← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 577

إشراقات الأصول في علم حديث الرسول - مجلة التراث النبوي

جلال الدين القايني

Полный текст (59 стр.). Показаны 52–75 · переход к 57.

стр. 52

القسم الثالث: [في تحمل] (١) الحديث وطرق نقله وضبطه وروايته وما يتعلق به . والكلام فيه ستة أنواع: النوع الاول (٢): في أهلية التحمل . يصح [التحمل] (٣) قبل الاسلام، وقبل البلوغ، ومنع الثاني قوم، واخطؤوا لاتفاق الناس على قبول رواية الحسن والحسين، وابن عباس ﵃ النوع الثاني: في طرق تحمل الحديث (٤). وهي ثمانية، بعضها بالاتفاق وبعضها بالاختلاف: الطريق الأول: السماع من لفظ الشيخ ، سواء كان املاء أو تحديثاً، وسواء كان من (١٨/ب) حفظه أو كتابه، وهذا أرفع الطرق عند الجماهير. قال الخطيب (٥): أرفع العبارات في ذلك: سمعت، ثم حدثنا، وحدثني، ثم يتلو ذلك قول: أخبرنا، وهو كثير في الاستعمال. قال ابن الصلاح (٦): كان هذا قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قرئ على الشيخ. فحينئذٍ يجب حدثنا.

стр. 53

وقال الخطيب (١): ثم يتلو قول أخبرنا، أنبأنا ونبأنا، وهو قليل في الاستعمال. قال القاضي ابن جماعة (٢): لا سيما بعد غلبته في الإجازة. الطريق الثاني: القراءة على الشيخ ، ويسميها أكثر قدماء المحدثين عرضاً؛ لأن القارئ يعرضه على الشيخ، سواء قرأ هو أم غيره وهو يسمع، وسواء قرأ من كتاب أو من حفظه، وسواء كان الشيخ يحفظ أم لا إذا كان يمسك أصله هو، أو ثقة غيره، وهو رواية صحيحة باتفاق خلافاً لبعض من لا يعتد به. [واختلفوا في أن القراءة على الشيخ مثل السماع من لفظه في المزية، أو فوقه، أو دونه؟ فنقل عن أبي حنيفة ومالك وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ. ويروى عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة أنها سواء، وهو مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، والبخاري] (٣). وإذا روى السامع بهذه الطريق فله عبارات، أحوطها أن يقول: قرأت على فلان، أو: قرئ عليه وأنا أسمع فأقرَّ به، ويتلوه قول: حدثنا، أو: أخبرنا، مقيداً بقيد: قراءةً عليه، ونحو ذلك. (١٩/أ) واختلفوا في استعمال: حدثنا وأخبرنا [مطلقتين، فمنع ابن المبارك وأحمد بن حنبل والنسائي] (٤) وغيرهم. وجوَّزهما الزهري ومالك وسفيان بن عيينة وغيرهم. وهو مذهب البخاري.

стр. 54

والمذهب الثالث: أنه يجوز إطلاق أخبرنا، ولا يجوز إطلاق حدثنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ومسلم وجمهور أهل المشرق، وهو الشائع الغالب الآن. الطريق الثالث: الإجازة المجرَّدة . وهي أنواع: الأول: أعلاها، [إجازة معيَّن لمعيَّن، كأجزتك كتاب البخاريّ مثلا] (١)، والصحيح عند الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء جواز الرواية، و [وجوب] (٢) العمل بها. الثاني: إجازة معيَّن في غير معين، كقوله: أجزتك مسموعاتي أو مروياتي، والجمهور على جواز الرواية بها، ووجوب والعمل. الثالث: إجازة العموم، كقوله: أجزت المسلمين، أو لمن أدرك زماني، وجوزها الخطيب مطلقاً. الرابع: إجازة مجهول، أو في مجهول، وهذه إجازة باطلة، (١٩/ب) لا فائدة منها. الخامس: الإجازة المعلقة، مثل: أجزت من شاء فلان، أو: إن شاء زيد إجازة أحد أجزته، والأظهر أنها لا تصح. وبه أفتى القاضي أبو الطيب. وقال أبو يعلى ابن الفراء الحنبلي، وابن عمروس المالكي: يصح. السادس: إجازة المعدوم، كقوله: أجزت لمن يولد لفلان، وفيها خلاف، فأجازها الخطيب وحكاه عن ابن الفراء وابن عمروس. وأبطلها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وهو الصحيح.

стр. 55

السابع: إجازة مالم يتحمله المجيز ليرويه المجاز إذا تحمله المجيز، وضعفه بعض المتأخرين، ومنعه بعضهم، وهو الصحيح. الثامن: إجازة المجاز، مثل قوله: أجزت لك مجازاتي، والصحيح جوازه، قطع به الدار قطني، وأبو نعيم، وأبو الفتح المقدسي. فرع: إنما يستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيزه، والمجاز من أهل العلم؛ لأنها توسع يحتاج اليه أهل العلم. (٢٠/أ) وشرطه بعضهم، وحكى عن مالك. وقال ابن عبد البر (١): "الصحيح أنه لا يجوز إلا لماهرٍ في الصناعة، وفي معيّن لا يُشكِل إسناده". الطريق الرابع: المناولة . وهي نوعان: أحدهما: المقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة. والثاني: المجردة عن الإجازة، وهو أن يناوله كتاباً ويقول: هذا سماعي مقتصراً عليه، فالصحيح أنه لا يجوز له الرواية بها، وبه قال الفقهاء وأهل الأصول، وعابوا من جوَّزه من المحدثين. فرع: جوَّز الزهري ومالك إطلاق "حدثنا" و "أخبرنا" في المناولة، وهو لائق بمذهب من يجعل غرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعاً.

стр. 56

وعن أبي نعيم الأصبهاني، والمرزباني وغيرهما جوازه في الإجازة المجردة عن المناولة، والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التحري المنع عن ذلك وتخصيص ذلك بعبارة تشعر بالإجازة كحدثنا إجازة، (٢٠/ب) أو مناولة، أو إذناً، أو أجازني، أو ناولني وشبه ذلك، واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة، واختاره قوم، ومال إليه البيهقي. الطريق الخامس: المكاتبة: وهي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو يأذن بكتبه. وهي أيضاً ضربان: مقرونة بالإجازة، ومجردة عنها. فالمقرونة بالإجازة في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بها. وأما المجردة فأجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين، والعبارة فيها: كتب إليَّ فلان، أو أخبرني فلان كتابة. الطريق السادس: الإعلام ، وهو أن يُعلم الشيخُ الطالبَ أن هذا الكتاب روايته أو سماعه، مقتصراً على ذلك، فجوز الرواية به كثير من أهل الحديث والأصول والفقه. الطريق السابع: الوصية ، وهي أن يوصي الراوي عند موته أو سفره، لشخص بكتاب يرويه، فجوز بعض السلف للموصي له رواية ذلك عن الموصي كالإعلام، (٢١/أ) والصحيح الصواب أنه لا يجوز. الطريق الثامن: الوجادة: وهو أن يقف على كتاب بخط شخص فيه أحاديث يرويها ذلك الشخص ولم يسمعها منه الواجد ولا له منه إجازة أو نحوها، فله أن يقول: وجدت بخط فلان وما أشبه ذلك. فرع: إذا وجد حديثاً في تأليف شخص وليس بخطه، فله أن يقول: قال فلان، أو ذكر فلان.

стр. 57

فرع: العمل بالوجادة، قيل لا يجوز، وقيل يجوز. النوع الثالث: في كتابة الحديث (١). وقد كتبت شيئاً عنه في أول الكتاب. وبقي فصول: الأول: الكلام في التصحيح والتمريض والتضبيب وهي من شأن [المتقنين] (٢). فالتصحيح: كتابة "صح" على كلامٍ صحّ روايةً ومعنًى؛ لكنه عُرضة للشك أو الخلاف. والتضبيب: وقد يسمى التمريض أيضاً، وهو: أن يمد خطاً أوله كرأس الضاد علي ثابت نقلا، فاسد لفظاً أو معنى، أو ضعيف أو ناقص. ومن الناقص موضع الإرسال أو الانقطاع، وربما اقتصر بعضهم في علامة التصحيح على (٢١/ب) الصاد فأشبهت الضبَّة. الثاني: غلب على كتبة الحديث الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا: أثنا، أو نا، أو دنا. ومن أخبرنا: أبنا، أو أنا، أو رنا. وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد آخر "ح". قالوا: ولم يأتنا عمن تقدم بيان أمرها، لكن كتب بعض الحفاظ موضعاً "صحَّ"، فأشعر بأنها رمزه، وقيل: هي من التحويل من إسناد إلى إسناد، وقيل: هي من الحيلولة لأنها تحوَّل بين الإسنادين، وليست من الحديث فلا يتلفَّظ شيئ في مكانها، وقيل: هي إشارة إلى قولنا الحديث.

стр. 58

والمغاربة يقولون مكانها في القراءة: الحديث، ومن العلماء من يقول: "حا" ويمرَّ، وهو المختار. الثالث: قال الخطيب: ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع منه الكتاب وكنيته ونسبته، ثم يسوق ما سمعه منه على (٢٢/أ) لفظه، ويكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ السماع، وإن أحبَّ كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب، كذا فعله الشيوخ، ولا بأس بكتابته آخر الكتاب، وحيث لا يخفي منه. وينبغي أن يكون كتابة طبقة السماع بخط شيخ موثوق به معروف الخط، ولا بأس عند ذلك بأن لا يصحِّح عليه الشيخ، ولا بأس أن يكتب سماعه بخط نفسه إذا كان ثقة. الرابع: يجعل بين كل حديثين دارة، واستحب الخطيب أن يكون غفلا، أي بلا علامة، فإذا قابل نقط وسطها. النوع الرابع: في كيفية رواية الحديث (١). شدَّد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل آخرون ففرطوا، فقال بعض المشددين: لا حجة إلا فيما رواه من حِفظه. روي ذلك عن أبي حنيفة ﵁، ومالك، والصيدلاني ﵏. وقال بعضهم: يجوز من كتابه إلا إذا خرج من يده. وقال بعض المتساهلين: يجوز الرواية من نُسَخٍ غير مقابلة بأصولهم، فجعلهم الحاكم (٢٢/ب) مجروحين، وهذا كثير وتعاطاه قوم من أكابر العلماء والصلحاء. والصواب ما عليه الجمهور، وهو التوسط بين الإفراط والتفريط، فإذا قام في

стр. 59

التحمل والضبط والمقابلة بما تقدم جازت الرواية منه، وكذا إن غاب عنه [الكتاب] (١) إذا كان الغالب سلامته من التغيير، ولا سيما إن كان ممن لا يخفى عليه تغييره غالباً. النوع الخامس: في آداب الراوي (٢). اعلم أن علم الحديث علم شريف، يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهو من علوم الأخرة، فمن حرمه حرم خيراً كثيراً، ومن رزقه مع حسن النية [فقد نال أجرًا كبيرًا، فعلى مُعانِيه تصحيح النية] (٣) وإخلاصها وتطهير القلب من الاغراض الدنيوية من رياسة أو طلب مال أو غير ذلك مما لا يراد به وجه الله تعالى. قال سفيان الثوري (٤): كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبَّد قبل ذلك عشرين سنة. قال أبو محمد ابن خلاد (٥): المستحب للمتصدي لإسماع الحديث أن يبلغ خمسين، لأنها انتهاء الكهولة وفيها يجتمع الأشد. (٢٣/أ) قال: وليس بمنكر أن يحدِّث عند استيفاء الأربعين؛ لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال. وأنكر القاضي عياض (٦) على ابن خلاد ذلك؛ لأن جماعة من السلف نشروا علماً لا يحصى ولم يبلغوا ذلك، والحق أنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي

стр. 60

لنشره في أي سنٍّ كان، كمالك والشافعي وغيرهما، ومتى خشى عليه الهرم والتخليط أمسك عن التحديث، وينبغي أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنه وعلمه وغير ذلك، وقيل: لا يحدث في بلد فيه من هو أولى منه، وإذا طلب منه ما يعلمه عند أولى منه أرشد إليه؛ لأن الدين النصيحة، ولا يمتنع من تحديث أحد لعدم صحة نيته؛ فإنه يُرجى [له] (١) تصحيحها، وليحرص علي نشره، ويبتغي جزيل أجره، وإذا أراد حضور مجلس التحديث تطهر وتطيب وسرَّح لحيته، ثم يجلس متمكناً بوقار، فإن رفع أحد صوته زبره. رُوِى ذلك كله عن مالك ﵀، وكان يكره أن يحدِّث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل، ويقبل (٢٣/ب) على الحاضرين كلهم إذا أمكن، ولا يسرد الحديث سرداً لا يدرك بعضهم فهمه، ويفتتح مجلسه ويختمه بتحميد الله والصلاة على رسول الله ﷺ ودعاء يليق بالحال، وينبغي للمحدِّث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث وأنه أعلى مراتب الرواية. النوع السادس: في آداب طالب الحديث (٢). يجب عليه تصحيح النية وتحقيق الإخلاص، ويبتهل إلى الله تعالى في التوفيق والتيسير، ويأخذ نفسه بالأخلاق المرضية والآداب السنية. فعن سفيان الثوري (٣): ما أعلم عملاً أفضل من طلب الحديث لمن أراد الله به. واختلف في الزمن الذى يصح فيه سماع الصبي، فقيل: خمس سنين، وقيل:

стр. 61

أربع سنين، وعليه استقر عمل المتأخرين، يكتبون لابن خمس: سمع، ولمن دونه: حضر أو أُحضِر، وليبتدئ بسماع أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً، وليؤد زكاة الحديث، وليعظم شيخه، فإذا فاز بفائدةٍ أرشد إليها غيره من الطلبة؛ فإن كتمان ذلك لؤم، ولا يمنعه الحياء والكبر في الأخذ ممن دونه (٢٤/أ) سناً أو نسباً أو منزلة، وليصبر على جفاء شيخه، وليعتن بالمهم، ويقدم ذلك كله الصحيحين، ثم بقية كتب الأئمة، كسنن أبى داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ثم كتاب السنن الكبير للبيهقي، فإنا لا نعلم مثله في بابه، ثم المسانيد، كمسند أحمد بن حنبل وغيره، ثم من كتب العلل: كتابه، وكتاب الدار قطني، ومن التواريخ: [تواريخ] (١) البخاري، وابن أبي خيثمة، ومن كتب الجرح والتعديل: كتاب ابن أبي حاتم، ومن مشكل الأسماء: كتاب ابن ماكولا، ويعتني بكتب غريب الحديث وشروحه، وكلما مرَّ به مشكل بحث عنه وأتقنه، ثم حفظه وكتبه، ويتحفَّظ الحديث قليلاً قليلاً، ويشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل له، معتنياً بشرحه وبيان مشكله وإتقانه، فقلما تمهَّر على علم الحديث من لم يفعله، ولعلماء الحديث في تصنيفه طريقان: أجودهما على الأبواب، كما فعله البخاري ومسلم، فيذكر في كل باب ما عنده فيه، الثانية على المسانيد (٢٤/ب) [فيجمع] (٢) في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه صحيحه وضعيفه، وعلى هذه الطريقة يرتب على الحروف، أو على القبائل، فيقدم بنو هاشم، ثم الأقرب فالأقرب، وقد يرتب بالسابقة، فيقدم العشرة ثم أهل بدر ثم الحديبية ثم من هاجر بينها وبين الفتح، ثم أصاغر الصحابة، ثم النساء يبدأ بأمهات المؤمنين ﵃.

стр. 62

القسم الرابع: في أسماء الرجال وطبقات العلماء، وما يتصل بذلك (١). والكلام فيه أحد وعشرون نوعاً: النوع الاول: في معرفة الصحابة ﵃ . هذا فن مهم عظيم الفائدة، يعرف به المرسل والمتصل، وقد صُنف فيه كتب كثيرة، ومن أجودها كتاب الاستيعاب لابن عبد البر؛ لكن شأنه يذكر ما شجر بينهم، وبحكاياته من الإخباريين، وقد جمع فيها ابن الأثير كتاباً حسناً جامعاً، وضبط وأجاد فيه. وفيه فصول: الأول: اختلف في حد الصحابي، والمعروف عند أهل الحديث وبعض أصحاب الأصول: أنه كل من رأى رسول الله ﷺ وهو مسلم، قاله البخاري في صحيحه. (٢٥/أ) وأسند الخطيب (٢) عن أحمد بن حنبل أنه قال في أصحاب النبي ﷺ : من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه. وعند بعض الأصوليين: من طالت مجالسته على طريق التبع والأخذ عنه. وعند سعيد بن المسيب: هو من صحب رسول الله ﷺ سنة أو غزى غزوة. وهو ضعيف. والثاني: الصحابة كلهم عدول، سواء لابسو الفتن أم لا، بإجماع من يعتد بهم.

стр. 63

قال أبو زرعة الرازي ﵀ (١): قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف و أربعة عشر ألفاً من الصحابة، ممن [روى عنه و] (٢) سمع منه. واختُلِف في عدد طبقاتهم، وجعلهم الحاكم اثنى عشرة طبقة. الثالث: أولهم [إسلاماً] (٣) من الرجال أبو بكر ﵁، ومن الصبيان عليّ ﵁، ومن النساء خديجة ﵂، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال ﵃. الرابع: أكثرهم حديثاً أبو هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس ﵃. [النوع] (٤) الثاني: في معرفة التابعين . التابعي: هو كل مسلم صحب صحابياً، وقيل: مَن لقيه، وهو الأظهر. قال الحاكم: هم خمسة عشر طبقة: الأولي: من أدرك العشرة. ومن أكابر التابعين الفقهاء السبعة (٢٥/ب) من أهل المدينة: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد [بن أبي بكر] (٥)، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبو سلمة [بن] (٦) عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، فهؤلاء الفقهاء السبعة عند الأكثر من علماء الحجاز.

стр. 64

النوع الثالث: في طبقات الرواة . [وهو فن مهم، وطبقات بن سعيد عظيم الفوائد فيه] (١)، وهو ثقة لكنه يروي عن الضعفاء. والطبقة: القوم المتشابهون، وقد يكونون من طبقة باعتبار، من طبقتين باعتبار. النوع الرابع: في الأسماء والكنى . وقد صنف فيه ابن المديني، ثم مسلم، ثم النسائي، ثم الحاكم أبو أحمد شيخ الحاكم أبي عبد الله، ثم ابن منده وغيرهم. والمراد بهذا النوع بيان أسماء ذوي الكنى. وهو أقسام: الأول: من سمي بالكنية وليس له اسم غيرها، كأبي بلال الأشعري. الثاني: من عرف بكنية ولم يعرف هل له اسم أم لا، كأبي مويهبة مولى النبي ﷺ . الثالث: من لُقِّب بكنيته وله اسم وكنية غيرها، كأبي تراب لعلي بن أبي طالب أبي الحسن. وهذا المدخل لا يحتمل بيان جميع الأقسام من هذا النوع، (٢٦/أ) ولا سائر الأنواع الباقية في هذا القسم، فلنقتصر على عدها مجملاً للتنبيه النوع الخامس: في كنية من عرف باسمه . وهذا النوع ضد النوع الرابع، لأنه في بيان أسماء من عرف بالكنية، وهذا في بيان كنية من عرف باسمه.

стр. 65

النوع السادس: في الألقاب . النوع السابع: المختلف والمؤتلف (١). وهو فن جليل، يَقبُح جهله بأهل العلم، لاسيما أهل الحديث، ومن لم يعرفه كثُر خطؤه، وهو ما يأتلف في الخط، أي يتفق صورته ويختلف لفظه، مثل: سلَاّم، كله مُشدَّد إلا خمسة: والد عبدالله بن سلام الصحابي، ومحمد بن سلام شيخ البخاري، وسلام بن محمد المقدسي، وسلام جد محمد بن عبدالوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي، وسلام بن أبي الحقيق. النوع الثامن: المتفق والمفترق (٢). وهو ما اتفق خطاً ولفظاً ويفترق مسماه، وللخطيب فيه كتاب، كالخليل بن أحمد، ستة أولهم شيخ سيبويه. النوع التاسع: ما تركب من النوعين . وهو أن يتفق أسماؤهما ويأتلف ويختلف أسماء أبويهما أو أنسابهما أو عكسه، وللخطيب فيه كتاب حسن، (٢٦/ب) سماه: "تلخيص المتشابه في الرسم"، مثل: موسى بن عَلي، بفتح العين كثيرون، وموسى بن عُلي بضم العين، ومحمد بن عبد الله المخَرِّمي، بضم الميم وفتح الخاء وكسر الراء المشددة، محدث مشهور نُسب إلي المخرم ببغداد، ومحمد بن عبد الله المخْرَمي، بفتح الميم وسكون الخاء وتخفيف الراء المفتوحة، روى عن الشافعي.

стр. 66

النوع العاشر: المتشابهون في الاسم واسم الأب، المتمائزون في التقديم والتأخير ، مثل: الوليد بن مسلم، ومسلم بن الوليد. النوع الحادي عشر: من نسب إلى غير أبيه . مثل: أبي عبيدة ابن الجراح، منسوب إلى جده، واسم أبيه عبدالله. النوع الثاني عشر: النِّسَب المخالفة لظاهرها . مثل: أبي مسعود البدري، نزل بدراً فنُسِب إليها ولم يشهد وقعتها. النوع الثالث عشر: الأسماء المفردة . مثل: جُبيب بضم الجيم. النوع الرابع عشر: من ذكر بأسماء وصفات مختلفة . وهو فن تمس الحاجة إليه لمعرفة التدليس، وصنف عبد الغني بن سعيد المصري وغيره. النوع الخامس عشر: معرفة (٢٧/أ) الموالي (١). وأهمّ ذلك معرفة الموالي المنسوبين إلى القبائل مطلقاً، كفلان القرشي ويكون مولى لهم، ثم منهم مولى العتاقة، ومنهم مولى الإسلام، كالبخاري الإمام، [مولى] (٢) الجعفيين ولاء الإسلام، ومنهم مولى الحلف، كمالك بن أنس الإمام، هو ونفره موالى لتيم قريش بالحلف.

стр. 67

النوع السادس عشر: معرفة الأسماء المبهمة (١). وقد صنف فيه عبد الغني بن سعيد، ثم الخطيب، ثم غيرهما. قال القاضي ابن جماعة (٢): وأكثر من جمع فيه فيما أعلمه ابن بشكوال المغربي. ونظيره كحديث ابن عباس ﵄: أن رجلا قال: يا رسول الله الحج كل عام. النوع السابع عشر: معرفة الثقات والضعفاء (٣). وهذا النوع [من] (٤) أجل أنواع علوم الحديث وأهمها، وهو الذي به يعرف الصحيح و الضعيف، وفيه تصانيف كثيرة: منها ما أفرد في الضعفاء ككتاب البخاري، والنسائي، والعقيلي، والدار قطني، وغيرها. ومنها ما أفرد في الثقات ككتاب الثقات لابن حبان. ومنها ما هو مشترك كتاريخ (٢٧/ب) البخاري، وابن أبي خثيمة، وابن أبي حاتم. وجُوِّز الجرح والتعديل صيانةً للشريعة. النوع الثامن عشر: مَن خلَّط من الثقات . وهو فن مهم، لا يعرف فيه تصنيف مفرد به وهو جدير بذلك.

стр. 68

ثم هؤلاء منهم من خلَّط لخرفه، أو لذهاب بصره، أو لغير ذلك، [فيُقبَل ما روى عنهم قبل الاختلاط، ويُردّ ما بعده وما شك] (١) فيه (٢). النوع التاسع عشر: في أوطان الرواة . وهو مما يفتقر إلى معرفته حفاظ الحديث في كثير من تصرفاتهم وتصانيفهم، ومن مظانهم كتاب الطبقات لابن سعيد. النوع العشرون: في الأُخوَّة . هذا فن من معارف أهل الحديث، صنف فيه ابن المديني، ثم النسائي، ثم السَّراج وغيرهم، مثاله: عمر وزيد ابنا الخطاب. النوع الحادي والعشرون: في التواريخ والوَفَيات (٣). وهو فن مهم، يعرف به اتصال الحديث وانقطاعه. وفي فصول: الأول: الصحيح أن سنَّ (٢٨/أ) سيد البشر ﷺ ثلاث وستون سنة، وكذا سنُّ أبي بكر وعمر ﵄ ثلاث وستون سنة، وقُبِض رسول الله ﷺ ضحى يوم الاثنين لاثني عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشره من هجرته، ومات أبو بكر ﵁ [في جمادي الأول سنة ثلاث عشرة، وعمر] (٤) في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وعثمان ﵁ في ذي الحجة سنة خمس

стр. 69

وثلاثين، عن اثنين وثمانين، وقيل: تسعين، وقيل: غيره، وعليّ ﵁ في شهر رمضان سنة أربعين، عن ثلاث وستين، وقيل: أربع، وقيل: خمس. الثاني: [في] (١) أصحاب كتب الحديث المعتمدة: البخاري، ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال [المكرم] (٢) سنة أربع وتسعين ومائة، ومات بسمرقند ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، عن اثنين وستين سنة. ومسلم، مات بنيسابور لخمس بقين من شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين، ابن خمس وخمسين. وأبو داود السجستاني، مات (٢٨/ب) بالبصرة في شوال سنة خمس وسبعين ومائتين. وأبو عيسي الترمذي، مات بترمذ لثلاث عشرة مضت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. وأبو عبد الرحمن النسائي، مات سنة ثلاث وثلاث مئة بمكة، وقيل: بالرملة. الثالث: سبعة من الحفاظ بعدهم أحسنوا التصنيف وعَظُمَ به الانتفاع: الدارقطني أبو الحسن على بن عمر، مات ببغداد في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مئة، وولد فيها سنة ست وثلاث مئة. ثم الحاكم أبو عبدالله النيسابوري، مات بها في صفر سنة خمس وأربع مئة، وولد بها في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة. ثم أبو محمد عبد الغني بن سعيد، حافظ مصر، ولد في ذي القعدة سنة اثنين

стр. 70

وثلاثين وثلاث مئة، ومات بمصر في صفر سنة تسع وأربع مئة، عن ستة وسبعين. وأبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، مات بها في صفر سنة ثلاثين وأربع مئة، عن ست وتسعين سنة. ثم أبو عمر بن عبد البر، (٢٩/أ) حافظ المغرب، توفى بشاطبة سنة ثلاث وستين وأربع مئة، عن خمس وتسعين. ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، مات بنيسابور في جمادي الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، عن أربع وسبعين سنة. ثم أبو بكر الخطيب البغدادي، مات ببغداد في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربع مئة، عن إحدى وسبعين سنة، وقال الناس في تلك السنة: مات فيها حافظ المشرق وحافظ المغرب، يعنون الخطيب وابن عبد البر رضى الله عنهم أجمعين.

стр. 71

الخاتمة قال العبد الضعيف، محب الحديث وأهله، غفر الله له: هذه الفصول متون الأصول، ومجملات كتب علوم الحديث، كتبتها على وجه الإيجاز، ليتيسر استحضارها، فإن هذا الفن قد غرب، وقد قرأت على شيخنا الإمام العلامة مولانا حسام الدين محمد بن الشيخ الناسك جلال العبيدي، في أول كتاب علوم الحديث للحاكم أبي عبد الله النيسابوري ﵀، (٢٩/ب) قال الحاكم (١): "فإني لما رأيت البدع في زماننا قد كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها في الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث". قلت: إذا قال الحاكم هذا القول في زمانه، فإيش نقول في هذا الزمان؛ فإنه لا يبقى من علم أصول الحديث رسم ولا اسم، ولا يقرع الآذان بشيئ من هذا في المدارس، وأنت خبير بصدق هذا الحديث، مع أن هذا العلم حقيق بأن يقدَّم على كل العلوم الشرعية؛ إذ كلها يحتاج إليه، وقد ثبت أن نيل السعادات الأبدية، والكمالات السرمدية، بمتابعة رسول الله ﷺ ، وذلك إنما يتيسر بعد العلم بأفعاله وأقواله وتقريراته، التي هي ثانية أدله علوم الاسلام، ومادة الأصول والأحكام، وتلو كلام الله الملك العلام، وهو من أفضل العلوم فائدة، وأشرفها عائدة، ولا يرغب في نشره (٣٠/أ) إلا كل تقي، ولا يزهد في نصره إلا كل منافق شقي، وإذا رأيت الرجل يزهد في سماع الحديث وروايته، فاعلم أن فيه علامة الإلحاد.

стр. 72

رُوينا في "الخلاصة" (١) عن أبي نصر بن سلام أنه قال: ليس شيئ أثقل على أهل الإلحاد، ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته وإسناده. وكفى بأهل الحديث شرفاً وفضلاً، أن رسول الله ﷺ جعلهم خلفاءه، فيما رويناه مسنداً في مسلسلات الشيخ الإمام قدوة المحدثين مولانا سعيد الملة والدين محمد بن مسعود الكازروني (٢) رحمه الله تعالى، إلى علي بن أبي طالب ﵁ يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي، ويعلمونها الناس (٣). وأنهم مبشرون بالجنة، فيما روينا مسنداً فيها [أي في المسلسلات المذكورة] (٤) إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من أدَّى حديثاً إلى أمتي لتقام به سنة، أو تثلم به بدعة، فله الجنة (٥). وأن تعلُّم الحديث وتعليمه (٣٠/ب) خير من عبادة الستين، فيما رويناه مسنداً فيها، أي في المسلسلات المذكورة، إلى البراء بن عازب ﵁ قال: قال

стр. 73

رسول الله ﷺ : من تعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه أو يعلمهما غيره فينتفع بهما، كان خيراً من عبادة ستين سنة (١). وأن الاشتغال بهذا الفن خير من الأرض وما عليها من الذهب والفضة، فيما رويناه مسنداً فيها إلى [أبي] جعفر بن محمد بن علي ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : سارعوا في طلب العلم، فلحديث عن صادق خير من الأرض وما عليها من ذهب وفضة (٢). وأن النبي ﷺ أوصى بإكرامهم وترحيبهم، فيما رويناه مسنداً فيها إلى أبي هارون العبدي قال: [كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري، قال:] (٣) مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، قال: قلنا وما وصية رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : إنه سيأتي من بعدي قوم يسألونكم الحديث عني، فإذا جاءكم فالطفوا بهم وحدثوهم (٤). (٣١/أ) وأنهم مخيرون يوم القيامة في دخول الجنة من أي أبوابها شاءوا، فيما رويناه مسنداً فيها إلى عبدالله قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: من حفظ على أمتي أربعين

стр. 74

حديثاً ينفعهم الله بها، قيل له: أدخل من أي أبواب الجنة شئت (١). وأنهم مخصوصون بنيل شفاعة النبي ﷺ ، فيما رويناه مسنداً فيها إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في السُّنَّة، كنت له شفيعاً يوم القيامة (٢). وأن وجوههم ناضرة، فيما رويناه مسنداً فيها إلى عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها [فحفِظها] (٣) فإنه رب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (٤). وأنهم الفائزون بأفضل الفوائد، فيما رويناه مسنداً فيها [أي في المسلسلات المذكورة] (٥) إلى محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله ﷺ : إن من أفضل الفائدة حديثاً حسناً يسمعه الرجل فيحدث به أخاً (٦). وأنهم يَفِدون (٣١/ب) على الله تعالى بمحابرهم فيدخلهم الجنة، فيما رويناه

стр. 75

مسنداً فيها إلى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث إليَّ، بين يدي الله تعالى، ومعهم محابر، فيقول الله: أنتم أصحاب الحديث طالما كنتم تصلون على نبيي ادخلوا الجنة (١). اللهم اجعلنا منهم ولا تجعلنا محرومين من بركاتهم. قال المؤلف أجزتُ المسلمين قاطبةً أن يرووا عني هذا الكتاب إلى يوم القيامة، وله الحمد في الاولى والأخرة، وعلى رسوله وآله وأصحابه الصلاة والتحية. [نقل هذه النسخة الشريفة الموسومة بـ "إشراقات الأصول في علم حديث الرسول"، العبد الضعيف الفقير إلى الله الغني: محمد بن عبد الرحمن النجحي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات، في يوم الجمعة الرابع عشر من جمادى الآخر سنة خمسٍ وسبعين وثمان مئة (٢)] (٣).