← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

السُّورَةَ الطَّوِيلَةَ فِي رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَقْرَأْهَا بِتَمَامِهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَصَارَ قَدْرُ مَا قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ بِقَدْرِ الْقِصَارِ وَالثَّالِثُ أَنَّ هَذَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ قَرَأَ بِالطِّوَالِ لِتَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُمْتَدٌّ وَعَلَى أَنَّ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ فِيهِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمِيٍّ وَأَقُولُ الْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ مَخْدُوشَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى احْتِمَالِ النَّسْخِ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلِأَنَّ كَوْنَهُ مَتْرُوكًا إِنَّمَا يَثْبُتُ لَوْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ الطِّوَالِ مِنْ حَيْثُ التَّارِيخُ وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلِأَنَّ حَدِيثَ أُمِّ الْفَضْلِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا آخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ فِي الْمَغْرِبِ فَحِينَئِذٍ إِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ النَّسْخِ يَثْبُتُ نَسْخُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ لَا الْعَكْسُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ إِثْبَاتَ التَّفْرِيقِ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي قِرَاءَةِ الطِّوَالِ مُشْكِلٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ سَمِعَ الطُّورَ بِتَمَامِهِ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يُفِيدُ ح لَيْتَ وَلَعَلَّ وَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نِصْفَ الْأَعْرَافِ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقِصَارِ فَلَا يُفِيدُ التفريق لإثبات القصار فإذن الْجَوَابُ الصَّوَابُ هُوَ الثَّالِثُ كَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قُلْتُ هَذَا الْجَوَابُ الثَّالِثُ أَيْضًا مَخْدُوشٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ إِنْكَارِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى مَرْوَانَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ فِي الْمَغْرِبِ وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ ﷺ السُّوَرَ الطَّوِيلَةَ فِي الْمَغْرِبِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لَمَا كَانَ مَا فَعَلَهُ مَرْوَانُ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ إِلَّا مَحْضُ السُّنَّةِ وَلَمْ يَحْسُنُ مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ إِنْكَارُ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ إِلَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا سَكَتَ مَرْوَانُ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ فِي مَقَامِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَأَيْضًا بَيَانُ الْجَوَازِ يَكْفِي فِيهِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ قَرَأَ بِالسُّوَرِ الطَّوِيلَةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَالْحَقُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَسَائِرِ السُّوَرِ سُنَّةٌ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ اعْتِقَادٌ أَنَّهُ السُّنَّةُ دُونَ غَيْرِهِ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ ﷺ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [٨١٤] (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ) أَيْ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ بن حَجَرٍ وَلَا يَحْتَمِلُ هُنَا عَوْدُ الضَّمِيرِ لِجَدِّ شُعَيْبٍ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَنْ عَمْرٍو لِأَنَّ

стр. 737

الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ الْأَوَّلُ (مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ) هُوَ مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ (فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أَيِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَهِيَ الْخَمْسُ ٩ - (بَاب الرَّجُلِ يُعِيدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ) [٨١٦] (أَخْبَرَهُ) الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ رَاجِعٌ إِلَى الرَّجُلِ وَالْبَارِزُ إِلَى مُعَاذٍ وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ لِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ (أَنَّهُ) أَيِ الرَّجُلُ (فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّبْعِيضِ قال بن الْمَلِكِ أَيْ قَرَأَ فِي كُلِّ مِنْ رَكْعَتَيْهَا إِذَا زُلْزِلَتْ بِكَمَالِهَا (فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا) تَرَدَّدَ الصَّحَابِيُّ فِي أَنَّ إِعَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسُّورَةِ هَلْ كَانَ نِسْيَانًا لِكَوْنِ الْمُعْتَادِ مِنْ قِرَاءَتِهِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرَ مَا قَرَأَ بِهِ فِي الْأُولَى فَلَا يكون مشروعا لأمته أو فعله عمد البيان الْجَوَازِ فَتَكُونُ الْإِعَادَةُ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَحَمْلُ فِعْلِهِ ﷺ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ التَّشْرِيعُ وَالنِّسْيَانُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَنَظِيرُهُ ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا إِذَا تَرَدَّدَ فِعْلُهُ ﷺ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِبِلِّيًّا أَوْ لِبَيَانِ الشَّرْعِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُؤَلِّفُ وَالْمُنْذِرِيُّ قَالَ فِي النَّيْلِ وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَطْعَنٌ بَلْ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ

стр. 738

٢٠ - (بَاب الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ) [٨١٧] (كَأَنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَرَادَ بِذَلِكَ قُوَّةَ تَحَقُّقِهِ لِذَلِكَ بِحَيْثُ إِنَّهُ لِشِدَّةِ اسْتِحْضَارِهِ لَهُ كَأَنَّهُ يَسْمَعُ الْآنَ (يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي الْفَجْرِ (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ يَقْرَأ بالسورة التي فيها والليل إذا عسعس قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ أَتَمَّ مِنْهُ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جواز قراءة سورة إذا الشمس كورت فِي الصُّبْحِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ فَاسْتَفْتَحَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَأَنَّهُ قَرَأَ الرُّومَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُ قَرَأَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأنَّهُ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَأَنَّهُ قَرَأَ الْوَاقِعَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِيُونُسَ وهود أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وأنه قرأ إذا زلزلت كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنَّهُ قَرَأَ ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان أخرجه الشيخان من حديث بن مَسْعُودٍ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ١ - (بَابُ مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاتِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) أَيْ مَا حُكْمُهُ فَثَبَتَ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ [٨١٨] (أُمِرْنَا) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْآمِرُ إِنَّمَا هو رسول الله لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ

стр. 739

يَنْصَرِفُ بِظَاهِرِهِ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وهو الرسول (أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) فِيهِ وَفِيمَا يَأْتِي مِنَ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الصلاة وأنها متعينة لا يجزئ غَيْرُهَا إِلَّا لِعَاجِزٍ عَنْهَا وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ لَا يَجِبُ الْفَاتِحَةُ بَلِ الْوَاجِبُ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ (وَمَا تَيَسَّرَ) فِي مَحَلِّ الْجَرِّ عُطِفَ عَلَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَيْ أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ وَبِقَوْلِهِ فَمَا زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي وَبِقَوْلِهِ فَصَاعِدًا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْآتِي عَلَى وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاتِحَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي ربع دينار فصاعدا وادعى بن حِبَّانُ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِهِ عَنْ بعض الصحابة ومن بعدهم فيما رواه بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ كُلُّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ فَمَا أَسْمَعَنَا رسول الله أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ بن عباس أن النبي قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ كَذَا أَفَادَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةٌ فَصَاعِدًا مَا نَصُّهُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا تَقْصُرُ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ قُرْآنٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ السُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ الصَّلَوَاتِ قَالَ النَّوَوِيُّ إَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وُجُوبَ السُّورَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَأَمَّا السُّورَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ دُونَ الْقَدِيمِ ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ إِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ قُرْآنٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ عُمَرُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَغَيْرُهُمْ وَالظَّاهِرُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ إِيجَابِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا تَوَهُّمُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى دُونَ ذَلِكَ قُرْآنًا لِعَدَمِ إِعْجَازِهِ كَمَا قِيلَ وَهُوَ فَاسِدٌ لِصِدْقِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَأَيْضًا الْمُرَادُ مَا يُسَمَّى قُرْآنًا مَا يُسَمَّى مُعْجِزًا وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِالْآيَةِ الطَّوِيلَةِ نَعَمْ لَوْ كَانَ حديث أبي سعيد الذي عند بن مَاجَهْ بِلَفْظِ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا صَحِيحًا لَكَانَ مُفَسِّرًا لِلْمُبْهَمِ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ قَوْلِهِ فَمَا زَادَ وَقَوْلُهُ فَصَاعِدًا وَقَوْلُهُ مَا تَيَسَّرَ وَلَكَانَ دَالًّا عَلَى وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَقَدْ عُورِضَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ وَإِنْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ

стр. 740

زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ إِلَخْ لَيْسَ مَرْفُوعًا وَلَا مِمَّا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ هَذَا الْحَدِيثَ كَرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي آخِرِهِ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أن ضمير سمعته للنبي فَيَكُونُ مَرْفُوعًا بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ قَوْلُهُ مَا أَسْمَعَنَا وَمَا أَخْفَى عَنَّا يُشْعِرُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مُتَلَقًّى عَنِ النبي فَيَكُونُ لِلْجَمِيعِ حُكْمُ الرَّفْعِ انْتَهَى وَهَذَا الْإِشْعَارُ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ بِاعْتِبَارِ جَمِيعِ الْحَدِيثِ فَإِنْ صَحَّ جُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِزِيَادَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ بِحَمْلِهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ انْتَهَى حَاصِلُ كَلَامِ الشَّوْكَانِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أخرجه البخاري في جزء القراءة قال بن سَيِّدِ النَّاسِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ [٨١٩] (اخْرُجْ فَنَادِ) أَمْرٌ مِنَ النِّدَاءِ أَصْلُهُ نَادِي عَلَى وَزْنِ قَاتِلْ حُذِفَتِ الْيَاءُ لِلْأَمْرِ (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ) اسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ وَلَيْسَ بِثِقَةٍ كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ وَقَالَ أَحْمَدُ ليس بقوي في الحديث وقال بن عَدِيٍّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ فِي الضُّعَفَاءِ وَأَيْضًا قَدْ رَوَى الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَهُ بِلَفْظِ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى بِأَوْلَى مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَيْضًا أَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا بِجَنْبِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَرْضِيَّةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَعَدَمِ إِجْزَاءِ الصَّلَاةِ بِدُونِهَا وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أقل مجزىء الْفَاتِحَةُ كَصُمْ وَلَوْ يَوْمًا فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ مَعْنَاهُ كَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بشق تمرة [٨٢٠] (أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ لَا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِثِقَةٍ كَمَا عَرَفْتَ وَلَكِنَّهُ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ مَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وبن حِبَّانَ وَالْمُؤَلِّفِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِلَفْظِ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ

стр. 741

يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمُ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فَإِنْ قُلْتَ الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْقَائِلِينَ بِفَرْضِيَّةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ لا على الحنيفة لِأَنَّهُمْ إِذَا أَثْبَتُوا بِهِ فَرْضِيَّةَ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا بِهِ فَرْضِيَّةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ زَائِدٍ عَلَى الْفَاتِحَةِ أَيْضًا وَهُمْ لَيْسُوا بِقَائِلِينَ بِهِ قِيلَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ كما قال الحافظ وروى بن خزيمة عن بن عباس أن النبي قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَإِنْ زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ فِي الصَّلَاةِ فَقَالُوا بِاسْتِحْبَابِ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ لِتَأْتَلِفَ الْأَخْبَارُ [٨٢١] (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ يَعْنِي نَاقِصَةً نَقْصَ فَسَادٍ وَبُطْلَانٍ تَقُولُ الْعَرَبُ أَخْدَجَتِ النَّاقَةُ إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا وَهُوَ دَمٌ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُهُ فَهِيَ مُخْدِجٌ وَالْخِدَاجُ اسْمٌ مَبْنِيٌّ مِنْهُ انْتَهَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَالْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَالْهَرَوِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَآخَرُونَ الْخِدَاجُ النُّقْصَانُ يُقَالُ خَدَجَتِ النَّاقَةُ إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ أَوَانِ النِّتَاجِ وَإِنْ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ وَأَخْدَجَتْهُ إِذَا وَلَدَتْهُ نَاقِصًا وَإِنْ كَانَ لِتَمَامِ الْوِلَادَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِذِي الْيُدِيَّةِ مُخْدَجُ اليد أي ناقصها قالوا فقوله خِدَاجٌ أَيْ ذَاتُ خِدَاجٍ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ خَدَجَتْ وَأَخْدَجَتْ إِذَا وَلَدَتْ لِغَيْرِ تَمَامٍ انْتَهَى وَفِيهِ فَرْضِيَّةُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَأَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا الْفَاتِحَةُ فَهِيَ نَاقِصَةٌ نَقْصَ فَسَادٍ وَبُطْلَانٍ لِأَنَّ الْخِدَاجَ النُّقْصَانُ وَالْفَسَادُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ أَخْدَجَتِ النَّاقَةُ وَخَدَجَتْ إِذَا وَلَدَتْ قَبْلَ تَمَامِ وَقْتِهَا وَقَبْلَ تَمَامِ الْخَلْقِ وَذَلِكَ نِتَاجٌ فَاسِدٌ وقد زعم الحنيفة أَنَّ قَوْلَهُ خِدَاجٌ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ النُّقْصَانُ وَالصَّلَاةُ النَّاقِصَةُ جَائِزَةٌ وَهَذَا تَحَكُّمٌ فَاسِدٌ (غَيْرُ تَمَامٍ) بَيَانُ خِدَاجٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ وَقِيلَ إِنَّهُ تَأْكِيدٌ (فَغَمَزَ ذِرَاعِي) أَيْ كَبَسَ سَاعِدِي قَالَ الْبَاجِيُّ هُوَ عَلَى مَعْنَى التَّأْنِيسِ لَهُ وَتَنْبِيهٌ عَلَى فَهْمِ مُرَادِهِ وَالْبَعْثِ لَهُ عَلَى جَمْعِ ذِهْنِهِ وَفَهْمِهِ

стр. 742

لِجَوَابِهِ (اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ) مَعْنَاهُ اقْرَأْهَا سِرًّا بِحَيْثُ تُسْمِعُ نَفْسَكَ وَأَمَّا مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ تَدَبُّرُ ذَلِكَ وَتَذَكُّرُهُ فَلَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى حَرَكَةِ اللِّسَانِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ حَرَكَةِ لِسَانِهِ لَا يَكُونُ قَارِئًا مُرْتَكِبًا لِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ الْمُحَرَّمَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْقِرَاءَةَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ عِنْدَ التَّفْسِيرِ لَهُ وَالتَّفْصِيلِ لِلْمُرَادِ مِنْهُ إِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَدْ سُمِّيَ الْقُرْآنُ صَلَاةً لِوُقُوعِهَا فِي الصَّلَاةِ وَكَوْنِهَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا أَيْ قِرَاءَتِكَ وَقَالَ تَعَالَى وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قرآن الفجر كان مشهودا أَيْ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَسَمَّى الصَّلَاةَ مَرَّةً قُرْآنًا وَالْقُرْآنَ صَلَاةً لِانْتِظَامِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ قَوْلُهُ ﵇ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَالصَّلَاةُ خَالِصَةٌ لِلَّهِ لَا يُشْرَكُ فِيهَا أَحَدٌ فَعُقِلَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقِرَاءَةُ وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْقِسْمَةِ مُنْصَرِفَةٌ إِلَى الْمَعْنَى لَا إِلَى اللَّفْظِ وَذَلِكَ أَنَّ سُورَةَ الْحَمْدِ نِصْفُهَا ثَنَاءٌ وَنِصْفُهَا مَسْأَلَةُ دُعَاءٍ وَالثَّنَاءُ لِلَّهِ وَالدُّعَاءُ لِعَبْدِهِ وَلَيْسَ هَذَا انْقِسَامُ أَلْفَاظٍ وَحُرُوفٍ وَقِسْمُ الثَّنَاءِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إلى قوله تعالى إياك نعبد وَهُوَ تَمَامُ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَبَاقِي الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ قِسْمِ الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ وَلِذَا قَالَ ﵇ حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ وَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ قِسْمَةَ الْأَلْفَاظِ وَالْحُرُوفِ لَكَانَ النِّصْفُ الْأَخِيرُ يَزِيدُ عَلَى الْأَوَّلِ زِيَادَةً بِينَةً فَيَرْتَفِعُ مَعْنَى التَّعْدِيلِ وَالتَّنْصِيفِ وَإِنَّمَا هُوَ قِسْمَةُ الْمَعَانِي كَمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ نِصْفُ السَّنَةِ إِقَامَةٌ وَنِصْفُهَا سَفَرٌ يُرَادُ بِهِ انْقِسَامُ السَّنَةِ مُدَّةَ السَّفَرِ وَمُدَّةَ الْإِقَامَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَا سَوَاءً لَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَقِيلَ لِشُرَيْحٍ كَيْفَ أَصْبَحْتَ قَالَ أَصْبَحْتُ وَنِصْفُ النَّاسِ عَلَيَّ غَضْبَانُ يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ بَيْنَ مَحْكُومٍ لَهُ وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ فَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَضْبَانُ عَلَيَّ بِاسْتِخْرَاجِي الْحَقَّ مِنْهُ وَإِكْرَاهِي إِيَّاهُ وَلِقَوْلِ الشَّاعِرِ إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ لِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ (فَنِصْفُهَا لِي) وَهُوَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي) وَهُوَ مِنَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ إِلَى آخِرِهِ (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) أَيْ بِعَيْنِهِ

стр. 743

إِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى السُّؤَالِ وَإِلَّا فَمِثْلُهُ من رفع درجة ودفع مضرة ونحوهما (اقرؤوا) لَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (يَقُولُ الْعَبْدُ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ (حَمِدَنِي عَبْدِي إِلَى قَوْلِهِ مَجَّدَنِي عَبْدِي) قَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّ التَّحْمِيدَ الثَّنَاءُ بِجَمِيلِ الْفِعَالِ وَالتَّمْجِيدُ الثَّنَاءُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَيُقَالُ أَثْنَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِهَذَا جَاءَ جَوَابًا لِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِاشْتِمَالِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ (يَقُولُ الْعَبْدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أَيْ نَخُصُّكَ بِالْعِبَادَةِ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أَيْ نَخُصُّكَ بِالِاسْتِعَانَةِ (فَهَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَانَةَ مِنَ اللَّهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَذَلُّلَ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَطَلَبَهُ الِاسْتِعَانَةَ مِنْهُ وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ عَلَى مَا طُلِبَ مِنْهُ (يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الْعَبْدِ (فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَهَذَا لِعَبْدِي قَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِي غَيْرِهِ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اهْدِنَا وَمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ثَلَاثُ آيَاتٍ لَا آيَتَانِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَأَنَّهَا آيَةٌ وَاهْدِنَا وَمَا بَعْدَهُ آيَتَانِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُ إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ يَقُولُ اهْدِنَا وَمَا بَعْدَهُ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَلِلْأَكْثَرِينَ أَنْ يَقُولُوا قَوْلَةَ هَؤُلَاءِ الْمُرَادُ بِهِ الْكَلِمَاتُ لَا الْآيَاتُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَهَذَا لِعَبْدِي وَهَذَا أَحْسَنُ مِنَ الْجَوَابِ بِأَنَّ الْجَمْعَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ هَذَا مَجَازٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَيُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ عَلَى صَرْفِهِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ انْتَهَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا يَرَى التَّسْمِيَةَ آيَةً مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالُوا لَوْ كَانَتْ آيَةً لَذُكِرَتْ كَمَا ذُكِرَ سَائِرُ الْآي فَلَمَّا بَدَأَ بِالْحَمْدِ دَلَّ أَنَّهُ أَوَّلُ آيَةٍ منها وأنه لاحظ لِلتَّسْمِيَةِ فِيهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَقَالَ قَوْمٌ هِيَ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَهُوَ قول بن عباس وأبي

стр. 744

هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وبن الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَتِ التَّسْمِيَةُ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الجماعة إلا البخاري وبن مَاجَهْ [٨٢٢] (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كيسان عن بن شِهَابٍ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ وَبِهَذَا التَّصْرِيحِ بِالْإِخْبَارِ يَنْدَفِعُ تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ لِكَوْنِ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَدْخَلَ بَيْنَ مَحْمُودٍ وَعُبَادَةَ رَجُلًا وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَهُ الْحَافِظُ (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) فِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَا تُقْرَأْ فِيهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لَا تَصِحُّ ولا تجوز لأن النفي في قوله لَا صَلَاةَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الذَّاتِ إِنْ أَمْكَنَ انْتِفَاؤُهَا وَإِلَّا تَوَجَّهَ إِلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الذَّاتِ وَهُوَ الصِّحَّةُ لَا إِلَى الْكَمَالِ لِأَنَّ الصِّحَّةَ أَقْرَبُ الْمَجَازَيْنِ وَالْكَمَالُ أَبْعَدُهُمَا وَالْحَمْلُ على أقرب المجازين واجب وتوجه النفي ها هنا إِلَى الذَّاتِ مُمْكِنٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ أَلْفَاظَ الشَّارِعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى عُرْفِهِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ لِتَعْرِيفِ الشَّرْعِيَّاتِ لَا لِتَعْرِيفِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الْمَنْفِيُّ الصَّلَاةَ الشَّرْعِيَّةَ اسْتَقَامَ نَفْيُ الذَّاتِ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ كَمَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا فَلَا يُحْتَاجُ بِإِضْمَارِ الصِّحَّةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ وَلَا الْكَمَالِ كَمَا رَوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ عَدَمُ إِمْكَانِ انْتِفَاءِ الذَّاتِ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ ها هنا الصَّلَاةُ اللُّغَوِيَّةُ فَلَا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إِلَى ذَاتِهَا لِأَنَّهَا قَدْ وُجِدَتْ فِي الْخَارِجِ كَمَا قَالَهُ الْبَعْضُ لَكَانَ الْمُتَعَيَّنُ تَوْجِيهُ النَّفْيِ إِلَى الصِّحَّةِ أَوِ الْإِجْزَاءِ لَا إِلَى الْكَمَالِ إِمَّا أَوَّلًا فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ الْمَجَازَيْنِ وَإِمَّا ثَانِيًا فَلِرِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِلَفْظِ لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وقال إسناده صحيح وصححها بن الْقَطَّانِ وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا بهذا اللفظ أخرجه بن خزيمة وبن حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا وَلِأَحْمَدَ بِلَفْظِ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ لا يقرأ فيها بأم القرآن ومن ها هنا لَاحَ لَكَ أَنَّ قَوْلَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ فِي الْحَدِيثِ نَفْيُ الْكَمَالِ بَاطِلٌ لَا دليل عليه

стр. 745

وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ تَأَوَّلُوا رِوَايَةَ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَذْكُورَةَ وَقَالُوا إِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ الْكَامِلِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا تَحَكُّمٌ بَحْتٌ وَتَعَصُّبٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْإِجْزَاءِ إِلَّا الْبُطْلَانُ وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ تُسَمَّى صَلَاةً لَوْ تَجَرَّدَتْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا يَقْتَضِي حُصُولَ اسْمِ قِرَاءَتِهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ لِأَنَّ الظُّهْرَ مَثَلًا كُلَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ حَقِيقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ حَيْثُ سَمَّى الْمَكْتُوبَاتِ خَمْسًا وَكَذَا حَدِيثُ عُبَادَةَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَإِطْلَاقُ الصَّلَاةِ عَلَى رَكْعَةٍ مِنْهَا يَكُونُ مَجَازًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَايَةُ مَا فِي الْبَحْثِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةُ مَفْهُومٍ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ خَارِجٌ مَنْطُوقٌ عَلَى وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَانَ مُقَدَّمًا انْتَهَى وَقَالَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْبَحْثِ الْحَسَنُ البصري رواه عنه بن المنذر بإسناد صحيح ودليل الجمهور قوله وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا بَعْدَ أَنْ أمره بالقراءة وفي رواية لأحمد وبن حِبَّانَ ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ سَوَاءٌ أَسَرَّ الْإِمَامُ أَمْ جَهَرَ لِأَنَّ صَلَاتَهُ صَلَاةُ حَقِيقَةٍ فَتَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقِرَاءَةِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَصَاعِدًا) أَيْ فَمَا زَادَ عَلَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مِنَ الصُّعُودِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلْوٍ قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ زَائِدًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ أَوْ بِأَنَّ الْقُرْآنَ حَلَّ كَوْنِ قِرَاءَتِهِ زَائِدًا عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (قَالَ سُفْيَانُ لِمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ) قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ هَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ فَصَاعِدًا [٨٢٣] (فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ) أَيْ شَقَّ عَلَيْهِ التَّلَفُّظُ وَالْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهَا الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ (فَلَمَّا فَرَغَ) أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ (قُلْنَا نَعَمْ هَذَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْهَذُّ سَرْدُ الْقِرَاءَةِ وَمُدَارَكَتُهَا فِي سُرْعَةٍ وَاسْتِعْجَالٍ وَقِيلَ أَرَادَ بِالْهَذِّ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ

стр. 746

وَكَانُوا يُلْبِسُونَ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ بِالْجَهْرِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ هَذَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ (لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ بِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ خَلْفِ الْإِمَامِ سَوَاءٌ جَهَرَ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ خَافَتَ بِهَا وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَا طَعْنَ فِيهِ قُلْتُ الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ وَفِيمَا جَهَرَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولُ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ قَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَمَا لَا أُحْصِي مِنَ التَّابِعِينَ وَأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَإِنْ جَهَرَ انْتَهَى وَقَالَ فِيهِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اقْرَأْ خَلْفَ الْإِمَامِ قُلْتُ وَإِنْ قَرَأْتَ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ قَرَأْتُ وَكَذَلِكَ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعُبَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وعدة من أصحاب النبي نَحْوَ ذَلِكَ انْتَهَى وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْإِذْنُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنَ النَّهْيِ عَنِ الجهر خلفه ولكنه أخرج بن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله أتقرؤن فِي صَلَاتِكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ فَلَا تَفْعَلُوا وَلْيَقْرَأْ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا كَذَا فِي التَّلْخِيصِ قُلْتُ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم وأعل هذا الحديث بأن بن إِسْحَاقَ رَوَاهُ عَنْ مَكْحُولٍ وَهُوَ مُدَلِّس لَمْ يُصَرِّح بِسَمَاعِهِ مِنْ مَكْحُولٍ وَإِنَّمَا عَنْعَنَهُ وَالْمُدَلِّس إِذَا عَنْعَنَ لَمْ يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أبو داود قال البيهقي وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَر سَمَاعه فِيهِ مِنْ مَكْحُولٍ فَصَارَ الْحَدِيث بِذَلِكَ مَوْصُولًا صَحِيحًا وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَاب الْقِرَاءَة خَلْف الْإِمَام وَقَالَ هُوَ صَحِيح وَوَثَّقَ اِبْنَ إِسْحَاقَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ فِيهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ غَيْر حديث بن إِسْحَاقَ أَيْضًا وَقَالَ هُوَ صَحِيح

стр. 747

أقبل عليهم بوجهه فقال أتقرؤن فِي صَلَاتِكُمْ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ فَسَكَتُوا فَقَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ قَائِلٌ أَوْ قَائِلُونَ إِنَّا لَنَفْعَلُ قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا وَلْيَقْرَأْ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ في نفسه قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قُلْتُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ القراءة وصححه وبن حبان والبيهقي من طريق بن إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُبَادَةَ وَتَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَكْحُولٍ وَمِنْ شَوَاهِدِهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ رجل من أصحاب النبي قال قال رسول الله لعلكم تقرؤون وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ قَالُوا إِنَّا لَنَفْعَلُ قَالَ لَا إِلَّا بِأَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ الحافظ إسناده حسن ورواه بن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ وَزَعَمَ أَنَّ الطَّرِيقَتَيْنِ مَحْفُوظَتَانِ وَخَالَفَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ إِنَّ طَرِيقَ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَذَهَبَتْ مَظِنَّةُ تَدْلِيسِهِ وَتَابَعَهُ مَنْ تَقَدَّمَ كَذَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ [٨٢٤] (عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَنْهُ مَكْحُولٌ وَثَّقَهُ بن حِبَّانَ (أَبْطَأَ عُبَادَةُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) أَيْ تَأَخَّرَ عَنْهَا (فَأَقَامَ أَبُو نُعَيْمٍ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ) زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَكَانَ أَبُو نُعَيْمٍ أَوَّلَ مَنْ أَذَّنَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ (فَالْتَبَسَتْ) أَيِ اخْتَلَطَتْ (وأنا أقول) أي في نفسي (مالي يُنَازِعُنِي) أَيْ يُعَالِجُنِي وَلَا يَتَيَسَّرُ (الْقُرْآنُ) بِالرَّفْعِ أَيْ لَا يَتَأَتَّى لِي

стр. 748

فَكَأَنِّي أُجَاذِبُهُ فَيَعْصَى وَيَثْقُلُ عَلَيَّ قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَبِالنَّصْبِ أَيْ يُنَازِعُنِي مَنْ وَرَائِي فِيهِ بِقِرَاءَتِهِمْ عَلَى التَّغَالُبِ يَعْنِي تُشَوِّشَ قِرَاءَتِهِمْ عَلَى قِرَاءَتِي وَيُؤَيِّدُ مَا فِي نُسْخَةِ يُنَازِعُنِي بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى حَذْفِ الْوَاوِ وَنَصْبِ الْقُرْآنِ لَكِنْ فِي صِحَّتِهَا نَظَرٌ إِذْ لَا يَجُوزُ التَّأْكِيدُ إِلَّا فِي الِاسْتِقْبَالِ بِشَرْطِ الطَّلَبِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (فَلَا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) أَيْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا فَاتِحَتُهُ كَمَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَالْحَدِيثُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ قُلْتُ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ كُلُّهُمْ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَلْفَ الْإِمَامِ جَهَرَ أَوْ أَسَرَّ [٨٢٥] (قالوا) أي بن جَابِرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدُ اللَّهِ بن العلاء (فكان مكحول يقرأ) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُرْسَلًا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مَا أَعْلَمُ بِالشَّامِ أَفْقَهَ مِنْهُ (يَقْرَأُ في المغرب إلخ) لقوله فَلَا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ (قَالَ مَكْحُولٌ اقْرَأْ) أَمْرٌ لِلْمُخَاطَبِ (إِذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَكَتَ) أَيِ اقْرَأْ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ الَّتِي بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ لِلْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ (سِرًّا) أَيِ اقْرَأْ سِرًّا (فَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ) أَيِ الْإِمَامُ (اقْرَأْ بِهَا قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ لَا تَتْرُكْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ) لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُنْقَطِعٌ مَكْحُولٌ لَمْ يُدْرِكْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَائِدَةٌ قَدِ اخْتَلَفَتِ الشَّافِعِيَّةُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ هَلْ تَكُونُ عِنْدَ سَكَتَاتِ الْإِمَامِ أَوْ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا تُقْرَأُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَفِعْلُهَا حَالَ سُكُوتِ الْإِمَامِ إِنْ أَمْكَنَ أَحْوَطُ لِأَنَّهُ يَكُونُ فَاعِلَ ذَلِكَ أَخْذًا بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا اعْتِيَادُ قِرَاءَتِهَا حَالَ قِرَاءَتِهِ لِلسُّورَةِ فَقَطْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بَلِ الْكُلُّ جَائِزٌ وَسُنَّةٌ نَعَمْ حَالُ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِلْفَاتِحَةِ مُنَاسِبٌ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى تَأْخِيرِ الِاسْتِعَاذَةِ عَنْ مَحَلِّهَا الَّذِي هُوَ بَعْدَ التَّوَجُّهِ أَوْ تَكْرِيرِهَا عِنْدَ إِرَادَةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ إِنْ فَعَلَهَا فِي مَحَلِّهَا أَوَّلًا وَأَخَّرَ الْفَاتِحَةَ إِلَى حَالِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِلسُّورَةِ وَمِنْ جِهَةِ

стр. 749

الِاكْتِفَاءِ بِالتَّأْمِينِ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ فَرَاغِهِ وَفَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ إِنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ فِي التَّمَامِ بِخِلَافِ مَنْ أَخَّرَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ إِلَى حَالِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِلسُّورَةِ كَذَا فِي النيل ٢ - (بَاب مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ إِذَا لَمْ يَجْهَرْ) [٨٢٦] (انْصَرَفَ) أَيْ فَرَغَ (آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ قَصْرُهُ يَعْنِي الْآنَ وَأَرَادَ بِهِ قَرِيبًا (إِنِّي أَقُولُ مالي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ) بِفَتْحِ الزَّاي وَنَصْبِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ فِيهِ كَذَا فِي الْأَزْهَارِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الزَّاي وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لِابْنِ الْمَلِكِ قِيلَ عَلَى صِيَغةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُدَاخَلُ فِي الْقِرَاءَةِ وَأُشَارَكُ فِيهَا وَأُغَالَبُ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أُدَاخَلُ فِي الْقِرَاءَةِ وَأُغَالَبُ عَلَيْهَا وَقَدْ تَكُونُ الْمُنَازَعَةُ بِمَعْنَى الْمُشَارَكَةِ وَالْمُدَاوَلَةِ وَمِنْهُ مُنَازَعَةُ الْكَأْسِ فِي الْمُدَامِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ أُجَاذَبُ فِي قِرَاءَتِهِ كَأَنَّهُمْ جَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ فَشَغَلُوهُ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ وَمِنْهُ نَزْعُ الْمَيِّتِ بِرُوحِهِ (فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ إلخ) زاد البخاري في جزء القراءة وقرأوا فِي أَنْفُسِهِمْ سِرًّا فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الإمام ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ أَعَلَّ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيث بِابْنِ أُكَيْمَةَ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ وَهُوَ مَجْهُول وَلَمْ يَكُنْ عِنْد الزُّهْرِيِّ مِنْ مَعْرِفَته أَكْثَر مِنْ أَنْ رَآهُ يُحَدِّث سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَاخْتَلَفُوا فِي اِسْمه فَقِيلَ عُمَارَةُ وَقِيلَ عَمَّارُ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْله فَانْتَهَى النَّاس عَنْ الْقِرَاءَةِ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ صَاحِب الزَّهْرِيَّات وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ حِين مَيَّزَهُ مِنْ الْحَدِيث وجعله مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ قَالَ وَكَيْف يَكُون ذَلِكَ مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَأْمُر بِالْقِرَاءَةِ خَلْف الْإِمَام فِيمَا جَهَرَ فِيهِ وَفِيمَا خَافَتْ وقال غيره هذا التعليل ضعيف فإن بن أُكَيْمَةَ مِنْ التَّابِعِينَ وَقَدْ حَدَّثَ بِهَذَا

стр. 750

وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فَانْتَهَى النَّاسُ إِلَخْ لَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ بَلْ هُوَ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ بَيَّنَهُ الْخَطِيبُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو دَاوُدَ وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ وَالذُّهْلِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمْ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَقَوْلُهُ فَانْتَهَى النَّاسُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ بَيَّنَهُ لِي الْحَسَنُ بْنُ صَبَاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَاتَّعَظَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَلَمْ يكونوا يقرأون فِيمَا جَهَرَ وَقَالَ مَالِكٌ قَالَ رَبِيعَةُ لِلزُّهْرِيِّ إِذَا حَدَّثْتَ فَبَيِّنْ كَلَامَكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَوْلُهُ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ صَاحِبُ الزُّهْرِيَّاتِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ حِينَ مَيَّزَهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ وَفِيمَا خَافَتَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ الإمام في ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْحَدِيث وَلَمْ يُنْكِرهُ عَلَيْهِ أَعْلَم النَّاس بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَلَا يُعْلَم أَحَد قَدَحَ فِيهِ وَلَا جَرَحَهُ بِمَا يُوجِب تَرْك حَدِيثه وَمِثْل هَذَا أَقَلّ دَرَجَات حَدِيثه أَنْ يَكُون حَسَنًا كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَوْله فَانْتَهَى النَّاس وَإِنْ كَانَ الزُّهْرِيُّ قَالَهُ فَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ وأي نتاف بَيْن الْأَمْرَيْنِ بَلْ كِلَاهُمَا صَوَاب قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ كَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ وَقَالَهُ مَعْمَرٌ أَيْضًا كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ فَلَوْ كَانَ قَوْل الزُّهْرِيِّ لَهُ عِلَّة فِي قَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ لَكَانَ قَوْل مَعْمَرٍ لَهُ عِلَّة فِي قَوْل الزُّهْرِيِّ وَأَنْ نَجْعَل ذَلِكَ كَلَام مَعْمَرٍ وَقَوْله كَيْف يَصِحّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَأْمُر بِالْقِرَاءَةِ خَلْف الْإِمَام فَالْمَحْفُوظ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ اِقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسك وَهَذَا مُطْلَق لَيْسَ فِيهِ بَيَان فِيهِ أَنْ يَقْرَأ بِهَا حَال الْجَهْر وَلَعَلَّهُ قَالَ لَهُ يَقْرَأ بِهَا فِي السِّرّ وَالسَّكَتَات وَلَوْ كَانَ عَامًّا فَهَذَا رَأْي لَهُ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة وَالْأَخْذ بِرِوَايَتِهِ أَوْلَى وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث زَيْدِ بْنِ وَافِدٍ عَنْ حَرَامِ بْن حَكِيمٍ وَمَكْحُولٌ عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآن وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَر بِالْقِرَاءَةِ فَقُلْت رَأَيْتُك صَنَعْت فِي صَلَاتك شَيْئًا قَالَ وَمَا ذَاكَ قُلْت سَمِعَتْك تَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآن وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَر بِالْقِرَاءَةِ قَالَ نَعَمْ صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه ﷺ بَعْض الصَّلَوَات الَّتِي يَجْهَر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ هَلْ مِنْكُمْ مِنْ أَحَد يَقْرَأ شَيْئًا مِنْ القرآن إذا جهرت بالقراءة قلنا نعم يارسول الله فقال رسول الله ﷺ وَأَنَا أَقُول مَالِي أُنَازَع الْقُرْآن لَا يَقْرَأَنَّ أَحَد مِنْكُمْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآن إِذَا جَهَرْت بالقراءة إلا بأم القرآن قال الدراقطني إِسْنَاده حَسَن وَرِجَاله ثِقَات قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَزَيْدُ بْنُ وَافِدٍ ثِقَة وَمَكْحُولٌ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ وَمِنْ اِبْنِهِ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ وَنَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ وَأَبُوهُ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ سَمِعَا مِنْ

стр. 751

الْجَهْرِيَّةِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي قِرَاءَةِ الْمُؤْتَمِّ خَلْفَ الْإِمَامِ سِرًّا وَالْمُنَازَعَةُ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ جَهْرِ الْمُؤْتَمِّ لَا مَعَ إِسْرَارِهِ وَأَيْضًا لَوْ سُلِّمَ دُخُولُ ذَلِكَ فِي الْمُنَازَعَةِ لَكَانَ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي لِلْإِنْكَارِ عَامًّا لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ أَوْ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِهِ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ خَاصًّا وَمُقَيَّدًا وَبِنَاءُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَاجِبٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ كَذَا فِي النَّيْلِ قُلْتُ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ جُمْلَةَ فَانْتَهَى النَّاسُ إِلَخْ لَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَنْكَرَ الْأَئِمَّةُ عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ لأن بن أكيمة مجهول كذا قال علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ قَالَ مَيْرَكُ نقلا عن بن الْمُلَقَّنِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ والأربعة وقال الترمذي حسن وصححه بن حِبَّانَ وَضَعَّفَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ انْتَهَى وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ صَحِيحٍ قُلْتُ لَكِنِ الْأَكْثَرِينَ عَلَى ضَعْفِهِ وَلَوْ سَلِمَ صِحَّتُهُ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القران ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سُفْيَانَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لعلكم تقرأون وَالْإِمَام يَقْرَأ قَالُوا إِنَّا لَنَفْعَل قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا أَنْ يَقْرَأ أَحَدكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ سُفْيَانَ قَالَ وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَأَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ كُلّهمْ ثِقَة فَتَرْك ذِكْر أَسْمَائِهِمْ فِي الْإِسْنَاد لَا يَضُرّ إِذَا لَمْ يُعَارِضهُ مَا هُوَ أَصَحّ مِنْهُ وَلَكِنْ لِهَذَا الْحَدِيث عِلَّة وَهِيَ أَنَّ أَيُّوبَ خَالَفَ فِيهِ خَالِدًا وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ مُرْسَلًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَارِيخ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُؤَمِّلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَأَمَّا حَدِيث جَابِرٍ يَرْفَعهُ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَام فَقِرَاءَة الْإِمَام لَهُ فَقِرَاءَة فَلَهُ عِلَّتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيَّ وبن عُيَيْنَةَ وَأَبَا عَوَانَةَ وَجَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ رَوَوْهُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا وَالْعِلَّة الثَّانِيَة أَنَّهُ لَا يَصِحّ رَفْعه وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف وَقْفه قَالَ الْحَاكِم سَمِعْت سَلَمَة بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُول سَأَلْت أَبَا مُوسَى الرَّازِيَّ الْحَافِظَ عَنْ الْحَدِيث الْمَرْوِيّ عن النبي ﷺ من كَانَ لَهُ إِمَام فَقِرَاءَة الْإِمَام لَهُ قِرَاءَة فَقَالَ لَمْ يَصِحّ فِيهِ عَنْ النَّبِيّ ﷺ شَيْء إِنَّمَا اِعْتَمَدَ مَشَايِخنَا فيه على الروايات عن علي وبن مَسْعُودٍ وَالصَّحَابَة قَالَ الْحَاكِمُ أَعْجَبَنِي هَذَا لَمَّا سَمِعْته فَإِنَّ أَبَا مُوسَى أَحْفَظ مَنْ رَأَيْنَا مِنْ أَصْحَاب الرَّأْي تَحْت أَدِيمِ السَّمَاءِ وَقَدْ رفعه جابر الجعفي وليث بن أبي سلم عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَتَابَعَهُمَا مَنْ هُوَ أَضْعَف مِنْهُمَا أَوْ مِثْلهمَا

стр. 752

فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ فَقَالَ لَهُ حَامِلُ الْحَدِيثِ إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ قَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ وَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُنَادِيَ أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ انتهى قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن وبن أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيُّ اسْمُهُ عُمَارَةُ وَيُقَالُ عَمْرُو بْنُ أُكَيْمَةَ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ اسْمَهُ عَامِرٌ وَقِيلَ عَمَّارٌ وَيُقَالُ يَزِيدُ وَقِيلَ عَبَّادُ وَأَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو الْوَلِيدِ (عَلَى مَعْنَى مَالِكٍ) أَيْ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِهِ لَا عَلَى لَفْظِهِ [٨٢٧] (عَنِ الزُّهْرِيِّ) مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ (قَالَ) أَيِ الزُّهْرِيُّ (سَمِعْتُ بن أُكَيْمَةَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ مُصَغَّرُ أَكَمَةَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَحِيحُ الْحَدِيثِ وَفِي التَّقْرِيبِ وَشَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى الْمُوَطَّإِ ثِقَةٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ في المعرفة هذا حديث تفرد به بن أُكَيْمَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ رَآهُ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ فَقِيلَ عُمَارَةُ وَقِيلَ عَمَّارٌ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ انْتَهَى (يُحَدِّثُ) أي بن أُكَيْمَةَ (سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ) مَفْعُولُ يُحَدِّثُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ يَقُولُ الزُّهْرِيُّ إِنِّي سَمِعْتُ بن أكيمة حال كون بن أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ بِهَذَا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ (قَالَ) بن أُكَيْمَةَ (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) وَفِي الْمُوَطَّأِ مَالِكٌ عن بن شهاب عن بن أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الحديث المتقدم (قال أبو داود قَالَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ قَالَ مَعْمَرٌ إِلَخْ) حَاصِلُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ مَعْمَرًا قَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَمَعْمَرٌ تَارَةً قَوْلُهُ فَانْتَهَى إِلَخْ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ كَسُفْيَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ فَيَجْعَلَانِهِ مِنْ كلام الزهري

стр. 753

[٨٢٨] (عن زرارة) بضم الزاي المعجمة هو بن أَوْفَى الْحَرَشِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ أَبُو حَاجِبٍ الْبَصْرِيُّ قَاضِيهَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْهُ قَتَادَةُ وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَأَيُّوبُ وَعَوْفُ بْنُ أبي جميلة وثقه النسائي وبن سَعْدٍ (فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَرَأَ) أَيْ جَهْرًا (قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا) أَيْ نَازَعَنِيهَا وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ فِي جَهْرِهِ أَوْ رَفْعِ صَوْتِهِ بِحَيْثُ أَسْمَعَ غَيْرَهُ لَا عَنْ أصل القراءة بل فيه أنهم كانوا يقرؤون بِالسُّورَةِ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الظُّهْرِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَنَا وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ السُّورَةَ في السِّرِّيَّةِ كما لا يقرأها فِي الْجَهْرِيَّةِ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ فِي الْجَهْرِيَّةِ يُؤْمَرُ بِالْإِنْصَاتِ وَهُنَا لَا يَسْمَعُ فَلَا مَعْنَى لِسُكُوتِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِمَاعٍ وَلَوْ كَانَ بَعِيدًا عَنِ الْإِمَامِ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْرَأُ السُّورَةَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْمَنْعُ مِنْ قِرَاءَةٍ مَا عَدَا الْفَاتِحَةَ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَسْمَعَ الْمُؤْتَمُّ الْإِمَامَ أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ فلا تقرأوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ مُجَرَّدِ وُقُوعِ الْجَهْرِ مِنَ الْإِمَامِ وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مَا يُشْعِرُ بِاعْتِبَارِ السَّمَاعِ كَذَا فِي النَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ (قَالَ شُعْبَةُ فقلت لقتادة أليس

стр. 754

قول سعيد) بن الْمُسَيَّبِ (أَنْصِتْ لِلْقُرْآنِ) وَلَا تَقْرَأْ حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فَالْإِنْصَاتُ لِلْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَشْتَمِلُ لِلصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَالسِّرِّيَّةِ وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ أَنَّ الرَّجُلَ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فَفِي الظَّاهِرِ قَوْلُ سَعِيدٍ يُخَالِفُ حَدِيثَ عِمْرَانَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ شُعْبَةَ (قَالَ) قَتَادَةُ مُجِيبًا لِقَوْلِ شُعْبَةَ (ذَاكَ) أَيْ قَوْلُ سَعِيدٍ أَنْصِتْ لِلْقُرْآنِ (إِذَا جَهَرَ) الْإِمَامُ (بِهِ) أَيْ بِالْقُرْآنِ أَيْ مُرَادُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِهَذَا الْقَوْلِ الْإِنْصَاتُ لِلْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَقْتَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ دُونَ فِيمَا يُخَافِتُ (وقال بن كَثِيرٍ فِي حَدِيثِهِ قَالَ) شُعْبَةُ (قُلْتُ لِقَتَادَةَ كَأَنَّهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (كَرِهَهُ) أَيْ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ خَلْفَهُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (قَالَ) قَتَادَةُ (لَوْ كَرِهَهُ) أَيْ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ (نَهَى) النَّبِيُّ ﷺ (عَنْهُ) عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَيِ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَنْهَ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَفِي سُؤَالِ شُعْبَةَ وَجَوَابِ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ تَكْذِيبُ مَنْ قَلَبَ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَتَى فِيهِ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ انْتَهَى [٨٢٩] (فَلَمَّا انْفَتَلَ) أَيْ فَرَغَ وَانْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ (فَقَالَ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ أَيْ جَاذَبَنِيهَا وَالْخَلْجُ الْجَذْبُ وَهَذَا وَقَوْلُهُ نَازَعَنِيهَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُجَاذَبَتَهُ إِيَّاهُ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ حِينَ تَدَاخَلَتِ الْقِرَاءَتَانِ وَتَجَاذَبَتَا فَأَمَّا قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي السَّكْتَةِ فَعَلَ وَإِلَّا قَرَأَ مَعَهُ لَا مَحَالَةَ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ آخرين أنهم كانوا لا يقرؤون وَافْتَرَقَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلٍ فَكَانَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُونَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ وَفِيمَا لَمْ يَجْهَرْ بِهِ مِنَ الصلاة وقال الزهري ومالك وبن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَقْرَأُ فِيمَا أَسَرَّ الْإِمَامُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَقْرَأُ فِيمَا جَهَرَ بِهِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ جَهَرَ أَوْ أَسَرَّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ انتهى

стр. 755

قُلْتُ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ هَذَا خَبَرٌ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ لِإِرْسَالِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ قَالَ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَإِسْرَائِيلُ وَشَرِيكٌ وَأَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ وَأَبُو الْأَحْوَصِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَحُرَيْثُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن شداد مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ إِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْحُفَّاظِ وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ وَعَلَّلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنِ الْمُؤْتَمِّ فِي الْجَهْرِيَّةِ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ الْمُتَقَدِّمُ خَاصٌّ فَلَا مُعَارَضَةَ كَذَا فِي النَّيْلِ ٣ - (بَاب مَا يُجْزِئُ الْأُمِّيَّ وَالْأَعْجَمِيَّ مِنْ الْقِرَاءَةِ) [٨٣٠] (وَفِينَا) أَيْ مَعْشَرُ الْقُرَّاءِ (الْأَعْرَابِيُّ) أَيِ الْبَدْوِيُّ (وَالْعَجَمِيُّ) أَيْ غَيْرُ الْعَرَبِي مِنَ الْفَارِسِيِّ وَالرُّومِيِّ وَالْحَبَشِيِّ كَسَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ فِينَا يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّهُمْ مُنْحَصِرُونَ فِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ وَثَانِيهُمَا أَنَّ فِينَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِيمَا بَيْننَا تَانِكَ الطَّائِفَتَانِ وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ ﵊ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ وَالْعَرَبِيِّ بِمِثْلِ مَا فِي خُطْبَتِهِ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيٍّ حَيْثُ جَعَلَ الْمُهَاجِرَ ضِدَّ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَعْرَابُ سَاكِنُو الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَارِ وَلَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ وَالْعَرَبُ اسْمٌ لِهَذَا الصِّنْفِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّاسِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ سَوَاءٌ أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ أَوِ الْمُدُنِ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ أَعَمُّ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ أَخَصُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حدود ما أنزل الله على رسوله (فقال اقرؤوا) أَيْ كُلُّكُمْ (فَكُلٌّ

стр. 756

حَسَنٌ) أَيْ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ قِرَاءَتِكُمْ حَسَنَةٌ مرجوة للثوب إِذَا آثَرْتُمُ الْآجِلَةَ عَلَى الْعَاجِلَةِ وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُقِيمُوا أَلْسِنَتَكُمْ إِقَامَةَ الْقِدْحِ وَهُوَ السَّهْمُ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ (وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ) أَيْ يُصْلِحُونَ أَلْفَاظَهُ وَكَلِمَاتِهِ وَيَتَكَلَّفُونَ فِي مُرَاعَاةِ مَخَارِجِهِ وَصِفَاتِهِ (كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ) أَيْ يُبَالِغُونَ فِي عَمَلِ الْقِرَاءَةِ كَمَالَ الْمُبَالَغَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالشُّهْرَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَفِي الْحَدِيثِ رَفْعُ الْحَرَجِ وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ فِي الظَّاهِرِ وَتَحَرِّي الْحِسْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْغَوْصِ فِي عَجَائِبِ أَمْرِهِ (يَتَعَجَّلُونَهُ) أَيْ ثَوَابَهُ فِي الدُّنْيَا (وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ) بِطَلَبِ الْأَجْرِ فِي الْعُقْبَى بَلْ يُؤْثِرُونَ الْعَاجِلَةَ عَلَى الْآجِلَةِ وَيَتَأَكَّلُونَ وَلَا يَتَوَكَّلُونَ [٨٣١] (عَنْ وَفَاءٍ) بفاء ممدودة بن شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ الْمِصْرِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (وَنَحْنُ نَقْتَرِئُ) أَيْ نَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ مِنَ الْقِرَاءَةِ (وَفِيكُمُ الْأَحْمَرُ وَفِيكُمُ الْأَبْيَضُ وَفِيكُمُ الْأَسْوَدُ) مَعْنَاهُ فِيكُمُ الْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ كَمَا في الحديث المتقدم (اقرأوه قبل أن يقرأه أقوام) أي اقرؤوا القران كما تقرؤون فَقِرَاءَتُكُمْ حَسَنَةٌ وَيَأْتِي بَعْدَكُمْ قَوْمٌ (يُقِيمُونَهُ كَمَا يَقُوَّمُ السَّهْمُ يُتَعَجَّلُ أَجْرُهُ) أَيْ فِي الدُّنْيَا (وَلَا يُتَأَجَّلُهُ) أَيْ فِي الْعُقْبَى [٨٣٢] (عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ) اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَالْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَقَالَ النسائي ليس به بأس وقال بن عَدِيٍّ فِي حَدِيثِهِ لِينٌ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ مَوْلَى صُخَيْرٍ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ مِنَ الْخَامِسَةِ وَالسَّكْسَكِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ السِّينِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ الثَّانِيَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى سَكْسَكَ هِيَ قَبِيلَةٌ بِالْيَمَنِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا (لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ من القرآن شيئا) وفي رواية بن مَاجَهْ بِلَفْظِ إِنِّي لَا أُحْسِنُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا (فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي

стр. 757

مِنْهُ) قَالَ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ لَا تَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ لِأَنَّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَا مَحَالَةَ يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ بَلْ تَأْوِيلُهُ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ لَزِمَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ (هَذَا لِلَّهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلِمَاتِ ذُكِرَ لِلَّهِ مُخْتَصٌّ له أذكره به (فمالي) أَيْ عَلِّمْنِي شَيْئًا يَكُونُ لِي فِيهِ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ وَأَذْكُرُهُ لِي عِنْدَ رَبِّي (اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي) أَيْ بِتَرْكِ الْمَعَاصِي أَبَدًا أَوْ بِغُفْرَانِهَا (وَارْزُقْنِي) أَيْ رِزْقًا حَلَالًا طَيِّبًا كَافِيًا مُغْنِيًا عَنِ الْأَنَامِ أَوِ التَّوْفِيقَ وَالْقَبُولَ وَحُسْنَ الِاخْتِتَامِ (وَعَافِنِي) مِنْ آفَاتِ الدَّارَيْنِ (وَاهْدِنِي) أَيْ ثَبِّتْنِي عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ دُلَّنِي عَلَى مُتَابَعَةِ الْأَحْكَامِ (قَالَ) أَيْ فِعْلُ الرَّجُلِ (هَكَذَا) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ أَشَارَ إِشَارَةً مِثْلَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ الْمَحْسُوسَةِ (بِيَدِهِ) تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ وَفِي الْمِشْكَاةِ بِيَدَيْهِ وَقَبَضَهُمَا قال القارىء وَفِي نُسْخَةٍ فَقَبَضَهُمَا فَقِيلَ أَيْ عَدَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِأَنَامِلِهِ وَقَبَضَ كُلَّ أُنْمُلَةٍ بِعَدَدِ كُلِّ كلمة قال بن حَجَرٍ ثُمَّ بَيَّنَ الرَّاوِي الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ بِهِمَا فَقَالَ وَقَبَضَهُمَا أَيْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يَحْفَظُ مَا أَمَرَهُ بِهِ كَمَا يُحْفَظُ الشَّيْءُ النَّفِيسُ بِقَبْضِ الْيَدِ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُشِيرَ هُوَ الْمَأْمُورُ أَيْ حَفِظْتُ مَا قُلْتَ لِي وَقَبَضْتُ عَلَيْهِ فَلَا أُضَيِّعُهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّاوِي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ) قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ كِنَايَةٌ عَنْ أَخْذِهِ مَجَامِعَ الْخَيْرِ بِامْتِثَالِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُشِيرُ هُوَ ﵇ حَمْلًا لَهُ عَلَى الِامْتِثَالِ وَالْحِفْظِ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الِامْتِثَالَ فَبَشَّرَهُ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ ظَفِرَ بِمَا لَمْ يَظْفَرْ بِهِ غَيْرُهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الخطابي الأصل أن بالصلاة لا تجزىء إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَعْقُولٌ أَنَّ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَنْ أَحْسَنَهَا دُونَ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا فَإِذَا كَانَ الْمُصَلِّي لَا يُحْسِنُهَا وَيُحْسِنُ غَيْرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ مِنْهَا قَدْرَ سَبْعِ آيَاتٍ لِأَنَّ أَوْلَى الذِّكْرِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَا كَانَ مِثْلًا لَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لِعَجْزٍ فِي طَبْعِهِ أَوْ سُوءِ حِفْظٍ أَوْ عُجْمَةِ لِسَانٍ أَوْ آفَةٍ تَعْرِضُ لَهُ كَانَ أَوْلَى الذِّكْرِ بَعْدَ الْقُرْآنِ مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّسْبِيحِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْحَدِيث

стр. 758

وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ بَعْدَ كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ السَّكْسَكِيُّ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيُّ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ كَانَ شُعْبَةُ يُضَعِّفُ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيَّ وَذَكَرَ بن عَدِيٍّ أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ وَقَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِإِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ [٨٣٣] (نَدْعُو قِيَامًا وَقُعُودًا) حَالٌ أَيْ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (وَنُسَبِّحُ رُكُوعًا وَسُجُودًا) أَيْ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الدُّعَاءَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فِيهِ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ وَأَيْضًا هُوَ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْهُ وَبِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ ﷺ لَا صَلَاةَ عَامٌّ يَشْمَلُ التَّطَوُّعَ وَالْفَرِيضَةَ [٨٣٤] (إِمَامًا أَوْ خَلْفَ إِمَامٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا (قَدْرَ قَافٍ وَالذَّارِيَاتِ) أَيْ قَدْرَ سُورَةِ قَافٍ وَسُورَةِ الذَّارِيَاتِ هَذَا فِعْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵁ وَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ ٤ - (بَاب تَمَامِ التَّكْبِيرِ) أَيْ إِتْمَامُ عَدَدِ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ فَفِي كُلِّ صَلَاةٍ ثُنَائِيَّةٍ إِحْدَى عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً وَهِيَ تَكْبِيرَةُ

стр. 759

الْإِحْرَامِ وَخَمْسٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَفِي الثُّلَاثِيَّةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَخَمْسٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وفي الرباعية اثنتان وَعِشْرُونَ فَفِي الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ تَكْبِيرَةً وَاعْلَمْ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الْإِحْرَامِ وَاجِبَةٌ وَمَا عَدَاهَا سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ وَمُوَافَقَةُ السُّنَّةِ هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّ جَمِيعَ التَّكْبِيرَاتِ وَاجِبَةٌ [٨٣٥] (إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ كَبَّرَ) وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ (وَإِذَا نَهَضَ) أَيْ قَامَ (وَقَالَ لَقَدْ صَلَّى هَذَا قَبْلُ أَوْ قَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (قَبْلُ صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَيْ مِثْلَ صَلَاتِهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ قَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَقَالَ ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ ذَكَّرَنَا بِتَشْدِيدِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ كَانَ قَدْ تُرِكَ وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ ذَكَّرَنَا عَلِيٌّ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إما نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ قُلْنَا يَعْنِي لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَا أَبَا نُجَيْدٍ هُوَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ مُصَغَّرٌ مَنْ أَوَّلُ مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ حِينَ كَبِرَ وَضَعُفَ صَوْتُهُ وَهَذَا يَحْتَمِلُ إِرَادَةَ تَرْكِ الْجَهْرِ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ مُعَاوِيَةُ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَهُ زِيَادٌ وَهَذَا لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ زِيَادًا تَرَكَهُ بِتَرْكِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ تَرَكَهُ بِتَرْكِ عُثْمَانَ وَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْإِخْفَاءِ وَيُرَشِّحُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي بَابِ يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ لَكِنْ حَكَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَتْرُكُونَ التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ دُونَ الرَّفْعِ قَالَ وَكَذَلِكَ كَانَتْ بَنُو أمية تفعل وروى بن المنذر نحوه عن بن عُمَرَ وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ سِوَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ شُرِعَ لِلْإِيذَانِ بِحَرَكَةِ الْإِمَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُنْفَرِدُ لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لِكُلِّ مُصَلٍّ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ

стр. 760

[٨٣٦] (يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ) فِيهِ التَّكْبِيرُ قَائِمًا وَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ فِي حَقِّ الْقَادِرِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُقَارَنَةِ التَّكْبِيرِ لِلْحَرَكَةِ وَبَسْطِهِ عَلَيْهَا فَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَشْرَعُ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى الرُّكُوعِ وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِ انْتَهَى وَدَلَالَةُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى الْبَسْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ قَالَهُ الْحَافِظُ (ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أَيْ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ (ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) أَيْ وَهُوَ قَائِمٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ أَنَّ التَّسْمِيعَ ذِكْرُ النُّهُوضِ وَأَنَّ التَّحْمِيدَ ذِكْرُ الِاعْتِدَالِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا خِلَافًا لِمَالِكٍ لِأَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَوْصُوفَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِ الْإِمَامَةِ لِكَوْنِ ذَلِكَ هو الأكثر الأغلب من أجواله (حِينَ يَهْوِي) بِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ يَهْبِطُ وَيَنْزِلُ إِلَى السُّجُودِ فِيهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرُ الْهَوِيِّ فَيَبْتَدِئُ بِهِ مِنْ حِينِ يَشْرَعُ فِي الْهَوِيِّ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ إِلَى حِينِ يَتَمَكَّنُ سَاجِدًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أَيْ مِنَ السُّجُودِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ) أَيْ حِينَ يُرِيدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أَيْ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي اثْنَتَيْنِ) فِيهِ أَنْ يَشْرَعَ فِي التَّكْبِيرِ مِنْ حِينِ ابْتِدَاءِ الْقِيَامِ إِلَى الثَّالِثَةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثَّنِيَّتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ أَيْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (ثُمَّ يَقُولُ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ (حِينَ يَنْصَرِفُ) أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ (إِنْ كَانَتْ) إِنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الْمُثْقَلَةِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحْدَهُ (هَذَا الْكَلَامُ) يَعْنِي إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا (وَالزُّبَيْدِيُّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَامِرٍ الزُّبَيْدِيُّ بِالضَّمِّ أَبُو الْهُذَيْلِ الْقَاضِي الْحِمْصِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ عَنْ مَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَنَافِعٍ

стр. 761

وَخَلْقٍ وَعَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ومحمد بن حرب وخلق وثقه بن مَعِينٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) أَيْ مُرْسَلًا وَرِوَايَةُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ هَكَذَا أخبرني بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَكُلَّمَا رَفَعَ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتُهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ (وَوَافَقَ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ لِوَافَقَ وَعَبْدُ الْأَعْلَى فَاعِلُهُ واعلم أن الحديث عند بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَيْهِمَا لَكِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ عُقَيْلٌ عن بن شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا سَلَمَةَ وَقَالَ مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو سَلَمَةَ فَذَكَرَ كِلَيْهِمَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ لِذُكُورٍ آنِفًا وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ فَوَافَقَ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ شُعَيْبًا عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي ذِكْرِ شَيْخَيْهِ وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَافَقَ عَبْدُ الأعلى الخ والله تعالى أعلم ٥ - (بَاب كَيْفَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ) [٨٣٨] (إِذَا سَجَدَ) أَيْ أَرَادَ السُّجُودَ (وَإِذَا نَهَضَ) أَيْ أَرَادَ النُّهُوضَ وَهُوَ الْقِيَامُ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ

стр. 762

الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ شَرِيكٍ وَذَكَرَ أَنَّ هَمَّامًا رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ مُرْسَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَمْ يَقُلْ هَذَا عَنْ شَرِيكٍ غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ عَنْ شَرِيكٍ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ غَيْرُ شَرِيكٍ وَشَرِيكٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيمَا يَتَفَرَّدُ بِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا حَدِيثٌ يُعَدُّ فِي أَفْرَادِ شَرِيكٍ الْقَاضِي وَإِنَّمَا تَابَعَهُ هَمَّامُ مُرْسَلًا هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا آخِرُ كلامه وشريك هذا هو بن عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْقَاضِي وَفِيهِ مَقَالٌ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَةِ كَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ وَرَفْعِهِمَا عِنْدَ النُّهُوضِ قَبْلَ رَفْعِ الرُّكْبَتَيْنِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطيب عن عامة الفقهاء وحكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالنَّخَعِيِّ وَمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْي قَالَ وَبِهِ أَقُولُ [٨٣٩] (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ عَلَى الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (فَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّلَاةِ) الْمَذْكُورَ (فَلَمَّا سَجَدَ وَقَعَتَا رُكْبَتَاهُ) الظَّاهِرُ وَقَعَتْ رُكْبَتَاهُ بِإِفْرَادِ الْفِعْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (قَبْلَ أَنْ يَقَعَا كَفَّاهُ) الظَّاهِرُ أَنْ يَقَعَ كَفَّاهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ قال المنذري عبد الجبار بن وائل لم يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ (قَالَ هَمَّامٌ) أَيْ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ (أَخْبَرَنَا شَقِيقٌ) هُوَ أَبُو لَيْثٍ رَوَى عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ وَيُقَالُ عَاصِمُ بْنُ شَتْمٍ وَعَنْهُ هَمَّامُ بْنُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد صححه بن خُزَيْمَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ بْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ جَمَاعَة وَمُسْلِمٌ أَخْرَجَ لَهُ مِنْ رِوَايَته عن أخيه عقمة عَنْ أَبِيهِ وَائِلٍ

стр. 763

يَحْيَى مَجْهُولٌ (بِمِثْلِ هَذَا) الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ (وَفِي حَدِيثِ أَحَدِهِمَا) أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ وَشَقِيقٍ (وَإِذَا نَهَضَ) أَيْ قَامَ (نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذِهِ) أَيِ اعْتَمَدَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ يَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى النُّهُوضِ قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ مُوَافِقَةٌ لِمَا قَبْلَهَا لِأَنَّهُ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ تَعَيَّنَ نُهُوضُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِذْ لَمْ يَبْقَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا انْتَهَى قُلْتُ قَدْ ثَبَتَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَرْضِ حِينَ النُّهُوضِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ مُنْقَطِعَةٌ وَأَمَّا طَرِيقُ هَمَّامٍ عَنْ شَقِيقٍ فَمُرْسَلَةٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَكُلَيْبُ بْنُ شِهَابٍ وَالِدُ عَاصِمٍ حَدِيثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ [٨٤٠] (إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ) نَهْيٌ وَقِيلَ نَفْيٌ (كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ) أَيْ لَا يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِبُرُوكِ الْبَعِيرِ مَعَ أنه يضع يديه قبل رجليه لِأَنَّ رُكْبَةَ الْإِنْسَانِ فِي الرِّجْلِ وَرُكْبَةَ الدَّوَابِّ فِي الْيَدِ وَإِذَا وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا فَقَدْ شَابَهَ الْإِبِلَ فِي الْبُرُوكِ (وَلْيَضَعْ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ (يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ كَيْفَ نَهَى عَنْ بُرُوكِ الْبَعِيرِ ثُمَّ أَمَرَ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْبَعِيرُ يَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلٌ الرِّجْلَيْنِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الرُّكْبَةَ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي الرِّجْلَيْنِ وَمِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الْيَدَيْنِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُ سُرَاقَةَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فِي حَدِيثِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ البخاري ومن ها هنا ظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الرُّكْبَةَ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الْيَدَيْنِ لَيْسَ كَلَامًا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ بن الْقَيِّمِ فِي زَادَ الْمَعَادِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 764

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا أَدْرِي مِنْ أَبِي الزِّنَادِ أَوْ لَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَى نَحْوَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَا فِي النَّيْلِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّةِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الأوزاعي ومالك وبن حَزْمٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَرَوَى الْحَازِمِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ قبل ركبهم قال بن أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَهَذَا الحديث أقوى من حديث وائل بن المذكور لأن له شاهدا من حديث بن عمر أخرجه بن خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مَوْقُوفًا كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وقال على شرط مسلم وقال الحافظ بن سَيِّدِ النَّاسِ أَحَادِيثُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ أَرْجَحُ وَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَاخِلًا فِي الْحَسَنِ عَلَى رَسْمِ التِّرْمِذِيِّ لِسَلَامَةِ رُوَاتِهِ منَ الْجَرْحِ فَإِنْ قِيلَ قَالَ الْخَطَابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ حَدِيثُ وَائِلٍ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَهُ أَيْضًا شَاهِدٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْحَطَّ بِالتَّكْبِيرِ حَتَى سَبَقَتْ رُكْبَتَاهُ يَدَيْهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَلَى شَرْطِهِمَا قِيلَ الْمَقَالُ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْمَقَالِ الَّذِي فِي حَدِيثِ وَائِلٍ قَالَهُ الْشَّوْكَانِيُّ وَأَمَّا شَاهِدُهُ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنْسٍ فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَدَّ بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعَطَّارُ وَهُوَ مَجْهُولٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَدَّ بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَفْصٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَتَسَاهُلُهُ مَشْهُورٌ فَإِنْ قِيلَ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ آخِرَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ وَأَنَّهُ كَانَ وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ قِيلَ كَلَّا إِذْ لَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ يُبْقَ اعْتِمَادٌ عَلَى رِوَايَةِ رَاوٍ مَعَ كَوْنِهَا صَحِيحَةً فإنَ قِيلَ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فَضْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَلَا يَبْرُكْ كبروق الْفَحْلِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى الِانْقِلَابِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُوَافِقُ حَدِيثَ وَائِلِ بن حجر قال بن أَبِي دَاوُدَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عدي حَدَّثَنَا بن فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ بَدَأَ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ قِيلَ فِي كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ

стр. 765

الْأَوْزَاعِيُّ وَأَظُنُّهُمَا ذَهَبَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وبن عمر منسوخان بما أخرج بن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مُصَعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمْرِنَا أَنْ نَضَعَ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ قِيلَ قَالَ الْحَازِمِيُّ في إسناده مقال ولو كان محفوضا لَدَلَّ عَلَى النَّسْخِ غَيْرَ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِيهِ حَدِيثُ نَسْخِ التَّطْبِيقِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَهُمَا ضَعِيفَانِ وَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا فِي تَرْجِيحِ حَدِيثِ وَائِلٍ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنَّهَا كُلَّهَا مَخْدُوشَةٌ [٨٤١] (يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الاستفهام انكاري (يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْجَمَلُ) بِأَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فَيَبْرُكُ بَرْكَ الْجَمَلِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ وَهَذَا أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّينَ وَأَحْسَنُ بِالشَّكْلِ وَرَأْيِ الْعَيْنِ وَقَالَ مَالِكٌ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَظُنُّهُمَا ذَهَبَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ وروى فيه خبرا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمِرْنَا بِالرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ انْتَهَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الكلام على ذلك ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ كَانَ يَضَع يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ قَالَ الْحَافِظ شَمْسُ الدين بن القيم قال بن الْمُنْذِرِ وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَصْحَابنَا أَنَّ وَضْع الْيَدَيْنِ قَبْل الرُّكْبَتَيْنِ مَنْسُوخ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ

стр. 766

وَاسِطَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ إِنَّهُ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ لَا يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَقَالَ أَبَو زَرْعَةَ هُوَ ضَعِيفٌ لَا يُوقَفُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بقوى وقال بن عَدِيٍّ عَامَّةٌ مَا يَرْوِي الضَّعْفُ عَلَيْهِ بَيِّنٌ فَهُمَا لِضَعْفِهِمَا لَيْسَتَا عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى الِانْقِلَابِ الْمَذْكُورِ فِي شَيْءٍ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ حَدِيثَ أبي هريرة وبن عمر منسوخان بما أخرج بن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مُصَعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمْرِنَا أَنْ نَضَعَ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ قِيلَ قَالَ الْحَازِمِيُّ في إسناده مقال ولو كان محفوضا لَدَلَّ عَلَى النَّسْخِ غَيْرَ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِيهِ حَدِيثُ نَسْخِ التَّطْبِيقِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَهُمَا ضَعِيفَانِ وَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا فِي تَرْجِيحِ حَدِيثِ وَائِلٍ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنَّهَا كُلَّهَا مَخْدُوشَةٌ (يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الاستفهام انكاري (يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْجَمَلُ) بِأَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فَيَبْرُكُ بَرْكَ الْجَمَلِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ وَهَذَا أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّينَ وَأَحْسَنُ بِالشَّكْلِ وَرَأْيِ الْعَيْنِ وَقَالَ مَالِكٌ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَظُنُّهُمَا ذَهَبَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ وروى فيه خبرا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمِرْنَا بِالرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ انْتَهَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا نَضَع الْيَدَيْنِ قَبْل الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمِرْنَا بِالرُّكْبَتَيْنِ قَبْل الْيَدَيْنِ تَمَّ كَلَامه وَهَذَا الْحَدِيث هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ صَلَّيْت إِلَى جَنْب أَبِي فَجَعَلْت يَدِي بَيْن رُكْبَتِي فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ فَعُدْت فَقَالَ لَا تَصْنَعْ هَذَا فَإِنَّا كُنَّا نَفْعَلهُ فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَع أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَب فَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عَنْ سَعْدٍ أَنَّ الْمَنْسُوخ هُوَ قِصَّة التَّطْبِيق وَوَضْع الْأَيْدِي عَلَى الرُّكَب وَلَعَلَّ بَعْض الرُّوَاة غَلِطَ فِيهِ مِنْ مَوْضِع الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ إلى وضع اليدين قبل الركبتين قال بن الْمُنْذِرِ وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي هَذَا الْبَاب فَمَنْ رَأَى أَنْ يَضَع رُكْبَتَيْهِ قَبْل يَدَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ومسلم بن يسار والثور وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَقَالَتْ طَائِفَة يَضَع يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَدْرَكْت النَّاس يَضَعُونَ أيديهم قبل ركبهم وروى عن بن عُمَرَ فِيهِ حَدِيث أَمَّا حَدِيث سَعْدٍ فَفِي إِسْنَاده مَقَال وَلَوْ كَانَ مَحْفُوظًا لَدَلَّ عَلَى النَّسْخِ غَيْر أَنَّ الْمَحْفُوظ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِيهِ حَدِيث بِنَسْخِ التَّطْبِيق وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ اِنْحَطَّ بِالتَّكْبِيرِ فَسَبَقَتْ رَكِبَتَاهُ يَدَيْهِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَدّه عَنْ أبي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ إِذَا سَجَدَ أَحَدكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْل يَدَيْهِ وَلَا يَبْرُكْ بُرُوك الْجَمَلِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيَّ ضَعِيف قُلْت قَالَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مَتْرُوك وَهَذَا الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ هُوَ خِلَاف حَدِيث الْأَعْرَج عنه وقد روى بن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا نَضَع الْيَدَيْنِ قَبْل الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمِرْنَا بِالرُّكْبَتَيْنِ قَبْل الْيَدَيْنِ وَهَذَا الْحَدِيث مَدَاره عَلَى يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَحَادِيثه مَنَاكِير قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْمَحْفُوظ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ نَسْخ التَّطْبِيق وَإِسْنَاد هَذِهِ الرِّوَايَة ضَعِيف وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَازِمِيُّ وَغَيْره وَالرَّاجِح الْبُدَاءَة بِالرُّكْبَتَيْنِ لِوُجُوهِ أَحَدهَا أَنَّ حَدِيث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ لَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِ وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا الثَّانِي أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَهَى عَنْ التَّشَبُّه بِالْجَمَلِ فِي بُرُوكه وَالْجَمَل إِذَا بَرَكَ إِنَّمَا يَبْدَأ بِيَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ وَهَذَا مُوَافِق لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ التَّشَبُّه بِالْحَيَوَانَاتِ فِي الصَّلَاة فَنَهَى عَنْ التَّشَبُّه بِالْغُرَابِ فِي النَّقْر وَالْتِفَات كَالْتِفَاتِ ثَعْلَب وَافْتِرَاش كَافْتِرَاشِ السَّبْع وَإِقْعَاء كَإِقْعَاءِ الْكَلْب وَرَفْع الْأَيْدِي فِي السَّلَام كَأَذْنَابِ الْخَيْل وَبُرُوك كَبُرُوكِ الْبَعِير الثَّالِث حَدِيث أَنَسٍ مِنْ رِوَايَة حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْهُ وَلَمْ يَخْتَلِف

стр. 767

٢٦ - (بَاب النُّهُوضِ فِي الْفَرْدِ) [٨٤٢] (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَخِفَّةِ اللَّامِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ (وَاللَّهِ إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ) اسْتَشْكَلَ نَفْيَ هَذِهِ الْإِرَادَةِ لِمَا يَزِيدُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُودِ صَلَاةٍ غَيْرِ قُرْبَةٍ وَمِثْلُهَا لَا يَصِحُّ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْي الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بَيَانَ السَّبَبِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ جَمَاعَةً وَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْبَاعِثُ لِي عَلَى هَذَا الْفِعْلِ حُضُورَ صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ أَدَاءٍ أَوْ إِعَادَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْبَاعِثُ لِي عَلَيْهِ قَصْدُ التَّعْلِيمِ وَكَأَنَّهُ كَانَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي (أُصَلِّي) وَرَأَى أَنَّ التَّعْلِيمَ بِالْفِعْلِ أَوْضَحُ مِنَ الْقَوْلِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَةِ (قَالَ) أَيْ أَيُّوبُ (قُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ كَيْفَ صَلَّى) أَيْ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ (قَالَ) أَيْ أَبُو قِلَابَةَ (يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ كُنْيَتُهُ أَبُو يَزِيدَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ صَبِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ (إِمَامُهُمْ) بَيَانٌ لِعَمْرٍو أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ (ذَكَرَ أَنَّهُ) أَيْ ذَكَرَ أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْآخِرَةِ) أَيْ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (قَعَدَ ثُمَّ قَامَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَامَ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَأَخَذَ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الرَّابِع أَنَّهُ ثَابِت عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَمَّا حَدِيث عَبْدِ اللَّهِ اِبْنِهِ فَالْمَرْفُوع مِنْهُ ضَعِيف وَأَمَّا الْمَوْقُوف فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْمَشْهُور عَنْهُ إِذَا سَجَدَ أَحَدكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ فَإِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا فَإِنَّ الْيَدَانِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُد الْوَجْه فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عَنْهُ

стр. 768

الْحَدِيثِ وَمِنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ بِهَا وَلَمْ يَسْتَحِبَّهَا الْأَكْثَرُ وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِخُلُوِّ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْهَا فَإِنَّهُ سَاقَهُ بِلَفْظِ فَقَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّكْ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا كَذَلِكَ قَالَ فَلَمَّا تَخَالَفَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ فَقَعَدَ لِأَجْلِهَا لَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ ثُمَّ قَوِيَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً لَشُرِعَ لَهَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلَّةِ وَبِأَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ هُوَ رَاوِي حَدِيثِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَحِكَايَاتُهُ لِصِفَاتِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَاخِلَةٌ تَحْتَ هَذَا الْأَمْرِ وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ الْمَذْكُورِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فَكَأَنَّهُ تَرَكَهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَتَمَسَّكَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِاسْتِحْبَابِهَا بِقَوْلِهِ ﷺ لَا تُبَادِرُونِي بِالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَإِنِّي قَدْ بَدَنْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا لِهَذَا السَّبَبِ فَلَا يُشْرَعُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنِ اتَّفَقَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا الذِّكْرُ الْمَخْصُوصُ فَإِنَّهَا جِلْسَةٌ خَفِيفَةٌ جِدًّا اسْتَغْنَى فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ الْمَشْرُوعِ لِلْقِيَامِ فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ النُّهُوضِ إِلَى الْقِيَامِ وَمَنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ السَّاجِدَ يَضَعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَرَأْسَهُ مُمَيِّزًا لِكُلِّ عُضْوٍ وُضِعَ فَكَذَا يَنْبَغِي إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ أَنْ يُمَيِّزَ رَفْعَ رُكْبَتَيْهِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَجْلِسَ ثُمَّ يَنْهَضَ قَائِمًا نَبَّهَ عَلَيْهِ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ وَلَمْ تَتَّفِقِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَلَى نَفْي هَذِهِ الْجِلْسَةِ كَمَا يَفْهَمُهُ صَنِيعٌ الطَّحَاوِيِّ بَلْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِإِثْبَاتِهَا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِهِ بَعْدَ بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَذَكَرَهَا كُلُّ مَنْ وَصَفَ صَلَاتَهُ فَيُقَوِّي أَنَّهُ فَعَلَهَا لِلْحَاجَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ السُّنَنَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا لَمْ يَسْتَوْعِبْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ وَصَفَ وَإِنَّمَا أُخِذَ مَجْمُوعُهَا عَنْ مَجْمُوعِهِمْ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٨٤٣] (قَالَ) أَيْ أَبُو قِلَابَةَ (فَقَعَدَ) أَيْ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ (فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْآخِرَةِ) كَذَا قَيَّدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالْمُتَقَدِّمَةِ الرَّكْعَةَ بِالْأُولَى لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ بِلَفْظِ إِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الرَّكَعَاتِ

стр. 769

[٨٤٤] (إِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ) أَيْ فَرْدٍ (مِنْ صَلَاتِهِ) أَيْ عَدَدِهَا قَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ بِالْوِتْرِ الرَّكْعَةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ (لَمْ يَنْهَضْ) أَيْ لَمْ يَقُمْ (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ جِلْسَةِ الاستراحة قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَدَعْوَى الطَّحَاوِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حَدِيثٍ وَهْمٌ عَجِيبٌ مِنْهُ وَأَمَّا حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ ﵇ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ اسْتَوَى قَائِمًا فَغَرِيبٌ وَبِفَرْضِ عَدَمِ غَرَابَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَقَوْلُ أَحْمَدَ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا يُؤْثَرُ بَعْدَ صِحَّةِ التَّعَرُّضِ لَهَا إِثْبَاتٌ كَمَا عَلِمْتَ انْتَهَى قَالَ بن الْهُمَامِ وَلَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ عليه العمل عند أهل العلم وأخرج بن أبي شيبة عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَكَذَا عن بن عمر وبن الزُّبَيْرِ وَكَذَا عَنْ عُمَرَ وَأَخْرَجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْهَضُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ وَأَخْرَجَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إِذَا رَفَعَ أَحَدُهُمْ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ نَهَضَ كَمَا هُوَ ولم يجلس انتهى كلام القارىء قُلْتُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ضَعِيفٌ لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ خَالِدَ بْنَ إِيَاسٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ خَالِدُ بْنُ إِيَاسٍ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ وَصِحَّةِ هَذِهِ الْآثَارِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَوْلِ بِسُنِّيَّةِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ لِأَنَّ التَّرْكَ لَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إِنَّمَا يُنَافِي وُجُوبَهَا فَقَطْ وَكَذَلِكَ تَرْكُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لَهَا لَا يَقْدَحُ فِي سُنِّيَّتِهَا لِأَنَّ تَرْكَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ جَائِزٌ ٧ - (باب الإقعاء بين السجدتين) [٨٤٥] (في اقعاء على القدمين في السجود) معنى الإقعاء ها هنا أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ

стр. 770

بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُلْصِقَ إلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ على الأرض كإقعاء الكلب لكن المراد ها هنا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ (إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ) قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ أَيْ بِالْإِنْسَانِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَ وَضَبَطَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَمَنْ ضَمَّ الْجِيمَ فَقَدْ غلط ورد الجمهور على بن عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالُوا الصَّوَابُ الضَّمُّ وَهُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ إِضَافَةُ الْجَفَاءِ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فقال بن عَبَّاسٍ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ اعْلَمْ أَنَّ الْإِقْعَاءَ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثَانِ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ النَّهْيُ عَنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رواية علي وبن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ وَأَنَسٍ وَأَسَانِيدُهَا كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْإِقْعَاءِ وَفِي تَفْسِيرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاءَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَصَاحِبُهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ مُرَادُ بن عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السجدتين وحمل حديث بن عَبَّاسٍ ﵄ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَآخَرُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ قال وكذا جاء مفسرا عن بن عَبَّاسٍ ﵄ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُمِسَّ عَقِبَيْكَ إلْيَتَيْكَ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تفسير حديث بن عَبَّاسٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَهُ نَصٌّ آخَرُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الِافْتِرَاشُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ قَوْلَانِ وَأَمَّا جِلْسَةُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَجِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ فَسُنَّتُهُمَا الِافْتِرَاشُ وَجِلْسَةُ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ السُّنَّةُ فِيهِ التَّوَرُّكُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ

стр. 771

٢٨ - (بَاب مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ) [٨٤٦] (عُبَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ) هُوَ أَبُو الْحَسَنِ الكوفي عن بن أبي أوفي وعنه شعبة والثوري وثقه بن مَعِينٍ (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أَيْ حِينَ شَرَعَ فِي رَفْعِهِ (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ) بِالنَّصْبِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَقِيلَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِمِلْءِ السَّمَاوَاتِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الْحَمْدِ وَالْمِلْءُ بِالْكَسْرِ اسْمُ مَا يَأْخُذُهُ الْإِنَاءُ إِذَا امْتَلَأَ وَهُوَ مَجَازٌ عَنِ الكثرة قال المطهر هَذَا تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ إِذِ الْكَلَامُ لَا يُقَدَّرُ بِالْمَكَايِيلِ وَلَا تَسَعُهُ الْأَوْعِيَةُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ تكثير العدد الْعَدَدِ حَتَّى لَوْ قُدِّرَ أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ تَكُونُ أَجْسَامًا تَمْلَأُ الْأَمَاكِنَ لَبَلَغَتْ مِنْ كَثْرَتِهَا مَا تَمْلَأُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ (وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ هَذَا أَيْ مِلْءُ مَا شِئْتَ يُشِيرُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ الْحَمْدِ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْمَجْهُودِ فَإِنَّهُ حَمِدَهُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهَذَا نِهَايَةُ إِقْدَامِ السَّابِقِينَ ثُمَّ ارْتَفَعَ وَتَرَقَّى فَأَحَالَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْمَشِيئَةِ إِذْ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ لِلْحَمْدِ مُنْتَهًى وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ ﵇ أَنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عُبَيْدٍ أَبِي الْحَسَنِ) أَيْ لَمْ يَنْسُبَاهُ إِلَى أَبِيهِ وَذَكَرَا كُنْيَتَهُ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا عُبَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بِذِكْرِ اسْمِ أَبِيهِ وَتَرْكِ كُنْيَتِهِ (هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ كَوْنِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الرُّكُوعِ بَلْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَحَلِّ أَصْلًا وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْ عُبَيْدٍ عَنْ

стр. 772

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ هَكَذَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ) أَيْ فَلَمْ يَقُلِ الشَّيْخُ عُبَيْدٌ فِي الْحَدِيثِ كَوْنُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ فَذَكَرُوا فِي رِوَايَاتِهِمْ مَحَلَّ الدُّعَاءِ بَعْدَ الرُّكُوعِ بِلَفْظِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ إِلَخْ وَرَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَلَمْ يَذْكُرَا فِي رِوَايَتِهِمَا لَفْظَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ (وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِصْمَةَ إِلَخْ) فَرِوَايَةُ شُعْبَةَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَغَيْرِهِ والحديث أخرجه مسلم وبن ماجه [٨٤٧] (عن قزعة) بزاء وفتحات هو بن يَحْيَى الْبَصْرِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وبن عُمَرَ وَعَنْهُ مُجَاهِدٌ وَعَاصِمُ الْأَحْوَلِ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ (حِينَ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) قَالَ العلماء معنى سمع ها هنا أَجَابَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى مُتَعَرِّضًا لِثَوَابِهِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْطَاهُ مَا تَعَرَّضَ لَهُ فَإِنَّا نَقُولُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ (قَالَ مُؤَمَّلٌ) فِي رِوَايَتِهِ (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ) بِلَفْظِ الْجَمْعِ (أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يَا أَهْلَ الثَّنَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ رَفْعَهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْتَ أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمُخْتَارُ النَّصْبُ وَالثَّنَاءُ الْوَصْفُ الْجَمِيلُ وَالْمَدْحُ وَالْمَجْدُ الْعَظَمَةُ وَنِهَايَةُ الشَّرَفِ (أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ إِلَخْ) تَقْدِيرُهُ أَحَقُّ قَوْلِ الْعَبْدِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ إِلَخْ وَاعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ وَمِثْلُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ في

стр. 773

الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ والأرض وعشيا وحين تظهرون وَاعْتَرَضَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ والأرض وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا يَعْتَرِضُ مَا يَعْتَرِضُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَارْتِبَاطِهِ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ وتقديره ها هنا أَحَقُّ قَوْلِ الْعَبْدِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَقُولَهُ هذا خلاصة ما قال النووي وقال القارىء قَوْلُهُ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ بِالرَّفْعِ وَمَا موصولة أو موصوفة وال لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ أَنْتَ أَحَقُّ بِمَا قَالَ الْعَبْدُ لَكَ مِنَ الْمَدْحِ مِنْ غَيْرِكَ أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ مِنَ الْحَمْدِ الْكَثِيرِ أَحَقُّ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَحَقُّ مُبْتَدَأً وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ إِلَخْ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ قُلْتُ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ أَيْ أَصْدَقُهُ وَأَثْبَتُهُ انْتَهَى (زَادَ مَحْمُودٌ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (ثم اتفقوا) أي مؤمل ومحمود وبن السَّرْحِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ كُلُّهُمْ (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) الْمَشْهُورُ فِيهِ فَتْحُ الْجِيمِ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَعْنَاهُ الْحَظُّ وَالْغِنَى وَالْعَظَمَةُ وَالسُّلْطَانُ أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْعَظَمَةِ وَالسُّلْطَانِ مِنْكَ حَظُّهُ أَيْ لَا يُنْجِيهِ حَظُّهُ مِنْكَ وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ وَيُنْجِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ بِشْرٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أَيْ لَمْ يَقُلْ لَفْظَ اللَّهُمَّ وَكَذَلِكَ (لَمْ يَقُلْ مَحْمُودٌ) فِي رِوَايَتِهِ لَفْظُ (اللَّهُمَّ) بَلْ (قَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بِحَذْفِ لَفْظِ اللهم وإثبات الواو بين ربنا ولك الْحَمْدُ فَائِدَةٌ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَكَ ثَابِتَةٌ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَهِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ رَبَّنَا وَهُوَ اسْتَجِبْ كَمَا قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ أَوْ حَمِدْنَاكَ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ أَوِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ كَمَا قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ أَوْ لِلْحَالِ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ إِذَا قَالَ رَبَّنَا قَالَ وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا قَالَ اللهم ربنا قال لك الحمد قال بن الْقَيِّمِ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ الْجَمْعُ بَيْنَ لَفْظِ اللَّهُمَّ وَبَيْنَ الْوَاوِ وَأَقُولُ قَدْ ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَقَدْ تَطَابَقَتْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ النُّسَخُ الصَّحِيحَةُ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ

стр. 774

[٨٤٨] (إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةٍ كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ بَلْ فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الْمَأْمُومِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَكُونُ عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالْوَاقِعُ فِي التَّصْوِيرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ التَّسْمِيعَ فِي حَالِ انْتِقَالِهِ وَالْمَأْمُومُ يَقُولُ التَّحْمِيدَ فِي حَالِ اعْتِدَالِهِ فَقَوْلُهُ يَقَعُ عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْخَبَرِ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ أَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ فَالسُّنَّةُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَهَا قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْجُمْهُورِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَشْهَدُ لَهُ وَزَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يَصِحَّ في ذلك شيء ولم يثبت عن بن الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الشَّافِعِيَّ انْفَرَدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَ فِي الْأَشْرَافِ عَنْ عَطَاءٍ وبن سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا الْقَوْلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلْمَأْمُومِ وَأَمَّا المنفرد فحكى الطحاوي وبن عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَهُ الطَّحَاوِيُّ حُجَّةً لِكَوْنِ الْإِمَامِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى اتِّحَادِ حُكْمِ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ لَكِنْ أَشَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إِلَى خِلَافٍ عِنْدَهُمْ فِي الْمُنْفَرِدِ انْتَهَى (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ) وَهُوَ قَوْلُهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ قَالَهُ الْحَافِظُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُونَ مَعَ الْمُصَلِّي هَذَا الْقَوْلَ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَيَحْضُرُونَ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٨٤٩] (عن عامر) هو بن شراحيل الحميري الشعبي أبو عمرو الكوفي امام الْعَلَمُ وُلِدَ لِسِتِّ سِنِينَ خَلَتْ مِنْ خِلَافَةِ عمر روى عنه وعن علي وبن مَسْعُودٍ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وعائشة وجرير وبن عَبَّاسٍ وَخَلْقٍ قَالَ أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وعنه بن سِيرِينَ وَالْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَخَلْقٌ قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ مَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَفْقَهَ مِنَ الشَّعْبِيِّ وَقَالَ الْعِجْلِيُّ مُرْسَلُ الشَّعْبِيِّ صَحِيحٌ وَقَالَ بن عيينة كانت الناس تقول بن عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ وَالشَّعْبِيُّ

стр. 775

فِي زَمَانِهِ (لَا يَقُولُ الْقَوْمُ خَلْفَ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَقُولُهُ الْمَأْمُومُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُقْتَصَرُ عَلَى رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَهُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ هَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَحْمَدُ إِلَى هَذَا انْتَهَى أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وهو قول بن سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ قُلْتُ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَإِنَّهَا مَأْمُورٌ بِهَا الْإِمَامُ وَقَدْ جَاءَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَكَانَ هَذَا فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَالْإِمَامُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومُ وَإِنَّمَا كَانَ الْقَصْدُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مُدَارَكَةَ الدُّعَاءِ وَالْمُقَارَبَةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِيَسْتَوْجِبَ بِهِ دُعَاءَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَيْسَ بَيَانَ كَيْفِيَّةِ الدُّعَاءِ وَالْأَمْرَ بِالِاسْتِيفَاءِ وجميع ما يقال في ذلك المقام إذا قَدْ وَقَعَتِ الْغُنْيَةُ بِالْبَيَانِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ انْتَهَى ٩ - (بَاب الدُّعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) [٨٥٠] (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) أَيْ ذُنُوبِي أَوْ تَقْصِيرِي فِي طَاعَتِي (وَارْحَمْنِي) أَيْ مِنْ عِنْدِكَ لَا بِعَمَلِي أَوِ ارْحَمْنِي بِقَبُولِ عِبَادَتِي وَعَافِنِي مِنَ الْبَلَاءِ فِي الدَّارَيْنِ أَوْ مِنَ الْأَمْرَاضِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (وَاهْدِنِي) لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ أَوْ ثَبِّتْنِي عَلَى دِينِ الْحَقِّ (وَارْزُقْنِي) رِزْقًا حَسَنًا أَوْ تَوْفِيقًا فِي الدَّرَجَةِ أَوْ دَرَجَةً عَالِيَةً فِي الْآخِرَةِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي الْقَعْدَةِ بَيْنَ السجدتين وهي نغم فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْقَوِيُّ قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَالَ وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ مُرْسَلًا هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَكَامِلٌ هُوَ أَبُو الْعَلَاءِ وَيُقَالُ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ كَامِلُ بْنُ الْعَلَاءِ التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ الْكُوفِيُّ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ
следующие страницы →