← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(سَمُرَةَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ صَدَّقَ أَيْ صَدَّقَ أُبَيٌّ سَمُرَةَ وَوَافَقَهُ وَقَالَ إِنَّ سَمُرَةَ قَدْ حَفِظَ قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ انْتَهَى قُلْتُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِهِ مِنْهُ فَقَالَ شُعْبَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا وَقِيلَ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ وَقَالَ البخاري قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ وَمَنْ أَثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ نَفَى قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وقال فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي السَّكْتَتَيْنِ تَحْتَ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ سننه منها حديث نهةىعن بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَحَدِيثُ جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ وَحَدِيثُ لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ وَلَا بِالنَّارِ وَحَدِيثُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مُقْتَضَى تَصَرُّفِهِ جَدِيرًا بِالتَّصْحِيحِ وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ رُوَاةُ الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ انْتَهَى (كَذَا قَالَ حُمَيْدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَذَا هُوَ قَوْلُهُ وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ [٧٧٨] (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ يُفْتَحُ الدَّالُ (إِذَا اسْتَفْتَحَ) أَيْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ (فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ) أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ يونس [٧٧٩] (تذاكرا) صيغة التثنية من التفاعل (سكتة إِذَا كَبَّرَ) أَيْ لِلْإِحْرَامِ (وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا سَكَتَهُمَا لِيَقْرَأَ مَنْ خَلْفَهُ فِيهِمَا فَلَا يُنَازِعُونَهُ الْقِرَاءَةَ إِذَا قَرَأَ انْتَهَى قَالَ الْيَعْمَرِيُّ كَلَامُ الْخَطَّابِيُّ هَذَا فِي السَّكْتَةِ الَّتِي بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَأَمَّا السَّكْتَةُ الْأُولَى فَقَدْ وَقَعَ بَيَانُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ يَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ الْحَدِيثَ قَالَهُ فِي النَّيْلِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا ثبوت ثلاث

стр. 702

سَكَتَاتٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَ السُّورَةِ وَقِيلَ الثَّالِثَةُ أَخَفُّ مِنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَذَلِكَ بِمِقْدَارِ مَا تَنْفَصِلُ الْقِرَاءَةُ عَنِ التَّكْبِيرِ فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوَصْلِ فِيهِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ هَذِهِ السَّكَتَاتِ الثَّلَاثِ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَمَالِكٌ السَّكْتَةُ مَكْرُوهَةٌ (فَكَتَبَا) أَيْ سَمُرَةُ وَعِمْرَانُ (فِي كِتَابِهِ إِلَيْهِمَا) أَيْ فِي كِتَابِ أُبَيٍّ إِلَى سَمُرَةَ وَعِمْرَانَ (أَوْ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِمَا) شَكٌّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ [٧٨٠] (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ بِهَذَا) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدٍ (قَالَ فِيهِ) أَيْ قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي الْحَدِيثِ (إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ) أَيْ إِذَا كَبَّرَ قِيلَ الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِيَفْرُغَ الْمَأْمُومُونَ مِنَ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْإِمَامُ عَقِبَ التَّكْبِيرِ لَفَاتَ مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالتَّكْبِيرِ وَالنِّيَّةِ بَعْضُ سَمَاعِ الْقِرَاءَةِ قُلْتُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِيَقُولَ الْإِمَامُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ إِلَخْ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ (وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ) أَيْ كُلِّهَا (ثُمَّ قَالَ) أَيْ قَتَادَةَ (بَعْدُ) مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدِ اخْتَصَرَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يُورِدْهُ بِتَمَامِهِ وَرَوَاهُ بن مَاجَهْ هَكَذَا حَدَّثَنَا جَمِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ جَمِيلٍ الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فَكَتَبْنَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالْمَدِينَةِ فَكَتَبَ أَنَّ سَمُرَةَ قَدْ حَفِظَ قَالَ سَعِيدٌ فَقُلْنَا لِقَتَادَةَ مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَانِ قَالَ إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ وَإِذَا قَرَأَ غَيْرُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَتَرَادَّ إِلَيْهِ نَفَسُهُ فَائِدَةٌ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ كَانَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ يَؤُمُّ النَّاسَ فَكَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْكِتَابِ فَعَابَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَكَتَبَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا عَلَيَّ وَلَعَلِّي نَسِيتُ وَحَفِظُوا أَوْ حَفِظْتُ وَنَسُوا فَكَتَبَ إِلَيْهِ أُبَيِّ بن

стр. 703

كَعْبٍ بَلْ حَفِظْتَ وَنَسُوا وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ سَمُرَةُ حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتَيْنِ إِذَا كَبَّرَ وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فَعَابَ عَلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَكَتَبُوا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ أَنْ صَدَقَ سَمُرَةَ انْتَهَى فَظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْقَائِلَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَنَّ الْقَائِلَ أَيْضًا فَكَتَبُوا أَوْ فَكَتَبَ هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ فَكَتَبَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَيْ سَمُرَةُ وَعِمْرَانُ وَهَذَا كُلُّهُ حِكَايَةً مِنِ الْحَسَنِ نَاقِلًا عَمَّا سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ وَأَنَّ الْكِتَابَةَ وَقَعَتْ مِنْ سَمُرَةَ أَوْ مِنْ سَمُرَةَ وَعِمْرَانَ فَهَذَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْكَاتِبُ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هُوَ سَمُرَةُ أَوْ هُوَ وَعِمْرَانُ أَوْ هُمَا وَمَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الرَّاوِي لِذَلِكَ هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ سَمُرَةَ سَمَاعًا مِنْهُ لا أنه كان حاضرا حين ما جَرَى بَيْنَ سَمُرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي السَّكْتَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [٧٨١] (إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ الْحَافِظُ ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ السُّكُوتِ وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِسْكَاتِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ تَكَلَّمَ الرَّجُلُ ثُمَّ سَكَتَ بِغَيْرِ أَلِفٍ فَإِذَا انْقَطَعَ كَلَامُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ قُلْتُ أَسْكَتَ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ إِفْعَالُهُ مِنَ السُّكُوتِ وَلَا يُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْكَلَامِ بَلْ تَرْكُ رَفْعِ الصَّوْتِ لِقَوْلِهِ مَا تَقُولُ فِي إِسْكَاتِكَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ السُّكُوتُ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَا عَنِ الذِّكْرِ وَقَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ انْتَهَى (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قِيلَ هُوَ اسْمٌ فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ مَرْفُوعًا تَقْدِيرُهُ أَنْتَ مُفَدًّى بِأَبِي وَأُمِّي وَقِيلَ هُوَ فِعْلٌ أَيْ فَدَيْتُكَ وَمَا بَعْدَهُ مَنْصُوبٌ وَحُذِفَ هَذَا الْقَدْرُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (أَرَأَيْتَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُفْتَحُ التَّاءُ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي (مَا تَقُولُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا لِكَوْنِهِ قَالَ مَا تَقُولُ وَلَمْ يَقُلْ هَلْ تَقُولُ نَبَّهَ عليه بن دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ وَلَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَصْلِ الْقَوْلِ بِحَرَكَةِ الْفَمِ

стр. 704

كَمَا اسْتَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِاضْطِرَابِ اللِّحْيَةِ (اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أَخْرَجَهُ مَخْرَجُ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُبَالَغَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ وَقِيلَ تُفِيدُ الْبُعْدَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ وَبَاعِدْ بَيْنَ خَطَايَايَ وَبَيْنِي وَالْخَطَايَا إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا اللَّاحِقَةُ فَمَعْنَاهُ إِذَا قُدِّرَ لِي ذَنْبٌ فَبَعِّدْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَالْمَقْصُودُ مَا سَيَأْتِي أَوِ السَّابِقَةُ فَمَعْنَاهُ الْمَحْوُ وَالْغُفْرَانُ لِمَا حَصَلَ مِنْهَا وَهُوَ مَجَازٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَاعَدَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْتِقَاءَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مُسْتَحِيلٌ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَبْقَى لَهَا مِنْهُ اقْتِرَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَكَرَّرَ لَفْظَ بَيْنَ هُنَا وَلَمْ يُكَرِّرْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ يُعَادُ فِيهِ الْجَارُّ (اللَّهُمَّ أَنْقِنِي مِنْ خَطَايَايَ كَالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ مِنَ الدَّنَسِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ اللَّهُمَّ نَقِّنِي قَالَ الْحَافِظُ مَجَازٌ عَنْ زَوَالِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ أَثَرِهَا وَلَمَّا كَانَ الدَّنَسُ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ أَظْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْوَانِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ قاله بن دَقِيقِ الْعِيدِ (اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي بِالثَّلْجِ) بِالسُّكُونِ (وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ذَكَرَ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ تَأْكِيدًا أَوْ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ لَمْ تَمَسَّهُمَا الْأَيْدِي ولم يمتهنهما الاستعمال وقال بن دَقِيقِ الْعِيدِ عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنْقِيَةٍ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَجَازٌ عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ بِهَا الْمَحْوُ وَكَأَنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَشَارَ الطِّيبِيُّ إِلَى هَذَا بَحْثًا فَقَالَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بَعْدَ الْمَاءِ شُمُولُ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْوِ لِإِطْفَاءِ حَرَارَةِ عَذَابَ النَّارِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ أَيْ رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَابَ النَّارِ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُ وَصْفِ الْمَاءِ بِالْبُرُودَةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ جَهَنَّمَ لِكَوْنِهَا مُسَبَّبَةً عَنْهَا فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَاتِ تَرَقِّيًا عَنِ الْمَاءِ إِلَى أَبْرَدَ مِنْهُ قَالَهُ الْحَافِظُ فَإِنْ قُلْتَ الْغَسْلُ الْبَالِغُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ فلما ذُكِرَ ذَلِكَ قُلْتُ قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ مَعْنَاهُ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَذَكَرَهَا مُبَالَغَةً فِي التَّطْهِيرِ لَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاةِ وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ صَدَرَ مِنْهُ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ وَاعْتُرِضَ بِكَوْنِهِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَجَهَرَ

стр. 705

بِهِ وَأُجِيبَ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى تَتَبُّعِ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَإِسْرَارِهِ وَإِعْلَانِهِ حَتَّى حَفِظَ اللَّهُ بِهِمُ الدِّينَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ ([٧٨٢] بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْجَهْرَ بِبِسْمِ الله الرحمن الرحيم) قال الحافظ بن حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثَ الْهِدَايَةِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ الْبَسْمَلَةِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ أَصْلًا إِلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ثَانِيهَا أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ أَوْ بَعْضُ آيَةٍ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ثَالِثُهَا أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُسْتَقِلَّةٌ بِرَأْسِهَا وَلَيْسَتْ مِنَ السُّوَرِ بَلْ كُتِبَتْ فِي كُلِّ سُورَةٍ لِلْفَصْلِ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر أخرجه مسلم وعن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَخْرَجَهُ أبو داود والحاكم وهذا قول بن الْمُبَارَكِ وَدَاوُدُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ هُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَعَنْ أَحْمَدَ بَعْدَ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَالثَّانِي لَا فَرْقَ وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ فَعَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ تَجِبُ وَعَنْ مَالِكٍ يُكْرَهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تُسْتَحَبُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَعَنِ الشَّافِعِيِّ يُسَنُّ الْجَهْرُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُسَنُّ وَعَنْ إِسْحَاقَ يُخَيَّرُ انْتَهَى كَلَامُهُ (كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْفَاتِحَةِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ الْفَاتِحَةَ فِي أَوَّلِهَا وَقِيلَ الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بالحمد أنهم لم يقرأوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سِرًّا وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي لَفْظِ حَدِيثِ أَنَسٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَفِي لَفْظِ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَفِي لَفْظِ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ الله الرحمن

стр. 706

الرَّحِيمِ رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَالنَّسَائِيُّ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ وَفِي لَفْظِ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي لَفْظِ فَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ وَفِي لفظ كانوا يسرون رواه بن خُزَيْمَةَ قَالَ الْحَافِظُ وَالَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعُ بِهِ مُخْتَلِفُ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَجْهَرُ بِهَا فَحَيْثُ جَاءَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَؤُهَا مُرَادُهُ نَفْيِ الْجَهْرِ وَحَيْثُ جَاءَ عَنْهُ إِثْبَاتُ الْقِرَاءَةِ فَمُرَادُهُ السِّرُّ وَقَدْ وَرَدَ نَفْيُ الْجَهْرِ عَنْهُ صَرِيحًا فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَوْلُ أَنَسٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُ نَفْيُهُ وَاعْتِمَادُ مَنْ نَفَى مُطْلَقًا بِقَوْلِ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ بِالتَّوَجُّهِ وَسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ وَبِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا بَعْدَ التَّكْبِيرِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يَفْتَتِحُونَ أَيِ الْجَهْرُ لِتَأْتَلِفَ الْأَخْبَارُ انْتَهَى وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَهُمْ عَلَى مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَبِهِ يَقُولُ سفيان الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ أَنْ يَجْهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالُوا وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا يَرَى التَّسْمِيَةَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَمَا تَوَهَّمَهُ إِنَّمَا وَجْهُهُ تَرْكُ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ بِدَلِيلِ مَا رَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عن قتادة وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ بنحوه [٧٨٣] (عن أبي الجوزاء) بالجيم والزاي وَاسْمُهُ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَصْرِيٌّ (يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ) أَيْ يَبْدَؤُهَا وَيَجْعَلُ التَّكْبِيرَ فَاتِحُهَا (وَالْقِرَاءَةِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ يَبْتَدِئُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ (بِالْحَمْدِ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَإِظْهَارِ أَلِفِ الْوَصْلِ وَيَجُوزُ حَذْفُ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَكَذَا جَرُّ الدَّالِ عَلَى الْإِعْرَابِ قَالَ النَّوَوِيُّ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُولُ إِنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَكْثَرِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الْقُرْآنَ بِسُورَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا بِسُورَةٍ أُخْرَى فَالْمُرَادُ بَيَانُ

стр. 707

السُّورَةِ الَّتِي يَبْتَدِئُ بِهَا وَقَدْ قَامَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْهَا (لَمْ يُشَخِّصْ رَأْسَهُ) مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ أَوِ التَّفْعِيلِ أَيْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ أَيْ عُنُقَهُ (وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) بِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْرَ وَالتَّصْوِيبُ النُّزُولُ مِنْ أَعْلَى أَسْفَلَ أَيْ وَلَمْ يُنْزِلْهُ (وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ) أَيِ التَّشْخِيصُ وَالتَّصْوِيبُ بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهْرُهُ وَعُنُقُهُ (وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ وُجُوبُ الِاعْتِدَالِ إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا لِقَوْلِهِ ﷺ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَفِيهِ وُجُوبُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قُلْتُ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الْجُمْهُورُ وَاشْتَهَرَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ سُنَّةٌ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ مُصَنِّفِيهِمْ لَكِنْ كَلَامُ الطَّحَاوِيِّ كَالصَّرِيحِ فِي الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُ تَرْجَمَ مِقْدَارَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فِي الرُّكُوعِ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ قَالَ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذَا مِقْدَارُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يُجْزِئُ أَدْنَى مِنْهُ قَالَ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا إِذَا اسْتَوَى رَاكِعًا وَاطْمَأَنَّ سَاجِدًا أَجْزَأَ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّاتِ) أَيْ يَقْرَؤُهَا بَعْدَهُمَا وَفِي حُجَّةٍ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ وَاجِبَانِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرُونَ هُمَا سنتان ليس وَاجِبَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْأَوَّلُ سُنَّةٌ وَالثَّانِي وَاجِبٌ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبِقَوْلِهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَاحْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ التَّشَهُّدَ وَجَبَرَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَلَوْ وَجَبَ لَمْ يَصِحًّ جَبْرُهُ كَالرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ قَالُوا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَوَّلِ فَالْأَخِيرُ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْأَعْرَابِيَّ حِينَ عَلَّمَهُ فُرُوضَ الصَّلَاةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (يَفْرِشُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا (وَيَنْصِبُ رِجْلِهِ الْيُمْنَى) أَيْ يَضَعُ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعُ عَقِبَهَا فِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ مُفْتَرِشًا سَوَاءٌ فِيهِ جَمِيعُ الْجَلْسَاتِ وَعِنْدَ مَالِكٍ ﵀ يُسَنُّ مُتَوَرِّكًا بِأَنْ يُخْرِجَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ وَيُفْضِيَ بِوَرِكِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ السُّنَّةُ أَنْ يَجْلِسَ كُلَّ الْجَلَسَاتِ مُفْتَرِشًا إِلَّا الَّتِي يَعْقُبُهَا السَّلَامُ وَاحْتِجَاجُ الشَّافِعِيِّ بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بالافتراش في

стр. 708

الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ وَالتَّوَرُّكِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَحَمْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ عُقْبَةُ الشَّيْطَانِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَقِبَ الشَّيْطَانِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِيهِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَضَعَّفَهُ انْتَهَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ عَقِبُ الشَّيْطَانِ هُوَ أَنْ يُقْعِيَ فَيَقْعُدَ عَلَى عَقِبَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ وَلَا يَتَوَرَّكُ وَأَحْسَبُ أَنِّي سَمِعْتُ فِي عَقِبِ الشَّيْطَانِ مَعْنًى غَيْرَ هَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَحْضُرْنِي ذِكْرُهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ الصَّوَابُ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاءَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَدَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَصَاحِبُهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وهذا هو مراد بن عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ انتهى قلت وقول بن عَبَّاسٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عن طاؤس بلفظ قلنا لا بن عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِيَ السُّنَّةُ فَقُلْنَا إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ بن عَبَّاسٍ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ وَقَدْ بَسَطَ النَّوَوِيُّ فِي مَعْنَى الْإِقْعَاءِ وَبَيَانِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ فَمَنْ شَاءَ الْبَسْطَ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ (وَعَنْ فَرْشَةِ السَّبُعِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ أَنْ يَفْتَرِشَ يَدَيْهِ وَذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ يَمُدُّهُمَا عَلَى الْأَرْضِ كَالسَّبُعِ وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيُقِلُّ ذِرَاعَيْهِ وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ (وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِي قَوْلِهَا كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَيَخْتِمُهَا بِالتَّسْلِيمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا رُكْنَانِ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لَا تُجْزِئُ إِلَّا بِهِمَا لِأَنَّ قَوْلَهَا كَانَ يَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَيَخْتِمُ بِالتَّسْلِيمِ إِخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ مَعْهُودٍ مُسْتَدَامٍ وَقَدْ قَالَ ﵌ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ [٧٨٤] (عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ) بِفَائَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْحُرَيْثِ الْكُوفِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَعَنْهُ زَائِدَةُ وَالثَّوْرِيُّ قَالَ بن إِدْرِيسَ كَانَ يُحَدِّثُ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ (آنِفًا) أَيْ قَرِيبًا وَهُوَ بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ الْكَسْرِ فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ وَقَدْ قُرِئَ بِهِ فِي السَّبْعِ (فَقَرَأَ بِسْمِ

стр. 709

الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حَتَّى خَتَمَهَا) أَيْ خَتَمَ السُّورَةَ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ جُزْءٌ مِنَ السُّورَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَجْهَرَ وَلِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ لِمُجَرَّدِ التَّبَرُّكِ لَا لِكَوْنِهَا جُزْءًا مِنَ السُّورَةِ أَشَارَ إِلَى رَدِّهِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَقْرَأِ الْبَسْمَلَةِ هُنَاكَ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ فَتُقْرَأُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ انْتَهَى وَقَالَ فِي النَّيْلِ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ مَنْ أَثْبَتَ الْبَسْمَلَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى إثابتها مَا ثَبَتَ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهَا بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ كَمَا مَيَّزُوا أَسْمَاءَ السُّوَرِ وَعَدَدِ الْآيِ بِالْحُمْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُخَالِفُ صُورَةَ الْمَكْتُوبِ قُرْآنًا وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ القران أنها تثبت لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ وَتَخَلَّصَ الْقَائِلُونَ بِإِثْبَاتِهَا عَنْ هَذَا الْجَوَابِ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا تَغْرِيرٌ وَلَا يَجُوزُ ارْتِكَابُهُ لِمُجَرَّدِ الْفَصْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْفَصْلِ لَكُتِبَتْ بَيْنَ بَرَاءَةِ وَالْأَنْفَالِ وَلَمَا كُتِبَتْ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ كَانَ مُمْكِنًا بِتَرَاجِمِ السُّوَرِ كَمَا حَصَلَ بَيْنَ بَرَاءَةِ وَالْأَنْفَالِ انْتَهَى (فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عزوجل فِي الْجَنَّةِ) زَادَ مُسْلِمٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَهُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ الْحَدِيثَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [٧٨٥] (وَذَكَرَ الْإِفْكَ) أَيْ ذَكَرَ عُرْوَةُ قِصَّةَ الْإِفْكِ أَيِ الْكَذِبِ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ بِقَذْفِهَا وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُطَوَّلَةٌ (وَكُشِفَ) أَيِ الْحِجَابُ (عَنْ وَجْهِهِ) الشَّرِيفِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوَحْيِ (إِنَّ الذين جاؤوا بِالْإِفْكِ) أَسْوَأُ الْكَذِبِ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ (عصبة ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن القيم ﵀ قال بن الْقَطَّانِ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ أَحَد الثِّقَات وَإِنَّمَا عِلَّته أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة قَطَنِ بْنِ نُسَيْرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ وَقَطَنُ وَإِنْ كَانَ رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ فَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ يَحْمِل عَلَيْهِ وَيَقُول رَوَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَحَادِيث مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ وَجَعْفَرٌ أَيْضًا مُخْتَلَف فِيهِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى حُمَيْدٍ وَهُوَ ثِقَة بِلَا خِلَاف فِي شَيْء جَاءَ بِهِ عَنْهُ مَنْ يَخْتَلِف فِيهِ

стр. 710

مِنْكُمْ) جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (الْآيَةَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَتَمَّ الْآيَةَ وَتَمَامُهَا لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ منهم له عذاب عظيم وَقَوْلُهُ تَعَالَى لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هو خير لكم لِأَنَّهُ تَعَالَى يَأْجُرُكُمْ بِهِ وَيُظْهِرُ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا وَهُوَ صَفْوَانُ وَقَوْلُهُ وَالَّذِي تَوَلَّى كبره منهم أَيْ تَحَمَّلَ مُعْظَمُهُ فَبَدَأَ بِالْخَوْضِ فِيهِ وَأَشَاعَهُ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَآيَةُ الْإِفْكِ هَذِهِ سُورَةُ النُّورِ (وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ) قَالَ الحافظ بن حَجَرٍ إِنْ وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ مَعَ الضَّعْفِ فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ الْمَعْرُوفُ وَمُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ الْمُنْكَرُ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُنْكَرَ مَا رَوَاهُ الضَّعِيفُ مخالفا للثقاة وَبَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ وَجْهَ النَّكَارَةِ بِقَوْلِهِ (قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ) كَمَعْمَرٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَغَيْرِهِمَا (عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْكَلَامَ) أَيْ قَوْلُهُ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (عَلَى هَذَا الشَّرْحِ) الَّذِي رَوَاهُ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ (وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ الِاسْتِعَاذَةِ) أَيْ قَوْلُهُ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحُمَيْدٌ هَذَا هُوَ أَبُو صَفْوَانَ حميد بن قيس الأعرج المكي احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ انْتَهَى قُلْتُ فَعَلَى هَذَا صَارَ الْحَدِيثُ شَاذًّا لَا مُنْكَرًا وَالشَّاذُّ مَا رَوَاهُ الْمَقْبُولُ مُخَالِفًا لِمَنْ هُوَ أَوْلَى وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي تَعْرِيفِ الشَّاذِّ بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ ([٧٨٦] بَابُ مَنْ جَهَرَ بِهَا) أَيْ بِالْبَسْمَلَةِ (مَا حَمَلَكُمْ) أَيْ مَا الْبَاعِثُ وَالسَّبَبُ لَكُمْ (عَمَدْتُمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ قَصَدْتُمْ (إِلَى بَرَاءَةِ) هِيَ سُورَةُ التَّوْبَةِ وَهِيَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهَا وَلَهَا أَسْمَاءٌ أُخْرَى تَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (وَهِيَ

стр. 711

مِنَ الْمِئِينَ) أَيْ مِنْ ذَوَاتِ مِائَةِ آيَةٍ قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَوَّلُ الْقُرْآنِ السَّبْعُ الطُّوَالُ ثُمَّ ذَوَاتِ الْمِئِينَ أَيْ ذَوَاتِ مِائَةِ آيَةٍ ثُمَّ الْمَثَانِي ثُمَّ الْمُفَصَّلِ انْتَهَى (إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي) أَيْ مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي وَهِيَ السَّبْعُ الطُّوَالُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمَثَانِي مِنَ الْقُرْآنِ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنَ الْمِئِينَ وَيُسَمَّى جَمِيعُ الْقُرْآنِ مَثَانِيَ لِاقْتِرَانِ آيَةِ الرَّحْمَةِ بِآيَةِ الْعَذَابِ وَتُسَمَّى الْفَاتِحَةُ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ أَوْ ثُنِّيَتْ فِي النُّزُولِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَثَانِي السُّوَرُ الَّتِي تَقْصُرُ عَنِ الْمِئِينَ وَتَزِيدُ عن المفصل كأن المئين جعلت مبادىء وَالَّتِي تَلِيهَا مَثَانِيَ انْتَهَى (فَجَعَلْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَالِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ تَوْجِيهُ السُّؤَالِ أَنَّ الْأَنْفَالَ لَيْسَ مِنَ السَّبْعِ الطُّوَالِ لِقِصَرِهَا عَنِ الْمِئِينَ لِأَنَّهَا سَبْعٌ وَسَبْعُونَ آيَةٍ وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا لِعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرَاءَةَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْآيَاتُ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتِ الْعَدَدِ (فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ) الْوَحْيَ كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِ (وفي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا) كَقِصَّةِ هُودٍ وَحِكَايَةِ يُونُسَ (وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ) أَيْ فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ أَيْضًا وَبَيْنَهُمَا النِّسْبَةُ التَّرْتِيبِيَّةُ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَكَانَ هَذَا مُسْتَنَدُ مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ رَوْقٍ وَأَبُو يعلى عن مجاهد وبن أبي حاتم عن سفيان وبن لَهِيعَةَ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ بَرَاءَةَ مِنَ الْأَنْفَالِ وَلِهَذَا لَمْ تُكْتَبِ الْبَسْمَلَةَ بَيْنَهُمَا مَعَ اشْتِبَاهِ طُرُقِهِمَا وَرَدَ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمٍ مُسْتَقِلٍّ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا لأن جبريل ﵇ لم ينزلبها فيها وعن بن عَبَّاسٍ لَمْ تُكْتَبِ الْبَسْمَلَةَ فِي بَرَاءَةَ لِأَنَّهَا أَمَانٌ وَبَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَوَّلَهَا لَمَّا سَقَطَ سَقَطَتْ مَعَهُ الْبَسْمَلَةُ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْدِلُ الْبَقَرَةَ لِطُولِهَا وَقِيلَ إنها ثابتة أولها في مصحف بن مَسْعُودٍ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ (وَكَانَتْ قِصَّتُهَا) أَيْ بَرَاءَةَ (شَبِيهَةٌ بِقِصَّتِهَا) أَيِ الْأَنْفَالِ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ وَهَذَا وَجْهٌ آخَرُ مَعْنَوِيٌّ وَلَعَلَّ الْمُشَابَهَةَ فِي قَضِيَّةِ الْمُقَاتَلَةِ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ قاتلوهم يعذبهم الله وَنَحْوَهُ وَفِي نَبْذِ الْعَهْدِ بِقَوْلِهِ

стр. 712

في الأنفال فانبذ إليهم وقال بن حَجَرٍ لِأَنَّ الْأَنْفَالَ بَيَّنَتْ مَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ وبراءة بينت ما وقع له ما مُنَافِقِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا مِمَّا ظَهَرَ لِي فِي أَمْرِ الِاقْتِرَانِ بَيْنَهُمَا (فَظَنَنْتُ أَنَّهَا) أَيِ التَّوْبَةُ (مِنْهَا) أَيِ الْأَنْفَالِ (فَمِنْ هُنَاكَ) أَيْ لِمَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ تَبْيِينِهِ وَوُجُوهٍ مَا ظَهَرَ لَنَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا (وضعتهما في السبع الطول وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَيْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ ﷺ لِلْفَصْلِ وَلَمْ تَنْزِلْ وَلَمْ أَكْتُبْ وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ نزول البسملة وهو أن بن عَبَّاسٍ سَأَلَ عَلِيًّا ﵁ لِمَ لَمْ تَكْتُبْ قَالَ لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ أَمَانٌ وَلَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ أُنْزِلَتْ بِالسَّيْفِ وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَكْتُبُهَا أَوَّلَ مُرَاسَلَاتِهِمْ فِي الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ وَالْهُدْنَةِ فَإِذَا نَبَذُوا الْعَهْدَ وَنَقَضُوا الْأَيْمَانَ لَمْ يَكْتُبُوهَا وَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ فَصَارَتْ عَلَامَةَ الْأَمَانِ وَعَدَمُهَا عَلَامَةَ نَقْضِهِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَمَانٌ وَقَوْلُهُمْ آيَةُ رَحْمَةٍ وَعَدَمُهَا عَذَابٌ قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُمَا نَزَلَتَا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها ثم قيل السبع الطول هِيَ الْبَقَرَةُ وَبَرَاءَةُ وَمَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ لكن روى النسائي والحاكم عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهَا الْبَقَرَةُ وَالْأَعْرَافُ وَمَا بَيْنَهُمَا قَالَ الرَّاوِي وَذَكَرَ السَّابِعَةَ فَنَسِيتُهَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاتِحَةُ فَإِنَّهَا مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي أَوْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَنَزَلَتْ سَبْعَتُهَا مَنْزِلَةً الْمِئِينَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأَنْفَالُ بِانْفِرَادِهَا أَوْ بِانْضِمَامِ ما بعدها إليها وصح عن بن جبير أنها يونس وجاء مثله عن بن عَبَّاسٍ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَنْفَالَ وَمَا بَعْدَهَا مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهَا مِنَ الْمَثَانِي وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُورَةٌ أَوْ هُمَا سُورَةٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَدِ اسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ بِأَنَّهَا مُثْبَتَةٌ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ فَتَكُونَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا أَثْبَتُوهَا بِخَطِّ الْقُرْآنِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ عن يزيد الفارسي عن بن عباس ويزيد الفارسي قد روى عن بن عَبَّاسٍ غَيْرَ حَدِيثٍ وَيُقَالُ هُوَ يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزٍ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُوَ الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدُ بْنُ حنبل وذكر غيرهما أنهما اثنان أن الفارسي غير بن هرمز وأن بن هُرْمُزٍ ثِقَةٌ وَالْفَارِسِيَّ لَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى [٧٨٧] (حدثني بن عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (قَالَ فِيهِ) أَيْ قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِهِ (فَقُبِضَ رسول الله ﷺ أي تُوُفِّيَ (وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا) أَيِ التَّوْبَةَ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْأَنْفَالِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا

стр. 713

(لَمْ يَكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ النَّمْلِ) لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ فِيهَا جُزْؤُهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ إِنَّمَا هِيَ لِلْفَصْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مُرْسَلٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ مَنْ أَثْبَتَهَا وَلَا مَنْ نَفَاهَا لا ختلاف الْعُلَمَاءِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَفَى حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ أَثْبَتَ مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا آيَةٌ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ النَّمْلِ وَلَا خِلَافَ فِي إِثْبَاتِهَا خَطًّا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ إِلَّا فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ وَأَمَّا التِّلَاوَةُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِي أَوَّلِ كُلِّ سورة إذا ابتدأ بها القارىء مَا خَلَا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَأَمَّا فِي أَوَائِلِ السور مع الوصل بسورة قبلها فأثبتها بن كَثِيرٍ وَقَالُونُ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ مِنَ الْقُرَّاءِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا أَوَّلَ سُورَةِ التَّوْبَةِ وحذفها منهم أبو عمرو وحمزة وورش وبن عَامِرٍ كَذَا فِي النَّيْلِ [٧٨٨] (لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ) الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِهِمَا وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَالَ الْمُرْسَلُ أَصَحُّ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَلْخِيصِ الْمُسْتَدْرَكِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الحديث عن بن عَبَّاسٍ أَمَّا هَذَا فَثَابِتٌ وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادَيْنِ رِجَالُ أَحَدِهِمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَيُبْتَنَى عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ تَنْزِيلِ الْبَسْمَلَةِ تَسْتَلْزِمُ قُرْآنِيَّتَهَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَكَذَا بِكُلِّ حَدِيثٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى الْجَهْرِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ بصحيح قال الحافظ بن سَيِّدِ النَّاسِ الْيَعْمَرِيُّ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِمَّنْ يَرَى الْجَهْرَ بِهَا لَا يَعْتَقِدُونَهَا قُرْآنًا بَلْ هِيَ مِنَ السُّنَنِ عِنْدَهُمْ كَالتَّعَوُّذِ وَالتَّأْمِينِ وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ يَرَى الْإِسْرَارَ بِهَا يَعْتَقِدُونَهَا قُرْآنًا وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّ مَسْأَلَةَ الْجَهْرِ لَيْسَتْ مُرَتَّبَةً عَلَى إِثْبَاتِ مَسْأَلَةِ الْبَسْمَلَةِ وَكَذَلِكَ احْتِجَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِأَحَادِيثَ عَدَمِ قِرَاءَتِهَا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ لما عرفت قال الحافظ بن حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ وَمِنْ حُجَجِ مَنْ أَثْبَتَ الْجَهْرَ أَنَّ أَحَادِيثَهُ جَاءَتْ مِنْ

стр. 714

طرق كثيرة وتركه عن أنس وبن مُغَفَّلٍ فَقَطْ وَالتَّرْجِيحُ بِالْكَثْرَةِ ثَابِتٌ وَبِأَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ شَهَادَةٌ عَلَى إِثْبَاتٍ وَتَرْكُهُ شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيٍ وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ وَبِأَنَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ تَرْكُ الْجَهْرِ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ الْجَهْرُ بَلْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَنَسٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ إِنَّكَ تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا حَفِظْتُهُ وَلَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْكَثْرَةِ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ صِحَّةِ السَّنَدِ وَلَا يَصِحُّ فِي الْجَهْرِ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ كَمَا نُقِلَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَوْقُوفٌ وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ بِصُورَةِ النَّفْيِ لَكِنَّهَا بِمَعْنَى الْإِثْبَاتِ وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدِهِ بَعِيدٌ مَعَ طُولِ صُحْبَتِهِ وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي حَالِ حِفْظِهِ أَوْلَى مِمَّنْ أَخَذَهُ عَنْهُ فِي حَالِ نِسْيَانِهِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ سَلُوا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ يَحْفَظُ وَنَسِيتُ وَقَالَ الْحَازِمِيُّ الأحاديث في اخفاء نُصُوصٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَأَيْضًا فَلَا يُعَارِضُهَا غَيْرُهَا لِثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ لَا تُوَازِيهَا فِي الصِّحَّةِ بِلَا رَيْبٍ ثُمَّ إِنَّ أَصَحَّ أَحَادِيثِ تَرْكِ الْجَهْرِ حَدِيثُ أَنَسٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ فَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْهُ وَعَلَى هَذَا اللَّفْظِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ وَجَاءَ عَنْهُ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَرُوَاةُ هَذِهِ أَقَلُّ مِنْ رُوَاةِ ذَلِكَ وَانْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ وَجَاءَ عَنْهُ حَدِيثُ هَمَّامٍ وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَسْلَمَةَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ قِيلَ إِنَّهُ سئل بما كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَفْتِحُ ثُمَّ قَالَ الْحَازِمِيُّ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ وَلَا نَاسِخَ فِي ذَلِكَ وَلَا منسوخ والله أعلم انتهى وذكر بن الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَارَةً وَيُخْفِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا جَهَرَ بِهَا وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَبَدًا حَضَرًا وَسَفَرًا وَيُخْفِي ذَلِكَ عَلَى خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَعَلَى جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَلَدِهِ فِي الْأَعْصَارِ الْفَاضِلَةِ هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ حَتَّى يحتاج إلى التشبث فِيهِ بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ وَأَحَادِيثَ وَاهِيَةٍ فَصَحِيحُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ غَيْرُ صَرِيحٍ وَصَرِيحُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ انْتَهَى وَقَالَ فِي السُّبُلِ وَأَطَالَ الْجِدَالَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا تَارَةً جَهْرًا وَتَارَةً يُخْفِيهَا انْتَهَى

стр. 715

١١ - (بَاب تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِلْأَمْرِ يَحْدُثُ) [٧٨٩] (إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ أَنَسٍ إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا) فِيهِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ فِي الصَّلَاةِ الْإِتْيَانَ بِشَيْءٍ مُسْتَحَبٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ خِلَافًا لِلْأَشْهَبِ حَيْثُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ نَوَى التَّطَوُّعَ قَائِمًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهُ جَالِسًا (فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الصِّبْيَانِ الْمَسَاجِدَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ كَانَ مُخَلَّفًا فِي بَيْتٍ بِقُرْبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ وَعَلَى جَوَازِ صَلَاةِ النِّسَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ الرِّجَالِ (فَأَتَجَوَّزُ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي صَلَاتِي قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ أَخْتَصِرُ وَأَتَرَخَّصُ بِمَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ مِنَ الِاقْتِصَارِ وَتَرْكُ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ أُخَفِّفُ كَأَنَّهُ تَجَاوَزَ مَا قَصَدَهُ أَيْ مَا قَصَدَ فِعْلَهُ لَوْلَا بُكَاءُ الصَّبِيِّ قَالَ وَمَعْنَى التَّجَوُّزِ أَنَّهُ قَطَعَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ وَأَسْرَعَ فِي أَفْعَالِهِ انْتَهَى والأظهر أنه شرع في سورة قصيرة بعد ما أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَازَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ وَهُمَا قَصْدُ الْإِطَالَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَتَرْكُ الْمَلَالَةِ وَلِذَا وَرَدَ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ انْتَهَى قُلْتُ حَدِيثُ نِيَّةُ المؤمن خير من عمله قال بن دِحْيَةَ لَا يَصِحُّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الْمَجْمُوعَةِ (كَرَاهِيَةَ) بِالنَّصْبِ لِلْعِلِّيَّةِ (أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ) فِي مَحَلِّ الْجَرِّ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَيْهِ كَرَاهِيَةٌ يُقَالُ شَقَّ عَلَيْهِ أَيْ ثَقُلَ أَوْ حَمَلَهُ مِنَ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ مَا يَشُقُّ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى كَرَاهِيَةُ وُقُوعِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا مِنْ بُكَاءِ الصَّبِيِّ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الرِّفْقِ بِالْمَأْمُومِينَ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِمْ وَدَفْعِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَإِيثَارُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِلْأَمْرِ يَحْدُثُ قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ وَهُوَ رَاكِعٌ إِذَا أَحَسَّ بِرَجُلٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ رَاكِعًا لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الرَّكْعَةِ فِي الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْذِفَ مِنْ طُولِ الصَّلَاةِ لِحَاجَةِ إِنْسَانٍ فِي بَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَأَوْلَى وَقَدْ كَرِهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَشَدَّدَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَقَالَ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ شِرْكًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ انْتَهَى

стр. 716

قُلْتُ تَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ فِي التَّطْوِيلِ هُنَا زِيَادَةَ عَمَلٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مَطْلُوبٍ بِخِلَافِ التَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ انْتَهَى وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَتَفْصِيلٌ وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْمَذْهَبِ اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ وَفِي التَّجْرِيدِ لِلْمَحَامِلِيِّ نُقِلَ كَرَاهِيَتُهُ عَنِ الْجَدِيدِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ شِرْكًا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ في فتح الباري

стр. 717

(بَاب مَا جَاءَ فِي نُقْصَانِ الصَّلَاةِ) [٧٩٦] (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ قَافٍ وَضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَتُفْتَحُ وَتُكْسَرُ نِسْبَةً إِلَى مَوْضِعِ الْقُبُورِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَيُقَالُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ يُقَالُ لَهُ صُحْبَةٌ وَرَوَى عَنْ عَمَّارٍ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي لَاسٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَمَّارِ بن ياسر قال بن الْمَدِينِيِّ وَلَعَلَّ أَبَا لَاسٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَنَمَةَ انْتَهَى (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ) أَيْ مِنْ صَلَاتِهِ (وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ) أَيْ عُشْرُ ثَوَابِهَا لِمَا أَخَلَّ فِي الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا إِلَخْ) بِحَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ إِلَّا عُشْرُ ثَوَابِهَا أَوْ تُسْعُهَا أَوْ ثُمْنُهَا إِلَخْ بَلْ قَدْ لَا يُكْتَبُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَلَا تُقْبَلُ أَصْلًا كَمَا وَرَدَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُصَلِّينَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ ثَوْبَانَ وَلَمْ يُحْتَجَّ بِهِ ٣ - (بَاب تخفيف الصلاة) (يصلي مع النبي) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عَنْ عَمْرٍو عِشَاءَ الْآخِرَةِ فَكَأَنَّ الْعِشَاءَ

стр. 718

هِيَ الَّتِي كَانَ يُوَاظِبُ فِيهَا عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ (ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلَاةَ أَيِ الْمَذْكُورَةَ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا مَعَ النَّبِيِّ غَيْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي يُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ (قَالَ) جَابِرٌ (ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَنِي سَلَمَةَ فَيُصَلِّيهَا بِهِمْ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّ قَوْمَهُ هُمْ بَنُو سَلَمَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْهُمْ (فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ) أَيِ ابْتَدَأَ فِي قِرَاءَتِهَا وَبِهِ صَرَّحَ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ (فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ لَكِنْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادٍ شَيْخَ مسلم تفرد عن بن عُيَيْنَةَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ سَلَّمَ وَأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أصحاب بن عُيَيْنَةَ وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِهِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ جَابِرٍ لَمْ يَذْكُرُوا السَّلَامَ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ قَطَعَ الصَّلَاةَ لِأَنَّ السَّلَامَ يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ الْقُدْوَةَ فَقَطْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ بَلِ اسْتَمَرَّ فِيهَا مُنْفَرِدًا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى رواية الشافعي عن بن عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ فَصَلَّى وَحْدَهُ وَهَذَا يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَتَنَحَّى عَنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَاسْتَأْنَفَهَا لِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يُقْطَعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ انْتَهَى وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْطَعَ الْقُدْوَةَ وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا وَنَازَعَ النَّوَوِيُّ فِيهِ فَقَالَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ فَارَقَهُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ بَلْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ سَلَّمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ الصَّلَاةِ وَإِبْطَالِهَا لِعُذْرٍ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (فَقِيلَ نَافَقْتَ يَا فُلَانُ) هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفَةٌ وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ فَقَالُوا لَهُ أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ أَيْ أَفَعَلْتَ مَا فَعَلَهُ الْمُنَافِقُ مِنَ الْمَيْلِ وَالِانْحِرَافِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالتَّخْفِيفِ فِي الصَّلَاةِ قَالُوهُ تَشْدِيدًا لَهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (أَصْحَابُ نَوَاضِحَ) جَمْعُ نَاضِحَةٍ أُنْثَى نَاضِحٍ وَهِيَ الْإِبِلُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا لِلشَّجَرِ وَالزِّرَاعَةِ (وَنَعْمَلُ بِأَيْدِينَا) أَرَادَ أَنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ وَتَعَبٍ فَلَا نَسْتَطِيعُ تَطْوِيلَ الصَّلَاةِ (أَفَتَّانٌ أَنْتَ

стр. 719

أَفَتَّانٌ أَنْتَ) أَيْ أَمُنَفِّرٌ وَمُوقِعٌ لِلنَّاسِ فِي الْفِتْنَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ صُنْعِهِ لِأَدَائِهِ إِلَى مُفَارَقَةِ الرَّجُلِ الْجَمَاعَةَ فَافْتُتِنَ بِهِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْفِتْنَةُ صَرْفُ النَّاسِ عَنِ الدِّينِ وَحَمْلُهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ قَالَ تَعَالَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ أَيْ بِمُضِلِّينَ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ وَمَعْنَى الْفِتْنَةِ ها هنا أَنَّ التَّطْوِيلَ يَكُونُ سَبَبًا لِخُرُوجِهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَلِلتَّكَرُّهِ لِلصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَا تُبَغِّضُوا إِلَى اللَّهِ عِبَادَهُ يَكُونُ أَحَدُكُمْ إِمَامًا فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ الصَّلَاةَ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ فَتَّانٌ أَيْ مُعَذِّبٌ لِأَنَّهُ عَذَّبَهُمْ بِالتَّطْوِيلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المؤمنين) قِيلَ مَعْنَاهُ عَذَّبُوهُمُ انْتَهَى (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فذكرنا لعمرو) أي بن دِينَارٍ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَعْنَاهُ أَظُنُّهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ لِعَمْرٍو إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ اقرأ والشمس وضحاها والليل إذا يغشى وسبح اسم ربك الأعلى فقال عمرو ونحو هَذَا وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَعَ الثَّلَاثَةِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) زاد بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَالضُّحَى أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرزاق وفي رواية الحميدي عن بن عُيَيْنَةَ مَعَ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ والسماء والطارق) قَالَهُ الْحَافِظُ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَنْوِي بِالْأُولَى الْفَرْضَ وَبِالثَّانِيَةِ النَّفْلَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالشَّافِعِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ والدارقطني وغيرهم من طريق بن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ زَادَ هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ صَرَّحَ بن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَمَاعِهِ فِيهِ فانتفت تهمة تدليسه فقول بن الْجَوْزِيِّ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْدُودٌ وَتَعْلِيلُ الطَّحَاوِيِّ له بأن بن عُيَيْنَةَ سَاقَهُ عَنْ عُمَرَ وَأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ بن جُرَيْجٍ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَ بِقَادِحٍ في صحته لأن بن جريج أسن وأجل من بن عُيَيْنَةَ وَأَقْدَمُ أَخْذًا عَنْ عَمْرٍو مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ لَيْسَتْ مُنَافِيَةً لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرُ عَدَدًا فَلَا مَعْنًى لِلتَّوَقُّفِ فِي الْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا وَأَمَّا رَدُّ الطَّحَاوِيِّ لَهَا بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مُدْرَجَةً فَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّفْصِيلُ فَمَهْمَا كَانَ مضموما إلى الحديث فهو منه ولاسيما إِذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ أَخْرَجَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ مُتَابِعًا لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ وَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ هُوَ ظَنٌّ مِنْ جَابِرٍ مَرْدُودٌ لِأَنَّ جَابِرًا كَانَ مِمَّنْ يُصَلِّي مَعَ مُعَاذٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا يُظَنُّ بِجَابِرٍ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ شَخْصٍ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُشَاهَدٍ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ

стр. 720

أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ وَأَمَّا احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ حَاصِلَهُ النَّهْيُ عَنْ التَّلَبُّسِ بِصَلَاةٍ غَيْرَ الَّتِي أُقِيمَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنِيَّةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَلَوْ تَعَيَّنَتْ نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ لَامْتَنَعَ عَلَى مُعَاذٍ أَنْ يُصَلِّيَ الثَّانِيَةَ بِقَوْمِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِينَئِذٍ فَرْضًا لَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا يُظَنُّ بِمَعَاذٍ أَنْ يَتْرُكَ فَضِيلَةَ الْفَرْضِ خَلْفَ أَفْضَلِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَرْجِيحٍ لَكِنْ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْفَضْلُ بِالِاتِّبَاعِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ إِنَّ الْعِشَاءَ فِي قَوْلِهِ كان يصلي مع النبي الْعِشَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَفْرُوضَةِ فَلَا يُقَالُ كَانَ يَنْوِي بِهَا التَّطَوُّعَ لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ هَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَنْوِيَ بِهَا التَّنَفُّلَ وأما قول بن حَزْمٍ إِنَّ الْمُخَالِفِينَ لَا يُجِيزُونَ لِمَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ إِذَا أُقِيمَ أَنْ يُصَلِّيَهُ مُتَطَوِّعًا فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ فهذا إن كان كما قال نقص قَوِيٌّ وَأَسْلَمُ الْأَجْوِبَةِ التَّمَسُّكُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ [٧٩١] (عَنْ حَزْمِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَتَى مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) قال الحافظ بن جَابِرٍ لَمْ يُدْرِكْ حَزْمًا وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ طَالِبِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَّ حَزْمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فَافْتَتَحَ بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ وَمَعَ حَزْمٍ نَاضِحٌ لَهُ الْحَدِيثَ قَالَ الْبَزَّارُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَمَّاهُ عَنْ جَابِرٍ إِلَّا بن جابر انتهى ورواه بن لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَسَمَّاهُ حازما وكأنه صحفه أخرجه بن شَاهِينَ مِنْ طَرِيقِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو يعلى وبن السَّكَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فَدَخَلَ حَرَامٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ الْحَدِيثَ كَذَا فِيهِ بِرَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ خَالُ أَنَسٍ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي الرِّوَايَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَصْحِيفٌ مِنْ حَزْمٍ فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ انْتَهَى (وَهُوَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَفِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ الْعِشَاءِ قَالَ الْحَافِظُ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ مَجَازًا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ انْتَهَى (فِي هَذَا الخبر) المذكور

стр. 721

آنِفًا (لَا تَكُنْ فَتَّانًا) أَيْ مُنَفِّرًا عَنِ الدين وصادا عنه ففيه انكار عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ مَا يُنْهَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَفِيهِ جَوَازُ الِاكْتِفَاءِ فِي التَّعْزِيرِ بِالْكَلَامِ وَفِيهِ الْأَمْرُ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ وَالتَّعْزِيرُ عَلَى إِطَالَتِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ وَالْمُسَافِرُ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ مُرَاعَاةً لِحَالِ الْمَأْمُومِينَ وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ إِذَا عُلِمَ رِضَا الْمَأْمُومِينَ فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَالَ مَنْ يَأْتِي فَيَأْتَمُّ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ مُطْلَقًا إِلَّا إِذَا فُرِضَ فِي مُصَلٍّ بِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ فِي مَكَانٍ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُمْ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَاجَةَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا عُذْرٌ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ الْمَأْمُومِ مِنَ الصَّلَاةِ لِعُذْرٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لِأَنَّ مُعَاذًا كان يصلي مع رسول الله فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ ثُمَّ يُصَلِّي مَرَّةً ثَانِيَةً بِقَوْمِهِ هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ وَقَدْ جَاءَ هَكَذَا مُصَرَّحًا بِهِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ وَهَذَا جائز عند الشافعي رحمه الله تعالى وخرين وَلَمْ يُجِزْهُ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵃ وَالْكُوفِيُّونَ وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ مُعَاذٍ ﵁ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النبي تَنَفُّلًا وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يعلم به النبي وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حَدِيثُ مُعَاذٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ دَعَاوَى لَا أَصْلَ لَهَا فَلَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِهَا انْتَهَى قُلْتُ قَدْ رَدَّ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ رَدًّا حَسَنًا وَأَشْبَعَ الْكَلَامَ فِيهِ فَإِنْ شِئْتَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فَارْجِعْ إِلَيْهِ [٧٩٢] (كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ مَا تَدْعُو فِي صَلَاتِكَ (قَالَ) الرَّجُلُ (أَتَشَهَّدُ) هُوَ تَفَعُّلٌ مِنَ الشَّهَادَةِ يُرِيدُ تَشَهُّدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ التَّحِيَّاتُ سُمِّيَ تَشَهُّدًا لِأَنَّ فِيهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله (أما) بفتح الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدُ الْمِيمِ (إِنِّي لَا أُحْسِنُ) مِنَ الْإِحْسَانِ أَيْ لَا أَعْرِفُ وَلَا أَدْرِي وَلَا أَعْمَلُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ يُحْسِنُ الشَّيْءَ أَيْ يَعْمَلُهُ انْتَهَى (دَنْدَنَتَكَ) بِدَالَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ وَنُونَيْنِ هِيَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالْكَلَامِ تُسْمَعُ نَغْمَتُهُ وَلَا يُفْهَمُ وَهِيَ أَرْفَعُ مِنَ الْهَيْنَمَةِ قَلِيلًا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الدَّنْدَنَةُ قِرَاءَةٌ مُبْهَمَةٌ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ وَالْهَيْنَمَةُ مِثْلُهَا أَوْ

стр. 722

نَحْوُهَا انْتَهَى (وَلَا) أَعْرِفُ وَلَا أَدْرِي (دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ) أَيْ لَا أَدْرِي مَا تَدْعُو بِهِ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يَدْعُو بِهِ مُعَاذٌ إِمَامُنَا وَلَا أَعْرِفُ دُعَاءَكَ الْخَفِيَّ الَّذِي تَدْعُو بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَوْتَ مُعَاذٍ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى نَظْمِ أَلْفَاظِ الْمُنَاجَاةِ مِثْلَكَ وَمِثْلَ مُعَاذٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرَّجُلُ الصَّحَابِيَّ مُعَاذًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُعَاذٍ أَوْ هُوَ مِمَّنْ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ مُعَاذٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجُلِ مَعَ قِصَّةِ إِمَامَهِ مُعَاذٍ كَمَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَالْحَاصِلُ أَيْ إِنِّي أَسْمَعُ صَوْتَكَ وَصَوْتَ مُعَاذٍ وَلَكِنْ لَا أَفْهَمُ (حَوْلَهَا) بِالْإِفْرَادِ هَكَذَا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ وَهَكَذَا في سنن بن مَاجَهْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَوْلَهَا يَعْنِي الْجَنَّةَ كَذَا هُوَ بِخَطِّ السُّيُوطِيِّ وَمَا فِي نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَنَّهُ حَوْلَهُمَا تَحْرِيفٌ وَإِنْ كَانَ رِوَايَةً انْتَهَى (نُدَنْدِنُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ حَوْلَ هَاتَيْنِ قَالَ بن الْأَثِيرِ حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ وَالضَّمِيرُ فِي حَوْلَهُمَا لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَيْ حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ وَفِي طَلَبِهِمَا وَمِنْهُ دَنْدَنَ الرَّجُلُ إِذَا اخْتَلَفَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ مَجِيئًا وَذَهَابًا وَأَمَّا عَنْهُمَا نُدَنْدِنُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ دَنْدَنَتَنَا صَادِرَةٌ عَنْهُمَا وَكَائِنَةٌ بِسَبَبِهِمَا انْتَهَى وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْ مَا نُدَنْدِنُ إِلَّا حَوْلَ طَلَبِ الْجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذِ مِنَ النَّارِ وَضَمِيرُ حَوْلَهُمَا لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَالْمُرَادُ مَا نُدَنْدِنُ إِلَّا لِأَجْلِهِمَا فَالْحَقِيقَةُ لَا مُبَايَنَةَ بَيْنَ مَا نَدْعُو بِهِ وَبَيْنَ دُعَائِكَ انْتَهَى قَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ حَوْلَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ نُدَنْدِنُ وَإِنَّمَا نَسْأَلُ الْجَنَّةَ وَنَتَعَوَّذُ مِنَ النَّارِ كَمَا تَفْعَلُ قَالَهُ تَوَاضُعًا وَتَأْنِيسًا لَهُ [٧٩٣] (ذَكَرَ قِصَّةَ مُعَاذٍ) أَيْ ذكر جابر قصة معاذ المذكورة نفا (حَوْلَ هَاتَيْنِ أَوْ نَحْوَ هَذَا) شَكٌّ مِنَ الراوي أي قال رسول الله لفظ حول هاتين أو لفظا خر في معناه والمعنى أني ومعاذ حَوْلَ هَاتَيْنِ أَيْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ نُدَنْدِنُ أَيْ نَحْنُ أَيْضًا نَدْعُو اللَّهَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ وَمَا فِي إِنْجَاحِ الْحَاجَةِ حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ أَيْ حَوْلَ هَذَيْنِ الدُّعَائَيْنِ مِنْ طَلَبِ الْجَنَّةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ النَّارِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [٧٩٤] (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ) أَيْ إِمَامًا لَهُمْ أَوِ اللَّامِ بِمَعْنَى الْبَاءِ (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ

стр. 723

وَالسَّقِيمَ) الْمُرَادُ بِالضَّعِيفِ هُنَا ضَعِيفُ الْخِلْقَةِ وَبِالسَّقِيمِ مَنْ بِهِ مَرَضٌ (وَالْكَبِيرَ) أَيْ فِي السِّنِّ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَالْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَالْعَابِرَ السَّبِيلِ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي وَذَا الْحَاجَةِ هِيَ أَشْمَلُ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ (فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ) وَلِمُسْلِمٍ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ أَيْ مُخَفِّفًا وَمُطَوِّلًا قَالَ الْحَافِظُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ عُمُومُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَإِذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَمَالِ بِالتَّطْوِيلِ وَمَفْسَدَةُ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَانَتْ مُرَاعَاةُ تَرْكِ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٧٩٥] (فَلْيُخَفِّفْ) قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ التَّطْوِيلُ وَالتَّخْفِيفُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَةِ قوم طويلا بالنسبة لعادة خرين قال وقول الفقهاء لا يزيد إمام فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ لَا يخالف ما ورد عن النبي أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ رَغْبَةَ الصَّحَابَةِ فِي الْخَيْرِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا قُلْتُ وَأَوْلَى مَا أُخِذَ حَدُّ التَّخْفِيفِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ النبي قَالَ لَهُ أَنْتَ إِمَامُ قَوْمِكَ وَاقْدُرِ الْقَوْمِ بِأَضْعَفِهِمْ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ٤ - (بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ) لَعَلَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الباب إثبات القراءة فيه وأنها تكون سر إِشَارَةً إِلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ كَابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ

стр. 724

[٧٩٧] (فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (فَمَا أَسْمَعَنَا) مَا مَوْصُولَةٌ وَأَسْمَعَنَا فِعْلٌ وَمَفْعُولٌ وَفَاعِلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَسْمَعْنَاكُمْ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ مَا جُهِرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ جَهَرْنَا بِهِ وَمَا أُسِرَّ أَسْرَرْنَا بِهِ وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَعَلَى الْإِسْرَارِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَمَذْهَبُنَا الْجَهْرُ فِيهِمَا وَفِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ قِيلَ يُجْهَرُ فِيهَا وَقِيلَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ وَنَوَافِلُ النَّهَارِ يُسَرُّ بِهَا وَالْكُسُوفُ يُسَرُّ بِهَا نَهَارًا وَيُجْهَرُ لَيْلًا وَالْجِنَازَةُ يُسَرُّ بِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَقِيلَ يُجْهَرُ لَيْلًا وَلَوْ فَاتَهُ صَلَاةُ لَيْلَةٍ كَالْعِشَاءِ فَقَضَاهَا فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى جَهَرَ وَإِنْ قَضَاهَا نَهَارًا فَوَجْهَانِ الْأَصَحُّ يَجْهَرُ وَالثَّانِي يُسِرُّ وَإِنْ فَاتَهُ نَهَارِيَّةٌ كَالظُّهْرِ فَقَضَاهَا نَهَارًا أَسَرَّ وَإِنْ قَضَاهَا لَيْلًا فَوَجْهَانِ الْأَصَحُّ يَجْهَرُ وَالثَّانِي يُسِرُّ وَحَيْثُ قُلْنَا يَجْهَرُ أَوْ يُسِرُّ فَهُوَ سُنَّةٌ فَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عِنْدَنَا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [٧٩٨] (وَهَذَا لفظه) أي لفظ بن الْمُثَنَّى (عَنْ يَحْيَى) أَيْ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى وهو بن أبي كثير (قال بن المثنى وأبي سلمة) أي قال بن الْمُثَنَّى فِي رِوَايَتهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ وَأَمَّا مُسَدَّدٌ فَقَالَ في روايته عن عبد الله بن أبي قَتَادَةَ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ (ثُمَّ اتفقا) أي مسدد وبن الْمُثَنَّى (فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ الْأُولَى (وَسُورَتَيْنِ) أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ (وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا) وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فَنَسْمَعُ الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ قَالَ الْحَافِظُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ فِي السِّرِّيَّةِ وَأَنَّهُ لَا سُجُودَ سَهْوٍ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ

стр. 725

قلنا كان يفعل ذلك عمد البيان الْجَوَازِ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي التَّدَبُّرِ وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَارَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ وَقَوْلُهُ أَحْيَانًا يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ انْتَهَى قُلْتُ الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُسِرُّ فِي السِّرِّيَّةِ وَيُسْمِعُ بَعْضَ الْآيَاتِ أَحْيَانًا فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ مُطْلَقًا فِي السِّرِّيَّةِ بَعِيدٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَأنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّشَاطَ فِي الْأُولَى يَكُونُ أَكْثَرَ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفُ فِي الثَّانِيَةِ حَذَرًا مِنَ الْمَلَلِ انْتَهَى وَيَأْتِي فِي الْبَابِ حِكْمَةٌ أُخْرَى لِتَطْوِيلِ الْأُولَى وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَعْدٍ الْآتِي حَيْثُ قَالَ أَمَدَّ فِي الْأُولَيَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ تَطْوِيلُهُمَا عَلَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهمَا فِي الطُّولِ وَقَالَ مَنِ اسْتَحَبَّ اسْتِوَاءَهُمَا إِنَّمَا طَالَتِ الْأُولَى بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ وَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَهُمَا سَوَاءٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ أَنَّ الَّذِينَ حَزَرُوا ذَلِكَ كانوا ثلاثين من الصحابة وادعى بن حِبَّانَ أَنَّ الْأُولَى إِنَّمَا طَالَتْ عَلَى الثَّانِيَةِ بِالزِّيَادَةِ فِي التَّرْتِيلِ فِيهَا مَعَ اسْتِوَاءِ الْمَقْرُوءِ فِيهِمَا وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ (وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ) أَيْ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَيُطَوِّلُ الْأُولَى وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ [٧٩٩] (بِبَعْضِ هَذَا) أَيْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا (وَزَادَ) أَيِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ هَمَّامٍ وَأَبَانَ كِلَيْهِمَا (فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ أَبَانَ وَهَمَّامٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ وَلَمْ يُوجِبْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْقِرَاءَةَ بَلْ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ والسكوت والجمهور عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَنِ الصَّحِيحَةِ انْتَهَى (وَزَادَ) أَيِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ (عَنْ هَمَّامٍ) وَحْدَهُ (وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ

стр. 726

يُطَوِّلُ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّطْوِيلِ وَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَيْ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى إِطَالَةً لَا يُطِيلُهَا فِي الثَّانِيَةِ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ غَيْرَ إِطَالَتِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَتَكُونُ هِيَ مَعَ مَا فِي حَيِّزِهَا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ (وَهَكَذَا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ فِي الْأُولَيَيْنِ وَبِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَالتَّطْوِيلُ فِي الْأُولَى بِصَلَاةِ الظُّهْرِ بَلْ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بَابٌ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَيْ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُطَوِّلُ فِي أُولَى الصُّبْحِ خَاصَّةً وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْمَسْأَلَةِ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى إِنْ كَانَ يَنْتَظِرُ أَحَدًا وَإِلَّا فَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ وروى عبد الرزاق نحوه عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَامُ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَكْثُرَ النَّاسُ فَإِذَا صَلَّيْتُ لِنَفْسِي فَإِنِّي أَحْرِصُ عَلَى أَنْ أَجْعَلَ الْأُولَيَيْنِ سَوَاءً وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْأُولَى مِنَ الصُّبْحِ دَائِمًا وَأَمَّا غَيْرُهَا فَإِنْ كَانَ يَتَرَجَّى كَثْرَةَ الْمَأْمُومِينَ وَيُبَادِرُ هُوَ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَيَنْتَظِرُ وَإِلَّا فَلَا وَذَكَرَ فِي حِكْمَةِ اخْتِصَاصِ الصُّبْحِ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَكُونُ عَقِبَ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يُوَاطِئُ السَّمْعُ وَاللِّسَانُ الْقَلْبَ لِفَرَاغِهِ وَعَدَمِ تَمَكُّنِ الِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ الْمَعَاشِ وَغَيْرِهَا مِنْهُ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ انْتَهَى [٨٠٠] (قَالَ) أَيْ أَبُو قَتَادَةَ (إِنَّهُ) ﷺ (يُرِيدُ بِذَلِكَ) أَيِ التَّطْوِيلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَنْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فِيهِ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي التَّطْوِيلِ الْمَذْكُورِ هِيَ انْتِظَارُ الدَّاخِلِ وَكَذَا رَوَى هذه الزيادة عبد الرزاق وبن خُزَيْمَةَ وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى جَوَازِ تَطْوِيلِ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ لِأَجْلِ الدَّاخِلِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا يُعَلَّلُ بِهَا لِخَفَائِهَا أَوْ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ يُرِيدُ تَقْصِيرَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يُطِيلُهَا لِأَجْلِ الْآتِي وَإِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ فِيهَا لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى سُنَنِهَا مِنْ تَطْوِيلِ الْأُولَى فَافْتَرَقَ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ انْتَهَى وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي انْتِظَارِ الدَّاخِلِ فِي الرُّكُوعِ شَيْءٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ الْحَافِظُ [٨٠١] (عَنْ عُمَارَةَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ (بْنِ عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) هُوَ

стр. 727

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ الْأَزْدِيُّ (قُلْنَا لِخَبَّابٍ) بموحدتين الأولى مثقلة بن الْأَرَتِّ التَّمِيمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ وَشَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا (بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ) فِيهِ الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ عَلَى قِرَاءَتِهِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ تُعَيِّنُ الْقِرَاءَةَ دُونَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ مَثَلًا لِأَنَّ اضْطِرَابَ اللِّحْيَةِ يَحْصُلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوهُ بِالصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ مِنْهَا هُوَ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ لَا الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ كَانَ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا قَوَّى الِاسْتِدْلَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ احْتِمَالُ الذِّكْرِ مُمْكِنٌ لَكِنْ جَزْمُ الصَّحَابِيِّ بِالْقِرَاءَةِ مَقْبُولٌ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ قَالَهُ الْحَافِظُ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ سِرًّا وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَارَ بِالْقِرَاءَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِسْمَاعِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْبَقَ شَفَتَيْهِ وَحَرَّكَ لِسَانَهُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ لَا تَضْطَرِبُ بِذَلِكَ لِحْيَتُهُ فَلَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [٨٠٢] (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ قَبْلَ الْمُهْمَلَةِ الْأَوْدِيُّ الْكُوفِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي حَازِمٍ الأشجعي وعطاء وطائفة وعنه بن عَوْنٍ وَإِسْرَائِيلُ وَشَرِيكٌ وَآخَرُونَ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ (حَتَّى لَا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ) أَيْ صَوْتَ قَدَمٍ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَالْمُنْذِرِيُّ وفيه مجهول ٥ - (بَاب تَخْفِيفِ الْأُخْرَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ الْأُخْرَى) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ وَحُكْمُ ثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ حُكْمُ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ

стр. 728

[٨٠٣] (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) هُوَ الصَّحَابِيُّ وَلِأَبِيهِ سَمُرَةَ بْنِ جُنَادَةَ صُحْبَةٌ أَيْضًا (لِسَعْدٍ) هُوَ بن أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ خَالُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ الرَّاوِي عَنْهُ (شَكَاكَ النَّاسُ) هُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ وفي رواية للبخاري شكى أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ إِذْ جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَشْكُونَ إِلَيْهِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَتَّى قَالُوا إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَمَّرَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى قِتَالِ الْفُرْسِ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ الْعِرَاقَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ اخْتَطَّ الْكُوفَةَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا أَمِيرًا إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ سَنَةَ عِشْرِينَ فَوَقَعَ لَهُ مَعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَا ذُكِرَ (فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ) قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ رَفَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَشَفَهَا عُمَرُ فَوَجَدَهَا بَاطِلَةً انْتَهَى وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ عُمَرَ فِي وَصِيَّتِهِ فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (قَالَ) أَيْ سَعْدٌ (أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ) أَيْ أُطَوِّلُ فِيهِمَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَأُرْكِدُ فِي الْأُولَيَيْنِ قَالَ الْحَافِظُ قَالَ الْقَزَّازُ أُرْكِدُ أَيْ أُقِيمُ طَوِيلًا أَيْ أَطْوِّلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَكِنِ الْمَعْهُودُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقِرَاءَةِ انْتَهَى (وَأَحْذِفُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُرَادُ بِالْحَذْفِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَخْفِيفُهُمَا وَتَقْصِيرُهُمَا عن الأوليين لا حذف أصل القراءة والإخلال بِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحْذِفُ الْمَدَّ (وَلَا آلُو) بِالْمَدِّ فِي أَوَّلِهِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيْ لَا أُقَصِّرُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ فِي إِفْسَادِكُمْ (مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَانٌ لِمَا (ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ) أَيْ هَذَا الَّذِي تَقُولُ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَظُنُّهُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ مَدْحُ الرَّجُلِ الْجَلِيلِ فِي وَجْهِهِ إِذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ فِتْنَةً بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَجَمَعَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرْتُهُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [٨٠٤] (عَنْ أَبِي صِدِّيقٍ النَّاجِيِّ) وَاسْمُهُ بَكْرُ بْنُ عمرو وقيل بن قَيْسٍ النَّاجِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى نَاجِيَةِ

стр. 729

قَبِيلَةٌ (حَزَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كُنَّا نَحْزُرُ قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مِنَ الْحَزْرِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ وَالْخَرْصُ (فَحَزَرْنَا) أَيْ قَدَّرْنَا (فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً) أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً (قَدْرَ ألم تَنْزِيلُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِ وَنَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي (السَّجْدَةُ) قَالَ النَّوَوِيُّ يَجُوزُ جَرُّ السَّجْدَةِ عَلَى الْبَدَلِ وَنَصْبُهَا بِأَعْنِي وَرَفْعُهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى رَفْعِ تَنْزِيلِ حِكَايَةً وَأَمَّا عَلَى إِعْرَابِهِ فَيَتَعَيَّنُ جَرُّ السَّجْدَةِ بِالْإِضَافَةِ كَذَا قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ فِي الْأُولَيَيْنِ أَيْ حَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ) أَيْ حَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَخْفِيفِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِنَ الْأُولَيَيْنِ مِنْهُمَا وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّخْفِيفِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَجَعْلِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْحِكْمَةُ فِي إِطَالَةِ الظُّهْرِ أَنَّهَا فِي وَقْتِ غَفْلَةٍ بِالنَّوْمِ فِي الْقَائِلَةِ فَطُوِّلَتْ لِيُدْرِكَهَا الْمُتَأَخِّرُ وَالْعَصْرُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ تُفْعَلُ فِي وَقْتِ تَعَبِ أَهْلِ الْأَعْمَالِ فَخُفِّفَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَوِّلُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ تَطْوِيلًا زَائِدًا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ كَمَا فِي حَدِيثِ إِنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ كَانَتْ تُقَامُ وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ وَيُدْرِكُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطِيلُهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ٦ - (بَاب قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) [٨٠٥] (كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ

стр. 730

أَنَّ كَانَ تُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ وَعُمُومَ الْأَزْمَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ حَالِهِ ﷺ أَوْ تُحْمَلَ عَلَى أَنَّهَا لِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِذَلِكَ كَمَا قَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَنَّهُ قَرَأَ مِنْ سُورَةِ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَنَّهُ قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يُعَيِّنِ السُّورَتَيْنِ وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً انْتَهَى بِتَغْيِيرٍ وَاخْتِصَارٍ قُلْتُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ كَانَتْ تُقَامُ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ وَيُدْرِكُ النَّبِيَّ ﷺ وَسَلَّمَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطِيلُهَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَكَذَا وَرَدَ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَتِهِ ﷺ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ الْحَافِظُ وَجُمِعَ بَيْنَهَا بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي أَحْوَالٍ مُتَغَايِرَةٍ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِغَيْرِ ذلك من الأسباب واستدل بن الْعَرَبِيِّ بِاخْتِلَافِهَا عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي صَلَاةِ مُعَيَّنَةٍ وَهُوَ وَاضِحٌ فِيمَا اخْتَلَفَ لَا فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ كَتَنْزِيلِ وَهَلْ أَتَى فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ [٨٠٦] (إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ) أَيْ إِذَا زَالَتْ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ (وَالْعَصْرُ كَذَلِكَ) أَيْ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِنَحْوٍ مِنْ سُورَةِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (وَالصَّلَوَاتُ كَذَلِكَ) أَيْ كَذَلِكَ يَقْرَأُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِثْلَ سُورَةِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (إِلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُهَا) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْحِكْمَةُ فِي إِطَالَةِ الصُّبْحِ أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ بِالنَّوْمِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَيَكُونُ فِي التَّطْوِيلِ انْتِظَارٌ لِلْمُتَأَخِّرِ قَالَ النَّوَوِيُّ حَاكِيًا عَنِ الْعُلَمَاءِ إِنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ بِطُوَالِ الْمُفَصَّلِ وَيَكُونُ الصَّبْحُ أَطْوَلَ وَفِي الْعِشَاءِ وَالْعَصْرِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ قَالَ قَالُوا وَالْحِكْمَةُ فِي إِطَالَةِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ أنَّهُمَا فِي وَقْتِ غَفْلَةٍ بِالنَّوْمِ آخِرِ اللَّيْلِ وَفِي الْقَائِلَةِ فَطُولُهَا لِيُدْرِكَهُمَا الْمُتَأَخِّرُ بِغَفْلَةٍ

стр. 731

وَنَحْوِهَا وَالْعَصْرُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ تُفْعَلُ فِي وَقْتِ تَعَبِ أَهْلِ الْأَعْمَالِ فَخُفِّفَتْ عَنْ ذَلِكَ وَالْمَغْرِبُ ضَيِّقَةُ الْوَقْتِ فَاحْتِيجَ إِلَى زِيَادَةُ تَخْفِيفِهَا لِذَلِكَ وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى عَشَاءِ صَائِمِهمْ وَضَيْفِهِمْ وَالْعِشَاءُ فِي وَقْتِ غَلَبَةِ النَّوْمِ وَالنُّعَاسِ وَلَكِنْ وَقْتُهَا وَاسِعٌ فَأَشْبَهَتِ الْعَصْرَ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَكَوْنُ السُّنَّةِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ الْقِرَاءَةَ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِيهَا بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ وَالطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَالدُّخَانِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ [٨٠٧] (عَنْ أُمَيَّةَ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ أُمَيَّةُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَعَنْهُ سُلَيْمَانُ أَبُو الْمُعْتَمِرِ مَجْهُولٌ (سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ) أَيْ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ (ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ) قال بن الْمَلِكِ يَعْنِي لَمَّا قَامَ مِنَ السُّجُودِ إِلَى الْقِيَامِ رَكَعَ وَلَمْ يَقْرَأْ بَعْدَ السَّجْدَةِ شَيْئًا مِنْ بَاقِي السُّورَةِ وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جَائِزَةً قُلْتُ بَلِ الْقِرَاءَةُ بَعْدَهَا أَفْضَلُ وَلَعَلَهَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَطُولُ أَوْ تَرَكَهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّهُ نَصَّ فِي عَدَمِ قِرَاءَتِهِ ﵇ وَإِنْ كَانَتْ آخِرَ السُّورَةِ ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالرُّكُوعِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا اخْتِيَارًا لِلْعَمَلِ بِالْأَفْضَلِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قُلْتُ لَا بُدَّ لِلِاكْتِفَاءِ بِالرُّكُوعِ مِنْ دَلِيلٍ وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ (فَرَأَيْنَا) أَيْ عَلِمْنَا (أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ) بِنَصْبِ تَنْزِيلٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَبِرَفْعِهِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَالسَّجْدَةُ مَجْرُورَةٌ وَيَجُوزُ نَصْبُهَا بِتَقْدِيرٍ أَعْنِي وَرَفْعُهَا بِتَقْدِيرِ هُوَ وَالْمَعْنَى سَمِعُوا بَعْضَ قِرَاءَتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِبَعْضِ مَا يَقْرَأُ بِهِ فِي الصَّلَوَاتِ السِّرِّيَّةِ لِيَعْلَمُوا سُنِّيَّةَ قِرَاءَةِ تلك السورة قاله القارىء (قال بن عِيسَى لَمْ يَذْكُرْ أُمَيَّةَ أَحَدٌ) أَيْ مِنْ شيوخه (إلا معتمر) بن سُلَيْمَانَ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُؤَلِّفُ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْحَافِظُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّحَاوِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حديث بن عُمَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ أُمَيَّةُ شَيْخُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ رَوَاهُ لَهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ الرَّمْلِيِّ عَنْهُ وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ لَكِنَّهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِإِسْقَاطِهِ وَدَلَّتْ رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ عَلَى أَنَّهُ مُدَلِّسٌ انْتَهَى وَقَالَ مَيْرَكُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَزَادَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ على ذلك

стр. 732

[٨٠٨] (فِي شَبَابٍ) جَمْعُ شَابٍّ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً وَلَا يُجْمَعُ فَاعِلُ عَلَى فَعَالِ غَيْرُهُ (سَلْ) أَمْرٌ مِنَ السُّؤَالِ (فَقَالَ لا) أعلم أن بن عَبَّاسٍ ﵁ كَانَ يَشُكُّ فِي الْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ تَارَةً وَيَنْفِيهَا أُخْرَى وَرُبَّمَا أَثْبَتَهَا أَمَّا نَفْيُهُ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا شَكُّهُ فَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَأَمَّا إِثْبَاتُهَا فَمَا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ سألت بن عَبَّاسٍ أَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ هُوَ إِمَامُكَ اقْرَأْ مِنْهُ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَخْرَجَهُ بن الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَدْ أَثْبَتَ قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا خَبَّابٌ وَأَبُو قَتَادَةَ فَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ نَفَى فَضْلًا عَلَى مَنْ شَكَّ (فَقَالَ خَمْشًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ دُعَاءٌ عَلَيْهِ أَنْ يُخْمَشَ وَجْهُهُ أو جلده كما قال جد عاله وَصَلْبًا وَطَعْنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ بِالسُّوءِ انْتَهَى قُلْتُ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ لَا يَظْهَرُ قاله في النهاية والخمش معناه بالفارسية خراشيدن (أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ) مِنَ الْإِسْبَاغِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِتْمَامُ وَمِنْهُ دِرْعٌ سَابِغٌ أَيْ أَنْ نُتِمَّهُ وَلَا نَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ (وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ) لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ (وَأَنْ لا ننزي الحمار على الفرس) أي لَا نَحْمِلُهَا عَلَيْهَا لِلنَّسْلِ يُقَالُ نَزَا الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى رَكِبَهُ وَأَنْزَيْتُهُ أَنَا وَلَعَلَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يَقِلُّ عَدَدُهَا وَانْقَطَعَ نَمَاؤُهَا وَتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهَا وَالْخَيْلُ لِلرُّكُوبِ وَالرَّكْضِ وَالطَّلَبِ وَالْجِهَادِ وَإِحْرَازِ الْغَنَائِمِ وَالْأَكْلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَنَافِعِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْبَغْلِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْكِلُ الِاخْتِصَاصُ فِي الْإِسْبَاغِ وَالْإِنْزَاءِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَحَبٌّ أُمِرَ بِهِ كُلَّ وَاحِدٍ وَالثَّانِي مَكْرُوهٌ نُهِيَ عَنْهُ كُلَّ وَاحِدٍ نَعَمْ حُرْمَةُ أَكْلِ الصَّدَقَةِ مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِيجَابُ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ أَوِ الْمُرَادَ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدُ فِي ذَلِكَ وَقِيلَ هَذَا كَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ إِلَّا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الِاخْتِصَاصِ وَالِاسْتِيثَارِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِهِمْ كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ قُلْتُ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مُخْتَصِرًا وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [٨٠٩] (لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا) وَقَدْ دَرَى وَعَلِمَ قِرَاءَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم

стр. 733

خَبَّابٌ وَأَبُو قَتَادَةَ وَغَيْرُهُمَا فَرِوَايَةُ الْعَالِمِينَ تَكُونُ مُقَدَّمَةً عَلَى الشَّاكِّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا ٧ - (بَاب قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ) [٨١٠] (أَنَّ أُمَّ الفضل بنت الحارث) هي والدة بن عَبَّاسٍ الرَّاوِي عَنْهَا وَبِذَلِكَ صَرَّحَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ الْفَضْلِ وَاسْمُهَا لُبَابَةُ وَيُقَالُ إِنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ وَالصَّحِيحُ أُخْتُ عُمَرَ زَوْجُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ (إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْحَافِظُ وَصَرَّحَ عقيل في روايته عن بن شِهَابٍ أَنَّهَا آخِرُ صَلَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَفَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَانَتِ الظُّهْرَ وَأَشَرْنَا إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ هَذَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي حَكَتْهَا عَائِشَةُ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَالَّتِي حَكَتْهَا أُمُّ الْفَضْلِ كَانَتْ فِي بَيْتِهِ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ لَكِنْ يعكر عليه رواية بن إسحاق عن بن شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عَاصِبٌ رَأْسَهُ فِي مَرَضِهِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهَا خَرَجَ إِلَيْنَا أَيْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ رَاقِدًا فِيهِ إِلَى مَنْ فِي الْبَيْتِ فَصَلَّى بِهِمْ فَتَلْتَئِمُ الرِّوَايَاتُ انْتَهَى (يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ سَمِعْتُهُ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ التَّطْوِيلُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَنْسُوخٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [٨١١] (يَقْرَأُ بِالطُّورِ) أَيْ بِسُورَةِ الطُّورِ قَالَ بن الْجَوْزِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ كقوله تعالى يشرب بها عبادالله وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ

стр. 734

قَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شيء أم هم الخالقون الْآيَاتُ إِلَى قَوْلِهِ الْمُصَيْطِرُونَ كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ وَقَدِ ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضَ السُّورَةِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ هَيْثَمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ سمعته يقرأ إن عذاب ربك لواقع قَالَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ هُوَ هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةً وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي قَوْلَهُ خَاصَّةً وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْمُتَقَدِّمُ يُبْطِلُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقْرَأُ وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَعْدٍ وَزَادَ فِي أُخْرَى فَاسْتَمْتَعْتُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ [٨١٢] (عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ) كَانَ مَرْوَانُ حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ (بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمُفَصَّلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مُنْتَهَاهُ آخِرُ الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ مِنْ أَوَّلِ الصَّافَّاتِ أَوِ الْجَاثِيَةِ أَوِ الْقِتَالِ أَوِ الْفَتْحِ أَوِ الْحُجُرَاتِ أَوْ ق أَوِ الصَّفِّ أَوْ تَبَارَكَ أَوْ سَبِّحْ أَوْ وَالضُّحَى إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ أَقْوَالٌ أَكْثَرُهَا مُسْتَغْرَبٌ وَالرَّاجِحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ سُوَرَهِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ قِصَارَ الْمُفَصَّلِ مِنْ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ آخِرِ الْقُرْآنِ وَطُوَالَهُ مِنْ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ إِلَى الْبُرُوجِ وَأَوْسَاطَهُ مِنَ الْبُرُوجِ إِلَى سُورَةِ لَمْ يَكُنْ (بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ) أَيْ بِأَطْوَلِ السُّورَتَيْنِ الطُّولَيَيْنِ وطولى تائنيث أَطْوَلٍ وَالطُّولَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ طُولَى قَالَ الْحَافِظُ بعد ما ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي تَفْسِيرِ الطُّولَيَيْنِ مَا نَصُّهُ فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَفْسِيرِ الطُّولَى بِالْأَعْرَافِ وَفِي الْأُخْرَى ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْمَحْفُوظُ مِنْهَا الْأَنْعَامُ (قَالَ قلت ما طولي الطوليين قال الأعراف والآخر الْأَنْعَامُ) بَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ وَلَفْظُهُ قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَهِيَ كُنْيَةُ عُرْوَةَ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ قَالَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ فَفَاعِلُ قال الأولى بن مُلَيْكَةَ وَفَاعِلُ قَالَ الثَّانِيَةِ عُرْوَةُ (وَسَأَلْتُ أَنَا بن أبي مليكة) هذه مقولة بن جُرَيْجٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ النسائي

стр. 735

وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّطْوِيلِ فِي قِرَاءَةِ الْمَغْرِبِ وَقَدِ اخْتَلَفَتْ حَالَاتُ النَّبِيِّ ﷺ فَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَالصَّافَّاتِ وأنه قرأ فيها بحم الدُّخَانِ وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَأَنَّهُ قَرَأَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ﵁ كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَأَنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْحَافِظُ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَحْيَانًا يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِمَّا لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ قَالَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَى مَرْوَانَ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَلَوْ كَانَ مَرْوَانُ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ لَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى زَيْدٍ لَكِنْ لَمْ يُرِدْ زَيْدٌ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالطِّوَالِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ كَمَا رَآهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصِّحَّةِ بِأَطْوَلَ مِنَ الْمُرْسَلَاتِ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي شِدَّةِ مَرَضِهِ وَهُوَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ ٨ - (بَاب مَنْ رَأَى التَّخْفِيفَ فِيهَا) [٨١٣] (هذا يدل أَنَّ ذَاكَ مَنْسُوخٌ) أَيْ قِرَاءَةُ عُرْوَةَ فِي الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ وَالْعَادِيَاتِ وَشَبَهِهَا مِنَ السُّوَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّطْوِيلَ فِي قِرَاءَةِ الْمَغْرِبِ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُؤَلِّفُ وَجْهَ الدِّلَالَةِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا رأى عروة أوى الْخَبَرِ عَمِلَ بِخِلَافِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى نَاسِخِهِ قَالَ الْحَافِظُ وَلَا يَخْفَى بَعْدُ هَذَا الْحَمْلُ وَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَقُولُ إِنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهِمْ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ انْتَهَى قُلْتُ إِنْ سَلَكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْلَكَ النَّسْخِ يَثْبُتُ نَسْخُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ بِحَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ لَا الْعَكْسُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِاسْتِحْبَابِ الْقِصَارِ فِي الْمَغْرِبِ أَنَّهُمْ كَيْفَ قَالُوا بِهِ مَعَ ثُبُوتِ طُوَالِ الْمُفَصَّلِ بَلْ أَطْوَلَ مِنْهَا عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَجَابُوا عَنْهُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ تَطْوِيلَ الْقِرَاءَةِ لَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلًا نَسَخَ ذَلِكَ وَتُرِكَ بِمَا وَرَدَ فِي قِرَاءَةِ الْمُفَصَّلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَعَلَّهُ فَرَّقَ

стр. 736

السُّورَةَ الطَّوِيلَةَ فِي رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَقْرَأْهَا بِتَمَامِهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَصَارَ قَدْرُ مَا قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ بِقَدْرِ الْقِصَارِ وَالثَّالِثُ أَنَّ هَذَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ قَرَأَ بِالطِّوَالِ لِتَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُمْتَدٌّ وَعَلَى أَنَّ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ فِيهِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمِيٍّ وَأَقُولُ الْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ مَخْدُوشَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى احْتِمَالِ النَّسْخِ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلِأَنَّ كَوْنَهُ مَتْرُوكًا إِنَّمَا يَثْبُتُ لَوْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ الطِّوَالِ مِنْ حَيْثُ التَّارِيخُ وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلِأَنَّ حَدِيثَ أُمِّ الْفَضْلِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا آخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ فِي الْمَغْرِبِ فَحِينَئِذٍ إِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ النَّسْخِ يَثْبُتُ نَسْخُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ لَا الْعَكْسُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ إِثْبَاتَ التَّفْرِيقِ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي قِرَاءَةِ الطِّوَالِ مُشْكِلٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ سَمِعَ الطُّورَ بِتَمَامِهِ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يُفِيدُ ح لَيْتَ وَلَعَلَّ وَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نِصْفَ الْأَعْرَافِ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقِصَارِ فَلَا يُفِيدُ التفريق لإثبات القصار فإذن الْجَوَابُ الصَّوَابُ هُوَ الثَّالِثُ كَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قُلْتُ هَذَا الْجَوَابُ الثَّالِثُ أَيْضًا مَخْدُوشٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ إِنْكَارِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى مَرْوَانَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ فِي الْمَغْرِبِ وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ ﷺ السُّوَرَ الطَّوِيلَةَ فِي الْمَغْرِبِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لَمَا كَانَ مَا فَعَلَهُ مَرْوَانُ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ إِلَّا مَحْضُ السُّنَّةِ وَلَمْ يَحْسُنُ مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ إِنْكَارُ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ إِلَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا سَكَتَ مَرْوَانُ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ فِي مَقَامِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَأَيْضًا بَيَانُ الْجَوَازِ يَكْفِي فِيهِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ قَرَأَ بِالسُّوَرِ الطَّوِيلَةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَالْحَقُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَسَائِرِ السُّوَرِ سُنَّةٌ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ اعْتِقَادٌ أَنَّهُ السُّنَّةُ دُونَ غَيْرِهِ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ ﷺ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [٨١٤] (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ) أَيْ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ بن حَجَرٍ وَلَا يَحْتَمِلُ هُنَا عَوْدُ الضَّمِيرِ لِجَدِّ شُعَيْبٍ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَنْ عَمْرٍو لِأَنَّ

стр. 737

الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ الْأَوَّلُ (مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ) هُوَ مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ (فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أَيِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَهِيَ الْخَمْسُ ٩ - (بَاب الرَّجُلِ يُعِيدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ) [٨١٦] (أَخْبَرَهُ) الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ رَاجِعٌ إِلَى الرَّجُلِ وَالْبَارِزُ إِلَى مُعَاذٍ وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ لِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ (أَنَّهُ) أَيِ الرَّجُلُ (فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّبْعِيضِ قال بن الْمَلِكِ أَيْ قَرَأَ فِي كُلِّ مِنْ رَكْعَتَيْهَا إِذَا زُلْزِلَتْ بِكَمَالِهَا (فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا) تَرَدَّدَ الصَّحَابِيُّ فِي أَنَّ إِعَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسُّورَةِ هَلْ كَانَ نِسْيَانًا لِكَوْنِ الْمُعْتَادِ مِنْ قِرَاءَتِهِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرَ مَا قَرَأَ بِهِ فِي الْأُولَى فَلَا يكون مشروعا لأمته أو فعله عمد البيان الْجَوَازِ فَتَكُونُ الْإِعَادَةُ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَحَمْلُ فِعْلِهِ ﷺ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ التَّشْرِيعُ وَالنِّسْيَانُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَنَظِيرُهُ ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا إِذَا تَرَدَّدَ فِعْلُهُ ﷺ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِبِلِّيًّا أَوْ لِبَيَانِ الشَّرْعِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُؤَلِّفُ وَالْمُنْذِرِيُّ قَالَ فِي النَّيْلِ وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَطْعَنٌ بَلْ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ

стр. 738

٢٠ - (بَاب الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ) [٨١٧] (كَأَنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَرَادَ بِذَلِكَ قُوَّةَ تَحَقُّقِهِ لِذَلِكَ بِحَيْثُ إِنَّهُ لِشِدَّةِ اسْتِحْضَارِهِ لَهُ كَأَنَّهُ يَسْمَعُ الْآنَ (يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي الْفَجْرِ (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ يَقْرَأ بالسورة التي فيها والليل إذا عسعس قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ أَتَمَّ مِنْهُ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جواز قراءة سورة إذا الشمس كورت فِي الصُّبْحِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ فَاسْتَفْتَحَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَأَنَّهُ قَرَأَ الرُّومَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُ قَرَأَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأنَّهُ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَأَنَّهُ قَرَأَ الْوَاقِعَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِيُونُسَ وهود أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وأنه قرأ إذا زلزلت كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنَّهُ قَرَأَ ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان أخرجه الشيخان من حديث بن مَسْعُودٍ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ١ - (بَابُ مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاتِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) أَيْ مَا حُكْمُهُ فَثَبَتَ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ [٨١٨] (أُمِرْنَا) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْآمِرُ إِنَّمَا هو رسول الله لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ

стр. 739

يَنْصَرِفُ بِظَاهِرِهِ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وهو الرسول (أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) فِيهِ وَفِيمَا يَأْتِي مِنَ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الصلاة وأنها متعينة لا يجزئ غَيْرُهَا إِلَّا لِعَاجِزٍ عَنْهَا وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ لَا يَجِبُ الْفَاتِحَةُ بَلِ الْوَاجِبُ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ (وَمَا تَيَسَّرَ) فِي مَحَلِّ الْجَرِّ عُطِفَ عَلَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَيْ أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ وَبِقَوْلِهِ فَمَا زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي وَبِقَوْلِهِ فَصَاعِدًا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْآتِي عَلَى وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاتِحَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي ربع دينار فصاعدا وادعى بن حِبَّانُ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِهِ عَنْ بعض الصحابة ومن بعدهم فيما رواه بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ كُلُّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ فَمَا أَسْمَعَنَا رسول الله أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ بن عباس أن النبي قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ كَذَا أَفَادَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةٌ فَصَاعِدًا مَا نَصُّهُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا تَقْصُرُ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ قُرْآنٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ السُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ الصَّلَوَاتِ قَالَ النَّوَوِيُّ إَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وُجُوبَ السُّورَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَأَمَّا السُّورَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ دُونَ الْقَدِيمِ ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ إِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ قُرْآنٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ عُمَرُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَغَيْرُهُمْ وَالظَّاهِرُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ إِيجَابِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا تَوَهُّمُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى دُونَ ذَلِكَ قُرْآنًا لِعَدَمِ إِعْجَازِهِ كَمَا قِيلَ وَهُوَ فَاسِدٌ لِصِدْقِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَأَيْضًا الْمُرَادُ مَا يُسَمَّى قُرْآنًا مَا يُسَمَّى مُعْجِزًا وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِالْآيَةِ الطَّوِيلَةِ نَعَمْ لَوْ كَانَ حديث أبي سعيد الذي عند بن مَاجَهْ بِلَفْظِ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا صَحِيحًا لَكَانَ مُفَسِّرًا لِلْمُبْهَمِ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ قَوْلِهِ فَمَا زَادَ وَقَوْلُهُ فَصَاعِدًا وَقَوْلُهُ مَا تَيَسَّرَ وَلَكَانَ دَالًّا عَلَى وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَقَدْ عُورِضَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ وَإِنْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ

стр. 740

زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ إِلَخْ لَيْسَ مَرْفُوعًا وَلَا مِمَّا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ هَذَا الْحَدِيثَ كَرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي آخِرِهِ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أن ضمير سمعته للنبي فَيَكُونُ مَرْفُوعًا بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ قَوْلُهُ مَا أَسْمَعَنَا وَمَا أَخْفَى عَنَّا يُشْعِرُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مُتَلَقًّى عَنِ النبي فَيَكُونُ لِلْجَمِيعِ حُكْمُ الرَّفْعِ انْتَهَى وَهَذَا الْإِشْعَارُ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ بِاعْتِبَارِ جَمِيعِ الْحَدِيثِ فَإِنْ صَحَّ جُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِزِيَادَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ بِحَمْلِهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ انْتَهَى حَاصِلُ كَلَامِ الشَّوْكَانِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أخرجه البخاري في جزء القراءة قال بن سَيِّدِ النَّاسِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ [٨١٩] (اخْرُجْ فَنَادِ) أَمْرٌ مِنَ النِّدَاءِ أَصْلُهُ نَادِي عَلَى وَزْنِ قَاتِلْ حُذِفَتِ الْيَاءُ لِلْأَمْرِ (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ) اسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ وَلَيْسَ بِثِقَةٍ كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ وَقَالَ أَحْمَدُ ليس بقوي في الحديث وقال بن عَدِيٍّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ فِي الضُّعَفَاءِ وَأَيْضًا قَدْ رَوَى الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَهُ بِلَفْظِ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى بِأَوْلَى مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَيْضًا أَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا بِجَنْبِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَرْضِيَّةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَعَدَمِ إِجْزَاءِ الصَّلَاةِ بِدُونِهَا وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أقل مجزىء الْفَاتِحَةُ كَصُمْ وَلَوْ يَوْمًا فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ مَعْنَاهُ كَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بشق تمرة [٨٢٠] (أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ لَا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِثِقَةٍ كَمَا عَرَفْتَ وَلَكِنَّهُ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ مَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وبن حِبَّانَ وَالْمُؤَلِّفِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِلَفْظِ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ
следующие страницы →