← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 577

إشراقات الأصول في علم حديث الرسول - مجلة التراث النبوي

جلال الدين القايني

Полный текст (59 стр.). Показаны 17–56 · переход к 22.

стр. 17

المقدمة وفيها فصول سبعة: الفصل الأول: في طليعة كتب الحديث . [أخبرني شيخنا (شيخ) (١) الإسلام المحقق العلّامة حسام الدين محمد بن جلال العبيدي (٢)، بسنده إلى] (٣) الحاكم أبي عبد الله النيسابوري ﵀، في النوع الخمسين من كتابه في "علوم الحديث" (٤)، أنه قال: "قد روينا عن جماعة من أئمة الحديث أنهم استحبوا أن (٣/ا) يَبْدَأ الحديثيُّ بجمع بابَيْن: الأعمال بالنيات، ونضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها". وروينا في كتاب "الأذكار" (٥) للإمام محي الدين النواوي، رحمه الله تعالى، أنه قال في حديث الأعمال بالنيات: "هذا حديث صحيح متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وكان السلف وتابعوهم من الخلف رحمهم الله تعالى يستحبون استفتاح المصنفات بهذا الحديث، تنبيهاً للمطالع على حسن النية، واهتمامه بذلك واعتنائه به، روِّينا عن الإمام أبى سعيد عبدالرحمن بن مهدي ﵀ قال: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: كان المتقدمون من شيوخنا رحمهم

стр. 18

الله يستحبون تقديم حديث "الأعمال بالنيات" أمام كل شئ ينشئ ويبتدئ من أمور الدين لعموم الحاجه إليه في جميع أنواعها". انتهى كلام النواوي ﵀. وقال أبو الفتوح الطائي (١) [في أربعينه] (٢): "هذا حديث كبير عال متفق على صحته، مستفيض من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه [عنه] (٣) أكثر من مائتي نفس، (٣/ب) عامتهم أئمة معروفون". رُوي عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: "يدخل في هذا الحديث ثلث العلم" (٤). وقال أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: الفقه يدور على أربعة أحاديث (٥): - الحلال بين والحرام بين [وهو ما روّينا عن النعمان بن بشير ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حِمَى، ألا وإن حِمَى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. متفقٌ عليه بين البخاري ومسلم، رَوَياه من طُرقٍ بألفاظٍ متقاربة] (٦).

стр. 19

- و [حديث] (١) الأعمال بالنيات [وهو ما رويناه عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. متفقٌ على صحته. - و [حديث] (٢) ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتو منه ما استطعتم. - و [حديث] (٣) لا ضرر ولا ضرار، [يعني في الإسلام] (٤). وفي "الأذكار" (٥) [للإمام] (٦) النواوي ﵀: قيل: إنما يحفظ الرجل على قدر نيَّته، وقيل: إنما يُعطى الناس على قدر نياتهم. الفصل الثاني: في ذكر كتابة الحديث، وذكر أول من صنف في الحديث . اعلم أن السلف ﵏ اختلفوا في كتابة الحديث، فكرهها طائفة، وأباحها أخرى. ثم أجمع أتباع التابعين على جوازه. فقيل: أوَّل مَن صنَّف فيه ابن جريج، وقيل: مالك، وقيل: الربيع بن صبيح، [ثم انتشر تدوينه وجمعه، وظهر فوائد ذلك ونفعه] (٧)، وعلى كاتبه صرف الهمة إلى

стр. 20

ضبطه وتحقيقه شكلا ونقطاً، بحيث يؤمن اللبس معه، ولا يشتغل بتقييد الواضع، وقيل: يشكل الجميع لأجل المبتدي وغير المتبحر، ويكون اعتناؤه بضبط الملبَّس من أسماء الرجال أكثر؛ لأنه نقليٌّ محض، ويستحب ضبط المشكل (٤/أ) في المتن، وبيانه في الحاشية؛ لأنه أبلغ، ويُحقق حروف الخط ولا يعلقه تعليقاً، ولا يدققه لتخفيف حَمْله في السفر، فإن الخط علامة، فأحسَنُه أبيَنُه (١). الفصل الثالث: في كتابة الصلاة والتسليم والترضي والترحم . وعلى كاتب الحديث أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه بعدد كلمات الله وألطافه كلما كتبه، ولا يَسأم من تكراره وإن لم يكن في الأصل، ومَن أغفل ذلك حُرِم حظًّا عظيمًا، ويُصلّي بلسانه ﷺ كلما كتبه أيضاً، وكذلك الترضي والترحم على الصحابة والعلماء ﵃، ويكره الاقتصار على الصلاة دون التسليم، أو على العكس (٢). [كذا قاله الإمام تقي الدين ابن الصلاح، وغيره] (٣). قال [شيخنا الإمام رُحلة الأرض، مسنِد العالم محمد بن] (٤) الجزري [أدام الله تعالى بركاته] (٥) في "بدايته": "وفيه نظر". وسمعته [من لفظه] (٦) أيضاً.

стр. 21

"ولكن روي ابن الصلاح، عن حمزه الكناني: كنت أكتب الحديث وأكتفي بالصلاة على رسول الله ﷺ ، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: مالك لا تتم الصلاة علىَّ؟، قال: فما كتبت بعد ذلك الصلاة إلا مع التسلم. ويكره الرمز (٤/ب) بالصلاة والترضي في الكتابة، بل يكتب ذلك بكماله" (١). [كذا قاله الأئمة] (٢). الفصل الرابع: في التصحيح . ويجب عليه مقابلة كتابه بأصل شيخه، وإن كان إجازة، ويكفي [مُقابلة] (٣) ثقة، ولو بفرعٍ [قوبل] (٤) بأصل الشيخ، فإن لم يقابل به وكان الناقل صحيح النقل قليل السقط ونقل من الأصل، فقد جوَّز الرواية منه: الأستاذ أبو إسحق، والخطيب، وغيرهما (٥). الفصل الخامس: في عدد ما ثبت [من الحديث] (٦). روينا عن ابن الجوزي أنه قال (٧): إن حصر الأحاديث يبعد إمكانه (٨)، غير أن

стр. 22

جماعةً بالغوا في تتبعها، وحصروها في أعدادها. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: صح [سواء كان على وجه الصحة أو الحسن أو الضعف] (١) من الأحاديث سبع مئة ألف وكسر. وقُرِئ عليه مسنده، فقال: هذا كتاب قد جمعته وانتقيته (٢) من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من الحديث فارجعوا إليه، وما لم تجدوا فيه فليس بحجة. فإن قيل: كل ما يحويه مسنده أربعون ألف حديث منها عشرة آلاف مكرره فكيف يقول: صح سبع مئة ألف وكسر مع هذا؟ (٥/أ) فأجيب (٣): بأن المراد من هذا العدد: الطرق لا المتون. قال الشيخ أبو المكارم (٤): قوله "وما [لم] (٥) تجدوا فيه فليس بحجة"، الظاهر أنه موضوع على أحمد ﵀، لأن في الصحيحين من الأحاديث مالم يوجد في المسند، مع إجماع المسلمين على صحتها وحجيّتها. وقال: سمعت بعض أئمة الحديث يقولون: المتون الموجودة اليوم تبلغ مائة ألف، وأكثرها صحاح، فكيف يقال (٦): مالم تجدوا في المسند فليس بحجة،

стр. 23

والأحاديث البالغة سبعمائة ألف [وكسر، ليست هي الطرق؛ بل كانت متونًا فذهبت بموت حافظيها] (١). الفصل السادس: في شرائط رواية الحديث . روينا في صحيح مسلم (٢)، عن رسول الله ﷺ أنه قال: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. [ورُوّينا في مؤلفات ابن الجوزي هذا الحديث تسعين طريقًا مع كسر؛ لأنه رَوَى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ثمانية وتسعون نفرًا من الصحابة، منهم العشرة المبشرة، وبلغ إلينا متواترًا] (٣). وروينا فيه (٤) أيضا (٥) عنه ﷺ أنه قال: كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع. وروينا فيه أيضاً (٦) عنه ﷺ : يكون في أخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا أباءوكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم. روينا هذه الاحاديث الثلاثة في [أول] (٧) صحيح مسلم ﵀.

стр. 24

وروينا [أيضاً] (١) في صحيح مسلم (٢)، قال مالك ﵀: اعلم (٥/ب) أنه ليس يسلم رجل حدَّث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدِّثُ بكل ما سمع. وقال إياس رحمه الله تعالى (٣): إياك والشناعة في الحديث؛ فإنه قلَّما حملها أحدٌ إلا ذلَّ في نفسه، وكُذِّب في حديثه. وقال ابن مسعود ﵁ (٤): ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. روى كلها مسلم ﵀. قال الإمام محيي الدين النواوي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم (٥): "قوله فليتبوأ [مقعده] (٦)، أي: فلينزله، وقيل معناه: فليتخذ منزله من النار. ثم [قيل] (٧): إنه دعاء بلفظ الأمر، أي: بوَّأَهُ الله ذلك، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، معناه: قد استوجب ذلك فليوطِّن نفسه عليه، يعنى: أن هذا جزاؤه، وقد يجازى به، وقد يعفو الله الكريم عنه، ولا يقطع عليه بدخول النار، وهذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكافر، فكلها يقال فيها: هذه جزاؤه، وقد يجازي، وقد يُعفى، ثم إنْ جُوزي وأُدخل النار فلا يخلد فيها، بل لابد من خروجه منها بفضل الله ورحمته، (٦/أ) ولا يخلد [في النار] (٨) أحدٌ مات على التوحيد.

стр. 25

وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة والجماعة. وأما الكذب فهو عند المتكلمين من أصحابنا: الإخبار عن الشيئ على خلاف الواقع سهواً كان أو عمداً. هذا مذهب أهل السنة. وشَرَطَ المعتزلة: العمدية فيه". وفي هذا الحديث فوائد وقواعد: منها: أنَّ الحق معنا في أن العمدية ليست بشرط في كون الخبر كذباً. [ومنها ما يجيء في الفصل الآتي] (١). الفصل السابع: في أحكام الكذب على الرسول ﷺ وبعض شرائط الرواية . وفيها مسائل: المسألة الأولي: رُوِينا في شرح صحيح مسلم (٢) للإمام النواوي ﵀: أن الكذب على الرسول ﷺ حرام، وفاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة. هذا متفق عليه؛ لكن اختلفوا في أنه هل يكفر أم لا من غير أن يستحله؟ المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف أنه لا يكفر، وقال الشيخ أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين أبو المعالي: إنه يكفر بتعمد الكذب عليه ﷺ ، وحكى إمام الحرمين عن والده هذا المذهب، وأنه يقول في دروسه كثيراً: من كذب على رسول الله ﷺ عمداً كفر وأريق دمه، وضعَّف إمامُ الحرمين (٦/ب) هذا القول،

стр. 26

وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وإنه هفوة [عظيمة] (١)، و [الصواب] (٢) ما قدَّمناه عن الجمهور. قلت: هذه الجملة من شرح صحيح مسلم للإمام محي الدين النواوي ﵀ تعالي؛ ولكن كنت في حضرة شيخنا الإمام [الجليل الحافظ الكبير رحلة الأرض، مسند العالم مولانا شمس الدين أبي الخير محمد بن محمد بن] (٣) الجزري الدمشقي العمري (٤) يوماً بظاهر [بلدة] (٥) هراة حين خرج منها عازماً على زيارة بيت الله، والمعاودة إلى شيراز، في شعبان سنة إحدى وعشرين وثمان مئة، فأعطاني (٦) جزء جُمع في الكفريات، فنظرت فيه فإذا فيه مسائل كثيرة، منها أنه نقل عن الحافظ الذهبي صاحب الكاشف أنه قال في كتاب "الكبائر" (٧): من كذب على رسول الله ﷺ متعمداً، إن كان في الحلال والحرام يكفر بالإجماع، وإن كان في الترغيب والترهيب يكفر عند الجمهور. فقلت للشيخ: هذا مخالف لما قاله الإمام النواوي [﵀ في شرح صحيح مسلم، فلم ينكر على هذه الرواية التي نقل عن الحافظ الذهبي، وفي ترجمة شعب الإيمان، قال: إن كان الكذب عمدًا على الرسول ﷺ في الحلال والحرام، يكفر، وفي غير ذلك، قال بعض العلماء يكفر لأن الكذب

стр. 27

عليه إحداث شرع، ولأنه كذب على الله في الحقيقة؛ إذ هو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] (١). المسألة الثانية: روينا في شرح صحيح مسلم (٢): أن من كذب عليه ﷺ عمداً في حديث واحد فُسِّقَ ورُدَّت [روايته] (٣) كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها، (٧/أ) فلو تاب وحَسُنت توبته فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من فقهاء أصحاب الشافعي، وأصحاب الوجوه منهم ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تقبل روايته أبداً، بل يحتم جرحه دائماً. وأطلق الصيرفي وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذبٍ وجدناه [عليه] (٤)، لم نعد لقبوله بتوبتةٍ [تظهر] (٥)، ومن ضعفَّنا نقله لم نجعله قوياً بعد ذلك، وقال: ذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة. ولم أرَ دليلاً لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يوجّه بأن ذلك تغليظ وزجر بليغ عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته؛ فإنه يصير شرعا مستمراً إلي يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصره ليست عامة. قلت: والذي ذكر هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار: القطع بصحة توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة،

стр. 28

وهى الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها (٧/ب) والعزم ألا يعود اليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، فأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادتهم، ولا فرق بين الرواية والشهادة والرواية في هذا. هذه الجملة أيضاً من شرح صحيح مسلم، وقوله؛ قلت: وهذا الذى ذكره هؤلاء الأئمة إلى آخره من كلام النواوي [أيضًا] (١). المسألة الثالثة: رويناه في شرح صحيح مسلم (٢) أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام وبين ما لا حكم فيه، كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك، وكله حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع، خلافا للكراميَّة الطائفة المبتدعة، في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم في هذا كثيرون من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد [أو ينسبهم جهلة مثلهم] (٣)، وشُبهَة زعمهم الباطل أنه جاء في رواية "من كذب علي متعمدا ليضل به فليتبوأ مقعده من النار"، وزعم بعضهم أن (٨/أ) هذا كذب له [لا كذب عليه، وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به] (٤) غاية الجهالة ونهاية الغفلة، وأدل الدلائل على بعدهم من معرفة شيئ من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جملا من الأغاليط اللائقة

стр. 29

بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول الله تعالى "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا "، وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة، والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور، وخالفوا [إجماع] (١) [أهل] (٢) الحِلّ والعقد، وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي. وإذا نظر في قولهم وجد كذباً على الله تعالي لقوله: وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى. ومن أعجب الأشياء قولهم: هذا كذب له، وهذ جهل منهم بلسان العرب وخطاب الشرع، فإن كل ذلك [عندهم] (٣) كذب عليه، وأما [الحديث] (٤) الذي تعلقوا به، فأجاب العلماء عنه بأجوبة أحسنها وأخصرها: أن قوله: ليضلّ (٨/ب) الناس. زيادة باطلة، اتفق الحفاظ على إبطالها، وأنها لا تعرف صحيحة بحال. الثاني: جواب أبى جعفر الطحاوي ﵀، أنها لو صحت لكانت للتأكيد، كقوله تعالى "فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس". والثالث: أن اللام في: ليضل. ليست لام التعليل، بل هي لام الصيرورة والعاقبة،

стр. 30

معناه: أن عاقبة كذبه يصير إلي الإضلال به، كقوله تعالي " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً "، ونظائره في القرآن وكلام العرب أكثر من أن يحصر، وعلى هذا يكون معناه: فقد يصير عاقبة أمر كذبه إضلالًا. وعلى الجملة فمذهبهم أردى من أن يعنى بإيراده، وأفسد من أن يحتاج الى إفساده. هذه الجملة أيضاً [من] (١) شرح صحيح مسلم للإمام النواوي. المسألة الرابعة: رويناه في شرح صحيح مسلم (٢): يحرم رواية الحديث الموضوع، إذا علم أو غلب على ظنه وضعه، فمن روى حديثاً علم أو ظن وضعه ولا يبيّن حال روايته، فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ ، ويدل عليه أيضاً الحديث الذى خرجه مسلم (٩/أ) في صحيحه: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين. المسألة الخامسة: روينا في شرح صحيح مسلم (٣): قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديثٍ [أو ذكره] (٤) أن ينظر إن كان صحيحاً أو حسناً، يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفاً فلا يقول: قال أو فعل أو أمر أو نهى،

стр. 31

وشبه ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: رُوِي عنه كذا، أو يُروَى أو يُذكَر أو يحكى أو بلغنا، وما أشبهه. المسألة السادسة: روينا في شرح صحيح مسلم (١): قال العلماء: وينبغي لقارئ الحديث أن يعرف من النحو واللغة وأسماء الرجال ما يسلم به [قوله] (٢) من الغلط.

стр. 32

القسم الأول: في المتن وأقسامه [وأنواعه] (١). وفيه فصول: الفصل الأول: في تفصيل أجناس الحديث وأنواعه . أقسام الحديث ثلاثة: الصحيح والحسن والضعيف. وأنواعه ثلاثون: منها ما يشترك فيه الأقسام الثلاثة -أعني الصحيح والحسن والضعيف-، ومنها ما يختص بالضعيف. فالضرب الأول ثمانية عشر: المسند والمتصل (٩/ب) والمرفوع والمعنعن والمعلق والفرد والمدرج والمشهور والغريب والعزيز والمصحَّف والمسلسل وزيادات الثقات والاعتبار بالشواهد والمتابعات ومختلف الحديث والناسخ والمنسوخ وغريب اللفظ وفقهه والإسناد العالي. والضرب الثاني، وهو ما يختص بالضعيف، اثنا عشر: الموقوف والمقطوع والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والمنكر والمعلّل والمدلَّس والمضطرب والمقلوب والموضوع.

стр. 33

الفصل الثاني: في حدود الأقسام الثلاثة . الصحيح (١): هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسلم عن شذوذ وعلة. وأول من صنف في الصحيح المجرد: الإمام البخاري، ثم مسلم وكتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالي. وأما قول الشافعي ﵀: ما أعلم شيئاً بعد كتاب الله تعالي أصح من موطأ مالك (٢). فقبل وجود الكتابين. ثم البخاري أصحهما صحيحاً عند الجمهور. (١٠/أ) والموجود في كل واحد منهما بغير تكرار نحو أربعة ألاف حديث، وأما [مع] (٣) المكرر ففي البخاري سبعة ألاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا، وفي مسلم أكثر من ذلك. وروينا في "جامع الأصول" (٤) أن البخاري قال: خرَّجت كتابي الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثاً إلا صليت ركعتين.

стр. 34

وأعلى أقسام الصحيح: ما اتفقا عليه، ثم ما انفرد به البخاري، ثم [ما] (١) انفرد به مسلم، ثم ما هو على شرطهما وإن لم يخرجاه، ثم ما هو على شرط البخاري، ثم على شرط مسلم، ثم ما صححه غيرهما من الأئمة. فهذه سبعة أقسام. و الحسن: هو مسند مَن قرب من درجة الثقة أو مرسل ثقة، وروى كلاهما من غير وجه، وسلم عن شذوذ وعلة. هذا تعريف بعض المتأخرين (٢) بعد ما نظر في تعريفات المتقدمين وضعَّفها. وفي هذا الموضع أبحاث طويلة. فرع (٣): الحسن حجة كالصحيح وإن كان دونه، ولذلك أدرجه بعض أهل الحديث فيه ولم يفرده عنه، وهو ظاهر كلام الحاكم في تصرفاته. قال ابن الصلاح (٤): وأما (١٠/ب) تسمية محي السنة ﵀ في المصابيح، السنن بالحسان فتساهل، لأن منها الصحاح والحسان والضعاف. وقول الترمذي

стр. 35

وغيره: حديث حسن صحيح، أي روي بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة، والأخر يقتضي الحسن، أو المراد بالحسن الحسن اللغوي و [هو] (١) ما يميل إليه النفس ويستحسنه. انتهى [وسمعت شيخنا الإمام العلامة المحقق المقرئ المحدث شمس الملة والدين محمد بن الجزري، أن قولهم: حسن صحيح، هو دون قولهم: صحيح، لأن هذه إشارة إلى واسطة بين الصحيح والحسن، وهذه الجملة كقولنا: هذا حلو وهذا حامض] (٢). و الضعيف (٣): كل حديث لم يجتمع فيه شروط الصحيح ولا شروط الحسن المقدم ذكرها، وتتفاوت درجاته في الضعف بحسب بعده من شروط الصحة، كما تتفاوت درجات الصحيح بحسب تمكنه منه. وقسَّمه أبو حاتم ابن حبان إلى قريبٍ من خمسين قسماً، وكلها داخل في الضابطة المذكورة. فرع: يجوز عند المحدثين وغيرهم التساهل في أسانيد الضعيف -سوى الموضوع- وروايته من غير بيان ضعفه في المواعظ والقصص وفضائل الأعمال، لا في صفات الله تعالي وأحكام الحلال والحرام، فإن ذلك لا تجوز روايته مع العلم به الا مبيناً حاله.

стр. 36

الفصل الثالث: في الحدود (١). الضرب الأول من الأنواع: المسند: في قول (١١/أ) الخطيب ﵀ تعالي: هو ما اتصل سنده من راويه الى منتهاه، وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن النبي ﷺ دون غيره. وقال الحاكم: هو ما اتصل سنده مرفوعاً الى النبي ﷺ . المتصل: ويسمى أيضاً الموصول، وهو كل ما اتصل إسناده وكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه سواء كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ أو موقوفاً على غيره. المرفوع: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة من قول أو فعل أو تقرير، سواء كان متصلا أو منقطعاً. هذا هو المشهور. فقد ظهر الفرق من هذا بين المسند والمتصل والمرفوع. فإن المتصل قد يكون مرفوعاً وغير مرفوع. والمرفوع قد يكون متصلاً وغير متصل. أما المسند على قول الحاكم فينبغي أن يكون متصلاً مرفوعاً.

стр. 37

المعنعن: هو الذى يقال في سنده فلان عن فلان. المعلق: وهو ما حذف من مبدأ إسناده واحداً فأكثر، كقول الشافعي ﵀: قال نافع، أو قال مالك، قال ابن عمر، أو قال النبي ﷺ . الإفراد: وهو قسمان: أحدهما: (١١/ب) فرد عن جميع الرواة. والثاني: مفرد بالنسبة إلى جهة، كقولهم: تفرد به أهل مكة وأهل المدينة. المدرج: وهو أقسام أحدهما: ما أدرج في الحديث من كلام بعض رواته، فيرويه من بعده متصلاً فيتوهم أنه من الحديث. الثاني: أن يكون عنده متنان بإسنادين، أو طرف من متن بسند غير سنده، فيرويهما معاً بسند واحد. الثالث: أن يسمع حديثاً من جماعة مختلفين في سنده أو متنه، فيدرج روايتهم على الاتفاق ولا يذكر الاختلاف، وتعمد كل واحد من الثلاثة حرام. المشهور: هو ما شاع عند أهل الحديث خاصة دون غيرهم، أو عندهم وعند غيرهم، كحديث: الأعمال بالنيات.

стр. 38

الغريب والعزيز: الغريب: هو الذى انفرد به العدل الضابط ممن يجمع حديثه ويقبل، فإن رواه اثنان أو ثلاثة يسمى عزيزاً، وإن رواه جماعة سمى مشهوراً، ومن الافراد ما ليس بغريب كالأفراد المضافة الى البلدان. المصحف: وهو تغيير لفظ أو معنى. واللفظي (١٢/أ) إما تصحيف بصر أو سمع، وقد يكون في السند أو في المتن، وهذا فن جليل إنما تحققه الحذاق من الحفاظ، والدارقطني والخطابي منهم، ولهما فيه تصنيف مفيد. المسلسل: هو ما تتابع فيه رجال إسناده عند روايته على صفة أو حالة، إما في الراوي قولاً كحديث القسم، أو فعلاً كحديث التشبيك باليد، أو في الرواية كالمسلسل باتفاق أسماء الرواة وأسماء آبائهم (١). زيادة الثقة: وهي أقسام: أحدها: أن يقع منافياً لما رواه سائر الثقات، وحكم هذه الرد كالشاذ. الثاني: أن لا يكون فيه منافاة ولا مخالفة أصلاً لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولم يتعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلاً، فهذا مقبول، ونقل الخطيب اتفاق العلماء عليه.

стр. 39

الثالث: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من رواه. وقال الخطيب (١): مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا انفرد بها. الاعتبار بالمتابعات والشواهد: وهي أمور يتعرفون بها حال الحديث، والاعتبار هو النظر في (١٢/ب) حال الحديث هل تفرد به راويه أم لا؟ وهل هو معروف أم لا؟ وطريق الاعتبار في الأخبار أن يقال مثلا: روى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . فإذا نظر أن حماداً رواه ولم يتابع عليه، فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب، عن ابن سيرين؟ فإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة ﵁، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ﷺ ، فأي ذلك وُجِد يُعلَم به أن للحديث أصلاً، وإلا فلا. والمتابعة: أن يرويه غير حماد، عن أيوب. وهو المتابعة التامة. أو غير أيوب، عن ابن سيرين. أو غير ابن سيرين، عن أبي هريرة. أو غير أبي هريرة، عن النبي صلى الله علية وسلم. وكل هذا يسمى متابعة غير تامة لبعدها. ويسمي الحاكم في المدخل المتابعة شاهداً. والشاهد: أن يروي حديث بمعنى حديث لا بلفظه.

стр. 40

فالاعتبار هو الاجتهاد في حال الحديث ليطلع على المتابعات والشواهد. مختلف الحديث: وهو أن يوجد حديثان [متضادان] (١) في المعنى في الظاهر (١٣/أ) فيجمع بينهما أو يرجح أحدهما، وهو فن مهم يضطر إليه جميع طوائف العلماء، وإنما يملك القيام به الأئمة من أهل الحديث والفقه والأصول الغواصون على المعاني والبيان، وقد صنف الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيه كتابه المعروف به، ولم يقصد استيعابه بل ذكر جملة تنبه العارف على طريق الجمع بين الأحاديث في غير ما ذكره، ثم صنف فيه ابن قتيبة فأحسن في بعض، ومن جمع الأوصاف المذكورة لم يشكل عليه شيئ من ذلك. قال ابن خزيمة (٢): لا أعرف حديثين صحيحين [متضادين] (٣)، فمن كان عنده فليأتني لأؤلِّف بينهما. والمختلف: قسمان: أحدهما: أن يمكن الجمع بينهما، فيتعين المصير إلى ذلك، ويجب العمل بهما، كحديث: لا عدوى، وحديث: لا يورد ممرض على مصح. ووجه الجمع: أنه ﷺ نفى في الأول ما كان يعتقده الجاهليّ من أن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال: فمن أ عدى الأول. وفي الثاني [أعلم] (٤) بأن الله تعالى جعل ذلك سبباً لذلك، وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده بفعل الله تعالى. والثاني: أن لا يمكن الجمع بينهما، فإن علمنا أن أحدهما ناسخ قدمناه، وإلا

стр. 41

عملنا بالراجح منهما، (١٣/ب) كالترجيح بصفات الرواة وكثرتهم، في خمسين وجهاً من أنواع الترجيح، جمعها الحافظ الإمام أبو بكر الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ [وهو كتابٌ شريفٌ] (١). الناسخ والمنسوخ: الناسخ: كل حدث دل على رفع حكم شرعي سابق. [وهذا الظاهر، وفي الحقيقة النسخ هو بيان انتهاء مدة الحكم، كقول الطبيب للمريض: اشرب كذا مطلقًا، ثم يقول له: لا تشربه فإني الطبيب، يريد بقوله الثاني بيان انتهاء مدة حكمه المطلق في قول الأول، وكذا في قول الشارع من الناسخ والمنسوخ] (٢). ومنسوخه: كل حديث رفع حكمه الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه. وهذا فن صعب مهم، كان للشافعي ﵀ فيه يد طولى، وسابقه أولى، وأدخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه لخفاء معناه. غريب اللفظ وفقهه: أما [غريبه] (٣) فهو ما جاء في المتن من [لفظ] (٤) غامض بعيد الفهم لقلة استعماله، وهو فن مهم. والفائق للزمخشري فيه فائق على كل غاية، وينبغي ألا يقلد فيه إلا مصنف إمام جليل.

стр. 42

(١) وأما فقهه فهو ما يتضمن من الأحكام والآداب المستنبطة منه، وهذا دأب الفقهاء الأعلام كالأئمة الأربعة ﵃. وفي هذا الفن مصنفات كثيرة: كمعالم السنن للخطابي، والتمهيد لابن عبد البر. الإسناد العالي: وهو أيضاً مشترك، فإنه قد يكون للضعيف إسناد عال، كما يكون للصحيح (١٤/أ) والحسن، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى فذلك ثمانية عشر نوعاً. الفصل الرابع: في حدود الضرب الثاني، الذي هو مختص بالضعيف (٢). الموقوف: وهو عند الإطلاق: ما روي عن الصحابي من قول أو فعل أو نحو ذلك متصلاً كان أو منقطعاً، وقد يستعمل في غير الصحابي مقيداً، مثل: وقفه معمر على همام، ووقفه مالك على نافع. وبعض الفقهاء يسمى الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر، وأما أهل الحديث فيطلقون الأثر عليهما. المقطوع: وهو ما جاء من التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفاً عليهم، واستعمله الشافعي، وأبو القاسم الطبراني رحمهما الله تعالى في المنقطع وسيأتي بيانه.

стр. 43

المرسل: وهو قول التابعي الكبير: قال رسول الله ﷺ كذا أو فعل كذا، فهو مرسل باتفاق. وأما قول من دون التابعي: قال رسول الله ﷺ ، فاختلفوا في تسميته مرسلاً: فقال الحاكم وغيره من أهل الحديث: لا يسمى مرسلا، وقالوا: المرسل مختص بالتابعي عن النبي ﷺ ، وعلى هذا التقدير فإن كان الساقط واحداً (١٤/ب) سمي منقطعاً، وإن كان اثنين فأكثر سمي معضلاً ومنقطعاً أيضاً، والمعروف في الفقه وأصوله أن كل ذلك يسمى مرسلاً، وبه قطع الخطيب، قال: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال رواية التابعي عن النبي ﷺ ، ولو قال التابعي الصغير كالزهري مثلاً: قال رسول الله ﷺ . وقلنا بقول الحاكم. فالمشهور أنه مرسل كالتابعي الكبير. وحكى ابن عبد البر: أن قوماً يسمون منقطعاً لا مرسلاً، لأن أكثر روايتهم عن التابعي. فرع: قيل يحتج بالمرسل مطلقاً، ورَدّه قومٌ مطلقاً، والأَوْلى إن صح مخرجه لمجيئه من وجه آخر مسنداً من غير رجال الأول فهو حُجّة، وعليه جماهير العلماء والمحدثين، ولذلك احتج الشافعي رحمه الله تعالى بمراسيل ابن المسيب لما وجدت مسانيد من وجوه أخر، ولا يختص ذلك (١) عنده بمراسيل سعيد كما يتوهم بعض الفقهاء من أصحابنا. فإن قيل: إذا وُجد المسند فالعمل به [لا بالمرسل؟ قلنا: المرسل الذي يعمل

стр. 44

به] (١) ما كان رواية ثقة مُتقناً ليس فيه إلا الإرسال بخلاف المسند فإن راويه ليس كراويه، فجَعْلُ (١٥/أ) الأول أصلا، والثاني تابعاً، أولى من العكس. المنقطع: عند الجمهور: هو الذي لم يتصل إسناده علي أي وجه كان، سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو أخره، إلا أن أكثر ما يوصف بالانقطاع رواية من دون التابعي عن الصحابي، مثل: مالك، عن ابن عمر. وقال الحاكم (٢) وغيره: المنقطع ما اختل فيه قبل الوصول إلى التابعي رجل سواء كان محذوفاً أو مبهماً. المعضل: يقال: أعضله فهو معضل بفتح الضاد. وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعداً، كقول مالك: قال رسول الله ﷺ . الشاذ: قال الشافعي ﵀: [الشاذ] (٣) هو ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه الناس (٤). المنكر: قيل ما تفرد به وليس ثقة ولا ضابطاً.

стр. 45

المعلَّل: اعلم أن معرفة علل الحديث من أجلّ علومه وأدقّها، وإنما يتمكن من ذلك أهل الخبرة والفهم الثاقب. وهي أسباب خفية غامضة قادحة فيه. فالحديث المعلل: هو الذي اطُّلع على ما يقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منه. المدلس: ما أخفي عيْبُه. وهو قسمان: أحدهما: ما يقع في الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه (١٥/ب) أو عاصره مالم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه. والثاني: ما يقع في الشيوخ، وهو أن يروي عن الشيخ حديثاً سمعه فيسميه أو يُكنِّيه [أو ينسبه] (١) أو يصفه بما لا يعرف به كيلا يعرف. والأول مكروه جداً، واختلفوا في رواية من عرف به. وأما الثاني فأمره أخف، وتتفاوت الكراهة فيه بحسب الغرض الحامل عليه. المضطرب: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له.

стр. 46

المقلوب: وهو أن يكون حديثٌ مشهورٌ عن راوٍ، فيجعل عن راوٍ آخر ليرغبوا فيه لغرابته، كحديث مشهور عن سالم جعل عن نافع؛ ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه. رُوِي أن البخاري قدم بغداد، فاجتمع قوم من أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه، فلما فرغوا من إلقائها التفت اليهم فرَّد (١٦/أ) كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه فأذعنوا له بالفضل (١). الموضوع: هو المختلق، وهو شر الضعيف وأرْدَى أقسامه، ولا يحل روايته مع العلم به في أي معنى كان إلا مع بيان حاله، بخلاف غيره من أقسام الضعيف الذي يحتمل صدقها باطناً، فإنه يجوز روايتها في الترغيب والترهيب مطلقاً من غير بيان، ويعرف الوضع بأسباب بُيِّنت في المطولات، وقد بيَّنتُ بعضها في "لوامع الأصول"، فذلك اثنا عشر نوعاً يختص بالضعيف.

стр. 47

القسم الثاني: في السند . أي معرفة أوصاف الرواة ومن يقبل روايته ومن لا يقبل، وهي من أجل أنواع علوم الحديث وأهمها؛ إذ به يتميز الصحيح عن الضعيف، والكلام فيه أحد عشر نوعاً. النوع الأول: [في] (١) صفة من يقبل روايته ومن لا يقبل (٢). وفيه فصول [سبعة] (٣): الأول: أجمع جماهير علماء الحديث والأصول والفقه على أنه يشترط في من يحتج بحديثه: العدالة والضبط. فالعدالة فيه: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سليماً (١٦/ب) من أسباب الفسق وخوارم المروءة. والضبط: أن يكون [متيقظاً] (٤) حافظاً إن حدَّث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدث منه، عارفاً بما يختل به المعنى إن روى به، ولا يشترط الذكورة والحرية ولا العلم بفقه وغريبة ولا البصر ولا العدد.

стр. 48

الثاني: تعرف العدالة بتنصيص عدلين أو بالاستفاضة، ويعرف ضبطه بأن يعتبر روايته بروايات الثقات؛ فإن وافقهم كان ضابطاً، وإن كان كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم يحتج بحديث. والتعديل مقبول من غير ذكر سببه على الصحيح، والجرح لا يقبل الا مفسرًا. ويثبت الجرح والتعديل في الرواة بقول واحد على الصحيح، وقيل: لابد من اثنين كالشهادة، فإن اتفق في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم. الثالث: لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه، كمن ينام حالة السماع، أو يشتغل عنه، أو يحدث لا من أصلٍ مصحّح، أو من عرف بقبول التلقين في الحديث من غير كتب وحفظ، أو بكثرة السهو إذا لم يحدّث من أصلٍ صحيح، أو مَن كثُرَت الشواذ والمناكير في حديثه. (١٧/أ) قال أحمد وغيره: من بُيِّن غلطه فلم يَرجِع وأصرَّ عليه سقطت روايته. ولا يقبل رواية مجهول الحال ظاهراً وباطناً، والمختار قبول رواية مجهول العدالة باطنا لا ظاهرا، وهو المستور. ولا يقبل رواية مجهول العين، وهو كل من لم يَعرِفُه العلماء، ولم يُعرَف حديثه إلا من جهة راوٍ واحدٍ. الرابع: لا يقبل رواية المبتدع الذي يكفر ببدعته باتفاق. والمبتدع بغيرها فيه ثلاثة أقوال: قيل: لا يقبل مطلقاً، وقيل: إن لم يستحل الكذب لنصرة أهله ومذهبه قُبِل، وإن استحلَّ كالخطَّابيَّة لم يُقبِل.

стр. 49

ويعزي [هذه] (١) الى الشافعي ﵀. وقيل: إن كان داعية [لمذهبه] (٢) لم يُقبَل، وإن لا قُبل، وهذا الذي عليه الأكثر. الخامس: التائب من الكذب وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته، إلا التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ ، فإنه لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت توبته. قال السمعاني (٣): من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه. [وقد تقدم هذا الحكم وما قال الإمام النواوي ﵀ عليه في المقدمة] (٤). السادس: اختلفوا فيمن أخذ على الحديث أجراً، فقال قوم: لا تقبل روايته، ورخَّص في ذلك قوم آخرون. السابع: أعرض الناس في هذه (١٧/ب) الأعصار عن مجموع الشروط المذكورة، واكتفوا من عدالة الراوي بكونه مستوراً، ومِن ضبطه بوجود سماعه مثبتاً بخطٍ موثوق به، وروايته من أصلٍ موافقٍ لأصل شيخه. النوع الثاني: [في] (٥) الإسناد العالي والنازل (٦). والإسناد خصيصة لهذه الأمة، وسنة من السنن، وطلب علوه سُنَّة؛ ولذلك أستحب الرحلة فيه.

стр. 50

قال أحمد بن حنبل ﵀: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف (١). النوع الثالث: [في] (٢) المزيد في الأسانيد . وهو أن يزيد الراوي في إسناد حديث رجلاً أو أكثر وهماً منه أو غلطاً. [وقد صنف الخطيب فيه كتابه المعروف بذلك] (٣). النوع الرابع: [في] (٤) التدليس . وهو قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ كما مرَّ. النوع الخامس: [في] (٥) تباعد وفاة الراويين عن شيخ واحد . وفائدته: حلاوة علو الإسناد في القلوب (٦). النوع السادس: [في] (٧) رواية الأقران عن الأقران . وهم الأكفاء المتقاربون في السن والإسناد. وهو قسمان: أحدهما: المدبج: وهو أن يروي كل واحد من القرينين [عن] (٨) صاحبه، كرواية عائشة عن أبي هريرة، وروى هو (١٨/أ) عنها.

стр. 51

والثاني: غير المدبج ، وهو أن يروي أحدهما عن صاحبه ولا يروي الأخر. النوع السابع: [في] (١) رواية الآباء عن الأبناء . وللخطيب فيه كتاب. النوع الثامن: في رواية الأبناء عن الآباء . ولأبي نصر الوائلي (٢) في هذا النوع كتاب. النوع التاسع: [في] (٣) من لم يرو عنه إلا واحد . قيل: لمسلم فيه كتاب. النوع العاشر: [في] (٤) رواية الاكابر عن الأصاغر . النوع الحادي عشر: [في العنعنة في السند] (٥). وهو السند الذي يقال فيه فلان عن فلان، وقد تقدم ذكره.

стр. 52

القسم الثالث: [في تحمل] (١) الحديث وطرق نقله وضبطه وروايته وما يتعلق به . والكلام فيه ستة أنواع: النوع الاول (٢): في أهلية التحمل . يصح [التحمل] (٣) قبل الاسلام، وقبل البلوغ، ومنع الثاني قوم، واخطؤوا لاتفاق الناس على قبول رواية الحسن والحسين، وابن عباس ﵃ النوع الثاني: في طرق تحمل الحديث (٤). وهي ثمانية، بعضها بالاتفاق وبعضها بالاختلاف: الطريق الأول: السماع من لفظ الشيخ ، سواء كان املاء أو تحديثاً، وسواء كان من (١٨/ب) حفظه أو كتابه، وهذا أرفع الطرق عند الجماهير. قال الخطيب (٥): أرفع العبارات في ذلك: سمعت، ثم حدثنا، وحدثني، ثم يتلو ذلك قول: أخبرنا، وهو كثير في الاستعمال. قال ابن الصلاح (٦): كان هذا قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قرئ على الشيخ. فحينئذٍ يجب حدثنا.

стр. 53

وقال الخطيب (١): ثم يتلو قول أخبرنا، أنبأنا ونبأنا، وهو قليل في الاستعمال. قال القاضي ابن جماعة (٢): لا سيما بعد غلبته في الإجازة. الطريق الثاني: القراءة على الشيخ ، ويسميها أكثر قدماء المحدثين عرضاً؛ لأن القارئ يعرضه على الشيخ، سواء قرأ هو أم غيره وهو يسمع، وسواء قرأ من كتاب أو من حفظه، وسواء كان الشيخ يحفظ أم لا إذا كان يمسك أصله هو، أو ثقة غيره، وهو رواية صحيحة باتفاق خلافاً لبعض من لا يعتد به. [واختلفوا في أن القراءة على الشيخ مثل السماع من لفظه في المزية، أو فوقه، أو دونه؟ فنقل عن أبي حنيفة ومالك وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ. ويروى عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة أنها سواء، وهو مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، والبخاري] (٣). وإذا روى السامع بهذه الطريق فله عبارات، أحوطها أن يقول: قرأت على فلان، أو: قرئ عليه وأنا أسمع فأقرَّ به، ويتلوه قول: حدثنا، أو: أخبرنا، مقيداً بقيد: قراءةً عليه، ونحو ذلك. (١٩/أ) واختلفوا في استعمال: حدثنا وأخبرنا [مطلقتين، فمنع ابن المبارك وأحمد بن حنبل والنسائي] (٤) وغيرهم. وجوَّزهما الزهري ومالك وسفيان بن عيينة وغيرهم. وهو مذهب البخاري.

стр. 54

والمذهب الثالث: أنه يجوز إطلاق أخبرنا، ولا يجوز إطلاق حدثنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ومسلم وجمهور أهل المشرق، وهو الشائع الغالب الآن. الطريق الثالث: الإجازة المجرَّدة . وهي أنواع: الأول: أعلاها، [إجازة معيَّن لمعيَّن، كأجزتك كتاب البخاريّ مثلا] (١)، والصحيح عند الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء جواز الرواية، و [وجوب] (٢) العمل بها. الثاني: إجازة معيَّن في غير معين، كقوله: أجزتك مسموعاتي أو مروياتي، والجمهور على جواز الرواية بها، ووجوب والعمل. الثالث: إجازة العموم، كقوله: أجزت المسلمين، أو لمن أدرك زماني، وجوزها الخطيب مطلقاً. الرابع: إجازة مجهول، أو في مجهول، وهذه إجازة باطلة، (١٩/ب) لا فائدة منها. الخامس: الإجازة المعلقة، مثل: أجزت من شاء فلان، أو: إن شاء زيد إجازة أحد أجزته، والأظهر أنها لا تصح. وبه أفتى القاضي أبو الطيب. وقال أبو يعلى ابن الفراء الحنبلي، وابن عمروس المالكي: يصح. السادس: إجازة المعدوم، كقوله: أجزت لمن يولد لفلان، وفيها خلاف، فأجازها الخطيب وحكاه عن ابن الفراء وابن عمروس. وأبطلها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وهو الصحيح.

стр. 55

السابع: إجازة مالم يتحمله المجيز ليرويه المجاز إذا تحمله المجيز، وضعفه بعض المتأخرين، ومنعه بعضهم، وهو الصحيح. الثامن: إجازة المجاز، مثل قوله: أجزت لك مجازاتي، والصحيح جوازه، قطع به الدار قطني، وأبو نعيم، وأبو الفتح المقدسي. فرع: إنما يستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيزه، والمجاز من أهل العلم؛ لأنها توسع يحتاج اليه أهل العلم. (٢٠/أ) وشرطه بعضهم، وحكى عن مالك. وقال ابن عبد البر (١): "الصحيح أنه لا يجوز إلا لماهرٍ في الصناعة، وفي معيّن لا يُشكِل إسناده". الطريق الرابع: المناولة . وهي نوعان: أحدهما: المقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة. والثاني: المجردة عن الإجازة، وهو أن يناوله كتاباً ويقول: هذا سماعي مقتصراً عليه، فالصحيح أنه لا يجوز له الرواية بها، وبه قال الفقهاء وأهل الأصول، وعابوا من جوَّزه من المحدثين. فرع: جوَّز الزهري ومالك إطلاق "حدثنا" و "أخبرنا" في المناولة، وهو لائق بمذهب من يجعل غرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعاً.

стр. 56

وعن أبي نعيم الأصبهاني، والمرزباني وغيرهما جوازه في الإجازة المجردة عن المناولة، والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التحري المنع عن ذلك وتخصيص ذلك بعبارة تشعر بالإجازة كحدثنا إجازة، (٢٠/ب) أو مناولة، أو إذناً، أو أجازني، أو ناولني وشبه ذلك، واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة، واختاره قوم، ومال إليه البيهقي. الطريق الخامس: المكاتبة: وهي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو يأذن بكتبه. وهي أيضاً ضربان: مقرونة بالإجازة، ومجردة عنها. فالمقرونة بالإجازة في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بها. وأما المجردة فأجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين، والعبارة فيها: كتب إليَّ فلان، أو أخبرني فلان كتابة. الطريق السادس: الإعلام ، وهو أن يُعلم الشيخُ الطالبَ أن هذا الكتاب روايته أو سماعه، مقتصراً على ذلك، فجوز الرواية به كثير من أهل الحديث والأصول والفقه. الطريق السابع: الوصية ، وهي أن يوصي الراوي عند موته أو سفره، لشخص بكتاب يرويه، فجوز بعض السلف للموصي له رواية ذلك عن الموصي كالإعلام، (٢١/أ) والصحيح الصواب أنه لا يجوز. الطريق الثامن: الوجادة: وهو أن يقف على كتاب بخط شخص فيه أحاديث يرويها ذلك الشخص ولم يسمعها منه الواجد ولا له منه إجازة أو نحوها، فله أن يقول: وجدت بخط فلان وما أشبه ذلك. فرع: إذا وجد حديثاً في تأليف شخص وليس بخطه، فله أن يقول: قال فلان، أو ذكر فلان.
следующие страницы →