← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

عَنْ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ دِينَارٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ دِينَارٍ انْتَهَى وَأَيْضًا وأخرجه بن مَاجَهْ نَحْوَهُ [١٠٥٤] (عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ (وَقَالَ عَنْ سَمُرَةَ) أَيْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا لَكِنْ رَجَّحَ الْمُؤَلِّفُ رِوَايَةَ هَمَّامٍ عَلَى رِوَايَةِ أَيُّوبَ وَسَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ذِكْرُ دِينَارٍ بِخِلَافِ رِوَايَةِ أَيُّوبَ فَفِيهَا ذِكْرُ دِرْهَمٍ وَالْمَحْفُوظُ ذِكْرُ الدِّينَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (بَاب مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ) [١٠٥٥] فَثَبَتَ بِحَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَالْبَلَدِ كَمَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَأَشَارَ بِهَذَا الْبَابِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا الْجُمُعَةَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ (يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ) يَفْتَعِلُونَ مِنَ النَّوْبَةِ أَيْ يَحْضُرُونَهَا

стр. 982

نُوَبًا وَالِانْتِيَابُ افْتِعَالٌ مِنَ النَّوْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ يَتَنَاوَبُونَ (مِنْ مَنَازِلِهِمْ) الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَمِنَ الْعَوَالِي) جَمْعُ عَالِيَةٍ مَوَاضِعُ وَقُرًى شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ وَأَدْنَاهَا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَأَبْعَدُهَا ثَمَانِيَةٌ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَالْعَوَالِي هِيَ أَمَاكِنُ بِأَعْلَى أَرَاضِي الْمَدِينَةِ وَأَدْنَاهَا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَأَبْعَدُهَا مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ ثَمَانِيَةٌ انْتَهَى وَفِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ لِأَبِي دَاوُدَ قَالَ مَالِكٌ الْعَوَالِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بن السرح عن بن وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ عَنِ بن شِهَابٍ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ أَهْلَ الْعَوَالِي فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ انْتَهَى قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَدٌّ لِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ إِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْ عَنْهُمْ بِفِعْلٍ دَائِمٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْجُمُعَةَ فَدَلَّ عَلَى لُزُومِهَا عَلَيْهِمْ انْتَهَى فَإِنْ قُلْتَ لَوْ كَانَ حُضُورُ أَهْلِ الْعَوَالِي وَاجِبًا إِلَى الْمَدِينَةِ مَا تَنَاوَبُوا وَلَكَانُوا يَحْضُرُونَ جَمِيعًا قُلْتُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهَا يَنْتَابُونَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَوَالِي كَانُوا يَأْتُونَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضَهُمْ يُجَمِّعُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ بَلِ الْمُرَادُ مَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي مَنَازِلِهِمْ حَضَرُوا الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَتَفَرَّقُ إِلَى حَوَائِجِهِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ عَمَلٍ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ لَا يَسْتَطِيعُ الْحُضُورَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَيْفَ يَحْضُرُونَ جَمِيعًا نَعَمْ لَمَّا وَصَلُوا هَؤُلَاءِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَزَالَتْ عَنْهُمُ الْأَعْذَارُ كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ حَضَرَ الْمَدِينَةَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى لَعَلَّهُ غَابَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْجُمُعَةِ الْآخِرَةِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ يَحْضُرُونَ الْمَدِينَةَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى مَثَلًا ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْحَاضِرِينَ مَنْ يَغِيبُ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَصَدَقَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي قَوْلِهَا إِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَابُونَ فَانْتِيَابُهُمْ لِأَجْلِ هَذَا لَا لِعَدَمِ الْمُبَالَاةِ فِي حُضُورِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ أَهْلَ الْعَوَالِي فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ حُضُورِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَمَا دُونَهَا وَلَا يَحْسُنُ لَهُ التَّجْمِيعُ فِي غَيْرِهِ فَمَنْ جَمَّعَ فِي غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَأَثِمَ لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ فِيهِ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا جَاءَ فِيهِ وَعِيدٌ وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى أَكْثَرِ مَسَافَةٍ مِنْهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَمِّعَ حَيْثُ شَاءَ مَعَ الْجَمَاعَةِ

стр. 983

ويؤيده ما أخرجه بن ماجة عن بن عُمَرَ قَالَ إِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا يُجَمِّعُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْهَدَ الْجُمُعَةَ مِنْ قُبَاءَ انْتَهَى وَفِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَقُبَاءُ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الْجَنُوبِ نَحْوَ مِيلَيْنِ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ كَانَ أَنَسٌ يَكُونُ فِي أَرْضِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ بِالْبَصْرَةِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ المرادي عن بن وهب عن بن لَهِيعَةَ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَةُ مَسَاجِدَ مَعَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْمَعُ أَهْلُهَا تَأْذِينَ بِلَالٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُصَلُّونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا بن لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ حَدَّثَنِي أشياخنا أنهم كانوا يصلون في تسع مَسَاجِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَسْمَعُونَ أَذَانَ بِلَالٍ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ حَضَرُوا كُلُّهُمْ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ أَبُو بكر بن المنذر روينا عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَهْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَانُوا يُجَمِّعُونَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَذِنَ لِأَحَدٍ فِي إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَدِينَةِ وَلَا فِي الْقُرَى الَّتِي بِقُرْبِهَا انْتَهَى قَالَ الْأَثْرَمُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَجْمَعُ جُمُعَتَيْنِ فِي مِصْرَ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَعَلَهُ وقال بن الْمُنْذِرِ لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ أَبْيَنُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ خِلَافُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَأَنَّهَا لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَذَكَرَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ أُحْدِثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ مَعَ قِيَامِ الْجُمُعَةِ الْقَدِيمَةِ فِي أَيَّامِ الْمُعْتَصِمِ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ مَسْجِدٍ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَسَبَبُ ذَلِكَ خَشْيَةُ الْخُلَفَاءِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الْعَامِّ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ثُمَّ بُنِيَ فِي أيام المكتفى مسجد فجمعوا فيه وذكر بن عَسَاكِرَ فِي مُقَدِّمَةِ تَارِيخِ دِمَشْقِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى وَإِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَتَّخِذَ مَسْجِدًا جَامِعًا لِلْقَبَائِلِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ انْضَمُّوا إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَشَهِدُوا الْجُمُعَةَ وقال بن الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِتَعْدَادِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ عَطَاءٍ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ

стр. 984

قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبَلَدِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَقَالَ أَحْمَدُ تَصِحُّ بِمَوْضِعَيْنِ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ وَضَاقَ الْجَامِعُ وَفِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ وَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْبَلَدَ إِذَا كَبُرَ وَعَسِرَ اجْتِمَاعُ أَهْلِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ جَازَ إِقَامَةُ جُمُعَةٍ أُخْرَى بَلْ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَقَالَ دَاوُدُ الْجُمُعَةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ أَنْ يُصَلُّوهَا فِي مَسَاجِدِهِمْ انْتَهَى وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ الْجُمُعَةَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ الْخُلَفَاءِ لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنِ السَّلَفِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَدَاوُدَ إِمَامِ الظَّاهِرِيَّةِ وَقَوْلُهُمَا هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمَا هَذَا مُلَخَّصٌ مِنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَالْمَطَالِبِ الرَّفِيعَةِ فِي الْمَسَائِلِ النَّفِيسَةِ كِلَاهُمَا لِأَخِينَا الْأَعْظَمِ أَبِي الطَّيِّبِ أَدَامَ اللَّهُ مَجْدَهُ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [١٠٥٦] (الْجُمُعَةُ) وَاجِبَةٌ (عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) أَوْ كَانَ فِي قُوَّةِ السَّامِعِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَوْ فِي خَارِجِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ الْآيَةَ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّعْيِ بِمُجَرَّدِ النِّدَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالسَّمَاعِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ كَانَ فِي قُوَّةِ السَّامِعِ سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَ الْبَلَدِ أَوْ خَارِجَهُ انْتَهَى وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ حَدِيث الْجُمْعَة عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاء قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الصَّحِيح أَنَّهُ مَوْقُوف وَفِيهِ أبو سلمة بن نبيه قال بن الْقَطَّانِ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا وَهُوَ مَجْهُولٌ وفيه أيضا الطائفي مجهول عند بن أَبِي حَاتِمٍ وَوَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ أَيْضًا عَبْدُ الله بن هارون قال بن الْقَطَّانِ مَجْهُول الْحَال وَفِيهِ أَيْضًا قَبِيصَةُ قَالَ النَّسَائِيُّ كَثِير الْخَطَأ وَأَطْلَقَ وَقِيلَ كَثِير الْخَطَأ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَقِيلَ هُوَ ثِقَةٌ إِلَّا فِي الثوري

стр. 985

الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ كَمَا سَيَأْتِي لَكِنْ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الْآيَةُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ إِنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ لَهُ شَاهِدٌ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلٌ أعمى فقال يارسول اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَجِبْ وَرَوَى نحوه أبو داود بإسناد حسن عن بن أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مُطْلَقِ الْجَمَاعَةِ فَالْقَوْلُ بِهِ فِي خُصُوصِيَّةِ الْجُمُعَةِ أَوْلَى وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ النِّدَاءُ الْوَاقِعُ وَقْتَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ (مَقْصُورًا) أَيْ مَوْقُوفًا (وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ) وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّائِفِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ ثِقَةٌ قَالَ وَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ الطَّائِفِ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شَيْخِهِ أَبٍي سَلَمَةَ وَتَفَرَّدَ بِهِ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَالْوَلِيدُ وَزُهَيْرُ كِلَاهُمَا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَكِنْ زُهَيْرُ رَوَى عَنْ أَهْلِ الشَّامِ مَنَاكِيرَ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ وَالْوَلِيدُ مُدَلِّسٌ وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعَنْعَنَةِ فَلَا يَصِحُّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ضَعِيفٌ جدا والحجاج هو بن أَرْطَاةَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ والله أعلم

стр. 986

٨ - (بَاب الْجُمُعَةِ فِي الْيَوْمِ الْمَطِيرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ صِيغَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ يَوْمٌ مَاطِرٌ أَيْ ذُو مَطَرٍ كَذَا فِي اللِّسَانِ أَيْ هَلْ يَلْزَمُ لِلْمُصَلِّي حُضُورُهُ فِي الْجَامِعِ أَوْ يُجَمِّعُ فِي رَحْلِهِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ أَوْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ [١٠٥٧] (عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ) قَالَ الْمُنْذَرِيُّ وَأَبُو الْمَلِيحِ اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ أُسَامَةَ وَقِيلَ زَيْدُ بْنُ أُسَامَةَ وَقِيلَ أُسَامَةُ بْنُ عَامِرٍ وَقِيلَ عُمَيْرُ بْنُ أُسَامَةَ هُذَلِيٌّ بَصْرِيٌّ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ وَأَبُوهُ لَهُ صُحْبَةٌ وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا ابْنُهُ أَبُو الْمَلِيحِ (أَنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ) مُصَغَّرٌ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ هُوَ مُذَكَّرٌ مُنْصَرِفٌ وَقَدْ يُؤَنَّثُ عَلَى مَعْنَى الْبُقْعَةِ وَقِصَّةُ حُنَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةِ ثَمَانٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا لِقِتَالِ هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ وَقَدْ بَقِيَتْ أَيَّامٌ مِنْ رَمَضَانَ فَسَارَ إِلَى حُنَيْنٍ فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ فَعَطَفُوا وَقَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهُمْ وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ وَعِيَالَهُمْ ثُمَّ صَارَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى أَوْطَاسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ عَلَى نَخْلَةِ الْيَمَانِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ الثَّنَايَا وَتَبِعَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من سلك نخلة ويقال إنه ﷺ أَقَامَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ سَارَ إِلَى أَوْطَاسٍ فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى الطَّائِفِ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا أَيْضًا أَمْوَالَهُمْ وَعِيَالَهُمْ ثُمَّ سَارَ إِلَى الطَّائِفِ فَقَاتَلَهُمْ بَقِيَّةَ شَوَّالٍ فَلَمَّا أَهَلَّ ذُو الْقَعْدَةِ تَرَكَ الْقِتَالَ لِأَنَّهُ شَهْرٌ حَرَامٌ وَرَحَلَ رَاجِعًا فَنَزَلَ جِعْرَانَةَ وَقَسَمَ بِهَا غَنَائِمَ أَوْطَاسٍ وَحُنَيْنٍ وَيُقَالُ كَانَتْ سِتَّةُ آلَافِ سَبِيٍّ قُلْتُ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى أَبِي الْمُلَيْحِ فَقَالَ قَتَادَةُ عَنْهُ إِنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بِحُنَيْنٍ وَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْهُ إِنَّهَا وَقَعَتْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (الرِّحَالُ) جَمْعُ رَحْلٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الدور والمساكن والمنازل قاله بن الْأَثِيرِ وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ صَلُّوا في رحالكم [١٠٥٨] (أخبرنا سعيد) هو بن عَبْدِ الْعَزِيزِ الدِّمَشْقِيُّ (عَنْ صَاحِبٍ لَهُ) أَيْ لِسَعِيدٍ وَلَمْ يُعْرَفْ هَذَا

стр. 987

[١٠٥٩] (قَالَ سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ خُبِّرَنَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ وَالْمُخْبِرُ لِسُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ لَمْ يعرف وأخرج بن مَاجَهْ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ قَالَ خَرَجْتُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فَلَمَّا رَجَعْتُ اسْتَفْتَحْتُ فَقَالَ أَبِي مَنْ هَذَا قَالَ أَبُو الْمُلَيْحِ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوم الحديبية وأصابنا سَمَاءٌ لَمْ تَبُلَّ أَسَافِلَ نِعَالِنَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ (زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) بِئْرٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ جُدَّةَ دُونَ مَرْحَلَةٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَوْضِعِ وَيُقَالُ بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ في الحرم وهو أبعد أطراف الحرم على الْبَيْتِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِنَّهَا عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ الطَّبَرِيُّ حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ عَشَرَةُ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ انْتَهَى وَقَالَ الطَّرْطُوشِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّا فَتَحْنَا لك فتحا مبينا) هو صلح الحديبية قال بن الْقَيِّمِ وَكَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ (لَمْ يَبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ) وَالْمُرَادُ بِهِ قِلَّةُ الْمَطَرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ النِّدَاءَ الْمَذْكُورَ كَانَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ نَعَمْ كَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَكَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَإِنْ تَعَيَّنَ احْتِمَالُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَهَذِهِ وَاقِعَةُ سَفَرٍ لَا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْحَضَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (بَاب التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الليلة الباردة) [١٠٦٠] (نَزَلَ بِضَجْنَانَ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بعدهما نُونٌ وَبَعْدَ أَلِفٍ نُونٌ آخَرُ وَهُوَ جَبَلٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا كَذَا

стр. 988

في عمدة القارىء (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ) وَفِي أُخْرَى لَهُ (إِذَا كَانَتْ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ) وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ وَذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ وَفِيهِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ عذر في التأخر عن الجماعة ونقل بن بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ لَكِنِ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرِّيحَ عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ فَقَطْ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ الثَّلَاثَةِ بِاللَّيْلِ وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ من طريق بن إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُلَيْحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا فَرَخَّصَ لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ في حديث بن عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ قَالَ الْحَافِظُ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ التَّرْخِيصَ لِعُذْرِ الرِّيحِ فِي النَّهَارِ صَرِيحًا (أَنِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ يَعْنِي أَثَرَ الْأَذَانِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ فِي آخِرِ نِدَائِهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي آخِرِهِ قُبَيْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حديث بن عباس الآتي في الباب وحمل بن خزيمة حديث بن عَبَّاسٍ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ إِنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ الْحَيْعَلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ مَعْنَى حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ هَلُمُّوا إِلَيْهَا وَمَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَجِيءِ فَلَا يُنَاسِبُ إِيرَادُ اللَّفْظَيْنِ مَعًا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَقِيضُ الْآخَرِ قَالَ الْحَافِظُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ رُخْصَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ وَمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ نَدْبٌ لِمَنْ أراد أن يستكمل الفضيلة ولو يحمل الْمَشَقَّةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَمُطِرْنَا فَقَالَ لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ وَالرِّحَالُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الرَّحْلُ الْمَنْزِلُ وَجَمْعُهُ رِحَالٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَفِي فَتْحِ الْبَارِي وَالصَّلَاةُ فِي الرَّحْلِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا لَكِنَّهَا مَظِنَّةُ الِانْفِرَادِ وَالْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِي الْجَمَاعَةِ إِيقَاعُهَا فِي الْمَسْجِدِ

стр. 989

[١٠٦١] (وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) وَالْمَعْنَى أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ يَرْوِي عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِحَرْفِ التَّرْدِيدِ أَيْ فِي اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ فَلَمْ يَذْكُرْ حَرْفُ التَّرْدِيدِ وَقَالَ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ وَفِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَلَكِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ سَفَرٍ وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَخَالَفَهُ الثِّقَاتُ (فِي اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ) أَيِ الْبَارِدَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يَوْمٌ قَرٌّ بِالْفَتْحِ أَيْ بَارِدٌ وَلَيْلَةٌ قَرَّةٌ بالفتح أي بارد وليلة قرة قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةٍ فِي اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ [١٠٦٢] (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَخْفِيفِ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَعْذَارٍ وَأَنَّهَا مُتَأَكِّدَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ وَأَنَّهَا مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها ويحمل الْمَشَقَّةَ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي السَّفَرِ وَأَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ فِي السَّفَرِ وَفِي حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ ﵁ أَنْ يَقُولَ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ وَفِي حديث بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ ﵀ فَيَجُوزُ بَعْدَ الْأَذَانِ وَفِي أَثْنَائِهِ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ فِيهِمَا لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ أَحْسَنُ لِيَبْقَى نَظْمُ الْأَذَانِ عَلَى وَضْعِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَقُولُهُ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَهَذَا ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لصريح حديث بن عباس ﵁ ولا منافاة بينهما لأن هذا جرى في وقت وذاك في وقت كلاهما صَحِيحٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [١٠٦٣] (عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [١٠٦٤] (فِي اللَّيْلَةِ

стр. 990

الْمَطِيرَةِ) أَيْ ذِي مَطَرٍ (وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ) أَيِ الْبَارِدَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِيهِ مَقَالٌ وَقَدْ خَالَفَهُ الثِّقَاتُ وَالْقَاسِمُ هَذَا هُوَ بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَحَدُ الثِّقَاتِ النُّبَلَاءِ [١٠٦٥] (عَنْ جَابِرٍ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والترمذي [١٠٦٦] (بن عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ لَيْسَ بن عَمِّهِ وَإِنَّمَا كَانَ زَوْجَ بِنْتِ سِيرِينَ فَهُوَ صِهْرُهُ قَالَ فِي الْفَتْحِ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ سِيرِينَ وَالْحَارِثِ إخْوَةٌ مِنَ الرَّضَاعِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَنْبَغِي تَغْلِيطُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ الْمَقْبُولِ (قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ) بَدَلُ الْحَيْعَلَةِ مَعَ إِتْمَامِ الْأَذَانِ (فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ) أَيْ قَوْلَهُ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ (فَقَالَ) بن عَبَّاسٍ (قَدْ فَعَلَ ذَا) أَيِ الَّذِي قُلْتُهُ لِلْمُؤَذِّنِ (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الزَّايِ أَيْ وَاجِبَةٌ فَلَوْ تَرَكْتُ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ لَبَادَرَ مَنْ سَمِعَهُ إِلَى الْمَجِيءِ فِي الْمَطَرِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ فَأَمَرْتُهُ أَنْ يَقُولَ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْمَطَرَ مِنَ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُصَيِّرُ الْعَزِيمَةَ رُخْصَةً وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا يُؤْذِي بِبَلِّ الثَّوْبِ فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا أَوْ وَجَدَ كِنًّا يَمْشِي فِيهِ فَلَا عُذْرَ

стр. 991

وَعَنْ مَالِكٍ ﵀ لَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا بِالْمَطَرِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي إِرْشَادِ السَّارِي وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ القارىء والمراد بقول بن عَبَّاسٍ أَنَّ الْجُمُعَةَ عَزِيمَةٌ وَلَكِنَّ الْمَطَرَ مِنَ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُصَيِّرُ الْعَزِيمَةَ رُخْصَةً وَهَذَا مَذْهَبُ بن عَبَّاسٍ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ المطر وإليه ذهب بن سِيرِينَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُتَخَلَّفُ عَنِ الجمعة في اليوم المطير وروى بن قَانِعٍ قِيلَ لِمَالِكٍ أَنَتَخَلَّفُ عَنِ الْجُمُعَةِ فِي الْيَوْمِ الْمَطِيرِ قَالَ مَا سَمِعْتُ قِيلَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ قَالَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ انْتَهَى كَلَامُهُ قُلْتُ هَذَا مِنَ اسْتِنْبَاطَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَرِيحًا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي في معنى قول بن عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ مُتَحَتِّمَةٌ لَا تُتْرَكُ لَكِنْ يُرَخَّصُ لِلْمُصَلِّي فِي حُضُورِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ فَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي رَحْلِهِ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةً وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ لِأَجْلِ الْمَطَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَرَضُ الْمُؤَلِّفِ مِنَ انْعِقَادِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ كَمَا ثَبَتَ من حديث بن عُمَرَ فَكَذَا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْ حُضُورِ الْمَسْجِدِ الجامع يوم الجمعة بدليل رواية بن عَبَّاسٍ كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (وَإِنِّي كَرِهْتُ أن أخرجكم) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ مِنَ الْحَرَجِ وَيُؤَيِّدُهُ ما في بعض الروايات أوثمكم أَيْ أَنْ أَكُونَ سَبَبًا فِي إِكْسَابِكُمُ الْإِثْمَ عِنْدَ حَرَجِ صُدُورِكُمْ فَرُبَّمَا يَقَعُ تَسَخُّطٌ أَوْ كَلَامٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ (فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالْمَطَرِ) فَتَكُونُونَ فِي الْحَرَجِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم وبن مَاجَهْ (بَاب الْجُمُعَةِ لِلْمَمْلُوكِ وَالْمَرْأَةِ) [١٠٦٧] (عَنْ طَارِقِ بن شهاب) بن عبدشمس الْأَحْمَسِيِّ الْبَجَلِيِّ الْكُوفِيِّ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَيْسَ مِنْهُ سَمَاعٌ وَغَزَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ غَزْوَةً

стр. 992

وَسَرِيَّةً وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ ذَكَرَهُ فِي السُّبُلِ (قَالَ الْجُمُعَةُ حَقٌّ) أَيْ ثَابِتٌ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَاجِبٌ) أَيْ فَرْضٌ مُؤَكَّدٌ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ (فِي جَمَاعَةٍ) لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَقَالَ اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ قُلْتُ وَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْبَابِ الْآتِي (أَوِ امْرَأَةٌ) فِيهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى النِّسَاءِ أَمَّا غَيْرُ الْعَجَائِزِ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ حُضُورُهَا (أَوْ صَبِيٌّ) فِيهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الصِّبْيَانِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ (أَوْ مَرِيضٌ) فِيهِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إِذَا كَانَ الْحُضُورُ يَجْلِبُ عَلَيْهِ مَشَقَّةً وَقَدْ أَلْحَقَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ الْأَعْمَى وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ عَنِ الْحُضُورِ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شُهُودِ الْجُمُعَةِ إِلَّا بِأَنْ يَزِيدَ فِي مَرَضِهِ أَوْ يَبْلُغَ بِهِ مَشَقَّةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ انتهى وقوله عبدمملوك أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ هَكَذَا فِي النُّسَخِ بِصُورَةِ الْمَرْفُوعِ قَالَ السُّيُوطِيُّ وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ بِأَنَّ الْمَذْكُورَاتِ عَطْفُ بَيَانٍ لِأَرْبَعَةٍ وَهُوَ مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مُوجَبٍ وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ لَا مَرْفُوعَةٌ وَكَانَتْ عَادَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنْ يَكْتُبُوا الْمَنْصُوبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَيَكْتُبُوا عَلَيْهِ تَنْوِينَ النَّصْبِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ السُّيُوطِيُّ وَرَأَيْتُهُ أَنَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُعْتَمَدَةِ وَرَأَيْتُهُ فِي خَطِّ الذَّهَبِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُسْتَدْرَكِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً تُعْرَبُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ انْتَهَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِنَّ فَأَمَّا الْعَبِيدُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ فَكَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ يُوجِبَانِ عَلَى الْعَبْدِ الْجُمُعَةَ إِذَا كَانَ مُخَارِجًا وَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْسَبُ أَنَّ مَذْهَبَ دَاوُدَ إِيجَابُ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ إِذَا سَمِعَ الْمُسَافِرُ الْأَذَانَ فَلْيَحْضُرِ الْجُمُعَةَ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجُمُعَةِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ عَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَلَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الحديث

стр. 993

بِذَاكَ وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ انْتَهَى وَيَجِيءُ الْجَوَابُ عَنْ ذلك (ولم يسمع منه شيئا) وقال بن أَبِي حَاتِمٍ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُرْسَلٌ انْتَهَى وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ أخبرنا عبيد من مُحَمَّدٍ الْعِجْلِيُّ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ أَسْنَدَهُ عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَرْسَلَهُ غيره فذكر البيهقي بإسناده رواية أي دَاوُدَ ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ مُرْسَلٌ وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ وَفِي بَعْضِهَا الْمَرِيضُ وَفِي بَعْضِهَا الْمُسَافِرُ انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ وَقَالَ أبو داودالطيالسي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَغَزَوْتُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بكر قال بن حَجَرٍ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ بَجِيلَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ابدأوا بالأحمسين ودعا لهم قال الحافظ بن حَجَرٍ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَهُوَ صَحَابِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ فَرِوَايَتُهُ عَنْهُ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَى الرَّاجِحِ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ وَذَلِكَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى إِثْبَاتِ صُحْبَتِهِ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنٌ الْعِرَاقِيُّ فَإِذَا قَدْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِنَّمَا خَالَفَ فِيهِ أبو إسحاق الاسفرايني بَلِ ادَّعَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ انْتَهَى قُلْتُ عَلَى أَنَّهُ قَدِ انْدَفَعَ الْإِعْلَالُ بِالْإِرْسَالِ بِمَا فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ ذِكْرِ أَبِي مُوسَى وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَتَمِيمٍ الداري عند العقيلي والحاكم أبي أحمد وبن عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بلفظ نهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا أخرجه بن خُزَيْمَةَ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ

стр. 994

(بَاب الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى) [١٠٦٨] فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى خِلَافِ مَنْ خَصَّ الْجُمُعَةَ بِالْمُدُنِ دُونَ الْقُرَى وَالْقَرْيَةُ وَاحِدَةُ الْقُرَى كُلُّ مَكَانٍ اتَّصَلَتْ فِيهِ الْأَبْنِيَةُ وَاتُّخِذَ قَرَارًا وَيَقَعُ ذَلِكَ عَلَى الْمُدُنِ وَغَيْرِهَا وَالْأَمْصَارُ الْمُدُنُ الْكِبَارُ وَاحِدُهَا مصر والكفور القرى الخارجة عن المضر وَاحِدُهَا كَفْرٌ بِفَتْحِ الْكَافِ (طَهْمَانُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وسكون الهاء الخرساني (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِصَامٍ (جُمِّعَتْ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ (بِجُوَاثَا قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَقَدْ تُهْمَزُ ثُمَّ مُثَلَّثَةٌ خَفِيفَةٌ وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقِيسِ أَوْ مَدِينَةٌ أَوْ حِصْنٌ أَوْ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ وَفِيهِ جَوَازُ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ عَبْدَ القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِبْدَادِ بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ كَمَا اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي جَوَازِ الْعَزْلِ بِأَنَّهُمْ فَعَلُوا وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ فَلَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وبن الأثير أن جواثى اسْمُ حِصْنِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا لَا ينافي كونها قرية وحكى بن التِّينِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهَا مَدِينَةٌ وَمَا ثَبَتَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهَا قَرْيَةً أَصَحُّ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَرْيَةً ثُمَّ صَارَتْ مَدِينَةً وَذَهَبَ أبو حنيفة وأصحابه وأسنده بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقَامُ إِلَّا فِي الْمُدُنِ دُونَ الْقُرَى وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جامع وقد ضعف أحمد رفعه وصحح بن حَزْمٍ وَقْفَهُ وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسْرَحٌ فَلَا يَنْهَضُ للاحتجاج به وقد روى بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أهل البحرين أن جمعوا حيث ما كنتم وهذا يشمل المدن والقرى وصححه بن خُزَيْمَةَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ سَأَلْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ فَقَالَ كُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِيهَا جَمَاعَةٌ أُمِرُوا بِالْجُمُعَةِ فَإِنَّ أَهْلَ مِصْرَ وَسَوَاحِلَهَا كَانُوا يُجَمِّعُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ بِأَمْرِهِمَا وَفِيهِمَا رِجَالٌ مِنَ الصحابة

стр. 995

وأخرج عبد الرزاق عن بن عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَهْلَ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يُجَمِّعُونَ فَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَرْفُوعِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ حَدِيثُ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ الْآتِي وَيَجِيءُ بَسْطُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي آخِرِ الْبَابِ وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْمَسْجِدِ قَالَ لِأَنَّهَا لَمْ تُقَمْ إِلَّا فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ وَهُوَ قَوِيٌّ إِنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ﵌ فِي بَطْنِ الْوَادِي وَقَدْ رَوَى صَلَاتَهُ ﵌ في بطن الوادي بن سَعْدٍ وَأَهْلُ السِّيَرِ وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ فِعْلُهَا فِي الْمُسْنَدِ عَلَى اشتراطه قال المنذري وأخرجه البخاري [١٠٦٩] (ترحم) الناضي من التفعيل وفي رواية بن مَاجَهْ كُلَّمَا سَمِعَ أَذَانَ الْجُمُعَةِ يَسْتَغْفِرُ لِأَبِي أُمَامَةَ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ (فِي هَزْمٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وسكون الزاء المطمئن من الأرض قال بن الْأَثِيرِ هَزْمُ بَنِي بَيَاضَةَ هُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ (النَّبِيتِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَهَا تَاءٌ فَوْقِيَّةٌ هُوَ أَبُو حَيٍّ بِالْيَمَنِ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (مِنْ حَرَّةٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هِيَ الْأَرْضُ ذَاتُ الْحِجَارَةِ السُّودِ الْعَيْنِيُّ هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (بَنِي بَيَاضَةَ) هِيَ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (فِي نَقِيعٍ) بِالنُّونِ ثُمَّ الْقَافِ ثُمَّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ بعدها عين مهملة قال بن الْأَثِيرِ هُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ أَيْ يَجْتَمِعُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ النَّقِيعُ بَطْنُ الْوَادِي مِنَ الْأَرْضِ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ مُدَّةً وَإِذَا نَضَبَ الْمَاءُ أَيْ غَارَ فِي الْأَرْضِ أَنْبَتَ الْكَلَأَ وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ يُصَحِّفُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَيَرْوُونَهُ الْبَقِيعَ بِالْبَاءِ مَوْضِعُ الْقُبُورِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ الْمَعَالِي مِنَ الْأَرْضِ انْتَهَى (يُقَالُ لَهُ) أَيِ النَّقِيعِ (نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ مَوْضِعٌ بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَّعَ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا هَزْمِ النَّبِيتِ وَهِيَ

стр. 996

كَانَتْ فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَكَانِ نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ وَتِلْكَ الْقَرْيَةُ هِيَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ جَوَازُهَا فِي الْقُرَى كَجَوَازِهِ فِي الْمُدُنِ وَالْأَمْصَارِ لِأَنَّ حَرَّةَ بَنِي بَيَاضَةَ يُقَالُ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا أَحْرَارًا مُقِيمِينَ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمُعَةَ كَانَتْ أَوَّلَ مَا شُرِعَ مِنَ الْجُمُعَاتِ فَكَانَ جَمِيعُ أَوْصَافِهَا مُعْتَبَرَةٌ فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ بَيَانٌ لِمُجْمَلٍ وَاجِبٍ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ اشْتِرَاطُ عَدَدِ الْأَرْبَعِينَ فِي الْجُمُعَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِلَّا أَنَّ عُمَرَ قَدِ اشْتَرَطَ مَعَ عَدَدِ الْأَرْبَعِينَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَالٍ وَلَيْسَ الْوَالِي مِنْ شَرْطِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَ جَمَاعَةٌ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي بُيُوتُهَا مُتَّصِلَةٌ وَفِيهَا مَسْجِدٌ يُجَمِّعُ فِيهِ وَسُوقٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا مَحْصُورًا وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْوَالِيَ وَمَذْهَبُهُ فِي الْوَالِي كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي لَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَتَنْعَقِدُ عِنْدَهُمُ الْجُمُعَةُ بِأَرْبَعَةٍ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً صَلُّوا جُمُعَةً إِذَا كَانَ فِيهِمُ الْوَالِي وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ فِي الْعَدَدِ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ قُلْتُ حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَانِ فِي الْبَابِ فِيهِمَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ في القرى فحديث بن عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَحَدِيثُ كعب أخرجه أيضا بن مَاجَهْ وَزَادَ فِيهِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم النبي من مكة وأخرجه الدارقطني وبن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ حَسَنُ الْإِسْنَادِ صَحِيحٌ وَقَالَ فِي خِلَافِيَّاتِهِ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَإِنَّ إِسْنَادَهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقٍ وَقَدْ عَنْعَنَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ في رواية بن إِدْرِيسَ كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ أَبِي دَاوُدَ لَكِنْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةٌ عِنْدَ شُعْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ جرح

стр. 997

فتقبل روايته إذا صرح بالتحديث وها هنا صَرَّحَ بِهِ فَارْتَفَعَتْ عَنْهُ مَظِنَّةُ التَّدْلِيسِ وَفِي هَذَا كُلِّهِ رَدٌّ عَلَى الْعَلَّامَةِ الْعَيْنِيِّ حَيْثُ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِأَجْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَهَذَا تَعَنُّتٌ وَعَصَبِيَّةٌ مِنْهُ وَفِي الْبَابِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ الله الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطبراني والبيهقي وبن عَدِيٍّ وَضَعَّفُوهُ وَالتَّفْصِيلُ فِي التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي عَلَى سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ الْعَيْنِيُّ لَيْسَ فِي حَدِيثِ كعب أن النبي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ أَوْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ انْتَهَى وَتَقَدَّمَ آنِفًا الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَكَانُوا لَا يَسْتَبِدُّونَ بِأُمُورِ الشَّرْعِ لِجَمِيلِ نِيَّاتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِلَّا بِأَمْرِ النَّبِيِّ إنتهى وقال الإمام بن حَزْمٍ ﵀ وَمِنْ أَعْظَمِ الْبُرْهَانِ عَلَى صحتها في القرى أن النبي أَتَى الْمَدِينَةَ وَإِنَّمَا هِيَ قُرًى صِغَارٌ مُتَفَرِّقَةٌ فَبَنَى مَسْجِدَهُ فِي بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَجَمَّعَ فِيهِ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَتْ بِالْكَبِيرَةِ وَلَا مِصْرَ هُنَاكَ انْتَهَى وَهَذَا الْكَلَامُ حَسَنٌ جِدًّا وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ صَاحِبُ الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ ﵁ يَسْأَلُهُ عَنِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ بِالْبَحْرَيْنِ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أن جمعوا حيث ما كُنْتُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ إِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ حَسَنٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَعْنَاهُ فِي أَيِّ قَرْيَةٍ كُنْتُمْ لِأَنَّ مُقَامَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ إِنَّمَا كَانَ في القرى وأيضا أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ أَنْ جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ قَالَ الْعَيْنِيُّ سَنَدُهُ صَحِيحٌ وَأَيْضًا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ منصور في سننه وصححه بن خُزَيْمَةَ وَهَذَا يَشْمَلُ الْمُدُنَ وَالْقُرَى وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْمَدِينَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَمَّعَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ رسول الله وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَفِي إِسْنَادِهِ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الْحَافِظُ وَيُجْمَعُ بَيْنَ رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ هَذِهِ وَرِوَايَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ الَّتِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ بِأَنَّ أَسْعَدَ كَانَ آمِرًا وَكَانَ مُصْعَبٌ إِمَامًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَرُوِّينَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ حِينَ رَكِبَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَّ عَلَى بَنِي سَالِمٍ وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَالْمَدِينَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فَصَلَّى فِيهِمُ الْجُمُعَةَ وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صلاها رسول الله حين قدم

стр. 998

انْتَهَى ثُمَّ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ كُلُّ قَرْيَةٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْمِيَاهِ فِيمَا بَيْنَ الشَّامِ وَمَكَّةَ جَمِّعُوا إِذَا بَلَغْتُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ الرَّقِّيِّ أَنَّهُ قَالَ أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا بَلَغَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَلْيُجَمِّعُوا وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ انْظُرْ كُلَّ قَرْيَةٍ أَهْلَ قَرَارٍ لَيْسُوا هُمْ بِأَهْلِ عَمُودٍ يَنْتَقِلُونَ فَأَمِّرْ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا ثُمَّ مُرْهُ فَلْيُجَمِّعْ بِهِمْ وَحَكَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَمَدَائِنَ مِصْرَ وَمَدَائِنَ سَوَاحِلِهَا كَانُوا يُجَمِّعُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِأَمْرِهِمَا وَفِيهَا رِجَالٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ يَرْوِي عَنْ شَيْبَانَ عَنْ مَوْلًى لِآلِ سَعِيدِ بْنِ العاص أنه سأل بن عُمَرَ عَنِ الْقُرَى الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَا تَرَى فِي الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ فَلْيُجَمِّعْ انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ وَفِي الْمُصَنَّفِ عَنْ مَالِكٍ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ فِي هَذِهِ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يُجَمِّعُونَ انْتَهَى هَذِهِ الْآثَارُ لِلسَّلَفِ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَيَكْفِي لَكَ عُمُومُ آيَةِ الْقُرْآنِ الكريم إذا نودي للصلاة الْآيَةُ وَلَا يَنْسَخُهَا أَوْ لَا يُخَصِّصُهَا إِلَّا آيَةٌ أُخْرَى أَوْ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ عَنْ رسول الله وَلَمْ تَنْسَخْهَا آيَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُ ذَلِكَ عن رسول الله وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَئِمَّةِ اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْآثَارِ عَلَى اشْتِرَاطِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقَالُوا إِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَالْأَصْلُ الظُّهْرُ فَلَا تَصْلُحُ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِعَدَدٍ ثَابِتٍ بِدَلِيلٍ وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُهَا بِأَرْبَعِينَ فَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَقَدْ ثبت أن النبي قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي قَالُوا وَلَمْ تَثْبُتْ صَلَاتُهُ لَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وذلك أن الجمعة فرضت على النبي وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عن بن عَبَّاسٍ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِقَامَتِهَا هُنَالِكَ مِنْ أَجْلِ الْكُفَّارِ فَلَمَّا هَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ كَتَبَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُجَمِّعُوا فَجَمَّعُوا وَاتَّفَقَ أَنَّ عِدَّتَهُمْ إِذًا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ دُونَ الْأَرْبَعِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ وَقَائِعَ الْأَعْيَانِ لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ جَمَّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ النَّبِيُّ وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمُعَةُ قَالَتِ الْأَنْصَارُ لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يُجَمِّعُونَ فِيهِ كُلَّ أُسْبُوعٍ وَلِلنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نُجَمِّعُ فِيهِ فَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنَشْكُرُهُ فَجَعَلُوهُ يَوْمَ

стр. 999

الْعَرُوبَةِ وَاجْتَمَعُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ وَذَكَّرَهُمْ فَسَمَّوُا الْجُمُعَةَ حِينَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بَعْدُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ للصلاة الْآيَةُ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَقَوْلُهُمْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ يَرُدُّهُ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إليها وتركوك قائما وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ وَتَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ لَا يَصِحُّ فِي عَدَدِ الْجُمُعَةِ شَيْءٌ وَقَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وَكَذَلِكَ قَالَ السُّيُوطِيُّ لَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ تَعْيِينُ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ انْتَهَى وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُنْتَشِرٌ جِدًّا وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا لَا نُطِيلُ الْكَلَامَ بِذِكْرِهِ وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجُوزُ فِي الْقُرَى بِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا تَشْرِيقَ وَلَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وبن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَامِّ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَوْ مَدِينَةٍ عَظِيمٍ وَفِيهِمَا الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يَحِلُّ الاحتجاج به وروى بن أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ زُبَيْدٍ الْإِيَامِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عن أبي الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ إِسْنَادُ طَرِيقِ جَرِيرٍ صَحِيحٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَحْمُوَيْهِ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ الْإِيَامِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا تَشْرِيقَ وَلَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زُبَيْدٍ مَوْقُوفًا انْتَهَى

стр. 1000

قال البيهقي والزيلعي وبن حَجَرٍ لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثُ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَأَمَّا موقوفا فيصح وقال بن الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَكَفَى بِعَلِيٍّ قُدْوَةً وَإِمَامًا انْتَهَى وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسْرَحًا فَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَقَدْ عَارَضَهُ عَمَلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهَذِهِ الْآثَارُ مُطَابِقَةٌ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فَهِيَ أَحْرَى بِالْقَبُولِ وَلِذَا قال الحافظ بن حَجَرٍ فَلَمَّا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَرْفُوعِ قُلْتُ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ وَلَا يَحِلُّ سِوَاهُ وَأَيْضًا لَا يُدْرَى مَا حَدُّ الْمِصْرِ الْجَامِعِ أَهِيَ الْقُرَى الْعِظَامُ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ بَلْ هِيَ الْقُرَى الْعِظَامُ قِيلَ لَهُ فَقَدْ جَمَّعَ النَّاسُ فِي الْقُرَى الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ السَّلَفِ وَبِالرَّبَذَةِ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَإِنَّمَا رَأَيْنَا الْجُمُعَةَ وُضِعَتْ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى فَلَمْ تُوضَعْ عَنْهُمْ قَالَ فِي التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ أَدَاءَ الْجُمُعَةِ كَمَا هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ فِي الْأَمْصَارِ فَهَكَذَا فِي الْقُرَى مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُرِيدُ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ عَلَى ظَاهِرِ آيَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الثَّابِتَةِ بِأَثَرٍ مَوْقُوفٍ لَيْسَ عَلَيْنَا حُجَّةٌ عَلَى صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ لِلنُّصُوصِ الظَّاهِرَةِ وَأَمَّا أَدَاءُ الظُّهْرِ بَعْدَ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فَبِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ فَاعِلُهَا آثَمٌ بِلَا مِرْيَةَ فَإِنَّ هَذَا إِحْدَاثٌ فِي الدِّينِ وَاللَّهُ أعلم (باب إذا وافق يوم الجمعة) [١٠٧٠] فَاعِلُ وَافَقَ (يَوْمَ عِيدٍ) مَفْعُولُهُ (قَالَ صَلَّى الْعِيدَ) فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ (ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ فِي صَلَاتِهَا (فَقَالَ مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ) أَيِ الْجُمُعَةَ (فَلْيُصَلِّ) هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ رَخَّصَ وَإِعْلَامٌ بِأَنَّهُ كَانَ التَّرْخِيصُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَسَيَأْتِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵌ قَالَ قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ من الجمعة وإنا مجمعون وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ

стр. 1001

وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ إِرْسَالَهُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صلاة العيد الدارقطني وغيره إرساله والحديث دليل على صَلَاةَ الْعِيدِ تَصِيرُ رُخْصَةً وَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا وَلَا تَرْكُهَا وَهُوَ خَاصٌّ بِمَنْ صَلَّى الْعِيدَ دُونَ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَّا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَثَلَاثَةٍ مَعَهُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ رُخْصَةً مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ دَلِيلَ وُجُوبِهَا عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَيَّامِ وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ لَا يَقْوَى عَلَى تَخْصِيصِهَا لِمَا فِي أَسَانِيدِهَا مِنَ الْمَقَالِ قَالَ فِي السُّبُلِ قُلْتُ حَدِيثُ زَيْدِ بن أرقم قد صححه بن خُزَيْمَةَ وَلَمْ يَطْعَنْ غَيْرُهُ فِيهِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ يُخَصُّ الْعَامُّ بِالْآحَادِ انْتَهَى وَفِي النَّيْلِ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ إِيَاسُ بْنُ أَبِي رَمْلَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ انْتَهَى وَذَهَبَ عَطَاءٌ إِلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا عَنِ الْجَمِيعِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فليصل ولفعل بن الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ فِي يَوْمِ عِيدٍ صَلَاةَ الْعِيدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ ثُمَّ جِئْنَا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا قال وكان بن عَبَّاسٍ فِي الطَّائِفِ فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ أَصَابَ السُّنَّةَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ بن الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَجَمَعْتُهُمَا فَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ الْأَصْلُ فِي يَوْمِهَا وَالظُّهْرُ بَدَلٌ فَهُوَ يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ وُجُوبُ الْأَصْلِ مَعَ إِمْكَانِ أَدَائِهِ سَقَطَ الْبَدَلُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا حَيْثُ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ مَعَ تَقْدِيرِ إِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ لِلظُّهْرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ الْمَغْرِبِيُّ فِي شَرْحِ بُلُوغِ الْمَرَامِ وأيد مذهب بن الزُّبَيْرِ قَالَ فِي السُّبُلِ قُلْتُ وَلَا يَخْفَى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج بن الزُّبَيْرِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ فَالْجَزْمُ بأن مذهب بن الزُّبَيْرِ سُقُوطُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَكُونُ عِيدًا عَلَى مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ بَلْ فِي قَوْلِ عَطَاءٍ إِنَّهُمْ صَلَّوْا وِحْدَانًا أَيِ الظُّهْرَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِهِ وَلَا يُقَالُ إِنَّ مُرَادَهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وِحْدَانًا فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا جَمَاعَةً إِجْمَاعًا ثُمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ بَلِ الظُّهْرُ هُوَ الْفَرْضُ الأصلي المفروض ليلة الاسراء والجمعة متأخرة فَرْضُهَا ثُمَّ إِذَا فَاتَتْ وَجَبَ الظُّهْرُ إِجْمَاعًا فَهِيَ الْبَدَلُ عَنْهُ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ انْتَهَى كَلَامُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرِ قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه

стр. 1002

[١٠٧١] (فَقَالَ أَصَابَ السُّنَّةَ) الْحَدِيثُ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا تَرْخِيصَ لِأَنَّ دَلِيلَ وُجُوبِهَا لَمْ يُفْصَّلْ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّ التَّرْخِيصَ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ عُثْمَانَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَنَا الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَفْعَلْ وَرَدُّهُ بِأَنَّ قَوْلَ عُثْمَانَ لَا يُخَصِّصُ قَوْلَهُ ﷺ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ قَالَ فِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ إِذَا اتَّفَقَ يَوْمُ عِيدٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَأَمَّا مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَالرَّاجِحُ عِنْدَهُ سُقُوطُهَا عَنْهُمْ فَإِذَا صَلَّوُا الْعِيدَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا وَيَتْرُكُوا الْجُمُعَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ لَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَلَا عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ بَلْ يَسْقُطُ فَرْضُ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَيُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَقَالَ عَطَاءٌ تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ مَعًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعِيدِ إِلَّا الْعَصْرَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حديث وهب بن كيسان عن بن عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا [١٠٧٢] (لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَفِيهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ إِذَا سَقَطَتْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُسَوِّغَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ الْأَصْلُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الَّذِي افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ هُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَإِيجَابُ صَلَاةِ الظُّهْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ قُلْتُ هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الأمير اليماني في سبل السلام قال بن تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ أَنْ سَاقَ الرِّوَايَةَ المتقدمة عن بن الزُّبَيْرِ قُلْتُ إِنَّمَا وَجْهُ هَذَا أَنَّهُ رَأَى تَقْدِمَةَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَقَدَّمَهَا وَاجْتَزَأَ بِهَا عَنِ الْعِيدِ انْتَهَى

стр. 1003

[١٠٧٣] (وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَقَالٌ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ أَيْ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الظُّهْرُ وَأَمَّا صَنِيعُ بن الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يُحْمَلَ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ قبل الزوال وقد روي ذلك عن بن مسعود وروي عن بن عباس أنه بلغه فعل بن الزُّبَيْرِ فَقَالَ أَصَابَ السُّنَّةَ وَقَالَ عَطَاءٌ كُلُّ عِيدٍ حِينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى الْجُمُعَةُ وَالْأَضْحَى وَالْفِطْرُ وَحَكَى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ الْجُمُعَةُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ قَالَ إِنْ صَلَّيْتَ قَبْلَ الزوال فلا أعيبه وكذلك قال بن إسحاق فعلى هذا يشبه أن يكون بن الزُّبَيْرِ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا جُمُعَةٌ وَجَعَلَ الْعِيدَيْنِ فِي مَعْنَى التَّبَعِ لَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِ مَقَالٌ (قَالَ عُمَرُ) بْنُ حَفْصٍ (عَنْ شُعْبَةَ) بِصِيغَةِ عَنْ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى فَقَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ٢ - (بَاب مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) [١٠٧٤] (مُخَوَّلٌ) عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى الْأَشْهَرِ (كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ فِي اسْتِحْبَابِهِمَا فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا السُّجُودِ وَكَرِهَ مَالِكٌ وَآخَرُونَ ذَلِكَ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمَرْوِيَّةِ مِنْ طُرُقٍ عن أبي هريرة وبن عَبَّاسٍ ﵃ انْتَهَى وَفِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بن جبير عن بن عَبَّاسٍ قَالَ غَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَرَأَ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فَسَجَدَ الْحَدِيثَ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُنْظَرُ فِي حَالِهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ

стр. 1004

فِي الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ قَالَهُ الْحَافِظُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ قَدْ فَعَلَهُ عمر بن الخطاب وعثمان وبن مسعود وبن عمر وبن الزُّبَيْرِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ بَدَلَهَا سُورَةً أُخْرَى فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدَ فِيهَا أَوْ يمتنع ذلك فروى بن أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بسورة فيها سجدة وروى أيضا عن بن عباس وقال بن سِيرِينَ لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ فِيهِمَا سَجْدَةٌ لِغَرَضِ السُّجُودِ فَقَطْ لَمْ أَرَ فِيهِ كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا قَالَ وَفِي كَرَاهَتِهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ [١٠٧٥] (وَزَادَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَتِهِمَا بِكَمَالَيْهِمَا فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ اشْتِمَالُهَا عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ لِتَوْبِيخِ حَاضِرِيهَا مِنْهُمْ وَتَنْبِيهِهِمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهَا مِنَ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْلِسٍ أَكْثَرَ مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ فِيهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه ومسلم وَالنَّسَائِيُّ بِتَمَامِهِ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ قِصَّةَ الْفَجْرِ خَاصَّةً وأخرجه أيضا بن مَاجَهْ ٣ - (بَاب اللُّبْسِ لِلْجُمُعَةِ) [١٠٧٦] (رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ) فِي فَتْحِ الْبَارِي بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ رَاءٌ ثُمَّ مَدٌّ أَيْ حَرِيرٌ قَالَ بن قُرْقُولٍ ضَبَطْنَاهُ عَنِ الْمُتْقِنِينَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا يُقَالُ ثَوْبُ خَزٍّ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّنْوِينِ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْبَدَلِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُقَالُ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ كناقة عشراء ووجهه بن التِّينِ فَقَالَ يُرِيدُ أَنَّ عُشَرَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَشَرَةٍ أَكْمَلَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ فَسُمِّيَتْ عُشَرَاءَ كَذَلِكَ الْحُلَّةُ سُمِّيَتْ سِيَرَاءَ

стр. 1005

لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّيُورِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْخُطُوطِ الَّتِي تُشْبِهُ السُّيُورَ وَعُطَارِدٌ صَاحِبُ الْحُلَّةِ هو بن حَاجِبٍ التَّمِيمِيِّ انْتَهَى (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) أَيْ حُلَّةَ الْحَرِيرِ (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) أَيْ مَنْ لَا حَظَّ لَهُ وَلَا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ (فِي الْآخِرَةِ) كَلِمَةُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ فَيَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ لِقِيَامِ دَلَائِلَ أُخَرَ عَلَى إِبَاحَةِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ جِنْسِ الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) بِضَمِّ المهملة وكسر الراء وهو بن حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ التَّمِيمِيُّ قَدِمَ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسْلَمَ وَلَهُ صُحْبَةٌ (مَا قُلْتَ) مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) بَلْ لِتَنْتَفِعَ بِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَفِيهِ دليل على أنه يقال كساء إِذَا أَعْطَاهُ كِسْوَةً لَبِسَهَا أَمْ لَا فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ لَكِنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا هُنَا مِنْ قَوْلِهِ (فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ) مِنْ أُمِّهِ عُثْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ أَوْ هُوَ أَخُو أَخِيهِ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ وَهْبٍ قَالَهُ الدِّمْيَاطِيُّ أَوْ كَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَانْتِصَابُ أَخًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِكَسَا يُقَالُ كِسَوْتُهُ جُبَّةً فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِقَوْلِهِ أَخًا كَائِنًا لَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ (مُشْرِكًا بِمَكَّةَ) نُصِبَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهِ فَإِنْ قُلْتَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَمُقْتَضَاهُ تَحْرِيمُ لُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ كَسَاهَا عُمَرُ أَخَاهُ الْمُشْرِكَ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُقَالُ كساء إِذَا أَعْطَاهُ كِسْوَةً لَبِسَهَا أَمْ لَا كَمَا مَرَّ فَهُوَ إِنَّمَا أَهْدَاهَا لَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ لُبْسُهَا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [١٠٧٧] (إِسْتَبْرَقٍ) هُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ (ابْتَعْ) أَيِ اشْتَرِهَا (تَجَمَّلْ) أَيْ تَتَزَيَّنْ (لِلْوُفُودِ) جَمْعُ وَفْدٍ وَهُمُ الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الأمراء

стр. 1006

[١٠٧٨] (مَا عَلَى أَحَدِكُمْ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ قِيلَ مَا مَوْصُولَةٌ وَقَالَ الطِّيبِيُّ مَا بِمَعْنَى لَيْسَ واسمه محذوف وعلى أَحَدِكُمْ خَبَرُهُ وَقَوْلُهُ (إِنْ وَجَدَ) أَيْ سَعَةً يَقْدِرُ بِهَا عَلَى تَحْصِيلٍ زَائِدٍ عَلَى مَلْبُوسِ مِهْنَتِهِ وَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَقَوْلُهُ (أَنْ يَتَّخِذَ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْمِ الْمَحْذُوفِ مَعْمُولٌ لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَى بِالْمَحْذُوفِ وَالْخَبَرُ أَنْ يَتَّخِذَ كَقَوْلِهِ تعالى ليس على الأعمى حرج إلى قوله أن تأكلوا من بيوتكم وَالْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ حَرَجٌ أَيْ نَقْصٌ يُخِلُّ بِزُهْدِهِ فِي أَنْ يَتَّخِذَ (ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) أَيْ يَلْبَسُهُمَا فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْمُتَّقِينَ لَوْلَا تَعْظِيمَ الْجُمُعَةِ وَمُرَاعَاةِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ (سِوَى ثَوْبَيْ مَهْنَتِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيْ بِذْلَتِهِ وَخِدْمَتِهِ أَيْ غَيْرَ الثَّوْبَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعَهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فِي الْفَائِقِ رُوِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ عِنْدَ الْأَثْبَاتِ خَطَأٌ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ بِالْفَتْحِ الْخِدْمَةُ وَلَا يُقَالُ بِالْكَسْرِ وَكَانَ الْقِيَاسُ لَوْ جِيءَ بِالْكَسْرِ أَنْ يَكُونَ كَالْجِلْسَةِ وَالْخِدْمَةِ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ عَلَى فَعْلَةٍ يُقَالُ مَهَنْتُ الْقَوْمَ أَمَهْنُهُمْ أَيْ أَبْتَذِلُهُمْ فِي الْخِدْمَةِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَاقْتَصَرَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى الْفَتْحِ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمَهْنَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَخْصِيصُهُ بِمَلْبُوسٍ غَيْرِ مَلْبُوسِ سَائِرِ الْأَيَّامِ قُلْتُ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ (قَالَ عَمْرُو) بْنُ الْحَارِثِ (وَأَخْبَرَنِي) أَيْ كَمَا أَخْبَرَنِي يَحْيَى بن سعيد الأنصاري (بن أَبِي حَبِيبٍ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ كما في رواية بن ماجه والرواية الآتية (عن بن حبان) هو محمد يحيى بن حبان كما عند بن ماجه (عن بن سَلَامٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَمَا عند بن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ وَحَفِظَ عَنْهُ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ ليوسف صحبة ونقل بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ لَهُ رِوَايَةً وَكَلَامُ الْبُخَارِيِّ أَصَحُّ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وذكره بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَذَكَرَهُ جماعة في الصحابة

стр. 1007

انتهى وأخرج بن مَاجَهْ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حَبَّانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ الْمِزِّيُّ هَذَا الشَّيْخُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْحَدِيثَ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ الِاخْتِلَافُ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ فَرَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عن عمرة عن عائشة مرفوعا قاله بن عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ الْحَافِظُ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا الثَّانِي الِاخْتِلَافُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ فَرَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُوسَى عَنِ بن حبان عن بن سلام كما عند المؤلف وهكذا عند بن مَاجَهْ وَهَذَا لَفْظُهُ حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُوسَى عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لَا مِنْ مُسْنَدَاتِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الثَّالِثُ رَوَى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِابْنِ مَاجَهْ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ انْتَهَى أَيْ كَوْنُهُ مِنْ مُسْتَنَدَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لَا ابْنِهِ يُوسُفَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ ٤ - (بَاب التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) [١٠٧٩] (وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ رُخْصَةٌ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِهِ وَيُجْمَعُ بَيْنَ أَحَادِيثِ النَّهْيِ وَبَيْنَ أَحَادِيثِ الرُّخْصَةِ فِيهِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَتُحْمَلَ الرُّخْصَةُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَالثَّانِي أَنْ يُحْمَلَ أَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ عَلَى الشِّعْرِ الْحَسَنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَهِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ

стр. 1008

وَمَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحَثِّ عَلَى الزُّهْدِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى التَّفَاخُرِ وَالْهِجَاءِ وَالزُّورِ وَصِفَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَنَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ) الْحَلْقَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لِلْعِلْمِ وَالْمُذَاكَرَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا كَرِهَ الِاجْتِمَاعَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِلْعِلْمِ وَالْمُذَاكَرَةِ وَأَمَرَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَيُنْصِتَ لِلْخُطْبَةِ وَالذِّكْرِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا كَانَ الِاجْتِمَاعُ وَالتَّحَلُّقُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ النَّهْيُ عَنِ التَّحَلُّقِ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِذَا عَمَّ الْمَسْجِدَ وَغَلَبَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ وَحَمَلَهُ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَطَعَ الصُّفُوفَ مَعَ كَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّرَاصِّ فِي الصُّفُوفِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عمرو بن شعيب ٥ - (باب اتخاذ المنبر) [١٠٨٠] (القارىء) بِالْقَافِ وَالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَيَاءِ النِّسْبَةِ نِسْبَةً إِلَى قَارَةَ وَهِيَ قَبِيلَةٌ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْقُرَشِيُّ لِأَنَّهُ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ كَذَا فِي عُمْدَةِ القارىء (أَبُو حَازِمٍ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَاسْمُهُ سَلَمَةُ الأعرج (أن رجالا) قال الحافظ بن حَجَرٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ (وَقَدِ امْتَرَوْا) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ تَجَادَلُوا أَوْ شَكَوْا مِنَ الْمُمَارَاةِ وَهِيَ الْمُجَادَلَةُ قَالَ الرَّاغِبُ الِامْتِرَاءُ وَالْمُمَارَةُ الْمُجَادَلَةُ وَمِنْهُ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظاهرا وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مِنَ الِامْتِرَاءِ وَهُوَ الشَّكُّ (فِي الْمِنْبَرِ) أَيْ مِنْبَرِ النَّبِيِّ (مِمَّ عُودُهُ) أَيْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ (فَسَأَلُوهُ) أَيْ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ (عَنْ ذَلِكَ) الْمُمْتَرَى فِيهِ (مِمَّا هُوَ) بِثُبُوتِ أَلِفِ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْمَجْرُورَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ قَلِيلٌ وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأبي في عم يتساءلون وَالْجُمْهُورُ بِالْحَذْفِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَإِنَّمَا أَتَى بِالْقَسَمِ مُؤَكَّدًا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَبِإِنَّ الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ وَبِلَامِ التَّأْكِيدِ فِي الْخَبَرِ لِإِرَادَةِ التَّأْكِيدِ فِيمَا قَالَهُ لِلسَّامِعِ (وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) أَيِ الْمِنْبَرَ (أَوَّلَ) أَيْ فِي أَوَّلِ (يَوْمٍ وُضِعَ) مَوْضِعَهُ هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ (وَأَوَّلَ يَوْمٍ) أَيْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْمُؤَكَّدَةِ بِاللَّامِ وقد إعلامهم بِقُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ ثُمَّ شَرَحَ

стр. 1009

الْجَوَابَ بِقَوْلِهِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ امْرَأَةٍ بِعَدَمِ الصَّرْفِ فِي فُلَانَةَ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُ الْمَرْأَةِ وَقِيلَ فَكِيهَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ دُلَيْمٍ أَوْ عُلَاثَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ وَقِيلَ إِنَّهُ تَصْحِيفُ فُلَانَةَ أَوْ هِيَ عَائِشَةُ فَقَالَ لَهَا (قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ) أَخْرَجَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَأَبُو سَعْدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ يحيى بن بكير عن بن لَهِيعَةَ حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ إِلَى خَشَبَةٍ فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ قِيلَ لَهُ لَوْ كُنْتَ جَعَلْتَ مِنْبَرًا وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ نَجَّارٌ وَاحِدٌ يُقَالُ ميمون فذكر الحديث (أن مري) أصله أومري عَلَى افْعُلِي فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ فَثَقُلَتَا فَحُذِفَتِ الثَّانِيَةُ وَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ فَصَارَ مُرِي عَلَى وَزْنِ عُلِي لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ فَاءُ الْفِعْلِ (غُلَامَكِ النَّجَّارَ) بِالنَّصْبِ صِفَةٌ لِغُلَامٍ (أَجْلِسُ) بِالرَّفْعِ أَيْ أَنَا أَجْلِسُ أَوْ بِالْجَزْمِ جَوَابٌ لِلْأَمْرِ وَالْغُلَامُ اسْمُهُ مَيْمُونٌ كَمَا عِنْدَ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَوْ إِبْرَاهِيمَ كَمَا فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ أَوْ بَاقُولُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ الْمَضْمُومَةِ كَمَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَوْ بَاقُومُ بِالْمِيمِ بَدَلَ اللَّامِ كَمَا عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ أَوْ صُبَاحٌ بضم الصاد كما عند بن بَشْكُوَالَ أَوْ قَبِيصَةُ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَاهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ كِلَابٌ مولى بن عَبَّاسٍ أَوْ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ كَمَا عِنْدَ أَبِي داود والبيهقي أو مبنيا كما ذكره بن بشكوال أو رومي كما عند الترمذي وبن خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَمِيمًا الدَّارِيَّ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ السَّفَرِ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ أَنَّهُ مَيْمُونٌ وَلَا اعْتِدَادَ بِالْأُخْرَى لِوَهَائِهَا وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ اشْتَرَكُوا فِي عَمَلِهِ وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا نَجَّارٌ وَاحِدٌ وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاحِدِ الْمَاهِرُ فِي صِنَاعَتِهِ وَالْبَقِيَّةُ أَعْوَانٌ لَهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْإِرْشَادِ (فَأَمَرَتْهُ) أَيْ أَمَرَتِ الْمَرْأَةُ غُلَامَهَا أَنْ يَعْمَلَ (فَعَمِلَهَا) أَيِ الْأَعْوَادَ (مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدَ الرَّاءِ فَاءٌ مَمْدُودَةٌ شَجَرٌ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ وَفِي مُنْتَهَى الْأَرَبِ طُرَفَاءُ جَمْعُ طَرَفَةٍ بِالتَّحْرِيكِ بِالْفَارِسِيَّةِ درخت كز انْتَهَى وَالْغَابَةُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعٌ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ (ثُمَّ جَاءَ) الْغُلَامُ (بِهَا) بَعْدَ أَنْ عَمِلَهَا (فَأَرْسَلَتْهُ) أَيِ الْمَرْأَةُ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُعْلِمُهُ بِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْهَا (فَأَمَرَ بِهَا) ﵊ (فَوُضِعَتْ) أُنِّثَ لِإِرَادَةِ الْأَعْوَادِ وَالدَّرَجَاتِ فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أبي حازم

стр. 1010

فَعُمِلَ لَهُ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ الثَّلَاثُ (صَلَّى عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَعْوَادِ الْمَعْمُولَةِ مِنْبَرًا لِيَرَاهُ مَنْ قَدْ تَخْفَى عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ إِذَا صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ (وَكَبَّرَ عَلَيْهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَرَأَ (ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ زَادَ سُفْيَانُ أَيْضًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ (ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى) أَيْ رَجَعَ إِلَى خَلْفِهِ مُحَافَظَةً عَلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى جَنْبِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى مِنْهُ (ثُمَّ عَادَ) إِلَى الْمِنْبَرِ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَخَطَبَ النَّاسَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقَدُّمَ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ (فَلَمَّا فَرَغَ) مِنَ الصَّلَاةِ (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بِوَجْهِهِ الشَّرِيفِ (فَقَالَ) ﵊ مُبَيِّنًا لِأَصْحَابِهِ ﵃ حِكْمَةَ ذَلِكَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ أَيْ لِتَتَعَلَّمُوا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا وَفِيهِ جَوَازُ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَا الْكَثِيرُ إِنْ تَفَرَّقَ وَجَوَازُ قَصْدِ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِالْفِعْلِ وَارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَشُرُوعُ الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِكُلِّ خَطِيبٍ وَاتِّخَاذُ الْمِنْبَرِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي مُشَاهَدَةِ الْخَطِيبِ وَالسَّمَاعِ مِنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي إِرْشَادِ السَّارِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [١٠٨١] (لَمَّا بَدَّنَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَبِرَ وَأَسَنَّ وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْبَدَانَةِ وَهِيَ كَثْرَةُ اللَّحْمِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِينًا (أَوْ يَحْمِلُ عِظَامَكَ) كِنَايَةٌ عَنِ الْقُعُودِ عَلَيْهِ وَأَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي بَيْنَ لَفْظِ يَجْمَعُ أَوْ يَحْمِلُ (مَرْقَاتَيْنِ) بِفَتْحٍ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا أَيْ ذَا دَرَجَتَيْنِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ قَالَ الْحَافِظُ في الفتح وإسناده جيد وروى بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَخْطُبُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ

стр. 1011

إِلَى جِذْعٍ فَقَالَ إِنَّ الْقِيَامَ قَدْ شَقَّ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ أَلَا أَعْمَلُ لَكَ مِنْبَرًا كَمَا رَأَيْتُ يُصْنَعُ بِالشَّامِ فَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَأَوْا أَنْ يَتَّخِذَهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّ لِي غُلَامًا يُقَالُ لَهُ كِلَابٌ أَعْمَلُ النَّاسِ فَقَالَ مُرْهُ أَنْ يَعْمَلَ الْحَدِيثَ قَالَ الْحَافِظُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا الْوَاقِدِيَّ قال وليس في حديث بن عُمَرَ هَذَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الَّذِي اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ بن سَعْدٍ أَنَّ تَمِيمًا لَمْ يَعْمَلْهُ وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ مَيْمُونٌ انْتَهَى فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ كانت ثلاث درجات وكذا عند بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جِذْعٍ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا وَكَانَ يَخْطُبُ إِلَى ذَلِكَ الْجِذْعِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ لَكَ مِنْبَرًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتُسْمِعُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَكَ قَالَ نَعَمْ فَصُنِعَ لَهُ ثَلَاثُ درجات الحديث وفي حديث بن عُمَرَ هَذَا اتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا دَرَجَتَيْنِ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا قُلْتُ إِنَّ الْمِنْبَرَ لَمْ يَزَلْ عَلَى حَالِهِ ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ حَتَّى زَادَهُ مَرْوَانُ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سِتَّ دَرَجَاتٍ مِنْ أَسْفَلِهِ وَالَّذِي قَالَ مَرْقَاتَيْنِ لَمْ يَعْتَبِرِ الدَّرَجَةَ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بن نَجَّارٍ وَغَيْرُهُ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا أُصْلِحَ مِنْهُ إِلَى أَنِ احْتَرَقَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَاحْتَرَقَ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ والله أعلم ٦ - (بَابُ مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ [١٠٨٢] أَيْنَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) فَثَبَتَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ جِدَارِ الْقِبْلَةِ (كَانَ بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ) وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ كَانَ الْمِنْبَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَمُرُّ الْعَنْزُ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ

стр. 1012

وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا (وَبَيْنَ الْحَائِطِ) أَيْ جِدَارِ الْقِبْلَةِ (كَقَدْرِ مَمَرِّ الشَّاةِ) وَهُوَ مَوْضِعُ مُرُورِهَا فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَظِيرُ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ وَهَذِهِ المسافة بين المنبر وجدار القبلة كقدر مر الشَّاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ الْعَنْزِ وَلَفْظُ الشَّيْخَيْنِ قَالَ كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ كذا في غاية المقصود ٧ - (باب الصلاة [١٠٨٣] مِنَ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ تَجُوزُ) (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ (قَبْلَ الزَّوَالِ) وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (إِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ تُوقَدُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ وَبَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَكْثَرُهَا يَنْفَرِدُ الشَّارِعُ بِمَعَانِيهَا وَيَجِبُ عَلَيْنَا التَّصْدِيقُ بِهَا وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِصِحَّتِهَا وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ (إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فَإِنَّهَا لَا تُسْجَرُ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ قَبْلَ الزَّوَالِ (هُوَ مُرْسَلٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَبُو الْخَلِيلِ صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ضُبَعِيٌّ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ انْتَهَى وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ أَبِي قَتَادَةَ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا مُرْسَلٌ أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ وَرِوَايَةُ أَبِي

стр. 1013

هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ فِي إِسْنَادِهِمَا مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَلَكِنَّهَا إِذَا انْضَمَّتْ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ أَخَذَتْ بَعْضَ الْقُوَّةِ وَرُوِّينَا الرُّخْصَةَ في ذلك عن طاووس ومكحول انتهى مختصرا قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ فِي خَصَائِصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَادِي عَشَرَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ وَقْتَ الزَّوَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وافقه وهو اختيار شيخنا بن تَيْمِيَّةَ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ مُرْسَلٌ وَالْمُرْسَلُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ عَمَلٌ وَعَضَّدَهُ قِيَاسٌ أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ كَانَ مُرْسَلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشُّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عُمِلَ بِهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا قَالَ صَاحِبُ الْإِمَامِ وَقَوَّى الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ وَمَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْفَضْلِ إِلَّا وَهُمْ يَجْتَهِدُونَ يُصَلُّونَ نصف النهار قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الصُّنَابِحِيِّ وَلَفْظُهُ ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا وَفِي آخِرِهِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وَإِمَّا أَنَّهُ رَدَّهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ انْتَهَى كَذَا فِي إِعْلَامِ أَهْلِ الْعَصْرِ وَأَمَّا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْكِلَابِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ السُّلَمِيِّ قَالَ شَهِدْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ زَالَ النَّهَارُ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ قَالَ فِي التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي الْحَدِيثُ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَنْدَانَ وَقِيلَ سِيدَانَ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ مَجْهُولٌ وَقَالَ بن عَدِيٍّ شِبْهُ الْمَجْهُولِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَأَبُو نُعَيْمٍ شيخ البخاري في كتاب الصلاة له وبن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سِيدَانَ فَإِنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ وَرَوَى بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي بن مَسْعُودٍ الْجُمُعَةَ ضُحًى وَقَالَ خَشِيتُ عَلَيْكُمُ الْحَرَّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ تَغَيَّرَ لَمَّا كَبِرَ قَالَهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْجُمُعَةَ ضُحًى وَسَعِيدٌ ذكره بن

стр. 1014

عدي في الضعفاء وأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ فَأَحْيَانًا نَجِدُ فيأ وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ بن تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عبد الله قال وكذلك روي عن بن مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ انْتَهَى وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إِلَّا أَحْمَدُ بن حنبل وإسحاق فجواز مَا قَبْلَ الزَّوَالِ انْتَهَى وَقَدْ أَغْرَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزوال أجزأ قال الحافظ وقد نقل بن قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِثْلَ قَوْلِ أَحْمَدَ انْتَهَى وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ فِي غُنْيَةِ الطَّالِبِينَ وَوَقْتُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدِ انْتَهَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ ثَابِتَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ غَيْرُ محتمل التَّأْوِيلِ وَقَوِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ وَأَمَّا قَبْلَ الزوال فجائز أيضا والله أعلم ٨ - (باب وَقْتِ الْجُمُعَةِ) [١٠٨٤] (إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ) أَيْ زَالَتِ الشَّمْسُ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ يَزِيدُ عَلَى الزَّوَالِ مَزِيدًا يُحِسُّ مَيَلَانَهَا وَفِي الْمِرْقَاةِ أَيْ مَالَتْ إِلَى الْغُرُوبِ وَتَزُولُ عَنِ اسْتِوَائِهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ الزَّوَالِ انْتَهَى قَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ فِي غُنْيَةِ الطَّالِبِينَ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ ذَلِكَ فَقِسِ الظِّلَّ بِأَنْ تَنْصِبَ عَمُودًا أَوْ تُقَوِّمَ قَائِمًا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ مُسْتَوِيًا مُعْتَدِلًا ثُمَّ عَلِّمْ عَلَى مُنْتَهَى الظِّلِّ بِأَنْ تَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ انْظُرْ أَيَنْقُصُ أَوْ يَزِيدُ فَإِنْ رَأَيْتَهُ يَنْقُصُ عَلِمْتَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ بَعْدُ وَإِنْ رَأَيْتَهُ قَائِمًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَذَلِكَ قِيَامُهَا وَهُوَ نِصْفُ النهار لا تجوز الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ فَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ

стр. 1015

فِي الزِّيَادَةِ فَذَلِكَ زَوَالُ الشَّمْسِ فَقِسْ مِنْ حَدِّ الزِّيَادَةِ إِلَى ظِلِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي قِسْتَ بِهِ طُولَ الظِّلِّ فَإِذَا بَلَغَ إِلَى آخِرِ طُولِهِ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ انْتَهَى وَقَدْ أَطَالَ ﵀ كَلَامًا حَسَنًا وَالْحَدِيثُ فِيهِ إِشْعَارٌ بِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ [١٠٨٥] (لَيْسَ لِلْحِيطَانِ فَيْءٌ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَمَا نَجِدُ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا بِلَفْظِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ فَالْمُرَادُ نَفْيُ الظِّلِّ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ لَا نَفْيُ أَصْلِ الظِّلِّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ بَلْ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيْءٌ يَسِيرٌ قَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ التَّبْكِيرِ وَقِصَرِ حِيطَانِهِمُ انْتَهَى فَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلِ الزَّوَالِ نَعَمْ يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا قَالَ حَسَنٌ فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ تِلْكَ قَالَ زَوَالُ الشَّمْسِ وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ قَالَ كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ يَعْنِي النَّوَاضِحَ وَقَالُوا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حديث أم هشام وعند بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعِنْدَ مسلم من حديث علي وأبي هريرة وبن عَبَّاسٍ وَلَوْ كَانَتْ خُطْبَتُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمَا انْصَرَفَ مِنْهَا إِلَّا وَقَدْ صَارَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَسْتَظِلُّ بِهِ وَالتَّفْصِيلُ فِي التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي وَفِي السبل أجار مَالِكٌ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ دُونَ الصَّلَاةِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه [١٠٨٦] (نقيل ونتغذى بَعْدَ الْجُمُعَةِ) مِنَ الْقَيْلُولَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَقِيلُ وَالْقَيْلُولَةُ الِاسْتِرَاحَةُ

стр. 1016

نِصْفَ النَّهَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ انتهى وحكوا عن بن قُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ لَا يُسَمَّى غَدَاءً وَلَا قَائِلَةً بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الْغَدَاءَ وَالْقَيْلُولَةَ مَحِلَّهُمَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُمْ فِي الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ لَا يَقِيلُونَ وَلَا يَتَغَدَّوْنَ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَحِينَ تضعون ثيابكم من الظهيرة نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَارِعُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الزَّوَالِ بِخِلَافِ الظُّهْرِ فَقَدْ كَانَ يُؤَخِّرُهُ بَعْدَهُ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ قَالَهُ فِي السُّبُلِ قَالَ المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا مُطَوَّلًا ٩ - (بَاب النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) [١٠٨٧] (أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ أَوَّلُهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ كَانَ ابْتِدَاءُ النِّدَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَهُ فِي رِوَايَتِهِ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَذَانَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَفَسَّرَ الْأَذَانَيْنِ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ يَعْنِي تَغْلِيبًا (حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) قَالَ الْمُهَلَّبُ الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ الْأَذَانِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لِيَعْرِفَ النَّاسُ جُلُوسَ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيُنْصِتُونَ لَهُ إِذَا خَطَبَ قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ نَظَرٌ لمن عند الطبراني وغيره من طريق بن إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لِمُطْلَقِ الْإِعْلَامِ لَا لِخُصُوصِ الْإِنْصَاتِ نَعَمْ لَمَّا زِيدَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ كَانَ لِلْإِعْلَامِ وَكَانَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ لِلْإِنْصَاتِ (فَلَمَّا كَانَ خِلَافَةُ عُثْمَانَ وَكَثُرَ النَّاسُ) أَيْ بِالْمَدِينَةِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَكَانَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ كَمَا عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ (بِالْأَذَانِ الثالث) في رواية فأعمر عُثْمَانُ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ وَفِي رِوَايَةِ التَّأْذِينُ الثَّانِي أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ سُمِّيَ ثَالِثًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَزِيدًا وَأَوَّلًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ فَعَلَهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَثَانِيًا بِاعْتِبَارِ الْأَذَانِ الْحَقِيقِيِّ لَا الْإِقَامَةَ قَالَ فِي عُمْدَةِ القارىء الْأَذَانُ الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ الْأَوَّلُ فِي الْوُجُودِ لَكِنَّهُ ثَالِثٌ بِاعْتِبَارِ شَرْعِيَّتِهِ بِاجْتِهَادِ عُثْمَانَ وَمُوَافَقَةِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ لَهُ بِالسُّكُوتِ وَعَدَمِ

стр. 1017

الْإِنْكَارِ فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا وَإِنَّمَا أُطْلِقَ الْأَذَانُ عَلَى الْإِقَامَةِ لِأَنَّهَا إِعْلَامٌ كَالْأَذَانِ انْتَهَى (عَلَى الزوراء) بفتح وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ مَمْدُودَةٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ هِيَ مَوْضِعٌ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ المعتمد وقال بن بَطَّالٍ هُوَ حَجَرٌ كَبِيرٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ورد بما عند بن خزيمة وبن مَاجَهْ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا دَارٌ بِالسُّوقِ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى دَارٍ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ فَكَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ عَلَيْهَا فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ الْأَوَّلَ فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ الصَّلَاةَ (فَثَبَتَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أَيِ الْأَذَانُ الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ الْأَوَّلُ فِي الْوُجُودِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِفِعْلِ عُثْمَانَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِذْ ذَاكَ لِكَوْنِهِ كَانَ خَلِيفَةً مُطَاعَ الْأَمْرِ لَكِنْ ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ بِمَكَّةَ الْحَجَّاجُ والبصرة زِيَادٌ قَالَ الْحَافِظُ وَبَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الْغَرْبِ الْأَدْنَى الْآنَ لَا تَأْذِينَ عِنْدَهُمْ سِوَى مَرَّةٍ وروى بن أبي شيبة من طريق بن عُمَرَ قَالَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زمن النبي وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ يُسَمَّى بِدْعَةً وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ وَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ وَأَمَّا مَا أَحْدَثَ النَّاسُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَيْهَا بِالذِّكْرِ والصلاة على النبي فَهُوَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ دُونَ بَعْضٍ وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَوْلَى كَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ [١٠٨٨] (كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ) قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ قَالَ الْفَرَّاءُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى جَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يديها يَعْنِي الْمِسْخَةَ جُعِلَتْ نَكَالًا لِمَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ وَلِمَا تُعْمَلُ بَعْدَهَا وَيُقَالُ بَيْنَ يَدَيْكَ كَذَا لِكُلِّ شَيْءٍ أَمَامَكَ قَالَ اللَّهُ من بين أيديهم ومن خلفهم وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا بِالَّذِي بين يديه أَرَادَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ انْتَهَى وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ فِي عِنَايَةِ الرَّاضِي وَقِيلَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ مَا مَضَى وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَيَأْتِي انْتَهَى وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَهْوَالًا أَيْ قُدَّامَهَا انْتَهَى وَهَكَذَا فِي الْقَامُوسِ وَفِي تَفْسِيرِ لُبَابِ

стр. 1018

التَّأْوِيلِ لِلْخَازِنِ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ مَجَازِ الْكَلَامِ وَذَلِكَ أَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَهُوَ أَمَامَهُ فَقِيلَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَقَدَّمَ عَلَى الشَّيْءِ هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِغَايَةِ ظُهُورِهِ وَاشْتِهَارِهِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْيَدَانِ تَسْتَعْمِلُهُمَا الْعَرَبُ فِي الْمَجَازِ عَلَى مَعْنَى التَّقْدِمَةِ تَقُولُ هَذِهِ تَكُونُ فِي الْفِتَنِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ يُرِيدُونَ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ تَشْبِيهًا وَتَمْثِيلًا بِمَا إِذَا كَانَتْ يَدَا الْإِنْسَانِ تَتَقَدَّمَانِهِ انْتَهَى قَالَ في المدارك ما بين أيدينا أَيْ لَهُ مَا قُدَّامَنَا وَقَالَ فِي الْجَلَالَيْنِ ما بين أيدينا أَيْ أَمَامَنَا وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِلَفْظِ إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُسْتَعْمَلُ لِكُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبَهُ أَوْ بَعِيدَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قُدَّامَ النَّبِيِّ وأمامه إذا جلس النبي عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَكِنْ لَا يُؤَذِّنُ قُدَّامَهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مُتَّصِلًا بِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ الْآنَ فِي أَكْثَرِ بِلَادِ الْهِنْدِ إِلَّا مَا عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ الْأَذَانِ وَتَفُوتُ مِنْهُ فَائِدَةُ الْأَذَانِ بَلْ كَانَ يُؤَذِّنُ (عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) وَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِمَا بَيْنَ يَدَيْ لِأَنَّ بَيْنَ يَدَيْ بِمَعْنَى قُدَّامَ وَأَمَامَ وَهُمَا ظَرْفَانِ مُبْهَمَانِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ قُدَّامَ كَزُنَّارِ ضِدُّ الْوَرَاءِ وَالْأَمَامُ نَقِيضُ الْوَرَاءِ كَقُدَّامِ يَكُونُ اسْمًا ظَرْفًا انْتَهَى وَفَسَّرَ الْمُبْهَمَ مِنَ الْمَكَانِ بِالْجِهَاتِ السِّتِّ وَهِيَ أَمَامَ وَخَلْفَ وَيَمِينَ وَشِمَالَ وَفَوْقَ وَتَحْتَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَإِنَّ أَمَامَ زَيْدٍ مَثَلًا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُقَابِلُ وَجْهَهُ إِلَى انْقِطَاعِ الْأَرْضِ فَيَكُونُ مُبْهَمًا قَالَهُ الْجَامِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ وَقَالَ بَعْضُ مُحَشِّيهِ وَالْمُبْهَمُ هُوَ الَّذِي لَا حَدَّ ولا نهاية له انتهى فتعين أنه لايراد بقوله بين يديه قدام النبي عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَلْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَ حَافِظُ الْمَغْرِبِ أَبُو عُمَرَ بْنٌ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الْأَمْرِ الْقَدِيمِ وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي التَّوْضِيحِ شرح كتاب بن الْحَاجِبِ وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ هَلْ كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﵊ أَوْ عَلَى الْمَنَارِ الَّذِي نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمَنَارِ نَقَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ في المجموعة كتاب له ونقل بن عَبْدِ الْبَرِّ فِي كَافِيهِ اسْمِ كِتَابٍ لَهُ فِي الْفِقْهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَذَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنَ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ نَقَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنِ بن القاسم عن مالك أنه في زمنه لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ انتهى وقال الإمام بن الْحَاجِّ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ إِنَّ السُّنَّةَ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ إِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ كذلك كان على عهد النبي وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵃ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ بْنُ

стр. 1019

عَفَّانَ أَذَانًا آخَرَ بِالزَّوْرَاءِ وَأَبْقَى الْأَذَانَ الَّذِي كان على عهد رسول الله عَلَى الْمَنَارِ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذْ ذَاكَ ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذَ الْأَذَانَ الَّذِي فَعَلَهُ عُثْمَانُ بِالزَّوْرَاءِ وَجَعَلَهُ عَلَى الْمَنَارِ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ نَقَلَ الْأَذَانَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ حِينَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى المنبر على عهد النبي وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً فَجَعَلَهُمْ يُؤَذِّنُونَ جماعة ويستريحون قال علماؤنا وسنة النبي أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ فَقَدْ بَانَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ بِدْعَةٌ وأن أذانهم جماعة أيضا بدعة أخرى فتسمك بَعْضُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ وَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ تَطَاوَلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا انْتَهَى كَلَامُهُ وَمَا قَالَهُ بن الحاج حسن جدا غير أبي لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ كانوا ثلاثة على عهد النبي وَكُلُّهُمْ يُؤَذِّنُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ بَلْ سَيَجِيءُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ بِلَالٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قال بن الْحَاجِّ فَصْلٌ فِي النَّهْي عَنْ الْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ إِنَّ لِلْأَذَانِ ثَلَاثَةَ مَوَاضِعَ الْمَنَارَ وَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُمْنَعُ مِنَ الْأَذَانِ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى الثَّانِي أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ لِلنَّاسِ لِيَأْتُوا إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ لِنِدَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ غَالِبًا وَإِذَا كَانَ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا فَائِدَةَ له وما ليس فيه فائدة تمنع وَقَالَ فِي فَصْلِ مَوْضِعِ الْأَذَانِ وَمِنَ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى بَابِهِ وَكَانَ الْمَنَارُ عِنْدَ السَّلَفِ بِنَاءً يَبْنُونَهُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى فَإِنْ قُلْتَ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رسول الله إِلَّا هَذَا الْأَذَانُ انْتَهَى وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فِي الْبِنَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ فِي تَفْسِيرِ التَّوَارُثِ يعني هكذا فعل النبي وَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَلَفْظُ التَّوَارُثِ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَمْرِ خَطَرٍ وَشَرَفٍ يُقَالُ تَوَارَثَ الْمَجْدَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ أَيْ كَبِيرًا عَنْ كَبِيرٍ فِي الْقَدْرِ وَالشَّرَفِ وَقِيلَ هِيَ حِكَايَةُ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ انْتَهَى قُلْتُ هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَهَكَذَا فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهمْ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْخَطِيبَ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أذن المؤذن أمام الخطيب ومستقبله عند

стр. 1020

المنبر ولا يبعد المؤذن عن المنبر بحيث يكون على المنارة أو المأذنة أَوْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى السَّطْحِ وَيَكُونُ الْمُؤَذِّنُ قَرِيبًا مِنَ الْخَطِيبِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ جَرَى التَّوَارُثُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْفَقِيهَ الْإِمَامَ بُرْهَانَ الدِّينِ مُؤَلِّفَ الْهِدَايَةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ لَكِنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى التَّوَارُثِ عَلَى ذلك إلا بنقل صريح إلى النبي ولم يثبت قط فيما أعلم بل تبطل دعوى التوارث ما نقله بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ مُؤَذِّنَيْنِ أَنْ يُؤَذِّنَا لِلنَّاسِ الْجُمُعَةَ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ النَّاسُ وَأَمَرَ أَنْ يُؤَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا كان في عهد النبي وَأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ نَحْنُ ابْتَدَعْنَاهُ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَضَعِيفٌ جِدًّا قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا الْأَثَرُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مَكْحُولٍ وَمُعَاذٍ وَلَا يَثْبُتُ لِأَنَّ مُعَاذًا كَانَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ فِي أَوَّلِ مَا غَزَوْا الشَّامَ وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ بِالشَّامِ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ وَقَدْ تَوَارَدَتِ الرِّوَايَاتُ أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الَّذِي زَادَهُ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ انْتَهَى وَجُوَيْبِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُفَسِّرُ صَاحِبُ الضَّحَّاكِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ قَالَهُ النَّسَائِيُّ والدارقطني وغيرهما وقال بن معين ليس بشيء وقال الجوزجاني لَا يُشْتَغَلُ بِهِ وَضَحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَوَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ وَاعْلَمْ أَنَّ أَذَانَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْأَذَانُ حِينَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِمَا أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ كَانَ النِّدَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَحَتَّى خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءُ الثَّالِثُ عَلَى الزَّوْرَاءِ وعند بن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَامِرٍ عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ كَانَ ابْتِدَاءُ النِّدَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ وَحَدِيثُ أَذَانِ الْجُمُعَةِ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وبن عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ حَاطِبٍ أَمَّا حَدِيثُ السَّائِبِ فَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إِلَّا مُسْلِمًا وَأَيْضًا أَخْرَجَهُ أحمد وإسحاق بن راهويه في مسندهما وبن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَالْمَعْرِفَةِ والطبراني وبن الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى وَيَدُورُ إِسْنَادُ حَدِيثِ السَّائِبِ علي بن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَرَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ سَبْعَةُ أَنْفُسٍ بن أَبِي ذِئْبٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبٍي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ وَعَقِيلُ بْنُ خَالِدٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ مصانح وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ لَكِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مَا ذَكَرُوا فِي رِوَايَتِهِ مَوْضِعَ الْأَذَانِ وَمَا قَالُوا لَفْظَ بين يديه ولا غيره من الألفاظ المخبر لِتَعَيُّنِ الْمَكَانِ نَعَمْ ذَكَرُوا وَقْتَ الْأَذَانِ وَهُوَ حِينَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بن
следующие страницы →