← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحنفية) هو بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ (قُلْتُ لِأَبِي) أَيْ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ (أَبُو بَكْرٍ) أَيْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْخَيْرُ (مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَسْأَلَةِ خَيْرُ النَّاسِ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّهُ بَعْدَ قَتْلِ عثمان ﵃ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَهُ الْمِزِّيُّ (مَنْ زَعَمَ) كَمَا تَزْعُمُ الشِّيعَةُ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ (فَقَدْ خَطَّأَ) مِنَ التَّفْعِيلِ (يُرْفَعُ لَهُ) أَيْ لِهَذَا الزَّاعِمِ (مَعَ هَذَا) الزَّعْمِ وَالْعَقِيدَةِ الْفَاسِدَةِ (عَمَلٌ) صَالِحٌ (إِلَى السَّمَاءِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (الْخُلَفَاءُ) الرَّاشِدُونَ الْقَائِمُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ

стр. 4167

(بَاب فِي الْخُلَفَاءِ) (ظُلَّةً) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةً لَهَا ظِلٌّ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ سَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً (يَنْطِفُ) بِنُونٍ وَطَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا أَيْ يَقْطُرُ (يَتَكَفَّفُونَ) أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ قَالَ الْخَلِيلُ تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفَّهُ لِيَأْخُذَ (فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ) أَيْ فَمِنْهُمُ الْآخِذُ كَثِيرًا وَمِنْهُمُ الْآخِذُ قَلِيلًا (سَبَبًا) أَيْ حَبْلًا (وَاصِلًا) أَيْ مَوْصُولًا فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (أَخَذْتَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ السَّبَبِ (ثُمَّ وُصِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي وَأُمِّي) أَيْ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي وَأُمِّي (لَتَدَعَنِّي) بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ وَالدَّالِ وَالْعَيْنِ وَكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَتَتْرُكَنِّي (فلأعبرنها) بضم ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث رُؤْيَا النَّبِيّ ﷺ السَّمْن وَالْعَسَل وَتَعْبِير الصِّدِّيق ﵁ وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُشْكِل عَلَيْهِ شيئان وأحدهما أَنَّ فِي نَفْس الرُّؤْيَا ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا بِهِ فَتَفْسِير الصِّدِّيق لِذَلِكَ مُطَابِق لِنَفْسِ الرؤيا والثاني أن قتل عثمان ﵁ لَا يَمْنَع أَنْ يُوصَل لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَر قَدْ قُتِلَ وَمَعَ هَذَا فَأَخَذَ بِهِ وَعَلَا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَتْله مَانِعًا مِنْ عُلُوّهُ بِهِ وَقَدْ يُجَاب عَنْهُمَا أَمَّا الْأَوَّل فَلَفْظه ثُمَّ وُصِلَ لَهُ لَمْ يَذْكُر هَذَا الْبُخَارِيّ وَلَفْظ حَدِيثه ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُل آخَر فَانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ فَقَطْ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يُوصَل لَهُ بَعْد اِنْقِطَاعه بِهِ وَقَالَ الصِّدِّيق فِي تَفْسِيره فِي

стр. 4168

الْمُوَحَّدَةِ مِنْ عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالْخِفَّةِ إِذَا فَسَّرْتُهَا (فَيُعْلِيكَ اللَّهُ) أَيْ يَرْفَعُكَ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُمَرُ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُثْمَانُ ﵁ (فَيَنْقَطِعُ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ) يَعْنِي أَنَّ عُثْمَانَ كَادَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنِ اللَّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ قاله القسطاني (أي رسول الله) أَيْ حَرْفُ نِدَاءٍ (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ فَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِهِ عَبَّرَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ بِالْقُرْآنِ فَقَطْ وَهُمَا شَيْئَانِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَبِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوْلَى السُّكُوتُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ لأنه سَكَتَ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ مَعَ سُؤَالِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (لَا تُقْسِمْ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِيمَا أَخْطَأْتَ بِهِ عَلِمْتَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ إِنَّمَا لم يبر النبي قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ مَخْصُوصٌ بما إذا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] نَفْس حَدِيث الْبُخَارِيّ فَيَنْقَطِع بِهِ ثُمَّ يُوصَل لَهُ فَهَذَا مَوْضِع الْغَلَط وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّن فَضْل صِدْق مَعْرِفَة الْبُخَارِيّ وَغَوْر عِلْمه فِي إِعْرَاضه عَنْ لَفْظه لَهُ فِي الْأَوَّل وَإِنَّمَا اِنْفَرَدَ بِهَا مُسْلِم وَأَمَّا الثَّانِي فَيُجَاب عَنْهُ بأن عمر ﵁ لَمْ يَنْقَطِع بِهِ السَّبَب مِنْ حَيْثُ عَلَا بِهِ وَإِنَّمَا اِنْقَطَعَ بِهِ بِالْأَجَلِ الْمَحْتُوم كَمَا يَنْقَطِع الْأَجَل بِالسُّمِّ وَغَيْره وَأَمَّا عُثْمَان فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ حَيْثُ وُصِلَ لَهُ مِنْ الْجِهَة الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْخِلَافَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُرِيدَ مِنْهُ أَنْ يَخْلَع نَفْسه وَإِنَّمَا قَتَلُوهُ لِعَدَمِ إِجَابَتهمْ إِلَى خَلْعِ نَفْسه فَخَلَعُوهُ هُمْ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ الْجِهَة الَّتِي أَخَذَ بِهِ مِنْهَا ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ ﵁ وَهَذَا سِرّ سُكُوت النَّبِيّ ﷺ عَنْ تَعْيِين مَوْضِع خَطَأ الصِّدِّيق فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ تَكَلَّفْتُمْ أَنْتُمْ بَيَانه وَقَدْ مَنَعَ النبي ﷺ الصِّدِّيق مِنْ تَعَرُّفه وَالسُّؤَال عَنْهُ قِيلَ مَنَعَهُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَلُّق ذَلِكَ بِأَمْرِ الْخِلَافَة وَمَا يَحْصُل لِلرَّابِعِ مِنْ الْمِحْنَة وَانْقِطَاع السَّبَب بِهِ فَأَمَا وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ وَوَقَعَ فَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي غَيْره مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي يُحْذَر الْكَلَام فِيهَا قَبْل وُقُوعهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَدَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ فَإِذَا وَقَعَتْ زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي سُكِتَ عَنْهَا لِأَجْلِهِ

стр. 4169

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ قَالَ وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنَ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْلُهُ وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُرِيبَةُ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعِهَا انتهى قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ هُوَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ هُوَ عُمَرُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ هُوَ عُثْمَانُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مَعْنَى فَيَنْقَطِعُ قُتِلَ لَكَانَ سَبَبُ عُمَرَ مَقْطُوعًا أَيْضًا قِيلَ لَمْ يَنْقَطِعْ سَبَبُ عُمَرَ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ إِنَّمَا هُوَ قَطْعٌ لِعَدَاوَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَأَمَّا قَتْلُ عُثْمَانَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْوِلَايَةُ فَجَعَلَ قَتْلَهُ قَطْعًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ وُصِلَ يَعْنِي بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ وَقِيلَ إِنَّ معنى كتمان النبي مَوْضِعَ الْخَطَأِ لِئَلَّا يَحْزَنَ النَّاسُ بِالْعَارِضِ لِعُثْمَانَ وَفِيهِ جَوَازُ سُكُوتِ الْعَابِرِ وَكَتْمِهِ عِبَارَةَ الرُّؤْيَا إِذَا كَانَ فِيهَا مَا يُكْرَهُ وَفِي السُّكُوتِ عَنْهَا مَصْلَحَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (فَأَبَى أَنْ يخبره) أي امتنع أَنْ يُخْبِرَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا أَخْطَأَ قَالَ المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ (ذَاتَ يَوْمٍ) أَيْ يَوْمًا وَلَفْظَةُ ذَاتَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ لَا النَّهَارُ وَقِيلَ ذَاتَ مُقْحَمٌ قَالَهُ القارىء (كَأَنَّ) حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بِالْفِعْلِ (فَوُزِنْتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُخَاطَبِ (أَنْتَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وَتَأْكِيدٍ لِتَصْحِيحِ الْعَطْفِ (فَرَجَحْتَ) ضُبِطَ بِالْقَلَمِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ والجيم (ثم رفع الميزان) قال القارىء فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مَا اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ (فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رسول الله) وذلك لما علم مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ رَفْعِ الْمِيزَانِ انْحِطَاطُ رُتْبَةِ الْأُمُورِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ خِلَافَةِ عُمَرَ وَمَعْنَى رُجْحَانِ كُلٍّ مِنَ الْآخَرِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلُ من المرجوح

стр. 4170

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ قِيلَ يحتمل أن يكون النبي كَرِهَ وُقُوفَ التَّخْبِيرِ وَحَصَرَ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ فِي ثَلَاثَةٍ وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ التَّفْضِيلَ انْتَهَى إِلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيُّ (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ (فَاسْتَاءَ) أَيْ حَزِنَ وَاغْتَمَّ وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ السُّوءِ (لَهَا) أَيْ لِلرُّؤْيَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ كَرِهَهَا حَتَّى تَبَيَّنَتِ الْمُسَاءَةُ فِي وَجْهِهِ (يَعْنِي) هَذَا قول الراوي (فساءه) أي فأحزن النبي (ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الرَّجُلُ مِنْ رُؤْيَاهُ (فقال) أي النبي (خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ) بِالْإِضَافَةِ وَرَفْعِ خِلَافَةِ عَلَى الْخَبَرِ أَيِ الَّذِي رَأَيْتَهُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ خِلَافَةٌ (ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ) وَقِيلَ أَيِ انْقَضَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ يَعْنِي هَذِهِ الرُّؤْيَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ بِالْحَقِّ تَنْقَضِي حَقِيقَتُهَا وَتَنْتَهِي بِانْقِضَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ إِضَافَةُ الْخِلَافَةِ إِلَى النُّبُوَّةِ عَلَى أَنْ لَا ثُبُوتَ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمُلْكِ وَالْمُنَازَعَةِ فِيهِ لِأَحَدٍ وَكَانَتْ خِلَافَةُ الشَّيْخَيْنِ ﵄ عَلَى هَذَا وَكَوْنُ الْمَرْجُوحِيَّةِ انْتَهَتْ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ دَلَّ عَلَى حُصُولِ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا وَأَنَّ الْخِلَافَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ مَشُوبَةٌ بِالْمُلْكِ فَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَكَانَتْ مُلْكًا عَضُوضًا انْتَهَى وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافَةِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْمُحَدِّثُ وَلِيُّ اللَّهِ الدِّهْلَوِيُّ فِي إِزَالَةِ الْخَفَاءِ عَنْ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يُؤَلَّفْ مِثْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي كِتَابِهِ قُرَّةُ الْعَيْنَيْنِ فِي تَفْضِيلِ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ (أُرِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ أَبْصَرَ فِي مَنَامِهِ (نِيطَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عُلِّقَ

стр. 4171

قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّوْطُ التَّعْلِيقُ وَالتَّنَوُّطُ التَّعَلُّقُ قَالَ الطِّيبِيُّ كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ رَأَيْتُ نَفْسِيَ اللَّيْلَةَ وَأَبُو بَكْرٍ نِيطَ بِي فَجُرِّدَ منه لكونه رسول الله وحبيبه رجلا صالحا ووضع رسول الله مَوْضِعَ رَجُلًا تَفْخِيمًا غِبَّ تَفْخِيمٍ انْتَهَى (وَأَمَّا تَنَوُّطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) أَيْ تَعَلُّقُهُمْ وَاتِّصَالُهُمْ (فَهُمْ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ أَمْرِ الدِّينِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ يُونُسُ وَشُعَيْبٌ) يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ (لَمْ يَذْكُرَا عَمْرًا) أَيْ عَمْرَو بْنَ أَبَانَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُمَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (رَأَيْتُ) أَيْ فِي الْمَنَامِ (دُلِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّدْلِيَةِ أَيْ أُرْسِلَ (فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ أَعْوَادٌ تُخَالَفُ بَيْنَهَا ثُمَّ تُشَدُّ فِي عُرَى الدَّلْوِ وَتُعَلَّقُ بِهَا الْحَبْلُ وَاحِدَتُهَا عُرْقُوَةٌ (حَتَّى تَضَلَّعَ) أَيْ شَرِبَ وَافِرًا حَتَّى رُوِيَ فَتَمَدَّدَ جَنْبُهُ وَضُلُوعُهُ (فَانْتَشَطَتْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ انْتِشَاطُ الدَّلْوِ اضْطِرَابُهَا حَتَّى يَنْتَضِحَ مَاؤُهَا (وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَلِيٍّ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الدَّلْوِ (شَيْءٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا فَإِنَّمَا هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ مُدَّةِ أَمْرِ وِلَايَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ الْخِلَافَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَشَيْءٍ وَبَقِيَ عُمَرُ عَشْرَ سِنِينَ وَشَيْئًا فَذَلِكَ مَعْنَى تَضَلُّعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ

стр. 4172

(لَتَمْخُرَنَّ) بِالنُّونِ الْمُثَقَّلَةِ مِنْ مَخَرَتِ السَّفِينَةُ وَتَمْخَرُ كَيَمْنَعُ وَيَنْصُرُ إِذَا جَرَتْ تَشُقُّ الْمَاءَ مَعَ صَوْتٍ وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِهَذِهِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ انْقِضَاءِ الْخِلَافَةِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ زَمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (الرُّومُ) فَاعِلٌ (الشَّامَ) مَفْعُولٌ وَالْمَعْنَى تَدْخُلُ الرُّومُ الشَّامَ وَتَخُوضُهُ وَتَجُوسُ خِلَالَهُ فَشَبَّهَهَا بِمَخْرِ السَّفِينَةِ الْبَحْرَ (لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا إِلَّا دِمَشْقُ وَعُمَانُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ عُمَانٌ كَغُرَابٍ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ وَيُصْرَفُ وَكَشَدَّادٍ بَلَدٌ بِالشَّامِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَأَوْرَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقَالَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْأَعْيَسِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ (يَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ) أَيْ يَغْلِبُ عَلَيْهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَحْدَهُ انْتَهَى (مَوْضِعُ فُسْطَاطِ الْمُسْلِمِينَ) الْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْخِبَاءُ مِنْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي الْمَلَاحِمِ) جَمْعُ مَلْحَمَةٍ وَهِيَ الْحَرْبُ وَمَوْضِعُ الْقِتَالِ (أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا الْغُوطَةُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ الْبَسَاتِينِ وَالْمِيَاهِ حَوْلَ دِمَشْقَ وَالْمَعْنَى يَنْزِلُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْتَمِعُونَ هُنَاكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ مِنَ الْأَطْرَافِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ فَقَطِ انْتَهَى وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَتَمُّ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الْمَعْقِلِ مِنَ الْمَلَاحِمِ

стр. 4173

(إن مثل عثمان) بن عَفَّانَ (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وَتَمَامُ الْآيَةِ هَكَذَا (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (يُشِيرُ) أَيِ الْحَجَّاجُ عِنْدَ قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذين كفروا (إِلَيْنَا) أَيْ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ (بِيَدِهِ) الضَّمِيرُ لِلْحَجَّاجِ وَهَذَا مَقُولُ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ (وَإِلَى أَهْلِ الشَّامِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إِلَيْنَا وَمَقْصُودُ الْحَجَّاجِ مِنْ تَمْثِيلِ عُثْمَانَ ﵁ بِعِيسَى ﵇ إِظْهَارُ عَظَمَةِ الشَّأْنِ لِعُثْمَانَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ تَبِعَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَتَنْقِيصُ غَيْرِهِمْ يَعْنِي مَثَلَ عُثْمَانَ كَمَثَلِ عِيسَى ﵇ وَمَثَلُ مُتَّبِعِيهِ كَمَثَلِ مُتَّبِعِيهِ فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُتَّبِعِي عِيسَى ﵇ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا كَذَلِكَ جعل مُتَّبِعِي عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ فَوْقَ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَ فِيهِمُ الْخِلَافَةَ وَرَفَعَهَا عَنْ غَيْرِهِمْ فَصَارُوا غَالِبِينَ عَلَى غَيْرِهِمْ قَالَ السِّنْدِيُّ لَعَلَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ وَأَرَادَ بِهَذَا أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ تَبِعُوا عُثْمَانَ فَرَفَعَهُمْ وَوَضَعَ فِيهِمُ الْخِلَافَةَ وَغَيْرَهُمُ اتَّبَعُوا عَلِيًّا فَأَذَلَّهُمُ اللَّهُ وَرَفَعَ عَنْهُمُ الْخِلَافَةَ انْتَهَى وَهَذَا الْأَثَرُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ عَنْ أَبِي ظَفَرٍ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُطَهَّرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيِّ وهو في رواية بن دَاسَةَ وَغَيْرِهِ انْتَهَى (رَسُولُ أَحَدِكُمْ فِي حَاجَتِهِ) صِفَةُ رَسُولٍ أَيِ الَّذِي أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ (أَكْرَمُ عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِأَحَدِكُمْ (أَمْ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ) أَيْ خَلِيفَتُهُ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ فِي أَهْلِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ فِي أَهْلِهِ يَكُونُ أَكْرَمُ عِنْدَهُ وَأَحَبُّ وَأَفْضَلُ مِنْ رَسُولِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ

стр. 4174

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَ الْحَجَّاجِ الظَّالِمِ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى تَفْضِيلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا كَانُوا رُسُلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُبَلِّغِينَ أَحْكَامَهُ فَحَسْبُ وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ فَهُمْ خُلَفَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَرُتْبَةُ الْخُلَفَاءِ يَكُونُ أَعْلَى مِنَ الرُّسُلِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْحَجَّاجِ هَذَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلَيْسَ إِرَادَتُهُ هَذَا بِبَعِيدٍ مِنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنِ اطَّلَعَ عَلَى تَفَاصِيلِ حَالَاتِهِ فَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ مِنْهُ شَنِيعَةٌ تُكَفِّرُهُ بِلَا مِرْيَةٍ أَلَمْ يَعْلَمِ الْحَجَّاجُ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ خُلَفَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ وَلَمْ يعلم أن سيد الأنبياء محمد سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﵇ وَيَلْزَمُ عَلَى كَلَامِهِ هَذَا مَا يَلْزَمُ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا الْكَلَامِ قَالَ السِّنْدِيُّ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلَ الْمَرْوَانِيِّينَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّهُمْ خُلَفَاءُ اللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ حِينَئِذٍ وَمَا أَبْعَدَهُ عَنِ الْحَقِّ وَأَضَلَّهُ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَإِلَّا فَلَا يَظْهَرُ لِكَلَامِهِ مَعْنًى انْتَهَى (فَقَاتَلَ) أَيِ الرَّبِيعُ بْنُ خَالِدٍ (فِي الْجَمَاجِمِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْجُمْجُمَةُ قَدَحٌ مِنْ خَشَبٍ وَالْجَمْعُ الْجَمَاجِمُ وَبِهِ سُمِّيَ دَيْرُ الْجَمَاجِمِ وَهُوَ الَّذِي كَانَتْ بِهِ وَقْعَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ مَعَ الحجاج بالعراق لأنه كان يعمل به أقداح مِنْ خَشَبٍ وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَضْحَكُ فَقَالَ إِنَّ هَذَا يَشْهَدُ الْجَمَاجِمَ يُرِيدُ وَقْعَةَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ أَيْ أَنَّهُ لَوْ رَأَى كَثْرَةَ مَنْ قُتِلَ بِهِ مِنْ قُرَّاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَادَاتِهِمْ لَمْ يَضْحَكِ انْتَهَى وَهَذَا الْأَثَرُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ قِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَحْدَهُ انْتَهَى (قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ) وَكَانَ وَالِيًا مِنْ جَانِبِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ (لَيْسَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ (مَثْنَوِيَّةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ الْمِثْلِيَّةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيِ اسْتِثْنَاءٌ (لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا (عَبْدِ الْمَلِكِ) بَدَلٌ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ) أَيْ بِجَرِيرَتِهِمْ يُرِيدُ أَنَّ الْأَحْكَامَ مُفَوَّضَةٌ إِلَى آرَاءِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ

стр. 4175

وَكَلَامُهُ هَذَا مَرْدُودٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ (وَيَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ) أَرَادَ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيَّ أَيْ مَنِ الَّذِي يَعْذُرُنِي فِي أَمْرِهِ وَلَا يَلُومُنِي قَالَهُ السِّنْدِيُّ (وَاللَّهِ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ (مَا هِيَ) أَيْ لَيْسَ قِرَاءَتُهُ (إِلَّا رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الْأَعْرَابِ) الرَّجَزُ بَحْرٌ مِنْ بُحُورِ الشِّعْرِ مَعْرُوفٌ وَنَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ يَكُونُ كُلُّ مِصْرَاعٍ مِنْهُ مُفْرَدًا وَتُسَمَّى قَصَائِدُهُ أَرَاجِيزَ وَاحِدُهَا أُرْجُوزَةٌ فَهُوَ كَهَيْئَةِ السَّجْعِ إِلَّا أَنَّهُ فِي وَزْنِ الشِّعْرِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ) أَيِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي يقرأها عَبْدُ هُذَيْلٍ وَيَزْعُمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَيْ لَيْسَتْ تِلْكَ الْقِرَاءَةُ بِقُرْآنٍ مُنَزَّلٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هِيَ رَجَزٌ مِنْ أَرَاجِيزِ الْعَرَبِ وَمَا قَالَهُ الْحَجَّاجُ كَذِبٌ صَرِيحٌ وَافْتِرَاءٌ قَبِيحٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَا ريب في أن قراءة بن مَسْعُودٍ كَانَتْ مِمَّا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نبيه كيف وقد قال إستقرؤوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ السِّنْدِيُّ وَأَرَادَ بِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ عَلَى قِرَاءَتِهِ وَمَا رَجَعَ إِلَى مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ (مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ) يَعْنِي الْعَجَمَ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَوَالِيَ الْحَمْرَاءَ (يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ (قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ) هَذَا مَفْعُولُ يَقُولُ لَعَلَّ مُرَادَ الْحَجَّاجِ أَنَّ الْمَوَالِيَ يُوقِعُونَ الْفَسَادَ وَالشَّرَّ وَالْفِتْنَةَ وَيَقُولُونَ عَقِيبَ إِيقَاعِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ الْحِجَارَةَ (فَوَاللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ) أَيْ لَأَتْرُكَنَّهُمْ (كَالْأَمْسِ الدَّابِرِ) أَيْ كَالْيَوْمِ الْمَاضِي أَيْ أَتْرُكُهُمْ مَعْدُومِينَ هَالِكِينَ قَالَ الْمِزِّيُّ أَثَرُ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَأَثَرَانِ لِلْأَعْمَشِ قِيلَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ انْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (هَذِهِ الْحَمْرَاءُ) أَيِ الْمَوَالِي (هَبْرٌ هَبْرٌ) الْهَبْرُ الضَّرْبُ وَالْقَطْعُ أَيْ هَذِهِ الْمَوَالِي يَسْتَحِقُّونَ الْقَطْعَ وَالضَّرْبَ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ (لَوْ قَدْ قَرَعْتُ عَصًا بِعَصَا

стр. 4176

أَيْ ضَرَبْتُ الْعَصَا بِالْعَصَا وَالْمَعْنَى لَوْ أُرِيدُ قَتْلَهُمْ وَهَلَاكَهُمْ (لَأَذَرَنَّهُمْ) أَيْ لَأَتْرُكَنَّهُمْ وَأَجْعَلَنَّهُمْ مَعْدُومِينَ (يَعْنِي الْمَوَالِيَ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْحَمْرَاءِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ) بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا (قَالَ جَمَّعْتُ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ وَهَذِهِ آثَارُ الْحَجَّاجِ لَيْسَتْ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ وَكَذَا لَيْسَتْ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ وَهَذِهِ الْآثَارُ لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُوضَعَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا سَاقَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ آثَارَ هَذَا الرَّجُلِ الْفَاسِقِ لِإِظْهَارِ جَوْرِهِ وَفِسْقِهِ وَلِبَيَانِ أَنَّ أمراء بني أمية وإن صاروا خلفاء متغلبين لكن ليسو أَهْلًا لَهَا وَإِنَّمَا هُمُ الْأُمَرَاءُ الظَّالِمُونَ لَا الْخُلَفَاءُ الْعَادِلُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (عَنْ سَفِينَةَ) مَوْلَى النبي أَوْ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ أَعْتَقَتْهُ (خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ قَالَ شَيْخُنَا لم يكن في الثلاثين بعده إِلَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَأَيَّامُ الْحَسَنِ قُلْتُ بَلِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً هِيَ مُدَّةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا حَرَّرْتُهُ فَمُدَّةُ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ وَمُدَّةُ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ وَمُدَّةُ عُثْمَانَ أَحَدَ عَشَرَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَتِسْعَةُ أَيَّامٍ وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عَلِيٍّ أَرْبَعُ سِنِينَ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ فَلَعَلَّهُمْ أَلْغَوُا الْأَيَّامَ وَبَعْضَ الشُّهُورِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ مُدَّةُ خِلَافَةِ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ وَخَمْسَةُ أشهر وإحدى وعشرين يوما وعثمان ثنتي عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا سِتَّ لَيَالٍ وَعَلِيٍّ خَمْسُ سِنِينَ وَقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ إِلَّا أَشْهُرًا وَالْحَسَنِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْعَلْقَمِيِّ

стр. 4177

(ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكًا بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَانِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُلْكًا لِأَنَّ اسْمَ الْخِلَافَةِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ بِعَمَلِهِ لِلسُّنَّةِ وَالْمُخَالِفُونَ مُلُوكٌ لَا خُلَفَاءُ وَإِنَّمَا تَسَمَّوْا بِالْخُلَفَاءِ لِخُلْفِهِمُ الْمَاضِي وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ عَنْ سَفِينَةَ أَنَّ أَوَّلَ الْمُلُوكِ مُعَاوِيَةُ ﵁ وَالْمُرَادُ بِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ هِيَ الْخِلَافَةُ الْكَامِلَةُ وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْخَمْسَةِ فَلَا يُعَارَضُ الْحَدِيثُ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَمْلِكَ إثني عَشَرَ خَلِيفَةً لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْخِلَافَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ بِتَغَيُّرٍ (أَمْسِكْ عَلَيْكَ أَبَا بَكْرٍ سَنَتَيْنِ) أَيْ عُدَّهُ وَاحْسِبْ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ (وَعَلِيٌّ كَذَا) أَيْ كَذَا عُدَّ خِلَافَتَهُ وَكَانَ هُوَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَفِينَةُ مُدَّةَ خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ مُدَّةِ الْخِلَافَةِ لِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَبْدِ الصَّمَدِ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ قَالَ سَفِينَةُ أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ سَنَتَيْنِ وَخِلَافَةَ عُمَرَ ﵁ عَشْرَ سِنِينَ وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ ﵁ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً وَخِلَافَةَ عَلِيٍّ ﵁ سِتَّ سِنِينَ (إِنَّ هَؤُلَاءِ) أَيْ بَنِي مَرْوَانَ (كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ) الْأَسْتَاهُ جَمْعُ أَسْتٍ وَهُوَ الْعَجُزُ وَيُطْلَقُ عَلَى حَلْقَةِ الدُّبُرِ وَأَصْلُهُ سَتَهٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْجَمْعُ أَسْتَاهٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَلِمَةٌ خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِمْ وَالزَّرْقَاءُ امْرَأَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ بَنِي أُمَيَّةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَسَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ شَيْخٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَجُمْهَانُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ وَسَفِينَةُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ مِهْرَانُ وَقِيلَ رُومَانُ وَقِيلَ نَجْرَانُ وَقِيلَ قَيْسٌ وَقِيلَ عُمَيْرٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَالْأَوَّلُ أشهر وهو مولى رسول الله وَقِيلَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ ح (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى

стр. 4178

(عن بن إدريس) هو عبد الله (وسفيان) هو بن عيينة أو الثوري وهو معطوف على بن إِدْرِيسَ أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (فِيمَا بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ (سَمِعْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) هُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ (لَمَّا قَدِمَ فُلَانٌ إِلَى الْكُوفَةِ أَقَامَ فُلَانٌ خَطِيبًا) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْكِنَايَةِ عَنِ اسْمِ مُعَاوِيَةَ وَمُغِيرَةَ بِفُلَانٍ سِتْرًا عليهما في مثل هذا المحل لكونهما صاحبيين (فَأَخَذَ بِيَدِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) هَذَا مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ (فَقَالَ) أَيْ سَعِيدٌ (إِلَى هَذَا الظَّالِمِ) يَعْنِي الْخَطِيبَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ تَعْرِيضًا بِسَبَبِ عَلِيٍّ ﵁ أَوْ بِتَفْضِيلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ سَعِيدٌ مَا قَالَ انْتَهَى (لَمْ أَيْثَمْ) بِالْإِمَالَةِ أَيْ لَمْ آثَمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ أَيْثَمْ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ أَيْثَمُ مَكَانَ آثَمُ (قُلْتُ وَمَنِ التِّسْعَةُ) مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ (وَهُوَ عَلَى حِرَاءٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَبِالْمَدِّ جَبَلٌ بِمَكَّةَ قَالَ النَّوَوِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مُذَكَّرٌ مَمْدُودٌ مَصْرُوفٌ (قَالَ رَسُولُ الله) أَيْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُهُمْ رَسُولُ الله (فَتَلَكَّأَ) أَيْ تَأَخَّرَ (هُنَيَّةً) أَيْ سَاعَةً يَسِيرَةً (رَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ) هُوَ

стр. 4179

عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ الْحَافِظُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ أَثْبَتُ النَّاسِ كِتَابًا فِي الثَّوْرِيِّ انْتَهَى وَزَادَ الْأَشْجَعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظالم واسطة بن حيان قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ قَالَ الْحَافِظُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ عِيبَ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْحَدِيثِ (عَنِ الْحُرِّ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (بْنِ الصَّيَّاحِ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرَةٍ مُهْمَلَةٍ (وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ) هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكٌ (قَالَ فَقَالُوا مَنْ هُوَ) أَيْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَخْنَسِ فَقَالَ النَّاسُ مَنِ الْعَاشِرُ (فَسَكَتَ) أَيْ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ (قَالَ هُوَ) أَيِ الْعَاشِرُ (سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) يعني نفسه قال المنذري وأخرجه الترمذي النسائي (رِيَاحُ بْنُ الْحَارِثِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ جَدِّي (عِنْدَ فُلَانٍ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ (فَرَحَّبَ بِهِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ رَحَّبَ بِهِ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ لَهُ مَرْحَبًا أَيْ قَالَ مُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْحَبًا (وَحَيَّاهُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ فِي الْمِصْبَاحِ وَحَيَّاهُ تَحِيَّةً أَصْلُهُ الدُّعَاءُ بِالْحَيَاةِ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ الشَّرْعُ فِي دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ سَلَامٌ عَلَيْكَ انْتَهَى

стр. 4180

(وَأَقْعَدَهُ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ (فَاسْتَقْبَلَهُ) أَيِ اسْتَقْبَلَ مُغِيرَةُ قَيْسًا (يُسَبُّونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ) أَيْ على النبي (ما لم يقل) أي النبي (فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى مَا (غَدًا إِذَا لَقِيتُهُ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَإِنِّي لِلْحَالِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَقَعَتْ بَيْنَ قَوْلِهِ يَقُولُ وَمَقُولَتِهِ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَخْ (وَسَاقَ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ (قَالَ لَمَشْهَدُ) اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَمَشْهَدُ مُضَافٌ إِلَى رَجُلٍ فِي الْمِصْبَاحِ الْمَشْهَدُ الْمَحْضَرُ وَزْنًا وَمَعْنًى انْتَهَى وَجَمْعُهُ مَشَاهِدُ وَفِي الْمَجْمَعِ الْمَغَازِي الْمَشَاهِدُ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الشَّهَادَةِ (مِنْهُمْ) مِنْ أصحاب النبي (يَغْبَرُّ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ (وَجْهُهُ) فَاعِلُ يَغْبَرُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ حُضُورَ رَجُلٍ مِنَ الصحابة مع رسول الله فِي مَوْضِعِ الْغَزْوِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ حَالَ كَوْنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ التُّرَابُ فِي وَجْهِهِ هُوَ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ مَا دَامَ عُمُرَهُ (وَلَوْ عُمِّرَ عُمْرَ نُوحٍ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أُعْطِيَ عُمْرَ نُوحٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (صَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ (أَحَدًا) أَيْ جَبَلُ أُحُدٍ (فتبعه) أي النبي فِي الصُّعُودِ (فَرَجَفَ) أَيْ تَحَرَّكَ جَبَلُ أُحُدٍ (فَضَرَبَهُ) أَيْ أُحُدًا (وَقَالَ اُثْبُتْ أُحُدٌ) بِالضَّمِّ حُذِفَ عَنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ (نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) أَيْ عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَشَهِيدَانِ أَيْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄ وَتَحَرَّكَ أُحُدٌ كَانَ مِنْ الْمُبَاهَاةِ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ وَفِي فَضْلِ عُمَرَ وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ اِنْتَهَى

стр. 4181

(لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) وَهُمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أم مبشر أنها سمعت رسول الله يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ مِنْ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا وَذَكَرَ قِصَّةَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵄ اِنْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (قال موسى) هو بن إِسْمَاعِيلَ (فَلَعَلَّ اللَّهَ) أَيْ اِطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بدر الحديث (وقال بن سِنَانٍ) هُوَ أَحْمَدُ (اِطَّلَعَ اللَّهُ) أَيْ لَمْ يقل بن سِنَانٍ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظَ فَلَعَلَّ اللَّهَ كَمَا قَالَ مُوسَى بَلْ بَدَأَ الْحَدِيثَ مِنْ قَوْلِهِ اِطَّلَعَ اللَّهُ وَمَعْنَى اِطَّلَعَ أَقْبَلَ أَيْ لَعَلَّ اللَّهَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ نَظَرَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ (فَقَالَ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ الرِّضَى وَصَلَاحِ الْحَالِ وَتَوْفِيقِهِمْ لِلْخَيْرِ لَا التَّرَخُّصِ لَهُمْ فِي كُلِّ فِعْلٍ قِيلَ ذَكَرَ لَعَلَّ لئلا يتكل من شهد بدر عَلَى ذَلِكَ وَيَنْقَطِعَ عَنْ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ الْغُفْرَانُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَإِلَّا فَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَدٌّ أَوْ غَيْرُهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ وَإِقَامَةَ عُمَرَ عَلَى بَعْضِهِمْ قَالَ وَضَرَبَ النبي مِسْطَحًا الْحَدَّ وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الْفَصْلُ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ) أَيْ بِلِحْيَةِ النَّبِيِّ (قائم على رأس النبي) فِيهِ جَوَازُ الْقِيَامِ

стр. 4182

عَلَى رَأْسِ الْأَمِيرِ بِالسَّيْفِ بِقَصْدِ الْحِرَاسَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ تَرْهِيبِ الْعَدُوِّ وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ عَلَى رَأْسِ الْجَالِسِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِ (بِنَعْلِ السَّيْفِ) هُوَ مَا يَكُونُ أَسْفَلَ الْقِرَابِ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَخِّرْ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ التَّأْخِيرِ وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَتَنَاوَلَ الرَّجُلُ لِحْيَةَ مَنْ يُكَلِّمُهُ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُلَاطَفَةِ وَفِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ النَّظِيرُ بِالنَّظِيرِ لكن كان النبي يغضي لعورة عَنْ ذَلِكَ اسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا وَالْمُغِيرَةُ يَمْنَعُهُ إجلالا للنبي وَتَعْظِيمًا قَالَهُ الْحَافِظُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مطولا (أتاني جبرائيل ﵇ فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَخْ) وَذَلِكَ إِمَّا فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ أَوْ فِي وَقْتٍ آخَرَ (وَدِدْتُ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ أَحْبَبْتُ (حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي) قَالَ الطِّيبِيُّ لَمَّا تَمَنَّى ﵁ بِقَوْلِهِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث أَمَا إِنَّك يَا أَبَا بَكْر لَأَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة مِنْ أمتي وكلام المنذري عن بن حِبَّان فِي أَبِي خَالِد الدَّالَانِيّ إِلَى قَوْله فكيف إذا انفرد بالمعضلات ثم زاد بن القيم وقد روى بن مَاجَهْ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث دَاوُدَ بْن عَطَاء الْمَدِينِيّ عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي بْن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ أَوَّل مَنْ يُصَافِحهُ الْحَقّ عُمَر وَأَوَّل مَنْ يُسَلِّم عَلَيْهِ وَأَوَّل مَنْ يَأْخُذ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّة وَدَاوُد بْن عَطَاء هَذَا ضَعِيف عِنْدهمْ وَإِنْ صَحَّ فَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا لِأَنَّ الْأَوَّلِيَّة فِي حَقّ الصِّدِّيق مُطْلَقَة وَالْأَوَّلِيَّة فِي حَقّ عُمَر مُقَيَّدَة بِهَذِهِ الْأُمُور في الحديث

стр. 4183

وَدِدْتُ وَالتَّمَنِّي إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا يَسْتَدْعِي إِمْكَانَ حُصُولِهِ قِيلَ لَهُ لَا تَتَمَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْبَابِ فَإِنَّ لَكَ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَأَجَلُّ وَهُوَ دُخُولُكَ فِيهِ أَوَّلَ أُمَّتِي وَحَرْفُ التَّنْبِيهِ يُنَبِّهُكَ عَلَى الرَّمْزَةِ الَّتِي لَوَّحْنَا بِهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ بن مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ نحوه وقال بن حِبَّانَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا وَافَقَ الثِّقَاتِ فَكَيْفَ إِذَا انْفَرَدَ عَنْهُمْ بالمعضلات (الْعُقَيْلِيُّ) بِالتَّصْغِيرِ (بَعَثَنِي عُمَرُ إِلَى الْأُسْقُفِّ) بِضَمِّ هَمْزَةٍ وَقَافٍ وَبَيْنَهُمَا سِينٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ فَاءٌ مُشَدَّدَةٌ وَيَجِيءُ مُخَفَّفَةً عَالِمُ النَّصَارَى وَرَئِيسُهُمْ (قَالَ أَجِدُكَ قَرْنًا) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَحَدِيثُ عُمَرَ وَالْأُسْقُفِّ أَجِدُكَ قَرْنًا هُوَ بِفَتْحِ قَافِ الْحِصْنُ وَجَمْعُهُ قُرُونٌ وَلِذَا قِيلَ لَهَا صَيَاصِيَ انْتَهَى (فَقَالَ) أَيْ عُمَرُ ﵁ (قَرْنٌ مَهْ) أَيْ مَا تُرِيدُ بِالْقَرْنِ (يُؤْثِرُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَخْتَارُ (قَالَ أَجِدُهُ صَدَاءَ حَدِيدٍ) صَدَاءُ الْحَدِيدِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَسَخُهُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لِكَثْرَةِ مُبَاشَرَتِهِ بِالسَّيْفِ وَمُحَارَبَتِهِ بِهِ يَتَوَسَّخُ بِهِ بَدَنُهُ وَيَدَاهُ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ عَيْنُ الصَّدَاءِ وَبِالنَّظَرِ إِلَى ظَاهِرِهِ قَالَ عُمَرُ مَا قَالَ فَفَسَّرَ لَهُ الْأُسْقُفُّ مَا هُوَ الْمُرَادُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (فَقَالَ يَا دَفْرَاهُ يَا دَفْرَاهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الدَّفْرُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ النَّتْنُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلدُّنْيَا أُمُّ دَفْرٍ (فَقَالَ) أَيِ الْأُسْقُفُّ (إِنَّهُ) أَيْ عَلِيٌّ ﵁ (وَالدَّمُ مُهْرَاقٌ) أَيْ مَصْبُوبٌ مِنْ أَهْرَقَهُ يُهْرِيقُهُ صَبَّهُ وَكَانَ أَصْلُهُ أَرَاقَهُ يُرِيقُهُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلِذَا أَوْرَدَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بَعْدَ أَنْ عَزَاهُ بِهَذَا السَّنَدِ لِأَبِي دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى

стр. 4184

(باب في فضل أصحاب النبي ﷺ (خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الذي بُعِثْتُ فِيهِمْ) وَهُمُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أَيْ يَقْرَبُونَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ أَوْ يَتْبَعُونَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِيقَانِ وَهُمُ التَّابِعُونَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَقِيلَ ثَمَانُونَ وَقِيلَ مِائَةُ سَنَةٍ قَالَ السُّيُوطِيُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ فَقَرْنُهُ ﷺ هُمُ الصَّحَابَةُ وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ سَبْعِينَ وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ الْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخ هَذَا الْحَدِيث قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَالنُّعْمَان بْن بَشِير فَأَمَّا حَدِيث عِمْرَان فَمُتَّفَق عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظه فَأَكْثَر الرِّوَايَات أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْد قَرْنه قَرْنَيْنِ وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه فِي الصَّحِيح ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاث مَرَّات وَلَعَلَّ هَذَا غَيْر مَحْفُوظ فَإِنَّ عِمْرَان قَدْ سُئِلَ فِيهِ فَقَالَ لَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ بَعْد قَرْنه مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَفْظه خَيْر أُمَّتِي الْقَرْن الَّذِينَ يَلُونَنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيء قَوْم تَسْبِق شَهَادَة أَحَدهمْ يَمِينه وَيَمِينه شَهَادَته وَفِي لَفْظ لَهُمَا سُئِلَ النَّبِيّ ﷺ أَيّ النَّاس خَيْر قَالَ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَلَمْ يُخْتَلَف فِي عِلِّيَّة ذِكْر الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مَرَّتَيْنِ وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه وَلَفْظه خَيْر أُمَّتِي الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَم أَذَكَرَ الثَّالِث أَمْ لَا قَالَ ثُمَّ يَخْلُف قَوْم يُحِبُّونَ الشَّمَاتَة يَشْهَدُونَ قَبْل أَنْ يُسْتَشْهَدُوا فَهَذَا فِيهِ قَرْن وَاحِد بَعْد قَرْنه وَشَكَّ فِي الثَّالِث وَقَدْ حَفِظَهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَعِمْرَان وَعَائِشَة

стр. 4185

وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُؤُوسَهَا وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنَ وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (الثَّالِثَ) وَهُوَ قَوْلُهُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ الْمَذْكُورُ مَرَّةً ثَالِثَةً (أَمْ لَا) أَيْ أَمْ لَمْ يَذْكُرْ (يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمُ الشَّهَادَةُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ خَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ أَنَّ الذَّمَّ فِي حَقِّ مَنْ بَادَرَ بِالشَّهَادَةِ لِمَنْ هُوَ عَالِمٌ بِهَا قَبْلَ الطَّلَبِ وَالْمَدْحَ فِيمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيُخْبِرُهُ بِهَا لِيُسْتَشْهَدَ عِنْدَ الْقَاضِي (وَيَنْذِرُونَ) بِضَمِّ الذَّالِ وَبِكَسْرٍ أَيْ يُوجِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ (وَلَا يُوفُونَ) أَيْ لَا يَقُومُونَ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا وَلَا يُبَالُونَ بِتَرْكِهَا (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ أَنَّهُمْ يَخُونُونَ خِيَانَةً ظَاهِرَةً ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْهَا قَالَتْ سَأَلَ رَجُل النَّبِيّ ﷺ أَيّ النَّاس خَيْر قَالَ الْقَرْن الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِث وَأَمَّا حديث النعمان بن بشير فرواه بن حِبَّان فِي صَحِيحه وَلَفْظه عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ خَيْر النَّاس قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي قَوْم تَسْبِق أَيْمَانهمْ شَهَادَتهمْ وَشَهَادَتهمْ أَيْمَانهمْ فَقَدْ اِتَّفَقَتْ الْأَحَادِيث عَلَى قَرْنَيْنِ بَعْد قَرْنه ﷺ إِلَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ شَكَّ فِيهِ وَأَمَّا ذِكْر الْقَرْن الرَّابِع فَلَمْ يُذْكَر إِلَّا فِي رِوَايَة فِي حَدِيث عِمْرَان لَكِنْ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان فَيَغْزُو فِئَام مِنْ النَّاس فَيُقَال لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُول اللَّه ﷺ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَح لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَام مِنْ النَّاس فَيُقَال لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُول اللَّه ﷺ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَح لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَام مِنْ النَّاس فَيُقَال لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُول اللَّه ﷺ وَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَح لَهُمْ فَهَذَا فِيهِ ذِكْر قَرْنَيْنِ بَعْده كَمَا فِي الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة وَرَوَاهُ مُسْلِم فَذَكَرَ ثَلَاثَة بَعْده وَلَفْظه يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يُبْعَث مِنْهُمْ الْبَعْث فَيَقُولُونَ اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَيُوجَد الرَّجُل فَيُفْتَح لَهُمْ بِهِ ثُمَّ يُبْعَث الْبَعْث الثَّانِي فَيَقُولُونَ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَيُفْتَح لَهُمْ ثُمَّ يُبْعَث الْبَعْث الثَّالِث فَيُقَال اُنْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَيُفْتَح لَهُمْ ثُمَّ يَكُون الْبَعْث الرَّابِع فَيُقَال اُنْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فيوجد الرجل فيفتح له

стр. 4186

بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهَا ثِقَةٌ بِخِلَافِ مَنْ خَانَ حَقِيرًا مَرَّةً فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُؤْتَمَنًا فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ (وَيَفْشُو فِيهِمُ السِّمَنُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ يَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ بِالتَّوَسُّعِ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ قِيلَ كَنَّى بِهِ عَنِ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى ذَوِي السَّمَانَةِ أَنْ لَا يَهْتَمُّوا بِارْتِيَاضِ النُّفُوسِ بَلْ مُعْظَمُ هِمَّتِهِمْ تَنَاوُلُ الْحُظُوظِ وَالتَّفَرُّغُ لِلدَّعَةِ وَالنَّوْمِ قِيلَ وَالْمَذْمُومُ مِنَ السِّمَنِ مَا يُسْتَكْسَبُ لَا مَا هُوَ خِلْقَةٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حديث زهدم بن مضرب عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ٠ - (بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَمُحَاضِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ذِكْرُ سَبَبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَصْحَابِي أَصْحَابٌ مَخْصُوصُونَ وَهُمُ السَّابِقُونَ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَقِيلَ نَزَلَ السَّابُّ مِنْهُمْ لِتَعَاطِيهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَّبِّ مَنْزِلَةَ غَيْرِهِمْ فَخَاطَبَهُ خِطَابَ غَيْرِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (وَلَا نَصِيفَهُ) النَّصِيفُ بِمَعْنَى النِّصْفِ وَالْمَعْنَى لَا يَنَالُ أَحَدُكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِنَ الْأَجْرِ وَالْفَضْلِ مَا يَنَالُ أَحَدُهُمْ بِإِنْفَاقِ مُدِّ طَعَامٍ أَوْ نِصْفِهِ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ مَزِيدِ الْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ مَعَ مَا كَانُوا مِنَ الْقِلَّةِ وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ

стр. 4187

الْمَاصِرِيُّ وَفِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ عُمَرُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْمَاصِرِ الْكُوفِيُّ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَثَّقَهُ بن مَعِينٍ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ وَرُبَّمَا وَهِمَ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ (فَكَانَ يَذْكُرُ) أَيْ حُذَيْفَةَ (قَالَهَا) صِفَةَ أَشْيَاءَ (فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي قَالَهَا رسول الله ﷺ في شَأْنِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ (وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ) أَيْ فِي أَرْضٍ ذَاتِ بَقْلٍ (أَمَا تَنْتَهِي) أَيْ أَلَا تَمْتَنِعُ عَمَّا تَذْكُرُ هَذِهِ مَقُولَةُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَهَا لِحُذَيْفَةَ (حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ) الْمَعْنَى حَتَّى تُدْخِلَ فِي قُلُوبِ بَعْضِ الرِّجَالِ مَحَبَّةَ بَعْضِ الرِّجَالِ وَفِي قُلُوبِ بَعْضِهِمْ بُغْضَ بَعْضِهِمْ (فَاجْعَلْهَا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ فَاجْعَلْ يَا اللَّهُ تِلْكَ اللَّعْنَةَ (صَلَاةً) أَيْ رَحْمَةً كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي بَابِ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ سَبَّهُ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أو ما عَلِمْتَ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي قُلْتُ اللَّهُمَّ إنماأنا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَذَكَرَهُ وَفِي لَفْظٍ لَهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ القيامة

стр. 4188

وَأَخْرَجَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إنماأنا بَشَرٌ وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي أَيَّ عَبْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا وَأَخْرَجَ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَّا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ انْتَهَى وَالْمَعْنَى إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ سَبِّهِ وَدُعَائِهِ ﷺ عَلَى أَحَدٍ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَخَافَ ﷺ أَنْ يُصَادِفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِجَابَةً فَسَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وَقُرْبَةً وَطَهُورًا وَأَجْرًا وَإِنَّمَا كَانَ يَقَعُ هَذَا مِنْهُ ﷺ نَادِرًا لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلْمَانَ ﵁ مَا رَضِيَ بِإِظْهَارِ مَا صَدَرَ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ الْوَاجِبِ فِي شَأْنِهِمْ بِمَا لَهُمْ مِنَ الصُّحْبَةِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الْفَصْلُ الْأَخِيرُ قَوْلُهُ ﷺ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ١ - (بَاب فِي اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ اسْتُعِزَّ بِالْعَلِيلِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ وَغَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ انْتَهَى وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِزِّ

стр. 4189

وَهُوَ الْغَلَبَةُ وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى الشَّيْءِ (وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ إِجْهَارُ الْكَلَامِ إِعْلَانُهُ وَرَجُلٌ مِجْهَرٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَجْهَرَ بكلامه وهو الوجه ها هنا وَقَدْ ضَبَطَ بَعْضُهُمْ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِجْهَارِ وَهُوَ مُمْكِنٌ عَلَى بُعْدٍ انْتَهَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ صَاحِبَ جَهْرٍ وَرَفْعٍ بِصَوْتِهِ وَيُقَالُ جَهَرَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ وَرَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ وَأَجْهَرَ إِذَا عُرِفَ بِشِدَّةِ جَهْرِ الصَّوْتِ فَهُوَ مُجْهِرٌ (يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ) أَيْ تَقَدُّمَ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ انْتَهَى قُلْتُ هُوَ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ (حَتَّى أَطْلَعَ رَأْسَهُ) أَيْ أَخْرَجَهُ (ثُمَّ قَالَ لَا لَا لَا) أَيْ لَا يُصَلِّي عُمَرُ ﵁ بِالنَّاسِ (ليصل للناس بن أَبِي قُحَافَةَ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (يَقُولُ ذَلِكَ) أَيِ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعْقُولٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَفْيُ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَلْفَ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ عُمَرَ وَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الإمامة التي دَلِيلُ الْخِلَافَةِ وَالنِّيَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ قال الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ قُلْتُ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي صُلِّيَتْ خَلْفَ عُمَرَ ﵁ أُعِيدَتْ بَعْدَ مَجِيءِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَصَلَّى النَّاسُ ثَانِيًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَلَفْظُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي عن إسحاق قال وقال بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ دَعَا بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ فَخَرَجْتُ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا فَقَالَ قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَ فَقَامَ فَلَمَّا كَبَّرَ عُمَرُ سَمِعَ

стр. 4190

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ قَالَ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ قَالَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ قَالَ لِي عُمَرُ وَيْحَكَ مَاذَا صنعت بي يا بن زمعة والله ماظننت حِينَ أَمَرْتَنِي إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَكَ بِذَلِكَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ قَالَ قُلْتُ وَاللَّهِ مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ حِينَ لَمْ أَرَ أَبَا بَكْرٍ رَأَيْتُكَ أحق من حضر بالصلاةانتهى وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْ ذِكْرُ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَلَمْ تَكُنْ شَاذَّةً فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ قَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَيُقَالُ عَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ٢ - (بَاب مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ) وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ فِي الْفِتْنَةِ الْأُولَى (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) أَيْ حَلِيمٌ كَرِيمٌ مُتَجَمِّلٌ (بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي) هُمَا طَائِفَةُ الْحَسَنِ وَطَائِفَةُ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ الْحَسَنُ ﵁ حَلِيمًا فَاضِلًا وَرِعًا دَعَاهُ وَرَعُهُ إِلَى أَنْ تَرَكَ الْمُلْكَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِقِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ ﵁ بَايَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَبَقِيَ خَلِيفَةً بِالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ خُرَاسَانَ سِتَّةً أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا ثُمَّ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ بِمَنْزِلٍ مِنْ أَرْضِ الْكُوفَةِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي الصُّلْحِ أَجَابَ عَلَى شُرُوطٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ الْأَمْرُ بَعْدَهُ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ فِي كُلِّ عَامٍ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ (وَقَالَ عَنْ حَمَّادٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ

стр. 4191

مَكَانٌ عَنْ حَمَّادٍ (وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ تَكَرُّمِهِ وَعَزْلِهِ نَفْسَهُ عَنِ الْأَمْرِ وَتَرْكِهِ لِمُعَاوِيَةَ اخْتِيَارًا (بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَهُمْ كُلَّهُمْ مُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيبَةً وَالْأُخْرَى مُخْطِئَةً وَهَكَذَا سَبِيلُ كُلِّ مُتَأَوِّلٍ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ رَأْيٍ وَمَذْهَبٍ إِذَا كَانَ لَهُ فِيمَا تَنَاوَلَهُ شُبْهَةٌ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ وَاخْتَارَ السَّلَفُ تَرْكَ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ الْأُولَى وَقَالُوا تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْدِيَنَا فَلَا نُلَوِّثُ بِهِ أَلْسِنَتَنَا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى إِسْرَائِيلَ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ (عن محمد) هو بن سِيرِينَ (إِلَّا أَنَا أَخَافُهَا عَلَيْهِ) أَيْ أَخَافُ مَضَرَّةَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِ (إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا اسْتَوْطَنَ الْمَدِينَةَ وَاعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (فَإِذَا فُسْطَاطٌ) بِالضَّمِّ أَيْ خِبَاءٌ (فَإِذَا فِيهِ) أَيْ فِي الْفُسْطَاطِ (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِ وَإِقَامَتِهِ فِي الْفُسْطَاطِ (فَقَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة (ماأريد أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (شَيْءٌ) فَاعِلُ يَشْتَمِلَ (مِنْ أَمْصَارِكُمْ) الْمَعْنَى لَا أُرِيدَ أَنْ أَسْكُنَ وَأُقِيمَ فِي أَمْصَارِكُمْ (حَتَّى تَنْجَلِيَ) أَيْ تَنْكَشِفَ وَتَزُولَ يُقَالُ انْجَلَى الظَّلَامُ إِذَا كُشِفَ (عَمَّا) مَا مَصْدَرِيَّةٌ (انْجَلَتْ) أَيْ تَجَلَّتْ وَتَبَيَّنَتْ يُقَالُ لِلشَّمْسِ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْكُسُوفِ تَجَلَّتْ وَانْجَلَتْ وَهُوَ انْفِعَالٌ مِنَ التَّجْلِيَةِ وَالتَّجْلِيَةُ التَّبْيِينُ

стр. 4192

قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِذَا جَلَّاهَا إِذَا بَيَّنَ الشَّمْسَ فَكَأَنَّ الْمَعْنَى حَتَّى تَزُولَ الْفِتَنُ عَنْ تَبَيُّنِهَا وَظُهُورِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا مَوْصُولَةً وَالْمُرَادُ مِنَ الْمِصْرِ وَانْجَلَتْ بِمَعْنَى تَجَلَّتْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالتَّجَلِّي يَجِيءُ بِمَعْنَى التَّغْطِيَةِ أَيْضًا كَمَا فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ فَقُمْتُ حتى تجلاني الغشى أي غطاني فانجلت ها هنا بِمَعْنَى غَطَّتْ وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ رَاجِعٌ إِلَى الْفِتَنِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ الَّذِي يَعُودُ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ مَحْذُوفٌ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ حَتَّى تَنْكَشِفَ الْفِتَنُ عَنِ الْأَمْصَارِ الَّذِي غَطَّتْهُ الْفِتَنُ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يُقَالَ انْجَلَتِ الَّذِي هُوَ مِنَ اللَّازِمِ بِمَعْنَى غَطَّتِ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ التَّعْدِيَةِ بَلْ يُقَالُ بِمَعْنَى تَغَطَّتْ مِنَ اللَّازِمِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْصَارُ لا المصر فيكون المعنى حتى تنكشف الْفِتَنُ عَنِ الْأَمْصَارِ الَّتِي تَغَطَّتْ أَيْ بِالْفِتَنِ لَكِنَّ أَظْهَرَ الْمَعَانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (عَنْ ضُبَيْعَةَ بْنِ حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيِّ بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ قال في التقريب ضبيعة بالتصغير بن حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيُّ وَيُقَالُ ثَعْلَبَةُ بْنُ ضُبَيْعَةَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي كَلَامِ الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَعْلَبَةَ وَضُبَيْعَةَ وَاحِدٌ اختلف فيه (قلت لعلي) أي بن أَبِي طَالِبٍ ﵁ (عَنْ مَسِيرِكَ هَذَا) أَيْ إِلَى بِلَادِ الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مُعَاوِيَةَ أَوْ مَسِيرِكَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِقِتَالِ الزُّبَيْرِ ﵃ وبيانه كما قال بن سَعْدٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ الْغَدَ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ فَبَايَعَهُ جَمِيعُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ ويقال إن طلحة ﵁ والزبير ﵁ بَايَعَا كَارِهَيْنِ غَيْرَ طَائِعَيْنِ ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَعَائِشَةُ ﵂ بِهَا فَأَخَذَاهَا وَخَرَجَا بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَقِيَ بِالْبَصْرَةِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهُمْ وَهِيَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَقُتِلَ بِهَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُمَا وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَقَامَ عَلِيٌّ بِالْبَصْرَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّامِ فَبَلَغَ عَلِيًّا فَسَارَ فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَدَامَ الْقِتَالُ بِهَا

стр. 4193

أَيَّامًا انْتَهَى مُخْتَصَرًا مِنْ تَارِيخِ الْخُلَفَاءِ (رَأْيٌ رَأَيْتُهُ) وَلَمَّا مَنَعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَبَاهُ عَلِيًّا عَنْ هَذَا الْعَزْمِ أَجَابَهُ عَلِيٌّ إِنَّكَ لَا تَزَالُ تَخِنُّ خَنِينَ الْجَارِيَةِ وَأَنَا مُقَاتِلٌ مَنْ خَالَفَنِي بِمَنْ أَطَاعَنِي كَذَا فِي الْكَامِلِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (تَمْرُقُ) كَتَخْرُجُ وَزْنًا وَمَعْنًى (مَارِقَةٌ) يَعْنِي الْخَوَارِجَ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ مِنْ مَرَقَ السَّهْمُ فِي الْهَدَفِ إِذَا نَفَذَ فِيهِ وَخَرَجَ وَالْمُرَادُ أَنْ يَخْرُجَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُحَارِبَهُمْ وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنَهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ يَلِي صِفَةُ مَارِقَةٍ أَيْ يُبَاشِرُهُ قَتْلَ الْخَوَارِجِ أَوْلَى أُمَّتِي بِالْحَقِّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ اجْمَعُوا أَنَّ الْخَوَارِجَ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبْحُهُمْ وَشَهَادَتُهُمْ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ عِنْدَ افْتِرَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَقَعَتِ الْمُقَاتَلَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵃ وَكَانَ عَلِيٌّ إِمَامًا حَقًّا فَخَرَجَتِ الْخَوَارِجُ مِنْ نَهْرَوَانَ وَكَانَ إِمَامُهُمْ ذَا الثُّدَيَّةِ الْخَارِجِيَّ فَقَاتَلَ عَلِيٌّ ﵁ مَعَهُمْ (يَقْتُلُهَا) أَيِ الْمَارِقَةَ وَهِيَ الْخَوَارِجُ (أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَوْلَى أَيْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَهُوَ عَلِيٌّ ﵁ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ كَانَ مَعَهَا الَّتِي قَاتَلَتْ عَلِيًّا مَا كَانَتْ عَلَى الْحَقِّ وَأَمَّا الْمَارِقَةُ إِنَّمَا كَانَتْ مِنَ الْفِرَقِ الْبَاطِلَةِ لَا مِنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ

стр. 4194

٣ - (باب في التخيير بين الأنبياء ﵈ (لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ) يَعْنِي لَا تُفَضِّلُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أَوْ مَعْنَاهُ لَا تُفَضِّلُوا يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ مِنْهُمْ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ وَهُوَ كُفْرٌ أَوْ مَعْنَاهُ لَا تُفَضِّلُوا فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِيهَا وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ بِالْخَصَائِصِ وَفَضَائِلَ أُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بعض الْآيَةَ كَذَا فِي الْمَبَارِقِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى هَذَا تَرْكُ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِزْرَاءِ بِبَعْضِهِمْ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيهِمْ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُعْتَقَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بعضهم على بعض الْآيَةَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ هُوَ مَعْطُوفٌ على أبي سلمة أي بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ يَرْوِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ويعقوب هو بن إبراهيم بن سعد ذكره المزي (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى) زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى الْعَالَمِينَ وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ (فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ) أي ضربه بكفه كفالة وَتَأْدِيبًا وَإِنَّمَا صَنَعَ الْمُسْلِمُ ذَلِكَ لِمَا فَهِمَهُ مِنْ عُمُومِ لَفْظِ الْعَالَمِينَ فَدَخَلَ فِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الْمُسْلِمِ أَنَّ مُحَمَّدًا أَفْضَلُ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الضَّارِبَ قَالَ أَيْ خَبِيثٌ عَلَى مُحَمَّدٍ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ (لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى) أَيْ وَنَحْوِهِ مِنْ أَصْحَابِ النُّبُوَّةِ وَالْمَعْنَى لَا تُفَضِّلُونِي عَلَيْهِ تَفْضِيلًا يُؤَدِّي إِلَى إِيهَامِ الْمَنْقَصَةِ أَوْ إِلَى تَسَبُّبِ الْخُصُومَةِ (فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ يُقَالُ صَعِقَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَهُ فَزَعٌ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا مَاتَ مِنْهُ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوْتِ كَثِيرًا لَكِنَّ هَذِهِ الصَّعْقَةَ صَعْقَةُ فَزَعٍ يَكُونُ قَبْلَ الْبَعْثِ يُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ الْإِفَاقَةِ بَعْدَهُ لِأَنَّ

стр. 4195

الْإِفَاقَةَ إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْغَشْيِ وَالْبَعْثَ فِي الْمَوْتِ (فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ) أَيْ آخِذٌ بِقُوَّةٍ وَالْبَطْشُ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ (فِي جَانِبِ الْعَرْشِ) أَيْ بِشَيْءٍ مِنْهُ (فَلَا أَدْرِي أَكَانَ) أَيْ مُوسَى (أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا من شاء الله قَالَ الْحَافِظُ يَعْنِي فَإِنْ كَانَ أَفَاقَ قَبْلِي فَهِيَ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ فَلَمْ يُصْعَقْ فَهِيَ فَضِيلَةٌ أَيْضًا (وَحَدِيثُ بن يَحْيَى) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ الذُّهْلِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْهَرَوِيُّ السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِبِ وَالشَّدَائِدِ فَيَقُومُ بِأَمْرِهِمْ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِهَهُمْ وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَعْنِي أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ (وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ مَقْبُولِ الشَّفَاعَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِتَفْضِيلِهِ ﷺ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَجَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فَلَمَّا عَلِمَ أَخْبَرَ بِهِ وَالثَّانِي قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا وَذَكَرَ بَاقِيَ الْأَجْوِبَةِ مَنْ شَاءَ الِاطِّلَاعَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَلَا أَدْرِي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ إِنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَانْفِرَادِهِ بِذَلِكَ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الزُّمْرَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُمُ الْأَرْضُ لَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ فَيَكُونُ مُوسَى أَيْضًا مِنْ تِلْكَ الزُّمْرَةِ وَهِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ زُمْرَةُ الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ

стр. 4196

(مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ أَنْ يَقَعَ تَنْقِيصٌ لَهُ فِي نَفْسِ مَنْ سَمِعَ قِصَّتَهُ فَبَالَغَ فِي ذِكْرِ فَضْلِهِ لِسَدِّ هذه الذريعة قاله القارىء قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ وَهَذَا هُوَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن القيم ﵀ حديث بن عَبَّاس مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى ثُمَّ قَالَ وفي حديث بن عَبَّاس فِي بَعْض طُرُق الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ النَّبِيّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبّه لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ الْحَدِيث وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ يَعْنِي اللَّه لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى وَفِي رِوَايَة لِعَبْدِي وَفِي حَدِيث بن عَبَّاس نَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عن بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا يَقُولَنّ أَحَدكُمْ إِنِّي خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى وَعَنْهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَكُون خَيْرًا مِنْ يُونُس بْن مَتَّى وَفِي لَفْظٍ آخَر أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى ذَكَرَهُ البخاري أيضا وفي صحيح البخاري عن بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ ﷺ قال الكريم بن الْكَرِيم بْن الْكَرِيم يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن أَسِحَاق بْن إِبْرَاهِيم وَنَحْوه فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا عَنْ أبي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآن فَكَانَ يَأْمُر بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَج فَيَقْرَأ الْقُرْآن قَبْل أَنْ تُسْرَج دَوَابّه وَلَا يَأْكُل إِلَّا مِنْ عَمَل يده والمراد بالقرآن ها هنا الزَّبُور كَمَا أُرِيد بِالزَّبُورِ الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْد الذِّكْر أَنَّ الْأَرْض يَرِثهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾

стр. 4197

الصَّوَابُ كَمَا يَظْهَرُ مِنَ التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ الْحَدِيثِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بن يسار (ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَيِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْمَوْصُوفُ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ هُوَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ التَّوَاضُعِ وَكَرِهَ إِظْهَارَ الْمُطَاوَلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا) هَذَا قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ شَأْنُ تُبَّعٍ وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حديث بن عباس مثله وروى بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ فِي أَمَالِيهِ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بَدَلَهُ وَمَا أَدْرِي ذَا الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا كَانَ أَمْ لَا وَزَادَ فِيهِ وَمَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَاتٍ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا وَرُوِّينَاهُ بِتَمَامِهِ بِذِكْرِ تُبَّعٍ وَعُزَيْرٍ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَالْحُدُودِ فِي تفسير بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٍ وَأَنَّ تُبَّعًا أَسْلَمَ كذا في مرقاة الصعود وقال الحافظ بن كثير في تفسير سورة الدخان أخرج بن عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عن معمر عن معمر عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا أَدْرِي الْحُدُودُ طَهَارَةٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا وَلَا أَدْرِي تُبَّعٌ لَعِينًا كَانَ أَمْ لَا وَلَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ

стр. 4198

نَبِيًّا كَانَ أَمْ مَلِكًا وَقَالَ غَيْرُهُ عُزَيْرًا كان نبيا أم لا كذا رواه بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ الظِّهْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عبد الرزاق ثم روى بن عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كُرَيْبٍ عَنْ أبيه عن بن عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا عُزَيْرٌ لَا أدري أنبيا كان أَمْ لَا وَلَا أَدْرِي أَلَعَنَ تُبَّعًا أَمْ لَا ثُمَّ أَوْرَدَ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ وَلَعْنَتِهِ وَقَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ فِي تُبَّعٍ الرَّجُلُ الصَّالِحُ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمَهُ وَلَمْ يَذُمَّهُ قَالَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ رَجُلًا صالحا وقال بن أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ جَابِرٍ الْحَضْرَمِيَّ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ﵁ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنِ بن لَهِيعَةَ بِهِ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَرْزَةَ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا أخبرنا معمر عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَدْرِي تُبَّعٌ نَبِيًّا كَانَ أَمْ غَيْرَ نَبِيٍّ وَتَقَدَّمَ بِهَذَا السند من رواية بن أبي حاتم كما أورده بن عساكر لاأدري تبع كان لعينا أم لا ورواه بن عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْهُذَيْلِ أَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ سَبِّهِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ) أَيْ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بَشَّرَ بِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ (الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ هُمْ إِخْوَةٌ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَلَّةَ الضَّرَّةُ وَبَنُو الْعَلَّاتِ أَوْلَادُ الرَّجُلِ مِنْ نِسْوَةٍ شَتَّى

стр. 4199

وَالْمَعْنَى أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَفُرُوعَ الشَّرَائِعِ مُخْتَلِفَةٌ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ أَزْمِنَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ (وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ) قَالَ الْحَافِظُ هَذَا أَوْرَدَهُ كَالشَّاهِدِ لِقَوْلِهِ إِنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ٤ - (بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ) وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ بَابُ الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُرْجِئَةُ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْإِسْلَامِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ سُمُّوا مُرْجِئَةً لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ اللَّهَ أَرْجَأَ تَعْذِيبَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي أَيْ أَخَّرَهُ عَنْهُمْ وَالْمُرْجِئَةُ تُهْمَزُ وَلَا تُهْمَزُ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) أَيْ شُعْبَةً وَالْبِضْعُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وفتحها هو عدد ذكر الشيخ بن القيم ﵀ حديث الإيمان بضع وسبعون ثم قال ولفظ مسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة وفي كتاب البخاري بضع وستون وفي بعض رواياته بضع وسبعون بضعة وسبعون أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة العظم الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان مُبْهَمٌ مُقَيَّدٌ بِمَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ إِلَى الْعَشَرَةِ وَقِيلَ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى تِسْعَةٍ وَقِيلَ مِنَ اثْنَيْنِ إِلَى عَشْرَةٍ وَعَنِ الْخَلِيلِ الْبِضْعُ السَّبْعُ (وَأَدْنَاهَا) أَيْ أَدْوَنُهَا مِقْدَارًا (إِمَاطَةُ الْعَظْمِ) أَيْ إِزَالَتُهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِمَاطَةُ الْأَذَى وَالْأَذَى مَا يُؤْذِي كَشَوْكٍ وَحَجَرٍ (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) الحياء بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يتعرى الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَفِي ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ ثُمَّ قَالَ وَلَفْظ مُسْلِم الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ شُعْبَة وَفِي كِتَاب الْبُخَارِيّ بِضْع وَسِتُّونَ وَفِي بَعْض رِوَايَاته بِضْع وَسَبْعُونَ وَالْمَعْرُوف سِتُّونَ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم بِالْوَجْهَيْنِ عَلَى الشَّكّ عَنْ أَبِي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْع وَسِتُّونَ شُعْبَة وَحَدِيث الْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان رَوَاهُ البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وبن عُمَر وَأَبِي مَسْعُود عُقْبَة بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ وَعِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَفِي حَدِيث بْن عُمَر المتفق عليه في سؤال جبريل للنبي ﷺ عَنْ الْإِسْلَام فَقَالَ

стр. 4200

الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَالدَّاعِي إِلَى بَاقِي الشُّعَبِ إذا الْحَيِيُّ يَخَافُ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَأْتَمِرُ وَيَنْزَجِرُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ الشَّرْعِيَّ اسْمٌ بِمَعْنَى ذِي شُعَبٍ وَأَجْزَاءٍ لَهَا أَعْلَى وَأَدْنَى وَأَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ وَزِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ فَالِاسْمُ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهَا كَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّهَا وَالْحَقِيقَةُ تَقْتَضِي جَمِيعَ شُعَبِهَا وَتَسْتَوْفِي جُمْلَةَ أَجْزَائِهَا كَالصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ لَهَا شُعَبٌ وَأَجْزَاءٌ وَالِاسْمُ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهَا وَالْحَقِيقَةُ تَقْتَضِي جَمِيعَ أَجْزَائِهَا وَتَسْتَوْفِيهَا ويدل على ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وأن محمدا رسول الله وَتُقِيم الصَّلَاة وَتُؤْتِي الزَّكَاة وَتَصُوم رَمَضَان وَتَحُجّ الْبَيْت إِنْ اِسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلًا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه جَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد ثَائِر الرَّأْس نَسْمَع دَوِيّ صَوْته وَلَا نَفَقه مَا يَقُول حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَنْ الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ خَمْس صَلَوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة الْحَدِيث وَفِي مُسْنَد الإمام أحمد عن بن عمر ﵄ عَنْ النَّبِيّ ﷺ الْإِسْلَام شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ محمد رسول الله وَإِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحَجّ الْبَيْت وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ أَيّ الْإِسْلَام خَيْر قَالَ تُطْعِم الطَّعَام وَتَقْرَأ السَّلَام عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِن عَبْد حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ وَقَالَ مُسْلِم حَتَّى يُحِبّ لِجَارِهِ أَوْ قَالَ لِأَخِيهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُون أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِده وَوَلَده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَقَالَ مُسْلِم مِنْ أَهْله وَمَاله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الخدري ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أن رسول الله ﷺ قَالَ مَا مِنْ نَبِيّ بَعَثَهُ اللَّه فِي أُمَّته قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّته حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُف مِنْ بَعْدهمْ خُلُوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِن وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِن وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِن لَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي مَرْحُوم عَنْ سَهْل بْن مُعَاذ بْن أَنَس الْجُهَنِيّ عَنْ أَبِيهِ أن رسول الله ﷺ قَالَ مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَنْكَحَ لِلَّهِ فَقَدْ اِسْتَكْمَلَ إِيمَانه وَأَبُو مَرْحُوم وَسَهْل قَدْ ضُعِّفَا

стр. 4201

صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَيَاءَ أَحَدُ الشُّعَبِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّفَاصِيلِ فِي الْإِيمَانِ وَتَبَايُنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَرَجَاتِهِمُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ) الْوَفْدُ جَمْعُ وَافِدٍ وَهُوَ الَّذِي أَتَى إِلَى الْأَمِيرِ بِرِسَالَةٍ مِنْ قَوْمٍ وَقِيلَ رَهْطٌ كِرَامٌ وَعَبْدُ الْقَيْسِ أَبُو قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ تَنْتَهِي إِلَى رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ (لَمَّا قَدِمُوا) أَيْ أَتَوْا (وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِهَا (مِنَ الْمَغْنَمِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ أَيِ الْغَنِيمَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ) مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَصْلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ وَالْمَعْنَى يُوصِلُهُ إِلَيْهِ وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ زَالَ الْإِشْكَالُ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ الْحَاجِزَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ فِعْلُ الصَّلَاةِ لَا تَرْكُهَا قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ الْفَرْضِ عَمْدًا قَالَ عُمَرُ ﵁ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ ترك الصلاة وقال بن مَسْعُودٍ تَرْكُهَا كُفْرٌ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﵊ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِهَا جُحُودًا أَوْ عَلَى الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَمَكْحُولٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ وَقَالَ صَاحِبُ الرَّأْيِ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ وَقَدْ أَطَالَ الكلام في هذه المسألة الإمام بن الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ فَأَطَابَ وَأَحْسَنَ وأجاد

стр. 4202

قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ٥ - (بَاب الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَابُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ الْحَافِظُ ذَهَبَ السَّلَفُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالُوا مَتَى قُبِلَ ذَلِكَ كان شكا وقال الشيخ محي الدِّينِ وَالْأَظْهَرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بكثرة النظر ووضوح الأدلة لهذا كَانَ إِيمَانُ الصِّدِّيقِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيْرِهِ لَا يَعْتَرِيهِ الشُّبْهَةُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى أَنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الْإِيمَانُ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَتَوَكُّلًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْبَرَاهِينَ وَكَثْرَتِهَا انتهى (لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْكَعْبَةِ) أَيْ تَوَجَّهَ لِلصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أَيْ صَلَاتَكُمْ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ فَسُمِّيَتِ الصَّلَاةُ إِيمَانًا فَعُلِمَ أَنَّهَا مِنَ الْإِيمَانِ بِمَكَانٍ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) وَهُوَ الْبَاهِلِيُّ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ ﵁ (مَنْ أَحَبَّ) أَيْ شيئا أو شخصا فخذف الْمَفْعُولُ (لِلَّهِ) أَيْ لِأَجْلِهِ وَلِوَجْهِهِ مُخْلِصًا لَا لِمَيْلِ قَلْبِهِ وَلَا لِهَوَاهُ (وَأَبْغَضَ لِلَّهِ لَا) لِإِيذَاءِ مَنْ أَبْغَضَهُ لَهُ بَلْ لِكُفْرِهِ وَعِصْيَانِهِ (وَأَعْطَى لِلَّهِ) أَيْ لِثَوَابِهِ وَرِضَاهُ لَا لِنَحْوِ رِيَاءٍ (وَمَنَعَ لِلَّهِ) أَيْ لِأَمْرِ اللَّهِ كَأَنْ لَمْ يَصْرِفِ الزَّكَاةَ لِكَافِرٍ لِخِسَّتِهِ وَلَا لِهَاشِمِيٍّ لِشَرَفِهِ بَلْ لِمَنْعِ اللَّهِ لَهُمَا مِنْهَا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَكْمَلَهُ وَقِيلَ بِالرَّفْعِ أَيْ تَكَمَّلَ إِيمَانُهُ

стр. 4203

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فيه غير واحد (لِذِي لُبٍّ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ بِمَعْنَى الْعَقْلِ (قَالَتْ) أَيِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي خَاطَبَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ (فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ) أَيْ تُعْدَلُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ (وتقيم أياما) أي أيام الحيض والنقاس (لَا تُصَلِّي) أَيْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَصْفُهُ ﷺ النِّسَاءَ نُقْصَانَ الدِّينِ لِتَرْكِهِنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ قَدْ يَسْتَشْكِلُ مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ بَلْ هو ظاهر فإن الدين والإيمان مُشْتَرِكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الطَّاعَاتِ تُسَمَّى إِيمَانًا وَدِينًا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ عِبَادَتُهُ زَادَ إِيمَانُهُ وَدِينُهُ وَمَنْ نَقَصَتْ عِبَادَتُهُ نَقَصَ دِينُهُ ثُمَّ نَقْصُ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَأْثَمُ بِهِ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ وَقَدْ يَكُونُ على وجه لاإثم فِيهِ كَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُذْرُ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَبِهَذَا الْكَلَامِ ظَهَرَ أَيْضًا وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْحَدِيثِ بِالْبَابِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سرح عن أبي سعيد الخدري (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) بِضَمِّ اللَّامِ قال بن رَسْلَانَ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَوْصَافِ الْإِنْسَانِ الَّتِي يُعَامِلُ بِهَا غَيْرَهُ وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَحْمُودَةٍ وَمَذْمُومَةٍ فَالْمَحْمُودَةُ مِنْهَا صِفَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَالصَّبْرِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وَالْحَمْلِ عِنْدَ الْجَفَا وَحَمْلِ الْأَذَى وَالْإِحْسَانِ لِلنَّاسِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَاللِّينِ فِي الْقَوْلِ وَمُجَانَبَةِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الوجه

стр. 4204

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَزَادَ فِي آخره وخياركم خياركم لنسائهم (قَالَ أَوْ مُسْلِمٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بإسكان الواو لا بفتحها وفي رواية بن الْأَعْرَابِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا تَقُلْ مُؤْمِنٌ بَلْ مُسْلِمٌ فَوَضَّحَ أَنَّهَا لِلْإِضْرَابِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارَ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُسْلِمِ عَلَى مَنْ يُخْتَبَرُ حَالُهُ الْخِبْرَةَ الْبَاطِنَةَ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الظاهر انتهى مخلصا (مَخَافَةَ أَنْ يُكِبَّ) ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ مِنَ الْإِكْبَابِ قَالَ الْحَافِظُ أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا أَطْرَقَ وَكَبَّهُ غَيْرُهُ إِذَا قَبَّلَهُ وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْفِعْلَ اللَّازِمَ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ فَقُصِرَ انْتَهَى وَالْمَعْنَى مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ إِنْ لَمْ يُعْطِ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمُجَرَّدِ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ بَعْدَ الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فقال وهو طرف من الذي قبله (حَتَّى أَعَادَهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (وَأَدَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ أَتْرُكُ (مَخَافَةَ أَنْ يُكِبُّوا) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَوْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمُجَرَّدِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ (قَالَ) أَيِ الزُّهْرِيُّ (نَرَى) بِضَمِّ النُّونِ وَبِفَتْحٍ (أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ) أَيْ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ (وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ) أَيِ الصالح

стр. 4205

قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ مَا أَكْثَرَ مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى مَا حَكَاهُ مَعْمَرٌ عَنْهُ وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فيها غير بيت من المسلمين قَالَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ إِذْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ وَعَدَ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ مِنْهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْ وَجَدَهُ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنْجَازًا لِلْوَعْدِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ قَالَ وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَيَّدَ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَلَا يُطْلَقَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِهَا وَالْمُؤْمِنَ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا فَإِذَا حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا اسْتَقَامَ لَكَ تَأْوِيلُ الْآيَاتِ وَاعْتَدَلَ الْقَوْلُ فِيهَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ شَيْءٌ مِنْهَا وَأَصْلُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ وَقَدْ يكون المرء مستسلما في الظاهر غير مننقاد في الباطن ولا مصدق وَقَدْ يَكُونُ صَادِقَ الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِرِ انْتَهَى وَحَاصِلُ مَا صَحَّحَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُسْلِمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ والحديث سكت عنه المنذري (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكُفَّارِ الْمُتَكَفِّرِينَ بِالسِّلَاحِ يُقَالُ تَكَفَّرَ الرَّجُلُ بِسِلَاحِهِ إِذَا لَبِسَهُ فَكَفَرَ نَفْسَهُ أَيْ سَتَرَهَا وَأَصْلُ الْكُفْرِ السَّتْرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَتَكُونُوا فِي ذَلِكَ مُضَاهِينَ لِلْكُفَّارِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ مُتَعَادُونَ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَالْمُسْلِمُونَ مُتَوَاخُونَ يَحْقِنُ بَعْضُهُمْ دَمَ بَعْضٍ وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ قَالَ سَأَلْتُ مُوسَى بْنَ هَارُونَ عَنْ هَذَا فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ الرِّدَّةِ قَتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا (أَكْفَرَ رَجُلًا مُسْلِمًا) أَيْ نَسَبَهُ إِلَى الْكُفْرِ (فَإِنْ كَانَ) الرَّجُلُ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْكُفْرُ (كَافِرًا) فَلَا شَيْءَ
следующие страницы →