْدَ رَبِّهِمَا كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْ طَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْحُجَّةَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى مَا يَقُولُ (خَيَّبْتَنَا) أَيْ أَوْقَعْتَنَا فِي الْخَيْبَةِ وَهِيَ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ (وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ بِخَطِيئَتِكَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْكَ وَهِيَ أَكْلُكَ مِنَ الشَّجَرَةِ (اصْطَفَاكَ اللَّهُ) أَيِ اخْتَارَكَ (تَلُومُنِي) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِالتَّقْدِيرِ هُنَا الْكِتَابَةُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ فِي صُحُفِ التَّوْرَاةِ وَأَلْوَاحِهَا أَيْ كَتَبَهُ عَلَيَّ قَبْلَ خَلْقِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ الْقَدَرِ فَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَدَّرَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَأَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ أَزَلِيٌّ لَا أَوَّلَ لَهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
(فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) بِرَفْعِ آدَمَ وَهُوَ فَاعِلٌ أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ بِهَا
فَإِنْ قِيلَ فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ اللَّوْمُ وَالْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِي بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ وَغَيْرِهَا وَفِي لَوْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ زَجْرٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الزَّجْرِ مَا لَمْ يَمُتْ فَأَمَّا آدَمُ فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الزَّجْرِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ فَائِدَةٌ بَلْ فِيهِ إِيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (قَالَ
стр. 4224
أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ) وَأَمَّا مُسَدَّدٌ فَقَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ طَاوُسًا
فَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بِالْعَنْعَنَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ السَّمَاعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
(وَنَفْسَهُ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي أَخْرَجَنَا (مِنْ رُوحِهِ) الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّخْصِيصِ أَيْ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ وَلَا بُدَّ لِأَحَدٍ فِيهِ (لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا) أَيْ لَا مَلِكًا وَلَا غَيْرَهُ (أَفَمَا وَجَدْتَ أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ خُرُوجَنَا مِنَ الْجَنَّةِ (قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ عَنْ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ اللَّهِ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمُ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ (وَإِذْ أَخَذَ) أَيْ أَخْرَجَ (مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ) قِيلَ إِنَّهُ بَدَلُ الْبَعْضِ وَقِيلَ إِنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ (قال قرأ القعنبي الآية) أي بتمامها
والقعبني هُوَ عَبْدُ اللَّهِ
стр. 4225
شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ) أَيْ ظَهْرَ آدَمَ (فَفِيمَ الْعَمَلُ) أَيْ إِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ سَبْقِ الْقَدَرِ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ يُفِيدُ الْعَمَلُ أَوْ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ الْعَمَلُ أَوْ فَلِأَيِّ شَيْءٍ أُمِرْنَا بِالْعَمَلِ (اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ جَعَلَهُ عَامِلًا بِهِ وَوَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ (حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عَمَلٍ مُقَارَنٍ بِالْمَوْتِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَمْرٍو
قَالَ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بَيْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَبَيْنَ عُمَرَ رَجُلًا
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا مِنْ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ نُعَيْمٍ عَنْ عمرو
قال بن الْحَذَّاءِ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إِنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُمَرَ يُشِيرُونَ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ
وقال بن أبي خيثمة قرأت على بن مَعِينٍ حَدِيثَ مَالِكٍ هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ فَكَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ لَا يُعْرَفُ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ هَذَا لَمْ يَلْقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَبَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهَذَا أَيْضًا مَعَ الْإِسْنَادِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا مَجْهُولٌ
قِيلَ إِنَّهُ مَدَنِيٌّ وَلَيْسَ بِمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ أَيْضًا وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ وَنُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ جَمِيعًا غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ وَلَكِنَّ مَعْنَى هَذَا الحديث قد صح عن النبي مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ جُعْثُمٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ كَذَا ضَبَطَهُ الْحَافِظُ
стр. 4226
فِي التَّقْرِيبِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَلَيْسَ فِي التَّقْرِيبِ وَلَا فِي الْخُلَاصَةِ ذِكْرُ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرٍ (وَحَدِيثُ مَالِكٍ) أَيِ الَّذِي قَبْلَهُ (أَتَمُّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ جُعْثُمٍ
(طُبِعَ كَافِرًا) أَيْ خُلِقَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَاشَ يَصِيرُ كَافِرًا كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أَيْ حَمَلَهُمَا عَلَيْهِمَا وَأَلْحَقَهُمَا بِهِمَا
وَالْمُرَادُ بالطغيان ها هنا الزِّيَادَةُ فِي الضَّلَالِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ أَيْ كَلَّفَهُمَا الطُّغْيَانَ وَحَمَلَهُمَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْكُفْرِ أَيْ مَا تَرَكَهُمَا عَلَى الْإِيمَانِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
(يَقُولُ فِي قَوْلِهِ) أَيْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَكَانَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا) هَذَا مَقُولٌ لِقَوْلِ يَقُولُ أَيْ كَانَ خُلِقَ يَوْمَ خُلِقَ كَافِرًا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(أَبْصَرَ الْخَضِرُ) أَيْ رَأَى (فَتَنَاوَلَ رَأْسَهُ) أَيْ أَخَذَ رَأْسَهُ (فَقَلَعَهُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ قَلَعَهُ كَمَنَعَهُ انْتَزَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زَكِيَّةٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ قُرِئَ فِي السَّبْعِ زَاكِيَةٌ زَكِيَّةٌ قالو وَمَعْنَاهُ طَاهِرَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الْفَصْلُ قَدْ يَكُونُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 4227
(الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ) الْإِخْبَارُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ حَدِيثَ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْمَتْنِ وَأَمَّا مَعْنَاهُمَا فَوَاحِدٌ وَأَمَّا فِي السَّنَدِ فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ يَسِيرٌ وَهُوَ أَنَّ سُفْيَانَ يَرْوِي بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ دُونَ الْعَنْعَنَةِ كَمَا قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا رسول الله وَشُعْبَةُ لَمْ يَرْوِ بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ بَلْ بِالْعَنْعَنَةِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ لَكِنَّ هَذَا فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ فَقَطْ
وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ غَيْرِ حَفْصٍ كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَرَوَاهُ شُعْبَةُ أَيْضًا بِالْإِخْبَارِ وَقِيلَ فِي مَعْنَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْإِخْبَارِ الْأَلْفَاظُ أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ وَحَدِيثِ سُفْيَانَ وَاحِدٌ وَأَمَّا أَلْفَاظُهُمَا فَمُخْتَلِفَةٌ وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي نَذْكُرُ هِيَ أَلْفَاظُ حَدِيثِ سُفْيَانَ لَا أَلْفَاظُ حَدِيثِ شُعْبَةَ (وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ) قَالَ الطِّيبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اعْتِرَاضِيَّةً وَهُوَ أَوْلَى لِتَعُمَّ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا
وَالصَّادِقُ مَعْنَاهُ الْمُخْبِرُ بِالْقَوْلِ الْحَقِّ وَيُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ يُقَالُ صَدَقَ الْقِتَالَ وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ وَالْمَصْدُوقُ مَعْنَاهُ الَّذِي يَصْدُقُ لَهُ فِي الْقَوْلِ يُقَالُ صَدَقْتُهُ الْحَدِيثَ إِذَا أَخْبَرْتُهُ بِهِ إِخْبَارًا جَازِمًا أَوْ مَعْنَاهُ صَدَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعْدَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي (أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ) أَيْ مَادَّةُ خَلْقِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ أَحَدُكُمْ (يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) أَيْ يُقَرَّرُ وَيُحْرَزُ فِي رَحِمِهَا
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجَمْعِ مُكْثَ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ (ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً) أَيْ دَمًا غَلِيظًا جَامِدًا (مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) أَيْ قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى خَلْقِ أَحَدِكُمْ أَوْ إِلَى أَحَدِكُمْ يَعْنِي فِي الطور الرابع حين ما يَتَكَامَلُ بُنْيَانُهُ وَيَتَشَكَّلُ أَعْضَاؤُهُ (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) أَيْ بِكِتَابَتِهَا (فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ) الْمُرَادُ بِكِتَابَةِ الرِّزْقِ تَقْدِيرُهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَصِفَتُهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا وَبِالْأَجَلِ هَلْ هُوَ طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ وَبِالْعَمَلِ هُوَ صَالِحٌ أَوْ فَاسِدٌ (ثُمَّ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ) أَيْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ إِمَّا السَّعَادَةُ وَإِمَّا الشَّقَاوَةُ وَلَا يَكْتُبُهُمَا لِوَاحِدٍ مَعًا فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى أَرْبَعٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ وَشَقَاوَتُهُ وَسَعَادَتُهُ لِيُوَافِقَ مَا قَبْلَهُ فَعَدَلَ عَنْهُ حِكَايَةً لِصُورَةِ مَا يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ كَذَا فِي مَبَارِقِ الْأَزْهَارِ (حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) أَيْ بين الرجل
стр. 4228
وَبَيْنَ الْجَنَّةِ (إِلَّا ذِرَاعٌ) تَمْثِيلٌ لِغَايَةِ قُرْبِهَا (أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ قَدْرُهَا (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) أَيْ كِتَابُ الشَّقَاوَةِ
قَالَ المنذري واخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
قِيدُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ قَدْرُ وَكَذَلِكَ قَادَ وَقِدَى بِكَسْرِ الْقَافِ وَقِدَةُ وَقِيسُ وَقَابُ
(عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَانَ يَزِيدُ كَبِيرَ اللِّحْيَةِ فَلُقِّبَ الرِّشْكَ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا زَعَمَ أَبُو علي الغساني وجزم به بن الْجَوْزِيِّ الْكَبِيرُ اللِّحْيَةِ انْتَهَى
وَقِيلَ هُوَ بِمَعْنَى الْقَسَّامِ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (أَعُلِمَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ) الْمَعْنَى إِذَا سَبَقَ الْقَلَمُ بِذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ الْعَامِلُ إِلَى الْعَمَلِ لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قدر له (قال) أي النبي (كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَآلَ مَحْجُوبٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي عَمَلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَا يترك وكولا إلى ما يؤول إِلَيْهِ أَمْرُهُ فَيُلَامُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ وَيَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ حُذَيْفَة يَبْلُغ بِهِ النَّبِيّ قَالَ يَدْخُل الْمَلَك عَلَى النُّطْفَة بَعْد مَا تَسْتَقِرّ فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْس وَأَرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يَا رَبّ أَشَقِيّ أَمْ سَعِيد فَيَكْتُبَانِ فَيَقُول يَا رَبّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى فَيَكْتُبَانِ وَيَكْتُب عَمَله وَأَثَره وَأَجَله وَرِزْقه ثُمَّ تُكْتَب الصُّحُف فَلَا يُزَاد فِيهَا وَلَا يُنْقَص وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس بْن مَالِك وَرَفَعَ الْحَدِيث قَالَ إِنَّ اللَّه قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُول أَيْ رَبّ نُطْفَة أَيْ رَبّ عَلَقَة أَيْ رَبّ مُضْغَة فَإِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَقْضِي خَلْقًا قَالَ الْمَلَك أَيْ رَبّ ذَكَر أَمْ أُنْثَى شَقِيّ أَمْ سَعِيد فَمَا الرِّزْق فَمَا الْأَجَل فَيَكْتُب ذَلِكَ فِي بَطْن أمه
وهذا مثل حديث بن مَسْعُود حَدِيث الصَّادِق الْمَصْدُوق أَنَّ كِتَابَة الْأَجَل وَالشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة وَالرِّزْق فِي الطَّوْر الرَّابِع
стр. 4229
(لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ (وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ أَيْ لَا تُحَاكِمُوهُمْ يَعْنِي لَا تَرْفَعُوا الْأَمْرَ إِلَى حُكَّامِهِمْ وَقِيلَ لَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَحَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيد يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَة فِي الطَّوْر الْأَوَّل
وَقَدْ رُوِيَ حَدِيث حُذَيْفَة بِلَفْظٍ آخَر يَتَبَيَّن الْمُرَاد مِنْهُ وَأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِد وَأَنَّهُمَا مُتَصَادِقَانِ لَا مُتَعَارِضَانِ
فَرَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ عَامِر بْن وَاثِلَة أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَقُول الشَّقِيّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْن أُمّه وَالسَّعِيد مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ
فَأَتَى رَجُل مِنْ أَصْحَاب النبي يُقَال لَهُ حُذَيْفَة بْن أَسِيد الْغِفَارِيّ
فَحَدَّثَهُ بذلك من قول بن مَسْعُود
فَقَالَ وَكَيْف يَشْقَى بِغَيْرِ عَمَل فَقَالَ الرَّجُل الْعَجَب مِنْ ذَلِكَ
قَالَ سَمِعْت رَسُول الله يقول إذا مر بالنطفة اثنتان وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بَعَثَ اللَّه إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعهَا وَبَصَرهَا وَجِلْدهَا وَلَحْمهَا وَعِظَامهَا ثُمَّ قَالَ يَا رَبّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك
ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ أَجَله فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ رِزْقه فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك
ثُمَّ يَخْرُج الْمَلَك بِالصَّحِيفَةِ فِي يَده فَلَا يَزِيد عَلَى مَا أَمَرَ وَلَا يَنْقُص وَفِي لَفْظ آخر عنه سمعت رسول الله بأدنى هَاتَيْنِ يَقُول إِنَّ النُّطْفَة تَقَع فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثُمَّ يَتَصَوَّر عَلَيْهَا الْمَلَك قَالَ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة حَسِبْته قَالَ الَّذِي يَخْلُقهَا فَيَقُول يَا رَبّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى فَيَجْعَلهُ اللَّه ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى
ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ أَسَوِيّ أَوْ غَيْر سَوِيّ فَيَجْعَلهُ اللَّه سَوِيًّا أَوْ غَيْر سَوِيّ ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ مَا رِزْقه مَا أَجَله مَا خَلْقه ثُمَّ يَجْعَلهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا
وَفِي لَفْظ آخَر أَنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ إِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَخْلُق شَيْئًا بِإِذْنِ اللَّه لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَة ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه
فَدَلَّ حَدِيث حُذَيْفَة عَلَى أَنَّ الْكِتَابَة الْمَذْكُورَة وَقْت تَصْوِيره وَخَلْق جِلْده وَلَحْمه وَعَظْمه وَهَذَا مُطَابِق لِحَدِيثِ بن مَسْعُود
فَإِنَّ هَذَا التَّخْلِيق هُوَ فِي الطَّوْر الرَّابِع وَفِيهِ وَقَعَتْ الْكِتَابَة
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَع بِالتَّوْقِيتِ فِيهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة قُلْت التَّوْقِيت فِيهِ بَيَان أَنَّهَا قَبْل ذَلِكَ لَا يَتَعَرَّض لَهَا وَلَا يَتَعَلَّق بِهَا تَخْلِيق وَلَا كِتَابَة فَإِذَا بَلَغَتْ الْوَقْت الْمَحْدُود وَجَاوَزَتْ الْأَرْبَعِينَ وَقَعَتْ فِي أَطْوَار التَّخْلِيق طَبَقًا بَعْد طَبَق وَوَقَعَ حينئذ التقدير والكتابة وحديث بن مَسْعُود صَرِيح فِي أَنَّ وُقُوع ذَلِكَ بَعْد كَوْنه مُضْغَة بَعْد الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَة وَحَدِيث حُذَيْفَة فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْد الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُوَقِّت البعدية بل أطلقها ووقتها في حديث بن مسعود
стр. 4230
تَبْتَدِئُوهُمْ بِالْمُجَادَلَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ لِئَلَّا يَقَعَ أَحَدُكُمْ فِي شَكٍّ فَإِنَّ لَهُمْ قُدْرَةً عَلَى الْمُجَادَلَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وقيل لا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حَدِيث حُذَيْفَة دَالّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ
وَيَحْتَمِل وَجْهًا آخَر وَهُوَ أَنْ تَكُون الْأَرْبَعُونَ الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث حُذَيْفَة هِيَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَة وَسُمِّيَ الْحَمْل فِيهَا نُطْفَة إِذْ هِيَ مَبْدَؤُهُ الْأَوَّل
وَفِيهِ بُعْد وَأَلْفَاظ الْحَدِيث تأباه
ويحتمل وَجْهًا آخَر وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِير وَالْكِتَابَة تَقْدِيرَانِ وَكِتَابَتَانِ
فَالْأَوَّل مِنْهُمَا عِنْد اِبْتِدَاء تَعَلُّق التَّحْوِيل وَالتَّخْلِيق فِي النُّطْفَة وَهُوَ إِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ وَدَخَلَتْ فِي طَوْر الْعَلَقَة وَهَذَا أَوَّل تَخْلِيقه
وَالتَّقْدِير الثَّانِي وَالْكِتَابَة الثَّانِيَة إِذَا كَمُلَ تَصْوِيره وَتَخْلِيقه وَتَقْدِير أَعْضَائِهِ وَكَوْنه ذَكَرًا أَوْ أنثى من الخارج فبكتب مَعَ ذَلِكَ عَمَله وَرِزْقه وَأَجَله وَشَقَاوَته وَسَعَادَته
فَلَا تَنَافِي بَيْن الْحَدِيثَيْنِ وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
وَيَكُون التَّقْدِير الْأَوَّل تَقْدِيرًا لِمَا يَكُون لِلنُّطْفَةِ بَعْد الْأَرْبَعِينَ فَيُقَدَّر مَعَهُ السَّعَادَة وَالشَّقَاوَة وَالرِّزْق وَالْعَمَل
وَالتَّقْدِير الثَّانِي تَقْدِيرًا لِمَا يَكُون لِلْجَنِينِ بَعْد تَصْوِيره فَيُقَدَّر مَعَهُ ذَلِكَ وَيَكْتُب أَيْضًا وَهَذَا التَّقْدِير أَخَصّ مِنْ الْأَوَّل
وَنَظِير هَذَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدَّرَ مَقَادِير الْخَلَائِق قبل أن يخلق السماوات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة ثُمَّ يُقَدِّر لَيْلَة الْقَدْر مَا يَكُون فِي الْعَام لِمِثْلِهِ وَهَذَا أَخَصّ مِنْ التَّقْدِير الْأَوَّل الْعَامّ كَمَا أَنَّ تَقْدِير أَمْر النُّطْفَة وَشَأْنهَا يَقَع بَعْد تَعَلُّقهَا بالرحم وقد قدر أمرها قبل خلق السماوات وَالْأَرْض
وَنَظِير هَذَا رَفْع الْأَعْمَال وَعَرْضهَا عَلَى اللَّه تَعَالَى فَإِنَّ عَمَل الْعَام يُرْفَع فِي شَعْبَان كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِق الْمَصْدُوق أَنَّهُ شَهْر تَرْفَع فِيهِ الْأَعْمَال فَأُحِبّ أَنْ يُرْفَع عَمَلِي وَأَنَا صَائِم وَيُعْرَض عَمَل الْأُسْبُوع يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَعَمَل الْيَوْم يُرْفَع فِي آخِره قَبْل اللَّيْل وَعَمَل اللَّيْل فِي آخِره قَبْل النَّهَار
فَهَذَا الرَّفْع فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَخَصّ مِنْ الرَّفْع فِي الْعَام وَإِذَا اِنْقَضَى الْأَجَل رُفِعَ عَمَل الْعُمْر كُلّه وَطُوِيَتْ صَحِيفَة الْعَمَل
وَهَذِهِ الْمَسَائِل
مِنْ أَسْرَار مَسَائِل الْقَضَاء وَالْقَدَر
فَصَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَى هَادَى الْأُمَّة وَكَاشِف الْغُمَّة الَّذِي أَوْضَحَ اللَّه بِهِ الْمَحَجَّة وَأَقَامَ بِهِ الْحُجَّة وَأَنَارَ بِهِ السَّبِيل وَأَوْضَحَ بِهِ الدَّلِيل وَلِلَّهِ دَرّ الْقَائِل أَحْيَا الْقُلُوب مُحَمَّد لَمَّا أَتَى وَمَضَى فَنَاءَتْ بَعْده أُمَنَاؤُهُ كَالْوَرْدِ رَاقَك رِيحه فَشَمَمْته وَإِذَا تَوَلَّى نَابَ عَنْهُ مَسَاؤُهُ وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه يَقُول كَتَبَ اللَّه مَقَادِير الْخَلَائِق قَبْل أَنْ يخلق السماوات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة قَالَ وَعَرْشه عَلَى الماء
стр. 4231
تَبْتَدِئُوهُمْ بِالسَّلَامِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَهَذَا مِنْهُ تَوْثِيقٌ لِحَكِيمِ بن شريك الهذلي البصري وقد وثقه بن حبان البستي أيضا
وقال الذهبي لا يعرف قاله العلقمي
وقال بن حَجَرٍ مَجْهُولٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ
وَفِي مِيزَانِ الاعتدال قواه بن حبان وقال أبو حاتم مجهول انتهى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول الله يَقُول إِنَّ قُلُوب بَنِي آدَم كُلّهَا بَيْن أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَن كَقَلْبٍ وَاحِد يُصَرِّفهُ حيث يشاء ثم قال رسول الله اللَّهُمَّ مُصَرِّف الْقُلُوب صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طَاعَتك
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عمر ﵄ قال قال رسول الله كُلّ شَيْء بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْز وَالْكَيْس أَوْ الْكَيْس وَالْعَجْز وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قال قال رسول الله إن الله كتب على بن آدم حظه من الزنى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَة فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَر وَزِنَا اللِّسَان النُّطْق وَالنَّفْس تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عن أبي سعيد ﵁ عن النبي قَالَ مَا اِسْتَخْلَفَ اللَّه خَلِيفَة إِلَّا كَانَ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَة تَأْمُرهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَة تَأْمُرهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَ اللَّه
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هريرة ﵁ قال قال رسول الله الْمُؤْمِن الْقَوِيّ خَيْر وَأَحَبّ إِلَى اللَّه مِنْ الْمُؤْمِن الضَّعِيف وَفِي كُلّ خَيْر اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَز
وَإِنْ أَصَابَك شَيْء فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّه وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَح عَمَل الشَّيْطَان
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بن مسعود ﵁ قَالَ قَالَتْ أُمّ حَبِيبَة اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رسول الله وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَان وَبِأَخِي مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهَا رسول الله إِنَّك سَأَلْت اللَّه لِآجَالٍ مَضْرُوبَة وَآثَار مَوْطُوءَة وَأَرْزَاق مَقْسُومَة لَا يُعَجَّل مِنْهَا شَيْء قَبْل حِلّه وَلَا يُؤَخَّر مِنْهَا شَيْء بَعْد حِلّه وَلَوْ سَأَلْت اللَّه أَنْ يُعَافِيَك مِنْ عَذَاب فِي النَّار وَعَذَاب فِي الْقَبْر كَانَ خَيْرًا لك
وفي سنن بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْن أَبِي الْمُسَاوِر عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَدِيّ بْن حَاتِم الْكُوفَة أَتَيْنَاهُ فِي نَفَر مِنْ فُقَهَاء أَهْل الْكُوفَة فَقُلْنَا لَهُ حَدِّثْنَا مَا سمعت من رسول الله قال أتيت النبي فَقَالَ يَا عَدِيّ بْن حَاتِم أَسْلِمْ تَسْلَم قُلْت وَمَا الْإِسْلَام قَالَ تَشْهَد أَنْ لَا إله إلا الله وأني رسول الله وَتُؤْمِن بِالْأَقْدَارِ كُلّهَا خَيْرهَا وَشَرّهَا وَحُلْوهَا وَمُرّهَا
وَفِي سُنَنه أَيْضًا مِنْ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ سُرَاقَة بْن جُعْشُم قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَنَعْمَلُ فِيمَا جَفَّ بِهِ الْقَلَم وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير أَمْ فِي أَمْر مُسْتَقْبَل قَالَ بَلْ فِيمَا جَفَّ بِهِ الْقَلَم وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير وَكُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَن قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرو بن تغلب قال أتى النبي مال فأعطى
стр. 4232
تَبْتَدِئُوهُمْ بِالسَّلَامِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَهَذَا مِنْهُ تَوْثِيقٌ لِحَكِيمِ بن شريك الهذلي البصري وقد وثقه بن حبان البستي أيضا
وقال الذهبي لا يعرف قاله العلقمي
وقال بن حَجَرٍ مَجْهُولٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ
وَفِي مِيزَانِ الاعتدال قواه بن حِبَّانَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مَجْهُولٌ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قوما ومنع آخرين فبلغه أنهم عيبوا فَقَالَ إِنِّي أُعْطِي الرَّجُل وَأَدَع الرَّجُل وَاَلَّذِي أَدَع أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْجَزَع وَالْهَلَع وَأَكِل أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّه فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْر مِنْهُمْ عَمْرو بْن تَغْلِب فَقَالَ عَمْرو مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بكلمة رسول الله حُمْر النَّعَم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عِمْرَان بن حصين قال إني عند النبي إِذْ جَاءَهُ قَوْم مِنْ بَنِي تَمِيم
فَقَالَ اِقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيم قَالُوا بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا فَدَخَلَ نَاس مِنْ أَهْل الْيَمَن فَقَالَ اقبلوا البشرى يا أهل اليمن يا أهل اليمن إذا لَمْ يَقْبَلهَا بَنُو تَمِيم قَالُوا قَبِلْنَا جِئْنَاك نَتَفَقَّه فِي الدِّين وَنَسْأَلك عَنْ أَوَّل هَذَا الْأَمْر مَا كَانَ قَالَ كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ قَبْله وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَكَتَبَ فِي الذكر كل شيء الحديث
وعن بن عباس أن النبي قال لأشج عبد القيس ﵁ إِنَّ فِيك لَخَلَّتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللَّه الْحِلْم وَالْأَنَاة قَالَ يَا رَسُول اللَّه خَلَّتَيْنِ تَخَلَّقْت بِهِمَا أَمْ جُبِلْت عَلَيْهِمَا قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللَّه
وَقَالَ أَبُو هريرة ﵁
قال لي النبي جَفَّ الْقَلَم بِمَا أَنْتَ لَاقٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ طَاوُسٍ قَالَ سمعت عَبْد اللَّه بْن عُمَر ﵄ يقول قال رسول الله كُلّ شَيْء بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْز وَالْكَيْس أَوْ الكيس والعجز
وذكر البخاري عن بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ قَالَ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال لا يأتي بن آدَم النَّذْر بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْته وَلَكِنْ يُلْقِيه الْقَدَر وَقَدْ قَدَّرْته لَهُ أَسْتَخْرِج بِهِ مِنْ الْبَخِيل
وَفِي لَفْظ لِلْبُخَارِيِّ لَا يأتي بن آدَم النَّذْر بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيه النَّذْر إِلَى الْقَدَر قَدْ قُدِّرَ لَهُ فَيَسْتَخْرِج اللَّه بِهِ مِنْ الْبَخِيل فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قبل
وفي لفظ في الصحيحين عن بن عمر ﵄ عن النبي النذر لا يقرب من بن آدَم شَيْئًا لَمْ يَكُنْ اللَّه قَدَّرَهُ لَهُ وَلَكِنْ النَّذْر يُوَافِق الْقَدَر فَيُخْرَج بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيل مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيل يُرِيد أَنْ يُخْرِج
هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي النَّذْر وَالْقَدَر أَدْخَلَهَا الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْقَدَر وَهُوَ إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى الْقَدَر الَّذِي لَا يَتَعَلَّق بِقُدْرَةِ الْعَبْد وَمَشِيئَته
وَالْكَلَام فِيهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ غُلَاة الْقَدَرِيَّة الْمُنْكِرِينَ لِتَقَدُّمِ الْعِلْم وَالْكِتَاب
وَأَمَّا الْقَدَرِيَّة الْمُنْكِرُونَ لِخَلْقِ الْأَفْعَال فَلَا يُحْتَجّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم
وَقَدْ نَظَرْت فِي أَدِلَّة إِثْبَات الْقَدَر وَالرَّدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة فَإِذَا هِيَ تُقَارِب خَمْسَمِائَةِ دَلِيل وَإِنْ قَدَّرَ اللَّه تَعَالَى أَفْرَدْت لَهَا مُصَنَّفًا مُسْتَقِلًّا وَبِاَللَّهِ التوفيق
стр. 4233
٧ - (بَاب فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ)
أَيْ أَطْفَالِهِمْ إِذَا مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ
وَذَرَارِيُّ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ وَهِيَ نَسْلُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ
قَالَ الْأَكْثَرُونَ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِيهِمْ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ من أهل الجنة
(والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أَيْ بِمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أو الترك بين المنزلتين قاله القارىء
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يُوهِمُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُفْتِ السَّائِلَ عَنْهُمْ وَأَنَّهُ رَدَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَلْحَقَهُمْ بِالْكَافِرِينَ وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ عَلِمَ لَوْ بَقُوا أَحْيَاءَ حَتَّى يَكْبَرُوا لَكَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَ الْكُفَّارِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث عَائِشَة هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ثُمَّ قَالَ حَدِيث عَائِشَة قُلْت يَا رَسُول اللَّه مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَيْس مَوْلَى غُطَيْف عَنْهَا
وَلَيْسَ بِذَاكَ الْمَشْهُور وَرَوَاهُ عُمَر بْن ذَرّ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي أُمَيَّة أَنَّ الْبَرَاء بْن عَازِب أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَة يَسْأَلهَا عَنْ الْأَطْفَال فَقَالَتْ الْحَدِيث هَكَذَا قَالَ مُسْلِم بْن قُتَيْبَة عَنْ عُمَر وَقَالَ غَيْره عَنْ عُمَر بْن ذَرّ عَنْ يَزِيد عَنْ رَجُل عَنْ الْبَرَاء
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو عُقَيْل عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل النَّاجِيّ عَنْ بُهَيَّة عَنْهَا أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ أَوْلَاد الْمُسْلِمِينَ أَيْنَ هُمْ قَالَ فِي الْجَنَّة وَسَأَلَتْهُ عَنْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ أَيْنَ هُمْ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فِي النَّار فَقُلْت لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَال ولم نجز عَلَيْهِمْ الْأَقْلَام قَالَ رَبّك أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْت أَسْمَعْتُك تَضَاغِيهمْ فِي النَّار
فَحَدِيث وَاهٍ يُعَرِّف بِهِ وَاهٍ وَهُوَ أَبُو عُقَيْل
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخ بن الْقَيِّم ﵀ أَحَادِيث الْبَاب إِلَى آخِره ثُمَّ قَالَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي الْبَاب حَدِيث كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة لَفْظ الصَّحِيحَيْنِ فِيهِ مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ الْحَدِيث
وَفِي لَفْظ آخَر مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِهِ فَقَالَ آخَر أَرَأَيْت يَا رَسُول اللَّه لَوْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ قَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كانوا عاملين
стр. 4234
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(الْمَذْحِجِيُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ جِيمٍ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ مَا حُكْمُهُمْ أَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ (فَقَالَ هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ) فَلَهُمْ حُكْمُهُمْ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ) أَيْ أَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا عَمَلٍ وَهَذَا وَارِدٌ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ (قَالَ الله أعلم بما كَانُوا عَامِلِينَ) أَيْ لَوْ بَلَغُوا رَدًّا لِتَعَجُّبِهَا وإشارة إِلَى الْقَدَرِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي لَفْظ آخَر مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّة
وَفِي لَفْظ آخَر عَلَى هَذِهِ الْمِلَّة حَتَّى يُبَيِّن عَنْهُ لِسَانه
وَفِي لَفْظ آخَر لَيْسَ مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة حَتَّى يُعَبِّر عَنْهُ لِسَانه
وَفِي لَفْظ آخَر مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا عَلَى الْفِطْرَة
وَفِي لَفْظ آخَر كُلّ إِنْسَان تَلِدهُ أُمّه عَلَى الْفِطْرَة وَأَبَوَاهُ بَعْد يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِم
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ كُلّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا لَفْظ الْمِلَّة فَهُوَ لِمُسْلِمٍ
وَكَذَا لَفْظ يُشَرِّكَانِهِ فَلَهُ أَيْضًا
وَكَذَا قَوْله حَتَّى يُعَبِّر عَنْهُ لِسَانه
وَكَذَا لَفْظ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِم لِمُسْلِمٍ وَحْده
وَإِنَّمَا سُقْنَا هَذِهِ الْأَلْفَاظ لِنُبَيِّن بِهَا أَنَّ الْكَلَام جُمْلَتَانِ لَا جُمْلَة وَاحِدَة وَأَنَّ قَوْله كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة جُمْلَة مُسْتَقِلَّة وَقَوْله أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَى آخِره جُمْلَة أُخْرَى
وَهُوَ يُبَيِّن غَلَط مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكَلَام جُمْلَة وَاحِدَة وَأَنَّ الْمَعْنَى كُلّ مَوْلُود يُولَد بِهَذِهِ الصِّفَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَجَعَلَ الْخَبَر عِنْد قَوْله يُهَوِّدَانِهِ إِلَى آخِره
وَأَلْفَاظ الْحَدِيث تَدُلّ عَلَى خَطَأ هَذَا القائل
стр. 4235
(أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ) أَيْ بِجِنَازَةِ صَبِيٍّ (يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ (طُوبَى لِهَذَا) طُوبَى فُعْلَى مِنْ طَابَ يَطِيبُ قُلِبَتِ الْيَاءُ وَاوًا أَيِ الرَّاحَةُ وَطِيبُ الْعَيْشِ حَاصِلٌ لِهَذَا الصَّبِيِّ (وَلَمْ يَدْرِ بِهِ) مِنَ الدِّرَايَةِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنَ الرِّوَايَاتِ
وَالتَّقْدِيرُ أَتَعْتَقِدِينَ مَا قُلْتِ وَالْحَقُّ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْوَاوُ لِلْحَالِ كَذَا قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ
وَذَكَرَ فِي قَوْلِهِ أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ وُجُوهًا أُخَرَ (وَخَلَقَ لَهَا) أَيْ لِلْجَنَّةِ (أَهْلًا) أَيْ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَنَعَّمُونَ بِهَا (وَخَلَقَهَا لَهُمْ) أَيْ خَلَقَ الْجَنَّةَ لِأَهْلِهَا (وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ) الْجُمْلَةُ حَالٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَيَدُلّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْفِطْرَة هِيَ فِطْرَة الْإِسْلَام لَيْسَتْ الْفِطْرَة الْعَامَّة الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة لِقَوْلِهِ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة وَقَوْله عَلَى هَذِهِ الْمِلَّة
وَسِيَاقه أَيْضًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمُرَادَة لِإِخْبَارِهِ بِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يُغَيِّرَانِهَا وَلَوْ كَانَتْ الْفِطْرَة هِيَ فِطْرَة الشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة لِقَوْلِهِ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة لَكَانَ الْأَبَوَانِ مُقَدِّرَيْنِ لَهَا
وَلِأَنَّ قِرَاءَة قَوْله تَعَالَى ﴿فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم﴾ عَقِب الْحَدِيث صَرِيح فِي أَنَّ الْمُرَاد بِهَا فِطْرَة الْإِسْلَام وَلِأَنَّ تَشْبِيه الْمَوْلُود فِي وِلَادَته عَلَيْهَا بِالْبَهِيمَةِ الْجَمْعَاء وَهِيَ الْكَامِلَة الْخَلْق ثُمَّ تَشْبِيهه إِذَا خَرَجَ عَنْهَا بِالْبَهِيمَةِ الَّتِي جَدَعَهَا أَهْلهَا فَقَطَعُوا أُذُنهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفِطْرَة هِيَ الْفِطْرَة الْمُسْتَقِيمَة السَّلِيمَة وَمَا يَطْرَأ عَلَى الْمَوْلُود مِنْ التَّهْوِيد وَالتَّنْصِير بِمَنْزِلَةِ الْجَدْع وَالتَّغْيِير فِي وَلَد الْبَهِيمَة وَلِأَنَّ الْفِطْرَة حَيْثُ جَاءَتْ مُطْلَقَة مُعَرَّفَة بِاللَّامِ لَا يُرَاد بِهَا إِلَّا فِطْرَة التَّوْحِيد وَالْإِسْلَام وَهِيَ الْفِطْرَة الْمَمْدُوحَة وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء لَمَّا أَخَذَ النَّبِيّ ﷺ اللَّبَن قِيلَ لَهُ أَصَبْت الْفِطْرَة وَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيّ ﷺ الْمُؤَذِّن يَقُول اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر قَالَ عَلَى الْفِطْرَة وَحَيْثُ جَاءَتْ الْفِطْرَة فِي كَلَام رَسُول اللَّه ﷺ فَالْمُرَاد بِهَا فِطْرَة الْإِسْلَام لَا غَيْر ولم يجيء قَطّ فِي كَلَامه مُرَادًا بِهَا فِطْرَة الشَّقَاوَة وَابْتِدَاء الْخِلْقَة فِي مَوْضِع وَاحِد
وَلَفْظ الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ غَيْر مَنْسُوخ وَأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِيهِ النَّسْخ كَمَا قَالَ بَعْضهمْ لِأَنَّهُ خَبَر مَحْض وَلَيْسَ حُكْمًا يَدْخُل تَحْت الْأَمْر وَالنَّهْي فَلَا يَدْخُلهُ النَّسْخ
وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الصَّبِيّ مِنْ الْأَنْصَار فَرَدَّهُ الْإِمَام أَحْمَد وَطَعَنَ فِيهِ وَقَالَ مَنْ يَشُكّ أَنَّ أَوْلَاد الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَقَالَ أَيْضًا إِنَّهُمْ لَا اختلاف فيهم
стр. 4236
الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
(كُلُّ مَوْلُودٍ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ (يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ المراد بالفطرة الإسلام
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ (يُهَوِّدَانِهِ) أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الْيَهُودِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا (وَيُنَصِّرَانِهِ) أَيْ يُعَلِّمَانِهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ نَصْرَانِيًّا (كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ) أَيْ تَلِدُ (جَمْعَاءَ) أَيْ سَلِيمَةِ الْأَعْضَاءِ كَامِلَتِهَا (هَلْ تُحِسُّ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ هَلْ تُدْرِكُ
قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أي سليمة مقولا في حقها ذلك (في جدعاء) أي مقطوعة الأذن
والمعنى أن البهيمة أول
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا مُسْلِم فَأَوْرَدَهُ فِي صَحِيحه كَمَا تَقَدَّمَ
ومن انتصر للحديث وصحيحه يَقُول الْإِنْكَار مِنْ النَّبِيّ ﷺ عَلَى عَائِشَة إِنَّمَا كَانَ لِشَهَادَتِهَا لِلطِّفْلِ الْمُعَيَّن بِأَنَّهُ فِي الْجَنَّة كَالشَّهَادَةِ لِلْمُسْلِمِ الْمُعَيَّن فَإِنَّ الطِّفْل تَبَع لِأَبَوَيْهِ فَإِذَا كَانَ أَبَوَاهُ لَا يُشْهَد لَهُمَا بِالْجَنَّةِ فَكَيْف يُشْهَد لِلطِّفْلِ التَّابِع لَهُمَا
وَالْإِجْمَاع إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة مَعَ آبَائِهِمْ فَيَجِب الْفَرْق بَيْن الْمُعَيَّن وَالْمُطْلَق
وَفِي صَحِيح أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن ضَمْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ ذَرَارِيّ الْمُؤْمِنِينَ يكفلهم إبراهيم ﷺ فِي الْجَنَّة
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ مِمَّا يُكْثِر أَنْ يَقُول لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ رُؤْيَا قَالَ فَيَقُصّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يَقُصّ وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَات غَدَاة أَتَانِي اللَّيْلَة آتِيَانِ فَذَكَرَ حَدِيث الرُّؤْيَا بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَة مُعْتِمَة مِنْ كُلّ لَوْن الرَّبِيع وَإِذَا بَيْن ظَهْرَيْ الرَّوْضَة رَجُل طَوِيل لَا أَكَاد أَرَى رَأْسه طُولًا فِي السَّمَاء وَإِذَا حَوْل الرَّجُل أَكْثَر وِلْدَان رَأَيْتهمْ قَطّ وَقَالَ فِيهِ وَأَمَّا الرَّجُل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ وَأَمَّا الْوِلْدَان الَّذِينَ حَوْله فَكُلّ مَوْلُود مَاتَ عَلَى الْفِطْرَة قَالَ فَقَالَ بَعْض الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُول اللَّه وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ
стр. 4237
مَا تُولَدُ تَكُونُ سَلِيمَةً مِنَ الْجَدْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهَا أَرْبَابُهَا النَّقَائِصَ كَذَلِكَ الطِّفْلُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَوْ تُرِكَ عَلَيْهَا لَسَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ إِلَّا أَنَّ وَالِدَيْهِ يُزَيِّنَانِ لَهُ الْكُفْرَ وَيَحْمِلَانِهِ عَلَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هريرة (إن أهل الأهواء) المراد بهم ها هنا الْقَدَرِيَّةُ (قَالَ مَالِكٌ احْتَجَّ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ (بِآخِرِهِ) أَيْ بِآخِرِ الْحَدِيثِ (قَالُوا أَرَأَيْتَ إِلَخْ) هَذَا بيان لآخر الحديث
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وفي الصحيحين عن بن عَبَّاس سُئِلَ رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عن أبي بن كعب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِر طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الصَّعْب بْن جَثَّامَة قَالَ سُئِلَ رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ الدَّار مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهمْ فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ
وَفِي لَفْظ لَهُمَا هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ
وَهَذِهِ الْأَحَادِيث لَا تَنَاقُض بَيْنهَا بَلْ يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَطْفَال عَلَى ثَمَانِيَة أَقْوَال
أَحَدهَا الْوَقْف فِيهِمْ وَتَرْك الْكَلَام فِي مُسْتَقَرّهمْ وَيُوَكَّل عِلْمهمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى
قَالَ هَؤُلَاءِ وَظَوَاهِر السُّنَن وَأَجْوِبَة النَّبِيّ ﷺ في حديث بن عباس وأبي هريرة ﵃ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَكَّلَ عِلْمهمْ إِلَى اللَّه وَقَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
قالوا وقد روى بن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث جَرِير بْن حَازِم قَالَ سَمِعْت أَبَا رَجَاء الْعُطَارِدِيّ قَالَ سمعت بن عَبَّاس يَقُول وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يَزَال أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة قِوَامًا أَوْ مُقَارِبًا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَان وَالْقَدَر
قَالَ أَبُو حَاتِم الْوِلْدَان أَرَادَ بِهِمْ أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ
وَفِيمَا اِسْتَدَلَّتْ بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَة نَظَر وَالنَّبِيّ ﷺ لَمْ يُجِبْ فِيهِمْ بِالْوَقْفِ وَإِنَّمَا وَكَّلَ عِلْم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ لَوْ عَاشُوا إِلَى اللَّه وَهَذَا جَوَاب عَنْ سُؤَالِهِمْ كَيْف يَكُونُونَ مَعَ آبَائِهِمْ بِغَيْرِ عَمَل وَهُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث
стр. 4238
قال بن الْقَيِّمِ سَبَبُ اخْتَلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْآثَارَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ لَفْظِ الْفِطْرَةِ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّل بَاب وَالنَّبِيّ ﷺ وَكَّلَ الْعِلْم بِعَمَلِهِمْ إِلَى اللَّه وَلَمْ يَقُلْ اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَسْتَقِرُّونَ أَوْ أَيْنَ يَكُونُونَ
فَالدَّلِيل غَيْر مُطَابِق لِمَذْهَبِ هَذِهِ الطائفة
وأما حديث أبي رجاء عن بن عَبَّاس فِي الْمَنْع مِنْ الْكَلَام فِيهِمْ فَفِي الْقَلْب مِنْ رَفْعه شَيْء
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى ذَمّ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْم أَوْ ضَرَبَ الْأَحَادِيث فِيهِمْ بَعْضهَا بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَ مَعَ الَّذِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَلَامهمْ فِي الْقَدَر وَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بِعِلْمٍ وَحَقّ فَلَا يُذَمّ
الْقَوْل الثَّانِي أَنَّ أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ فِي النَّار
وَهَذَا مَذْهَب طَائِفَة وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رِوَايَة عَنْ أَحْمَد قَالَ شَيْخنَا وَهُوَ غَلَط مِنْهُ عَلَى أَحْمَد وَسَبَب غَلَطه أَنَّ أَحْمَد سُئِلَ عَنْهُمْ فَقَالَ هُمْ عَلَى الْحَدِيث قَالَ الْقَاضِي أَرَادَ حَدِيث خَدِيجَة إِذْ سَأَلَتْ النَّبِيّ ﷺ عَنْ أَوْلَادهَا الَّذِينَ مَاتُوا قَبْل الْإِسْلَام فَقَالَ إِنْ شِئْت أَسْمَعْتُك تَضَاغِيهمْ فِي النَّار
قَالَ شَيْخنَا وَهَذَا حَدِيث مَوْضُوع وَأَحْمَد أَجَلّ مِنْ أَنْ يَحْتَجّ بِمِثْلِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ حَدِيث عَائِشَة اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
وَالْقَوْل الثَّالِث إِنَّهُمْ فِي الْجَنَّة وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ سَمُرَة الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خَزَنَتهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِير فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْء﴾ فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ كُلّ فَوْج يُلْقَى فِي النَّار لَا بُدّ وَأَنْ يَكُونُوا قَدْ جَاءَهُمْ النَّذِير وَكَذَّبُوهُ وَهَذَا مُمْتَنِع فِي حَقّ الْأَطْفَال
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْلِيس ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تَبِعَك مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
стр. 4239
(قَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْإِقْرَارُ الَّذِي كَانَ يَوْمَ الْمِيثَاقِ
والحديث سكت عنه المنذري
(الوائدة والموءودة فِي النَّارِ) وَأَدَ بِنْتَهُ يَئِدُهَا وَأْدًا فَهِيَ موءودة إِذَا دَفَنَهَا فِي الْقَبْرِ وَهِيَ حَيَّةٌ
وَهَذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا مِنَ الْفَقْرِ أَوْ فِرَارًا مِنَ الْعَارِ
قَالَ الْقَاضِي كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ حية فالوائدة في النار لكفرها وفعلها والموءودة فِيهَا لِكُفْرِهَا
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ تُؤَوَّلُ الْوَائِدَةُ بِالْقَابِلَةِ لِرِضَاهَا به والموءودة بالموءودة لَهَا وَهِيَ أُمُّ الطِّفْلِ فَحُذِفَتِ الصِّلَةُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ إِنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ وأدت بنتا لها فقال الوائدة والموؤدة فِي النَّارِ فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَى أَطْفَالِ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ فِي شَخْصٍ معين انتهى (قال يحي بن زكريا) أي بن أَبِي زَائِدَةَ (فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ) يَعْنِي السَّبِيعِيَّ (بِذَلِكَ) أَيِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا فَإِذَا اِمْتَلَأَتْ مِنْهُ وَمِنْ أَتْبَاعه لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَوْضِع لِغَيْرِهِمْ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿لِئَلَّا يكون للناس عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل﴾
قَالُوا فَاَللَّه تَعَالَى لَا يُعَذِّب أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ فَالنَّار دار عدله لا يدخلها أحد إِلَّا بِعَمَلٍ وَأَمَّا الْجَنَّة فَدَار فَضْله يُدْخِلهَا بغير عمل ولهذا ينشيء لِلْفَضْلِ الَّذِي يَبْقَى فِيهَا أَقْوَامًا يُسْكِنهُمُوهُ
وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْبُخَارِيّ وأما النار فينشيء اللَّه لَهَا خَلْقًا يُسْكِنهُمْ إِيَّاهَا فَغَلَط مِنْ الرَّاوِي اِنْقَلَبَ عَلَيْهِ لَفْظه وَإِنَّمَا هُوَ وَأَمَّا الجنة فإن الله ينشيء لَهَا خَلْقًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ وَسِيَاق الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ
قَالُوا وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة وَالْأَسْوَد بْن سُرَيْع فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ فِي النَّار وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ تَبَع لَهُمْ فِي الْحُكْم وَأَنَّهُمْ إِذَا أُصِيبُوا فِي الْبَيِّنَات لَمْ يُضْمَنُوا بِدِيَةٍ وَلَا كَفَّارَة وَهَذَا ظَاهِر فِي حَدِيث الْأَسْوَد
وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْر وَاحِد
قَالُوا وَحَدِيث خَدِيجَة بَاطِل لَا يَصِحّ
стр. 4240
(فَلَمَّا قَفَّى) أَيْ وَلَّى قَفَاهُ مُنْصَرِفًا (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَةً قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَالْقَوْل الرَّابِع إِنَّهُمْ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار إِذْ لَا مَعْصِيَة لَهُمْ تُوجِب دُخُول النَّار وَلَا إِسْلَام يُوجِب لَهُمْ دُخُول الْجَنَّة
وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا دَار لِلْقَرَارِ إِلَّا الْجَنَّة وَالنَّار وَأَمَّا الْأَعْرَاف فَإِنَّ مَآل أَصْحَابهَا إِلَى الْجَنَّة كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَة
وَالْقَوْل الْخَامِس إِنَّهُمْ تَحْت الْمَشِيئَة يَجُوز أَنْ يُعَذِّبهُمْ وَأَنْ يُنَعِّمهُمْ وَأَنْ يُعَذِّب بَعْضًا وَهَذَا قَوْل كَثِير مِنْ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ وَقَوْل الْجَبْرِيَّة وَنُفَاة التَّعْلِيل وَالْحُكْم
وَالْقَوْل السَّادِس إِنَّهُمْ وِلْدَان أَهْل الْجَنَّة وَخَدَمهمْ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيث لَا يَثْبُت
وَالْقَوْل السَّابِع إِنَّ حُكْمهمْ حُكْم الْآبَاء فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلَا حُكْم لَهُمْ غَيْر حُكْم آبَائِهِمْ
فَكَمَا هُمْ تَبَع لِآبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ هُمْ لَهُمْ تَبَع فِي الْآخِرَة
وَالْقَوْل الثَّامِن إِنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَة فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة وَمَنْ عَصَى عَذَّبَهُ وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا مِنْ حَدِيث الْأَسْوَد بْن سُرَيْع وَأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمَا وَهِيَ أَحَادِيث يَشُدّ بَعْضهَا بَعْضًا
وَهَذَا أَعْدَل الْأَقْوَال وَبِهِ يَجْتَمِع شَمْل الْأَدِلَّة وَتَتَّفِق الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب
وَعَلَى هَذَا فَيَكُون بَعْضهمْ فِي الْجَنَّة كَمَا فِي حَدِيث سَمُرَة وَبَعْضهمْ فِي النَّار كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة
وَجَوَاب النَّبِيّ ﷺ يَدُلّ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ
وَمَعْلُوم أَنَّ اللَّه لَا يُعَذِّبهُمْ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ مَا لَمْ يَقَع مَعْلُومه فَهُوَ إِنَّمَا يُعَذِّب مَنْ يَسْتَحِقّ الْعَذَاب عَلَى مَعْلُومه وَهُوَ مُتَعَلِّق عِلْمه السَّابِق فِيهِ لَا عَلَى عِلْمه الْمُجَدَّد وَهَذَا الْعِلْم يَظْهَر مَعْلُومه فِي الدَّار الْآخِرَة
وَفِي قَوْله اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ سُبْحَانه كَانَ يَعْلَم مِمَّا كَانُوا عَامِلِينَ لَوْ عَاشُوا وَأَنَّ مَنْ يُطِيعهُ وَقْت الِامْتِحَان كَانَ مِمَّنْ يُطِيعهُ لَوْ عَاشَ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ يَعْصِيه حِينَئِذٍ كَانَ مِمَّنْ يَعْصِيه لَوْ عَاشَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ دَلِيل عَلَى تَعَلُّق عِلْمه بِمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْف كَانَ يَكُون
وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَهُ النَّبِيّ ﷺ قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ اللَّه بِمَصِيرِهِمْ وَمُسْتَقَرّهمْ
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا تَعَرُّض فِي هَذَا الْمُسْتَقَرّ كَمَا تَقَدَّمَ
وَقِيلَ مَعْنَاهُ اللَّه أَعْلَم عَلَى أَيّ دِين يُمِيتهُمْ
لَوْ عَاشُوا وَبَلَغُوا الْعَمَل فَأَمَّا إِذَا عُدِمَ فِيهِمْ الْعَمَل فَهُمْ فِي رَحْمَة اللَّه وَهَذَا بَعِيد مِنْ دَلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم
следующие страницы →