Полный текст (737 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ولولا وجودُك ما شاقنِي ... كلامٌ يروق وذاتٌ تُحَبْ
وعدْتَ بإرسال بعضِ القَريضِ ... فأنجِزْ لأبلُغَ منك الأرَبْ
فهذا الربيعُ أتى قائلاً ... خذُوا طرَباً في أوانِ الطرَبْ
فأرسل إليَّ قطعاً من شعره، وكتب معها: مولاي، وصلت الغادة التي بسماعها عربدت الأفكار، وسكرت مذ شامت أسطرَها ولا سُكر بمُصطار.
فيا لها من غرِّيدةٍ غرَّدت فصدحَ من سماعها الحمام، وحمامةٍ ورقاء فعلت بنا كما تفعل الرُّوح بالأجسام.
سجدت بين يديها البلغاءُ والفصحا، حتى سكر بخمرها المعنوي من لا يشرب وبها صحَا، فهي الدواء للجهَّال والدَّوا، ومعناها المرويُّ والفخر لمن لها روَى.
داوت بكلامها الكُلوم، وسارت في مراتبها منازلُ النجوم.
أشرقت في آفاق الأفكار وضاءت، وشرَّقت القاصدين عن الوصول بأدمُعِها ففاضت.
برزت من كِنِّ حاصل الكمال جوهرةً فريدة، فشهدت بنو الفجر منها وتنهَّدت بدرِّها أبكار الأفكار فهي بها سعيدة.
بانت فيها لبانات الأغراض، ميَّادةً يؤْتَمُّ بجوها وتُلغى الأعراض.
بائية اكتسبت بصائرُنا صحة الإيضاح في المعاني، ببديع بيانها السَّامي على من يُعاني.
تتجلَّى كأنَّها ذكاء نوراً فتكفُّ عن إدراكها العيون، فهي معلومة الذَّات بالصفات مجهولة الكُنه كما قال الفاضلون.
خطفت بأشعَّة أنوارها من ظنَّ السَّراب شرابا، وسلبت وكست فتلك عقولاً وهذه أسبابا.
فيالها من فاصلةٍ كبرى، وخافضة عن بعدها لخدمتها وِزرا.
هذا وقد قلَّدتُها عنُق دهري فطال، ووطئت ممشاها بالعيون وطأة إدلال.
فقال كمالها ارفع رَاسا، وتجلَّى جمالاً فأحيَى أنفاسا.
فهي السائدة على سُؤدد السيادة، وكأنها لِمُرسلها حُسنى وزيادة.
وقد ضاق وُسع هذا الدَّاعي عن هذا المدى، لكنه لحثالة حاله وقلَّة رأس ماله، قام منشدا:
صدوحةُ روضِ اللَّهى والطربْ ... ومَغنى الفِصاح وكِنُّ الأدبْ
غريدةُ بيتِ ولاءِ الولِيِّ ... نتيجةُ فخرِ لُغاتِ العربْ
عن الرَّاح تُغني بحسوِ العقولِ ... فما الخمرُ وصفاً وبِنتُ العِنبْ
بدتْ في خِمارِ اللَّهى تنثنِي ... فعربَدَ منها الحِجى واضطرَبْ
ولمَّا اسْتقرَّت براح الخَديم ... أراح مُناه وزيحَ النَّصبْ
كأنّ أمينَ الوفا قد وفَا ... يُخاصِم دهراً حليفَ العَتبْ
فأبْرز حِلماً وحُكماً له ... فهل يُستطاعُ سِوى ما كتَبْ
أجَبنا نجيباً سمَا عصرُه ... بما قال أمراً وما قد طلبْ
فهاك رُوَى عاجزٍ عن مدَى ... وَفاك وعن شأوِ أهلِ الحسَبْ
وهذا ما بعث به.
فمن ذلك قوله من قصيدة: هذا المفرد في الغزل استجدتُه فأفردته، وهو:
وجهٌ إذا قابلَ شمس الضُّحى ... والبدرَ ليلاً فات وقتُ الصَّلاهْ
وقوله:
ومختَضرٍ أرْثَتْه منِّي ضمائرٌ ... على ظنِّها لم تدرِ في أمرِها السَّببْ
فكان كما أرويه حقًّا بلا مِرا ... إلى رحمةِ الله الرحيم هو الأدبْ
أرثيتُ لفلان، إذا رفقتَ له. ورثى الميِّت بالشعر، وربما قالوا أرثأته بالشعر، ويعد من غلط البصريين. وأما أرثيتُه، فلم أره.
ومن ذلك قوله:
بي غادةٌ تُملِي الجوَى ... من شرحِ أسوا مِحنتي
ناظرتُها من خاطري ... فأنا الذي وهي التِي
فيه إيداع لبيت ابن لؤلؤ الذهبي، وهو:
فأنا الذي أُملِي الجَوى من خاطِري ... وهي التي تُملي من الأوراقِ
ومن ذلك قوله، من قصيدة، مطلعها:
إنَّ أصْلدَ الزِّناد في الأيادي ... ما أصْلدتْ قرائحُ الأكبادِ
أورتْ زنائدِي فنوناً قصَّرتْ ... عن نعتِها اللَّهى من الأمجادِ
من كلِّ معنًى بالبديع شأوُه ... له رَقَى على بيانِ الشادِي
معناه في لطافةِ التركيب والْ ... معنَى كلُطفِ الرُّوحِ في الأجسادِ
برَعتُ فيها فاليراعُ خادِمي ... والطِّرس ملكِي والرُّوى أجنادي
стр. 142
سامرتُ فيما فُهْتُ روحي في الدجى ... فآنستنِي مثلَ صوتِ الحادِي
لله ما نجبُ اليعاسيبِ انتشَتْ ... من الحُداة في رُوى إنشادِي
تَعيفُ بالمفازِ وِردَ الماء من ... مساغِ نظمِي مُرتل التَّحادي
تَميلُ في مسْرَى سُراها جُفَّلاً ... تبْغِي الحُداة لا حلى المزادِ
منها:
يا بُرَحاً زادتْ بنا أنواؤُه ... زَوْد الغديرِ عن رِوَى الصَّوادِي
جرَّعتني بعد الأُصيحابِ الأسَى ... فذُقتُ منه وَصْمةَ النِّكادِ
هلاَّ رحمت مُّغرَماً صَبًّا رقَتْ ... دموعُه مَرافِي الوِسادِ
يسخرُ منه كل خِلوٍ من هوًى ... يُشفق فيه مُغرَم الوِدادِ
فالخِلوُ ممنوعُ الرِّضا وضِدُّه ... عن حاله مُنَّعُ السَّدادِ
أمَّمْتُ ناساً لقَباً وما هم ... بأهلِ وُدٍّ يقصدون بادِي
فعدتُ عودَ نادِمٍ وهكذا ... من أمَّ غيرَ مثلِه في نادِي
فلا رجعْتَ يا أخا الوُدِّ كما ... رجعتُ في عوْدِي وفي تَردادِي
سئمْتُ مني فالورى أحقُّ من ... يُسأمُ منه أبدَ الآبادِ
ومن ذلك قوله، من قصيدة، مستهلُّها:
إذا ما دعانِي للهوَى المحكَمِ العُذري ... عِذارُ الذي أهوَى فماذا ترى عُذرِي
وهل غيرُ ربِّ الآسِ صُدْغاً ونُكهةً ... لداءِ كُلومٍ في الحشاءِ إلى الحشْرِ
عدِمتُ شفا وُردِ المراشِفِ حُلوِهِ ... إذا لم أكنْ أقوَى الخلائقِ للصبرِ
وقوله من أخرى:
طيفَ الكرى حُيِّيتَ من زائرِ ... منحْتَ بُرْءَ الداءِ من هاجِري
ما كان أحلَى سِنَةَ الغمْضِ في ... ليلٍ سَطا في ظُلمِهِ كافرِ
ليلٍ كأنَّ الغمضَ فيه سرَى ... ضَلَّ الهُدى فإنْقادَ كالحائِرِ
وقوله:
إن سُقم الجفون اسْقم جَفنِي ... وولاني من السَّقامِ فُتورا
ربِّ فاشْفِ السَّقامَ منهم بكسْرٍ ... فَهَواهُمْ أضَلَّ خْلقاً كثيرا
وقوله:
دَعْ فؤادِي عليك يذهب حَسْرَهْ ... أوْ فيَكفيه منك في العمرِ نظرهْ
ما صَنِيعي وفيك عادَ مآلِي ... عودةً كالسَّرابِ في أرضِ قَفْرهْ
فصل
عقدتُه لجماعة من العلماء الأجلاَّء، يهتدِي بمصابيح علومهم الأضِلاَّء.
ممن فضله واضحٌ مبيَّن، والتبرُّك بذكره فرضٌ متعيَّن.
فهم وإن كانت آثارهم العليَّة غنيةً عن الوصف والإطالة، فلقد أتوا بأشياء من الشعر هي في الجملة خيرٌ من البطالة. فمنهم: نجمُ الدِّين الغزِّي النجم الأرضي، وابن البدر المضيء، وجدُّه الرَّضيُّ المرْضِيّ.
ثلاثة في نسق، طلعوا فأناروا الغسق.
وقدمهم في النَّباهة، أعلى من قدمهم في الوجاهة.
فمن يساميهم، وإلى الكواكب مراميهم.
وهم في القديم والحديث، أئمة التفسير والحديث.
لم يبرحِ المجدُ يسمُو ذاهباً بهِمُ ... حتَّى أزاح الثُّريا وهو ما قنَعَا
والنَّجم انعقدت العَشرةُ عليه، وسعتْ وفودُ العناية مسرعةً إليه.
فَ " والنَّجمِ إذا هوى، ما ضلَّ صاحبكم وما غوَى " لهو الذي به يقتدِي المقتدِي، وبسمته يهتدي المهتدي.
هو النجم يَهدِي جميعَ الورى ... فمن دونه البدرُ والشمسَ دونْ
وقد صار في الفضلِ حيثُ انْتهوا ... وحيث انْتحوا فبِهِ يقْتدون
إذا ظُلمَةُ الغَيّ ألْوتْ بهم ... أضاء فبالنجمِ هم يهْتدونْ
وله دعاءٌ مستجاب؛ وخواطر ليس بينها وبين الله حجاب.
فلو حذِّر به المنهمك في غوايته لأمسك، أو خوطِب به المتهالك في عِصيانه أناب وتنسَّك.
شغل بالإفادة أيامه ولياليه، ونظم على جِيد الأيام فرائده ولآليه.
وتأليفاته كاثرت رمل النَّقا، وأربت على الجواهر في الرَّونق والنَّقا.
مع مالَه من كرمٍ يُخجل الأجواد، وسخاءٍ أضحت عوارفه كالأطواق في الأجياد.
стр. 143
لم تُرْو في التَّواريخ كأحاديثه الحِسان، ولم تسطَّر كآثاره في صحائف الأزمان بالحسن والإحسان.
وله شعر كقدره ثمين، إلا أنه كالياسمين.
فيُكتب لشَرفه، لا لكثرة طُرفِه.
فمن ذلك هذه الزَّائيَّة، عارض بها قطب مكَّة الذي عليه المَدار، وقمر أُفقها الذي يأبى غيرَ الإبدار.
وقصيدته هي هذه:
سبحان من للوجودِ أبرَزْ ... رَشاً بحُكم الهوى تعزَّزْ
زادَ على الرِّيمِ في دلالٍ ... وعن جميع المهَا تميَّزْ
أحْوى وللظَّرفِ ليس منه ... أحْوى ولا للبَهاءِ أحوَزْ
لقد كساهُ الجمالُ ثوباً ... بألطف اللطفِ قد تطرَّزْ
رنَا بِطرفٍ جآذِرِيٍّ ... كأنه للوصال ألغَزْ
وَعداً ولكن بلا نهارٍ ... يا حبَّذا الوعدُ لو تنجَّزْ
بعثتُ باثنينِ من خُضُوعِي ... وثالثٍ بعد ذَيْنِ عَزَّزْ
أرجو وِصالاً منه بِعِزٍّ ... من عَزَّ من وصلِه فقد بَزّ
فما رثَى لي ولا وفَا لي ... وقد قسَا قلبُه ولزَّزْ
وعَفَّ إلا عن قتلِ مثلِي ... فإنَّه عنه ما تحرَّزْ
قوله: من عَزَّ بَزَّ. مثل، معناه: من غلب سلب.
قال المفضَّل: أول من قال ذلك رجلٌ من طي، يقال له: جابر بن رألان، أحد بني ثُعل.
وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له؛ حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يومٌ يركب فيه، فلا يلْقى أحداً إلا قتله، فلقَى في ذلك اليوم جابراً وصاحبيه، فأخذتهم الخيل بالثوَيَّة، فأُتِيَ بهم المنذر، فقال: اقترعوا، فأيُّكم قرع خلَّيتُ سبيله، وقتلتُ الباقين.
فاقترعوا، فقرعهم جابر بن رألان. فخلَّى سبيله، وقتل صاحبيه.
فلما رآهما يقادان ليقتلا، قال: من عَزَّ بَزَّ. فأرسلها مثلاً.
وقصيدة القطب مطلعها:
أقْبل كالغصنِ حين يهْتزّ ... في حُللٍ دون لُطفها الْخزّ
وهي مذكورة في الريحانة.
وذكر الشهاب معها قصيدةً له عارضها بها، ومطلعها:
من علَّم الغصنَ حين يهْتزّ ... ميلَ قُدودٍ تميلُ في الخَزّ
وللنَّجم:
أخوكَ في الإسلامِ يُجديك في ... علمٍ ورأيٍ منه أو أنْسِ
كأن قد احْتجْتَ إلى نفعِه ... وإذ به قد صار في الرَّمْسِ
أصْبحتَ أسَّافاً على صاحبٍ ... قد كنتَ تأسَى منه بالأمْسِ
ما أحوجَ المرءَ إلى خِلِّه ... وأحوجَ الجنسَ إلى الجنْسِ
ويلاه من عصرٍ رأينا به ... على افتقادِ الكُمَّلِ الخمْسِ
لسنا نرى ممَّن مضَى واحداً ... ولو بلغْنا مطلَعَ الشمْسِ
هذا معنًى موجود في الأثر، وذلك ما أخرجه أبو نعيم في الحلية، عن سليمان بن موسى الأشدق، قال: أخوك في الإسلام إن استشرته في دينك وجدت عنده علما، وإن استشرته في دنياك وجدتَ عنده رأياً، ما لك وله، وإن فارقك فلم تجد منه خلَفَا.
وسليمان هذا كان من أكابر السَّلف.
قال الزُّهري: إن مكحولاً يأتينا، وسليمان بن موسى - يعني لسماع الحديث - وأيمُ الله إن سليمان لأحفظُ الرجُلين. أخرجه في الحلية أيضاً.
ومن هذا ما نقله الشعراوي في طبقاته عن أبي المواهب الشَّاذلي، أنه كان يقول: أهل الخصوصية مزهود فيهم أيام حياتهم، متأسَّف عليهم بعد مماتهم، وهناك يعرف الناس قدرهم، حين لم يجدوا عند غيرهم ما كانوا يجدونه عندهم.
وقد قيل في المعنى:
ترى الفتى يُنكِر فضلَ الفتى ... ما دامَ حيًّا فإذا ما ذهبْ
لَجَّ به الحِرصُ على نُكتةٍ ... يكتُبها عنه بماء الذهبْ
ومن مقاطيعه قوله:
تواضَعْ تكُنْ كالنجم لاح لناظرٍ ... على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ
ولا تكُ كالدُّخَّانِ يعلو بنفسِه ... إلى طبقاتِ الجوِّ وهو وضيعُ
وقوله:
لا تكرَهنَّ حسوداً ... يُجديك نشرَ الفضيلهْ
كم من حسودٍ مُفيدٍ ... ما لم تَفِدهُ الفضيلهْ
ومثله لوالده البدر:
الحمدُ للهِ على فضلِهِ ... إذ صيَّرَ الحاسدَ لي يخْدِمُ
стр. 144
يجْهدُ في رَفع مقامِي وفي ... نشرِ علومِي وهْو لا يعلمُ
ومثله لابن الوردي:
سبحانَ من سخَّر لي حاسِدِي ... يُحْدِث لي في غَيبتي ذِكرَا
لا أكرَه الغِيبةَ من حاسدٍ ... يُفيدني الشُّهرةَ والأجْرَا
ولأبي حيَّان:
عِداتي لهم فضلٌ عليَّ ومِنَّةٌ ... فلا أذْهَب الرحمن عنِّي الأعاديا
هم بحثُوا عنْ زَلَّتي فاجتنبْتُها ... وهم نافسُوني فاكْتسبْتُ المعالِيا
الشيخ أيُّوب الخَلوَتِي الوليُّ العارف، ذو المعارف والعوارف.
أحد الراسخين في العلم الإلهي، والكاشفين عن أسرار الحقائق كما هي.
حلَّ من جفن الشكر في سواده، وتبوأ من صدر الإحسان في فؤاده.
فمحامده تملأ المجامع والمسامع، ومناقبه تنير المطالع وتبعث المطامع.
وعلمه تُقبل أمواج البحر بين يديه، وحلمه يطيش شيخ الجبال أبو قبيس لديه.
إلى ما حوى من منظرٍ صبيح، يستنطق الأفواه بالتَّسبيح.
وسخاءٍ لو ركِّب في الطبائع لم يوجد شحيح في نوع الإنسان، وزهدٍ لو كان رقيةً للصبابة لم يبق جريحٌ من حدق الحسان.
وأما رقَّة طبعه فكلما ذكرت تنزَّهت في بحبوحة النعيم الخواطر، واشتقَّت من أنفاس الهجير بين الروض والنهر بمراوح النسيم العواطر.
مع تلطُّفٍ بلغ الغاية في الكمال، وسلامةٍ لم يبق معها فتنةٌ إلا فتنةٍ بجمال.
فهو بالهداية محلَّى، وقد رفع الله في العلياء محلا.
وله من الأخبار ما يُملي التَّواريخ المخلَّدة، ومن الأشعار ما يملأ الكتب المجلَّدة.
فمن شعره قوله من قصيدة، يذكر فيها ليلةً مضت في روض عنبري النَّفح، ويتشوق إليها تشوُّق الشريف لليلة السَّفح.
وليلتنَا على قاسون لمَّا ... خرجْنا من منازِلنا ذهابَا
وسِرنَا والغزالُ لنا دليلٌ ... ووجه غزالةِ الأفلاكِ غابَا
لقصرِ أبي البقَا شرف اعتلاءً ... وطابَ لنا منازِلُه رحابَا
حططْنا فيه أحمالاً ثقالاً ... عن الظهرِ الذي قد صارَ قابَا
ومن فضلِ المُدام لقد حظِينَا ... بشمَّاسٍ يُديرُ لنا الشَّرابَا
بمدرعَةٍ تخال سوادَ عينِي ... لِتمثالٍ لها حاكِي قُنابَا
وغنَّى والظَّلامُ لنا رضيعٌ ... وقمْتُ وكان رأسُ الليلِ شابَا
ونادَى بالأذانِ فقلتُ أهلاً ... بذاك وكنتُ أول من أجابَا
لأنَّ الصُبحَ أشهرَ سيف حربٍ ... وجُنح اللَّيل كان له قِرابَا
وله:
انْظُر إلى السِّحرِ يجري في لواحِظِه ... وانْظر إلى دعَجٍ في طرفِه السَّاجِي
وانْظر إلى شعراتٍ فوق وجنتِهِ ... كأنَّما هنَّ نملٌ دبَّ في عاجِ
أحسن منه قول بعضهم:
كأن عارِضه والشَّعر عارَضَه ... آثارُ نملٍ بدتْ في صفحة العاجِ
توحَّلتْ في لطيمِ المِسكِ أرجُلُها ... فعدْنا راجِعةً من غير مِنهاجِ
وله:
الهجوُ أقبح ما يكون إذا بدَى ... وإذا اسْتجنَّ ففي الفؤادِ قبيحُ
فلِذاك لا يرضاه إلا جاهِلٌ ... إنَّ الجهول بما يقول جَريحُ
وله:
وليلةٍ بِتُّ فيها لا أرَى غِيَراً ... مع شادِنٍ وجهه قد أخجلَ القمرَا
نادمْتُه قال هاتِ الكأسَ قلتُ له ... جلَّ الذي لافتِضاحِي فيك قد سترَا
وقمتُ أرشفُ من ريقِ المُدامِ ومن ... مُدامِ ريقٍ وأقْضِي في الهوَى وطَرَا
ولفَّنا الشوقُ في ثوبيْ تُقًى وهوًى ... وطال بالوصلِ لي والليلُ قد قصُرَا
وله:
وليلتنَا بالأمسِ كانتْ عجيبةً ... وفينَا غزالٌ أدْعَجُ الطَّرفِ أحوَرُ
سألتُ إلهي أن نعود لمِثلِها ... بعَوْد التَّجلِّي قيل لا يتكرَّرُ
وقوله:
وقد لامنِي عاذِلي في الحُبِّ قلت له ... حُبِّي شِفائِي كما أنَّ السِّوى مرضِي
قد قال قبليَ شخصٌ لست أعرِفهُ ... لكنه قد قضى من شعرِهِ غرضِي
لكلِّ شيءٍ إذا فارقْتهُ عِوَضٌ ... وليس لله إن فارقتَ من عِوَضِ
стр. 145
فاصْبِر عليه تنلْ بالصَّبر وصلته ... فالمرِّ فيه حلا والحكمُ فيه قُضِي
الحكم لله وهو العدلُ فارْضَ به ... ما يغلِب الدهرَ إلا من بذاك رضِي
في الأمثال: في الله عوض من كل فائت. قائله عمر بن عبد العزيز. ورأى أبو جعفر المعدني مكتوباً على جدار:
لكلِّ شيءٍ فقدتهُ عِوَضٌ ... وما لِفقدِ الحبيبِ من عِوَضِ
فأجازه بقوله:
وليس في الدهرِ من شدائِدِه ... أشدُّ من فاقةٍ على مرَضِ
وقوله: ما يغلب الدهر ... إلخ، منه.
لكلِّ شيءٍ مُدَّةٌ وتنقضِي ... ما غلبَ الأيَّام إلا من رَضِي
ومما ينسب إليه:
قد لامنِي الخلقُ في عِشقِ الجمالِ ولم ... يدرُو مُرادِيَ فيه آهِ لو عرفُوا
وصلتُ منه إلى الإطلاق ثمَّ سرَى ... سِرِّي إلى قيد حسنٍ عنده وقفُوا
وله تخميس الأبيات المنسوبة إلى العارف بالله تعالى أحمد الرفاعي:
أفوه إذا يشدُوا الأنامَ بشُكرِكُم ... وأكتم سرِّي لا أبوح بسرِّكُمْ
أحبَّتنا من طيبِ نشأةِ خمرِكُم ... إذا جنَّ ليلِي هام قلبِي بذِكرِكُمْ
أنوح كما ناحَ الحمامُ المطَّوقُ
عسَى ولعلَّ الدهرَ يأتي بهم عسَى ... لأشهدهُم عند الصباحِ وفي المسَا
فقلبِيَ من فقدِ الأحبَّةِ قد قسَا ... وفوقي سحابٌ يمطِر الهمَّ والأسَى
وتحتِي بِحارٌ في الهوَى تتدفَّقُ
إذا فاح من نجدٍ بقلبِي عبيرُها ... فلا عجبٌ إن قلتُ إني سميرُهَا
وإن خمدتْ نارِي فوجدِي يُثيرُها ... سلُو أمَّ عمرٍو كيف باتَ أسيرُهَا
تفكُّ الأسارَى دونه وهو موثَقُ
وفي تلفِ الأرواحِ كم لي إباحةٌ ... وفي منزلِ العشَّاقِ كم لي سياحةٌ
فيا ويحَ صَبٍّ أثْخنتْهُ جِراحةٌ ... فلا هو مقتولٌ ففي القتلِ راحةٌ
ولا هو مأسورٌ يفكُّ فيطْلقُ
وشعره كثير، ويكفي من الدلالة ما أبان الطرق، ومن القلادة ما أحاط بالعنق.
ومن فصوله القصار، الجارية مجرى الأمثال والحكم، قوله: لا يترك الوسائط، من لم يصر من البسائط.
من صدقت سريرته، انفتحت بصيرته.
طرق الله لا تحصى للإكثار، وأقربها إليه الذِّلُّ والانكسار.
الخول يذهب الحجب، والشهرة تورث العجب.
من لم يكمل عقله، لا يمكن نقله.
في القرن العاشر، احذر أن تعاشر.
في القرن العاشر من القرون، تسيء بالصالحين الظنون.
المحبَّة تصحيح النسب، وثمرة المكتسب.
الأخ من يعرف حال أخيه، في حياته وبعد ما يواريه.
إذا انفسدت أحوال الشَّريعة، فأشراط الساعة سريعة.
وله فروع بسقت في دوحة بستانه، وتروَّت بصبيب الأنواء من صوب هتَّانه.
أشرق مجدهم إشراق الشمس، وقاموا لذات الفضل مقام الحواس الخمس. فمنهم: محمد الكبير الذي لا يفي بوصفه التَّعبير.
قام بعد أبيه خليفة، واتَّخذ الزهد سميره وحليفه.
فكأنه لم يمت من خلفه، ولا غاب عن أهله من استخلفه.
فهو البقيَّة الصالحة وقد ذهب الكرام، والذَّات الفالحة اللائقة بالإكرام.
إلا أنه لم يطل عمره، ولا خلص من الوهن نهيه وأمره.
فمات ودفن عند أبيه ومربيه، فلا زالت رحمة الله تحييه وتحبيه.
ومن المعلوم أن المورد واحد، وسيان فيه ولدٌ ووالد.
وهو معدودٌ من رجال الطريق، ومنخرط في سلك ذلك الفريق.
وله فضلٌ ومجد، وأخلاق تحكي صبا نجد.
مع تبتُّلٍ وركون، وإنابةٍ إلى الله في حركةٍ وسكون.
وبالجملة فمقداره عظيم، ولكنه يقلُّ من النثر والنَّظيم.
ولم يحضرني من شعره، إلا قوله:
يا صاح إن الشِّعر يُزري بذي ال ... الحسنِ وإن كان بهيّ الجمالْ
أما ترى الأنفُسَ من شَعرةٍ ... تعافُ للماءِ الفراتِ الزُّلالْ
وهذا معنى تداولته الشعراء، والسابق إليه أبو إسحاق الغزِّي، في قوله:
يقولون ماءُ الحسنِ تحتَ عِذاره ... على الحالةِ الأولى وذاك غُرورُ
ألسنا نعافُ الشُّربَ من أجلِ شعرةٍ ... إذا وقعتْ في الماءِ وهو نميرُ
ثم خلَفه أبو السعود واسطة عقدهم المقتنى، وغصن روضتهم المجتنى.
стр. 146
وعبير ذكرهم المردَّد، ولسان حالهم المجدَّد.
يروقك مجتلاه، ومحلُّه يهزأ بالبدر معتلاه.
كرم فرعاً وأصلا، وشرف جنساً وفصلا.
وله فضلٌ أضحى تاجاً لرأس المناقب، وأدبٌ تتوقَّد به نجوم الليل الثَّواقب.
وبيني وبينه موالاة محققة، وعهود موثَّقة، وثناءٌ كمائمه عن أذكى من الزَّهر غِبَّ القطر مفتَّقة.
ورأيت له أشعاراً في الذروة من الانطباع ثاوية، لها في كلِّ قلبٍ بلطف موقعها خلوةٌ في زاوية.
وقد أثبتُّ منها قصيدةً شطَّر بها سينيَّة ابن الفارض، فناصفها شطر الحسن، كما تناصف حسن الخدِّ بالعارض. وهي هذه:
قفْ بالديارِ وحيِّي الأربُعَ الدُّرُسَا ... مخاطِباً لرَسيسِ الشوقِ مُقتبِسَا
واسْترجِع القولَ يا ذا الرَّأيِ مُختبِراً ... ونادِها فعساها أن تُجيبَ عسَى
وإن أجنَّك ليلٌ من توحُّشِها ... فلا تكنْ آيِساً لا كان من أيِسَا
خذْ من زِنادِ الجوَى ناراً مُشعْشعةً ... فاشْعلْ من الشوقِ في ظَلمائِها قبَسَا
يا هل درَى النَّفَرُ الغادُون عن كَلِفٍ ... موَلَّهٍ هائمٍ كاسَ الغرامِ حَسَا
تَراه مستصْحِبَ الأفكارِ ذا حُرَقٍ ... يبيتُ جُنحَ الليالي يرقُب الغلَسَا
فإن بكَى في قِفارٍ خِلتَها لُجَجاً ... ما شامَها ناظِرٌ إلاَّ همَى وجَسَا
وإن خبَتْ نارُه هاجَ الغرامُ بهِ ... وإن تنفَّس عادتْ كلُّها يَبَسَا
فذو المحاسنِ لا تُحصَى محاسنُه ... إذا رآه عَذولٌ حاسدٌ خَنَسَا
ومن أبَيْت فلا فَقْد لوَحشتِهِ ... وبارعُ الأُنسِ أعْدَمْ بهِ أنُسَا
قد زارني والدجَى يرْبَدُّ من حَنَقٍ ... وحُسنُ إشراقِه بالشُهْبِ قد حُرِسَا
فالزُّهر تَرمُقُه عُجْباً برونَقِهِ ... والزَّهرُ يبْسَم عن وجهِ الدُّجَى عَبَسَا
وابْتزَّ قلبيَ قَسراً قلتُ مظْلمَةً ... فحسبِيَ اللهُ ممَّن قد جنَا وقَسَا
حيَّرْتني فأنا المُحتارُ وا أسفِي ... يا حاكمَ الحبِّ هذا القلب لمْ حُبِسَا
زرعتُ باللَّحظِ ورْداً فوق وَجنتِه ... فأثمرتْ منه لي في ناظِرَيهِ أسَى
إن رمتُ أقطفُ منه عِطرَ رائِحةٍ ... حقٍّا لِطرفيَ أن يجنِي الذي غرَسَا
وإن أبَى فالأقاحِي منه لي عِوَضٌ ... أوْردْتُه القلبَ حيث الحبُّ فيه رَسَا
جعلتُه رأس مالِي مذْ ربحتُ به ... مَن عُوِّض الثَّغرَ عن درٍّ فما بُخِسَا
إن صال صِلُّ عِذارَيْه فلا حَرَجٌ ... أن عادَ منه صحيحُ الجسم مُنتكسَا
فهذه سُنَّةٌ للعِشقِ واجبةٌ ... أن يَجْنِ لسعاً وأنِّي أجْتنِي لَعَسَا
كم باتَ طَوعَ يدِي والوصلُ يجمعُنا ... لم يخْطُر السُّوءُ في قلبِي ولا هَجَسَا
وزادنِي عِفَّةً إذْ كان ذا ثِقةٍ ... في بُردتيْه التُّقى لا يعرف الدَّنسَا
تلك الليالي التي أعددْتُ من عُمُري ... يا ليْتها بقِيتْ والدهرُ ما نُكِسَا
ويا سقَى الله أيَّماً لنا سلَفتْ ... مع الأحِبَّةِ كانت كلُّها عُرسَا
لم يحلُ للعينِ شيءٌ بعد فُرْقتهم ... وما صَبَا دونها صَبُّ الجَوَى ونَسَا
ولا شمَمْتُ نسيماً أستلِذُّ به ... والقلبُ مذ آنسَ التَّذكار ما أنِسَا
يا جنَّةً فارَقَتْها النفسُ مُكرهَةً ... أبْقِي لصَبِّك في نيلِ المنَى نفَسَا
وحَقِّ مُوثَقِ عهدٍ لا انْفِكاكَ له ... لولا التَّآسِي بدار الخُلدِ مِتُّ أسَى
أحمد بن محمد الهمنداري الحلبي المفتي اتَّخذ الثُّريَّا مصعدا، وورد المجرَّة مقعدا.
ثم طلع شنباً فكان في ثغر الشام، وهبَّ نسيماً فحرَّك طرباً أغصان البشام.
стр. 147
واستقرَّ بروضها الزاهر، استقرار الغمض في الجفن الساهر.
فقيَّد الأعين بصفاته، كما عقل الأفكار بلحظه والتفاته.
وهو نسيج وحده استيلاءً على الفضل واشتمالا، ووحيد نسجه إبداعاً لتحائف المقول واعتماله.
يتحلَّى بخلق لو كان للروض ما ذبل في الشتاء نوره، وفكرٍ لا يُدرك غوره.
وحلم ما شيب بوهم، وتثبُّتٍ لم يخفَّ له وزن.
يصعب إغضابه ويسهل استرضاؤه، ويفيض إقباله ولا يتوقع إغضاؤه.
ويقرب الزمن في عطفه، ولا يتراخى المدى إلى لطفه.
وهناك أدبٌ بسلسل الرقَّة يتدفَّق، وطبعٍ عن زهر الرياض يتفتَّق.
فإذا تفوَّه بسطت الحجور لالتقاط لآليه، وإذا أملى ترك الملأ إملاء أماليه.
وهو أحد من حضرتُ عنده، واقْتدحتُ في الاستفادة زنده.
وكان هو وأبي عقيدي صحبة، وأليفي مودَّة ومحبَّة.
وبينهما لحمةٌ ليست سدَى، واتِّفاق ليس إلا ببرد فضل وندى.
وكان أبي يقول فيه: لم أر مثله كثرة إناءة، وتجنُّب بذاءة وإساءة.
وتناسب ذاتٍ ونعت، وتوافق سجيَّةٍ وسمت.
تروق أنوار خلاله، وأدبه تتنَّفس الرياض في خلاله.
وقد أوردتُ له من شعره الرَّقيق، ما هو أعذب من ريق الندى في ثغور الشَّقيق.
فمن ذلك قوله من قصيدة مطلعها:
دون رشفِ اللِّمى وضَمِّ النُهودِ ... طَعَناتُ المثقَّفِ الأُملودِ
واقْتِحام المَنونِ أجدرُ إنْ ... أعقبَ وصلاً بحال كل لَمِيدِ
مُهَجُ العاشقين منذ قديمٍ ... خلُصتْ للبلاءِ والتَّنكيدِ
من لقلبي بأغْيدٍ قصَم القلْ ... بَ بعَضبٍ من اللِّحاظِ حديدِ
ألِفَ النُّفرةَ التي تعقِل العَقْ ... لَ وتُذري الدموعَ فوق الخُدودِ
وكتب إلى والدي:
حيَّتْك فضلَ اللهِ دِي ... مةُ سُؤدُدٍ نشأتْ بمجدِكْ
وعلَتْك أنوارُ السَّعا ... دةِ فاغتنمْ إشراقَ سعْدِكْ
وكذا الفضائِلُ والفوا ... ضِلُ والمكارمُ حَشْوُ بُردِكْ
أما القريضُ ونسجُه ... فلأنتَ فيه نسيجُ وحْدِكْ
بك جِلَّقٌ فخَرتْ كما ... بأبيك قد فَخَرتْ وجَدِّكْ
مولايَ فكرِي قاصِرٌ ... عن أن يُحيط بكُنْهِ حَدِّكْ
فاعْذُرْ ودُمْ بمَسرَّةٍ ... تبقَى على الدُّنيا كوُدِّكْ
فراجعه بقوله:
هل زهرُ روضٍ أم زَوا ... هرُ أنجُمٍ أو دُرُّ عِقدِكْ
أم روضةٌ قد فاح من ... رَيَّا رُباها عَرْفُ نَدِّكْ
أم ذي بدورٌ أشرقتْ ... في حيِّنا من أُفقِ سَعْدِكْ
يا مُفردَ العصرِ الذي ... لم تسمحِ الشَّهْبا بنِدِّكْ
أنت الذي افْتخرتْ بفضْ ... لِك أهلُها من عصرِ مهْدِكْ
ولك المعارفُ والعوا ... رِفُ واللَّطائفُ قَدْحُ زَنْدِكْ
أرسلتَ نحويَ غادةً ... ألفاظُها شهِدتْ بشُهْدِكْ
حيَّتْ فأحْيتْ مُغْرماً ... قد كان منتظِراً لوعْدِكْ
وإليك منِّي روضةً ... بالوُدِّ ذاكِيةً بحمْدِكْ
وافتْ على ظمَأٍ بها ... تبغِي الوُرودَ لِعذْبِ وِرْدِكْ
فاقْبل بفضلِك عُذرَ من ... يرعَى الوفَا بوَثيقِ عهْدِكْ
ودعاه الخطيب المحاسني إلى داره، وقمر سعدِه إذ ذاك في إبدراه.
فلما طابق خبر المجلس مخْبَرَه، وأطلق فيه عوده وعنبره. أنشد بديهاً:
قد حلَلْنا بمنزلٍ فاق حُسناً ... وبهاءً وحازَ لُطفاً عجيبا
ضاعَ مِسكاً وكيف يُنكَر هذا ... منذ ضَمَّ الخطيبَ ضُمِّخَ طِيبا
وقد تناول هذا الجِناس من قول بعضهم:
مُلِئَ المنبرُ مسكاً ... مذْ به قمتَ خطيبَا
أتُرى ضَمَّ خطيباً ... منك أم ضُمِّخَ طِيبَا
وأنشدني من لفظه لنفسه معنًى ما زلت أحَمِّق به فكري، وأتمنَّى لو كان لي بكلِّ شعري، وهو هذا:
مذ رأى الوردُ على أغصانِه ... خَدَّ من أهواه في الروضِ الأنِيقْ
صار مُغمًى فلطِيف الطَّلِّ قدْ ... رُشَّ في وَجنتيه كي يستفيقْ
стр. 148
وقلت أمدحه:
يدُ ابنُ أحمدٍ وفضلُ أحمدِ ... تُعلِّم الناس طريق الرَّشَدِ
لولاه أصبح الوجودُ عاطلاً ... ولم يَبِنْ في الدهرِ طيبُ المَحْتِدِ
مُفتِي دمشقَ الحَبْرُ من صفاتُه ... ألذُّ من وصلِ الحسانِ الخُرَّدِ
مَن عنده اللَّذةُ إدراكُ المَنى ... وأنكَرُ الأصواتِ صوتُ مَعْبَدِ
لا يعلم الهزلَ ولا يحبُّه ... ولا يميلُ طبعُه إلى الدَّدِ
تُسهرِهُ الأفكارُ في مفاخرٍ ... يُبْدعها أو مَكْرُماتٍ يبتَدِي
ينظِم منثوراتِها فهي على ... جِيدِ العُلى كاللُّؤلؤِ المُنَضَّدِ
مذْ حلَّ في بلدتِنا رِكابُه ... هدِيَ به من لم يكنْ بالمهْتَدِي
وأصلحَ الناسَ صلاحُ سِرِّه ... فليس من حدٍّ بها أو قَوَدِ
يا جِلَّقَ الشامِ سَقاكِ عارِضٌ ... من فضله يُمْطِر صَوْب العسْجَدِ
ما أنتِ إلا في البِقاعِ مثلُه ... في العُلَماءِ أوْحدٌ لأوحَدِ
ما شرَّف الدِيارَ غيرُ أهلِها ... أحِلْيَةُ العيونِ غيرُ الإثْمِدِ
ما مصرُ إلا حيث حلَّ يوسفٌ ... لا نسَبٌ بين امرِئٍ ومعهَدِ
إن صدقَ الظَّنُّ فقُرْبُ رُتبةٍ ... من رُتبةٍ كبلدٍ من بلَدِ
أنْجب فينا غُصنَ فضلٍ مُثْمِراً ... بالمعلوات والنَّدى والسُّؤدُدِ
تشابَه الغُصنُ وروضُه وقدْ ... يظهر في الوالدِ سِرُّ الولَدِ
حكاه في عفَّتِه وفضلِه ... والشِّبْلُ في المخْبرِ مثل الأسدِ
لا برِحَا في عِزَّةٍ دائمةٍ ... لا تنْقضي ما بقِيَا للأبدِ
فإن في بُقْياهما صَوْنَ العُلى ... عن أن تُمَسَّ بيدٍ لأحَدِ
إبراهيم بن منصور الفتَّال شيخ الشيوخ ومعترفهم، وبحر العلماء ومغترفهم.
أما العلم فمنه وإليه، ومعوَّل أرباب فنونه عليه.
وأما الأدب فله فيه التَّبريز، وإذا كان غيره فيه الشِّيةُ فهو الذهب الإبريز.
وله المنطق الذي يسحر العقول، والفكر الذي يصدأ عنه الفِرندُ المصقول.
مع حديثٍ لا يُمل، ومنظرٍ يملأ عيني من تأمل.
تتنافس في مجلسه دررٌ لوامع وحِلًى جِياد، فلا تعلَّق فيه إلا أقراطٌ بآذان وقلائدٌ بأجياد.
وطبعه يعير سحره عيون الحور، ويفضح بعقود آثاره دُرر البجور.
تبتسم الفضائل عن آثاره، وتتفتَّح ثغورها بلوامع إيثاره.
وقد ألقى الله عليه منه محبَّة، جلبت إليه مسْرَى القبول ومهبَّه.
فلا تزال الأعين تحدِّق إلى محيَّاه، والألسن تدعو بانفساح مَحْياه.
وراحته مخدومةٌ بالقُبل، وعيشه أنضر من الربيع المقتبل.
تودُّ كؤوس الراح في أفراحها، لو تعوَّضت بلحظة أُنسِه عن راحِها.
وإذا ذُكر فالقلوب على ثنائه ذات اتِّفاق، وخبرُ فضلِه إذا تُلىَ سَمَر القوادِم وحديث الرِّفاق.
وما أنا في ترنُّمي بذكره، وتعطُّري بحمده وشكره.
إلا النسيم على الحديقة بريَّاه، والصبح بشَّر بالشمس ضوءُ مُحيَّاه.
ولي فيه ما لم يقُلْ شاعرٌ ... وما لم يَسِرْ قمرٌ حيث سارَا
وهُنَّ إذا سرنَ من مِقوَلي ... وثَبنَ الجبالَ وخُضنَ البحارا
فإنه الذي ضربت بحضرته أطناب عمري، وأنفقت على فائدته أيام دهري.
وتروَّيت من المعرفة بروائع كلامه، وملأت سمعي درُّ الأصداف من آثار أقلامه.
وكان ينوِّه بي ويشيع أدبي، وبالجملة فكان لي مكان أبي.
فأنا من حين فقدته فقدت كهفا آوى إليه، وسنداً أُعوِّل في المآرب عليه.
فحُقَّ لفؤادي أن يستعر بوقده، ولدمعي أن يسيل دماً على فقده.
وأسأل الله أن يزلفه من رحمته ويدنيه، ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه.
فمما تناولته من نظمه، قوله في مديح صاحب الشَّفاعة، ﷺ :
كلُّنا سيِّدي إليك نؤوبُ ... ما لنا لا نعي اللِّقا ونتوبُ
إنَّ عمرَ الشبابِ ولَّى وأبقى ... ما جناه فيه وذاك الذُّنوبُ
فإلى كم هذا التَّواني وقد جا ... ءَ نذيرُ الحِمام وهو المَشيبُ
стр. 149
ما أحسن قول ابن نباتة: جاء النذير العُريان وهو الشَّيب، وابيضَّ بردُه فظهر فيه دنس العيب.
وآذن صبحته بالتَّفريق، ونُشرت بين السَّواد صفحته فعلم أنها ورقة طريق.
والنَّذير العريان: زُنير، بالنون، بن عمرو الخثعمي.
كان ناكحاً لامرأة من بني زُبيد العريان، فأرادت زبيد أن تغزو خثعم، فحرسه أربعة نفر منهم، وطرحوا عليه ثوباً، فصادف غِرَّةً فحاضرهم بعد أن رمى ثيابه، وكان من أجود الناس شدًّا.
وقال في ذلك:
أنا المنذرُ العُريانُ ينبذُ ثوبَه ... لك الصدقُ لم ينبذ لك الثوبَ كاذبُ
ندَّعي الحبَّ فِرْيةً إنما ال ... حبُّ حريٌّ بأن يطاعَ الحبيبُ
ليس هذا دأبُ المحبِّين لكن ... قد نحاه مشتَّتٌ محجوبُ
إن أعداءَنا توالتْ علينا ... نفسُنا والهوى وعقلٌ مريبُ
كيف يرجو الخلاصَ منهم مُعنًّى ... في عَماه مكبَّلٌ مجبوبُ
من نرجِّي لدفعِ داءٍ عضالٍ ... غيرَ خيرِ الورى وذاك الطبيبُ
سيِّدُ المرسلين خيرُ نبيٍّ ... شافعُ الخلقِ يوم تُتلى العيوبُ
مبدأُ الكونِ ختمُ كلِّ نبيٍّ ... قد حباه الحِبا قريبٌ مجيبُ
علَّه أن يقول في الحشرِ عنِّي ... إنَّ هذا لجاهِنا منسوبُ
وله عندنا ودادٌ قديمٌ ... وعلينا يومَ النِّدا محسوبُ
من لهذا الحقيرِ غيرَ نصيرٍ ... أو شفيعٍ دعاؤُه يستجيبُ
أنا عونٌ له ويكفيه عوناً ... من سواي ولي فِناءٌ رحيبُ
يا نبيَّ الهدى وغوثَ البرايا ... ووحيداً وليس في ذا عجيبُ
خصَّك الله بالمراحمِ جمعاً ... من يعي ذاك عاقلٌ ولبيبُ
كلُّ فضلٍ مِصباحه أنت حقًّا ... إنَّ هذا في المكرمات غريبُ
كلُّ من لم يرَ افتراضَ هواكم ... فهو في النارِ حقُّه التَّعذيبُ
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ما نلتُ شيئاً إذا كنتُ المُقصِّر في ... تحصيلِ أسبابِ توفيقي وإسعادي
إلا ضَياعَ نجاتي وهي نافعتي ... يا ربِّ هبْ ليَ يوم الحشرِ إنجادي
وله:
إن كان ذنبي في الشدائدِ مُوقِعي ... وبه لقد لاقيتُ ما أنا فيهِ
فالعفوُ منك يزيلُ ذاكَ تكرُّماً ... كالشمسِ إن أتتِ الدُّجى تجليهِ
ولما دُفِن في تربته أنشدتُ:
يا تربةً قد غاضَ بحرُ النَّدى ... فيها وبدرُ التِّمِّ عند التَّمامْ
ما هيَ إلا حُقَّةٌ أُودِعتْ ... من طيِّبِ العنصرِ مسكَ الختامْ
رمضان بن موسى العُطيفي فاضلٌ حظُّه من المعرفة وافر، ووجه أمانيه طلقٌ سافر.
ما زال من الحال في أعذبها شرعة، ومن الحظوة في أسوغها جرعة.
وكان مرفوع الحجاب، منزوع رداء الإعجاب.
وله في الخُلق والخَلق من الرِّضوان رضوان، وفي النَّثر والنظم من المرجان مرجان.
وأما عهده فهو بالصِّدق محلَّى، وودُّه يبلي الجديدان ولا يبلى.
لا أقول إنه أصفى من الماء فقد يشرق به الإنسان، ولا أضوأ من قمر السماء فقد يدركه النُّقصان.
وكنت وصبائي عاطر النَّفحة، لدنُ الغصن ناضر الصَّفحة.
حضرت دروسه في العربيَّة، وأخذت عنه أشياء من الفنون الأدبيَّة.
ثم وقفت له على بدائع من آثاره بهيَّة الإلماع، فأثبتُّ منها ما هو عبق الأفواه وحَلْيُ الأسماع.
فمن ذلك قوله من قطعة، كتب بها لبعض الأدباء، جواباً عن لغز، كتبه إليه في قرنفل: يا من زيَّن سماء الدُّنيا بزهر النُّجوم، وزيَّن الأرض بزهرها المنثور والمنظوم.
نحمدُك على ما أبدعت حكمتك في هذه الأعصار، من زاهي الأزهار.
ونصلِّي ونسلِّم على نبيِّك المختار، وآله الأخيار، ما اختلف الليل والنهار، عدد تنوُّع البهار.
أما بعد: فإن رقيق الكلام، ورشيق النِّظام.
مما يسحر الألباب، وينسج ما بين الأحباب.
ولا بدع فقد قال سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام:
стр. 150
" إنَّ من البيان سحراً، وإنَّ من الشِّعر حكمةً ".
هذا، وقد أخذ رائق كلامكم، وفائق نظامكم.
بهذا الصبِّ أخذ الأحباب الأرواح، ولعب به ولا كالتعاب الرَّاح.
كيف لا، وقد كسيَ حلل البهاء والجمال، وانتظم ولا كانتظام اللآل.
رقَّ فاسترقَّ الأحرار، وحليَ فتحلَّى به أهل الشِّعار.
وراق معناه، فأشرق مغناه.
وحسن مساقه، فحلا مذاقه.
وفاح أرج القرنفل من رياضه، وهبَّت نسمات الجنان من غياضه.
فلله درُّك ودرُّ ما ألغزت، وما أحسن ما بعَّدت وقرَّبت، فقد أبدعت فأعبدت، وأغربت فأرغبت. لغز كالغزل، في نشر طيِّه حلل.
من طوَّل في مدحه فقد قصَّر، وما عسى أن يمدح البحر والجوهر.
ولكن نعتذر إليكم من هذه الشَّقشقات التي أوردناها على سبيل البديه، وكلٌّ ينفق مما عنده ويبديه.
وحين ملت طرباً من ميل تلك اللامات، قلت هذه الأبيات:
أتاني نظامٌ منك يُزري بحسنِه ... قفا نبكِ من ذكرَ حبيبٍ ومنزلِ
وأشْممني منه أريجاً كأنه ... نسيمُ الصَّبا جاءت بريَّا القرنفُلِ
فيا واحدَ الدنيا وليس مُدافعٌ ... ويا من غدا مدحي له مع تغزُّلي
بعثتَ لنا عقداً ثميناً فلو رأى ... جواهره النَّظَّامُ ولَّى بمعزلِ
ولو أن رآه امرؤُ القيسِ لم يقُل ... ألا أيُّها الليلُ الطويلُ ألا انْجلِي
فمن يكُ نظَّاماً فمثلُك فليكُنْ ... فصاحة ألفاظٍ بمعنًى مكمَّلِ
رقيقٌ لطيفٌ رائقٌ متحبِّبٌ ... إلى كلِّ نفسٍ وهو في العينِ كالحِلِي
يفوحُ عبير المسكِ من طيِّ نشرِه ... فكيف وقدْ ألْغزتهُ في القرَنْفلِ
فلا زِلت تَحبونا بكلِّ فضيلةٍ ... ولا زلتَ تُحيينا بعلمٍ مفضَّلِ
ولا زلتَ للدنيا إماماً وسيِّداً ... وعلمكَ يُروى للحديثِ المسلسَلِ
وله، جواباً عن سؤالٍ دفع إليه في تحقيق معنى البيتين المشهورين، وهما:
عيناه قد شهدَتْ بأنِّي مُخطئٌ ... وأتتْ بخطِّ عِذارِه تذكارَا
يا حاكِم الحبِّ اتَّئدْ في قتلتِي ... فالخطُّ زورٌ والشُهودُ سُكارَى
تأملت البيتين المشتملين، على خط العِذار وشهادة المقلتين. فلم يظهر لي في الخطأ صواب، وقد بذلت طاقتي فلم يفتح لي الباب.
ولم أسمع من الأشياخ الثقاة الأحبار، ولا من الشبان والرواة للأخبار.
من نقد هذا النقد، الذي هو أحلى من القند.
فتحقَّقت أن مبديه من أولي الألباب، القادرين على الإتيان بكل عجب عجاب.
وأن فكرته تتَّقد كالزُّهر في الدجى، فتوضَّح السبل لأهل الحِجا.
وأنه المتصرف في الدقائق كيف شاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء:
يا من كساهُ الله أردِية العُلى ... وحباه عطرَ ثنائِها المتضوِّعِ
وإذا نظرتُ إلى محاسِنِ وجهِه ال ... مسعودِ قلتُ لمقلتِي فيها ارْتعِي
وإذا قرينَ الأذنَ شهدُ كلامِهِ ... قلتُ اسمعِي وتمتَّعي وارْعي وعِي
وكأنَّما يُوحَى إلى خطراتِهِ ... في مطلعٍ أو مخلصٍ أو مقطَعِ
لك في المحاسنِ معجزاتٌ جمَّةٌ ... أبداً لغيرِك في الورَى لم تُجمعِ
بحران بحرٌ من البلاغةِ شابه ... شعرُ الوليدِ وحسنُ لفظ الأصمعِي
شكراً فكم من فقرةٍ لك كالغِنَى ... وافَى الكريمَ بعيد فقرٍ مدقِعِ
وإذا تفتَّق نور شِعركَ ناضِراً ... فالحُسنُ بين مرصَّعٍ ومصرَّعِ
أرْجلتَ فرسانَ قلبي ورُضْتَ فر ... سان البديعِ وأنت أفْرسُ مُبدِعِ
ونقشْتَ في فَصِّي الزمانِ بدائِعاً ... تُزري بآثارِ الرَّبيعِ المُمْرِعِ
وحويْتَ ما تُكْنى به طرًّا فلم ... تترُكْ لغيرك فيه بعضَ المَطْمَعِ
غير أن هذا العبد بعد البعد عن المقام، ألمَّ به بعض إلمام.
وهو أنَّ خطأ هذا المحب إذ قاد نفسه لحتفِه في هوى هذا الحبيب البعيد المنال، القريب الوَبال، بحُسن الدلال، كما قال من قال، وأحسن في المقال:
стр. 151
علمتُ أن العيونَ السُّودَ قاتلتِي ... وأنَّ عاشِقها لا زال مقْتولا
وقد تعشَّقْتها طفلاً على خطَاءٍ ... لِيقضيَ اللهُ أمراً كان مفْعولا
فكأن هذا الحبيب طلب هذا المحب لمجلس قاضي الهوى، وديوان أهلِ الجوَى.
وادَّعى عليه، وأحضر حجَّته وشاهديه.
وقرَّر في دعواه، بحضرة هذا الصَّبِّ الذي يهواه.
أنه قد وقع في إقدامه لمحبَّتي على خطأٍ لا صواب، كيف لا وهو لا يذوق الأرْيَ إلا بعد الشَّبع من الصَّاب.
ولا يمكنه القرب إلا بعد البعد الطويل، ولا الوصل إلا بعد فراقِه لكلِّ خليل.
وهذا خطبٌ جليل، صاحبه إن لم يمت فهو أبداً عليل.
يكابد الأشجان في الليل والنهار، وبعد ذلك إمَّا إلى جنَّةٍ وإمَّا إلى نار.
وقلَّ محبٌ يحصل على حبيبه إلا بعد هذه الأهوال، وإنفاق الرُّوح فضلاً عن الأموال.
فلا يكن العارف كالرافض، لما قال ابن الفارض:
هو الحبُّ فاسْلم بالحشَا ما الهوى سهلُ ... فما اخْتاره مُضْنًى به وله عقلُ
وعِشْ خالِياً فالحبُّ راحتُه عَناً ... فأوَّله سُقْمٌ وآخرهُ قتْلُ
هذا كلام سلطان العشاق، المقطوع بمعرفته المحبَّة على الإطلاق.
فعند ذلك نظر القاضي لهذا العاشق ولاطفه خِطابا، وسأل سؤاله فلم يُحرِ جوابا.
فكان كما قيل، في حقِّ العاشق الذليل:
وكم من حديثٍ قد خبأناه لِلِّقا ... فلما التقيْنا صِرتُ أبكَمَ أخرسَا
فلما أراد القاضي الحكم عليه، بما أبدى لديه.
قال ربُّ الجمال في الحال، الغيرِ حالّ: وهاك أيها القاضي شاهدين، عدلينْ.
مبعدين للرِّيَبِ، مقرِّبين للأرَب.
وأبدى من سحر العيون، ما يهتك السِّرَّ المَصون:
عيونٌ عن السحرِ المُبين تُبينُ ... لها عند تحريكِ الجفونِ سكونُ
إذا أبصرتْ قلباً خلِيًّا عن الهوَى ... تقولُ له كُنْ عاشِقاً فيكونُ
ثم قال: حكمتُ بهذه الحجج، التي ليس لك منها فرَج.
فعند ذلك قال المحب، وقد اشتعل ناراً: أيها القاضي: " الخط زور والشهود سُكارى " فكان هذا الجرح عين التَّعديل، وتقويةً للدَّليل.
إذا ثبت هذا فلا شك ولا ريب أن العاقل لا يرمي بنفسه في هذه المهاوي، وإن رمى فهو قطعاً لا شكَّ هاوِي.
وكيف يخاصم من بعضه لبعضه شاهد، وبعضه حجَّةٌ تقطع كلَّ خصمٍ معاند.
فهذا خطأٌ لا صواب، عند أولي الألباب.
فإن قيل: كيف يصحُّ أن يشهد البعض على البعض؟.
قلت: هذا له نظيرٌ بما سيقع يوم العرض.
كما أخبر رب العالمين، في كتابه المبين. وهو قوله تعالى: " يوم تشهدُ عليهم ألسِنتُهُمْ وأيديهِم وأرجُلُهُم ".
إلى أنه فرَّق ما بين الدَّارين، لعظم أحد الهولين.
وهذا لا يخفى على الفطن العارف الحاذِق، الذي هو لطعم المعارف ذائِق.
وقد جاء ذلك كثيراً في أشعارهم، وقُرِّر في قصصهم وأخبارهم.
كما قال أبو حفص المُطَّوِّعي، من شعراء اليتيمة:
أيا منيةَ المشتاقِ فيم تركتَنِي ... كَئيباً بلا عقلٍ قتيلاً بلا عَقْلِ
فإن كنتَ أنْكرتَ الذي بي من الهوَى ... أقمْتُ به من أدمُعي شاهدَِيْ عَدْلِ
وقال الآخر:
وعندي شهودٌ للصَّبابةِ والأسَى ... يُزكُّون دعوايَ إذا جئتُ أدَّعِي
سقامِي وتسْهيدِي وشوقِي وأنَّتِي ... ووجدي وأشْجاني وحُزني وأدمُعِي
وقال آخر:
إن كنتَ تُنكِر حالي في الغرامِ وما ... ألْقى وأنِّيَ في دعوايَ متَّهَمُ
فالليلُ والوَيلُ والتَّسهيدُ يشهدُ لي ... والحزنُ والدمعُ والأشواقُ والسَّقمُ
فإن قيل: لم اختصَّ البعض بالعينين، ولم يأتِ باليدين والرِّجلين؟ قلنا: خَصَّ العينين؛ لما فيهما من الحسن الزائد، وكثرة الفوائد.
لأن أحسن ما في الإنسان وجهه الجامع لجميع المنافع، وأحسن ما فيه العينان من غير منازع. قال:
وأحسنُ ما في الوجوهِ العيونُ ... وأشبهُ شيءٍ بها النَّرجِسُ
فكانا ألْيَقَ بالمقام، عند الخاصِّ والعام.
فإن قلتَ: لم خصَّ الحِجَّة بالعِذار، الشَّبيه بالليل الماحي لضياء النهار؟ والحجة يطلب فيها الانارة والظهور لا الظلام ولا الستور
стр. 152
قلت: لأمرين؛ يظهران كالعين للعين. أحدهما عقلي، والآخر نقلي.
أما العقليُّ؛ فإن العِذار يشبه حروف الخطِّ المكتوب، فكأن إتيانه حجَّةً ألْيقَ بالمطلوب.
وأما النقلي؛ فإن العِذار خاصُّ بهذه الدار لأنه لا يوجد في الأخرى، فكان بهذه الخصيصة أحرى.
كما قال بعض الناس، ناظِماً ما قال أبو نواس:
قال الإمامُ أبو نواسٍ وهو في ... شعرِ الخلاعةِ والمجونِ يقلَّدُ
يا أمَّةً تهوى العِذارَ تمتَّعوا ... من لذَّةٍ في الخلدِ ليستْ توجدُ
وقد طغى القلم، بما يعقب السَّأم. والسلام.
القاضي حسين بن محمود العدوي الصَّالحي هو للدهرِ حسنةٌ تكفِّر ما جنى، وللزَّهر خميلةٌ فيها ظلٌّ وجنى.
توقَّد في الأدب ذهنه، وشاخ ولم يعرض فكره وهنه.
وهو من أصدقاء أبي الذين كان يميِّزهم بالتَّقريب، ويستحسن ما يأتون به من النادر الغريب.
وقد لزمته في عهده أدبِّجُ بتقريراته مهارِق الطروس، وأعطَّر بنفحات تحريراته رياض الأدب الرَّيَّانة الغروس.
وتناولتُ من أشعاره ما لو كان للروضِ ما ذوتْ أوراقه، أو في البدر ما فارقه إشراقه. فمن ذلك قوله:
أرى كلَّ إنسانٍ يرى أنَّ حينهُ ... من الخطبِ خالٍ إن ذاك لمغرورُ
وكيف وأصل البنيةِ الماءُ والثَّرى ... وسوفَ إلى تُربِ القبورِ يصيرُ
فلا تعْتبنْ خِلاًّ إذا جار أو جفَا ... فأنت وربِّ العالمين كدورُ
فإن جنحتْ منك الظُّنونُ لحادثٍ ... فميلُك للتَّوحيد يا صاحِ مبرورُ
فإنَّ بقاء العزِّ في وحدةِ الفتَى ... كما أنَّ إكثار التَّردُّدِ محذورُ
وما مذهبي أنِّي ملولٌ لرفقتِي ... ولكنَّ مسلوب الكفاءةِ معذورُ
لقد أصاب في هذا لبَّ الصَّواب، وإن كان تناوله من قبله ابن الجدِّ الأندلسيّ:
وإنِّي لصبٌّ للتَّلاقي وإنَّما ... يصدُّ رِكابي عن معاهدِكَ العسرُ
أذوبُ حياءً من زِيارةِ صاحبٍ ... إذا لم يساعدْنِي على برِّه الوفْرُ
ولي من قطعة: وإني بحكم الزمان، أستحي من زيارة الإخوان.
حذراً من التَّقصير، وعدم ظهور المعاذير.
فالعين بصيرة، واليد قصيرة.
ويا لهفي على عمر الكرام، يمضي بخيبة المرام.
فلا يقدَّر لهم في كلِّ وقتٍ إسداء نعمة، ولا استدفاع نقمة.
ولا مكافأة ذي منَّة، ولا مداواة أخي محنة.
تتمة الأبيات:
أجلْ إنَّ أبناءَ الزمانِ تفاوتتْ ... فمنهم خبيرٌ بالأمورِ ونِحْريرُ
وبالجملة التَّحقيق فالأنْسُ موحِشٌ ... وعمَّا سوى الخلاَّقِ شغلك مدحورُ
فيا ربِّ جدْ بالعفوِ والصفحِ والرِّضا ... ففعلِيَ مذمومٌ وفعلُكْ مشكورُ
وله:
وليلٍ أدرْنا فضل قاسون بيننا ... فكادتْ قلوبُ السامعينَ تطيرُ
فلو ندرِ إلا الفجرَ صارَ دليلَنا ... إلى سفحِهِ والسفحُ فيه نفيرُ
وفينا هداةٌ للطَّريق وقادةٌ ... لهم كلُّ فضلٍ في الورَى وصُدورُ
فسِرْنا فلا والله لم ندرِ ما الذي ... قطعناه بعد المشي كيفَ يصيرُ
فلمَّا وصلْنا المُسْتغاثَ أغاثَنا ... به الغيثُ حتَّى غوثُنا لمطِيرُ
فزرْنا وكلٌّ نالَ ما كان ناوِياً ... وفزْنا بوقتٍ حسنُه لشهيرُ
ومنه ركِبنا الجوَّ حتَّى كأنَّنا ... نجومُ سماءٍ والسحابُ ثبيرُ
إلى أن هبطْنا قبَّة الفلك التي ... تسمَّى بنصرٍ مذ أعانَ نصيرُ
رأيْنا بِها عِقدَ الثُّريَّا معلَّقاً ... وعين الدَّرارِي النَّيِّراتِ تُشيرُ
فلن نرَ بُرجاً قبلها حلَّ منزِلاً ... يسيرُ إليه الناسُ وهو يسيرُ
وأعجبُ شيءٍ أن تراها مُقيمةً ... وتمشِي كما يمشِي الفتَى وتغورُ
وأعجبُ من هذا تراهَا عقيمةً ... تُربِّي بناتَ النَّعشِ وهي سريرُ
وعدْنا فحيَّانا حيَا فضل سحبِها ... بريحٍ له وقعُ الغمامِ صريرُ
стр. 153
إلى أن رمتْنا بعد عالِي مكانِنا ... على مُغْرٍ فيها المُقامُ غرورُ
وجئْنا حِمانا مطمئِنِّين أنفساً ... على أن مرقى المكرُمات عسيرُ
ودخل على شيخنا إبراهيم الخياري المدني، حين قدم الشام زائراً، أثر انقطاعٍ ربَّما أوجب تهاجرا.
فقابله معتذراً، وأنشده معنًى مبتكراً. وهو:
وما عاقنِي عن لثمِ أذيالِ فضلِكُم ... سوى أنَّ عيني مذْ فارقتُكم رمَدَا
فعاتبتُها حتَّى كأنِّي حبيبُها ... فأبدتْ كلاماً كانَ قلبي له غِمدَا
وقالتْ لقد كحَّلتُ طرفِي بظرفِهِ ... فأفْتحُها سهواً وأُغمضُها عمدَا
فخاطبه الخياري بقوله:
أيا فاضِلا أبدَى لنَا في نِظامِهِ ... لطيفَ اعتِذارٍ سكَّنَ الشوقَ والوجدَا
وأشفَى بِلُقياه مريضَ بِعادِهِ ... وقدْ كانَ أشفَى للبِعادِ وما أودَى
فصان إلهُ العرشِ مُقلتهُ التي ... ترَى كلَّ معنًى دقَّ عن فهمِها جِدَا
لئنْ كُحِّلتْ بالظرفِ قد أسكرت بِما ... أدارتْهُ من مقلوبِ أحداقِها شُهْدَا
فإن ترَنِي أشتاقُ خمرةَ قرقَفٍ ... فأطلبُها سهْواً وأترُكُها عمدَا
عبد القادر بن عبد الهادي العُمري ممَّن سابق في ميدان البراعة حتى أحرز مداها، ودأب في تحصيل المعارف إلى أن وجد على نار فكرته هُداها.
فإذا قدح بالظَّنِّ أثقب، وإذا ولَّد بالرجاء أنجب.
يعرف النِّقاية فينتقيها، ولا يمرُّ بالنُّفاية التي ينتفيها.
ويطالع ما وراء العواقب، بمرايا من التجارب الثَّواقب.
فلا تبيت فكرته بهم مرتبطةً، حتى تصبح بحلِّ عقدتها مغتبطة.
مع إحاطة بأنواع من الفنون، لا تحوم حولها الأوهام والظُّنون.
وتآليفه ألَّفت بين التَّناسق والتَّوافق، وجمعت حسن التَّطابق والتَّوافق.
وله من الشعر ما ينيل المطلوب، ويمتزج لطفه مع أجزاء القلوب.
وهو أحد أشياخي الذين قلبي بودهم معتلق، ولسان ثنائي بفضلهم منطلق.
تروَّيت حيناً بمائه، واستمطرت الوبل من جانب سمائه.
وكان أنشدني كثيراً من أشعاره الحسان، أنسيتها منذ زمان، وقبَّح الله النِّسيان.
ثمَّ ظفرت له بأشياء اقتطفت أناسيَّ عيونها، وجئت بمحاسن أبكارها وعونها.
فمنها قوله من قصيدة:
خطرتْ تميسُ كخطوطِ بانٍ مُزهرِ ... لا الشمسُ منها والبدورُ بأنورِ
عربيَّةُ الألفاظِ أعربَ لفظُها ... عن سحر موردها وطيبِ المصدرِ
هي كاسُ خمرٍ للعقول يديرها ... كفُّ البلاغةِ في خلالِ الأسطرِ
وجرَتْ من الأسماع جرْيَ مدامةٍ ... مُزجت برائقِ ريقِ ظبيٍ أحورِ
وتكادُ من فرطِ البلاغةِ قد تلتْ ... في سورةِ الإخلاصِ ذكرَ الكوثرِ
واللفظُ يُنبئنا وحسنُ مذاقِها ... بالموردِ العذبِ الهنيِّ السُّكَّري
عجباً لهاتيكَ الفصاحة إنها ... حوتِ الفصيح من الصِّحاح الجوهري
نُظمتْ قوافي للعقولِ تخالُها ... نظمَ اللآلي في نحورِ البكَّرِ
فكأننِّي وكأنَّها عند اللِّقا ... خلاَّنِ قد جُمعا بروضٍ مُزهرِ
أو زورةٌ منَّ الحبيبُ بها على ... معشُوقه أو لثمُ بدرٍ مُسفرِ
وقوله من أخرى، أولها:
هذا الغزالُ فإنِّي منه في شُغلِ ... وصارَ وجدي به ضرباً من المثلِ
وغازلتنيَ منه العينُ فانبعثتْ ... منِّي معاني صحيحِ الشَّوقِ والغزلِ
بدرٌ فما البدرُ إلا من تكوُّنِه ... لكنَّه فاقه بالحليِ والخجلِ
فقدُّه خوطُ بانٍ قد أمال به ... لطفُ النَّسيمِ إلى وصلي فلم يملِ
وطرفه الغنجُ الوسنانُ أودعَهُ ... داعي الهوى حوراً لكن مع الكحلِ
وآسُه فوق ورد الخدِّ تحسَبه ... وشياً من النَّمل أو نوعاً من الرَّملِ
والخالُ يدعو إلى رَيحانِ عارضه ... أهلَ الغرامِ على خوفٍ من المُقلِ
стр. 154
وقُرطُه خافقٌ كالقلبِ من قلقٍ ... مقبِّلاً جِيدَه في زيِّ مُشتغلِ
يفترُّ عن لُؤلُؤٍ في الثغرِ مُنتظمٍ ... نَظْمَ الدَّراري بأجيادِ الدُّمى العُطلُ
وريقُه الخمرُ عندي قد أبان به ... نصًّا فحلَّ مُدامُ الثغرِ كالعسلِ
نصُّ كلِّ شيءٍ مُنتهاه، فنصُّ الرِّيق: منتهاه في اللَّطف. وبذلك تتم التَّورية في النَّص.
وكاسُنا الثغرُ قد راق المدامُ به ... وعلَّه مَنهلاً منه على عَللِ
نجني الحبابَ فلا ندري الجنَى أبدا ... بغير رشفِ رُضابِ الثغرِ والقُبلِ
في كلِّ حينٍ أُلاقي من مَضاربه ... سيفاً من اللَّحظِ أو طعناً من الأسلِ
ولي بعوثُ هوًى ما زلتُ أُرسلُها ... منِّي إليه ولم تظفرْ على أملِ
ولم تنلْ رُسلي إلا مُباعدةً ... من المزارِ وإلا لسعةَ العذلِ
يا عمرَك الله لا تسألْ وكُن فطناً ... وعن مصارعِ أربابِ الهوى فَسلِ
ابن عمِّه عبد الجليل بن محمد هو كابن عمِّه، مختصٌّ من المدح بأعمِّه.
اشتهر من صغره نبلُه، وأصاب الغرض مذ فوَّق نبله.
ففيه ما شئت من فضلٍ شروق، وأدبٍ يصفِّق عارضه ويروق.
ونفسٍ كريمة الشَّمائل، وفكرةٍ توشَّى بحبرها الخمائل.
وله شعر إذا استجليته استحليته، وإذا لمحته استملحته.
يفيض فيه فيضاً، وأراه يحسن النثر أيضاً.
إلا أنه لم يمهله الدهرُ حتى يبلغ المدى، فاعتُبط وشبابه يانعٌ بسقيط النَّدى.
ولم يبلغني من آثاره إلا قدرٌ قليل، والقليل منه على الكثير دليل.
فمن ذلك قوله في الخال:
خالُ الحبيب بدَا في الخَدِّ مبْتهِجاً ... والقلب من شغفٍ للخالِ قد جنحَا
قد عمَّه الحُسن يا من خالهُ حسنٌ ... والعمُّ في خدمةٍ للخالِ ما برِحَا
وقوله في العِذار:
نسجَ الفضلُ عليه ... حلَّةً تنمو وَقارَا
في المحَيَّا حين حلَّتْ ... رقم الحسنُ عِذارَا
وقوله، وفيه اقتباس، وتورية، واكتفاء:
يا لقومِي من غزالٍ ... خَنِثِ الأعطافِ ألمَى
إذ تلى سورةَ حسنٍ ... وجهُه والحسنُ عَمَّا
سألُوا عن مُحكَمِ الأو ... صافِ فيه قال عَمَّا
وقوله:
يا خالِّه لمَّا بدا ... في عرشِ خدٍّ واسْتوَى
أوْحَى لصُدْغٍ أيةً ... تدعُو كراماً للهوَى
أصله للحاجِرِي:
لك خالٌ فوقَ عرْ ... شِ عقيقٍ قد اسْتوَى
بَعث الصُّدغَ مُرْسَلاً ... يأمرُ الناسَ بالهوَى
ولبعضهم:
غدا خالُه ربَّ الجمالِ لأنه ... على عرشِ خدٍّ فوق كُرسيِّه اسْتوَى
وأرسل بالألحاظِ رُسْلاً أعِزَّةٍ ... على فترةٍ يدعو الأنامَ إلى الهوَى
وله كلمات من فصول، قال فيها: لا تزالُ في رِبقةِ الأماني، مادمت في ساحةِ المباني.
البقاءُ مرآةُ التَّجلِّي، والفناءُ منهل التَّخلِّي، والجمعُ منصَّة التَّحلِّي.
والرُّكون للغير، قطيعةٌ في السَّير.
الزهدُ في الظَّاهر، رغبةٌ في المظاهر.
إتقانُ الحواسّ، وظيفة الإفلاس.
ورُؤيةُ الإيناس، مَظِنَّةُ الوسواس.
وحركة الشوق، عصا السَّوق.
وأبوه في الزهد قُدوة، عروةُ متمسِّك منه بعروة.
وقد شملني دعاه وهو للقبضة مناهِز، وما بين دُعائه وحظيرةِ القُدس حاجِز.
وقد مُلِئتْ صحيفة حسناته، واسْتراح صاحبُ شِماله من كتابه سيِّآتِه.
وأسلافهم ما زالوا حِلًى في جِيد الزمن العاطل، إلى أن ينتهوا إلى جدِّهم الفاروق بين الحقِّ والباطل.
﵁ وعن بقيَّة الأصحاب، وأعمل محبَّته ومحبَّتهم في قلوبنا على الاستصحاب.
عثمان بن محمود، المعروف بالقطَّان فتى الفضل وكهله، وشيخه الذي يقال فيه هذا أهله.
أطلع الله في جبينه غُرَّ السنا، فثنى إليه من البصائر أعنَّة الثنَا.
مأمون المغيب والمحضر، ميمون النَّقيبة والمنظر.
فهو كالشمس في حالتيها يبدو نورها، فينفع ظهورها.
وتحتجب أرجاؤها، فيتوقع ارتجاؤها.
стр. 155
فعلى كلِّ حالٍ هو إنسان، كلُّه إحسان، وكلُّ عضوٍ في مدحه لِسان.
به الفتوَّة يسهل صعبها، ويلتثم شعبها.
وهو في صدق وفائه، ليس أحدٌ من أكفائه.
وقد اتَّحدْت به من منذ عرفت الاتِّحاد، فما رأيته مال عن طريق المودَّة ولا حاد.
وله علي حقُّ مشيخةٍ أنا من بحرها أغترف، وبألطافها الدائمة أعترف.
وكثيراً ما أرد وِرده، وأقتطف ريحانه وورده.
فأنتشق رائحة الجِنان، وأتعشَّق رائِحة الجَنان.
بمحاضرةٍ تهزُّ المعاطف اهتزاز الغصون، ورونقِ لفظٍ لم يدع قيمة للدُّرِّ المصون.
إذا شاهدتْه العيون تقرّ، وإذا ذوكِرت به نوب الأيَّام تفِرّ.
في زمنٍ انفصمت من أعلامه تلك العقود، ولم يبقَ فيه إلا هو آخر العنقود.
فإن شئت قلْ: جعله الله خلفاً عن سلف، وإن أردت قلْ: أبقاه الله عوضاً عن تلف.
فممَّا أخذتُه عنه من شِعره الذي قاله في عنفوانه، وجاء به كسقيطِ الطَّلِّ على ورد الروض وأقحوانه. قوله من قصيدة:
بأبي من مُهجَتِي جرحَا ... وإليه الشوقُ ما برحَا
دأبهُ حربِي وسفكُ دمِي ... ليتهُ بالسلمِ لوْ سمحَا
غصنُ بانٍ مُثمِرٌ قمراً ... يتهادَى قدُّهُ مرَحَا
مذْ تثنَّى غصنُ قامتِهِ ... عندَليبُ الوجدِ قد صدَحَا
أي خمرٍ أدارَ ناظِرُه ... ما سقَى عقْلاً فمنه صحَا
إن رآنِي باكِياً حزناً ... ظلَّ عُجباً ضاحِكاً فرحَا
إن يكنْ حزنِي يُسرُّ به ... فأنا أهوَى به البُرَحَا
وعذولِي جاءَ ينصحُني ... قلتُ يا منْ لامنِي ولَحَا
ضلَّ عقلِي والفؤادُ معا ... ليس لي وعْيٌ لمن نصحَا
جدْ وجدِي عادِمٌ جلَدِي ... غاض صبرِي والهوَى طَفحَا
لم يزلْ طرفِي يسِحُّ دماً ... إذ به طيرُ الكرَى ذبِحَا
هذا معنى متداول، منه قول الشِّهاب الخفاجي:
ولو لم يكنْ ذابِحاً للكرَى ... لما سالَ من مقلتيَّ النَّجيعُ
آهِ واشوقاهُ مِتُّ أسًى ... هل دُنُوٌّ للذي نزحَا
إن شدتْ ورقاءُ في فنَنٍ ... شدوُها زندَ الجوَى قدَحَا
وإذا ما شامَ طرفَ الشَّ ... امِ طرفِي للدِّما سفحَا
يا سقى وادي دِمشقَ حياً ... طاب مغتبقاً ومصطبَحَا
وكتبت إليه من مصر: سيِّدي الذي له دعائي وثنائي، وإلى نحوه انعطافي وانثنائي.
لا عدمت الآمال توجَّهها إليه، وكما أتمَّ الله النعمة به فأتمَّها عليه.
أُنهي إليه دعاءً يتباهى به يراع ومِهرق، وثناءً يجعلُ طيبُه فوق سالفٍ ومفرق.
متمسِّكاً من الودِّ بحبلٍ وثيق، ومن العهد بما يتعطَّر بها النَّشر الفتيق.
ومتذكِّراً عيشاً استجليتُ سناه، واستحليت ثناه.
وإنِّي أتلهَّب على طول نواه، وحرِّ جواه.
وقد وسمتَ بإقبالك أياميَ الغُفل، وفتحتَ بمذاكرتكَ عن خِزانة قلبي القُفل.
إلى أن صرف الدهر بحدثانه، وحكم على ما هو شأنه بعدوانه.
وأعاد عليَّ العين أثرا، والخُبرَ خَبَرا.
واللقاءَ توهُّما، والمناسمة توسُّما.
فتذكُّري لأيَّامك التي لم أنسَ عهدها، تركني لا أنتفع بأيام الناس بعدها.
وإنِّي لا أرتاح إلا بذكر فضائلك، ولا أستأنس إلا بكرم شمائلك.
أمزج بها الضَّحايا فتتبسَّم، وأستدعي بها صبا القبول فتتنسَّم.
ولولا اشْتعالُ النارِ في جذوةِ الغَضَا ... لما كان يدرِي المرءُ ما نفحَةُ النَّدِّ
وأما الأشواقُ فإن القلبَ مستقرُّها ومستودعها، ومحلُّها ومجتمعها.
وهو عند مولاي فليسأل به خبيرا، وأما الأثنية فإنها على ألسنة الرُّكبان فلينشر بها حبيرَا.
وإلى مثلك يتقرب بإخلاص الوِداد، ومن فضلك تُجتنى ثمرة حسن الاعتقاد.
فسلامي على هاتيك الشَّمائل، سلامُ النَّدى على ورقِ الخمائل.
وتحيَّتي لتلك الحضرة، تحيَّةُ النسيم للماء والخضرة.
وأما دِمشقُ فشوقي إليها شوق البلبل إلى الورد، وامرؤ القيس إلى الأبلق الفرِد.
وأنا مهدٍ تسليماتي إلى كلِّ يابِس من دوحِها وأخضر، ومتبرِّج من ثمراتها في قِباء رواءٍ أنضر.
وأشتاق عهدها والعمرُ ربيعٌ نضر، والرَّوض جرَّ عليه ذيله الخضر:
стр. 156
وما أنسَ أيَّامهَا والصِّبا ... أرَنُّ يجرُّ ذيولَ الجذَلْ
ومسًّ رقيقُ رداءِ النَّسيمِ ... على عاتقِ الرَّوض بعض البلَلْ
إذا الدهرُ مَيْتُ النَّوى واللِّحا ... ظُ عنَّا وأحداثُه تُعتقَلْ
وذنبِي فيه أميرُ الذُّنوبِ ... ودولتُه فوق تلك الدُّوَلْ
وأرجع فأقول:
إنَّ حبِّي دِمشقَ إن عدَّ ذَنْباً ... فذنُوبي أجلُّ من طاعاتِي
فمدحي لها لا ينقطع إلى أن تنقطع المدائح، وأثْنِيتي عليها لا تمَلُّ ولو ملَّت التغريدَ الحمائمُ الصَّوادِح.
وأنا مؤمِّلٌ أوْبةً تَسُرّ، فيمتَّع الناظر بتلك الوجوه الغُرّ، والمناظر الزُّهر.
وأُنشِد بلسان المقال، إذا استقامت الحال:
إنَّ ذنوبَ الدهرِ معْفورةٌ ... إن كان لُقياك لها عُذرَا
والسلام.
وهنا وقف الفكر، عن سرد من قصدتُه من العلماء بالذِّكر.
وأجنح إلى قول ابن بسَّام: إن شعر العلماء ليس فيه بارقةٌ تُشام.
لأنها بَيِّنة التكلُّف، ظاهرةُ النُّبُوّ عن الرِّقَّة والتخلُّف.
قلت: وعلَّةُ ذلك اشتغال أفكارهم بما يُعَنِّي، والشعر وإن سَمّوه ترويحَ الخاطر، لكنَّه مما لا يُثمر فائدةً ولا يُغنِي وشتَّان بين من تعاطاه في الشَّهر مرَّة، وبين من أنفقَ في تعاطيه عمرَه.
وقد استثنى ابن بسَّام شعر خلَف الأحمر، وقُطْرُبا. أمَّا خلَف فلقوله في صِفة جواد:
وكأنَّما جهِدتْ قوائمهُ ... أن لا تَمسَّ الأرضَ أرْبَعُهُ
وأمَّا قطرُبا فلقوله:
أن كنتَ لستَ معي فالذِكرُ منك معِي ... ترعاكَ عينِي وإن غُيِّبْتَ عن نظرِي
فالعينُ تُبصِرُ من تهوَى وتفقِدهُ ... وناظرُ القلبِ لا يخلُو من النَّظرِ
وأنا أستثني شيخَنا المهمنداري، المقطوع الشَّقيق، الحقيق بغاية الإطراء عند التَّحقيق.
ورأيتُ الشِّهاب قد نفى الاستثناء واسْتند فيه إلى الإذعان، وجعل حُسنَ بعضِ أشعارِهم من قبيل دعوةِ البخيل وحملةِ الجبان.
وأنا أقول: إنه عالمٌ، وكثيرٌ من أشعارِه عن الزَّيفِ سالِمٌ.
فهو يناقض نفسه بنفسه، إلا أن يتمحَّض لوصفِ الشَّاعريَّة بما تراءى له في حدْسِه.
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
بقية الباب الأول
في محاسن شعراء دمشق ونواحيها
فصل ذكرت فيه مشاهير البيوت
التي هي في أفق دمشق كالثوابت واضحة الثبوت فمنهم: بيت حمزة زبدة آل البيت، ونقاوة ذلك العنصر لبرأ من اللوِّ واللَّيت.
آل رسول الله ونعم الآل، والموارد الصادقة إذا كذبت الآل.
وسراة لؤي بن غالب، وملتقى النور بين الزهراء وعلى بن أبي طالب.
وهو بيت شيدت دعائمه، وسمت فيه سعود الفلك ونعائمه.
عصابُة فضل أخصب الدهرُ منهمُ ... فأصبح مُخَضرّاً وقد كان مُغْبرَّا
تكاد يَدِي تَنْدَي إذا مالمستُه ... وتُنبِتُ في أطْرافها ورقاً خَضْرا
لهم المجد السابق، وبهم يضىء الحسب الباسق.
ما ولدوا غير نجيب، ولا دعوا إلا كان الدهر أول مجيب.
وقد رأيت أبياتاً ذكرها صاحب دمية القصر، لم أر من تتنزل عليه إلاَّ هم بأداة الحصر.
وهي:
سقى آلَ حمزةَ صَوْبُ الحيا ... فهم في حساب العُلى الحاصِلُ
هم الزَّائدون هم الفاضلون ... وغيرُهُم الزائد الفاضلُ
لسانِي عن حالهم سائلٌ ... ودمعي على إثْرهم سائلُ
إذا كنتُ في ظِلِّهم قائلاً ... فإنّي بفضلهمُ قائلُ
فمنهم:
السيد محمد بن السيد كمال الدين
الشريف الرضي بنقابته وكفايته، والسامي عليه برعاية التفنن وحفايته.
فهو البحر الذي لا يدرك شاطئه، والرئيس الذي تقبل بشفاه الأجفان مواطئه.
نصب شباك الأفكار فاقتنص ما به كمال نوع الإنسان، ووفر الله له دواعي الحظ فجمع بين عجائب الحسن وغرائب الإحسان.
فاستدارت منطقة المجد حول مركز سيادته، واستنارت كواكب المعالي الزاهرات بأضواء سعادته.
فكانت له الفردوس حضرة، ونعيم خلدها يرف عليه نضرة.
وأناته من رجاح رضوى، وقسماته من البدر أضوا.
стр. 157
وله في علو الهمة محكم الذكر، وفي درك المهمة الفكرة الثابتة والعزمة البكر.
فهناك تتوقى الأيام حذرة، وتأتيه الليالي مما لم تجن معتذرة.
ولو أن هارُوتَ البيانِ يزورُه ... بلا فتنةٍ للناس علَّمه السحرَا
وفضلاء الوقت لا تفارق جمعه، والأمداح من كل فمٍ تقرظ سمعه.
ومجلسه إما علم ينيله، أو بحث يجيله.
أو شعر يفترعه، أو بكر معنىً يخترعه.
وأخصاؤه من الذين يعرفون القول ويتهافتون عليه، يودون أن مسامعهم وأبصارهم لم تصرف إلا إليه.
ربيع مَعالٍ بالفضائل مُخْصِبٌ ... لذلك بردُ الآلِ في حَيِّهِ اخْضَرَّا
وفي بَحْر أنْسابٍ إذا غاص غائصٌ ... فليس بِرَاءٍ مثلَ جوهرِه دُرَّا
وله من شريف الكلام، ما تتشرف به الأقلام.
فمن ذلك قوله في الغزل:
أملٌ ليس ينْقضى في تمَنِّى ... نظْرةٍ تُسْتعادُ عند الْتِفَاتِكْ
ليس أرْضاك مُسْرفاً في تجنِّي ... كَ بحالٍ والحسنُ بعضُ صِفاتِكْ
لك في كل مهجةٍ راضَها ال ... حُبُّ هوىً يُسْتطاب في مَرْضاتِكْ
بقَوامٍ يُمْلي علىَّ إذا ما ... لَ حديثَ الرِّماحِ في لَفَتاتِكْ
ومُحيّاً يُرِى ضئيلَ نُحولِي ... لعذُولي والصبح للسِّتر هاتِكْ
وسَنا مَبْسَمٍ إلى الرُّشد يهدى ... هائما ضلَّ في دُجَى مُرْسَلاتِكْ
يا بديعاً تحكي الرياض سَجايا ... هُ أقِلْ مُهْجتى شَبا لَحظاتِكْ
أنا مَن لايُحِيله فَرْطُ إعْرا ... ضِك عن مَذْهب الوَلَا وحَياتِكْ
وعلى مقلتى رقيبٌ من الوجْ ... دِ أرى في لِقاه بهجةَ ذاتِكْ
حَسْبُ قلبٍ وناظر يتمنَّا ... كَ بأن لايرَى سوى حسناتِكْ
مُلَح تسلِب النُّهَي ومَزَايَا ... أيها يُستطاع واللّحْظُ فاتِكْ
ومن مقاطيعه قوله:
بين تثنِّيك واعتدالِكْ ... مكائدٌ تقطع المَهالِكْ
ودن ألْحاظِك المَواضِي ... مصائدٌ كم بهنَّ هالكْ
ومن معمياته قوله، ويخرج منه اسم جمال:
وشادِنٍ أسْفَر عن وجهِه ... فأشْرق الكونُ به واستْنارْ
وقد رَنا نحوي بألْحاظِه ... وسهُمها فاق فَدار العذارْ
وقوله، ويخرج منه اسم خضر:
سطَا بلَحْظٍ مُثْخِنٍ في الحَشا ... ظَبْيٌ جيوشُ الحسن أنصارُهْ
وكيف لا يُثخن قلبي سَطا ... سَفْك دم العشاق مِعْشارُهْ
وقوله، ويخرج منه اسم مهدي:
أهْواه كالغصنِ لَيِّناً بَهِجاً ... تلطَّف في سَلْب مهجتي خُدَعُهْ
مُعنِّفي فيه لا تكن خشِناً ... مَن ذا بقلبي مكانه أضَعُهْ
وقوله، ويخرج منه اسم شعبان:
قد أثَّرتْ شمسُ النهار بوجه مَن ... أرْبَى عل قمرِ السماءِ إذا اتَّسَقْ
ورقى العِذارُ على صحيفةِ خدِّه ... لمَّا بدا من تحته ذاك الشَّفَقْ
وقوله، يخرج منه اسم حسن:
دَعِ الجهلَ والْزم ساحة المجدِ واطَّرِحْ ... عُلُوقاً بأسْباب الزمان المماطِلِ
فهل يُرْتَجَى دهرٌ يُفوهُ بلا فمٍ ... بخَفْضِ أعاليه ورفْع الأسافلِ
وقوله، ويخرج منه اسم علي:
بِرُوحي أَنيسٌ نرى طَرْفَه ... مَخائلَ وصلٍ لِسلْبِ النُّهىَ
يُقارب خَطْو تلافٍ نأَى ... وبالقلبِ يلهو ولا مُنْتهَى
وله فصول قصار، كل فصل منها تقصار.
فمنها: حسن السيرة، خيرٌ من كثرة العشيرة.
كمال الوجاهة، أن يصون المرء عرضه وجاهه.
رونق المقال، أن يطابق مقتضى الحال.
كثرة المرا، تحل وثيق العرى.
صنائع المعروف، تقى مصارف الصروف.
تقارب الخطى، تحفظك من الخطا.
متابعة الهوى، تحيدك عن حد الاستوا.
من رفق في الطلب، علق بالأرب.
من ساهم من دونه، اتهم بالرعونة.
من تخلق بالأناة، تمنطق بمناطق النجاة.
من فوض أمره لمولاه، أمن مما يحذره ويخشاه.
وكان يوماً في روضٍ فينان، اخضرت فيه خمائل وأفنان.
وهو منشرح الصدر، وندماؤه حوله كالنجوم أحاطت بالبدر.
стр. 158
وصرف الدهر عنه مصروف، وطرفه دون تطرف ساحته مطروف.
يترنح في الخطوة يمينا وشمالا، ويقتطف من الحظ أماني وآمالا.
والروض يحييه بمباسم زهره، ويرفع إليه رفع الحمد ببنان قضبه الناشئة عن معصم نهره.
وهو يجلو من أبكاره، وعرائس أفكاره.
ما هو أمتع من بواكير الرياحين، وأوقع في الأسماع من مطربات التلاحين.
فقرئ بحضرته أبياتٌ غنت بها نعم الجارية بين يدي المأمون، وهي:
ولقد أخذْتُم من فؤادِي أُنْسَهُ ... لا شَلَّ ربي كفَّ ذاك الْآخذِ
وزعمتِ أنِّي ظالمٌ فهجرْتني ... ورميْتِ في قلبي بسهمٍ نافذِ
ونعَم هجرْتُكِ فاغْفري وتجاوزي ... هذا مقامُ المستجيرِ العائذِ
هذا مقامُ فتىً أضَرَّ به الهوى ... قَرِحِ الجفون بحُسْن وجهك لائذِ
فأنشد مضمناً لهذا المصراع قوله:
نقَل العَذُول بأنني أفْشَيْتُ ما ... أخْفَى الحِفاظ من الغرام الواقذِ
هَبْني اقترفْتُ لما افْترى فاغْفرْهُ لي ... هذا مَقامُ المستجير العائذِ
فلم يبق أحدٌ ممن تضمنه المجلس إلا وبدا وبده، وشدا وشده.
فمنهم ولده السيد عبد الرحمن، قال مرتجلا:
نبَذ العهودَ مُغاضِبي فألمَّ بي ... في صورةِ الإشْفاق طَيْفُ النّابذِ
فسألْتُه أن لا يفوه بما جرَى ... فيُحيله عنِّي بقولٍ نافذِ
فمَضى ونَمَّ عليَّ فيما قلتُه ... فأتى يهدِّدني بسيفٍ شاحذِ
رُحْماك قد صدق الخيالُ وإنما ... هذا مقام المستجير العائذِ
ثم تلاه تلوه السيد عبد الكريم، فقال:
هَبْ قادني الغرامُ فما الذي ... ألْجاكَ تعْذِيبي بهَجْرٍ واقذِ
أضَراعتي أم ما افترتْه عَواذِلي ... عنِّي إليك من الكلام النافذِ
رُحْماك بي لا تَرْعَ غيرَ مودَّتي ... وحِفاظَ وُدِّي لا تكنْ بالنَّابذِ
فلديْكَ منكَ بكَ اسْتعذْت وإنه ... هذا مقام المستجير العائذِ
ثم اقتفى أثره شقيقهما السيد إبراهيم، فقال:
نظَرتْ لواحُظه فأقْصدتِ الحشَا ... منِّى بسهمٍ في الحُشاشِة نافذِ
مافَوَّقتْ إلا وقلتُ لسهمِها ... هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الفاضل عبد الغني النابلسي، حفظه الله تعالى:
لاحَظْتُ خالاً تحت صفحِة خدِّه ... مُتوارياً خْلف اللَّهيبِ النافذِ
فسألْتُه ماذا الَمقامُ فقال لي ... هذا مقام المستجيرِ العائذِ
وقال الفاضل عبد القادر بن عبد الهادي:
وافَى الحبيبُ بغير وعدٍ زائراً ... يرْنو بطرفٍ بالمَجامع آخذِ
أرْبَي بُسكْرِ هوىً وسكرِ مُدامةٍ ... حتى إذا سُدَّتْ عليَّ مَنافذِي
ناديْتهُ حسْبي فدَيْتُك زائراً ... هذا مقام المستجير العائذِ
وقال العالم الشيخ عبد الحي العكري:
أنْزلتُ آمالي بوادٍ مُخْصِبٍ ... وحِمىً مَنِيع نعم كهفُ الَّلائذِ
فلذاك ناداني يَقِينى مُعْلِناً ... هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الأديب زين الدين البصروي:
وأغَنَّ فتَّاكِ اللَّواحظِ أدْعجٍ ... يرْمى بنَبْلٍ في القلوبِ نوافذِ
نادَتْه أفْلاذِي وقد فتكتْ بها ... هذا مقام المستجير العائذِ
وقال البارع عبد الرحمن البعلي:
ولقد وقْفتُ على الطُّلولِ عشِيَّة التَّ ... وديع يوم البَيْن وَقْفةَ لائذِ
فاسْتْعَبرتْ عيْنايَ لمَّا بان مَن ... أوْهَى بفُرقته جميعَ مآخذِي
لام العَذُول وقد رآني وَالِهاً ... فأجبْتُه خفِّضْ عليك مُنابذِي
لَوْ راعَك البَيْن المُشِتُّ عذَرْتني ... هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الألمعي إبراهيم بن محمد السفرجلاني:
يا آلَ بَيتِ المصطفى شِعْرِى حَلاَ ... فيكم وطابتْ بالمديح لَذائذِي
وافيْتُكم أبْغِي حِماكم منشداً ... هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الكامل محمد الذهبي:
стр. 159
يا مَن إذا جاريْتُه في مَسْلَكٍ ... ألفيْتُه قد سَدَّ طُرْق مَنافذِي
أهْوِنْ بمُضْناك الذي حيَّرْتَه ... هذا مقام المستجيرِ العائذِ
ثم طلب من الأمير المنجكي تضمينه، فقال:
بِسوَى حِماكُم لا تَراني مُقْلةٌ ... يا مَن لهم وُدِّى المؤكد لائذِي
فإذا وقفتُ ببابكم مُتذلِّلاً ... هذا مقام المستجير العائذِ
واتصل ذلك بالأديب الباهر الطريقة، عبد الرحمن الموصلي، فقال:
عاهدْتُه أن لا يميلَ وقد رأى ... نَبْذَ العهودِ فدَيْتهُ من نابِذِ
رَدَّ الصباحَ لناظِرَيَّ بهجْرِه ... ليْلاً وسدَّد بالصُّدود منافذِي
ناديْتُه واليأسُ أمْسى ضاحكاً ... وأناملُ الآمالِ تحت نواجذِي
رِفْقاً بقلبٍ لا يميلُ لغيركمْ ... هذا مقام المستجير العائذِ
قلت: والأبيات المتقدمة ذكرها ابن خلكان.
وقال: إن المأمون استعاد الصوت من نعم ثلاث مرات، وكان بحضرة اليزيدي، فقال: يا يزيدي، أيكون شيءٌ أحسن مما نحن فيه؟.
قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.
فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم الجليل.
فقال: أحسنت، وصدقت.
ووصلني، وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البدر وقد أخرجت، والمال يفرق.
أخوه السيد حسين
إذا كان ذاك الرضي فهذا المرتضى، وكلٌ منهما الحسام المجرد والسيف المنتضى.
فهما في السيادة ربيبان، يتضاءل لديهما الأقعسان.
اشتركا في البراعة اشتراك الشمول، وفاحا فوحة الزهر وهبا هبوب الشمول.
فكأن يد القادر الفتاح، شقتهما من شقي التفاح.
ينظر الأدب منهما عن مقلتين، ويتردد الأفاضل بينهما تردد النسمات بين روضتين.
وهذا وإن عاجله الحمام، فاستسر قبل التمام.
إلا أنه أهتصر الأمل لدنا، وتبوأ من قرارة العيش عدنا.
وقد ألان له الدهر معطفاً، وأجناه ما شاء من الأماني مقطفا.
وناله قبيل موته حالٌ سنية الخلال، وسيادةٌ وريفة الظلال.
فلم يقم داعي الهنا بإقباله حتى قام ناعى الأمنية، ولا انتقد دينار عمره على محك الانتقاد حتى عولج بصرف المنية.
فروح الله بروحه في الجنان، وعامله بمحض الفضل والامتنان.
وقد أثبت من شعره ما استوفى أقسام النضارة، واستكمل فصاحة البداوة وهو من لب الحضارة.
فمنه قوله من قصيدته، مستهلها:
لك اللهُ هل بَرْقُ الرُّبوع يلوحُ ... وهل بان من ليلِ البِعادِ نُزوحُ
وكم يا ترى يْسطُو عليَّ بأدْهَمٍ ... وأشْهبُ طِرْفِ الصُّبح عنه جَمُوحُ
أُراقِبُ نَجْماً ضلَّ مَسْلَك غَربِه ... وطَرْفِىَ هامٍ والفؤادُ جريحُ
يبيتُ يناجيني الحمَام بسجْعِه ... ويروى حديثَ السُّقْمِ وهْوَ صحيحُ
أطارحُه وجْدِى ويشْكو من الجَوىَ ... وكلُّ مَشُوقٍ بالغرام يبوحُ
يُنوح ولا يدْرِي البِعادَ وفَرْخُه ... لديْه قريبٌ والزمانُ سَمُوحُ
على غُصْنِه المَيَّادِ أصبح شادياً ... ونَشْر الصَّبا يَغْدو له ويروحُ
بِرَوْض بكتْه الغادياتُ فأضحكتْ ... ثُغورَ أقاحٍ بالعبِير تفوحُ
أَقول له والوجدُ يمطِر مقْلتِي ... وقلبيَ في نارِ الغرام طريحُ
ألا يا حَمامَ الأيْك إلْفُك حاضرٌ ... وغصنُك مَيَّادٌ ففِيم تنوحُ
ألا يا حمامَ الأيْك تعدُوكَ حالُ مَن ... بأحْشاه من حرِّ البِعادِ قُروحُ
مُغادِرُ أفْراخِي صغاراً وليس لي ... جَناحٌ ولم يهبُبْ بفُلْكِيَ رِيحُ
فأيْن من النَّائِي عن الإلْفِ حاضرٌ ... وأين من الباكي النَّحُوبِ صَدوحُ
فهل يا ترى من مُنْقذٍ أو مساعدٍ ... يخلِّص مِن أيْدي النَّوى ويُريحُ
وقوله، من أخرى:
مَعاذَ الهوى أن الصَّرِيعَ به يصْحُو ... ليعقِلَ ما يُمْلي على سَمْعِه النُّصْحُ
وكيف تُرجَّى منه يوماً إفاقةٌ ... وزَنْدُ الهوى في عقْله دَأْبُهُ القَدْحُ
стр. 160
دعِ القلبَ يشقى في طريقِ ضلالةٍ ... ففي رأْيه أن الوصولَ بها نُجْحُ
تؤمِّل آمالاً مدى العمرِ دونها ... كأن مَطايا النائبات به جَمْحُ
يُكتِّمُ أسْرارَ الغرامِ فؤادُه ... ويفْضحُه من مُزْنِ مُقْلتِه السَّحُّ
لقد ألفِتْ عيْناه أن تنفح الدِّما ... وتلك دِمَا لُبٍّ به أُحْكِم الجرحُ
يَعاف الكرَى منه المحاجرَ كارهاً ... نُزولَ جراحٍ جُرْحُها شأْنه الرَّشْحُ
له في انْتظارِ الطَّيْف جَفْنٌ مُؤرَّقٌ ... تَعوَّده من شدَّةِ الأرَقِ القَرْحُ
ولم يدْرِ أن الطيفَ يحْذَر أن يُرَى ... نزيلَ بيوتٍ دأْبُ أبوابها الفتحُ
غدا دهرُه بالهجرِ ليلاً جميُعه ... وحسْبُك دهرٌ بالنَّوى كلُّه جُنْحُ
كأن نجوم الأفْق فيه تنصَّرتْ ... فليس لغْير الشَّرْق وِجْهتُها تنْحُو
كأن الثُريَّا والنسور تخاصمَتْ ... وظَلاَّ على جِدٍّ يُجانُبه المَزْحُ
كأن به الشُّهْبَ الثواقبَ تنْبَرِي ... مَراسِيلَ ذاتِ البيْن يُرْجى بها الصلحُ
كأنَّ به خَيْطَ المَجرَّة جدولٌ ... تَوارَدَه الجْيشانِ وازْدحم النَّزْحُ
كأن ظلامَ الليلِ في الجوِّ عِثْيَرٌ ... تغَشّى صفوفَ الجيشِ من جَوْنِهِ فتْحُ
كأن به العَيُّوقَ مَلْكُ مُبجَّلٌ ... كأن اخْضرارَ الفجر في أُفْقِه صَرْحُ
وقوله من أخرى، مستهلها:
خَفِّضْ عليك أخا الظِّباءِ الغِيدِ ... وارْحَمْ مدامعَ جَفْنِيَ المَسْهودِ
كم ذا أُعلِّل بالأمانِي تارةً ... قلبي وطوْراً بانْتظار وعُودِ
ولَكَمْ أبِيتُ بليلةِ المْلسُوعِ في ... أذني سميعٌ في التفات رَصِيدِ
ليلة الملسوع، كناية عن السّهر المؤلم.
ومن اللطائف: دواء الملسوع الصّياح إلى الصباح.
والملسوع اسم مفعول، من لسعته الحيّة أو العقرب.
وأول من استعمل هذه الكناية الشّريف الرّضيّ، في قوله:
أتبِيتُ رَيَّانَ الجفونِ من الكرىَ ... وأَبِيتَ منك بَلْيلةِ المْلسُوعِ
ومن نوادر البيت، أن تبيت مضموم التاء، وهو للمخاطب، وأبيت مفتوح التاء وهو للمتكلم، والخطاب في الأول مستفاد من تاء المضارعة، والتّكلّم في الثاني مستفاد من الهمزة، وأن الأول مرفوع؛ لحلوله محلّ الإسم، والثاني منصوب بأن مضمرة بعد واو المصاحبة.
يامُسرِفا في هجَرِه لمتيَّمٍ ... هجَرتْ محاجِرُه لذيذَ هُجودِ
أهْوِنْ برغبتك القِلَى والجَهْد في ... تعْذيبِ شِلْوِ فؤادِيَ المفْؤُوِد
الشّلو: العضو، وفي الحديث: ائتني بشلوها الايمن.
والشّلو: شلو الإنسان، وهو جسده بعد بلاه، وكلاهما هنا محتمل.
لم يُبْقِ هَجْرُك فِيَّ قلباً خافقاً ... لسرُورِ وعدٍ أو لحزنِ وَعيدِ
وغدوتُ من فِعْل السَّقام كأنني ... أوْهامُ فكْرٍ في خيالِ بليدِ
أدْنَيْتَني حتى ملكْتَ حُشاشِتي ... وتركْتَني وَقْفاً على التَّنْكِيدِ
وله من أخرى، أولها:
عجبتُ لقلبي ما يُكِنّ من الوَجْدِ ... ونارِ جَوًى لاتفْتُر الدهرَ عن وَقْدِ
سقى مَعْهدي والرَّبْعَ من أرضِ جِلَّقٍ ... أسَحُّ غمامَىْ أدْمُعِي والحَيَا الرَّغْدِ
أُرِيدُ الحَيَا فالدمعَ أحْذَرُ إنَّه ... يُحرِّم منها ماءَها الطَّيِّبَ الوِرْدِ
من قول مهيار:
بكيْتُ على الوادِي فحرَّمْتُ ماءَه ... وكيف يَحِلُّ الماءُ أكثرُه دَمُ
منها:
وناعِسِ طرفٍ بات يمزُج راحَه ... برِيقَتِه مَزْجَ الضمائرِ بالوُدِّ
يُنادمني والسكرَ يخْفِضُ صوتَه ... كهَيْنمَةٍ بالروضِ مِن نَسْمِة الرَّنْدِ
منها:
سَقاه غَمامُ الحسنِ صَوْبَ عِهادِه ... فأثْمَر بدراً قد تنوَّر بالوَرْدِ
стр. 161
قلت: هذا شعر تجاوز في اللطف الحد، يحمر له خجلاً ود الربي وورد الخد.
ومن أحاسنه التي عطلت الياقوت والدر، ومن يصبو بمحاسنه فقد بان له العذر، قوله:
إلى م تَرى ذا العهدِ يُتْلِفُه الغَدْرُ ... وحتَّى م وعدٌ دون إنْجازِه الحَشْرُ
أبِيتُ ولي قلبٌ على جَمْرةِ الغضَا ... وأعْباء أحزاني على مُهْجتي وِقْرُ
وقد ضلَّ أُنْسُ الأفْقِ مَسْلَك غَرْبِه ... بِحِنْدِسِ ليلٍ ليس يْعُقبه فَجْرُ
وباتتْ تُناجيني بشَجْو حمامةٌ ... لها تحت ذيلِ الليلِ في شأْنها هَدْرُ
تنُوح علىالغصن الرطيب فينْثِني ... طَرُوبا كمَن مالتْ بأعْطافِه الخَمْرُ
أَنَاشِدةٌ تشدو على فَنَنِ الرُّبَى ... مُفارِقةً إلْفاً وقد خانها الصبرُ
أراك مُنَدَّاة الجناحِ فخبِّري ... أَدَمْعي الذي نَدَّاه وَهْناً أم القَطْرُ
منها في الحماسة:
وإنِّي صبورٌ عند كل مُلِمَّةٍ ... يشِيبُ لها فَوْدٌ ويَحْدَوْدَبُ الظهرُ
ولا ارْتاع لي قلبٌ لخطْبٍ إذا غدا ... علىَّ له الإبْرامُ والنَّهْىُ والأمرُ
فلا خَيْر في قلبٍ أبَتْ أن تُذِيبَه ... خطوبٌ فلولا السَّبْكُ ما عُرِف التِّبْرُ
وقد زادني جَوْرُ الزمان تأرُّجاً ... كما زاد نَشْرَ المسك في سَحْقِه الفِهْرُ
هذا من قول سعيد بن هاشم الخالدي:
تَزِيدُني قسوة الأيَّامِ طِيبَ ثَناً ... كأنَّني المسكُ بين الفِهْرِ والحجَرِ
والفهر: الحجر الذي يسحق عليه.
وإن لاح لي فوق السِّما كَيْن مَطْلَبٌ ... فلا المُرتَقى صعبٌ عليَّ ولا وَعْرُ
ولستُ بِهَيَّابٍ ليوْمِ كريهةٍ ... وقد صافحتْ فيه المُهَنَّدَةُ البُتْرُ
فإن خانني دهرِي فما خانني الحِجَا ... وإن خذَلتْني الصَّحْبُ لم يخْذُل الصبرُ
ولا أشْتكِي خطباً يُشدِّد وَطْأةً ... عليَّ فلولا العسرُ ما خُلِق اليسرُ
منها:
ولستُ الذي يُمْضِي الليالي أمانياً ... يضِيع سُدًى في شأْنها الوقتُ والفكرُ
ولا أكره الخطْبَ المُلِمَّ فرُبما ... أتى النفعُ من حالٍ تراءَى به الضُّرُّ
وللهِ ألْطافٌ يدِقُّ خفاؤها ... فكم خِيفَ أمرٌ كان في ضِمْنه النصرُ
وكم عمَّني بالفضل والنِّعَمِ التي ... يقِلُّ عليها منِّيَ الحمدُ والشكرُ
إذا رُمْتُ أُحْصى وصْفَها بِبيانها ... فهيْهات يُحْصَى الرَّملُ أو يُحْصر القَطْرُ
وله من أخرى، مطلعها:
أراني الزمانُ فِعَالاً خسيساَ ... وخطْباً يبدِّل نُعْماه بُوساَ
منها:
ومُذ أسْكرتْني صُروفُ الزمانِ ... نسِيتُ بها الكأسَ والخَنْدَرِيساَ
وألْزمتُ نفسيَ حالَ الخمولِ ... وعِفْتُ المُنى وهجرتُ الجليساَ
فقد يمكثُ السيفُ في غِمْدِه ... مَصوناً ويسْتوطنُ اللَّيْثُ خِيساَ
ومنها في المديح:
بعزْمٍ تراه إذا ما بدا ... بُمعِضلِ أمرٍ يَفُلُّ الخَمِيساَ
ولا يَملِك القلبَ منه الرَّدَاحُ ... ولو أشْبه الوجهُ منها الشموساَ
ولو تكُ لو لم تَمِسْ ما اهْتدتْ ... غصونُ الرِّياض إِلى أن تميساَ
وله من أخرى، مستهلها:
خَفِّض عليك أخا الظِّباء الرُّتَّعِ ... أنت الشريكُ بما رميْتَ به معِي
أرسلتَ من أجفان لَحْظِكَ أسهُماً ... مذ فُوِّقَتْ لم تُخْطِ قلبَ مُرَّوعِ
قد ظلَّ موقعَها الفؤادُ وإِنَّني ... لم ألق غَيْرَك ثَمَّ في ذا الموضعِ
كَلِفٌ بحبَّاتِ القلوبِ كأنما ... تبْغِي الوقوفَ على الضَّمير المُودَع
يا من غدا يسْطُو عليَّ بهجْرِه ... أوَما رحمتَ نَحيِبَ صَبٍّ مُولَعِ
شيْئان تنْصدعُ الجوانحُ منهما ... تغْريدُ ساجعةٍ وأنَّةٌ مُوجَعِ
стр. 162
كم رُمْتُ أخْفى عن سواك صَبابتي ... وبها ينُمُّ علىَّ شاهدُ أدْمُعِي
يهفْو لِغَيٍّ فيك قلبي ثم لا ... يُصغى لغِشٍّ الرَّشاد مُقَنَّعِ
قل للعَذُول عليك يتْرك غِشَّه ... بالنُّصْح لي فلذاك أُذْنِي لا تَعِي
لم تُحْفِ قَطُّ بشاشةٌ لُؤْمَ الفتى ... فالطبعُ يفضح حالَةَ المتطبِّعِ
إن المَلامَ وحقِّ وجهك في الهوى ... ما زاد غيرَ توَلُّهي وتوَلُّعِي
قد زاد فيك تألُّفِي بتألُّمِي ... وتفكُّري فيه انتهى لتمتُّعِي
الأبيات الثلاثة الأول، هي بعينها ثلاثة المهيار:
أوْدِعْ فؤادي حُرَقاً أو دَعِ ... ذاتُك تُؤذَى أنتَ في أضْلعِي
أمْسِك سهامَ اللحظِ أو فارْمِها ... أنتَ بما ترْمِي مصابٌ مَعِي
موقُعها القلبُ وأنت الذي ... مَسْكنُه في ذلك الموضعِ
ومن مقطعاته قوله:
إذا منَعتْ سُحْبُ العواذلِ وجهَه ... وحجَّب عني نورَه وهْو ساطعُ
فمن نارِ أحْشائيِ تصاعد بَرْقُها ... وهاطلُها ما أمْطرتْه المدامعُ
وله في الغزل:
عجبْتُ لحُسادِي عليك وليْتهم ... دَرَوا أننَّي من نْقضِك العهدَ في ضَنْكِ
مضى ظنُّهم في مَيْنِ وعدِك صحةً ... وحقق إنْجازاً عَرِيّاً عن الشِّرْكِ
فبَيْن وعيدٍ صادقٍ لا تَحيِدهُ ... ووعدٍ كَذُوبٍ ليس يُؤذن بالشَّكِّ
غدَوْتُ ولي حالٌ كما تشْتهي العِدَا ... وسُحْبُ دموعي أنْبتَتْ كَلَأَ الهَتْكِ
فللِه مَن أخلصتُ دهرِيَ وُدَّه ... وعذَّبني بالغدْر والهجرِ والفَتْكِ
وقوله، في شخص اسمه موسى:
يناديك يا موسى فؤادٌ تكثَّرتْ ... عليه وُشاةٌ في هَواكَ خُصومُ
وليس عجيباً أن تَوَلَّه في الهوى ... وأنت له بْين الأنام كليمُ
وله في غرض:
كم ذا تظَلُّ مُؤرَّقَ الأجفانِ ... ما عشْتَ وثَّاباً لنَيْلِ أمانِي
فبكلِّ وادٍ أنت رائدُ مطلبٍ ... وبَكلِّ نادٍ أنت ناشدُ شانِ
تَرِدُ الخطوبَ لَمِوردٍ هاعَتْ به ... أُسْد الفَلا مذعورةَ الأعْيانِ
لا تهتْدي فيه القَطا لورودها ... إلا بورْدِ الضَّيْغمِ الظَّمآنِ
وكأنما رِيشُ النواهض حولَه ... وَقْعُ النِّبال عقِيب يوم طِعانِ
وترى المَطايا عُوِّضتْ من طائِها ... نُونا لمُقْتَحِمٍ له ومُدانِ
فأتْيته والأُسْد تُوجِس خِيفةً ... فيه مفارِقة ثباتَ جَنانِ
وحَشَا خطوبٍ قد شققْتُ ضميرهَا ... بيدٍ تدُقُّ عَواِلَي المُرَّانِ
وغدوتَ تعْتسفُ الفَلا وتجوبُها ... لمطالبٍ قد زُيِّنتْ وأمانِي
وفَرَيْتَ وَفْر ظلامها بصوارمٍ ... وصلتْ عُرَى الإصْباح باللَّمعانِ
وركبت متنْ مَهاِمهٍ متوخّياً ... دارَ العُلى فوصلتها بأمانِ
وبذلْت شَرْخَ العمرِ وهْو نفِيسُه ... في سُوقِ رَغْبات الهوى النَّفساَني
قسماً بأيامِ الشباب وطِيبِها ... وبنظمِ شَمْلٍ شَتَّه الحَدَثانِ
وبأنَّةِ القلبِ الصريعِ إذا نأَى ... عنه الأليفُ وأقْفرتْه مَغَانِي
لَأشَدُّ ما يْلَقى أمرُؤٌ في دهرِه ... شيئان صدقُ قِلىً وبُعْد مُدانِي
وله مضمنا بيت الأرجاني مرتجلا:
لستُ أنْسَى ليالياً قد تقضَّتْ ... بوصالٍ وطِيبِ عْيشٍ بمغْنَى
كم قضَينا بها لُبانَة أُنْسٍ ... وظفِرْنا بكلِّ ما نتمنَّى
حيثُ غُصْنُ الشبابِ رَيَّانُ من ما ... ءِ صِباه في الهوى يتثَّنى
قد أتتْ بغتةً وولَّتْ سِراعاً ... كطُروقِ الخيال مُذْ زَار وَهْنَا
أترى هل تعود بالتَّدانِي ... ومُحالٌ جَمْعِي بها أو تُثنَّى
стр. 163
غيَر أني أعلِّلُ النفسَ عنها ... بالأماني الكِذابَ وَهْماً ووَهْنَاَ
أتمنَّى تلك الليالي المُنِيرا ... تِ وجهدُ المُحبِّ أنْ يتمنَّى
وله يخاطب مليحا مرض:
يا من تَعالاه السَّقا ... مُ لقد حكيْتَ بذاك جَفْنَكْ
إذ صار يا بدَر السَّما ... ءِ مُضاعِفاً ذا الضعفُ حُسْنَكْ
لم ينتقِصْ بالسُّقْمِ حُسْ ... نُكَ سيِّدي والّلهِ إنَّكْ
يشير إلى قول ابن سناء الملك في مليح شفه السقام:
أشْبَهْتَ جسمِي نحولاً ... فهل تعشَّقْتَ حسنَكْ
وكان حَفْنُك مُضنيً ... فصرتَ كلك جَفْنَكْ
وزادَك السُّقْمُ حسناً ... واللهِ إنَّك إنَّكْ
وللسيد محمد ثلاثة أبناء، كثلاثة هقعة الجوزاء، وإن أربوا عليها في السنا والسناء:
السيد عبد الرحمن
هو في السن يكبرهم، وفي الأخذ بأطراف الشعر يكثرهم.
ومكانه منهم الأخطر الأنفس، وصبح الفضل عن ابتهاجه يتنفس وذاته شغلٌ للحب الواجد، وشأن القلوب في محبته القلب الواحد.
قطف الكلام لما نور، ورتب محاسن البديع في درر كلماته وطور.
وقد فجعت به بنو الآداب في ميعة شبابه، وفقدت منه سيداً ألم بخالصة الأدب ولبابه.
فلا عذر للدمع إن لم يساجل عليه المزن، ولا للنفس إن لم تعاشر في مصابه الحزن.
وأرجو الله سبحانه، أن يمنحه روحه وروحانه.
وكنت صحبته أياماً، نبهت فيها حظوظاً نياما.
فما زلت أتروح نسيم لطفه وأنتشقه، واوقول فيه ما يقول المفتون فيمن يعشقه.
وكان أتحفني من أشعاره بطرق تروى تنقل، وبمثلها يجلى القلب من صداه ويصقل.
وها أنا ذا أورد منها ما نلتزمه، ونترك عنك درر البحور، فإن بها زينة الصدور، وتلك بها زينة النحور.
وكل ما أذكر له إما تشبيه زهراً وزهر، أو وصف روض يطل على نهر.
وهو ممن أغرى بهذين النوعين، فأتى منهما بجمل متكاثرة، ونظم فيها بدعاً أضحت لها عقود الترائب متناثرة.
وذلك إما لميلٍ غريزي في فطرته، أو لأن دمشق متروح فكرته.
وحسبك من طبعٍ لو كان للسحب صيرت الزمان فصل الربيع، وفكرةٍ لو كانت للنجوم السيارة جرين سعداً أكبر في التربيع.
ويكفيك من متروح تنفتح العين منه على بهجةٍ ونضارة، ومسرحٍ ينجلي القلب منه بجدة وغضارة.
فمن ذلك مقامته الربيعية، كتبها للأمير حمزة الدفتري، بدمشق، وقد احتوت على معظم تشبيهات الزهور.
وهي:
إلى روضةِ الآداب رَيْحانة النَّدِّ ... تَحايا حِفاظٍ حرَّكتْها يدُ الوُدِّ
فجأتْ كأنفاسِ الرَّياح تسحَّبتْ ... على رَشَحاتِ الطَّلِّ من وَجْنة الوردِ
هذا، وقد عن للخاطر يا سيدي أن يزف إليك بوادره، ويجلي عليك نوادره.
إذ لا بد للنفوس أن تمرح، وللنوادر أن تستباح وتستملح.
وقد أشعرت أني دفعت إلى المناجاة الفكر الفاتر، عند قلة المحادثة والمناظر.
فخطابني في ابتكار النخب، وأغراني بافتراع أبكار الأدب.
وقال: ما تقول في دعابة تقلص ذيل الوقار، وتزرى بأكؤس العقار.
فقلت: إيه، يا نبيه، ثم لزمت الإصاخة لتلقيه.
فسلك بي طريقاً من الواهمة، كأنما أعده لهذه المنادمة.
فأفضى إلى روض مندي، كأنما تجلل بالنعيم وتردى.
وقدر فرشت ملاءة النور، على ميادنيه، وحرشت أيدي النسيم بين رياحينه.
يخترقه نهرٌ كأنما يسيل من درة، أو ترقرق من عبرة.
وعليه درةٌ من الفواقع منظوم، وبسماطيه وشيءٌ من الأزاهر مرقوم.
فمن نرجس نعته الفتور، ووردٍ كأنما انتزع من أوجه الحور.
وأقاحٍ كأنه ثغر الحبيب بلا مر، وقصور من العسجد السبيك مشرفة الذرى.
وياسمين كأنه أثل الأبكار، أو صلبان من الفضة صغار.
وبنفسج كأنه العوارض الطريرة، أو رصة القرط في سالفه مهمومةٍ غريرة.
وشقيقٍ كأنه أقداح العقيق، قد رسب بقرارتها مسكٌ فتيق.
وآذريون كأنهن مداهن عسجد، على سواعد زبرجد.
قد ضمخت أوساطها بغالية، وسماوتها من ذاك خالية.
وسوسان كبياض السوالف، أو جياد الوصائف.
وترنجان كأنها وشمٌ على زنود، أو بساط سندسٍ ممدود.
ومردقوش كأنما مفروقة آذان خرد، ومجموعة صرحٌ من الزمرد ممرد.
وريحان يعده النديم ليوم الفراغ، ويحكيه الحبيب بسلاسل الأصداغ.
стр. 164
وقرنفل كأنما توقد بالجمر، وانعقد من الخمر.
على مكاحل خضرٍ معشوقة، وساوعد صفرٍ ممشوقة.
وسنبلٍ لازوردي الأديم، عنبري الشميم.
تخاله بأكف الولائد، كأنه شنوف علقت إلى مراود.
وبادورد، تسمى برائحة العنبر والورد.
كأنه هالة البدر في القياس، أوشمسة تفككت من الألماس.
والطير جذلان مبتهج، بين فاردٍ ومزدوج.
قد صدح ومرح، وغنى بكل مقترح.
فمن عندليب قد أخذ من الغرام بنصيب، وحرك نوازع المحب للحبيب.
كأنما رقش بحوة اللعس، أو قدٌ طوق من أديم الغلس.
ومن شحرور، قد أعلن بالسرور، وترنم خلف الستور.
ثم برز لمناغاة كل أوراق صدوح، كأنه راهب في مسوح.
وقد صيغت من الأبنوس قوائمه، وصبغت بعصارة المرجان ملاثمه.
ومن مطوق قد حن إلى إلفه وتشوق، وترسل بالأغاريد وتتوق.
ومن قمريٍ راح يقهقه بترجيعه، ويحكى إبريق المدام عند سفك نجيعه.
ومن ساجعةٍ، ذات غصة متراجعة.
معشوقة التفويف، معلمة الرمل والخفيف.
يندى بمرتحل الرذاذ عاتقها، وفي أحشائها زفرةٌ من الشوق لا تفارقها.
ومن ساق حر، كأنما اكتحل بنار الجوانح، وبزر على منصة المناوح لكل مطارح.
جَوارٍ على قُضْبِ الأراكِ تناوَحتْ ... وما هي إلا للقلوبِ جوارحُ
وإذا بولدان كأنهن شوارد آرام، أو بدور تمام، يتطلعن من فروج الغمام.
من كل ذي طرف منهوك النظر، بادي الفتور والحور.
بمحياً وسيمٍ يندى بمائة، قد أطلع فيه النعيم آية روائه.
وجيدٍ معشوق الغيد، على قوامٍ رهيف التثني والميد.
كأنه الغصن يمرح في برده، والصبح ينساخ نوره من طوقه وعقده.
قد رفعوا سجوف التكلف، وهصورا بأغصان التألف.
وعلى يد كل واحد كأس مدام، وإبريقٌ منزوع الفدام.
وهما يتعاقران السلاف على روض وغدير، وسماع بمٍ وزير.
حتى مرج الدوح بهم واضطرب، وجرت الأكواب على الخبب.
فبينا أنا متعجب من هذه الآثار العبقرية، ومتأمل في هذه المحاسن الربيعية.
وإذا بالفكر قد رفع الحجاب منشداً، وإلى وجه الطرب مرشداً.
فقال:
إليك نزعَةُ آدابٍ يرِفُّ بها ... طيرُ الفصاحِة إيناساً وتطْريبَاً
لا تعجَلِ اللَّوْمَ فيها واسْتشِفَّ لها ... معنىً يرِفُّ وينْدَى بَيْننا طِيبَاً
وربَّما أفصحتْ من بعد عُجْمتِها ... وعاد تَرْجيعُها مَدْحاً وتشبِيباَ
فعادَ سَمْعُك مِئناسَ القريضِ بها ... فليس يأْلُوك إبْداعاً وتهْذيباَ
فحيث ما جُلْتَ تلْقَى روضةً أُنُفاً ... منا ومسكاً على الأرْجاءِ مَنْهوبَا
ومُتْرَفاً لم يزل بالدَّلِّ مُنْتطِقاً ... بالطَّرْفِ مُتَّشِحاً بالحسن مَعْصوبَا
ومن حبيث لا روضةٌ عند العَيانِ ترى ... فيها ولا مُسْمِعا يشْدُو ولا كُوباَ
وإنما هو تَمْويهٌ على نَسَقٍ ... تخالُه شارباً للذهنِ مشروبا
الشِّعر ضربٌ من التَّصوير قد سلَكتْ ... فيه القرائحُ تدْريجاً وترْتيباَ
فالروضُ روضُ السَّجايا طاب منْبَتُها ... والزهرُ زَهْرُ الثَّنا نُهْديه مَرغوباَ
والكأسُ كأسُ الوداد المحْضِ مُرتَشَفاً ... والحسنُ حسنُ الوفَا تلقاه محبوباَ
والطيرُ طيرُ بيانٍ ظلَّ مُغْترداً ... طُوبَى لمن بات يقْرِى سمعَه طوبَى
والسجعُ طِيبُ حديثٍ ظلَّ جوهرُه ... بين الأخلَّاء منْثوراً وموْهوباَ
وتلك أوصافُ مَن طابتْ مَكاسِرُه ... ومن غدا جوهراً للفضلِ منْخوباَ
أعْنِي به حمزةَ الرَّاقي إلى شَرَفٍ ... يرى به كوكب الجوْزاءِ مَجْنوبا
من راح مُنْتدِباً للفضل يجمعُه ... والعُرْفُ يصنَعه بدءا وتسَبيباَ
والمَكْرُمات غدَتْ في طبعِه خلُقاً ... ونِحْلَةُ الودِّ دَأْباً منه مَدْؤُوباَ
إليك يا مَوْئل الآدابِ غانيةً ... تُهْدِى ثناءً كأنفاس الرُّبَى طِيبَا
رَفِّهْ بعَيْشِك سمعَ الوُدِّ منك بها ... وأولها بجميلِ القولِ ترحيباَ
стр. 165
وقوله في تشبيه الياسمين: أو صلبان إلخ، من قول ابن قرناص:
انْظُر إلى خَيْمةٍ وقد نُصِبَتْ ... خضراءَ عند الصَّباح مُبيضَّهْ
كأنها قُبَّةٌ لِراهبةٍ ... وقد كستْها صُلْبانُ من فِضَّهْ
ومن التشابيه في البنفسج قوله:
بَنَفْسَجٌ بذَكِىِّ المسك مخْصوصُ ... كخَدِّ أغْيَد بالتخْميشِ مقروصُ
وقال آخر: بنفسج كآثار العض، في البدن الغض.
وقوله: وشقيق، كأنه أقداح العقيق إلخ، هذا نقل فيه تشبيه الآذريونة من بيت قيل فيها، وهو:
وحَوْل آذَرْيُونةٍ فوق أُذْنِه ... ككأِس عقيقٍ في قرارتِه مِسْكُ
وضمير حول يرجع إلى المحبوب.
والآذريون: نور أصفر، معرب آذركون، أي لون النار، والعرب كانت تجعله خلف أذنها تيمناً.
وأصله أن أردشير ابن بابك، كان يوماً بقصره، فرآه فأعجبه، ونزل لأخذه فسقط قصره، فتيمن به.
وهو نور خريفي، يمد ويقصر.
قاله الشهاب، في شفاء الغليل.
وقال غيره: وهو ورد مدور له أوراق حمر، في وسطه سواد، له نتوء وارتفاع، فيشبه بكأس عقيق كالأول، وقد يكون أصفر، وعليه قوله الآخر: وآذريون كأنهن مداهن عسجد، على سواعد زبرجد، إلخ.
وهذا حلٌ لأبيات لابن المعتز:
سَقْياً لروضاتٍ لنا ... من كلِّ نَوْرٍ حالِيَهْ
عيونُ آذَرْيُونِها ... للشَّمس فيها كالِيَهْ
مداهِنٌ من ذهبٍ ... فيها بقَايا غالِيَهْ
والمداهن جمع مدهن.
قال الجوهري: المدهن، بالضم لا غير: قارورة الدهن، وهو أحد ما جاء على مفعل، مما يستعمل من الأدوات، والجمع المداهن.
ومعنى كلاءة عيون الآذريون للشمس، أنها تستقبلها وتدور معها حيث دارت.
وقوله: سنبل لازوردي الأديم، قد استعمل هذا التشبيه في مقطوع له مشهور، يقول فيه:
أصبْح السُّنْبُلُ الجَنِىُّ لديْنا ... فوق سُوقٍ فيها النَّدَى يتردَّدْ
كشُنوفٍ لُطْفنَ من لازَوَرْدٍ ... عُلِّقتْ في مَراوِدٍ من زَبَرْجَدْ
وله في السنبل أيضاً:
وسُنْبُلٍ وافَى على سُوقِه ... غِبَّ الحَيَا في زُرْقةٍ لا تُحَدّ
مَكْفوفِة الحافاتِ زَهْراتُه ... مَذْرُوبة الأوراق في كلِّ يَدْ
كأنما تَعْقِيف أطرافها ... مَحاجِنٌ صيِغتْ من الَّلازَوَرْدْ
وله أيضاً فيه:
يا حُسنَه من سُنْبُلٍ ناصعٍ ... يْبدو لنا في قائمٍ أخْضرِ
كأنَّه من حَوْلِ زَهْراتِهِ ... زَرَافِنٌ صُفَّتْ من العَنْبَرِ
ومن تشابيهه النادرة، قوله في الورد:
وأقْبل الوردُ من بُرْعُومه خَجِلاً ... يُبْدِي لنا فوق رَيَّا نَشْره العَبِقِ
دراهماً من يواقيتٍ على قُضُبٍ ... تراكمتْ تحت دِينارٍ عل طَبَقِ
وقد أحاطتْ لِرقْصِ الدَّسْتبَنْد بها ... من الزَّبَرْجَد حِيتانٌ من الوَرِقِ
البُرعُوم، والبُرْعُم، والبُرعُمة والبُرعُومة، بضمهن: زهرة الشجرة قبل أن تنفتح.
ورقص الدستبند: معروف للعجم، يأخذ بعضهم بيد بعض، يقال له الفنزج، بفتح الفاء.
ولقد أتى بأبدع ما يستعذب ويستغرب.
ومنزعه في هذا ما في كتاب ازدهار الأزهار للشقاشقي، حيث أنشد فيه:
وقد فتح الوردُ جُنْبُذاً بَهِجاً ... يكاد منه الدينارُ ينْسبِكُ
عقِيقُ أوراقِها على ذهبٍ ... يحْمله من زَبَرْجَدٍ سَمَكُ
قال: لم أسمع في زر الورد الأخضر، الحاوي للزهر الأحمر، أبدع من هذا التشبيه، بل لم أسمع فيه شيئاً البتة غيره، وهو من بدائع التشبيهات، ورائع التوجيهات، التي يطرب عليها الأديب، ويهتز لها العاقل الأريب.
وقد أغار عليه الأمير طاهر، فقال:
انْظُر إلى الورد الجَنِيِّ ... كأنه الخَدُّ المُورَّدْ
من حوِله وَرَقٌ كحي ... تانٍ خُلِقْنَ من الزَّبَرْجَدْ
وما يستبدع ويستظرف، قوله في تشبيه المضعف:
ونَرْجِسُ الروضِ قد حَيَّ بمُضْعفِه ... في أصفرٍ فاقعٍ مع أبْيَض يَقَقِ
كأنه وهْو في قُضْبٍ مُنعَّمةٍ ... يُلْقى النسيمُ عليها نفسَ مُعتِنقِ
стр. 166
أمْشاطُ دُرٍّ من الإبْريزِ في جُمَمٍ ... جَعْدٍ فما بين مجموع ومُفْترِقِ
الجم: جمع جمة، وهي من الإنسان مجتمع شعر ناصيته.
وقوله في تشبيه الياسمين:
وأطْلع الياسَمينُ الغَضُّ حين بَدا ... دُرَّاً يفُوح بنَشْرٍ منه مُنْفَتِقِ
كرَوْبَجاتٍ صغارٍ سال في لُمَعٍ ... من أُفْقِها ذائبُ الياقوتِ في الشَّفَقِ
وقوله في الزهر المعروف بالعنبر بوى، ومعناه رائحة العنبر:
وذِي قامةٍ في الزَّهْر تْندَى غَضارةً ... بَدَا فَاخِتىَّ اللونِ من عَنْبَرِ الشِّحْرِ
له جمٌ زُغْبٌ تفكَّك حولها ... من الزَّهْر إفْرِيزٌ كأجربة العِطْرِ
تكوَّن لطفاً فوق زِرِّ زَبَرْجَدٍ ... تكتَّب بالألْماسِ سَطْراً على سطرِ
وقوله في الأبيض منه:
وذي هالة في الزهر أبْيَضَ ناصعٍ ... تكوَّن للنَّاشِي من العنْبَرِ الوردِ
يرُوقُك هُدَّابٌ به راح أشْيَباً ... تدنَّر في زِرٍّ كبارزِة الهنْدِ
أحاطتْ به للزهرِ في زِيِّ دارهِ ... ظُروفٌ من الكافورِ مبْتُوتة الزَّنْدِ
وقوله في الزهر المعروف بحلقة المحبوب:
وزهرٍ كأمْثال الشُّنوفِ لَطافةً ... تَد؟ َاخَلَ من أجزائِه البعضُ في البعضُ
لقد أحْكَمت إبْرامها المُزْنُ خِلْقةً ... لدَيْنَا وأعطْته أماناً من النقضِ
ونلقت عنه، قال: أنشدني العلامة نسيج وحده المرحوم أبو العباس أحمد المقري المغربي، في كتابه أزهار الرياض في أخبار عياض في جملة ما أورده من شعر ابن زمرك الأندلسي، في كتاب ذكر أنه من تآليف بعض سلاطين تلمسان بني الأحمر، وهو حفيد ابن الأحمر المخلوع، سلطان الأندلس، الذي كتب إليه ابن زمرك المذكور، بعد ابن الخطيب.
قال: وهو سفر ضخم، سماه بالبقية والمدرك من شعر ابن زمرك ليس فيه إلا نظمه فقط.
فقال: ومن وصفه في زهر القرنفل الصعب الاجتنا بجبل الفتح، وقد وقع له مولانا الغنى بالله بذلك، فارتجل قطعاً.
منها:
أتَوْني بنُوَّارٍ يرُوق نَضارةً ... كخَدِّ الذي أهْوَى وطِيبِ تنفُّسِهْ
وجاَءوا به من شاهِقٍ مُتمنِّعٍ ... تمَنُّعَ ذاك الظَّبْيِ في ظل مَكْنِسهْ
رعى اللهُ منه عاشقاً مُتقنِّعاً ... بزَهْرٍ حكى في الحُسْن خدِّ مُؤَنِّسِهْ
وإن هبَّ خفَّاقُ النَّسيم بنفْحةٍ ... حكى عَرْفَه طِيباً قَضى بتأنُّسِهْ
قال: وكنت من إعمال الفكر في عدة تماثيل، أصف فيها ما تكون من هذا الزهر على حالة تحشر لها النفس بتحريك نازع الاقتدار، ويصرف عنها الخاطر إكباراً لأن أكون فاتح هذا الباب من غير وطئةٍ ثابتةٍ في اسمه ومنتهاه، حتى رأيت في ذكر معزاه ما ترى، فقلت فيه عدة مقاطيع.
منها:
وجَنِيٍّ من القَرَنْفُل يُبْدِي ... لك عَرْفاً من نَشْرِه بابْتسامِ
فوق سُوقٍ كأنها من أبارِ ... يقِ الحُميَّا مَساكِبٌ المُدامِ
وسَّدَتْ فوقها السُّقاةُ خدوداً ... دامياتٍ منها مكان الفِدامِ
ومنها:
قم بنا يا نديمُ فالطيرُ غرَّدْ ... لمُدامٍ كؤُوسُه تتوقدْ
فلديْنا قَرَنْفُلٌ قد نَماهُ ... جبلُ الفتْحِ نشْره قد تصعَّدْ
بين سُوقٍ عُوجٍ الرِّقاب لِطافٍ ... شَعرات من لِينها تتجعَّدْ
ومنها:
أهْدَى لنا الروضُ من قَرَنْفُلِهِ ... عبيرَ مسْكٍ لديْه مَفْتوتِ
كأنما سُوقُه وما حمَلتْ ... من حسنِ زَهْرٍ بالطِّيب منْعوتِ
صَوالجُ من زَبَرْجَدٍ خرَطتْ ... لها الغوادِي كُراتِ ياقوتِ
ومنها:
أرى زهْرَ القَرَنْفُل قد جَلتْهُ ... قُدودٌ تَرْجَحِنُّ به قيامُ
أخاَل لَوَ اُنَّها أعْناقُ طيْرٍ ... نهضْن به لقلتُ هي النَّعامُ
توقَّد زَهْرُه جَمْراً لديْنا ... وتلك لها من الجْمرِ الْتِقامُ
ومنها في الأبيض منه من أبيات:
стр. 167
ما ترى ناصِعَ القَرَنْفُل وافَى ... بتَحايَا الشَّميمِ بين الزُّهورِ
قُضُبٌ من زَبَرْجَدٍ حاملاتٌ ... قِطعاً فُكِّكتْ من الكافورِ
هذا ما وجدته منقولاً عنه.
ورأيت في أشعار بعض المتأخرين ممن تقدم تشبيه هذا الزهر.
فممن استعمله ممن أدركته أبو مفلح البيلوني الحلبي، في مقصورة له، حيث قال:
قَرَنْفُل الرَّوضِ شِفاهٌ ضمَّها ... لُعْساً لكي يلثَم ناشقاً دنَا
واستعمله قبله الكمال محمد بن أبي اللطف المقدسي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وألف في قوله:
حكى القَرَنْفُل مُحْمَرّاً على قُضُبٍ ... خُضْرٍ لها صار بالتَّفْضِيل منْعوتَا
كفّاً على مِعْصَمٍ نَقْشٌ به خَضْرٌ ... غَدا له كافر العُذَّال مَبْهوتَا
أبْدَتْه خَوْدٌ وقد ضَمَّت أنامِلَها ... كأساً تُشعّر لُطْفاً صِيغَ ياقوتَا
والذي حاز في تشبيهه قصب السبق، فيما أعلم، الشهاب بن خلوف الأندلسي، أحد المشاهير المجيدين، حيث قال، من قصيدة:
وللْقرَنْفُل راحاتٌ مُخضَّبةٌ ... على مَعاصِرَ خُضْرٍ فتْنِة الرَّائي
كأنْجُمٍ من عقيقٍ في ذُرَا فلكٍ ... من الزُّجاج أرَتْ أشْطان لَأْلَاءِ
وكان السيد المترجم ما أنشأ هذه المقاطيع التي تقدمت اشتهر أمرها، فحذا حذوه في بابها جماعةٌ، من أدباء الشام، ونظموا فيه تشابيه متنوعة.
فمنهم الأمير منجك، حيث قال:
قَرْنْفُلُنا العطريُّ لوناً كأنه ... رُءُوسُ العذارَى ضُمِّختْ بعبيرِ
مداهنُ ياقوت بأعلى زَبَرْجَدٍ ... لقد أُحكمتْ صُنْعاً بأمْرِ قديرِ
ومنهم شيخنا المهمنداري المفتى، حيث قال:
قَرَنْفُلٌ في الرياضِ هيْئتُه ... تَحْكي وقد مَدَّ للسحابِ يَدَا
فَوَّارة من زبَرْجَدٍ فتَقتْ ... ففار منها العقيقُ وانْجَمدَا
وقال أيضاً:
هذا الْقَرَنْفُل قد بدَا ... في لونِه الْقانِي تَجَمَّدْ
فكأن مَرْآهُ الأنِي ... قَ لدَى الرياضِ إذا تَنَهَّدْ
قِطَعُ العقيقِ تناثرتْ ... فتخطَّفتْه يدُ الزَّبَرْجَدْ
ومنهم شيخنا عبد الغني النابلسي، في قوله:
كأن قَرْنْفُلاً في الروضِ يَسْبى ... شذَا رَيَّاه مُنتشِقَ الأنُوفِ
سواعِدُ من زَبَرْجَدَ قائماتٌ ... بلا بدَنٍ مُخضَّبُة الكفوفِ
وقوله:
قم ياندِيمي لداعِي الَّلهْوِ مْنشرِحاً ... فقد ترنَّمتِ الورْقاءُ في الورقِ
وانظُرْ إلى حسنِ باقاتِ القَرَنْفُل ما ... بْين الرُّبَى نفَحتْ كالمَنْدَلِ العَبِقِ
أطْفَى النسيمُ لهِيباً من مشاعِلها ... في ظُلَّةِ الروضِ حتى جمرُهنَّ بَقِى
وقوله:
بين الحدائقِ أعْطافُ القَرَنفْلُ في ... زهْرٍ بريحِ الصَّبا الزَّاكِي وتمْثيلِ
مثلُ العرائسِ في خُضْرِ الملابسِ قد ... لاثَتْ على وجْهِها حُمْرَ المناديلِ
وقوله في الأبيض منه:
هيَّا بنا فالطيرُ صاحَ مُغرِّداً ... ما إن يُقاس لدى الورَى بمُغَرِّدِ
والروضُ مَدَّ من القَرَنْفُل للنَّدَى ... كاساتِ دُرٍّ في زُنوِدِ زَبَرْجَدِ
وقوله في الأبيض المشرب بحمرة:
وزهرِ قَرَنْفَلٍ في الروض يحْكي ... قصورَ دمٍ على صفحات ماءِ
رأى وجَناتِ من أهْوَى فأغْضَى ... فبان بوجْهِه أثَرُ الحياءِ
وقد تطفلت أنا على عادتي، فقلت:
وافى القَرَنْفُلُ مُعجباً ... فينا بمنْظرِه الأنِيقْ
يُبْدِي زُنُودَ زَبَرْجَدٍ ... حملَت تُروساً من عَقِيقْ
هذا ما وصلني من التشبيهات التي نظمت فيه، وإن ظفرت بشيء ألحقته.
عوداً على بدء.
ومن روضياته قوله:
قادني للرُّبَى مَرُوح العِنانِ ... نَفْحُ رَوْحِ النسيمِ في الرَّيْحانِ
واهْتزازُ الأوْراقِ في القُضُبِ الهِي ... يفِ أرتنْي في ساحةِ البستانِ
стр. 168
طُرَرَ الغِيدِ قد رقصْنَ بها عنْ ... د اجْتلاء الطّلا على العِيدانِ
وقوله:
كأنما شجَرات الدَّوْحِ في خُلَعٍ ... تنْدَى فيبلغ أقْصَى الحسن مَبْلُغها
أرْواح دُرٍّ تبِيتُ المُزْن في بشرٍ ... من الزُّمُرُّد بالأنْواءِ تُفْرِغُها
ماجَتْ بمُدْرَجة الأنفْاس واطَّرَدتْ ... كأنما حولهَا أيدٍ تُدَغْدِغهَا
وقوله:
والنهر يصْدَا بهاتيك الظِّلال كما ... يصْدَامن الغِمْدِ حدٌ الصارمِ الذَّكَرِ
والزهرُ يفْرِش في شطَّيه ما رقمَتْ ... فيها السحائبُ من رَيطٍ ومن حِبَرِ
رَبِيعةُ الوَشْىِ لا ينْفكُّ زِبْرِجُها ... يجْلو لنا من حُلاها أحْسنَ الصُّورِ
الزبرج بالكسر: الزينة من وشى أو جوهر، أو نحو ذلك.
ويقال: الزبرج: الذهب، والزبرج: السحاب الرقيق فيه حمرة.
وله:
بادِرْ بعيْشك فالنعيمُ مُخَيِّمٌ ... ومُلاءةُ البستانِ في تفْويفِ
والطيرُ مْغتِردٌ عليه يشُوقُه ... جِيدٌ بأعْناق الغصون الهِيفِ
تُصْغى له أُذْنُ الطَّروبِ فيْنثنى ... والشوقُ مِلْءُ فؤادِيَ المْشغوفِ
وله:
ومجلسٍ حفَّتِ الغصونُ بنا ... فيه ووجهُ الرياضِ مُبْتهِجُ
كأن أوراقَها يرِفُّ بها ... فوق النَّدامَى نسيُمها الأرِجُ
خُضْرٌ من الأُرْزِ لا تزال بها ... مناكبُ الرَّاقصات تَخْتلِجُ
وله في روض ألقت الأشجار ظلالها عليه، فالشمس من فروجها عيونٌ ناظرةٌ إليه:
وبطنٍ من الوادي حَلَلْنا مَسِيلَهُ ... خلالَ غصونٍ عاكفاتٍ على الشَّرْبِ
تُنَقِّط منه الشمسُ في مِسْكَة الثَّرى ... مَدَبَّ عِذارِ الظلِّ في وَجْنةِ التُّرْبِ
بخيِلانِ كافورِ الشُّعاع كأنما ... أبتْ غير جلْدِ النَّمر يُفرَش بالسُّحْبِ
رأيت بخطه عقيب هذا: قلت: وما كنت أحسبني زوحمت في هذا المعنى، ولا سبقت لهذا المغنى، حتى وقع إلى حال مطالعتي لتتمة اليتيمة من قول السيد أبي البركات العلوى، في الأشجار والقمر، ما صورته:
ألا صرِّفْ لنا خمراً ... فنفسُ الصَّبِّ مَدْهوشَهْ
على أدْواحِ رَيْحانٍ ... بماءِ الطَّلِّ مَرْشوشَهْ
كأن الأرضَ من حُسْنٍ ... بجِلْدِ النمرِ مفْروشَهْ
فعجبت من مواردتي إياه في اشتراك الخواطر، مع اقتران المناسبة بين الشمس المنيرة والقمر الزاهر.
ثم وقع إلىّ ومن أناشيد صاحب الذخيرة للتهامى أيضاً ماصورته في تشبيه الثريا:
وللثُّريا ركُودٌ فوق أرْحُلِنا ... كأنها قطعةٌ من فَرْوة النمرِ
قلت: وقد نزع في هذا المعنى البديع قول عبد المحسن الصورى، من أناشيد الثعالبي، وهو:
فاسْقنِيها مَلْأى فقد فضح الَّلْي ... لَ هلالٌ كأنه فِتْر زَنْدِ
والثُّرَيَّا خَفَّاقةٌ بجناحِ الْ ... غَرْبِ تهْوى كأنها رأسُ فَهْدِ
وتشبيه وقوع الشعاع قد أكثر فيه الشعراء القول.
فمنه قول المعوج الشاعر:
كأن شعاعَ الشَّمْسِ في كُلِّ غُدْوة ... على ورَقِ الأشجار أوَّل طالعِ
دَنانيرُ في كَفّ الأشَلِّ يضمُّها ... لقبْضٍ تهَوَّتْ في فُروجِ الأصابعِ
وهو مأخوذ من قول المتنبي:
وألْقَى الشرقُ منها في ثِيابِي ... دنانير تفِرُّ من البَنانِ
وأخذه القاضي الفاضل، فقال:
والشمسُ من بين الأرائِك قد حكتْ ... سيفاً صَقِيلاً في يَدٍ رَعْشاءِ
وللنامي:
سماء غصونٍ تحجُب الشمسَ أن تُرَى ... على الأرضِ إلَّا مثلَ نَثْرِ الدراهمِ
ومما يضاهي هذا قول الصلاح الصفدي في القمر:
كأنما الأغْصانُ في دَوحِها ... يلُوح لي منها سنا البدرِ
تِرْسٌ من التِّبْرِ غدا لامعاً ... يقِيسُه أسْوَدُ بالشِّبْرِ
وقوله:
وكأنَّما الأغصانُ يثْنِيها الصَّبا ... والبدرُ في خَلَلٍ يلُوح ويُحْجَبُ
стр. 169
حسناءُ قد عامَتْ وأرْخَتْ شعرَها ... في لُجَّةٍ والمَوْجُ فيها يلْعَبُ
وقوله:
كأنما الأغْصانُ لمَّا انْثنَتْ ... أمام بَدْرِ التّمِّ في غَيْهبِهْ
بنتُ مَليكٍ خلْف شُبَّاكِها ... تفَرَّجتْ منه على مَوْكِبهْ
وللسيد في الغزل:
ولما تفاوضْنا الحديثَ عشِيَّةً ... ومالتْ بعِطْفيْه المُدامةُ فاسْتغْفَى
وضعتُ له كفِّي فوسَّد نَغْنُغاً ... تناهتْ به مائِيَّةُ الحُسْنِ فاستكْفَى
وكنتُ أُراعيه بلحْظِى تسَرُّقاً ... فمَّلكْتُ طَرْفِي منه من بعْدِ ما أغفَى
وله:
قد لوى جِيدَه حَياءً وحيَّى ... بكؤُوسِ المُدامِ كأْساَ فكأْساَ
ففَضضْتُ اليدين عن يانع الزه ... رِ لمعنىّ أجِدْ لي فيه أُنْسَا
نُغْنُغٌ في نَصاعةِ الزهرِ مَرْآ ... هُ لعيني وكالحريرِة مَسَّا
وله:
قُمْ وسَقِّ المُدامَ كُوباً فكُوبَا ... فخطيبُ الرِّياضِ أضْحَى طَرُوبَا
والنَّواويرُ في الأكِمَّةِ تُجْليِ ... حَبَباً من لُجيْنِها مقْلوبَا
غيرَ أن الرياحَ قد مزَّقتْ عنْ ... د اعْتِناقِ الغصونِ منها الجيُوبَا
وله:
توسَّمْتُه لما تكامل حسنُه ... وقد رقْرقتْ فيه الشَّبِيبةُ ماءَها
فخلْتُ بأن الحَوْلَ حان رَبيعُه ... وأن الرِّياضَ الحَزْنَ أبْدتْ رُواءَها
فنفَّسْتُ عن طير الجوى بتأَوُّهي ... وأرْسلتُ عيني بالدموعِ وراءَهاَ
وله:
نبَّهْتُه سَحَراً والكأسُ فوق يدي ... والعودُ مصْطخِبُ الأوتار يُجْليِه
فرفَّع الجيدَ عن كفِّي وقد فتَرتْ ... أطْرافُه وأنا أُدْنِيه من فيهِ
كما ترفَّع غصنُ الْيان مُنْتصِباً ... حالاً فحالاً إذا ما رُحْتَ تْثنِيهِ
وله:
وأهْيفَ مغْنوجِ اللَّواحظِ مُتْرفٍ ... رَهِيفِ التَّثَنِّي ناهَز العشْرَ في السِّنِّ
دَعاني إلى باكُورةِ الحسْنِ صَغرُه ... ولم أرَ شيْئاً مثلَ باكورِة الحُسْنِ
وله في راقص:
وأهْيفَ مهْضومِ الحشَا كاد رقْصُه ... يُحكِّم فينا السِّحْرَ من كلِّ جانبِ
يسيلُ به نَقْلُ الخُطَا فترُدُّه ... رَجاجةُ أعْكانٍ له ومَسارِبِ
ومما أنشدنيه من لفظه لنفسه هذه الأبيات، أحسن فيها المراجعة كل الإحسان:
وجليسٍ مَنَّيْتُه طَرَف الأُنْ ... سِ وذكَّرتُه قديمَ العهودِ
قلتُ كيف النَّديمُ قال يُحَيَّى ... ويُفدَّي بأنْفُسٍ وجُدودِ
قلتُ كيف المُدامُ قال مع الرَّيْ ... حانِ حيَّ بنَرْجِسٍ وورودِ
قلت والنَّقْل قال تقْبِيل خَدٍّ ... من حبيبٍ ورشْفُ ثَغْرٍ بَرُودِ
قلتُ والطِّيب قال طَشٌّ من الما ... وَرْدِ يُزْجِي سحابَ نَدٍّ وعُودِ
قلت كيف القِيانُ قال إلَيْهنَّ ... انْقيادُ الأوتارِ عند النَّشِيدِ
قلت كيف الغِناءُ قال تظرَّفْ ... ت ولم يْعدُ فيه بيتَ القصيدِ
أشْتهِى في الغناءِ بَحَّةَ حَلْقٍ ... ناعمِ الصوتِ مُتْعَبٍ مَكْدودِ
كأنِينِ المُحبِّ أنْحلَه البَيْ ... نُ فضَاهَى به أنينَ العُودِ
ومن تشابيهه النجومية، قوله من قصيدة، مستهلها:
لعَيْنيْكَ في الأحشاءِ ما نفَث السحرُ ... وللحبِّ في الألبابِ ما فعَل الخمرُ
منها:
كأن المُنَى ماءٌ كأنِّىَ ناهلٌ ... كأن الفَيافي البِيدَ ما بيْنَنا جِسْرُ
كأن الثَّرى أُفْقٌ كأن مَطِيَّتي ... هلالٌ كأن السَّيْرَ غايُته الحشْرُ
كأن نَجاشِيَّ الظلاِم مُتيَّمٌ ... كأنِّى مُلْقًي في ضمائرِه سِرُّ
منها:
ولم يبْقَ لي إلا تَعِلَّة مُعْدِمٍ ... يجاذِبُها من كلِّ ناحيةٍ ذِكْرُ
стр. 170
ليالٍ بَراها القصْرُ حتى كأنما ... تكنَّفَها من كلِّ ناحيةٍ فجرُ
كأن دُجاها في أدِيمِ نهارِها ... عَصِيم مُدادٍ كاد يجْحدُه السِّفْرُ
كأن به الجوازءَ عِقْدُ لآلىءٍ ... تطوَّقَه من صَدْرِ زنْجيَّةٍ نَحْرُ
كأن الثريَّا في اختلافِ نُجومِها ... بوادرُ آمالٍ يُحاولُها الحرُّ
كأن السُّها معْنًى دقيقٌ فيخْتِفي ... ويبْدو جِهاراً إن تراجَعه الفكْرُ
توارد في هذا التشبيه من البابي الحلبي، في قوله:
كأن السُّهَا معنًى يجولُ بفكْرةٍ ... فآوِنةً يخْفَي وآونةً يبْدُو
ابن هانىء:
كأن سُهاها عاشقٌ بين عُوَّدٍ ... فآونةً يَبْدو وآونةً يخْفَى
ابن خفاجة:
كأن السُّها إنسانُ عينٍ غَريقةٍ ... من الدمعِ يبْدو كلما ذرَفَتْ ذَرْفَا
حازم:
كأن السُّها قد دَقَّ من فَرْطِ شوقِه ... إليْها كما قد دقَّق الكاتبُ النَّقْطَا
ابن جاندار:
كأن السُّها ذوُ صَبْوةٍ غالَه النَّوى ... فأنْحَله والبَيْنُ للصَّبِّ يُنْحِلُ
وله:
كأنَ بني نَعْشٍ سَفِينٌ تخالفَتْ ... عواصفُها وَهْناً فشتَّتها البحرُ
كأن سُهَيْلاً حين صَوَّب آفِلاً ... فُؤادُ مُحِبٍّ راح يُرْجِفه الهجرُ
ابن هانىء:
كأن سُهَيْلاً في مَطالع أُفْقِه ... مُفارِقُ إلْفٍ لم يجدْ بعده إلْفَا
ابن خفاجة:
كأن سُهَيْلاً فارسٌ عايَنَ الوغَي ... ففَرَّ ولم يشْهَد طِراداً ولا زَحْفا
حازم:
كأن سُهَيْلاً إذْ تناءتْ وأنْجدَتْ ... غدا يائساً منها فأتْهَم وانْحَطَّا
وله:
كأن به الشِّعْرَي الغُمَيْصَاَء خَلفَه ... شقيقته الخَنْساء يقدُمها صَخْرُ
كأن امْتدادَ الأُفْقِ فوق نُجومه ... قَساطِلُ حَرْبٍ زَغْفُ فرسانِها نَضْرُ
كأن عمودَ الصبحِ تحت هلاِله ... لتزْكيةٍ من تحت مِنْطقِه خَصْرُ
وله معميات في غايات الإتقان.
فمنها قوله، في اسم محمد:
رُبَّ ظبيٍ مُقَرْطَقٍ قد تبدَّى ... خلْتُ بدراً من فوقِه قد تلالاَ
لاح في الثَغْرِ جوهرٌ من ثنايَا ... هُ فأبْدى في الخَدِّ خالاً بِلالاَ
وقوله في هانىء:
حين بان الخَلِيطُ وازْدادَ وجْدِي ... قلتُ والدمعُ في الخدود يَسيلُ
يا رسوِلي إليه رُوحِيَ خُذْها ... مُنْجداً إثْرَهُ بها يا رسولُ
وقوله في سليمان:
لقد سقاني الحبيبُ كأساً ... لم أرْوِ منها ورُمْتُ أخرَى
فقال خُذْ ما بَقِي بكأْسي ... سُؤْرا وأحسِنْ بذاك سُؤْرَا
فعندما جاد لي بما في ... أواخِر الكأْسِ مُتُّ سُكْرَا
وقوله في رمضان:
في يَدِ الارْتهانِ عَيْني تملَّتْ ... بعد عَشْرٍ بطَيْفِ من قد تولَّتْ
مُذ أغارتْ وأنْجَدتْ بفؤادِي ... من رهينٍ لحيثما هي حلَّتْ
وقوله في صالح:
لم أَنْسَه وَسْنانَ يأسِر طرفُه ... عَرَضاً إذا ترك القلوبَ أسارىَ
صاد القلوبَ بطَرْفِه وقَوامِه ... من بعد ما قد حلَّ فيه ودارَا
وقوله في عبد اللطيف:
يالَساقٍ ناشِرٍ لْلأدبِ ... دار مَعْ طَيِّ بِساطِ الأرَبِ
لابسٍ من نَشْرِ ما دار به ... ثوبَ عَرْفٍ هزَّني للطَّرَبِ
وقوله في علي:
غَيْم رفيعٌ لم يكَدْ ... يبْدو لشمسِ الأُفْقِ حاجِبْ
فغَدا يُقِلُّ الشمسَ لِي ... نُ قَوامِه من غير حاجِبْ
وقوله في سليم:
ورْقاءُ قلبيَ قد أضحتْ مُرفْرِفةً ... على قَوامِك يا مَن طرفُه عَجَمِي
وإنها هبَطتْ منه على غُصُنٍ ... فغُضَّ طَرْفَك وارْسلْه إلى القدَمِ
وهذا في غاية المنعة، فلهذا تعرضت إلى حله، فأقول:
стр. 171
أرادها من أنها بعمل التحليل وهي بستة، وبالعجمية شش، فإذا هبطت سارت سينا والغض الألف، وهي يك، ولها اللام بالعدد الحسابي من أبجد، وغض مرادفه كف، وهي بمائة، فإذا هبطت، لها الياء والميم من الغاية.
السيد عبد الكريم
هو منهم بيت القصيد، وواسطة عقد المجد النضيد.
تجسَّم من شرف محض، وكرم لا يحتاج خيره إلى خضٍ ومخض.
إلى ما حاز من أشتات الكمال، والمعالي المربية على الآمال.
وهو بعد أبيه النقيب، ومحله فوق المعلى والرقيب.
فمهما ترقى البدر فقاصرٌ عن مراقيه، والبحر لو عذب لكان بعض سواقيه.
وله مع النباهة روح الفضل وجسمه، ومن بشر أساريره ينهض أثر المجد ورسمه.
وبيني وبينه ودٌ مورث في الأعقاب، وحب خالد ما دامت الأحقاب.
ولي في كل لحظٍ منه أملٌ ينشيه ويعيده، وفي مرأى وجهه نوروز إذا مضى أقبل عيده.
وإذا أردت مدحه أرسلت نفسي وما تجود، فلا تنتهي عند وصفٍ من أوصافه إلا وتقول أحسن الموجود.
وأنا أرجو الله تعالى في كل ما يشاؤه، وأسأل له ما هو ما يدوم به ممتلئاً رشاؤه.
ولقد أوردت له من نفثاته السحرية، ونسماته الشحرية.
ما هو أحسن من نور تفتحه الصبا، وأوقع من خلسة الوصل في عهد الصبا.
فمن ذلك قوله:
لقد دعانا إلى الرُّبي الطَّرَبُ ... فأجبناه حسْبَما يَجِبُ
واستبقَنْا والشوقُ يجذِبُنا ... كأن أشْواقَنا لنا نُجُبُ
وشَمْلُنا والحظوظُ تُسِعدنا ... مُجتِمعٌ سِلْكُ عِقْدنا الأدبُ
فحَلْلنا منها بمُرتَبَعٍ ... وهو للرَّائين مُنْتخبُ
وقد حبانا الربيعُ مقْتِبلاً ... بمزاياه والمُنَى نُخَبُ
فالروضُ مُخْضلَّةٌ ملابسُه ... تجمَّع الحسنُ فيه والأرَبُ
وقد تناغَتْ به بَلابُله ... فمنهمُ فاقِدٌ ومصطحِبُ
وموكبُ الزَّهْرِ في حدائقِه ... مُنْتَزه بالعيونِ مُنْتهَبُ
تُظِلُّ مَغْناه وهْو مُزدهِرٌ ... قِبابُ نَور كأنها سحُبُ
يُنْعشنا العَرْفُ من شَمِيمِهما ... ومثل هذا العبيرِ يُكتسَبُ
والْمَرْجُ رَحْبُ الفِناء مُصْطحِبٌ ... عليه ذَيْلُ النسيمِ مُنْسحبُ
تخاُله من زَبَرْجَد نَضِرٍ ... بحراً غدا بالنسيمِ يضْطربُ
يشوقُنا حسنُه ومنظرُه ... يَسُرُّنا حيث زانَه الخصبُ
ولا نْسكابِ المياهِ حسنُ صَدًى ... يرقُص عند اسْتماعِه الحَبَبُ
فمُذ نَعِمْنا بذا وذاك وقد ... تكنَّفتْنا بفَيْئها القُضُبُ
أخصَب رَبْعُ المنى وطاب به ال ... عيْشُ لنا واسْتفزَّنا الطَّربُ
فعاد للوجْدِ مُدْنَفٌ طَرِباً ... وهكذا مُدنَفُ الهوى طَرِبُ
ومال وَفْقَ الهوى وحُقَّ له ... ذلك إذْ ليس ما به لَعِبُ
وراح يُمْلِي غرامَه ولَهاً ... في غَزْلِ رَقٍّ صَوْغُة عَجَبُ
ومن يكن بالغرامِ مُمتَحَناً ... ولا غَرْوَ بالشوقِ قلبُه يَجِبُ
يا بأبِي مُتْرَفٌ ألِفْتُ به ال ... وَجْدَ وما غير مِحْنَتِي السَّببُ
أطعْتُ فيه الهوى ومَعْدِنُه ... بمِغْنَطِيسِ الجمال مُنْجذِبُ
جمالُه فتنةٌ لذِي نُسُكٍ ... مُهذَّبٍ زان حُسْنَه الأدبُ
تمازجَ اللطفُ والعفافُ به ... كذا لَمَي الثَّغْر منه والشَّنَبُ
بَدْرٌ مُحيَّاه ما به كَلَفٌ ... برَوْنَق الحسنِ راح ينْحجِبُ
وقَدُّه السَّمْهَرِيُّ من مَرَحٍ ... ما اهْتزَّ إلَّا ازْدَهتْ به القضُبُ
وما بطَرْفٍ رَنَا لوامِقِهِ ... إلا وسهمُ اللِّحاظ مُنْتشِبُ
شَهِيُّ لفَظٍ تكاد رقَّتُه ... تسْتِرقُ الَّلبَّ وهْو مُحْتجِبُ
стр. 172
مَنطقُه مُسْكِر لمستمعٍ ... وسُكْرُنا من سماعِه طَرَبُ
قد مُنِحتْ بالجمال صورتُه ... وقد مُنِحْتُ الهوى ولا عَتبُ
أوْسَعَنِي فيه حبه وَلَهاً ... وليس إلا هواه لي أرَبُ
وقد أبي غيرَ مُهجِتي سكَناً ... وهْي له مَرْتَعٌ ومُنْقلَبُ
فلا خَلاَ من هواه لي خَلَدٌ ... وذاك بيْني وبينه نسَبُ
وقوله:
لا وصدق انْتِما المُحبِّ الودودِ ... لغرامٍ سما به للسُّعودِ
ونُزولِ الحِمَى وقد طال نَأْيٌ ... باشْتياقٍ نما من المَعْمودِ
وارْتِضاعٍ لما جلَتْها أكَفٌّ ... خضَبتْها دِما ابنةِ العنقودِ
وارْتشافِ اللَّمَى ولَثْم الخدودِ ... واعْتناقِ الدُّمَى ذواتِ النُّهودِ
ما الهوى بي كما يظُنُّ جَهولٌ ... بل غرامى بما عليه شُهودي
وقوله:
لستُ إلا كَلاًّ على إشْفاقِكْ ... فبرُحْماك جُزْ على أخْلاقِكْ
وأعِدْ نظرةَ الحنان ليَهْدَا ... رَوْعُ من لم يزل على مِيثاقِكْ
وارْعَ وُدّاً رضِيتُه منه حاشَا ... نَبْذُ وُدٍّ أتى على مِصْداقِكْ
إن قلباً حلَلْتَه عَرَضٌ أنْ ... تَ به جوهرٌ على إطْلاقِكْ
كيف يرضَى دون التَّمَلِّي بلُقْيَا ... كَ محبٌّ إقالةً من وَثاقِكْ
وقوله أيضاً في الغزل:
امْنَحِ الطرفَ منك طَلْقَ العِنانِ ... لاجْتلاء الورود في الأغصانِ
والثَمنْ باللِّحاظ منه خدوداً ... صِبْغُها من صنائع الرحمنِ
واغتنمْ طِيبَ وقْته فلَعَمْرِي ... إنَّه غُرَّةٌ بوجهِ الزمانِ
فانتهِزْ فيه فرصَةً لأمانِي ... كَ وحسْبُ الشَّجْيّْ نَيْل الأمانِي
حيث وجهُ الزمان طَلْقٌ ورَيْعا ... ن التَّصابِي إقْبالُه مُتدانِي
وبحيث المُنى يَسُرُّك منها ... ما تدانتْ قِطافُه للْبَنانِ
واصْطحِبْ للنّدام كلَّ مُجيدٍ ... لقِصار الفصولِ ذات المعانِي
ألْمَعِيٍّ حُلْوْ الحديث يُجاري ... ك بما تشْتهِيهِ ذي تِبْيانِ
واصْطَفِ للغناء كلَّ طَروبٍ ... ناعمِ الصوتِ مُتْقِن الألحانِ
يُوسِع السمعَ شَدْوُه طَرباً والْ ... قلبَ شَجواً بأنَّةِ الألحانِ
واغْنَ يا صاحِ قبل فَوْتِك واسْتجْ ... لِ عَرُوساً بمُطْرباتِ الأغانِي
واحْتسِيها عذراءَ كاساً فكاساَ ... يتلاَلاَ حَبابُها كالجُمانِ
يتَهادى بها إليك غَرِيرٌ ... خَنِثُ اللَّحْظِ فاترُ الأجْفانِ
لَيِّن العِطْفِ يسْتَبيك إذا ما ... قام يخْتالُ مثلَ خُوطِ الْبانِ
يُشْبه النَّوْرَ منه رَوْنَقُ وجهٍ ... وترى الخدَّ منه كالأُرْجُوانِ
واجتنِ للْمَشامِّ من يانِع الزَّ ... هرِ صنوفاً من روضِك الفَيْنانِ
واطْلقِ العودَ في المَجامِرِ والنُّدْ ... مانَ حَيِّ بماءِ وردِ القِنانِ
فلَعَمْري هذا هو العيشُ فاغْنَمْ ... فسِوى اللهِ كلُّ شيءٍ فانِ
وكتبت إليه أمدحه بقولي:
كتمتُ هواه لو يُفِيد التَّكَتُّمُ ... وكيف ودمعُ العين عنه يُتَرْجِمُ
لك اللهُ قلبي كم تُقاسي لَواعِجاً ... لها في الحشَا نارٌ من العشْق تُضْرَمُ
بُلِيتُ بقاسٍ لا يزال يُذِيقني ... من الصَّدِّ ما لم يلْقَه قبلُ مغرمُ
فسلَّمتُ قلبي طائعاً غيرَ أنني ... أُؤخِّر رجلاً في الهوى وأقدِّمُ
وما كنْت أدري أن للعشقِ فتنةً ... وأن اجْتنابَ الشرِّ للحُرِّ أسْلمُ
فلما رأى وجْدي عليه تغيَّرتْ ... خلائقُه ثم انْثنى يتحكَّمُ
стр. 173
وصَدَّ وجازاني على الوُدِّ بالقِلَى ... وأعْرض عني وهْو بالحال يعلَمُ
وبَدَّل مِيثاقي وأضْحى مُجانباً ... يمُرُّ فيَثْني عِطْفَه لا يسلِّمُ
وأَغْدق دمعي وهْو ماءٌ مُمنَّعٌ ... وحَلَّلَ قتْلي وهْو أمرٌ محرَّمُ
عفا اللهُ عنه من بخيلٍ بقُرْبِه ... وسامحه من ظالمٍ ليس يرحمُ
أُقضِّي به عمري مع اليأسِ والمُنى ... ولي من عَذُولي كلَّ وقتٍ مُهيِّمُ
أبِيتُ أُعاني الوجدَ ليلة لم أكُنْ ... بغيْرِ ثَنا فَرْدِ الورى أترنَّمُ
عَنيتُ النقيبَ السيد السَّنَد الذي ... غدا مثلَ بسم الله فهْو مُقدَّمُ
وحيدٌ له الأفْضال طبعٌ وشِيمةٌ ... وفيه انْتهى جودُ الورى والتَّكرُّمُ
إذا كان نُور الشمس لازِمَ جِرْمِها ... فطلعتُه الزهراءُ نُورٌ مجسَّمٌ
ونادِيه روضٌ بالفضائل مُزهِرٌ ... لسانِيَ فيه البَلْبُلُ المترنِّمُ
تُعطِّر هّبَّاتِ النسيمِ خِلالهُ ... فليْست بعَرْفٍ غيرِها تتنسَّمُ
ويفْترُّ عن لأْلاءِ بِشْرٍ كأنه ... مُقبَّلٍ شَادٍ ألْعَسٍ يتبسَّمُ
أمولايَ أنت الناسُ يا فوق فَوْقهم ... لأنَّك للطلاب رزقٌ مقسَّمُ
هواك بقلبي ليس يبْرَح لحْظَةً ... به أبْتدِي الودَّ الصحيحَ وأخْتِمُ
ولي في عُلاك الباهر المجْدِ في الورى ... عقودُ كلامٍ بالثناء تُنظَّمُ
قَوافٍ إذا ما أُنشِدتْ بين أسرةٍ ... فقُسٌّ لديْها بالفصاحة أبْكمُ
وما هي إلا الزّاهراتُ فلو بدتْ ... لقامتْ مقام الزُّهْرِ والليلُ مظلِمُ
تمتَّع بها من مادحٍ ليس يرْتجِي ... من الدهرِ شيئاً غيرَ أنَّك تسلَمُ
وحسبُك شُكْرِي ما بقيتُ على المدى ... وقلبي وأعْضائي تصدِّق والفَمُ
فكتب إلي مراجعا بقصيدة على رويها، وكنت مريضا، وهي:
حسْبُ المُنى حيث الحوادثُ نُوَّمُ ... وحواسدِي وعواذِلي واللُّوَّمُ
وافْتنِيَ الحسناءُ في دَاجِي ذَوا ... ئبِها وللأشْواقِ فيَّ مُخيَّمُ
عذراءُ وافَتْ وهي تخْترق الضِّيا ... من وجهِها مُذْ لاح فيه تبَسُّمُ
فتعطَّرت منها الرُّبوعُ وفاض في ... أنْحائها منها السَّنا يتنَسَّمُ
ولَطالَما راقبْتُ من وَلَهِي بها ... طَيْفاً يُلِمُّ بزَوْرة تُتغنَّمُ
ومن اغْتذى ضَرْعَ الهوى هل عَيْنُه ... يوماً بتَهْويمِ الكرَى تتنعَّمُ
كَلاَّ إِذا الأحْشاء خامَرَها الهوى ... قِدْماً فلاَعِجُه بها متضرِّمُ
وافتْ فحُقَّ ليَ الهناءَ بها كما ال ... واشون حُقَّ لهم بذاك توغُّمُ
فغدوتُ ذا طَرَبٍ قريرَ العين سِلْ ... كُ الشَّمْلِ بالاحباب لي مُتنظِّمُ
لا بِدْعَ أن أزْهُو إذاً وأجُرُّ ذَيْ ... لَ العُجْبِ تِيهاً والهوى أتهكَّمُ
وأمِيدَ نَشْواناً بكأسِ حديثها ... وثناءِ ناظِم عِقْدها أترنَّمُ
لِم لا أكنْ بثَنائِه مُترنِّماً ... وهو الأمينُ وبالمُنى المتكرِّمُ
الأرْيَحِيُّ المَكرُمات ومن حوَى ... حسنَ الحُلا فيها غدا يتوسَّمُ
رَبُّ الفصاحةِ والنباهةِ مَن غدا ... وله من الفضل الجسيمِ تجسُّمُ
ما اللطفُ في النَّسَمات إِلا من كَرِي ... مِ خِلالِه وبعَرْفها تتنسَّمُ
تخِذَ التَّطوُّل بالمكارِم عادةً ... فكأنه كِلفٌ بذاك مُتيَّمُ
لا غَرْوُ أن ملأتْ محامدُه المسا ... مِعَ واسْتلذَّ سماعَها المترنِّمُ
يافرعَ أبناءِ الكرام ومَن لهم ... في كل مجدٍ رُتبةٌ وتقدُّمُ
стр. 174
بُشْراك ما أُوتِيتَ من أجْرٍ بما ... عاينْتَ من وَصَبٍ عِدَاك يُيِّممُ
فتهَنَّ مأجوراً ومسروراً بعا ... فيةٍ أتتْك فلا عدَتْك تعمّمُ
وعَدَتْك أسْقامٌ عَنَتْك وللعِدَى ال ... عادِين وافتْ بينهم تتقسَّمُ
وبِقيتَ في ظلِّ التَّهانِي سالماً ... والعيشُ مُخَضرّاً لديْك مُخِّيمُ
وإِليْكَها قُسِّيَّةً ألفاظُها ... كالدُّرِّ في سِلْكِ الثناء تُنظَّمُ
جادت بها منِّي قريحةُ مُوقِنٍ ... بجُمودها إِذ جاء منك مُهيِّمُ
فاعذُر وكن بثنائها متمتِّعاً ... حسَب المُنَى حيث الحوادثُ نُوَّمُ
فكتبت إليه معتذراً عن مراجعته بقصيدة: لعارض المرض، وما أقول إلا كما قال الديباجي: كلامي في خطابه مماثل لانعكاس الناظر، ورد الفوارة ماء الغمام الماطر:
ليس فَمي فيك يبلغ الشكرَا ... من بعد ما قد ملأْتَهُ دُرَّا
بعثْتَ لأي بالحياة في كَلِمٍ ... يزيد في العمر لطُفها عُمْرَا
من كل لفظٍ في اللفظِ أحسَبُه ... ينفُث هاروتُ منه لي سِحرَا
لم تصْطنِع جَبْرَك القلوبَ لمن ... يدعوك إِلاَّ وتقْتني أجْرَا
يا من هو الروضُ في خلائقِه ... يَعْبَق من نَسْمةِ النَّدَى نَشْرا
شَوْقى لتقْبِيل راحتْيك لقد ... جاوزَ حتى لم يُبْقِ لي صَبْرَا
لكنَّ عُذْرى إليك مُتَّضِحٌ ... فاقبَلْ حَماك الإله لي عُذْرَا
فبعث إلي بهذه الأبيات:
أيُّها المُوسِعُ المنى بِشْرَا ... دُمْتَ تْستنِطق اللَّهَي شُكْرَا
ودام ثغرُ الوِاداد يْبَسم من ... بِشْر مُحيَّاك لافِظاً دُرَّاً
وحبَّذا منك ذا لآملهِ ... فْهو لَعَمْري ينافِس الشِّحْرَا
لقد منحت المُحِبَّ منك بما ... أثْلَج منه الفؤادَ والصدرَا
مِن كل لفظٍ في اللطفِ أحْسَبُه ... ينفُث هاروتُ منه لي سِحْرَا
فدُمْ لنا روضةً نُسَرُّ بها ... ومِن رُباها نسْتنشِق العِطْرَا
وفيك ما دامتْ لنا الُمَنى أَمَمٌ ... إن نْلتُها كان لي بها البُشْرَى
وكتب إلي يستدعيني إلى منتزه:
أنعم اللهُ للْجناب صَباحَهْ ... وبإسْعادِه أراش جناحَهْ
وحَبانَا حَسْبَ المُنى بأمالي ... هـ وآدابِ فضْله المستباحَهْ
وأقرَّ العيونَ منَّا بما مِن ... غَضِّ آدابهِ أجاد اقْتراحَهْ
يا أمينَ الكمال وابنَ ذوي الفضْ ... لِ وخِدْنَ العُلى ورَبَّ الفصاحَهْ
لا عدِمْتُ الوفاءَ منك بأوفى ... صِدْقِ عهد يُجدِي إلىَّ نجاحَهْ
فأجِبْ داعياً إلى منزلِ القصْ ... ف صباحاً لكي ننال رَباحَهْ
مُسْعِداً حظَّه ببِشْرٍ ولُطفٍ ... بهما الصدرُ راح يلْقَى انْشِراحَهْ
وابْقَ سَلْماً خَدِيمُك السَّعْدُ ما أسْ ... عَد خِلُّ إلى خليلٍ صباحَهْ
فخطابته مرتجلاً:
أسعد اللهُ من تكون صباحَهُ ... فمُحيَّاك للصباحِ صَباحَهْ
بأبي أنت وأمي رائِشاً لجناحي ... في زمانٍ عدمْتُ فيه نجاحَهْ
كان قِدْماً جوادُ حَظِّي جَمُوحاً ... فلأنْتَ الذي أزَحْتَ جِماحَهْ
قد أتْتني أبياتُك الغُرُّ تخْتا ... لُ وقد أُوِتيَتْ جميعَ الملاحَهْ
مُبْدَعاتٍ لا يبرحُ الطرفُ عنها ... فهْى قَيْدُ النَّواظر اللَّمَّاحَهْ
كلُّ لفظٍ منها كوُسْطَى نِظامٍ ... زَيَّن العقْدُ منه جِيد الفصاحَهْ
قد دعتْني إلى اغْتنام عُهودٍ ... أنا منها في غِبْطةٍ وارْتياحَهْ
ألْفُ سَمْعٍ وطاعةٍ ولك الأمْ ... رُ الذي ما برحْتُ أرجو نجاحَهْ
стр. 175
وابْقَ واسْلَمْ على المَدى لمُحِبٍّ ... لك يدْعُو غُدُوَّه ورواحَهْ
وعزم يوماً على التنزه في حديقة اتخذها مألف نشاطه، ومحل أنسه وانبساطه. فكتب إلى يستدعيني:
نتفدَّاك مُسْتماحَ الوِدادِ ... ثابتاً في حِفاظِه كودادِي
مُستباح الجَنى وطَلْقَ المُحيَّا ... ذا جَنَانٍ رَحْبٍ وبِشْرٍ بادِى
يا كريماً خصالهُ تجْذب الآ ... مال طبعاً لفضلِه المستفادِ
إثْمِدٌ للعيون بِشرُ مُحيَّا ... ك فكن مُفْضِلاً بذاك مُهادِي
وأجبْ مسعداً بلُقْياك داعٍ ... شَفَّه الشوقُ فهْو بالمِرْصادِ
وابْقَ سَلْماً ممتَّعا بأما ... نِيكَ على رَغْم مَعْطِسِ الحُسَّادِ
ما تداعَتْ إلى التَّدانِي أمَانٍ ... من مَشوقٍ أشواقُه في ازْديادِ
ولما قدمت من الحج كتب إلي، فأهدى لي البدر من بيت شرفه، والعيش في نضرة ترفه:
بُشْرَى بمَقْدَمِ خيرٍ منك مسعودِ ... أهْدَى لنا رَوْحَ أُنْسٍ منك معهودِ
أعاد أُنْسَ تدانينا وأسْعَدنا ... بعد التَّباعد حيناً في ذُرَا الجُودِ
فلْيَهْنِ معشرَ أحْبابٍ وحُقَّ لهم ... بأن يُهَنَّوا ببشرٍ منك مشهودِ
كما يحقُّ هَناءٌ للْجَناب بما ... رَوِيت من زَمْزم المُشْفِى لمقْصودِ
بُشْراك بشراك ما بُلِّغت من نِعَمٍ ... وما نعِمْتَ به من فضلِ مَعْبودِ
مُخَيِّمٌ بمِنًي حيث المُنى أَمَمٌ ... قريرُ عينٍ بموجودٍ وموعودِ
ُمتمِّماً بطَوافٍ نُسْكَ حَجِّك مَقْ ... رُوناً بحسْنِ قَبولٍ غيرِ مردودِ
مُيَمِّما سيِّدا مَن زاره وجبتْ ... له الشفاعةُ حقّاً غير مَجْحودِ
عليه أفضلُ ماصلَّى الأنامُ على ... جنَابِه مِن صلاةٍ عِدْلَ معدودِ
تُتْلى بأوْفى سلامٍ والرضا أبداً ... يَنْدَى على آلهِ والصحبِ بالجودِ
مُثْنٍ عِنانَك فوراً نحو طَيْبتِه ... عَوْدا لأحمد إذ هُو أحمدُ العودِ
فمن تطيَّب من دَارِيِّ تُرْبتِه ... يَشْتَمُّ ما عاش عَرْفَ المسكِ والعودِ
واُبْشِر بَحْمدك في الأخرى سُراك غَداً ... فما السُّرَى عند صُبْحٍ غير محمودِ
ودُمْ حَلِيفَ مَسَّراتٍ خَدِينَ تُقيً ... في ظلِّ سعدٍ نَدِىِّ العيشِ مَمْدودِ
واعْذُر أخاك بما أبْدتْ قريحتُه ... من رَوْح أُنْسِك لا من مثل جَلْمُودِ
واعْذُر تأخُّر خَجْلَي دون موعدها ... فما القضاءُ بمنْكورٍ ومجْحُودِ
فلا برحْتَ نعبمَ البْالِ مقتنِصاً ... بِيضَ الأمانِي بسَعْدٍ غير مورودِ
وردت علينا سنة من سني يوسف لم تدع للأنس وقتاً، ولم تبعث إلا إساءة ومقتا.
فأقبل الربيع وولى، ولم ندر أجاء أو لا.
وقد طمست آثار المسرات، عند ما قامت نوائب المضرات.
فذكرت أوقاتي معه، حيث مآربي به مجتمعة.
تشرف بحلاه، وتبتهج بعلاه.
وكان وعدني بإرسال بعض قطع، من نظمه المبتدع.
فكتبت إليه: رقعتي إلى الحضرة الشريفة صدرت عن ذهنٍ كليل، وحدٍ فليل، وقلقٍ كثير، وتصبر قليل.
وخاطر منقبض، وأسًى في الصدر معترض.
كيف والأنس تقلص ذيله، وأظلم دون الأمل نهاره وليله.
وهيض عضده، وغيض ثمده.
فليبك عليه الباكي، وليبث ما يجده من فقده الشاكي.
فهذا الورد كما جاء راح، وما تعطر به مجلس راح.
فهو لذلك شق جيبه بل قلبه حزنا، واستعبر حتى فقدت دموعه، فاستنجد للبكاء طلاً ومزنا.
وغطى رأسه بأكمامه، خجلان من سماجة أيامه.
وكان يقال له: اختشى ألم القطع فاحتسى الزعفران، وأما الآن فقد احتساه ليغيب حواسه عن آلام الزمان.
بل سمع بالنار تتسعر لاستقطاره، فناشد بأن يجعل بقبض روحه وألا يعذب باستنظاره.
وما زال يستجير من جور الدهر الخؤون، إلى أن رق له النسيم وحنت عليه الغصون.
فهذا حال الورد وهو زهر، فكيف حال صبٍ يدري مواقع الدهر.
стр. 176
تذكرك عهوده الماضية، أيام كان بخدمتك في العيشة الراضية.
وأنت تغنيه بنضارة لفظك عن الورود المتنوعة، وبفنون حفظك عن الطرف المتجمعة.
فأي عيشٍ له بعدها يطيب، ولا روضٍ صباه مخصب ولا غصنه رطيب.
فإن رأيت ولك الرأي أن تتلافى في بعض رمق، فلتهدلي الحياة من أشعارك الغضة في طبق.
لأستبدل بها من صدأ لهم صقالا، وأفرج بها عن فكرتي ارتباطا واعتقالا.
فتعود كهولتي صبا، وتهب ريحي صبا.
فعندها أقول للأمل: دع الأيام تكن غضابا، إذا ما اجتنيت من هذه المشافهة رضابا.
فمهما مننت، تطولت وأحسنت.
فالوقت إساءةٌ أنت إحسانه، وناظر ليس إلا أنت إنسانه.
فالله يبقيك ما انهشت بك أساريره، وقامت بك عن ذنوبه معاذيره.
فراجعني بقوله: سيدي الأمين، ومؤيدي في كل حين.
حرس الله تعالى من الغير حصن جهاتك، ومن الكدر صفو أوقاتك.
وتولى حفظ ملكي ذاتك، وصون مضافاتك من كل فاتك.
وشرح منك وبك الصدور، وأنعم منك وبك البال وحباك السرور.
لا زلت تحيى بروح تلافيك التياحي، وتحبي بريح تلافيك ارتياحي.
فلقد وايم الله أوليت من صنيعك منه بما أمليت، فكأنما بلساني نطقت وعما أعربه جناني أعربت.
فصديقك في الحال قد واساك، ورفيقك في المجال قد ساواك.
غير أنه وجم عن بث أحزانه، من تقلب وقته وانقلاب عيانه.
يقول إيهِ وقد وجَمْتُ ومَن ... يَنْطق أو من يُطِيق مُحْتِملاَ
كيف وقد تقلص من الوقت ذيل أنسه، وصار من المقت يحسد يومه لأمسه.
واعتاض مستامٌ جميل عوائده، بصفقة الخسران من فوائده.
فهاك الود زاد فيه برهة وجلا، وعاد سرعةً نادماً خجلاً.
فحق له ما به قد وصفته، بل وإن لم يعد لمثلها لكنت أنصفته.
هذو وهو زائر مجتاز، فما حال من هو لمواقع دهره الظلوم مجاز.
تعرض مجتازا فكان مذكرا ... بعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر
فياله من مذكر مصيب، قد حبانا من مآثره بأوفى نصيب.
حيث ذكر الفطنة السليمة، بسوابق عوائدها الكريمة.
فجاءت جريا على العادة، بما استوجب منى الشكر وزيادة.
فعند ذلك تنفست نفس المصدور، وهنالك نشطت كما نشط المخمور.
وامتثلت الطلب، حيث كان عين الأدب.
واستدعيت القريحة الخامدة، واستنطقت الفكرة الجامدة.
فأبدت هذا القول، حيث علمت بأن العذر عندكم مقبول:
أرْغدُ العيش ما وفَاك زمانُهْ ... وتواخَاك يا أُخَيَّ أمانُهْ
وصفا مَشْرب التأنُس واستدْ ... عتْك للقصف والهنا إخْوانُهْ
وتدانتْ به الأماني وأزْرت ... بالثُّريَّا في نَسْقِها نُدمانُهْ
وتداعَى من المحبِّ حنينٌ ... وتدانَى من الحبيب جَنَانُهْ
فغَدْوا والمُنى لهم أمَمٌ يحْ ... سنُ كلٌّ شكراً لمنْ ذا امْتنانُهْ
هكذا العمرُ يُستفاد وحقّاً ... يُستجاد احْتسابُه وبيانُهْ
با حبا الّله بالأحبَّة مَغْنىً ... فَيَّأَتْ غصنَ روضِه أفْنانُهْ
هو للقصْف منزلٌ مستطابٌ ... طال ما ضمَّ شمْلَنا فَيْنانُهْ
جاور السفح فاكْتسى عاطرَ النَّ ... فح فأضْحى ذاكِيَ الشَّذى رَيْحانُهْ
فرَعَى اللهُ سالفَ العهد منه ... حيث لي بالسعودِ كان اقْترانُهْ
وأمانينا تبادرنا مُسْتبقا ... تٍ والعيشُ طَلْقٌ عِنانُهْ
وأماليك تُستفاد وآدا ... بُك روضٌ يشُوقنا عُنْوانُهْ
حيث كانتْ تَنْدَى أراكةُ حظِّي ... من نَدى لفظِك الشهىِّ وِزانُهْ
فسقى الّلهُ بالحيا ذلك السَّ ... فحَ وحيىَّ عهودَه رِضْوانُهْ
وحبانا منها بأحمدِ عَوْدٍ ... وأرني بك المُنى إحْسانُهْ
السيد إبراهيم
صغيرهم الذي هو فذلكة حسابهم، والجامع الكبير لما تشعب من بحر أنسابهم.
وله الاطلاع الذي يخفى عنده صيت ابن السمعاني ويعدم ابن العديم، والرواية التي يشفع حديثها قديم الفضل فالحديث يشهد بفضله القديم.
وقد طلع من هذا الفلك بدراً تستمد منه البدور، وحل من المجد صدراً تنشرح برؤيته الصدور.
стр. 177
وعنى بالرحلة من عهد ريعانه، فسطع نور فضله بين إشراق الأمل ولمعانه.
وهو أينما حل حلا، وحيثما جل جلا.
والقلوب على حبة متوافقة، وأخبار فضله مع نسمات القبول مترافقة.
وكنت لقيته بالروم أول ما حليتها، فسريت كربتي في تلك الغربة بلقائه وجليتها.
ونْسِيتُ ذنبَ الدهر لما رأيتهُ ... ودهرٌ به ألْقاه ليس له ذنْبُ
وهو الآن بدمشق مقيم، بين رَوْح وريحان وجنة نعيم.
تحيته فيها سلام، وآخر دعواه إجلال واحترام.
رغبته إلى التوسع في المعلومات ممتدة، ونفسه باقتناء محامد المعلوات مشتدة.
وله في الأدب بسطه وباع، وشعر متحلٍ برونق وانطباع.
فما رويته من نظمه الذي أتحفني بإملائه، وجلا عن مرآة فكري صداها باجتلائه. قوله من قصيدة يذكر فيها نسبه ويفتخر:
غيري الذي يْستام ربْحَ تَدانِ ... بمذلَّةٍ هي صفْقة الخُسْرانِ
ومن الردَى أن أرْتضى بمذلةٍ ... وخلائقي تسمو على كِيوانِ
وأُضيعُ حقِّي والشهامة شِيَمةٌ ... متَّتْ إلىَّ من النَّبِي العدنانِ
الهاشمِيِّ محمدٍ مَن قد رقَى السَّ ... بْعَ الطِّبَاقَ وخُصَّ بالقرآنِ
وبابنِ عمِّ المصطفى نَسبي سماَ ... أعْنى عليًّا سيدَ الشجعانِ
وبَفرْعه سِبْطِ النَّبِي مجْدى نمَا ... أعنى حسيناً سيدَ الشبانِ
وبزَيْن عُبَّاد الإلهِ وباقرٍ ... وبصادقٍ فخْرى على الأْقرانِ
وكذا بإسماعيلَ ثم محمدٍ ... وكذا بإسماعيل وهْو الثانِي
وبأحمدٍ ثم الحسينِ وفَرْعِه الس ... امِي نقيبِ دمشقٍ الحَرَّانِي
أعْنِى به إسْماعيلَ ثم بفرعِه ... أعنى الحسينَ العارفَ الرَّبانِي
ثم الشجاعِ علىَّ من حاز التُّقى ... وبناصرِ الدين الرفيعِ الشانِ
ومحمد النَّسَّابِة الشهمِ الذَّكِى ... وبحْمزٍة ذي الفضل والعرفانِ
وبذي التُّقى الحسنِ البهىِّ وفَرْعِه ... أعنى عليّاً قدوةَ الأعيانِ
وبحافظِ العصرِ الهُمام محمدِ الْ ... مدْعُو بشمسِ الدين ذي الإتقانِ
وعلىِ نقيبِ دمشقَ مُسنِد عصرِه ... وبأحمدَ السَّامي بحُسْن بَيانِ
وبحمزةٍ ذي الفضل والتأْليف في ... علم الحديثِ وحافظِ القرآنِ
ومحمدِ المدعُو كمالَ الدين مَن ... رحلتْ له الطلابُ من بَغْدانِ
مفتىِّ دارِ العدل ثم مُحِّققِ الْ ... عصِر الحسينِ وفارس المْيدانِ
أعنى محمداً النَّقيِبَ بجلِّقٍ ... ومحمدٍ وهو الكمالُ الثانِي
أعنى نقِيبَ دمشقَ جدى مَن سماَ ... بنصيحةٍ لله في الإعْلانِ
وبوالدي الحَبْرِ الهمام محمدٍ ... من فاق في تحْقيقِه الجُرْجانِي
وهو النقيبُ بجِلِّقٍ أيضاً ولِى ... عِزٌّ بَموْلى عزِّه أسْمانِي
مولاي مَن عزَّ الذليلُ ببابِه السَّ ... امِي مُفيضُ الفضلِ والإحسانِ
مفتى الأنامِ محمدٌ مَن قد رقَى ... بذُراهُ فخراً مذهبَ النُّعمانِ
فردُ الزمانِ وواحدُ العصر الذي ... وافتْ له الفتْوى ولا مِن ثانِ
واللهُ حقَّق ما رجوْتُ بفضلِه ... فالعزُّ عزِّى والزمانُ زماني
واللهَ أرجو أن يديمَ له البقاَ ... ويقِيه من شرِّ الزمان الجانِي
ومحاسن هؤلاء الاخوان، لم يتمتع بمثلها أوان، وأدبهم كنبت الأرض ألوان: فلنصرف عنان الإطاله، ونسلم على السيادة الطاهرة الأصالة.
ولى من فصول الكلام، قصيدة في مدح آل رسول الله ﵊.
وكان سبب إنشائها ذكرى لهؤلاء العصابة وفي ظنى أني قدحت فيها زندالإصابة.
فعن لي أن أذكرها هنا لهذا السبب، وأنا متوسل إليهم بفضل النسب.
والقصيدة هي هذه:
ما ضَرَّه لو كان عَلَّل بالمَنى ... فلقد رضيتُ ولَذَّ لي فيه العَنَا
стр. 178
اليأسُ أقْتل ما يكو لذى الهوى ... فعسى نُداوَى بالمنى ولعلَّنَا
بل ما عليه لو سَخَا بخياله ... فيزورَ في بعض الليالي مَوهِنَا
زُرْ يا خيالُ ودعْ مراقبةَ العِدى ... فلَك الأمانُ لقد تساويْنا ضَنَى
ولقد خفِيتُ عليك فاطلبْ مَضْجعي ... فوسادتي تَهْدِيك أنِّى هاهنَا
أوْلَا فمُرْني أن أزور كزَوْرتي ... والدارُ بالجَرْعاء جامعةٌ لنَا
قل للذي نزل الغَضَا مُتباعِداً ... عنِّي وكان له فؤادي مسكناَ
هذا الغَضا قلبي وسَفْحُ محَاجِري ... يجرى العقِيقُ وذي ضُلوعي مُنْحنَي
ولقد عنَيتُ رشاً تخِذْتُ تولُّعي ... فيه إلى صدقِ الوفاء تديُّنَا
بدرٌ إذا شبَّهتُ باهرَ حسنِه ... بالبدرِ كان الوجهُ منه أحسنَا
نَشْوان من خمرِ الشَّبِيبة والصِّبا ... لحَظاتُه شَرَكُ العقول إذا رَنَا
إن مرَّ بالأغصان خَرَّتْ رُكَّعاً ... لقَوامه أو بالقَنا فضَح القنَا
ما أبْدع الرحمنُ طلْعةَ وجهِه ... إلا ليُودِعها الجمالَ المُمْكِنَا
جسدٌ يسيلُ لطافةً كالماءِ من ... تَرَفٍ أرَقَّ من الحرير وألْيَنَا
ستَر الجمالُ خُدودَه بعوارض ... قتَل النفوسَ بها وأحيْىَ الأعيُنَا
والشمسُ يمنعها اجْتلاها أن تُرَى ... فإذا اكْتستْ غيماً رقيقاً أمْكنَا
نادمْتُه والراحُ يعطِف عِطْفَه ... كالغصنِ يعطِفه النسيمُ إذا انْثنَى
متألِّفَيْن على الصَّبابة والهوى ... مُتَسرْبِليْن ردا الأمانةِ والمنَى
حيث الزمانُ كما نحبُّ وخُلْقُه ... سهلٌ وليس كأهْلِه مُتلوِّنَا
حتى تغيَّر عن حقيقةِ حاله ... وبطبْعِه أعْدَتْه أولاد الزِّنَا
وعفتْ رسوم الودِّ وانْقَشع النَّدَى ... فالعيشُ قَفْرُ الرَّبْعِ مُغْبَرُّ الفِنَا
والدهرُ قد عمَّتْ مواقعُ خَطْبِه ... من لم يكن يجْنِى الذنوبَ ومَن جَنَى
كلٌّ على مِقْدارِه أخْطارُه ... فأحقُّهم بالمجدِ أكثرُهم عَنَا
ما ماسَ في بُرْدِ المعالي ناعماً ... إلا الذي لبِس العَجاجَ الأدْكَنَا
رُوحِي فِدَا نفَرٍ بصبْرهمُ على ... نُوَب النوائبِ أحْرزوا فضلَ الثَّنَا
بلغتْ بهم عَلْياؤُهم رتباً غدا ... منها السناءُ مُفرَّعاً وكذا السَّنَا
وإذا دعا داعٍ بياخَيْرَ الورى ... كلٌّ يقول مرادُ ذا الداعِي أنَا
وإذا العُلَى علِقتْ بغير حبالِهمْ ... رُمِيتْ وحاشاها بمشْنُوِّ الثنَا
لا تقدرُ الفصحاءُ تحصُر فضلَهم ... لو أن ذَرَّ النملِ كانت ألْسُنَا
طالُوا السِّماكَ فمن أراد لَحاقَهمُ ... أوْمَتْ مَساعِيه اليه قِفْ هُنَا
لم تنتج الزَّهْراءُ إلا أزْهراً ... وشرافة الحسنيْن إلاَّ مُحْسِنَا
يا سادتي يا آلَ أحمدَ مدحُكمْ ... فرضاً يَراه مَنُ تسَمَّى مؤمِنَا
أنا قد حُسِبتُ عليكمُ في نِسْبةٍ ... شَرُفتْ وتلك أجلُّ فخرٍ يُقْتَنَى
لا تمْنعوا عنِّي عِنايةَ فضْلِكمْ ... فأنا الفقيرُ وأنتمُ أهلُ الغِنَى
بيت العماد بيت فضل وكرم، دمشق بهم من عهد ذات العماد إِرَم.
بمثل رتبتهم يشمخ الغر النتقاعس، وبمثل طلاقتهم يتنبه الحظ المتناعس، وفي ذلك المجد فليتنافس المتنافس.
فضلهم على الكرام، فضل الحلال على الحرام.
ولهم من المزية على أهل الكمال، مزية الصبا على الجنوب واليمين على الشمال.
هم القومُ حازوا صِفاتِ العُلى ... بحسْن الطباعِ ولطفِ الشِّيَمْ
стр. 179
ودُنْياهمُ طلْعةُ المجْتَلِي ... ودهرُهمُ واضحُ المُبْتَسمْ
ومن حقِّهم شكرُ آلائهمْ ... ومن حقِّ شانيهمُ أن يُذَمّ
شهاب الدين بن عبد الرحمن
" والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها "، " والليل إذا يغشاها ".
لهو جواد استبق فحاز السق، وانطلق فأبعد الطلق.
وشهاب تألق، وشهمٌ قنص وما حلق.
تبلغ حتى لم يبق مطمعا، ولاح فأرى الشمس والبدر معا.
وهو في عيشٍ موافق وزمن معين، وروضة منىً طلة وماءٍ معين.
والجود لا يعطى إلا ببنانه، والدهر لا يسطو إلا بجنانه.
إلا أنه تصرفت به في آخره الأعمال، فقبض على فترة من الآمال.
وله المآثر الغر، يزينها خطٌ أغلى قيمةً من الدر.
فإذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه شهب كلمه.
لم يقعد له بها شيطان مقعدا، إلا وجد له شهاباً رصدا.
فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية بأيدي الصون عن كل قاطف.
وقد وقفت من آثاره على قطع، كأنما الحسن منها مقتطع.
فأثبت منها ما هو سلوة المتعني، وشهدة المتمعني.
ونزهة المتلفظ، وكفاية المتحفظ.
فمنها قوله في الغزل:
برُوحيَ فتَّانٌ بلحْظيه قاتلٌ ... يُرِينا المنايا الحمرَ بالأعْين النُّجْلِ
يميل بقَدٍّ أخْجل الغصنَ والقَنا ... يَجِدُّ على قتل المحبّين بالهَزْلِ
عجبتُ لهذا الحبِّ تُرْضي فعالُه ... وإن هو بعد العزِّ بدّل بالذلِّ
وقوله في دير مران:
أيادَيْر مُرَّانَ سقاكَ غمامُ ... تروح وتَغْدُو غِبَّهُنَّ سلامُ
وحيَّاك من دَيْرٍ وحيَّى معاهداً ... بمَغْناك ما ناح الزمانَ حَمامُ
وقفتُ على رَسْمٍ به راح دارساً ... وقد فاح من عَرْف الرياض خُزامُ
فقلتُ ولي في رَسِيسُ صَبابةٍ ... وفي القلب منِّي لوعةٌ وغرامُ
كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنِيسٌ ولم تُهْرَقْ هناك مُدامُ
والبيت مضمن، وأصله:
كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنِيسٌ ولم يسمُرْ بمكَّة سامرُ
بلى نحن كنا أهْلَها فأبادَنا ... صُروفُ الليالي والجدودُ العواثِرُ
ودير مران معروف بدمشق، بالقرب من الربوة.
وقد تداولت ذكره النبغا، وحسبك من وصفه ما حكاه الثعالبي عن الببغا.
وهو دير قديم، مترنح ساقٍ ونديم.
دير أطل فوق وادٍ نضر، يرضع طفل نوره ثُدِيَّ المطر.
إلا أن الدهر عفى صورة رسمه، ومحا محاسن هيئةٍ كانت روحاً لجسمه.
وكانت به مقاصير كأنها مقاصير جَنة، فأصبحت الآن وهي ملاعب جِنة.
فقد عميت أخبار قطانه، ودثرت آثار أوطانه.
من وهى بنائه، وسكن الحوادث بفنائه.
وقفتْ عليه السُّحْبُ وَقْفةَ راحمٍ ... فبَكتْ له بعيونِها وقلوبِها
وهو أحد الديارات المذكورة في الشعر القديم.
قال فيه الخليع:
يا دَيْرَ مُرَّانَ لا عُرِّيتُ من سكَنٍ ... قد هجْتَ لي شَجَناً يا ديرَ مُرَّانَا
سَقْياً ورَعْيا لمُرَانٍ وساكنِه ... يا حبَّذا قاطنٌ بالديْر مَن كانَا
حُثّض المُدامَ فإنَّ الكأسَ مُتْرعةً ... مما يهِيجُ دواعِي الشوقِ أحْيانا
وحيت أنساق الكلام إلى الديارات، فلنذكر مشاهيرها على طريق الاختصار؛ فإن لها تعلقاً بما نحن فيه.
فمنها: دير القائم الأقصى، على شاطئ الفرات، بطريق الرقة.
يقول فيه هاشم بن محمد الخزاعي:
بدَيْر القائم الآقْصَى ... غزالٌ شادِنٌ أحْوَى
بَرَى حبِّي له جسمي ... ولا يدْرِي بما ألْقَى
وأُخفي حبَّه جُهْدِي ... ولا والّلهِ لا يخْفَى
ومنها: دير زكا؛ موضعان.
قال أبو الفرج: دير زكا بالرها.
وقال الخالدي والشابشتي: دير زكا من ناحية البليخ.
قال الرشيد:
غزال مَرابُعه بالبليخِ ... إلى ديْر زَكَّا فجسرِ الخَربْ
ومنها: دير عبدون، وهو بظاهر المطيرة، ببغداد.
يقول فيه ابن المعتز:
стр. 180
سقى المَطِيرةَ ذاتَ الظلِّ والشجرِ ... ودَيْر عَبْدون هطَّالٌ من المطرِ
وقال ياقوت، في المشترك: دير عبدون موضعان: أحدهما بسر من رأى، إلى جانب المطيرة، من نواحي بغداد، سمي بعبدون أخي صاعد بن مخلد، وزير المعتمد على الله، كان كثير التردد إليه والمقام به.
ودير عبدون قرب جزيرة ابن عمر، يليهما دجلة، وقد خرب، وكان من منتزهات الجزيرة.
والمطيرة، كسفينة: قرية بنواحي سر من رأى، والصواب المطرية، لأنه بناها مطر بن فزارة الخارجي.
ومنها: دير مارت مريم، وهو دير قديم من ديارات، الشام الأولية.
يقول فيه ابن هرمز:
نعمَ المحلُّ لمن يسْعَى للَذَّتهِ ... دَيرٌ لمريمَ فوق الظهرِ معمورُ
ظِلّ ظليلٌ وماء غيرُ ذِي أسَنٍ ... وقاصراتٌ كأمْثال الدُّمَى حُورُ
وزاد في " المشترك " ثانياً بنواحي الحيرة، من بناء آل المنذر بين الخورنق والسدير.
وثالثاً، قال الشابشتي: دير أتريب بمصر، يقال له دير مارت مريم.
ومنها: دير مرجرجس، كان بالمزرفة بينه وبين بغداد أربعة فراسخ، وكان من منتزهات بغداد.
وآخر بين بلد وجزيرة ابن عمر، على ثلاثة فراسخ من بلد، على جبل يظهر للرائي من فراسخ عدة.
ومنها: دير العذارى، وهو بسر من رأى.
يقول فيه جحظة البرمكي:
ألا هل إلى دَيْر العَذَارَى ونظْرةٍ ... إلى مَن به قبل المماتِ سبيلُ
وقا ياقوت: دير العذارى ثلاثة مواضع؛ أحدها بين أرض الموصل وبين باجرما من أعمال الرقة، وهو دير قديم، كان به نساء مترهبات، وبذلك سمي.
ودير العذاراى بقرب سر من رأى.
ودير العذارى، موضع بظاهر حلب، فيه أكثر بساتينها.
ومنها: دير سمعان؛ أربعة مواضع.
وسمعان هو شمعون الصفا، من الحواريين، وله ديرة كثيرة.
والذي اشتهر هذه.
أحدها في غوطة دمشق، وفيه دفن عمر بن عبد العزيز في الصحيح من الأخبار، ولا يعرف الآن.
ودير سمعان، من نواحي أنطاكية، دير كبير كالمدينة.
ودير سمعان، قرب المعرة، يقال: فيه قبر عمر بن عبد العزيز. والأول أصح.
ودير سمعان، من نواحي حلب، بين جبل بني عليم والجبل الأعلى.
ومنها: دير هند؛ موضعان، وهما بالحيرة، يقال لأحدهما دير هند الكبرى. والآخر دير هند الصغرى.
فأما هند الكبرى فهي بنت الحارث بن عمرو، آكل المرار، وهي أم عمرو بن هند، بنته بظاهر الحيرة، وترهبت به.
وأما هند الصغرى فهي بنت النعمان بن المنذر، المعروفة بالحرقة، صاحبة القصتين مع خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة.
ومن شعر المترجم، ما كتبه لبعض أحبابه، في صدر رسالة:
سلامٌ على من في الفؤادِ وِدادُه ... وإن غاب عن طَرْفي فما غاب عن قلبي
وإنِّي وإن غبتمْ وبِنْتُم عن الحمَى ... فحبِّي لكم يزداد في البعد والقربِ
وكتب إلى والدي، في صدر رسالة أرسلها إليه، وهو بالروم، تتضمن عتاباً، وكان عزل عن الفتيا:
أمولايَ فضلَ الّلهِ دام لك الفضلُ ... ودمتَ به تزْهو وأنت له أهلُ
يبعِّد مني القلب ما عجَّ لَغْوُه ... بجِلِّق حتى مَجَّهُ العقْلُ والنَّقْلُ
فلا تغْضَبنْ إن الشِّهابَ لَواثِقٌ ... برُكْن عمادٍ شَادَهُ المجدُ والفضلُ
وأنت لأدْرَى بي وداداً وخُلَّةً ... وأنْ لَيْس يلْوِي القلبَ عن حُبِّكمْ عَذْلُ
فقلْبِيَ قلبِي مثلُ ما قد عهِدْتَه ... وقلبُك فيما أدَّعِي شاهدٌ عَدْلُ
فكتب والدي، رحمه الله تعالى، إليه: ورد علي كتاب، ذلك الجناب.
لا زالت شهب الآفاق هدايةً لأصفيائه، ورجوماً لشياطين أعدائه.
فاستدعى شكري وحمدي، واستفرغ في الثناء على مرسله عهدي، واستخلص في الصفا ما عندي.
فكأنما استمليت معانيه مما عندي، واشتملت على حقائق دقائق قصدي.
فرتع ناظري منه في روضٍ أريض، وحظيت من الانتعاش بوروده بما يحظى به المريض، لو لقي بيمينه منشور العمر الطويل العريض، بعد ما حال الجريض، دون القريض.
وإني وإن بلغت غاية الاجتهاد، في أداء بعض ما يوجب الخلوص والاتحاد، من نشر طيب الثناء في كل ناد، ورفع لواء الولا على رؤوس الأشهاد.
следующие страницы →