← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 578

المقدمة في الأصول - ابن القصار - ط العلمية

ابن القصار

Полный текст (42 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "الحمدُ للَّه الَّذِي هَدَانَا إِلَى معرفة سبله، وأرشدنا لمتابعة رسله، وأوضح لنا ما افترضه من عبادته وطاعته، ويسَّر لنا الدلائل على شرعيته، وأجلى ذلك واضحًا في كتابه العزيز الذي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: الآية ٤٢]. وقرن طاعته بطاعة رسوله الكريم، فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: الآية ٥٩]، ونهى عن مخالفة الرسول، أو جماعة المسلمين، فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: الآية ١١٥]. الحمد للَّه الذي جعلنا مؤمنين بالفرقان، متبعين آثار مَنْ مَضى بإحسان وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة مَن أَخلصَ للَّهِ الطاعة، وأفرده بالعبادة. وصلّى اللَّه على سيدنا ونبينا محمد، إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فإن اللَّه ﵎، لما أراد أن يَمْتَحِن عباده، وأن يبتليهم، فرَّق طرق العلم، فجعل منها ظاهرًا جليًّا وباطنًا خفيًّا، ليرفع الذين أوتُوا العلم، كما قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: الآية ١١]. والدليل على أن ذلك كذلك، هو أن الدلائل (١) لو كانت كلها جليَّة ظاهرة لم

стр. 2

يقع التنازع، وارتفع الخلاف، ولم يحتج إلى تدبر ولا اعتمال ولا تفكر، ولبَطَل الابتِلاءَ، ولم يحضر الامتحان، ولا كان للشُّبهة مدخل ولا وَقَعَ شك ولا حسبان ولا ظن، ولا وجد ذُهُول؛ لأن العلم وإن يكون طبعًا، وهذا قياس، فبطل أن تكون العلوم كلها جليَّة، ولو كانت كلها خفيَّة لم يُتَوَصَّل إلى معرفة شيء منها، إذ الخفي لا يعلم بنفسه؛ لأنه لو عُلِم بنفسه لكان جليًّا، وهذا فاسد، أيضًا، فبطل أن تكون كلها خفيَّةَ، وقد قال اللَّه : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: الآية ٧] إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: الآية ٧]. وقال : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: الآية ٨٣]. وإذا بطل أن يكون العلم كله جليًّا، وبطل أن يكون كله خفيًّا، ثبت أن منه جليًّا ومنه خفيًّا، وباللَّه التوفيق. بَابُ الكَلام فِي وُجُوبِ النَّظَرِ (١) وجوب النظر والاستدلال هو مذهب مَالِكٍ -رحمه اللَّه تعالى- لأنه قد يستدلّ في المسائل بأدلة متعددة، وتقدّم أن في الدلائل خفيًّا وجليًّا، فلا بد من النظر؛ لأن

стр. 3

في تركه امتناعًا من الوصول إلى معرفة الخفيّ منها، وذلك غير جائز، فدل على وجوبه، وقد دل اللَّه -تعالى- على وجوب النظر والاستدلال، والتفكر والاعتبار في آيات كثيرة من كتابه. فقال : ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: الآية ١٧]. وقال : ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: الآية ٤٤]. وقال ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: الآية ١٠٩]. وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ [سبأ: الآية ٤٦]. وقالَ محتجًّا على مَنْ أنكر البعث والإعادة: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: الآيتان ٧٨، ٧٩] إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: الآية ٨١]. ومثل ذلك في آيات كثيرة، وفي هذا وجوب النظر وصحته، وباللَّه التوفيق. بَابُ الكَلامِ في إِبْطَالِ التَّقْلِيدِ (١) مِنَ العَالِمِ لِلْعَالِمِ ومذهب مَالِكٍ ﵀ إِبطال التقليد من العالم للعالم. وهو قول جماعة من الفقهاء، وأجازه بعضُهُم، والدليل على منعه أنه إِذا ثبت النظر، ووجب الرجوع إِلى الاستدلالات ففيه فساد من لا يعلم حقيقة قوله، ووجب الرجوع إلى الأصول، وما أودع فيه من المعاني التي تدل على الفروع، وهي الكتاب والسُّنَّة والإجماع. قال اللهُ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: الآية ٥٩]. يريد إلى كتاب اللَّه وسُنَّة نبيه ﷺ ، فلم يردهم عند التنازع إلى غير ذلك، فيدل على إبطال التقليد من غير حُجَّة.

стр. 4

كما قال اللَّه تعالى حكاية عن قوم على طريق الذَّم لهم والإنكار عليهم: ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: الآيتان ٢٣، ٢٤]. وقال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: الآية ١٧٠]. فَأَلْزَمَ اللَّه تعالى اتِّباع الحجة، وعدم التقليد بغير حجة فدل على صحة ما قلنا، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْلِيدُ فمما يجوز عند مالك في مثله التقليد للعامي (١) ما ليس للعالم فيه طريق إلا نَدَرَ أن يكون من أهله، ويجوز عند مالك أن يقلد القائف في إلحاق الولد بمن يلحقه، إذا كان القائف عدلًا في دينه بَصِيرًا بِالقِيَافَة؛ لأنه علم قد خصهم اللَّه به. والدليل على ذلك ما روي عن النبي ﷺ في قصة مُجَرِّزِ المدلجيِّ، وقوله ﷺ لما رأى أقدام زَيْد وأُسَامَةَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ من بَعض فَسُرَّ بذلك النبي ﷺ وذكره لعائشة ﵂ (٢) - والنبي ﷺ لا يسر إلا بالحق". وقد روى ابْنُ نَافِعٍ عن مالك أنه لا يقبل إلا من قَائفَيْن ذَكَرَيْن، ويجوز تقليد الناصر في تقويم المتْلفَات، ويكفي في ذلك واحد إلا أنْ تَتعلَّق القيمة بحدٍّ، فلا بدّ من اثنين لمعرفتهم بذلك وطول دُرْبَتِهِمْ له. قال القاضي: وقد وجدت في موضع أنه لا يجوز في كل تَقْويم إلا اثنان وإنما جاز تقليده في ذلك؛ لأنه علم يختص به، والضرورة تدعو إليه، فجاز قَبُول قولهم فيه، ويجوز تقليد القَاسِمِ إِذَا قسم شيئًا بين اثنين، على ما رواه ابْنُ نَافِعٍ عن مالك، وهذا كما يقلد المقوّم في أُروش الجنايات لمعرفته بذلك، وكان الشيخ أَبُو بكر بْنُ صَالِحِ الأَبْهريُّ يقول: يجب أن يكون بِقَيِّمَين، ثم رجع عن ذلك وروى ابْنُ القَاسِم عن مَالِكٍ: أنه لا يقبل قول القاسم فيما قسم، وإن كان معه آخر؛ لأنه يشهد على فعل نفسه كالحاكم إِلا أن يكون الحاكم أرسلها، فتقبل شهادتهما.

стр. 5

ويجوز تقليد الخَارِصِ فيما يخرصه، ويكفي في ذلك واحد، وقد كان النبي ﷺ يبعث ابْنَ رَوَاحَةَ على الخَرْصِ وحده، ويجوز تقليد الرَّاوي فيما يرويه إذا كان عدلًا، وكذلك الشاهد فيما يشهد به، إلا أن الشهادة باثنين عَدْلَيْن، والأخبار يقبل فيها الواحد العدل حرًّا أو عبدًا، ذكرًا أو أُنْثى، ويجوز تقليد الطَّبيب فيما يرد إليه من علم الجراح وغيرها مما لا يعلم إلا من جهته للضرورة إِلَى ذلك، ويجوز تقليد الملاح إذا خفيت الدلائل في جهة القبلة على الذين يَرْكَبُون معه إِذا كان عدلًا، وكانت عادته جارية بسَيْره في الماء والبحار للضرورة إليه، وكذلك كل من كانت صناعته في الصحراء، يجوز تقليدهم في القبلة لمعرفتهم بها وأنه لا يمكن كل أحد تعاطيه ولا معرفته، وكذلك مَنْ هو في البادية يجوز تقليده في القبلة، إذا كان عارفًا بالصلاة، وكان عدلًا في باديته لمداومتهم مشاهدة جهة القبلة ودلائلها، والضرورة إليهم في ذلك عند خفاء دلائلها. بَاب الْقَوْلِ في تَقْلِيدِ الْعَامِيِّ لِلْعَالِمِ فأما تقليد العامِّي للعالم، فجائز عند مالك في الجملة. والأصل فيه قول اللَّه : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: الآية ٤٣] وأيضًا قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: الآية ٨٣]. وهذا ما لا خلاف فيه نعلمه، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ في تَقْلِيدِ العَامِّيّ لِلعامِّيِّ عند مالك ﵀ ليس لِعَامِّيِّ أن يقلَّد عامِّيًّا بوجه إلا في أشياء: منها رؤية الهلال إذا أراد به علم التاريخ فإنه يُقْبَل قوله وحده؛ لأنه خبر وإن كان مما يتعلق به فرض في دينه، مثل صوم رمضان والفطر منه، فلا بد من اثنين عَدْلَيْن؛ لأنه من باب الشهادات، وفي كلا الأَمْرَيْنِ الأخبار، والشهادات لا بد من العدالة. ومن ذلك قَبُول الهدية بالرسول الواحد والإذن بالواحد لعُرْف الناس واستعمالهم، وجري عادتهم به، فهو يقبل من البالغ، وغير البالغ والذكر والأُنْثَى، والمسلم والكافر والواحد والاثنين، والحر والعبد، ويقبل قول القَصَّاب في الزكاة؛ لأن الإنسان يشتريه على الظاهر أنه زكى، فلو لم يخبره لما ضرّه، فهو يقبل من الذكر والأنثى، ومن مثله يذبح، والمسلم والكتابي، واللَّه أعلم.

стр. 6

بَابُ القَوْلِ فِيمَا يَلْزَم الْمُستفتي العَامِّيِّ يجب عند مَالِكٍ على العامِّي إِذا أراد أن يستفتي ضربًا من الاجتهاد (١)، وهو أن يقصد إلى أهل ذلك العلم الذي يريد أن يسأل عنه ولا يسأل جميع من يلقاه، ولكنه إذا أرشد إلى فقيه نظر إلى هيئته وحذقه وصنعته، وسأل عن مبلغ علمه وأمانته، فمن كان أعلى رُتْبَةً في ذلك استفتاه، وقبل قوله وفتواه؛ لأن هذا أوفق لدينه وأحوط لما يقدم عليه من أمر شريعته، ويصير هذا بمنزلة الخبرين والقِيَاسين إذا تعارضا عند العالم، واحتاج للترجيح بينهما، وترجَّح بينهما، وكذلك العامي في المَعْنيين، واللَّه أعلم. بَابُ القَوْلِ فِيمَا يَلْزَمُ فِيهِ الاجْتِهَادُ وَمَا لَا يَلْزَمُ ومذهب مَالِكٍ إِذا دخل رجل إلى قرية خَرَاب لا أحد فيها، وحضر وقت الصلاة، فإن كان من أهل الاجْتِهَاد، ولم يَخْفَ عليه دلائلِ القبلة يرجع إلى ذلك، ولم يلتفت إلى غير ذلك، ولم يلتفت إلى محاريب يشاهدها في آثار مساجد قد خربت، فإن خفيت عليه الدلائل، أو لم يكن من أهل الاجتهاد، وكانت القَرْيَة للمسلمين، فإنه يصلِّي إلى مُصَلَّى تلك المحاريب؛ لأن الظاهر من بلاد المسلمين أن مساجدهم وآثارهم لا تَخْفَى وأنَّ قبلتهم وَمَحاريبَهُمْ على ما توجبه الشريعة، وأما إذا كانت محاريب منصوبة في بلاد المسلمين العامرة، وفي المساجد التي تكثر فيها الصلوات وتتكرَّر، ويعلم أن إمامًا للمسلمين بناها، واجتمع أهل البلد علي بنائها، فإن العالم والعامي يصلون إلى تلك القبلة، ولا يحتاجون في ذلك إلى الاجتهاد؛ لأنها معلوم أنها لم تُبْنَ إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك، وأما المساجد التي لا تجري هذا المجرى، فإن العالم إذا كان من أهل الاجتهاد، فسبيله أن يستدل على الجهة، فان خفيت عليه الدلائل صلى إلى تلك المحاريب إذا كان بلدًا للمسلمين عامرًا؛ لأن هذا أقوى من اجتهاده مع خفاء الدلائل عليه، فأما العامِّي فيصلي في سائر المساجد؛ إذ ليس من أهل الاجتهاد، واللَّه أعلم.

стр. 7

بَابُ القَوْلِ فِيمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْلِيدُ وَمَا يَجُوزُ ولا يجوز عند مالك ﵀ لعالم ولا عامِّي أن يقلد في زوال الشَّمس، لأنه أمر يشاهد، ويصل كل واحد منهم إلى معرفته، بل العامي يقلِّد العالم في أن وقت الظهر هو إذا زالت الشمس، ويقلده في أوقات الصلوات أنها هي الأوقات التي وَقْتَهَا رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن هذا أمر يعلمه أهل العلم بالتوقيف، وليس مما يشاهد، فإن كان في العامة مَنْ يخفى عليه علم الزوال، ولا يتمكن من إدراكه، جاز أن يقلَّد فيه كما يقلد في سائر ما لا مَعْرِفَةَ له به، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي اسْتِعْمَاله العَامّيّ ما يُفْتَى بِهِ يحتمل مذهب مَالِكِ إذا استفتى العامي العالم في نازلة، فأفتاه، ثم نزلت مثل تلك النازلة بالعامّيّ مرة أخرى، فيحتمل أن يقال: إنه يستعمل تلك الفتوى، ولا يحتاج إلى أن يسأل ثانية؛ لأنه على الظاهر قد ساغ له، ولو كلف ذلك لشقّ عليه، وهذا إذا كانت المسألة بعينها، وما لا إشكال فيه على أحد، ويحتمل أن يقال: أو عليه أن يسأل، ولعله الأصح؛ لأنه يعمل باجتهاد ذلك الفَقِيه، ولعل اجتهاده في وقت ما أفتاه قد تغيَّر عما كان أفتاه به في ذلك الوقت، وهذا مثل من يجتهد بالقبلة فَيُصَلِّي، ثم يريد أن يصلّي صلاة أخرى، فإنه يجتهد ثانية، ولا يعمل على الاجتهاد الأول. بَابُ الْقَوْلُ فِي تَقْلِيد مَنْ مَاتَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إذا حكى للعامي عن مالك ﵀ أو عَنْ غَيره من العلماء، وهو في غير عصره فتوى في مسألته، فإنه يجوز للعامي أن يقلد مالكًا بعد موته، وكذلك غيره من العلماء الذين اشتهرت أمانتهم؛ لأن العامي إذا جاز له أن يعمل على اجتهاد بعض أصحاب مالك، كان عمله على اجتهاد مالك أولى، فإن لم يكن أولى منه، فهو مثله، ويكون مَالِك كأنه باقٍ لأن قوله بمنزلته وهو حيّ. وتصير منزلة مَالِك مع العامِّيّ كمنزلة مَالِكٍ مع الصحابي أنه يرجع إلى قوله وإن كان ميتًا، ويكون قول الصحابي أول من أهل عصر الإِمام مالكٍ. بَابُ الْقَوْلِ فِيمَا يُوجَدُ في كِتَابِ الْعُلَمَاءِ قال القَاضِيُّ: إِذا وجد الرجل كتابًا مترجمًا مثل كتاب مُوطَّأ مالك أو كتاب الثورِيِّ أو الأوْزَاعِي أو الشَّافِعيّ، فهل يجوز له أن يقال في شيء يجده فيه، قال مَالِكِ، وقال الثَّوْرِيُّ، وقال الأَوْزَاعِيُّ، وقال الشَّافِعِيُّ.

стр. 8

قال القَاضي: فهذا سبيله أن ينظر، فإن كان من الكتب التي قد اشتهر ذكرها مثل "الموطَّأ" لمالك، و"جامع الثوري"، وكتب الرَّبِيعِ، جاز أن يعزى ذلك للمترجم عنه إذا كان الكتاب صحيحًا مقروءًا على العلماء معارضًا بكتبهم، وإن كان من الكتب التي لم تشتهر، ولم ينشر ذكرها لم يجز ذلك حتى يروي ما فيه عمن ينسب إليه بروايات الثقات عنه، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْل فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى المُفْتِي مذهب مالك ﵀ إذا كان الفقيه عربيَّ اللسان ولا يحسن بالفارسية أو غيرها من الألسن، وكان المفتي عجميًّا لا يحسن بالعربية، فجاء رجل يحسن لسان العرب والعجم، وهو عامي فترجم للفقيه عن الأعجميّ ما قاله، وترجم عن الفقيه للأعجمي ما قاله، وأفتاه به، فيجوز ذلك، ويصير طريقه طريق الخبر، ويجب أن يكون الترجمان عربيًّا كما يقول في نقل الخبر ويكون معبرًا للفتوى بلسانه حَسَبَ ما قاله الفقيه للأعجمي من غير تغيُّرٍ له عن معناه، وكذلك إذا بعث الرجل بسؤاله إلى الفقيه، فأجابه بالخط أي: بعَثَ بسؤاله في رُقْعَة إلى الفقيه، فأجابه بخطّ، فيجب أن يكون الرسول ثقة؛ لأن هذه من الأمور التي جرت العادة بها في كل عصر وزمن وإلى الناس ضرورة إليها واللَّه أعلم. بَابُ الْكَلام فِي وُجُوبِ أَدِلَّةِ السَّمْعِ قال القاضِي: قَد بَيَّنَّا قول مالك ﵀ في بُطْلانِ التَّقْلِيد، ووجوب الرجوع إلى الأصول ومعانيها، فمن الأصول السمعية عند مَالِكٍ الكتاب والسنة والإجماع واستدلالات منها والقياس عليها فصل في الكتاب. . . وكتاب اللَّه هو الذي كان وصفه اللَّه -تَعَالَى- فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: الآيتان ٤١، ٤٢]. وقال تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: الآية ٢]. وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]. فلم يفرط فيه في شيء من أمر الدين، بل جعله تبيانًا لكل شيء وشفاء وهدى. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: الآيتان ١٨، ١٩].

стр. 9

وقال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: الآية ٨٨] أي: عوينًا. فقطع عذر الخَلْق به وبإعجازه، وظهر إعجازهم عن أن يأتوا بسورة من مثله، فثبتت آياته ولزمت حجته. فصل في السُّنَّة وأما سُنَّة الرسول ﵇ -فأصل ذلك في كتاب اللَّه- ، قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: الآية ٨٠]. وقال : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: الآية ٥٩]. وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: الآية ٦٣] إلى قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: الآية ٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: الآية ٧]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: الآية ٥٩]. وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: الآية ٦٥]. فأوجب اللَّه علينا طاعة رسوله ﷺ كما أوجب علينا طاعته نفسه سبحانه. وقرن طاعته بطاعته، وأمر بأخذ ما أتى به والانتهاء عما نَهَى عنه، وأخبر أنه ولاه بيان ما نزل إليهم، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: الآيتان ٣، ٤]. . . إلى آيات كثيرة تدلُّ على وجوب السنة كوجوب الكتاب. فصل فِي الإِجْمَاعِ وأما الإجماع فأصله في كتاب اللَّه -أيضًا قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: الآية ١١٥]. وقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: الآية ٥٩].

стр. 10

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: الآية ٨٣]. فأمر تعالى باتِّباع سبيل المؤمنين وحذر ترك اتباعهم، كما حذر في ترك اتِّباع رسول اللَّه ﷺ وأمر بطاعة أُولي الأمر منهم مقرونةً بطاعة اللَّه -وطاعة رسوله- ﵇. فَقِيلَ في "أُولى الأَمْر": إِنَّهُمُ العُلَمَاء وقيل: أمراء السرايا، وهم من العلماء أيضًا، فيحتمل أن تكون الآية عامَّة في العلماء وأمراء السرايا على أنَّ أُمَرَاء السرايا من جملة العلماء؛ لأنه لم يكن يولى عليهم إلا من علماء الصحابة وفقهائهم، فأمر اللَّه -تعالى- بالرَّد إليهم واتباع سبيلهم، فصحَّ أنهم حجَّة لا يجوز خلافُهُم، فهذه أصول السمع وأصلها كلها في الكتاب كما قد رأيت، وهي مضافة لبيان الكتاب لقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: الآية ٨٩] وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]. وعلى هذا إضافة ما أجمع عليه مما لا يوجد له في الكتاب نصّ، ولا في السنة ذكر؛ لأن الكتاب أمر بِقَبُول ذلك كله ووجبت حجته جميعه، وهذا تقليد من لزم تقليده من أولي الأمر وهم العلماء كما ذكرنا. فصل فِي الاسْتِدْلالِ وَالْقِيَاسِ ثم دل الكتاب على الاستنباط والاستدل الذي غير موضع قال اللَّه : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: الآية ٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾ إلى قوله: ﴿تَأْوِيلًا﴾ [النساء: الآية ٥٩]. فكان في ذلك دليل على الانتزاع من الأصول وإلحاق المسكوت عنه بالمذكور على وجه الاعتبار، وهذا هو باب القياس والاجتهاد. وأصله في الكتاب، وهو أيضًا مضاف إلى بيانه، وليس شيء من الأحكام يخرج من الكتاب نصًّا، وعن السُّنَّة والإجماع والقياس. وقد انطوى تحت بيان الكتاب ذلك كله، وفي ذلك بيان معنى قوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: الآية ٨٩].

стр. 11

وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]. وقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: الآية ٥٧]، واللَّه أعلم. فَصْلٌ فِي الْقِيَاسِ (١) ومذهب مالك ﵀ القول بالقياس، وقد بَيَّنَّا الحُجَّة له، والدليل أيضًا على صحّة القياس، وهو إجماع الصَّحابة ﵃ على تسويغ بعضهم لبعض القول بالقياس والاستعمال له في الحوادث أعلا [. . .] أن بعضهم لبعض شبه بالشجرة، وبعضهم شبه بالنَّهر في مسائل الجَدّ والأخوة. وبقول ابْنِ عَبَّاسٍ لو لم يعتبر الإنسان في العقل إلا بالأصابع وغير ذلك مما يطول ذكره مما هو مشهور عنهم، ولم ينكر أحد منهم على الآخر ما ذهب إليه من جِهَة القياس، فَدَلَّ على إجماعهم على القول بالقياس، وعلى حُجِيَّتهِ، وأنه ممَّا يتوصل به إلى علم الحوادث مع ما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة والإجماع على صحته، ووجوب القول به، وباللَّه التوفيق. بَابُ القَوْلِ فِي الْخُصُوصِ (٢) وَالْعُمُومِ (٣) قال القَاضِي: من مذهب مالك ﵀ القول بالعموم، وقد نصّ عليه في كتبه في مسائله حيث يقول محتجًّا لإيجابه اللعان (٤) بين كل زوجين لعموم إيجاب اللَّه ذلك بين الأزواج، وكذلك قال: وقد سئل عن عِدّة (٥) الصغيرة من الوفاة واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ [البقرة: الآية ٢٣٤] وقد احتج لقوله: إن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، سواء كان جامعًا أو غيره بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧].

стр. 12

قال مالك: جمع اللَّه المساجد كلها، ولم يخص مسجدًا عن مسجد، وحكم هذا الباب عنده أن الخطاب إذا ورد باللفظ العام نظر، فإن وجد دليل يخصّ اللفظ كان مقصورًا عليه، وإن لم يوجد دليل يخصه أجرى الكلام على عمومه، ووجه ذلك أن فِطْرَة اللسان في العلم الذي وصفته، واحتمال الخصوص إذا لم يكن محتملًا لذلك كان سنة، فوجب أن يجري حكمه على جميع ما استعمل عليه، ولو كانت عينه توجب ذلك، لم يجز أن يوجد في الخطاب لفظ علم أريد به الخصوص، ولا جاز أن يقوم دليل على خصوص لفظ علم، وفي وجود ذا الأمر بخلاف ذلك دليل على أنَّ غير اللفظ لا يوجب العموم، وَإِذَا كان ذلك كذلك علم احتماله، ومتى علم أنه محتمل لم يجز الإقدام على الحُكْم به دون البَحْث والنَّظَر في المراد به، والمعنى الذِي يخرج عليه؛ لأن اللَّه أمرنا باتِّبَاع كتابه وسنة نبيه والاعتبار بهما، والرد إليهما فذلك كله كالآية الواحدة. فلا يجوز ترك شيء من ذلك مع القدرة عليه، وإذا لم يجز ذلك وجب أن ينظر ولا يهجم بالتنفيذ، قبل التأمل كما لا يبادر بذلك في الكلام المتصل إلى أن ينتهي إلى آخره، فينظر آخرُهُ، هل يتبعه استثناء أم لا؟ وكذلك الكتاب والسنة والأصول كلها كالآية الواحدة، ولا يجوز أن يبادر إلى التنفيذ حتى يتدبر وينظر، فإن وجد دليل يخصّ حَمَلْنا الخطاب عليه، وإن لم يجد فقد حصل الأمر، والمراد به التنفيذ، وإنما جعلت الأسماء دليلًا على المسمَّياتِ، وقد ورد اللفظ مشتملًا على مسمَّيَّات، فليس بعضها أولى من بعض، وقدم عليه فهو على عمومه، والحكم جاء على جميع ما انطوى عليه؛ لأن قضية العقول أن كل مُتَساويين، فحكمهما واحد من حيث تساويا إلا بأن يخص أحدهما معنى يوجب إجراءة عن صاحبه، وإذا عده دليل الأفراد فلا حكم إلا التسوية؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر وإذا كان هكذا صحّ ما قلنا في العموم والخصوص، وباللَّهِ التوفيق. بَابُ الكلامِ في الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (١) عند مالك ﵀ أن الأوامر على الوجوب إذا وردت من مفروض بالطاعة، وقد احتجّ حيث سئل عن تَمَام ما يدخل فيه القرب بقوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: الآية ١٩٦] وبقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧].

стр. 13

والدليل على صحة ذلك أن المفروض الطاعة إذا قال لمن تلزمه طاعته: افعل، لم يعقل منه لا تفعل، ولا ما في معناه، ولا توقف، ولا ما في معناه، ولا أنت مُخَيَّر، ولا ما في معناه، فلم يبق إلا البخاري الفعل وإنجازه من المأمور به، فدل على أن الأوامر تدل على الوجوب إذا تجردت عن القرائن التي تدل على الندب (١) وغيره، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ - (٢) ومذهب مالك ﵀ أن أفعال النبي ﷺ على الوجوب، وقد أباح ذلك، والثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدليل، هكذا حكى الخلاف في "شرح الطريقين في العيد"، وعن الماوَرْدِي أن ما فعله النبي ﷺ لمعنى فزال ذلك المعنى، فيه قال ابن القطان: ولا خلاف فيه. قال في مواضع كثيرة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: الآية ٢١] وسواء كان ذلك حظرًا أو إباحة حتى يتبيَّن أنه ﵇ مخصوص بذلك دوننا، وقد أسقط مالك ﵁ الزَّكَاة في الخضراوات اقتداء بأنها لم يأخذها النبي ﵇ فدلّ على أن أفعاله ﷺ عنده على الوجوب، وقال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: الآية ١٥٣]. والأمر على الوجوب، فوجب اتباعه ﵇ في قوله وفعله، وكذلك قال عمر ﵁ لَمَّا قَبَّلَ الحَجَرَ: "إِنِّي لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولَكنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ". وكذلك خلعت الصَّحابة ﵃ نعالهم لدخول الكعبة، وقالوا: رأينا رسول اللَّه ﷺ خَلَعَ نَعْلَين لدخولها، فدل على أن أفعاله على الوجوب إلا أن يقوم دليل الخصوص. بَابُ الكَلامِ في الأَخْبَارِ وَالقَوْلِ في التَّوَاتُرِ (٣) ومذهب مالك ﵀ قَبُول الخبر الذي قد اشتهر واستغنى عن ذكر عدد

стр. 14

ناقليه لكثرتهم، كمواقيت الصلاة وأركان الحج التي لا يتم إلا بها، وتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأشباه ذلك من الشرائع التي تواترت الأخبار بها عن رسول اللَّه ﷺ وهذا هو الخبر المُتواتر الذي يوجب العلم، ويقطع العذر، ويشهد على مُخبره بالصدق، ويرتفع معه الرَّيْب، وهذا مما لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار، وسائر الأُمَّة، ولا ينكره إلا من خرج عن الجماعة ومَرَق من الدين وخالف ما عليه المسلمون، ولأنه بمثله تعرف أخبار الأنبياء والرسل والمماليك والدول والأيّام والأسلاف، وما لم نشاهد من البلدان مثل الصين، وَخُراسَانَ، فمن أنكر ذلك لزمه أن يتوقف عن معرفة هذه الأشياء، ومن توقَّف عن هذا بأن عَوَار مذهبه، وقبح طريقته وعناده ومكابرته وخروجه عن جميع ما عليه العقلاء، وكفى بهذا بطلانًا وفسادًا، وباللَّه التوفيق. بَابُ القَوْلِ في خَبَرِ الْوَاحِدِ العَدْلِ (١) ومذهب مالك ﵀ قَبُول خبر الواحد العدل، وأنه يوجب العمل دون القطع على عَيْنِهِ، وبه قال جميع الفقهاء، وقد احتج مالك بذلك في الْمُتَبايعِينِ بالخيارِ مَا لَمْ يَفْتَرقَا (٢)، وكَذَلِكَ في غَسْلِ الإِنَاءِ من وُلُوغ الْكَلْبِ (٣)، وفي مواضع كثيرة. والدليل على وجوب العمل به قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. . .﴾ إلى قوله: ﴿نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: الآية ٦]، فدل على أن العدل لا يثبت في خبره، إذ لو كان الفاسق والعدل سواء لم يكن لتخصيص الفاسق بالذِّكْر فائدة، وإنما لم يقطع على عَيْنه؛ لأن العلم لا يحصل من جهته؛ إذ لو كان يحصل من جهته العلم لوجب أن يستوي فيه كل مَنْ سمعه كما يستوي في العلم بمخبر خبر التواتر، فلما كنا نجد أنفسنا غير عالمين بصحة مخبره، دل على أنه لا يقطع على معينه، وأنه بخلاف التَّواتر، وصار خبر الواحد، بمنزلة الشَّاهد الذي قد أمرنا بقَبُول شهادته، وإن

стр. 15

كنا لا نقطع على صدقه، فإن قيل: إن في سياق الآية ما يوجب التوقُّف عن خبره، وهو قوله : ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: الآية ٦]. والجَهَالَة قد تدخل في خبر العدل من حيث كان خبره، ولا نقطع على غيبه، ومن حيث كان السَّهْو والغلط والكذب جائزًا عليه. قيل: الجهالة في هذا الموضع هي السَّفَاهة وفعل ما لا يجوز فعله مما يقع التوبيخ والذم عليه، وقد جاز التوبيخُ على الجهل في بعض المواضع، ولو كانت الجهالة لا تكون إلا بمعنى الغَلط لقبح الذم والتوبيخ على فعلها، والدليل على صحّة التأويل قوله : ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: الآية ٦] والندم إنما يكون على ارتكاب المنهي. والدليل أيضًا على ذلك أنه لو كانت العلّة في وجوب التوقف عنه في الجهل بخبره، لم يجز قَبُول خبر الشاهدين لهذه العلّة، فلما أجاز اللَّه -سبحانه- ذلك وأمر بِقَبُولِهِ دلَّ على فساد قول من ردّ خبر الواحد بذلك، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي الخَبَرِ الْمُرْسَلِ (١) ومذهب مالك ﵀ قبول الخبر المرسل إذا كان مرسله عدلًا عارفًا بما أرسل، كما يقبل المسند، وقد احتجّ به في مواضع كثيرة حيث أرسل الخبر في اليمين مع الشاهد، وعمل به، وكذلك أرسل الحديث في الشفعة وللشريك وعمل به، وكذلك أرسل الخبر في ناقة البراءِ، وسائر جنايات المواشي، فعمل بذلك، والحجة له أن المُرْسل إذا كان عدلًا متيقظًا، فقد أسقط عنا بعدالته ويقظته تعديل من لم يذكره لنا ممن روي عنه وناب منابنا، وكفانا التماس عدالة من نقل عنه، فوجب لمن وجب تقليده في عدالته أن يقلده في أنه لا يروي عن غير عدل ثقة، وقد علم أنه إذا صرح بذكر مَن روى عنه، فقد وَكَّل الاجتهاد إلينا لنعتبر حاله بأنفسنا، وأنه إذا أَضَنَّ بمن ذكره، فقد استبذ بعلم ما خقي علينا من عَدَالته، وأن يعمل على ذلك من كان مرضيًّا عندنا ضابطًا متيقظًا إلا وقد بالغ في الثقة مقن روي عنه، وأن يقول: قال رسول اللَّه ﷺ الأمر، حيث يصح عنده أن النبي ﷺ قاله: ولم يزل أصحاب رسول اللَّه ﷺ يرسلون، ويخبر بعضهم بعضًا فيذكرون من أخبرهم تارة، ويستغنون عن ذكره أخرى، وكذلك

стр. 16

التابعون بعدهم وتابعوهم، فدل على صحة ما قلناه، وأنه إجماع من الفقهاء، والمحدثون يستعملونه في كل عصر وزمان، فوجب أنه جهل معمول به واللَّه أعلم. بَابُ الْكَلام فِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعِلْمِهِمْ (١) قَدْ تقدّم أن مذهب مالك ﵀ وسائر العلماء -القول بإجماع الأمة، ومِن مذهب مالك العمل على إجماع أهل المدينة، فيما طريقه التوقيف منه ﵇ كإسقاط زكاة الخضراوات؛ لأنه معلوم أنها قَدْ كانت في وقت النبي ﷺ ، ولم ينقل أنه أخذ منها الزكاة، وإجماع أهل المدينة على ذلك، فعمل عليه، وإن خالفهم غيرهم، وقد احتجّ مَلِك ﵀ بذلك في مَسَائِل يكثر تَعْدَادها، حيث يقول الأمر الذي لا اختلاف عندنا، وهو من خبر التواتر الَّذِي قد بَيَّنَا أَنَّه مذهبه وحجته في أنهم أَوْلَى من غيرهم فيما طريقه النقل عن النبي ﷺ ؛ لأن الرسول ﵇ كانت هجرته إلى المدينة ومقامه بها، ونزول الوحي عليه فيها، واستقراء الأحكام والشَّرائع بها، وأهلها مُشَاهِدون لذلك كله، عالمون به لا يخفى عنهم شيء منه، وكانت حياته ﷺ معهم إلى أن قبض- على أوجه إما أن يأمرهم بالأَمر فيفعلونه، أو يفعل الأمر، فيتبعونه، أو يشاهدهم على أمر فيقرهم عليه، فلما كانت لهم هذه المنزلة منه ﵇ حتى انقطع التنزيل، وقبض بينهم ﷺ فحال أن يذهب وَهُمْ مع هذه الصفة ما سيدركه غيرهم؛ لأن غيرهم ممَّن ظعن منهم إلى المواضع هم الأقل، والأخبار عنهم أخبار الآحاد؛ لأن أعدادهم مضبوطة، وأخبار أهل المدينة أخبار تواتر، فكانت أولى من أخبار الآحاد. فإن قيل: فقد نقل إلى أهل المدينة أشياء كانت من النبي ﷺ في مغازيه لم يكونوا علموها قبل ذلك من النبي ﷺ . قيل: الذين نقلوا إليهم ذلك عن النبي ﷺ من أهل المدينة، فلم يخرج النقل عنهم. فإن قيل: فقد كانت منه ﷺ أشياء بمكة لما حجّ لم تكن بالمدينة. قيل: قد كان معه أهل المدينة في حجته فهم شَاهدوه أيضًا بـ "مكة"، ونقلوا عنه ما كان منه في حجه وغيره.

стр. 17

فإن قيل: فإن اتفق لأهل مكّة مثل خبر أهل المدينة في إجماعهم؛ لأنهم قد شاهدوا النبي ﷺ كما شاهد أهل المدينة، فهذا اتَّفَقُوا على شيء من توقيف، أو ما الغالب منه أن يكون عن توقيف، فهل يجب أن يقبل ذلك منهم؟ قيل: إن اتفق لهم ذلك كانوا هم وأهل "المدينة"، سواء فيما نقلوه عنه ﷺ . ولكن لا يكاد أن يتفق هذا لغير أَهْل المدينة في أن يكون خبرهم كواسطة لا يتخلله أخبار الآحاد؛ لأن أخبر غيرهم، وإن نقلها جماعة يتخللها أخبار الآحاد في طريقها، أو في وسطها، فخرجت بذلك عن أن تكون تواترًا، وأهل المدينة يحصل لهم في فعلهم صفة التواتر، فبهذا كان خبرهم مقدمًا على خبر غيرهم. واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي دَلِيلِ الْخِطَابِ (١) ومن مذهب مالك ﵀ أن دليل الخطاب معمول به، وقد احتجّ بذلك في مواضع منها حيث قال: من نحو هديه بالليل لم يجزه، لقول اللَّه : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: الآية ٢٨]. دليله: أنه لا يجزيه إذا نحر بالليل وكقوله: من دخل الدار فَأعْطه دِرْهمَا. دليله: من لم يدخل الدار، فلا تعطه شيئًا، وهذا نص منه في القول بدليل الخطاب. والوجه فيه أن ينظر عند ورود الخطاب بالشَّرط أو الصِّفَة إلى سياق الكلام وما تقدمه، وما يخرج عليه الخطاب، فإن وجد دليل يدلس على الجَمْع بين المسكوت عنه، وبين المذكور صير إليه، وإن لم يوجد دليل مضى الحكم على ذكره، ثم نظر في حكم المسكوت عنه للمذكور، كمن أقرَّ لرجل بألف درهم فقيل له: إن كان له عليك ألف درهم، فأخرج له منها، وكالعاصي إذا سئل عن رجل قتل ابنه، فيقول العالم: من قتل ابنه فلا قَوَد عليه، فلا يكون ذلك شرطًا في الأب وحده؛ لأنه لا ينبغي القَوَدُ في غيره، وهذا كما نقول: إنَّ سائلًا سأل النبي ﷺ عن المَسْح على الخُفَّين هل يمسح المسافر ثلاثة أيام؟ فقال ﵇: "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّامِ" (٢).

стр. 18

ولا يكون مقصورًا على السؤال، وكذلك يخرج ما روي أن النبي ﷺ ، قال: "فِي سَائِمَةٍ الغَنَمِ الزَّكَاة" (١) أَنَّهُ سَأَلَ سَائِلٍ عن هَذَا، وما أشبهه فلا يكون مقصورًا على السؤال لقيام الدَّليل على العَامِلَةِ وَالسَّائِمَةِ في وجوب الزكاة فيهما، وقد يرد الحكم في شيء مذكور ببعض أوصافه، فيكون ممَّا سكت عنه، وقد يساوي المذكور في حكمه، ويكون منه مَا يخالفه. ألا ترى إلى قوله : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: الآية ٢٣]. كيف اشترط في التحريم حلائل أبناء الأصْلاب، فلم يكن في ذكر ذلك نفي حلائل أبناء البنين، ولم يكن فيه نفي لتحريم حلائل أبناء الرضَاع، واستوى حكم حلائل أبناء الأصْلاب، وحلائل أبناء الرّضَاع في التحريم، ولم يكن أَيْضًا في ذكر الحلائلِ مَنْ يخالف فيمن وطئ الأبناء من الإماء بِمِلْكِ اليمين، بل التحريم واحد. وقد يرد الخطاب على وجوه، الظاهر منه إذا تجرَّد دلَّ على ما عداه بخلافه إلا أن يقوم دليل، والحُجَّة بقوله بدليل الخطاب إذا تجرد، هو أن ذلك لغة العرب؛ لأن الخطاب إنما يقع باللسان العربي، وبه يحصل البيان، ووجدنا أَهْل اللسان يفرقون بين المطلق والمقيد، وبين المُبْهَمِ، وما يعلّق بالشرط، فإذا قال القائل: من دخل الدار مِنْ بني تميم فأعطه درهمًا عُقِلَ منه، خلاف ما يُعْقَل من قوله: مَنْ دخل الدار فأَعْطِهِ دِرهمًا، وعُقِلَ منه، خلاف ما يُعْقَل من قوله: مَن لم يدخل الدار فأَعْطِهِ دِرْهمًا. ولذلك تساءل أصحاب رسول اللَّه ﷺ عن القَصْر للصلاة إذَا آمنُوا، لَمَّا سمعوا قوله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: الآية ١٠١]. وإذا كان عندهم أن ما عدا الخوف من الأمْن بخلافه، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (٢). ولم يرد عليهم ما ظنوه ولا خَطَّأهُمْ فيما قدّروه، فدلّ على أن ذلك لغته ﷺ ولغتهم ﵃ فدلّ على صحة القول بدليل الخطاب، واللَّه أعلم.

стр. 19

بَابُ الْقَوْلِ فِي الأَسْبَابِ الوَارِدِ عَلَيْهَا الخِطَابُ ومذهب مالك ﵀ قصر الحكم على السَّبَبِ الذي خرج اللفظ عليه، مَتَى خلا ممَّا يدل على اشتراك ما تناوله اللفظ معه. وحُكِيَ عن ابْنِ القَاضِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَق أن الحكم للفظ دون السبب، قال: وذلك نحو ما روي عن النَّبِيِّ ﷺ وقد سُئِلَ عن بِئْر بضَاعَةَ وما يلقى فيها من الكلاب، فقال: "خلَقَ اللَّهُ الماءَ طَهُورًا لا يُنجِّسُهُ شَيْءُ إِلَّا مَا غَيَّرَهُ" (١). فحكم على الماء بأنه طهور جنسه، دون الماء الذي سئل عنه، فدلّ على أن كل ما وصفه ما ذكره؛ لأن اللفظ يقتضي ذلك، والحجة له أنه لما كان الموجب للحكم هو اللَّفظ دون السبب، وجب أن يكون هو المراعي دونه، والحجة للوجه الآخر، وهو قول مَالِكٍ، هو: أن السؤال يَفتقِرُ إلى الجواب والجواب سبب السؤال، فقد صار كل واحد منهما سببًا لصاحبه لا بد له منه، فلما كان السؤال مقصورًا كان الجواب كذلك، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي الزَّائِد مِنَ الأخْبَارِ (٢) من مذهب مَالِك ﵀ قَبُول الزائد من الأخبار، وصورته أن يروي أحد الراويين خبرًا يفيد معنى من المعاني، ويَرْوي آخرُ ذلك الخبر بزيادة لفظة فيه؛ لأن تلك اللفظة تدل على زيادة معاني أخرى في الحَدِيث، وتكون اللفظة الزائدة لو انفردت لاستفيد منها معنى، فيصير الخبر مع زيادته كالخبرين، فمن قَبِلَ خبر الواحد لزمه قَبُول ذلك؛ لأن الزيادة كخبر آخر، فقبولها واجب، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِيمَا يَخُصُّ بِهِ العُمُومُ مذهب مَالِكٍ أن الآية العامة إذا كان في العقل (٣) تخصيصها خُصَّت به وإن لم يكن في العقل تخصيصها؛ فإنه يجوز أن تخصّ بالآية الخَاصّة وكذلك بالسنة المتواترة، وبالإجماع، وخبر الواحد، وبالقياس.

стр. 20

فصل فما خص بالكتاب قوله : ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: الآية ٦]. فكان عامًّا في الجمع بين الأختين بِمِلْكِ اليمين، ثم خصه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: الآية ٢٣]. وكذلك خصّ قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٨] بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: الآية ٤]. فدلّ ذلك على أن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: الآية ٣]. إلا أن تكون أختين، فلا تجمعوا بينهما في الوطء، فذلك عدتهن الأقراء إِذا كن من أهل المحيض، وأشباه ذلك كثير في الكتاب. فصل وما خصّ من الكتاب بالسنة قوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: الآية ٣٨]. وهذا عموم، فبَيَّنَ النبي ﷺ أن المراد من ذلك مَنْ سَرق ربع دينار فصاعدًا، وبين الرسول ﵇ -أن السرقة من غير حِرْزٍ لا قطع فيها، وكذلك قوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: الآية ٥] عامّ وَبَيَّن الرسول ﵇ مَنْ يَجوز قتله من أهل العَهْدِ والذِّمَّةِ، وغير ذلك مِمَّا بَيَّنه النبي ﷺ بسُنَّتِهِ من عموم الكتاب مما يطول ذكره، وقال اللَّه -سبحانه في نَبِيِّه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: الآية ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: الآية ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]. فصل وما خص من الكتاب بالإجماع قوله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: الآية ١١].

стр. 21

وأجمعوا أن العبد لا يَرِثُ وروي عن النبي ﷺ : "أنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لا يَرِثُ". وأجمعوا على ذلك، وقال ﵇: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ ملَّتَيْنِ" (١). فقد دل الإجماع على تخصيص بعض، وغير ذلك مما خص بالإجماع كثير، وقد ذكرنا الدليل على حُجَّة الإجماع. فصل وممَّا خصَّ بالقياس قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: الآية ٢]. وقوله في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: الآية ٢٥]. فدلت هذه الآية على أَن الأَمَةَ لم تدخل في عموم من أَمَرَ بجَلْدِها مائة من النساء، ثم قيس العَبْدُ على الأَمَةِ، فجعل حَده خمسين كجَلْدِهَا. فكانت الآية مخصوصة بالأَمَة، والعبد مخصوصًا من قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: الآية ٢] وبالقياس على الأَمة، وقد ذكرنا الدليل على حجّة القياس، وباللَّه التوفيق. فصل ويجوز عند مَالِكٍ تخصيص الظَّاهر يقول الصَّحَابِي الواحد إذا لم يعلم له مخالف، وظهر قَوله؛ لأن قوله يلزم، فيجب التخصيص به؛ لأنه يجري مَجْرَى الإجماع، وجميع ذلك مذهبه في تخصيص الآيِ. فصل وكذلك مذهب مَالِكٍ في السنة إذا كان اللفظ فيها عامًّا تَخُصَّ بمثل ما ذكرنا مما يخصّ به الكتاب فيخصّ السنة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع وبالقياس وبقول الصحابي وأصل هذا الباب في البيان بالكتاب والسنة والإجماع والقياس والدليل لما قام أن الخَاصَّ يُبَيّنُ معنى العَامِّ، وجب بذلك أن يبيّن الخاصُّ من الكتاب العام منه، وإذا

стр. 22

وجب ذلك في الآية وجب مثله في الآية والسنة وفي الآية والإجماع؛ لأن هذه كلها أصول قد لزم العمل بها فهي كالآية الواحدة وكالأصل الواحد؛ متى تعلق متعلق بظاهر الآية، تعلّق الآخر بخصوص السنة، فتجاذباه، فإذا رَامَ أَحدهما طَرْحَ ما تعلّق صاحبه به، وعارضه صاحبه بمثل ذلك، فيما يتعلق به، فإذا تعارض بالحُجَّةِ لزم بهما، وبكل واحد منهما فصار كالآيتين، ووجب الجمع بينهما على ما يؤدي إلى استعمالهما، وباللَّه التوفيق. بَابُ القَوْلِ فِي الأَخبَارِ إِذَا اخْتَلَفَتْ ومذهب مالِكٍ ﵀ في فعل ما اختلفت الأخبار به، مثل ما روي عن النبي ﷺ من قول الإِمام: آمين وتركه. وما رُوِيَ عنه من رَفْع اليدين في الصلاة عِند الركوع والرفع منه وتركه والتسبيح في الركوع. وأشباه ذلك مما اختلفت الأخبار فيه عن النبي ﷺ إذا لم تَقُم الدلالة على قُوَّة أحدهما على الآخر، ولا ما أوجب إسقاطهما ولا إسقاط أحدهما، والحجة في ذلك أن الخبرين إذا ثبتا جميعًا ليس أحدهما أولى من صاحبه، ولا طريق إلى إسقاطهما، ولا إلى إسقاط أحدهما، وقد استويا وتقاوما وأمكن الاستعمال، فلم يَبق إلا التَّخَيُّرُ فيهما، وإن كان كلّ واحد منهما سَدّ مَسَدّ الآخر، وصار بمنزلة الكَفَّارة التي دخلها التَّخَيُّرُ، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي خَبَرِ الوَاحِدِ وَالقِيَاسِ يَجْتَمِعَانِ ومذهب مالك ﵀ أن خبر الواحد إذا اجتمع مع القياس، ولم يمكن استعمالها جميعًا، قُدِّم القياس عند بعض أصحابنا، والحُجَّة له على ذلك أن خَبَرَ الواحد لما جاز عليه النَّسْخُ والغلط والسهو والكذب والتخصيص، ولم يَجُزْ على القياس من الفساد، إلا وجه واحد، وهو أن هذا الأصل مَعْلول بهذه العلة فصار أقوى من خبر الواحد، فوجب أن يقدّم عليه، وقد اختلف في ذلك، فقيل: خبر الواحد أَولى من القياس في هذا الذي ذكرناه. وقيل: القياس أوْلَى لما ذكرناه، واختلف فيه أصحابنا، واللَّه أعلم.

стр. 23

بَابُ القَوْلِ في أَنَّ الحَقَّ وَاحِدٌ مِنْ أَقَاوِيلِ الْمُجْتَهِدِينَ (١) قال القاضي: ومذهب مَالِكٍ أن الحق واحد من أقاويل المجتهدين، وذلك أنه قال لما سُئِلَ عن اختلاف أصحاب رسول اللَّه ﷺ : لَيْسَ في سعة خطأ أو صواب، وكذلك قال الليثُ لما سئل عن ذلك. وقال مالك: قولان مختلفان لا يكونان جميعًا حقًّا، وما الحق إلا واحد، وأجمع مَالِك، وسائر الفقهاء أنَّ الأثر في الخطأ في مسائل الاجتهاد موضوع والدليل على ذلك قول النَّبِي ﷺ : "إِذَا اجتهَدَ الحَاكم وأَصَابَ فَلَهُ أْجرَانَ، وإنْ أخْطَأَ فَلَهُ أجْر" (٢) وهذا نصٌّ على أن مسائل الاجتهاد ما هو خطأ، فدلّ على أن الحَقَّ في واحد، لا في جميعها، وجعل له الأجر، وإن أخطأ على اجتهاده، ودفع عنه إثم خطئه. وهناك أيضًا إجماع الصحابة ﵃ لأنهم اختلفوا في مسائل الاجتهاد، وردَّ بعضهم على بعض، ودعا بعضهم بعضًا إلى المُبَاهَلَة، وأنكر بعضهم على بعض بأغلظ نكيرٍ، وسوّغ بعضهم لبعض الرد على صاحبه، ولم يقتل بعضهم لبعض: الحق معي ومعك، فلو كان كل واحد منهم مُصِيبًا لم يكن لاخْتِلافِهِم معنى، فدل على ما قلناه، وباللَّه التوفيق. بَابُ القَوْلِ فِي تأخِير البَيَانِ (٣) ليس يختلف مالِكُ ﵀ وسائر الفُقَهاء في أنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٤). وإنما الخلاف هل يجوز أن يتأخر عن وقت النزول إلى وقت الحاجة؟ وليس عن مَالِكٍ فيه نص قول، ولا لأصحابه المتقدمين. وكان القاضي أَبُو بكْرٍ يقول: إن البيان يجوز أن يتأخَّر عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة، ويذكر أنَّ مَالكًا قد أشار إلى ذلك، حيث قال وقد ذكر قول

стр. 24

النبي ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (١): إن ذلك له إذا رآه الإِمام؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قد كان قبل ذلك قسم أسْلابًا كثيرة، ولم يبلغني أنه قال ذلك إلا يوم حُنَيْن. قال القاضي أَبُو بَكْرٍ البَاقِلاني: وقد قال مَالِكُ: لا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة فهذا يدل على أنه يجوز تأخيره عن وقت النزول. وكان شيخنا أبُو بكْرٍ بْنُ صَالِح الأبهريُّ ﵀ يمنع من ذلك، ويقول: لا يجوز أن يتأخَّر البيان عن وقت ورود الخطاب -والحجة لمن جوز تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ما روي أن النبي ﷺ "أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَ اليَمَنِ أَنَّ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقرائِهِمْ" (٢). فأعلمهم مُعاذ ذلك، ثم كان بيان شرائع الزكاة، ووجوهها يقع لهم على مقدار الحاجة، حتى سألوه عن وقَص البقر، فأخبرهم أنه لم يسمع من النبي ﷺ فيه شيئًا، ولا معنى لمن ينكره؛ لأن ذلك لو كان ممتنعًا غير جائز لم يخل أن يكون ممتنعًا بالعقل أو بالشرع، ولسنا نعلم في العقول امتناعه ولا في الشرع أيضًا ما يمنعه. والحجَّةُ لمن منع ذلك أن المخاطب لا يدري ما يعتقد فيه قبل ورود البيان له وأن رسول اللَّه ﷺ إذا كان البيان يجري على يديه، فقد يجوز أن تخترمه المَنِيَّة قبل البيان، وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: الآية ٤٤]. بَابُ الْقَوْلِ فِي خِطَابِ الْوَاحِدِ هَلْ يَكُونُ خِطَابًا لِلْجَمِيعِ (٣) قال القاضي أبُو بَكْرٍ إذا خاطب النبي ﷺ العَيْن الواحدة، هل يكون خطابًا للجميع مع المشاركة في الجنس أم لا؟ لا نعرف عن مالك نصًّا في ذلك والذي يدل عليه في ذلك مذهبه أن الخطاب خطاب اللَّه تعالى وخطاب رسول اللَّه ﷺ العين من الأعيان خطابًا للجميع، وذلك أن مالكًا روى حديثًا عن أبي هريرة في الموطأ (أن رجلًا أفطر في رمضان في زمن رسول اللَّه ﷺ فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يَعْتِقَ رقبة أو يطعم ستين مسكينًا، أو يصوم شهرين متتابعين) (٤) الحديث.

стр. 25

واحتج بذلك فيمن أكل في شهر رمضان متعمدًا بغير عذر، أن عليه الكفَّارة، فهذا يدل على أن مذهبه ما قلناه. ومما يوضح ذلك أيضًا أنه روى حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ أبِي حُبَيْش -أن النبي ﷺ "قال لها: "إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْتَسِلِي عن الدَّمِ وَصَلِّي") (١). فأحبّ مالك أن يكون الحكم في النساء كلهن مثل الحكم فيها، ودل على الحكم في الحَيْضِ على هذا الحديث، والحجة لذلك قول النبي ﷺ : "خِطَابِي لِلْوَاحِدِ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ". وهذا نص فيما ذكرناه، فوجب الحكم، وباللَّه التوفيق. بَابُ الْقَولِ فِي الْعُمُومِ يُخَصُّ بَعْضُهُ مذهب مالك في العموم إذا خص بعضه هل يكون ما بقي على عمومه، أو يتوقف عنه حتى يقوم دليل على خصوص أو عموم (٢). ليس يختلف أصحابنا في أن ما بقي بعد قيام الدليل على خصوصه أنه على العموم، والدليل على ذلك أن اللَّه خاطبنا بلغة العرب، ووجدناهم يقولون إِذا أمروا مَنْ يلزمه طاعتهم، وامتثال أوامرهم: أعْطِ بني تميم كذا وكذا، أنه يلزم المأمور أن يعطيهم ما أَمَرَ به، فإذا قال له بعد ذلك: لا تعطي شيوخ بني تميم شيئًا لا يكون ذلك منعًا لإعطاء مَنْ بَقِي من الشُبَّان؛ لأن عطيته الكل ثابتة، فالأمر بخروج البعض من الجملة لا يدل على إبطال الكل، وذلك معقول عندهم ومشهور في لسانهم، فوجب ألا يخرج عن ذلك، وباللَّه التوفيق. بَابُ الْقَوْلِ فِي الْقِياسِ عَلَى الْمَخْصُوصِ مذهب مالك ﵀ هل يجوز أن يقاس على المخصوص أم لا؟ المخصوص إِذا عُرِفَتْ عِلَّتُهُ جاز القياس عليه، وإِلى هذا ذهب القاضي إسماعيل بن إسحاق.

стр. 26

والحجة لذلك أن الحكم للعلَّة إِذا وجدت علق عليها الحكم، وذلك مثل قول اللَّه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: الآية ٢]. وكان ذلك عامًّا في كل زانية وزان، سواء أكان عبدًا أو حرًّا ثم خُصَّ من ذلك الإماء بقوله : ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: الآية ٢٥]. ثم أُلحِقَ العبيد بالإماء في الاقتصار على نصف حدِّ الحر من طريق القياس، وكانت العلة الجامعة بين الإماء والعبيد وجود الزنا مع كونهم أَرِقَّاء، فثبت بذلك جواز القياس على المخصوص، وباللَّه التوفيق. بَابُ الْقَوْلِ في الاسْتِثْنَاءِ عَقِبَ الْجُمْلَةِ (١) عند مالك ﵀ الاستثناء والشرط (٢) إِذا ذكر عَقِبَ جملة من الخطاب، هل يكون رجوعهما إلى ما تقدم أو يكونان راجعين إلى أقرب المذكورين، وهو الذي يليهما؟ والذي يدل عليه مذهب مَالِكٍ أن يكون الاستثناء راجعًا إِلَى جميع ما تقدم إِلا أن تُقَدَّمَ دلالة على المنع منه، وذلك أنه قال: شهادة القاذف مقبولة متى تاب، لقوله : ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ إِلَى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: الآيتان ٤، ٥]. فجعل الاستثناء راجعًا إلى جميع ما تقدم من الفسق وقبول الشهادة. والدليل على حجّة ذلك هو أن الاستثناء رَفعْ الحاكم كلام متقدّم قد قيد بعضه ببعض، حتى صار كالكلمة الواحدة، فوجب أن يكون راجعًا إلى جميعه إِذْ ليس بعضه بالرجوع إليه أولى من بعض، ومما يُبَيّنُ ذلك أن اللَّه قال: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: الآية ١٤]. فكان الاستثناء عامًّا في جميع ما تقدم إذا لم يكن بعض السنين لرجوع ذلك إليه أولى من بعض؛ لأن جميع ذلك مرتبط ببعضه، واللَّه أعلم.

стр. 27

بَابُ الْقَوْلِ فِي الأَوَامِرِ هَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ أَو على التَّرَاخِي ؟ ليس عن مالك ﵀ في ذلك نص، ولكن مذهبه يدل على أنها على الفور، ولم ذلك كذلك إلا أن الأمر اقتضاه؟، والحجة له قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: الآية ١٣٣]، وهذا عام في كل عمل، فأمر بالمسارعة والتراخي قيد المسارعة، فدلَّ على أن الأمر على الفور دون التراخي. فإن قيل: قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: الآية ١٣٣] يدل على وجوب المبادرة إلى ما يسقط الذنوب، ويوجب غفرانها، لأن المغفرة إنما تكون للذنب، وليس في ظاهر الآية إلا وجوب التوبة، وما يوجب التكفير للذنوب التي يستحق عليها العقاب، وهذا ما لا خلاف في وجوب المبادرة إليه، ومن زعمت أن غيره من الأفعال بمنزلته، فعليه قيام الدليل. قيل له: سائر أفعال الطاعات والحسنات يغفر به السيئات، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: الآية ١١٤]، والمبادرة إلى فعل ما أمر اللَّه به من الطاعات والشرائع مما يغفر به السيئات، فثبت ما قلناه، واللَّه أعلم. بابُ الْقَوْلِ فِي الأَوَامِرِ هَلْ تَقْضِي تِكْرَارَ الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْ لا ؟ (١) قال القاضي أَبُو بكْر البَاقِلانِيُّ: الأمر بالفعل إِذا تجرَّد هل يقتضي تكراره أم لا يقتضي ذلك إلا بدليل؟ ليس عن مالك فيه نص، ولكن مذهبه عندي يدل على تَكْرَارِهِ إِلا أن يقوم دليل. والحجة لذلك حديث سُرَاقَةَ، لما سأل النبي ﷺ ، فقال: أحَجَّتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا أَمْ لِلأَبَد؟ فقال النبي ﷺ : "اترُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ"، وقيل في خبر الأبد (٢): وسراقة عربي، فلولا أن حكم الخطاب في اللُّغة يوجب ذلك لَمَا سُئِلَ، وإلا فما وجه مَسْألتهِ عن

стр. 28

ذلك؛ لأن الأمر لو كان لا يعقل منه إِلا مرة واحدة لم يسأل سراقة عن الأبد، ولا سَوَّغَه النبي ﷺ ذلك، ولا كان يقول له إِذا أمرت بأمر معروف، معناه في لغتك، فلم تسأل عما تعقله من الأمر؟. فإن قال قائل: هذا ينقلب عليكم، لأنه لو كان الأمر يوجب التَّكْرار لما كان لسؤاله معنى، ولقال له النبي ﷺ قد أمرت بأمر مفهوم معقول في لسانك أنه للتكرار، فَلِمَ تسأل عما تعقله بالأمر؟ (قيل): سؤاله ها هنا له فائدة أنه لما رأى الصَّلوات والصيام يتكرران، وكانت المشَقَّة العظيمة تلحق في الحج، ولا يكون مثلها في سائر العبادات ثم ورد عليه الأمر الذي يوجب التكرار خاف أن يكون بمنزلة سائر العبادات التي تتكرر، فحينئذٍ سأل النبي ﷺ ولو كان الأمر يوجب فعل مرة لما كان لسؤاله معنى؛ لأنه ليس بخاف أن يتكرر فيسأل عنه. قال القاضي: وعندي أن الصحيح هو أن الأمر إِذا أطلق اقتضى فعل مرة، وتكراره يحتاج إلى دليل، والدليل على ذلك أنَّ معنى قوله: "صَلُّوا" المراد منه فيما توجبه اللغة افعلوا صلاة. وقوله: "صَلُّوا ثمّ صَلُّوا"، يقتضي فعل صلاتين، وكذلك لو قال: صلُّوا صلُّوا عشر صلوات أو عشرة أيّام اقتضى عددًا أكثر من ذلك، وكذلك إِذا قال: صلُّوا أبدًا، وهذه ألفاظ قد وضعها أهل اللغة للتَّكْرَار، فإِذا ورد الأمر مجردًا منها لم يدل بمجرد قوله: صلوا إلا على فعل مرة واحدة، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ليس يُعْرَف عن مالك ﵀ في هذا نص، واستدل أَبُو الفَرَجِ والقاضِي الْمَالِكِيُّ على أن مذهب مَالِكٍ أن ذلك يجوز. قال: لأن مذهبه يدل على أن نسخ القرآن بما صحّ عن النبي ﷺ وذهب عَلِي أَبُو الفَرَج أن مَالِكًا ﵀ قال في "المُوَطَّأ": نسخت آية المواريث ألا لا وصية لوارث (١).

стр. 29

والأمر محتمل، وقد اختلف في ذلك، فمن ذهب إلى أنه يجوز، فحجته أن النبي ﷺ قد ثبت صدقه، والأصل فيما جاءنا به عن اللَّه فلا فرق إذا وردت آية عامة بَيْن أن يُبَيِّن لنا أنه أريد بها بعض الأعيان دون بعض، وبين أن يُبَيِّنَ لنا أنه أريد بها زمان دون زمان لأن هذا تخصيص الأعيان، وهذا تخصيص الأزمان، فإذا جاز أن يخص النبي ﷺ ببيانه الأعيان باتِّفَاق جاز أن يخص النبي ﷺ الأزمان قياسًا عليه مثله، ومن امتنع من ذلك فعلى وجهين. أحدهما: أنه لم توجد سُنَّة نسخت قرآنًا. والوجه الآخر: لا يجوز أن يوجد، واستدل يقول اللَّه : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: الآية ١٠٦]. يريد آيَةً خيرًا منها؛ لأن قائلًا لو قال لغيره: ما آخذ منك ثوبًا إلا أعطيك خيرًا منه، يريد ثوبًا خيرًا، لا ثوبًا مثله، هذا مفهوم من كلام العرب، وأخبر اللَّه أنه يأتي بخير منها أو مثلها، فلو كان يجوز أن يأتي بغيرها مما ليس بقرآن لذكره، واللَّه أعلم. بَابُ القَوْلِ في الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا أَمْ لا (١) الذي يدلّ عليه مذهب مالك ﵀ أن الزيادة على النَّص لا تكون نسخًا، بل تكون زيادة حكم آخرٍ والمخالفون من أهل العراق، قالوا: الزيادة على النص نسخ. فيقال لهم: إِذا كان أصلكم الانتزاع من دليل الخطاب، وكان قول اللَّه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: الآية ٢] يتضمن معنيين: أحدهما: أن الزَّانِي يجلد مائة. والآخر: أن ما عدا المائة على ما كان عليه في الأصل، فإذا قالوا: نعم، ولا بد من ذلك، قيل لهم: فإذا كانت المائة حكمها باقٍ بحاله، وما عداها حكمه حكم المائة قبل ورود السمع بوجوبها، ووجدنا المائة يؤثر النفي فيها شيئًا، لا بأن أبطلها ولا أبطل شيئًا منها، وكان ما عداها لا يصحّ أن يكون منسوخًا، كما لا يكون

стр. 30

استئناف الشَّرع بالوجوب ناسخًا، لما لم يكن في العقل وجوبه، فلم يبق شيء يصح أن يكون منسوخًا، وباللَّه التوفيق. بَابُ الْكَلامِ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا مِن الأَنْبِيَاءِ (١) اختلف فيه هل يلزمنا اتِّبَاع ما كانَ في شرائع مَن كان قبل نبينا ﷺ إذا لم يكن في شرعنا ما ينسخه أم لا؟ فقيل: يلزم إلا أَنْ يمنع منه دليل، ومذهب مَالِك يدل على أن علينا اتباعهم، لأنه احتج بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: الآية ٤٥]. وهذا خطاب لأهل التوراة في شريعة موسى ﵇ والحجَّة في ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: الآية ٩٠] فأمر نبينا ﷺ أن يهتدي بهدى الأنبياء ﵇ من قبله، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: الآية ١٢٣]. فدلَّ على أن علينا اتباعهم، ومن قال: ليس علينا اتباعهم، فحجته قوله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: الآية ٤٨]. فمن زعم أن شرائع مَنْ كان قبلنا يلزمنا العمل بها، أو ببعضها، فقد جعل الشرع لنا ولهم، والمنهاج واحد، فاللَّه تعالى جعل لكل منهم شِرْعَةً ومنهَاجًا، وهذا لما يقع في الشرائع والعبادات التي يجوز فيها النسخ والنقل والتبديل. فأما التوحيد وما يتعلق به، فلا خلاف فيه بين شرائع الأنبياء ﵈ وكلهم فيه على منهاج واحد؛ لأنه لا يجوز أن يقع اختلاف، وباللَّه التوفيق. بَابُ الكَلامِ في الحَظْرِ والإِبَاحَةِ (٢) ليس عن مالك ﵀ في الحَظْرِ وَالإبَاحَةِ في الأطعمة والأشربة، وما جرت العادة بأن الجسم لا بد له منه نص في ذلك. ذهب القاضي أَبُو الفَرَجِ المَالِكِيُّ إِلى أنها على الإباحة في الأصل، حتى يقوم دليل الحَظْر، وغيره من أصحابنا يقول: هي على الحَظْر حتى يقوم دليل الإباحة،

стр. 31

ومنهم من قال: هي على الوَقْفِ، حتى يقوم دليل الحَظْر، أو الإباحة فحجة مَنْ قال: إِنَّها على الإباحة هو أنها لا يخلو أن يكون اللَّه خلقها لينتفع هو بها -تعالى- عن ذلك أو لننتفع نحن وهو بها، أو لننتفع نحن دونه -تعالى- أو خلقها لا لينتفع بها هو ولا نحن بها، فَخَلْقُهَا لينتفع هو بها محال؛ لأنه لا تجوز عليه المنافع ولا المضار وخلقها أيضًا له ولنا محال؛ لأن المنفعة والمضرة عليه لا تجوز، وخلقها لا لينتفع هو بها ولا نحن عبث عليه عن ذلك علوًّا كبيرًا، فلم يبق إلا خلقها لننتفع نحن بها. وإذا ثبت ذلك صارت هذه الدلالة تقوم مقام الإذن منه -تعالى- لنا في الانتفاع بها. وأما مَن قال: هي عنده من الحَظْرِ في الأصل، فحجته أنه قد ثبت أن الأشياء كلها مِلْكٌ لمالك واحدٍ، وهو اللَّه ، ولا يجوز الإقدام على ملك أحد إلا بإذنه؛ لأنه لا بد أن يكون في الإقدام عليها من غير إِذن منه ضرر في العاقبة، فوجب الوقف، ومن قال: هي على الوقف، فحجته تعارض المعنيين وتقابلهما العَقْلي في الحَظْرِ والإِباحة، فوجب الوقف، وطلب الدليل المميز، وألا يقدم أحد على أحد القَوْلَينِ إِلا بِحُجَّة، ولأن الحَظْر يقتضي حاظرًا، وأن الإباحة تقتضي مبيحًا، فوجب الوقف حتى يعلم ذلك، وعلى أن الكلام في هذه المسألة تكلف، لأنه لا يعقل الناس حالًا قبل الرسل والشرائع؛ لأن الرسل بعد آدم ﵇ قد قررت الشرائع في جميع الأشياء فقد تقرر بالرسل ﵈، واللَّه أعلم. بَابُ الكَلامِ في اسْتِصْحَابِ الْحَالِ (١) ليس عن مالك ﵀ في ذلك نص، ولكن يدل عليه أنه مذهبه، لأنه احتج في أشياء كثيرة سُئِلَ عنها، وقال: لم يفعل النبي ﷺ ذلك، ولا الصحابة -رحمة اللَّه عليهم- وكذلك يقول: ما رأيت أحدًا فعله، وهذا يدل على أن السَّمع إِذا لم يرد بإيجاب شيء يجب وكل ما كان عليه من براءة الذمة. والأصل في ذلك أن اللَّه قد احتجّ على عباده في العبادات بالعقل والسمع، فما كان له حكم في العقل، ولم يرد سمع بخلافه، فأمره موقوف على ورود السمع، وإن ورد مثل ما كان في العقل كان مؤكدًا، وإن ورد بخلاف نقل الأمر

стр. 32

به عما كان عليه، وإن لم يرد سمع شيء من ذلك، فهو على أصل حُكْمه في العقل، واللَّه أعلم. بَابُ القَوْلِ فِي الإجْمَاعِ بَعْدَ الخِلافِ إِذا اختلفت الصحابة ﵃ على قولين وانقرضوا على ذلك، ثم أجمع الباقون على أحد القولين، فهل يسقط الخلاف أم هو باق؟. ليس عن مالك ﵀ في ذلك نص، واختلف أصحابه في ذلك، فقال بعضهم: ينقطع الخلاف، ولا يجوز مخالفة إجماع التابعين بعده. وقال بعضهم: بل الخلاف باق ولا ينقطع. قال القَاضِي: والجَيِّد وهو الذي يختاره شيخنا أَبُو بَكْرِ بْنِ صَالِحِ الأَبْهُرِيُّ أن الخلاف باقٍ، وذلك أن تقدير المسألة يكون قول الصحابي المخالف بمنزلة حضوره مع التابعين، وكونه حيًّا معه، ككونه ميتًا لا يسقط خلافه لهم بإجماعهم على خلافه، وأحسن أحوال التابعين معه أن يكونوا بمنزلة الصحابة معه في أن مخالفيه من الصحابة له من طريق اجْتِهَاد لا يسقط خلافه، وكذلك كون التابعين وإجماعهم على خلافه من طريق الاجتهاد، ولا يسقط خلافه لهم، ولأن قوله بمنزلة أن لو كان حيًّا معهم، فيكون إِجماعهم كطائفة إضافة إلى الحزبين من الصحابة، واللَّه أعلم. بَابُ الْكَلَامِ فِي إِجْمَاعِ الأَعْصَارِ (١) مذهب مالك وغيره من الفقهاء أن إِجماع الأعصار حجة، وأنكر قوم أن يكون إجماع الأعصار حجة إِلا للصحابة ﵃. والدليل على أن إِجماع الأعصار حجة هو أن اللَّه أثنى على هذه الأُمَّة وبيَّن فضلها، ونَبَّه عليه وعلى وجوب الحجة بقولها لقوله -تعالى- في القرآن في مواضع كثيرة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: الآية ١١٠] الآية. وقوله أيضًا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: الآية ١٤٣] وغير ذلك.

стр. 33

ومن السُّنَّة قول النبي ﷺ : "أُمَّتِي لا تَجْتَمعُ عَلَى ضَلالَة"، وقوله ﵇: "أمتي لا تجتمع على خطأ". وقوله: "لا تزالُ طائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَن خَالَفَهُم حتى تَقُومَ السَّاعَةُ (١) ومن حجَّة العقل الدلالة على عِصمتها، فلا يخلو أن يكون المراد بذلك جميع الأمة كلها من أولها إِلى آخرها من جهتين: إحداهما: أنهم حُجَّة على أنفسهم. والأخرى: أنهم لو كانوا كذلك، أو جاز أن يكونوا بأجمعهم حُجَّة لم يجز أن يدرك الحكم من جهتهم، إلا من أدرك أولهم وآخرهم، وهذا أيضًا بين الفساد، فثبت أن الحجة متعلقة ببعضهم، ولا يخلو ذلك البعض من أن يكون للصحابة ﵃ وليس بعضهم حُجَّة على بعض، فلم يبق إلا أنهم حجة على غيرهم لأجل تقدمهم، وكان تَقَدَّم العصر الثاني للثالث كتقدم عصر الصحابة على التابعين، وكانت حاجة العصر الثالث إلى الثاني كحاجة الثاني إلى الأول من إرسال الرسل؛ إِذِ الرسل قد انقطعت بعد النبي ﷺ وقد جعل خاتم النبيين ﷺ وجعلت الأمة عوضًا عنها، فوجب حجة الأعصر متقدّمهم على متأخرهم، كوجوب حُجَّة عصر الصحابة ﵃ على من بعدهم، ولأن الحق لا يجوز أن يخرج عن كل عصر، فثبت أن إجماع كل عصر حجة، وباللَّه التوفيق. بَابُ الْكَلامِ في العِلَّةِ (٢) وَالْمَعْلُولِ (٣) قال القَاضِي الجليل كَرَّمَ اللَّه وجهه: العلة عند مالك والفقهاء هي الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها، والعلة في مواضعة اللغة تفيد ما يتغير الحكم بوجوده، ولهذا سُمِّيَ المرض لما تغيرت الحال عما كان علة بوجوده ويصفون ماله الفعل أو لم يفعل علة فيقولون: جئت لعلة كذا وكذا، ولم أقل: لعلة كيت وكيت، واستعمله المتكلمون في غير ذلك.

стр. 34

فأما العلة عند مَالِكٍ والفقهاء، فهي الصفة التي يتعلَّق الحكم الشرعي بها، كما قلنا ومن حكم العلَّة العقلية وحقها أن تكون موجبة لمعلولها، وأن يستغني في إيجابها عن مفارقة غيرها لها وألا يقف في إيجابها على شرط وأن يكون بإيجابها لما يوجبه لبعض الأعيان دون بعض، أو لبعض الأزمان دون بعض، والعلة الشرعية تقاربها في جميع هذه الوجوه، فلا خلاف بين القياسين إلا في اختصاص لبعض الأعيان، فإن من يمنع من جواز تخصيص العلة الشرعية يسوي بينهما وبين العلل الأخرى في هذا الوجه الواحد، دون من يرى تخصيص العلة الشرعية منهم، وطريق معرفة العلّة العقلية دليل العقل، وطريق العلّة الشرعية دليل المنع. فَصْلٌ وأما المعلول فهو الحكم الذي العلة علة فيه، وهو تحريم الرِّبَا، لا لأنه نفس البُرّ والأرز على ما يظنه بعضهم، وكيف يجوز ذلك في المعلول، والذي من حقه أن تؤثر العلة فيه، ويتبعها ويزول بزوالها، وهذا كله لا يتأتى في البُرِّ نفسه، فثبت أن المعلول هو الحكم الذي العلة علة فيه، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّة العِلَّة (١) واختلف الناس فيما يدل على صحة العلة، وهل تصح بالجريان والطرد في معلولاتها، أو تعلم صحتها بعد ذلك، فمنهم من يقول: علامة صحّتها جريانها في معلولاتها، وأن يوافقها أصل. ومنهم مَنْ قال: يحتاج أن يثبت أولًا أنها علّة، ثم جريانها بعد ذلك مرتبة أخرى. قالوا: لأن مَنْ يعلل بالطرد والجريان، لو قيل له: لما علقت الحكم بها لكان من حقه أن يقول: لأنها علة، فهذا قيل: لم صارت علة؟ قال: لأن الحكم يتعلّق بها أين ما وجدت، وهذا يؤدي إلى التناقض. قال القاضي: والذي يقوى في نفسي هو الوجه الأول من الطرد والجريان، وأنه يكون دليلًا على صحتها، والأصل في ذلك أن اللَّه تعالى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلَى قوله: ﴿كَثِيرًا﴾ [النساء: الآية ٨٢]. فدل على أن المتفق من عنده، فلما اتفق بالصحة والنظم أثبت بالصفة والنظم، وأن المختلف ليس من عنده، فلو جاز وجود مختلف من عنده لم يكن عدم

стр. 35

الاختلاف عن القرآن دليلًا على الَّذِي عنده، ولو جاز أيضًا وجود متفق لا من عنده، لم يأمن أن يكون القرآن متفقًا لا من عنده، وفي استدعاء المخاطبين إلى التدبر بهذه الآية دليل على أن المتفق لا يوجد من جهته، وأن المختلف يوجد منه. فإن قيل على هذا: فإن الاختلاف في القرآن موجود لأننا نجد فيه الخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والخاص الذي يريد به العام، والعام الذي يريد به الخاص. قيل: أريد بنفي الاختلاف الذي من جهته صار القرآن حجة، وهو عدم الاختلاف في الإعجاز وهو في الإعجاز متفق عليه، وأيضًا، فإننا قد أُمِرْنَا بالرجوع إلى الأصول في الحوادث كما أُمِرنَا بالرجوع إلى النبي ﷺ فيها، فهذا عرض عليه نوع من أنواع المقايسة، فلم يرده وسكت عنه، كان ذلك دليلًا على صحته، وكذلك الأصول إِذا عُرِضَتِ العلة عليها فلم يردها أصل دل ذلك على صحتها، وأيضًا فإن اللَّه طالب المشركين بإجراء العلة فيما اعتمدوه عليه، فقال تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: الآية ١٤٣]. أي إن كان المعنى للذكورة أو الأنوثة، أو الجمع، فالتزموه إن كنتم صادقين، وإلا فأنتم مناقضون، وأيضًا فإن المتفق من القول حُجّة، وكل المتفق من المعنى، لأنه في الجَرَيان والطرد اتفاق المعنى، ولا يلزم ما ذكروه عن السؤال في أن الحكم وجب لعلة فَإِذَا قيل لِمَ صَارت علة؟ قيل: لأن الحكم يتعلق بها أينما وجدت، وذلك أنه إذا قيل له: لِمَ وجب الحكم؟ فقال: للعلة، فإذا هو مدع للعلة، بلا برهان، فإذا قيل له: وَلِمَ صارت هذه علة فإنما علته أن يدل على صحتها بالجريان والطرد؟ فقد أقام البرهان على كونها علّة، وفي الأول سَمَّاها علة بدعوى، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ في الْعِلَّةِ الَّتِي لا تَتَعَدَّى اختلف الناس في العلة التي لا تتعدى، هل تكون صحيحة أم لا؟ فعندنا وعند غيرنا من الفقهاء أنها تكون علة صحيحة. وقال ابْنُ العِرَاقِيّ: هي باطلة؛ لأنها لا تفيد إلا ما قد أفاده النص، فلا معنى لطلب علة لا تفيد غير ما أفاده النص، والدليل على أنها تصح؛ لأن العرض من العلة ليعلم أن الحكم إنما وجب لأجلها، فهذا صح ذلك صح أن تكون متعدية، وغير

стр. 36

متعدية، وأيضًا فإنها تفيد أن الأصل الذي اقْتُضِيَتِ العلة منه أصل لا يجوز القياس عليه، فقد حصلت الفائدة فيها من هذا الوجه. بَابٌ فِي تَخْصِيصِ العِلَّةِ عند مالك وغيره من أهل العلم لا يجوز تخصيص العلة إلا العقلية، ولا خلاف في ذلك، واختلف الناس في تخصيص العلة الشرعية المنصوص عليها، والمستدل عليها إذا كانتا شرعيتين، فعندنا وعند غيرنا من الفقهاء، لا يجوز تخصيصها. وقال أهل العراق: يجوز تخصيصها، ويجوز كونها كالعموم المشتمل على المُسَمَّيَّات يصح أن يختص ببعض المسميات، فكذلك هي؛ لأنها علامة وأمارة، وذهب غيرهم إلى جواز تخصيص العلة المنصوص عليها، مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: الآية ٣٢] وكقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: الآية ٧] وكقوله ﷺ في الهِرَّةِ: "إِنَّهَا مِنَ الطَّوْافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" (١). وامتنع من تخصيص العلة المستنبطة كعلة الرِّبا في الْبُرِّ، وعندنا أنه لا يجوز تخصيصهما جميعًا، والأصل في ذلك هو أن العلة أمارة وصحتها الجريان بما قد بيناه من الدلائل، والتخصيص يمنع جريانها، ويبطل أن يكون الجريان دليلًا على صحتها، فإذا كان الجريان دليلًا على صحتها وتخصيصها إِذًا باطل؛ لأنه يرفع أصلًا ثابتًا، وما أدّى إلى رفع الأصل الثابت المستقر، فهو مَدْفوع. وأيضًا فإن اللَّه -تعالى- آخذ المشركين بالنُّفور عليهم فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: الآية ٨١]. فلولا أن المساواة في المعنى توجب المساواة في الحكم لم يلزمهم هنا بل كانوا يتخلصون منه بأن يقولوا: قام دليله فخصصناه وأيضًا فإنه لو لم يؤثر التخصيص في صحّتها لم تؤثر المعارضة؛ لأن التخصيص هو غاية المناقضة التي لا تَرْتَضِيها العَامَّة في اختلافها، فلا خلاف عن أن يكون من أفعال الحكماء، ألا ترى أن تاجرًا صوفيًّا لو قيل له: سامح في هذا الثوب، فقال: لا أسامح فيه. لأنه كِتَّان ثم سامح في ثوب كتان مثله، لقيل له: قد ناقضت، ولو كان هذا مما لا يخفى عن العوام ردَّه على

стр. 37

قائله، وأنه مناقض بذلك. فبطل جواز التخصيص في العلّة، وأيضًا فإن العلّة لو جاز وجودها مع ارتفاع الحكم، ولا يمنع ذلك من صحتها لاحتيج في تعليق الحكم بها في كل فرع إلى استئناف دلالة. لأن ما دل على أنها علة في الأصل لم يوجب تعليق الحكم بها أينما وجدت على هذا القول، وإذا لم يوجب ذلك قبح الرجوع في تعليق الحكم بها في كل فرع بعينه إلى دليل مستأنف، وفي ذلك إخراج لها عن أن تكون علة، ويبين ذلك أن العلم المعجز الدال على صِدْق النبي ﷺ لو لم يقتض صدق النبي ﷺ في كل ما يقوله ويؤديه، لاحتاج في كل ما أخبر به إلى معجز، فكذلك القول في العِلَلِ. فإن قيل: فإِن العلة في تعليق الحكم بها كالاسم العامِّ في ذلك، وكما أن وجود الاسم مع ارتفاع الحكم مما لا يبطل كون العموم دلالة لا توجب الحاجة في تعليق الحكم بكل اسم إلى دليل المستأنف، فكذلك العلة. قيل: إِن العموم إِنما يدل على إرادة المخاطب، وإرادته تدل على الحكم لا نَفْس العموم، فإِنَّ قول العموم إِنما يدل على أنه لم يرد جميعه. قلنا: إن ما عداه مراد، ولم تحصل الدلالة مخصوصة، إذ الدلالة هي الإرادة والدلالة على الإرادة هي مفهوم العموم مع القرينة. لأن البيان لا يتأخَّر، وليس كذلك العلّة، لأنها إن كانت هي في نفسها علة فيجب ألا يسوغ تخصيصًا لا يختص في الوجود بعين دون عين، وإن كانت تدلّ على الإرادة للجاعل لها علة فيجب أن تُقَدَّر بها ما يخرجها عن أن تكون لإطلاقها علة، وعلى أن العلة التي توجد في كل فرع في حكم النص على كل فرع، فكما أن التخصيص في ذلك لا يسوغ، فكذلك القول في العلة. لأنها ليست بمنزلة العموم الذي يدخله المجاز؛ لأن التعليل لا يدخله المجاز، وهو كالنص فيما ذكرناه، واللَّه أعلم. بَابُ الكَلامِ فِي القَوْلِ بِالعِلَّتَيْنِ (١) اختلف الناس في القول بالعلَّتَيْن في أصل واحد. أحدهما: يقتضي حمل الفرع عليه. والآخر: يمنع من حمل الفرع عليه.

стр. 38

فمنهم مَن قال: لا ينتفيان؛ لأن العلّة المقصورة على الأصل لا تمنع رد الفرع إِذا كانت هناك علّة أخرى تقتضي الرد، كما أن العموم الشامل لما به شيء لا يمنع من شمول غير ذلك لألف شيء، ولا ينافيه. ومنهم مَن قال: إنهما يتنافيان، قاله القاضي الجليل، وإلى هذا ذهب في المعنى. لأن ما تبينّا فله الحكم في الأصل. إما أن تكون العلة المقصورة عليه أو المتعدية، فإن كانت المتعدية هي الصحيحة صحّ القياس على الأصل، وإن تكن المقصورة هي الصحيحة امتنع القياس عليه؛ لأنها مقيدة نحو تعليل الذَّهب بالورق الذي لا يتعدى، ويكون ثمنًا لا يتعدى، وما شبه ذلك، وهذه المسألة من فروع ما تقدم من أن العلة إذا لم تتعدَّ هل تصح أم لا تَصحُّ؟ فيجب بناؤها، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ في الْعِلَّتَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ فُرُوعًا مِنَ الأُخْرَى قال القاضي الجليل: وأما تعليل الأصل بعلَّة توجد في عشرة فروع، وتعليله بعلة توجد فيه، وفي واحد من تلك الفروع، فأنا أقول فيه أيضًا: إنهما يتنافيان في المعنى، وإن كان بعض من يمتنع من القول بالقياس لا يمتنع ها هنا ويقول: إنهما لا يتنافيان، ووجه التنافي فيهما هو أن الأصْلِ إِذا عُلّل بعلّة تتعدَّى إِلى عشرة فروع، فليس يُعْلَم أن هذه هي العلة إِلا بعد أن يُسْتَبْرَأ الأصل، وَيُسْتَبْرَأ جميع ما يصلح أن يكون علة له، فإن قَصَدَ جميعها، وصحت هي، وسلمت، فسارت في التقدير علة. وكأن اللَّه قال: حرمت ذلك لهذه العلة دون ما سواها، فتبطل كل علة سوى العلة التي يثبت أن الحكم لأجلها وجب. فإن قيل: يجوز أن يُسْتَبْرَأ الأصل، فيعلم أنه معلوم لعلتين: إحداهما: تتعدى إِلى شيء، والأخرى: تتعدى إلى غير ذلك الشيء، وإلى ما زاد عليه. قيل: هما كالعلة التي لا تتعدى مع المتعدية؛ لأن العلة التي لا تتعدى إلى عشرة فروع يتبين بها أن الأصل يقاس عليه عشرة فروع، والعلة الأخرى كشفت لنا أنَّ هذا الأصل يقاس عليه ثمانية فروع لا تتعدى؛ لأن الأصل مما لا يجوز عليه القياس، وليس المنافي أكثر من العلتين يَصْطحِبان إِلى فروع، ثم تقف إحداهما عن تجاوزه

стр. 39

إلى غيره، والأخرى تتجاوزه كالتي لا تتعدى مع المتعدية، وتسهيل العلة المتعدية إِلى فروع كثيرة وأكثر مما تعدت إِليه الأخرى، بمنزلة الآيتين والخبرين. وإن قلنا بالواحد منهما سقط حكم الآخر، وإن كانت إحدى العلتين تتعدى إلى فرع آخر غير الفروع التي تَعَدَّت إليها العلة الأخرى، فهذان لم يتنافيا، وفيه نظر، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي جَوَازِ كَوْنِ الاسْمِ عِلَّةً واختلف الناس في كون الاسم عِلة: فذهبت طائفة إِلى جوازه، ومنعت منه طائفة. قال القاضي: وعندي أنَّه يجوز وعليه يدل مذهب مَالِكٍ، والأصل: فيه أن اللَّه أمر بالاعتبار، وهو رد الشيء إِلى نظيره، ولم يفرق بين أن يرد باسم أو وصف، وأيضًا فإن الاسم سِمَة للمسمى يتميز بينه وبين غيره، وكذلك الصفة يتميز بها بينه وبين غيره، فإِذا أجاز أن تكون الصفة علة جاز في الاسم أن يكون علة، وأيضًا فإن الاسم يتوصل به إلى الحكم والصفة، فيجب أن يجوز كونه علّة كالصفة، وأيضًا فإِذا كان النص يوجب الأحكام تارة بالاسم، وتارة بالصفة، فكل واحد كصاحبه في جواز جعله عِلّة، وبمثل هذه العلل يعتل في جواز جعل الحكم علة لحكم آخر. وإن شئت قلت: إِن الأحكام تُتْرَكُ بالشرع كالمعاني، فهذا جعل المعنى علّة، فكذلك الحكم، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي أَخْذِ الأَسْمَاءِ قِيَاسًا عند مالك ﵀ يجوز أن تؤخذ الأسماء من جهة القياس. وَأَبَى ذلك قوم أن تُؤخَذَ الأسماءِ قيَاسًا، والأصل فيه أن اللَّه قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: الآية ٢]. وهو على العموم في الأسامي والأحكام، وأيضًا فإنَّه يجوز أخذ الأحكام قياسًا، فكذلك الأسماء كأنها في الحالين سواء. لأنه أتى بالجائز في العقول الشائع، وأيضًا فإن المعاني أعْلامٌ للأحكام وأدلة عليها، والأسماء كذلك، ثم من الجائز التنبيه على المعنى تارة بالشرع، وتارة بلا شرع، فكذلك الأسماء. لأن الجميع من الحجج والأعلام التي يجوز بها الهجوم على الحلال، وأيضًا فإن القول على الشيء بأن كذا

стр. 40

اسم له على ما شاكله القول عليه، بأن كذا حكم له، فلما جاز أن تصور إحداهما من جهة على الشرع كسبت أشياء اسمًا لم تُعْرف بها قبل الشرع مثل الإيمان والإِسلام والمِلَّة والحجَّ والصَّوْم والصَّلاة والزكاة والسُّنَّة والتطوع، فوجودها يعني الدلالة. وأيضًا فإِن من فضائل العقول أن كل متماثلين، فَحُكْمُهُمَا واحد من حيث التماثل، فهذا وجدنا الخَمْرَ كسبت هذا الاسم لحدوث الشدة المخصوصة، ويرتفع بارتفاع الشدة المضربة، وسلم ذلك على كل التفسير، وبالامتحان رأيناها في النَّبِيذ موجودة وجب أن نعطيه اسم الخمر فإِن قيل: فقد قال اللَّه : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البَقَرَة: الآية ٣١]، فأخبره بأنه علمه الكل والقياس ممتنع، قيل له بذلك: نقول: إن اللَّه عَلَّمَ آدم الأسماء كلها إلَّا أنَّه نص على بعضها، ونبَّه على بعض، وسبيل ذلك سبيل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]. وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: الآية ٨٩]. ثم قال: وجه التبيان منها على ضروب، منها نص، ومنها تنبيه، كذلك هذا على أنَّه دليل لنا، وذلك أنَّه لما ثبت أن اللَّه تعالى علم آدم الأسماء كلها ثبت أن مأخذ الأسماء من جهة الشرع، وقد قيل: إنه عاهد اسم الأجناس دون التفصيل، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي الحُدُودِ هَلْ تُؤخَذُ من جِهَةِ الْقِيَاس (١) الذي يدل عليه مذهب مالك ﵀ يجوز أن تُؤْخَذ الحُدُود والكَفَّارات والمقدَّرات من جهة القياس، واختلف القائلون بالقياس، هل يجوز أن تؤخذ الحدود والكَفَّارات والمقدَّرات من طريق القياس. فعندنا أنَّه جائز ومنع منه بعض أصحاب أَبِي حَنِيفَة، وبعض أصحاب الشَّافِعيّ، وجوَّزه بعضهم، وقال القاضي: هو عندي جائز، والأصل فيه قوله : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: الآية ٢]. فأمر بالاعتبار عمومًا، ولم يفرق بين الأحكام في المقَّدرات والحدود والكفارات وغيرها، فهو على عمومه في جميعها، حتى يقوم دليل يمنع منه، ولم يقم دليل يمنع منه فهو جائز.
следующие страницы →