← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5772

المتواري على أبواب البخاري

ابن المُنَيِّر

Полный текст (401 стр.). Показаны 386–401 · переход к 391.

стр. 386

فِي النَّفْي عبارَة عَن النَّفس على وَجه مَخْصُوص، وَلَيْسَ هُوَ اُحْدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ، هذاك من الْوحدَة أَي الْوَاحِد. وَهَذَا كلمة مترجلة فِي النَّفْي لبنى آدم، هَذَا أَصله. فَإِذا قَالَ الْقَائِل: " مَا فِي الْبَيْت أحد " لم يفهم إِلَّا نفى الأناس. وَلِهَذَا كَانَ قَوْلهم: " مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا وتداً " اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس. وَمُقْتَضى الحَدِيث إِطْلَاقه على الْحق، لِأَنَّهُ لَوْلَا صِحَة الْإِطْلَاق مَا انتظم الْكَلَام، كَمَا لَا يَنْتَظِم فِي مثل قَول الْقَائِل: " مَا أحسن من ثوبي "، إِذْ الثَّوْب لَيْسَ من الأحدييّن، بِخِلَاف " أحد " أعلم من زيد لِأَن زيدا من الأحديين. (٣٦٣ - (٥) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ [طه: ٣٩]- تغذي - وَقَوله: ﴿تجرى بأعيننا﴾ [الْقَمَر: ١٤] .) فِيهِ ابْن عمر: ذكر الدَّجَّال عِنْد النَّبِي -[ ﷺ ]-، فَقَالَ: إِن الله لَا يخفى عَلَيْكُم. إِن الله لَيْسَ بأعور - أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عينه -، وَإِن الْمَسِيح الدَّجَّال أَعور عين الْيُمْنَى. وَفِيه أنس: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: مَا بعث الله من نبيّ إِلَّا أنذر قومه الْأَعْوَر

стр. 387

الْكذَّاب. إِنَّه أَعور وَإِن ربّكم لَيْسَ بأعور، مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ " كَافِر ". قلت: رضى الله عَنْك! وَجه الِاسْتِدْلَال على إِثْبَات الْعين لله، لَا بِمَعْنى الْجَارِحَة من قَوْله: " إِن الله لَيْسَ بأعور "، إِن العور عرفا عدم الْعين، وضد العور ثُبُوت الْعين. فلمّا نفى عَن الْحق ﷻ هَذِه النقيصة وَهِي عدم الْعين لزم ثُبُوت الْكَمَال بضدها، وَهُوَ وجود الْعين، وعَلى التَّمْثِيل والتقريب للفهم، لَا على معنى إِثْبَات الْجَارِحَة. وَبَين الْمُتَكَلِّمين خلاف فِي مُقْتَضى لفظ الْعين وَنَحْوهَا: فَمنهمْ من جعلهَا صِفَات سمعية أثبتها السّمع لَهُ، وَلم يهتد إِلَيْهِ الْعقل. وَكَذَلِكَ الْوَجْه وَالْيَد وَالْجنب. وَمِنْهُم من جعلهَا كِنَايَة عَن صفة الْبَصَر. وَالْيَد كِنَايَة عَن صفة الْقُدْرَة. وَمِنْهُم من آمن بهَا إِيمَانًا بِالْغَيْبِ، وفوّض فِي مَعْنَاهَا إِلَى الله تَعَالَى. وَالله أعلم.

стр. 388

(٣٦٤ - (٦) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ [هود: ٧] . ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٩] .) قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ ارْتَفع: ﴿فسوّاهن﴾ خَلقهنَّ. وَقَالَ مُجَاهِد: اسْتَوَى [علا] على الْعَرْش. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْمجِيد: الْكَرِيم، والودود: الحبيب. يُقَال حميد مجيد، كَأَنَّهُ فعيل من ماجد، ومحمود من حميد. فِيهِ عمرَان: قَالَ إِنِّي عِنْد النَّبِي -[ ﷺ ]- إِذْ جَاءَهُ وَفد من بنى تَمِيم فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أهل الْيمن إِذا لم يقبلهَا بَنو تَمِيم. فَقَالُوا: قبلنَا، جئْنَاك لنتفقّه فِي الدّين، ولنسألنّك عَن أوّل هَذَا الْأَمر مَا كَانَ. قَالَ: كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء. ثمَّ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ يَمِين الله ملأى - الحَدِيث -. وَفِيه أنس: جَاءَ زيد بن حَارِثَة يشكو، فَجعل النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول: " اتّق الله، وَأمْسك عَلَيْك زَوجك ". وَكَانَت [زَيْنَب] تَفْخَر على أَزوَاج النَّبِي [ ﷺ ] [تَقول] : زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله من فَوق سبع سماوات.

стр. 389

وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ الله لما قضى الْخلق كتب فَوق عَرْشه: " إِن رحمتى سبقت غَضَبي: " وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- من آمن بِاللَّه وَرَسُوله، وَأقَام الصَّلَاة وَصَامَ رَمَضَان، كَانَ حَقًا على الله أَن يدْخلهُ الجنّة. هَاجر فِي سَبِيل الله أَو جلس فِي أرضه الَّتِي ولد فِيهَا. قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿أَفلا ننبئى النَّاس بذلك، قَالَ: إِن فِي الجنّة مائَة دَرَجَة أعدّها الله تَعَالَى للمجاهدين فِي سَبيله، كل دَرَجَتَيْنِ مَا بَينهمَا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. فَإِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ الفردوس فَإِنَّهُ أَوسط الجنّة، وَأَعْلَى الجنّة. وفوقه عرش الرَّحْمَن. وَمِنْه تنفجر أَنهَار الجنّة. وَفِيه أَبُو ذَر: دخلت الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ -[ ﷺ ]- جَالس. فلمّا غربت الشَّمْس قَالَ: يَا أَبَا ذَر﴾ هَل تدرى أَيْن تذْهب هَذِه؟ قَالَ: قلت: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: إِنَّهَا تذْهب تستأذن فِي السُّجُود فَيُؤذن لَهَا. وَكَأَنَّهَا قد قيل لَهَا: ارجعي من حَيْثُ خرجت، فَتَطلع من مغْرِبهَا، ثمّ قَرَأَ: ﴿ذَلِك مُسْتَقر لَهَا﴾ . فِي قِرَاءَة عبد الله. وَفِيه زيد: أرسل إلىّ أَبُو بكر الصّديق فتتبّعت الْقُرْآن حَتَّى وجدت آخر سُورَة التَّوْبَة مَعَ خُزَيْمَة - أَو أبي خُزَيْمَة - الْأنْصَارِيّ لم أَجدهَا مَعَ غَيره: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول الله من أَنفسكُم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَة بَرَاءَة - يعْنى: ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٩] .

стр. 390

وَفِيه ابْن عَبَّاس: كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول عِنْد الكرب: لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله ربّ السَّمَوَات وَرب الأَرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم. وَفِيه أَبُو سعيد: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: النَّاس يصعقون يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا أَنا بمُوسَى آخذ بقائمة من قَوَائِم الْعَرْش. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- فَأَكُون أوّل من يبْعَث فَإِذا مُوسَى آخذ بالعرش. قلت: رضى الله عَنْك! ترْجم على ذكر الْعَرْش للتّنْبِيه على أَنه مَخْلُوق حَادث مرتسم بسمات الْحُدُوث، متصف بِصِفَات الْإِمْكَان. وكلمّا ذكره مُشْتَمل على ذكر الْعَرْش إِلَّا قَوْله: " قَالَ ابْن عَبَّاس: الْمجِيد الْكَرِيم،. والودود: الحبيب، فَقَالَ: حميد مجيد، كَأَنَّهُ فعيل من ماجد، ومحمود من حميد " فَهَذَا الْفضل لَا يتَعَلَّق بالعرش، وَلكنه نبّه على لَطِيفَة وَهِي أَن الْمجِيد فِي قَوْله: " على قِرَاءَة الْكسر - لَا يتخيّل أَنَّهَا صفة الْعَرْش، وَأَنه بذلك قديم، بل هِيَ صفة الْحق، بِدَلِيل قِرَاءَة الرّفْع. وبدليل اقترانها " بالودود " وَهِي صفة الْحق، فَيكون الْكسر على الْجوَار حينئذٍ. وَالله أعلم. (٣٦٥ - (٧) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح﴾ [المعارج: ٤] . وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ [فاطر: ١٠] )

стр. 391

قَالَ ابْن عَبَّاس: بلغ أَبَا ذَر مبعث النَّبِي -[ ﷺ ]-، فَقَالَ لِأَخِيهِ: اعْلَم لي علم هَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه يَأْتِيهِ الْخَبَر من السَّمَاء. وَقَالَ مُجَاهِد: الْعَمَل الصَّالح يرفع الْكَلم الطّيب. وَيُقَال، ذِي المعارج: الْمَلَائِكَة تعرج إِلَى الله. فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ، ويجتمعون فِي صَلَاة الْعَصْر وَصَلَاة الْفجْر، ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم رَبهم - الحَدِيث -. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- من تصدق بِعدْل تَمْرَة من كسب طيّب وَلَا يصعد إِلَى السَّمَاء إِلَّا الطيّب. وَفِيه ابْن عَبَّاس: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- كَانَ يَدْعُو بِهن عِنْد الكرب: لَا إِلَه إِلَّا الله الْعَلِيم الْحَلِيم رب الْعَرْش الْعَظِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات وربّ الْعَرْش الْكَرِيم. وَفِيه أَبُو سعيد: بعث على إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- من الْيمن بذهيبة فِي تربَتهَا فَقَسمهَا بَين أَرْبَعَة فتغضبت قُرَيْش وَالْأَنْصَار. وَقَالُوا: يعْطى صَنَادِيد أهل نجد، ويدعنا. قَالَ: إنّما أتألفهم. فَأقبل رجل غائر الْعَينَيْنِ، نأتى الجبين، كثّ اللِّحْيَة، مشرق الوجنتين، محلوق الرَّأْس، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد! اتقّ الله. قَالَ: فَمن يُطِيع الله إِذا عصيته. فيأمني على أهل الأَرْض، وَلَا تأمنوني.

стр. 392

وَفِيه أَبُو ذَر: سَأَلت النَّبِي -[ ﷺ ]- عَن قَوْله: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ [يس: ٣٨] . قَالَ مستقرها تَحت الْعَرْش. قلت: رَضِي الله عَنْك! جَمِيع مَا سَاقه فِي التَّرْجَمَة مُطَابق لَهَا من ذكر العروج والصعود نَحْو ذَلِك، إِلَّا حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا قَوْله: " رب الْعَرْش الْعَظِيم ". فَوجه مطابقته - وَالله أعلم - أَنه نبّه على بطلَان قَول من أثبت الْجِهَة والحيّز. وَفهم من قَوْله: " ذِي المعارج " أَن العلوّ الفوقي مُضَاف إِلَى الْحق على ظَاهره. فبيّن البُخَارِيّ أنّ الْجِهَة الَّتِي يصدق عَلَيْهَا أَنَّهَا سَمَاء، والحيّز الَّذِي يصدق عَلَيْهِ أَنه عرش، كل ذَلِك مَخْلُوق مربوب مُحدث، وَقد كَانَ الله وَلَا مَكَان ضَرُورَة. وَحدثت هَذِه الْأَمْكِنَة. وحدوثها وَقدمه ﷻ يحِيل وَصفه بالتحيّز فِيهَا لِأَنَّهُ لَو تحيّز لاستحال وجوده قبل الحيّز مثل كل متحيّز. تَعَالَى الله عَن ذَلِك. (٣٦٦ - (٨) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] .)

стр. 393

فِيهِ عبد الله بن مَسْعُود: جَاءَ حبر إِلَى رَسُول الله -[ ﷺ ]-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن الله يضع السَّمَاء على إِصْبَع، وَالْجِبَال على إِصْبَع، وَالشَّجر والأنهار على أصْبع، وَسَائِر الْخلق على إِصْبَع، ثمَّ يَقُول بِيَدِهِ أَنا الْملك. فَضَحِك رَسُول الله -[ ﷺ ]-، وَقَالَ: وَمَا قدرُوا الله حق قدره ". قلت: رَضِي الله عَنْك! ظنّ الْمُهلب أَن قَول النَّبِي -[ ﷺ ]- وضحكه ردّ على الحبر، وَلَيْسَ كَذَلِك فقد تقدّم فِي الحَدِيث أَنه ضحك تَصْدِيقًا للحبر وَذكره مُسلم أَيْضا. ولمّا اعْتقد الْمُهلب هَذَا اسْتشْكل إِيرَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِير الْآيَة، لِأَن ذَلِك يُوهم تصويب قَول الحبر. وَالْحق عندنَا أَن الحَدِيث تَفْسِير لِلْآيَةِ. والأصابع والقبضة وَالْيَد فِي حَقه تَعَالَى إمّا صِفَات، وَإِمَّا رَاجِعَة إِلَى الْقُدْرَة على خلاف فِي ذَلِك. وَقد تقّدم. وَيحْتَمل أنّ يكون النَّبِي -[ ﷺ ]-، صدّق الحبر مُطلقًا وَهُوَ الظَّاهِر. وَيحْتَمل أَنه أنكر عَلَيْهِ فهمه من الْأَصَابِع الْجَوَارِح، وَحِينَئِذٍ تَلا: " وَمَا قدرُوا الله حق قدره ". وَإِن بنينَا على تَصْدِيقه مُطلقًا فتلاوة الْآيَة على من كيّف مُطلقًا.

стр. 394

(٣٦٧ - (٩) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ [الرَّحْمَن: ٢٩] . ﴿وَمَا يَأْتِيهم من ذكر من ربّهم مُحدث﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢] . وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ [الطَّلَاق: ١] .) وَأَن حَدثهُ لَا يشبه حدث المخلوقين لقَوْله: ﴿لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ [الشورى: ١١] . وَقَالَ ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي -[ ﷺ ]-: إِن الله يحدث من أمره [مَا يَشَاء وإنّ] ممّا أحدث أَن لَا تكّلموا فِي الصَّلَاة. فِيهِ ابْن عَبَّاس: قَالَ: كَيفَ تسْأَلُون أهل الْكتاب عَن كتبهمْ، وعندكم كتاب الله أقرب الْكتب عهدا بِاللَّه تقرؤنه مَحْضا لم يشب. وَقَالَ مرّة: وَكِتَابكُمْ الَّذِي أنزل على نبيّكم أحدث الْأَخْبَار بِاللَّه. قلت: رضى الله عَنْك! يحْتَمل بِأَن البُخَارِيّ أجَاز وصف الْكَلَام بِأَنَّهُ مُحدث لَا مَخْلُوق، كَمَا زعم بعض أهل الظَّاهِر، تمسكاً بقوله: ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من الرَّحْمَن مُحدث﴾ [الشُّعَرَاء: ٥] فَإِن أَرَادَ هَذَا فقد بيّن أَن

стр. 395

الإحداث هَهُنَا لَيْسَ الْخلق والاختراع. لِأَنَّهُ لَو كَانَ مخلوقاً لَكَانَ مثل كَلَام المخلوقين. وكما أَن الله لَيْسَ كمثله شَيْء، فَكَذَلِك لَيْسَ كَمثل صِفَاته صِفَات. وَيحْتَمل أَن يُرِيد البُخَارِيّ حمل لفظ الْمُحدث على معنى الحَدِيث. فَمَعْنَى قَوْله: ﴿من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ أَي متحدّث بِهِ. وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ الأول. وتخلص بِنِسْبَة الإحداث إِلَى إِنْزَال علمه على الرَّسُول -[ ﷺ ]- والخلق، لِأَن علومهم محدثة. (٣٦٨ - (١٠) بَاب قَوْله: ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ [الْملك: ١٣ - ١٤] ) يتخافتون: يتسارّون. فِيهِ ابْن عَبَّاس: فِي قَوْله: ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ [الْإِسْرَاء: ١١٠] . نزلت وَرَسُول الله -[ ﷺ ]- مختف بِمَكَّة، فَكَانَ إِذا صلّى بِأَصْحَابِهِ رفع صَوته بِالْقُرْآنِ، فَإِذا سَمعه الْمُشْركُونَ سبّوا الْقُرْآن وَمن أنزلهُ، وَمن جَاءَ بِهِ. فَقَالَ الله لنبيّه: ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ [الْإِسْرَاء: ١١٠] عَن أَصْحَابك فَلَا تسمعهم: ﴿وابتغ بَين ذَلِك سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاء: ١١٠] . وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: لَيْسَ منّا من لم يتغنّ بِالْقُرْآنِ وَزَاد غَيره: يجْهر بِهِ.

стр. 396

قلت: رَضِي [ ﷺ ] عَنْك! ظنّ الشَّارِح أَن البُخَارِيّ قصد التَّرْجَمَة على صفة الْعلم، وَلَيْسَ كَذَلِك. وَلَو كَانَ كَمَا ظنّ تقاطعت الْمَقَاصِد فِيمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة. وَأي مُنَاسبَة بَين الْعلم وَبَين قَوْله: " وَمن لم يتغنّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ منّا ". وَإِنَّمَا قصد البُخَارِيّ - وَالله أعلم - الْإِشَارَة إِلَى النُّكْتَة الَّتِي كَانَت بِسَبَب محنته حَيْثُ قيل عَنهُ: إِنَّه قَالَ: " لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق " فَأَشَارَ بالترجمة إِلَى تِلَاوَة الْخلق تتصف بالسّر والجهر. وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَونهَا مخلوقة. وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ﴾ ثمَّ قَوْله: ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ تَنْبِيه على أَن قَوْلهم مَخْلُوق. وَقَوله: ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك﴾ يَعْنِي بِقِرَاءَتِك دلّ أَنَّهَا فعله. وَقَوله: " وَمن لم يتغنّ بِالْقُرْآنِ فأضاف التَّغَنِّي إِلَيْهِ دلّ على أَن الْقِرَاءَة فعل الْقَارئ. فَهَذَا كلّه يُحَقّق مَا وَقع لَهُ من ذَلِك، وَهُوَ الْحق اعتقاداً، لَا إطلاقاً خوف الْإِيهَام، وحذراً من الابتداع بمخالفة النسف فِي الْإِطْلَاق. وَهُوَ الَّذِي أنكر عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي حَيْثُ قَالَ: من قَالَ: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق فقد كفر، وَمن قَالَ: " لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فقد ابتدع ". وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه سُئِلَ، هَل قَالَ هَذِه الْمقَالة؟ فَقَالَ: إِنَّمَا سُئِلت مَا تَقول فِي لفظك بِالْقُرْآنِ؟ فَقلت: أَفعَال الْعباد كلهَا مخلوقة. وَالله أعلم. ذكره الْخَطِيب فِي تَارِيخه.

стр. 397

(٣٦٩ - (١١) بَاب قَول النَّبِي -[ ﷺ ]-: رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار " وَرجل يَقُول: لَو أُوتيت مثل مَا أُوتى هَذَا فعلت كَمَا يفعل ") فبيّن أَن قِيَامه بِالْكتاب هُوَ فعله. وَقَالَ: ﴿وَمن آيَاته خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ [الرّوم: ٢٢] وَقَالَ: ﴿وافعلوا الْخَيْر لعلّكم تفلحون﴾ [الْحَج: ٧٧] . وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يتلوه آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار. وَرجل يَقُول: لَو أُوتيت مثل مَا أُوتى هَذَا عملت فِيهِ مثل مَا يعْمل. [قلت:] قد قَارب الإفصاح فِي هَذِه التَّرْجَمَة عمّا رمز إِلَيْهِ فِي الَّتِي قبلهَا. (٣٧٠ - (١٢) بَاب قَول النَّبِي -[ ﷺ ]-: الماهر بِالْقُرْآنِ مَعَ الْكِرَام البررة. وَقَالَ: زيّنوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ .) فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنبيّ حسن

стр. 398

الصَّوْت بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ. وَفِيه عَائِشَة [حِين] قَالَ لَهَا أهل الْإِفْك مَا قَالُوا، قَالَت وَالله! مَا كنت أَظن أَن الله ينزل فِي شأني وَحيا يُتْلَى، ولشأني فِي نَفسِي أَحْقَر من أَن يتَكَلَّم الله فىّ بِأَمْر يُتْلَى. فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك﴾ [النُّور: ١١] الْعشْر الْآيَات. وَفِيه الْبَراء سَمِعت النَّبِي -[ ﷺ ]- يقْرَأ فِي الْعشَاء بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون. فَمَا سَمِعت أحسن صَوتا أَو قُرْآنًا مِنْهُ. وَفِيه ابْن عَبَّاس: كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- متوارياً بمكّة، وَكَانَ يرفع صَوته بِالْقُرْآنِ. فَإِذا سَمعه الْمُشْركُونَ سبّوا الْقُرْآن وَمن جَاءَ بِهِ، فَقَالَ لنبيّه: ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ [الْإِسْرَاء: ١١٠] . وَفِيه أَبُو سعيد: قَالَ لِابْنِ أبي صعصعة: إِنِّي أَرَاك تحبّ الْغنم والبادية فَإِذا كنت فِي غنمك أَو باديتك فأذّنت بِالصَّلَاةِ فارفع صَوْتك بالنداء، فَإِنَّهُ لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن إنس وَلَا جن، وَلَا شَيْء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة. [قَالَ أَبُو سعيد] سمعته من النَّبِي -[ ﷺ ]-. وَفِيه عَائِشَة: كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- يقْرَأ الْقُرْآن، وَرَأسه فِي حجري وَأَنا حَائِض.

стр. 399

وَقلت: رَضِي الله عَنْك ﴿ظنّ الشَّارِح أَن غَرَض البُخَارِيّ إِثْبَات جَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن بتحسين الصَّوْت، وَلَيْسَ كَذَلِك. وَإِنَّمَا غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى مَا تقدّم من وصف التِّلَاوَة بالْحسنِ والتحسين، وَالرَّفْع والخفض، ومقارنة الْحَالَات البشرية، كقولها: " قَرَأَ الْقُرْآن فِي حجري وَأَنا حَائِض ". فَهَذَا كلّه يُحَقّق أَن الْقِرَاءَة فعل الْقَارئ، ومتصفة بِمَا تتصف الْأَفْعَال بِهِ، ومتعلّقة بالظروف المكانية والزمانية أُسْوَة بالأفعال كلهَا. (٣٧١ - (١٣) بَاب قَول الله ﵎: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدّكر﴾ [الْقَمَر: ١٧] .) وَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: " كلّ ميسّر لما خلق لَهُ " [يُقَال: ميسّر:] مهيّأ. فِيهِ عمرَان: قلت: يَا رَسُول الله﴾ فيمَ يعْمل الْعَامِلُونَ؟ . قَالَ: كل ميسّر لما خلق لَهُ. وروى عَليّ مَعْنَاهُ عَن النَّبِي -[ ﷺ ]-.

стр. 400

قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿الشَّارِح بعيد عَن قصد البُخَارِيّ بِهَذَا التراجم. وَهُوَ رَاجع إِلَى مَا تقدّم من وصف الْقِرَاءَة بالتيسير. وَهَذَا يدلّ على أَنَّهَا فعل. وَيشْهد قَوْله: " كل ميسّر لما خلق لَهُ ". وَمِمَّا خلق لَهُ التِّلَاوَة. وَالله أعلم. (٣٧٢ - (١٤) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٤٧] وَإِن أَعمال بني آدم وأقوالهم توزن. وَقَالَ مُجَاهِد: القسطاط الْعدْل بالرومية وَيُقَال: الْقسْط مصدر المقسط وَهُوَ الْعَادِل، فَأَما القاسط فَهُوَ الجائر .) وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: كلمتان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن، خفيفتان على اللِّسَان، ثقيلتان فِي الْمِيزَان: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، وَسُبْحَان الله الْعَظِيم ". قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ جمع البُخَارِيّ فِي هَذِه التَّرْجَمَة بَين فَوَائِد. وَمِنْهَا وصف الْأَعْمَال بِالْوَزْنِ. وَمِنْهَا: إدراج الْكَلَام فِي الْأَعْمَال، لأنّه وصف الْكَلِمَتَيْنِ بالخفّة على اللِّسَان، والثقل فِي الْمِيزَان، دلّ أَن الْكَلَام عمل يُوزن. وَمِنْهَا: أَنه ختم كِتَابه بِهَذَا التَّسْبِيح. وَقد ورد فِي الحَدِيث مَا يدّل على اسْتِحْبَاب ختم الْمجَالِس بالتسبيح وَأَنه كَفَّارَة لما لَعَلَّه يتّفق فِي أثْنَاء الْكَلَام ممّا يَنْبَغِي هجره. وَهَذَا نَظِير كَونه

стр. 401

بَدَأَ كِتَابه بِحَدِيث: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " فَكَأَنَّهُ تأدّب فِي فاتحته وخاتمته بآداب السنّة وَالْحق. فالأدب فِي الِابْتِدَاء إخلاص الْقَصْد والنيّة، وَفِي الِانْتِهَاء مراقبة الخواطر، ومناقشة النَّفس على الْمَاضِي والاعتماد، فِي تَكْفِير مَا لَعَلَّه يحْتَاج إِلَى التَّكْفِير بِمَا جعله الشَّرْع مكفّراً للهفوات، مخلصاً للحسنات من النزعات الدَّاخِلَة فِي حيّز الْفَوات. وَالله أعلم. تمّ الْكتاب بِحَمْد الله وعونه وتيسير مِنْهُ. ونسأل الله اللَّطِيف بِلُطْفِهِ وَرَحمته أَن يَجعله عوناً على طَاعَته موصلاً إِلَى جنّته وَكَرمه، وَأَن ينفع بِهِ مؤلّفه وكاتبه ومستمعه وقارئه بِمُحَمد نبيّه وعترته - صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله، ورضى الله عَن أَصْحَابه وذرّيتّه. وَوَافَقَ الْفَرَاغ مِنْهُ يَوْم الِاثْنَيْنِ الْمُبَارك خَامِس عشرى رَجَب الْفَرد سنة ألف وَمِائَة وَإِحْدَى وَعشْرين. وَالْحَمْد لله وَحده - تمّ