Полный текст (737 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
أنزله الله وأسبحه، وأسأله التوفيق وأستمنحه. حامداً له تعالى بأسمائه، على جلائل آلائه ودقائق نعمائه. حمداً تتعطر مجاري الأنفاس بنفحةٍ من نفحاتهِ، وتتدفق بحار الأفكار برشحة من رشحاته.
وأصل ذلك ما دمت أنطق بكلام بصلات صلاة وأتم سلام، على من أبدع منشئ الوجود إنشاءه على أحسن فطرة وأجملها، ونظم به عقد الدين بعد نثره فدعا لأتم ملة وأكملها. الذي أوتي جوامع الكلم، ولم ينطق عن الهوى، فاقتفى أثره عصابة ما ضل أحد منهم باتباعه ولا غوى.
المبعوث في زمن هتفت فيه مصاقع العرب على منابر البلاغة، وقيدت شوارد المعاني في الأسماع بسلاسل الذهب فلم يبلغ أحد بلاغه. فأبطل سحرها المبين، متمسكاً بحبل الله المتين، وجاءها بالعقد الذي تحل به الزمان العاطل، والحق الذي لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه الباطل.
والروض الذي تتفجر عيونُ البلاغة عن أصول معانيه، وتتدفق مياه البراعة عن فصول مبانيه. ونزه أسماعها في حديقة حميت بشوكة الإعجاز فلم تلمس ورودها أيادي إياد ولا أنامل الحجاز.
فلله وبالله ذلك المفحم المعجز، الذي أعيى على الواصف المطنب والموجز. لا برحت الصلوات الناميات في كل أوان، تحيي مرقده الشريف ما تعاقب الملوان.
ثم أحيي آله الكرام، وأصحابه ذوي الاحترام، بما يناسب رتبتهم السامية، من هذه التحية الزكية النامية، وعيلهم رحمة الله وبركاته.
وبعد: فإني من منذ ألقيت الألواح، وميزت بين الصباح والمصباح. جعلتُ الأدب لناظري ملمحا، واتخذته لفكري من بين المعارف مطمحا. وكنتُ أعده لصحائف الشمائل عنواناً، وأرتب لبيت قصيده في بدائع المآثر ديواناً. وأشيم من آفاقه بوارق السحر، وأشم من أردانه روائح الشحر. فأرتشف منه ما هو أشف من الماء في زجاجه، وأشتف ما هو ألذ من الرحيق في مزاجه.
وأنا من الابتهاج به كما التقى الغدير بالزهرة، ومن التملي به كما تقابلت الثريا بالزهرة. فطالما وردت منه ما صفى من الأمواه، وبسطت حجري لالتقاط درره من الأفواه. وعكف طرفي في محاريب دفاتره، ورشف يراعي ماء الحياة من ظلمات محابره.
هذا وغصن شبابي غض وريق، وتحايا مدامي عض وريق. وأنا أجري في طلق الصبا طلق الصبا، وأذهب في نيل البغية مذهباً مذهباً. فكم ليلة نادمت فيها الأمانين ووفى لي في جنحها بالضمان زماني. فتناولت أحاديث كالأرياق، نظمتها كالعقود تلوح من الأزياق. وذلك في مسقط رأسي ومشتعل ذؤابة نبراسي. خطة السرور والفرح، وحلة القدح والقدح. ومنى الأماني، ومغنى الأغاني. وقبلة القبول، وشملة الشمول. البلدة الفيحاء دمشق، الطيبعة العرف والنشق.
لا زال خفاق النسيم يلعب بعذبات واديها، وهطال السحاب يراوح دمنها ويغاديها. وحيى الله أعزاها الذين بهم التقيت ونجوم أفقها الذين بصحبتهم ارتقيت أديبهم يهز له الأدب هيف معاطفه، وأريبهم يمد به الندى بساط عواطفه.
يرمون عند هدر الشقاشق في حدق البيان ويصيبون بالكلم الرواشق غرض التبيان. ويتنافسون من السحر في المناظم، وما يتصرفون فيه إلا على ذائقة الأعظم. من بدائع لو عثر عليها سحرة من موسى لتابوا، وروائع لو اطلع عليها المصورون لدلوا عن نهجهم وأنابوا.
وما منهم إلا من بطش فيما انتحى بباع بسيط، ولم يزل عن موقف الصواب مقدار فسيط. وكان بقي للشعر خصاصة فاستظهروا على سدها، وأنشوطة استنهضوا هممهم لشدها. صنيعهم صير الزمان من تقصيره في وجل، وأظنه أطلع الورد في خد الربيع إشارة لما عنده من الخجل.
فوسقت في بحارهم السفائن، واستخرجت من محاسنهم الدفائن. واجتنيت من ثمرات خواطرهم كل يانع مستطاب، وحشوت صدفة أذني من تلك اللآلئ الرطاب.
وملأت السمع منهم كلماً ... يحسد القلب عليه الأذنا
لكني لم أقض من رؤيتهم مطمعا، حتى غربواهم وشمس الفضل معاً.
فعاينت الوجود دونهم كالنهار بلا شمس، وعاينت الأمر ولا هم كالراحة بلا خمس.
وفقدت بهم الوطر الذي شايعته، والأمل الذي على الوفاء والرعى للذمم بايعته.
فلم ألبث حتى كرهت الثوى وتحركت عزيمتي لداعي النوى.
أنضيت لجهة الروم العزم، وأدخلت على حرف العلة عامل الجزم.
فعل أمرئ جد جده، وما رأيه إلا في مفخر يستجده فإن في الانتقال تنويهاً لخامل الأقدار، ولولاه لم يكس البدر حلة الأبدار.
стр. 2
وكذا الدر ضائع الحسن في البح ... ر فإن بان عنه راق جمالا
ومياه البحار ملح فمهما ... حملتها السحاب عدن زلالا
فدخلت أمهات بلادها دور الخلافة، واستقريت آخراً بقسطنطينيتها، لا زالت مصونة من كل آفة.
والدولة إذ ذا بالكلمة الغالبة تنطق، والدنيا تتوشح بتلك الحماية وتنتطق.
والأيام مقسطة، والأنام منبسطة.
والزمان كله نهار، والمنابت طراً أزهار.
وملك الزمان السلطان محمد، ختم الله بتأمينه مذ صافحت آفاقها أسرة جبينه.
حدثت عن الحياة الخضرة جنباتها، واستحال زمرداً وزبرجداً نباتها.
والأفئدة بطاعته تدين، وقد تهنى بمانه الدنيا والدين.
ورأيت أستاذي الشيخ محمد بن لطف الله الذي توجهت بكليتي إليه، وأوقفت أملي مذ أنا يافع عليه.
وهو مقصد الواصف والمادح، وملج لسان الناطق والصادح. وقد استوفى من الصدارة تمام العزة، وأوفى شرفه على كل الأعزة. وكان للأدب ممن تلافى ذماه، وروى ببشره ظماه. فأصبحت حسنات الدهر به موفورة، وسيآته بوجوده مغفورة. ونفضت لديه علائق الترحال، ورفرفت عليه آمال الرجال. من كل من اتخذ الأدب مفخراً يرغم به أنوف المفاخرين، والثناء الجميل مدخراً، وهو لسان صدق في الآخرين. فحاسيتهم بحضرته كؤوس مودة أصفى من الماء، وتلقيت منهم كل نادرة تفضح نجم السماء.
ثم لما قضى الله موت الأستاذ برد الله حفرته، ونور بنور الغفران غرته. قضاء منه سبق في بريته، وسوى فيله بين آدم وذريته. رأيت الدهر قد عاندني في الديار والأحباب وكساني المشيب قبل أن أعرف مقدار حق الشباب. وقد ولتني الثلاثون أذنابها، وصبت على المصائب ذنابها. وغاب هلال الصبا في مغاربه، وألقيت حبل الصبا على غاربه. بعد ما كان ذرعي عن هموم الأثر خالياً، وحالي ببرد العيش حالياً. فرميت الشام بعزمة المنتاب، وقد رضيت من الغنيمة بالإياب. فحليتها في عصر ذهب رواؤه، وفرغ من المعارف إناؤه. وعضد الأدب هيض، وثمده بعد هنيئة غيض. حتى تقلصت ذيول ظلاله، وبكت عيون المنى على أطلاله. والناس إما ساكت ألفاً، أو ناطق خلفاً. ولزمت كسر البيت، وسكنت سكون الميث. متكفكفاً بما في يدي، ومستدفعاً ليومي وغدي. وأنا في الدنيا الموصوفة بالنضارة، من جملة النظارة. أرمقها يمنة ويسرة، فلا أرى إلا هماً وحسرة. ولا أراني إلا كاسفً معنى، وكأنني لفظ بلا معنى. فرمان فرحي أقصر من التفات الحبيب، وتلفتي للسراء تلفت المريض للطبيب. في أوقات أثقل من الحديث المعاد، وأطول من عمر الانتظار لوقت الميعاد. لا سمير لي أوانه ولا جليس عندي أجانسه. سوى أوراق مزقتها الريح، وفرقت شملها التباريح. التقطتها كل واحدة من بقعة، وجمعتها من كل رق رقعة. أكثر ما فيها أشعار لأهل العصر، الذين ضاق عن الإحاطة بمفاخرهم نطاق الحصر. ممن رأيته فكانت رؤيته لعيني جلا، أو سمعت به فكانت أخباره لمسمعي حلي. وكان كتاب الريحانة للشهاب، الذي أغني عن الشمس والقمر، وأطلع الكلام ألذ من طيب المدام والسمر. وناهيك بمن استخدم الألفاظ حتى قيل: إنها له ملك، ونظمها في أجياد الطروس كأنها جواهر لها كل سطر من سطورها سلك.
لم يزل من عهد صبايَ، قبل نوم سيارة شمولي وصباي. أمنية رجائي الحائم، وبغية قلبي الهائم. وشمامتي التي أشتم ومسلاتي متى أهتم. وزمزمة لساني، وعقيلة استحساني.
حتى أود لو كانت أعضاي كلها نواظر تبصره، بحيث لا تمل لحظاً، وخواطر تتذكره، على ألا تسأم حفظاً، وألسنة تكرره، بشرط ألا تقنع لفظاً.
فخطر لي أن أقدح في تذييله زندي، وآتى في محاكاته بما اجتمع من تلك الأشعار عندي. وقصدي بذلك إشغال الفكر، لا الانضمم إلى من فاز بألى الذكر. وإلا، فمن أنا حتى يقال، أو إذا عثرت عثرة تقال. سما إذا قرنت بمن جاريته في ميدان الكلام، أو ضممت إلى من باريته وأنا لست له باري أقلام. وإني لو تطاولت إلى الفلك، وتناولت عن الملك. واتخذت الدراري عقوداً، وزهر المجرة لفظاً منقوداً. ما بلغت مكانه، ولا أمكنت من أمر البراعة إمكانه.
فأقدمت سائلاً من الله أن يجعله سهلاً، وأنا أستغفر لتطلعي لما لست له أهلا. وسدت أعياناً بيضت بهم وجه الطروس، وأحييت لهم أبيات أشعار كادت تشارف الدروس. من كل لفظ أرق من نفحة الزهر الروض للناشق، وأحسن موقعاً من تبسم المعشوق في وجه العاشق.
стр. 3
وأتيت فيهم بفصول تشهد لهم بالتفضيل، وتقضي بأن كل وصف فيهم فضول، بالإجمال والتفصيل.
وإني محاسب لقلبي إذا مال، وللساني إذا قال. لا أمدح إلا ممدوحاً، ولا أقدح إلا مقدوحاً. ولا يستفزني رعد كل سحابة، ولا يستخفني طنين كل ذبابة. ورقمت من الكلام المصرع، والإنشاء السلس المرصع. ما استنبطته من ذوات الصدر، وألمعت به كالقمر ليلة البدر. فقراً ابتدعتها وسجعتها، ومعاني آدابٍ اخترعتها وألمعتها. تطرزها الأقلام، وترقم بها أردية الكلام. ولم أودع إلا ما حسن إيداعه، ولطف مساغه وإبداعه. وأقنع من القول بطرفه، وأستجلب منه بدائع طرفه. إذ لا فخر للاقط، تناول كل ساقط. ولا فضل لمتخير، هو في لم شعث ما يأتي به متحير.
فكم من بيت إذا أخذ الإذن على الأذن تتجرعه ولا تكاد تسيغه، وكم من معنى إذا حاول ناظمه لم يتأت له كيف يصوغه.
وكنت عزمت على ألا أترجم أحداً ممن ترجمه، ثم عدلت؛ لأني رأيت ألسنة النقاد عن زيف بعض تراجمه مترجمة.
فإنه وإن نوه بحزب، إلا أنه قصر في الإطراء بشعارهم، وإن أطنب في آخرين؛ إلا أنه لم يذكر عيون أشارهم.
على أنه نور الله مزاره، ومحى من صحيفته يوم العرض أوزاره أغفل من القوم حزباً نقايا، وكأنه أومأ إلى قولهم: في الزوايا خبايا.
فذكرت من أغفله ذكراً شافياً، وأعدت مما فوته قدراً كافيا. ومن نظر بعين الإنصاف، واتصف من المعدلة بأحسن الأوصاف. علم بأني أتيت بما يرضى في الجملة، ولم يقصر كل التقصير في الحملة.
فإن من أحسن قبلي وقبل كلامه، وقل في مثل هذا الغرض ملامه، إنما أحسن والدنيا شابة، وريح القبول هابة. والأيام مساعفة، والأوقات مساعدة. والسعود قائمة، والنحوس نائمة.
وأنا قد وجدت في زمان هرمت فيه البلغة، وفترت الدعوة وكسدت السلعة، وبطلت الصنعة.
وأعظم شيء في الوجود تمنعاً ... نتاج مرام من عقيم زمان
وقد رتبت الكتاب على ثمانية أبواب: الباب الأول: في محاسن شعراء دمشق ونواحيها.
الباب الثاني: في نوادر أدباء حلب.
الباب الثالث: في نوابغ بلغاء الروم.
الباب الرابع: في ظرائف ظرفاء العراق والبحرين.
الباب الخامس: في لطائف لطفاء اليمن.
الباب السادس: في عجائب نبغاء الحجاز.
الباب السابع: في غرائب نبهاء مصر.
الباب الثامن: في تحائف أذكياء المغرب.
وسميته نفحة الريحانة، ورشحة طلاء الحانة. والله سبحانه موفقي لما أردته، ومسدي فيما أوردته.
ولما شارفت فيه التمام، ووقفت في التبييض على طرف الثمام. نظرت فرأيت بقي علي من أشعار أهل الحجاز واليمن حصة يسيرة، كانت علي في التحصيل عسيرة. فحين من الله علي، وله المنة، والمنحة التي لا يشوبها كدر المحنة. بالحج والمجاورة في بيته المحترم، وبسمت لي من أهله ثغور الفضل والكرم. حصلت على ضالتي التي أنشد، ووفقت إلى من يوصل إليها ويرشد. ورأيت ثمة ممن لم أسمع بهم قوماً دعوا الأمل فلباهم، وتصرفوا بالأدب وأهله من منذ عقدت عليهم حباهم. من كل إمام شاب رأس المصابيح وما رأت له عديلاً، وخطيب تقوس ظهر المحاريب وما وجدت له بديلاً. وحكيم يبرأ به الزمان من مرضه، وشاعر يجري حياة النفوس في غرضه. هم نشاط الدهر وشبابه، وخالصة المجد ولبابه.
كأن الله قد أوحى إلى البلاغة أن تجري بمرادهم، وعهد إلى البراعة أن تكون ثنى أبرادهم.
فهبت لي منهم أنفاس ندية، وتنفست أسحارهم بروائح ندية. فكانت أعطر من نشر الخزامى، وأرق من أنفاس النعامى.
فتناولت من أشعارهم ما نمقته وشياً مذهباً بذكرهم، وفتقته مسكاً أذفراً بشكرهم. وراسلوني بكل حسنة تستدعي عشر أمثالها، فقابلتهم كأنني المرآة ألقى كل صورة بمثلها. وأنا ورب الكعبة أ؛ بهم ديناً وجبلة، وأتخذهم حرماً لأماني وقبلة.
وأشكرهم شكر الروض للسما، وأثني عليهم من الأرض إلى السما. ولما برزت الإرادة الإلهية بمفارقتي البيت والمقام، وبعدي عن ذلك المحل الذي خيم الرضا فيه وأقام. عزمت على الرحلة إلى القاهرة، لأسبر ذلك الجمع، وأطابق ما بين العيان والسمع. فمنعني حكم القضا، الذي لا يقابل إلا بالرضا. فوجهت وجهي نحو بلادين ونزعت إلى ما تركته من طريفي وتلادي. أستهدي طرف الآثار لأودعها كتاب التحائف، وأخط نونات المنى بأيدي العيس في تلك الصحائف.
стр. 4
فلما ألقيت بدمشق عصا الترحال، وحليت في ساحتها عقدة الرحال. عمدت إلى مجموعي الذي انتحيت، وطلقي الذي إليه تنحيت. فصممت إلى الأصل ما تلقيته، وأثبت ما اخترته من الأشار وانتقيته. وحبب إلي الانعزال عن الناس، فلم أخالطهم في وحشة ولا إيناس.
إلى أن ورد إلى دمشق الأستاذ زين العابدين البكري، وللحياة عطفة بشة، وللجذل نعمة هشة. للهضب رجاح احتبائه، وللنور المقدس جوهر حوبائه. فاستخرجني من مطمورة المنزل، وصيرني عن الهم في معزل. وأطلق أملي وكان معقولاً، وأعاد خاطري بعد الصدأ مصقولا.
ففتقت في أوقاته مبسماً، واغتنمت للعمر الهني موسما. ورأيت بشراً يطرد وصيلا، وإقبالاً يتعاقب بكرة وأصيلا.
وكان أشار إلي بالرحلة معه حين أن هم الرجعة، فتخلفت لعائق خلفني لولوعي، وخلى بين الغرام وضلوعي. ذاك ولوع للمجد لا لنجد، وغرام للعليا لا للأفيا. فلولا النفائس لم يحفل بالأدراج، ولولا الكواكبُ لم تحفظ الأبراج. ولا اتخذ الغمد لولا الحسام، ولولا الأرواح لم تؤلف الأجسام. فبقيت موزع الفكر، مقسم الأناة بين التصور والذكر. على أني وإن تباعدت المدائن، فأنا بولائه وصدق مودته دائن. وإن لم تنظمنا الركاب المسئدة، فقد انتظمت منا على المودة الأفئدة. وهذه علاقة تستجد كلما تتلى، لأنها ليست لغرض يبلى. بل علقته لأخلاقه لا لأعلاقه، وتعلقت بآدابه لا بأهدابه. وصرت أود لو طرت إليه كل مطار، وكنت معه على آمالٍ وأوطار. فبينما أنا أنتظر لقربه طريقاً، وأطلب للوصول إليه فريقاً رفيقاً. إذ قدم الشام المولى الهمام الأعظم عبد الباقي المعروف بعارف، قاضياً بمصر، وهو من إذا كنت أذكره أميل كغصن البانة الناعم النضر، وإذا ما رحت أشكره، أروح كأني قد خلقت من الشكر.
وأجد نسيمه إذا تنسمته، كالمسك يفتق بالندى ويعطر، وأجتلي منه كلما توسمته خلقاً كزاهي الروض بل هو أعطر. من ابتسمت به الأيام وكانت عابسة، وأورقت غصون المنى بعد ما كانت يابسة. وأنار به وجه المان، وأخذ الأنام من الدهر توقيع الأمان. فإنه أمده الله بتوفيقه، وسدد سهام رأيه بتفويقه. نفرد بجمع الكمالات فلا يشرك، وتوحد في استيعاب المعلومات فلا يدرك. فمطلب الثناء فيه هين، ومركب الإطراء فيه لين. وإن من النعمة على المثني عيله، أنه لا يحذر أن تنسب نقيصة الكذب إليه. ولا ينتهي إلى محل في ثنائه، إلا وجد له عوناً في أثنائه. ومن سعادة جده، وبلوغه في الحظ نهاية حده، أنه إذا دعا له لم يجد عنه متخلفاً، وبل يرى كل راء وسامع إليه متحلفاً.
فلما ترويت من ماء بشره، ونعمت ولله الحمد بتقبيل عشره. أنهضني القيام بذمته، إلى أن أكون في خدمته. فصحبته مصاحباً به المنى والأمل، وخدمته فكساني شرف الشمس في برج الحمل. ولما حللنا القاهرة أنزلني في حماه، وأحلني حيث تدفق سيب رحماه.
وتوافق مع الأستاذ - مد الله في جاهه، وجمل النوع الإنساني بحياة أشباهه - على ترويج حظي، وفتحا بنظرهما إلى الأمنية لحظي. وخصاني من برهما الممتدة أطنابه، بما يعجز عنه إسهاب القول وإطنابه. ففتقا لساني بأمداحهما، ووزناني فرجحت سائر مداحهما.
وأنا الآن في ظل رعايتهما مصاحب الراحة والدعة وأينما حللت نزلت على الرحب والسعة. فلهذا صفا فكري في هذه الأيام من الشوائب، وأمنت بعون الله وصمة النوائب. وشرعت بأمرهما في نسخ ما سودته أولاً وثانياً، ولم أكن لعنان عزمي ثانياً. وأنا سائل من واهب الآمال، أن يبيض وجهي يوم عرض الأعمال. ومن هنا أشرع فيما عمدت إليه، فأقول مفوضاً أمري إلى الله ومتكلاً عليه:
الجزء الأول
الباب الأول
في ذكر محاسن شعراء دمشق
الشام ونواحيها لا زالت طيبة العرار والبشام
وهي كما علمت من عهد أن دخلتها العرب، موطن كل أدب، لك فيه الأرب. وقد أنجبت في كل وقتٍ وأوان، بقادةٍ كل كلمةٍ منهم بديوان. حتى أرانا الله بقاياهم، وأطلعنا على خبايا زواياهم.
فهم أئمة الفضل المتوجون بتيجان اللطافة والملاحة، وهم مطمح أنظار الأمل، فما غيرهم قيد العيون اللماحة.
بهم تفضل أهل البلاد، وتصعد إلى أفق الثريا، وبهم يمس بستان الفكر بعد ظمائه ريًّا.
стр. 5
فلا غرو أن قام بهم شعار الأدب وثبت، وغرس في قلوبهم شجر المحبة فسقي ذلك الغرس بمائها فنبت. وكللت حياض طروسهم الزاهية بجواهر كلامهم وكمالهم، وزينت بعقيان الدر من منطقهم المترجم عن حقائق أحوالهم وأقوالهم.
فمنهم: أبو بكر بن منصور العمري قدمت هذا الشيخ رعايةً لاسمه، مع أني أعلم أن له القيام على حد الأدب ورسمه. فهو الذي خاض في لججه أتم الخوض، وتفنن في أقسامه تفنن الأزهار في سرحة الروض.
إن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف أبي عبادة، أو انتسب لنسيب قدود الغانيات فأين منه ابن ميادة. وإن انتدب لوصف الحميا والكاس، أنسى ذكر خمريات أبي نواس. وإن رثى عم مراثي أبي تمام، وأملى نياحة الفرخ على الحمام.
فهو أعوم في بحور الشعر من ابن قادوس، واصلح إذ جد وهزل من ابن حجاج وابن عبد القدوس. له فكرة في النظم صافية، ما عوقت له قط قافية. فإذا أملى من نظمه قطعةً واختالها من روض الجنان مقتطعة، لم ينته له إسراع، ولم يجف له في يده براع.
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنه ما خالط اللحم والدما
وقد حلب الدهر أشطره، وملأ كتاب عمره أسطره. وحادث أحداثه، وبذ كهوله وأحداثه.
وأخبرني والدي، قال: رأيته ولحيته أنقى من الفضة، وأيام حياته قاربت أن تصير منفضة. ومع أن السنين لاكت قواه، لم يزل مع الركب اليمانين هواه.
ومضى زمنٌ وأدباء الشام به يحتفلون، ويحكم بينهم فيما هم مختلفون. وبلغني أنه كان يحضر السوق، وهو من كسب يمينه على جانبٍ من الوثوق عاملاً بالأثر: " لو كنت تاجراً لاتجرت بالطيب إن فاتني ربحه ما فاتني ريحه ".
فانظر إلى ما ساقه كساد سوقه، وضيعة حقوقه. على أن له في سوقه الفضلاء أسوة، وكأنه استعار منهم لأشعاره كسوة.
هاتان الفقرتان للباخرزي، احتجتهما، ففي هذا المحل أدرجتهما.
قال: وهم؛ نصر بن أحمد الخبزرزي، وأبو الفرج الوأواء الدمشقي، والسري الرفاء الموصلي.
قلت: وهم الذين إذا تليت آياتهم المنسوقة، كان من تقدمهم من الأدباء عندهم سوقة.
أما نصر، فكان يصنع خبز الأرز بالبصرة وتجتمع الأدباء بحانوته.
وأما أبو الفرج فقد كان يسعى بالفواكه رائحاً وغادياً، ويتغنى عليها منادياً.
وأما السري، فقد كان يطرز الخلق، ويرفأ الخرق ويصف تلك العبرة، ويزعم أنه يسترزق الإبرة.
وكيف ما كان فالحرفة لا تخلو من حرفة، والصنعة لا تنجو من صرعة، والبضاعة لا تسلم من إضاعة، والمتاع ليس لأهله به استمتاع.
وأخبرت أنه كان سموحاً بما ملك، متخلياً عن الإمساك أيةً سلك. يضم يديه على النقدين، فلا يمسي إلا وهو منها صفر اليدين. وقضى عمره في بلهنيةٍ هنيةٍ، أغصان عيشها ما زالت جنية. لم يغادره بؤس، ولم يكدره يومٌ عبوس. بين رياضٍ مهزات نبتها ريانة، وغياضٍ أساجيع أطيارها مرنانة.
وقد وقفت من أشعاره الغضة التحف، ما به ديباجة كتاب اللطائف والبدائع تحف. فأوردت منه ما يهز له الشيخ عطف غلام، ولا يدرى أسحرٌ هو أم كلام.
فمنه قوله:
لو تم لي في الحب سعدي ... يا حب ما أخلفت وعدي
لكن مقادير القضا ... ء كأنها حكمت ببعدي
أو حظُّ كلِّ متيمٍ ... من حظه يرمَى بطرد
يا غائباً في القلب من ... نيران فقدك أيَّ وقدِ
ما كنت أدري قبل بع ... دك أن سهم جفاك يُردي
صدِيَت لرؤيتك العيو ... ن علام ترميها بصدِّ
يا سيدي إن كان لي ... ذنبٌ فقل أخطأت عبدي
ما خنت عهدك في المحب ... ة كيف حتى خنت عهدي
كلا ولا أفشيت سرَّ ... هواك والأسرار عندي
ولهي بحبِّك لم يزل ... ولهي ووجدي فيك وجدي
أرضى بأن أفنَى وتب ... قى أنت يا مولاي بعدي
أخفيت حبك في الفؤا ... د فخطه دمعي بخدِّي
وعدا على جسمي النحو ... لُ فعاد للأسقام يُعدي
محن الهوى جمعت عليَّ ... فلست أحصيها بِعَدِّ
فالسُّقم يشهد والدمو ... ع بوحدتي في العشق وحدي
يا بدر سل عني السُّها ... إن السُّها أدرى بسهدي
стр. 6
وابعث رسول الطيف يس ... مع ما أعيد له وأبدي
آهاً على زمنٍ مضى ... لو كان قولي آه يجدي
أيام وصلٍ منك لم ... تقطع ولم توصل بردِّ
والشمل يجمعنا على ... حبٍّ يودُّ بصدق ودِّ
وأضمُّ منك معاطفاً ... بردت جوى وجدي ببردِ
وتميل إذ تهوي إلى ... نحوي وجيدك فوق زندي
وتقول عجباً هل يرى ... مثلي وأهل الحسن جندي
والشمس والبدر المني ... ر سناه جاريتي وعبدي
والغصن يقصف قدُّه ... إن قاس قامته بقدِّي
ومنحتني منك الوصا ... ل تبرعاً وهجرت صدي
فجعلت وجهك حضرتي ... وحديث راح لماكَ وردي
وعلمت لما بان رو ... ضُ الوجه أن الخدِّ وردي
وشهدت لما ذقت طع ... م الريق أن الثغر شهدي
والفرق يشرق صبحه ... في ليل فرعٍ منه جعد
فأطعت فيك صبابتي ... وعصيت لوَّامي وزهدي
وقضيت أوطاري وقد ... غفل الرقيب فنلت قصدي
والخصر أتهمني بأني ... بتُّ في أكناف نجدِ
والردف زاد وقد تكف ... ل منةً منه برفدي
أحبب بتلك ليالياً ... قد أشرقت ببدور سعدي
فسقا معاهد للصبا ... صوب العهاد بكلِّ عهدِ
وسرت بها روح الصَّبا ... سحراً فأوحيت ميت بعدي
وقوله من قصيدة مستهلها:
إن خلعنا على العذار العذارا ... لم يكن ذاك في المحبة عارا
منها:
بأبي من جآذر التُّرك ظبياً ... ترك الأُسدَ في هواه أُسارى
بابليُّ اللِّحاظ منها ترى النَّا ... س سكارى وما هم بسكارى
قمرٌ فوق بانةٍ يتجلى ... لا خسوفاً يخشى ولا إهصارا
تخذ الطَّرف منهلاً عند مس ... راه ولكن تبوأ القلب دارا
قد علمنا أن القدود غصونٌ ... فلماذا أقلت الأقمارا
وعهدنا البدور في الليل تسري ... كيف حتَّى غدت تسير نهارا
وعجبنا لوجنةٍ تشبه النا ... ر ضراماً وتنبت الجلَّنارا
يا لها وجنةٌ حكت جنة الحس ... ن ومنها الفؤاد آنس نارا
ومنها:
قدِّم الرَّاح يا نديمي لعلِّي ... أعقر الهم إن شربت العقارا
وأجِل كاساتها عليَّ وزمزم ... باسم من صير العقول حيارى
قهوةٌ مثل دمعة العين في الكا ... س صفاءً فالليل زاد اعتكارا
وأدرها إذا النجوم تجلت ... وشهدنا من زهرها الأنوارا
وكأنَّ السماء روضة حسنٍ ... أطلعت في مقامنا أزهارا
والثُّريا كأنها في الدُّجى غي ... دٌ تلَّفعن بالشُّعور عذارا
وكأن الهلال يحكي وقد لا ... ح من الغرب زورقاً أو سوارا
فاسقني من يديك حتَّى ترى الفج ... ر عن الصُّبح قد أماط الإزارا
وصل الليل بالنهار فإن ال ... عيش أهناه ما يكون جهارا
في رياضٍ حكى بها الزَّهر والور ... د النَّضيران فضَّةً ونُضارا
وكأن الأقاح فيها ثغورٌ ... عن غوالي الجُمان تبدي افترارا
وحكى النَّهر مَعصماً وسواراً ... يتلوَّى وأرقماً سيَّارا
فاترع الكأس لا عدمتك صرفاً ... فعلى الصِّرف نصرف الأعمارا
ثم زد ما استطعت حتى تراني ... قد خلعت الوقار والبيقارا
واعتقد أنها حرامٌ ووزرٌ ... لا توافق يهودها والنَّصارى
واسأل العفو فالكريم رحيمٌ ... قابل التوب يغفر الأوزارا
وله في الغزل:
سيِّدي مذ غبت عن نظري ... لم أفق من خمرة الكدر
стр. 7
أحسب الصُّبح العشا أبداً ... فنهاري أوَّل السَّحر
لم تمل روحي إلى وطنٍ ... لا ولا قلبي إلى وَطَرِ
سل نجوم الأفق عن قلقي ... فعسى تنبيك بالخبر
لا وعينٍ فيك راقدةٍ ... لم تذق عيني سوى السَّهرِ
أيُّها البدر الذي حجبوا ... نوره الوضَّاحَ عن بصري
لو ترى حالي بكيت على ... قلبي المسجون في سقَرِ
كدت أخفى من ضنَى جسدي ... عن عيون الجنِّ والبشر
للشعراء في وصف نحول العشاق مبالغات غالبها محمولٌ على الإغراق، ومن أبلغها قول أبي بكر الخالدي:
مهدَّدٌ خانه التفريق في أمله ... أضناه سيِّده ظلماً بمرتحله
فرقَّ حتى لو أنَّ الدَّهر قاد له ... حيناً لما أبصرته مقلتا أجله
وأعجب منه قول أبي الطيب:
ولو قلمٌ ألقيت في شقِّ رأسه ... من السُّقم ما غيَّرت من خطِّ كاتب
وغريب قول التمار الواسطي:
قد كان لي فيما مضى خاتمٌّ ... واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زجَّ بي ... في مقلة النَّائم لم ينتبه
وقول المظفر بن كيغلغ:
عبدك أمرضته فعده ... أتلفته إن لم تكن ترده
ذاب فلو فتَّشت عليه ... كفَّك في الفرش لم تجده
وقول أبي الفضل بن العميد:
لو أنَّ ما أبقيت من جسدي قذًّى ... في العين لم يمنع من الإغفاء
وللعمري:
يا من يفوِّق لحظه ... سهماً بسحر الهدب راشَهْ
أفديك ما ريمُ الصَّري ... مِ فذاك ينسب للوحاشَهْ
يرعى من الأرض الحشي ... ش وأنت مرعاك الحشاشَهْ
أجاد في التنظير، وأربى على قول الآخر:
يرعى القلوب وترتعي ال ... غزلان بروقه وشيحه
والبروقة: شجيرة تخضر إذا رأت السحاب؛ وذلك قولهم: " أشكر من بروقة ".
وعلى هذا المعنى حمل قول أبي الطيب:
أغِذاءُ ذا الرَّشاءِ الأغنِّ الشِّيحُ
بعد قوله:
جللاً كما بي فَليكُ التَّبريحُ
يقول: ليكن تبريح الهوى عظيماً مثل ما حل بي، أتظنون أن من فعل بي يغتذي الشِّيحَ؛ ما غذاؤه إلا قلوب العشاق! وبه يتناسب شطرا البيت.
وله غلام بحنكه طابعٌ تمَّت به محاسنه، وكأنما هاروت ساكنه:
غصن بانٍ بدر دجًى ... يتجلَّى من أعالي فلكه
قد حمى برد اللَّمى من ثغره ... طابع الحسن الذي في حنكه
نصبت ألحاظه لي شركاً ... جلَّ من أوقعني في شركه
قوله: قد حمى إلخ يحتمل أن حمايته من جهة أنه كالخاتم، ختم به على برد اللَّمى، ويحتمل أن يكون حماه لكونه كالحفرة في طريق من يريد رشف لماه، فيخاف من الوقوع؛ وهذا تخيُّلٌ حسن.
وأحسن منه قولي:
وطابعه جبٌّ يُرَى ألف يوسفٍ ... به واقعاً من قبل رشفة ريقه
والطابع كالخاتم: في الأصل ما يطبع به، ولم أر إطلاقه على النقرة المعهودة، وإنما اسمها في اللغة: نونَة.
قال ابن الأثير في نهايته: وفي حديث عثمان ﵁، أنه رأى صبيَّاً مليحاً، فقال: دسموا نونته؛ كي لا تصيبه العين. أي سودوها، وهي النقرة التي تكون في الذقن.
وقد استعمل صاحبنا الأديب البارع إبراهيم بن محمد السفرجلاني النُّونة، وأجاد في تشبيهها جداً، من أبيات أنشدنيها من لفظه، وبيت النُّونة منها قوله:
وإن أشبه التُّفَّاح خدِّيَ حمرةً ... فلي نونةٌ تحكي مناط عروقه
والأبيات هي هذه:
بروحي ساقٍ قد جلا تحت فرعه ... جبيناً كبدر التِّمِّ عند شروقه
سقاني بنجلاويه كأساً من الهوى ... فأسكرني أضعاف سكر رحيقه
وقال افترع بِكرَ المعاني تغزُّلاً ... فلي منظرٌ يهديك نحو طريقه
فوجهي مثل الرَّوض إذ باكر الحيا ... جَنيَّ أقاحيه وغضَّ شقيقه
وإن أشبه التفاح....إلخ.
ثم أنشدني المذكور معنًّى اخترعه في تسويدها، وذلك قوله:
خافوا من العين ترميه بنظرتها ... فقلت ميلوا إلى تسويد نونته
стр. 8
قالوا نسوِّدها بالطِّيب قلت لهم ... الطِّيب من غيره أحرى بجونته
وكنت أظن أن وصف الطابع ليس بالموجود في شعر المتقدمين، حتى رأيته في شعر فخر الدولة أبي المعالي، من شعراء الخريدة، حيث قال في غلام اسمه يوسف:
أيا قمراً جار في حسنه ... على عاشقيه ولم ينصفِ
سمعنا بيوسف في جبِّه ... ولم نسمع الجبَّ في يوسفِ
ثم رأيت الخفاجي ذكر في كتابه شفاء الغليل: جبُّ يوسف مولَّد، معناه نقرة الذقن. وأنشد البيتين.
ثم قال: ويقال له خاتم الحسن.
وأما النقرة التي تكون في الخدين عند التبسم، فقد استعملها كشاجم في أبياته المشهورة، وهي:
هذا الذي سجد القضيب لقدِّه ... صنمٌ لعابد فتنةٍ لاهوت
في ناظريه إذا تبسَّم ضاحكاً ... سحرٌ وجوهر خدِّه ياقوت
حفر التبسُّم فيهما جُبَّين في ... ذيَّاك هاروتٌّ وذا ماروت
وأما اسمها فقد رأيت المقري ذكر في تاريخه ناقلاً عن ابن عليم، أنه قال في شرحه لأدب الكتاب لابن قتيبة: أغربت جاريةٌ لمجاهد العامري، أهداها إلى عباد - قلت: وهي العبادية، وكانت كاتبةً شاعرة - على علماء إشبيلية، بالنُّقرة التي تظهر في أذقان بعض الأحداث، وتعتري بعضهم في الخدين عند الضحك، فأما التي في الذقن فهي النونة، وأما التي في الخدين عند الضحك فهي الفحصة، فما كان في ذلك الوقت في إشبيلية من عرف منهما واحدة.
وللعمري في دخان التبغ:
مذ أحرقت نار الصَّبابة مهجتي ... وأتى العذول يسلُّ عضب لسانه
بادرت بالغليون تمويهاً له ... وسترت عنه دخانها بدخانه
ومثله للحرفوشي:
لعمرك لم أهو الدُّخان ولم أمل ... إليه لألقى نشأةً وتطرُّبا
ولكنني أخفي به عن مجالسي ... دخان فؤادٍ بالغرام تلهَّبا
وقريبٌ منه قول الفتح بن النحاس:
وأرى التَّولُّع بالدُّخان وشربه ... عوناً لكامن لوعة الأحشاء
فأديم ذلك خوف إظهار العدى ... فأشيبه بتنفُّس الصعداء
وله في تشبيه الثلج:
انظر إلى الروض الأريض وحسنه ... وموائس الأغصان مثل الخرَّدِ
والثلج فوق الصُّفر من أوراقه ... شبَّهته تشبيه غير مفنَّدِ
ببرادةٍ من فضَّةٍ مبثوثةٍ ... فوق الصَّحائف من نضار العسجدِ
ولي في هذا المعنى من مقصورة:
والثَّلج كالقطن أجاد ندفه ... قوس السَّحاب فوق حلَّة الرُّبى
كأنَّه برادة الأفلاك من ... كثرة دورها بقبَّة السَّما
وله في وصف جواد:
ربَّ طرفٍ من العتاق كريمٍ ... يسبق البرق حالة الإيماض
لو جرى والجنوب في الجوِّ تسري ... علَّم الرِّيح كيف قطع الأراضي
أو سرى مع دعاء آصَفَ بالعر ... ش لكان البشير بالأغراض
وله مثله:
طرفٌّ يفوت الطَّرف في لمحاته ... سبقاً ويهزأ بالظَّليم النَّافر
بالبرق يظفر إن أراد لحاقه ... والبرق ليس إذا أراد بظافر
وكأنه آلى ولم يك حانثاً ... أن لا يمسَّ الأرض منه بحافر
وهذا من قول خلف الأحمر في صفة جواد:
وكأنما جهدت قوائمه ... أن لا تمسَّ الأرض أربعة
وزاد عليه شمس الدولة بن عبدان في قوله:
أبت الحوافر أن يمسَّ بها الثَّرى ... فكأنَّه في جريه ومتعلِّق
وهذا الباب مما بالغت فيه الشعراء كل المبالغة، فمن ذلك قول ابن نباتة السعدي:
لا تعلق الألحاظ من أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول ابن حمديس الصقلي:
يجري فلمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعةً من ظلِّه ... لو كان يرغب في فراق رفيق
وقد جمع ابن حجاج في مرثية فرس له فأوعى، ودعا فرسان البلاغة فأجابته طوعاً، حيث قال:
قال له البرق وقالت له الرِّ ... يح جميعاً وهما ما هما
أأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتكما منكما
стр. 9
هذا ارتداد الطَّرف قد فتُّه ... إلى المدى سبقاً فمن أنتما
وقلت على أسلوبهم في المقصورة:
وفدفدٍ طويته بضامرٍ ... يسابق البرق ويسبق القضا
يقبض رامي سهمه عنانه ... خشية أن يصيبه من القفا
وأجرى جواد كان للعرب أعوج، الذي يضرب به المثل، وهو فحل كريم، كان لبني هلال بن عامر، وأنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه؟ فقال: ضللت في باديةٍ وأنا راكبه، فرأيت سرباً من القطا يقصد الماء، فتبعته وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة.
وهذا أغرب شيءٍ يكون؛ فإن القطا شديدة الطيران، وإذا قصد الماء اشتد طيرانه أكثر من غير الماء. وأغرب من ذلك قوله: كنت أغض من لجامه، ولولا ذلك كان يسبق القطا، وهذه مبالغة عظيمة.
وإنما قيل له أعوج؛ لأنه كان صغيراً، وقد جاءتهم غارة فهربوا منها، وطرحوه في خرج، وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك، فقيل له: أعوج.
وللعمري، ويخرج منه اسم نعمان:
لله ما عاينت من روضةٍ ... غنَّاء قد قرَّت بها عيني
حوتان لم يختلفا صورةً ... حفَّا بماءٍ سال من عيني
وله في اسم كريم:
أهواه حلو الدلال ألمى ... قد لذَّ في عشقه العناء
ريقته للرحيق تعزى ... وكم بها للظما دواء
وله في اسم ولي الدين:
ليالٍ بُعَيْد التنائي دنت ... ولانت ولي عزَّ إصلاحها
وعين العدى سكِّرت بالعمى ... وعزَّ ضياها ومفتاحها
ونقل له عن باقي، شاعر الروم، ومميزها بين السادة القروم. أنه نظم أبياتاً تغزل فيها بصبي صبيح، كما هو تهوى الأنفس مليٌّ مليح. فلما وعاها الغلام استبدعها، واستحفظها خزانة لبه واستودعها. وبلغ باقي، أنه قال: قبلتها، ولو ظفرت برجل قائلها قبلتها.
فقال باقي: إن كان نوى جميلاً لأجلي، فليقبل فمي لأنني به نظمتها، لا برجلي.
فنظم العمري هذه المقالة في قوله:
قال لمَّا وصفته ببديع ال ... حسن ظبيٌ يجلُّ عن وصف مثلي
مكِّن العبد أن يقبِّل رِجلاً ... لك كَيْما يجيز فضلاً بفضل
قلت أنصف فدتك روحي فإني ... بفمي قد نظمته لا برِجلي
ومن هذا قول بعضهم:
شافه كفِّي رَشَأٌ ... بقبلةٍ ما شفت
فقلت إذ قبَّلها ... يا ليت كفِّي شفتي
وللشاب مظريف:
ومقبِّلٍ كفِّي وددت بأنه ... أومى إلى شفتيَّ بالتَّقبيل
ولأبي منصور عبد العزيز بن طلحة بن لؤلؤ:
سألته قبلةً فبادر بالتَّق ... بيل مستبشراً إلى قدمي
فقلت مولاي لو أردت بها ... سرور قلبي جعلتها بفمي
فقال كلا للعبد منزلةٌ ... لزومها من حراسة النِّعم
إبراهيم بن محمد الأكرمي الصالحي شاعر الزمان، وشمامة الندمان. ومن إليه يصبو القلب ويحن، وبتذكره ينثني غصن البراعة ويرجحن. ففي أوصافه مشمٌّ للروح عبق، ولطف يروق به كأسه المصطبح والمغتبق. فروض وده غضٌّ، وعرضه الطاهر لا ينال منه ولا يغض.
ومدامة طبعه لم يهنها عصار، وشفوف فكره لم يحتمل منة قصار. مع ماله من أخلاقٍ أقطعها الروض أنفاسه، وشيمٍ ينافس فيها رغبةً ونفاسة.
وأدبٍ دار به رحيق البيان المعتق، وملأ الأكمام بزهر كمامه المفتق. ينشر منه ما هو أزكى من النشر في خلال النواسم، بل أحلى من الريق يترقرق من خلال المباسم.
ومضى عليه زمن يستفيد به العيش رغدا، ويستنجز اليوم ما يوعد به غدا. بين روض من خلقه خلق، ونسيم عرفه بشمائله علق.
جلاليب نشوته صفاق، وأردية شموله وصباه رقاق. لا ينتعش إلا بغرة رقراق الشباب الغرير، ولا يولع إلا بطرة الظل فوق وجه الغدير.
فهنالك بين الغصن والصبا، والقطر وزهر الربى. ولَّد آدابه التي هي عبارة عنها، وأطلع أشعاره التي يستعار الحسن منها.
وقد جمع شعره في ديوان سماه مقام إبراهيم، في الشعر النظيم. أكثره روضيات يغض عنها وشي الخميلة، وغزليات يتستر عندها نقش الغانية الجميلة. وخمريات صيغت مداماً فهي للمسامع مشروبة، وحكميات أبياتها أمثالٌ في الدنيا مضروبة.
стр. 10
وها أنا أورد منها ما يفوح نفسه، حتى كأن الحبيب يتنفسه. ويعبق روحه، حتى كأن فوح الزهر فوحه.
قال في ديباجته: هذه نبذة من شعرٍ سمح به الخاطر على جموده، وتوقد به الفكر على خموده. وإن كنت في زمنٍ العاقل فيه خليقٌ بالصَّمت وإن أداه إلى المقت.
ذهب جلُّ الناس، وأين الزِّعنفة من الرأس.
لا يجاز فيه شاعرٌ، ولا يكرم أديبٌ ماهر.
غير أن حبَّ الأدب في الطِّباع، وهو داعٍ إلى الاتِّباع.
اتِّباعهم في التراكيب والبِنا، لا في الإجادة لعدم الغنا.
ذهبت الإفادةُ، فكيف بالإجادة.
ولعمري من لا يجيد في عصرنا معذور، وذنبه فيما أتاه مغفور.
إذ أُرتِج باب البواعث والَّدواعي، بانقراض أهل الكرم والمساعي.
جوائز الأُمرا، إجادة الشُّعرا.
ولذلك قلت بغير امْتِرا:
قالوا أجاد البحتريُّ ... كما أجاد أبو نواس
فأجبت كانوا في أنا ... سٍ هم ولسنا في أُناسِ
وإذا نظرت فما أجا ... د سوى المواهب في القياس
ومما جردته من ديوانه قوله من مقصورة مطلعها:
حيِّي الحيا معهدنا باللِّوى ... حيث هوى النَّفس وغيُّ الصِّبا
وجاده كلُّ هَطولٍ سرت ... تحدو به في الأفق ريح الصِّبا
ليلته حتى بدا صبحها ... فأقلعت ديمته فانجلى
وقد أشاع الخصب في أرضه ... فأصبحت تزهو بزهر الرُّبى
ومدَّ فيها حبراً وُشِّيت ... بالنَّبتِ قد كلِّل منها النَّدى
وغادر الغدران في ربعها ... تغصُّ بالعذب النَّمير الرَّوا
ولا جفا نجداً ولا حاجراً ... كلُّ هزيم الودق هامى الحيا
منازلاً واهاً لأيَّامها ... كانت مظنَّات الصِّبا والهوى
حيث الأماني طوع آمالنا ... والسَّعد عبدٌ طائعٌ والمنى
لله أيامٌ تقضَّت لنا ... بين ذرى الجزع وسفح اللوى
ما كان أهنأ عيشها ليته ... دام وليت العمر فيه انقضى
مرَّت كنجمٍ قد هوى ساقطاً ... لم يعتلقه الطَّرف حتى اختفى
يا هل معيدٌ لي عيشاً بها ... هيهات لا يرجع شيءٌ مضى
ليت ليالينا وأيامنا ... كانت لليلات ألالٍ فدا
ويلاه من سرعة تفريقنا ... وشَتِّ شمل الحيِّ بعد النَّوى
وآه من وقفة تشييعهم ... وقد شرقنا كلُّنا بالبكا
وسارت العيس بأحداجهم ... واستودعوا فيها بدور الدُّجى
من كلِّ هيفاء إذا ما بدت ... تختال أذرت بغصون النَّقا
خافقة القرطين رُعبوبةٍ ... رادِ الوشاحين أناةِ الخُطى
رخيمة الدَّلِّ إذا ما بدت ... تسحر باللَّحظ عقول النُّهى
ما ظبية البان على حسنها ... إذا تبَّدى جيدها والطُّلا
وظبيِ إنسٍ زارني طارقاً ... والبدر لا يبديه إلا الدُّجى
بات يعاطي الرَّاح من ثغره ... ممزوجةً بالعسل المجتنى
أشتمُّ من ريحان أصداغه ... وأجتني باللَّحظ ورد الحيا
وأجتلي غصن قوامٍ له ... أهيَف يحكي بانة المنحنى
لهفي على عيش التَّصابي ويا ... آهة قلبي لزمان الصِّبا
حيث الشَّباب الرَّوق يُغري بنا ... حفل الظِّبا الغرِّ وسرب المها
كانت عروس الدَّهر أيامنا ... طارت بها العنقاء نحو السَّما
ومن ربيعياته قوله:
انظر إلى فصل الربي ... ع كأنَّه فصل الشَّباب
والزَّهر مثل خلائق ال ... أصحاب من زهر الصِّحاب
وغصون بانات اللِّوى ... كمعاطف الهيف الرِّطاب
والورد أشبه بالخدو ... د من الشِّفاه على الشَّراب
أوَ ما ترى حدق الحدا ... ئق كيف تغمز للتَّصابي
وأصابع المنثور مس ... رعةً تشير إلى الرِّقاب
стр. 11
وأكفَّ أوراق الغصو ... ن تظلُّ تدعو بالمتاب
فاعكف على روضاته ... فالورد دان إلى الذَّهاب
متمتِّعاً بنعيمه ... من قبل بينٍ وانتياب
فجميع ما فوق التُّرا ... ب من التُّراب إلى التُّراب
ومن خمرياته قوله:
ونديمٍ نبَّهت ليلاً فهبَّا ... وهو سكراً يميل شرقاً وغربا
قال لبيك قلت هات اسقنيها ... فتردَّى وقال طوعاً وحبَّا
فسقاني ثلاثةً وتحسَّى ... بعض كأسٍ فردَّها وأكبَّا
قلت أفديك من نديمٍ مطيعٍ ... لو رأى طاقةً بها ما تأبَّى
ثم بن وسَّدته وعدت إلى الشُّر ... ب وحيداً فما استلذَّيت شربا
إن طيب المدام بين النَّدامى ... وسرور النُّدمان فيمن أحبَّا
لو رأوا لذَّةً بدون شريبٍ ... لم يُسَمُّوا فيها ندامى وشِربا
وله أيضاً:
بحياتي يا بدر أو بحياتك ... لا تقل لا يا قبح لا من لغاتك
قم بنا نغنم الوصال وروحي ... في سبيل الهوى وفي مرضاتك
قم فلا غير كون شكٍّ يقيناً ... من صفاتي بين الورى وصفاتك
يا فَدَتك النُّفوس فيما التَّواني ... ما ترى البسط عزَّ في أوقاتك
هاتها بكرة النَّهار فطيب الرَّ ... اح قبل الضُّحى وقبل صلاتك
ثم هجِّد بنا نقيل قليلاً ... عند غمز الصَّهباء عود قناتك
ثم عد للشَّراب تفديك نفسي ... واسقنيها واشرب معي بحياتك
إن كلَّ الحياة كأسٌ مدارٌ ... ونديمٌ وشادنٌ من سقاتك
فاغتنم فرصة الزَّمان فقد قي ... ل أخو اللَّذَّة الجسور الفاتك
لا تؤخِّر يوماً غداة سرورٍ ... لعشيٍّ وفته قبل فواتك
إنَّما هذه الحياة كحلمٍ ... طارقٍ تستلذُّه في سباتك
وله من قصيدة مطلعها:
يا ليت شعري والمنى بعد ... ما حال سكَّانك يا نجد
وكيف دعدٌ بعد أيَّامنا ... تبقى لنا دون النِّسا دعد
هل أخفرت من عهدنا في الهوى ... بعد النَّوى أم عهدها العهد
لا غرو أن قد غيَّرتها النَّوى ... فربَّما غيَّرك البعد
لله يا نجد الظِّباء التي ... قيَّدها فيك لنا الودُّ
حيث الهوى الرَّيق لنا خادمٌ ... لم يأل جهداً والمنى عبد
وربعك الرَّحب لنا جنَّةٌ ... لو أنها دام بها الخلد
والنَّبت جمٌّ ترتعيه حمًى ... والماء لا مستكدرٌ رغد
في غمرة القصف لريق الصِّبا ... نروح في العيش كما نغدوا
حيِّي الحيا ذاك الزمان الذي ... مرَّ به من عيشنا الرَّغد
أيَّام أسعى ومها حاجرٍ ... يلفُّني من وصلها برد
لا راقبٌ عيناً ولا مفكرٌ ... في الوصل أن يعقبه الصَّدُّ
في فتيةٍ مثل نجوم الدُّجى ... كأنهم قد نظموا عقدُ
من كل ظبيٍ قضفٌ قدُّه ... لا البان يحكيه ولا الرَّندُ
جذلان راوي الرِّدف ظامي الحشا ... يضيع ما بينهما النَّدُّ
يزهي على ريم الفلا جيده ... ويزدهي بدر السَّما الخدُّ
واهاً له من زمنٍ سالفٍ ... وألف آهٍ لك يا نجد
ومنزلٍ أخلق من نسجه ... كرُّ السَّوافي فيه والشَّدُّ
عهدي به برداً قشيب السَّدى ... فارتدَّ وهو الرَّيطة الجرد
محت يد الأنواء آياته ... إلا بقايا أسطرٍ تبدو
أعجم من معربه شكله ... إن حال عقلاً قبله بعد
حتَّى اضلاَّ فيه علمي به ... إذ بدِّلت من هضبه الوهد
стр. 12
وقفت عِيسي فيه مستعبراً ... أقول آهاً تَعِسَ البعد
إلى هنا بعد ليالٍ خلت ... معدودةٍ قد بلغ الحدُّ
هب أن سكانك قد أجفلت ... عنك فأين الغور والنجد
لم يبق إلا طللٌ شاخصٌ ... كالوشم محَّى جُلَّه الرَّند
وله:
هاتها تفديك روحي قهوةً ... أدركت عاداً وأيَّام لُبد
واسقني واشرب ولا تذكر لنا ... خبر النَّاس ولا سعر البلد
إن للعالم ربًّا إن يشأ ... صلح العالم أو شاء فسد
وله:
اسقنيها قبل ارتفاع النَّهار ... إنَّ طيب المدام في الإبكارِ
هي بكرٌ فاشرب ويومك بكرٌ ... لم تشبه الأنام بالأكدارِ
الصَّبوح الصبوحَ في جدِّه الي ... وم فإنَّ الصَّبوح روح العقارِ
يا فَدَتك النفوس وهي قليلٌ ... من نديم سهل الطِّباع مدارِ
هاتها ضحوة النَّهار شمولاً ... مثل شمس النَّهار وسط النَّهارِ
قهوةً مثل مقلة الدِّيك صهبا ... ءَ كنار الكليم ليست بنارِ
ذات عصرٍ أدناه عهد أنو ... شروان ليست بمزَّةٍ مُصطارِ
لطَّفتها كرُّ السنين فلم تب ... قِ سوى لمحةٍ من الأنوارِ
فتراءت كالشَّمس غبَّ سماءٍ ... تجتلى بين حمرةٍ واصفرارِ
لست تخشى من لطفها بعد سكرٍ ... من صداعٍ بادٍ ولا من خمارِ
في رياضٍ تزهي بباكورِ وردٍ ... وأقاح وسوسنٍ وبهارِ
ذات أرضٍ موشيةٍ بربيعٍ ... ذهَّبت وشيها يد الأزهارِ
يستفيق المخمور إن مرَّ فيها ... من هواءٍ صافٍ وماءٍ جارِ
هذا مأخوذ من قول الوأواء الدمشقي:
سقى الله ليلاً إذ زار طيفه ... فأفنيته حتى الصَّباح عناقا
بطيب نسيمٍ فيه يستجلب الكرى ... فلو رقد المخمور فيه أفاقا
وفي الثاني ما يوهم التناقض: والوأواء أخذه من قول الفتح بن خاقان، في وصف جاريةٍ له، وهو ما نقل ابن حمدون، قال: كان الفتح بن خاقان يأنس بي، فقال لي مرة: شعرت يا أبا عبد الله أني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما دخلت منزلي استقبلتني فلانة، فلم أتمالك أن قبلتها، فوجدت فيما بين شفتيها هواءً لو رقد المخمور فيه لصحا.
ومنه في الغزل قول شرف الدين القابوسي:
قابلني ليلة قبَّلته ... ظبيٌّ من الشمس غدا أملحا
طيب نسيم بين أسنانه ... لو رقد المخمور فيه صحا
تتمة الأبيات:
قم بنا يا نديم يفديك مالي ... من تلادٍ وطارفٍ وعقارِ
نقطع الدهر كلَّ يومٍ بزقٍّ ... وغزالٍ ساقٍ وكأسٍ مدارِ
آن طيب الزَّمان واعتدل الجوُّ ... وصار الضُّحاء كالأسحارِ
وأتاك الرَّبيع يضحك عجباً ... وهو من نسج نوره في إزارِ
يا نديمي أفديك فيما التَّواني ... ما ترى البسط ابن اللَّيالي القصارِ
فاسقنيها واشرب على زهرة الرَّو ... ضِ وسجع القمري وشدو الهزارِ
وتغنَّم صفو الزَّمان وروق ال ... عمر من قبل ضيعة الأعمارِ
لا تبالي إذا سكرت بوزرٍ ... إن مولاك غافر الأوزارِ
وله من قصيدة مطلعها:
نقض الجرح وكان اندملا ... وامتلا القلب وقد كان خلا
عاده داء الهوى من بعد ما ... راح وقد أفرق عنه وسلا
ماله تزعجه زفرته ... كلَّما استاف صباً أو شمألا
وإذا شام بروقاً لمعت ... غلب الدَّمع الحيا فانهملا
ومتى أبصر بدراً طالعاً ... ظنَّه عنه الذي قد أفلا
عاش في أرغد عيش برهةً ... مستريحاً راق حالاً وحلا
ليس يدري الهمَّ حتى أن رأى ... ليته لم ير تلك المقلا
стр. 13
فعلت فيه بطرفٍ لو رمى ... حجراً صلداً به لانفعلا
كيف لا يجرح قلبي طرفه ... وإذا السَّيف تحرَّى قتلا
والذي يصبو لأحداق المها ... لم يمت إلا بها منجدلا
لائم الصَّبِّ على الحب الذي ... سيف لحظيه يبيح الأجلا
خلِّ عنك اللوم بالله فقد ... سبق السَّيف إليه العذلا
ويح قلبي من هوى ذي صلفٍ ... ظالم في حكمه لو عدلا
ما له حمَّله ما لم يطق ... أتراه ظنَّ قلبي جبلا
قال يستطرد بي ما حاله ... صار للعشَّاق فينا مثلا
أيُّها المعرض لا عن زلَّةٍ ... أدلالاً كان ذا أم مللا
بأبي الرِّيم الذي من طرفه ... سرق الظَّبي الكحيل الكحلا
غصن البان الذي في قدِّه ... سلب الليِّن القنا والأسلا
يا خليليَّ بلا أمرٍ سلا ... عن فؤادي بعده ما فعلا
أمقيمٌ بعده يصحبه ... أم دعاه للردى فامتثلا
وله من أخرى مطلعها:
درَّ لها خلف الغمام هاطلاً ... فجادها من رامةٍ منازلا
منازلاً كان المنى منادماً ... فيها وصرف الدَّهر عنها غافلا
نسبح في غمرته ولم نكن ... نزايل الرَّوضات والخمائلا
لا نستفيق من خمار لذَّةٍ ... نتبع أبكار الهوى الأصائلا
جنان أنسٍ فارقتها عنوةً ... نفوسنا واجدةً ثواكلا
واهاً لها وآهةً لو بقيت ... أو دام ربع اللَّهو منها آهلا
ومنها:
كان الشباب الرَّوق فيها وبها ... قضَّيت أيَّام الصِّبا الأوائلا
حيث الحمى مسرح أسراب المها ... وحيث كنت مرحاً مغازلا
كلَّ غزالٍ آنسٍ لحاظه ... للعاشقين لم تزل قواتلا
تصمي إذا ما قصدت بأسهمٍ ... نصالها لا تخطئ المقاتلا
قضيب بانٍ قضفٌ على نقاً ... فوقها ترقب بدراً كاملا
ما بانة الجزع على نظرتها ... إذا ثنى منه قواماً عادلا
ومن غزلياته قوله:
مهلاً فقد أسرعت في مقتلي ... إن كان لا بد فلا تعجلِ
أنجزت إتلافي بلا علَّةٍ ... الله في حمل دمي المثقلِ
لم تبق لي فيك سوى مهجةٍ ... بالله في استدراكها أجملِ
إن كنت لا بدَّ جوًى قاتلي ... فاستخر الله ولا تفعلِ
رفقاً بما أبقيت من مدنفٍ ... ليس له دونك من معقلِ
يكاد من رقَّته جسمه ... يسيل من مدمعه المسبلِ
ما لك في إتلافه طائلٌ ... فارعَ له عهداً ولا تهملِ
كم من قتيلٍ في سبيل الهوى ... مثلي بلا ذنبٍ جنى فابتلي
أول مقتول جوًى لم أكن ... قاتله جارَ ولم يعدلِ
يا مانعي الصَّبر وطيب الكرى ... عن حالتي بعدك لا تسألِ
قد صرت من عشقك حيران لا ... أعلم ماذا بي ولم أجهلِ
أغصُّ من دمعي حفاظاً لما ... فارقته من ريقك السلسلِ
ومنها:
أفديك بالنَّفس وما دونها ... ما قيمة الأرواح أن تقبلِ
يا غصناً مال إلى طبعه ... من دلَّ جفنيك على مقتلي
ورامياً أعجب من أنَّه ... أصاب في الرَّمي ولم يمهلِ
رمى فأصمى مهجتي سهمه ... فكان مثل القدر المرسلِ
يا ويح قلبي من هوى ظالمٍ ... يأخذ بالذَّنب ولم يعملِ
أستغفر الله إليه وإن ... لم أقل القول ولم أفعلِ
يا أعدل الناس على ظلمه ... ويا أحقَّ النَّاس من مُبطلِ
وجدت تعذيبك مستعذباً ... فاهجر إذا شئت وإلا صلِ
وله:
ويومٍ فاخِتيِّ الجوِّ رطبٍ ... يكاد من الغضارة أن يسيلا
стр. 14
نعمت به وندماني أديبٌ ... وقورٌ في تعاطيه الشمولا
قطعنا صبحه والظُّهر شرباً ... وجاوزنا العشيَّة والأصيلا
لدى روضٍ عميم النَّبت يزهي ... بأزهارٍ نمت عرضاً وطولا
يدور به سوار النَّهر طوراً ... كما يتعانق الخلُّ الخليلا
وساقينا رخيم الدَّلِّ يسبي ... إذا ما ردَّد الطرف الكحيلا
وله من قصيدة، أولها:
تألَّق يقدم ركب النعامى ... شروداً أبى سرعةً أن يشاما
خفيَّاً كنبض ذراع المريض ... ولمح ثغور الحسان ابتساما
كأنَّ السَّما ريطةٌ رحِّلت ... وذهِّب من طرفيها الغماما
بدا والدُّجى فحمةٌ كاللَّهيب ... له شررٌ بالدراري ترامى
فهيَّج للقلب أشواقه ... ونبه لوعته ثم ناما
سرى موهناً فاستطار الفؤاد ... إلى ما تذكَّر منه وهاما
تذكَّر أيامه بالغميم ... فحنَّ وما كنَّ إلا مناما
أثار له من جواه القديم ... وقلَّده الوجد طوقاً لزاما
تحرَّشه فسباه جوًى ... وجرَّده فقضاه غراما
ومذ خاله الطرف سقط الزِّناد ... أمال إلى القلب منه الضراما
لقد كان في راحةٍ قبله ... فجرَّ إلى عاتقيه حساما
وقد كان من قبله داؤه ... دفيناً فهيَّج منه السقاما
أيا برق كم ذا تعنِّي الحشا ... أعمداً تروم أذاه على ما
إلى مَ تمثل نجداً له ... فيهفو وهيهات نجدٌ إلى ما
تقول وأسباب هذا الغرام ... ضروبٌ تحيِّر فيه الأناما
أمن كبدي سيفه مصلتٌ ... فيبدي الوجيب إلى أن يشاما
لعمرك ما ذاك لكنَّما ... تذكَّر نجداً وأيام راما
منازل كان المنى خادماً ... بها والزمان لدينا غلاما
فآهاً لأيامها لو تدوم ... وآهاً لحلميَ لو كان داما
نشدتك والودُّ يا صاحبي ... يراه الفتى الحرُّ ديناً لزاما
أعرني إن كان طرفٌ يعار ... فإنسان عيني بدمعي عاما
يرى لي فؤادي وراء الرِّكاب ... أسارَ وإلا لعجزٍ أقاما
فمن يوم بتنا على غرَّبٍ ... نشيعهم وأشالوا الخياما
أضلَّيته بين بان الكثيب ... وما ثمَّ إلا ظباه قياما
خف الله يا ظبيات النَّقا ... أما في دمي تحملين الأثاما
رعى الله منكنَّ ظبياً أغر ... أحلَّ بجسمي داءً عقاما
أغار عليه اعتناق الصَّبا ... وأحسد رشف لماه البشاما
إذا ما بدى في الدُّجى خده ... أحال الدُّجى من ضياه عياما
يبيت على غرَّةٍ لاهياً ... إذا بتُّ أجرع فيه الحماما
وليلة زار على شحطه ... تحاشى الضِّيا فتوارى الظَّلاما
سرى والدُّجى عاكفٌ راجلاً ... حذار المطيَّة تبدي البغاما
فوافى على عجلٍ مضجعي ... ومن دونه بطن فلجٍ وراما
فبتُّ أعانق منه القضيب ... وأرقب منه الهلال التماما
وأشتمُّ من خدِّه وردةً ... وأرشف من شفتيه المداما
وودَّع لو كان ذاك الوداع ... وسار فودَّع جفني المناما
ومن مشهور شعره خمريته هذه:
هاتها هات نصطبح يا نديم ... قد تناهت خطوبنا والهموم
ليس ينفي الهموم مثل شمولٍ ... كم حساها فأبرأته سقيم
هي شمسٌ والهمُّ ليلٌ وليس الل ... يل والشَّمس في الوجود يدوم
علَّنا نقطع الزمان سكارى ... لا نبالي بما جرى يا نديم
فلنا أسوةٌ بهذي البرايا ... كيف نخشى البلاء وهو عميم
إنما الأمر للإله تعالى ... وهو برٌّ بالعالمين رحيم
стр. 15
خلِّ عنَّا ذكر ابن سيفا ومعنٍ ... إنما يطلب الغريمَ الغريمُ
ما لنا والحروب نحن أناسٌ ... ما لنا طاقةٌ بشيءٍ يضيم
همُّنا شربنا الطِّلا وهوانا ... من قديمٍ هذا الشَّراب القديمُ
اترك النَّاس في يصير ويجري ... ويجيبوا ويقعدوا ويقيموا
واسقنيها واشرب ثلاثاً ثلاثاً ... هكذا حكمها وأنت حكيمُ
لا تصل بالصَّبوح غير غبوقٍ ... وتجنَّب في شربها من يلوم
إنَّ كلَّ الحياة كأسٌ مدارٌ ... ونديمٌ حلوٌ وساقٍ كريمُ
وابن سيفا هو الأمير يوسف ذلك الذي بلغ السُّها بجده، وكان أخا السيف في لألائه ومضاء حده.
من أسرة طلعوا كأنابيب القنا نسقاً، وفاحوا كأزاهير الرياض عبقاً.
فإن غابوا عن العيان تراءوا مشاعل في السرى، وإن ظهروا رأت النواظر بهم الثريا في الثرى. ما منهم إلا جواد شهدت بسبقه ميادينه، وأديبٌ حب الأدب شرعته ودينه.
وكانوا ولاة طرابلس الشام وحكامها، وبقائم سيفهم تولوا صيانتها وإحكامها.
حتى وقع بين كبيرهم هذا وبين الأمير فخر الدين بن معن، ذاك الغادر الذي قتل الراعي وساق الظعن.
فجرت بينهما حروبٌ لم يحصل أحدٌ منهما على وطر، وبقي الأمر بينهما مدة في تناكر مفضٍ إلى خطر.
ثم خرج في أثناء ذلك ابن جانبولاذ الذي جاهد في الخلاف وجاهر، وكاشف بالانحراف على السلطنة وكاشر.
فانضم إليه ابن معن وحزبه، الذين تدرعوا جلود الحيات، وأقاموا آلات حربهم مقام أنمل التحيات.
وكان من أمر الله أن الأمير يوسف جهز عليهم، ووصل بجموعه التي يقدر أن يغل بها جيش المصائب إليهم.
وهممه معلقة بالأثير، محلقة على فلك التدبير. غير أن يد القدر فوق التقدير، وما يصنع المرء إذا وقع في البير. فلما تقابل الجيشان تمت على ابن سيفا الهزيمة وانحلت منه تلك العزيمة. وفر من ذلك المكان إلى دمشق، فأقام بها مختفياً أياماً، وهو من وساوس وهمه لم يطعم مناماً. فقصدوه متتبعين زلة قدمه، وطالبين بسيف الاعتداء سفك دمه. فدخل بينهم أهل دمشق وأطفأوا تلك النائرة، وأخمدوا ببرد الصلح تلك الفتنة الثائرة.
بمال حملوه إلى القوم، وسلموا به من المحذور واللوم. وانقلب ابن سيفا إلى وطنه، وهو شاكٌّ من ضيق عطنه. وتبدل تبسمه ذاك بالقطوب، ونال القلوب كمد خطبه الذي لا كالخطوب. ومن ثم حالت بدولة بيته الأحوال، ولم تطل أيامهم حتى أذنت شمسها بالزوال. فعلى ما تضمنهم من تلك الأريحية، أزكى السلام من الله تعالى والتحية. وهذه الجملة وقعت في الأثنا فكانت باعثةً على ما هو طلبتي من الثنا.
وأرجع إلى ما أنا بصدده أمدني الله بمدده.
ومن شعر الأكرمي قوله في خمريته:
كم جلونا في ليلة الفطر والأض ... حى على قاسيون بكر الدنان
وشربنا في ليلة النصف من شع ... بان صرفاً وفي دجى رمضان
ونهار الخميس عصراً وفي الجم ... عة قبل الصلاة بعد الأذان
وسقانا ظبيٌ غريرٌ وغنت ... ظبيةٌ تستبيك بالألحان
وسبحنا في غمرة اللهو والقص ... ف على طاعة الهوى والأماني
ولعمري لقد سئمنا من الغيِّ ... وعفنا من كثرة العصيان
لم ندع مدَّة الصِّبا للتصابي ... من طريقٍ مهجورةٍ أو مكان
قد أطعنا غيَّ الشَّباب بجهلٍ ... فاعفُ عنَّا يا واسع الغفران
ومن مقاطيعه قوله:
ربَّ رامٍ عن مثل حاجبه ... بمثل ألحاظه لمغرمهِ
سمَّى بغيري مفوِّقاً ودمي ... فرحت وحدي صريع أسهمه
وقوله:
قلت إذ لام في العذار عذولي ... وهو في الخدِّ للهوى عنوانُ
إنَّ ورد الرِّياض أحسن ما ... كان إذ دار حوله الريحانُ
وقوله في دولاب الماء:
ودولابٍ يئنُّ أنين صبٍّ ... كئيب نازح الأهلين مضنى
تذكَّر عهده بالرَّوض غصناً ... ومحنة قطعه فبكى وأنَّا
وما يدري أترديدٌ لمعنًى ... شجاه أم حنين جوى المعنَّى
وقوله معمياً باسم يوسف:
وشادنٍ كالقضيب عطفاً ... أطال في صبِّه عناهُ
стр. 16
يكاد عضب اللحاظ منه ... بغير ريبٍ يفري حشاهُ
القاضي إسماعيل بن عبد الحق الحجازي هذا القاضي قضي له بالأدب الوافر، من منذ طلع في مهده طلوع البدر السافر. فعرف رشده قبل أوانه، وهكذا الكتاب يدرى من عنوانه.
وأبوه في الصنعة من الفحول السبق، له في الريحانة ذكر أطيب من المسك وأعبق.
وهو فاح فوحته، وجاء جيئته، وراح روحته. وحذا في الغراميات حذوه، فلم يبق من نار وجده ولا جذوة. فهو مخمر الطينة بالفضل المحض، مجبول الفطرة على الأدب الغض. مجده فوق الامتداح، وزنده يضيء قبل الاقتداح.
ولقد برز كل التبريز، وما كل قاضٍ قاضي تبريز. فجاء بأفانين من غزلياته، تهزأ برونق الصدغ في لباته.
وأطرب بألحانه، ولا إطراب الخمر بحانه. وله أغانٍ تكاد بلا مضارب تجاوبها الأوتار، ولم يبق قلبٌ أدرك مغناها إلا وثار.
وكانت أريحيات غرامه تستفزه، وصبوبات مدامه تستهزه. فلا يزال هائماً بغزال، ولا يريم من عشق ريم. وشعره الذي تعلق به قلوب الأهوا، يعرب عن حاله إعراب الدمع عن مكتوم سر الهوى. وهو سائرٌ مدون، والجوهر المثمن منه أدون.
فدونك ما هو ألطف من العتاب، بين الصحاب، وأوقع من الرواح، ممزوجاً بماء السحاب.
فمنه قوله:
لو أن بالعذَّال ما بي ... ما عنَّفوني بالتَّصابي
كلا ولو ذاقوا الهوى ... مثلي لما ملكوا خطابي
ويلاه من بعد المزا ... رِ فإنه شرُّ العقابِ
قسماً بخلوات الحبي ... ب وطيب وقفات العتابِ
وتذلُّلي يوم النَّوى ... لمنيع ذيَّاك الجنابِ
وبوقفتي أشكو هوا ... ي له بألفاظٍ عذابِ
أبكي وأسرق أدمعي ... خوف العواذل في ثيابي
ما للمحبِّ أشدُّ من ... نار التَّباعد من عذابِ
بأبي غزالٌ ليِّن ال ... أعطاف معسول الرُّضابِ
ميَّاس غصن قوامه ... يزري ببانات الرَّوابي
ريَّان من ماء الصِّبا ... سكران من خمر الشَّبابِ
جعل التَّجافي دأبه ... وجعلته وهواه دابي
قال العواذل عندما ... أبصرن بالأشواق ما بي
قد كنت من أهل الفصا ... حة لا تحول عن الصَّوابِ
فأجبتهم والقلب من ... نار الصَّبابة في التهابِ
الحبُّ قد أعيى فصي ... ح القول عن ردِّ الجوابِ
وتراه إن حضر الحبي ... ب لديه يأخذ في اضطراب
وقوله:
أجرني من صدودك بعد وعدك ... وخلِّص مهجتي من نار بعدكْ
وخصِّصني برقٍّ دون عتقٍ ... لأدعى بين أقوامي بعبدكْ
وقصِّر طول ليلات التنائي ... وما لاقيت من أيَّام صدِّكْ
ومعصية العذول ومن نهاني ... ضلالاً في الهوى عن حفظ ودِّكْ
وأنفاسٍ أصعِّدها إذا ما ... ذكرتك والدَّياجي مثل جعدكْ
لأنت لديَّ مجتمع الأماني ... وأكثر ما وددت بقاء ودِّكْ
وقد عبث الهوى بغصون قلبي ... كما عبث الدَّلال بغصن قدِّكْ
وقوله:
ولمَّا حدا الحادون بالبين والنَّوى ... وشبَّ لنار الاشتياق وقودُ
ولم يبق لي من منجدٍ غير زفرةٍ ... ودمعٍ وأشواقٍ عليَّ تزيدُ
طلبت من القلب اصطباراً فقال لي ... وللشَّوق عندي مبدئٌ ومعيدُ
لقد كنت صبًّا والدِّيار قريبةٌ ... فكيف وعهد الدَّار عنك بعيدُ
وقوله:
وربَّ عتابٍ بيننا جرَّه الهوى ... شهيٍّ بألفاظٍ أرقَّ من السِّحرِ
وأحلى من الماء الزُّلال على الظَّما ... وألطف من مرِّ النَّسيم إذا يسري
عتابٌ سرقناه على غفلة النَّوى ... وقد طرفت أيدي الهوى أعين الدَّهرِ
وقد أخذتنا نشوةٌ من حديثه ... كأنَّا تعاطينا سلافاً من الخمرِ
ورحنا بحالٍ ترتضيها نفوسنا ... وها أنا بين الصَّحو ما زلت والسُّكرِ
وقوله:
стр. 17
أيا قمراً من وجهه طلعة البدر ... ويا رشأً من لحظه صنعة السِّحرِ
حكيت القنا والبيض لحظاً وقامةً ... فمن أجل ذا أرتاح للبيض والسُّمرِ
وحقَّك لولا البدر يحكيك طلعةً ... لما طمحت عيني إلى رؤية البدرِ
ولو لم يكن للخمر في فيك نسبةٌ ... لما كنت أصبو عند ذكراه للخمرِ
ولولاك في قصر المصلَّى وحاجرٍ ... لما شاقني ذكر المصلَّى ولا القصرِ
فيا نازحاً عن مقلتي وهو حاضرٌ ... بقلبي لقد أفرطت في الصَّدِّ والهجرِ
ويا فاتكاً عيناه قد طلًتا دمي ... وأسلمتا قلبي إلى نوب الدَّهرِ
ترفق بدمعٍ طرفه فيك مطلقٌ ... وقلبٍ من الأشواق في أوثق الأسرِ
وقوله:
قلبي من الأشواق لاهف ... والدَّمع من عينيَّ ذارفْ
أبكي ودمعي لم يدع ... أحداً بحالي غير عارفْ
ولقد أقول لمن يرا ... ني في طريق الذُّلِّ واقفْ
لولا المحبَّة يا رفيقي ... لم يكن قلبي لعاطفْ
كلاَّ ولا أبصرتني ... للسقم والبلوى محالفْ
أرعى النُّجوم ولي فؤا ... دٌ من دواعي البين خائفْ
أصبو إذا علنَّى على ... أعلى غصون الدَّوح هاتفْ
ويشوقني برقٌ بدا ... من جانب الأحباب خاطفْ
فَوَحَقَّ أغصان القدو ... د ولين هاتيك المعاطفْ
وصباح مُبيَصِّ الجبي ... ن وليل مسودِّ السوالفْ
ولواحظٍ فتَّاكةٍ ... في جفنها هاروت عاكفْ
ومرشفٍ عسَّالةٍ ... يا حبَّذا تلك المراشفْ
ورقيق هاتيك الخصو ... ر وتحتها ثقل الرَّوادفْ
ومواقف الذُّلِّ التي ... عرَّفني ذلَّ المواقفْ
أشكو الغرام وأرتجي ... من متلفي حسن العواطفْ
ما حلت عنك وليس يص ... رفني عن الأشواق صارفْ
وإذا أسأت فإنَّها ... عندي تعدُّ من اللَّطائفْ
فسقى الإله زماننا ... ورعى ليالينا السَّوالفْ
أيام كنت لعاذلي ... وللائمي فيها أخالفْ
وقوله:
ورُبَّت ليلةٍ قد زار فيها ... خيالٌ في الدُّجى منه طروقُ
وبات تشوُّقي يدنيه منِّي ... ويبعده من القلب الخفوقُ
فلا أروى الحشا منه اعتناقٌ ... ولا بلَّ الجوى لي منه ريقُ
وقوله مضمِّناً:
أرَّقتني الأشجان والأشواق ... وبسهم النَّوى رماني الفراقُ
ونما الشَّوق في فؤادي فضاقت ... فيك عن وصف ما بي الأوراقُ
ثم أنشدت داعياً ولدمعي ... فيك من لوعة الفراق انطلاقُ
جمع الله شمل كلِّ محبٍّ ... وبدا بي لأنني مشتاقُ
وقوله:
يا مولعاً بصدودي ... أفنى الجفا مستهامكْ
أعرضت عنِّي دلالاً ... لمَّا عرفت مقامكْ
ضيَّعتني بالتَّجافي ... لمَّا حفظت ذمامكْ
فلو شهدت سهادي ... وهبت جفني منامكْ
فعاذلي مذ رآني ... رثى لحالي ولامكْ
يكفيك لحظك سيفاً ... فلا تجرِّد حسامكْ
طوبى لبدر الدَّياجي ... لو ترتضيه غلامكْ
ويا سعادة غصنٍ ... يحكي اعتدالاً قوامكْ
جلَّ الذي يا حبيبي ... في ذا المقام أقامكْ
إلى متى يا فؤادي ... يذكي هواهم ضرامكْ
ويا عذولي إلى كم ... تطيل فيهم ملامكْ
قد كلَّ بالعذل قلبي ... وملَّ سمعي مرامكْ
وقوله:
ولي قلبٌ أليمٌ من ... صدودك دائم الضَّرمِ
بودَّي لو أقطِّعه ... فإنَّ وجوده عدمي
ولكنَّ قطعي العضو ال ... أليمَ يزيد في ألمي
وقوله، يصف ليلة مضت له في روضة أريضة، وساعفته بها آمالٌ من الوصال عريضة:
стр. 18
لله ليلة أنسٍ قد ظفرت بها ... قضَّيتها سهراً أحلى من الوسنِ
قد بتُّها وعيون الدَّهر غافلةٌ ... عنِّي ولم أخش فيها حادث الزَّمنِ
في روضةٍ رحبة الأكناف عاطرة ال ... أنفاس قد جلِّيت في منظرٍ حسنِ
والوُرقُ في دوحها باتت تطارحني ... شجواً لِما عَلِمتْ في الحبِّ من شجني
فتارةً فرط أشواقي يرنِّحها ... وتارةً طول مبكاها يرنِّحني
وبات ظبيٌ تناجينا لواحظه ... بين الورى هي كانت منشأ الفتنِ
تُعزى الشُّمول إلى معنى شمائله ... والَّلاذُ يشبه منه رقَّة البدنِ
بتنا كغصنين في روضٍ يرنِّحنا ... ريح الصَّبا فَحَنا غصنٌ على غصنِ
وبات عندي شكٌّ في معانقتي ... إياه حتى حسبت اللُّطف صاحبني
يا ليلةً منه أرضاني الزَّمان بها ... عنه على أنَّه ما زال يسخطني
ومن مقاطيعه قوله:
كلَّما حدَّثت قلبي سلوةٌ ... عن هواهم قال لي لا يمكنُ
وإذا ذكَّرته أنَّهم ... قد أساءوا قال لا بل أحسنوا
وقوله:
قد وقفنا بعد التَّفرق يوماً ... في مكانٍ فدَّيته من مكانِ
نتشاكى لكنْ بغير كلامٍ ... نتحاكى لكنْ بغير لسانِ
يوسف أبي الفتح إمام الأئمة، ومن ألقت إليه مقاليد الحظوة الأزمَّة. فتميز على أترابه وأخدانه، تميُّز سميَّه على إخوانه.
وذلك أنه من منذ ناست عذبة ذؤابته، وأومضت للمتفرِّس مخيلة نجابته.
تطلَّع في أعلا المصلَّى كأنما ... تطلَّع في محراب داودَ يوسفُ
فرقي منبر المسجد الجامع خطيباً، وملأه مسكاً فلم يدر أضمَّ خطيباً، أم ضَمِّخَ طيباً.
وأتى بما يقرط الأسماع لؤلؤاً، ويملأ الأفواه طيباً والمحافل تلألؤاً. فطار صيته في الآفاق، ووقع على تفرُّده في أسلوبه الاتفاق.
حتى تطلبه السلطان فصيَّره إمامه، وتوجه من التقدمة بتلك العمامة. فقامت الأماني خلفه صفوفاً، واستوعب من المعالي أنواعاً وصنوفاً. وما زال من حين خروجه، يتنقَّل تنقُّل القمر في بروجه. إلى أن صار ثالث القمرين، وفاز برتبة قضاء العسكرين.
وكان مع ما أعطيه من الرتبة التي لا تنال إلا بالتمني، والحرمة التي ترمى لنيلها المطايا بالتعَّني. لم يبرح يحن إلى مواطن إيناسه، ويرتاح إلى مراتع غزلان صريمه وكناسه.
هذا، وله الفضل الذي تليت سور أوصافه، وجليت صور اتسامه بالتفوُّق واتصافه.
والتصانيف التي ما جعلت الأقلام ساجدةً إلا لمّا رأت محاريب قرطاسها، وما سميت خرساء إلا قبل أن ينفث في روعها روائع أنفاسها.
وأما الأدب فهو إمامه الذي به يقتدى، وسابقه الذي بذكره يبتدى.
وله الشعر الذي اقتبس ألفاظه من ذوات الأطواق، واختلس معانيه من حنين العشاق تكابد الأشواق. يطرب من لم يكن يطرب، ويكاد لفظه من العذوبة يشرب.
وها أنا أورد منه ما تتباهى به حروف الرقاع، ويلذ في السمع لذة الغناء من كل شكلٍ حسنٍ على الإيقاع.
فمنه قوله من قصيدة أولها:
هذا الحمى أين الرَّفيق المنجد ... قد يمَّم الخيف الفريق المنجدُ
بانوا فلا داري بجلَّق بعدهم ... داري ولا عيشي لديها أرغدُ
وعلى الأكلَّة فتيةٌ لعبت بهم ... راح السُّرى والعيس فيهم تسجدُ
يتهافتون على الرِّحال كأنهم ... قضبٌ على كثب النقا تتأوَّدُ
واهاً على وادي منًى والهفتي ... لو لهفتي تجدي وآهي تسعدُ
كانت عروس الدهر أياماً لنا ... فيه ثلاثٌ ليتها لي عوَّدُ
عهدي به مغنى الهوى تستامه ... عينٌ مسهَّدةٌ وقلبٌ مكمدُ
ما باله بعد الثلاثة أقفرت ... منه معالمه وأقوى المعهدُ
يا هل لليلاتٍ بجمعٍ عودةٌ ... أم هل إلى جمع المعرَّف موعدُ
جسمي بأكناف الشآم مخيِّمٌ ... وهواي بالرَّكب اليماني مصعدُ
تالله هاتيك الليالي أسأرت ... في مهجتي ناراً تقوم وتقعدُ
стр. 19
وكأنَّ مرمى كلِّ موقع جمرةٍ ... في القلب والأحشاء منِّي موقدُ
لله أيامي بجرعاء الحمى ... والدهر مصقول الحواشي أملدُ
أيام ظلُّ الدهر غير مقلَّصٍ ... عنِّي وعيشي طاب فيه الموردُ
في حيث ريحان الشَّبيبة باسقٌ ... والخيف مغنًى للحسان وموعدُ
إذ منتداه مراد كلِّ خريدةٍ ... يصبو إليها الخاشعون العبَّدُ
مرَّت كسقط الزَّند أعقب جمرةً ... في القلب يذكيها الغرام ويوقدُ
مالي إذا برقٌ تألَّق بالحمى ... أودى بمهجتي المقيم المقعدُ
وإذا نسمت رويحةً من طيبةٍ ... جعلت زفيري بالحشا يتوقدُ
وإذا نسيم الروض هبَّ تبادرت ... وفق الصبابة أدمعٌ تتردَّدُ
ومتى ظفرت من الزمان بناصرٍ ... أخذت تفنِّده عليَّ الحسَّدُ
وقوله من أخرى، أولها:
سقى أثَلاثٍ بالعذيب نمير ... له من أفاويق الغمام سميرُ
سحابٌ تزجيه الرياح وراءه ... نسيمٌ له المسك الفتيق عبيرُ
ولا برحت تسدي يد القطر فوقها ... من النور موشيَّ السَّدى وتنيرُ
وخلنا دراري الأفق فيه تساقطت ... وآن لها أن النجوم تغورُ
عهدنا بها غصن الشَّبيبة باسقاً ... يرفُّ رفيف البان وهو نضيرُ
كأنَّ أزاهير الشَّقيق بدوحها ... خدودٌ ونور الأقحوان ثغورُ
كأنَّ نديَّ النرجس الغضِّ فوقها ... عيون الغواني مسَّهنَّ فتورُ
كأن غصون البان تندى غضارةً ... معاطف غيدٍ حشوهنَّ خمورُ
سقتها دموعي بل سقاها على البلى ... ملِثٌّ من الأنواء وهو غزيرُ
فآه لها كم لذةٍ تحت ظلِّها ... نعمنا بها حيث الكؤوس تدورُ
ولهفي على عيشٍ بجوِّ سُويقةٍ ... تولي وعيش الغانيات قصيرُ
وواهاً لأيامٍ بشرقيِّ ضارجٍ ... تقضَّت عشايا تحتها وبكورُ
فمرَّت ولم تعقب سوى جمرة الأسى ... يشبُّ لها تحت الضلوع سعيرُ
خليليَّ مالي إن تألق بارقٌ ... يكاد فؤادي كالشَّرار يطيرُ
وإن خطرت من سفح نجدٍ نسيمةٌ ... فلي أنَّةٌ تحت الدُّجى وزفيرُ
وإن ذكرت أيام رامة أنثني ... وفي القلب من فرط الغرام هجيرُ
ألا يا نسيم الريح من بطن لعلعٍ ... تحدَّث فقلبي بالغرام أسيرُ
ويا برق نجدٍ هات عن أيمن الحمى ... حديثاً ففي بثِّ الغرام سرورُ
هل الجيرة الغادون من جنبِ حاجرٍ ... أناخوا لوى الجرعاء وهو مطيرُ
وهل أثلاث الجِزع يندى ظلالها ... وأرض الحمى فيْنانُ وهو مطيرُ
وهل هاجعات البان نبَّه خوطها ... هبوب نسيمٍ هبَّ وهو عطيرُ
وهل درست من بطن فجٍّ مسارحٌ ... ومحَّت جنوبٌ رسمها ودبورُ
فما بنت غصنٍ فوق أفنان إلفها ... وإلفي خليطٌ منجدٌ ومغيرُ
تراها إذا وُرق العشايا ترنَّمت ... تهيِّج من داء الهوى وتثيرُ
تذكِّرني وهناً أفانين سجعها ... ليالي زرودٍ والمحبُّ ذكورُ
بأبرح مني أن تقول بثينةٌ ... لقد ضربت لي بالعقيق خدورُ
عذيريَ في هذا الهوى من مؤَنِّبٍ ... وهيهات في هذا الغرام عذيرُ
يلوم فؤادي في هواه أما درى ... بأن فؤاد العاشقين صبورُ
يقول عجيبٌ منك أنت مجرِّبٌ ... فكيف وأني يعتريك غرورُ
فقلت له خفِّض عَدَتكَ صبابتي ... فكلُّ معنًّى يهتدي ويثورُ
стр. 20
سأركب من شوس القوافي شِمِلَّةً ... تسير في النعماء حيث تسيرُ
أقامت بسفح الصَّالحيَّة برهةً ... وحشو حشاها لوعةٌ وزفيرُ
بها من هواء الغوطتين نسيمةٌ ... ومن عذب ماء النَّيربين غديرُ
إذا هبطت من ربع جِلِّقَ منزلاً ... وقد نام حادٍ واستقال مثيرُ
أمرنا بها طوع القياد توجهت ... ركائبها وهو المراد تزورُ
تزور فتًى من آل منجك ماجداً ... على كل من يدعى الأمير أميرُ
وقوله من أخرى، مبتدؤها:
تذكَّر من أكناف رامة مربعاً ... ومغنًى به غصن الشبيبة أينعا
فبات على جمر الغضا يستفزُّه ... غرامٌ فيذري الدمع أربعَ أربعا
كئيباً لليلات الغميم متيَّماً ... معنًّى بأيام الحجون مولَّعا
يخالف بين الراحتين على الحشا ... ويلوي على القلب الضُّلوع توجُّعا
فمن صبواتٍ تستفزُّ فؤاده ... ومن زفراتٍ أضرمت فيه أضلعا
ألا في سبيل الحبِّ مهجة عاشقٍ ... تولَّع فيه الحبُّ حتى تولعا
وعينٌ أبت بعد الأحبة سَحَّها ... وفاءً بحقِّ الربع أن تتقشَّعا
سقى الله من وادي منًى كل ليلةٍ ... هي العمر كانت والشباب المودَّعا
ويا جادَ أياماً بها قد تَصرَّمت ... ثلاثاً ومن لي أن أراهنَّ أربعا
وحيَّى مقامي بالمقام وأربعاً ... لدى عرفاتٍ يا سقاهنَّ أربُعا
فلله ما أبهى بمكَّة مشعراً ... ولله ما أحلى لزمزم مشرعا
ألا ورعى دهراً تقضَّى بجلِّقٍ ... ولولا الهوى ما قلت يوماً لها رعى
ويا عاقب الله الغرام بمثله ... لكي يعذر العشاق فيمن تولَّعا
خليليَّ مالي كلما لاح بارقٌ ... تكاد حصاة القلب أن تتصدَّعا
وإن نسمت من قاسيون رويحةٌ ... أجد أدمعاً مني تساجل أدمعا
وحتَّى مَ قلبي يستطيع إذا شدا ... حمام اللِّوى بالرَّقمتين ورجَّعا
وكم ذا أقاسي سورة البين والأسى ... ولا يرحم العذَّال منِّي توجُّعا
ألا هكذا فعل الغرام بأهله ... ومن بات في صنع الهوى ما تصنَّعا
عذيرِيَ من هذا الزمان وأهله ... ومن لي بمن يصغي لشكواي مسمعا
يخوِّفني منه العدوُّ قطيعةً ... ويظهر لي منه الصديق تفجُّعا
ولم يدر أني للقضاء مفوِّضٌ ... وما كان قلبي للقضاء ليجزعا
وقوله من أخرى، راجع بها أحمد بن شاهين:
حيَّتكِ يا دار الهوى بالأبرقِ ... وطفاء من نوء السِّماك المغدقِ
وغدت تفتِّق في نواحيك الصَّبا ... أرجاً يغصُّ رُباكِ مهما يعبقِ
وتكفَّلت أيدي الرَّبيع بمطرَفٍ ... لتراك تخلعه وبردٍ مونقِ
حتى ترى منك المغاني جنةً ... من سندسٍ تزهي ومن إستبرقِ
كم لذَّةٍ في جبهتيك خلسَتُها ... وهناً وعين الدهر لمَّا ترمقِ
واهاً لها إن كان فرطُ تأوُّهي ... يجدي على شحط النَّوى وتحرُّقي
لله أيامي بجوِّ سويقةٍ ... سلفت بمصطبحٍ ولذَّةِ مغبقِ
أيام ريحان الشَّبيبة باسقٌ ... يندي وماء هواي غير مرنَّقِ
في حيث ظلُّ اللهو ضافٍ والنَّقا ... مهوًى لجارحةٍ وقلبٍ شيِّقِ
إذ منتداه مراد كل خريدةٍ ... بسوى خيالات الهوى لم تعلقِِ
رودٌ يرنحها الغرام فتنثني ... سكرى كخوط نقاً تأود مورقِ
كم ليلةٍ بتنا بأكناف اللوى ... نلهو بذات الحجل ذات القرطقِ
بتنا على الوادي يراودنا الهوى ... طوعاً وغير الطرف لمَّا يفسقِ
стр. 21
وكواكب الجوزاء ترنو حسرةً ... لنظام مجلسنا بطرفٍ محدقِ
والبدر في أفق السماء كزورقٍ ... صافي الُّلجين على رداءٍ أزرقِ
وكأنما نجم الثُّريا إذ بدا ... كفُّ الخريدة ضمَّ لم يتفرقِ
بانت وما بدَلت النَّوى ... ونأت وما حلَّت عقود تفرقي
يا ميُّ حتى مَ الدموع تشي بنا ... وإلى مَ في مضناك لم تترفَّقي
يا ميُّ أنفقت الغرام على النوى ... إلا هواك ذخرت لما أنفقِ
ما آن أن تتذكرين عهودنا ... وليالياً سلفت بجو الأبرقِ
ما آن أن ترعى عشيَّات الحمى ... ومواسماً مرت بغوطة جلِّقِ
الله يا لمياء في قلب امرئٍ ... لم يألُ ما عنَّ ادِّكارك يخفقِ
الله يا هيفاء في ذي عبرةٍ ... طفقت متى في الفكر خلتِ ترقرقِ
هذا أما وهواك وهو أليَّتي ... بأعزَّ من قسمٍ وأكرم موثقِ
لم تستمل طرفي رعابيب الحمى ... كلا ولا أبصر سواك فأعشقِ
ناجزت كل أخي غرامٍ فارعوى ... أهل الهوى عنِّي ولست بمملقِ
وكتمت سرَّ هواك وهو ذخيرتي ... عند اللقاء وربما أن نلتقي
يا ربع جلِّقَ لا أغِبَّك عارضٌ ... يهمي عليك بكل أسحم مبرقِ
وسرت تصافح من مغانيك الصبا ... ملمومةً فيها هواي ومعشقي
فيها مسامرتي ومعظم صبوتي ... فيها معاقرتي وفرط تشوُّقي
وله يصف وادي التل: أحد متنزهات دمشق، البلدة التي صورت بها الجنان، وأضحى وقفاً على القلب والجنان. وهو وادٍ مربع النبات، ومسرحٌ مخضر الجنبات.
زهرةٌ وأختها، وشجرةٌ وبنتها. وجرية ماءٍ ورنة صادح، ونشاط واصفٍ وروحة مادح.
إلى رياضٍ كبرود الخمصانة الرود، وحياضٍ كورود الثغر البرود.
وكان مضى له به عهدٌ فارقه وهو عليه واجد، مع فتية صدقٍ هم والحظ المرافق شيءٌ واحد.
أقمنا بوادي التل نستجلب البسطا ... بحيث دنا منا السرور وما شطَّا
وجئنا لروضٍ فتَّقت نسماته ... روائح يبعثن الألوَّة والقسطا
وقد ضربت أفنان أغصانه لنا ... ستائر إذ مدت خمائله بسْطا
يباري به الورق الهزار كراهبٍ ... يحاكي بعبرانيِّ ألفاظه القبطا
ويعطف ما بين الغصون نسيمه ... كما اجتمع الإلفان من بعد ما شطَّا
وتملي أحاديث الغرام لحوظُها ... فترويه لكن ربما نسيت شرطا
جلسنا على الرَّضراض فيه هنيئةً ... وقد نظمت كالدُّرِّ حصباؤُّه سمطا
به من لجين الماء ينساب جدولٌ ... تجعِّده أيدي النسيم إذا انحطَّا
حكى مستقيم الخطِّ عند انسيابه ... فنقَّط منه الوجه زهر الرُّبى نقطا
سقى الله دهراً مرَّ في ظله لقد ... أصاب بما أولى وإن طال ما أخطا
وحيَّ على رغم النَّوى كل ليلةٍ ... تقضَّت به لا بالغوَير وذي الأرطا
ليالي لا ريحانة العمر صوَّحت ... ولا وجدت في أرضها الجدب والقحطا
صحبت بها مثل الكواكب فتيةً ... أحاديثهم في مسمعي لم تزل قرطا
يفضُّون مختوم الصبابة والهوى ... ويرعون حب القلب لا البان والخمطا
إذا نثروا من جوهر اللفظ لؤلؤاً ... أودُّ ولو بالسَّمع ألقطه لقطا
يديرون من كأس الحديث سلافةً ... وربَّما تحكي الأحاديث إسفنطا
ومن نتفه قوله:
يا من هواه بقلبي ليس يبرح من ... بين الترائب ترب الشوق والأسفِ
أليَّةً بليالينا التي سلفت ... وبالغرام وإن أدَّى إلى تلفي
وبالدموع التي أجريتها غدراً ... ومدمعٍ فيك لم يطعم كرى ذرفِ
لأنت أنت على ما فيك حبُّك في ... جوانحي كامنٌ كالدرِّ في الصدفِ
стр. 22
وكتب إلى صدر الشام وعالمها، ومن به قامت دعائم معالمها عبد الرحمن العمادي المفتي:
رحمة العلم والفتاوى عليه ... وصلاة الأقلام في الأوراق
وقوله:
القلب أصدق شاهدٍ ... عدلٍ على صدق المحبه
ومن القلوب إلى القلو ... ب مواردٌ للحب عذبه
طوبى لمن يسقى بكا ... س رحيقها المختوم شربه
فراجعه بقوله:
الحبُّ أظهر من إقا ... مة شاهدٍ بين الأحبه
ومحبةٌ برهانها ... عينٌ العيان تعدُّ حبَّه
وإذا ارتضى المولى بفت ... وى القلب فليستفت قلبه
ومن شعره ما قاله عاقداً فيه حديث: أحبب حبيبك هونامَّا فعسى أن يكون بغيضك يومامَّا، وأبغض بغيضك هونامَّا فعسى أن يكون حبيبك يومامَّا:
بين المحبة والتباغض برزخٌ ... فيه بقاء الود بين الناسِ
بخلاف أقصى الحب أو أقصى الذي ... هو ضدُّه من كل قلبٍ قاسي
فمآل كلٍّ منهما ندمٌ على ... تفريطه ندماً بغير قياسِ
ومن مقاطيعه قوله:
إذا ما أزمع الأحباب ظعناً ... وثار لدى الوداع حنين وجدي
فقل لهم بعبرة ذي ولوعٍ ... تمتَّع من شميم عرار نجدِ
تتمته:
فما بعد العشيَّة من عرار
قال أبو هلال في كتاب المعاني: الألوان، يعني من النساء، تعتريها بالعشية صفرةٌ مستحسنة، كما قال:
. . . وصف ... راء العشيَّة كالعراره
قال الشهاب: أقول: العرار زهر بري أصفر، ومن هنا يفهم معنى قوله:
فما بعد العشيَّة من عرار
وقوله مضمناً:
إن هبَّ ريح التنائي ... بين الرفاق عصوفا
فقل حشاشة نفسٍ ... وقل خلقت ألوفا
يريد بيت المتنبي:
حشاشة نفسٍ ودَّعت يوم ودَّعوا ... فلم أدر أيَّ الظاعنين أشيِّعُ
وبيته الآخر:
خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصِّبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وقوله:
إن رحَّل القوم عنا ... ركابهم ظاعنينا
فقل لهم بانكسارٍ ... يا من يعزُّ علينا
تتمته:
..........أن نفارقهم ... وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدمُ
وقوله:
أحببتها هيفاء يزري قدُّها ... بالغصن رنَّحه النسيم وحرَّكا
مرت فضاع المسك من أردانها ... فوددْتُ بالأردان أن أتمسَّكا
وقوله:
يا ويح قلبي من هوى شادنٍ ... يجرحه اللَّحظ بتكراره
أدنو فتغدو وردتا خدِّه ... بنفسجاً يزهو بنواره
وقوله:
أفٍّ لدُنيا لم تزل ... عن وجه ذلٍّ سافره
تعميرها مستلزمٌ ... تخريب دار الآخره
فصل
ذكرت فيه مما في الأصل أربعة من الرجال، وصفهم حليٌ تتغاير فيه ربات الحجال.
تحث بهم عزمها القلوص النواجي، وتستفيد منهم سحرها العيون السواجي وإني لا آمن من أن يقال: كرروا على الأسماع، والمكرر مملول بالإجماع.
ومن العادات، ترك المعادات. فخبر الحبيب يطيب على الإعادة، وسجع الحمام إذا تردد أطرب بحسب العادة. ومن يمل من الأنفاس ترديداً، ويسأم من رشفات الثغور تعديداً. على أني مقتف أثر الباخرزي في دميته، حيث أعاد ذكر بعض من ذكر الثعالبي في يتيمته. وقال: لولا تكرار الكؤوس، لما استقر الإطراب في النفوس، ولا استقلت صبابة على الرؤوس، والحياة على حسن مساقها وطيب مذاقها، إذا جاوزت النفس الأول معادة، وحبها لكل من الحيوانات عادة، حتى إنها لا تمل إذا كررت عليها، ولا تكره إذا ردت إليها.
والشرط إني لا أذكر من شعرهم السامي، وزهرهم الذي نبت في الروض الشامي. إلا ما لم يصل إليه، وما ذكره منه لا أحاشره عليه.
والحكمة هي الضالة فأين وجدت أخذت، وحيث ما سمجت نبذت.
وما بعثني على ذكرهم، إلا التلذذ بحمدهم وشكرهم. وإني لأحسب إن طالت لعهدهم السنون، أن تتعلق بمحاسنهم خطاطيف الظنون. وعلى كل حال فحقهم علي أوجب، وزيادة إلمامي بنخبهم لا تنكر ولا تحجب.
فمنهم: أبو الطيب الغزِّي أوحد البلغاء العظام، وأجل من تفوه بالنثار والنظام.
стр. 23
جاء أمةً وحده في الافتنان، وامتطى جواد البراعة فأجراه طلق العنان. فهو في النباهة آية، لم تفته من مطالبه غاية. فكل خاطرٍ ينفد إلا خاطره، وكل سحابٍ يضن إلا سحابٌ يسح من فكره ماطره. ومكانته في السؤدد عالية، وساعة قربه ليست بالعمر غالية. تحلى بالزهد، وبذل في التخلي الجهد.
وشعره حجة متصابٍ وفتنة متناسك، إذا سمعه المشغوف لم يبق فيه إلا رمقٌ بلذاته متماسك. قالت الأصداف: الفخر لألفاظه الغر، فلذلك حشا الدهر في فمها الدر.
إذا ابتدأ معنًى أبرزه كهلال العيد، وأوقعه موقع فصل الخطاب وبيت القصيد.
وإن استعاره صيره خلقاً جديداً، وجعله كليله في الفكر جديدا.
وأقام دعامته إن خفي رسماً، وأعطاه روحاً إذا كان جسماً.
وأنا ممن ألهج به ابتهاجاً وزهواً، ولي بمحاسنه شغف المتيم بمن يهوى. تحركني إليها دواعي الوجد، فأولع بها ولوع ابن الدمينة بصبا نجد. وقد جئتك منها بما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذا.
قال في الغزل:
رشأٌ تمكَّن من فؤاد التَّائه ... في قفر حُبِّيه وفي بيدائهِ
أسدٌ يجول بحلية الحسن التي ... فيها الأسود تكون من أُسرائهِ
ملكٌ ترى رمحَ القوم وقوس حا ... جبه وسيفَ اللَّحظ من نظرائهِ
قمرٌ تراءى نحو مرآة السَّما ... ءِ وفيه أثَّر بدره بإزائهِ
أترى أرى نفسي مفكَّهةً به ... ليلاً يحنُّ إليَّ في ظلمائهِ
فلكم تطاول نأيه عنِّي وذق ... تُ به عناً لا ذقت طعم عنائهِ
في ليلةٍ تلقى الكئيب مفكراً ... ممَّا به يرعى نجوم سمائهِ
لولا غزير الدَّمع أحرقه الحشا ... لولاه أصبح مغرقاً ببكائهِ
أمعنِّفي دع عنك تعنيفي فلي ... س يطيعني سمعي على إصغائهِ
لم يصغِ للتَّعنيف مسمع والهٍ ... رسخ الهوى والوجد في سودائهِ
يا صاحبيَّ سلاه هل من عودةٍ ... بزمان أنسٍ تمَّ لي بلقائهِ
أم هل وصالٌ أرتجيه منه أو ... وعدٌ فأبقى في انتظارِ وفائهِ
أم هل أسامر طيفه من بعد أن ... قاسيتُ فرطَ نفورِهِ وإبائِهِ
فهواه داءٌ ضمن قلبي لا يزو ... لُ وما لقلبي مَخلصٌ من دائهِ
فأنا المقيم على المحبَّة والوَلا ... وأنا الذي في الرِّقِّ من خُدَمائهِ
وله من قصيدةٍ كلها درر وغرر:
أما آن من نجم الشُّجون غروبُ ... وحتَّى متى ريح الفتون تنوبُ
تكلِّفني من بعد سلوان صَبوتي ... شَمالٌ تُعنِّي مهجتي وجنوبُ
سهرتُ لها نائي المضاجع فانبرى ... لها بين أحناءِ الضُّلوع لهيبُ
إذا ركدت ريحٌ وقرَّ نسيمها ... أبى منه إلاَّ أن يعود هبوبُ
وفي الصَّدر بدرٌ فيه لم تحظَ أعينٌ ... ولا صوَّرته للنُّفوسِ قلوبُ
محيَّاه روضٌ ناضرٌ في نثيرِهِ ... نظائم منها باهرٌ وعجيبُ
قناةٌ عليها للشُّموس مطالعٌ ... ومركزها دون الإزارِ كثيبُ
بعيدُ مناطِ القُرطِ سحرٌ لحاظُه ... ذَهوبٌ بألبابِ الرِّجال لعوبُ
بديع التَّثنِّي للهواء وللهوى ... نسيمٌ يباري لطفه ونسيبُ
يجول وِشاحٌ أو تَغصَّ دمالجٌ ... إذا لاح في بردٍ وماس قضيبُ
يُرى منه في ريمٍ مهاةٌ وضيغمٌ ... ويعرض في الأخلاء منه مهيبُ
يشوب الرِّضا بالصَّدِّ والوصل بالقِلى ... وما هو إلاَّ مسقمٌ وطبيبُ
تمنُّعُ إطماعٍ وإطماعُ مانعٍ ... ودرٌّ ودَلٌّ رائقٌ وخلوبُ
دعاني إلى الرُّجعى على حين غفلةٍ ... من الحسن والأهواءُ منه تريبُ
دعا سائري من كلِّ عضوٍ وكلَّما ... دعا منه داعيهِ أجابَ مجيبُ
стр. 24
لُسِبْتُ من الصُّدغ الجنيِّ بعقربٍ ... له بين ورد الوجنتين دبيبُ
لئن عاد لي عيد اللَّواعج غرَّةً ... فإن فؤادي للغرامِ نسيبُ
وعنوانُ حالي لو رأى بثَّ بعضهِ ... شُحوبٌ ومن دون الشُّحوبِ وجِيبُ
لحا الله قلبي كم تنازعه الرَّدى ... لحاظٌ لها في صفحتيه نُدوبُ
يلَذُّ الهوى لا دَرَّ دَرُّ أبي الهوى ... وحسبك منه زفرةٌ ونحيبُ
أُدرِّجُ أنفاسي مخافة كاشحٍ ... وأُطرق كيما لا يقال مريبُ
أدين بكتمان الهوى فيذيعُهُ ... فؤادٌ وطرفٌ خافقٌ وسكوبُ
وقالوا غَوِيٌّ لا يتوب وآثمٌ ... وما علموا حوباً فكيف نتوبُ
بحسب التَّوافي من عفافي زاجرٌ ... ومن صونه عمَّا يريب قريبُ
أُجلُّك أن أُبدي هواك علالةً ... ولكن لسان العاشقين خطيبُ
وله من قصيدة، أولها:
نَهْنِه دوالح جفنك المقروح ... وأرحْ طلائح قلبك المجروحِ
ودع الهوى طلق العنان لأهله ... وارْبَأْ بنفسك عن رباه الفيحِ
فلرُبَّما ضاق الفضاءُ بأهله ... ولربَّما سُدَّت مهافي الرِّيحِ
كم ذا تبيتُ مسهَّداً ترعى السُّها ... متململاً من لاعج التبريحِ
كم ذا تصُدُّ عن النَّصيح عمايةً ... وترى وليَّ النُّصح غير نصيحِ
وممنِّعِ كابن الغزالة دونه ... غابا حمًى من ذبَّلٍ وصفيحِ
لم يعتلق مضناه منه بزورةٍ ... تشفي ولا فتكه بمريحِ
لو شئت لا شئت المعادَ إلى الهوى ... لرأيتني بالروح غير شحيحِ
ورأيت آرام الصَّريمِ سوانحاً ... في مجلسي وصوادراً في سوحِي
ورأيتني ضمَّت على متنسِّكٍ ... متعفِّفٍ حين اللقاء كشوحي
وله من أخرى، مستهلها:
وفتًى يرفُّ بمثل ثوب نضارِ ... وعثاعثٍ ترتجُّ تحت إزارِ
أمَّا محيَّاه الوسيم فإنه ... منح القلوب ومطمح الأنظارِ
شفعت ذوائبه الدُّجى وجبينه ... بهر الهلال عشيَّة الإفطارِ
يرنو بأكحل كالجراز فيا له ... من أسودٍ ذي أبيضٍ بتارِ
تبدو له أسد العرين ظواهراً ... فيعيدها أخفى من الأسرارِ
صنمٌ تخرُّ له البطارق سجُّداً ... ليجيرهم فيهيلهم في النَّارِ
إن قلت بدرٌ رابني بسفوره ... أو قلت ريمٌ راعني بنفارِ
لو أنكرت منِّي هواه جوارحي ... فشحوب جسماني به إقراري
لم أنسه واللَّيل بحرٌ مزبدٌ ... بنجومه وأديمه من قارِ
وإذا به وافى يفوح كأنَّما ... زرَّت غلائله على عطَّارِ
صدع الدُّجنَّة فارياً ديجورها ... عن بدر تمٍّ مشرق الأنوارِ
وافتَّر يبسم عن ثنايا وامضٍ ... بلآلئٍ نسق النَّظام صغارِ
قلت: صغر الأسنان ممدوح، قال ابن النبيه:
ولم أرَ قبل مبسمه ... صغير الجوهر المثمنِ
واعتذر عن كبرها القائل:
يفتَّرُّ عن مثل نظم الدُّرِّ أتقنه ... بحسن تأليفه في النَّظم متقنهُ
عابوا كبار ثناياه فقلت لهم ... الدُّرُّ أكبره في العين أثمنهُ
تتمة الأبيات:
علَّت بخرطومٍ كميتٍ سلسلٍ ... لا مزَّةٍ كلا ولا مصطارِ
روح بلا جسمٍ ولكن جوهرٌ ... متصدِّفٌ بالقار والفخَّارِ
لو عبَّ ساقيها دجًى في كأسها ... لرأيت بدراً لسَّ شمس نهارِ
حمراء تحسبها عقيقة بارقٍ ... إن لم تكنها فهي جذوة نارِ
مسكيَّةٌ فكأنها دم شادنٍ ... يحتَّل من كاساتها في قارِ
منها في المديح:
стр. 25
وهَّابُ أذوادِ المطافل يكتفي ... بسقوبها بل واهب الأخطارِ
ينسي أحاديث المكارم إنه ... ملغي الوعود ومهدر الأعذارِ
يطفو السَّخاء على أسرَّته كما ... يطفو الفرنْد على الصقيل العاري
ما زال في طلب العلا حتَّى انبرى ... كهلاً فأدرك خمسة الأشبارِ
في بردتيه أبو دؤاد لجاره ... ولمن يناويه أبو الأذعارِ
مولاي يا كهف الأفاضل والنُّهى ... ويمين بيت الله ذي الأستارِ
إنَّي لأُكبر منك هيبة ضيغمٍ ... وأجلُّها مني عن الإكبارِ
سأقول فيك الشِّعر يقطر حسنه ... أو يستمدُّ السِّحر من أشعاري
يزري بوشيِ الرَّوض نمَّق نوره ... كفُّ النَّسيم وراحة الأمطارِ
وله من أخرى، مطلعها:
أمؤنِّبي في الحبِّ لا متواني ... ما أنت من ولهي ومن سلواني
لا تسقني ماء الملام فإنَّما ... عيناي من ماء الهوى عينانِ
وله بجانحتيَّ صون حديثه ... دينٌ وشأني مخبرٌ عن شاني
لولا ضرامٌ شبَّ بين جوانحي ... لغرقتُ من غربيَّ بالطُوفانِ
رفقاً فلا غير المنية والجوى ... هو أوَّلٌ وهي المحلُّ الثاني
ليت الذي فهقت كؤوس جفونه ... أنهى بهنَّ إليك ما سقَّاني
إنَّ المذرَّبةَ الظُّبي ولحاظه ... أنَّى اتَّجهتُ من الهوى سيَّانِ
لله من أجفان جؤذرِ كلَّةٍ ... يرعى الحشا بدلاً عن الحوذانِ
يطفو النَّعيم على غرارة وجهه ... فترفُّ منه شقائق النُّعمانِ
متوضِّح القسمات يبرح خالباً ... منِّي جناني جاذباً بعناني
وبغيضةٌ سبل الغرام إليَّ ما ... لم يعتسفها ضلَّة الهجرانِ
وسبيَّةٍ من خمر عانة مزَّة ... نظم المزاج بها عقود جمانِ
قتلت بصوبٍ من صبير غمامةٍ ... لمعت بمثل مصابح الرُّهبانِ
ومنها في المديح:
فرعٌ تمكَّن من نصابٍ دونه ... أخذُ الكميِّ بمنكبي ثهلانِ
يقظٌ بأعقاب الأمور كأنَّما ... يدلي بجاسوسٍ إلى الكتمانِ
لا تطَّبيهِ مدامةٌ تجلى على ... عزف القيان ورنَّة العيدانِ
عمَّت فضائله وذاع نوالهُ ... كالشَّمس لا تخفى بكلِّ مكانِ
منها:
واستجلِها عذراء عُلَّ رضابُها ... حمراء تهزأ بالنجيع القاني
شُجَّت بذي خصرٍ يبدِّد فوقها ... حبَيَاً يجول كأعين النِّينانِ
النينان: جمع نونٍ، وهو الحوت. قيل هو جمعٌ غير معروف.
وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد، في قوله في صفة السفينة:
تلاعب نينان البحور ورُبَّما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري
فغيره بشار بتيار البحور وقد قال أبو الطيب يصف خيلاً:
فهنَّ مع السيدان في البرِّ عسَّلٌ ... وهنَّ مع النينان في البحر عوَّمُ
قلت: وأبو الطيب، له في اللغة النظر الصيِّب، وهو ممن يميز الخبيث من الطيب. ومن نتفه ومقاطيعه قوله:
عاطيته حلب العصير ولا سوى ... زهر النُّجوم تجاه زهر المجلسِ
انظر إليه كأنَّه متبرمٌ ... مما تغازله عيون النَّرجسِ
وكأنَّ صفحة خدِّه ياقوتةٌ ... وكأنَّ عارضه خميلة سندسِ
هذا على أسلوب قول ابن هانئ الأندلسي:
خالسته نظراً وكان مورَّداً ... فاحمرَّ حتى كاد أن يتلهَّبا
انظر إليه كأنَّه متنصِّلٌ ... بجفونه ولقد يكون المذنبا
وكأنَّ صفحة خدِّه وعذاره ... تفَّاحةٌ رميت لتقتل عقربا
وله:
صادفته متبذِّلاً بصحابه ... يوماً فأقصر عنهم في منزلِ
وتركته نهب الرِّعاع وإنَّه ... أشهى إليَّ من الرَّحيق السلسلِ
وله:
لقد علقْتَ يا فؤادي ... بالحسين ذي الوسنْ
стр. 26
فإن ظمئْتَ فارشِفن ... ريق الحسين والحسنْ
وله:
ناسَقني الوصْل فهنَّيتهُ ... ميقات موسى فات بالصَّدِّ
لا بدَّ من بينٍ على غرَّةٍ ... ما أنت إلا زمن الوردِ
وله:
لنا نفوسٌ إذا هي انصدعت ... بلمح طرفٍ تقوم ساعتها
عزَّت فعاشت بفقرها رغداً ... وفي اعتزال الأنام راحتها
وله:
نضارة أهل الكيفِ ظلٌّ من اكتسى ... به نحو شهرٍ ظلَّ في النَّاس عاريا
على وجه ميٍّ مسحةٌ من ملاحةٍ ... تزول ويبقى الخزيُ من بعد باديا
وله:
أعدَّ لهمِّه أوراق كيفٍ ... تمدُّ من السرور عليه فيئا
كألسنة الشموع تضيء لكن ... تذيب نفوسها شيئاً فشيئا
أحمد بن شاهين عين الزمان ويمينه، لو حلف ليأتين بمثله حنثت يمينه.
فهو شخصٌ كله جود، وما من فضلٍ إلا في ذاته موجود.
موارد كرمه سائغة، وملابس نعمه سابغة.
مورق عيدان العلا رطبها ... أبلج وجه العرف بسَّامهُ
مع شيمةٍ لو أنَّها في الماء ما تغير، وهمةٍ لو أنَّها للنَّجم ما تغور. وأيادٍ روائحٌ غوادي، كنسيم الرياض غبَّ الغوادي.
فللمزنِ فيض بنانه، وللروض حسن افتنانه. وله فكرٌ إذا اتقد تلهب منه اللهب، وخلقٌ إذا انتقد تبهرج عنده الذهب.
وكان في مبدإه من الجند على طريقة والده، حتى بلغ فنزع بنفسه إلى مجدٍ أغناه مطرفه عن تالده. وحبب إليه أنواع المعارف، فاعتاض عن حمر المضارب بسود المراعف.
كما قال:
صبوت إلى حبِّ الفضائل بعدما ... تقلَّدت خطِّيًّا وصلت بمخذمِ
ومارست من بعد القناة يراعةً ... كأبيض مصقول العوارض لهذمِ
وصار مدادي من سواد محاجري ... وقد كان محمرًّا يسيل كعندمِ
فجاء من التحائف التي بيضت وجوه القراطيس، وجذبت المحاسن إلى صوبها جذب المغناطيس. بما أطلع قدود المها محفوفةً بالولائد، ولآلي الثغور كأنَّها على العقد قد نظمها للقلائد. إلى نظامٍ مثل السوالف زمَّت بالشعور، وأداءٍ كدرر البحور علِّقت في النحور. وشعره وإنشاؤه إذا رآهما الأديب، قال: ليس للبلاغة إلا ذان، يلجان السمع إلى القلب بلا أذانٍ ولا استئذان. أحاطت ببدائعه حواشي الإجادة، إحاطة الحلل بالقدود، وتوشت رياض روائعه بالملاحة توشية العذار بورد الخدود.
فكل ما كتبه أوفاه به لسانه، لا سبيل لأن يجحد حسنه وينكر استحسانه. ومضى عليه زمن وهو في عيشٍ رفيه، والعز ناظر وهو نورٌ فيه.
حتى أسن فوقف الدهر في تعهده دون حقوقه، وخرج إلى ما كان يهيؤه له من بره إلى عقوقه. وأخر مطالبه تأخير الغريم، لدين الكريم.
وبدله عن النشاط المقيم، بالحظ العقيم.
وللزمان حال لا إلى بقا، وصفوٌ لا يبقى على نقا.
فسلوة الأيام موعدها الحشر، ولكتابها منتهًى هو النشر.
ثم عاجله الحِمام، فسقى تربه هطَّال الغمام.
وما جاده الغيثُ عن غُلَّةٍ ... ولكن ليبكي النَّدى بالنَّدى
وقيل فيه:
قلت لما قضى ابن شاهين نحباً ... وهو مولًى كلٌّ يشير إليهِ
رحم الله سيِّداً وعزيزاً ... بكت الأرض والسَّماء عليه
فمما اخترته من آثاره، وألمعت به من نظامه ونثاره. رسالة ألمع على الأسلوب البديع، وجرى فيها على أسلوب البديع.
كتب بها إلى شيخه الحسن البوريني، يتعهد بها مطالعته، ويسأل مراجعته. عقب مهاجرة وقعت بينهما، واقتضت بينهما: أعز الله الشيخ الذي سكن من الجوارح أشرفها، وسلك من طرق الجفا أوعرها وأسرفها.
وبالغ في العقوبة وزاد، واستغرق أوقات الوداد بالبعد والعناد.
وارتكب مركباً من الخليقة صعباً، وقطع جميع الطرق إلا طريق الوفا وثباً.
واستعار أذناً ليستوعي بها المثالب، وعيناً ينظر بها المصائب.
ويداً يبطش بها من كل صاحب ومصاحب، ورجلاً يسعى بها إلى الأباعد دون الأقارب.
ووجهاً يتصرف في أسرَّته، كتصرُّف الملك الجائر في رعيته.
ويفعل بمحبيه، ما لا يفعل الدَّهر ببنيه.
لا تظهر الطلاقة في وجهه إلا ريثما يخلطها بإعراض، ولا ينبسط هنيئةً من الزَّمان إلا وهو وشيك انقباض.
يبدو لطفه لمعاً ثم ينقطع، ويحلو ماؤه جرعاً ثم يمتنع.
стр. 27
فلا يدوم له سرور الهنا، إلا بما هو من حمانا يحلُّه، وبما هو من أعراضنا يستحلُّه.
فيا ليت شعري، أيُّ مصونٍ من سرِّك أذعته، أو مفروضٍ في الخدمة رفضته، أو واجبٌ في الزِّيادة أهملته.
وهل كنت إلا كما قيل: ضيفٌ أهداه بلدٌ شاسع، وأدَّاه أملٌ واسع.
وحداه عقلٌ، وإن قلَّ. وهداه رأيٌ، وإن ضلَّ.
ثم ما أبعدت صحبةٌ إلا أدنت مهانة، ولا زادت حرقةٌ إلا نقصت صيانة. ولا تضاعفت ذمة، إلا تراجعت منزلة.
ولم تزل الغصة بنا حتى صار الوابل رذاذاً، والتشوق المفرط معاذا.
وصار حسن ذلك الالتفات ازوراراً، وطويل ذلك السلام اختصاراً.
وكان المهلب يقول: عجبت لمن يشتري العبيد بماله، كيف لا يملك الأحرار بمعروفه.
وفي الحديث: البشاشة خيرٌ من القرى.
وفي المثل: اليوم العبوس، خيرٌ من الوجه العبوس.
ومن كلامهم: الحوادث الممضة مكسبةٌ لحظوظٍ جزيلة، منها: ثواب مدخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريفٌ بقدر النعمة.
وقد شاهدت فيها خامساً؛ وهو صون ماء الوجه عن الذل والهوان.
مولاي يا من له في كلِّ جارحةٍ ... لسان شكرٍ يؤدي بعض ما وجبا
ما هذه الكراهة من فتًى خفيف الجسد والروح، ثقيل الرأس بالعقل، غضيض الجفن بالحيا، طلق الوجه، عف اللسان، رحب الصدر، باسط الكف بالجود، طويل الباع بالإحسان، صافي القلب، سليم الفطرة، محني الضلوع على الأسى، مطوي الجوانح بالهوى، قصير الخطى عن الأذى.
فما محاسن شيءٍ كله حسن
ما فيه لَوٌّ ولا ليتٌّ تنقِّصه ... وإنَّما أدركته حرفة الأدبِ
على أنني والحمد لله لم أكن ... مذاداً مع الحرمان منك ولا شربُ
ولكنني أبردت صدري بنهلةٍ ... من الفضل غُصَّت دون موردها الشَّربُ
وذلك لأني أطلعت التردد إليك، وعولت أمري في طلبي عليك.
ووردت من أنهار فضلك كل معين، وكنت لي في طلبي وأملي خير معين.
والنعمة لا تجحد، والحسنة لا تكفر.
والشمس لا يمكن سترها بحجاب، والبدر لا يخفى ضوؤه وإن كان تحت السحاب.
والكذب شيمة المنافقين، ألا لعنة الله على الكاذبين.
وأنا ما قلت ذلك إلا رائياً أن لا طيب إلا ما اختلط بترابك، وأن لا سعد إلا ما خيم ببابك.
وأن لا ربيع إلا في بقعتك، وأن لا أنس إلا بطلعتك.
وأن لا فرح إلا بقربك، وأن لا ترح إلا ببعدك، وأن لا نشاط إلا بحبك، وأن لا علم إلا ما استفيد منك، وأن لا فضل إلا ما أخذ عنك، وأن لا دليل إلا ما جيء به معزوًّا إليك، وأن لا سند إلا ما أخذ من فيك، ومحالٌ عليك.
لعلمي بأنك البدر الكامل، والفرد الذي ليس له معادل ولا مماثل.
هذا، مع مغالاتي فيك، ومنافستي عليك، ومناظرتي بك، وانتمائي بالفضيلة التامة إليك.
وإنشادي مستمسكاً بحبل ودادك، ومتمسكاً بترب مهادك.
ومعتقداً أن رضاك ثوابٌ، وغضبك عقاب. ورغبتك إحسان، ورهبتك خسران.
وإعراضك جحيم، والتفاتك نعيم. ومثلك لا مثل يضاهيك.
إن غضب تجمل، وإن تأذى ولو بوهمٍ تحمل.
وإن جاء فاسقٌ بنباءٍ تبصر واستفسر، وإن ثبت لديه شيءٌ ولو دعاء اغتفر واستهتر.
فهاتِ قل لي يا من مكانته ... في القلب قد حلَّها بمفرده
أي جوابٍ لمن يسأل عن حلمك، واستفسر عن ثمرة علمك. فإن الحلم، ثمرة العلم. وهو دالٌّ عليه، كدلالة النور على الثمر، والهالة على القمر. وقد وجد كماله فيك، وظهرت ثمرته عليك، وتذللت قطوفه دانيةً إليك.
وأعود فأقول: بعض هذا الجفا يا مولاي يكفي، وجزءٌ من هذا الإعراض يجزي. وفي قليلٍ من صدودك انتقام كثير، وفي يسيرٍ من هجرك إسرافٌ وتبذير. وفي أدنى ما بلغني عنك كافٍ ومقنع، وفي أقل ما رأيته منك للقلب مؤلم وموجع. وفي المثل: من يسمع يخل، ومن يكثر يمل. وأظن أن الداعي إلى مهاجرتي نميمةٌ جاء بها فاسق، ونبأ افتراه كاشح.
ومع ذلك لو ارتكبت جريرةً لما استحقيت من القطيعة المهلكة أعظم مما رأيته وقاسيته، ولو اكتسبت كبيرةً لما استوجبت من العقوبة المنهكة بعض ما عاينته وعانيته. ولو أشركت، والعياذ بالله تعالى، لمحت ذنبي التوبة والاستغفار، ولو كفرت، معاذ الله، لغطت على كفري الندامة والاعتذار.
стр. 28
ولما أحتمل أن يسمى كبيرة، ويدعى ولو على المجاز جريرة. وهب أنني يا مولاي لا أؤاخذك بأغراضك وإعراضك، ولا أعاتبك بإسرافك وإخلاقك، ولا أقابلك بإخلافك وأخلاقك. ولا أواجهك بانقيادك وعدم انتقادك، ولا أعارضك بإعراضك، وعدم اعتراضك. ولا أطالبك بتألبك، وعدم تألمك، ولا أحاسبك بما حرمتنيه من عطفك، ولا أصادرك وإن سؤتني بما تثنيه من عطفك.
أفي حكم المروءة أن تبعد من يقاربك، وتطرد من يصاحبك. وتطرح من يهابك ولا يملُّك، وتسمح بقطيعة من يجلُّك ولا يخلُّك.
ومن أمثالهم: أهل الحفائظ أهل الحفاظ. والحفائظ تحلل الأحقاد، فأين من سيدي الحفيظة المأمولة لتحلِّل ما عنده وما استقصاه، وتهدم ما شاده الواشي وما بناه.
والعين تعرف من عيني محدِّثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
وقد باغتني مقالةٌ من بعضها في القلب جروحٌ. فليت شعري، وهل ليت بنافعة، متى كان جرحاً، حتى صار قرحاً.
ومتى قدح الزند حتى اضطرم هذا الوقد.
ومتى تكاثف القطر وهمى، حتى اجتمع هذا البحر وطمى ومتى طنَّت الحصا، حتى بلغ مداها عنان السَّما.
وبالجملة فقد شاركت الليال، في تقلب الأحوال. ووافقت الأيام، في اصطناعها اللثام.
هلاَّ ألهمت أن ترد بعقلٍ وتصدَّر بتميز، " وما ذلك على الله بعزيز ".
ولولا أنك أعنتها ونصرتها، وآزرتها وظاهرتها. لردَّت على أعقابها ناكصة، ورجعت على أدبارها خائبة. ولأمنت مكرها، واجتنبت إصرها.
ولكنها جمرة ليل، وأثمر ثمارٍ لا سيل. وبناءٌ على شفا، وعلَّةٌ قريبة الشِّفا.
وقد ثبت أن العقوبة للمسيء، والحرمان للمجرم، والخذلان للمعتدي، والقصاص للمذنب، والمؤاخذة للجاني. وأنا أبيض وجه العهد، واضح حجة الود، مصاحب التوفيق، بريء الساحة، مجانب الهفوات. ولو أنني علمت أنه أمرٌ بيت بليل، لجازيت الصانع كيلاً بكيل، ولكني سأريه ناجذي وأتجلد، وأري الشامتين أني لريب الدَّهر لا أتضعضع.
ولعمرك ما علمت أن صريح الرأي في التحول عنك مطلوب، ولا تحققت أن المجاز في كل تركيب من الألفاظ العرفية متداول مرغوب. لأتبصر أن قول القائل مثلاً: اذهب الأعمى. أن يكون عبارةً عن طرد المخاطب ضمناً، وقد تقرر أن المخاطب يدخل في عموم كلامه لا أن المخاطب يدخل فيما خوطب به. ولو علمت قبل ما عدت بعد.
لست أشكو من امتناعك عنِّي ... يا منى النَّفس حيث عزَّ الإيابُ
سوء حظِّي أنالني منك هذا ... فعلى الحظِّ لا عليك العتابُ
وأحرى بقول القائل:
إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسهم ... فليس بمغنٍ عنك عقد الرتائمِ
حلفت ولم أترك لنفسك ريبةً ... وليس وراء الله للمرء مطلبُ
إني لا قابلت إحسانك بكفر، ولا أسأت أدباً فيما صنعته في خدمتك بأن أتبعه بمنّ. ولك عندي اليد البيضاء التي لا أقبضها عن الدعاء لك، والأخرى التي لا أبسطها بالدعاء عليك.
وها أنا أشكو إليك، جعلني الله فداك، ما لا يمكن الإيضاح به، ولا الصراحة عنه، ولا التوصل بالاستيفاء، ولا التسلط بالاستحضار عليه، ولا التجمل بالإغضاء، ولا البيان لما فيه، ولا التمحل له.
وربما ذكرت البعض منه، وقلت: لعلِّي كنت شائماً سراباً، أو مستمطراً جهاماً، أو رائياً خلَّباً، أو وارداً حيث لا مراد، أو مستعيناً حيث لا معين، أو مستغيثاً حيث لا مغيث، أو مستجيراً حيث لا مجار، أو مستميحاً حيث لا سماح، ولك المثل الأعلى.
لا تعجبوا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في النَّدى والباسِ
فالله قد ضرب الأقلَّ لنوره ... مثلاً من المشكاة والنِّبراسِ
ولو كان رمحاً واحداً لاتقيته ... ولكنه رمحٌ وثانٍ وثالثُ
فهل كنت كالمقتدي بناقضة الغزل، أو كالمستصحب سراةً لملمَّةٍ فإذا عم عزل. أو كراضٍ من الغنيمة بالإياب، ومن المركب بالتعليق، أو كراجع بخفِّي حنين.
هذا، وأنا أقول: لن تضر الحوار وطأة أمِّه. بيد أنه يقال، فيما تقدم ومضى من المدد الخوال:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً ... فليقسُ أحياناً على من يرحمُ
ومثلي من تهفو به نشوة الصِّبا ... ومثلك من يعفو ومالك من مثلٍ
стр. 29
وإني لينهاني نهاي عن التي ... أشاد بها الواشي ويعقلني عقلي
وما أنا بالمهدي إلى السؤدد الخنا ... ولا بالمسيء القول في الحسن الفعل
فهات جواباً عنك ترضي به العلى ... إذا سألتني بعد ألسنة الحفلِ
فبين الرِّضا والسُّخط ظنِّي واقفٌ ... وقوف الهوى بين القطيعة والوصلِ
ولو تيسرت لي مخاطبتك مشافهةً لكان لي معك ذوقٌ من الكلام، لكن لما عزَّت المشافهة، استغنيت بالمكاتبة والمراسلة، قائلاً:
لك الحمد أما من نحبُّ فلا نرى ... وننظر من لا نشتهي فلك الحمدُ
ولعمري إن ليلي عليك ليل السليم، ونهاري دونك نهار الأليم. وفكري قد صدئَ لعدم مطارحتك، وطرفي قد قذي لندرة مشاهدتك. وقلبي لعزة رضاك واجبٌ مضطرب، وصدري لعلة مؤانستك حرج ضيِّق، وفمي لبعد مصاحبتك واجمٌ ساكت، وصادف حجاي عارضٌ وعين، فغلبني الدمع بسلاسل من عسجد ولجين:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمرُ
لقد صديت مرآة الخيال، وقذي طرفٌ طال ما سهر الليال. وتزلزل محلُّ سيدي من قلبي، أطال له البقاء، ومنحه سوابغ النعم والارتقاء.
رفقاً بمنزلك الذي تحتلُّه ... يا من يخرِّب بيته بيديهِ
وضاق وسع الفضا، وسكت مصقع الخطبا. وجنَّ صاحي القوم، وبكت مقلةٌ يعزُّ عليها النوم.
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ... وأذللت دمعاً من خلائقه الكبرُ
معلِّلتي بالوعد والموت دونه ... إذا متُّ عطشانا فلا نزل القطرُ
أما تتقي الله في واقفٍ أمامك، مستغفرٍ تائب. وأرق ما يعرض على المولى قول القائل:
سلي تعلمي إن كنت غير عليمةٍ ... بأن ليس في حبِّي لغيرك مطمعُ
فأنَّ لي القلب الذي ليس خالياً ... من الوجد والجفن الذي ليس يهجعُ
فوالله ما أنفكُّ أذكر موضعي ... لديك ولا أنفك نحوك أنزعُ
وبالجملة:
أُعيذها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورمُ
وهاك هدية الوقت، وعفو الساعة، وفيض البديهة. ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم. وجمرات الحدَّة، وثمرات المودَّة. ومهاداة الخاطر للناظر، ومباراة الطَّبع للسَّمع، ومجاذبة الجنان للبيان. وها هو جواد البلاغة علك الشَّكيم، حابس العنان، لم يأخذ طلقه، ولم يستوف مضماره.
وهذا هو النهض فما بالك بالركض، وقد آلى لا يعرق عرق التنبيه ما لم يسمع بتصهالهِ، ويرعد بقرع نعاله. ويوصل ممتطيه غايةً لا تدرك، وغارةً بالرياح الهوج لا تنهك. ومع ذلك لو نظمت النثر كالدرر، وأتيت به رائقاً كنسيم السَّحر، وموشياً كألوان الزهر، وما كنت إلا كمهدي التمر إلى هجر، والفصاحة لأهل الوبر.
وآخر ما أقول إن ودي موقوفٌ عليك، وحبيس سبيلك، وتحت رهنك. فمتى عاودته، وجدته سائغ المعبر، غضَّ المنظر، جنيَّ المخبر. يندى بشاشةً، ويقطر حسناً، ويفوح عنبراً، ويثمر لطفاً. فإن فعلت ذلك فهو حسن، وإن عدت فالعود أحمد. وإن كان الأمر كما يقال: لا ولا. فالغبن مشترك. والله يتولى السرائر، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وإن راسلتك بما زاد أو نقص فهو منك، وبسببك والسلام.
وله من كتاب كتبه، وهو بجبل الشوف، إلى بعض خواصِّه، جواباً عن كتاب كتبه إليه، يطلب بعض طرائف الجبل: وإني أراك تُهدي ولا تستهدي، وتضلُّ في رأيك ولا تستهدي.
وكأنك تلوِّح بطرائف هذه الجبال، وليس فيها سوى العُقاب والوبال، عدد ما فيها من الحجارة والرمال.
وما ظنِّي إلا أنَّك تسبَّبت إلى استهداء طرائف المقال، وتقنَّعت عن جرِّ الأثقال، بالقيراط من الجواهر والمثقال.
وإلا فأنت أعلم بالحال، وما فيها من ضروب المحال، والاختلال، والاعتلال، والاضمحلال، والابتذال.
ولقد قرأت في أخبار بعض الأخيار؛ أن بعض الأدبار الأُرباء، كتب إلى بعض الأمراء النُّجباء. يستهديه من طرائف خراسان، ويلوِّح بالإحسان من فضل ذلك الإنسان.
فكتب إليه ذلك الأمير العريض الجاه، سقا الله ثراه، ورضي عنه وأرضاه: أما بعد، فقد وصل كتابك، معرِّضاً بطرائف هذه الناحية، وقد بعثت إليك بعدل صابونٍ لتغسل عني طمعك، والسلام.
стр. 30
قلت: وفي هذه الحكاية تسليةٌ للشيخ الذي رضاه قريب الغاية، وتلافيه لا يحتاج لشدة عناية، لوجود الكفاية. لأنه ربما يكتفي في الهدية، ببلغةٍ حامدية أو أحمدية. فيغسل طمعه رطل صابون، ويدفع عطشه وعد الكمون، وهو حرٌّ قانعٌ بالدُّون.
وله من رسالة كتب بها إلى أبي العباس أحمد المقري، ذلك الإمام اللوذعي العبقري، يذكر فيها موت ولدٍ له صغير: لا أوحش الله مولانا الأستاذ مما سيعرض على سمعه من عُجَري وبُجَري، ومن حديثي وغريب سمري. وهو أن الله سبحانه وله الحمد، قد جعل رونق معاشي، وريحانة فؤادي من غير تنفيس مهلةٍ ذخر معادي، ومشرد رقادي.
وقد مات للحجاج ولد، وكان بيضة البلد. فصعد متن المنبر، وحمد الله وشكر وأكثر.
ثم قال ويده على كبده، من حرِّ ما يجدِهِ: الحمد لله الذي يقتل أولادنا ونحمده.
ونظر أبو الحارث، وكان مشوه الخلق في المرآة، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه. وها أنا يا سيدي، أحمد الله سبحانه، وقد فقدت جزء نفسي، وفلذَة كبدي، وشطر روحي، ونور عيني. وما أسفي إلا على ما سمَّاه الشيخ باسمه، ووسمه بوسمه. وأرَّخ مولده، وحمد مصدره ومورده. وقد عراني بسببه الذُّهول، وأنا في سنِّ الكهول. ولولا ذاك لما أغفلت خدمة سيِّدي إلى الآن، من رسالةٍ أستجلب بها شرفاً طارفاً، كما استفدت في الفوز بخدمته مفخراً سالفاً.
وله من رسالة إلى بعض حواشيه، يعاتبه على نقيصةٍ قذف بها بحر واشيه: اعلم، أصلحك الله، أن خبر السوء ينمو ويربو، ويبلغ متراكماً متضاعفاً، ويصل متواتراً مترادفاً. ثم إنه في السرعة يقطع مسافة سنةٍ في جمعة، وذلك أنَّ الشرَّ أغلب في الطباع، والهوى كما يعلم به القاضي شفيعٌ مطاع.
والنَّفس أقرب إلى العقوق، ولإضاعة الحقوق. والعقرب، إلى الشرِّ أميل. والأفعوان، بعيد من مراتب الإحسان.
ومن وزن الميزان في غير ميزانه، عوقب بنقصانه، وعدم رجحانه. ولعمري لولا أن الخبر يحتمل سامرين، ويتردَّد بين شفتين. لأوجعت القاضي عتباً، ونهبت أديمه نهباً، وأخذت كلَّ سفينةٍ غصباً. كأنَّ القاضي سمع قولهم:
إذا أنت لم تنفع فضُرَّ فإنَّما ... يراد الفتى كيما يُضَرُّ وينفعُ
فعمل بمعناه، وتمسك بفحواه، ونسي أُولاه وأُخراه.
قال الصاحب لأبي سعد الرُّستمي حين جفاه:
فلعلَّ تيماً أن تُلاقي خطَّةً ... فتروم نصراً من بني العوَّامِ
القاضي، وإن كان يحتاج إلى ما هو أوضح في العتاب، من هذا الخطاب. تقريباً لفهمه، وتوضيحاً لعلمه. ولكن هو كما قال أبو الطيب:
وكلمةٍ في طريقٍ خفتُ أُعربها ... فتهتدي لي ولم أقدر على المحنِ
وإنما نهجت على سَنَني في البلاغة، وسبيلي في الخطابة والكتابة. وهو أصلحه الله تعالى على سَنَنِه في الجفا، وقلِّة الوفا، ووقوفه من الصِّدق في الصَّداقة على شفا، وحسبي الله تعالى وكفى.
وكان بينه وبين أبي الطَّيِّب الغزِّي مودَّة ومصافاة، ثم أعقبها مقاطعة ومجافاة. فكتب إليه هذه الاعتذارية النابغة، وهي كما تراها تهزأ باعتذارات النَّابغة. ومطلعها:
ألمَّت أيادي الخطب سائمة العتب ... على أنها العُتبَى تكون لذي الحبِّ
يقول فيها:
لأية حال يا ابن خيرِ أرومةٍ ... أُذاذد عن العذب الزُّلال بلا شربِ
وأشرب صاب الدَّمع يطفو أجاجُه ... لبُعدك والأعداءُ واردةُ العذبِ
منها:
فيا ليت شعري والأماني تعلُّلٌ ... وروض المنى ينبيك عن وابلٍ رطبِ
متى أردِ الإسعاف في منهل الرِّضا ... وأعتاض عن نزر المودَّة بالسَّكبِ
وقد كنت آتي في السَّلام تتابعاً ... فلم صرت أرضى في الزِّيارة بالغَبِّ
ولو أنَّني واقعت عمداً جريرةً ... لما كان بدعاً منك داعية السَّبِّ
ولكنني والله أعلم لم أكن ... لأقطع أوصال المحبَّة كالإربِ
ولم أستثر حرب الفجار ولم أُطع ... مسيلمةً إذ رام آلفة الحجبِ
ولم أعتقد أن الخلافة فلتةٌ ... بعهد أبي بكرٍ ولا كان من دأبي
ولم أرم فاروق العدالة غيبةً ... وقد طلبت منه النَّجيبة بالكذبِ
стр. 31
ولم أكُ نجواً للخوارج إذ بغوا ... على قتل عثمان بسطوةِ ذي شُطبِ
ولم أكُ سلماً لابن ملجم إذ سطا ... لحربِ عليٍّ والهوان لذي الحربِ
ولم أكُ في قتل الحسينِ مجرِّداً ... لصِمامتي أو أن يذاد عن الشُّربِ
ولم أختلق بِدعاً وحسبك داعياً ... إذا كان عرض المرء منثلم الغربِ
وهبْ أنَّني مارستُ ذلك كلَّه ... فحسبي من الإعراض يا أملي حسبي
وقد وقفت من هذا النمط على اعتذارية، توسل بها أبو جعفر المري في تربة المهدي، عند عبد المؤمن سلطان الأندلس، بعد أن نكبه، وهي هذه: تالله لو أحاطت بي كلُّ خطيئةٍ، ولم تنفكَّ نفسي عن الخيرات بطيئة. حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السُّجود.
وقلت: إنه لم يُوحَ في الفُلك لنوح. وبريت لقدارٍ نبلاً، وبرمت لحطب نار الخليلِ حبلاً. وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطِّين. وقبضت قبضةً من أثر الرَّسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها. وذممت كلَّ قرشي، وأكرمت لأجل وحشيٍّ كلَّ حبشي.
وقلت أن بيعة الثَّقيفة، لا توجب إمامة الخليفة. وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتقلت من حصار الدَّار وقتل أشمطها بشعبة.
وغادرت الوجه من الهامة خضيباً، وناولت من قرع سنِّ الحسين قضيباً. ثم أتيت حضرة المعصوم لائذاً، وبقبر الإمام المهديِّ عائذاً.
لآن لمقالتي أن تسمع، وتغفر لي هذه الخطيئات أجمع.
فعفواً أمير المؤمنين فإنَّنا ... نُقلُّ قلوباً هدَّها الخفقانُ
وكتب إلى الأمير محمد بن منجك يسلِّيه وقد احترقت يده وقدمه، بنارٍ اعتلقت بمطبخه ليلة عيد الفطر، وقد أجاد وأحسن كلّ الإحسان:
قالوا يد المنجكيِّ ذو الرُّتَبِ ... آلمها النار قلت من عَجَبِ
يمينه ديمةٌ ونائلها ... بحرٌ فكيف اختشت من اللَّهبِ
تضرُّه النار وهو مطفئها ... والنار ليست تضرُّ بالسُّحبِ
وإنَّما قام وهو محتفلٌ ... كعادةٍ منه تنتمي لأبِ
تبغي قِرى الضَّيف في إثارتها ... وذاك دأب الكرام في العربِ
فقبَّلتْ كفَّه لما له نظرتْ ... من هِمَّةٍ للقِرى مع النَّصبِ
أو قد رأت مكرمات راحته ... عمَّت جميع الأنام بالنَّشَبِ
فبادَرَتْه لتجتدي نشباً ... منه فساءت مواطن الطَّلبِ
وضرَّ أقدامها ولو عقلتْ ... لقَبَّلَتْها بغاية الأدبِ
لكن بحمد الإله ما شُغلت ... عن مسِّها لليراع والقُضُبِ
انظر إلى وجوده وقد طلبتْ ... من كفِّه قبلةً فلم تخبِ
جُودٌ يروح الجمادُ يطلبه ... ما شِيمَ كلاَّ في سالف الحقبِ
ومن نتفه قوله:
نَصَل الشَّباب وما نصُلتُ عن الهوى ... وبدا المشيب وفيَّ فضلُ تصابي
وغدوتُ أعترضُ الدِّيار مُسلِّماً ... يوماً فلم تسمح بردِّ جوابِ
فكأنَّها وكأنَّني في رسمها ... أعشى يحدِّق في سطور كتابِ
وقوله:
إني أبُثُّك حبًّا ... حُبًّا يرى السِّلم حربا
ويغصبُ القلبَ غصبا ... وينهب الصبر نهبا
يا من كوى ألف قلبٍ ... سامح من النار قلبا
وقوله:
يا عدوًّا قد ظلمنا ... هُ بتلقيب الحبيبِ
وغريب الطَّبع فينا ... وهو في زيِّ قريبِ
ما قليلٌ أنت لكن ... منك قد ضلَّ نصيبي
وقوله:
لاحظته فتغيَّرت ... لحظاته غضباً لحربي
فاستلَّ من أجفانه ... سيفاً وأغمده بقلبي
يا من رأى في دهره ... قلباً غدا غمداً لعضبِ
وقوله:
يا شقيق الظَّبيِ لحظاً ... والرَّشا في لفتاتكْ
فتَّ غصن البان قدًّا ... والنَّقا في خطراتكْ
لست هاروت ولكن ... سحره من حركاتكْ
عظَّم الله بصبري ... أجر ماضي لحظاتكْ
стр. 32
أنا والله قتيلٌ ... هالكٌ من نظراتكْ
جرحت قلبي وهذا ... شاهدي في وجناتكْ
أنا أستبقي حياتي ... لتُقَضَّى في حياتكْ
كيف تعصيك حياةٌ ... هي من بعض هباتكْ
آه من ضعف غرامي ... وتقوِّي عزماتكْ
آه من طول عنائي ... وتداني خطراتكْ
وله من قصيدة، مطلعها:
ذا ودادي وهل ترى لودادي ... حافظاً في الأنام مثل فؤادي
كلَّما رحتُ أستميح حبيباً ... ودَّه جاد لي بضدِّ مرادي
فكأنَّ الأنام أضحوا فلاناً ... وفلانٌ هو الذي لي يعادي
كلَّما رمت قربه أخذت بي ... شيمةٌ منه تقتضيه بعادي
مثل صبري إذا تلقَّى هواهُ ... كان ذا رائحاً وذلك غادي
إن تمادى بنا جفاهُ قليلاً ... فانتظر للأساة والعٌوَّادِ
عجباً من نواك وهو طريفٌ ... كيف لم يرع حقِّ قرب تلادي
أخلفَتْك الشؤون عجزاً فجادت ... بالسَّواري أكبادنا والغوادي
ليس عندي من الدُّموع سوى ما ... وهبتْهُ عصارة الأكبادِ
كان طول القناة ودُّك عندي ... فانبرى من جفاك عرض النِّجادِ
لا تلمني على هواك فإنَّا ... قد أتينا معاً على ميعادِ
صادف القلب خالياً فاحتواه ... مطمئِنَّاً وكان بالمرصادِ
معنى البيتين ينظر إلى قول الآخر:
أتاني هواهُ قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكَّناَ
نقل عن أبي بكر الأصبهاني أنه عابه، فقال: كل من صادف مكاناً خالياً تمكَّن فيه، والمستحسن أن يعرفه من دونه.
أقول: هذا كلام من لم يذق حلاوة المعاني؛ فإنَّ الشاعر قصد أن غرامه قائمٌ، لم يسبقه غيره، فإنه متمكِّن في قلبه لا يزول، وما قصد معنًى آخر، كما قيل:
أتاني هواه والهوى قد أحاط بي ... ليجمل بيت القلب للحبِّ منزلا
فصيَّرته وقفاً عليه ولم يجد ... إليه سبيلاً غيره فتحوَّلا
تتمة الأبيات الأولى:
كان لي منك لحظةٌ أصطفيها ... فغدا لحظها كسيف الأعادي
كنت أخشى غِرارها وهي سلمٌ ... كيف إذ جرِّدت من الأغمادِ
عملت للوشاة فينا سيوفٌ ... عجباً رحن وهي غير حدادِ
لست مستسعداً حبيباً تجنَّى ... لي ذنباً وصدَّ عن إسعادي
آه من وصلك البعيد التَّداني ... آه من هجرك الكثير التَّمادي
لا ابتلاني الإله بعدك حتى ... يلبس الخدُّ منك ثوب الحدادِ
ويرى الورد كالبنفسج لوناً ... منك والأقحوان غير نوادي
إذ عرى نرجس العيون ذبولٌ ... وغدا الغصن ليس بالميَّادِ
ذاك نوحي عليك وهو زمانٌ ... منصفٌ للهوى من الأضدادِ
ومن نتفه قوله:
علَّمتني الذُّلَّ حتى صرت آلفه ... وما التذَّلُّلُ خلق الباز والأسدِ
يا من أهان فؤادي من محبته ... أعزَّك الله فارحمني ولا تزدِ
قد صرت طوع يد الأشواق مكتئباً ... من بعد ما كانت الأشواق طوع يدي
وقوله:
وأذكرني قدَّ القناة قوامه ... وهزَّني الشَّوق اهتزاز المهنَّدِ
وأزعجني حتى ظننت وسادتي ... عليَّ وقد أمست كقطعة جلمدِ
ألا إنَّني يا شوق بالله عائذٌ ... ومستشفعٌ من فتنتي بمحمدِ
وله من قصيدة، أولها:
لحى الله أوقاتي وضاعف من صبري ... على مرِّها مرَّ السَّحاب بالقطرِ
تحاربني الأيام حتى كأنَّني ... تطالبني عن كلِّ من مات بالوترِ
الوتر: الذَّحل، وهو الثأر.
قال يونس: أهل العالية يقولون: الوتر، يعني بالكسر: في العدد، وفي الذحل، بالفتح.
عددت أويقاتي ولاحظتُ طيبها ... فأجودها ما مرَّ في الحلم من دهري
إذا رحتُ أحصيها لأعلم يسرها ... عدمت حياتي والمصير إلى عسرِ
стр. 33
متى ما اعتبرتَ العمر ما كان صافياً ... تجد رجلاً قد عاش عمراً بلا عمرِ
هذا معنًى غريب، وأظنه تناوله من قول الحتاتي، وهو:
عمرُ الفتى قالوا زمان الرِّضا ... بصفوة الأحباب في اليسرِ
صدَّقت ما قالوه كي يُقبلوا ... فينظروا شيخاً بلا عمرِ
وأصله قول الأمير أسامة بن منقذ:
قالوا نهاهُ الأربعون عن الصِّبا ... وأخو المشيب يجور ثمَّتَ يهتدي
كم حار في ليل الشباب فدلَّه ... صبح المشيب على الطَّريق الأقصدِ
وإذا عددت سنيَّ ثم نقصتها ... زمن الهموم فتلك ساعة مولدي
قال العماد الأصفهاني: تعجب من مقاصد هذه الكلم، وتعرض لموارد هذه الحكم واقض العجب كل العجب من غرارة هذا الأدب، ولولا أن المداد أفضل ما رقم به صحائف الكتب، لحررت هذه الأبيات بماء الذهب، فهذا أبلغ من قول أبي فراس الحمداني:
ما العمر ما طالت به الدُّهور ... العمر ما تمَّ به السُّرور
فالفضل للمتقدم في ابتكار المعنى، وللمتأخر في المبالغة.
العود أحمد:
وها أنا في طيِّ الليالي معدِّدٌ ... كواكبه من حيث لا حاسبٌ يدري
كأنِّي في همِّي مدى الليل راكبٌ ... على فلك نائي المدى أبداً يسري
أروح مجدًّا مصعداً وعزيمتي ... إلى اللَّوح كي أقرا به سورة اليسرِ
وأحفظها من جبهةٍ شمْتُ نورها ... على بعدها قدرُ الكواكب والبدرِ
وله:
عجبت للشمس إذ حلَّت مؤثِّرةً ... في جبهةٍ لم أخلها قطُّ في البشرِ
وإنما الجبهة الغرَّاء منزلةٌ ... مختصَّةٌ في ذرى الأفلاك بالقمرِ
ما كنت أحسب أن الشمس تعشقه ... حتى تبيَّنتُ منها حدَّة النَّظرِ
وله:
انظر لأوراق الربيع وقد بدت ... محمرَّةً في صفرة الأشجارِ
وكأنَّها لما تبدَّت بينها ... شفقٌ تبدَّى في سماء نُضارِ
وله:
قد أُحبُّ الرَّبيع لِلَّهو فيه ... بلطيف الهواء والأزهارِ
ثم فصلُ الخريفِ عنديَ أحلى ... لاجتنائي فيه لذيذ الثِّمارِ
ومن غزلياته قوله:
ومعذِّرٍ خفيت خطوطُ عِذاره ... فبدت لطالب وصله أعذارهُ
قد لاح تحت ورودِه ريحانةٌ ... وبدا خفيًّا للعيون غبارهُ
يبدو فتقطر بالدِّما أقطارُه ... دلاًّ ويخطو بالخُطى خطَّارهُ
رقَّت شمائله ورقَّ كلامُه ... وتعبَّدت أوطارنا أوطارهُ
فشككْتُ بين مؤنَّثٍ ومذكَّرٍ ... فيه فأنْبَا باليقين عذارُهُ
من هذا، بل أجود منه قول تقيِّ الدين الفارسكوري:
توهَّمتُه شمساً وكان يريبني ... نسيم الصَّبا منه ومن طبعها الحَرُّ
فلمَّا دجى ليل العِذارِ ولم يغب ... علمتُ وزالت شبهتي أنه البدرُ
وله:
وما زالت تخبِّرُني المعالي ... سراراً لا أطيق له جهارا
فإن أظفرْ به فأنا حَرِيٌّ ... وإلا فالمقدَّر لا يُجارى
وحيَّاه غلامٌ بوردةٍ، فقال:
انظر إلى وردةٍ حيَّى بها رشأٌ ... نشوان وافى من الغلمان كالحورِ
كأنَّها شفتاه حين جاء بها ... مضمومةً إذ بدت أو طرفُ مخمورِ
في التشبيه الأول شمةٌ من قول الشريف الرضي:
كم وردةٍ تحكي بسبق الورد ... طليعةً تشرَّعت من جندِ
قد ضمَّها في الغصن فرط البرد ... ضمَّ فمٍ لقبلةٍ من بُعْدِ
ولابن الرومي:
وردٌ تفتَّح ثم ارتدَّ مجتمعاً ... كما تجمَّعت الأفواه للقُبَلِ
ومن تضامين ابن تميم الفائقة:
سبقتْ إليك من الحدائق وردةٌ ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعتْ بلثمك إذ رأتك فجمَّعت ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا
وأصله قول المتنبي في راكب فرس:
ويُغيرني جذب الزِّمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا
وله عاقداً لحكمة تؤثر:
стр. 34
إذا أقبلت دنياك يوماً على امرئٍ ... كسَته ولم يشعر محاسن غيرهِ
وإن أدبرتْ سلبتْ محاسن نفسه ... وكُسى شروراً عن ملابس خيرهِ
وله:
كلُّ الحوائج تنقضي ... فاعجب لفرقِ قضائها
فالأُسد تفترس المها ... وتعيثُ في أعضائها
والنَّمل عظمٌ واحدٌ ... منها يفي برضائها
وله من النوع الذي يسمى بالاكتفاء:
إنَّ احتفال المرء بالمرء لا ... أحبُّه إلا مع الاكتفا
مبالغات النَّاس مذمومةٌ ... فاسلك سبيل القصد في الاحتفا
فيها التزامٌ عجيب، لم ينظم مثله، وهو أن يكون اللفظ المكتفي به بمعنى اللفظ المكتفي منه؛ فإن الاحتفاء والاحتفال بمعنى الاعتناء؛ فيكون على هذا الاكتفاء وعدمه على حدٍّ سواء، إذ لو قطع النظر عن لفظ الاحتفال لأغنى عنه لفظ الاحتفاء، مع تسمية النوع فيهما.
وله:
أضمُّ على قلبي يديَّ تشوُّقاً ... وألوي حيازيمي عليك تحرُّقاً
تساوى حضوري في هواك وغيبتي ... ومن عجبٍ شوقٌ لدى البعد واللِّقا
رعى الله قلبي حيث كان فإنَّه ... غدا بحبال الشَّمس منك معلَّقا
ومن رباعياته قوله:
أبكيك ولو بقدر شوقي أبكي ... أوردت محاجري حياضَ الهُلكِ
لو قال لي الغرام ممَّن تشكو ... بأساً وأساً لقلت منكي منكي
وله:
أيُّ ذنبٍ ليَ قل لي ... غير حظٍّ منك قلِّ
أتراني منك أصبح ... تُ برأيِ مستقلِّ
لك نفسي أيها ال ... جاني فخذ جهد المقلِّ
وله:
أيُّها الجاني المدلُّ ... لك نفسي وتقلُّ
طال تعذيبك قلبي ... فعذابي لا يحلُّ
أنت في حلٍّ فبادر ... بدمٍ ليس يحلُّ
وله من قصيدة، مطلعها:
عذراً لطيشك إن السنَّ مقتبل ... فليس ينفع في أشواقك العذلُ
سبعٌ وعشرون لو مرَّت على جبلٍ ... لراح يختال منها ذلك الجبلُ
قضَّيت فيها شباباً لو تطلَّبه ... رضوان في الخلد أعيتْ قصده الحيلُ
نظيمةٌ كعقود الدرِّ في نسقٍ ... فلو حوتها عقودٌ زانها العطلُ
نشوان أطفح من خمر الشَّباب ولا ... كنشوة الخمر يشكو فعلها الثَّملُ
من حيث عندي فكاهاتٌ ألذُّ بها ... راحي الرُّضاب وتفاحي هي القبلُ
أعانق الغصن في أكمامه قمرٌ ... وألثم البدر في أعطافه كسلُ
لو حلَّت الشَّمس يوماً في محلَّتنا ... لراح يندبها من شجوه الحملُ
أو قابل البدر عندي من أسامره ... لمسه دونه التَّشوير والخجل
أيام لم أحتمل للصبر عاقبةً ... ولم أقل ليت جفني راح ينهملُ
مرَّت فلا صفوُها في العيش ذو رنقٍ ... يوماً ولا ظلُّها في الأمن منتقلُ
تلهو السِّنون بها في أمرهنَّ كما ... يلهو بقلب الفتى في يومه الأملُ
وله الميمية التي أبانت عن شغف، كاد يفضي به إلى التلف، وغرامٍ رمي منه بكلف الكلف. وسبب ذلك صدُّ حبيبٍ لم يدع فيه للتَّحمل محلاً، وأذهل لبَّه فتركه بمقتضيات الحب مخلاً، وهي هذه:
حكَّمتهم في فؤادي حسبما رسموا ... فليتهم حكموا بالعدل إذ حكموا
أو ليتنا قد صبرنا مذعنين لهم ... أو ليتهم إذ تولوا أمرنا رحموا
جاروا ولو علموا أني لحكمهم ... طوع القياد لما جاروا ولا ظلموا
ضنُّوا بصحبتهم عنا ولو علموا ... صدق المحبة منَّا خلتهم ندموا
هم عرَّضونا لبلواهم بقربهم ... حتى إذا ما رأوا إقبالنا سئموا
كنَّا بنينا لهم في القلب منزلةً ... علياء حتى إذا ما شيِّدت هدموا
ظنُّوا بنا غير ما تطوي سرائرنا ... والله يأبى الذي ظنُّوه والكرمُ
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثُّريَّا وذانِ الشَّيبُ والهرمُ
стр. 35
رأيتهم لم يمَلُّوا خلَّتين لهم ... وبئْستِ الخلَّتان الغدر والسَّأمُ
رحلت عنهم ولي في كلِّ جارحةٍ ... منِّي لسانٌ عليهم يشتكي وفمُ
وإن ترحَّلت عن قومٍ وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالرَّاحلون همُ
يا نازحين عراهم من تذكُّرنا ... عارٍ فلا مسَّكم من بعد ذا ألمُ
جنيتم ثمَّ رحتم عابثين وهل ... في العدل أن يعتب الجاني ويجترمُ
كنتم ولا عيب فيكم غير أنَّكم ... قد شاب ماءكم للشاربين دمُ
عجبتُ منكم وفي أخلاقكم عجبٌ ... كيف استوى فيكم المخدوم والخدمُ
سلبتم النَّفع حتَّى ظنَّ طالبكم ... أنَّ الذي قد تولَّى كبركم صنمُ
غدرتم ووفينا في محبَّتكم ... إنَّ الوفاء لدى أهل النُّهى ذممُ
قد كنت يوسف إذ بعتم كإخوته ... بالبخس مني فتًى تغلو به القيمُ
لا ذنب فيما أحلتم للوشاة وهل ... للخصم ذنبٌ إذا لم ينصف الحكمُ
إن كان يجمعنا حبٌّ لفرقتكم ... فليت أنَّا بقدر الحبِّ نقتسمُ
هل في القضية ممن لست أنسبهم ... أنِّي على حبِّكم بالصِّدق متَّهمُ
إن كان حبُّ الفتى ذنبٌ يعدا له ... إني إذاً أنا بالبغضاء متَّسمُ
زعمتم أنَّنا نهوى شمائلكم ... وإنَّما تعشق الأخلاق والشِّيمُ
أيُّ الفريقين أوفى عندكم نفرٌ ... هَوَوْا وما كتموا أم معشرٌ كتموا
لم تفرقوا ما البزاة الشُّهب عندكم ... وقد أحاطتكم الغربان والرَّخمُ
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلمُ
فرَّطتم في عقود الودِّ فاغتنموا ... تفريطكم إنه ما ليس ينتظمُ
جمحتم اليوم عن طرق الوفاء فلا ... جذب الأزمَّةِ يثنيكم ولا اللُّجمُ
رحتم تغضُّون منِّي دون أسرتكم ... حتى كأنيَ في أجفانكم سقمُ
بيني وبينكم بهماء مظلمةٌ ... من غدركم لم تجبْها الأينقُ الرُّسمُ
جهلتم قدر معروفي ومعرفتي ... وسوف يبلغ شأوه النَّدمُ
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صممُ
أبدو فيخضع من بالسُّوء يذكرني ... كأنَّني فوق أعناق العدى علمُ
صفحت عنكم فلا أنِّي قبلت لكم ... عذراً ولكنَّ نفسي دأبها الشَّممُ
فادعوا بأبنائكم حتى نباهلكم ... أو لا فإنا لها الإنصاف نحتكمُ
أرخصتم سعر شعري في مديحكم ... فراح يهجوكم القرطاس والقلمُ
أنام ملء عيوني لا أعاتبكم ... وتسهر السُّمر من أجلي وتختصمُ
جنايةٌ أرْشُها وصمٌ لكم أبداً ... وشرُّ ما يكسب الإنسان ما يصمُ
من لي بأن تفقهوا أن الأنام بكم ... نصفان مستهزئٌ والنِّصف منتقمُ
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍ ... لو أن فعلكم من فعلنا أممُ
هجرتم وهجرنا منصفين وفي ... فعل النُّهى دون أفعال الورى حكمُ
ضاق الكِناس عليكم يا ظباءُ بنا ... وليس للأُسد إلا الغاب والأجمُ
ما لي وآرامكم حتى أخالطها ... وفي التَّقرب ما تدنو به التُّهمُ
فارقتكم لا فؤادي راح مضطرماً ... شوقاً ولا العين في أجفانها ديمُ
سلوا تنبِّيكم حالي وما صنعتْ ... من بعد فرقتكم في صدريَ الهممُ
وكيف أصبح قلبي في تقلُّبه ... والعين كيف كراها راح يزدَّحمُ
يدٌ علينا لواشينا فلا عثرتْ ... ولا سعتْ لتجافينا به القدمُ
قد هان في بصري ما كنت أبصره ... كأنَّما يقظتي في وصلكم حلمُ
стр. 36
وكنت أبكي على حظِّي بكم زمناً ... فصرت أعجب من حظِّي وأبتسمُ
وصرت أندبكم لا أنَّني أسِفٌ ... لكن لأعلم قومي أنَّكم رِممُ
طلبتُ صحبتكم حتى وجدتكم ... إذا احتفلْت بكم سيَّان والعدمُ
ورحت والصَّبر لم تثلم جوانبه ... وعدت والقلب مني باردٌ شَبِمُ
إني وما ضمَّ قلبي من سلوِّكمُ ... أليةً ليس عندي غيرها قسمُ
قد اغتنمتم بعادي عن مجالسكم ... وليس قربكم في النَّاس يغتنمُ
وكنت أزعم أن البيت بيتكم ... وأنَّ عرضكم دون الورى حرمُ
وأنَّني عبدكم حتى رأيت لكم ... عبداً يسيء بمولاه وينهزمُ
ما كان لي أن أُرى في الرِّق مشتركا ... مع عبد سوءٍ به الأحرار تُهتَضَمُ
عميتم عن محبيكم فسيء بكم ... وتلك عاقبة القوم الذي عموا
سحرت ذا الدُّرَّ حتى صغته كلماً ... لا تحسبوا أنه ما بينكم كلِمُ
لو لم تكن رقَّة الألفاظ تخدعكم ... لقلتم إنها المصقولة الخذِمُ
فلا رعى الله من لم يرع صحبتنا ... ولا رعى مرتعاً سامت به النَّعمُ
وله:
ربَّ يومٍ جاء يوحي بأمرٍ ... فيه شيطانه إلى شيطاني
من سرارٍ بين اللَّحاظ وروحي ... أتقنت علم سحره العينانِ
وأفاضا من الهوى في حديثٍ ... ليس من جنس ما يعي الملكانِ
ثم زنداي وشَّحاه وشاحاً ... ما لزنَّاره بذاك يدانِ
فاغتدينا من العناق اتِّحاداً ... مثل جسمٍ قد حلَّه روحانِ
وله:
لمَّا رأيت العيش من ثمر الصِّبا ... وعلمت أنَّ العفو حظُّ الجاني
أدركت ما سوَّلتُهُ شبيبتي ... وفعلتُ ما لا ظنَّه شيطاني
وله:
ولقد صحبتُ العزَّ مذ أنا يافعٌ ... فهو الشَّباب على الشبابِ أتاني
ولو اعترى بعد الشباب لسرَّني ... فالعزُّ مكتهلاً شبابٌ ثاني
وله:
قد أظماني الغرام مما فيَّا ... هيَّا بفضول دمعِ كاسي هيَّا
لا تلحظنِّي عروس بختي أنَفاً ... حتى ولو انتقشتُ كلي كيَّا
الأمير منجك بن محمد المنجكي هذا الأمير، سقى عهده مفاض الديم، وحيى الرضوان منه تلك الشيم. إن لم يكن ثاني أبي فراس في الشعر وحده، فهو مع ذلك ثاني ابن طيٍّ الذي تجاوز في الكرم حده. فهما إن ابتدآ الأمرين في الوجود، فهو الذي انتهى به الفضل والجود. وأحسن ما في الطاووس الذنب، وفي الخمر معنًى ليس في العنب.
هذا، وكل ناطقٍ بلسان، وعارفٍ بحسنٍ واستحسان. مجمعٌ على فضله الذي اقتضى لذكره التخليد، فالعالم عرفه بعلمه، والجاهل قال بالتقليد. وهو منذ لاح هلاله في أوجه، وأبوه بين حزب الإقبال وفوجه. يفدى بالشموس والأقمار، ويمد بالأنفس والأعمار. وإن لم يكن في قبة السما، فهو في بحبوحة القُنَّة الشَّما. يباهي بسؤددٍ اتصلت أصوله اتصال الشآبيب، وتناسبت فروعه تناسب الرماح كعوباً على كعوب، وأنابيب على أنابيب. وعزٍّ له ذروةٌ تفضي إلى روضٍ بالسَّماح يجود، فكم لجباه العفاة لديه من مجال سجودٍ من مجالس جود. حتى قعد مقعد والده، واحتوى من رياشه على طريفه وتالده.
هنالك سلك من البذل ما سلك، وسخا والسخيُّ جوده بما ملك. فأعرضت عنه الأيام إعراض النسيم عن الروضة الغنَّاء، وتخلت عنه تخلي العقد عن عنق الحسناء.
وإذا الجواد يبيت من ... جور الزمَّان على وسادِ
كالعين تفرح غيرها ... وتظلُّ لابسة الحدادِ
стр. 37
وقد أدركته وسبجه بدِّل بعاجه، وسمهريُّ قدِّه رمي باعوجاجه. وكان بينه وبين أبي محبة ومودة، ومجالس اجتماعاتٍ لمذاكرة الأدب معدة. فكنت أجني من مطارحتها بدائع مائسات الأعطاف، وأقطف روائع مستعذبات الجنى والقطاف. ولقد رأيت من فضله ما لم أر قبل ولا بعد، وطالما حصلت منه على أمانيَّ في هذا الشأن من غير وعد. فمن لفظٍ إذا سمعته قلت كأنَّ العرب استخلفته على لسانها، ومعنًى إذا تخيلته قلت: هذا للبراعة إنسان عينها وعين إنسانها. إلى محاضرةٍ إذا تحرَّى في أسلوبها الرَّشيق، تهمُّ ببسط الحجر لالتقاط درها النسيق. وأما حديث لين العريكة، ودماثة السليقة، فلم ير من يشبهه في الخلق والخليقة. بأدبٍ ضافي الذليل مطرز الكم، وشعرٍ يكاد يحيي الجماد وينطق البكم.
وها أنا أورد من أشعاره ما تزهو به القراطيس على صفحات الخدود المحشاة بالسوالف، ويغني عن لذة السلاف السلسل تذهَّبت به الليالي السوالف.
فمن ذلك قوله من قصيدة، مطلعها:
يعدُّ عليَّ أنفاسي ذَنوبا ... إذا ما قلت أفديه حبيبا
وأبعد ما يكون الودُّ منه ... إذا ما بات من أملي قريبا
حبيبٌ كلَّما يلقاه صبٌّ ... يصير عليه من يهوى رقيبا
سقاه الحسن ماء الدلِّ حتى ... من الكافور أنبته قضيبا
يعاف منازل العشاق كبراً ... ولو فرشت مسالكها قلوبا
فلو حمل النَّسيم إليه مني ... سلاماً راح يمنعه الهبوبا
أغار على الجفا منه لغيري ... فليت جفاه لي أضحى نصيبا
وأعشق أعين الرُّقباء فيه ... ولو مُلئت عيونهم عيوبا
لقد أخذ الهوى بزمام قلبي ... وصيَّر دمع أجفاني صبيبا
وما أمَّلتُ في أهلي نصيراً ... فكيف الآن أطلبه غريبا
وأقصد أن يعيد رُوا شبابي ... زمانٌ غادر الولدان شيبا
وما خفيت عليَّ النَّاس حتى ... أروم اليوم من رخمٍ حليبا
إذا ظنَّ الشَّباب خشيت منه ... لفقد مساعدي يلفى مجيبا
وهب أنِّي حكيتُ الشاة ضعفاً ... فما لي أحسب السنَّور ذيبا
منها في المديح:
لئن سعدتْ ولو في النَّوم عيني ... برؤياه لتلك العين طوبى
وإن ضنَّ السَّحاب فلا أبالي ... وفيض نداه قد أضحى سكوبا
إذا تليت مآثره بأرضٍ ... غدا الفلك المُدار بها طروبا
وقوله:
نوروز لا كنت قلبي فيك مكروبُ ... الشَّمس طالعةٌ والبدر محجوبُ
أرى الحسان وما لي بينهم حسنٌ ... ما كلُّ من نظرتْهُ العين محبوبُ
صفر الفؤاد من الأفراح ممتلئٌ ... بالحزن قلبي وفيض الدَّمع مسكوبُ
أبغي القيام وسوء الحظِّ يقعدني ... من عاند القدر المحتوم مغلوبُ
وقوله:
حبيبٌ حماه الملك تحت قبابه ... يكاد يذيب الروح فرط احتجابه
تدير على سمعي الأماني حديثهُ ... فتسكر أفكاري بذكر رُضابهِ
يعيد تراب الأرض مسكاً وعنبراً ... إذا قبَّلتْ للشُّكر فضل ثيابه
يكلِّمني باللَّحظ عن أخذ مهجتي ... فيسبق تسليمي بردِّ جوابهِ
وقوله:
ما شرَّف الروض في نزاهته ... إلا وستر الغمام ينسحبُ
كأنَّه البدر عند رؤيته ... لا شكَّ شمس النَّهار تحتجبُ
وقوله:
تحجَّب عني الطَّيف حتى كأنَّه ... تخيَّل إنساني عليه رقيبا
وقد كان يغشى قبل ما احتبك الهوى ... فظنَّ خيالي للنحول قريبا
وقوله:
عِدْ وماطل فقد رضيت به ... منك وإن كان بالجفا آيبْ
صدق وعود الحسان أجمعها ... فدًى للذَّات وعدك الكاذبْ
وقوله:
ألا لا تبكِ حادثة افتراقٍ ... ولا تفرح بلذَّات الإيابِ
فما الدُّنيا وما ضمَّته إلا ... كخطِّ منَجِّمٍ فوق التُّرابِ
وقوله:
الموت أطيب ما يجتنى ... إن شطَّت الدارُ وطال الحجابْ
стр. 38
لا يدخل النَّار أسير الهوى ... إذ لا يرى الجنَّة أهلُ العذاب
معنى هذا البيت مضطرب، وقد سئلت عنه فأجبت: بأنه معرب من بيت بالتركية لفضولي، ومعناه: أن نار العشق التي يعذَّب بها العاشق في الدنيا هي نار الآخرة عندها جنَّةٌ، فإذا دخلها العاشق، والمفروض من أهل العذاب، يعني في العشق، لا يدخل النار الأُخرويَّة؛ لأنها بالنسبة إليه جنة.
وقوله:
مهلاً فحبُّك بي أراه عابثاً ... وأظنُّه للرُّوح منِّي وارثا
من ذا الذي ألوى بعهدك في الهوى ... حتى انثنيت عن المودَّة ناكثا
جرَّبت فيك الحادثات فلم أجد ... مثل الرَّقيب إذا خلونا حادثا
يا مشبِهَ الآرامِ ألا أنَّها ... خُلقت لنا عيناه سحراً نافثا
قد راح بالقمرين طرفي هازئاً ... لمَّا رأى في بُردتيكَ الثَّالثا
أقول: ما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا تذعن هذا الإذعان، ولا تنقاد للكلِم إلا أن يكون كلمة المعان. فهذا السحر البياني إن لم يكن السحر المبين، وهذا المعجز الباهر، وأنا أول المؤمنين.
وله من قصيدة، مستهلها:
كبدٌ من سنان لحظك جرحَى ... وعيونٌ تُردِّدُ الدَّمع سَحَّا
وحنينٌ إلى الدِّيار ووجدٌ ... يستفزُّ النُّهى وشوقٌ ألَحَّا
يا ابن وُدِّي تفديك من كلِّ سوءٍ ... مهجٌ فيك ليس تقبل نصحا
قم بنا نشرب المدامة بكراً ... حيث رقَّ الهوى ونسكنُ صَرْحا
في رياضٍ كأنَّما هي خَدَّا ... كَ بهاءً وطيب صدغك نَفْحا
مطلعاً من ضياء وجهك والفر ... ع ظلاماً يغشى العيون وصبحا
سكرَ الكأسُ إذ سكِرْتُ بعيني ... كَ فكان المُدامُ منِّي أصْحى
هذا بيتٌ تقلقل مبناه، فلهذا لم يفهم معناه، وسكر الكأس بظهور لازم السُّكر وهو الميل عليه، وإن صح أن المدام بمعنى المديم، فهو المعنى الذي يرجع إليه.
وله:
زمن الربيع مطِيَّة الأفراح ... ومُعدِّل الأرواح في الأشباحِ
زمنٌ به لولا اشتباك فواقعٍ ... طارت حُمَيَّانا من الأقداحِ
أخذه من قول ابن المعتز:
كادت تطيرُ وقد طِرْنا بها فرحاً ... لولا الشّباكُ التي صيغَت من الحَبَبِ
ولأبي الحسن علي بن الحسن الأندلسي:
والماءُ يحذر منها أن تطيرَ فقد ... صاغ الحَبابُ عليها صيغة الشَّبَكِ
وله:
حمائم الدَّوح ما هذي التَّغاريد ... عن باعثٍ هي أم لي منكِ تقليدُ
نوْحِي ونوْحك جنْح الليل متَّفقٌ ... والمشْغِلان لنا وردٌ وتوريدُ
إن كان يغنيك أصوات الصَّفير فلي ... قلبٌ يعلَّلُه في الحبِّ تفنيدُ
تعجَّبت نار قلبي من تجلُّده ... ومن جفوني شكا دمعٌ وتسهيدُ
والحزن باقٍ على ما كنت أعهده ... وإن تكرَّر عيدٌ بعده عيدُ
جريح بيضِ الظُّبا تُرجى سلامته ... إلا الذي جرَحتْهُ الأعينُ السودُ
لي بالظَّعائن نهَّابُ العقول رَشاً ... قوامه بانةٌ والقلب جلمودُ
لو مرَّت الريح تَروي عن ئؤابتِه ... لم يبق من عهد عادٍ ثَمَّ ملحودُ
لكنَّما منعتْها من مواطنه ... مهابةٌ تتحاماها الصناديدُ
من البشانِقةِ الغُرِّ الذين لهم ... لواءٌ حسنٌ على الأقمار معقودُ
نحن المسيئون إن جاروا وإن عدلوا ... وما يرون حميداً فهو محمودُ
والذُّلُّ أشرف عزٍّ في محبَّتهم ... وشَرْيُ هجرهم أرىٌ وقِنديدٌ
لا تصحبَنْ غير حرٍّ إن ظفرت به ... وما سواه إذا جرَّبت تنكيدُ
ومن بدائعه قوله:
ومذ كشف الفَصَّاد عن زنده رأى ... محاسن ألْهَتْهُ فضَلَّ عن الرُّشدِ
فقطَّب من أهوى وأبصر مغضَباً ... وأوقع ظلَّ الجفن منه على الزَّندِ
стр. 39
وأطلعَ نور الأُرجوان وحبَّذا ... من الياسمين الأُرجوان على الوردِ
وهذا معنى ترجمه من الفارسية، وقد ظفرتُ في العربية بما يقاربه، وقائله أبو الحسن الجرجاني:
يا ليت عيني تحمَّلت ألمَك ... وليت نفسي تقسَّمت سَقَمكْ
وليت كفَّ الطبيب إذ فصَدتْ ... عرقك أجرتْ من ناظريَّ دمكْ
أعَرْته صبغ وجنتيك كما ... تُعيره إن لثمتَ من لثمك
طرفك أمضى من حدِّ مبضعه ... فالحظْ به العِرق واربَحَنْ ألَمَكْ
وللأمير:
شمس الضُّحى وأهِلَّة الأعيادِ ... لضياء وجهك أحسد الحسَّادِ
وإذا شدا بك مطربٌ في مجلسٍ ... رقصتْ لك الأرواح في الأجسادِ
جرَّدت من سحر الجفون صوارماً ... فأبت سوى الأكبادِ من أغمادِ
مسحَ المنى من زور طيفك راحةٌ ... من بعد ما غسل البكاء رقادي
ما كنت أفتقد الشَّباب لو أنَّني ... عُوِّضت عنك بنشأةِ الميعادِ
وله:
لا تهمل الكأس حين يملأها ... من هو في الحسن واحدٌ فردُ
طينته عنبرٌ وخامرها ال ... مسكُ والياسمين والوردُ
وله:
تَخِذَ الجور والجناية عادهْ ... وانتهاب النُّفوس قبل الولادهْ
لا تضعْ سهم مقلتيه فؤادي ... ضمن تلك السِّهام ألف شهادهْ
وله:
قد زارني وكأنَّه ريحانةٌ ... يهتزُّ من تحت القِباءِ الأخضرِ
فظننْت منه ضمن كلِّ سلامةٍ ... من طيبه شمَّامةٌ من عنبرِ
ولِكنْزِ مبسمه دنوْتُ فخلته ... ياقوتةً مُلئت بأنفس جوهرِ
فهصرته هصر النَّسيم أراكةً ... متلطِّفاً حتى كأن لم يشعرِ
متعانقين على فراش صِيانةٍ ... مُتحذِّرين من الصَّباح المسفرِ
وله:
لم تمل بي عن العفافِ العُقارُ ... أعشق الغِيد والوقار الوقارُ
أنظم الشعر ما حييت وإنَّي ... لابنُ بيتٍ تُهدى له الأشعارُ
يتحلَّى بيَ الزَّمان تحلِّي ال ... غصن لمَّا يزينه النُّوارُ
صقلتني يد التَّجارب حتى ... صحَّ عزمي وطاب من الغِرارُ
ومكاني من الفخارِ مكانٌ ... حَسَدتْه الشُّموس والأقمارُ
وقوله:
إن للَّيل بقايا عنبرٍ ... في قميص الصُّبح منها أثرُ
بادرت أيدي الصَّبا تلبسُه ... فبدا عند الرِّياض الخبرُ
انظره مع قول البهاء زهير:
رعى الله ليلة وصلٍ مضتْ ... وما خالط الصَّفو فيها الكدرْ
خلوْنا وما بيننا ثالثٌ ... فأصبح عند النَّسيم الخبرْ
وله:
ألا هاتِ اسقني كاساً فكاسَا ... وحيِّ بها ثلاثاً بل سداسا
فإني في احْتساها لا أعاصي ... رشاً تَخِذَ الحشا منَّي كناسا
حبيبٌ كلما ألقاه يُغضي ... فلو أهديته آساً لآسى
يريك إذا بدا قمراً منيراً ... وعطفاً إن ثنى عِطفاً وماسا
ويبسم ثغره عن أُقحوانٍ ... ويجلو خدُّه ورداً وآسا
خلعت عذار نُسكي في هواه ... وما راقبت في حبَّيه ناسا
فأحلى الحبِّ ما كان افتضاحاً ... وأشهى الوصل ما كان اختلاسا
وله:
يا بني العشق ليس نُحسب أحيا ... أو بموتى نعدُّ تحت الأراضي
تارةً نألف الحياة وطوراً ... نتغنَّى بذكر طيب الرِّياضِ
نحن ما بين صحَّةٍ وسقامٍ ... كجفون الدُّمى الصِّحاح المراضِ
وله:
ومهفهفٍ لولا عقارب صدغه ... لتناهبت وجناته الألحاظُ
طارحته ذكر الهوى وعواذلي ... لا راقدون ولا هم أيقاظُ
نبدي الحديث ولا حديث كأنما ... عبراتنا ما بيننا ألفاظُ
وله:
وزارني طيفه وهناً فأرقَّني ... كبارقٍ بخلال الوَدقِ قد لمعا
стр. 40
فما وحقِّك عن ودٍّ زيارته ... لكن ليزجرَ طرفي والرُّقاد معا
وله:
رَيحانتي روض المحاسن ما الذي ... بلِّغتماه من العذول اللاغي
حتى توارت وردتا خدَّيكما ... عن ناظري ببنفسج الأصداغِ
وله، وهو معنًى أبدع فيه كل الإبداع، وأتى به كالبدر خرج من تحت الشعاع:
نبَّهته ودواعي الأنس داعيةٌ ... إلى الطِّلا وبشير الصُّبح قد هتفا
فقام من نومه وسْنان تحسبه ... بدراً تقطَّع عنه الغيم فانكشفا
وقال هات وخذها وانتهز فُرصاً ... فما ترى لزمانٍ ينقضي خلفا
وله:
يا غزالاً يُقلُّ مسكاً فتيقا ... في فمٍ يُخجل المدام الرَّحيقا
قد سقاك الجمال ماء نعيمٍ ... مُنبت منك في الخدود شقيقا
لا تذرني تفديك روحي وحيداً ... أشتكي غربةً تسيء الصَّديقا
أنا أسعى وفي سلاسل صدغي ... ك فؤادي فارحم أسيراً طليقا
جرحتْ مقلتاك قلبي لهذا ... درُّ دمعي قد استحال عقيقا
لو ذكرْنا لماك عند حضور الرَّا ... حِ باتت فلم تجد مستفيقا
بك أرواحنا تسرُّ وترتا ... حْ فتختارك الرَّفيق الرَّفيقا
الصَّبوحَ الصًّبوحَ قبل مشيبِ ال ... حظِّ منَّا أو الغبوق الغبوقا
نجتني زهرة الشَّباب ونلهوا ... حيث نلقى الأشواق روضاً أنيقا
بين وعد آمالنا ووعيدٍ ... منك نستنظر الكذوب الصَّدوقا
وله:
أفديه من قمرٍ أطواره شغلت ... قلبي وعقلي بتغريبٍ وتشريقِ
من السَّليم وقد أحنى حواجبه ... وطرفه بين تسديدٍ وتفويقِ
وله:
تلوح لنا بالرُّوم من كلِّ جانبٍ ... وجوهٌ تُعيد الصُّبح والليلُ حالكُ
أنظمأ في دارٍ تفيض بحورها ... وتَشْرَقُ فيها بالجمال المسالكُ
وله:
لا تغتَرِر بشبابك الغضِّ الذي ... أيَّامه قمرٌ يلوح ويأفلُ
ودع اتِّباع النَّفس عنك فإنما ... حُبُّ الجمالِ الصَّبرُ عنه أجملُ
نَعَم العيون الفاتكاتُ قواتلٌ ... لكنَّ سهام الله منها أقتلُ
وله:
مولَّهٌ بك لا تجدي وسائله ... ولا من الدَّمع جاريه وسائلهُ
عزيز صبرٍ أذلَّ الحبُّ مهجته ... وعنَّفته على الشكوى قبائلهُ
عامٌ نأى عنك فيه مكرهاً فعلى ... أسحاره أبداً تبكي أصائلهُ
والكاس مذ بنتَ عنها تشتكي ظمأً ... والرَّوض من حزنٍ جفَّت خمائلهُ
كلَّفت حملَ نواك اليوم قلب فتًى ... أرقُّ من نسمة الوادي أصائلهُ
وله:
قد زار من كنت قبل زورته ... أراه لكن بمقلة الأملِ
بتنا ضجيعين والعناق له ... ثوبٌ علينا قد زرَّ بالقبلِ
ومن رباعياته قوله:
ما مرَّ تذكُّر الكرى في بالي ... إلا دفعته راحة البلبالِ
أشفقت من الجفون لمساً يؤذي ... أقدام خيالك العزيز الغالي
مثله للبابي وفيه زيادة:
أردُّ الكرى إذ زار خفيةَ نظرةٍ ... إليه فتدمي رقةً خدَّه القاني
وأسهر خوفاً أن يمرَّ خياله ... بعيني فتؤذى أخمصاه بأجفاني
وأصله قول الوقشي:
إذا ظنَّ وكراً مقلتي طائر الكرى ... رأى هدبها فارتاع خوف الحبائلِ
ويقاربه قول الصلاح الصفدي:
أيا وحشتا في ليلِ شوقي لنوركم ... ويا فرحتا لو كان في النَّوم يطرقُ
وهيهات لو زار الخيال منعته ... مخافة أن تجري دموعي فيغرقُ
وللأمير منجك:
انظر إلى فحمٍ كأنَّ لهيبه ... لمعُ الأسنَّة في مثار القسطلِ
وكأنَّه والنَّار في أحشائهِ ... صدر الحسود ونعمة المتفضِّلِ
هذا التشبيه تناوله من قول عبد الجليل المرسي في وصف فرنٍ:
ربَّ فرنٍ رأيته يتلظَّى ... وربيعٌ مخالطي وعقيدي
следующие страницы →