← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5772

المتواري على أبواب البخاري

ابن المُنَيِّر

Полный текст (401 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٣٣٦ - (٣) بَاب الطّواف بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَام) فِيهِ ابْن عمر: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- بَينا أَنا نَائِم رَأَيْت أَنِّي أَطُوف بِالْكَعْبَةِ، فَإِذا رجل آدم سبط الشّعْر بَين الرجلَيْن ينطف رَأسه مَاء. فَقلت: من هَذَا؟ فَقَالُوا: ابْن مَرْيَم. فَذَهَبت ألتفت فَإِذا رجل آخر جسيم أَعور الْعين الْيُمْنَى. فَقَالُوا: هَذَا الدَّجَّال. قلت: ﵁! ذكر الشَّارِح أَن الْكَعْبَة مِثَال الإِمَام الْأَعْظَم. ومصداق ذَلِك عِنْدِي، أَنى رَأَيْت قبل وَاقعَة بَغْدَاد - حرز الله الْمُسلمين عَن مصيبتها - كَأَنِّي فِي الْحرم شرّفه الله. وَكَانَ مَكَان الْكَعْبَة خَال مِنْهَا. وَكَانَ ذَلِك قبل الْوَاقِعَة بِنَحْوِ السنّة. وَالله أعلم. (٦٦ - [كتاب الرقَاق] ) (٣٣٧ - (١) بَاب لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة)

стр. 352

فِيهِ ابْن عَبَّاس - رضى الله عَنهُ -: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: نعمتان مغبون فيهمَا كثير من النَّاس: الصِّحَّة والفراغ. وَفِيه أنس وَسَهل: كنّا مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]- بالخندق، وَهُوَ يحْفر وَنحن ننقل التُّرَاب، ويمرّ بِنَا. فَيَقُول: (اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة ... فَاغْفِر للْأَنْصَار والمهاجرة) قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه دُخُول الحَدِيث الأول فِي التَّرْجَمَة أَن النَّاس غبن كثير مِنْهُم فِي هَاتين النعمتين إيثاراً مِنْهُم لعيش الدُّنْيَا على عَيْش الْآخِرَة. فبيّن بِحَدِيث التَّرْجَمَة أَن الْعَيْش الَّذِي شغفوا بِهِ لَيْسَ بِشَيْء، إِنَّمَا الْعَيْش هُوَ الَّذِي شغلوا عَنهُ. (٣٣٨ - (٢) بَاب من بلغ سِتِّينَ سنة فقد أعذر الله إِلَيْهِ الْعُمر) لقَوْله : ﴿أَو لم نعمّركم مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر وَجَاءَكُم النذير﴾ [فاطر: ٣٧] يعْنى الشيب. فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- أعذر الله إِلَى امْرِئ أخرّ أَجله حَتَّى بلغ سِتِّينَ سنة.

стр. 353

وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: لَا يزَال قلب الْكَبِير شابّاً فِي اثْنَتَيْنِ: حبّ الدُّنْيَا، وَطول الأمل. وَفِيه أنس: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]-: قَالَ: يكبر ابْن آدم، وتكبر مَعَه اثْنَتَانِ: حب المَال وَطول الأمل. وَفِيه عتْبَان بن مَالك: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: لن يوافى عبد يَوْم الْقِيَامَة يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، يَبْتَغِي بهَا وَجه الله إِلَّا حرمّ الله عَلَيْهِ النَّار. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: يَقُول ﴿مَا لعبدي جَزَاء إِذا قبضت صَفيه من أهل الدُّنْيَا إِذا احتسبه إِلَّا الجنّة. قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ وَجه مُطَابقَة حَدِيث عتْبَان للتَّرْجَمَة التنبيّه على أَن هَذَا الْإِعْذَار لَا يقطع التَّوْبَة بعد ذَلِك. وَإِنَّمَا هُوَ إعذار لقطع الحجّة الْبَالِغَة قبل هَذَا السن. وَبَقَاء الرَّجَاء بالأحاديث الَّتِي سَاقهَا مَعَ حَدِيث التَّرْجَمَة. فقبول الله التَّوْبَة لعَبْدِهِ بعد هَذَا السّن من فَضله، لَا من حق العَبْد على أَنه لَا حق لَهُ على الله قبل وَلَا بعد. (٣٣٩ - (٣) بَاب مَا يحذر من زهرَة الدُّنْيَا والتنافس فِيهَا .) فِيهِ عَمْرو بن عَوْف: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- بعث أَبَا عُبَيْدَة إِلَى الْبَحْرين يَأْتِي

стр. 354

بجزيتها فَقدم بِالْمَالِ فَسمِعت الْأَنْصَار بقدومه، فوافت صَلَاة الصُّبْح مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] فَلَمَّا انْصَرف تعرضوا لَهُ فَتَبَسَّمَ. قَالَ: أظنكم سَمِعْتُمْ بقدوم أبي عُبَيْدَة، قَالُوا: أجل. قَالَ فأبشروا وأمّلوا مَا يسرّكم. فوَاللَّه ﴿مَا الْفقر أخْشَى عَلَيْكُم، وَلَكِن أخْشَى عَلَيْكُم أَن تبسط عَلَيْكُم الدُّنْيَا، كَمَا بسطت على من كَانَ قبلكُمْ، فتنافسوها كَمَا تنافسوها، وتلهيكم كَمَا ألهتهم. وَفِيه عقبَة بن عَامر: خرج النَّبِي -[ ﷺ ]- يَوْمًا. فصلىّ على أهل أحد صلَاته على الْمَيِّت - الحَدِيث -. ثمَّ قَالَ: وإنى وَالله مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَن تُشْرِكُوا بعدِي، ولكنى أَخَاف عَلَيْكُم مَا يخرج الله لكم من بَرَكَات الأَرْض. قيل مَا بَرَكَات الأَرْض يَا رَسُول الله؟﴾ قَالَ: زهرَة الدُّنْيَا. الحَدِيث، على مَا فِي " كتاب الزَّكَاة، بَاب الصَّدَقَة على الْيَتَامَى ". فِيهِ عمرَان إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: خير الْقُرُون قَرْني، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ. ثمَّ يكون بعدهمْ قوم يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون، ويخونون وَلَا يؤتمنون، وَيظْهر فيهم السّمن. وَفِيه خباب: قَالَ: إِن أَصْحَاب مُحَمَّد مضوا، وَلم تنقصهم الدُّنْيَا شَيْئا. وَإِنَّمَا أصبْنَا من الدُّنْيَا مَا لَا نجد لَهُ موضعا إِلَّا التُّرَاب. قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه مُطَابقَة هَذِه التَّرْجَمَة لحَدِيث عمر قَوْله: " وَيظْهر فيهم السّمن " فَذَلِك من زهرَة الدُّنْيَا. وَيحْتَمل أَن يكون سَاقه على أَن

стр. 355

السّلف ﵃ سلمُوا من فتْنَة الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ ﵇ وَصفهم بِأَنَّهُم خير الْقُرُون، إِلَى الْقرن الثَّالِث، حذرا من أَن يتخيّل إِلَيْهِم أَنهم افتتنوا بزهرة الدُّنْيَا، وَأَن الَّذِي خشى عَلَيْهِم وَقع مِنْهُم فبرّأهم بِحَدِيث عَمْرو وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث خبّاب. (٦٧ - [كتاب الْقُرْآن] ) (٣٤٠ - (١) بَاب نزل الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش وَالْعرب. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ و ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٥] .) فِيهِ أنس: قَالَ: أَمر عُثْمَان زيد بن ثَابت، وَسعد بن الْعَاصِ، وعبد الله بن الزبير، وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أَن ينسخوها فِي الْمَصَاحِف. وَقَالَ لَهُم: إِذا اختلفتم أَنْتُم وَزيد بن ثَابت فِي عربيّة من عَرَبِيَّة الْقُرْآن فاكتبوها بِلِسَان قُرَيْش. قَالَ: الْقُرْآن انْزِلْ بلسانهم، فَفَعَلُوا. فِيهِ يعلي بن أُميَّة: إِنَّه كَانَ يَقُول: لَيْتَني أرى النَّبِي -[ ﷺ ]- حِين ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي. فَلَمَّا كَانَ بالجعرّانة وَعَلِيهِ الثَّوْب قد أظلّ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ نَاس من أَصْحَابه، إِذْ جَاءَهُ رجل متضمّخ بِطيب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! كَيفَ ترى فِي

стр. 356

رجل أحرم فِي جبّة بعد مَا تضمخ بِطيب، فَنظر النَّبِي -[ ﷺ ]- سَاعَة، فَجَاءَهُ الوحى فَأَشَارَ عمر إِلَى يعلى أَن تعال. فجَاء يعلى، فَأدْخل رَأسه. فَإِذا هُوَ محمّر الْوَجْه يغطّ كَذَلِك سَاعَة، ثمَّ سرّى عَنهُ، فَقَالَ: أَيْن الَّذِي سَأَلَ عَن الْعمرَة آنِفا؟ الحَدِيث. قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿حَدِيث يعلى أقعد بالترجمة الْمُتَقَدّمَة الَّتِي ضمنهَا نزُول الْوَحْي مُطلقًا. وَهَذِه خصّها بِالْقُرْآنِ. وَكَأَنَّهُ قصد التَّنْبِيه على أَن الْقُرْآن والسنّة كليهمَا بوحى وَاحِد بِلِسَان وَاحِد. (٣٤١ - (٢) بَاب نزُول السكينَة وَالْمَلَائِكَة عِنْد الْقِرَاءَة) فِيهِ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم: عَن أسيد بن حضير، بَينا هُوَ يقْرَأ من اللَّيْل سُورَة الْبَقَرَة وفرسه مربوطة، إِذْ جالت الْفرس فَسكت فسكنت. ثمَّ قَرَأَ فجالت فَانْصَرف، وَكَانَ ابْنه يحي قَرِيبا مِنْهَا فأشفق أَن تصيبه. فلمّا أصبح حدّث النَّبِي [ ﷺ ] . فَقَالَ: اقْرَأ يَا ابْن حضير، اقْرَأ يَا ابْن حضير. قَالَ: فَأَشْفَقت يَا رَسُول الله﴾ أَن تطَأ يحيى. فَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء فَإِذا مثل الظلة، فِيهَا أَمْثَال المصابيح فَخرجت حَتَّى لَا أَرَاهَا وَقَالَ: وتدرى مَا ذَاك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَة دنت لصوتك. وَلَو قَرَأت لأصبحت ينظر النَّاس إِلَيْهَا لَا تتوارى مِنْهُم.

стр. 357

قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿ترْجم على نزُول السكينَة وَالْمَلَائِكَة، وَلم يذكر فِي هَذَا الحَدِيث إِلَّا الْمَلَائِكَة، لَكِن فِي حَدِيث الْبَراء فِي سُورَة الْكَهْف تِلْكَ السكينَة نزلت. فلمّا أخبر عَن نُزُولهَا عِنْد سَماع الْقُرْآن، نبّه البُخَارِيّ [على] تلازمهما، وَفهم من الظلّة أَنَّهَا السكينَة. فَلهَذَا سَاقهَا فِي التَّرْجَمَة. وَالله أعلم. (٣٤٢ - (٣) بَاب فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام) فِيهِ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: مثل الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيّب. وَالَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كالتمرة طعمها طيب وَلَا ريح لَهَا. وَمثل الْفَاجِر الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الريحانة رِيحهَا طيّب وطعمها مرّ. وَمثل الْفَاجِر الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الْحِنْطَة طعمها مرّ وَلَا ريح لَهَا. وَفِيه عمر: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: إِنَّمَا أجلكم فِيمَا خلا من الْأُمَم، كَمَا بَين صَلَاة الْعَصْر ومغرب الشَّمْس. ومثلكم وَمثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى كَمثل رجل اسْتعْمل عمّالاً، فَقَالَ: من يعْمل لي من نصف النَّهَار إِلَى الْعَصْر على قِيرَاط. فَعمِلت النَّصَارَى. ثمَّ أَنْتُم تَعْمَلُونَ من الْعَصْر إِلَى الْمغرب بقيراطين قيراطين. قَالُوا - الْيَهُود -: نَحن أَكثر عملا وأقلّ عَطاء. قَالَ: هَل ظلمتكم من حقكم؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِك فضلي أوتيه من أَشَاء. قلت: رضى الله عَنْك﴾ وَجه مُطَابقَة الْحَدِيثين للتَّرْجَمَة أَنه وصف حَامِل الْقُرْآن وَالْعَامِل بالكمال، وَهُوَ اجْتِمَاع المنظر والمخبر. وَلم يثبت هَذَا الْكَمَال لحامل غَيره من الْكتب، فَكيف بالْكلَام.

стр. 358

(٣٤٣ - (٤) بَاب من لم يتغنّ بِالْقُرْآنِ. قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ [العنكبوت: ٥١] .) فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لم يَأْذَن الله لشَيْء مَا أذن لنبيّ أَن يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ. وَقَالَ صَاحب لَهُ: يُرِيد يجْهر بِهِ. وَقَالَ مرّة: مَا أذن لنبيَ أَن يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ. قَالَ سُفْيَان: تَفْسِيره يسْتَغْنى بِهِ. وَذكر فِي كتاب الِاعْتِصَام حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: لَيْسَ منا من لم يتغنّ بِالْقُرْآنِ. وَزَاد غَيره: يجْهر بِهِ. ذكره فِي بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو أجهروا بِهِ﴾ . [الْمَائِدَة: ١٣] . قلت: رَضِي الله عَنْك! يفهم من تَرْجَمَة البُخَارِيّ أَن يحمل التغنى على الِاسْتِغْنَاء لَا على الْغناء بِكَوْنِهِ أتبع الحَدِيث بِالْآيَةِ. ومضمونها الْإِنْكَار على من لم يسْتَغْن بِالْقُرْآنِ عَن غَيره من الْكتب السالفة وَمن المعجزات الَّتِي كَانُوا يقترحونها، وَهُوَ مُوَافق لتأويل ابْن عُيَيْنَة. وَلَكِن ابْن عُيَيْنَة حمله على الِاسْتِغْنَاء الَّذِي هُوَ ضد الْفقر. وَالْبُخَارِيّ يحملهُ على الِاسْتِغْنَاء الَّذِي هُوَ أعمّ من هَذَا، وَهُوَ الِاكْتِفَاء.

стр. 359

مُطلقًا ويندرج فِي ذَلِك عدم الافتقار إِلَى الِاسْتِظْهَار والاستغناء بِالْحَقِّ لِأَن فِيهِ من المواعظ والآيات والزواجر مَا نزع صَاحبه عَن حوائج الدُّنْيَا وَأَهْلهَا. وَأطَال ابْن بطال فِي نقل الردّ على من فسّره بالاستغناء، وَإِن ذَلِك مُخَالفَة للغة. وقدح فِي الْآثَار الَّتِي اسْتشْهد بهَا المفسّر لِابْنِ عُيَيْنَة. وَعِنْدِي أَن التَّفْسِير صَحِيح لُغَة، يدلّ عَلَيْهِ قَوْله -[ ﷺ ]-، فِي الْخَيل: " وَرجل ربطها تغّنيا وَتَعَفُّفًا ". وَلَا خلاف لُغَة أَنه مصدر " تغني "، ثمَّ لَا إِشْكَال بعد أَن تغنى بهَا. وَهَذَا بِمَعْنى اسْتغنى بهَا وتعفف. وَلم أَقف على هَذَا الاستشهاد لغيري. وَالله الْمُوفق. (٣٤٤ - (٥) بَاب اغتباط صَاحب الْقُرْآن .) فِيهِ ابْن عمر: سَمِعت النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول: لَا حسد إِلَّا على اثْنَيْنِ: رجلّ آتَاهُ الله الْكتاب، فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار. وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يتَصَدَّق بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار. فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَيْنِ: رجل علّمه الله الْقُرْآن فَهُوَ يَتْلُو آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، فَسَمعهُ جارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتى، فَعمِلت مثل مَا يعْمل. وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يهلكه فِي الْحق.

стр. 360

فَقَالَ رجل: لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتى فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل. قلت: رضى الله عَنْك ﴿بينّ بالترجمة أَن الْحَسَد الْمَذْكُور فِي الحَدِيث هُوَ الِاغْتِبَاط. وَقد فسّره فِي الحَدِيث بتمنّى الْمُمَاثلَة فِي الْخَيْر، لَا بتمنّي سلب الْخَيْر عَن الْغَيْر وجرّه إِلَيْهِ. (٣٤٥ - (٦) بَاب خَيركُمْ من تعلّم الْقُرْآن وعلّمه) فِيهِ عُثْمَان: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: خَيركُمْ من تعلّم الْقُرْآن وعلّمه. وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن: وَذَلِكَ الَّذِي أقعدني مقعدي هَذَا. وَقَالَ مرّة: " إِن أفضلكم من تعلّم الْقُرْآن وعلمّه ". وَفِيه سهل بن سعد: إِن امْرَأَة أَتَت النَّبِي -[ ﷺ ]-، وَقَالَت: إِنَّهَا قد وهبت نَفسهَا لله وَلِرَسُولِهِ - الحَدِيث -. فَقَالَ [رجل] : زوّجنيها - إِلَى قَوْله - زوّجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن. قلت: رضى الله عَنْك﴾ مُطَابقَة الْأَحَادِيث للتَّرْجَمَة بيّنة إِلَّا حَدِيث سهل.

стр. 361

وظنّ ابْن بطال أَن وَجه مطابقته أَنه زوّجه الْمَرْأَة لحُرْمَة الْقرَاءَات، وَلَيْسَ كَذَلِك. بل معنى قَوْله -[ ﷺ ]-: " زوّجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن " بِأَن تعلّمها مَا مَعَك من الْقُرْآن، فَهُوَ من قبيل التَّزْوِيج على الْمَنَافِع الَّتِي يجوز عقد الْإِجَارَة عَلَيْهَا. وعَلى هَذَا حمله الْأَئِمَّة. وَهُوَ الَّذِي فهمه البُخَارِيّ ﵀، فَأدْخلهُ فِي بَاب تَعْلِيم الْقُرْآن. وَالله أعلم. وَقد ظهر بِهَذَا الحَدِيث فضل الْقُرْآن على صَاحبه فِي الدّين وَالدُّنْيَا، يَنْفَعهُ فِي دينه بِمَا فِيهِ من المواعظ والآيات، وينفعه فِي دُنْيَاهُ، لِأَنَّهُ قَامَ لَهُ مقَام المَال الَّذِي يتوصّل بِهِ إِلَى النِّكَاح وَغَيره من الْمَقَاصِد. (٣٤٦ - (٧) بَاب تَعْلِيم الصّبيان الْقُرْآن .) فِيهِ ابْن جُبَير: قَالَ: إِن الَّذِي تَدعُونَهُ الْمفصل هُوَ الْمُحكم. [وَقَالَ:] قَالَ ابْن عَبَّاس: توفىّ رَسُول الله -[ ﷺ ]- وَأَنا ابْن عشر سِنِين. وَقد قَرَأت الْمُحكم. قيل لَهُ: وَمَا الْمُحكم؟ قَالَ الْمفصل. قلت: رَضِي الله عَنْك! إِنَّمَا ذكر قَول ابْن جُبَير تَوْطِئَة لتفسير ابْن عَبَّاس الْمُحكم بالمفصل، وَأَنه تعلّمه وَهُوَ صبىّ.

стр. 362

وَلَو اسْتشْهد بِمثل " غطّوا أست قارئكم "، وَكَانَ طفْلا لم يلْتَزم ستر عَوْرَته بعد، لَكَانَ أقعد بتعليم الصّبيان. (٣٤٧ - (٨) بَاب نِسْيَان الْقُرْآن، وَهل يَقُول: نسيت آيَة كَذَا وَكَذَا. وَقَوله تَعَالَى:: ﴿ونقرئك فَلَا تنسى﴾ [الْأَعْلَى: ٦] . فِيهِ عَائِشَة - رضى الله عَنْهَا - قَالَت: سمع النَّبِي -[ ﷺ ]- رجلا يقْرَأ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ: يرحمه الله، لقد أذكرني آيه كَذَا وَكَذَا أسقطتهن فِي سُورَة كَذَا. فِيهِ عبد الله: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: مَا لأَحَدهم يَقُول: نسيت آيَة كَيْت وَكَيْت، بل هُوَ نسّى. قلت: رضى الله عَنْك! ترْجم على نِسْيَان الْقُرْآن، فأضاف النسْيَان إِلَيْهِ، وَذكر الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهرهَا التَّعَارُض. فَقَوله -[ ﷺ ]- أسقطتهن من سُورَة كَذَا، يدّل على الْجَوَاز لِأَن الْإِسْقَاط نِسْيَان، وَقد أَضَافَهُ إِلَى نَفسه على أَنه الْفَاعِل، وَإِلَى الْقُرْآن على أَنه الْمُتَعَلّق. وَقَوله: مَا لأَحَدهم يَقُول: نسيت آيَة كَذَا، إنكاراً لهَذَا الْإِطْلَاق، فأفهم أَن محمل الْمَنْع غير محمل الْإِذْن. فَالَّذِي منع أَن يُوهم بِإِطْلَاقِهِ أَنه ترك شَيْئا من كتاب الله، لِأَن " نسى " مُشْتَرك بَين " سَهَا " وَبَين " ترك " قصدا. فَمَا كَانَ موهماً

стр. 363

منع من إِطْلَاقه. فَأَما قَوْله: " أذكرني آيه أسقطتها "، فَهُوَ صَرِيح فِي السَّهْو بِقَرِينَة قَوْله: " لقد أذكرني فَزَالَ الْوَهم فَجَاز الْإِطْلَاق. وظنّ الشَّارِح أَن النهى عَن قَوْله: " نسيت " من قبيل الزام إِضَافَة الْأَفْعَال إِلَى الله لِأَنَّهُ خَالِقهَا حَقِيقَة، وإضافتها إِلَى الْغَيْر مجَاز. وَهَذَا وهم مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَا طرد فِي كل فعل، ولعارض قَوْله: " أسقطتهن " ثمَّ هُوَ خلاف الْإِجْمَاع فِي جَوَاز إِضَافَة أَفعَال الْعباد إِلَيْهِم مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ مخلوقة لله، فَلَيْسَ إِلَّا مَا قدّمته. وَالله أعلم. وَلِهَذَا خلص الْوَهم بقوله: " هُوَ نسى " لِأَن هَذَا لَا يُوهم التّرْك من نَفسه عمدا، فَتَأَمّله. (٣٤٨ - (٩) بَاب الترتيل فِي الْقُرْآن .) ٨ - (ورتل الْقُرْآن ترتيلاً﴾ [المزمل: ٤] وَقَوله تَعَالَى: ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على النَّاس على مكث ونزلناه تَنْزِيلا﴾ [الْإِسْرَاء: ١٠٦] . وَمَا يهذّ كهذّ الشّعْر. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فرقناه: فصلناه. فِيهِ عبد الله: إِن رجلا قَالَ: قَرَأت الْمفصل البارحة، فَقَالَ: هذّا كهذّ الشّعْر. إِنَّا قد سمعنَا الْقِرَاءَة، وَإِنِّي لأحفظ القرناء الَّتِي كَانَ يقْرَأ بهَا رَسُول الله [ ﷺ ] ثَمَانِي عشرَة سُورَة من الْمفصل، وسورتين من آل حَامِيم.

стр. 364

وَفِيه ابْن عَبَّاس: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- إِذا نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي، وَكَانَ مِمَّا يُحَرك بِهِ لِسَانه وشفتيه، فيشتد عَلَيْهِ. فَأنْزل الله سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ . الحَدِيث. قلت: رضى الله عَنْك ﴿الصَّحِيح فِي قَوْله: ﴿وقرآناً فرقناه﴾ أَن المُرَاد " نزلناه " نجوماً لَا جملَة وَاحِدَة، بِخِلَاف الْكتب الْمُتَقَدّمَة، فَإِنَّهَا نزلت جملَة. وَهَكَذَا معنى: ﴿لتقرأه على النَّاس على مكث﴾ فقرأه عَلَيْهِم حسب نُزُوله فِي ثَلَاث وَعشْرين سنة. وعَلى هَذَا التَّأْوِيل يخرج عَن مَقْصُود التَّرْجَمَة إِلَّا أَن يُقَال: لما أنزلهُ منجّماً مفرقاً، ناسب هَذَا الأناة فِي تِلَاوَته، وَهُوَ معنى الترتيل. (٣٤٩ _ (١٠) بَاب حسن الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ .) فِيهِ أَبُو مُوسَى: أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ لَهُ: لقد أُوتيت مزمار من مَزَامِير آل دَاوُد ". قلت: رضى الله عَنْك﴾ حسن الصَّوْت يُطلق على وَجْهَيْن: يُطلق على الغنّة الخلقية، فَهَذَا لَا يترجم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غير مكتسب، وَلَا تَكْلِيف بِهِ. وَيُطلق على تعَاطِي حسن الصَّوْت، فَمن هُوَ خلقه فِيهِ فيزيده حسنا، وممّن

стр. 365

لَيْسَ خلقه فِيهِ، فيتسلق على أَن يكتسبه. وَهَذَا يدْخل تَحت التَّكْلِيف والترجمة. وليحذر أَن يتَكَلَّف من ذَلِك مَا يفْسد عَلَيْهِ أصل صلَاته إِن كَانَ مُصَليا، أَو أصل الْفضل إِن كَانَ تالياً. فقد رَأينَا بَعضهم يكثر من التنحنح، يزْعم أَنه يصقل حلقه بذلك فِي أثْنَاء الصَّلَاة، فَيبْطل على نَفسه وعَلى مأموميه. (٣٥٠ _ (١١) بَاب قَول الْمُقْرِئ للقارئ: حَسبك .) فِيهِ عبد الله: قَالَ النَّبِي _[ ﷺ ]_: اقْرَأ على. قلت: يَا رَسُول الله ﴿اقْرَأ عَلَيْك، وَعَلَيْك أنزل؟ قَالَ: نعم. فَقَرَأت سُورَة النِّسَاء، حَتَّى أتيت إِلَى هَذِه الْآيَة: ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ [النِّسَاء: ٤١] . قَالَ: حَسبك. فَالْتَفت إِلَيْهِ، فَإِذا عَيناهُ تَذْرِفَانِ. قلت: رضى الله عَنْك﴾ مدْخل هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْفِقْه إزاحة الشُّبْهَة عَمَّن يستمع إِلَى قَارِئ قُرْآن أَو حَدِيث، يعرض لَهُ مَانع من ملل أَو غَيره، فَلهُ أَن يكف الْقَارئ، وَلَا يخرج بِكَوْنِهِ قطع عَلَيْهِ التِّلَاوَة. وَلَا يعد فِيمَن استخفّ بِكِتَاب الله، لِأَن الدّين يسر.

стр. 366

(٦٨ - [كتاب التَّمَنِّي] ) (٣٥١ - (١) بَاب مَا يجوز من اللو وَقَوله: ﴿لَو أَن لي بكم قُوَّة﴾ [هود: ٨٠] ) فِيهِ ابْن عَبَّاس: وَذكر المتلاعنين، فَقَالَ عبد الله بن شَدَّاد هِيَ الَّتِي قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لَو كنت راجماً امْرَأَة بِغَيْر بيّنة؟ فَقَالَ: لَا. تِلْكَ امْرَأَة أعلنت. وَفِيه ابْن عَبَّاس: أعتم النَّبِي _[ ﷺ ]_ بالعشاء فَخرج عمر، فَقَالَ: الصَّلَاة يَا رَسُول الله! رقد النِّسَاء وَالصبيان. فَخرج وَرَأسه يقطر يَقُول: لَوْلَا أشقّ على أمتِي لأمرتهم بِالصَّلَاةِ فِي هَذِه السَّاعَة. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي _[ ﷺ ]_: لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ. وَفِيه أنس: وَاصل النَّبِي _[ ﷺ ]_ آخر الشَّهْر، وواصل أنَاس من النَّاس، فَبلغ النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالَ: لَو مدّ بى الشَّهْر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم - الحَدِيث -. وَقَالَ مرّة: لَوْلَا تأخري لزدتكم كالمنكّل لَهُم.

стр. 367

وَفِيه عَائِشَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-. لَوْلَا أَن قَوْمك حَدِيث عَهدهم بالجاهلية فَأَخَاف أَن تنكر قُلُوبهم أَن أَدخل الْجدر بِالْبَيْتِ، وَأَن ألصق بَابه بِالْأَرْضِ. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرَءًا من الْأَنْصَار، لَو سلك النَّاس وَاديا وسلكت الْأَنْصَار وَاديا - أَو شعبًا - لَسَلَكْت وادى الْأَنْصَار - أَو شعب الْأَنْصَار -. قلت: رضى الله عَنْك ﴿" لَو " على وَجْهَيْن: للشّرط فِي الْمُضِيّ، وللمنى. فالتي للشّرط خَارِجَة عَن التَّرْجَمَة بالتمني. وَإِنَّمَا الِاشْتِرَاك بَينهمَا لَفْظِي، وَجَمِيع مَا أوردهُ البُخَارِيّ هَهُنَا من قبيل الشّرطِيَّة لَا التَّمَنِّي، إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أَن لى بكم قُوَّة﴾ ، فإدخاله تِلْكَ فِي التَّرْجَمَة منتقد. وَالله أعلم. (٦٩ - [كتاب الْقدر] ) (٣٥٢ _ (﴾ ) بَاب جف الْقَلَم على علم الله. وَقَوله: وأضله الله على علم .) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق وَقَالَ ابْن عَبَّاس: ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٦١] سبقت لَهُم السَّعَادَة.

стр. 368

قلت: رَضِي الله عَنْك! التَّأْوِيل فِي الْآيَة مُحْتَمل لما أَرَادَ البُخَارِيّ وَهُوَ إِضَافَة الْعلم إِلَى الله. أَي أضلّه الله على علمه الْقَائِم بِأَنَّهُ سَيكون ضَالًّا. وَيحْتَمل: ". وأضلّه الله على علم " من هَذَا الضال بِالْحَقِّ وَلكنه حاد عَن علمه عناداً من قبيل: ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم﴾ [النَّمْل: ١٤] وعَلى هَذَا يخرج عَن التَّرْجَمَة. وَالله أعلم. (٧٠ - [كتاب الِاعْتِصَام بِالْكتاب وَالسّنة] ) (٣٥٣ - (١) بَاب مَا ذكر النَّبِي -[ ﷺ ]-، وحض عَلَيْهِ من اتِّفَاق أهل الْعلم، وَمَا اجْتمع عَلَيْهِ الحرمان مَكَّة وَالْمَدينَة وَمَا كَانَ بهما من مشَاهد النَّبِي -[ ﷺ ]- والمهاجرين وَالْأَنْصَار، ومصلى النَّبِي -[ ﷺ ] - والمنبر والقبر.) فِيهِ جَابر: إِن أَعْرَابِيًا بَايع النَّبِي -[ ﷺ ]- على الْإِسْلَام - الحَدِيث - فَقَالَ: أَقلنِي بيعتي - الحَدِيث -. فَقَالَ: إِنَّمَا الْمَدِينَة كالكير تنفى خبثها وتنصع طيبّها. وَفِيه ابْن عَبَّاس: كنت أَقْْرِئ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فلّما كَانَ آخر حجَّة حجّها عمر. قَالَ عبد الرَّحْمَن بمنى: لَو شهِدت أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتَاهُ رجل. فَقَالَ: إِن فلَانا يَقُول: لَو مَاتَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبَايعْنَا فلَانا. فَقَالَ عمر: لأقومنّ العشية فأحذّر هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين يُرِيدُونَ يغصبونهم

стр. 369

قلت: لَا تفعل، فَإِن الْمَوْسِم يجمع رعاع النَّاس، ويغلبون على مجلسك. فَأَخَاف أَن لَا ينزلوها على وَجههَا. ويطيروا بِهِ كل مطير. فأمهل حَتَّى تقدّم الْمَدِينَة دَار الْهِجْرَة وَدَار السنّة. فتخلص بأصحاب النَّبِي -[ ﷺ ]- من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، ويحفظوا مَقَالَتك، وينزلوها على وَجههَا. الحَدِيث. وَفِيه مُحَمَّد: كُنَّا عِنْد أبي هُرَيْرَة، وَعَلِيهِ ثَوْبَان ممشقان من كتّان، فتمخط فَقَالَ: بخٍ بخٍ أَبُو هُرَيْرَة لقد رَأَيْتنِي وَإِنِّي لأخرّ فِيمَا بَين مِنْبَر النَّبِي [ ﷺ ] إِلَى حجرَة عَائِشَة مغشياً علىّ، فيجئ الجائي فَيَضَع رجله على عنقِي، وَيرى أَنِّي مَجْنُون، وَمَا بى جُنُون، مَا بِي إِلَّا الْجُوع. وَفِيه ابْن عَبَّاس: قيل لَهُ: أشهدت الْعِيد مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]-؟ فَقَالَ: نعم ﴿وَلَوْلَا منزلتي مِنْهُ من الصغر مَا شهدتّه. أَتَى الْعلم الَّذِي عِنْد دَار كثير بن الصَّلْت فصلى، ثمَّ خطب. الحَدِيث. وَفِيه ابْن عمر: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- كَانَ يَأْتِي قبَاء رَاكِبًا وماشياً. وَفِيه عَائِشَة: قلت لعبد الله بن الزبير: ادفني مَعَ صواحبي، وَلَا تدفني مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]- فِي الْبَيْت، فَإِنِّي أكره أَن أزكى. وَفِيه [هِشَام عَن أَبِيه] أَن عمر أرسل إِلَى عَائِشَة ائذني لى أَن أدفن مَعَ صاحبيّ، فَقَالَت: أَي وَالله﴾ ، وَكَانَ الرجل إِذا أرسل عَلَيْهَا من الصَّحَابَة، قَالَت: لَا وَالله، لَا أوثرهم بِأحد أبدا.

стр. 370

وَفِيه أنس: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- كَانَ يصلى الْعَصْر، فَيَأْتِي العوالي، وَالشَّمْس مُرْتَفعَة. قَالَ يُونُس: وَبعد العوالي أَرْبَعَة أَمْيَال أَو ثَلَاثَة. وَفِيه السَّائِب: كَانَ الصَّاع على عهد رَسُول الله -[ ﷺ ]- مدّاً وَثلثا بمدّكم الْيَوْم وَقد زيد [فِيهِ] وَفِيه أنس: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: اللَّهُمَّ بَارك فِي مكيالهم وَبَارك فِي صاعهم ومدّهم - يَعْنِي أهل الْمَدِينَة -. وَفِيه ابْن عمر: أَن الْيَهُود جَاءُوا إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- بِرَجُل وَامْرَأَة زَنَيَا فَأمر بهما فَرُجِمَا قَرِيبا من حَيْثُ مَوضِع الْجَنَائِز عِنْد الْمَسْجِد. وَفِيه [أنس] : إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- طلع عَلَيْهِ أحد، فَقَالَ: هَذَا جبل يحبّنا ونحبّه اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم حرّم مَكَّة، وَإِنِّي أحرم مَا بَين لَا بتيها. وَفِيه سهل: إِنَّه كَانَ بَين جِدَار الْمَسْجِد مِمَّا يَلِي الْقبْلَة وَبَين الْمِنْبَر ممرّ الشَّاة. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: مَا بَين بَيْتِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة. ومنبري على حَوْضِي. وَفِيه ابْن عمر: سَابق النَّبِي -[ ﷺ ]- بَين الْخَيل، فَأرْسلت الَّتِي أضمرت مِنْهَا

стр. 371

وأمدها [إِلَى] الحفياء - إِلَى ثنية الْوَدَاع. [وَالَّتِي لم تضمر أمدها ثنية الْوَدَاع] إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق. وَفِيه ابْن عمر: سَمِعت عمر على مِنْبَر النَّبِي -[ ﷺ ]- ... ". وَفِيه عَائِشَة: كَانَ يوضع لى ولرسول الله -[ ﷺ ]- هَذَا المركن فنشرع فِيهِ جَمِيعًا. وَفِيه أنس: حَالف النَّبِي -[ ﷺ ]- بَين الْأَنْصَار وقريش فِي دَاري الَّتِي بِالْمَدِينَةِ. وقنت شهرا يَدْعُو على أَحيَاء من بني سليم. وَفِيه أَبُو بردة: قدمت الْمَدِينَة فلقينى عبد الله بن سَلام، فَقَالَ لى: انْطلق إِلَى الْمنزل فأسقيك فِي قدح شرب فِيهِ النَّبِي -[ ﷺ ]-. وتصلى فِي مَسْجِد صلى فِيهِ [النَّبِي -[ ﷺ ]-] . فَانْطَلَقت مَعَه فسقاني سويقا، وأطعمني تَمرا وصلّيت فِي مَسْجده. وَفِيه عمر: أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي، وَهُوَ بالعقيق، أَن صلّ فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك، وَقل: عمْرَة وَحجَّة. وَفِيه ابْن عمر: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- أرى فِي معرسه، وَهُوَ بذى الحليفة، فَقيل لَهُ: إِنَّك ببطحاء مباركة.

стр. 372

وَفِيه ابْن عمر: وَقت النَّبِي -[ ﷺ ]- قرنا لأهل [نجد] ، والجحفة لأهل الشَّام، وَذَا الحليفة لأهل الْمَدِينَة. وَبَلغنِي أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: وَلأَهل الْيمن يَلَمْلَم، وَذكر لَهُ الْعرَاق، فَقَالَ: لم يكن عراق يَوْمئِذٍ. قلت: رضى الله عَنْك! ذكر هَذِه التَّرْجَمَة فِي " كتاب الِاعْتِصَام "، فساق فِيهَا الْأَحَادِيث والْآثَار الَّتِي تَضَمَّنت ذكر مَا يسْتَحق أَن يعتصم بِهِ، ويتيمّن من بقْعَة تخْتَار للسُّكْنَى، وتقصد للبركة، ويعتمد على أَهلهَا فِي أَحْكَام الْملَّة، ونوازل الدّين كالمدينة. وَحَدِيث ابْن عَوْف أقعد بِهَذَا الْمَعْنى، فَإِن الْمَدِينَة عَادَتْ عَلَيْهَا وعَلى أَهلهَا بركَة النَّبِي -[ ﷺ ]- حَيا وَمَيتًا، حَتَّى حركاته الجبلية، فضلا عَن الشَّرْعِيَّة تفيدها خُصُوصِيَّة، وتزيدها مزية، مثل خُرُوجه إِلَى " العوالي " على الْوَجْه الَّذِي صَارَت مسافتها معلما من معالم الصَّلَاة. وَلذكر دَار فلَان الَّذِي اشتهرت مبانيها فِي هَذَا الحَدِيث فَصَارَت مشهداً للصَّلَاة. وعَلى الْجُمْلَة فَإِذا كَانَت مواطنها ومساكنها مفضلة مقتدى بهَا فِي الْأَحْكَام مَوَاقِيت ومشاهد. فَكيف ساكنها وعالمها؟ . فَإِذا كَانَ جبلها قد تميزّ على الْجبَال. فَكيف لَا يتَمَيَّز عالمها على الْعلمَاء فِي مزية الْكَمَال؟ وَإِذا عَادَتْ بركَة كَون النَّبِي -[ ﷺ ]- على الجمادات بالسعادات فَكيف لَا تعود بركته على أهل الديانَات بالمزايا والزيادات؟

стр. 373

فرحمه الله على مَالك لقد أنزلهَا منزلهَا، وَعَفا الله عَمَّن كثر عَلَيْهِ فِي الِاحْتِجَاج بإجماعها، وَلَقَد تريّب بِالشُّبْهَةِ وقنع بسماعها وإسماعها. وَظهر لى من تَرْجَمَة البُخَارِيّ أَن الله شرح صَدره لما شرح لَهُ صدر مَالك من تفضيلها، وَمن قَاعِدَته فِي الِاعْتِبَار بإجماعها على جُمْلَتهَا وتفضيلها. وَالله أعلم. (٣٥٤ - (٢) بَاب قَول الله ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شئ﴾ [آل عمرَان: ١٢٨] ) فِيهِ ابْن عمر: سمع النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول فِي صَلَاة الْفجْر: اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد فِي الْآخِرَة - ثمَّ قَالَ -: اللَّهُمَّ الْعَن فلَانا وَفُلَانًا فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شئ أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبّهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ [آل عمرَان: ١٢٨] قلت: رضى الله عَنْك! أَدخل البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة فِي كتاب الِاعْتِصَام بِالسنةِ ليحقق أَن الِاعْتِصَام فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ بِاللَّه، لَا بِذَات الرَّسُول -[ ﷺ ]-. إِذا الرَّسُول -[ ﷺ ]- معتصم بِأَمْر الله، لَيْسَ لَهُ من الْأَمر بِشَيْء إِلَّا التَّبْلِيغ.

стр. 374

والتبليغ أَيْضا من فضل الله وعونه. أَلا إِلَى الله تصير الْأُمُور. (٣٥٥ - (٣) بَاب قَول الله عزّوجلّ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً﴾ [الْكَهْف: ٥٤] . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ [العنكبوت: ٤٦] .) فِيهِ عَليّ: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- طرقه وَفَاطِمَة بنت رَسُول الله -[ ﷺ ]- فَقَالَ لَهما: أَلا تصلّون؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله إِنَّمَا أَنْفُسنَا بيد الله، فَإِذا شَاءَ أَن يبعثنا بعثنَا. فَانْصَرف النَّبِي -[ ﷺ ]- وَلم يرجع إِلَيْهِ شَيْئا. وَهُوَ مُدبر يضْرب فَخذه وَهُوَ يَقُول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً﴾ [الْكَهْف: ٥٤] . وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- انْطَلقُوا إِلَى يهود، فخرجنا مَعَه حَتَّى جِئْنَا إِلَى بَيت الْمِدْرَاس. فناداهم النَّبِي -[ ﷺ ]- يَا معشر الْيَهُود: أَسْلمُوا تسلموا. فَقَالُوا: بلغت يَا أَبَا الْقَاسِم ﴿فَقَالَ: ذَلِك أُرِيد، أَسْلمُوا تسلموا. فَقَالُوا: قد بلّغت - قَالَهَا ثَلَاثًا -؟ . قَالَ: اعلموا أنمّا الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ. وَإِنَّمَا أُرِيد أَن أجليكم من هَذِه الأَرْض، فَمن وجد مِنْكُم بِمَالِه شَيْئا فليبعه، وإلاّ فاعلموا أَنما الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ. قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ أَدخل الْجِدَال الْمَذْكُور فِي الْآيَة فِي كتاب

стр. 375

" الِاعْتِصَام " لينّبه على أَن المذموم مِنْهُ ضدّ الِاعْتِصَام فَيجب تَركه. والمحدود مَعْدُود من الِاعْتِصَام. مثل الأوّل بِالْآيَةِ الأولى، وَالثَّانِي بِالثَّانِيَةِ. (٣٥٦ - (٤) بَاب الْحجَّة على من قَالَ: إِن أَحْكَام النَّبِي -[ ﷺ ]- كَانَت ظَاهِرَة. وَمَا كَانَ يغيب بَعضهم عَن مشَاهد النَّبِي -[ ﷺ ]- وَأُمُور الْإِسْلَام) فِيهِ أَبُو مُوسَى: إِنَّه اسْتَأْذن عمر فَوَجَدَهُ مَشْغُولًا، فَرجع. فَقَالَ عمر: ألم نسْمع صَوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا لَهُ، فدعى بِهِ. فَقَالَ: مَا حملك على مَا صنعت؟ فَقَالَ: كُنَّا نؤمر بِهَذَا. قَالَ: لتأتينى على هَذَا ببيّنة أَو لأفعلنّ بك. فَانْطَلق إِلَى مجْلِس الْأَنْصَار، فَقَالُوا: لَا يشْهد إِلَّا أصاغرنا، فَقَامَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، فَقَالَ: كُنَّا نؤمر بِهَذَا. فَقَالَ عمر: خفى علىّ هَذَا من أَمر النَّبِي -[ ﷺ ] ألهاني الصفق بالأسواق. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: إِنَّكُم تَزْعُمُونَ أَن أَبَا هُرَيْرَة يكثر الحَدِيث عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- وَالله الْموعد، إنى كنت أمرءاً مِسْكينا ألزم النَّبِي -[ ﷺ ]- على ملْء بَطْني. وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يشغلهم الصفق بالأسواق، وَكَانَت الْأَنْصَار يشغلهم الْقيام على أَمْوَالهم، فَشَهِدت النَّبِي -[ ﷺ ]- ذَات يَوْم، قَالَ: من يسبط رادءه حَتَّى اقضى مَقَالَتي ثمَّ يقبضهُ فَلَنْ ينسى شَيْئا سَمعه منى. فبسطت بردة كَانَ علىّ. فوالذي بَعثه بِالْحَقِّ مَا نسيت شَيْئا سمعته مِنْهُ. قلت: رضى الله عنكّ ردّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَمَا مَعهَا قَول من زعم أَن التَّوَاتُر

стр. 376

شَرط قبُول الْخَبَر وحقّق بِمَا ذكره قبُول خبر الْآحَاد، وَأدْخلهُ فِي الِاعْتِصَام، لِأَن التَّمَسُّك بِهِ وَاجِب. (٣٥٧ - (٥) بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تعرف بالدلائل، وَكَيف معنى الدّلَالَة وتفسيرها ؟) قد أخبر النَّبِي -[ ﷺ ]- بِأَمْر الْخَيل، ثمَّ سُئِلَ عَن الْحمر فدلّهم على قَوْله: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] . وَسُئِلَ عَن الضبّ، فَقَالَ: لَا آكله وَلَا أحرّمه. وَأكل على مائدة النَّبِي [ ﷺ ] ، فاستدل ابْن عَبَّاس أَنه لَيْسَ بِحرَام. فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: الْخَيل لثَلَاثَة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعَلى رجل وزر - الحَدِيث -. وَسُئِلَ النَّبِي -[ ﷺ ]- عَن الْحمر، فَقَالَ: مَا أنزل الله علىّ فِيهَا إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرّة خيرا يره﴾ . وَفِيه عَائِشَة إِن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي -[ ﷺ ]- عَن الْحيض كَيفَ تَغْتَسِل مِنْهُ؟

стр. 377

قَالَ: تأخذين فرْصَة ممسكة فتوضئ بهَا. قَالَت عَائِشَة: فَعرفت الَّذِي يُرِيد النَّبِي -[ ﷺ ]- فجذبتها إلىّ فعلّمتها. وَفِيه ابْن عَبَّاس: إِن أمّ حفيد أَهْدَت إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- سمناً وإقطا، وأضباً، فعا بِهن النَّبِي -[ ﷺ ]- فأكلن على مائدته. فَتَرَكَهُنَّ النَّبِي -[ ﷺ ]- كالمتقذر لَهُ. وَلَو كنّ حَرَامًا مَا أكلن [على] مائدته، وَلَا أَمر بأكلهن. وَفِيه جَابر: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: من أكل ثوماً أَو بصلاً فليعتزلنا أَو ليعتزل مَسْجِدنَا - وليقعد فِي بَيته. وَإنَّهُ أَتَى ببدر - وَقَالَ ابْن وهب: يَعْنِي طبقًا فِيهِ خضرات من بقول - فَوجدَ لَهَا ريحًا فَسَأَلَ عَنْهَا فَأخْبر بِمَا فِيهَا من الْبُقُول. فَقَالَ: قرّبوها إِلَى بعض أَصْحَابه كَانَ مَعَه. فلمّا رَآهُ كره أكلهَا. قَالَ: " كل، فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي ". وَقَالَ ابْن وهب: " بِقدر فِيهِ خضرات ". وَفِيه جُبَير بن مطعم: إِن امْرَأَة أَتَت النَّبِي -[ ﷺ ]- وكلمته بِشَيْء، فَأمر

стр. 378

بهَا. فَقَالَت: أَرَأَيْت يَا رَسُول الله ﴿إِن لم أجدك. فَقَالَ: إِن لم تجديني فائتى أَبَا بكر. وَزَاد لنا الحميديّ عَن إِبْرَاهِيم بن سعد: " كَأَنَّهَا تعنى بِالْمَوْتِ ". قلت: رضى الله عَنْك﴾ أَدخل هَذِه التَّرْجَمَة فِي كتاب الِاعْتِصَام تحذيراً من الاستبداد بِالرَّأْيِ فِي الشَّرِيعَة، وتنبيهاً على الرأى الْمَحْمُود فِيهَا، وَهُوَ الْمُسْتَند إِلَى قَول النَّبِي -[ ﷺ ]- أَو إِشَارَته أَو قرينَة حَاله، أَو فعله، أَو سُكُوته عَن فعل إِقْرَارا عَلَيْهِ. ويندرج فِي هَذَا الاستنباط التَّعَلُّق بِمَا وَرَاء الظَّاهِر وَعدم الجمود عَلَيْهِ، فَدخل فِي ذَلِك تَصْحِيح الرَّأْي المنضبط، والردّ على الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهم. وَبِذَلِك تبيّن مَا هُوَ اعتصام مِمَّا هُوَ استبداد واسترسال. (٣٥٨ - (٦) بَاب النَّهْي عَن التَّحْرِيم إِلَّا مَا تعرف إِبَاحَته) وَكَذَلِكَ الْأَمر نَحْو قَوْله: " حِين أحلّوا ": أصيبوا من النِّسَاء. قَالَ جَابر: وَلم يعزم عَلَيْهِم ولكنّه أحلهن لَهُم.

стр. 379

وَقَالَت أم عَطِيَّة نهينَا عَن إتباع الْجَنَائِز، وَلم يعزم علينا. فِيهِ جَابر: أَهْلَلْنَا - أَصْحَاب النَّبِي -[ ﷺ ]- فِي الْحَج خَالِصا لَيْسَ مَعَه عمْرَة. فَقدم النَّبِي -[ ﷺ ]- صبح رَابِعَة مَضَت من ذِي الْحجَّة. فلمّا قدمنَا أَمر النَّبِي -[ ﷺ ]- أَن نحلّ. وَقَالَ: أحلّوا وأصيبوا من النِّسَاء. قَالَ جَابر: وَلم يعزم عَلَيْهِم، وَلَكِن أحلهن لَهُم. فَبَلغهُ أَنا نقُول: - لما لم يكن بَيْننَا وَبَين عَرَفَة إِلَّا خمس - أمرنَا أَن نحلّ إِلَى نسائنا، فنأتى عَرَفَة تقطر مذاكيرنا المنى. فَقَامَ النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالَ: قد علمْتُم أَنى أَتْقَاكُم لله وأبرّكم وأصدقكم، وَلَوْلَا هدى لَحللت كَمَا تحلّون فحلّوا. فَلَو اسْتقْبلت من أمرى مَا اسْتَدْبَرت مَا أهديت. فَحَلَلْنَا وَسَمعنَا وأطعنا. وَفِيه عبد الله الْمُزنِيّ: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: صلّو قبل صَلَاة الْمغرب. - وَقَالَ فِي الثَّالِثَة لمن شَاءَ، كَرَاهِيَة أَن يتّخذها النَّاس سنّة. وَفِيه جُنْدُب: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: اقْرَأ وَالْقُرْآن مَا ائتلفت قُلُوبكُمْ فَإِذا اختلفتم فَقومُوا عَنهُ. وَفِيه ابْن عَبَّاس: لمّا حضر النَّبِي -[ ﷺ ]- وَفِي الْبَيْت رجال فيهم عمر بن الْخطاب - فَقَالَ: هلمّ أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده. قَالَ عمر: إِن النَّبِي [ ﷺ ]

стр. 380

غَلبه الوجع، وعندكم الْقُرْآن، فحسبنا كتاب الله عزّو جلّ. وَاخْتلف أهل الْبَيْت واختصموا، فَمنهمْ من يَقُول: قرّبوا، يكْتب لكم رَسُول الله -[ ﷺ ]- كتابا لن تضلّوا بعده. وَمِنْهُم من يَقُول مَا قَالَ عمر. فلمّا كثر اللَّغط وَالِاخْتِلَاف عِنْد النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: قومُوا عنىّ. فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول: إِن الرزيّة كل الرزّية مَا حَال بَين أَن يكْتب لَهُم رَسُول الله -[ ﷺ ]- الْكتاب من أجل اخْتلَافهمْ ولغطهم. قلت: رَضِي الله عَنْك! قصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة التَّنْبِيه على أَن الْمُخَالفَة الَّتِي وَقعت أَحْيَانًا لما طلب مِنْهُم لم تكن عُدُولًا عَن الِاعْتِصَام إِذْ لم يخالفوا وَاجِبا وَلم يُؤثر عَنْهُم ذَلِك. وصور الْمُخَالفَة فَهموا فِيهَا عدم الْعَزْم عَلَيْهِم وتمكينهم من بعض الْخيرَة. وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ خلافًا، وَلكنه إِخْبَار لما كَانَ لَهُم فِيهِ خِيَار، وَإِن كَانَ الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ أَنْكَرُوا اجْتِمَاع الطّلبَة والخيرة وَلَو كَانَ الطّلب ندبا، وعدّوا ذَلِك تناقضاً لَا سَبِيل إِلَيْهِ شرعا، وَلَا يُوجد من الْعلمَاء من أجَاز ذَلِك وَهُوَ نفس البُخَارِيّ. وَالله أعلم. (٧١ - [كتاب التَّوْحِيد] ) (٣٥٩ - (١) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إنى أَنا الرَّزَّاق ذُو القوّة المتين﴾ )

стр. 381

فِيهِ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- مَا أحد أَصْبِر على أَذَى سَمعه من الله، يدّعون لَهُ الْوَلَد، ثمَّ يعافيهم ويرزقهم. قلت: رضى الله عَنْك! وَجه مُطَابقَة الحَدِيث لِلْآيَةِ على صِفَتي الرزق وَالْقُوَّة أَي الْقُدْرَة. أما الرَّزَّاق فَوَاضِح بقوله: " ويرزقهم ". أما الْقُدْرَة وَالْقُوَّة فبقوله: " مَا أحد أَصْبِر على أَذَى سَمعه من الله " فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى قدرَة الله على الْإِحْسَان إِلَيْهِم مَعَ كفرهم بِهِ. وَأما الْبشر فَإِنَّهُ لَا يقدر على الْإِحْسَان إِلَى المسئ طبعا وَكَيف يتكلّف ذَلِك شرعا، لِأَن الَّذِي يحمل على الْمُكَافَأَة والمسارعة بالعقوبة خوف الْفَوْت. وَالله سُبْحَانَهُ قَادر أزلاً وأبداً، لَا يعجزه شئ وَلَا يفوتهُ. والتلاوة: ﴿إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] .

стр. 382

(٣٦٠ - (٢) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الله سميعا بَصيرًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٣] .) وَقَالَت عَائِشَة: الْحَمد لله الَّذِي وسع سَمعه الْأَصْوَات. فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ [المجادلة: ١] . فِيهِ أَبُو مُوسَى: كنّا مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]- فِي سفر، فكنّا إِذا علونا كبّرنا، فَقَالَ: أربعوا على أَنفسكُم، فَإِنَّكُم لَا تدعون أصمّ وَلَا غَائِبا، تدعون سميعاً بَصيرًا - الحَدِيث -. وَفِيه أَبُو بكر الصّديق ﵁: إِنَّه قَالَ للنَّبِي -[ ﷺ ]-: علّمني دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتي قَالَ: " قل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا، وَلَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت، فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك، إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم. وَفِيه عَائِشَة - رضى الله عَنْهَا -: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: إِن جِبْرِيل ناداني فَقَالَ: إِن الله سمع قَول قَوْمك وَمَا ردّوا عَلَيْك. قلت: رَضِي الله عَنْك! الْأَحَادِيث مُطَابقَة للتَّرْجَمَة إِلَّا حَدِيث أبي بكر فَلَيْسَ فِيهِ صِفَتي السّمع وَالْبَصَر، غير أَنه قَالَ: " أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتي " وَلَوْلَا أَن

стр. 383

سمع الله سُبْحَانَهُ يتَعَلَّق بالسرّ وأخفى لما أَفَادَ الدُّعَاء فِي الصَّلَاة سرّاً. (٣٦١ - (٣) بَاب السُّؤَال بأسماء الله والاستعاذة بهَا .) فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- إِذا جَاءَ أحدكُم فرَاشه فلينفضه بصنفة ثَوْبه ثَلَاث مرّات وَليقل: " بِاسْمِك ربّى وضعت جَنْبي، وَبِك أرفعه، إِن أَمْسَكت نفس فَاغْفِر لَهَا، وَإِن أرسلتها فاحفظها بِمَا تحفظ بِهِ عِبَادك الصَّالِحين. وَفِيه حُذَيْفَة: كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه قَالَ: " اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَحْيَا وأموت ". وَإِذا أصبح قَالَ: " الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بعد مَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور ". وَفِيه ابْن عَبَّاس: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لَو أَن أحدهم إِذا أَرَادَ أَن يأتى أَهله قَالَ: " باسم الله اللَّهُمَّ جنبّنا الشَّيْطَان، وجنّب الشَّيْطَان مَا رزقتنا ". فَإِنَّهُ إِن يقدّر بَينهمَا ولدٌ فِي ذَلِك لم يضّره الشَّيْطَان. وَفِيه عدي: سَأَلت النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقلت: أرسل كلابى المعلّمة؟ فَقَالَ: إِذا أرْسلت كلابك المعلّمة، وَذكرت اسْم الله فأمسكن فَكل - الحَدِيث -.

стр. 384

وَفِيه عَائِشَة: قَالُوا يَا رَسُول الله ﴿إِن هُنَا أَقْوَامًا حَدِيث عهد بشرك يَأْتُوا بلحمان لَا نَدْرِي يذكرُونَ اسْم الله علينا أم لَا؟ قَالَ: اذْكروا اسْم الله وكلوا. وَفِيه أنس: ضحىّ النَّبِي -[ ﷺ ]- بكبشين يسمّى ويكبّر. وَفِيه جُنْدُب: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ يَوْم النَّحْر: من ذبح قبل أَن يصلّى فليذبح مَكَانهَا أُخْرَى. وَمن لم يذبح فليذبح باسم الله. وَفِيه ابْن عمر: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه. قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ مَقْصُوده بالترجمة التَّنْبِيه على أَن الِاسْم هُوَ المسمّى، وَلذَلِك صحّت الِاسْتِعَاذَة والاستعانة. وَظهر ذَلِك فِي قَوْله: " بِاسْمِك وضعت جَنْبي وَبِك أرفعه ". فأضاف الْوَضع إِلَى الِاسْم وَالرَّفْع إِلَى الذَّات دلّ على أَن الِاسْم هُوَ الذَّات. وَبهَا يستعان رفعا ووضعاً، لَا بِاللَّفْظِ.

стр. 385

(٣٦٢ - (٤) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿ويحذّركم الله نَفسه﴾ [آل عمرَان: ٢٨ - ٣٠] . وَقَوله تَعَالَى: ﴿تعلم مَا فِي نفسى وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ [الْمَائِدَة: ١١٦] .) فِيهِ عبد الله: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: مَا من اُحْدُ أغير من الله. وَمن أجل ذَلِك حرّم الْفَوَاحِش. وَمَا أحد أحبّ إِلَيْهِ الْمَدْح من الله. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: لما خلق الله الْخلق كتب فِي كِتَابه - وَهُوَ يكْتب على نَفسه، وَهُوَ وضع عِنْده على الْعَرْش -: " إِن رحمتى تغلب غَضَبي ". فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: " يَقُول الله: أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي، وَأَنا مَعَه إِذا ذَكرنِي، فَإِذا ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي، وَإِذا ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُم. وَإِن تقرّب مني شبْرًا تقرّبت مِنْهُ ذِرَاعا. وَإِن تقرّب إلىّ ذِرَاعا تقرّبت إِلَيْهِ باعاً. وَمن أَتَانِي يمشى أَتَيْته هرولة. قلت: رَضِي الله عَنْك! ترْجم على ذكر النَّفس فِي حق الْبَارِي ﷻ وَجَمِيع مَا ذكره يشْتَمل على ذَلِك إِلَّا حَدِيث عبد الله الْمَذْكُور أوّلاً، فَلَيْسَ للنَّفس فِيهِ ذكر. فَوجه مطابقته - وَالله أعلم - أَنه صدّر الْكَلَام بِأحد. و " أحد " الْوَاقِع

стр. 386

فِي النَّفْي عبارَة عَن النَّفس على وَجه مَخْصُوص، وَلَيْسَ هُوَ اُحْدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ، هذاك من الْوحدَة أَي الْوَاحِد. وَهَذَا كلمة مترجلة فِي النَّفْي لبنى آدم، هَذَا أَصله. فَإِذا قَالَ الْقَائِل: " مَا فِي الْبَيْت أحد " لم يفهم إِلَّا نفى الأناس. وَلِهَذَا كَانَ قَوْلهم: " مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا وتداً " اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس. وَمُقْتَضى الحَدِيث إِطْلَاقه على الْحق، لِأَنَّهُ لَوْلَا صِحَة الْإِطْلَاق مَا انتظم الْكَلَام، كَمَا لَا يَنْتَظِم فِي مثل قَول الْقَائِل: " مَا أحسن من ثوبي "، إِذْ الثَّوْب لَيْسَ من الأحدييّن، بِخِلَاف " أحد " أعلم من زيد لِأَن زيدا من الأحديين. (٣٦٣ - (٥) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ [طه: ٣٩]- تغذي - وَقَوله: ﴿تجرى بأعيننا﴾ [الْقَمَر: ١٤] .) فِيهِ ابْن عمر: ذكر الدَّجَّال عِنْد النَّبِي -[ ﷺ ]-، فَقَالَ: إِن الله لَا يخفى عَلَيْكُم. إِن الله لَيْسَ بأعور - أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عينه -، وَإِن الْمَسِيح الدَّجَّال أَعور عين الْيُمْنَى. وَفِيه أنس: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: مَا بعث الله من نبيّ إِلَّا أنذر قومه الْأَعْوَر

стр. 387

الْكذَّاب. إِنَّه أَعور وَإِن ربّكم لَيْسَ بأعور، مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ " كَافِر ". قلت: رضى الله عَنْك! وَجه الِاسْتِدْلَال على إِثْبَات الْعين لله، لَا بِمَعْنى الْجَارِحَة من قَوْله: " إِن الله لَيْسَ بأعور "، إِن العور عرفا عدم الْعين، وضد العور ثُبُوت الْعين. فلمّا نفى عَن الْحق ﷻ هَذِه النقيصة وَهِي عدم الْعين لزم ثُبُوت الْكَمَال بضدها، وَهُوَ وجود الْعين، وعَلى التَّمْثِيل والتقريب للفهم، لَا على معنى إِثْبَات الْجَارِحَة. وَبَين الْمُتَكَلِّمين خلاف فِي مُقْتَضى لفظ الْعين وَنَحْوهَا: فَمنهمْ من جعلهَا صِفَات سمعية أثبتها السّمع لَهُ، وَلم يهتد إِلَيْهِ الْعقل. وَكَذَلِكَ الْوَجْه وَالْيَد وَالْجنب. وَمِنْهُم من جعلهَا كِنَايَة عَن صفة الْبَصَر. وَالْيَد كِنَايَة عَن صفة الْقُدْرَة. وَمِنْهُم من آمن بهَا إِيمَانًا بِالْغَيْبِ، وفوّض فِي مَعْنَاهَا إِلَى الله تَعَالَى. وَالله أعلم.

стр. 388

(٣٦٤ - (٦) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ [هود: ٧] . ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٩] .) قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ ارْتَفع: ﴿فسوّاهن﴾ خَلقهنَّ. وَقَالَ مُجَاهِد: اسْتَوَى [علا] على الْعَرْش. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْمجِيد: الْكَرِيم، والودود: الحبيب. يُقَال حميد مجيد، كَأَنَّهُ فعيل من ماجد، ومحمود من حميد. فِيهِ عمرَان: قَالَ إِنِّي عِنْد النَّبِي -[ ﷺ ]- إِذْ جَاءَهُ وَفد من بنى تَمِيم فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أهل الْيمن إِذا لم يقبلهَا بَنو تَمِيم. فَقَالُوا: قبلنَا، جئْنَاك لنتفقّه فِي الدّين، ولنسألنّك عَن أوّل هَذَا الْأَمر مَا كَانَ. قَالَ: كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء. ثمَّ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء. وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ يَمِين الله ملأى - الحَدِيث -. وَفِيه أنس: جَاءَ زيد بن حَارِثَة يشكو، فَجعل النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول: " اتّق الله، وَأمْسك عَلَيْك زَوجك ". وَكَانَت [زَيْنَب] تَفْخَر على أَزوَاج النَّبِي [ ﷺ ] [تَقول] : زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله من فَوق سبع سماوات.

стр. 389

وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ الله لما قضى الْخلق كتب فَوق عَرْشه: " إِن رحمتى سبقت غَضَبي: " وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- من آمن بِاللَّه وَرَسُوله، وَأقَام الصَّلَاة وَصَامَ رَمَضَان، كَانَ حَقًا على الله أَن يدْخلهُ الجنّة. هَاجر فِي سَبِيل الله أَو جلس فِي أرضه الَّتِي ولد فِيهَا. قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿أَفلا ننبئى النَّاس بذلك، قَالَ: إِن فِي الجنّة مائَة دَرَجَة أعدّها الله تَعَالَى للمجاهدين فِي سَبيله، كل دَرَجَتَيْنِ مَا بَينهمَا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. فَإِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ الفردوس فَإِنَّهُ أَوسط الجنّة، وَأَعْلَى الجنّة. وفوقه عرش الرَّحْمَن. وَمِنْه تنفجر أَنهَار الجنّة. وَفِيه أَبُو ذَر: دخلت الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ -[ ﷺ ]- جَالس. فلمّا غربت الشَّمْس قَالَ: يَا أَبَا ذَر﴾ هَل تدرى أَيْن تذْهب هَذِه؟ قَالَ: قلت: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: إِنَّهَا تذْهب تستأذن فِي السُّجُود فَيُؤذن لَهَا. وَكَأَنَّهَا قد قيل لَهَا: ارجعي من حَيْثُ خرجت، فَتَطلع من مغْرِبهَا، ثمّ قَرَأَ: ﴿ذَلِك مُسْتَقر لَهَا﴾ . فِي قِرَاءَة عبد الله. وَفِيه زيد: أرسل إلىّ أَبُو بكر الصّديق فتتبّعت الْقُرْآن حَتَّى وجدت آخر سُورَة التَّوْبَة مَعَ خُزَيْمَة - أَو أبي خُزَيْمَة - الْأنْصَارِيّ لم أَجدهَا مَعَ غَيره: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول الله من أَنفسكُم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَة بَرَاءَة - يعْنى: ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٩] .

стр. 390

وَفِيه ابْن عَبَّاس: كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول عِنْد الكرب: لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله ربّ السَّمَوَات وَرب الأَرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم. وَفِيه أَبُو سعيد: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: النَّاس يصعقون يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا أَنا بمُوسَى آخذ بقائمة من قَوَائِم الْعَرْش. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- فَأَكُون أوّل من يبْعَث فَإِذا مُوسَى آخذ بالعرش. قلت: رضى الله عَنْك! ترْجم على ذكر الْعَرْش للتّنْبِيه على أَنه مَخْلُوق حَادث مرتسم بسمات الْحُدُوث، متصف بِصِفَات الْإِمْكَان. وكلمّا ذكره مُشْتَمل على ذكر الْعَرْش إِلَّا قَوْله: " قَالَ ابْن عَبَّاس: الْمجِيد الْكَرِيم،. والودود: الحبيب، فَقَالَ: حميد مجيد، كَأَنَّهُ فعيل من ماجد، ومحمود من حميد " فَهَذَا الْفضل لَا يتَعَلَّق بالعرش، وَلكنه نبّه على لَطِيفَة وَهِي أَن الْمجِيد فِي قَوْله: " على قِرَاءَة الْكسر - لَا يتخيّل أَنَّهَا صفة الْعَرْش، وَأَنه بذلك قديم، بل هِيَ صفة الْحق، بِدَلِيل قِرَاءَة الرّفْع. وبدليل اقترانها " بالودود " وَهِي صفة الْحق، فَيكون الْكسر على الْجوَار حينئذٍ. وَالله أعلم. (٣٦٥ - (٧) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح﴾ [المعارج: ٤] . وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ [فاطر: ١٠] )
следующие страницы →