Полный текст (4 665 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
تَأَلُّفِهِمْ (وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ فَجُعِلَتْ نَافِلَتُهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ كَنَافِلَتِهِ قَائِمًا تَشْرِيفًا لَهُ كَمَا خُصَّ بِأَشْيَاءَ مَعْرُوفَةٍ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ مِنَ الْقِيَامِ بِحُطَمِ النَّاسِ وَلِلسِّنِّ فَكَانَ أَجْرُهُ تَامًّا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ هَذَا كَلَامُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّ غَيْرَهُ ﷺ إِنْ كَانَ مَعْذُورًا فَثَوَابُهُ أَيْضًا كَامِلٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَلَيْسَ هُوَ كَالْمَعْذُورِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ تَخْصِيصٌ فَلَا يَحْسُنُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ وَإِطْلَاقُ هَذَا الْقَوْلِ فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا إِنَّ نَافِلَتَهُ ﷺ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ثَوَابُهَا كَثَوَابِهِ قَائِمًا وَهُوَ مِنَ الْخَصَائِصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٩٥١] (أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ) ذِكْرُ الرَّجُلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ بَلِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (وَصَلَاتُهُ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي قَاعِدًا وَالْمُصَلِّي يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَازٌ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْرِ ثَبَاتٌ (وَصَلَاتُهُ نَائِمًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ لَا أَعْلَمُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَخَّصَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ نَائِمًا كَمَا رَخَّصَ فِيهَا قَاعِدًا فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ وَقَاسَهُ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ أَوِ اعْتَبَرَ بِصَلَاةِ الْمَرِيضِ نَائِمًا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُعُودِ فَإِنَّ التَّطَوُّعَ مُضْطَجِعًا لِلْقَادِرِ عَلَى الْقُعُودِ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ إِذَا تَطَوَّعَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ فَلَا تَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي قَاعِدًا لِأَنَّ الْقُعُودَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ الِاضْطِجَاعُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَشْكَالِ الصَّلَاةِ
انْتَهَى
وَقَالَ بن بَطَّالٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ مَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ فَلَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أَنَّ النَّافِلَةَ لَا يُصَلِّيهَا الْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ إِيمَاءً قَالَ وَإِنَّمَا دَخَلَ الوهم على
стр. 877
نَاقِلِ الْحَدِيثِ
وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْعِرَاقِيُّ فَقَالَ أَمَّا نفي الخطابي وبن بَطَّالٍ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا لِلْقَادِرِ فَمَرْدُودٌ فَإِنَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَيْنِ الْأَصَحُّ مِنْهُمَا الصِّحَّةُ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ أَحَدُهَا الْجَوَازُ مُطْلَقًا فِي الِاضْطِرَارِ وَالِاخْتِيَارِ لِلصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ جَوَازَهُ فَكَيْفَ يَدَّعِي مَعَ هَذَا الْخِلَافِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ الِاتِّفَاقَ
اه
قَالَ الطِّيبِيُّ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ نَائِمًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ فَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِهِ وَأَجْرُهُ نِصْفُ الْقَاعِدِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَوْلَى لِثُبُوتِهِ فِي السُّنَّةِ
انْتَهَى
قُلْتُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَوَازِ هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ فِي النَّيْلِ وَاخْتَلَفَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ أَوْ عَلَى الْفَرْضِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْقَادِرِ فَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ مَحْمَلٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمَرِيضَ الْمُفْتَرِضَ الَّذِي أَتَى بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ يُكْتَبُ له جميع الأجر لا نصفه
قال بن بَطَّالٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الشَّيْءِ لَكَ نِصْفُ أَجْرِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بَلِ الْآثَارُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ مَنَعَهُ اللَّهُ وَحَبَسَهُ عَنْ عَمَلِهِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَهُوَ صحيح
انتهى
وحمله سفيان الثوري وبن الْمَاجِشُونِ عَلَى التَّطَوُّعِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ وَقَالَ إِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٩٥٢] (كَانَ بِي النَّاصُورُ) قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ أَهْلُ اللُّغَةِ ذَكَرُوا النَّاسُورَ بِالسِّينِ خَاصَّةً
كَذَا ذَكَرَهُ الْأَقْلَشِيُّ انْتَهَى
وفي رواية البخاري كانت بن بَوَاسِيرُ قَالَ فِي الْفَتْحِ الْبَوَاسِيرُ جَمْعُ بَاسُورٍ يُقَالُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَبِالنُّونِ وَالَّذِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَرَمٌ فِي بَاطِنِ الْمَقْعَدَةِ وَالَّذِي بِالنُّونِ قُرْحَةٌ فَاسِدَةٌ لَا تَقْبَلُ الْبُرْءَ مَا دَامَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَسَادُ (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) أَيِ الْقِيَامَ (فَقَاعِدًا) أَيْ فَصَلِّ قَاعِدًا
وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ كَيْفِيَّةَ الْقُعُودِ فَيُؤْخَذُ مِنْ إِطْلَاقِهِ جَوَازُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَ الْمُصَلِّي وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ فَعَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا وَقِيلَ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ
стр. 878
وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَقِيلَ مُتَوَرِّكًا وَفِي كُلٍّ مِنْهَا أَحَادِيثُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) أَيِ الْقُعُودَ (فَعَلَى جَنْبٍ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي الِانْتِقَالِ مِنَ الْقُعُودِ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنْبِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَسْتَلْقِي عَلَى ظَهْرِهِ وَيَجْعَلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ حَالَةَ الِاسْتِلْقَاءِ تَكُونُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يَنْتَقِلُ الْمَرِيضُ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنِ الِاسْتِلْقَاءِ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى كَالْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ ثُمَّ الْإِيمَاءِ بِالطَّرْفِ ثُمَّ إِجْرَاءِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ عَلَى اللِّسَانِ ثُمَّ عَلَى الْقَلْبِ لِكَوْنِ جَمِيعِ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ
[٩٥٣] (حَتَّى دَخَلَ فِي السِّنِّ) أَيْ حَتَّى كَبِرَ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَتَّى أَسَنَّ (حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ آيَةً قَامَ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ جَوَازُ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْضِهَا مِنْ قِيَامٍ وَبَعْضِهَا مِنْ قُعُودِ وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَسَوَاءٌ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ أَوْ قَعَدَ ثُمَّ قَامَ وَمَنَعَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَهُوَ غَلَطٌ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي آخَرِينَ كَرَاهَةَ الْقُعُودِ بَعْدَ الْقِيَامِ وَلَوْ نَوَى الْقِيَامَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ جَازَ عِنْدَنَا وعند الجمهور
وجوزه من المالكية بن الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٩٥٤] (فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَقْرَؤُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَكْثَرُ لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ تُطْلَقُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الْأَقَلِّ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِمَنِ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ قَاعِدًا أَنْ يَرْكَعَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا أَنْ يَرْكَعَ قَائِمًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ
стр. 879
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُهُ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ قال حدثنا بن نُمَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَالَتْ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ لَكِنْ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ يَجْلِسُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَيَقْرَأُ وَيُتِمُّ الْقِرَاءَةَ جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ يَقُومُ فَيَرْكَعُ وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَيَقْرَأُ لَكِنْ لَا يُتِمُّ الْقِرَاءَةَ جَالِسًا بَلْ إِذَا بَقِيَ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً يَقُومُ وَيَقْرَأُ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ
[٩٥٥] (فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا) هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ لِمَنْ قَرَأَ قَائِمًا أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ مِنْ قِيَامٍ وَمَنْ قَرَأَ قَاعِدًا أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ مِنْ قُعُودٍ
وَالْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الرُّكُوعِ مِنْ قِيَامٍ لِمَنْ قَرَأَ قَاعِدًا وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٩٥٦] (قَالَتِ الْمُفَصَّلُ) أَيْ قَالَتْ عَائِشَةُ نَعَمْ يَقْرَأُ فِي رَكْعَةٍ السُّورَةَ مِنَ الْمُفَصَّلِ وَهُوَ مِنْ ق إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ سُوَرَهِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ (حِينَ حَطَمَهُ النَّاسُ) قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ يُقَالُ حَطَمَ فُلَانٌ أَهْلَهُ إِذَا كَبِرَ فِيهِمْ كَأَنَّهُ لَمَّا حَمَلَهُ مِنْ أُمُورِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ صَيَّرُوهُ شَيْخًا مَحْطُومًا وَالْحَطْمُ كَسْرُ الشَّيْءِ الْيَابِسِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ
стр. 880
٢٩ - (بَاب كَيْفَ الْجُلُوسُ فِي التَّشَهُّدِ)
[٩٥٧] (ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أَيْ وَجَلَسَ عَلَى بَاطِنِهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى (وَحَدَّ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي مُشَدَّدَةُ الدَّالِ بَعْدَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ (مِرْفَقَهُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيُعْكَسُ (الْأَيْمَنُ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى) قِيلَ أَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَنَاهِي حُدُودَ اللَّهِ وَالْمَعْنَى فَصَلَ بَيْنَ مِرْفَقِهِ وَجَنْبِهِ وَمَنَعَ أَنْ يَلْتَصِقَا فِي حَالِ اسْتِعْلَائِهِمَا عَلَى الْفَخِذِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ
وَقَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ رَفَعَ مِرْفَقَهُ عَنْ فَخِذِهِ وَجَعَلَ عَظْمَ مِرْفَقِهِ كَأَنَّهُ رَأْسُ وَتَدٍ فَجَعَلَهُ مُشَدَّدَ الدَّالِ مِنَ الْحِدَّةِ
وَقَالَ الْأَشْرَفُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَحَدُّ مَرْفُوعًا مُضَافًا إِلَى الْمِرْفَقِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقَوْلُهُ عَلَى فَخِذِهِ الْخَبَرُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ وَضَعَ أَيْ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى نَقَلَهُ مَيْرَكُ وَكَتَبَ تَحْتَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ أَنَّ وَضْعَ حَدِّ الْمِرْفَقِ لَا يَثْبُتُ عَنْ أَحَدِ الْعُلَمَاءِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى مَا قَالَهُ عَلَى مَا قِيلَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى كَمَا لَا يخفى كذا في المرقاة
وقال بن رَسْلَانَ يَرْفَعُ طَرَفَ مِرْفَقِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَضُدِ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى يَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنْهُ كَمَا يَرْتَفِعُ الْوَتِدُ عَنِ الْأَرْضِ وَيَضَعُ طَرَفَهُ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْكَفِّ عَلَى طَرَفِ فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ انْتَهَى (وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ) أَيِ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ مِنْ أَصَابِعِ الْيُمْنَى (وَحَلَّقَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ (حَلْقَةً) بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ أَيْ أَخَذَ إِبْهَامَهُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى كَالْحَلْقَةِ (وَرَأَيْتُهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (يَقُولُ) أَيْ يَفْعَلُ (وَحَلَّقَ بِشْرٌ) أَيِ بن الْمُفَضَّلِ (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ خُصَّتِ السَّبَّابَةُ بِالْإِشَارَةِ لِاتِّصَالِهَا بِنِيَاطِ الْقَلْبِ فَتَحْرِيكُهَا سَبَبٌ لِحُضُورِهِ
قَالَ فِي السُّبُلِ وَمَوْضِعُ الْإِشَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَنْوِي
стр. 881
بِالْإِشَارَةِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ فَيَكُونُ جَامِعًا فِي التَّوْحِيدِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالْأُصْبُعَيْنِ وَقَالَ أَحَدٌ أَحَدٌ لِمَنْ رَآهُ يُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْإِشَارَةِ بِالسَّبَّابَةِ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَرَى الْإِشَارَةَ بِالسَّبَّابَةِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّحْلِيقِ بِالْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَرَى التَّحْلِيقَ وَقَالَ يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرَى أَنْ يُحَلِّقَ فَيَضَعَ أُنْمُلَتَهُ الْوُسْطَى بَيْنَ عقدي الإبهام وإنما السنة أن يحلق برؤوس الْأَنَامِلِ مِنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى حَتَّى يَكُونَ كَالْحَلْقَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ لَا يَفْضُلُ مِنْ جَوَانِبِهَا شَيْءٌ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ حَالَ التَّشَهُّدِ هَيْئَاتٌ إِحْدَاهَا التَّحْلِيقُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَالثَّانِيَةُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَهُ اليمنى على ركبتيه الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ صُورَتُهَا أَنْ يَجْعَلَ الْإِبْهَامَ مُعْتَرِضَةً تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ وَالثَّالِثَةُ قَبْضُ كُلِّ الْأَصَابِعِ والإشارة بالسبابة كما في حديث بن عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَالرَّابِعَةُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بن الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ
وَالْخَامِسَةُ وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ وَالْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ رواية أخرى عن بن الزُّبَيْرِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَالْإِشَارَةِ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ عَنِ بن عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ بِدُونِ ذِكْرِ الْقَبْضِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْقَبْضُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا الْقَبْضُ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ
واعلم أن قوله في حديث بن عُمَرَ وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ إِشَارَةٌ إِلَى طَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ تَوَاطَأَتْ عَلَيْهَا الْعَرَبُ فِي عُقُودِ الْحِسَابِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ مِنَ الْآحَادِ وَالْعَشَرَاتِ وَالْمِئِينَ وَالْأُلُوفِ أَمَّا الْآحَادُ فَلِلْوَاحِدِ عَقْدُ الْخِنْصَرِ إِلَى أَقْرَبِ مايليه مِنْ بَاطِنِ الْكَفِّ وَلِلِاثْنَيْنِ عَقْدُ الْبِنْصِرِ مَعَهَا كَذَلِكَ وَلِلثَّلَاثَةِ عَقْدُ الْوُسْطَى مَعَهَا كَذَلِكَ وَلِلْأَرْبَعَةِ حل الخنصر معها كذلك وَلِلْخَمْسَةِ حَلُّ الْبِنْصِرِ مَعَهَا دُونَ الْوُسْطَى وَلِلسِّتَّةِ عَقْدُ الْبِنْصِرِ وَحَلُّ جَمِيعِ الْأَنَامِلِ وَلِلسَّبْعَةِ بَسْطُ الْخِنْصَرِ إِلَى أَصْلِ الْإِبْهَامِ مِمَّا يَلِي الْكَفَّ وَلِلثَّمَانِيَةِ بَسْطُ الْبِنْصِرِ فَوْقَهَا كَذَلِكَ وَلِلتِّسْعَةِ بَسْطُ الْوُسْطَى فَوْقَهَا كَذَلِكَ وَأَمَّا الْعَشَرَاتُ فَلَهَا الْإِبْهَامُ وَالسَّبَّابَةُ فَلِلْعَشَرَةِ الْأُولَى عَقْدُ رَأْسِ الْإِبْهَامِ عَلَى طرف
стр. 882
السَّبَّابَةِ وَلِلْعِشْرِينَ إِدْخَالُ الْإِبْهَامِ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَلِلثَّلَاثِينَ عَقْدُ رَأْسِ السَّبَّابَةِ عَلَى رَأْسِ الْإِبْهَامِ عَكْسُ الْعَشَرَةِ وَلِلْأَرْبَعِينَ تَرْكِيبُ الْإِبْهَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوْسَطِ مِنَ السَّبَّابَةِ وَعَطْفُ الْإِبْهَامِ إِلَى أَصْلِهَا وَلِلْخَمْسِينَ عَطْفُ الْإِبْهَامِ عَلَى أَصْلِهَا وَلِلسِّتِّينَ تَرْكِيبُ السَّبَّابَةِ عَلَى ظَهْرِ الْإِبْهَامِ عَكْسُ الْأَرْبَعِينَ وَلِلسَّبْعِينَ إِلْقَاءُ رَأْسِ الْإِبْهَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوْسَطِ مِنَ السَّبَّابَةِ وَرَدُّ طَرَفِ السَّبَّابَةِ إِلَى الْإِبْهَامِ وَلِلثَّمَانِينَ رَدُّ طَرَفِ السَّبَّابَةِ إِلَى أَصْلِهَا وَبَسْطِ الْإِبْهَامِ عَلَى جَنْبِ السَّبَّابَةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْإِبْهَامِ وَلِلتِّسْعِينَ عَطْفُ السَّبَّابَةِ إِلَى أَصْلِ الْإِبْهَامِ وَضَمُّهَا بِالْإِبْهَامِ وَأَمَّا الْمِئِينَ فَكَالْآحَادِ إِلَى تِسْعِ مِائَةٍ فِي الْيَدِ الْيُسْرَى وَالْأُلُوفُ كَالْعَشَرَاتِ فِي الْيُسْرَى
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي بن ماجه
[٩٥٨] (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد أبي بكر الصديق (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ عمر كما في الموطأ بن الخطاب المدني التابعي الثقة سمي باسم أبيه وكني بكنيته (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ
وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَةَ أَخْبَرَهُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَمَلَهُ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فَأَدْخَلَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِيهِ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْهُ ثُمَّ لَقِيَهُ أَوْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَعَهُ وَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ انْتَهَى (قَالَ سُنَّةُ الصَّلَاةِ) هَذِهِ الصِّيغَةُ حُكْمُهَا الرَّفْعُ إِذَا قَالَهَا الصَّحَابِيُّ وَلَوْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمَانٍ كَمَا هُنَا
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَدٌ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ سُنَّةٌ فَإِنَّمَا يُرِيدُ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ إِمَّا بِقَوْلِهِ أَوْ بِفِعْلٍ شاهد كذا قاله بن التِّينِ انْتَهَى (أَنْ تَنْصِبَ) أَيْ لَا تُلْصِقَهُ بِالْأَرْضِ (وَتَثْنِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ أَنْ تَعْطِفَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَصْنَعُ بَعْدَ ثَنْيِهَا هَلْ يَجْلِسُ فَوْقَهَا أَوْ يَتَوَرَّكُ وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمْ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَثَنَى الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْيُسْرَى وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ انتهى
стр. 883
[٩٥٩] (قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى) بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ الْيُمْنَى وَتَجْلِسَ عَلَى الْيُسْرَى انْتَهَى
[٩٦١] (أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمْ) وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمْ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ
فَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ مَا أُجْمِلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ وَالْمُؤَلِّفُ عَلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ لِاقْتِضَاءِ ذَلِكَ الرَّفْعَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ
وَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ الْمُفْصِلَ بَيْنَ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ قَدْ يُقَالُ إِنَّهَا لَا تُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ لِأَنَّ فِي الْمُوَطَّأِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ التصريح بأن جلوس بن عُمَرَ الْمَذْكُورَ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فَإِذَا حُمِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ انْتَفَى عَنْهُمَا التَّعَارُضُ وَوَافَقَ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَهُ الْحَافِظُ
[٩٦٢] (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ فَقِيهِ أَهْلِ الْكُوفَةِ
وَأَوْرَدَ الْمِزِّيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الْأَطْرَافِ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ حَدِيثَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى
وَتَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ
стр. 884
أَبِيهِ
انْتَهَى كَلَامُ الْمِزِّيِّ (حَتَّى اسْوَدَّ) مِنَ السَّوَادِ أَيْ مِنْ كَثْرَةِ مُلَابَسَةِ الْأَرْضِ أَوْ نحوها
وأعلم أن هذه الرواية الخمسة أَيْ مِنْ قَوْلِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَى آخَرَ دُونَهُ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَمْ تُوجَدْ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَإِنَّمَا وُجِدَتْ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ صَحِيحَةٍ وَذَكَرَهَا الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ بَيَانِ سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ فِي ذِكْرِ مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا غَيْرُ الْبُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِيهِ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ
انْتَهَى كَلَامُهُ
٠ - (بَاب مَنْ ذَكَرَ التَّوَرُّكَ فِي الرَّابِعَةِ)
[٩٦٣] (فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي مَحْضَرِ عَشَرَةٍ يَعْنِي بَيْنَ عَشَرَةٍ وَحَضْرَتِهِمْ (قَالُوا فَاعْرِضْ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ إِذَا كُنْتَ أَعْلَمُ فَاعْرِضْ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ عَرَضْتُ عَلَيْهِ أَمْرَ كَذَا أَوْ عَرَضْتُ لَهُ الشَّيْءَ أَظْهَرْتُهُ وَأَبْرَزْتُهُ إِلَيْهِ اعْرِضْ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ أَيْ بَيِّنْ عِلْمَكَ بِصَلَاتِهِ ﵇ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا تَدَّعِيهِ لِنُوَافِقُكَ إِنْ حَفِظْنَاهُ وَإِلَّا استنفدناه (وَيَفْتَخُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) أَيْ يَثْنِيهَا وَيُلِينُهَا فَيُوَجِّهُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ
وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ يُلَيِّنُهَا فَيَنْصِبُهَا وَيَغْمِزُ
стр. 885
مَوْضِعَ الْمَفَاصِلِ وَيَثْنِيهَا إِلَى بَاطِنِ الرِّجْلِ يَعْنِي حِينَئِذٍ
قَالَ وَأَصْلُ الْفَتْخِ الْكَسْرُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعُقَابِ فَتَخٌ لِأَنَّهَا إِذَا انْحَطَّتْ كَسَرَتْ جَنَاحَهَا
قال بن حجر المكي والمراد ها هنا نصبها مع الاعتماد على بطونها وجعل رؤوسها لِلْقِبْلَةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ
وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﵇ سَجَدَ وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ وَمِنْ لَازِمِهَا الِاسْتِقْبَالُ بِبُطُونِهَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَيَرْفَعُ) أَيْ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (وَيَثْنِي) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى أَيْ يَعْطِفُ (حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ) أَيْ فِي عَقِبِهَا التَّسْلِيمُ (أَخَّرَ) أَيْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى أَيْ مِنْ تَحْتِ مَقْعَدَتِهِ إِلَى الْأَيْمَنِ (مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقّهِ الْأَيْسَرِ) أَيْ مُفْضِيًا بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ غَيْرَ قَاعِدٍ عَلَى رِجْلَيْهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ التَّوَرُّكُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ عَلَى وَرِكِهِ أَيْ جَانِبِ إِلْيَتِهِ وَيُخْرِجَ رِجْلَهُ مِنْ تَحْتِهِ (قَالُوا) أَيِ الْعَشَرَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ (صَدَقْتَ) أَيْ فِيمَا قُلْتَ هَكَذَا كَانَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ولم يذكر) أَيْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ (فِي الثِّنْتَيْنِ) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ (كَيْفَ جَلَسَ) وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدًا لَمْ يُبَيِّنَا فِي رِوَايَتِهِمَا كَيْفِيَّةَ الْجُلُوسِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا بِأَنَّهُ ﷺ جَلَسَ فِي الْأُولَيَيْنِ مُفْتَرِشًا
وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْنُونَ فِي الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ الِافْتِرَاشُ وَفِي الْجُلُوسِ فِي الْأَخِيرِ التَّوَرُّكُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْحَقُّ عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدَيْنِ التَّوَرُّكُ أَمِ الِافْتِرَاشُ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٌ تَفْضِيلُ التَّوَرُّكِ فِيهِمَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَطَائِفَةٌ يَفْتَرِشُ فِي الْأَوَّلِ وَيَتَوَرَّكُ فِي الْأَخِيرِ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَرُفْقَتِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِتَوَرُّكٍ أَوِ افْتِرَاشٍ مُطْلَقَةٌ لَمْ يبين فيها
стр. 886
أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو حُمَيْدٍ وَرُفْقَتُهُ وَوَصَفُوا الِافْتِرَاشَ فِي الْأَوَّلِ وَالتَّوَرُّكَ فِي الْأَخِيرِ وَهَذَا مُبَيَّنٌ فَوَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
وَقَدْ قِيلَ فِي حِكْمَةِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِ اشْتِبَاهِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ تَعْقُبُهُ حَرَكَةٌ بِخِلَافِ الثَّانِي وَلِأَنَّ الْمَسْبُوقَ إِذْ رَآهُ عَلِمَ قَدْرُ مَا سَبَقَ بِهِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَشَهُّدَ الصُّبْحِ كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْ غَيْرِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ اخْتِصَاصُ التَّوَرُّكِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا تَشَهُّدَانِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
[٩٦٤] (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَيِ الْمَذْكُورِ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِيُّ (أَبَا قَتَادَةَ) كَمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ فِي رِوَايَتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ حَيْثُ قَالَا مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةُ (فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أَيِ الْأُولَيَيْنِ (جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى) زَادَ الْبُخَارِيُّ وَنَصَبَ الْيُمْنَى (فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أَيْ أَخْرَجَهَا مِنْ تَحْتِ مَقْعَدَتِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ
فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ غَيْرُ هَيْئَةِ الْجُلُوسِ فِي الْأَخِيرِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ حَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْعُذْرِ وَعَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَهُوَ حَمْلٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَذُكَرَ فِي إِثْبَاتِ مَذْهَبِهِمْ وَهُوَ الِافْتِرَاشُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ أَحَادِيثُ لَا يَثْبُتُ بِهَا مَطْلُوبُهُمْ مِنْهَا حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْرِشُ رِجْلَهُ وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى وَحَدِيثُ وَائِلٍ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَعَدَ وَتَشَهَّدَ فَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ
وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا جَلَسْتَ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَحَدِيثُ بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تُضْجِعَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى رَوَاهُ النَّسَائِيُّ
وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ الْمُنْصِفِ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَأَمْثَالَهَا بَعْضُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ صَرِيحًا بَلْ يَحْتَمِلُهُ وَغَيْرُهُ وَمَا كَانَ مِنْهَا دَالًّا صَرِيحًا لَا
стр. 887
يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ فِي جَمِيعِ الْقَعَدَاتِ عَلَى مَا هُوَ الْمُدَّعَى وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حَدِيثٌ يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى اسْتِنَانِ الْجُلُوسِ عَلَى الرِّجْلِ الْيُسْرَى فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ مُفَصَّلٌ فَلْيُحْمَلْ مُفَصَّلُ الْمُبْهَمِ عَلَى الْمُفَصَّلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[٩٦٥] (فَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أَيِ الْأُولَيَيْنِ (أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ مَسَّ بِمَا لَانَ مِنَ الْوَرِكِ الْأَرْضِ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ إِذَا مَسَّهَا بِبَطْنِ رَاحَتِهِ (وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ) وَهِيَ نَاحِيَةِ الْيُمْنَى
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّوَرُّكِ وَهُوَ إِخْرَاجُ الْقَدَمَيْنِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ إِطْلَاقُ الْإِخْرَاجِ عَلَى الْيُمْنَى تَغْلِيبٌ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ حَقِيقَةٌ هُوَ الْيُسْرَى لَا غَيْرَ
[٩٦٦] (فَسَجَدَ فَانْتَصَبَ) أَيِ ارْتَفَعَ وَاعْتَمَدَ (وَهُوَ جَالِسٌ فَتَوَرَّكَ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْأُخْرَى) قَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي بَابِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ وَهُوَ سَاجِدٌ ثُمَّ كَبَّرَ فَجَلَسَ فَتَوَرَّكَ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْأُخْرَى وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ مَعْنًى
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ رِوَايَةَ عَبْدَ الْحَمِيدِ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الِافْتِرَاشِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَاعْتَدَلَ عَلَى عَقِبِهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ قَالَ الْحَافِظُ فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّعَدُّدِ فَرِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَرْجَحُ (ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ) أَيِ الْأُولَيَيْنِ (حَتَّى إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ لِلْقِيَامِ قَامَ بِتَكْبِيرٍ) هذا
стр. 888
يُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ رِوَايَةَ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَيْثُ قَالَ ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ قَالَ الْحَافِظُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّشْبِيهَ وَاقِعٌ عَلَى صِفَةِ التْكَبِيرِ لَا عَلَى مَحَلِّهِ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ إِذَا قَامَ أَيْ أَرَادَ الْقِيَامَ أَوْ شَرَعَ فِيهِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (فِي حَدِيثِهِ مَا ذَكَرَ عَبْدُ الْحَمِيدِ فِي التَّوَرُّكِ وَالرَّفْعِ إِذَا قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ) حَاصِلُهُ أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ ذَكَرَ التَّوَرُّكَ فِي التَّشَهُّدِ وَرَفْعَ الْيَدَيْنِ حِينَ الْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا عِيسَى (فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ) قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي بَابِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ مُطَوَّلًا
[٩٦٧] (ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ) قَدِ احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالِافْتِرَاشِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ
وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذِهِ الْجِلْسَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ هَيْئَتُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ جِلْسَةُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُ وَصَفَ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا هَيْئَةَ الْجُلُوسِ الْآخَرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
١ - (بَاب التَّشَهُّدِ)
[٩٦٨] (قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ) أَيْ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ ظَرْفُ قُلْنَا
قَالَ مَيْرَكُ كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا فِي الْمِشْكَاةِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ في رواية البخاري
стр. 889
بلفظ السَّلَامِ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ
انْتَهَى
وَالسَّلَامُ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى الِاعْتِرَافِ بِسَلَامَتِهِ تَعَالَى مِنْ كل نقض فَعَلَى فِيهِ بِمَعْنَى اللَّامِ (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ السَّلَامُ عَلَى جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ بن مَاجَهْ يَعْنُونَ الْمَلَائِكَةَ
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَنَعُدُّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ (لَا تَقُولُوا السَّلَامَ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ) قال البيضاوي ما حاصله إنه أَنْكَرَ التَّسْلِيمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَكْسُ مَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فَإِنَّ كُلَّ سَلَامَةٍ وَرَحْمَةٍ لَهُ وَمِنْهُ وَهُوَ مَالِكُهَا وَمُعْطِيهَا
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَجْهُ النَّهْيِ عَنِ السَّلَامِ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَعَالِي عَنِ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ فَكَيْفَ يُدْعَى لَهُ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الْحَالَاتِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ ذُو السَّلَامِ فَلَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ السَّلَامَ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَمَرْجِعُ الْأَمْرِ فِي إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ ذُو السَّلَامِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَعَيْبٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْجِعَهَا إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنَ السَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْمَهَالِكِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَلَكِنْ إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّشَهُّدِ خِلَافًا لِمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَمَالِكٍ
وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَنْدُوبٌ وَقَدْ وقع الأمر به في قوله لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ الْحَدِيثَ فَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ
وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْوُجُوبِ انْتَهَى
وَفِي دَعْوَى هَذَا الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ فَإِنَّ أَحْمَدَ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ وَيَقُولُ بِوُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَيْضًا
وَقَدْ جَاءَ عن بن مَسْعُودٍ التَّصْرِيحُ بِفَرْضِيَّةِ التَّشَهُّدِ وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ عن بن مَسْعُودٍ كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) أَيْ دُونَ غَيْرِهِ قِيلَ التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنَ الْحَيَاةِ بِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالتَّبْقِيَةِ وَقِيلَ التَّحِيَّةُ الْمُلْكُ سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّ الْمُلْكَ سَبَبُ تَحِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَقَوْلِهِمْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ وَأَسْلَمَ وأَنْعَمَ (وَالصَّلَوَاتُ) قِيلَ الْمُرَادُ الْخَمْسُ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ من الفرائض والنوافذ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ وَقِيلَ الْمُرَادُ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا وَقِيلَ الدَّعَوَاتُ وَقِيلَ الْمُرَادُ الرَّحْمَةُ وَقِيلَ التَّحِيَّاتُ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ وَالصَّلَوَاتُ الْعِبَادَاتُ الْفِعْلِيَّةُ وَالطَّيِّبَاتُ الصَّدَقَاتُ الْمَالِيَّةُ (وَالطَّيِّبَاتُ) أَيْ مَا طَابَ مِنَ الْكَلَامِ وَحَسُنَ أَنْ يُثْنَى بِهِ عَلَى اللَّهِ دُونَ مَا لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِهِ مِمَّا كَانَ الْمُلُوكُ يُحَيَّوْنَ بِهِ
وَقِيلَ الطَّيِّبَاتُ ذِكْرُ اللَّهِ وَقِيلَ الْأَقْوَالُ الصَّالِحَةُ كَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ وَقِيلَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَهُوَ أَعَمُّ
قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَتَيْنِ عَلَى التَّحِيَّاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ
стр. 890
يَكُونَ الصَّلَوَاتُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا وَالْوَاوُ الْأُولَى لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَالثَّانِيَةُ لِعَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ انْتَهَى (السَّلَامُ عَلَيْكَ) قِيلَ مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ أَيِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسَلِّمُ لِعِبَادِهِ مِنَ الْآفَاتِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ السَّلَامُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ وَمِنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا وَقِيلَ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا عَلَيْكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ يَجُوزُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ أَيِ السَّلَامِ حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهَا وَالْإِثْبَاتُ أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ من طرق حديث بن مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللَّامِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي حديث بن عَبَّاسٍ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ شُرِعَ هَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ خِطَابُ بَشَرٍ مَعَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فَالْجَوَابُ أن ذلك من خصائصه (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) أَيْ إِحْسَانُهُ وَهِيَ لُغَةُ عَطْفٍ وَمَيْلٍ نَفْسَانِيٍّ غَايَتُهُ التَّفَضُّلُ وَالْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ أَوْ إِرَادَةُ ذَلِكَ وَلِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أُرِيدَ بِهَا غَايَتُهَا الَّتِي هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ صِفَةُ ذَاتٍ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (وَبَرَكَاتُهُ) وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فَائِضٍ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الدَّوَامِ وَقِيلَ الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ وَإِنَّمَا جُمِعَتِ الْبَرَكَةُ دُونَ السَّلَامِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ (السَّلَامُ عَلَيْنَا) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِالنَّفْسِ فِي الدُّعَاءِ
وَفِي التِّرْمِذِيِّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ الله كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ
وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) الْأَشْهَرُ فِي تَفْسِيرِ الصَّالِحِ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ (إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَ) فَاعِلُهُ ضَمِيرٌ ذَلِكَ أَيْ أَصَابَ ثَوَابَ هَذَا الدُّعَاءِ أَوْ بَرَكَتَهُ (كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُفْسِدِ
وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ) أَيْ لِيَخْتَرْ (مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ) أَيْ أَحَبَّ الدُّعَاءِ وَأَرْضَاهُ مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا اخْتَارَ الْمُصَلِّي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ مَا كَانَ مَأْثُورًا
قَالَ قَائِلُهُمْ وَالْمَأْثُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَوْ غَيْرَ مَرْفُوعٍ لَكِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَالَهُ الْحَافِظُ
стр. 891
قال الترمذي حديث بن مَسْعُودٍ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي التَّشَهُّدِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بعدهم
قال وذهب الشافعي إلى حديث بن عباس في التشهد
انتهى
وقال البزار لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ قال هو عندي حديث بن مَسْعُودٍ وَرُوِيَ مِنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ طَرِيقًا ثُمَّ سَرَدَ أَكْثَرَهَا وَقَالَ لَا أَعْلَمُ فِي التَّشَهُّدِ أَثْبَتَ مِنْهُ وَلَا أَصَحَّ أَسَانِيدَ وَلَا أَشْهَرَ رِجَالًا
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ وَقَالَ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ
وَمِنْ رُجْحَانِهِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَأَنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ مِنَ الثِّقَاتِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَلْفَاظِهِ بِخِلَافِ غيره وأنه تلقاه عن النبي تَلْقِينًا كَمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ بِلَفْظِ أَخَذْتُ التَّشَهُّدَ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَقَّنِّيهِ كَلِمَةً كَلِمَةً
قَالَ وَرُجِّحَ بِأَنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ حكاية
ولأحمد من حديث بن مسعود أن رسول الله عَلَّمَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَزِيَّتِهِ
وَقَالَ الشافعي بعد أن أخرج حديث بن عَبَّاسٍ رُوِيتْ أَحَادِيثُ فِي التَّشَهُّدِ مُخْتَلِفَةٌ وَكَانَ هَذَا أَحَبَّ إِلَيَّ لِأَنَّهُ أَكْمَلُهَا
وَقَدِ اخْتَارَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ تَشَهُّدَ عُمَرَ لِكَوْنِهِ عَلَّمَهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا ولفظه نحو حديث بن عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ الزَّاكِيَاتُ بَدَلُ الْمُبَارَكَاتِ وَكَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى
قَالَ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِ
وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ التَّشَهُّدِ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ
انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّشَهُّدِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ قَرِيبٌ مِنْهُ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ إِنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ حَتَّى انْصَرَفَ مَضَتْ صَلَاتُهُ
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ وَالْقُعُودُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ وَاجِبٌ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ يزيد عن بن مسعود
стр. 892
[٩٦٩] (قَدْ عُلِّمَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مِنَ التَّعْلِيمِ أَيْ عَلِمَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ (وَكَانَ يُعَلِّمُنَا كَلِمَاتٍ) أَيْ غَيْرَ التَّشَهُّدِ وَهِيَ اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا إِلَخْ (أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا) أَيْ أَوْقِعِ الْأُلْفَةَ بَيْنَهَا (وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا) أَيْ أَصْلِحْ أَحْوَالَ بَيْنِنَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ ذَاتُ الشَّيْءِ نَفْسُهُ وَحَقِيقَتُهُ وَالْمُرَادُ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ وَمِنْهُ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ
أَيْ إِصْلَاحُ أَحْوَالِ بَيْنِكُمْ حَتَّى يَكُونَ أَحْوَالَ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَاتِّفَاقٍ قَالَ وَلَمَّا كَانَتِ الْأَحْوَالُ مُلَابِسَةً لِلْبَيْنِ قِيلَ لَهَا ذَاتُ الْبَيْنِ (سُبُلَ السَّلَامِ) جَمْعُ سَبِيلٍ أَيْ طُرُقَ السَّلَامَةِ (وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ) أَيِ الْكَبَائِرَ كَالزِّنَا (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) أَيْ عَلَانِيَتَهَا وَسِرَّهَا (أَتِمَّهَا) أَمْرٌ مِنَ الْإِتْمَامِ
[٩٧٠] (إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْكَلَامِ هَلْ هُوَ مِنْ قول النبي أو من قول بن مسعود فإن صح مرفوعا إلى النبي فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ فِي التَّشَهُّدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَقَوْلُهُ ﵇ قَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ يُرِيدُ مُعْظَمَ الصَّلَاةِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالسَّلَامِ وَكَنَّى عَنِ التَّسْلِيمِ بِالْقِيَامِ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ إِنَّمَا يَقَعُ عَقِبَ السَّلَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ بِغَيْرِ تَسْلِيمٍ لِأَنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِقَوْلِهِ ﵇ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَوْلُهُ فَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى اخر الحديث ليس من كلام النبي وإنما هو قول بن مَسْعُودٍ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ بَيَّنَهُ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ معاوية وفصل كلام بن مسعود من كلام
стр. 893
النبي وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا
انْتَهَى
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ شَرْحِ النُّخْبَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ فِي الْمَعَالِمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ النبي أو من قول بن مَسْعُودٍ فَأَرَادَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي وَصْلِهِ وَفَصْلِهِ لااختلاف الْحُفَّاظِ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ
كَذَا قاله العراقي
انتهى
[٩٧١] (قال بن عمر زدت فيها وبركاته) ثبتت زيادة بركاته فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَرْفُوعَةٌ (زِدْتُ فِيهَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا ثَبَتَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَوْقُوفِ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِي حَدِيثِ بن عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ إِلَّا أَنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ
[٩٧٢] (حِطَّانُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ (الرَّقَاشِيُّ) بِمَفْتُوحَةٍ وَخِفَّةِ قَافٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ نِسْبَةٌ إِلَى رَقَاشِ بِنْتِ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسٍ وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ (أُقِرَّتْ) مِنَ الْقَرَارِ أَيْ أُثْبِتَتْ وَأُدِيمَتْ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ قُرِنَتْ بِهِمَا وَأُقِرَّتْ مَعَهُمَا وَصَارَ الْجَمِيعُ مَأْمُورًا بِهِ (بِالْبِرِّ) بِالْكَسْرِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ (وَالزَّكَاةِ) أَيِ الطَّهَارَةِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) أَيْ تُطَهِّرُهُمْ بِهَا كَذَا فِي الصِّحَاحِ لِلْجَوْهَرِيِّ (فَلَمَّا انْفَتَلَ) أَيِ انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ قَالَ الْحَافِظُ بن الْأَثِيرِ أَيْ سَكَتُوا وَلَمْ يُجِيبُوا يُقَالُ أَرَمَّ فَهُوَ مُرِمٌّ وَيُرْوَى فَأَزَّمَ بِالزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّ الْأَزْمَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ والكلام
انتهى
стр. 894
كَلَامُهُ
وَأَيْضًا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ سَكَتُوا (لَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي) هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فِي أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا أَيْ تُبَكِّتُنِي بِهَا وَتُوَبِّخُنِي
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ يُقَالُ بَكَعْتُ الرَّجُلَ بكعا إذا استقبله بِمَا يَكْرَهُ (فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) أَمْرٌ بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ وهو مأمور به بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْمُرَادُ تَسْوِيَتُهَا وَالِاعْتِدَالُ فِيهَا وَتَتْمِيمُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا وَالتَّرَاصُّ فِيهَا (ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أحدكم) فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات ولاخلاف فِي ذَلِكَ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ أَمْ إِيجَابٍ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا فَعَلَهُ مَنْ يَحْصُلُ بِهِ إِظْهَارُ هَذَا الشِّعَارِ سَقَطَ الْحَرَجُ مِنَ الْبَاقِينَ وَإِنْ تَرَكُوهُ كُلُّهُمْ أَثِمُوا كُلُّهُمْ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ هِيَ سُنَّةٌ وَقَالَ بن خُزَيْمَةَ هِيَ فَرْضُ عَيْنٍ لَكِنْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَمَنْ تَرَكَهَا وَصَلَّى مُنْفَرِدًا بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ هِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) فِيهِ أَمْرُ الْمَأْمُومِ بِأَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُهُ عَقِبَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ وَيَتَضَمَّنُ مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَهُ وَلَا مَعَهُ بَلْ بَعْدَهُ فَلَوْ شَرَعَ الْمَأْمُومُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ نَاوِيًا الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ وَقَدْ بَقِيَ لِلْإِمَامِ مِنْهَا حَرْفٌ لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُ الْمَأْمُومِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِمَنْ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بَلْ بِمَنْ سَيَصِيرُ إِمَامًا إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ تَكْبِيرَةِ الْمَأْمُومِ عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ وَلَا يَتَأَخَّرُ فَلَوْ تَأَخَّرَ جَازَ وَفَاتَهُ كَمَالُ فَضِيلَةِ تَعْجِيلِ التَّكْبِيرِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَإِذَا قَرَأَ غَيْرُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ إِنَّ تَأْمِينَ الْمَأْمُومِ يَكُونُ مَعَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لَا بَعْدَهُ فَإِذَا قال الإمام ولا الضالين قَالَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ مَعًا آمِينَ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا قَالُوا مَعْنَاهُ إِذَا أَرَادَ التَّأْمِينَ لِيُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ يُرِيدُ التَّأْمِينَ فِي آخِرِ قَوْلِهِ وَلَا الضالين فَيَعْقُبُ إِرَادَتَهُ تَأْمِينُهُ وَتَأْمِينُكُمْ مَعًا
وَفِي آمِينَ لغتان المد والقصر أَفْصَحُ وَالْمِيمُ خَفِيفَةٌ فِيهِمَا وَمَعْنَاهُ اسْتَجِبْ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (يُحِبُّكُمُ اللَّهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْحُبِّ هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْجِيمِ
стр. 895
يُجِيبُكُمُ اللَّهُ وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ النووي أي يستحب دُعَاءَكُمْ وَهَذَا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلَى التَّأْمِينِ فَيَتَأَكَّدُ الاهتمام به (فتلك بتلك) معناه اجعلوا تكبير لِلرُّكُوعِ وَرُكُوعَكُمْ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ وَرُكُوعِهِ وَكَذَلِكَ رَفْعُكُمْ مِنَ الرُّكُوعِ يَكُونُ بَعْدَ رَفْعِهِ وَمَعْنَى تِلْكَ بِتِلْكَ أَنَّ اللَّحْظَةَ الَّتِي سَبَقَكُمُ الْإِمَامُ بِهَا فِي تَقَدُّمِهِ إِلَى الرُّكُوعِ تُجْبَرُ لَكُمْ بِتَأْخِيرِكُمْ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ رَفْعِهِ لَحْظَةً فَتِلْكَ اللَّحْظَةُ وَصَارَ قَدْرُ رُكُوعِكُمْ كَقَدْرِ رُكُوعِهِ وَقَالَ بِمِثْلِهِ فِي السُّجُودِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرْدُودًا إِلَى قَوْلِهِ وَإِذَا قَرَأَ غَيْرُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ يُجِيبُكُمُ اللَّهُ يُرِيدُ أَنَّ كَلِمَةَ آمِينَ يُسْتَجَابُ بِهَا الدُّعَاءُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ وَالْآيَةُ كَأَنَّهُ قَالَ فَتِلْكَ الدَّعْوَةُ مُتَضَمَّنَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ أَوْ مُعَلَّقَةٌ بِهَا وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا يَلِيهِ مِنَ الْكَلَامِ وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا يُرِيدُ أَنَّ صَلَاتَكُمْ مُعَلَّقَةٌ بِصَلَاةِ إِمَامِكُمْ فَاتَّبِعُوهُ وَائْتَمُّوا بِهِ وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ إِنَّمَا تَصِحُّ وَتَثْبُتُ بِتِلْكَ (وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْجَهْرُ بِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَهُ فَيَقُولُونَ
وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ لَا يَزِيدُ الْمَأْمُومُ عَلَى قَوْلِهِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَلَا يَقُولُ مَعَهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أنه جمع بينهما وثبت أنه قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي
وَمَعْنَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ أَجَابَ دُعَاءَ مَنْ حمده ومعي يسمع الله لكم يستجيب دعاء كم
قَوْلُهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ هَكَذَا هُوَ هُنَا بِلَا وَاوٍ وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَبِحَذْفِهَا وَكِلَاهُمَا جَاءَتْ بِهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ وَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ التَّحِيَّاتُ) اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ جُلُوسِهِ التَّحِيَّاتُ وَلَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ قَالَ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلَ وَلَمْ يَقُلْ فَلْيَكُنْ أَوَّلُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 896
[٩٧٣] (زَادَ فَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا مِمَّا اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي صِحَّتِهِ فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ أَبِي دَاوُدَ السَّجِسْتَانِيِّ أَنَّ هذه اللفظة ليست بمحفوظة وكذلك رواه عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني والحافظ أبي عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ شَيْخُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ قَدْ خَالَفَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِيهَا جَمِيعَ أَصْحَابِ قَتَادَةَ وَاجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظِ عَلَى تَضْعِيفِهَا مُقَدَّمٌ عَلَى تَصْحِيحِ مُسْلِمٍ لَهَا لَا سِيَّمَا وَلَمْ يَرْوِهَا مُسْنَدَةً فِي صَحِيحِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ رُوِيَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ فَقَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِيُّ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِي وَنَحْوُهُ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ يَعْنِي حَدِيثَ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَبِي موسى الأشعري عن النبي فَذَكَرَ حَدِيثَ إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبِّرُوا قَالَ مُسْلِمٌ وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَعْنِي صَاحِبَ مُسْلِمٍ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أُخْتِ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ طَعَنَ فِيهِ فَقَالَ مُسْلِمٌ تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا فَقَالَ مُسْلِمٌ هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ فَقَالَ لِمَ لَمْ تَضَعْهُ ها هنا فَقَالَ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٌ وَضَعْتُهُ ها هنا إنما وضعت ها هنا مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ مُسْلِمٍ قَالَ المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا فِي بَابِ الْإِمَامِ يُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ
стр. 897
[٩٧٤] (يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ) سُمِّيَ بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ فِي تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ (كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اهْتِمَامِهِ وَإِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ (وَكَانَ يَقُولُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ) أَيِ النَّامِيَاتُ (الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُرَجِّحُ تشهد بن مَسْعُودٍ أَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا بِخِلَافِ مَا إِذَا سَقَطَتْ فَإِنَّ مَا عَدَا اللَّفْظَ الْأَوَّلَ يَكُونُ صِفَةً لَهُ فَيَكُونُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي الثَّنَاءِ وَالْأَوَّلُ أَبْلَغٌ وَحَذْفُ وَاوِ الْعَطْفِ وَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَكِنَّ التَّقْدِيرَ خِلَافُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ بِدُونِ تَقْدِيرِهَا (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ أَعْنِي (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهُ وَالْإِثْبَاتُ أَفْضَلٌ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ
قُلْتُ بَلْ فِي الصِّحَاحِ السِّتِّ (وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) انفرد بن عَبَّاسٍ بِهَذَا اللَّفْظِ إِذْ فِي سَائِرِ التَّشَهُّدَاتِ الْوَارِدَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كُلِّهَا بِلَفْظِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الرافعي المنقول أنه كَانَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ قَالَهُ علي القارىء
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
[٩٧٥] (فَقُولُوا التَّحِيَّاتُ) قَالَ النَّوَوِيُّ جَمْعُ تَحِيَّةٍ وَهِيَ لِلْمَلِكِ قِيلَ الْبَقَاءُ وَقِيلَ الْعَظَمَةُ وَقِيلَ الْحَيَاةُ وَإِنَّمَا قِيلَ التَّحِيَّاتُ بِالْجَمْعِ لِأَنَّ مُلُوكَ الْعَرَبِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحَيِّيِهِ أَصْحَابُهُ بِتَحِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقِيلَ جَمِيعُ تَحِيَّاتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ حَقِيقَةً وَالْمُبَارَكَاتُ وَالزَّاكِيَاتُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْبَرَكَةُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَقِيلَ النَّمَاءُ وَكَذَا
стр. 898
الزَّكَاةُ أَصْلُهَا النَّمَاءُ (وَالطَّيِّبَاتُ) أَيِ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ (وَالصَّلَوَاتُ) هِيَ الصَّلَوَاتُ الْمَعْرُوفَةُ وَقِيلَ الدَّعَوَاتُ وَالتَّضَرُّعُ وَقِيلَ الرَّحْمَةُ أَيِ اللَّهُ الْمُتَفَضِّلُ بِهَا (ثُمَّ سَلِّمُوا) فَقِيلَ مَعْنَاهُ التَّعْوِيذُ بِاللَّهِ وَالتَّحْصِينُ بِهِ فَإِنَّ السَّلَامَ اسْمٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ حَفِيظٌ وَكِيلٌ كَمَا يُقَالُ اللَّهُ مَعَكَ أَيْ بِالْحِفْظِ وَالْمَعُونَةِ وَاللُّطْفِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ السَّلَامَةُ وَالنَّجَاةُ لَكُمْ وَيَكُونُ مَصْدَرًا كَاللَّذَاذَةِ وَاللَّذَاذِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَسَلَامٌ لك من أصحاب اليمين) أَمَّا السَّلَامُ الَّذِي فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ سَلَامُ التَّحْلِيلِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ هَكَذَا وَيَقُولُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَفْضَلُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي التَّشَهُّدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لِيَعُودَ التَّعْرِيفُ إِلَى سَابِقِ كَلَامِهِ كَمَا يَقُولُ جَاءَنِي رَجُلٌ فَأَكْرَمْتُ الرَّجُلَ انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَدَلَّتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ) وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي بَابِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بنيه أما بعد فإن رسول الله الْحَدِيثَ فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبْنَاءِ سَمُرَةَ صَحِيفَةٌ مِنْ سَمُرَةَ وَأَنَّهُمْ جَمَعُوا مَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ سَمُرَةُ فَصَارَتْ هَذِهِ الْمَكَاتِيبُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيفَةِ وَالْكِتَابِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ دَلَّتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ فَوَجْهُ دَلَالَتِهَا وَتَعَلُّقِهَا بِالْبَابِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَمُرَةَ عَنْ أَبِيهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِلَخْ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي أَمْلَاهَا سَمُرَةُ وَرَوَاهَا عَنْهُ وَلَدُهُ سُلَيْمَانُ فَأَرَادَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ سَمُرَةَ كَمَا صَحَّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِيهِ بِهَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَغَيْرِهَا كَذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ صَحَّ سَمَاعُهُ بِهَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سمرة لأن كل مِنْهُمَا أَيْ سُلَيْمَانُ بْنُ سَمُرَةَ وَكَذَا الْحَسَنُ بْنُ يَسَارٍ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ كَمَا أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ سَمُرَةَ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ سَمُرَةَ لِأَنَّهُمَا مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ فَلَمَّا سَمِعَ سُلَيْمَانُ مِنْ أَبِيهِ سَمُرَةَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ سَمِعَ مِنْهُ وَأَنَّ أَبَا دَاوُدَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ سَمُرَةَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَصَحِيفَةٌ يَرْوِيهَا عَنْ سَمُرَةَ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ مِنْهُ
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَنَّهَا الْعَصْرُ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جندب عن النبي أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ
قَالَ أَبُو عِيسَى قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ حَسَنٌ وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ
وَقَالَ أَيْضًا فِي هذا
стр. 899
الْبَابِ قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ عَلِيٌّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا فِي بَابِ احتلاب المواشي إِذْنِ الْأَرْبَابِ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ الْحَدِيثَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَقَالُوا إِنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ صَحِيفَةِ سَمُرَةَ انتهى
لكن قال الحافظ بن حَجَرٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الدَّلَالَةِ بَعْدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ
(باب الصلاة على النبي بَعْدَ التَّشَهُّدِ)
[٩٧٦] الصَّلَاةُ الدُّعَاءُ وَالرَّحْمَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَحُسْنُ الثناء من الله تعالى على رسوله وَهُوَ مِنَ الْعِبَادِ طَلَبُ إِفَاضَةِ الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَقِيلَ يَجِبُ كُلَّمَا جَرَى ذِكْرُهُ وَقِيلَ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ يَسْقُطُ الْمَأْثَمُ هُوَ الْإِتْيَانُ بِهَا مرة كالشهادة بنبوته وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تسليما هَلْ هُوَ لِلنَّدَبِ أَوْ لِلْوُجُوبِ ثُمَّ هَلِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ ثُمَّ هَلْ تَتَكَرَّرُ كُلَّمَا سُمِعَ ذِكْرُهُ أَمْ لَا وَإِذَا تَكَرَّرَ هَلْ تَتَدَاخَلُ فِي الْمَجْلِسِ أَمْ لَا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَرْضٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا الْوُجُوبُ وَالتَّدَاخُلُ انْتَهَى
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ وَقَدْ أَجَادَ وَأَحْسَنَ وَأَطَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ الْخَفَاجِيُّ فِي نَسِيمِ الرِّيَاضِ شرح شفاء القاضي عياض والإمام بن الْقَيِّمِ فِي جِلَاءِ الْأَفْهَامِ
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (فَقَدْ عَرَفْنَاهُ) يَعْنِي بِمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ التَّشَهُّدِ وَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَنِ التَّشَهُّدِ (فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ) فِيهِ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ مَا فَهِمَ جُمْلَتَهُ أن
стр. 900
يَسْأَلَ عَنْهُ مَنْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ (قُولُوا اللَّهُمَّ إِلَخْ) اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عليه بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ عُمَرُ وَابْنُهُ عبد الله وبن مَسْعُودٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالشَّعْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بن حنبل وإسحاق وبن الْمَوَّازِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ
قَالَ الطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ
إِنَّهُ أَجْمَعَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ مِنَ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةِ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ نِسْبَةِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَلَكِنَّهُ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْأَمْرِ بِهَا وَبِمَا فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي الْجُمْلَةِ فَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِإِيقَاعِ فَرْدٍ مِنْهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَلَكِنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ بما أخرجه بن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه وبن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ بِزِيَادَةِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا وَفِي رِوَايَةٍ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا وَغَايَةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أن يتعين بها محل الصلاة عليه وَهُوَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُعَيِّنُ مَحَلَّ النِّزَاعِ وَهُوَ إِيقَاعُهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ
وَيُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَوَامِرَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْأَحَادِيثِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةٍ وَهِيَ لَا تُفِيدُ الْوُجُوبَ فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ ذَوْقٌ أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ إِذَا أَعْطَيْتُكَ دِرْهَمًا فَكَيْفَ أُعْطِيكَ إِيَّاهُ أَسِرًّا أَمْ جَهْرًا فَقَالَ لَهُ أَعْطِنِيهِ سِرًّا كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي هِيَ السِّرِّيَّةُ لَا أَمْرًا بِالْإِعْطَاءِ وَتَبَادُرُ هَذَا الْمَعْنَى لُغَةً وَشَرْعًا وَعُرْفًا لَا يُدْفَعُ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي السُّنَّةِ وَكَثُرَ فَمِنْهُ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمُ اللَّيْلَ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ الْحَدِيثَ
وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ (وَآلِ مُحَمَّدٍ) بِحَذْفِ عَلَى وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ بِإِثْبَاتِهَا وَقَدْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى وُجُوبِ زِيَادَتِهَا كَذَا فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ
وَفِي الْمِرْقَاةِ قِيلَ الْآلُ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَقِيلَ كُلُّ تَقِيٍّ آلُهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْآلِ جَمِيعُ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْآلِ الْأَزْوَاجُ وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَيَدْخُلُ فِيهِمُ الذُّرِّيَّةُ وبذلك يجمع بين الأحاديث
وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ هُمْ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ أَوْلَادُ فَاطِمَةَ وَنَسْلُهُمْ وَقِيلَ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ
стр. 901
لِأَنَّهُمْ ذُكِرُوا جُمْلَةً فِي رِوَايَةٍ وَرُدَّ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمَالَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَاخْتَارَهُ الزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرُهُ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِالْأَتْقِيَاءِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى تَمَامٌ فِي فَوَائِدِهِ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ الله مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ فَقَالَ كُلُّ تَقِيٍّ مِنْ آل محمد زاد الديملي ثم قرأ إن أولياؤه إلا المتقون
(كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ذُكِرَ فِي وَجْهِ تَخْصِيصِهِ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ وُجُوهٌ أَظْهَرُهَا كَوْنُهُ جد النبي وَقَدْ أُمِرْنَا بِمُتَابَعَتِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَوْ فِي التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ وَالِانْقِيَادِ الْمُحَقَّقِ انْتَهَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ وَاسْتَشْكَلَ جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه بِالصَّلَاةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَوْ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ مَعَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ به في الغالب وهو أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُشَبَّهَ مَجْمُوعُ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ بِمَجْمُوعِ الصَّلَاةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ وَفِي آلِ إِبْرَاهِيمَ مُعْظَمُ الْأَنْبِيَاءِ فَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ لَا لِلْقَدْرِ بِالْقَدْرِ وَمِنْهَا أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ على الآل لا على النبي وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ منه قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ومنها أن مراده أَنْ يُتِمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى إبراهيم وآله ومنها أن مراده أَنْ يَبْقَى لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ كَإِبْرَاهِيمَ وَمِنْهَا أَنَّهُ سَأَلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا كَإِبْرَاهِيمَ (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ) الْبَرَكَةُ هِيَ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ مِنْ قَوْلِهِمْ بَرَكَ الْبَعِيرُ إِذَا ثَبَتَ وَدَامَ أَيْ أَدِمْ شَرَفَهُ وَكَرَامَتَهُ وَتَعْظِيمَهُ (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أَيْ مَحْمُودُ الْأَفْعَالِ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ لِمَا فِي الصِّيغَةِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ الصَّلَاةِ مِنْهُ وَالْمَجِيدُ الْمُتَّصِفُ بِالْمَجْدِ وَهُوَ كَمَالُ الشَّرَفِ وَالْكَرْمِ وَالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٩٧٨] (بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا) أَيِ الْحَدِيثُ (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) أَصْلُ آلِ أَهْلُ فَأُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً ثم الهمزة ألفا بدل عَلَيْهِ تَصْغِيرُهُ عَلَى أُهَيْلٍ وَيَخْتَصُّ بِالْأَشْهَرِ الْأَشْرَفِ كَقَوْلِهِمُ الْقُرَّاءُ آلُ مُحَمَّدٍ وَلَا يُقَالُ آلُ الْخَيَّاطِ وَالْإِسْكَافِ اخْتَلَفُوا فِي الْآلِ مَنْ هُمْ قِيلَ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ كَبَنِي هَاشِمٍ
стр. 902
وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَالْفَاطِمَةِ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَأَخَوَيْهِ جعفر وعقيل وأعمامه الْعَبَّاسِ وَالْحَارِثِ وَحَمْزَةَ وَأَوْلَادِهِمْ وَقِيلَ كُلُّ تَقِيٍّ آله ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَتَقَدَّمَ آنِفًا بَيَانُهُ (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) هُمْ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُمُ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَةَ بِقَوْلِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حميد مجيد ولم يجمعا لغيرهم فسأل النبي إعطاء ما تضمنته الآية قال بن تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى تَحْتَ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَيْ بِلَفْظِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَكَمَا بَارَكَتْ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ فِيهِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَمْ يَذْكُرْ آلَهُ
انْتَهَى
[٩٧٩] (أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نصلي عليك) قال علي القارىء جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ سبب هذا السؤال وَلَفْظُهُ لَمَّا نَزَلَتْ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عليه وسلموا تسليما قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْنَا مَا هُوَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نصلي عليك (قولوا اللهم) أي ياالله فَالْمِيمُ عِوَضٌ عَنْ يَاءٍ وَمِنْ ثَمَّ شَذَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ الْمِيمُ مُقْتَطَعَةٌ مِنْ جُمْلَةٍ أخرى أي ياالله أُمَّنَا بِخَيْرٍ وَقِيلَ زَائِدَةٌ لِلتَّفْخِيمِ وَقِيلَ دَالَّةٌ عَلَى الْجَمْعِ كَالْوَاوِ أَيْ يَا مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ اللَّهُمَّ مُجْتَمَعُ الدُّعَاءِ وَقَوْلُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَقَوْلُ أَبِي رَجَاءٍ الْمِيمُ مَفْعُولُ الْمُضَعَّفِ سُمِّيَ بِهِ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ لِجَدِّهِ
стр. 903
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِيَحْمَدَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يَقُولُ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وَهُوَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهِ لِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ مِنَ الْمَحَامِدِ وَصِفَاتِ الْحَمْدِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ لِغَيْرِهِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ بِيَدِهِ لِوَاءُ الْحَمْدِ وَكَانَ صَاحِبَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَأُلْهِمَ مِنْ مَجَامِعِ الْحَمْدِ حِينَ يَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ لِلشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ الَّتِي هِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مَا لَمْ يُفْتَحْ بِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَسُمِّيَتْ أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ لِحَمْدِهِمْ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَأَمَّا أَحْمَدُ فَلَمْ يُسَمِّ بِهِ غَيْرُهُ قَطُّ
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَكَذَلِكَ قَبْلَ أَوَانِ ظُهُورِهِ وَبَعْدَهُ مَدَّ أُنَاسٌ أَعْنَاقَهُمْ إِلَى رَجَائِهِمْ غَفْلَةً عَنْ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ فَسَمَّوْا أبنائهم مُحَمَّدًا حَتَّى بَلَغُوا خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا
هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ زِيَادَةٌ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا رَحِمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَرُبَّمَا يَقُولُونَ تَرَحَّمْتَ بِالتَّاءِ لَمْ يَرِدْ بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ إِذْ لَا يُقَالُ رَحِمْتَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ التَّرَحُّمَ فِيهِ مَعْنَى التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ فَلَا يَحْسُنُ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ هِيَ بِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا وَوَافَقَهُ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ (وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ) بضم المعجمة
وقال بن حَجَرٍ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا مِنَ الذَّرْءِ أَيِ الْخَلْقِ وَسَقَطَتِ الْهَمْزَةُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَهِيَ نَسْلُ الْإِنْسَانِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إِلَّا أَوْلَادَ بَنَاتِهِ ﵇ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إليه في الكفاءة وَغَيْرِهَا فَهُمْ هُنَا أَوْلَادُ فَاطِمَةَ ﵂ وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ بَنَاتِهِ لَكِنَّ بَعْضَهُنَّ لَمْ يُعْقِبْ وَبَعْضَهُنَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٩٨٠] (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ أتانا رسول الله) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أبو داود بن خزيمة وبن حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ
стр. 904
وصححه وزاد والنبي الأمي بعد قوله قولوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ لَفْظَ فِي الْعَالَمِينَ وَفِي الْبَابِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَفِي رِوَايَةٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمَا وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ والنسائي بن مَاجَهْ بِلَفْظِ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَعَنْ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَفِيهِ أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى نُفَيْعٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ بِلَفْظِ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعَنْ رُوَيْفِعِ بن ثابت وجابر وبن عَبَّاسٍ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ فِي الدَّعَوَاتِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَنْبَغِي أَنْ تَجْمَعَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَتَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ بَقِيَ عَلَيْهِ مِمَّا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ وَهِيَ خَمْسَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ انْتَهَى
وَهَذِهِ الزِّيَادَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْعِرَاقِيُّ ثابتة في أحاديث الباب التي ذكرها بن تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى
وَقَدْ وَرَدَتْ زِيَادَاتٌ غَيْرُ هذه في أحاديث أخر عن علي وبن مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا وَلَكِنْ فِيهَا مَقَالٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَفِي رِوَايَةِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ تَمَّ كَلَامُهُ
стр. 905
[٩٨٢] (بِالْمِكْيَالِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ مَا يُكَالُ بِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ غَيْرِهَا وَأَوْفَرُ ثَوَابًا (أَهْلَ الْبَيْتِ) الْأَشْهُرُ فِيهِ النَّصْبُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهُ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْنَا (فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمد) قال الإسنوي قد اشتهر زِيَادَةُ سَيِّدِنَا قَبْلَ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُصَلِّينَ وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ أَفَضَلُ نَظَرٌ وَقْدَ رُوِيَ عن بن عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ سُلُوكِ الْأَدَبِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ سُلُوكَ طَرِيقِ الْأَدَبِ أَحَبُّ مِنَ الِامْتِثَالِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي بكر حين أمره أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ فَلَمْ يَمْتَثِلْ وَقَالَ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يدي رسول الله وكذلك امتناع على محو اسم النبي مِنَ الصَّحِيفَةِ فِي صُلْحٍ الحديبيةِ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ لَا أَمْحُو اسْمَكَ أَبَدًا
وكلا الحديثين في الصحيح فتقريره لَهُمَا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ تَأَدُّبًا مُشْعِرٌ بِأَوْلَوِيَّتِهِ
وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الزَّوْجَاتِ مِنَ الْآلِ وَالْقَائِلُونَ إِنَّ الذَّرِّيَّةَ مِنَ الآل وهو أدل دليلا عَلَى ذَلِكَ لِذِكْرِ الْآلِ فِيهِ مُجْمَلًا وَمُبِينًا
وَالْحَدِيثُ سَكْتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْمُجْمِرِ عَنْ أبي هريرة عنه
وَقَدِ اختِلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَأَخْرَجَهُ النِّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ عَنْ حِبَّانَ بْنِ يَسَارٍ الكلابيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَلْحَةَ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عن النبي بِلَفْظِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَعَلَى حِبَّانَ بْنِ يَسَارٍ
٣ - (بَاب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ)
[٩٨٣] (إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخَرِ) فِيهِ تَعْيِينُ مَحَلِّ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ
стр. 906
وَهُوَ مُقَيَّدٌ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَرْوِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الْحَدِيثُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَرُدُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بن حَزْمٍ مِنْ وُجُوبِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَمَا وَرَدَ مِنَ الْإذْنِ لِلْمُصَلِّي بِالدُّعَاءِ بِمَا شَاءَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ لِقَوْلِهِ إِذَا فَرَغَ (فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ) اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْأَمْرِ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ
وَفِي السُّبُلِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ مِمَّا ذَكَرَ وَهُوَ مُذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ وبن حَزْمٍ مِنْهُمْ وَيَجِبُ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عَمَلًا مِنْهُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَأَمَرَ طَاوُسٌ ابْنَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا لَمْ يَسْتَعِذْ فِيهَا فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ مِنْ تَرْكِهَا وَالْجُمْهُورُ جَعَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ انْتَهَى (من عذاب جهنم) قدم فإنه أَشَدُّ وَأَبْقَى بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (وَمِنْ عَذَابِ القبر) فيه رد على المنكرين لذلك من الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ مُتَوَاتِرَةٌ (وَمِنْ فِتْنَةِ المحيا والممات) قال بن دقيق العيد فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنَ الِافْتِنَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ
وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ عَلَى هَذَا بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ
وَقِيلَ أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءَ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة
كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ وَمُخَفَّفٌ عِيسَى وَنَقَلَ الْعَزِيزِيُّ عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ الْمَسِيحَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ وَيُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَيُقَالُ لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ
قَالَ الْحَافِظُ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّجَّالِ وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ
قال في القاموس والمسيح عيسى بن مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِبَرَكَتِهِ كَذَا فِي النَّيْلِ
وَفِي السُّبُلِ وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ لَهُ الْمَسِيحُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ وَقِيلَ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ ما كان يمسح ذا عاهة إلا بريء
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والنسائي وبن ماجه
стр. 907
[٩٨٤] (اللَّهُمَّ إِنِّي) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) وَمِنْهُ شِدَّةُ الضَّغْطَةِ وَوَحْشَةُ الْوَحْدَةِ
قَالَ بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَفِيهِ أَبْلَغُ الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي إِنْكَارِهِمْ لَهُ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْحَطِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِهِمْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ لِسُنِّيٍّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مُعْتَزِلِيٍّ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أَذِقْهُ عَذَابَ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ كَانَ لا يؤمن به ويبالغ في نفيه ويخطىء مُثْبِتَهُ (مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) أَيِ ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ
[٩٨٥] (أَنْ تَغْفِرَ لِي) أَيْ تَسْتُرَ بِي (إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فَالْمَغْفِرَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وَمَحْوُهَا وَالرَّحْمَةُ إِيصَالُ الْخَيْرَاتِ فَفِي الْأَوَّلِ طَلَبُ الزَّحْزَحَةِ عَنِ النَّارِ وَفِي الثَّانِي طَلَبُ إِدْخَالِ الْجَنَّةِ مَعَ الْأَبْرَارِ وَهَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ رَزَقَنَا اللَّهُ بِفَضْلِهِ الْكَرِيمِ (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ
قال المنذري وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٤ - (بَاب إِخْفَاءِ التَّشَهُّدِ)
[٩٨٦] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُخْفَى التَّشَهُّدُ) قَالَ الطِّيبِيُّ إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا أَوِ السُّنَّةُ كَذَا فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ
وَقِيلَ مَعْنَى سَنَّ كَذَا شَامِلٌ لِمَعْنَى قَالَ وَفَعَلَ
стр. 908
وَقَرَّرَ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ
٥ - (بَاب الْإِشَارَةِ فِي التَّشَهُّدِ)
[٩٨٧] (وَأَنَا أَعْبَثُ) الْوَاوُ حَالِيَّةٌ أَيْ أَلْعَبُ (وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا) وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبْضِ كُلِّ الْأَصَابِعِ وَالْإِشَارَةِ بِالسَّبَّابَةِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ بَاسِطَهَا عَلَيْهَا وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الْقَبْضِ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَصَابِعِ إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْقَبْضُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْقَبْضُ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ قَوْلَهُ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطَهَا عَلَيْهَا مُشْعِرٌ بِقَبْضِ الْيُمْنَى وَلَكِنَّهُ إِشْعَارٌ فِيهِ خَفَاءٌ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَوْصِيفُ الْيُسْرَى بِأَنَّهَا مَبْسُوطَةٌ نَاظِرًا إِلَى رَفْعِ أُصْبُعِ الْيُمْنَى لِلدُّعَاءِ فَيُفِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ أُصْبُعَ الْيُسْرَى لِلدُّعَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ (وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ) وَهِيَ السَّبَّابَةُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٩٨٨] (إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ بن الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجْعَلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ وَيَفْرِشُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَاخْتَارَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخَرَقِيُّ فِي مُصَنَّفِهِ وَلَعَلَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ هَلْ هُوَ
стр. 909
وَاجِبٌ أَمْ لَا فَقَالَ بِالْوُجُوبِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو مَسْعُودٍ وَمِنَ الْأَئِمَّةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الثَّوْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ إِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ
اسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِمُلَازَمَتِهِ ﷺ وَالْآخِرُونَ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ وَمُجَرَّدُ الْمُلَازَمَةِ لَا تُفِيدُ الْوُجُوبَ
قال الشوكاني هذا هو الظاهر لاسيما مَعَ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْلِيمِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا (أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) أَيِ الْمُسَبِّحَةِ حِينَ الْجُلُوسِ
وَقَدْ وَرَدَ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ حَالَ التَّشَهُّدِ هَيْئَاتٌ الْأُولَى مَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ جَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ قَبَضَ ثنيتين مِنْ أَصَابِعِهِ وَحَلَّقَ حَلَقَةً ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا وَالثَّانِيَةُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَهُ اليمنى على ركبتيه الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ
وَالثَّالِثَةُ قبض كل الأصابع والاشارة بالسباحة كما في حديث بن عُمَرَ
وَالرَّابِعَةُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ مِنْ حديث بن الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ وَالْخَامِسَةُ وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ وَالْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ رواية أخرى عن بن الزُّبَيْرِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَالْإِشَارَةِ وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ
وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ بِدُونِ ذِكْرِ الْقَبْضِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يحمل الرِّوَايَةُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْقَبْضُ كَمَا تقدم بيانه آنفا
وقد جعل الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا وَاحِدَةً قَالَ فَإِنَّ مَنْ قَالَ قَبَضَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْوُسْطَى كَانَتْ مَضْمُومَةً وَلَمْ تَكُنْ مَنْشُورَةً كَالسَّبَّابَةِ وَمَنْ قَالَ قَبَضَ اثْنَيْنِ أَرَادَ أَنَّ الْوُسْطَى لَمْ تَكُنْ مَقْبُوضَةً مَعَ الْبِنْصِرِ بَلِ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الْقَبْضِ دُونَ الْوُسْطَى وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ فَإِنَّ الْوُسْطَى فِي هَذَا الْعَقْدِ تَكُونُ مَضْمُومَةً وَلَا تَكُونُ مَقْبُوضَةً مَعَ الْبِنْصِرِ انْتَهَى
قُلْتُ مَا قَالَهُ الْحَافِظُ بن الْقَيِّمِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَ الرَّافِعِيُّ إِنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَتْ بِهَا جَمِيعًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصْنَعُ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا انْتَهَى
وَقَالَ الطيبي وللفقهاء
стр. 910
فِي كَيْفِيَّةِ عَقْدِهَا وُجُوهٌ أَحَدُهَا أَنْ يَعْقِدَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ وَيَضُمَّ الْإِبْهَامَ إِلَى أَصْلِ الْمُسَبِّحَةِ وَهُوَ عَقْدُ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ وَالثَّانِي أَنْ يَضُمَّ الْإِبْهَامَ إِلَى الْوُسْطَى الْمَقْبُوضَةِ كالقابض ثلاثا وعشرين فإن بن الزُّبَيْرِ رَوَاهُ كَذَلِكَ
قَالَ الْأَشْرَفُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الْعَقْدَ وَالْحِسَابَ الْمَخْصُوصَ وَالثَّالِثُ أَنْ يَقْبِضَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ وَيُحَلِّقَ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى كَمَا رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ انْتَهَى
قَالَ فِي الْمُحَلَّى وَهِيَ صُورَةُ عَقْدِ تِسْعِينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ حَالَ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
قال أصحاب الشافعي يكون الْإِشَارَةُ بِالْأُصْبُعِ عِنْدَ قَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الشَّهَادَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ وَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَيُشِيرُ بِهَا مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص
قال بن ارسلان وَالْحِكْمَةُ فِي الْإِشَارَةِ بِهَا إِلَى أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لِيَجْمَعَ فِي تَوْحِيدِهِ بَيْنَ القول والفعل والاعتقاد
وروي عن بن عَبَّاسٍ فِي الْإِشَارَةِ أَنَّهُ قَالَ هِيَ الْإِخْلَاصُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ مِقْمَعَةُ الشَّيْطَانِ
وَفِي الْمُحَلَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يُقِيمِ إِصْبَعَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَضَعُ عِنْدَ قَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ فَيَكُونَ الرَّفْعُ لِلنَّفْيِ وَالْوَضْعُ لِلْإِثْبَاتِ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ يُشِيرُ عِنْدَ قَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِيهِمَا حَدِيثًا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ حَدِيثُ خَفَّافٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بِهَا لِلتَّوْحِيدِ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ كَمَا صَحَّ فِي أَبِي دَاوُدَ وَيُشِيرُ بِهَا مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ وَيَنْوِي بِالْإِشَارَةِ التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ انْتَهَى
وَسَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٩٨٩] (كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا) أَيْ إِذَا تَشَهَّدَ
قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَالْمُرَادُ إِذَا تَشَهَّدَ وَالتَّشَهُّدُ حَقِيقَةُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّشَهُّدُ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَدْعُو بِهَا أَيْ يَتَشَهَّدُ بِهَا وَأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الرَّفْعِ إِلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ
انْتَهَى
وَفِي الْمُحَلَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُدِيمُ رَفْعَهَا إِلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ رَفَعَ إِصْبَعَهُ فرأيناه يحركها ويدعو وفيه تحريكها دائما إذا الدعاء بعد التشهد
قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى الرَّفْعِ إِلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْمُحَلَّى
стр. 911
وَقَالَ السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ نَذِيرُ حُسَيْنٍ الدَّهْلَوِيُّ فِي بَعْضِ فَتَاوَاهُ إنَّ الْمُصَلِّي يَسْتَمِرُّ إِلَى الرَّفْعِ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ
وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ غَايَةِ الْمَقْصُودِ فَتْوَاهُ بِتَمَامِهِ (وَلَا يُحَرِّكُهَا) قال بن الملك يدل على أنها لَا يُحَرِّكُ الْإِصْبَعَ إِذَا رَفَعَهَا لِلْإِشَارَةِ وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ
قَالَ الشَّيْخُ سَلَامُ اللَّهِ فِي الْمُحَلَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَفِي حَدِيثِ وَائِلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَفِيهِ ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا فَفِيهِ تَحْرِيكُ السَّبَّابَةِ عِنْدَ الرَّفْعِ وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ المراد بالتحريك ها هنا هُوَ الرَّفْعُ لَا غَيْرَ فَلَا يُعَارِضُهُ مَا في مسلم عن بن الزُّبَيْرِ كَانَ ﷺ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِذَا دَعَا وَلَا يُحَرِّكُهَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ إِنَّهُ لَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
انْتَهَى كَلَامُهُ (يَدْعُو كَذَلِكَ) أَيْ يُشِيرُ بِهَا أَيْ يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ الْوَاحِدَةَ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي دُعَائِهِ أَيْ تَشَهُّدِهِ وَهُوَ حَقِيقَةُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَسُمِّيَ التشهد دعاء لاشتمالة عليه
قاله علي القارىء (وَيَتَحَامَلُ) أَيْ يَضَعُ
(قَالَ لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ) أَيْ بَلْ كَانَ يُتْبِعُ بَصَرَهُ إِشَارَتَهُ لِأَنَّهُ الْأَدَبُ الْمُوَافِقُ لِلْخُضُوعِ وَالْمَعْنَى لَا يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ الْإِشَارَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ كَمَا هُوَ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ بَلْ يَنْظُرُ إِلَى إِصْبَعِهِ وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ عَنْهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٩٩١] (قَدْ حَنَاهَا شَيْئًا) أَيْ أَمَالَهَا قليلا
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
стр. 912
٣٦ - (بَاب كَرَاهِيَةِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ)
[٩٩٢] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) سَيَجِيءُ بَيَانُ أَلْفَاظِ شُيُوخِ الْمُؤَلِّفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُنَاكَ تَظْهَرُ لَكَ الرِّوَايَةُ الرَّاجِحَةُ مِنَ الرواية المرجوحة
قال بن رسلان في شرح السنن وقال بن عَبْدِ الْمَلِكِ فِي رِوَايَتِهِ نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ يَعْنِي لَا يَضَعُ يَدَيْهِ على الأرض ولا يتكىء عَلَيْهَا إِذَا نَهَضَ لِلْقِيَامِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ حُجَّةٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَاخْتِيَارُ الْخَرَقِيِّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وعلي وبن مسعود وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ أَحْمَدُ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَلَا يَضَعُ يَدَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ وَأَبُو حُمَيْدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
وَحُجَّةُ الشَّافِعِيَّةِ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ فَمُرَادُهُ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْجِلْسَةِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا وَاحْتَجُّوا عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَرْضِ لِلْقِيَامِ بِحَدِيثِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عن أبي قلابة وفيه فإذا رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَامَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ
وأجابوا عن حديث بن عمر هذه بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَجْهُولٌ
وَالثَّانِي أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ لِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَفِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْغَزَّالِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ الْمُشَدَّدَةِ فِي الرِّوَايَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَقَالَ فِيهِ نَهَى أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى إِحْدَى اليدين دُونِ الْأُخْرَى أَحَدٌ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَاعِدَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَنْ خَالَفَ الثِّقَاتِ كَانَ حَدِيثُهُ شَاذًّا مَرْدُودًا وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ عِنْدَ كِبَرِهِ وَضَعْفِهِ وَهَذَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ مَرَّةً لبيان الجواز
انتهى كلام بن رَسْلَانَ ﵀ بِلَفْظِهِ
انْتَهَى
стр. 913
وَقَالَ السَّيِّدُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَمِيرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى حديث بن عمر ﵄ فِي النَّهْي عَنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ شُيُوخِهِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّوَيْهِ وَمُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَفْظُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ على يده قال بن رسلان الرواية الصحيحة يديه ولفظ بن رَافِعٍ نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ وَذَكَرُوهُ فِي باب الرفع من السجدة
قال بن رَسْلَانَ يَعْنِي بَلْ يَضَعُهَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ انْتَهَى فعرف من هذا أن رواية بن شبويه وبن رَافِعٍ مُطْلَقَةٌ وَرِوَايَةَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مُقَيَّدَةٌ بحال الجلوس ورواية بن عَبْدِ الْمَلِكِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ النُّهُوضِ فَقَدْ تَعَارَضَ الْقَيْدَانِ وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ وَرَاوِيَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَرْجَحُ لِأَنَّهُ إِمَامٌ ثِقَةٌ مَشْهُورُ الْعَدَالَةِ
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ فِيهِ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ وَهُوَ مِمَّنْ يُصَحَّحُ حَدِيثُهُ أَوْ يُحَسَّنُ بِالْمُتَابَعَةِ وَالشَّوَاهِدِ
وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بِلَفْظِ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاعْتَمَدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
انْتَهَى مِنْ خَطِّ السيد العلامة ﵀
وقال علي القارىء في المرقاة نهي أن يعتمد أي يتكىء الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ أَيْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ بَلْ يَنْهَضَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى الْأَرْضِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ فِي الْأَزْهَارِ قِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ فِي التشهد على الأرض ويتكىء عَلَيْهَا وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَيُرْسِلَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ فَخِذَيْهِ وَقِيلَ هُوَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فِي الْهُوِيِّ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ الْقِيَامِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ يَعْنِي وَالْأَخِيرَ هُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِذْ مَعْنَاهُ لَا يُلَائِمُ النَّهْيَ عَنِ الْجُلُوسِ
وَأَيْضًا لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَخِيرِ لَتَنَاقَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ رَاوٍ وَاحِدٍ وَمَعَ هَذَا قَالَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّي لَا يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ عِنْدَ قِيَامِهِ
وَيَعْتَمِدُ عَلَى ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
انْتَهَى كَلَامُ القارىء
стр. 914
قُلْتُ حَدِيثُ صُدُورِ الْقَدَمَيْنِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو داود بل أخرجه الترمذي وضعفه وأخرجه بن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ فَلَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ الَّذِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ
نَعَمْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ يَنْهَضُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قدميه أخرج عنهم بن أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّازِقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ لَكِنْ هَذَا كُلُّهُ مَوْقُوفٌ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْمَرْفُوعُ بِالْمَوْقُوفِ وَمَعْنَى رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(إِذَا نَهَضَ) أَيْ قَامَ
[٩٩٣] (وَهُوَ مُشَبِّكٌ) التَّشْبِيكُ إِدْخَالُ أَصَابِعِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ فِي أَصَابِعِ الْيَدِ الْأُخْرَى
[٩٩٤] (وَهَذَا لَفْظُهُ) أَيْ لَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ (جَمِيعًا) حَالُ زيد بن الزرقاء أبي وبن وَهْبٍ أَيْ يَرْوِيَانِ جَمِيعًا (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيْ هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ (فَقَالَ) بن عُمَرَ (لَا تَجْلِسْ هَكَذَا) خِطَابٌ لِلرَّجُلِ الْمَذْكُورِ
وهذا الأثر يؤيد رواية بن عُمَرَ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ والله أعلم
стр. 915
٣٧ - (بَاب فِي تَخْفِيفِ الْقُعُودِ)
[٩٩٥] (كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَتُفْتَحُ الرَّاءُ وَبَعْدَهَا فَاءٌ جَمْعُ رَضْفَةٍ وَهِيَ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ عَلَى النَّارِ أَرَادَ بِهِ تَخْفِيفَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَسُرْعَةَ الْقِيَامِ فِي الثُّلَاثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ يَعْنِي لَا يَلْبَثُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَثِيرًا بَلْ يُخَفِّفُهُ وَيَقُومُ مُسْرِعًا كَمَنْ هُوَ قَاعِدٌ عَلَى حَجَرٍ حَارٍّ فَيَكُونُ مُكْتَفِيًا بِالتَّشَهُّدِ دُونَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مُكْتَفِيًا بِالتَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ على الدعاء عند الشافعية
قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَمِنْهُ أَخَذَ أَئِمَّتنَا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ إِنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يَعْنِي الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ فَهُمَا الْأُولَيَانِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَقَعُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشَهُّدِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الثَّالِثَةَ هِيَ الْأُولَى مِنَ الشَّفْعِ الثَّانِي وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ دُونَ بَعْدِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) أَيْ شُعْبَةُ (قُلْنَا حَتَّى يَقُومَ) النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ) أَيِ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (حَتَّى يَقُومَ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ حَرَّكَ سَعْدٌ شَفَتَيْهِ بِشَيْءٍ فَأَقُولُ حَتَّى يَقُومَ فَيَقُولُ حَتَّى يَقُومَ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَخْتَارُونَ أَنْ لَا يُطِيلَ الرَّجُلُ الْقُعُودَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَلَا يَزِيدَ عَلَى التَّشَهُّدِ شَيْئًا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَقَالُوا إِنْ زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ فَعَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ
هَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى
وَفِي حَاشِيَةِ السِّنْدِيِّ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فِي جُلُوسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ حَتَّى يَقُومَ وَكَوْنُهُ عَلَى الرَّضْفِ كِنَايَةٌ عَنِ التَّخْفِيفِ وَحَتَّى فِي قَوْلِهِ حَتَّى يَقُومَ لِلتَّعْلِيلِ بِقَرِينَةِ الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ ذَاكَ يُرِيدُ وَلَا يُنَاسِبُ هَذَا الْجَوَابُ كَوْنَ حَتَّى لِلْغَايَةِ انْتَهَى
وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ
وَفِيهِ قُلْتُ حَتَّى يَقُومَ قَالَ ذَاكَ يُرِيدُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَبُو عُبَيْدَةَ هَذَا اسْمُهُ عَامِرٌ وَيُقَالُ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ وَقَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِحَدِيثِهِ فِي صَحِيحَيْهِمَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ هَلْ تَذْكُرُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ شَيْئًا قَالَ مَا أَذْكُرُ شَيْئًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
следующие страницы →