Полный текст (737 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تذكرك عهوده الماضية، أيام كان بخدمتك في العيشة الراضية.
وأنت تغنيه بنضارة لفظك عن الورود المتنوعة، وبفنون حفظك عن الطرف المتجمعة.
فأي عيشٍ له بعدها يطيب، ولا روضٍ صباه مخصب ولا غصنه رطيب.
فإن رأيت ولك الرأي أن تتلافى في بعض رمق، فلتهدلي الحياة من أشعارك الغضة في طبق.
لأستبدل بها من صدأ لهم صقالا، وأفرج بها عن فكرتي ارتباطا واعتقالا.
فتعود كهولتي صبا، وتهب ريحي صبا.
فعندها أقول للأمل: دع الأيام تكن غضابا، إذا ما اجتنيت من هذه المشافهة رضابا.
فمهما مننت، تطولت وأحسنت.
فالوقت إساءةٌ أنت إحسانه، وناظر ليس إلا أنت إنسانه.
فالله يبقيك ما انهشت بك أساريره، وقامت بك عن ذنوبه معاذيره.
فراجعني بقوله: سيدي الأمين، ومؤيدي في كل حين.
حرس الله تعالى من الغير حصن جهاتك، ومن الكدر صفو أوقاتك.
وتولى حفظ ملكي ذاتك، وصون مضافاتك من كل فاتك.
وشرح منك وبك الصدور، وأنعم منك وبك البال وحباك السرور.
لا زلت تحيى بروح تلافيك التياحي، وتحبي بريح تلافيك ارتياحي.
فلقد وايم الله أوليت من صنيعك منه بما أمليت، فكأنما بلساني نطقت وعما أعربه جناني أعربت.
فصديقك في الحال قد واساك، ورفيقك في المجال قد ساواك.
غير أنه وجم عن بث أحزانه، من تقلب وقته وانقلاب عيانه.
يقول إيهِ وقد وجَمْتُ ومَن ... يَنْطق أو من يُطِيق مُحْتِملاَ
كيف وقد تقلص من الوقت ذيل أنسه، وصار من المقت يحسد يومه لأمسه.
واعتاض مستامٌ جميل عوائده، بصفقة الخسران من فوائده.
فهاك الود زاد فيه برهة وجلا، وعاد سرعةً نادماً خجلاً.
فحق له ما به قد وصفته، بل وإن لم يعد لمثلها لكنت أنصفته.
هذو وهو زائر مجتاز، فما حال من هو لمواقع دهره الظلوم مجاز.
تعرض مجتازا فكان مذكرا ... بعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر
فياله من مذكر مصيب، قد حبانا من مآثره بأوفى نصيب.
حيث ذكر الفطنة السليمة، بسوابق عوائدها الكريمة.
فجاءت جريا على العادة، بما استوجب منى الشكر وزيادة.
فعند ذلك تنفست نفس المصدور، وهنالك نشطت كما نشط المخمور.
وامتثلت الطلب، حيث كان عين الأدب.
واستدعيت القريحة الخامدة، واستنطقت الفكرة الجامدة.
فأبدت هذا القول، حيث علمت بأن العذر عندكم مقبول:
أرْغدُ العيش ما وفَاك زمانُهْ ... وتواخَاك يا أُخَيَّ أمانُهْ
وصفا مَشْرب التأنُس واستدْ ... عتْك للقصف والهنا إخْوانُهْ
وتدانتْ به الأماني وأزْرت ... بالثُّريَّا في نَسْقِها نُدمانُهْ
وتداعَى من المحبِّ حنينٌ ... وتدانَى من الحبيب جَنَانُهْ
فغَدْوا والمُنى لهم أمَمٌ يحْ ... سنُ كلٌّ شكراً لمنْ ذا امْتنانُهْ
هكذا العمرُ يُستفاد وحقّاً ... يُستجاد احْتسابُه وبيانُهْ
با حبا الّله بالأحبَّة مَغْنىً ... فَيَّأَتْ غصنَ روضِه أفْنانُهْ
هو للقصْف منزلٌ مستطابٌ ... طال ما ضمَّ شمْلَنا فَيْنانُهْ
جاور السفح فاكْتسى عاطرَ النَّ ... فح فأضْحى ذاكِيَ الشَّذى رَيْحانُهْ
فرَعَى اللهُ سالفَ العهد منه ... حيث لي بالسعودِ كان اقْترانُهْ
وأمانينا تبادرنا مُسْتبقا ... تٍ والعيشُ طَلْقٌ عِنانُهْ
وأماليك تُستفاد وآدا ... بُك روضٌ يشُوقنا عُنْوانُهْ
حيث كانتْ تَنْدَى أراكةُ حظِّي ... من نَدى لفظِك الشهىِّ وِزانُهْ
فسقى الّلهُ بالحيا ذلك السَّ ... فحَ وحيىَّ عهودَه رِضْوانُهْ
وحبانا منها بأحمدِ عَوْدٍ ... وأرني بك المُنى إحْسانُهْ
السيد إبراهيم
صغيرهم الذي هو فذلكة حسابهم، والجامع الكبير لما تشعب من بحر أنسابهم.
وله الاطلاع الذي يخفى عنده صيت ابن السمعاني ويعدم ابن العديم، والرواية التي يشفع حديثها قديم الفضل فالحديث يشهد بفضله القديم.
وقد طلع من هذا الفلك بدراً تستمد منه البدور، وحل من المجد صدراً تنشرح برؤيته الصدور.
стр. 177
وعنى بالرحلة من عهد ريعانه، فسطع نور فضله بين إشراق الأمل ولمعانه.
وهو أينما حل حلا، وحيثما جل جلا.
والقلوب على حبة متوافقة، وأخبار فضله مع نسمات القبول مترافقة.
وكنت لقيته بالروم أول ما حليتها، فسريت كربتي في تلك الغربة بلقائه وجليتها.
ونْسِيتُ ذنبَ الدهر لما رأيتهُ ... ودهرٌ به ألْقاه ليس له ذنْبُ
وهو الآن بدمشق مقيم، بين رَوْح وريحان وجنة نعيم.
تحيته فيها سلام، وآخر دعواه إجلال واحترام.
رغبته إلى التوسع في المعلومات ممتدة، ونفسه باقتناء محامد المعلوات مشتدة.
وله في الأدب بسطه وباع، وشعر متحلٍ برونق وانطباع.
فما رويته من نظمه الذي أتحفني بإملائه، وجلا عن مرآة فكري صداها باجتلائه. قوله من قصيدة يذكر فيها نسبه ويفتخر:
غيري الذي يْستام ربْحَ تَدانِ ... بمذلَّةٍ هي صفْقة الخُسْرانِ
ومن الردَى أن أرْتضى بمذلةٍ ... وخلائقي تسمو على كِيوانِ
وأُضيعُ حقِّي والشهامة شِيَمةٌ ... متَّتْ إلىَّ من النَّبِي العدنانِ
الهاشمِيِّ محمدٍ مَن قد رقَى السَّ ... بْعَ الطِّبَاقَ وخُصَّ بالقرآنِ
وبابنِ عمِّ المصطفى نَسبي سماَ ... أعْنى عليًّا سيدَ الشجعانِ
وبَفرْعه سِبْطِ النَّبِي مجْدى نمَا ... أعنى حسيناً سيدَ الشبانِ
وبزَيْن عُبَّاد الإلهِ وباقرٍ ... وبصادقٍ فخْرى على الأْقرانِ
وكذا بإسماعيلَ ثم محمدٍ ... وكذا بإسماعيل وهْو الثانِي
وبأحمدٍ ثم الحسينِ وفَرْعِه الس ... امِي نقيبِ دمشقٍ الحَرَّانِي
أعْنِى به إسْماعيلَ ثم بفرعِه ... أعنى الحسينَ العارفَ الرَّبانِي
ثم الشجاعِ علىَّ من حاز التُّقى ... وبناصرِ الدين الرفيعِ الشانِ
ومحمد النَّسَّابِة الشهمِ الذَّكِى ... وبحْمزٍة ذي الفضل والعرفانِ
وبذي التُّقى الحسنِ البهىِّ وفَرْعِه ... أعنى عليّاً قدوةَ الأعيانِ
وبحافظِ العصرِ الهُمام محمدِ الْ ... مدْعُو بشمسِ الدين ذي الإتقانِ
وعلىِ نقيبِ دمشقَ مُسنِد عصرِه ... وبأحمدَ السَّامي بحُسْن بَيانِ
وبحمزةٍ ذي الفضل والتأْليف في ... علم الحديثِ وحافظِ القرآنِ
ومحمدِ المدعُو كمالَ الدين مَن ... رحلتْ له الطلابُ من بَغْدانِ
مفتىِّ دارِ العدل ثم مُحِّققِ الْ ... عصِر الحسينِ وفارس المْيدانِ
أعنى محمداً النَّقيِبَ بجلِّقٍ ... ومحمدٍ وهو الكمالُ الثانِي
أعنى نقِيبَ دمشقَ جدى مَن سماَ ... بنصيحةٍ لله في الإعْلانِ
وبوالدي الحَبْرِ الهمام محمدٍ ... من فاق في تحْقيقِه الجُرْجانِي
وهو النقيبُ بجِلِّقٍ أيضاً ولِى ... عِزٌّ بَموْلى عزِّه أسْمانِي
مولاي مَن عزَّ الذليلُ ببابِه السَّ ... امِي مُفيضُ الفضلِ والإحسانِ
مفتى الأنامِ محمدٌ مَن قد رقَى ... بذُراهُ فخراً مذهبَ النُّعمانِ
فردُ الزمانِ وواحدُ العصر الذي ... وافتْ له الفتْوى ولا مِن ثانِ
واللهُ حقَّق ما رجوْتُ بفضلِه ... فالعزُّ عزِّى والزمانُ زماني
واللهَ أرجو أن يديمَ له البقاَ ... ويقِيه من شرِّ الزمان الجانِي
ومحاسن هؤلاء الاخوان، لم يتمتع بمثلها أوان، وأدبهم كنبت الأرض ألوان: فلنصرف عنان الإطاله، ونسلم على السيادة الطاهرة الأصالة.
ولى من فصول الكلام، قصيدة في مدح آل رسول الله ﵊.
وكان سبب إنشائها ذكرى لهؤلاء العصابة وفي ظنى أني قدحت فيها زندالإصابة.
فعن لي أن أذكرها هنا لهذا السبب، وأنا متوسل إليهم بفضل النسب.
والقصيدة هي هذه:
ما ضَرَّه لو كان عَلَّل بالمَنى ... فلقد رضيتُ ولَذَّ لي فيه العَنَا
стр. 178
اليأسُ أقْتل ما يكو لذى الهوى ... فعسى نُداوَى بالمنى ولعلَّنَا
بل ما عليه لو سَخَا بخياله ... فيزورَ في بعض الليالي مَوهِنَا
زُرْ يا خيالُ ودعْ مراقبةَ العِدى ... فلَك الأمانُ لقد تساويْنا ضَنَى
ولقد خفِيتُ عليك فاطلبْ مَضْجعي ... فوسادتي تَهْدِيك أنِّى هاهنَا
أوْلَا فمُرْني أن أزور كزَوْرتي ... والدارُ بالجَرْعاء جامعةٌ لنَا
قل للذي نزل الغَضَا مُتباعِداً ... عنِّي وكان له فؤادي مسكناَ
هذا الغَضا قلبي وسَفْحُ محَاجِري ... يجرى العقِيقُ وذي ضُلوعي مُنْحنَي
ولقد عنَيتُ رشاً تخِذْتُ تولُّعي ... فيه إلى صدقِ الوفاء تديُّنَا
بدرٌ إذا شبَّهتُ باهرَ حسنِه ... بالبدرِ كان الوجهُ منه أحسنَا
نَشْوان من خمرِ الشَّبِيبة والصِّبا ... لحَظاتُه شَرَكُ العقول إذا رَنَا
إن مرَّ بالأغصان خَرَّتْ رُكَّعاً ... لقَوامه أو بالقَنا فضَح القنَا
ما أبْدع الرحمنُ طلْعةَ وجهِه ... إلا ليُودِعها الجمالَ المُمْكِنَا
جسدٌ يسيلُ لطافةً كالماءِ من ... تَرَفٍ أرَقَّ من الحرير وألْيَنَا
ستَر الجمالُ خُدودَه بعوارض ... قتَل النفوسَ بها وأحيْىَ الأعيُنَا
والشمسُ يمنعها اجْتلاها أن تُرَى ... فإذا اكْتستْ غيماً رقيقاً أمْكنَا
نادمْتُه والراحُ يعطِف عِطْفَه ... كالغصنِ يعطِفه النسيمُ إذا انْثنَى
متألِّفَيْن على الصَّبابة والهوى ... مُتَسرْبِليْن ردا الأمانةِ والمنَى
حيث الزمانُ كما نحبُّ وخُلْقُه ... سهلٌ وليس كأهْلِه مُتلوِّنَا
حتى تغيَّر عن حقيقةِ حاله ... وبطبْعِه أعْدَتْه أولاد الزِّنَا
وعفتْ رسوم الودِّ وانْقَشع النَّدَى ... فالعيشُ قَفْرُ الرَّبْعِ مُغْبَرُّ الفِنَا
والدهرُ قد عمَّتْ مواقعُ خَطْبِه ... من لم يكن يجْنِى الذنوبَ ومَن جَنَى
كلٌّ على مِقْدارِه أخْطارُه ... فأحقُّهم بالمجدِ أكثرُهم عَنَا
ما ماسَ في بُرْدِ المعالي ناعماً ... إلا الذي لبِس العَجاجَ الأدْكَنَا
رُوحِي فِدَا نفَرٍ بصبْرهمُ على ... نُوَب النوائبِ أحْرزوا فضلَ الثَّنَا
بلغتْ بهم عَلْياؤُهم رتباً غدا ... منها السناءُ مُفرَّعاً وكذا السَّنَا
وإذا دعا داعٍ بياخَيْرَ الورى ... كلٌّ يقول مرادُ ذا الداعِي أنَا
وإذا العُلَى علِقتْ بغير حبالِهمْ ... رُمِيتْ وحاشاها بمشْنُوِّ الثنَا
لا تقدرُ الفصحاءُ تحصُر فضلَهم ... لو أن ذَرَّ النملِ كانت ألْسُنَا
طالُوا السِّماكَ فمن أراد لَحاقَهمُ ... أوْمَتْ مَساعِيه اليه قِفْ هُنَا
لم تنتج الزَّهْراءُ إلا أزْهراً ... وشرافة الحسنيْن إلاَّ مُحْسِنَا
يا سادتي يا آلَ أحمدَ مدحُكمْ ... فرضاً يَراه مَنُ تسَمَّى مؤمِنَا
أنا قد حُسِبتُ عليكمُ في نِسْبةٍ ... شَرُفتْ وتلك أجلُّ فخرٍ يُقْتَنَى
لا تمْنعوا عنِّي عِنايةَ فضْلِكمْ ... فأنا الفقيرُ وأنتمُ أهلُ الغِنَى
بيت العماد بيت فضل وكرم، دمشق بهم من عهد ذات العماد إِرَم.
بمثل رتبتهم يشمخ الغر النتقاعس، وبمثل طلاقتهم يتنبه الحظ المتناعس، وفي ذلك المجد فليتنافس المتنافس.
فضلهم على الكرام، فضل الحلال على الحرام.
ولهم من المزية على أهل الكمال، مزية الصبا على الجنوب واليمين على الشمال.
هم القومُ حازوا صِفاتِ العُلى ... بحسْن الطباعِ ولطفِ الشِّيَمْ
стр. 179
ودُنْياهمُ طلْعةُ المجْتَلِي ... ودهرُهمُ واضحُ المُبْتَسمْ
ومن حقِّهم شكرُ آلائهمْ ... ومن حقِّ شانيهمُ أن يُذَمّ
شهاب الدين بن عبد الرحمن
" والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها "، " والليل إذا يغشاها ".
لهو جواد استبق فحاز السق، وانطلق فأبعد الطلق.
وشهاب تألق، وشهمٌ قنص وما حلق.
تبلغ حتى لم يبق مطمعا، ولاح فأرى الشمس والبدر معا.
وهو في عيشٍ موافق وزمن معين، وروضة منىً طلة وماءٍ معين.
والجود لا يعطى إلا ببنانه، والدهر لا يسطو إلا بجنانه.
إلا أنه تصرفت به في آخره الأعمال، فقبض على فترة من الآمال.
وله المآثر الغر، يزينها خطٌ أغلى قيمةً من الدر.
فإذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه شهب كلمه.
لم يقعد له بها شيطان مقعدا، إلا وجد له شهاباً رصدا.
فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية بأيدي الصون عن كل قاطف.
وقد وقفت من آثاره على قطع، كأنما الحسن منها مقتطع.
فأثبت منها ما هو سلوة المتعني، وشهدة المتمعني.
ونزهة المتلفظ، وكفاية المتحفظ.
فمنها قوله في الغزل:
برُوحيَ فتَّانٌ بلحْظيه قاتلٌ ... يُرِينا المنايا الحمرَ بالأعْين النُّجْلِ
يميل بقَدٍّ أخْجل الغصنَ والقَنا ... يَجِدُّ على قتل المحبّين بالهَزْلِ
عجبتُ لهذا الحبِّ تُرْضي فعالُه ... وإن هو بعد العزِّ بدّل بالذلِّ
وقوله في دير مران:
أيادَيْر مُرَّانَ سقاكَ غمامُ ... تروح وتَغْدُو غِبَّهُنَّ سلامُ
وحيَّاك من دَيْرٍ وحيَّى معاهداً ... بمَغْناك ما ناح الزمانَ حَمامُ
وقفتُ على رَسْمٍ به راح دارساً ... وقد فاح من عَرْف الرياض خُزامُ
فقلتُ ولي في رَسِيسُ صَبابةٍ ... وفي القلب منِّي لوعةٌ وغرامُ
كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنِيسٌ ولم تُهْرَقْ هناك مُدامُ
والبيت مضمن، وأصله:
كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنِيسٌ ولم يسمُرْ بمكَّة سامرُ
بلى نحن كنا أهْلَها فأبادَنا ... صُروفُ الليالي والجدودُ العواثِرُ
ودير مران معروف بدمشق، بالقرب من الربوة.
وقد تداولت ذكره النبغا، وحسبك من وصفه ما حكاه الثعالبي عن الببغا.
وهو دير قديم، مترنح ساقٍ ونديم.
دير أطل فوق وادٍ نضر، يرضع طفل نوره ثُدِيَّ المطر.
إلا أن الدهر عفى صورة رسمه، ومحا محاسن هيئةٍ كانت روحاً لجسمه.
وكانت به مقاصير كأنها مقاصير جَنة، فأصبحت الآن وهي ملاعب جِنة.
فقد عميت أخبار قطانه، ودثرت آثار أوطانه.
من وهى بنائه، وسكن الحوادث بفنائه.
وقفتْ عليه السُّحْبُ وَقْفةَ راحمٍ ... فبَكتْ له بعيونِها وقلوبِها
وهو أحد الديارات المذكورة في الشعر القديم.
قال فيه الخليع:
يا دَيْرَ مُرَّانَ لا عُرِّيتُ من سكَنٍ ... قد هجْتَ لي شَجَناً يا ديرَ مُرَّانَا
سَقْياً ورَعْيا لمُرَانٍ وساكنِه ... يا حبَّذا قاطنٌ بالديْر مَن كانَا
حُثّض المُدامَ فإنَّ الكأسَ مُتْرعةً ... مما يهِيجُ دواعِي الشوقِ أحْيانا
وحيت أنساق الكلام إلى الديارات، فلنذكر مشاهيرها على طريق الاختصار؛ فإن لها تعلقاً بما نحن فيه.
فمنها: دير القائم الأقصى، على شاطئ الفرات، بطريق الرقة.
يقول فيه هاشم بن محمد الخزاعي:
بدَيْر القائم الآقْصَى ... غزالٌ شادِنٌ أحْوَى
بَرَى حبِّي له جسمي ... ولا يدْرِي بما ألْقَى
وأُخفي حبَّه جُهْدِي ... ولا والّلهِ لا يخْفَى
ومنها: دير زكا؛ موضعان.
قال أبو الفرج: دير زكا بالرها.
وقال الخالدي والشابشتي: دير زكا من ناحية البليخ.
قال الرشيد:
غزال مَرابُعه بالبليخِ ... إلى ديْر زَكَّا فجسرِ الخَربْ
ومنها: دير عبدون، وهو بظاهر المطيرة، ببغداد.
يقول فيه ابن المعتز:
стр. 180
سقى المَطِيرةَ ذاتَ الظلِّ والشجرِ ... ودَيْر عَبْدون هطَّالٌ من المطرِ
وقال ياقوت، في المشترك: دير عبدون موضعان: أحدهما بسر من رأى، إلى جانب المطيرة، من نواحي بغداد، سمي بعبدون أخي صاعد بن مخلد، وزير المعتمد على الله، كان كثير التردد إليه والمقام به.
ودير عبدون قرب جزيرة ابن عمر، يليهما دجلة، وقد خرب، وكان من منتزهات الجزيرة.
والمطيرة، كسفينة: قرية بنواحي سر من رأى، والصواب المطرية، لأنه بناها مطر بن فزارة الخارجي.
ومنها: دير مارت مريم، وهو دير قديم من ديارات، الشام الأولية.
يقول فيه ابن هرمز:
نعمَ المحلُّ لمن يسْعَى للَذَّتهِ ... دَيرٌ لمريمَ فوق الظهرِ معمورُ
ظِلّ ظليلٌ وماء غيرُ ذِي أسَنٍ ... وقاصراتٌ كأمْثال الدُّمَى حُورُ
وزاد في " المشترك " ثانياً بنواحي الحيرة، من بناء آل المنذر بين الخورنق والسدير.
وثالثاً، قال الشابشتي: دير أتريب بمصر، يقال له دير مارت مريم.
ومنها: دير مرجرجس، كان بالمزرفة بينه وبين بغداد أربعة فراسخ، وكان من منتزهات بغداد.
وآخر بين بلد وجزيرة ابن عمر، على ثلاثة فراسخ من بلد، على جبل يظهر للرائي من فراسخ عدة.
ومنها: دير العذارى، وهو بسر من رأى.
يقول فيه جحظة البرمكي:
ألا هل إلى دَيْر العَذَارَى ونظْرةٍ ... إلى مَن به قبل المماتِ سبيلُ
وقا ياقوت: دير العذارى ثلاثة مواضع؛ أحدها بين أرض الموصل وبين باجرما من أعمال الرقة، وهو دير قديم، كان به نساء مترهبات، وبذلك سمي.
ودير العذاراى بقرب سر من رأى.
ودير العذارى، موضع بظاهر حلب، فيه أكثر بساتينها.
ومنها: دير سمعان؛ أربعة مواضع.
وسمعان هو شمعون الصفا، من الحواريين، وله ديرة كثيرة.
والذي اشتهر هذه.
أحدها في غوطة دمشق، وفيه دفن عمر بن عبد العزيز في الصحيح من الأخبار، ولا يعرف الآن.
ودير سمعان، من نواحي أنطاكية، دير كبير كالمدينة.
ودير سمعان، قرب المعرة، يقال: فيه قبر عمر بن عبد العزيز. والأول أصح.
ودير سمعان، من نواحي حلب، بين جبل بني عليم والجبل الأعلى.
ومنها: دير هند؛ موضعان، وهما بالحيرة، يقال لأحدهما دير هند الكبرى. والآخر دير هند الصغرى.
فأما هند الكبرى فهي بنت الحارث بن عمرو، آكل المرار، وهي أم عمرو بن هند، بنته بظاهر الحيرة، وترهبت به.
وأما هند الصغرى فهي بنت النعمان بن المنذر، المعروفة بالحرقة، صاحبة القصتين مع خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة.
ومن شعر المترجم، ما كتبه لبعض أحبابه، في صدر رسالة:
سلامٌ على من في الفؤادِ وِدادُه ... وإن غاب عن طَرْفي فما غاب عن قلبي
وإنِّي وإن غبتمْ وبِنْتُم عن الحمَى ... فحبِّي لكم يزداد في البعد والقربِ
وكتب إلى والدي، في صدر رسالة أرسلها إليه، وهو بالروم، تتضمن عتاباً، وكان عزل عن الفتيا:
أمولايَ فضلَ الّلهِ دام لك الفضلُ ... ودمتَ به تزْهو وأنت له أهلُ
يبعِّد مني القلب ما عجَّ لَغْوُه ... بجِلِّق حتى مَجَّهُ العقْلُ والنَّقْلُ
فلا تغْضَبنْ إن الشِّهابَ لَواثِقٌ ... برُكْن عمادٍ شَادَهُ المجدُ والفضلُ
وأنت لأدْرَى بي وداداً وخُلَّةً ... وأنْ لَيْس يلْوِي القلبَ عن حُبِّكمْ عَذْلُ
فقلْبِيَ قلبِي مثلُ ما قد عهِدْتَه ... وقلبُك فيما أدَّعِي شاهدٌ عَدْلُ
فكتب والدي، رحمه الله تعالى، إليه: ورد علي كتاب، ذلك الجناب.
لا زالت شهب الآفاق هدايةً لأصفيائه، ورجوماً لشياطين أعدائه.
فاستدعى شكري وحمدي، واستفرغ في الثناء على مرسله عهدي، واستخلص في الصفا ما عندي.
فكأنما استمليت معانيه مما عندي، واشتملت على حقائق دقائق قصدي.
فرتع ناظري منه في روضٍ أريض، وحظيت من الانتعاش بوروده بما يحظى به المريض، لو لقي بيمينه منشور العمر الطويل العريض، بعد ما حال الجريض، دون القريض.
وإني وإن بلغت غاية الاجتهاد، في أداء بعض ما يوجب الخلوص والاتحاد، من نشر طيب الثناء في كل ناد، ورفع لواء الولا على رؤوس الأشهاد.
стр. 181
وربما انعكس ذلك إلى المسامع، لكن على كل خير مانع.
فقد تجري الرياح، بما لا تشتهي الملاح.
فإن تكُ قد عُزلْتَ فلا عجيبٌ ... ضياءُ الشمس يمْحوهُ الظلامُ
ويعز علي أن أنظر إلى ذلك الصدر، وقد جلس فيه غير ذلك البدر.
وإني لأستحي لعيني أن أفتحها على الصغير، وقد جلس مجلس الكبير.
فإني لذلك ضيق ساحة الصدر، قريب غور الصبر.
كثير المباراة، قليل المداراة.
فما أسرع الأيام على الكريم فيما يضره، وعلى اللئيم فيما يسره.
فترفع كل وغد خسيس، وتخفض كل حرٍ نفيس.
وكالبحر يسفل فيه الجواهر اللطيفة، وتطفو فوقه الجيفة.
وكالميزان يدفع من الكفة ما يميل إلى الخفة ويخفض ما يفي بالرجحان، ويبعد من النقصان.
لولا الحظُوظُ التي في عقلِها بَلَهٌ ... لما علاَ الشمسَ بَهْرامٌ ولا زُحَلُ
ولا بدع، فهي علامة، على قيام القيامة.
وهذا الخروج، مقدمة يأجوج ومأجوج.
يا ضَيْعةَ الأعمارِ في طلبِ العلى ... بالعلمِ والنَّسب الذي بالشِّينِ
ولا غرو، فهي للدهر شيمةٌ مألوفة، وسجية في الكرام معروفة.
على أن المنصب بصاحبه، والمركب براكبه.
فالصغير منه بالكبير كبير، والكبير منه بالصغير صغير.
أنت الكبيرُ الذي لا العزْلُ ينْقُصُه ... قدراً ولا المنصب العالي يُشرِّفُهُ
ووقفت له على تحريرة كتبها على بيت المتنبي:
وكذا الكريمُ إذا أقام ببلدةٍ ... سال النُّضارُ بها وقام الماءُ
قال فيها: المفهوم من كلام الواحدي، أنه اختار كون قوله " وقام الماء " معطوفاً على الجزاء، أعني " سال "؛ فيكون داخلا تحت الشرط؛ ليتم التشبيه في خرق العادة في كلا الأمرين، ويظهر وجه الاتصال في البيتين كما قرره.
ولا شك أن المعطوف على الجزاء جزاء، فيحتاج حينئذ إلى بيان وجه لزوم الجزاء للشرط وتسببه عنه.
والذي يظهر في وجهه، أن معنى " قام الماء " أن الماء جمد تحيراً وخجلا واستعظاما؛ لما رأى عظيم سخائه، وشاهد عميم جوده وعطائه.
وقد صرح بتفسير ذلك في البيت الذي بعده حتى صار جلياً، بحيث يصلح أن يكون استئنافياً بيانياً، أعني قوله:
جَمد القطار ولو رأتْه كما رأى ... بُهِتتْ فلم تتَبَجَّسِ الأنْواءُ
إذ الضمير في قوله: " كما رأى " يعود إلى القطار.
والمراد بالقطار، هو الماء المذكور في البيت الذي قبله، كما لا يخفى، وإلا لم تظهر المناسبة والاتصال.
هذا ما خطر بالبال.
وأما ما استفدناه من تجويز كون الواو للحال، فذلك الوجه الوجيه، تنحسم به مادة الإشكال، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
ومن عجيب الاتفاق أنه وقع ما هو قريب من هذا الاستشهاد في تفسير بيت عويص، عرض من هذه القصيدة على سبيل الاستطراد، وهو قوله:
لا تكثُر الأموات كثرة قِلَّة ... إلا إذا شقِيتْ بك الأحياءُ
محصل ما حكاه الواحدي، من كلام ابن جني، في تفسير البيت، أنه على حذف مضاف، تقديره " شقيت بفقدك ".
والمعنى، أنه لا تصير الأموات أكثر من الأحياء إلا إذا مت.
واستبعد الواحدي أن أحداً يخاطب ممدوحه بمثل هذا.
ومحصل ما ذكره الواحدي، في معنى البيت، أنه أراد بالأموات القتلى، وتقدير المضاف المحذوف شقيت بفضلك وقتلك إياهم.
والمعنى، إذا غضبت على الأحياء، زادت الأموات بمن ينقصهم قتلك من الأحياء.
وفي كل من الوجهين تعسف لا يخفى، ولكن يشهد لقول ابن جني حكاية أبي عمر السلمي، قال: عدت أبا علي الأوراجي ممدوح المتنبي، في علته التي مات فيها بمصر، فأنشدني قوله فيه: " لا تكثر الأموات " إلخ، ثم لم يزل يكرره ويبكي حتى مات.
وروى السلمي في حكايته: " فجعت " مكان " شقيت ".
ويشهد لقول الواحدي، البيت الذي بعده، فإنه مناسب للمعنى الذي ذكره.
ثم يساعد الأول، معاني الأبيات التي قبله، من وصف عموم كرمه وإحسانه للناس، فناسب أنهم يشقون بفقده، ويكادون يموتون من بعده. فليتأمل.
وقال الواحدي، في تفسير قوله: " كثرة قلة "، أي: كثرة في الأموات تحصل عن قلة الأحياء.
ولا يخفى ما في هذا المعنى من كثرة السماجة، وقلة الجدوى، وتحصيل الحاصل، من غير دليل يدل على أن كثرة الأموات مضافة إلى قلة غيرهم.
стр. 182
ولو أريد بالقلة العدم، كما هو شائع واقع في الكلام الفصيح، لكان أقرب، إذ كثرة الأموات في الحقيقة عدمٌ محض، وصح ذلك على كل من قولي ابن جني والواحدي.
ولو أريد بالقلة الإقلال، وقلة الجدوى، كما يقال: مات فلان من القلة، أي الفقر، بمعنى أنهم ماتوا من الإقلال حين انقطعت عنهم مكارمه، لأمكن أيضاً.
وهذا الوجه إنما يجري على قول ابن جني، ولا بعد في ذلك، إذ الظاهر أن خطاب الممدوح بمثل ذلك لم يكن مستهجنا عند المتقدمين؛ لظهور حقيقة تيقن الموت، ألا ترى إلى قول أبي نواس، في آخر قصيدته التي قالها في تهنئة جعفر البرمكي:
سلامٌ على الدنيا إذا ما فُقِدتمُ ... بَنِي بَرْمَكٍ من رائحين وغادِ
وقوله:
إنما الدنيا حُمَيدٌ ... وأياديه الجسامُ
فإذا ولَّى حُمَيدٌ ... فعلى الدنيا السلامُ
لا سيما إذا كان الممدوح من الأعيان، ولم يكن بذي سلطان. انتهى.
أخوه إبراهيم
هذا الجناب الأفضل، والمحل الأمرع الأخضل.
مكان القول فيه ذو سعة، والألسنة كلها على مدحه مجتمعة.
فمن يتقدم فليقل ما شاء في وصف شمائله، وحق على المدح أن يتباهى بمخائل خمائله.
وحسبك من امرئٍ لم تر له ذاماً ولا شانيا، ولا ذاكرا يعلم الله أن له في الفضل ثانيا.
فقد جمع إلى كرم أصله، أعظم مزية من باهر فضله.
فقضى الحق الواجب عليه، واستدعى حيازة التفضيل بالحجة إليه.
فالدر ينثر من يديه وفيه، والخير مجموعٌ لديه وفيه.
وهو ريان من كل فن، سمح من غير تبجحٍ ومن.
مجلسه يأرج أرج الزهر، وسماحه يفيض فيض النهر.
وعينه في اكتساب المحامد ممنوعة السنات، وصحيفة وجهه كلها قربات وحسنات.
وهو وحيد الدهر في الأدب وفريده، وألمعيه الذي وفى البلاغة كل ما تريده.
ببنان قد قبض على أزمة البيان، ولسان قد امتطى صهوة الإحسان.
وله من النظم بدع جلائل، إلا أنها في العدد قلائل.
والنجوم أجلها أعلاها، والمعادن أقلها أغلاها.
فمن شعره قوله.
إن يكن زاد في الحسانِ جمالٌ ... أكَّد الحسن فيهمُ تأكيدَا
فلقد أسَّس العذارُ بخدَّي ... مُنْيَتِي رَوْنقاً ولطفا مَزِيدَا
وهْو عَمْرِي لا شك أزْهَى وأبهى ... حيْثُما قد أفاد معنىً جديداً
وقوله:
يا مليحاً قد حاز كلَّ الجمالِ ... وحبِيباَ تفْديه رُوحي ومالِي
كلما زدْتُ في هواك غراماً ... قلَّ صبْري وزاد فيك انْتحالِي
آهِ من حسنِ مَبْسمٍ لك كالدُّ ... رِّ ولحظٍ يَرْوِي عن الغزَّالِي
جُدْ لعبدٍ غدا قتيلَ عيونٍ ... قد رمْته لحاظُها بِنبالِ
لك خَصُرٌ قد صار مثلي نحيلاً ... حمَّلته الأرْدافُ ثُقْلَ الجبالِ
لك وجْه قد أخجل الشمسَ نوراً ... لك جِيدٌ قد فاق جِيدَ الغزالِ
لك قدٌّ كالرمح يهْتزُّ تِيهاً ... قد رماني بأسْمَرٍ عسَّالِ
فترفَقْ بعبدِ رِقٍّ عميدٍ ... قد غدا في هواك رَقَّ الخلالِ
نحلتْه الأسقامُ شوقاً ووجداً ... فغدا جسمُه من السُّقمِ بالِي
كلّ ما مَرَّ شَرْحُه بعضُ حالي ... وهو عندي إن كان يُرْضيك حالِي
وقوله من قصيدة، أولها:
ما رياضٌ حِيكتْ بأيْدِي الغمامِ ... باكَرَتْها بصَوْب مُزْنٍ هامِي
عَلَّها وابلُ الحيَا بعد نَهْلٍ ... فأماطت عن ثَغْرها البَسَّامِ
وتحلَّت بنُورِ نَوْرٍ نضيرٍ ... من عَرارٍ ونرجِسٍ وبَشامِ
فعليلُ النسيم مِنها إذا هبَّ ... كَفيلٌ بصحةِ الأجسامِ
فهْي نوراً كبهجة الشمس حسناً ... وهْيَ لطفاً كالبُرْء للأسقامِ
كمُحيَّا الأستاذ مولاي يحيى ... دام يَحْيا على مدى الأيَّامِ
وكتب إلى والدي، وهما بدار الخلافة، قوله:
إليك أخي نصيحةَ ذي اخْتبارِ ... له حزمٌ وزَنْدٌ فيه وارِي
إذا جار الزمانُ وكلُّ دهرٍ ... على أحرارِه في الجَوْر جارِي
стр. 183
وأكْسَبك اغْتراباً وانتزاحاً ... فكُن متغرِّبا في أسْكدارِ
ترى فيه ظباءً سانحاتٍ ... بألحاظٍ يَصِدْنَ بها الضَّوارِي
وطوراً تلتقي غصناً رطيباً ... علاه حَدِيقة من جُلَّنارِ
فقَضِّ العمرَ فيها في سرورٍ ... وصِلْ ليلَ التَّواصُلِ بالنهارِ
وخَلِّ الأهْلَ عنك وقلْ سلامٌ ... على الأوطانِ منِّي والديارِ
فراجعه بقوله:
أتتْك نصيحة من ربِّ فضلٍ ... إمامٍ في الفضائل والفخارِ
له في كل علمٍ طِيبُ مَجْنىً ... وفضلٌ زَانه كَرَمُ النِّجارِ
ونظمٌ يُعْجِز البلغاءَ لفظاً ... ونثرٌ كاللآلي والدراري
يقول وقولُه لا شكَّ صدقٌ ... عليك إذا اغْتربتَ بأسْكدارِ
نعم هي جَنَّةٌ حُفَّتْ بحُورٍ ... ووِلدانٍ حَلَتْ شمسَ النهارِ
ولكن لم أجدْ فيها خليلاً ... يُعِين أخا الغرامِ على اصْطبارِ
يساعدني على كَلَفِي بريمٍ ... يُعذِّب عاشِقيه بالنِّفارِ
له لحظٌ يصولُ به دلالاً ... فيفْتِنُ رَبَّ نُسْكٍ ذا وقارِ
وقدٌّ إن تثنَّى فهْو غُصنٌ ... يُحرِّك من هوى نائِي الديارِ
فمالي والقَرار بها وأنَّى ... يطيبُ ليَ القرارُ بلا قرَارِ
قضاءٌ من إلهي ليسَ يجْري ... على قدرِ الإرادة باخْتيارِي
وطلب من والدي تأليفه " الرحلة الرومية "، فبعثه إليه، وكتب معه:
تبسَّم عن ثغْرِ الأقاحِي لِثامُها ... وغنَّتْ على الأفْنان صُبْحاً حمامُها
وغرَّدتِ الأطيارُ من بهجةِ الرُّبَى ... فمالتْ لها الأغضانُ وهْو سلامُها
وحيَّتْ بخَدٍّ كالشقيق مُورَّدٍ ... ورقَّةِ خَصْر لان منه قَوامُها
فأحْيَتْ عليلاً طال وقتُ انْتظارِه ... ووافتْ فَوافَى بالصباح ابْتسامُها
تقلَّدت الزُّهْرَ الدَّرارِي كأن من ... ثنايَ على ربِّ المعالي نظامُها
هُمامٌ أطاعتْه يَراعُ بَراعة ... يُراعُ مُعادِيها ويُرْعَى ذِمامُها
فحضْرتُه العَلْيا إذا انْحطَّ قدْرها ... غدا فوق فِرْقِ الفَرْقَديْن مَقامُها
وهابِنْتُ فكرٍ قد أتتْ نحو بابِكمْ ... بغير يديْكم لم يُفَضَّ خِتامُها
وصُحْبتُها منِّي الدعاءُ ورحْلتي ... تُشرَّف بالأنْظار وهْو مَرامُها
وها هي قد جاءتْك تشْكو من الظَّما ... بأدْنى ابْتسامٍ منك يُرْوَى أَوامُها
فما القلبُ يصفُو إذ تزيد همومُه ... ولا الشمسَ تَبْدو إذ يُحيط غَمامُها
فلا زلْتَ تبْقى كلما رنَّحَ الصَّبا ... غصوناً وقد غنَّى عليها حَمامُها
مدَى الدهرِ ما أهْدَى لبِيبٌ رسالةً ... لرَوْضة فضلٍ فاح منها بَشَامُها
فأجابه بقوله:
أروضةُ زهرٍ جاد سَحًّا غَمامُها ... فأهْدَى لنا نَشْرَ العبير خُزامُها
أم الرَّاحُ في الأقْداحِ لاحتْ فأسْكرتْ ... فؤادي ولمَّا فُضَّ منها خِتامُها
تطوف بها ذاتُ الوشاح خَرِيدةٌ ... يروقُك مَرْآها ويحلو كلامُها
مريضةُ أجفانِ اللِّحاظ سليمةٌ ... وما صحةُ الأجْفان إلاَّ سَقامُها
مُثقَّلةُ الأرْدافِ خَفَّ وِشاحُها ... مُرنَّحةُ الأعطافِ لَدْنٌ قَوامُها
مُضمَّنَةٌ من ذِي وفاءٍ قَصيدةً ... بليغةَ ألفاظٍ بديعٌ نِظامُها
أخي فِطْنةٍ رقَّتْ وراقتْ عذوبةً ... فلله منها لُطْفُها وانْسجامُها
أطاعتْه أبْكارُ المعاني وعُونُها ... بفضلٍ فأضْحَى في يديْه زِمامُها
وذلك فضلُ الّله يُؤتيه مَن يشا ... ويمْنحه نفساً عزيزاً مَرامُها
стр. 184
تُحاول منِّي أن أرُدَّ جوابَها ... وفِكْرتيَ اسْتولى عليها قَتامُها
وقد لعبتْ أيْدي المشيب، بمَفْرقِي ... وتوَّجَنِي دُرًّا يسوءُ انْتظامُها
رعى الّلهُ أيامَ الشبابِ وعهدَه ... وأوقاتَ أُنْسٍ ليت عمريَ عامُها
وحيَّى لُيَيْلاتٍ مضتْ وتصرَّمتْ ... لياليَ أُنْسٍ كان صُبحاً ظلامُها
يغازلني فيها أغُّن مهَفْهَفٌ ... لواحظُه وسْطَ الفؤاد سهامُها
وبِتُّ يُعاطيني كؤوسَ حديثهِ ... فلله من خمْرٍ حلالٍ حَرامُها
وطوراً يُحيِّيني بوردةِ خدِّه ... وآونةً من خمر فيه مُدامُها
فرِيقتُه نَفْسُ الشَّمولِ وثغْرُه ... حَبابٌ لها يطْفو ومن فيه جَامُها
وقد عِفْتُ أبيات القريضِ ونظْمَه ... وقُوِّض من بين الفؤاد خيامُها
ولكن بحمْد الله جادتْ قريحتي ... وما خلتُ يوماً أن تجود جَهامها
فدونكَها يا ابن الكرامِ بديعةً ... تؤُمُّ ذَرَى نادِيك يُهْدَى سلامُها
ودُمْ وابْق ما أنْشأ بليغٌ قصيدةً ... تضوَّعَ مِسْكاً بالثَّناء خِتامُها
فضل الله بن شهاب الدين
الفضل التام له منه جله، والحسن للناس بعضه وله كله.
والزيادة من فضل الله لا تنتهي، والنعم لديه منها ما يشتهي
وقد ولد في طالع عنه الإقبال يترجم، فكاد يقضي له بالسعد من لم يكن ينجم.
والحر تكفيه عن تنجيم وتقويم، تسنحة خُلُق وخَلْق له في أحسن تقويم.
فاقترن باليمن باستهلاله، حتى كأن نونه خطت من هلاله.
فودت الجوزاء لو كانت قلادة تراقيه، والزهرة لو غدت عوض ذؤابته التي تراقيه.
ونشأ في نعمة تتملى اقتبالا، وكرامةٍ تسبغ سربالا.
ووقاية الله تحفظه، وعيون الألطاف تحفه وتلحظه.
حتى جمع أريحية الشباب، ونجابة الكهول، وحل من الفضل المحل السامي والمربع المأهول.
وتقدم إلى دقائق العلوم فتغلغل في شعابها، وتميز على نظرائه بحل رموزها وتسهيل صعابها.
وهذه دعوةٌ شاهدها من كان مثلي برياً من الريب، ولست أخبر عن الموتى ولا أستشهد الغيب.
وقد بلغني من بدائع فكره المتلهب الوقد، وروائع شعره الخالي من التكلف والنقد.
ما تتناثر على مذهباته الدرر، وتتكاثر على محاسنه الغرر.
فمن ذلك قوله:
مُذْ مال خرَّتْ له الأغصانُ ساجدةً ... خُوط به من رحيق الثغرِ إسْكارُ
حَطَّ اللِّثام فغاب البدرُ من خَجَلٍ ... وقد بدا في الدُّجَى للصبح إسْفارُ
أضحى كجسمى منه الخَصْر ليس يُرَى ... ومَنْطقَتْه من العشاق أبْصارُ
وِشاحُه مثلُ قلبي خافقٌ أبداً ... ولَحْظُه الفاتك الفتَّانُ سَحَّارُ
كأنَّما شعرُه في خالِ وجْنتِه ... دخانُ قطعةِ نَدٍّ تحتها نارُ
قلت هذه القطعة قطعة عمادية، والقول بأنها تماثل نزعة عنادية.
ولابن سناء الملك فيما يشبه هذا التشبيه، وإن لم يكن منه:
سمراءُ قد أزرتْ بكلِّ أسمرٍ ... بلَوْنها ولِينها وقَدِّهَا
أنفاسُها دخانُ نَدِّ خالِها ... وريقُها من ماء وردِ خدِّهَا
وأقرب منه قول السيد محمد العرضي:
على وجَناتِه خالٌ عليه ... تبدَّتْ شعرةٌ زادتْه لطفَا
كقطعةِ عنْبرٍ من فوق نارٍ ... بدَا منها دخانٌ طاب عَرْفَا
ومثله للسيد باكير بن النقيب:
في خدِّه القانِي المضَرَّجِ شامةٌ ... قد زِيد بالشَّعرات باهرُ شأنِهَا
كلهِيبِ جمْرٍ تحت قطعةِ عنبرٍ ... قد أُوقِدتْ فبدا ذَكِيُّ دُخانِهَا
وله:
ومُدير لنا المُدام بكأسٍ ... مثل عِقْدٍ حَبابُه منْظومُ
هو بدرٌ وفي اليمين هلالٌ ... فيه شمسٌ وقد علتْها النجومُ
من دنَا دَنَّه يشمُّ عبيراً ... من شَذاه رحيقُه مختومُ
حَيِّ يا صاحِ بالفلاح عليها ... واصْطحِبْها تنْفكُّ عنك الهمومُ
стр. 185
ودعِ العمرَ ينْقضي بالتَّصابِي ... وكذاك الوُشاةَ دعْهُم يلومُوا
قوله: هو بدر، إلى آخر البيت، قد أحسن فيه، لكن تشبيه الكأس بالهلال محل نظر، والمتعارف تشبيهه بالبدر، كما في قول ابن الفارض:
لها البدرُ كأسٌ وهي شمسٌ يُديرُها ... هلاللٌ وكم يبدو إذا مُزِجتْ نَجْمُ
إلا أن يكون قصد الزورق، فإنه شبه به الهلال، كما في قول ابن المعتز:
وانْظُرْ إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثْقلتْه حمولةٌ من عَنْبَرِ
فعكس التشبيه.
ويمكن أن يقال: إنه شبهه بالهلال، بالنظر إلى هيئته، إذا أمسكه الساقي، كما يفعل الأعاجم في مناولة إناء المشروب؛ وذلك أنهم يقبضون بالإبهام والمسبحة على الإناء من فوق، فينستر نصف الكأس بالأصبعين، ويبقى النصف ظاهراً كهيئة الهلال. انتهى.
وله:
ذَممْتُ النَّوَى من قبلُ منِّي جهالةً ... ولم أدْرِ أن البَيْنَ أصلُ شفائِي
فحِبِّيَ لمَّا حازه البعد حازَني ... سَقامٌ فأخْفانِي عن الرُّقباءِ
وصرتُ إذا شاء الزيارةَ زُرْتُه ... ولم ترَني عينٌ لفَرْطِ خَفائِي
أخذه من قول كشاجم:
ومازال يَبْرِي أعْظُمَ الجسم حبُّها ... وينْقُصها حتى لَطُفْنَ عن النَّقْصِ
فقد ذُبْتُ حتى صرتُ إن أنا زرتُها ... أمِنْتُ عليها أن يَرى أهلُها شخصِي
وله:
أطار الهوى مِن جمر خدَّيْه جَذْوةً ... فأصْلَى بها قلبي الذي ضم أضْلُعِي
وصعَّده مِنْ بعد ماقو قد أذاقَهُ ... وقطَّرِهُ من مقلتي دَرَّ أدْمُعِي
أحسن منه قول ابن النبيه:
تعلّمتُ علمَ الكيمياء بحبِّه ... غزالٌ بجسمي ما بعيْنيه من سُقْمِ
فصعَّدتُ أنفاسي وقطَّرتُ أدْمُعي ... فصحَّ من التَّقْطير تصغيرةُ الجسمِ
وللشهاب الخفاجي:
في بُكائِي راحةٌ من شجَنِي ... بعد يأْسٍ من أمانٍ يُطمعُ
فكأن الحزنَ من نار الجوَى ... ذاب حتى اسْتقْطَرتْه الأدْمُعُ
وله:
أيا شاهراً سيْفاً يُشابه لحْظَه ... يصُول به ضَرْباً وموقعُه القلبُ
دعِ السيفَ وانظر نحْو مَنْ رُمْتَ قتْلَه ... فعيْناك كلٌّ منهما صارمٌ عَضْبُ
وله:
دَائِيَ الحبُّ والأماني طبيبي ... والنَّوى والفِراقُ من عُوَّادِي
ودوائي ذكرُ اللِّوَى وسَميري ... ضَيْفُ طيفٍ مُوكَّل بسُهادِي
وله:
بِي ظَبْيُ إنْسٍ لاح في قُرْطُقٍ ... قد فضح الدُّرَّ سنَا ثغْرِه
ما فيه من عيْبٍ سوى أنه ... أشْبَهَ جسمِي بِضنَى خَصْرِه
وله:
تحجَّب البدرُ من غَيْمِ الصدودِ وفي ... ليلٍ من الهجرِ عن مأسورِ ألْفاظِه
ومرَّ يبخلُ حتى بالسلام ترى ... مِنْ خَوْفهِ لَقْط سمعي دُرّ ألْفاظِه
وله:
كأنَّ مَبْدَأَ نَبْت الشَّاربَيْن وقد ... بدا على شفَةٍ شطَّتْ عن الدَّنِفِ
زُبانَيَا عقْرَبَيْ صُدْغَيْه قد حمَتَا ... رحيقَ ريِّقهِ عن رشْفِ مُرْتشِفِ
وله:
فديْتُك رَابني الإعراضُ عنِّي ... ولم أعرفْ له سببتاً وحقِّكْ
سوى أنِّي المقيمُ على وِدادِي ... وأنِّي يا حبيبي عبدُ رِقِّكْ
وله:
إذا زارني ليلاً مَخافةَ عاذلٍ ... وأسْفر وجْهاً صار صبحاً بغُرَّتِهْ
وإن زارني صُبْحاً وأرْخى غدائراً ... على الوجهِ صار الصبحُ ليلاً بطُرَّتِهْ
وله:
وبدرٍ حكَتْه الشمسُ عند شروقِها ... إذا غرُبتْ في فِيه والليلُ سابلُ
إذا ما تثنَّى قَدُّه وَسْطَ روضةٍ ... تخِرُّ له الهِيفُ الغصونُ الموائلُ
وله:
لمَّا غدا جِيدُك الحالي بعِقْدِك من ... قلائدٍ وعقودٍ عاطلَ الْخالِ
دمِي تقلَّده ظلْماً ألسْتَ ترى ... نَقْطاً عليه دمى سَمُّوه بالْخالِ
وله:
ودَّعَني مَن نواهُ أوْدَعنِي ... شَوْقاً يزيد الفؤادَ نِيرانَا
стр. 186
وقال لي والبكاءُ يغلُبه ... ياليت يومَ الفِراق لا كانا
؟ علي بن إبراهيم
هو الآن في الحضرة الخضرة، متعين في نظرائه بالمعالي النضرة.
فيكاد يشير إليه، من يغمض عينيه.
ومن أراد أن يكون السعد من خدمه، فليضع قدمه مكان قدمه.
فالإقبال كأنما خلق لأجله، واليمن في مواطئه بخيله ورجله.
وهناك جدٌ لو كان بظبة صارمٍ ما نبا غراره، وبشرٌ لو سال بصفحة البدر ما خيف سراره.
وأنا إذا جئت أصفه، ولا أقدر أني أنصفه.
قلت: أعلى الله مكانه، وشيد في أفق النباهة أركانه.
فما زال الأمن يواصل هدوه، والجذل يصاحب رواحه وغدوه.
وله السلامة التي يهنأ بها ويحيى، والدنيا التي لم تزل غضة العهد طلقة المحيا.
وله عندي وراء ذلك ثناءٌ بريءٌ من الكلف، وامتداحً لو ناله البدر لانجلى عنه الكلف.
وهو في الفضل كأبيه وجده، وإذا قيس بهما فقد انتهى لأقصى حده.
وأما أدبه فقد حل من البراعة مكاناً عالياً، وهمى ودقه على ربى الإجادة وسماً وولياً.
فإذا جال يراعه، ملأ القرطاس بلاغةً وبراعة.
وإذا وشى الصحائف من حبائر بديهته وإملائه، فكأنما أفاض عليها من أنواره ولألائه.
وقد أثبت له ما يبهج الأدب ويزينه، وإذا وزن به الشعر رجحت موازينه.
فمنه قوله، فيما كتبه إلى الأستاذ زين العابدين الصديقي، يستدعيه لدمشق:
قد أُلْبِس الروضُ أنواعاً من الحِبَرِ ... وتُوِّج الغصنُ إكْليلاً من الزَّهَرِ
ومدَّت الأرضُ وسطَ الروضِ حاشيةً ... من الزُّمُرُّدِ في مُسْتَنْزَهٍ نَضِرِ
وقام كلُّ خطيبٍ في الرياضِ شَدَا ... بلحْنِ مَعْبَد وقْعَ النَّايِ والوترِ
وفاح نَشْرُ عَبيرٍ في دمشقَ غدا ... يغني بطِيبِ شَذا من عَنْبَرٍ عَطِرِ
كأن عطرَ غَوانٍ قد ضَمَخْنَ به ... أتتْ به من نُحورٍ نَسْمةُ السَّحَرِ
وراقبتْ فُرْصةَ الإغْفاءِ فانْغَلَستْ ... كالسحرِ بين مقر الجَفْنِ والشَّعَرِ
فاستبْضعتْ كلَّ لُطْفٍ مَعْ لَطافتِها ... واستصْبحتْ كلَّ عَرْفٍ طَيِّب الأثرِ
فقُمْتُ أنْشَق رَيَّاها وقلتُ لها ... جُودِي عليَّ فإني لاتَ مُصْطَبَرِي
وخبِّريني أهذا العَرْفُ منْشأُه ... عن طِيبِ مَخْبرِ أم عن طَيِّب الخبرِ
قالت أعندك من هذا النَّباءِ أما ... كفاك رَوْنَقُ هذا العام من خَبَر
فالشامُ شامِيَّةٌ والأرضُ نامِيةٌ ... والسحبُ هامِيةٌ بالطَّلِّ والمطرِ
من أجلِ أنَّ إمام الوقتِ أعْنِ به ... زَيْنَ الأنامِ وكهْفَ البدوِ والحضَرِ
ذاك الهُمامُ الذي بالمجدِ قد بهرَتْ ... آياتُ مَحْتَدِه السامي على الزُّهُرِ
وابنُ الإمام الذي ما مثلُه أحدٌ ... إذْ كان في الغارِ ثاني سيِّد البشرِ
يرومُ جِلِّقَ قَصْداً أن يشرِّفَها ... بالبشْرِ منه فتُضْحِي نُزهةَ النَّظرِ
فقلتُ أهلاً بما أدَّيْتِ مِن نَبَأٍ ... أوْدعْتِ في السمع منه أنْضرَ الدُّرَرِ
وصِرتُ ألثَمُ فَاها فرحةً وهوىً ... ومَنْطِقاً وِرْدُهُ أحْلَى من الصَّدَرِ
فأنْجِزِ الوعدَ لُطْفاً منك سيِّدَنا ... فالشامُ إن جُزْتَ صِينتْ عن يَدِ الغَيرِ
فأعْيُن الزهرِ وَسْطَ الروضِ شاخصةٌ ... لكي اراك فتحْظَى منك بالبَصرِ
ومن بدائعه قوله:
عزَّ هذا العزيزُ في سُلْطانِهْ ... ومضى والمِطالُ أكبرُ شانِهْ
وأرانا من سحْرِ عينيْه هارو ... تَ وماروتَ من شَبا أجْفانِهْ
فاسْتمال القلوبَ نحو مُحَيّاً ... كان سَلْبُ القلوبِ من بُرهانِهْ
وحَبانا من جُلِّ ما نتمنَّى ... من شَذَا وَرْدِه ومن رَيِحانِهْ
وأرانا بَرْقَ الثَّنايا اخْتلاساً ... خَوْفَ واشٍ وحاسدٍ يَريانِهْ
ورأيتُ الفِدامَ في فِيه لمَّا ... لاح فِرْقُ اللَّميَ وضوءُ جُمانِهْ
стр. 187
فشهدتُ المُدامَ في الكونِ طُرّاً ... من لَماهُ والسكرَ في لَمَعانِهْ
وضروبَ الجمالِ قد جُمِّعتْ في ... هِ وفي شكلهِ وفي ألْوانِهْ
قَدُّه كالقضيبِ من فوق رِدْفٍ ... ذِي اهْتزازٍ يمِيسُ في أعكانِهْ
تحت وجهٍ كالروضِ أوْدَع فيه ... كلَّ معنىً يرُوق في إبَّانِهْ
خدُّه كالشَّقِيقِ في اللونِ والصِّبْ ... غُ كآسِ الرِّياضِ في عُنْفُوانِهْ
تحته جِيدُه الذي حَلَّ فيه ... خاله مُخْتَفٍ لجُلِّ مكانِهْ
فافْتَتَنَّا بقامةٍ وبجِيدٍ ... وسبَانا زُمُرُّدِي هِمْيانِهْ
طَرَّ عقلي بُطرَّةٍ شكْل سِينٍ ... بيديْه قد طرَّها وبَنانِهْ
وقوله:
وكأنما المصباحُ وَسْطَ حديقةٍ ... مَحْفوفةٍ بالورد والنَّسْرِينِ
بدرٌ بدا تحت السحابِ أحاطَهُ ... قُزَحٌ بقوْسٍ مُحْكَمِ التَّنْوينِ
أو غادةٌ قد أُلْبِست لبهائِها ... حُلَلَ الجمال بديعةَ التَّلْوينِ
أو شادِنٌ قد خُطّ تحت جبِينهِ ... بالطُّرَّةِ الدَّعْجاء شَكْلُ السِّينِ
وقوله:
باكِر صَبُوحَك مِن فيه مُشَعْشَعةً ... تُضِيء إن رُشِفتْ منه كمِصباحِ
بيْضاءَ مثلُ نهارِ الوصلِ رُؤْيتُها ... وحالةَ الوصْلِ تُكْسَى لونَ تُفَّاحِ
لأن مَنْبِتَ دُرِّ الثَّغْرِ حَانتُها ... ودَنَّها مِن عقيقِ اللونِ وَضَّاحِ
وعاذلٍ قال ما في الرَّاحِ مَعْتَبةٌ ... فاسْتغْن عنها بكاساتٍ وأقْداحِ
فقلت يا جاهلاً في الحبِّ معرفتي ... إليك عنِّي فلا أُصْغِي إلى اللاَّحِي
لا أشربُ الرَّاحَ إلا من مُقُبَلِ مَن ... تقْبيلُ مَبْسمِه أشْهى من الرَّاحِ
وله في العذار:
ما كنتُ أحسَب قبْل نَبْت عِذارِه ... أن العِذارَ لِحُسْنه تأكيدُ
حتى بدَا في خدِّه مُتجعِّداً ... كفِتَيتِ مِسْكٍ لا يلينُ جديدُ
فكأنَّ مُحَمرَّ الخدودِ شقائقٌ ... عن لَثْمِ أفْواهِ الأنامِ تَحيدُ
وكأنَّ مُعوَجَّ العِذار بصُدغِه ... شَرَكٌ لحَبَّاتِ القلوبِ يصيدُ
وله، في البيت الأخير استخدام:
وعاذلٍ قال عَقْربٌ لدَغتْ ... أحْمَدَ نَوْعِ الجمالِ سَيِّدَهُ
قلتُ عجيبٌ لها ما رهِبتْ ... عقربَ صُدْغٍ رأت مُمدَّدَهُ
قالوا رأتْه وأنت تخبره ... ذاك لِلَسْعِ القلوب أرْصَدَهُ
فقلتُ إذْ بَانَ عقربٌ بكمُ ... لما أتتْه رأَتْ تأوُّدَهُ
خافَتْ على قلبها يمزِّقُه ... فزَحْزحَتْه وقبَّلتْ يَدَهُ
وكتبت إليه أستأذنه في التنزه أياماً بقصره، الذي أحاطت به السراء إحاطة النطاق بخصره: سيدي وسندي، أنقذ الله على يديك الخواطر من همومها، وجلى عنها بحسن توجهك غياهب غمومها.
الزمن وما أدراك، لم يبق فيه إدراك.
من نكبات لولا طيش وصالها لاتصلت اتصال الشؤبوب، وصدمات لولا تكسر نصالها لكانت كالرمح أنبوباً على أنبوب.
ولكن ثم نفوسٌ من الفكر طائشة، لا تحسبها إلا من ناهل الحمام عائشة.
فهي تستدعي بعض مألوفاها عن روية، طامعةً في حسوة من الأماني إما قذية أو روية.
وذلك لدفع صائل، لا لتوقع طائل.
وإلا فكلنا يعرف زمانه، ويعلم أن النهوض فيه زمانة.
وقد طلبنا فلم نجد غير قصرك البهي من النوازل مفراً، ولا مثل ساحته للأمن من الغوائل مقراً.
إذ هو القصرالذي أقرت له القصور بالقصور، ولبست منه الشعرى العبور ثوب الغيور.
فعسى ما عز على العيان من لقياك، نستنشق فيه من مواطئك عرف رياك.
فإن أذنت فمثلك منزه عن التغاضي، ومثلنا موله بالتقاضي.
ولك الفضل الذي إذا كشر الدهر عن نابه، تكشف الحوادث عنا به.
والثناء على سجيتك ثناء الروض المونق، على الغدير المغدق.
والسلام على خلقك العاطر، سلام النسيم على الغصن الناضر.
стр. 188
وبقِيتَ في يومٍ أغَرَّ مُبشِّرٍ ... بسعادةٍ غَرَّاءَ تطلعُ في غدِ
لتُقيمَ كلَّ مُؤَوَّدٍ وتُنِيم كُلَّ ... مُسَهَّدٍ وتضمَّ كلَّ مُبَدَّدِ
بيت النابلسي هذا البيت لي فيه نسب، مدلٍ ورب البيت بنشب.
وجدي من قبل الأمهات كبيره إسماعيل ذلك الإمام، والفائق في الإضاءة على البدر التمام.
شيخ التوفيق، وأحق من يدعى بالبر الشفيق.
أحله الله دار القرار، وبوأه منازل الأبرار.
؟؟؟؟ حفيده إسماعيل
سميه وليه، سقاه من الرضا وسميه ووليه.
غرة وجه الدهر، والقمر نصف الشهر.
جرى ففات، واستغرق الصفات.
وأربى على الأكفاء وبرز، وأعلم حلة الفضل وطرز.
فقصر في حلب اليراعة مجاريه، واستشعر فوت الطلب مباريه.
وحاشيته على الدر أقر لها ابن عزمي بانحلال عزمه، واعترف الواني بأنه وانٍ عن لحاقها لعدم حزمه.
فإذا أعمل لسانه وفمه، وأخذ دواته وقلمه.
تجارى يراعه وطبعه، وحدث عن البحر العباب نبعه.
فأبدى خاطره الشمس من الطروس، وأطلع فكره النقا ونفائس الذخائر في سوق العروس.
وتحائفه في الأدب جواهر أصداف، وزواهر أسداف.
أوردت منها دراً يلفظه البحر، فيزين به من المعلومات الغر والصدر والنحر.
فمن ذلك قوله، وكتبه في صدر رسالة لبعض أحبابه:
إن طلبتُمْ أُبْدِي لكم شرحَ حالِي ... فهو أمرٌ يَكلُّ عنه مَقالي
لا تقولوا مُسافرٌ بل مقيمٌ ... كلُّ يومٍ سرورُه في كمالِ
ثم ما قد أصابنَا من رفيقٍ ... وعزيزٍ ومنْبعِ الأفْضالِ
فهْو أمرٌ عجزتُ إذ رُمْتُ أُحْصِى ... منه حالاًفكيف بالأحْوالِ
غير أني قصدتُ من رَقْم هذا ... فهْمَكم حالنا على الإجْمالِ
وكتب أيضاً إلى بعض إخوانه:
إذا قيل أيُّ إمامٍ هُمام ... بليغٍ لقد فاق للْفاضِلِ
غزيرِ النَّوال عزيزِ المثالِ ... شريفِ الخصال وذِي النائلِ
وحَبْرِ الأنامِ وبحرِ الكرامِ ... لخيرٍ يُرام بلا سائلِ
كريمِ الأُصول ومُحْيِي القَبُولِ ... وفضلاً يصولُ على الجاهلِ
أشار إليك جميعُ الأنامِ ... إشارةَ غَرْقَى إلى الساحلِ
أصله ما قاله في كتاب العقد، لابن عبد ربه: أنه وقف بعض الشعراء على عبد الله بن طاهر، فانشده:
إذا قيلَ أيُّ فتىً تعلمون ... أهَشَّ إلى الباسِ والنائِلِ
وأضربَ للْهامِ يومَ الوغَى ... وأطْعمَ في الزمنِ المَاحلِ
أشار إليك جميعُ الأنامِ ... إشارة غَرْقَى إلى الساحلِ
ومن شعره قوله:
لَوَى وجهَه عنِّي على زَعْمِ أنني ... أُداهنُه من أجْلِ أمرٍ أُحاوِلُهْ
فقلتُ له خفِّضْ عليه فإنني ... تكلَّفْتُ هذا الأمرَ ممَّن أُخالِلُهْ
وقوله:
ولو لم يكنْ علْمِي بأنك فاعلُ ... من الخيرِ أضعافَ الذي أنا قائلُ
لما بسطت كفي إليك وسيلةً ... ولا وصلت مني إليك الرسائل
وله هذه الرباعية:
قد أقسم لي لمَّا اعْترانِي الوَلَهُ ... أن يعطِف لي لكنَّه أوَّلَهُ
لا يسمحُ بالوِصال إلا غلَطاً ... في النادرِ والنادرُ لا حكمَ لَهُ
ولده عبد الغني
الورد الروي، والنهج السوي.
خلقه الله للفضل أهلاً، وأشرق به العدى طفلاً وكهلاً.
فترشح للعلى، وتوشح بتلك الحلا.
وما انفصل عن طله الوبل، وكما تعرفه البراعة من بعد تعرفه من قبل.
بحر علم لا يدرك غوره، وفلك فضل على قطب الرجاء دوره.
ولم يقنع بالمجاز عن الحقيقة، حتى تبوأ البحبوحة من تلك الحديقة.
ولديه من المعلومات ما يشق على القلم حشره، ويتعسر على الكلم نشره.
وتآليفه تكاثر السحب المواطر، حشوها فوائد عقلة الأفكار وقيد الخواطر.
وله أشعار أغلبها في الزهد، إلا أنهافي الحلاوة بمثابة الشهد.
وهو ممن نحوت إلى كعبته، ورميت نشاب البراعة من جعبته.
ومضى لي في صحبته حين، لم أنشف به إلا شمامات ورياحين.
стр. 189
أسارع إليه مسارعة موفٍ لا مقرض، وأتعرض إلى خدمته تعرض مقبل لا معرض.
فأستجلى أحاسن المحاسن، وتنقاد لي بدائعه ذلل المراسن.
وقد انقبض حيناً عن الناس، وعد الوحشة من الإيناس.
وانعكف على دواوينه، وكلف بالعلم وأفانينه.
ثم نبه جفنه بعض انتباهة، فطار في أفق الشام بين نزاهة ونباهة.
وسافر ذكره للركبان زادا، كما أقام فضله للوارد عتادا.
وقد ورد القاهرة وأنابها أماطل الشوق وهو غريم، وأطلب فيض الدمع وهو كريم.
فتألفت معه في مجلس الأستاذ زين العابدين لا زالت مطارح أعماله سعيدة، ومطامح آماله قريبة والأكدار عنها بعيدة.
كما تألف الأرى مع القند، ونيطت الكف إلى الزند.
ورويت غلل الشوق من تلك الراح، بما لم يكن في قدره الماء القراح.
وكتبت إليه لما دخل القاهرة:
أهلاً بمولىً للثناءِ أهلُ ... يَفْدِيه منى القومُ والأهلُ
من جَلَّ عن مَثَلٍ ومَن مِثْلُه ... هيهات أن يُلْفَى له مِثْلُ
فضلُ البرايا فيه مُسْتجْمِعٌ ... فكلُّه إن تختبرْ فضلُ
إن ذكرتْ آياتِه فتيةٌ ... راح فَمُ الدهرِ لها يتْلُو
كم طال شوقي وغرامي له ... والدهرُ من عاداته المَطْلُ
حتى قضى اللهُ لنا باللِّقا ... فتمَّ لي من قُرْبِه السُّؤْلُ
وكان لي في فضلِ عِرْفانِه ... عن كل شغلٍ في الورى شُغْلُ
مولاي الذي سار في بروج الفضل مسير الشمس، وقامت فضائله في جسم العالم مقام الحواس الخمس.
لازال في السكون والحركة، موافق اليمن والبركة.
يفرح به كل فطر ينازله، كأنه البدر والدنيا منازله.
ومن شايعه مسعودٌ يومه وغده، وله من العيش أهناه وأرغده.
كتبت هذه الخدمة ولي قلبٌ على شوقك يتقلب، وكما عهدته انقلب إلى غيرك ولو يكون له ألف لولب.
كيف وأنا شعبةٌ من دوحتك، وغصنٌ من سرحتك.
بل نبتٌ سقته أياديك، وزهرٌ تفتح بما أفاضته غواديك.
وكنت قبل أن يسود الدهر منشود عذارى، ويكلفني وقد رأى كلالي إلى بسط أعذاري.
ومشرب العيش لم يخش غصة لومٍ يشرق بها من مسمع الصب ناهله، ومورد الأنس قد صفا عذبه ولكن تكدر من خوف الوشاة مناهله.
وشرف الشام بك شرف الجثمان بالروح، وانتعاشها بأنفاسك انتعاش الغصن بالنسيم المروح.
أستغنى بطرفك عن الثلاث المذهبات، وأستكفى بتحائفك التي علقتها بأذن سمعي عن السبع المذهبات.
إلى ما تناولته من دقائق حقائق، يحمر لها خجلاً في روض مذهب النعمان الشقائق.
وقد ربطت بك جملتي فما أعد سواك وكيف لا، وإني ما أتيت إلا فريضة وآتى جميع الناس إلا تنفلا.
ونظمت من مدحك في جيد الدهر قلائد، يقول البحر من أين أخذ مثل هذه الفوائد.
وكنت أتمنى أساهمك العمر وأشاطرك، على شرط ألا أتصور ما ينفر خاطرك.
فأبى الدهر إلا تشتيتي عنك في البلاد، ولولا هنيئة لقائك لقلت جرعني صاب الفرقة من ساعة الميلاد.
لكني أحمد الله تعالى على أن تداركني مدة غيبتك، بحضور معنىً من شخصك يسليني في الجملة عن رؤيتك.
ثم أردف ذلك ولو بعد تراخٍ في المدة، باجتماع كان النعمة الغير المترقبة والفرج بعد الشدة.
حيث يحمد المغدى والمراح، ولو اقترح على الزمان مطلبٌ كان هو الاقتراح.
فأمتعني الله فيه بمقدمك، وأسعدني بأغلى موطئ قدمك.
فسقيا لوقتٍ جمع بيننا، ورعيا لدهرٍ أزاح بيننا.
ولله بلدٌ موطن منى، وطلاعة أقمار سنا.
ومترنح نعيمٍ وحظٍ، ومتمتع قلب ولحظ.
وأحسبها الآن نافست بفضل الكمال، وكمال الفضل، وستصدر بالأماني والآمال، موفاة بالثناء الجزل، والقول الفصل.
ولها عندي على هذا الجميل ثناء الروض على الغمام، والزهر على الأكمام، والساري على القمر التمام.
ولئِن نَسِيتُ جميلَ مصرٍ بعدها ... طولَ الزمان فلا بلغتُ الشَّامَا
ثم فارق مصر موفر الآمال، ودخل الحجاز مختوماً له بصالح الأعمال.
فالله يقرن التوفيق بسكونه وحركته، وينهضنا إلى ما عرفناه من يمنه وبركته.
وقد اخترت من شعره الرائع التطريز، ونثره الخالص الإبريز.
ما يروق كما راقت ناجمة الحباب، ويشوق كما تشوق أحاديث الأحباب.
فمن قوله في الغزل:
стр. 190
دَبَّ العِذارُ بخَدِّه فتضرَّجا ... رَشاٌ أبان على الشقِيق بَنَفْسجَا
وأمالَه سكرُ الدلالِ فعرْبَدتْ ... لَحظاتُه هيْهات ما أحدٌ نَجَا
رَخْصُ البنانِ أغَنُّ أوْطفُ أحْورٌ ... كالبدر أبْهى من رأيتُ وأبْهجَا
لم يكْفِه دَعَجُ العيون مَلاحةً ... حتى تشَرْبَشَ بالبَها وتتوَّجَا
وتفضَّضتْ وجَناتُه وتذهَّبتْ ... والحسنُ دَمَّج سالِفيْه ودبَّجَا
يختالُ كالغصنِ الرَّطِيب بمَعطِفٍ ... لَدْنٍ أرانا السَّمْهَرِيّ مُعوَّجاَ
ويظَلُّ يكسِر مُقْلتيْه تدلُّلاً ... أين النجاةُ لعاشقٍ أين النَّجَا
ومُعَرْبدِ اللَّحظاتِ حُسْنَه ... فتقيَّدتْ بشُهوده مُقَلُ الرَّجَا
صَلْتُ الجبين بَدَا كبدرٍ زاهرٍ ... يا صاحبَيّ قِفا هنا وتفرَّجاَ
قد ذاب قلبي في هواه صَبابةً ... وبحُسْنه لكَمِينِ شوقى هَيَّجَا
وفنَى اصْطبارِي في الهوى وتجلُّدِى ... والدمُع أمْطر في الجفون وأثْلَجَا
يا أيها القمرُ الذي القمرُ الذي ... من صُدْغِه مَن صُدغُه ليلٌ سجَا
حتَّى مَ يلْحاني عليك سَفاهةً ... مَن ليس يَدرِى ما الهوى وَتبَهْرجَا
جُدْ الوِصال فإنَّ لي بك مَدْخَلاً ... لم يُبْقِ لي عن حُسْنِ وجهك مَخْرَجَا
مَن لي بمن فضَح البدورَ مَلاحةً ... وبطَرْفِه فتن الغزالَ الأدْعَجَا
فاضتْ مياهُ الحسْن في أعطافِه ... والجسمُ أزْبَد فوق رِدْفٍ مَوَّجَا
وقوله:
يا قَدَّه ما أرْشقَكْ ... يا خَدَّه ما أشْرقَكْ
وأنتَ يا ناظرهَ ... جلَّ الذي قد خلقَكْ
تُرسل نحوي أسْهُماً ... هل كان قلبي دَرَقكْ
يا أيها العاذلُ في ... هواه ماذا أطْرَقكْ
أفْحَشْتَ في لَوْمِك لي ... أكْثرتَ فينا حَنَقَكْ
تحُوم حول حُسْنِه ... ما تخْتشِى أن يحرقَكْ
بالّله قِفْ يا أمَليِ ... إنَّ فؤادي علِقَكْ
ومِلْ أيا مَعطِفَه ... سبحان من قد مَشَقَكْ
لكَم أُنادِي الدمعَ يا ... دمعِي أقفْ مُغْرَوْرَقَكْ
وأُنْذِرُ القلبَ الهوى ... يا قلبُ هذا سرقَكْ
صَبْرِي قضَى وما قضَى ... منك المُنَى مَن عشِقَكْ
دعْ عنك ذا الهجرَ وجُدْ ... بحقِّ مَن قد خلقَكْ
وقوله:
يا قمراً يُزْرِى بشمس الفلَكْ ... كلُّ جمالٍ وبَهاء فلَكْ
ملكْتَ قلبي فترفَّقْ به ... ما أنت في حسنِك إلا مَلَكْ
الّلهَ اللهَ بنا يا رَشَا ... فإن قلبي في الهوى قد سلَكْ
أرسلْتَ لي طَيْفَك تحت الدُّجَى ... يا طَيْفُ حيَّي الّلهُ مَن أرْسلَكْ
مَولايَ ما ذنْبي إليك اتَّئِدْ ... في قْتلتي مِقْدار أن أسألَكْ
إن كنت لي أضمرتَ غَدْراً بلا ... ذنبٍ وحقِّ الله ما حلَّ لَكُ
أعطِفْ علينا وترفَّقْ بنا ... وافعلْ جميلاً بالذي جَّمَلكْ
قد ذُبْتَ يا قلبي عليه جَوًى ... وَيْحك يا قلبُ أما قلتُ لَكْ
وأنت يا ناظر عَيْني اتَّئِدْ ... إيَّاك أن تهْلِك فيمَن هلَكْ
ومن نتفه قوله:
وروضٍ بَدا فيه الشقيقُ مقَهْقِهاً ... يُشاكلُه خدُّ الحبيب المُورَّدُ
فقل له المعشوقُ يوما وقد سرَتْ ... عليه الصَّبا حتَّى غدا يتَبَغْدَدُ
سرقْتَ خُدودِي ثم زَوَّرْتَ شامَتِي ... وما ذاك إلا أن قَلْبَك أسْوَدُ
وقوله في بركة ماء:
وبركةٍ تذْهَل العقولُ بها ... تَحارُ في بعض وصْفِها الفِكَرُ
стр. 191
كأنها مُقْلةٌ مُحدِّقةٌ ... عَبْرَي من الوجد نالَها السهرُ
تبكي وما فارقتْ لها وطناً ... يوماً ولا فات أهْلَها وطَرُ
يا حُسْن أُنْبُوبها لِصحّنِه ... والماءُ يعلو به وينُحدرُ
كصَوْلَجانٍ من فضةٍ سُبِكتْ ... فواقعُ الماء تحتها أُكَرُ
والبيتان الأخيران مضمنان.
ووقع لابن ظافر، أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحباً لهم، وبين يديه بركةٌ رق ماؤها، وصحت سماؤها.
وقد رص تحت دساتير نارنج فضح الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كراتٍ من النضار.
فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقال:
أبْدعْتَ يا ابنَ هلال في فَسْقِيَّةٍ ... جاءتْ محاسنُها بما لم يُعْهَدِ
عجباً لأمْواهِ الدَّساتيِر التي ... فاضتْ على نارَنْجَها المتوقِّدِ
فكأنَّهنَّ صوالجٌ من فضةٍ ... رُفعتْ لضَرْبِ كراةِ خالصِ عَسْجَدِ
وله:
كتب الجمالُ بطِرْسِ وَجْنتِه لنا ... سطراً به مُحِيَ الجمالُ المشرِقُ
فكأنما ذا أمْرُ سلطانِ البَهَا ... وَافَى لَمن يهْوَى ومن هو يعشقُ
تَقْرَا العيونُ على القلوبِ رسُومَه ... ياقومَنا خرَج الوِطاقُ تفرَّقُوا
وله:
وصديقةٍ وافَيْتُها مُتنزِّها ... ورءُوس نَرْجِسِها طوارِقُ حُرَّكُ
والأقْحُوانُ يظلُّ يركع بالصبَّا ... فكأنما هو عابدٌ متنسِّكُ
فجلستُ بينهما كأني سُخْرةٌ ... هذاك يْغمِز وذا هذا يضحكُ
ومن مقطعاته قوله:
خاطبتُ مَعْسول الرُّضابِ وقلت هل ... من رَشْفةٍ تشفِى الحشَا بشفائِها
فأجابَنِي والثغرُ منه باسمٌ ... ما كلُّ بارِقَةٍ تجودُ بمائِها
ومن رباعياته قوله:
خُذْ حِذْرَك من عيونه يا قلبُ ... لَمَّا يَرْنُو فإن هذا حَرْبُ
والعشقُ على النفوسِ سهلٌ صعبُ ... لا يعرف كيف الحالُ إلا الرَّبُّ
وله:
لا تحسَبُوا شامةً في خدِّه طُبِعتْ ... هاتيك حَبَّةُ قلبٍ زادَه حُبَّاً
فدَبَّ ينْقُلها نملُ العذارِ له ... والنملُ من شأنِه أن ينْقُل الحَبَّا
أخذه من قول بعضهم:
عوارضُه تسْبى العقولَ بحُسْنِها ... وتنقُل حبَّاتِ القلوب نمِالُها
وأنشدني السيد سليمان الحموي، من لفظه لنفسه في هذا المعنى، وقد أحسن:
وأَغْيَدٍ أفْرط في تِيهِهِ ... حتى رأينا منه شيئاً عُجابْ
فأطْلَع اللهُ له عارِضاً ... أمْطر خدَّيْه ألِيمَ العذابْ
كأنْملٍ في التشْبيِه لكنه ... نملٌ بدا ينُقل حبَّ الشبابْ
وله:
يا قلبُ صَبْراً في هوَى ... من لم تَرُعْه صَبْوُتكْ
وأنت يا ناظرَه ... إنْ هي إلَّا فِتْنَتُكْ
وله:
وذي خَدٍّ تعلَّق فيه قلبي ... فأحرق خدُّه قلبي بنارِ
وخافَ على الجمال يفِرُّ منه ... فقيَّده بسِلْسِلة العِذارِ
أحسن منه قول ابن سعيد الغرناطي، في الخال:
كأن خالاً لاح في خدِّه ... للعين في سِلْسِلةٍ من عِذَارْ
أُسَيْوِرٌ يخْدِم في جَنَّةٍ ... قَيَّده مولاه خوفَ الفِرارْ
ومن قوله: وخاف على الجمال إلخ، تذكرت قول أحمد بن شاهين، في مناقضته:
مذ نبَت العارضُ في خدِّه ... بُدِّلت الحمرةُ بالاصْفرارْ
كأنما العارضُ لمَّا بدا ... قد صار للحسنِ جَناحاً فطارْ
وبلغه أنه عيب عليه استعمال التكرار في شعره، فقال:
أعِيبَ تَكْرارُ لفظِ نظْمى ... والنظمُ من ذاك ما تضّرَّرْ
وأطْربُ النَّغْمِة المَثانِي ... وأحسنُ السُّكَّر المُكرَّرْ
وله:
قد أبحْتُ الخدودَ منه ودادِي ... فَرَمتْني الخدودُ في نارِ يَاسِي
وبَقِى ذلك العذارُ حَماه اللَّ ... هُ حتى انتصفتُ من وَسْواسِي
стр. 192
صدق الناسُ ليس للوردِ وُدٌّ ... إنما الوُدُّ كلُّه لْلآسِ
نسبته عدم الود بسبب قلة مكثه، ونسبة الود للآس بسبب دوام لبثه.
وهذا مستعمل في الأشعار كثيراً، كقول ابن زيدون:
لا يكُنْ وُدُّكَ وَرْداً ... إنَّ وُدِّي لك آسُ
وله:
شبَّهْتُه بالغُصْنِ بين الرُّبَى ... ووجهه بالزَّهْرِ مُنْفضَّا
فأصبح الغصنُ له مُطْرِقاً ... والزهرُ من فَرْطِ الحيَا غَضَّا
ولو في زهر البلسان:
وأشجارِ بَلَسانٍ بها لعب الصَّبا ... فبهْجَتُها بين الحدائِق مُفْرِطَهْ
كأن بياض الزَّهر فوق غُصونِها ... كُفوفُ لُجَيْنٍ بالنُّضارِ مُنقَّطهْ
وله:
لمَّا تكاملَ حسنُه وجمالُه ... وزهَى كغصنٍ بالدَّلالِ رشيقِ
نزل العذارُ على الخدود كأنه ... طَلُّ الزَّبَرْجَدِ في رياضِ عَقِيقِ
وله:
شكا لي نسِيمُ الروضِ ضَعْفاً أجَبْتُه ... وقلبي بأثْقالِ الغرامِ كلِيلُ
أعَلَّك غصنٌ عَلنَّي صَدُّ مثْلِه ... إذاً فكِلانَا يا نسيمُ عَلِيلُ
وله مضمنا:
أدار علينا الكأسَ ظَبْيٌ مُهَفْهَفٌ ... قطعْنا الدُّجى وَصْلاً به نتنعَّمُ
وغنَّى عن النَّايِ الرّخِيمِ مُشبِّباً ... فنحن سكوتٌ والهوى يتكلَّمُ
مثله للشهاب الخفاجي:
لنا مجلسٌ فيه من اللهوِ مُطْربٌ ... وآدَابُنا ما بينه تترنَّمُ
ونايٌ يُناجِينا بأسْرارِ ربِّنا ... ونحن سكوتٌ والهوى يتكلمُ
وله في أرمد:
يا قومِ لا تحسَبوا في عينِه رمداً ... لقَد ألمَّ بنا من قولكمْ ألَمُ
ماذا سوى أنه مذ رام يْقُتلني ... رَنَا إلىَّ فأغْضى والسيوفُ دَمُ
مثله للصلاح الصفدي:
أيْقظْتُه من كَراه بعد ما رمَدت ... عيْناه لا مَسَّها من بعدها ألَمُ
قد زُرْتُه وسيوفُ الهند مُغْمدةٌ ... وقد نظرتُ إليه والسيوفُ دَمُ
وله، في مليح اسمه عثمان، وفي يده شمعة:
بأَبِي مليحٌ لاح يحملُ شمعةٌ ... في كفِّه ليلاً فَراقَ لعيْنِي
لمَّا بدا وأضاءَ نورُ جمالِه ... قلت انْظروا عثمانَ ذا النُّورَيْنِ
ولابن المعتز في مثله، بيده شمعتان:
وافَى إلىَّ بشْمعتْين ووجهُه ... بضِيائِه يزْهُو على القمريْنِ
نادَيْتُه ما الإِسمُ يا كلَّ المُنَى ... فأجابَنِي: عثمان ذو النورَيْنِ
وكان السيد عبد الرحمن بن النقيب أطلعه على دعابة لبعض الأندلسيِّين، فعمل على أسلوبها مقامةً وهى هذه:
وأنا الذي أهْدَى أقلَّ بَهارِهِ ... حُسْناً لأحسنِ روضةٍ مِئْنافِ
إن أحْلَى ما تمزَج به كؤوسَ المودَّة، وأعْطَر ما تستْنِشقه مَشامُّ الخواطر المستعِدَّة.
خبرٌ له الطَّربُ مُبتدا، وحديث ترويه عن القريحة مُسْنَدا.
وذلك حين اسْتُفزَّت هوامِدُ السرور، وتغنَّى في دَوْحة الأنس كلُّ بُلبل وشُحْرور.
وتنبَّهتْ ذات الجناِح بسُحْرةٍ ... في الوادييْن فنبَّهتْ أشواقِي
وأنا الذي أُمْلِي الهوَى من خاطرِي ... وهي التي تُمْلِى من الأوراقِ
حتى خرجت أسوق مطايا الأسى، لأبيع كافورة الصبح وأشترى عنبر المسا.
والصبحُ قد أهْدَى لنا كافورَهُ ... لمَّا اسْتردَّ الليلُ منَّا العنْبَرَا
قاصداً ادِّراعَ حلل اللهو، إلى حومة الطرب والزهو.
ومتحرشاً بأذيال البكور والأصائل، ومعتبراً بقول القائل:
باكِرْ إلى اللذاتِ واركبْ لها ... سوابقَ اللهوِ ذوات المراحْ
من قبل أن ترْشِفَ شمسُ الضُّحَى ... ريِقَ الغَوَادي من ثُغور الأقاح
فبينما أنا كذلك وإذا بشقِيق شفِيق، ورفيقٍ هو بي في سائر الأمور رفيق.
فأقبل على إقبال الكرام، وقد لمعت بالبشر صفحات وجهه بعد أن حيا بالسلام.
تشربُه الرَّاح وهو يشربُها ... يطربُ من حسنِ وجهِه الطَّربُ
стр. 193
فسألتُه في المُسايرة والمُنادمة وحَثَثْتُه على المسامرة والمكالمة.
فأسفر وجهه عن شموس الفرح، ونال ابتهالا وابتهاجاً بنسمات المسرة والمرح.
وقال: مرحبا بقولك المسوع، ورأيك الذي اتفقت عليه الجموع.
لِدَواعِي الهوى وحكمِ الخلاعَةْ ... ألفْ سمعٍ لا للوقارِ وطاعَهْ
فسرنا حتى أتينا منتزها رحب الأكناف، متناسق النعوت والأوصاف.
نسيِمُه يعثر في ذَيْلِه ... وزهرُه يضحكُ في كُمِّهِ
فوجدناه ذا ظل ظليل، وماءٍ أعذب من السلسبيل.
أشجاره ثابتة، وأغصانه نابتة.
نَهْرُه مسرعٌ جرى وتمشَّتْ ... في رُباهُ الصَّبا قليلاً قليلاَ
تصدح حمائمه وتسرح نسائمه، وتنفح كمائمه.
ولي من الوُرْق في أوْراِقها طَرَبٌ ... كأنَّهن على العِيدانِ قَيْناتُ
فصعدنا منه إلى قصر مشيد، متزخرف الجوانب بألوان الأطلية وأنواع الشيد.
فيه الغرف الرفيعة ذات التزيين، والمقاصير المصنوعة لقاصرات الطرف عين.
وإيوان يقول لمن يراه ... على قَدْرِي وفوق الكُلِّ أُشْرِفْ
ألم ترَ أن طيرَ العِزِّ أضحى ... يحُوم بساحَتِي وعلىَّ رَفْرَفْ
وقد طلت شبابيكه على تلك الأرجاء المونقة، والجداول المتدفقة.
وأرضه مفروشة بأفخر الوشى والديباج، وقد أطلقت فيه مباخر الطيب فزاد في الابتهاج.
حوَى عجباً لم يحْوِه قطٌّ مجلسٌ ... على أنه في الحسنِ أُعْجوبةُ الدهرِ
فجلست أنا وصاحبي على تلك الأريكة الممنوعة، والفرش المرفوعة.
نتناشد الأشعار، ونتشبث بأذيال الأفكار.
وحديثه السحرُ الحلالُ لَوَ أنَّه ... لم يجْنِ قتلَ المسلمِ المتحرِّز
إن طال لمُ يمْلَلْ وإن هي أوْجزَتْ ... وَدَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجزِ
ولم نزل رافلين في غلائل المسرة، ومتنعمين بلطائف الأنس على أوج هاتيك الأسرة.
حتى عدنا وقد شمرت لمغيبها الذيل، واصفر وجهها خوفاً من هجمة عساكر الليل.
الشمسُ هاربةٌ للغَرْبِ دارِعةٌ ... بالنَّبْل مصفَرَّةٌ من هَجْمة الغَسَقِ
وقد ظهر الهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق.
لا تظنَّ الظلام قد أخذ الشَّمْ ... سَ وأعطى النهار هذا الهلالاَ
إنما الشرقُ أقْرضَ الغربَ دِينا ... راً فأعْطاه رَهْنَه خَلْخالاَ
وبينا أنا راجعٌ مع صاحبي في أخريات الطريق، وإذا برفيقٍ لي وهون على الحقيقة رفيق.
فاعترضني وقال لي: أين كنت، ومن أين توجهت.
فقلت له: كنت مع صاحبي، الذي هو هذا اليوم مصاحبي.
في منتزه، وهو فضاء الأرض، ذات الطول والعرض.
وصدَقْتُه في كل ما حاولْتُه ... مما تقدَّم في الكلامِ الأوَّلِ
وغيم ذلك الفضا هو الظل الظليل، وغيثه المنهمر هو الأعذب من السلسبيل.
وأشجاره هي حبال الأمطار، وحمائمه الصادحة أصوات الرعد في جوانب الأقطار.
وكمائمه حب البرد، ونسائمه المعلومة فيما ورد.
وما ذلك القصر الموصوف، سوى جبتي هذه وثوبي هذا الصوف.
والشبابيك جيوبه، وأطواقه، ولا عجب أن نفحت فيه مباخر الطيب فإنها قراطيسه وأوراقه.
وبالقياس على هذا تأويل ما بقي من العبارات السابقة، والإشارات المتلاحقة.
وبذلك انتهى الكلام، وتم ما قصدناه من الدعابة والسلام.
والدعابة التي أطلعه عليها هي هذه:
لابُدّ للنفس أحياناً إذا سئمتْ ... أن تسْتريحَ إلى الآدابِ والمُلَحِ
فَخُضْ بها من أحاديث النِّدام إذا ... أعْيَتْ مذاهبُها في كلِّ مُقْتَرَحِ
وهاهنا نزعة يختلف إليها النديم، ويعتلق بها الطبع السليم.
وذلك أني طفت الجنان، وبلوت الفروع والأغصان.
فلم أر مثل نبعة، في خير بقعة.
حسنة البزة، يانعة الهزة.
دوحها مغنٍ، وطيرها مرن.
يُطارحني من بينهن ابنُ أيكَةٍ ... هتوفُ الضُّحى بعد العشيَّةِ مِرْنانُ
أُجاذبُه هُدْبَ الغرامِ وفي الحشاَ ... نَزُوعٌ إلى ذكْرِ الأحبَّة حَنَّانُ
فأسمعني خطابه، وفرغ لي وطابه.
فقلت: ما هذا الفنن، وعلى م هذا الشجن.
فقال: أما الفنن فمنصة، وأما الشجن فعن غصة.
فتلكأت عنه تلكأ الشاك، وقلت: ومن وشاك.
стр. 194
فقال لبست ملاءة الربيع، وكتمت الغرام لو أستطيع.
فقلت: لأمرٍ ما خطبتك الغيد، وأعارتك حلى الجيد.
فقال: بل موهت النحول، وأخفيت عنوان الذبول.
وأما ما أحاط بالمقلد فوثاق، وقد تظرف من طبع أغلال الهوى على قوالب الإطباق.
فلما نعمت بمطارحته، ونهمت بمفاكهته.
سايرته بأرسانه، وقاولته بلسانه.
وقلت: إيه، فيما نحن فيه.
غصن نضير، ووادٍ عطير.
روضة حزن، ونسيمه لدن.
وماؤه صاف، ونديمه وصاف.
فزدني من ندامك، وأصخ لترنامك.
ففي أي الحالتين تفيض، فلا بعدك معبد ولا دونك غريض. فقهقه ورجع، ثم أنشد فأسمع:
خُذْ بنا في محاسنِ الأوصافِ ... فهي نَقْلٌ ما بين أيدي الظَّرافِ
وانْتخبْ للنِّدامِ كلَّ حديثٍ ... من قِصارِ الفصول ذاني القطاف
يتمنَّى الجليسُ عمرَ مُعاذٍ ... لتلِّقى مُعادِه الشفَّافِ
واقْتحمْ لُجَّةَ القَرِيضِ بفكْرٍ ... يْنتقى الدُّرَ في حَشَا الأصْدافِ
وتنقَّلْ من الدُّعابَةِ للْجِدِّ ... وخَيِّمْ حيث المعاني الِّلطافِ
فلما أتى بنقل قريضه، وألمع إلي بتعريضه.
ناب إلى أن أمتخض الفكر، وأكشف قناع البكر.
فأبْرزْتُها عذراءَ في زِيِّ غادةٍ ... تُزَفُّ على وجِه الدُّعابِة والهزْلِ
وما ثَمَّ إلَّا نَبْعةُ الشعرِ نَبْعةٌ ... يَرنِ ُّبها طيرُ الفصاحِة والنَّبْلِ
بيت الفرفور بيتٌ فضله موفور، وذنب الزمان بأهله مغفور.
وقد خرج منه جماعة أجلاً، فضلهم أبهر من النجوم السيارة وأجلى، فمنهم:
أحمد بن ولي الدين
الأديب الأريب، واحد الخبرة والتجريب.
نظم الشهب في الكتب، ورفع النقب عن أسرار الحقب.
وهو من كل المشارب شارب، ومن كل المسارب سارب.
فطوراً له طورٌ لجِدّ مُدافعٍ ... ووْقتاً له سَمْتٌ لهزْلٍ مُجانبُ
ولله منه جانبٌ لا يُضِيعُه ... ولَّلْهو منه والخلاعِة جانبُ
واتفق أن ضرب الدهر على صماخيه بصمام من الصمم، فزاده ثقل تلك الحاسة خفة تنشط الرمم.
فما برح يشرب صرف الهنا من أدنانه، ويهصر غصن المنى في أفنانه.
حتى أثرت في ذوائبه أفاويف الشيب، ودعاه الداعي الذي لا يعترض إجابته الريب.
وهو شاعر لشعره حظٌّ من الحسن، كأنما تغازله الجفون الوسن.
أثبت له ما يهيج الطرب، ويحلو في الأفاوه كما يحلو الضرب.
فمن ذلك قوله في مراجعة العمادي المفتى، وقد كتب إليه قصيدةً، لم أر منها إلا قوله:
مَن لي بظَبْيٍ كُحِّلتْ ... أجفانُه بالسَّقمِ
يفترُّ عن ثغرِ بدَا ... عذْبَ الثنايا شَبِمِ
أجْرى دموعي في الهوى ... كمُغدِقات الدِّيَمِ
وسَلَّ سيفَ لَحْظِه ... وهزَّ قَدَّ لَهْذَمِ
واخْتال في ثَوْب الصِّبا ... يْسحب كلَّ مُعْلَمِ
مصائبٌ ما جُمِّعتْ ... إلا لقْتل المغرمِ
يا قاتلَ اللهُ الهوى ... بدَّل دمعي بالدمِ
فكم له في خَلَدِي ... سرائِرٌ لم تُعلَمِ
وهذا ما رأيته في جوابه:
دُرٌّ سَمتْ في القِيَم ... وسُمِّيت بالكَلِمِ
أم روضةٌ دامتْ عليْ ... ها هاطلاتُ الدِّيَمِ
فلاح منها نُورُ ثَغْ ... رِ نَوْرِها المبتسِمِ
أم غادةٌ قلبي كَلِي ... مُ لَحْظِها المكلَّمِ
من بَيْضها وسُمْرِها ... في الطِّرْش قَتْلُ المغرَمِ
حيَّتْ فأحْيت بالِّلقا ... قلبا إليها قد ظَمِى
لِمْ لا ومُهْديها كري ... مٌ لكرامٍ ينْتمِي
ألْفاظُه كالسحرِ إلَّا ... أنها لم تحرُمِ
مُهذَّب أخلاقُه ... بحُسْن تلك الشِّيَمِ
كنَشْرِ روضٍ قد سرَى ... غِبَّ حَياً مُنسجِمِ
وكان بينه وبين أحمد بن شاهين صحبة وردها شرع لا ينسخ، وعهدها عقد لا يفسخ.
وكلاهما من أول مرباه، كالغصن يترنح في رباه.
стр. 195
متعاكفان على تعاطف وائتلاف، ومتعارفان على تهارج واختلاف.
فعلقا فتى ألحم بينهما بسحره الألفة، وأماط فيما بينهما حجاب الكلفة.
وبقيا سنين متلازمين تلازم الدليل بالمدلول، والعلة بالمعلول.
ومتصلين أتصال الأرواح بالأشباح، والمساء بالصباح.
حتى اكتسى خد الفتى بالعذار، وطلع الشيب في عوارضهما متهماً بالإنذار.
هناك تيقظ الفرفوري من سناته، وعدى عما كان فيه هناته.
وكتب إلى الشاهيني:
ولَّما أن بدا شَيبٌ بفَوْدِى ... خلُصتُ من الصبابِة باحْتيالِ
وصرَّفتُ المحبة كيف شاءتْ ... كأن الحبَّ لم يخطُر ببالِي
فأحسنُ ما يقال بأن قلبي ... سلَا يسلُو سلُوًّا فهْو سالِي
فكتب إليه قصيدة هز بها إلى رعى حقوقه، واستدفاع عقوقه.
وموافقته فيما إليه جنح، متيمنا بما إليه طير رشاده سنح.
سيما وقد تبين الرشد من الغي، وصار النشر إلى الطي.
والقصيدة المذكورة، ومن أحاسن أشعاره المشهورة.
إلا أنها طويلةٌ جداً، فاقتصرت من وابلها على الطل، واكتفيت عن أكثرها بالأقل.
ومطلعها:
أقصيدتي مُورِي بجَهْدك مُورِى ... وتيمَّمي خِدْنَ العُلى الفُرْفُورِي
يا ألْفَ مولايَ ولستُ بقائِلٍ ... غيرَ الصوابِ لصاحبي وسميرِي
مالي أراك مُفرِّطاً في صُحْبتي ... فكأنني عِقْد بكفِّ صغيرِ
خفِّض عليك فلستَ أوَّلَ قاذفٍ ... من جوِّ شاهِقَةٍ لجوْف شَفِيرِ
أوَ قد زعمتَ بأنني مُتهالكٌ ... في إثْرِ روض ليس بالمَمْطورِ
ما الروضُ فيما قد حويْتَ مُحتَّمٌ ... كّلا ولا للغْيرِ فضلُ خَضِيرِ
هيَ دِمْنةُ خضراءُ لم يأنَسْ بها ... رِيم وليس سَرابُها بعَبيرِ
أنَّي تقول ولا أَخالُك قائلا ... العَيْرُ عَيْرِى والنَّفِيرُ نفيرِي
صدقتْ بناتُ الفكر فيما ألَّفتْ ... إن العَباءةَ عندكم كحَبِيرِ
ما للفِراسةِ لم تُصدَّق فيكمُ ... والألْمَعيَّةِ لم تُعَنْ بنَصِيرِ
ومنها، وهو محل الشاهد:
فوَ حقِّ سَلْوتِيَ التي قد أصبحتْ ... بَرْداً على كبدي لكل عَسِيرِ
هذا فؤادي مِلْءُ صدري حُزْنُه ... وافَى بِجَفْن في السُّلُوِّ قريرِ
ومَناكِبى أمْسَتْ تلائم مضْجعي ... ثم ارْعَويتُ فما استعنْتُ زفيرِي
وغدوتُ أضحك مِلْءَ فِيَّ تعجبُّباً ... حين استمَرَّ على البِعاد مَرِيرِي
وتصافحتْ يُمْنايَ باليَسَر التي ... قد كانتا في غِلِّ خيرِ خبيرِ
وتبدَّلتْ عيْنَايَ أحسن مَنظراً ... وهي الصحائفُ في دُجًى وبكُورِ
لّلِه أنتَ وما صنعتَ فإنما ... أنْقذْتني من هُوَّةٍ وسعيرِ
وكذاك ينْجُو ذو الصداقِة في الهوى ... وكذا بذنْبٍ ينْثنِي مغْفورِ
ولده عبد الوهاب
المفتى بحَقّ، والسامي على رُتبةٍ هو بها أحَقّ.
فقيهُ المذهب النُّعْمانِي، ومن توفَّرتْ له في الشهرة الأمانِي فأُشير إليه بالجلال، وأُثْنِىَ عليه بكرم الخلال.
لم يزل يصل في الجد الليلة باليوم، ويعتاض في الاشتغال السهر من النوم.
وينفق من الزاد، فيخزن في الفؤاد.
والعلم كما عرفت بعيد المرام، لا يرى في المنام، ولا يورث عن الآباء والأعمام.
حتى بلغ مبلغا يقصر عنه أمل المتطلع، وحل محلاً تنقطع دونه رغبة المتطمع.
ونزل من القلوب بمنْزلةٍ هي المُصافة بين الماء والرَّاح، وأوْرد العيونَ الرياضَ وأورد القرائحَ القَراح.
فللنَّواظِر فيه مَرْتَع، وللخواطر منه مُتمتَّع.
وله الأيادي البيض، والطول الطويل العريض.
بارَتْ يداه السُّحْبَ فارْتجعتْ ... عنها ووابلُ وَدْقها وَشَلُ
فالرعْد في أحْشائِها قَلِقٌ ... والبرقُ في حافاتها خَجِلُ
ثم ولى الإفتاء فأديت أمانةٌ إلى أهلها، وجاءته النعم تترى ولكن على مهلها.
فلم يلبث تضمنه ضريحه، وسفت عليه ريحه.
стр. 196
فلا زالت السحائب الحوامل، تضع مشهد قبره كل طلٍ ووابل.
وله شعر ليس مثله عليه بمستنكر، فالإتيان به غير مستكثر.
فمنه قوله:
قد يُلْبِس الشعرَ شوقى تارةً حُلَلاً ... كوشْىِ صَنْعَاء يزهو فوق حَسْناءِ
وتارةً ليس شَمْلِي فيه مجتمِعاً ... فيْعتريه فتورٌ عند إلْقائِي
وقوله:
دَعِ الحبَّ إن الحبَّ للعقلِ سالبُ ... وعِشْ خالياً فالحب فيه النَّوائبُ
فلا يصْلُحَنْ إلَّا لمْثلى فإنني ... فتىً دون نَعْليْه السُّها والكواكبُ
فمَن كان مثْلي كان بالحبِّ لائقاً ... وإلَّا فصَبٌّ بالصبابِة لاعبُ
وقوله:
إن غبْتَ عن ناظرِي يا مَن كلِفتُ به ... فما أراك عَقِيبَ الآن في عمرِي
لأنّ عيْنيَ تجرى بعد فُرْقِتكمْ ... دماً ويتْبعُه ما طُلَّ من بَصَرِي
وقوله في الرباعيات:
وللهِ وحقِّ مُحكماَتِ السُّوَر ... ما غبْتَ عن الفؤادِ بل عن بَصَرِي
من منذ غَدوْتُ في هواكم دَنِفاً ... أيامُ نَواكَ لم تكنْ من عمري
وكتب إلى جدي محب الله:
يا مَن أياديِه سحابٌ ممطِرُ ... ولديْه حاتمُ في السَّخا لا يذكَرُ
وعليه من سِيمَا الكرام دلالةٌ ... وشواهدٌ تبدُو عليه وتظهرُ
طوَّقْتني من راحَتْيك بمِنَّةٍ ... أضْحتْ على طُول الليالي تُنشَرُ
لم أقْضِ حقَّ ثَنائها لو أن لي ... في كلِّ جارحةٍ لساناً يشكرُ
وله:
أنا واللهِ ما الجفاءُ غرامي ... لا ولاه الهجرُ والصدودُ مَرامِي
ولئِنْ غبتُ عنكمُ ففؤادِي ... مثلُ ما تْعهدون بل هو نامِي
وله:
للهِ بدرٌ قد حكى بخدودِه ... وردَ الرُّبى وشقائقَ النُّعمانِ
وبِثْغره زهرَ الأقاحِ مُنضَّدٍ ... وبِقدِّه المَيَّاسِ غصنَ الْبانِ
وبطِيبِه طِيبَ الرياض ونَشْرَها ... وبِصُدغه لْلآسِ والرَّيْحانِ
وإذا محاسنُه بدَتْ لعيونِنا ... تُجْلَى فلا تحتاجُ للبُستانِ
هذا فيه سماتٌ من قول جحظة البرمكي:
خِلْتُه في المُعصْفَرات القَوانِي ... وردةً في شقائقِ النُّعمانِ
أنتِ تُفَّاحتي وفيك مع التُّفَّا ... حِ رُمَّانتانِ في غُصْنِ بَانِ
لا أرى في سِواكِ ما فيكِ من طِي ... بٍ ومن بهجةٍ ومن رَيْحانِ
وإذا كنتِ لي وفيك الذي في ... كِ فما حاجتي إلى البستانِ
بيت القاري من البيوت التي تقلد فخرها جيد الدهر، واكتسب النسيم بعرف ثراها أرج الزهر.
مدائحهم كصحائف المحسنين بياضاً ونقا، وذكراهم كعهد الموقنين وفاءً وتقى، فمنهم:
عمر بن محمد
علم فضل وإنصاف، وشرف نعوت وأوصاف.
افتخر به الآباء والبنون، وتجملت بفضائله الشهور والسنون.
شهرته من العلم شهرة القمر ليلة بدره، ومحله من الكمال حيث يستمد كل ذي قدرٍ قدره.
عمر الله به دار ابن عامر، وجاد نافع نواله فهو لمستنجد عاصم ولمجتديه غارم.
وبالجود تحوز المدح الأفاضل، كما أن الرياض تصدح فيها البلابل.
تحلت بفضائله للعلوم نحور، وتجلت له منها ولدان وحور.
سطور سبح نظمت لآليها من الدر النثير، إذا رأتها الأنام اشتغلت بالتسبيح والتكبير.
وله أدب توشعت بصنعة السحب وشائعه، وبلغ كلا الخافقين مشهوره وشائعه.
وهو في القريض قليل الكلام، إلا أن كلامه يكتب لتشريف الصحف والأقلام. فمن شعره قوله:
لولا ثلاثٌ هُنَّ أقْصى المُرادْ ... ما اخْترتُ أن أبْقى بدتار النَّفادْ
نهذيبُ نفْسِي بالعلوم التي ... بها لقد نِلْتُ جميعَ المُرادْ
وطاعةٌ أرجو بإخْلاصها ... نُوراً به تُشرقُ أرضُ الفؤادْ
كذاك عِرْفانُ الإلهِ الذ ... لأجْلِه كان وجودُ العبادْ
فأسألُ الرحمنَ بالمُصطفى ... وآلِه التَّوفيقَ فهْوَ الجَوادْ
стр. 197
هذه الثلاثيات نظم فيها كثير من المتقدمين والمتأخرين.
فمنهم ابن صابر القيسي، قال:
لولا ثلاثٌ هُنَّ واللهِ منْ ... أكبرِ آمالي من الدنيَا
حجٌّ لبيْتِ اللهِ أرجُو به ... أن يقبلَ النِّيَّةَ والسَّعْيَا
والعلمُ تحصيلاً ونشْراً إذا ... روَيْتُ أوسعْتُ الورى رأْيَا
وأهلُ وُدٍّ أسألُ اللهَ أن ... يُمتْع بالبُقْيا إلى اللُّقْيَا
ما كنتُ أخشْىَ الموتَ أنَّى أتى ... بل لم أكنْ ألْتذُّ بالمَحْيا
ومثله لأبي حيان:
أما إنه لولا ثلاثٌ أُحبُّها ... تمنَّيْتُ أنى لا أُعَدُّ من الأحْيَا
فمنها رجائي أو أفوزَ بتوْبةٍ ... تُكفِّر لي ذَنْبا وتُنْجِح لي سَعْيَا
ومنهُنَّ صَوْنُ النفسِ عن كل جاهلٍ ... لئيمٍ فلا أمْشِي إلى بابه مَشْيَا
ومنهنَّ أخْذِي بالحديث إذا الورَى ... نَسَوْا سُنَّةَ المختارِ واتَّبعوا الرأْيَا
أأتْرك نصًّا للرسولِ وأقْتدي ... بشخصٍ لقد بُدِّلتُ بالرَّشَدِ الغَيَّا
وكتب مقرظا على نظم:
تأمَّلتُ ذا النظمِ البديعِ وما حَوَتْ ... معانِيه من حسنِ الصياغةِ والسَّبْكِ
فشاهدتُ رَوْضاً بالفضائلِ مُزهِراً ... وعاينْتُ دُرّاً قد تنظَّم في سِلْكِ
حفيده محمد بن علي
وهو من بحره خليج، ولروضه عرف وأريج.
بأنواره تحاسن الأقمار، وبأمداحه تعطر الأندية والأسمار.
فهو شربٌ سائغٌ بلا كدر، وسمرٌ ممتع بلا سهر.
وصحةٌ في نعمةٍ عقيب مرض، وفرحة رامٍ أصيب بسهمه غرض.
وله شعر كالزلال النمير، إذا صافح الأسماع تبسم له القلب والضمير.
فمنه قوله:
خِلْتُ العيونَ الرَّامياتِ بأسهمٍ ... يَجْرَحْنَ قلباً بالبِعادِ مُعذَّبَا
فاُعْجَبْ لِلَحْظٍ قاتلٍ عُشَّاقَه ... في حالتَيْه إذا مضَى وإذا نَبَا
وهذا معنى جيد جداً، وهو ينظر من طرفٍ إلى قول ابن الرومي:
نظَرتْ فأقْصدتِ الفؤادَ بسهمِها ... ثم انْثنَتْ عنه فكاد يهِيمُ
وَبْلايَ إن نَظرتْ وإن هي أعْرضتْ ... وَقْعُ السهاِم ونَزْعهُنَّ أليمُ
وقد لطف الخفاجي، وأجاد كل الإجادة في قوله:
سِهامُ جُفونِه أعْرضْنَ عنِّي ... فأسْرعَ فَتْكُها ونَما جَواهَا
فيالَكِ أسْهُما تُصْمِى الرَّمايَا ... إذا قصَدتْ إلى شيءٍ سِواهَا
حسين بن محمد
فرع طاب منه جنىً ومهتصر، فلو طلبت الحياة لوجدته من صباحته يعتصر.
خلقه الله نورا مصوراً، وأطلع غصن كماله غضاً منوراً.
بوجه يتبعه التهليل والتكبير عند شروقه، وحسن أداء يشر به السمع فتدب نشوة الحميا في عروقه.
في كل نادٍ منه روضُ نمَاءِ ... وبكل خدٍّ منه جدولُ ماءِ
ووجه المشرق الجمال، يصف ما فيه من أنواع الكمال.
وقد عشق الأدب وزهرة حسنه في أول ما انفتقت عنها الكمامة، فما ناهز العشرين إلا وتسامت لوائح فكره من أن تساجلها الغمامة.
فهنالك ما تشاء من نوادر مرتصفة، وآثار بأحسن القول متصفة إن خط فنقش العيد، على معاصم الحسان الغيد.
وإن لفظ فجوهر العقود، وعصير الخمر من العنقود.
إلا أنه لم تلمحه النقل، حتى اختار الملأ الأعلى فانتقل.
فقامت النواعي يند بن بدرا في أول كماله خسف، ويبكين غصناً في ابتداء نضرته قصف.
فحيَّتْ تُرابا ضَمَّه سُحْبُ رحمةٍ ... ليخْضلَّ روضٌ جسُمه فيه موضعُ
فمما اخترته من شعره قوله:
أفْديه ظبياً بالشراب مُولَّعاً ... يترشَّف الأقْداحَ وهْو الأكْيسُ
فكأنه البدرُ المنير إذا بدَا ... من نُور طْلعته أضاء المجلسُ
وقوله مضمنا:
بالله سَلْ طَرْفَيِ السهرانَ هل هجَعا ... وما به الوجدُ والتْبريح قد صنَعَا
قد حدَّث الناسُ عن مُضنَى الهوى دَنِفاً ... وما أصابُوا ولكن شنَّعوا شَنَعَا
يا ابنَ الكراِم ألا تدنْو فتبْصرَ ما ... قد حدَّثوك فما راءٍ كمن سمِعاَ
стр. 198
هذا البيت مما أكثر تضمينه قديما وحديثا، ولا أدري لمن هو، وفيه عكس التشبيه: إذ ليس السامع أرقى حالا من الرائي، وبه يتم غرض الشاعر الذي استدل لأجله.
ومن شعره قوله:
زار وَهْنا مُرنَّحَ الأعْطافِ ... بعد أن كان مائلاً للْخلافِ
كم على صُدْغِه ورَاٍح لَماهُ ... رُحْتُ سكرانَ سالِفٍ وسُلافِ
صَدَّ ظُلما ولم يكن ليَ ذنْبٌ ... غيرُ دمعٍ أذاع ما هو خافِ
أيها العاذِل الجَهولُ تأمَّلْ ... في مُحيَّاه ثم قُلْ بخِلافِ
ومما رأيته منسوبا إليه، ولا أتحققه:
أُنادي إذا نام الهَجِيع تأسُّفاً ... وقلبيَ من بين الضلوعِ كَلِيمُ
هنيئاً لطَرْفٍ فيك لا يعرِف الكرَى ... وتَبّاً لقلبٍ ليس فيك يَهِيمُ
ومن رباعياته قوله:
إن جُزْتَ بحيِّ مُنْيتي حيِّيهِ ... واُخْبِرْهُ من المحبِّ ما يُرْضيهِ
إن زار فقد حَيِيتُ في زَوْرِته ... أو صَدَّ فإن مُهْجتِي تَفْدِيهِ
بيت المحبي بيت أبي وجدي، ومنبت عرق محتدى ومجدي.
ارتضعت دره واغتذيت، وإلى فضله انتسبت واعتزيت.
والمجد ما افتخرت به العرب من القدم.
وإنِّي من العرب الأقْدمين ... وقد مات من قبْل خَلْقِي الكَرَمْ
وفي كرَم العِرْق بالمَنْبِت الطيِّب، عَوْن على أثْمار تروّتْ بالعارض الصيب.
فأنا إذا افتخرت هزتني أريحية الطرب، ونافست بآباء تملكني عند ذكرهم حمية العرب.
أولئك آبائي فجْئني بمثلِهمْ ... إذا جمعتْنا يا جريرُ المَجامِعُ
فأول من سكن منهم الشام، وشام من بارق إقبالها ما شام:
القاضي محب الدين
فضاهى بغزارة علومه أنهارها، وأخجل بمنثوره ومنظومه أزهارها.
بماذا أصفه وأحليه، وأي منقبة من الجلالة أوليه وأطراف القلم بنعوته لا تحيط، حتى ينزح بمناقير العصافير البحر المحيط.
إمام أئمة الفنون، المستخرج من بحار البلاغة درها المكنون.
فكان بالشام علمها الذي يهتدي به المهتدى، ومقتفاها الذي يقتدي به المقتدى.
فتدانت به القلوب المتباعدة، وتلاقت الآمال المتواعدة.
فما ولدت أرحام الأرض من حفال الأزهار والنبات، التي أرضعتها الخضراء بدر أخلاف الأمطار وهي في حجر الصبا وحضانة النسمات.
ألطف من شمائله التي عطرت أردان الصبا، وأعادت للقلب نشوة الصبا فصبا.
ولم يزل يحلى الليالي العواطل، وتدين لسقيه السحب الهواطل.
ويبدع في آثاره صدورا وأعجازا، ويطلع رسائله مملوءةً بلاغة وإعجازا.
حتى رداه الردى، وعداه الحمام من ذلك المدى.
فأنار الله مثواه، وجعل الجنة مأواه.
فخلفه ثلاثة فتيان ألف المجد بينهم، فإن قلت أين الحسن فانظر أيهم.
فالأوسط من مرض الشعر في عافية، لكنه قعد على طريق القافية.
وأما الكبير، وهو:
عبد اللطيف
فعظيم الأرومة، ورونق المزية المرومة.
أنبت خطيها وشيجه، وقوم أغصانها تخريجه.
يفترع الهضاب ببعد همة، ويصيب الأغراض بمسدد سهمه.
أصيل الرأي والحجزم، مليُّ التدبير والعزم.
ضاعف الله لهة نعما يتقبلها، ما زال يوفى على ماضيها مستقبلها.
بهمة ترى الدنيا هبات مقسومة، ونقطة من نقط الدائرة موهومة.
وفكرٍ يغرف منبحر، وعنده يصغر عمرو بن بحر.
فوصفه واسع المجال، ومثله قليلٌ في الرجال.
أسس وبنى، وعطف أعنة المدح وثنى.
وله أشعار كما اتسقت اللآلي، وسفرت وجوه حسان عن ضوئها المتلالي.
أتيت منهال بما تكتب بدائعه على الأحداق، وتتنافس كلمه الأطواق في الأعناق.
فمنه قوله من قصيدة مستهلها:
هي الدار حيَّ عهدَها مدمعِي الجارِي ... عفَتْ غير سُحْمٍ ماثلاتٍ وأحْجارِ
رسومٌ مَحاها كلُّ سافٍ وهاطلٍ ... فهُنَّ كجسمي أو غوامضِ أسرارِي
أقمْنا حَيارَي سائرين فلم نجدْ ... مُجِيباً سوى دمعٍ مع البَيْنِ مِدْرارِ
ولا عجبٌ لو أصبح الدمعُ حائراً ... كقلبِك في تلك المعاهد يا جارِي
معاهدُ لا أدري أمِن طِيبِ تُربْها ... نسيمُ الصبَّاحيَّتْ أم العنْبَرُ الدَّارِي
стр. 199
وقفْنا بها حتى لِطُول وُقوفنا ... تخيَّلتُ أنَّا قد خُلِقْنا من الدَّارِ
أذَلْنا مَصُونات الدموع برَبْعها ... ولمَّا نَجِدْ من سَكْبنا الدمعَ من زَارِ
خلَتْ بعد ما كانت مَناخاً لراكبٍ ... ومَلعَبَ أتْرابٍ ومَجْمعَ سُمَّارِ
ومَرْتعَ غزْلانٍ ترى الصِّيد صَيْدَها ... فقُل في غزالٍ يْصرعُ الأسَدَ الضارِي
وعصرِ تَصاب قد فُجعتُ بفَقْدِه ... وماضي شبابٍ رحتُ من حَلْيِه عارِي
لِئن قصُرتْ أيامُه فلَشدّ ما ... تولَّت وأبْقت طولَ بَثِّ وتَذْكارِ
ألا في أمانِ الله عصرٌ لفَقْدِه ... من العيش والَّلذاتِ قلَّمتُ أظفْارِي
وقلتُ لِداعِي الغيِّ نَكِّبْ فطالَما ... لغير رِضَى الرحمن أشْغلتُ أفكارِي
وقوله، من قصيدة أخرى، يمتدح بها أستاذه محمد بن محمد بن إلياس، المعروف بابن جوي، مفتي السلطنة:
عوَّضتَ معروفاً عن الياَسِ ... يا خادماً باب ابن إلْياِس
فاصْغَ لما أشرحُ من حالةٍ ... أسمُو بها ما بين أجناسِي
خدمتُ مفتى العصر وهْو الحَيَا ... فلم يدَع بِرِّى وإيناسِي
وصرتُ في خدمتِه ناعماً ... في نعمةٍ تُسدَى بلا باِس
لا اعرف الهمَّ ولا أشتِكي ... خَطْباُ بَلَى قلبي بوَسْواِس
فسَيْبُه سيلٌ إذا رُمتَه ... ومجدُه كالشامخ الراسِي
إن كسَر الدهرُ فؤادَ امْرئٍ ... تراه بالجَبْرِ هو الآسِي
إن رُمْتَ تدْري بالنَّدَى سَحَّةُ ... فصَوْبُه مَعْ مَرِّ أنفاسِي
أما ترى رِقَّةَ مدْحي له ... تُغْنيك عن دَنٍّ وعن طاِس
قد أمر الفتحُ بأمرِ عُلًى ... أجبْتُه طوعاً على راسِي
قل لبنِي الدنيَا ألا هكذا ... فليصنْعِ الناسُ مع الناِس
البيت الأخير مضمن، من ثلاثة أبيات للفتح بن أبي حصينة.
ولها قصة، وذلك ما ذكر أنه امتدح نصر بن صالح بحلب، فقال له: تمن.
فقال له: أتمنى أن أكون أميراً بحلب.
فجعله أميراً، وخوطب بالأمير وقربه نصر، وصار يحضر في مجلسه في جمل الأمراء.
ثم وهبه أرضاً بحلب، قبلي حمام الواساني، فعمرها دارا، وزخرفها، وقرنصها، وأتم بناءها، وكمل زخارفها، ونقش على دائر الدرابزين قوله:
دارٌ بنيْناها وعشْنا بها ... في نعمةٍ من آلِ مِرْداسِ
قومٌ مَحَوْا بُؤْسي ولم يتركوا ... علىَّ للأيام من باِس
قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصْنع الناسُ مع الناسِ
فلما انتهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح.
فما أكل الطعام، ورأى الدار، وحسنها، وحسن بنائها ونقوشها، وقرأ الأبيات؛ فقال: يا أمير المؤنين، كم خسرت على هذه؟ فقال: والله يا مولانا ما للملوك علم، بل هذا الرجل ولى عمارتها.
فلما حضر المعمار، قال له: كم لحقكم غرامة على هذا البناء؟ فقال له المعمار: غرمنا عليها ألفي دينار مصرية.
فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية، وثوب أطلس، وعمامةً مذهبةً، وحصاناً أبلق، بطوق ذهب، وسرج ذهب، ودفع ذلك إلى الأمير الفتح، وقال له:
قُلْ لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصْنع الناس مع الناس
وقد ضمن هذا البيت القاضي شهاب الدين بن حجر، في مدح البدر الدماميني، فأحسن جدا حيث قال:
نسيتُ أن أمدح بدرَ العُلَى ... فلم يدعْ بِرِّى وإيناسِي
قُل لبني الدنيا ألا هكذا ... فلْيصنعِ الناسُ مع الناسِ
وله يصف منتزها في الروم، بالقرب من أق بابا:
حللت بالرُّوم دَوْحا هاج أشْجاني ... حَنَى علىَّ بخيْراتٍ وإحسانِ
حوَى مع الأُنْس ما يُسلِى اللبيبَ به ... عن ادِّكارِ شَآمٍ أو خُراسانِ
مَجامرُ الزَّهر في أرجائه نفَحْت ... والوُرْق قد صدَحتْ فيه بأفْنانِ
стр. 200
أشجارُه بسَقتْ أغصانُه ات؟ َّسقتْ ... خِيامَ ظِلٍّ ولكن ذاتُ أفْنانِ
والسَّرْوُ تخْتال في أزْهَى ملابسها ... كأنها الغِيدُ في قَدٍّ ومَيلانِ
ُتمِليها الريحُ إذْ تثَنْى معاَطَفها ... فتنهبُ الُّلبَّ من أحشاءِ وَلْهانِ
وقد رأى بَصَرِى من حسنِ رَوْنقِه ... أضْعافَ ما وصَفُوا في شِعب بَوَّانِ
فدَام يسْقيه في الأسْحار فَيْضُ نَدَى ... وصَوْبُ غيثٍ غزيرِ الهطْلِ هَتَّانِ
؟ أخوه محب الله
هذا أصغرهم الذي أنار الحلك، والسعد الأكبر بين كواكب هذا الفلك.
وهو جدي الذي وصل خيره إلي، وفرض الله تعالى حقه على.
فأنا القائم بآثاره، وأحمد الله على ما خصني به من إيثاره.
صاحب النسب الوضاح، المتقلد تلك المفاخر والأوضاح.
بنور وجهه على خيط الظلام بخيطه، ومحاسنٍ مجدٍ بهرن بما كسينه من حبر المديح وريطه.
أهله الله لعظيم ما استوفاه، وهيأ له الاستقلال بما استكفاه.
فأطلق عنان الاعتنا، وتفنن في غرائب الاقتنا.
فلم تضق له ساحة، ولا قصرت له راحة.
والمجد يرشفه رضابه، والشرف يرقيه هضابه.
في حوزة محوطة، وسعادة بالأماني منوطة.
وبه الكفاية في الخطب إذا عم، والملم إذا ألم.
إلا أنه لم تطل مدته، ولم تتوسع في متصرفاتها عدته.
فقبض في سن الكهولة، واسوحشت لفقده المنازل المأهولة.
فالله يحله في فسيح الرضوان ورحبه، ويجعل الرحمات المتواليات من حزبه وصحبه.
وله نظم أثير، ودرٌ نثير.
أثبت منها ما أحكم نسقاً ورصفا، وتناهى في الحسن تحليةً ووصفا.
فمن ذلك وقله:
أفْديك يا مَن حاز قلبي ... مُستأثراً بجميعِ لُبِّي
قُل لي بحقِّ أبيك مَن ... أغْراك في تَلَفِي وسَلْبِي
هل كان من ذنبٍ فإنِّي ... تائبٌ منه لربِّي
أو عن دَلالٍ فالذي ... تخْتارُه حظُّ المحبِّ
وله:
في سبيلِ الغرامِ قلبي مُعَنىَّ ... أثْخنَتْه نُجْلُ العيونِ جِراحَا
قيَّدتْه فليس يرجو خَلاصاً ... مِن هواها ولا يرُوم برَاحَا
يشْتكى حُرْقة التَّباعُد حتى ... علَّم الوُرْق في الرِّياض النُّواحَا
وإذا ما أراد كَتْمَ هَواه ... زادَه دَمْعُ ناظِريْه افْتضاحَا
وقوله:
تظنُّ العِدى والظَّنُّ مُرْدٍ ومتْلفُ ... بأَنّيَ أخْشَى من عظيمٍ وأفْرَقُ
وهيهات بل عفْو وحِلم وعفَّةٌ ... وما كنْت من شيءٍ سوى العارِ أُشفِقُ
ويبْغون أن أُعْطِي قِياداً ودونه ... تسيلُ دماءٌ من رجال وتُهْرَقُ
وكتب لبعض أحبابه: لو وصفت أشواقي لأعربت عن حصر، ماء البيان في إحصائه حصر، وطول الباع في البراعة عند استقصائه قصر.
ولتكلفت ما ليس في الوسع والطاقة، ولاعترفت مع الوجد والغنى في البلاغة بالعدم والفاقة.
ولأقررت مع القدرة بالعجز، ولنبا غرب عضبي وإن كان لدن المهز.
ولست أشرح وجداً لا يشرح، وحنيناً مبرحاً لا يبرح.
ولا أصف دمعا يكف ولا يقف، ولا مقلةً تجافت عن الكرى ولا تجف.
ولا أعرب عن شوق بنار الصبابة يتلهب، وقلبٍ على فراش الضنى يتقلب.
وكيف لي بعد ما لا يعد، وقد غلب الوجد.
وغاض الجلد، وقاض الكمد.
وخلب الخلب وسلب، وتغلب الوجد على القلب فغلب.
وجفا الجفن الكرى فما كرّ، وخانه الصبر فما ثبت ولا استقرّ.
ولو أغرقت في البيان لخضت في غماره، وغرقت في تياره، وعثرت في مضماره وكبوت ونبوت، وضللت وزللت.
لكني حين عجزت أوجزت، ولما قصرت اقتصرت.
فأضربت عن ضروبه، وأعرضت عن عروضه.
واكتفيت عن ذكر كله، بإبداء بعضه.
وأشفقت على الكتاب من الاحتراق، إذا درجته على نيران الأشواق، وطويته على لواقح الفراق.
محمد بن عبد اللطيف الشهير بالخلوتي
هذا الفرع نتيجة ذلك الأصل، فلهذا هو في حدة الذكاء أمضى من النصل.
تحقق بالعلم الحديث والقديم، وتصرف في طريقه الواضح القويم.
وزهد زهد ابن أدهم، ورغب عن أن يقبض على درهم.
стр. 201
فتنازعته الحظوة بين الأماني والأمان، ولم تدع له أيامه مقترحاً على الزمان.
وكان له أخ أكبر منه، إلا أنه في ناحية، ولا أرى ذاك إلا الشمس المنكسفة وهذا الشمس الضاحية.
وله في المحاضرة محاسن غلبت على الأقمار التمائم، فهي زهر لها المحاسن بروج وزهرات لها القلوب كمائم.
فأين حل فالمحل به أنيس، وهو إذا فارقه عليه حبيس.
وله شعر أزهى من الزهر، وأبهى من الحباب على النهر.
فمنه قوله:
ذا ربعُ دَعْدٍ بالأجارِع فارْبَعِ ... إن كنت مَن يرعى حقوقَ الأرْبُعِ
لي مقلةٌ تسقِى الطلولَ ومَسْمَعٌ ... يدعو حمائمَهنَّ قُولِي أسمعِ
فأنا المُجيبُ لهنَّ عن شجْنٍ وهُنَّ ... سَجعْن عن طربٍ وفَرْطِ توجُّعِ
ما الصادحُ الجَذْلانُ مثل النَّادبِ الْ ... وَلْهانِ ذا دَاعٍ وذلك مُدَّعِ
ولقد حبسْتُ على الديار ركائبي ... والركبُ بين مُودِّعٍ ومُودَّعِ
وكلاهما يرضى بأن يقْضِى أسىً ... ويكونَ غيرَ مُشيِّع ومُشيَّعِ
فلكم جَرعْنا الوجدَ مُرّاً طعُمه ... لما تَزايلْنا غداةَ الأجْرعِ
هي وقفةٌ في الدار لا بَلَّتْ صَدَى ... قلبي ولا أرقْيتُ فيها أدْمُعِي
ماذا الذي يُجْديك نَدْبُ معاهدٍ ... أسَدتْ بها هُوج الرياح الأرْبَعِ
سكانُها نقضوا العهودَ وضيَّعوا ... يا حافظاً للعهد غيرَ مُضيِّعِ
فاشْمَخْ بأنْفِكَ عن أُناسٍ خلَّفوا ... ما أوْعدوك وحبلَ وُدِّهمُ دعِ
واشكرْ لأغْربةٍ نعَبْن بِبَيْنهِم ... من أسودٍ يدعو الزَّيالَ وأبْقعِ
واصدِف عن البرْق اللَّمُوع بأرضهمْ ... وارقُدْ قريرَ الجَفْنِ غيرَ مُروَّعِ
من شاقه ريحُ الشَّمالِ فإنني ... لم أُعْطه وجهاً ولم أتطلَّعِ
لاساعَد الرحمنُ قلباً ذاكراً ... أيامَ مَن خان العهودَ ولا رُعِى
الناسُ بين مُجاهرٍ لك في الأذى ... ومُوارِبٍ تْغلى ضمائُره فَعِ
أغفلتَ رأيَهم ورُمْتَ رشادَهم ... أنت الملومُ فذُقْ أذاهم واجْرَعِ
قابلتَ جهلَهم بحِلْمٍ واسعٍ ... قل للفَوادحِ عند ذلك توسَّعِي
الفَتْكُ عينُ الرأيِ في تدْبيرهم ... لو لم تكنْ لله لم تتورَّعِ
خُلِقوا من الشرِّ الصريحِ وصُوِّرا ... شَرَّ الورى سكنوا بشرِّ الموضعِ
ما للزمانِ جرى على عاداتِه ... في رِفعةِ الأدْنى وخفضِ الأرْفعِ
وبنُوه قد جُبِلوا على أفعالِه ... فالحر بْينهم بحالٍ أشنعِ
دهرٌ قضى أن لا يطيبَ لماجدٍ ... قُل للَّيالي ما بدا لكِ فاصْنعِي
فاعْرِض عن الدهرِ الخؤونِ وأهلِه ... وافْرَغْ إلى ربِّ البرايا وارْجعِ
وقوله من أخرى، كتب بها إلى محمد الكريمي:
نراجع إلى الفضلِ أهلَ الكلامْ ... ونأخذُ عن كلِّ حَبْرٍ هُمامْ
ونسألُ مِن ساحِة الأكرمين ... ونخضعُ للمجد لا للأنامْ
فنتْبع من رفعتْه النفوسُ ... ونترُك من قدَّمتْه اللئامْ
فأختارُ طوراً زوايا الخمولِ ... وطوراً أحبُّ الأمورَ العظامْ
تراني على كلِّ حالٍ أُرَى ... أسيَر الهوى ومليكَ الغرامْ
وما جرعَةُ الحب إلا المَنونُ ... وما لوعةُ الهجرِ إلا الهُيامْ
وما راحةُ العشقِ إلا العَنا ... ولا صحةُ الصَّبِّ إلا السَّقامْ
ولي حَسرةٌ بعد أخرى لها ... زفيرٌ ولي له انْحسامْ
يُذيب الحشا ويُثيِر الشُّجونَ ... بنارٍ غدا وَقْدُها كالضِّرامْ
وهل للهوى غيرُ مَن ذاقه ... فَنشكْو له مُرّ سَمْع المَلامْ
стр. 202
ولاكلُّ مَن غاص بحرَ الهوى ... حوَى مِن جواهِره باغْتنامْ
ولاكلُّ مَن قد سما للعلومِ ... يقرِّر مُشكِلَها عن إمامْ
فذاك هو الن؟ َّدْبُ بدرُ العلومِ ... ولم يزل نورُه في التَّمامْ
كخِلِّى الكَرِيمىِّ مَن فضلُه ... تلفَّعه يافعاً باهْتمامْ
مُهذَّبُ أخلاقِ أهل الوفا ... حفيظٌ لعهدِ التقى والذِّمامْ
؟ السيد أبو الأمداد فضل الله بن محب الله
والدي الذي هو سبب حياتي الفانية، تتبعها حياتي الباقية.
فإني من صلبه خرجت، وعليه تخرجت.
ولا أعد من الفضل، ما كثر لدي أو قل، إلا منه ابتداؤه، وإليه انتهاؤه.
وكنت أطوع له من قلمه لكلمه، وأوفق من بنانه لبيانه.
ما ملت عن نهجه ولا تنحيت، من حين دبيت إلى حين التحيت.
أرجو على يديه حسن التحلي، والاطلاع على أسرار التجلي.
حتي أسعد في آخرتي ودنياي، وأفوز بالحسنى في مماتي ومحياي.
وكان هو حريصاً على فائدة يلقيها على، وعائدة يجر نفعها إلىّ.
حتى خصَّني بتعليم ما تفرد به من صنعة الإنشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأنا فيما ذكرته واصف نفسي، وأما وصفه فمما لا يقوم باستيفائه يرسى ولا نقسى.
إن قلت: فاضل، فقد ساواه في الفضل من سواه، أوقلت: ماجد، فقد شاركه في المجد من عداه، وهو تعداه.
وأنا لا أرضى له إلا التوحد، ولا أقبل له إلا التفرد.
فإنه من منذ وجد، إلى أن فقد.
لم يزل ربيب نعمة، غذى حشمة.
والجاه في زمن أبيه، يخشى من أنفته وتأبيه.
والأمداد فضل الله، لأبي الأمداد فضل الله.
وله عزمة تلين قسوة الدهر الأبي، ويتلى حديثها كما يتلى الحديث عن النبي.
إلى بشر يترقرق ماؤه في غرته، وينفتق نور الشرف بين أسرته.
وله كلماتٌ كحديث الصديق، أو عتيق الرحيق، يجمع لذة حلو الحديث إلى نشوة المر العتيق.
بخطٍ ينطق من غير لسان، ويفصح من غير بيان.
وشعرٌ إذا رأيته، رويته.
ونثرٌ تحفظه، حين تلحظه.
وله تآليف ضربت من الإجادة بسهم، وأقر لها أهل البلاغة من كل شهم.
هي لعقد الفضل واسطة النظام، ولمطلع المجد بيت القصيد وحسن الختام.
فمن شعره قوله، من قصيدة مطلعها:
حديثُ غرامي في هواك صحيحُ ... وقلبي كأقْوال الوُشاة جريحُ
وشوقي إلى لُقياك شوقُ حمامةٍ ... لها فوق أفْنان الغصون صُدوحُ
فتندُبُ أطْلالا لها ومعاهداً ... وتظهِر أشْجانا لها وتصيحُ
فلا مؤنسٌ في الدار لي غير صوتها ... إذا هاج وَجْدي والدموع تسيحُ
كلانا غريبٌ يشْتكى الهجرَ والنَّوَى ... فيبكي على إلفٍ له وينُوحُ
فقلبي وجَفْني ذا يذوبُ صَبابةً ... حَزِيناً وهذا بالدموع قَرِيحُ
ومُهجةِ صَبٍّ مُستَهامٍ مُتيَّمٍ ... بها صار من داء الغرامِ قُروحُ
أهِيمُ غراماً حين أذكُر جِلَّقاً ... ودمعي بسفْح القاسِيُونِ سَفوحُ
ولو كان طَرْفي في يدَىَّ عِنانُه ... سعيْتُ ولكن مُناى جَمُوحُ
وقوله من أخرى، مستهلها:
رعى اللهُ أيام الشَّبِيبة من عَصْرِ ... وهزَّ نسيمُ العيش رَيْحانةَ العمرِ
وحّيَّ بِقاعاً تُنبت الحسنَ تُرْبُها ... وتُبْدِي لنا الأقمارَ من فلَك الخِدْرِ
حَلْلتُ بها والدهرُ أبيضُ مُقِبلٌ ... وعَيْشِى مقيم في خمائله الخُضْرِ
تُحيط بَي الغِيدُ الحسانُ أوانِساً ... كما اشْتبكَتْ زُهْر النجوكم على البدرِ
هذا نقل منق قول ابن خفاجة في النسيب:
غَزاليَّةُ الألْحاظِ رِيميَّةُ الطُّلَى ... مُداميَّةُ الألْمَى حَبابَّيةُ الثغرِ
تَرنَّح في موشِيَّةٍ ذهبَّيةٍ ... كم اشتبكتْ زُهْرُ النجومِ على البدْرِ
وفي المقامة الحلوانية: وقد أحاطت به أخلاط الزمر، وإحاطة الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر.
وله من أخرى مستهلها:
طيفٌ يُمِّثله الغرامُ بفكْرِه ... ورَجاً يَحارُ بطَيِّه وبنَشْرِهِ
منها في الغزل:
стр. 203
وبمُهْجتي نَشْوانُ من خمرِ الصِّبا ... لعبتْ بنا قَهْراً سُلافةُ خمْرِهِ
يرْنُو إلىَّ بساحرٍ من طَرْفِهِ ... عنه روَى هاروتُ قصةَ سِحْرِهِ
بدرٌ تكامَل في المحاسِن خَلْقُهُ ... لمَّا غدا منه المَحاقُ بخَصْرِهِ
هذا معنى أرق من خصر مليح، وفيه مع هذه المقابلة تنشيط وتمليح.
وأظنه رأى بيت المطَّوِّعيِّ فاستجاد معناه، وشيد بوصف الكمال مغناه.
وبيت المطَّوِّعيِّ:
قضيبٌ ولكنْ مَبْسمُ النَّورِ ثغرُه ... وبدرٌ ولكن المَحاقَ بخَصْرِهِ
ولقد مر بي أبيات في هذا المعنى لابن مخلد، لعبت بي لَعِبَ الشمول، بحُرِّ العقول.
وهي:
لعبتْ به نُجْلُ المَحاجِرْ ... لَعِبَ الخناجرِ بالحَناجِرْ
بأبي رواقدُ في سُوَيْ ... داءِ القلوبِ وفي النَّواظرْ
هُنَّ البدورُ ولا مَحا ... قَ لهُنَّ إلا في الخواطِرْ
تتمة الأبيات من القصيدة:
قد بات يسْقينا مُدامة ثَغْرِهِ ... وتُضيءُ مجلَسنا لآلئُ دُرِّهِ
طَرْفي بجنَّة حسنِه مُتنعِّمٌ ... والقلبُ في نارِ الجحيم بهَجْرِهِ
قد لامَني فيه العذولُ جَهالةً ... لم يَدْرِ ما صَحْوُ الهوى من سُكْرِهِ
بَحْرُ المحبَّة ليس يبلُغ غَوْرَه ... لم يُلْفِ ساحلَ بَرِّه من بحرِهِ
يا قلبُ رِفْقاً كم تُحمِّلني الأسى ... أوَ مَا ترى جَوْرَ الزمانِ بِحُرِّهِ
مَهْلا لقد حمَّلتني عِبْئاً لقد ... أعْيَى الجبالَ الشُّمَّ شَمَّةُ نَزْرِهِ
وألِفْتُ صَرْفَ الدهر حتى إنه ... سيِاَّنِ عندي عُسْره مع يُسْرِهِ
وما أحاسن محاسنه قوله:
ومَصُونٍ عليه غَيْرةُ حُسْنٍ ... حجَبْته عن أعْيُن الأوهامِ
حبُّه في القلوبِ سِرٌّ خَفِيٌّ ... كخَفاءِ الأرْواحِ في الأجسامِ
ملِكٌ لم يدَعْ من الحسنِ شَيَّا ... لِسواهُ بَراه في الأحْلامِ
وقوله:
ألا يابنَ الأُلَى سادُوا أراك تفوقُهمْ ... وتبلغُ إن شاء الله الإلهُ العُلَى حَتْمَا
فأنت هلالٌ والهلالُ نمُوُّه ... دليلٌ له أن يْغتدِى قمراً تِمَّا
هذا من قول الآخر:
إن الهلالَ إذا رأيتَ نُمُوَّه ... أيْقْنتَ أن سيصيرُ بدراً كاملاَ
قلت: عامة أهل الأدب وغيرهم أن نجاح الأمور وسعادتها، ونحوستها وخيبتها، بأوائلها.
وفي أمثال العامة: " ليلة العيد من العصر ما تخفى ".
" والليلة المضيَّه تبان من عشيَّة ".
" واليوم المبارك من أوله يبين ".
ويقولن: " لو أراد يسعدني أيش كان يقعدني ".
كما قيل:
إذا بلغ الفتى عشرين عاماً ... ولكم يفْخَر فليس له افْتخارُ
وقال:
وإذا الفتى مرَّتْ له في عمرِه ... خمسونُ عاماً للتُّقى لا يجْنحُ
عكَفتْ عليه المُخْزِياتُ فما لَهُ ... مُتحوَّلٌ عنها ولا مُتزحْزَحُ
وإذا رآى إبْليسُ غُرَّةَ وجهِه ... حَيَّى وقال فَدَيْتُ مَن لا يُفِلحُ
والمنجمون على خلافه، فإنهم يقولون: هذا بحسب الطالع، فقد يكون في أول العمر، وقد يكون في أوسطه، وفي آخره.
وكذا في الشرع، قد يولد المرء مؤمناً أو كافراً في أول أمره، وفي أوسطه، وآخره، ثم يعرض له خلافه.
وما ذهبوا إليه أوهام. انتهى باختصار.
ومن كتاب اللآلي قال الشهاب: قلت: الواهم ابن أخت خالته، فإن الأول في وادٍ وهذا في آخر، بعيد عنه بمراحل، لأن الجمهور أرادوا أن الله خلق في كل أحدٍ استعداداً للسعد وغيره، تظهر علاماته عليه في أول أمره.
كما قال:
في المهدِ ينطِق عن سعادِة جَدِّه ... أثرُ النَّجابِة ساطعُ البُرهانِ
وأما برُوزه من القوَّة، فقد يُسرِع وقد يُبْطِى، كما لا يخفى.
وله:
أنا ما بين زُمْرِة الأقْرانِ ... خَصَّ حَظّي الزمانُ باِلحرْمانِ
فالعُلالاتُ لي سحائبُ يبْدُو ... بَرْقُها خُلَّباً مكانَ الأمانِي
هذا من قول بعضهم: برقٌ خلَّب، وعلالات للنفس وخدعٌ لها.
стр. 204
قال كعب:
فلا يُغرَّنْكَ ما منَّتْ وما وعدتْ ... إن الأمانِيَّ والأحلامَ تضْليلُ
وقد استحسنوا قول بعض الحكماء: الأماني أحلام المستيقظ.
ونظمه القاضي محمد بن هبة الله الحسيني الأندلسي، فقال:
كم ضيَّعتْ منك المُنَى حاصلاً ... كان من الواجبِ أن يُحفْظاَ
فإن تعلَّلتَ بأطْماعِها ... فإنَّما تحلُم مُستْيِقظَا
ومن النوادر:
أحاديثُ نفسٍ كاذباتٌ وما لَها ... فوائدُ إلا أن تسُرَّ الفتى العانِي
وأكثرُ ما تُمْليه يظهُر ضِدُّه ... فكلُّ أمانِي القلبِ أحْلامُ يَقْظانِ
وأحسن منه:
إنما هذه الحياةُ مَنامٌ ... والأمانيُّ حُلمٌ بها المرءُ صَبُّ
فلهذا تأْني على العَكْسِ ممَّا ... كرِه الناسُ دائماً وأحَبُّوا
وشعره كثير مجموع في ديوان، والطرس يستدل على ما فيه من العنوان.
ومن منشآته، التي أعدها من بدائع مقولاته.
ما كتبه على لسان فرسٍ إلى مفتٍ بالروم، وجرى فيها على طريقة الوهراني، في رقعته التي كتبها على لسان بغلته، وعلَّقها في عنقها، وسيبها في دار الأمير عز الدين موسك.
فأما رقعة أبي، رحمه الله تعالى، فهي: الهمام المقدام في حلبة الرهان، والإمام المصلى به يقتدى المجلى والثاني في ميدان البيان.
غرة جبهة دهم الليالي، من شهب أيامه ربيع الفخار والمعالي.
جعل الله مجمل سعادته غنياً عن الإفصاح، وجياد أوصافه الحسنة متباريةً في ميدان المداح.
بجاه سيدنا محمد الذي علا على البراق، وتشرفت به الآفاق.
أنهى إلى عالي حضرته، بعد تقبيل سامي سدته.
أنه لا يخفى ما ورد على النبي النبيه، أهدى الله إليه صلاته وسلامه،: " الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ".
وإنني تلك الفرس الأصيلة الطرفين، والحجر العريقة الجانبين.
فأبى من العتاق المعنقية، وأمي من الصَّافنات الجياد السقلاوية.
نشأت بأراضي الشام، وشممت ذلك العرار والبشام.
وقد كان شرفني المولى بالرُّكوب، وأملت منه المطلوب.
وفزت بالمراد، وسبقت الجياد.
وتقدمت الحياشية أمامي، وحملت الغاشية قدامي.
ومشيت بالأدب والوقار، ولم يصدر مني عثار ولا نفار.
وقد طرق سمعي أن المولى صار فارس الميدان، وسابق يوم الرهان.
وامتطي الصدارة صهوة الإقبال، وسحب له جنيب العز والإجلال.
وملك زمام الأمور، وشد حزام العزم في مصالح الجمهور.
فحصل لي كمال السرور والنشاط، وكدت أن أفك نفسي من الرباط.
وأجد في المسير، إلى تهنئة جنابة الخطير.
لكن أقعدتني الأيام عن ذلك، ومنعتني عن سلوك هذه المسالك.
لما حل بي من مواصلة الصيام، والركوع والسجود عند القيام.
وتقدمني في المسير الرفيق، الذي اجتمعت أنا وإياه في طريق.
إن العوائقَ عُقْنَ عنك ركائبي ... فلهُنَّ من طربٍ إليك هَدِيلُ
وكان بلغني أنه ركض في ميدان حضرتك بعض اللئام، ووضع قديم قوله حيث شاء من الملام.
ونسبني إلى البطر والجموح، وسلوك طريقٍ من قلة الأدب مطروح.
وأن البحر على تعكر، والورد الصافي تكدر.
فوالله ليس لما قيل، أصلٌ أصيل.
وكنت أود أن أتوصل إلى بره، وأكرع من فائض بحره.
وأورد موارد إحسانه، وأفوز بلطفه وامتنانه.
فلا خير في حبٍ لا يحمل أقذاؤه، ولا يشرب على الكدر ماؤه.
وقد علم أن البهائم لا تعلم شعر أبي تمام، ولا تعرف شعر أبي الطيب الهمام.
ولا تطرب الخيل، إلا بسماع الكيل.
والعلاف، لا يعرف مسائل الخلاف.
وصاحبي وإن كان هو الأصيل العريق، كلنه مقتر للضيف في العليق.
كثير الشعر قليل الشعير، ينشد بلسان التقصير:
ومالي صنعةٌ إلا القوافي ... وشعرٌ لا يباع ولا يعار
فالشعير أبعد من الشعرى العبور، ولا وصول إليه ولا عبور.
فالبطن ضامر لا يشد عليه حزام، والفم خالٍ ليس فيه إلا اللجام.
وقد بليت بعد الهزال بالخرس، وأصبحت كما قيل: الجل خيرٌ من الفرس.
وغيري ممن ليس له أصل ولا فصل، ولا أدب عنده ولا فضل.
يرتع في رياض الإنعام، ويجهل أنه من الأنعام.
حمارٌ يسيَّبُ في روضةٍ ... وطِرْفٌ بلا عَلَفٍ يُربَطُ
стр. 205
فإن أنْعَم المولى بحَلِّ وَثاقي من يد الحِرمان، وأحلَّني من ربيع فضلهِ في رَبْوة الإحسان.
فأكرُم الخيل أشدُّها حَنِيناً إلى وطنه، وأعتق الإبل أكثرها نزاعا غلى عطنه.
فليهتز فرص الاقتدار، ويغتنم التجاوز عن عثرات الأحرار.
فالدابة تضرب على النفار، لا على العثار.
فليس لي سواه أعول عليه، وأرفع قصتي إليه.
وهيْهات أن يُثْنَى إلى غيرِ بابِه ... عِنانُ المطايا أو يُشَدَّ حِزامُ
وهذه رقعة الوهرانيّ، وهي من لطائف نزعاته، ومحاسن مخترعاته: المملوكة ريحانة بغلة الوهرانيّ، تقبل الأرض بين يدي الأمير عز الدين، حسام أمير المؤمنين.
نجاه الله من حر السعير، وعظم بداره قوافل العير.
ورزقه من التِّبن والشَّعير، وسق مائة ألف بعير.
واستجاب فيه أدعية الجمّ الغفير، ومن الخيل والبغال والحمير.
وتنهى إليه ما تقاسيه من مواصلة الصيام، والتعب في الليل والدوابُّ نيام.
قد أشرفت مملوكته على التَّلف، وصاحبها لا يحمل الكلف، ولا يوقن بالخلف، ولا يقول بالعلف.
وإنما يحلّ به البلاء العظيم، في وقت حاجتي إلى القضيم.
والشَّعير في بيته مثل المسك والعبير، والأطريفل الكبير.
أقلُّ في الأمانة من النصارى الأقباط، والعقل في رأس قاضي سنباط.
فشعيره أبعد من الشِّعرى العبور، ولا وصول إليه ولا عبور.
وقرطه أعزُّ من قرطي مارية، لا يخرجه صدقةً ولا هبةً ولا عارية.
والتِّبن، أحبُّ إليه من الابن.
والجلبَّان، أعز عنده من دهن البان.
والقضيم، بمنزلة الدُّرِّ النَّظيم.
والفصَّة، أجلُّ من سبائك الفضَّة.
والفول، دونه ألف باب مقفول.
وما يهون عليه يعلف الدوابّ، إلا بفنون الآداب، والفقه الُّلباب، والسؤال والجواب، وما عند الله من الثواب.
ومن المعلوم أن الدوابَّ لا توصف بالحلوم، ولا تعيش بسماع العلوم.
ولا تطرب إلى شعر أبي تمَّام، ولا تعرف الحارث بن همام.
ولا سيما البغال، التي تستعمل في جميع الأشغال.
مسكبة قصيل، أحب إليها من كتاب التَّحصيل.
وقفَّة دريس، أشهى إليها من فقه محمد بن إدريس.
ولو أكل البغل كتاب المقامات، لمات.
ولم لم يجد كتاب الرَّضاع، لضاع.
ولو قيل له: أنت هالك، لم يأكل موطأ مالك.
وكذلك الجمل، لا يتغذَّى بشرح أبيات الجمل.
ووقوفه في الكلا، أحبُّ إليه من شعر أبي العلا.
وليس عنده طيِّب، شعر أبي الطيِّب.
وأما الخيل، فلا تطرب إلا إلى استماع الكيل، وإن أكلت كتاب الذيل، ماتت بالنهار قبل الليل، والويل لها ثم الوبل.
ولا تستغنى الأكاديش، عن أكل الحشيش، بكل ما في الحماسة من شعر أبي الخريش.
وإذا أطعمت الحمار، شعر ابن عمَّار، حلَّ به الدمار.
وأصبح منفوخاً كالطبل، على باب الإسطبل.
وبعد هذا كله فقد راح صاحبها إلى العلاف، وعرض عليه مسائل الخلاف، وطلب من بيته عشر قفاف، فقام إلى رأسه بالخفاف.
فخاطبه بالتقصير، وفسَّر له آية العير، وطلب منه قفَّة شعير، فحمل على عياله ألف بعير.
فانصرف الشيخ منكسر القلب، مغتاظاً من الثَّلب، وهو أخسُّ من ابن بنت الكلب.
فالتفت إلى المسكينة، وقد سلبه الغيظ ثوب السكينة.
وقال لها: إن شئت أن تكدِّي فكدِّي، لاذقت شعيرة ما دمت عندي.
فبقت المملوكة حائرة، لا قائمة ولا سائرة.
فقال لها العلاف: لا تجزعي من خياله، ولا تلتفتي إلى سباله.
ولا تنظري إلى نفقته، ولا يكن عندك أخسّ من عنفقته.
هذا الأمير عز الدين، سيف المجاهدين.
أندى من الغمام، وأمضى من الحسام، وأبهى من البدر ليلة التمام.
لا يرد سائلاً، ولا يخيِّب آملاً.
فلما سمعت المملوكة الكلام، جذبت اللجام، ورفست الغلام، وقطعت الزمام، وشققت الزِّحام، حتى طرحت خدها على الأقدام، ورأيك العالي والسلام.
وله من رسالة كتبها إلى منصور الطبيب الغزواني، يشكو إليه علة لزمته، وبرداً وقع في ذلك العام، خارجاً عن معتاد الشام.
أنا أصبحتُ لا أُطيق حَراكاً ... كيف أصبحت أنت يا منصورُ
قد طالت العلَّة، وطابت العزلة.
فليس في الحركة، هذا الآن بركة.
والانقطاع، أربح متاع، والاجتماع جالب الصُّداع.
والاختلاط، محرّك الأخلاط.
والوحشة استنئناس، وأجمع للحواس.
فهو زمان السكوت، وملازمة البيوت، وأوان القناعة بالقوت، وذلك قوت من لا يموت.
стр. 206
والحر حرٌ، وإن مسه الضر.
فوطؤه خفيف، وضالته رغيف.
لزوم البيت أروح في زمانٍ ... عدمنا فيه فائدة البروز
فلا السلطان يرفع من محلى ... ولست على الرعية بالعزيز
ولست بواجدٍ حراً كريماً ... أكون لديه في حرزٍ حريز.
وإني لأشكو من تسحب هذا السحاب، وتسلط هذا الرَّباب.
وام أر قط والله كالعام، الكثير الإنعام.
الذي من تورط فيه غرق، ومن تنشط فيه عام.
سحابٌ مجنون، يصم الآذان برعده، وبرقه يغشى العيون.
وغمامٌ شديد الإيلام، كأن صوبه صوب ملام، أو عرق حمام.
ومطرٌ كأفواه القرب، وصوت رعدٍ يميت الطرب.
حتى كأن صوته صوت عذاب، أو سطوة ليوثٍ غضاب.
أو أنه مهجور مرتاب، من تصرم أسباب وداد الأحباب.
أو كأنه نعرة فيل، أو نفخة إسرافيل.
أو شق السماء بشدةٍ فانشقت، " وأذنت لربها وحقت ".
ولمع برقٌ خفاق جلاب، مشرق كالشمس إلا أنه شديد الاضطراب، سريع الاحتجاب، لمّاع، دفّاع، يختار دونه لمع السراب، ومنع الشراب.
حتى قال قائلنا: ليت بذي الغمام جهام، وليت ذا البرق المتألق خلب وسيفه المسلول الصارم كهام.
وليته كان كاذب المخيلة، وليت لقحة نوئه هذا شحيحةٌ بخيلة.
ولم أر حال هذا السحاب الغيداق، إلا كحال مولهٍ مشتاق، شديد الأشواق. وكاف الآماق.
مشتعل الزفرات، متقاطر العبرات.
فسبحان من أرسل مدارا، وجعل القطار في هذه الأقطار بحارا.
ألا يرى كيف من الله سبحانه بالوقوف، على السقوف.
وبالثبوت، على البيوت.
ولم يعلم هل هذا السحاب، أصبح يجود لسقياً رحمةٍ أم سقيا عذاب.
وأما الثلوج فإنها شيبت نواصي الجبال، مع شدة الاحتمال، فما الظن بنواصي الرجال، مع تزاحم الأهوال، وتراكم الأثقال.
اللهم إنا نستعيذ بك أن تقلب الأعيان، فتجعلها سبب الموتان، في الحيوان، أو أن تعيد الطوفان، في آخر الزمان، وبالله المستعان، وعليه التكلان.
وأبق له عبدٌ وهو بالقاهرة، فكتب إلى دمشق، يخبر بإباقته: وأما ياقوت الممقوت، سوَّد الله وجهه، وعامله بالنكال أيما توجه.
قد أبق في هذه الأيام، كما هو دأب جنس الخسيس الخبيث فما عليه ملام.
واللومُ للحرِّ مقيمٌ رادعٌ ... والعبد لا يردعُه إلا العصَا
ولما بلغنا ذهابه من اليم، تباشرنا بزوال الهم.
وأنشدنا:
إلى حيثُ ألْقَتْ رَحْلَها أمُّ قَشْعَم
ولو طلب منا الإجازة أجزناه، والمكاتبة كاتبناه ودبرناه، وعن خدمتنا أبعدناه.
ولو أدرناه تطلبناه، وبما يليق عاملناه.
وإذا رأيتَ العبدَ يهرُب ثم لم ... يُطْلَب فمولى العبدِ منه هاربُ
ولو لم يكن لي في هذه السَّفرة من الربح الذي ليس به خفا، إلا ذهاب هذه الغمة السوداء لكفي.
وفي الحديث الشريف: " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه "، ومن أمثالهم: " قبح اللكع ومن يرجوه ".
وقد كنَّا قديماً نسمع، أن الخادم بمنزلة النَّعل يلبس ويخلع.
والعبد لو كانت ذؤابة رأسه ذهبا، لكان رصاصةً رجلاه.
ومن أبق عن الخدمة، فقد يعد بعده نعمة، وقربه نقمة.
فقد يفر المهر من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه.
فما كل شجرة تحلو لذائقها، ولا كل دار ترحب بطارقها.
ومن أبق عن مولاها مغاضباً، وجانب إحسانه الذي لم يكن له مجانباً.
يجد من مفارقة معاهد الإحسان، ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان.
ويكون ذنب عقابه فيه، وكم عبدٍ أبق من مواليه.
وقد روى مرفوعا عن سيد الأمة: " أيما عبدٍ أبق فقد برئت منه الذمة ".
وبالجملة فقد حصل لنا بذهابه غاية المسارّ، و:
إذا ذهب الحمارُ بأم عمرٍو ... فلا رجعتْ ولا رجع الحمار
وله يصف فتى: حسنه يملأ القلوب والصدور، وليس البدر إلا أن فيه حسنا تلاشت في دقائقه البدور.
ريمٌ من الروم، خادم مخدوم.
قد كساه الزمان ملابس جماله، ووهبه الأوان محاسن كماله.
بديعُ جمالٍ كل ما زاد ناظرِي ... به نَظَراً زادتْ محاسُنه حسناَ
جرى فيه ماء النعيم والهيف، وتحكم فيه تيه الحسن والصلف.
باهٍ بقده، زاهٍ بوردى خده.
ألصق بالقلب، من علائق الحب.
كلَّما لاح وجُهه بمكانٍ ... كثُرتْ زحمةُ العيون عليهِ
ذو قدٍ مياد ميال، بيدي المَلال والدَّلال.
стр. 207
يتمايل من خمر الصبا، تمايل الغصن إذا أمالته الصبا.
ويتصرف مع القلوب، كتصرف السحاب مع الجنوب.
فهو ألطف من نسيم الشمال، على أديم الماء الزلال.
كأن حديثَه خُلَسُ التَّشاكِي ... مع الأحْباب أو قُبَلُ الوَداعِ
قد حل بالشام، فازدهرت به ازدهار الخد بالوشام.
وغردت أطيارها، وتمايلت طرباً أشجارها.
وتدانت ولا تدانى المحبين، وتعانقت ولا تعانق العاشقين.
وأحداق الحدائق باهت في رياض جماله، والأغصان تاهت في لين قده، واعتداله.
أسفر فرأيت البدر طالعا من أطواقه، وأقبل بحلة كأنما صبغت من دم عشاقه.
فالشمس طالعة من أزراره، والبدر من مشارق أنواره.
له مبسم لو تبسم في الليل صير الظلام نهارا، ولو استعار الراح منه الحبب لقال:
شغل الحلى أهله أن يعارا
شكل ظهر في طريق الحسن بالبياض، وصحح حديثه الحسن أجفان المراض.
أوقد ناري، وأمات اصطباري.
وكم في الناس من حسَنٍ ولكن ... عليه لِشقْوتي وقع اخْتيارِي
فكلف به بعض سكانها، وهام فيه بعض أعيانها.
وقد تزايد فيه الغرام، ومن يعشق يلذ له الغرام.
وقد هاجت بلابل بلباله، وقصد أن يرفع لحضرته بعض خصاله، في عرض حاله.
فاللحظ، يعرب عن اللفظ.
فما كانت إلا نظرة، أعقبت حسرة.
أتعبت الخاطر، وسرت الناظر.
وقد قيل: إن الحسن عليه زكاةٌ كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة إلا عبارةً عن الوصال.
ولما دعاه داعي الهوى أخذ يبدي له الالتفات، ويريه الصد تارات.
قد جرى بينهما في ميدان الصحبة بدهم الليالي والأيام، طراد خيل اللهو في حلبة المحبة والغرام.
وهو قانع منه بالقليل، راضٍ بالنظر إلى وجهه الجميل.
ومضت معه أوقاتٌ من مواسم العمر محسوبة، والسُّعود إلى طوالعها منسوبة.
حيث الزمان ربيع، والروض مريع.
والنسيم عليل، والوقت سحر وأصيل.
ألطف من عدة الحبيب، وألذ من غفلة الرقيب.
وما تفْضُل الأوقاتُ أخرى لِذاتِها ... ولكنَّ أوقاتَ الحسانِ حِسانُ
فقد كانت أطيب من نيل المراد، ولكنها أقصر من ساعات الأعياد.
فلو كان دهري عقداً لكانت واسطته، أو كان عمري جيداً لكانت قلادته.
فهيهات أن تنسى، وعسى أن تعود عسى، ربما أحسن الزمان وإن كان قد أسا.
هذا، فبينما هما على هذا الحال، قد أرغد عيش وأنعم بال.
إذ دنت شمس النوى بالطلوع، وفضح التطبع شيمة المطبوع.
وحارَبِني فيه رَيْبُ الزمانِ ... كأن الزمانَ له عاشقُ
فعلمت من مقدار الفراق ما كنت جهلته، ووجدت من شخصه ما كنت ضللته.
وقد أظهر دمعي ما أضمرته، وأبان من وجدي ما أخفيته.
عجباً لقلبي يوم رَاعَنِيَ النوى ... ودَنَا التفرُّق كيف لا يتفطَّرُ
أكفكف بالأكف الدموع، وأطوى على نار الغضا الضلوع.
وقد جزعت ساعة وداعه، حتى خفت على تفطر كبدي بانصداعه.
وما خلق الفراق، إلا لتعذيب قلوب العشاق.
فتكلم الحب عن لساني، وبرح الشوق بكتماني.
لو كنتُ أعلم أن آخرَ عهْدِه ... يومُ الفِراقِ فعلتُ ما لم أفْعَلِ
كأن قائل ذلك كان حاضرا معنا، أو كأنه قال ذلك لنا.
وقد انثنيت بجسم ناحل، أو بت من صبري على مراحل.
ما إن تركتُ وَداعَه عن جَفْوةٍ ... لكن جزِعتُ لبَيْنِه وفِراقِهِ
وما خلوت ساعة مذ تفارقنا من نفسٍ تتقيَّد له الأضلع، وذكرٍ تفيض له الأدمع.
وتشكي الفراق، وتذكر أيام التَّلاق.
وسهَّل التوديعَ يوم النوى ... ما كان قد وعَّرْه الهجْرُ
فالنظر إلى عين الشمس أسهل علىّ وأهون على عيني من أن أنظر إلى ذلك الصدر، وقد خلا من ذلك البدر.
كفى حزَناً بالهائمِ الصَّبِّ أن يرى ... منازلَ مَن يهوَى مُعطَّلة قَفْرَا
ما أعول إلا على العويل لو كان يغنى، ولا أستنصر غير الوجد لو كان يجدي.
والله سبحانه يقدر التلاق، ويضمُّ مشتاقاً إلى مشتاق.
فكم من حبيبين، فرق بينهما البين.
وأليفين، عادا بعد الفراق للوصل حليفين.
وقد يجمعُ الله الشّتيتْين بَعْدما ... يظْنان كلَّ الظنِّ أن لا تلاقِيَا
وهنا أنهيت الكلام على هذه العصبة، وختمت بهم عصابة أحرزوا في مجال القصبة.
стр. 208
وقد عنَّ لي أن أذكر قصيدة جعلتها لجبهة دمشق إكليلاً، ووصفت بها من محاسنها روضا أريضاً وظلاً ظليلا.
فلتكن منوهة بمحل فضائل هذا الجمع، وخاتمةً لأوصافهم التي هي آخر ما يقرع السمع.
والقصيدة هي قولي:
سقَى دمشقَ موطنَ الأوطارِ ... دمعي وصَوْبُ العارِض الزَّخَّارِ
حتى يُرَوِّيا بها كلَّ رُبًى ... تصوَّرت في صُورةِ الأنوارِ
يسافرُ الطَّرْف بها إلى مَدى ... يُغنِى بها الخُبْرُ عن الأخبارِ
وباكرتْ نَيْرَبَها نُسَيْمةٌ ... عابقةٌ في رَوْضِهِ المِعْطارِ
من قبل أن تصْدَى بأنْفاسِ الورى ... بَلِيلةُ الأذْيالِ في الأسْحارِ
فنبَّهتْ أطْفالَ نبْتٍ نُوَّماً ... ترضعُ ثَدْي الدِّيمةِ المِعْطارِ
وللرِّياض طِيبُ أنفاسٍ بها ... تُهدِى الثناءَ الجَمَّ للأمْطارِ
يتلُو خطيبُها بصوتٍ شاكرٍ ... مِدْحتَه في منبرِ الأشجارِ
وينثُر الزَّهر فينظم الندى ... يا حسنَ ذاك النظمِ والنَّثارِ
لَوَى القضيبَ ثم جِيداً غَنِمَتْ ... تقْبيلَه مباسمُ الأنوارِ
والماءُ في خَريرِه مُنهمِكٌ ... والطيرُ عاكطفٌ على التَّهْدارِ
إن ردَّه اللحنُ انْثنتْ غصونُها ... تسمعُ منه رَنَّةَ الأوتارِ
وربما انْحنتْ لتَقْرا أسطراً ... في النهرِ خَطَّها النسيمُ السَّارِي
والنَّورُ قد فتَّح عن أكْمامِه ... وفكَّكَ الوردُ عن الأزْرارِ
والرَّبوةُ الغنَّاء حَناها الصَّبا ... فنفَحتْ عن جَوْنِة العطَّارِ
أُعِيذ بالسَّبْعِ المَثانِي دَوْحَها ... على احْتواءِ السَّبْعَةِ الأنهارِ
ودَبْرُ مُرَّان القديم لا عدَتْ ... سُحْبُ الحَيا ما فيه من آثارِ
فيه حديث البَبَّغا وعهدُه ... حَلْىٌ لِجِيدِ سالفِ الأعْصارِ
والمَرْجةُ الفيْحاءُ والوادِي الذي ... مَنْظرُه الباهِي جلاَ الأبْصارِ
معاهدٌ فيها النَّدامي أغْصُنٌ ... مُثْمرةٌ فواكَه الأسْمارِ
من كلِّ وَضَّاح الجبِينِ مُسْفرٍ ... عن طلعةٍ تهْزَأُ بالأقمارِ
فالنجمُ سارٍ طالباً لقيته ... لذاك قد لُقِّب بالسَّيَّارِ
وشاب حُزْناً طَرفُه وما رأى ... شبيهَهُ في الفلَك الدَّوارِ
يعرَق وجهُ الكأس بالحَباب إن ... فَاه وخدُّ الرَّوْضِ بالقُطارِ
مُنْتِقبٌ بالورد من خَجْلتِه ... جُوداً ومُرْتَدٍ حُلَى الوقارِ
وكلُّ مختارِ المعاني حسنُه ... قَيْدُ النُّهَى وعُقْلُه الأفكارِ
تلميذُه هاروتُ يروِى فَنَّه ... عن لفظِه عن طَرْفِه السَّحَّارِ
أهدتْ لي السُّقْمَ عيونهُ لذا ... وهبتُها النوَم عن اضْطرارِ
خَطَّ الجمالُ فوق طِرْسِ خدِّه ... سطراً برأسِ القلم الغُبارِي
أرَى على وَجْنِته دائرةً ... حَرّرها الجمالُ بالبركارِ
فالخْالُ في كُرسِيِّها قد استوى ... كمركزٍ لذلك المِدْرارِ
قد كاد موجُ رِدْفِه يُغرقُه ... لولا اعْتلاقُ الخَصْر بالزُّنَّارِ
وكاد أن يسيل لولا أنه ... جاذبه تشبُّثُ الإزارِ
أذكُر عهدَه فمتن تأوُّهِى ... فحمُ الدجى مُحترقٌ بالنارِ
وإن تقَلَّقْتُ لماضِي عهدِه ... فإنَّ عُذْري سيدُ الأعذارِ
ولي إلى الجامعِ شوقٌ والهٌ ... لا يفترُ الدهرَ عن التَّذْكارِ
للهِ أقوامٌ به أعزَّةٌ ... من خُلَّصِ الأخيار والأبرارِ
стр. 209
في جُنْحِ لَيْلاتِهم أذْكارُهم ... تعرفُها بلابلُ الأسحارِ
كم دعوةٍ في المَحْلِ أضحتْ لهمُ ... تفْرِي جفونَ السُّحْبِ باسْتِعْبارِ
فارقتُهم لاعن رضًى وإنما ... عِنانُ عزْمِي في يد الأقْدارِ
نَشوانُ خمرِ السُّهدِ طَرْفي نومُه ... أغْرقه البكاءُ في تَيَّارِ
وما بكائي غيرَ رَشِّ أدمُعٍ ... يُوقِظ من نَوْمتِه اصْطبارِي
لعلَّ من لُطْفِ الإله مَدَداً ... يُوصِلني بهم إلى ديارِي
فأكْسِبُ الفوزَ بفضْلِ قُرْبِهمْ ... فربَّما يُجَرُّ بالجِوارِ
لا زال رَيْحانُ تحيَّاتي لهمْ ... يرِفُّ في روضِ الثَّنا المِعطارِ
واللطفُ ما زال يُحيِّي أرضَهمْ ... تحيةَ النسيمِ للأزْهارِ
وهذه فصول جعلتها لشعراء خطة الشام من وجوه قطانها، المنيخين في أعطانها، المقيمين بأوطانها.
ابتدأت منها بأهل المسجد الأقصى، وانتهيت إلى أهل حماة على الوجه المستقصى.
فصل
في شعراء القدس التي كانت قبلة القبل، وروضة الشرف التي أنبتت غصون الكرامة مثمرة بالقبل وناهيك بتربة عجنت بماء الوحي، وتوفر لقصدها الوخد والوخى.
وأهلها أصحاب الذوات القدسية، والبلاغة القسية.
والآراء السديدة، والنفوس الشديدة.
عصابةٌ في رءوسِ المجدِ إن ذُكِروا ... يفُوح مسكُ ثَناءِ البدوِ والحَضَرِ
ليت المَكارمَ لم تعشَقْ شمائَلهمْ ... فلِلْكمالِ رقيبٌ عائِنُ النَّظَرِ
فمن مشاهير بيوتها: بيت العلمي سلسلته لا يستقل بذكرها قلم، ولا يقطع علمٌ من وصفها إلا ويبدو علم.
ما منهم إلا من شد مئزره للأمر، وروى ظمأ الآمال بنائله الغمر.
عفُّ الإزار، خفيفٌ من الأوزار.
ازدادت به قبيله وعشيره، وظهرت فيه مخائل الرشد وتباشيره.
وأشهرهم:
محمد بن عمر الصوفي
إن كان أسرتُه بين الورَى علَما ... فإنه علَم في ذلك العلَمِ
ملك التصرف في التصوف، وأبدع التفرع في التعرف.
وطريقته في القوم، مبرأة من المحذور واللوم.
تحلى في إماطة الشبه بالاتقاء، وترقى في ذروة المعارف حدَّ الارتقاء.
وهو على وادئع الأسرار مأمونٌ ثقة، والقلوب كلها على جلالته متَّفقة.
ففمه قفل إجابة، ويده مفتاح إجابة.
وكلماته تدل على تمكنه في علم الأخيار، وتعرف أن نظره بمرآه الخيال مجلاة من غبار الأغيار.
ولم يبلغني من شعره إلا تائية ابن حبيب، ومطلعها:
بسم الإله ابْتدائي في مُهمَّاتِي ... فذاك حِصْنيَ في كلِّ المُلِمَّاتِ
بيت أبي اللطف ثنيَّة العلم والفتوة، وهضبة الحلم والمروة.
ما منهم إلا من حذا برياسة، وتروَّى من نفاسة وكياسة.
وأضاء بدراً وشمسا، وأفاض عشراً وخمسا:
ألطافُهم لا تزال سابغةً ... سائغةً حُجِبتْ عن الرَّنْقِ
تطيبُ آثارُهم لأنَّهُمُ ... من طَيِّب العُودِ طيِّب الوَرقِ
وأقربهم عهداً:
على بن جار الله
أحد أمجادهم، ومتقاد نجادهم.
فاتهم فضلا وكرما، وأضحى لزوار المكارم مناخا وحرما.
لا يرتجع وفد الآمال عن ساحته، ولا يزول لقب الندى عن راحته.
وهو رئيس الحرم ومفتيه، وملتمس الفضل ومؤتيه.
وله القدر العلي، والفضل الجلي، وكلماته على صدور الغانيات من الحلي.
إلا أنه فسيح مدى الافتنان، ممدود حبال الامتنان.
لم يزل في شعاب الفتاك يتوغل، وفي طريق الانتهاك يتغلغل.
وطفر آخراً طفرة النظام، فتفرقت آراؤه في أمورٍ أعيت على الانتظام.
وكان أمير غزة ابن رضوان ممن كثرت عليه عيونه، وساءت فيه ظنونه.
فاحتال عليه، في استدناه إليه.
حتى إذا حصل على تلك الأغراض، فتك فيه على غرة فتكة البراض.
وذهب كأمس الذَّاهب، والدهر هكذا واهب ناهب.
فالله يسهم له مع أهل الثواب، ويلهمه عند السؤال الجواب.
وقد أثبت له من أشعاره ما تود الشمس سناه، والنسيم اللَّدن رقة معناه.
فمنه قوله، من قصيدة مطلعها:
стр. 210
خليلىَّ هذا الدهرُ دانتْ عجائُبه ... فطَمِّن فؤادا إن نشَبْنَ مخالُبهْ
ولا تْعتَبنَهْ إن تأخَّر ذو حِجاً ... فذا الدهرُ لم يُحْرِز سِباقاً مُعاتُبهْ
سكِرتُ بهذا الدهرِ لا من عُقارِه ... ولكن لمِا أبْدتْه عندي عجائُبهْ
فما مُحرِم الإنسان إلا علومُه ... وما ذائِقُوه السَّمَّ إلا أقاربُهْ
وهذا فيه إماء إلى قول ابن العميد:
آحِ الرجالَ من الأبَا ... عدِ والأقاربَ لا تُقارِبْ
إنَّ الأقاربَ كالعقا ... ربِ بل أضرُّ من العقاربْ
وفي المثل: ظلم الأقارب أشد مضضا من وقع السيف وقيل: إنما أخشى سيل تلعتي.
والتلعة: مسيل الوادي، من السند إلى بطن الوادي.
ومعنى المثل، إنما أخاف شر أقاربي، ويضر به من يخاف أن يؤتى من مأمنه، ومن جهة خاصته وأقربائه.
وأما قولهم في مثل آخر: ما أقوم بسيل تلعتك.
فمعناه: ما أطيق هجاك وشتمك الذي تشتمني به، ولا أثبت له.
ولبعضهم:
جانِبْ إذا أرْشدت أهْلَ القُدس من ... أباعدٍ تودّ أو أقاربِ
فالقُدسُ طَسْتُ ذهبٍ لكنَّه ... ممتلئٌ يُقال بالعقاربِ
وله من قصيدة مستهلها:
عِدْ فمُضْناك يُعادْ ... وابْقَ فالفَانِي يُعادْ
وتلافَى مُهجةً أتْ ... لَفها منك البِعادْ
واُبْقِ أحْشاءَ لها ... منك جُرحِ وضِمادْ
أوْ فعوِّضْنيَ طَيْ ... فاً منك قد أعْيَى السُّهَادْ
مِحْنتي فيك وهِجْرا ... نُك قَدْحٌ وزِنادْ
قاتِلي والقتلُ لي ... في جَدَدِ الحبِّ مُرادْ
كلُّ صَبٍّ لايَرَى الْ ... هَتْكَ تعدَّاه الرَّشادْ
كدَّر العشقُ لنا ... من صفاءٍ وصِفادْ
سَلْوتي عزَّتْ فهل ... شَيْمُ عزيزٍ لا يُرادْ
صادَني لَحْظُك يا ... أهْيفُ والأُسْدُ تُصادْ
كنتُ قبل العشقِ لا ... يجذِبُ آمالي عِنادْ
مُمْتطٍ صهوةَ أفْ ... راحٍ وللدهرِ انقِيادْ
لفظَتْني شَفَةُ الدَّ ... هرِ فخافْتني البلادْ
وكذا بما يمضُغ الْ ... أبْخَرُ تعْفوه الجِيادْ
سامَنِي الدهرُ فآ ... مالِيَ عكسٌ واطِّرادْ
يتمنَّى وَصلَ إرْ ... غامي ومثلى لا يُكادْ
لا تضِق يا قلبُ فالإع ... سارُ لليُسرى نِجادْ
وتروَّ الصبرَ لا يحْ ... سُنُ بالفحل حِدادْ
إن تبرَّاني فِناءُ الْ ... خانِ بتْنا في الوِهادْ
ليَ من قومي وقوْ ... لي ركنُ عزٍّ واعتمادْ
نحن آلَ اللطف أقْ ... وامٌ أساورةٌ شِدادْ
حَلْيُنا اليقْظةُ إذْ مَا الْ ... غيرُ خَلَّاهُ الرُّقادْ
كلَّ عصرٍ حضرةُ القدْ ... سِ لنا منهما عمادْ
شيخُنا الفاروق في قِرْ ... طاسِ إنْشاها المدادْ
عُمرُ الليث إذا صَا ... لَ وإن طال جَوادْ
هاديءُ الخُلْق إذا ما ... عن طريق الحقِّ حادْ
كعبةُ الطائفِ والرَّا ... جي وللعافِين زادْ
من نُشورٍ غيثُ نُع ... ماهُ ونادِيه مَعادْ
جمرةُ الكونِ ولكن ... ليس يعلوها رَمادْ
وأخو المجدِ أبو اللطْ ... فِ سَما الحمدِ المُرادْ
مُدرِك الغَاية إن آ ... يسَ في السبقِ الجوادْ
وله من أخرى يمتدح بها الأمير حسين، أمير غزة:
احْفظ فؤادَك يا مُفدَّى ... نارُ الهوى تمْتار جدّا
стр. 211
هذا سهامُك في الحشا ... حَمْرا شَواكلُها ومَرْدَا
إن شئْتها أبدَيْتها ... من مُقلتي دمعاً وسُهدَا
نعَم اهْتزازُ قَوامِك ال ... مَعْسولِ لار يختار رَدَّا
فاعْمِلْه في حركاتِه ... إن رمتَ أن لا تُبْقِ فردَا
أمُعذِّبي بئس الهوى ... إن لم يكن قرباً وبُعدَا
فامنَحْ فؤاديَ نظرةً ... إن شئت للتعَّذيب مَدَّا
نِعْم الشهادةُ مُنجِداً ... لو سوَّغتْ للوصلِ شُهدَا
لو أن فْعلك للزما ... نِ ردَدْتَه كَلأًً ووَرْدَا
فلَكمْ أتى بمبرِّحٍ ... منه اصْطبارِي كان سَدَّا
ولَكم أبان مَخالباً ... خَلَّيْنَ للأهدابِ نِدَّا
يا جاعلاً أحْداقَنا ... قُرطاً ومِنطَقة وغمدَا
شخَصت لناظرِك المُكحَّ ... لِ أنفُسٌ صيداً وأُسْدَا
في موقفٍ يدَعُ النفو ... سَ ذوائباً والدمعَ جَمْدَا
ويقسِّم الأكْباد حسْب الْ ... وَصفِ سَوْسانا ووردَا
فكأنَّ سيفَ حسين يُو ... ضِح للورى حَدّاً وحدَّا
ويُرى لكلِّ مُنابذٍ ... إفْرِنْدَه بالرَّقْم حَدَّا
فكأنما إدريسُ أوْ ... دعَ فيه ما أخْفى وأبْدى
بطلٌ يُشير لمْثِله ... نَفْعا وللمُجْدين رِفْدَا
السابقُ الشُّمَّ الأُنُو ... فَ أباً وأبْناءً وجَدَّا
حامِي قِبابِ المجد ما ... بذلُوا لها شرفاً ومجدَا
أمظلِّلَ الأبْطالِ عِقْ ... باناً وكاسِى الفقر وُجْدَا
أيْسَرْتَ غُرَّةَ غَزَّةٍ ... ومنحْتَها للفخْرِ عِقْدَا
حتَّى سبَتْ بِنظامِها ... عجَما وأتْراكا وهندَا
تِيهاً أغَزَّةُ إنما ... أرْباك عِزٌّ ليس يَصْدَا
وله من أخرى، أولها:
مِن دياجِي البعد هل للقربِ وَمْضُ ... أم بمِضْمارِ التهاني ثَمَّ رَكْضُ
لا أُمَنِّي النفس ما لي والمُنى ... عاقَني من أدْهم الأيام رَكْضُ
كان تَسْالي مُخِلاَّ بالعَطا ... يومَ لا نَأْيٌ دنا والعيشُ غَضُّ
يومَ كان الشَّرْبُ سَمْعا وأنا ... بُلْبُلٌ ثمّ سَما والكلُّ أرضُ
صاحِ عاطِيني ولا تسألْ لما ... جَفنُ كأسِي وجفوني لا تُغَضُّ
إن تقلْ جُرحُ زماني كاتمٌ ... منهمُ في القلب جُرْحٌ لا يَمَضُّ
عَلِق القلبُ بلَحْظٍ إن رنا ... قاتلٌ أو كَفَّ ظنَّ الكفَّ غَمْضُ
مَن مُجِيري من هوى مَن لُبْثُه ... في عَرِين القلب زَفْراتٌ ورَبْضُ
كنت لا أعرفُ تمْزيق الكرَى ... فأراني كيف عَضْبَ الجَفْن ينْضُو
ورأى طُيْغان قلبي فرَنا ... ليُريه شُهُب الطاغِي تقُضُّ
فتناسيْتُ بلَمْعٍ بَرْقِه ... مذ بدا لي منه بَسْطٌ ثم قَبْضُ
قال لي والصَّحْو ما خامرَه ... واستملَّى قَدّه طولٌ وعرضُ
هل تخمَّرتُ بنُور طُرَّتي ... أم جفون الشَّعر دَانَاهُنَّ غَمْضُ
قلتُ شَبْي من سعيرٍ مُهْجتي ... أبْرزَتْه زفراتُ القلب ومْضُ
أو سِنانٌ طاعنٌ قلبَ الصَّفَا ... أو شهابٌ إذ لحَتْمِ العيشِ فَضُّ
ودموعي ماءُ قلبي نارُه ... أخرجتْها من قُرُوحِ الجَفْنِ بَضُّ
قال لي والغصنُ يثْنيه الهوى ... قد أتى من سائل الأجْفان عَرْضُ
فارْجِعِ الدمعَ لتطْفى نارَه ... حيث لي في منزل الأشواقِ عَرْضُ
حِلْيةُ العاشق قربٌ وقِلَى ... أيُّ وجدٍ لفؤادٍ لا يُرَضُّ
стр. 212
قلت: هذا شعر مقداره خطير، إلا أنه فطير.
حافظ الدين العجمي
فارس مجال، ورب روية وارتجال.
تؤخذ الفصاحة عن لفظه، وتستملى فنون البلاغة من حفظه.
وله حظٌ من الأدب عظيم، واختصاص بنثير ونظيم.
إلا أن شعره أمل الكثرة، وهي كما عرفت متواخيةٌ مع العثرة.
وكان نبا به من حداثته وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه.
فطار كل مطار، ولم يعرج على أوطانٍ واوطار.
ومع أنه يراقبه من الجلالة حافظ، وهو له في كل شؤونه مطالع ملاحظ.
كان كلفاً بالغلمان، معنىً بهم في كل زمان.
وعشق بدمشق فتى اتخذه للخدمة، واهم به هيمان ذي الرمة.
وتحمل فيه أنواع المشاق، وشهد حتى مصارع العشاق.
وشرب بالفتى، ولم يقل السلو متى.
وكان قد فضح النهار ليله، وأفعم الهرم في لهاته سيله.
فمضغته أفواه التشنيع، وعضته أضراس الندامة على هذا الصنيع.
ثم خرج عنه الفتى مجانباً، وخلاه هو وكمده جانباً.
واتفق له أنه كان في جمعٍ من الأعيان، ممن يضيق عن وصف تيقظهم نطاق البيان.
إذ سقط الفتى سقوط الندى، وحل حلول الأمل في ذلك المنتدى.
فلم يتمالك الشيخ أن وقع مغشياً عليه، وفمه على ظاهر قدميه.
فاغتنم تلك الفرصة، وأطفا بتقبيلها تلك الغصة.
والفتى يظهر امتناعه، والحيا حط عليه قناعه.
حتى زايل مكان زلة القدم، هناك قرع الشيخ سن الندم.
وشرع يطلب العفو، وينسب ما وقع منه إلى الغفو.
ثم لم يقر به القرار، دون أن عزم على الفرار.
وخرج إلى الروم حامل أثقال، وهو بريد ترحل وانتقال.
وانتهى أمره إلى أن صار قاضياً بصوفيه، وبها انتقل من ظل العافية، إلى ظل الرحمة الوافرة الوافية.
وقد أثبت من شعره ماله في إصابة شاكلة الصواب اشتهار، فإنه إن كان حاطب ليل فأنا في انتخاب أحاسنه قاطف نهار.
فمن ذلك قوله:
رأى ما حلَّ من فَرْط الْتهابِي ... ومن مَيْل الجفون إلى انْتهابِي
فمال إلى انْعطاف العِطْف نحوِي ... وأحْيَى القلب من رَشْف الرُّضابِ
وقام لنشْر بُرْدِ الوصل يطوِي ... بأيدي اللُّطف أردِيَة العِتابِ
غزالٌ كالغزالة قد غَزانِي ... بأجْفانٍ أصابتْ كلَّ صَابِي
صَبا قلبي إليه فكلُّ صَبٍّ ... سليمُ الطبع مأسورُ التَّصابِي
جرحتُ بنظْرتي خَدَّيْه وَهْما ... فقابلَني بأنْواع العقابِ
أرى تعْذيبَه للقلبِ عَذْباً ... لأُسْقَى من مَراشفِه العِذابِ
متى حسَر النِّقابَ عن المُحيَّا ... سَبَى العقلا ويسْبِي في النِّقابِ
بكأسِ الثغرِ منه عِقْدُ دُرٍّ ... تكلّل مثلَ حَبَّات الحَبابِ
إذا أتْبعتُه في المشْيِ طَرْفِي ... فلا أدْري الضلالَ من الصوابِ
أدار على صباحِ الجِيد شعراً ... كلَيْلٍ جَلَّ حسنا عن خِضابِ
وسَيَّبه على الأرْدافِ يسْعَى ... كأفْعى في الْتِفاتٍ وانْسيابِ
قسا قلْباً ولكن لاَن عِطْفاً ... أما هذا مِن العَجَب العُجابِ
قضى بالقتْل للعشَّاق قطعاً ... بحُكْمٍ منه قَطْعِيِّ الجوابِ
وذلك حين أدْمَوْا منه خَدَّاً ... بنَظْرتهم له خلفَ الحجابِ
ولم يُقِمِ الشهادةَ حالَ قتْلٍ ... لكيْ يحتاج فيها للنِّصابِ
يُصيب إذا رمى في القلبِ سهماً ... وكم بالْجَفْن منه مِن مُصابِ
قد اسْتلَب النُّهَى باللطفِ منِّي ... وبالَغ في فُنون الإسْتلابِ
فنارُ القلب منِّي في الْتهابٍ ... وطَرْفي الصَّبُّ منه في انْصبابِ
وقوله في الغزل:
أيامَن يُحيِّي الحسنَ منه بدورُ ... وقد جذبتْه للخُدورِ بدورُ
أراك تجُوز الحيَّ بالقلب خائفاً ... رقيباً ومِن شأن المحبِّ يزورُ
أمالَك أن تَثْنِي العِنانَ لحَيِّ من ... يُزار فمحبوبُ القلوبِ مَزُورُ
فكن مُصْيغاً سمعاً فإن لسانَه ... يقول لأرْباب المحبَّةِ زُورُوا
стр. 213
إذا زرتَ أحْياء الأحبَّة زُرْهُم ... وإلاَّ فدَعْواك المحبَّةَ زُورُ
وقوله:
وأهْيَفٍ زارني والليلُ مُعتكِرٌ ... فأشْرقتْ من سَنا لأْلائِهِ دورُ
قالت عقاربُ صُدْغَيْه ندُور على ... لَسْعِ الحشا قلتُ ها كُنَّ الحشَا دُورُوا
وهذا في باب التورية مستظرف.
ومثلع قول بعضهم:
هَويْتُ غصناً لأطْيارِ القلوب على ... قَوامِه في رياض الوجدِ تغْرِيدُ
قالتْ لَواحظُه إنا نَسُودُ على ... بِيض الظُّبا قلتُ أنتم أعينٌ سُودُوا
وقوله من قصيدة، مطلعها:
هو الوجدُ في روضِ القلوب مَنازلُهْ ... يترجمُ عنه أين حَلَّ مُنازِلُهْ
وأين خَلِيُّ السرِّ من عارف الهوى ... فَذَا عالمٌ فيه وذلك جاهلُهْ
ولولا الهوى ما مال قلبٌ إلى الهوى ... ولا غرّدت من فوق غصنٍ بَلابلُهْ
فهل حافظ فيه حديثاً مُعَنْعَناً ... يُسائلني عنه وعنه أسائلُهْ
فمالي وللأطلالِ لا طال ظِلُّها ... أُناشدُها عمَّن ترُوح رواحلُهْ
ومالي وذِكْرِى للمَشِيبِ سَفاهة ... وقد فعل التَّشْبيبُ ماهو فاعلُهْ
ومالِي وللبَيْداءِ أقْطع مَتْنَها ... على ظهرِ يَعْبوبٍ تناءتْ مَراحلُهْ
ومالي ورَسْمِ الدارِ والرسمُ قد عفَى ... وماذا عسى يوماً يُجاب مُسائلُهْ
ومالي ووصفِ الشيبِ لا بان صَحْبُه ... ولا ظهرتْ في العارِضَيْنِ مَخائلُهْ
ولا انْفكَّ طِرْفُ اللهوِ يجرِي على الصَّفا ... بمِضْمار شوقٍ لا تكِلّ جحافلُهْ
ولا قصُرتُ يوماً خُطاه ولا انْثنتْ ... قوائمُه في السَّبْق عمَّا تُحاولُهْ
ولا زِلْتُ في ليل الشَّبيبةِ والصِّبا ... تُضيءُ علينا بالسرورِ مَشاعلُهْ
ولا عُطِّلتْ أوقاتُ صَفْوٍ ولا خلَتْ ... من الأُنْسِ ساحاتُ الهوى ومنازلُهْ
وما زال غصنُ العمرِ بالعِزِّ مُورِقاً ... ومَنْشؤُهُ صافِي المَناهلِ آهلُهْ
ولا برحت في الدهر مرآةُ عيْشِنا ... صَقِيلةَ وجهٍ لا تراه نوازِلُهْ
ولا هجرَتْ ذاتُ السِّوارِ مُتيَّماً ... يقابلُها يوم اللقا وتقابلُهْ
ولا صَدَّ خالي العارِضيْن ولا ثَنَى ... ولا مال عنِّي مائلُ القَدِّ مائلُهْ
غزالٌ متى ما رُمْتُ أُفْهِمُه الجوَى ... يغازلُني من جَفْنِه وأغازلُهْ
منها:
عواملُه في القلب قَدٌّ وحاجبٌ ... وجَفْنٌ وكم في الخلْقِ صالَتْ عوامِلُهْ
فذلك رُمْحٌ والحواجبُ قَوْسُه ... وذلك سيفٌ قد حَمَتْه حواملُهْ
به صِرْتُ أوْهَى من خيالٍ إذا سَرَى ... لذلك جسمى زائدُ السُّقْمِ ناحِلُهْ
ورأى بدار الخلافة سربا من الظّباء الغيد، قد اعتلوا النّواعير في أيام العيد.
فدارت تلك الأفلاك، بهاتيك النجوم الممثّلة بالأملاك.
فقال يصفهم:
ما شاهدتْ مُقلتي في غُرْبتي حسَناً ... إلاَّ بُدورا بدارِ الرُّومِ قد سُلِبُوا
كأن نَاعورةً دارتْ بهم طَرَباً ... قلبي فهم كيف ماشاءُوا به انْقلبُوا
وقال أيضاً:
ويومِ عيدٍ كساه الأُنسُ حُلَّتَهُ ... كم من جميلٍ به في صُورةِ المَلَكِ
بُدورُ تِمٍّ بأُفْق الحسنِ قد طلَعوا ... فزال ما كان في الأكْوان من حَلَكِ
كأنهم في نَواعيرٍ تدُورُ بهم ... نجومُ أُفْقِ السَّما في دَارَةِ الفلَكِ
ووقفت على ديوان جمعه لنفسه، وكتب على ظهره من نظمه، قوله:
ستفنى الليالي واللآلِي بحالِها ... وما هي إلا النظمُ من حافظ الوُدِّ
فإن عشتُ أنْعشْتُ الزمانَ وإن أمُتْ ... فلى شاهدٌ بالنظمِ والنثرِ من بعدِي
مرعيّ بن يوسف الكرميّ
стр. 214
مقدّم في العلوم الشرعية، غير متأخر في العلوم الأدبية المرعية.
فهو من الفضل في منتهاه، ومن الأدب في محل سهاه.
وله جودة إتقان، وتمسّك بالهدى وإيقان.
مع زهد يحول بين القلوب ولذّاتها، وتبتّل لا يرغب في العبادة إلا لذاتها.
نقيٌّ مما يصديء مرآة نهاه، فما صبا لظبيٍ ولا اعتلق بمهاة.
يهيم في صلاحٍ وسداد، إذا هامت الشعراء في كلّ واد.
وهو أوحد من ألّف وصنّف، وأعظم من قرّظ وشنّف.
وله أشعار ومنشآت جلا أفقها، وجلّى طرفها وطرقها، وأطلع من تحت غصون الأقلام كالرياض ورقها.
فمن شعره قوله:
لما رأيتُك مقبلاً متبسِّما ... والحسنُ عمّك والبَها والسُّؤدَدُ
والمِسكُ خالُك فاح عطراً نَشْرُه ... والوردُ خدُّك جمرُه يتوقَّدُ
قلت ارْتجالا بيتَ شعرٍ مفرداً ... أنت المرادُ وفي المحاسنِ مُفْرَدُ
ياواحداً في حُسْنِه وجمالِه ... إنِّي وحقِّك في هواك مُوحِّدُ
وقوله:
أيامَن حَلا لي ثغرُه ورحيقُه ... رُوَيْدَك إن القلبَ زاد حريقُهُ
ويامن تجلَّى بالدَّلالِ ومَلَّنِي ... ومِن لَحْظِه سَيْف يلوح بريقُهُ
ويامن حَكاه الغصنُ وهْو وَرِيقُه ... ووردٌ وشُهد وَجْنتاه ورِيقُهُ
تُعلِّق آمالي بذاك وتنْثنِي ... وهل ينْثني عمَّن يحبُّ مَشُوقُهُ
وصيَّرتَ لي ذنباً ولم أكُ مُذنباً ... وحمَّلتني بالهجرِ مالا أُطِيقُهُ
صبرتُ ومُرُّ الصبر فتَّتَ مُهجتي ... وإن كنتَ في شكٍٍّ فسَلْ من يذوقُهُ
وقوله:
مُذ غاب عن عيني وأعرض عامداً ... مَن كنت أهواه تغيَّر حالِي
وأتى العذولُ مُوبِّخاً ومعاتِباً ... مامَن يُقاسِي مثلَ من هو خالِي
ومن أمثالهم في هذا الباب: الراكب لا يعرف حال الماشي.
والشبعان يفتّ للجوعان فتًّا بطيًّا.
من نام لا يشعر بشجو الأرق.
وله:
برُوحِي مَن لي في لِقاه وَلائمُ ... وكم في هواه لي عذولٌ ولائمُ
على وَجْنتيْه ورْدتان وخالُه ... كمسكٍ لطيفِ الوصف والثغرُ باسمُ
ذوائبُه ليلٌ وطلعةُ وجهِه ... نهارٌ تبدَّى والثنايا كمائمُ
بديعُ التثنِّي مرسِلٌ فوق خدِّه ... عِذاراً هوى العُذْرِى لديه مُلازمُ
ومِن عجَبٍ أنِّي حفظتُ وِدادَه ... وذلك عندي في المحبةِ لازمُ
وبيْني وبين الوصل منه تَبايُنٌ ... وبيني وبين الفصْل منه تلازُمُ
وله:
ليت في الدهر لو حظِيتُ بيومٍ ... فيه أخْلو من الهوى والغرامِ
خالِيَ القلبِ من تَبارِيحِ وجدٍ ... وصدودٍ وحرقةٍ وهيامِ
كي يُراحَ الفؤادُ من طولِ شوقٍ ... قد سَقاه الهوى بكأسِ الحِمامِ
ومن منشآته
فصل في معاتبةٍ بتصديق الوشاة
المولى يعلم أن الواشي لا يخلو من أحد أمرين؛ إمّا أن يكون محبا ودوداً، أو عدوًّا حسودا.
فإن كان الأول فيستحيل أن يقصد المحبّ لحبيبه ضررا، ويحمّله من الإثم وزرا.
وإن كان الثاني فمعلوم أنه يجتهد في أذيّته بكل طريق، ويحرص أن يغري عليه كلّ عدو وصديق.
فصل في معاتبة
الصديق لفظ على الألسنة موجود، ومعناه في الحقيقة مفقود.
فهو كالكبريت الأحمر، يذكر ولا يبصر.
أو كالعنقاء والغول، لفظ يوجد بلا مدلول.
وما أحسن قول القائل:
صادُ الصديق وكافُ الكِيمِياءِ معاً ... لا يُوجَدان فدَعْ عن نفسِك الطَّمَعَا
وقول الآخر:
لما رأيتُ بني الزمانِ وما بهم ... خِلٌّ وَفِيٌّ للصداقةِ أصْطفى
أيْقنتُ أن المستحيلَ ثلاثةٌ ... الغُول والعنْقاء والخِلّ الوَفِي
وسئل بعض الحكماء عن الصديق فقال: اسم لامعنى له.
وهذه شيم غالب أبناء هذا الزمان، من الأخلاّء والإخوان.
فمثلهم كمثل العرض لا يبقى زمانين، ويستحيل في أسرع من طرفة عين.
أو كلمع السّراب، المستحيل فيه الشراب.
أو كالخيال الذي يبدو في المنام، وهو في الحقيقة أضغاث أحلام.
стр. 215
ومن كان بهذه الصّفة، فلا ينبغي الوثوق به، ولا التأسّف على فقده، ولا التألم على فرقته، ولا الحزن على غيبته.
فصل في تهنئه بفتح:
بعد تهنئة بتأييد عزائمه، وسفك دماء العدي على ألسنة صوارمه.
ظهرت في سماء السّعد مطالعه، وشرفت أقلامٌ سطّرت بها وقائعه.
فهو الفتح، الذي قضى على دم العدى بالسّفك ودموعهم بالسّفح، وتلت لديه آيات التهاني: " إذا جاء نصر الله والفتح ".
وسيوفه وإن كانت باكية دماً فقواضبها بهذا الفتح ضاحكة، وجنوده منصورة كيف لا! ومن أنصاره الملائكة.
فصل في الحثّ على المواعيد
مثله من يتبع قوله بفعله، ويأنف من تكرير عطائه بمطله.
فإن مرارة المطل تذهب حلاوة الإعطا، وتكرير الطلب يشرب ماء الحيا.
والمرجوّ تحقيق رجاء العبد بالإنجاز، وتبليغه ما أمّله وأمّ له إن جاز.
فصل في شكوى حال غريب
وينهى أن غين الغربة قد أوقعته في هاء الهواء، وكاف الكربة رمته في ألف الأشجان.
وأصبح صاد صبره مفقودا، ونون نواله مطرودا.
فعسى لحظةٌ منك تخلّصه من غين غوائل الدهر، وتنقذه من قاف القهر.
فصل في مخاطبة محدّث
سلامٌ يتّصل به سند المحبّة والشوق، ويتسلسل معه حديث الغرام والتوق.
وقد صحّت من الضّعف آثاره، وحسنت من طريق المحبّة أخباره.
من عنعنت بالسّند العالي أحاديث كماله، من غير إبهام ولا انقطاع ولا إنكار لمسانيد فضله وأفضاله.
فصل في مخاطبة منطقيّ
سلامٌ تنطبق كلّيّاته وجزؤيّاته على قضايا الأشواق، وتنتهج مقاماته من الأشكال ما يعجز عن وصف خاصّة الرّسم والحدّ من الاشتياق.
فصل في مخاطبة نحويّ
سلامٌ تبرز ضمائرالشوق من توضيح مسالك معانيه، وتظهر عوامل الغرام من معربات مبانيه.
يهديه محبٌّ انتصبت محبته على التمييز، وارتفعت مودّته بماضي عهدكم لأنه يرى أن العهد عزيز.
محبٌّ مبتدأ أحواله لايعرب عنه الخبر، وأفعال أشواقه لا يحكيها إلاّ من له خبر.
بشير الخليلي أديب بلطف الطبع مذكور، وفضله غير مجحود ولا منكور.
له ذهن يكشف الغامض، ويسبق البارق والوامض.
ومذهبه ينشره الأدب ويبسطه، وطبعه يمرح به الزَّهر وينشطه.
أقرَّ عين الخليل بالعروض، واتخذ نقد القريض في ذمَّته من الفروض.
وهو ممن نظمت كلماته نظم اللآل، إلا أنه غرَّته مطامعه في المدائح غرة الآل.
يتكثَّر من العدة، ويتقلل من الجدة.
فما أخصب له وادٍ ولا نما، فكأنه العروض بحرٌ بلا ما.
وأنا لم أقف من شعره إلى على قصيدة لاميَّة، راجع بها الإمام خير الدين الرملي عن قصيدة على وزنها.
مطلعها:
ما كان مَرْمَى فؤادي حيث هُيِّءَ لِي ... فيه البناءُ بهنْدٍ بعد مُرْتَحَلِي
وقصيدته هي قوله:
صَوْبٌ من الغيثِ وافَى زائدَ الهَطَلِ ... أحْيَى رُبَي القُدس بعد الجَدْب والمَحَلِ
أم شمسُ فضلٍ ترقَّتْ في مطالِعها ... أوْجَ الفَخارِ فحلَّتْ ذِروةَ الحَمَلِ
أم بدرُ أُفْقِ المعالي قد تنقَّل في ... برُوجِه وكمالُ البدر في النَّقَلِ
لا بل هو الجامعُ العَرْفَ الذي ملكتْ ... أوصافُه الغُرُّ رَحْبَ السهلِ والجبلِ
أراد ربُّك في تحْريكِه حِكَماً ... وربَّما صحَّت الأجسامُ بالعِلَلِ
فزيَّن المسجدَ الأقْصى بحِلْيته ... وشَوَّه الرَّملةَ الرَّمْلاء بالعَطَلِ
فاهتزَّ من طَرَبٍ هذا لزَوْرته ... وارتجَّ من حَرَبٍ هذا لمُرتَحَلِ
فكم على الساحل البَحْرِيّ من حَزَنٍ ... وكم عل المسجد القُدسِيّ من جَذَلِ
وكيف لا وهو خيرٌ إن أقام على ... أرضٍ تسامتْ وإن يرحَلْ فلا تَسَلِ
تجمَّعتْ فيه أوصافُ الكمال كما ... تجمَّعتْ قِسَمُ التَّفْصيل والجُمَلِ
أحْيَي الدُّروسَ وقد أحْفَى الدُّروسُ بها ... وجاد وابِلُها الظمآنَ بالنَّهَلِ
معالمٌ لو رأى الرَّازِي حقائقَها ... لَبات بالرّيِّ يشْكو أبْرَحَ الغُلَلِ
следующие страницы →