Полный текст (122 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْآخِرَة إِلَّا بعفوه وَلَا طابت الْجنَّة إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ وَلَو أَن الله احتجب عَن أهل الْجنَّة لاستغاث أهل الْجنَّة من الْجنَّة كَمَا يستغيث أهل النَّار من النَّار
كَانَ بعض الصَّالِحين يَقُول لَيْت رَبِّي جعل ثوابي من عَمَلي نظرة إِلَيْهِ ثمَّ يَقُول كن تُرَابا
كَانَ عَليّ بن الْمُوفق يَقُول اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي أعبدك خوفًا من نارك فعذبني بهَا وَإِن كنت تعلم أَنِّي أعبدك حبا لجنتك فاحرمنيها وَإِن كنت تعلم أَنما عبدتك حبا مني لَك وشوقا إِلَى وَجهك الْكَرِيم فأبحنيه واصنع بِي مَا شِئْت
стр. 72
سمع بَعضهم قَائِلا يَقُول
كَبرت همة عبد طمعت فِي أَن تراكا ... أَو مَا حسبت أَن ترى من رأكا
ثمَّ شهق شهقة فَمَاتَ
لما غلب الشوق على قُلُوب المحبين استروحوا إِلَى مثل هَذِه الْكَلِمَات وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر
تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصَّبْر ... فَإِن عنفني النَّاس فَفِي وَجهك لي عذر
أبصار المحبين قد غضت من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلم تفتح إِلَّا عِنْد مُشَاهدَة محبوبهم يَوْم الْمَزِيد
أروح وَقد ختمت على فُؤَادِي ... بحبك أَن يحل بِهِ سواكا
стр. 73
فَلَو أَنِّي اسْتَطَعْت غضضت طرفِي ... فَلم أنظر بِهِ حَتَّى أراكا
أحبك لَا ببعضي بل بكلي ... وَإِن لم يبْق حبك لي حراكا
وَفِي الأحباب مَخْصُوص بوجد ... وَآخر يَدعِي معي اشتراكا
إِذا استكبت دموعي فِي خدودي ... تبين من بَكَى مِمَّن تباكا
فَأَما من بَكَى فيذوب وجدا ... وينطق بالهوى من قد تشاكا
كَانَ سمنون الْمُحب ينشد
وَكَانَ فُؤَادِي خَالِيا قبل حبكم ... وَكَانَ بِذكر الْخلق يلهو ويمرح
فَلَمَّا دَعَا قلبِي هَوَاك أَجَابَهُ ... فلست أرَاهُ عَن فنائك يبرح
стр. 74
رميت ببعد عَنْك إِن كنت كَاذِبًا ... وَإِن كنت فِي الدُّنْيَا بغيرك أفرح
وَإِن كَانَ شَيْء بالبلاد بأسرها ... إِذا غبت عَن عَيْني لعَيْنِي يملح
فَإِن شِئْت واصلني وَإِن شِئْت لَا تصل ... فلست أرى قلبِي لغيرك يصلح
وَأما الشوق إِلَى لِقَاء الله فَهُوَ أجل مقامات العارفين فِي الدُّنْيَا وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ اجْعَل حبك أحب الْأَشْيَاء إِلَى وخشيتك أخوف الْأَشْيَاء عِنْدِي واقطع عني حاجات الدُّنْيَا بالشوق إِلَى لقائك وَإِذا أَقرَرت أعين أهل الدُّنْيَا من دنياهم فأقرر عَيْني من عبادتك
стр. 75
وَإِنَّمَا قَالَ من غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة لِأَن الشوق إِلَى لِقَاء الله يسْتَلْزم محبَّة الْمَوْت وَالْمَوْت يَقع تمنيه كثيرا من أهل الدُّنْيَا بِوُقُوع الضراء الْمضرَّة فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ مَنْهِيّا عَنهُ فِي الشَّرْع
وَيَقَع من أهل الدّين تمنيه لخشية الْوُقُوع فِي الْفِتَن المضلة
فَسَأَلَ تمني الْمَوْت خَالِيا من هذَيْن الْحَالين وَأَن يكون ناشئا عَن مَحْض محبَّة الله والشوق إِلَى لِقَائِه وَقد حصل هَذَا الْمقَام لكثير من السّلف قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء أحب الْمَوْت
стр. 76
اشتياقا إِلَى رَبِّي وَقَالَ أَبُو عتبَة الْخَولَانِيّ كَانَ إخْوَانكُمْ لِقَاء الله أحب إِلَيْهِم من الشهد
وَقَالَت رَابِعَة طَالَتْ عَليّ الْأَيَّام والليالي بالشوق إِلَى لِقَاء الله
وَمكث فتح بن شخروف ثَلَاثِينَ سنة لم يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ طَال شوقي إِلَيْك فَعجل قدومي عَلَيْك وَكَانَ بَعضهم يَقُول فِي مناجاته قَبِيح بِعَبْد ذليل مثلي يعلم عَظِيما مثلك اللَّهُمَّ أَنْت تعلم أَنَّك لَو خيرتني أَن تكون لي الدُّنْيَا مُنْذُ خلقت أتنعم فِيهَا حَلَالا لَا أسأَل عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة وَبَين أَن تخرج روحي السَّاعَة لاخترت أَن تخرج نَفسِي السَّاعَة
стр. 77
قَالَ بعض السّلف إِذا ذكرت الْقدوم على الله كنت أَشد اشتياقا إِلَى الْمَوْت من الظمآن الشَّديد ضمؤه فِي الْيَوْم الْحَار الشَّديد حره إِلَى الشَّرَاب الشَّديد برده
اشتاق إِلَيْك يَا قريب نائي ... شوق الضامي إِلَى زلال المائي
قَالَ الْجُنَيْد سَمِعت سريا يَقُول الشوق أجل مقَام الْعَارِف إِذا تحقق فِيهِ وَإِذا تحقق بالشوق لهى عَن كل مَا يشْغلهُ عَمَّن يشتاق إِلَيْهِ
رُؤِيَ دَاوُد الطَّائِي فِي الْمَنَام على مِنْبَر عَال وَهُوَ ينشد
مَا نَالَ عبد من الرَّحْمَن منزلَة ... أَعلَى من الشوق إِن الشوق مَحْمُود
стр. 78
لازال المحبون يروضون أَرْوَاحهم فِي الدُّنْيَا حَتَّى خرجت عَن أبدان الْهوى وَصَارَت فِي حواصل طير الشوق فَهِيَ تسرح فِي رياض الْأنس وَترد حِيَاض الْقُدس ثمَّ تأوي إِلَى قناديل الْمعرفَة الْمُعَلقَة فِي الْمحل الْأَعْلَى حول الْعَرْش كَمَا قَالَ بعض العارفين الْقُلُوب جوالة فَقلب يَدُور حول الْعَرْش وقلب يجول حول الحش كلما حلت نسمات الْقُدس من أرجاء الْأنس على أَغْصَان قُلُوب الأحباب تمايلت شوقا إِلَى ذَلِك الجناب
كَانَ بعض السّلف يمشي أبدا على قَدَمَيْهِ من الشوق وَكَانَ بَعضهم كَأَنَّهُ مخمور من غير شراب
تريحني إِلَيْك الشوق حَتَّى ... أميل من الْيَمين إِلَى الشمَال
стр. 79
ويأخذني لذكركم ريَاح ... كَمَا نشط الْأَسير من العقال
أهل الشوق على طبقتين أَحدهمَا من أقلقه الشوق ففني اصطباره كَانَ أَبُو عُبَيْدَة الْخَواص يمشي وَيضْرب على صَدره وَيَقُول واشوقاه إِلَى من يراني وَلَا أرَاهُ
كَانَ دَاوُد الطَّائِي يَقُول بِاللَّيْلِ همك عطل عَليّ الهموم وَخَالف بيني وَبَين السهاء وشوقي إِلَى النّظر إِلَيْك أوبق مني اللَّذَّات وَخَالف بيني وَبَين الشَّهَوَات فَأَنا فِي سجنك أَيهَا الْكَرِيم مَطْلُوب
أحبابي أما جفن عَيْني فمقروح ... وَأما فُؤَادِي فَهُوَ بالشوق مَجْرُوح
يذكرنِي مر النسيم عهودكم ... فأزداد شوقا كلما هبت الرّيح
أَرَانِي إِذا مَا أظلم اللَّيْل أشرقت ... بقلبي من نَار الغرام مصابيح
стр. 80
أُصَلِّي بذكراكم إِذا كنت خَالِيا ... أَلا إِن تذكار الْأَحِبَّة تَسْبِيح
الطَّبَقَة الثَّانِيَة من إِذا أقلقهم الشوق سكنهم الْأنس بِاللَّه فاطمأنت قُلُوبهم بِذكرِهِ وأنسوا بِقُرْبِهِ
وَهَذِه حَال الرَّسُول ﷺ وخواص العارفين من أمته وَسُئِلَ الشبلي بِمَاذَا تستريح قُلُوب المحبين والمشتاقين فَقَالَ بسرورهم بِمن أحبوه واشتاقوا إِلَيْهِ
أَمُوت إِذا ذكرتك ثمَّ أَحْيَا ... وَلَوْلَا مَا أُؤَمِّل مَا حييت
فأحيا بالمنى وأموت شوقا ... فكم أَحْيَا عَلَيْك وَكم أَمُوت
كَانَت بعض الصَّالِحَات تَقول أَلَيْسَ عجبا أَن أكون حَيَّة بَين أظْهركُم وَفِي قلبِي من الاشتياق إِلَى رَبِّي مثل شعل النَّار الَّتِي لَا تطفأ
стр. 81
أَمُوت اشتياقا ثمَّ أَحْيَا بذكركم ... وَبَين التراقي والضلوع لهيب
فَلَا عجبا موت المشوق صبَابَة ... وَلَكِن بقاه فِي الْحَيَاة عَجِيب
هَذِه أَحْوَال لَا يعرفهَا إلامن ذاقها
لايعرف الوجد إلامن يكابده ... وَلَا الصبابة إِلَّا من يعانيها
فَأَما من لَيْسَ عِنْده مِنْهَا خبر فَرُبمَا لَام أَهلهَا
يَا عاذل المشتاق دَعه فَإِنَّهُ ... لَدَيْهِ من الزفرات غير حشاكا
لَو كَانَ قَلْبك قلبه مَا لمته ... حاشاك مِمَّا عِنْده حاشاكا
قَوْله ﷺ أعوذ بك اللَّهُمَّ أَن أظلم أَو أظلم أَو أعتدي أَو يعتدى عَليّ أَو أكتسب خَطِيئَة مُحِيطَة أَو ذَنبا لَا تغفره
стр. 82
استعاذ من أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهمَا الظُّلم من الطَّرفَيْنِ وَهُوَ أَن يظلم غَيره أَو يَظْلمه غَيره
وَخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث أم سَلمَة قَالَت مَا خرج رَسُول الله ﷺ من بَيْتِي قطّ إِلَّا رفع طرفه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أضلّ أَو أضلّ أَو أزل أَو أزل أَو أظلم أَو أظلم أَو أَجْهَل أَو يجهل عَليّ
وخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَلَفظه اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك أَن نزل أَو نضل أَو نظلم أَو نظلم أَو نجهل أَو يجهل علينا
فَمن سلم من ظلم غَيره وَسلم النَّاس من ظلمه فقد عوفي وعوفي النَّاس مِنْهُ وَكَانَ بعض السّلف يَدْعُو اللَّهُمَّ سلمني وَسلم مني
وَالثَّانِي الْعدوان وَفرق الله بَين الظُّلم والعدوان فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾
стр. 83
﴿وَمن يفعل ذَلِك عُدْوانًا وظلما فَسَوف نصليه نَارا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾
وَقد يفرق بَين الظُّلم والعدوان بِأَن الظُّلم مَا كَانَ بِغَيْر حق بِالْكُلِّيَّةِ كأخذ مَال بِغَيْر اسْتِحْقَاق لشَيْء مِنْهُ وَقتل نفس لَا يحل قَتلهَا وَأما الْعدوان فَهُوَ مُجَاوزَة الْحُدُود وتعديها فِيمَا أَصله مُبَاح مثل أَن يكون لَهُ على أحد حق من مَال أَو دم أَو عرض فيستوفي أَكثر مِنْهُ فَهَذَا هُوَ الْعدوان وَهُوَ تجَاوز مَا يجوز أَخذه فَيَأْخُذ مَا لَهُ أَخذه وَمَا لَيْسَ لَهُ أَخذه وَهُوَ من أَنْوَاع الرِّبَا الْمُحرمَة
وَقد ورد السبتان بالسبة رَبًّا
وَالظُّلم الْمُطلق أَخذ مَا لَيْسَ لَهُ أَخذه وَلَا شَيْء مِنْهُ من مَال أَو دم أَو عرض
стр. 84
كِلَاهُمَا فِي الْحَقِيقَة ظلم وَقد حرم الله الظُّلم وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ يَقُول الله ياعبادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظالموا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ قَالَ الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة
وَفِيهِمَا عَنهُ ﷺ قَالَ إِن الله يملي للظالم حَتَّى إِذا أَخذه لم يفلته ثمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد﴾
وَفِي البُخَارِيّ عَنهُ ﷺ قَالَ من كَانَت عَنهُ مظْلمَة لِأَخِيهِ فليتحلله مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثمَّ دِينَار وَلَا دِرْهَم من قبل أَن يُؤْخَذ لِأَخِيهِ من حَسَنَاته فَإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من
стр. 85
سيئات أَخِيه فطرحت عَلَيْهِ
وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ﷺ قَالَ أَتَدْرُونَ من الْمُفلس قَالُوا الْمُفلس من لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع قَالَ إِن الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَصِيَام وَقيام وَقد شتم هَذَا وَأكل مَال هَذَا وَسَفك دم هَذَا وَضرب هَذَا فَيَقْتَضِي هَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته فَإِذا فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضى مَا عَلَيْهِ أَخذ من سيئاتهم فطرحت عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار
وَفِي الحَدِيث لتؤدن الْحُقُوق إِلَى اهلها يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الْجَمَّاء من الشَّاة القرناء
стр. 86
وَفِي حَدِيث عبد الله بن انيس وليسألن الْحجر لم نكب الْحجر وليسألن الْعود لم خدش صَاحبه شعر
فخف الْقَضَاء غَدا إِذا وافيت مَا ... كسبت يداك الْيَوْم بالقسطاس
أعضاؤهم فِيهِ الشُّهُود وسجنهم ... نَار وحاكمهم شَدِيد الباس
فِي موقف مَا فِيهِ إِلَّا شاخص ... أَو مهطع أَو مقنع للرأس
إِن تمطل الْيَوْم الْحُقُوق مَعَ الْغنى ... فغدا تؤديها مَعَ الإفلاس
وَالظُّلم الْمحرم تَارَة يكون فِي النُّفُوس وأشده فِي الدِّمَاء وَتارَة فِي الْأَمْوَال وَتارَة فِي الْأَعْرَاض وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 87
فِي خطبَته فِي حجَّة الْوَدَاع إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا وَفِي رِوَايَة ثمَّ قَالَ أَلا اسمعوا مني تعيشوا أَلا لَا تظالموا أَلا لَا تظالموا فَإِنَّهُ لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس مِنْهُ
وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ﷺ قَالَ كل الْمُسلم على الْمُسلم حرَام دَمه وَمَاله وَعرضه
فظلم الْعباد شَرّ مكتسب لِأَن الْحق فِيهِ لآدَمِيّ مطبوع على الشُّح فَلَا يتْرك من حَقه شَيْئا لَا سِيمَا مَعَ شدَّة حَاجته يَوْم الْقِيَامَة فَإِن الْأُم تفرح يَوْمئِذٍ إِذا كَانَ لَهَا حق على وَلَدهَا لتأخذه مِنْهُ
стр. 88
وَمَعَ هَذَا فالغالب أَن الظَّالِم تعجل لَهُ الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا وَإِن أمْهل كَمَا قَالَ ﷺ إِن الله يملي للظالم حَتَّى إِذا أَخذه لم يفلته ثمَّ تَلا وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد
كَانَ بعض أكَابِر التَّابِعين قَالَ لرجل يَا مُفلس فابتلي الْقَائِل بِالدّينِ وَالْحَبْس بعد أَرْبَعِينَ سنة
وَضرب رجل أَبَاهُ وسحبه إِلَى مَكَان فَقَالَ الَّذِي رَآهُ إِلَى هَا هُنَا رَأَيْت هَذَا الْمَضْرُوب قد ضرب أَبَاهُ وسحبه إِلَيْهِ
وصادر بعض وزراء الْخُلَفَاء رجلا فَأخذ مِنْهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فَبعد مُدَّة غضب الْخَلِيفَة على الْوَزير وَطلب
стр. 89
مِنْهُ عشرَة آلَاف دِينَار فجزع أَهله من ذَلِك فَقَالَ مَا يَأْخُذ مني أَكثر من ثَلَاثَة آلَاف كَمَا كنت ظلمت فَلَمَّا أدّى ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَقع الْخَلِيفَة بالإفراج عَنهُ فسبحان من هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت إِن رَبك لبالمرصاد حَاكم الْعدْل لَا يجور وَإِنَّمَا يجازي بِالْعَدْلِ وميزان عدله لَا يحابي أحدا بل يتحرر فِيهِ مَثَاقِيل الذَّر وَمَثَاقِيل الْخَرْدَل وكما تدين تدان شعر
فجانب الظُّلم لاتسلك مسالكه ... عواقب الظُّلم تخشى وَهِي تنْتَظر
وكل نفس ستجزى بِالَّذِي عملت ... وَلَيْسَ لِلْخلقِ من ديانهم وطر
стр. 90
الثَّالِث مِمَّا استعاذ مِنْهُ وَهُوَ اكْتِسَاب الْخَطِيئَة قَالَ الله تَعَالَى بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خظيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ
وفسرت إحاطة الخظيئة بِالْمَوْتِ على الشّرك وفسرت بِالْمَوْتِ على الذُّنُوب الْمُوجبَة للنار من غير تَوْبَة مِنْهَا
فَكَأَن ذنُوبه أحاطت بِهِ من جَمِيع جهاته فَلم يبْق لَهُ مخلص مِنْهَا فالخطايا تحيط بصاحبها حَتَّى تهلكه وَقد ضرب النَّبِي ﷺ مثل الْخَطَايَا الَّتِي يتلبس بهَا العَبْد بِمثل درع ضيقَة يلبسهَا فتضيق عَلَيْهِ حَتَّى تخنقه وَلَا تنفك عَنهُ إِلَّا بِعَمَل الْحَسَنَات من تَوْبَة أَو غَيرهَا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة
стр. 91
فَفِي الْمسند عَن عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن مثل الَّذِي يعْمل السَّيِّئَات ثمَّ يعْمل الْحَسَنَات كَمثل رجل كَانَت عَلَيْهِ درع ضيقَة ثمَّ خنقته ثمَّ عمل حَسَنَة فانفكت حَلقَة ثمَّ عمل حَسَنَة أُخْرَى فانفكت حَلقَة أُخْرَى حَتَّى يخرج إِلَى الأَرْض
فَلَا يخلص العَبْد من ضيق الذُّنُوب عَلَيْهِ وإحاطتها بِهِ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَالْعَمَل الصَّالح كَانَ بعض السّلف يردد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بِاللَّيْلِ ويبكي بكاء شَدِيدا شعر
ابك لذنبك طول اللَّيْل مُجْتَهدا ... أَن الْبكاء معول الأحزان
لَا تنس ذَنْبك فِي النَّهَار وَطوله ... إِن الذُّنُوب تحيط بالإنسان
стр. 92
الرَّابِع مِمَّا استعاذ مِنْهُ الذَّنب الَّذِي لَا يغْفر وَيدخل فِيهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا الشّرك قَالَ الله تَعَالَى إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء
وَالثَّانِي أَن يعْمل العَبْد ذَنبا لَا يوفق لسَبَب يمحوه عَنهُ بل يلقى الله بِهِ من غير سَبَب ماح لَهُ فَلَا يغْفر لَهُ بل يُعَاقب عَلَيْهِ فَإِن الله إِذا أحب عبدا أوقعه فِي ذَنْب لَهُ ووفقه لأسباب يمحوه عَنهُ إِمَّا بِالتَّوْبَةِ النصوح وَفِي سنَن ابْن مَاجَه عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ
стр. 93
وَإِمَّا بحسنات ماحية إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات وَإِمَّا أَن يبتلى بمصائب مكفرة فَمن يرد الله بِهِ خيرا يصب مِنْهُ وَلَا يزَال الْبلَاء بِالْمُؤمنِ حَتَّى يمشي على الأَرْض وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَة
وَإِمَّا أَن يغْفر لَهُ بشفاعة بِإِذن الله لمن يَأْذَن فِيهَا أَو أَنه يغفره لمُجَرّد فَضله وَرَحمته من غير سَبَب آخر فَحِينَئِذٍ يكون هَذَا الذَّنب مغفورا
قَالَ بَعضهم إِذا أحب الله عبدا لم يضرّهُ ذَنْب وَمرَاده أَنه يمحوه عَنهُ وَرُبمَا يَجْعَل الذَّنب فِي حَقه سَببا لشدَّة
стр. 94
خَوفه من ربه وذله وانكساره لَهُ فَيكون سَببا لرفع دَرَجَة ذَلِك العَبْد عِنْده
وَإِذا خذل عبدا وَقضى عَلَيْهِ بذنب لم يوفقه لشَيْء من ذَلِك فلقي الله بِذَنبِهِ من غير سَبَب يمحوه عَنهُ فِي الدُّنْيَا ثمَّ يؤاخذه بِهِ فِي الْآخِرَة فَلَا يغْفر لَهُ فَهَذَا هُوَ الذَّنب المستعاذ مِنْهُ هَاهُنَا
وَحَاصِل الْأَمر أَن من عَامله الله فِي ذنُوبه بِالْعَدْلِ هلك وَمن عَامله بِالْفَضْلِ نجا كَمَا قَالَ يحيى بن معَاذ إِذا وضع عدله على عَبده لم يبْق لَهُ حَسَنَة وَإِذا بسط فَضله على عَبده لم يبْق لَهُ سَيِّئَة
يَا ويلنا من موقف مَا بِهِ ... أخوف من أَن يعدل الْحَاكِم
يارب عفوا مِنْك عَن مذنب أسرف ... إِلَّا أَنه نادم
стр. 95
قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَإِنِّي أَعهد إِلَيْك فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا وأشهدك وَكفى بك شَهِيدا اني أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك لَك الْملك وَلَك الْحَمد وَأَنت على كل شَيْء قدير وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك وَأشْهد أَن وَعدك حق ولقاءك حق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والساعة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَنَّك تبْعَث من فِي الْقُبُور
هَذَا الدُّعَاء استفتحه بقوله اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام
وَقد قَالَ الله تَعَالَى قل اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وَفِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يستفتح صَلَاة اللَّيْل بقوله اللَّهُمَّ رب جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت تحكم بَين
стр. 96
عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهدني لما اخْتلف فِيهِ من الْحق بإذنك إِنَّك تهدي من تشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَفِي الْمسند وَالتِّرْمِذِيّ أَن النَّبِي ﷺ سمع رجلا يَقُول يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام قَالَ لَهُ لقد اسْتُجِيبَ لَك فسل والمسئول فِي هَذَا الدُّعَاء أَن العَبْد يعْهَد إِلَى ربه فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا ويشهده وَكفى بِهِ شَهِيدا أَنه يشْهد لَهُ بأصول الْإِيمَان الَّتِي من وفى بهَا فقد نجا وَهِي الشَّهَادَة لله بالوحدانية وأتبعها بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالْملكِ وَالْحَمْد وَالْقُدْرَة على كل شَيْء وَالشَّهَادَة لمُحَمد ﷺ بالعبودية والرسالة وَالشَّهَادَة لله بِأَن وعده حق ولقاءه حق وَأَن الْجنَّة حق وَالنَّار
стр. 97
حق وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور وَقد تَضَمَّنت هَذِه الشَّهَادَة أصُول الْإِيمَان الْخَمْسَة فَإِن من شهد لمُحَمد ﷺ بالرسالة فقد شهد بِمَا أَمر مُحَمَّد بِالشَّهَادَةِ بِهِ وَهُوَ أصُول الْإِيمَان الْخَمْسَة كلهَا وَهِي الْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر
وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي استفتاحه صَلَاة اللَّيْل أَنْت الْحق وَوَعدك وَالْحق وقولك الْحق ولقاؤك حق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والساعة حق والنبيون حق وَمُحَمّد حق
وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن هود ﵇ أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ إِنِّي أشهد الله واشهدوا أَنِّي برىء مِمَّا تشركون من دونه وَقد وَردت الْأَحَادِيث بِفضل
стр. 98
من عهد إِلَى ربه فِي الدُّنْيَا هَذَا الْعَهْد واستشهده على نَفسه بِمثل هَذِه الشَّهَادَة فَفِي سنَن ابي دَاوُد عَن أنس مَرْفُوعا من قَالَ حِين يصبح أَو يُمْسِي اللَّهُمَّ إِنِّي أَصبَحت أشهدك وَأشْهد حَملَة عرشك وملائكتك وَجَمِيع خلقك أَنِّي أشهد أَن لَا أَله إِلَّا أَنْت وَحدك لاشريك لَك وَأَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك أعتق الله ربعه من النَّار وَمن قَالَهَا مرَّتَيْنِ أعتق الله نصفه من النَّار وَمن قَالَهَا ثَلَاثًا أعتق الله ثَلَاثَة أَرْبَاعه من النَّار وَمن قَالَهَا أَرْبعا أعْتقهُ الله من النَّار وخرجه النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ بِمَعْنَاهُ
стр. 99
وَرُوِيَ مَعْنَاهُ من حَدِيث سلمَان وَعَائِشَة
وَفِي الْمسند عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَالَ اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة إِنِّي أَعهد إِلَيْك فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا أَنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك وَأَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك فَإنَّك إِن تَكِلنِي إِلَى نَفسِي تقربني من الشَّرّ وَتُبَاعِدنِي من الْخَيْر وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك فَاجْعَلْ لي عنْدك عهدا تُوفينِيهِ يَوْم الْقِيَامَة إِنَّك إِنَّك لَا تخلف الميعاد إِلَّا قَالَ الله للْمَلَائكَة يَوْم الْقِيَامَة إِن عَبدِي قد عهد إِلَيّ عهدا فأوفوه إِيَّاه فيدخله الله الْجنَّة قَالَ الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن مَا فِي أهلنا جَارِيَة إِلَّا تَقول هَذِه فِي خدرها
стр. 100
قَوْله ﷺ وَأشْهد أَنَّك إِن تَكِلنِي إِلَى نَفسِي تَكِلنِي إِلَى ضَيْعَة وعورة وذنب وخطيئة وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك هَذَا كَمَا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُتَقَدّم فَإنَّك إِن تَكِلنِي إِلَى نَفسِي تقربني من الشَّرّ وَتُبَاعِدنِي من الْخَيْر وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك وَالْمَقْصُود من ذَلِك سُؤال العَبْد لرَبه أَن يَتَوَلَّاهُ برحمته وَأَن لَا يكله إِلَى نَفسه
وَفِي كتاب الْيَوْم وَاللَّيْلَة للنسائي عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لفاطمة مَا يمنعك أَن تسمعي مَا أوصيك بِهِ أَن تقولي إِذا أَصبَحت وَإِذا أمسيت يَا حَيّ يَا قيوم بِرَحْمَتك استغيث أصلح لي شأني كُله وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين
وخرجه الطَّبَرَانِيّ وَزَاد فِيهِ وَلَا إِلَى أحد من النَّاس
стр. 101
وَخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ دعوات المكروب اللَّهُمَّ رحمتك أَرْجُو فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين وَأصْلح لي شأني كُله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت
وَقَالَ قَتَادَة وَلما نزل قَوْله تَعَالَى وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم شَيْئا قَلِيلا قَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ لَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين
وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن عبد الله بن حِوَالَة قَالَ بعثنَا رَسُول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا وَلم نغنم شَيْئا وَقد عرف الْجهد فِي وُجُوهنَا فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تكلهم إِلَيّ فأضعف عَنْهُم وَلَا تكلهم إِلَى أنفسهم فيعجزوا عَنْهَا وَلَا
стр. 102
تكلهم إِلَى النَّاس فيستأثروا عَلَيْهِم
فَإِذا وفْق الله عبدا توكل بحفظه وكلائته وهدايته وإرشاده وتوفيقه وتسديده وَإِذا أخذله وَكله إِلَى نَفسه أَو إِلَى غَيره وَلِهَذَا كَانَت هَذِه الْكَلِمَة حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل كلمة عَظِيمَة وَهِي الَّتِي قَالَهَا إِبْرَاهِيم ﵊ حِين ألقِي فِي النَّار وَقَالَهَا مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ حِين قَالَ لَهُ النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وقالتها عَائِشَة حِين ركبت النَّاقة لما انْقَطَعت عَن الْجَيْش وَهِي كلمة الْمُؤمنِينَ
فَمن حقق التَّوَكُّل على الله لم يكله إِلَى غَيره وتولاه بِنَفسِهِ
стр. 103
وَحَقِيقَة التَّوَكُّل تكله الْأُمُور كلهَا إِلَى من هِيَ بِيَدِهِ فَمن توكل على الله فِي هدايته وحراسته وتوفيقه وتأييده وَنَصره ورزقه وَغير ذَلِك من مصَالح دينه ودنياه تولى الله مَصَالِحه كلهَا فَإِنَّهُ تَعَالَى ولي الَّذين آمنُوا وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الوثوق برحمة الله كَمَا فِي هَذَا الدُّعَاء فَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك
فَمن وثق برحمة ربه وَلم يَثِق بِغَيْر رَحمته فقد حقق التَّوَكُّل على ربه فِي توفيقه وتسديده فَهُوَ جدير بِأَن يتكفل الله بحفظه وَلَا يكله إِلَّا إِلَى نَفسه
وَفِي هَذَا الحَدِيث وصف النَّفس بأوصاف ذميمة كل ذَلِك حذرا من أَن يُوكل العَبْد إِلَى مَا هَذِه صِفَاته وَهِي أَرْبَعَة أَوْصَاف الضَّيْعَة والعورة والذنب والخطيئة
стр. 104
فالضيعة هِيَ الضّيَاع فَمن وكل إِلَى نَفسه ضَاعَ لِأَن النَّفس ضَيْعَة فَإِنَّهَا لَا تَدْعُو إِلَى الرشد وَإِنَّمَا تَدْعُو إِلَى الغي
والعورة هِيَ مَا يَنْبَغِي ستره لقبحه ودنائته فَكَذَلِك النَّفس لقبح أوصافها وَسُوء أخلاقها الذميمة
والذنب والخطيئة مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب أَو مُتحد وَقد يُرَاد بِأَحَدِهِمَا الصَّغَائِر وبالآخر الْكَبَائِر
وَقد وصف الله تَعَالَى النَّفس بِأَنَّهَا أَمارَة بالسوء فَقَالَ إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي فَمن ﵀ عصمه من السوء الَّذِي تَأمر بِهِ النَّفس
وَفِي حَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ أَن النَّبِي ﷺ علمه أَن يَقُول فِي كل صباح وَمَسَاء عِنْد نَومه
стр. 105
أعوذ بك من شَرّ نَفسِي
وَأما من وَكله إِلَى نَفسه وَلم يرحمه فَإِنَّهُ يُجيب دَاعِي نَفسه الأمارة بالسوء فيفعل كل سوء تَأمر بِهِ نَفسه
وَفِي الْمسند وَالتِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت وَالْعَاجِز من أتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله
فقسم النَّاس إِلَى قسمَيْنِ كيس وعاجز فالكيس هُوَ اللبيب الحازم الْعَاقِل الَّذِي ينظر فِي عواقب الْأُمُور فَهَذَا يقهر نَفسه ويستعملها فِيمَا يعلم أَنه ينفعها بعد مَوتهَا وَإِن كَانَت كارهة لذَلِك
стр. 106
وَالْعَاجِز هُوَ الأحمق الْجَاهِل الَّذِي لَا يفكر فِي العواقب بل يُتَابع نَفسه على مَا تهواه وَهِي لَا تهوى إِلَّا مَا تظن أَن فِيهِ لذتها وشهوتها فِي العاجل وَإِن عَاد ذَلِك بضر لَهَا فِيمَا بعد الْمَوْت وَقد يعود ذَلِك عَلَيْهَا بِالضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة
فَهَذَا هُوَ الْغَالِب وَاللَّازِم فيتعجل تَابع هوى نَفسه الْعَار والفضيحة فِي الدُّنْيَا وَسُقُوط الْمنزلَة عِنْد الله وَعند خلقه والهوان والخزي وَيحرم بذلك خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من علم نَافِع ورزق وَاسع وَغير ذَلِك
وَمن خَالف نَفسه وَلم يتبعهَا هَواهَا تعجل بذلك الْجَزَاء فِي الدُّنْيَا وَوجد بركَة ذَلِك من حُصُول الْعلم وَالْإِيمَان والرزق وَغير ذَلِك وَقيل لبَعْضهِم بِمَا بلغ الْأَحْنَف بن قيس فِيكُم مَا بلغ قَالَ كَانَ أَشد النَّاس سُلْطَانا على نَفسه
стр. 107
فَهَذِهِ النَّفس تحْتَاج إِلَى محاربة ومجاهدة ومعاداة فَإِنَّهَا أعدى عَدو لِابْنِ آدم وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ الْمُجَاهِد من جَاهد نَفسه فِي الله وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أعدى عَدوك نَفسك الَّتِي بَين جنبيك
وَقَالَ الصّديق لعمر ﵄ فِي وَصيته لَهُ عِنْد مَوته أول مَا أحذرك نَفسك الَّتِي بَين جنبيك
وَفِيه يَقُول بَعضهم كَيفَ احترازي من عدوي إِذا كَانَ عدوي بَين أضلاعي
стр. 108
وَقَالَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ لمن سَأَلَهُ عَن الْجِهَاد ابدأ بِنَفْسِك فجاهدها وابدأ بِنَفْسِك فاغزها وَيُقَال إِنَّه الْجِهَاد الْأَكْبَر وَرُوِيَ مَرْفُوعا من وَجه ضَعِيف
فَمن ملك نَفسه وقهرها ودانها عز بذلك لِأَنَّهُ انتصر على أَشد أعدائه وقهره وأسره وَاكْتفى شَره قَالَ الله تَعَالَى وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون فحصر الْفَلاح فِي وقاية شح نَفسه وتطلعها إِلَى مَا منعت مِنْهُ وحرصها على مَا يضيرها مِمَّا تشتهيه من علو وترفع وَمَال وجاه وَأهل ومسكن ومأكل ومشرب وملبس وَغير ذَلِك
فَإِنَّهَا تتطلع إِلَى ذَلِك كُله وتشتهيه وَهُوَ عين هلاكها وَمِنْه ينشأ الْبَغي والحسد والحقد فَمن وقِي شح نَفسه فقد
стр. 109
قهرها وقصرها على مَا أُبِيح لَهَا وَأذن لَهَا فِيهِ وَذَلِكَ عين الْفَلاح
كَانَ بعض العارفين ينشد
إِذا مَا عدت النَّفس ... عَن الْحق زجرناها
وَإِن مَالَتْ عَن الْأُخْرَى ... إِلَى الدُّنْيَا منعناها
تخادعنا ونخدعها ... وبالصبر غلبناها
لَهَا خوف من الْفقر ... وَفِي الْفقر أنخناها
وَبِكُل حَال فَلَا يقوى العَبْد على نَفسه إِلَّا بِتَوْفِيق الله إِيَّاه وتوليه لَهُ فَمن عصمه الله وَحفظه تولاه ووقاه شح نَفسه وشرها وَقواهُ على مجاهدتها ومعاداتها
стр. 110
وَمن وَكله إِلَى نَفسه غلبته وقهرته وأسرته وجرته إِلَى مَا هُوَ عين هَلَاكه وَهُوَ لَا يقدر على الِامْتِنَاع كَمَا يصنع الْعَدو الْكَافِر إِذا ظفر بعدوه الْمُسلم بل شَرّ من ذَلِك فَإِن الْمُسلم إِذا قَتله عدوه الْكَافِر كَانَ شَهِيدا وَأما النَّفس إِذا تمكنت من صَاحبهَا قتلته قتلا يهْلك بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَهَذَا معنى الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ مَرْفُوعا لَيْسَ عَدوك الَّذِي إِذا قتلته كَانَ لَك نورا يَوْم الْقِيَامَة وَإِذا قَتلك دخلت الْجنَّة أعدى عَدوك نَفسك الَّتِي بَين جنبيك
فَلهَذَا كَانَ من أهم الْأُمُور سُؤال العَبْد ربه أَن لَا يكله إِلَى نَفسه طرفَة عين شعر
يارب هيىء لنا من أمرنَا رشدا ... وَاجعَل معونتك الْحسنى لنا مدَدا
следующие страницы →