Полный текст (4 665 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
به وقصد الصواب هو ما بينه فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ
انْتَهَى وَسَيَجِيءُ تَوْضِيحُهُ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَسَلَفَ آنِفًا كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) هُوَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ) أَيْ تَرَدَّدَ بِلَا رُجْحَانٍ فَإِنَّهُ مَعَ الظَّنِّ يَبْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعَيِّ (فَلْيُلْقِ الشَّكَّ) أَيْ مَا يَشُكُّ فِيهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَلْيَبْنِ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهِ (عَلَى الْيَقِينِ) أَيْ عَلِمَ يَقِينًا وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ) أَيْ نَافِلَتَانِ أَيْضًا (مُرْغِمَتَيِ الشَّيْطَانِ) مُرْغِمَةٌ اسْمُ فَاعِلٍ عَلَى وَزْنِ مُكْرِمَةٍ مِنَ الْإِفْعَالِ أَيْ مُذِلَّتَيْنِ
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى وَلَهُ أَلْفَاظٌ وَنَحْنُ نَسْرُدُهَا فَأَقُولُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُلْغِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ فَإِذَا اسْتَيْقَنَ بِالتَّمَامِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فِي الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً حَتَّى يَكُونَ الشَّكُّ فِي الزِّيَادَةِ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا فَهُمَا تُرْغِمَانِ أَنْفَ الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ ثُمَّ لِيَقُمْ فَيُصَلِّي رَكْعَةً ثم سجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعًا وَقَدْ زَادَ رَكْعَةً كَانَتْ هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ تَشْفَعَانِ الْخَامِسَةَ وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَةً كَانَتِ الرَّابِعَةُ تَمَامَهَا وَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ
وَمِنْ أحاديث الباب ما أخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ
стр. 947
عَلَى ثَلَاثٍ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ قال الترمذي حسن صحيح
ولفظ بن مَاجَهْ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالْوَاحِدَةِ فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً وَإِذَا شَكَّ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلْيَجْعَلْهَا ثِنْتَيْنِ وَإِذَا شَكَّ فِي الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا ثُمَّ لِيُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى تَكُونَ الْوَهْمُ فِي الزِّيَادَةِ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَلَفْظُهُ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ خَيْرٌ مِنَ النُّقْصَانِ
(وَحَدِيثُ أَبِي خَالِدٍ أَشْبَعُ) أَيْ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والنسائي وبن ماجه
[١٠٢٥] (المرغمتين) قال بن الْأَثِيرِ يُقَالُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الذُّلِّ وَالْعَجْزِ عَنِ الِانْتِصَافِ وَالِانْقِيَادِ عَلَى كُرْهٍ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى الْمُذِلَّتَيْنِ لِلشَّيْطَانِ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ أَيْضًا
[١٠٢٦] (وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ) هُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ (شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ السَّجْدَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَةِ لِأَنَّهُمَا رُكْنَاهَا فَكَأَنَّهُ بِفِعْلِهِمَا قَدْ فَعَلَ رَكْعَةً سَادِسَةً فَصَارَتْ شَفْعًا فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ التَّلْبِيسَ عَلَى المصلي وإبطال صلاته كان السَّجْدَتَانِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الثَّوَابِ تَرْغِيمًا لَهُ
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُجَرَّدَ حُصُولِ الشَّكِّ مُوجِبٌ لِلسَّهْوِ وَلَوْ زَالَ وَحَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الصَّوَابِ
قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ
وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ قَوْلُهُ شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ أَيْ رَدَّهَا إِلَى الشَّفْعِ
قَالَ الْبَاجِيُّ يَحْتَمِلُ أن الصلاة
стр. 948
مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّفْعِ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَا يُوتِرُهَا مِنْ زِيَادَةٍ وَجَبَ إِصْلَاحُ ذَلِكَ بِمَا يَشْفَعُهَا (وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ) أَيْ إِغَاظَةٌ وَإِذْلَالٌ (لِلشَّيْطَانِ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ وَمِنْهُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْطَانَ لَبَّسَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَتَعَرَّضَ لِإِفْسَادِهَا وَنَقْضِهَا فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُصَلِّي طَرِيقًا إِلَى جَبْرِ صَلَاتِهِ وَتَدَارُكِ مَا لَبَّسَهُ عَلَيْهِ وَإِرْغَامِ الشَّيْطَانِ وَرَدِّهِ خَاسِئًا مُبْعَدًا عَنْ مراده وكملت صلاة بن آدَمَ وَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي عَصَى بِهِ إِبْلِيسُ مِنِ امْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ
انْتَهَى
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي أَبْوَابِ السَّهْوِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ فِي أَكْثَرِ أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ وَالصَّحِيحُ مِنْهَا وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهِيَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَحَدِيثُ عَطَاءٍ مُرْسَلًا وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبٍي سَلَمَةَ وَحَدِيثُ عبد الله بن بُحَيْنَةَ
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُجْمَلٌ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا يَصْنَعُهُ مِنْ شَيْءٍ سِوَى ذَلِكَ وَلَا فِيهِ بَيَانُ مَوْضِعِ السَّجْدَتَيْنِ مِنَ الصلاة وحاصل الأمر على حديث بن مسعود
فأما حديث بن مَسْعُودٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَتَحَرَّى فِي صَلَاتِهِ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ
وَمَعْنَى التَّحَرِّيِ عِنْدَهُمْ غَالِبُ الظَّنِّ وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ كَأَنَّهُ شَكَّ فِي الرَّابِعَةِ مِنَ الظُّهْرِ هَلْ صَلَّاهَا أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّهُ صَلَّاهَا أَتَمَّهَا وَلَمْ يُضِفْ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ هَذَا إِذَا كَانَ الشَّكُّ يَعْتَرِيهِ فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا سَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الصَّلَاةَ عِنْدَهُمْ
وأما حديث بن بُحَيْنَةَ وَذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّ مَالِكًا اعْتَبَرَهُمَا جَمِيعًا وَبَنَى مَذْهَبَهُ عَلَيْهِمَا فِي الْوَهْمِ إِذَا وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ زَادَهَا فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ لِأَنَّ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ نُقْصَانٍ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّ في حديث بن بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ وَهَذَا نُقْصَانٌ فِي الصَّلَاةِ
وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهَا تُتَأَمَّلُ صِفَتُهُ وَيُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْخِلَافِ وَكَانَ يَقُولُ تَرْكُ الشَّكِّ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إِلَى الْيَقِينِ وَالْآخَرُ إِلَى التَّحَرِّي
فَمَنْ رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ فَهُوَ أَنْ يُلْقِيَ الشَّكَّ وَيَسْجُدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَإِذَا رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي وَهُوَ أَكْثَرُ لِتَوَهُّمٍ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حديث بن مَسْعُودٍ
فَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ
стр. 949
الْأَخْبَارِ وَرَدِّ الْمُجْمَلِ مِنْهَا عَلَى الْمُفَسَّرِ وَالتَّفْسِيرُ إِنَّمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ وَقَوْلُهُ إِذَا لَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ السَّلَامِ وَقَوْلُهُ ﵇ فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّاهَا خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمُ الشَّيْطَانِ قَالَ وَهَذَا فُصُولٌ فِي الزِّيَادَاتِ حَفِظَهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَبُولُ الزِّيَادَاتِ وَاجِبٌ فَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِهِ أولى
ومعنى التحري المذكور في حديث بن مَسْعُودٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ عَلَى مَا جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
وَحَقِيقَةُ التَّحَرِّي هُوَ طَلَبُ إِحْدَى الْأَمْرَيْنِ وَأَوْلَاهُمَا بِالصَّوَابِ وَأَحْرَاهُمَا مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالِ الصَّلَاةِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهَا
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحَرِّيَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ قَوْلُهُ تَعَالَى فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تحروا رشدا وَأَمَّا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ وَسُجُودُهُ فِيهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى السَّهْوِ فِي مَذْهَبِهِمْ لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ قَدْ نُسِبَتْ إِلَى السَّهْوِ فِي مَذْهَبِهِمْ فَجَرَى حُكْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى مُشَاكَلَةِ حُكْمِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُلٌّ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنَّ تَقْدِيمَ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ أَحْرَى الْأَمْرَيْنِ
وَقَدْ ضَعَّفَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ قَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ مَالِكًا أَرْسَلَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ وَمَعْلُومٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُرْسِلُ الْأَحَادِيثَ وَهِيَ عِنْدَهُ مُسْنَدةٌ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْ عَادَتِهِ وقد رواه أبو داود من طريق بن عَجْلَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَذَكَرَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ سَعِيدٍ أَسْنَدَهُ فَبَلَغَ بِهِ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ الشَّيْخُ وَقَدْ أَسْنَدَهُ أَيْضًا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنَاهُ حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ زَيْرَكٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَبَّاسُ الدُّورِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صلاته فلم يدركم صَلَّى أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا كَانَتَا شَفْعًا وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامَ الْأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ
قَالَ الشَّيْخُ وَرَوَاهُ بن عَبَّاسٍ كَذَلِكَ أَيْضًا حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بن إسماعيل الصائغ قال أخبرنا بن قَعْنَبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَقُمْ
стр. 950
فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ
قَالَ الشَّيْخُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ فِيمَنْ صَلَّى خَمْسًا إِلَى أَنَّهُ يُضِيفُ إِلَيْهَا سَادِسَةً إِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ النَّافِلَةَ لَا تَكُونُ رَكْعَةً وَقَدْ نَصَّ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ بن عَجْلَانَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ الرَّابِعَةَ تَكُونُ نَافِلَةً ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِضَافَةِ أُخْرَى إِلَيْهَا
انتهى كلامه بحروفه
[١٠٢٧] (عبد الرحمن القاريء) أَيْ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي قَارَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ (كَذَلِكَ) أَيْ كَمَا رَوَى القعنبي مرسلا (رواه بن وهب عن مالك) بن أنس مرسلا كَذَا رَوَى (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) كُلُّهُمْ مِنْ أَقْرَانِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا إِلَّا أن هاشما أي بن سَعْدٍ (بَلَغَ بِهِ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) فَهِشَامٌ مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِ مَالِكٍ جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِذِكْرِ أبي سعيد الخدري ورواية بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ وَدَاوُدِ بْنِ قَيْسٍ وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ أَخْرَجَهَا البيقهي فِي الْمَعْرِفَةِ
وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ هَكَذَا مُرْسَلًا عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ الثَّوْرِيُّ وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ فِي رِوَايَةٍ وَوَصَلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَيَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ الْمَازِنِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ وَدَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَهُ طُرُقٌ عند النسائي وبن مَاجَهْ عَنْ زَيْدٍ مَوْصُولًا وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ الْإِرْسَالَ فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ مِنْ حَدِيثِ مَنْ تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ لِأَنَّهُمْ حُفَّاظٌ فَلَا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ فِي وَصْلِهِ
وَقَدْ قَالَ الْأَثْرَمُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَتَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ إِنَّهُمْ
стр. 951
يَخْتَلِفُونَ فِي إِسْنَادِهِ قَالَ إِنَّمَا قَصَّرَ بِهِ مالك وقد أسنده عدة منهم بن عَجْلَانَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبٍي سَلَمَةَ
انْتَهَى
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ إِنَّ الشَّاكَّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَلَا يَجْزِيهِ التَّحَرِّي
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا شَكَّ اسْتَقْبَلَ وَإِنِ اعْتَرَاهُ غَيْرُ مَرَّةٍ تَحَرَّى
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ فَرْقٌ بَيْنَ اعْتَرَاهُ ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَوْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ
وَقَالَ أَحْمَدُ الشَّكُّ عَلَى وَجْهَيْنِ الْيَقِينُ وَالتَّحَرِّي فَمَنْ رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ أَلْغَى الشَّكَّ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِذَا رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي وَهُوَ أَكْثَرُ الْوَهْمِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ بن مَسْعُودٍ الَّذِي يَرْوِيهِ مَنْصُورٌ وَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ
وَقَالَ جَمَاعَةٌ التَّحَرِّي هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى الْيَقِينِ
وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَأَيُّ تَحَرٍّ يَكُونُ لِمَنِ انْصَرَفَ وَهُوَ شَاكٌّ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ تَحَرَّى عَلَى أَغْلَبِ ظَنِّهِ أَنَّ شُعْبَةً مِنَ الشَّكِّ تَصْحَبُهُ
انْتَهَى
وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ ﵀
٧ - (بَاب مَنْ قَالَ يُتِمُّ عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ)
[١٠٢٨] قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ لَهُ ظَنٌّ بَنَى على غالب ظنه وإلا فبنى على اليقين وحجتهم حديث بن مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ مُطْلَقًا فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا وَيَأْخُذُ بِحَدِيثِ الْخُدْرِيِّ وَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف انتهى
قال النووي حديث بن مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فِي عَدَدِ رَكَعَاتٍ تَحَرَّى وَبَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَقَلِّ وَالْإِتْيَانِ في الزيادة وظاهر حديث بن مَسْعُودٍ حُجَّةٌ لَهُمْ
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فِي طَائِفَةٍ هَذَا لِمَنِ اعْتَرَاهُ الشَّكُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ
فَإِنْ قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ لَا يُخَالِفُ مَا قُلْنَا لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الشَّكِّ وَهُوَ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ وَمَنْ شَكَّ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ لَهُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا فَالْجَوَابُ أَنَّ تَفْسِيرَ الشَّكِّ بِمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ إِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ طارىء لِلْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ كُلُّهُ يُسَمَّى شَكًّا سَوَاءٌ الْمُسْتَوِي وَالرَّاجِحُ وَالْمَرْجُوحُ وَالْحَدِيثُ يُحْمَلُ
стр. 952
عَلَى اللُّغَةِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ عُرْفِيَّةٌ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَطْرَأُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الِاصْطِلَاحِ
انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَالَّذِي يَلُوحُ لِي أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ وَالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَتَحَرِّي الصَّوَابِ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِي اللُّغَةِ كَمَا عَرَفْتَ هُوَ طَلَبُ مَا هُوَ أَحْرَى إِلَى الصَّوَابِ وَقَدْ أمر به ﷺ وأمر بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ عِنْدَ عُرُوضِ الشَّكِّ فَإِنْ أَمْكَنَ الْخُرُوجُ بِالتَّحَرِّي عَنْ أَثَرَةِ الشَّكِّ وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِالِاسْتِيقَانِ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مِنَ الصَّلَاةِ كَذَا رَكَعَاتٍ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ شَرَطَ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ عَدَمَ الدِّرَايَةِ
كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهَذَا الْمُتَحَرِّي قَدْ حَصَلَتْ لَهُ الدَّارِيَةُ
وَأُمِرَ الشَّاكُّ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ بَلَغَ بِهِ تَحَرِّيهِ إِلَى الْيَقِينِ قَدْ بَنَى عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّ التَّحَرِّيَ الْمَذْكُورَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ انْتَهَى كَلَامُهُ
قُلْتُ وَمَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ حَسَنٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ) لَمْ يَسْمَعْ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ أَبِيهِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّهْذِيبِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِيهِ
وَفِي الْخُلَاصَةِ قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ سَأَلْتُهُ هَلْ تَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ شَيْئًا قَالَ لَا قُلْتُ وَقَدْ ثَبَتَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ السُّنَنِ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ (رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ خُصَيْفٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ تَفَرَّدَ بِرَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمَّا عَبْدُ الْوَاحِدِ وَسُفْيَانُ وَإِسْرَائِيلُ وَشَرِيكٌ فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرْفَعُوهُ وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَرَوَى خُصَيْفٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَمَتْنِهِ وَخُصَيْفٌ غَيْرُ قَوِيٍّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلٌ انْتَهَى
وَفِي خُصَيْفِ بْنِ عَبْدِ الرحمن الجزري أبو عون صدوق سيء الْحِفْظِ خَلَّطَ بِآخِرِهِ وَرُمِيَ بِالْإرْجَاءِ
وَفِي الْخُلَاصَةِ ضعفه أحمد ووثقه بن مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ انْتَهَى
فَالْحَدِيثُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّصِلِ الْإِسْنَادِ ضَعِيفٌ أَيْضًا فَالِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ يَقُولُ يُتِمُّ عَلَى أَكْبَرِ ظَنِّهِ غير
стр. 953
صَحِيحٍ
وَلِذَا احْتَجَّ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ وَكَذَا الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ هَذَا عَلَى التَّشَهُّدِ الثَّانِي بَعْدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَشَهَّدُ فِيهِمَا وَيُسَلِّمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَتَسْلِيمٌ وَإِذَا سَجَدَهُمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَتَشَهَّدْ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالَا إِذَا سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُبَيْدةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ خُصَيْفٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَوَافَقَ عَبْدَ الْوَاحِدِ أَيْضًا سُفْيَانُ وَشَرِيكٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلَامِ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُسْنِدُوهُ انْتَهَى
[١٠٢٩] (فَلَمْ يَدْرِ زَادَ أَمْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ) قَدِ اسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا سَجْدَتَانِ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَبْنِي عَلَى أَقَلَّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَعْمَلُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُعِيدُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِسَجْدَتَيْنِ عِنْدَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهَا بَيَانُ مَا يَصْنَعُهُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ
وَالْأَحَادِيثُ الْآخِرَةُ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَةٍ وَهِيَ بَيَانُ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ السُّجُودِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَاجِبٌ
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ وَقَوْلُهُ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَقَوْلُهُ فِي حديث بن مَسْعُودٍ الْمُتَقَدِّمِ أَيْضًا وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مَشْرُوعٌ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ كَمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لِأَنَّ الْجُبْرَانَ وَإِرْغَامَ الشَّيْطَانِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي النَّفْلِ كَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْفَرْضِ
وذهب بن سِيرِينَ وَقَتَادَةُ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَنَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْ قَوْلِهِ الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُسْجَدُ فِيهِ وَهَذَا يَبْتَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي اسْمِ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ حقيقة مشروعية في الأفعال المخصوصة هل هو متواطىء فَيَكُونَ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا
стр. 954
فَيَدْخُلَ تَحْتَهُ كُلُّ صَلَاةٍ أَوْ هُوَ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ صَلَاتَيِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فَذَهَبَ الرَّازِيُّ إِلَى الثَّانِي لِمَا بَيْنَ صَلَاتَيِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ مِنَ التَّبَايُنِ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ كَالْقِيَامِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ الْمَعْنَوِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ
قَالَ الْعَلَائِيُّ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ لِوُجُودِ الْقَدْرِ الْجَامِعِ بَيْنَ كُلِّ مَا يُسَمَّى صَلَاةً وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ مَعَ مَا يَشْمَلُ الْكُلَّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَإِلَى كَوْنِهِ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا ذَهَبَ جمهور أهل الأصول
قال بن رَسْلَانَ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ اللَّفْظِيَّ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَالتَّوَاطُؤُ خَيْرٌ مِنْهُ انْتَهَى
فَمَنْ قَالَ إِنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ قَالَ بِمَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ فَلَا عُمُومَ لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إِنَّ الْمُشْتَرَكَ يَعُمُّ جَمِيعَ مُسَمَّيَاتِهِ
وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى بَابِ السَّهْوِ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَذَكَرَ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ وِتْرِهِ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ (إِلَّا مَا وَجَدَ رِيحًا بِأَنْفِهِ) أَيِ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَبَانٍ) دُونَ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ (وَقَالَ مَعْمَرٌ وعلي بن المبارك) والحاصل أن هشام الدَّسْتُوَائِيَّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ عِيَاضٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَبِيهِ وَقَالَ أَبَانٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هِلَالِ بْنِ عِيَاضٍ وَأَمَّا مَعْمَرٌ وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ فَقَالَا عِيَاضُ بْنُ هِلَالٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ عِيَاضُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ الْحَافِظُ عِيَاضُ بْنُ هِلَالٍ وقيل بن أَبِي زُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِلَالُ بْنُ عِيَاضٍ وَهُوَ مَرْجُوحٌ مَجْهُولٌ تَفَرَّدَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ انْتَهَى
[١٠٣٠] (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (فَلَبَسَ عَلَيْهِ) بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا أَيْ خَلَطَ عَلَيْهِ أَمْرَ صَلَاتِهِ وَشَوَّشَ خَاطِرَهُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَبَسْتُ الْأَمْرَ بِالْفَتْحِ أُلْبِسَهُ إِذَا خَلَطْتَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَمِنْهُ قوله تعالى وللبسنا عليهم ما
стр. 955
يلبسون وَرُبَّمَا شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا هُوَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ خَلَطَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَهُوَ شَبَّهَهَا عَلَيْهِ وَشَكَّكَهُ فِيهَا (حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى) أَيْ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ غَيْرَهُمَا لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ (فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ) أَيِ التَّرَدُّدَ وَعَدَمَ الْعِلْمِ (سَجْدَتَيْنِ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ سَهَا بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
(وَكَذَا) أَيْ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَانْتَهَى حَدِيثُهُ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ جَالِسٌ مِنْ غَيْرِ ذكر جملة قبل أن يسلم (رواه بن عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ) أَيْضًا فَهَؤُلَاءِ الْحُفَّاظُ مِنْ أصحاب الزهري مالك وبن عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ لَمْ يَقُولُوا قَبْلَ أَنْ يسلم وإنما ذكرها بن إسحاق وبن أخي الزهري كلاهما عن بن شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا محمول عند مالك والليث وبن وَهْبٍ وَجَمَاعَةٍ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ الَّذِي لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ عَنْهُ وَيَكْثُرُ عَلَيْهِ السَّهْوُ وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ لَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ لَهُ فَيَجْزِيهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ دُونَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَنُوبَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي بِهِ وَأَمَّا مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ صَلَاتَهُ فَيَبْنِي عَلَى يَقِينِهِ فَإِنِ اعْتَرَاهُ ذَلِكَ أَيْضًا فِيمَا يَبْنِي لَهَى عَنْهُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ بن الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا غَيْرُ حَدِيثِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَاوِي حَدِيثِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ الْمُتَقَدِّمِ رَوَى أَيْضًا حَدِيثَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَمْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَمُحَالٌ أن يكون معناهما واحد الاختلاف أَلْفَاظِهِمَا بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعٌ كَمَا ذَكَرْنَا انْتَهَى كَذَا فِي شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى الْمُوَطَّأِ
[١٠٣٢] (فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْوَارِدَةُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لِأَجْلِ الشَّكِّ كَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عند أحمد والترمذي وبن مَاجَهْ وَأَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهَا قَاضِيَةٌ بِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لِهَذَا السَّبَبِ يَكُونُ قَبْلَ السَّلَامِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْآتِي لَا يَنْتَهِضُ لِمُعَارَضَتِهَا لَا سِيَّمَا مَعَ ما
стр. 956
فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ الَّذِي سَيَأْتِي وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّدُهُ حديث بن مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ قَرِيبًا فَيَكُونُ الْكُلُّ جَائِزًا وَسَيَجِيءُ بعض البيان
٨ - (باب من قال يسجد بعد التسليم)
[١٠٣٣] حديث الباب أخرجه النسائي وأحمد في مسنده وبن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَعُتْبَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ عقبة ذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَمُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ وَثَّقَهُ بن مَعِينٍ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ الْحَافِظُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فَطَائِفَةٌ رَآهُ السَّجْدَةَ بَعْدَ السَّلَامِ عَمَلًا بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ بِهِ مِنَ الصحابة علي وسعد وبن الزبير ومن التابعين الحسن والنخعي وبن أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ السُّجُودَ قَبْلَ السلام أخذا بحديث بن بُحَيْنَةَ وَبِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَزَعَمُوا أَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ
وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ وَآخِرُ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ أَكَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورِ قَالَ وَصُحْبَةُ مُعَاوِيَةَ مُتَأَخِّرَةٌ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ وَفِيهَا نَوْعُ تَعَارُضٍ وَلَمْ يَثْبُتْ تَقَدُّمُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ وَحَدِيثُ الزُّهْرِيُّ مُنْقَطِعٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ وَلَا يُعَارَضُ بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى التَّوَسُّعِ وَجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَنَّ السَّهْوَ إِذَا كَانَ فِي الزِّيَادَةِ كَانَ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ أَخْذًا بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَإِذَا كَانَ فِي النُّقْصَانِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ
الْقَوْلُ الرَّابِعُ أَنَّهُ إِذَا نَهَضَ مِنْ ثِنْتَيْنِ سَجَدَهُمَا قبل السلام أخذا بحديث بن بُحَيْنَةَ وَكَذَا إِذَا شَكَّ فَرَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ أَخْذًا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِذَا سَلَّمَ مِنْ ثِنْتَيْنِ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ أَخْذًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَذَا إِذَا شَكَّ وَكَانَ مِمَّنْ يَرْجِعُ إلى التحري أخذا بحديث بن مسعود
стр. 957
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ احْتِيَاطٌ فَفَعَلَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ قَالَهُ فِي نَظِيرِ كُلِّ وَاقِعَةٍ عَنْهُ
انْتَهَى
وَحَكَى الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا ثَمَانِيَةَ مَذَاهِبَ لَا نُطِيلُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ
أَحَادِيثُ الْبَابِ خَمْسَةٌ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى وَفِيهِ أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَوْضِعَهُمَا وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِيمَنْ شَكَّ وَفِيهِ أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يسلم وحديث بن مَسْعُودٍ وَفِيهِ الْقِيَامُ إِلَى خَامِسَةٍ وَأَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ
وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ وَفِيهِ السَّلَامُ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَالْمَشْيُ وَالْكَلَامُ وَأَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السلام وحديث بن بُحَيْنَةَ وَفِيهِ الْقِيَامُ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَالسُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا
بَلْ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعِهَا عَلَى مَا جَاءَتْ وَقَالَ أَحْمَدُ كَقَوْلِ دَاوُدَ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ خَاصَّةً وَخَالَفَهُ فِي غَيْرِهَا وَقَالَ يَسْجُدُ فِيمَا سِوَاهَا قَبْلَ السَّلَامِ لِكُلِّ سَهْوٍ
أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا الْقِيَاسَ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ سَهْوٍ إِنْ شَاءَ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ شَاءَ قَبْلَهُ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْأَصْلُ هُوَ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ وَتَأَوَّلَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْأَصْلُ هُوَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ وَرَدَّ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ إِلَيْهِ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَ السَّهْوُ زِيَادَةً سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَقَبْلَهُ فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَقُولُ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَإِنْ كَانَتْ خَامِسَةً شَفَعَهَا وَنَصَّ عَلَى السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ مَعَ تَجْوِيزِ الزِّيَادَةِ والمجوز كالموجود ويتأول حديث بن مَسْعُودٍ فِي الْقِيَامِ إِلَى خَامِسَةٍ وَالسُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ مَا عَلِمَ السَّهْوَ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ وَلَوْ عَلِمَهُ قَبْلَهُ يَسْجُدُ قَبْلَهُ وَيَتَأَوَّلُ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ عَلَى أَنَّهَا صَلَاةٌ جَرَى فِيهَا سَهْوٌ فَسَهَا عَنِ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ فَتَدَارَكَهُ بَعْدَهُ
وَهَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ نَفِيسٌ
وَأَقْوَى الْمَذَاهِبِ هُنَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلٌ بِالتَّخْيِيرِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَوِ اجْتَمَعَ فِي صَلَاةٍ خِلَافٌ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ لِلزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَفْضَلِ
انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
٩ - (بَاب مَنْ قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ)
[١٠٣٤] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن بُحَيْنَةَ) مُصَغَّرًا بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بن عبد مناف وهو صحابي
стр. 958
ذكره بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ وَأَبُوهُ مَالِكٌ لَهُ صُحْبَةٌ أَيْضًا وَإِنَّمَا بُحَيْنَةُ امْرَأَتُهُ وابنه عبد الله
وكان عبد الله بن بُحَيْنَةَ نَاسِكًا فَاضِلًا صَائِمَ الدَّهْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ كَتِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ بن بحينة ينبغي أن يكتب ألف بن وينون مالك ليندفع الوهم ويعرف أن بن بُحَيْنَةَ نَعْتٌ لِعَبْدِ اللَّهِ لَا لِمَالِكٍ (ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَامَ مِنْ بَابِ أَقُولُ لَهُ ارْحَلْ لَا تُقِيمَنَّ عِنْدَنَا أَيْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ حَيْثُ تَرَكُوا الْقُعُودَ الْأَوَّلَ وَتَشَهُّدَهُ (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أَيْ لِلسَّهْوِ (قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الحديث دليل لمسائل كثيرة إحداهما أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ إِمَّا مُطْلَقًا كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا فِي النَّقْصِ كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ الثَّانِيَةُ أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَالْجُلُوسَ لَهُ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا وَاجِبَيْنِ إِذْ لَوْ كَانَا وَاجِبَيْنِ لَمَا جَبَرَهُمَا السُّجُودُ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ هُمَا وَاجِبَانِ وَإِذَا سَهَا جَبَرَهُمَا السُّجُودُ عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ
الثَّالِثَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُشْرَعُ التَّكْبِيرُ لِسُجُودِ السَّهْوِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا فَعَلَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ هَلْ يَتَحَرَّمُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ أَمْ لَا
وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَلَا يَتَشَهَّدُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي التَّشَهُّدِ حَدِيثٌ انْتَهَى
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ فِي السَّيْلِ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ سَهْوًا يَجْبُرُهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَقَوْلُهُ ﷺ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَجُبْرَانُهُ هُنَا عِنْدَ تَرْكِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَإِنَّهُ يَجْبُرُهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا جَبَرَهُ السُّجُودُ إِذْ حَقُّ الْوَاجِبِ أَنْ يُفْعَلَ بِنَفْسِهِ لَا يُتَمُّ إِذْ يُمْكِنُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَكِنَّهُ إِنْ تُرِكَ سَهْوًا جَبَرَهُ سُجُودُ السَّهْوِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ إِنْ تُرِكَ سَهْوًا وَقَوْلُهُ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِسُجُودِ السَّهْوِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ يُكَبِّرُهَا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ صَلَاتِهِ بِالسَّلَامِ مِنْهَا
وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ النَّفْلِ فَلَمْ تُذْكَرْ هُنَا وَلَكِنَّهَا ذُكِرَتْ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَيَسْجُدُ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ
انْتَهَى
قلت حديث عبد الله بن بحينة له
стр. 959
أَلْفَاظٌ فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ
وَفِي لَفْظٍ لَهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي الشَّفْعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[١٠٣٥] (وَكَانَ مِنَّا الْمُتَشَهِّدُ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ (فِي قِيَامِهِ) أَيْ كَانَ يَقْرَأُ التَّشَهُّدَ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَالْمَعْنَى لَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَجْلِسْ فِي التَّشَهُّدِ قُمْنَا أَيْضًا فَكَانَ يَقْرَأُ مِنَّا التَّشَهُّدَ حَالَ الْقِيَامِ وَظَنَنَّا أَنَّ الْجُلُوسَ قَدْ تَرَكْنَا بِمُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ نَتْرُكُ التَّشَهُّدَ بَلْ نَقْرَأُ حَالَ الْقِيَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وكذلك سجدهما) عبد الله (بن الزُّبَيْرِ قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ كَمَا سَيَجِيءُ (قَبْلَ التَّسْلِيمِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ سَجَدَ أَيْ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُمَا
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ قَامَ أَيْ قَامَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّشَهُّدُ لِأَنَّ فِيهِ التَّسْلِيمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ صَلَّى بنا بن الزُّبَيْرِ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فَسَبَّحْنَا بِهِ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ فَقَضَى مَا عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بعد ما سلم ففي هذه الرواية أنه سجدهما بعد ما سَلَّمَ (وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ) أَيْ مَنْ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ لَا يَجْلِسْ بَلْ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ مُطْلَقًا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري والسائب القارىء وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
انْتَهَى
стр. 960
٥٠ - (باب من نسي أن يتشهد وهو جالس يَسْجُدْ سَجْدَتَيِ)
السَّهْوِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ وَإِنْ أَتَى بِالْجُلُوسِ كَمَا فِي النَّيْلِ وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ بَابَ مَا جَاءَ فِي الْإِمَامِ يَنْهَضُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ نَاسِيًا
[١٠٣٦] (إِذَا قَامَ الْإِمَامُ) أَيْ شَرَعَ فِي الْقِيَامِ وَفِي مَعْنَاهُ الْمُنْفَرِدُ (فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أَيْ بَعْدَهُمَا مِنَ الثُّلَاثِيَّةِ أَوِ الرُّبَاعِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَتَشَهَّدَ (فَإِنْ ذَكَرَ) أَيْ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنَ الصَّلَاةِ (قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا) سَوَاءٌ يَكُونُ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ أو إلى القعود واختاره الشيخ بن الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ (فَلْيَجْلِسْ) وَفِي وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ عَنِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْمَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يُعَدَّ قِيَامًا فَكَانَ قُعُودًا
كذا في غنية المستملي
وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِي وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ خَاصٌّ بِالْقِسْمِ الثَّانِي فَلَا يَسْجُدْ هُنَا لِلسَّهْوِ وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي عِدَّةٍ مِنْ كُتُبِهِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَا سَهْوَ فِي وَثْبَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا قِيَامٍ عَنْ جُلُوسٍ أَوْ جُلُوسٍ عَنْ قِيَامٍ انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ إِنَّ السُّجُودَ إِنَّمَا هُوَ لِفَوَاتِ التَّشَهُّدِ لَا لِفِعْلِ الْقِيَامِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ
وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ السُّجُودُ لِفِعْلِ الْقِيَامِ لما روي عن أنس أنه تَحَرَّكَ لِلْقِيَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ فَسَبَّحُوا لَهُ فَقَعَدَ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ السُّنَّةُ
قَالَ الْحَافِظُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ والبيهقي عن بن عُمَرَ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ لَا سَهْوَ إِلَّا فِي قِيَامٍ عَنْ جُلُوسٍ أَوْ جُلُوسٍ عَنْ قِيَامٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى
(فَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا) وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا (فَلَا يَجْلِسْ) لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ فَلَا يَقْطَعْهُ (وَيَسْجُدُ) بِالرَّفْعِ (سَجْدَتَيِ السَّهْوِ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأُولَى وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ
стр. 961
الْعَوْدُ إِلَى الْقُعُودِ وَالتَّشَهُّدِ بَعْدَ الِانْتِصَابِ الْكَامِلِ لِأَنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِالْفَرْضِ فَلَا يَقْطَعُهُ وَيَرْجِعْ إِلَى السُّنَّةِ وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ لِظَاهِرِ النَّهْيِ
وَلِأَنَّهُ زَادَ قُعُودًا وَهَذَا إِذَا تَعَمَّدَ الْعَوْدَ فَإِنْ عَادَ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَسْتَتِمَّ الْقِيَامَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ كَذَا فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَيْسَ فِي كِتَابِي) هَذَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ (عَنْ جَابِرِ) بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ (الْجُعْفِيِّ) الْكُوفِيِّ (إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ) وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ هَذَا أَحَدُ عُلَمَاءِ الشِّيعَةِ يُؤْمِنُ بِرَجْعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
قَالَ الثَّوْرِيُّ كَانَ جَابِرٌ وَرِعًا فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ شُعْبَةُ صَدُوقٌ وَإِذَا قَالَ حَدَّثَنَا وَسَمِعْتُ فَهُوَ مِنْ أَوْثَقِ النَّاسِ وَقَالَ وَكِيعٌ إِنَّ جَابِرًا ثِقَةٌ
هَذَا قَوْلُ الْمُعَدِّلِينَ فِيهِ وَأَمَّا أَقْوَالُ الْجَارِحِينَ فَقَالَ أَيُّوبُ كَذَّابٌ
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ اتُّهِمَ بِالْكَذِبِ
وَتَرَكَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ الْكُوفِيُّ مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سَلِيمٍ كَذَّابٌ وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مَتْرُوكٌ وَتَرَكَهُ سُفْيَانُ بن عيينة وقال الجوزجاني كذاب
وقال بن عَدِيٍّ عَامَّةُ مَا قَذَفُوهُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ وَلَيْسَ لِجَابِرِ بْنِ الْجُعْفِيِّ فِي النَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ فِي سجود السهود وقال بن حِبَّانَ كَانَ يَقُولُ إِنَّ عَلِيًّا يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا
وَقَالَ زَائِدَةُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ رَافِضِيٌّ يَشْتُمُ أصحاب النبي
وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَابِرًا ضَعِيفٌ رَافِضِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ
[١٠٣٧] (فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) يَعْنِي أَنَّهُ قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ عَقِبَ الرَّكْعَتَيْنِ
وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَلَفْظُ الطَّحَاوِيِّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فنها فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحْنَا بِهِ فَمَضَى فَلَمَّا أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ انْتَهَى
وَفِي لَفْظٍ لِلطَّحَاوِيِّ قَالَ صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ قَائِمًا فَقُلْنَا سبحان الله فأومئ وَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَمَضَى فِي
стр. 962
صَلَاتِهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ فَاسْتَوَى قَائِمًا مِنْ جُلُوسِهِ فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ قَالَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَقَامَ مِنَ الْجُلُوسِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ سَجْدَتَانِ فَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلْيَمْضِ فِي صَلَاتِهِ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ انْتَهَى
وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن بُحَيْنَةَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَائِدَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُؤْتَمَّ يَسْجُدُ مَعَ إِمَامهِ لِسَهْوِ الْإِمَامِ وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَا تَخْتَلِفُوا وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْ عَمِّهِ قَالَ قَالَ رسول الله إِنَّ الْإِمَامَ يَكْفِي مَنْ وَرَاءَهُ فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ سَجَدَتَا السَّهْوِ وَعَلَى مَنْ وَرَاءَهُ أَنْ يَسْجُدُوا مَعَهُ وَإِنْ سَهَا أَحَدٌ مِمَّنْ خَلْفَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ وَالْإِمَامُ يَكْفِيهِ وَفِي إِسْنَادِهِ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْمَدَائِنِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالْحَكَمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ
وَفِي الْبَابِ عن بن عباس عند بن عَدِيٍّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَمْرٌو الْعَسْقَلَانِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُؤْتَمَّ يَسْجُدُ لِسَهْوِ الْإِمَامِ وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِ نَفْسِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِعَدَمِ انْتِهَاضِ هَذَا الْحَدِيثِ لِتَخْصِيصِهَا وَإِنْ وَقَعَ السَّهْوُ مِنَ الْإِمَامِ وَالْمُؤْتَمِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِي سُجُودٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمُؤْتَمِّ إِمَّا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ مُنْفَرِدًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ
وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ قَوْلَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَرْكِ الْجُلُوسِ لَا لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ حَتَّى لَوْ أَنَّهُ جَلَسَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ لَا يَسْجُدُ وَجَزَمَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ وَإِنْ أَتَى بِالْجُلُوسِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ الْمَسْعُودِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْكُوفِيُّ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ لا يحتج بحديث بن أَبِي لَيْلَى وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ
وَقَدْ أَشَارَ أبو داود إلى حديث بن أَبِي لَيْلَى وَقَالَ وَرَوَاهُ أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِثْلَ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو عُمَيْسٍ أَخُو الْمَسْعُودِيِّ وَفَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمُغِيرَةُ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قيس ومعاوية بن أبي سفيان وبن عَبَّاسٍ أَفْتَى بِذَلِكَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا فِيمَنْ قَامَ مِنْ ثنتين سجدوه بعد ما سَلَّمُوا هَذَا كَلَامُهُ
وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْسٍ أَجْوَدُ شَيْءٍ فِي هَذَا فَإِنَّ أَبَا الْعُمَيْسِ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَثَابِتُ بْنُ عُبَيْدٍ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
стр. 963
(وكذلك) أي مثل رواية المسعودي (رواه بن أَبِي لَيْلَى) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ بعض أهل العلم في بن أَبِي لَيْلَى مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ
قَالَ أَحْمَدُ لا يحتج بحديث بن أَبِي لَيْلَى وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ صَدُوقٌ وَلَا أَرْوِي عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى صَحِيحُ حَدِيثِهِ مِنْ سَقِيمِهِ
وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا فَلَا أَرْوِي عَنْهُ شَيْئًا (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عَامِرٌ ثِقَةٌ إِمَامٌ (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَرَفَعَهُ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الترمذي من طريق هشيم أخبرنا بن أَبِي لَيْلَى عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحَ بِهِ الْقَوْمُ وَسَبَّحَ بِهِمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ ثم حدثهم أن رسول الله فَعَلَ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ الرُّوَاسِيِّ عَنْ عامر الشعبي نحوه (ورواه أبو عميس مصغر) وَسَلَفَ آنِفًا تَرْجَمَتُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِثْلَ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ وَمَقْصُودٌ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ بَيَانُ تَقْوِيَةِ رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ فَالْمَسْعُودِيُّ يَرْوِي عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ عَنِ المغيرة ويروي بن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ وَيَرْوِي أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ هَذَا فِيهِ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ
وَأَمَّا مُطَابَقَةُ الْبَابِ من الحديث فبحيث أن النبي قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ فَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّجْدَتَيْنِ كَانَتْ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِقِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ كَانَتِ السَّجْدَتَانِ لِأَجْلِ تَرْكِ الْجُلُوسِ لَا لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَفَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مَالِكٌ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ (مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمُغِيرَةُ) وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ بَيَانٍ سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ صَلَّى بِنَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَقَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ فَمَضَى فَلَمَّا سَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَفِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ وَعَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ صَلَّى بِنَا سَعْدُ بْنُ
стр. 964
أَبِي وَقَّاصٍ فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحْنَا لَهُ فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا قَالَ فَمَضَى فِي قِيَامِهِ حَتَّى فَرَغَ قَالَ أَكُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنْ أَجْلِسَ إِنَّمَا صنعت كما رأيت رسول الله يَصْنَعُ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ (وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) الصَّحَابِيُّ أَيْ فَعَلَ عمران مثل ما فعل المغيرة كَذَلِكَ فَعَلَ (الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ) الْفِهْرِيُّ الصَّحَابِيُّ ولد قبل وفاة النبي بسبع سنين كَذَلِكَ فَعَلَ (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ مَوْلَى فَاطِمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ مَوْلَى عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ صَلَّى بِهِمْ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمْ يَجْلِسْ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وقال هكذا رأيت رسول الله يصنع (وبن عَبَّاسٍ أَفْتَى بِذَلِكَ) أَيْ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ عَلَى مَنْ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ وجلوس كَذَا أَفْتَى (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الْخَلِيفَةُ الْعَادِلُ (وَهَذَا) الْحَدِيثُ أَيْ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ (فِي) حَقِّ (مَنْ قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ) أَيِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ وَجُلُوسٍ ثُمَّ (سَجَدُوا) مِنَ السَّهْوِ (بَعْدَ مَا سَلَّمُوا) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ
وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيَانُ أَنَّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ نَصَّ عَلَى أَمْرَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وقام يلزم عليه سجدتي السَّهْوِ وَهَكَذَا فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ
وَالثَّانِي أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ السَّلَامِ وَأَمَّا فِعْلُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ فَمُخْتَلِفٌ مِنْهُمْ مَنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَجَدَ قَبْلَهُ كَمَا عَرَفْتَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٠٣٨] (قَالَ عمْرُو) بْنُ عُثْمَانَ شَيْخُ الْمُؤَلِّفِ (وَحْدَهُ) دُونَ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَشُجَاعِ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ شُيُوخِ الْمُؤَلِّفِ (عَنْ أَبِيهِ) وَهُوَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ
وَالْمَعْنَى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثَوْبَانَ وَقَالَ الْبَاقُونَ بِحَذْفِ عَنْ أَبِيهِ أَيْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ثَوْبَانَ (لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بعد ما يسلم) قال
стр. 965
الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ انْفَرَدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ قَالَ الْأَثْرَمُ هَذَا مَنْسُوخٌ وَقَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ وَقَالَ بن عبد الهادي وبن الجوزي بعد ما عَزَيَاهُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ مقدوح فيه
وقال بن حَجَرٍ فِي سَنَدِهِ اخْتِلَافٌ انْتَهَى
قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ قَالُوا فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ وَخِلَافٌ
قَالَ الْبُخَارِيُّ إِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ يَعْنِي الشَّامِيِّينَ فَصَحِيحٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الشَّامِيِّينَ فَتَضْعِيفُ الْحَدِيثِ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى أَنَّهُ إِذَا تَعَدَّدَ الْمُقْتَضِي لِسُجُودِ السَّهْوِ تَعَدَّدَ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ وَقَدْ حُكِيَ عَنِ بن أَبِي لَيْلَى وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ السجود وإن تعدد موجبه لأن النبي فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ وَمَشَى نَاسِيًا وَلَمْ يَسْجُدْ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ
وَلَئِنْ قِيلَ إِنَّ الْقَوْلَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِهِ مِنَ الْفِعْلِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى تَعَدُّدِ السُّجُودِ لِتَعَدُّدِ مُقْتَضِيهِ بَلْ هُوَ لِلْعُمُومِ لِكُلِّ سَاهٍ فَيُفِيدُ الْحَدِيثُ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ بِأَيِّ سَهْوٍ كَانَ يُشْرَعُ لَهُ سَجْدَتَانِ وَلَا يَخْتَصَّانِ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي سَهَا فِيهَا النبي وَلَا بِالْأَنْوَاعِ الَّتِي سَهَا بِهَا وَالْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ انْتَهَى
وَفِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ وَإِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ السَّهْوُ كَفَاهُ لِلْجَمِيعِ سَجْدَتَانِ بِالِاتِّفَاقِ
وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ سَجَدَ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَيْنِ
عَنِ بن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ قَالَ يَسْجُدُ لِكُلِّ سَهْوٍ سجدتين مطلقا
انتهى
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ لَا يَثْبُتُ حديث بن جَعْفَرٍ وَلَا حَدِيثُ ثَوْبَانَ
١ - (بَابٌ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ)
فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَتَسْلِيمٌ كَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ
[١٠٣٩] (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حسن غريب وروى بن
стр. 966
سِيرِينَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ وَهُوَ عَمُّ أَبِي قِلَابَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَرَوَى مُحَمَّدٌ هَذَا الحديث عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ وَأَبُو الْمُهَلَّبِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو وَيُقَالُ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَهُشَيْمٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِطُولِهِ وَهُوَ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّشَهُّدِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَشَهَّدُ فِيهِمَا وَيُسَلِّمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَتَسْلِيمٌ وَإِذَا سَجَدَهُمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَتَشَهَّدْ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالَا إِذَا سجد سجدتي السهو قبل السلام لم يتشهد
انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
قُلْتُ وَفِي سِيَاقِ حَدِيثِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي بَابِ السَّهْوِ فِي السَّجْدَتَيْنِ وَفِي غَيْرِ سُنَنِهِ أَنَّ هَذَا السَّهْوَ سَهْوُهُ ﷺ الَّذِي فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ فِيهِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ مَا لَفْظُهُ فَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ الرَّاوِي سَلَّمَ فِي السَّهْوِ فَقَالَ لَمْ أَحْفَظْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ
وَفِي السُّنَنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ ثُمَّ دَخَلَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ الْخِرْبَاقُ كَانَ طَوِيلَ الْيَدَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ فَقَالَ أَصَدَقَ فَقَالُوا نَعَمْ فَصَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْهَا ثُمَّ سَلَّمَ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عَقِبَ الصَّلَاةِ كَمَا تَدُلُّ لَهُ الْفَاءُ
وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِالتَّشَهُّدِ
قِيلَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِهِ وَلَفْظُ تَشَهَّدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ يَكْفِي التَّشَهُّدُ الْأَوْسَطُ وَاللَّفْظُ فِي الْأَوَّلِ أَظْهَرُ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّسْلِيمِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الْبَابِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ أَنَّ التَّسْلِيمَ كَانَ لِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ لِلصَّلَاةِ وَأَنَّهُ سَجَدَ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ سَلَّمَ تَسْلِيمَ الصَّلَاةِ قَالَهُ فِي سُبُلِ السَّلَامِ
وَفِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ حَدِيثُ عِمْرَانَ هَذَا وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ حِكَايَةٌ لِقِصَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لِقِصَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ بن خُزَيْمَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ التَّعَدُّدِ لِأَنَّ دَعْوَى الِاتِّحَادِ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلَاتٍ مُتَعَسِّفَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ انْتَهَى
стр. 967
٥٢ - (بَاب انْصِرَافِ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ مِنْ الصَّلَاةِ)
[١٠٤٠] (إِذَا سَلَّمَ) أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ (كَيْمَا يَنْفُذُ) بضم الفاء وبذال المعجمة أَي يَمْضِينَ وَيَتَخَلَّصْنَ مِنْ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ مُرَاعَاةُ أَحْوَالِ الْمَأْمُومِينَ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُورِ وَاجْتِنَابُ مَوَاقِعِ التُّهَمِ وَكَرَاهَةُ مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ للنساء في الطرقات فضلا من الْبُيُوتِ
وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمَأْمُومِينَ إِذَا كَانُوا رِجَالًا فَقَطْ لَا يُسْتَحَبُّ هَذَا الْمُكْثُ وعليه حمل بن قَدَامَةَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﵌ كَانَ إِذَا سَلَّمَ لَا يَقْعُدُ إِلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ قال المنذري وأخرجه البخاري والنسائي وبن مَاجَهْ
٣ - (بَاب كَيْفَ الِانْصِرَافُ مِنْ الصَّلَاةِ)
[١٠٤١] (فَكَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ شِقَّيْهِ) أَيْ حِينًا عَنْ يَمِينِهِ وحينا من شماله
قال المنذري وقد خرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ هُلْبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ
[١٠٤٢] (عن عبد الله) هو بن مَسْعُودٍ (أَنْ لَا يَنْصَرِفُ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ) بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ الْجَعْلُ أَوِ
стр. 968
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ كَأَنَّهُ قِيلَ كَيْفَ يَجْعَلُ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ فَقَالَ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ قال القسطلاني
قال النووي في حديث بن مَسْعُودٍ لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا فَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْأَكْثَرُ فِيمَا يَعْلَمُهُ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِمَا وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي وَاحِدٍ منهما
وأما الكراهية التي اقتضاها كلام بن مَسْعُودٍ فَلَيْسَتْ بِسَبَبِ أَصْلِ الِانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَالِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ مَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطىء وَلِهَذَا قَالَ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا ذَمَّ مَنْ رَآهُ حَقًّا عَلَيْهِ
وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهِيَةَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ سَوَاءٌ كانت عن يمينه أو شماله فإن استوى الْجِهَتَانِ فِي الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَضْلِ الْيَمِينِ فِي بَابِ الْمَكَارِمِ وَنَحْوِهَا
هَذَا صَوَابُ الْكَلَامِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ يُقَالُ فِيهِمَا خِلَافُ الصَّوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انتهى
قال المنذري قال عمارة وهو بن عُمَيْرٍ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ بَعْدُ فَرَأَيْتُ مَنَازِلَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَسَارِهِ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِيهِ قَوْلُ عُمَارَةَ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ قَالَ سَأَلَتُ أَنَسًا كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ هَذَا مُدَّةً وَهَذَا مُدَّةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ
تَمَّ كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (قَالَ عُمَارَةُ) بْنُ عُمَيْرٍ (أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ بَعْدُ) مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ أَيْ بَعْدَ سَمَاعِ هَذَا الْحَدِيثِ (فَرَأَيْتُ مَنَازِلَ النَّبِيِّ ﷺ جَمْعُ مَنْزِلٍ أَيْ بُيُوتَهُ ﷺ (عَنْ يَسَارِهِ) يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَالِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّ عُمَارَةَ بَيَّنَ وَجْهَ تَحَوُّلِهِ ﷺ إِلَى جَانِبِ الْيَسَارِ أَيْ لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ تَحَوَّلَ إِلَى جَانِبِ الْيَسَارِ لِلتَّسْبِيحِ أَوِ الدُّعَاءِ مَثَلًا ثُمَّ قَامَ ذَاهِبًا إِلَى بُيُوتِهِ وَهِيَ فِي جَانِبِ يَسَارِهِ ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 969
٥٤ - (بَاب صَلَاةِ الرَّجُلِ التَّطَوُّعَ فِي بَيْتِهِ)
[١٠٤٣] (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا (مِنْ صَلَاتِكُمْ) أَيْ بَعْضَ صَلَاتِكُمُ الَّتِي هِيَ النَّوَافِلُ مُؤَدَّاةً فِي بُيُوتِكُمْ وَقَوْلُهُ مِنْ صَلَاتِكُمْ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ وَفِي بُيُوتِكُمْ مَفْعُولٌ ثَانٍ قُدِّمَ عَلَى الْأَوَّلِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ الْبُيُوتِ وَأَنَّ مِنْ حَقِّهَا أَنْ يجعل لها نصيبا مِنَ الطَّاعَاتِ لِتَصِيرَ مُنَوَّرَةً لِأَنَّهَا مَأْوَاكُمْ وَمُنْقَلَبُكُمْ وَلَيْسَتْ كَقُبُورِكُمُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِصَلَاتِكُمْ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْفَرِيضَةِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَإِنَّمَا شُرِعَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاءِ وَلِتَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ فِيهِ وَالْمَلَائِكَةِ
وفي حديث ذكر بن الصَّلَاحِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ فَضْلُ صَلَاةِ النَّفْلِ فِيهِ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ كَفَضْلِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ لَكِنْ قال صاحب قوت الأحياء إن بن الْأَثِيرِ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حَبِيبِ بْنِ ضَمْرَةَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَسْنَدَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ صُهَيْبِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْهُ ﷺ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ نَفْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ وَالتَّرَاوِيحُ الْجَمَاعَةُ (وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) أَيْ مِثْلَ الْقُبُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ بِأَنْ لَا تُصَلُّوا فِيهَا كَالْمَيِّتِ الَّذِي انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْأَعْمَالُ أَوِ الْمُرَادُ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ أَوْطَانًا لِلنَّوْمِ لَا تُصَلُّونَ فِيهَا فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ
ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[١٠٤٤] (قَالَ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ فِعْلِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبُيُوتِ وَأَنَّ فِعْلَهَا فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَلَوْ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ فَاضِلَةً كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِهِ ﷺ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي هَذَا
стр. 970
الْحَدِيثِ فَإِنَّ فِيهِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
فَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى نَافِلَةً فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ بِأَلْفِ صَلَاةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِدُخُولِ النَّوَافِلِ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ وَإِذَا صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَهَذَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ
وَقَدِ اسْتَثْنَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ عُمُومِ أَحَادِيثِ الْبَابِ عِدَّةً مِنَ النَّوَافِلِ فَقَالُوا فِعْلُهَا فِي غَيْرِ الْبَيْتِ أَفْضَلُ وَهِيَ مَا تُشْرَعُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَرَكْعَتَيِ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ
قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ (إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَصَلَاتُهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ وَإِنْ أُذِنَ لَهُنَّ فِي حُضُورِ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ
وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ وَالْمُرَادُ بِالْمَكْتُوبَةِ الْوَاجِبَاتُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ دُونَ الْمَنْذُورَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ لِكَوْنِهِ أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنَ الرياء وأصون من محيطات الْأَعْمَالِ وَلِيَتَبَرَّكَ الْبَيْتُ بِذَلِكَ وَتَنْزِلَ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَلَائِكَةُ وَيَنْفِرَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِمِثْلِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
٥ - (بَاب مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ عَلِمَ)
[١٠٤٥] (كَانُوا يُصَلُّونَ) قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ
وَكَانَ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ فِي رَجَبٍ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ (مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ غَيْرِ هَذَا (وَهُمْ رُكُوعٌ) جَمْعُ رَاكِعٍ
стр. 971
(فَمَالُوا كَمَا هُمْ) أَيِ انْصَرَفُوا كَمَا كَانُوا رَاكِعِينَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ كَانَ جَائِزًا وَلَوْلَا جَوَازُهُ لَمْ يَجُزِ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ أَصْلٌ صَحِيحٌ فِي التَّعَبُّدِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهُ فَإِنَّ الْمَاضِيَ مِنْهُ صَحِيحٌ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ الْمُصَلِّي نَجَاسَةً بِثَوْبِهِ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهَا حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً فَإِنَّهُ إِذَا رَأَى النَّجَاسَةَ أَلْقَاهَا عَلَى نَفْسِهِ وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فَبَاعَ الْوَكِيلُ وَاشْتَرَى ثُمَّ عَزَلَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ فَإِنَّ عُقُودَهُ الَّتِي عَقَدَهَا قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِيَّاهُ صَحِيحَةٌ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ وَوُقُوعِهِ
وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ
وَقَوْلُهُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ
إِحْدَاهُمَا فَتْحُ الْمِيمِ وَإِسْكَانُ الْقَافِ وَالثَّانِيَةُ ضَمُّ الْمِيمِ وَفَتْحُ الْقَافِ
وَأَصْلُ الْمَقْدِسِ التَّقْدِيسُ مِنَ التَّطْهِيرِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 972
باب تَفْرِيعِ أَبْوَابِ الْجُمُعَةِ
(بَاب فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ)
[١٠٤٦] (فِيهِ) أَيْ يَوْمِ جُمُعَةٍ (خُلِقَ آدَمُ) الَّذِي هُوَ مَبْنَى الْعَالَمِ (وَفِيهِ أُهْبِطَ) أَيْ أُنْزِلَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لِعَدَمِ تَعْظِيمِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الزَّلَّةِ لِيَتَدَارَكَهُ بَعْدَ النُّزُولِ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ فَيَرْتَقِيَ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ وَلِيَعْلَمَ قَدْرَ النِّعْمَةِ لِأَنَّ الْمِنْحَةَ تَتَبَيَّنُ عِنْدَ الْمِحْنَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أُهْبِطَ هُنَا بِمَعْنَى أُخْرِجَ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا قِيلَ كَانَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ وَالْإِهْبَاطُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ فَيُفِيدُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِمَّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَإِمَّا فِي يَوْمَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(تِيبَ عَلَيْهِ) وَهُوَ مَاضٍ مَجْهُولٌ مِنْ تَابَ أَيْ وُفِّقَ لِلتَّوْبَةِ وَقُبِلَتِ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَهِيَ أَعْظَمُ الْمِنَّةِ عَلَيْهِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ ربه فتاب عليه وهدى (وَفِيهِ) أَيْ فِي نَحْوِهِ مِنْ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ (مَاتَ) وَالْمَوْتُ تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا وَرَدَ عَنِ بن عُمَرَ مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا
قَالَ الْقَاضِي لَا شَكَّ أَنَّ خَلْقَ آدَمَ فِيهِ يُوجِبُ لَهُ شَرَفًا وَكَذَا وَفَاتُهُ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِوُصُولِهِ إِلَى الْجَنَابِ الْأَقْدَسِ وَالْخَلَاصِ عَنِ النَّكَبَاتِ (وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ) وَفِيهَا نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ وُصُولُهُمْ إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَحُصُولُ أَعْدَائِهِمْ فِي عَذَابِ الْجَحِيمِ
(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ) زِيَادَةُ مِنْ لِإِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي النَّفْي (إِلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ) بِالسِّينِ بِإِبْدَالِ الصَّادِ سِينًا وَيُرْوَى مُصِيخَةٌ بِالصَّادِ وهما لغتان أي منتظرة أَيْ مُنْتَظِرَةٌ لِقِيَامِ السَّاعَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ مسيخة معناه مصيغة مُسْتَمِعَةٌ يُقَالُ أَصَاخَ وَأَسَاخَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
انْتَهَى (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَوَجْهُ إِصَاخَةِ كُلِّ دَابَّةٍ وَهِيَ مالا يَعْقِلُ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُهَا مُلْهَمَةً بِذَلِكَ مُسْتَشْعِرَةً عَنْهُ فَلَا عَجَبَ
стр. 973
فِي ذَلِكَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى (مِنْ حِينَ تُصْبِحُ) قَالَ الطِّيبِيُّ بُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ وَيَجُوزُ إِعْرَابُهُ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْفَتْحِ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) لِأَنَّ الْقِيَامَةَ تَظْهَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَيْنَ الصُّبْحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ (شَفَقًا) أَيْ خَوْفًا (مِنَ السَّاعَةِ) أَيْ مِنْ قِيَامِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ سَاعَةً لِوُقُوعِهَا فِي سَاعَةٍ (إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ) فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَوْ أَنَّهُمْ لَا يُلْهَمُونَ بِأَنَّ هَذَا يَوْمٌ يُحْتَمَلُ وُقُوعُ الْقِيَامَةِ فِيهِ (لَا يُصَادِفُهَا) أَيْ لَا يُوَافِقُهَا وَهُوَ يُصَلِّي حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِالِانْتِظَارِ (يَسْأَلُ اللَّهَ) حَالٌ أَوْ بَدَلٌ (حاجة) من أمر الدنيا والآخرة (إلا أعطاء إياه) بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي آدَابِ الدُّعَاءِ (ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْإِشَارَةُ إِلَى الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ الشَّرِيفَةِ وَيَوْمٌ خَبَرُهُ (فَقُلْتُ بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَوْ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمٌ (فَقَرَأَ كَعْبٌ التوارة) بِالْحِفْظِ أَوْ بِالنَّظَرِ (فَقَالَ) أَيْ كَعْبٌ (صَدَقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى كَمَالِ عِلْمِهِ ﷺ مَعَ أَنَّهُ أُمِّيٌّ حَيْثُ أَخْبَرَ بِمَا خَفِيَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْكِتَابِ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) هُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ فَدَخَلَ فِي الإسلام (بمجلسي) أَيْ بِجُلُوسِي مَعَ كَعْبٍ وَمُذَاكَرَتِي مَعَهُ (أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ) بِنَصَبِ أَيَّةَ أَيْ عَرَفْتُ تِلْكَ الساعة وبرفعها أيضا ورجحه بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ حَيْثُ قَالَ هِيَ هُنَا كَهِيَ فِي لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ (فَقُلْتُ لَهُ) أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ (فَأَخْبِرْنِي بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ السَّاعَةِ (هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) قَالَ الْأَشْرَفُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِ حَدِيثُ الْتَمِسُوا السَّاعَةَ كَمَا سَيَأْتِي (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وَالْحَالُ أَنَّهُ قَالَ ﷺ فِي شَأْنِهَا (لَا يُصَادِفُهَا) أَيْ لَا يُوَافِقُهَا (مَنْ جلس مجلسا
стр. 974
أَيْ جُلُوسًا أَوْ مَكَانَ جُلُوسٍ (يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ) أَيْ فِيهِ (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أَيْ حُكْمًا (حَتَّى يُصَلِّيَ) أَيْ حَقِيقَةً (فَقُلْتُ بَلَى) أَيْ بَلَى قَالَ ﷺ ذَلِكَ (قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ (هُوَ) أَيِ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ (ذَاكَ) أَيِ الِانْتِظَارُ وَقِيلَ أَيِ السَّاعَةُ الْخَفِيفَةُ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ طَرَفًا مِنْهُ فِي ذِكْرِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ فِي فَضْلِ الْجُمُعَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ أَيْضًا
تَمَّ كَلَامُهُ
[١٠٤٧] (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) قال علي القارىء وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَوْ مُسَاوٍ (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) أَيْ طِينَتُهُ (فِيهِ النَّفْخَةُ) أَيِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تُوصِلُ الْأَبْرَارَ إِلَى النِّعَمِ الْبَاقِيَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ أَيِ النَّفْخَةُ الْأُولَى فَإِنَّهَا مَبْدَأُ قِيَامِ السَّاعَةِ وَمُقَدَّمُ النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَفِيهِ الصَّعْقَةُ) أَيِ الصَّيْحَةُ وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّوْتُ الْهَائِلُ الَّذِي يَمُوتُ الْإِنْسَانُ مِنْ هَوْلِهِ وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى فَالتَّكْرَارُ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِ الْوَصْفَيْنِ وَالْأَوْلَى مَا اخْتَرْنَاهُ مِنَ التَّغَايُرِ الْحَقِيقِيِّ (فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ) أَيْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ وَهِيَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ إِلَى سَبْعِينَ عَلَى سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَلِكَوْنِ إشْغَالَ الْوَقْتِ الْأَفْضَلِ بِالْعَمَلِ الْأَفْضَلِ هُوَ الْأَكْمَلُ وَالْأَجْمَلُ وَلِكَوْنِهِ سَيِّدَ الْأَيَّامِ فَيُصْرَفُ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ ﵊ (فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) يَعْنِي عَلَى وَجْهِ الْقَبُولِ فِيهِ وَإِلَّا فَهِيَ دَائِمًا تُعْرَضُ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا عِنْدَ رَوْضَتِهِ فَيَسْمَعُهَا بحضرته وقد جاء أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا وَفَضِيلَةِ الْإِكْثَارِ مِنْهَا عَلَى سَيِّدِ الْأَبْرَارِ (وَقَدْ أَرَمْتَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَيُرْوَى بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ بَلِيتَ وَقِيلَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الْأَرْمِ وَهُوَ الْأَكْلُ أَيْ صِرْتَ مَأْكُولًا لِلْأَرْضِ وَقِيلَ أَرَمَّتْ بِالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَالتَّاءِ السَّاكِنَةِ أَيْ أَرَمَّتِ الْعِظَامُ وَصَارَتْ رَمِيمًا
كَذَا قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَيُرْوَى رَمَمْتَ بِالْمِيمَيْنِ أَيْ صِرْتَ رَمِيمًا
قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَمْتَ بِحَذْفِ إِحْدَى الْمِيمَيْنِ كَظَلْتَ ثُمَّ كُسِرَتِ الرَّاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ يَعْنِي أَوْ فُتِحَتْ
стр. 975
بِالْأَخَفِّيَّةِ أَوْ بِالنَّقْلِيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَصْلُهُ أَرْمَمْتَ فَحَذَفُوا إِحْدَى الْمِيمَيْنِ وَهِيَ لُغَةُ بَعْضِ الْعَرَبِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ أَرَمَّتْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ أَيْ أَرَمَّتِ الْعِظَامُ (قَالَ) أَيْ أَوْسٌ الرَّاوِي (يَقُولُونَ) أَيِ الصَّحَابَةُ أَيْ يُرِيدُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ (بَلِيتَ فَقَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ) أَيْ مَنَعَهَا وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَطِيفَةٌ (أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهَا فإن الأنبياء في قبورهم أحياء
قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَمَا أَفَادَهُ مِنْ ثُبُوتِ حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ حَيَاةً بِهَا يَتَعَبَّدُونَ وَيُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِمْ مَعَ اسْتِغْنَائِهِمْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَالْمَلَائِكَةِ أَمْرٌ لا مرية فيه وقد صنف البيهقي جزأ في ذلك
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَلَهُ عِلَّةٌ دَقِيقَةٌ أَشَارَ إِلَيْهَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ
وَفِي النَّيْلِ بَعْدَ سَرْدِ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا نَصُّهُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ الْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ ﷺ وَأَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ
وقد أخرج بن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا بَلَغَنِي صَلَاتُهُ قُلْنَا وَبَعْدَ وَفَاتِكَ قَالَ وَبَعْدَ وَفَاتِي إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَنَّهُ يُسَرُّ بِطَاعَاتِ أُمَّتِهِ وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَبْلُونَ مَعَ أَنَّ مطلق الإدراك كالعلم والسماع ثابت سائر الموتى
وقد صح عن بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَفِي رِوَايَةٍ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَيُسَلِّمُ ﵇ وَعَرَفَهُ وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ رَدَّ ﵇ وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْبَقِيعِ لِزِيَارَةِ الْمَوْتَى وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ
وَوَرَدَ النَّصُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي حَقِّ الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ وَأَنَّ الْحَيَاةَ فِيهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجَسَدِ فَكَيْفَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَرَرْتُ بِمُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرٍ انتهى
стр. 976
٣ - (بَاب الْإِجَابَةِ أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
[١٠٤٨] (ثِنْتَا عَشْرَةَ يُرِيدُ سَاعَةً) وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة والمراد ها هنا السَّاعَةُ النُّجُومِيَّةُ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا فِي عَدَدِ السَّاعَاتِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ (يَسْأَلُ اللَّهَ) أَيْ فِي سَاعَةٍ مِنْهَا وَهَذِهِ السَّاعَاتُ عُرْفِيَّةٌ وَضَمِيرُ الْتَمِسُوهَا رَاجِعٌ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ (آخِرَ سَاعَةٍ) ظَرْفٌ لِالْتَمِسُوا وَالْمُرَادُ بِهَا السَّاعَةُ النُّجُومِيَّةُ فَلَا إِشْكَالَ فِي الظرفية بأن يقال كيف يلتمس السَّاعَةُ
كَذَا فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ لِلسِّنْدِيِّ
قَالَ الْقَاضِي اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِ هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي مَعْنَى قَائِمٍ يُصَلِّي فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ قَالُوا وَمَعْنَى يُصَلِّي يَدْعُو وَمَعْنَى قَائِمٌ مُلَازِمٌ وَمُوَاظِبٌ كَقَوْلِهِ تعالى (ما دمت عليه قائما) وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ مِنْ حِينِ خُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى فَرَاغِ الصَّلَاةِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ حِينِ تُقَامُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَفْرُغَ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهُمْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَقِيلَ مِنْ حِينِ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَقِيلَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ هَذَا آثَارٌ مُفَسِّرَةٌ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ قَالَ وَقِيلَ عِنْدَ الزَّوَالِ وَقِيلَ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ نَحْوَ ذِرَاعٍ وَقِيلَ هِيَ مَخْفِيَّةٌ فِي الْيَوْمِ كُلِّهِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقِيلَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ
قَالَ الْقَاضِي وَلَيْسَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَقْتٌ لَهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا
هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[١٠٤٩] (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو
стр. 977
بُرْدَةَ مِنَ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ (يَقُولُ هِيَ) أَيْ سَاعَةُ الْجُمُعَةِ (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) أَيْ عَلَى (الْمِنْبَرِ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ
وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنِ الْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ قَوْلًا وَهَذَا الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَحَدُهَا وَرَجَّحَهُ مُسْلِمٌ عَلَى مَا رَوَى عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ هُوَ أَجْوَدُ شَيْءٍ فِي هَذَا الباب وأصحه وقال به البيهقي وبن الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ هُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى غَيْرِهِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ
قَالَ الْحَافِظُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَ بَلْ تَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْوَقْتِ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِيهِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ مَظِنَّتِهَا ابْتِدَاءَ الْخُطْبَةِ مَثَلًا وَانْتِهَاؤُهَا انْتِهَاءُ الصَّلَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
(بَاب فَضْلِ الْجُمُعَةِ)
[١٠٥٠] (وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) هُوَ بِنَصَبِ زِيَادَةٍ عَلَى الظَّرْفِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ
قَالَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّ الْحَسَنَةَ الَّتِي تُجْعَلُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَصَارَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْجَمِيلَةَ فِي مَعْنَى الْحَسَنَةِ الَّتِي تُجْعَلُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتِهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ حَتَّى يَكُونَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَيَضُمُّ إِلَيْهَا ثَلَاثَةً فَتَصِيرُ عَشَرَةً (وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا) أَيْ سَوَّاهُ لِلسُّجُودِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الصَّلَاةِ وَقِيلَ بِطَرِيقِ اللَّعِبِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ فَقَدْ لَغَا أي
стр. 978
بِصَوْتِ لَغْوٍ مَانِعٍ عَنِ الِاسْتِمَاعِ فَيَكُونُ شَبِيهًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لهذا القران والغوا فيه وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فَقَدْ لَغَا أَيْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يُشْرَعُ لَهُ أَوْ عَبَثَ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ صَوْتٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
[١٠٥١] (فَيَرْمُونَ النَّاسَ بِالتَّرَابِيثِ أَوِ الرَّبَائِثِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا هُوَ الرَّبَائِثُ جَمْعُ رَبِيثَةٍ وَهِيَ مَا يَعُوقُ الْإِنْسَانَ عَنِ الْوَجْهِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَأَمَّا التَّرَابِيثُ فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَايَاتِهَا فَيَأْخُذُونَ النَّاسَ بِالرَّبَائِثِ فَيُذَكِّرُونَهُمُ الْحَاجَاتِ أَيْ لِيَرْبُثُوهُمْ بِهَا عَنِ الْجُمُعَةِ يُقَالُ رَبَثْتُهُ عَنِ الْأَمْرِ إِذَا حَبَسْتُهُ وَثَبَّطْتُهُ وَالرَّبَائِثُ جَمْعُ رَبِيثَةٍ وَهِيَ الْأَمْرُ الَّذِي يَحْبِسُ الْإِنْسَانَ عَنْ مَهَامِّهِ
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَرْمُونَ النَّاسَ بِالتَّرَابِيثِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ
قُلْتُ يَجُوزُ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ تَرْبِيثَةٍ وَهِيَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ التَّرْبِيثِ تَقُولُ رَبَثْتُهُ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ
قَالَ الْقَاضِي قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ تَرْبِيثًا وَتَرْبِيثَةً وَاحِدَةً مِثْلُ قَدَّمْتُهُ تَقْدِيمًا وَتَقْدِيمَةً وَاحِدَةً
انْتَهَى (وَيُثَبِّطُونَهُمْ) أَيْ يُؤَخِّرُونَهُمْ (وَالنَّظَرِ) أَيْ إِلَى الْإِمَامِ (فَأَنْصَتَ) أَيْ سَكَتَ (وَلَمْ يَلْغُ) مِنَ اللَّغْوِ (كَانَ لَهُ كِفْلَانِ) أَيْ سَهْمَانِ وَنَصِيبَانِ (فَإِنْ نَأَى) أَيْ تَبَاعَدَ (كَانَ لَهُ كِفْلٌ) بِالْكَسْرِ أَيْ حَظٌّ وَنَصِيبٌ (لِصَاحِبِهِ صَهْ) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْكُتْ (شَيْءٌ) مِنَ الْأَجْرِ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي تَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ
وَمَعْنَى فَقَدْ لَغَا أَيْ قَالَ اللَّغْوَ وَهُوَ الْكَلَامُ الْمَلْغِيُّ السَّاقِطُ الباطل المردود
стр. 979
وَقِيلَ مَعْنَاهُ قَالَ غَيْرُ الصَّوَابِ وَقِيلَ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي فَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى مَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ أَنْصِتْ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَسَمَّاهُ لَغْوًا فَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَوْلَى وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ إِذَا أَرَادَ بِهِ نَهْيَ غَيْرِهِ عَنِ الْكَلَامِ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ إِنْ فَهِمَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَهْمُهُ فَلْيَنْهَهُ بِكَلَامٍ مُخْتَصَرٍ وَلَا يَزِيدُ عَلَى أَقَلِّ مُمْكِنٍ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَلَامِ هَلْ هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه يجب الْإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْإِمَامَ هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِنْصَاتُ كَمَا لَوْ سَمِعَهُ فَقَالَ الجمهور يلزمه وقال النخعي وأحمد وأحد قولي الشَّافِعِيِّ لَا يَلْزَمُهُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ رجل مجهول وعطاء بن أبي مسلم الخرساني وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَتَكَلَّمَ بن حبان وكذبه سعيد بن المسيب
(عن بن جَابِرٍ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ (قَالَ) أَيِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِالرَّبَائِثِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَأَمَّا حَدِيثُ عِيسَى فَقَدْ روى عن بن جَابِرٍ بِالشَّكِّ بَيْنَ التَّرَابِيثِ وَالرَّبَائِثِ وَقَالَ أَيِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ (مَوْلَى امْرَأَتِهِ) أَيْ عَطَاءٌ الخرساني (أُمِّ عُثْمَانَ) بَدَلٌ مِنَ امْرَأَتِهِ (بْنِ عَطَاءٍ) الخرساني والحاصل أن عطاء الخرساني يَرْوِي عَنْ مَوْلَى امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَعْرِفِ اسْمَ مَوْلَاهَا وَأَمَّا امْرَأَةُ عَطَاءٍ فَهِيَ أُمُّ عُثْمَانَ وعثمان هذا هو بن عطاء الخرساني
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَاب التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ)
[١٠٥٢] (عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ) قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَنْسُوبٌ إلى ضمرة بن بكر بن عبدمناف
وَفِي الْخُلَاصَةِ صَحَابِيٌّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ (مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ جُمُعَةٍ (تَهَاوُنًا بِهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ إهانة وقال بن الْمَلِكِ أَيْ تَسَاهُلًا عَنِ التَّقْصِيرِ لَا عَنْ عُذْرٍ (طَبَعَ اللَّهُ) أَيْ خَتَمَ (عَلَى قَلْبِهِ) بمنع
стр. 980
إِيصَالَ الْخَيْرِ إِلَيْهِ وَقِيلَ كَتَبَهُ مُنَافِقًا قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَحَدِيثُ أَبِي الْجَعْدِ حَدِيثٌ حَسَنٌ
قَالَ وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنِ اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرفه اسْمَهُ وَقَالَ لَا أَعْرِفُ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا هذا الحديث
قَالَ أَبُو عِيسَى وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَذَكَرَ الْكَرَابِيسِيُّ أَنَّ اسْمَ أَبِي الْجَعْدِ هَذَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ وَقَالَ غَيْرُهُ اسْمُهُ أَدْرَعُ وَقِيلَ جُنَادَةُ
(بَاب كَفَّارَةِ مَنْ تَرَكَهَا)
[١٠٥٣] (الْعُجَيْفِيُّ) مُصَغَّرًا نِسْبَةٌ إِلَى عُجَيْفِ بْنِ رَبِيعَةَ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا (فَلْيَتَصَدَّقْ) الْأَمْرُ لِلتَّصَدُّقِ لِدَفْعِ إِثْمِ التَّرْكِ (بِدِينَارٍ) فِي الْأَزْهَارِ أَيْ كَفَّارَةً (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أَيِ الدِّينَارَ كَمَالَهُ (فَبِنِصْفِ دِينَارٍ) أَيْ فليتصدق بنصفه قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَهَذَا التَّصَدُّقُ لَا يَرْفَعُ إِثْمَ التَّرْكِ أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يُنَافِيَ خَبَرَ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَفَّارَةٌ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا يُرْجَى بِهَذَا التَّصَدُّقِ تَخْفِيفُ الْإِثْمِ
وَذِكْرُ الدِّينَارِ وَنِصْفِهِ لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ فَلَا يُنَافِي ذِكْرَ الدِّرْهَمِ أَوْ نِصْفِهِ وَصَاعِ حِنْطَةٍ أَوْ نِصْفِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ لِأَنَّ هَذَا الْبَيَانَ أَدْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ النَّدْبُ
قَالَ الْعَلَّامَةُ السِّنْدِيُّ وَالْحُكْمُ لِلتَّصَدُّقِ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَالنِّصْفِ وَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ مَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا مَاحِيَةٌ لِلذَّنْبِ انْتَهَى
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ مَنْ قُدَامَةُ بْنُ وَبَرَةَ وَمَا حَالُهُ قَالَ ثِقَةٌ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قُدَامَةُ بْنُ وَبَرَةَ لَا يُعْرَفُ
وَحُكِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَصِحُّ سَمَاعُ قُدَامَةَ مِنْ سَمُرَةَ
(هَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ) حَدِيثُ خَالِدٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَنْبَأَنَا نُوحٌ
стр. 981
عَنْ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ دِينَارٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ دِينَارٍ انْتَهَى وَأَيْضًا وأخرجه بن مَاجَهْ نَحْوَهُ
[١٠٥٤] (عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ (وَقَالَ عَنْ سَمُرَةَ) أَيْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا لَكِنْ رَجَّحَ الْمُؤَلِّفُ رِوَايَةَ هَمَّامٍ عَلَى رِوَايَةِ أَيُّوبَ وَسَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ذِكْرُ دِينَارٍ بِخِلَافِ رِوَايَةِ أَيُّوبَ فَفِيهَا ذِكْرُ دِرْهَمٍ وَالْمَحْفُوظُ ذِكْرُ الدِّينَارِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَاب مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ)
[١٠٥٥] فَثَبَتَ بِحَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَالْبَلَدِ كَمَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ
وَأَشَارَ بِهَذَا الْبَابِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا الْجُمُعَةَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ
(يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ) يَفْتَعِلُونَ مِنَ النَّوْبَةِ أَيْ يَحْضُرُونَهَا
стр. 982
نُوَبًا وَالِانْتِيَابُ افْتِعَالٌ مِنَ النَّوْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ يَتَنَاوَبُونَ (مِنْ مَنَازِلِهِمْ) الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَمِنَ الْعَوَالِي) جَمْعُ عَالِيَةٍ مَوَاضِعُ وَقُرًى شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ وَأَدْنَاهَا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَأَبْعَدُهَا ثَمَانِيَةٌ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَالْعَوَالِي هِيَ أَمَاكِنُ بِأَعْلَى أَرَاضِي الْمَدِينَةِ وَأَدْنَاهَا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَأَبْعَدُهَا مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ ثَمَانِيَةٌ
انْتَهَى
وَفِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ لِأَبِي دَاوُدَ قَالَ مَالِكٌ الْعَوَالِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بن السرح عن بن وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ عَنِ بن شِهَابٍ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ أَهْلَ الْعَوَالِي فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ انْتَهَى
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَدٌّ لِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ إِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْ عَنْهُمْ بِفِعْلٍ دَائِمٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْجُمُعَةَ فَدَلَّ عَلَى لُزُومِهَا عَلَيْهِمْ
انْتَهَى
فَإِنْ قُلْتَ لَوْ كَانَ حُضُورُ أَهْلِ الْعَوَالِي وَاجِبًا إِلَى الْمَدِينَةِ مَا تَنَاوَبُوا وَلَكَانُوا يَحْضُرُونَ جَمِيعًا
قُلْتُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهَا يَنْتَابُونَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَوَالِي كَانُوا يَأْتُونَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضَهُمْ يُجَمِّعُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ بَلِ الْمُرَادُ مَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي مَنَازِلِهِمْ حَضَرُوا الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَتَفَرَّقُ إِلَى حَوَائِجِهِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ عَمَلٍ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ لَا يَسْتَطِيعُ الْحُضُورَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَيْفَ يَحْضُرُونَ جَمِيعًا
نَعَمْ لَمَّا وَصَلُوا هَؤُلَاءِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَزَالَتْ عَنْهُمُ الْأَعْذَارُ كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ حَضَرَ الْمَدِينَةَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى لَعَلَّهُ غَابَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْجُمُعَةِ الْآخِرَةِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَدِينَةِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ يَحْضُرُونَ الْمَدِينَةَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى مَثَلًا ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْحَاضِرِينَ مَنْ يَغِيبُ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَصَدَقَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي قَوْلِهَا إِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَابُونَ فَانْتِيَابُهُمْ لِأَجْلِ هَذَا لَا لِعَدَمِ الْمُبَالَاةِ فِي حُضُورِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ أَهْلَ الْعَوَالِي فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ حُضُورِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَمَا دُونَهَا وَلَا يَحْسُنُ لَهُ التَّجْمِيعُ فِي غَيْرِهِ فَمَنْ جَمَّعَ فِي غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَأَثِمَ لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ فِيهِ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا جَاءَ فِيهِ وَعِيدٌ وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى أَكْثَرِ مَسَافَةٍ مِنْهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَمِّعَ حَيْثُ شَاءَ مَعَ الْجَمَاعَةِ
стр. 983
ويؤيده ما أخرجه بن ماجة عن بن عُمَرَ قَالَ إِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا يُجَمِّعُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْهَدَ الْجُمُعَةَ مِنْ قُبَاءَ انْتَهَى
وَفِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ
وَقُبَاءُ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الْجَنُوبِ نَحْوَ مِيلَيْنِ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ كَانَ أَنَسٌ يَكُونُ فِي أَرْضِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ بِالْبَصْرَةِ
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ المرادي عن بن وهب عن بن لَهِيعَةَ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَةُ مَسَاجِدَ مَعَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْمَعُ أَهْلُهَا تَأْذِينَ بِلَالٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُصَلُّونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ
وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا بن لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ حَدَّثَنِي أشياخنا أنهم كانوا يصلون في تسع مَسَاجِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَسْمَعُونَ أَذَانَ بِلَالٍ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ حَضَرُوا كُلُّهُمْ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَقَالَ أَبُو بكر بن المنذر روينا عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَهْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَانُوا يُجَمِّعُونَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَذِنَ لِأَحَدٍ فِي إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَدِينَةِ وَلَا فِي الْقُرَى الَّتِي بِقُرْبِهَا
انْتَهَى
قَالَ الْأَثْرَمُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَجْمَعُ جُمُعَتَيْنِ فِي مِصْرَ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَعَلَهُ
وقال بن الْمُنْذِرِ لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ أَبْيَنُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ خِلَافُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَأَنَّهَا لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ أُحْدِثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ مَعَ قِيَامِ الْجُمُعَةِ الْقَدِيمَةِ فِي أَيَّامِ الْمُعْتَصِمِ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ مَسْجِدٍ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَسَبَبُ ذَلِكَ خَشْيَةُ الْخُلَفَاءِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الْعَامِّ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ثُمَّ بُنِيَ فِي أيام المكتفى مسجد فجمعوا فيه
وذكر بن عَسَاكِرَ فِي مُقَدِّمَةِ تَارِيخِ دِمَشْقِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى وَإِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَتَّخِذَ مَسْجِدًا جَامِعًا لِلْقَبَائِلِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ انْضَمُّوا إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَشَهِدُوا الْجُمُعَةَ
وقال بن الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِتَعْدَادِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ عَطَاءٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
стр. 984
قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبَلَدِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ
وَقَالَ أَحْمَدُ تَصِحُّ بِمَوْضِعَيْنِ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ وَضَاقَ الْجَامِعُ
وَفِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ وَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْبَلَدَ إِذَا كَبُرَ وَعَسِرَ اجْتِمَاعُ أَهْلِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ جَازَ إِقَامَةُ جُمُعَةٍ أُخْرَى بَلْ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ
وَقَالَ دَاوُدُ الْجُمُعَةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ أَنْ يُصَلُّوهَا فِي مَسَاجِدِهِمْ
انْتَهَى
وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ الْجُمُعَةَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ الْخُلَفَاءِ لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنِ السَّلَفِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَدَاوُدَ إِمَامِ الظَّاهِرِيَّةِ وَقَوْلُهُمَا هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمَا
هَذَا مُلَخَّصٌ مِنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَالْمَطَالِبِ الرَّفِيعَةِ فِي الْمَسَائِلِ النَّفِيسَةِ كِلَاهُمَا لِأَخِينَا الْأَعْظَمِ أَبِي الطَّيِّبِ أَدَامَ اللَّهُ مَجْدَهُ
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[١٠٥٦] (الْجُمُعَةُ) وَاجِبَةٌ (عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) أَوْ كَانَ فِي قُوَّةِ السَّامِعِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَوْ فِي خَارِجِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ الْآيَةَ
فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّعْيِ بِمُجَرَّدِ النِّدَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالسَّمَاعِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ كَانَ فِي قُوَّةِ السَّامِعِ سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَ الْبَلَدِ أَوْ خَارِجَهُ انْتَهَى
وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ حَدِيث الْجُمْعَة عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاء قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الصَّحِيح أَنَّهُ مَوْقُوف وَفِيهِ أبو سلمة بن نبيه قال بن الْقَطَّانِ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا وَهُوَ مَجْهُولٌ وفيه أيضا الطائفي مجهول عند بن أَبِي حَاتِمٍ وَوَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ أَيْضًا عَبْدُ الله بن هارون قال بن الْقَطَّانِ مَجْهُول الْحَال وَفِيهِ أَيْضًا قَبِيصَةُ قَالَ النَّسَائِيُّ كَثِير الْخَطَأ وَأَطْلَقَ وَقِيلَ كَثِير الْخَطَأ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَقِيلَ هُوَ ثِقَةٌ إِلَّا فِي الثوري
стр. 985
الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ
انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ كَمَا سَيَأْتِي لَكِنْ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الْآيَةُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ إِنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ لَهُ شَاهِدٌ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ
قَالَ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلٌ أعمى فقال يارسول اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَجِبْ وَرَوَى نحوه أبو داود بإسناد حسن عن بن أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مُطْلَقِ الْجَمَاعَةِ فَالْقَوْلُ بِهِ فِي خُصُوصِيَّةِ الْجُمُعَةِ أَوْلَى
وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ النِّدَاءُ الْوَاقِعُ وَقْتَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ (مَقْصُورًا) أَيْ مَوْقُوفًا (وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ) وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّائِفِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ
وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ ثِقَةٌ
قَالَ وَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ الطَّائِفِ
انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شَيْخِهِ أَبٍي سَلَمَةَ وَتَفَرَّدَ بِهِ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَالْوَلِيدُ وَزُهَيْرُ كِلَاهُمَا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَكِنْ زُهَيْرُ رَوَى عَنْ أَهْلِ الشَّامِ مَنَاكِيرَ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ وَالْوَلِيدُ مُدَلِّسٌ وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعَنْعَنَةِ فَلَا يَصِحُّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ضَعِيفٌ جدا والحجاج هو بن أَرْطَاةَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ
والله أعلم
следующие страницы →