Полный текст (737 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
انتسخت شمائله من الصبا في المنازه الرحاب، وارتضعت خلاله مع طفل النور أخلاف السحاب.
فيكاد من رقته يذوب ذوبان علي بن الجهم، وتتقطر مياه البراعة من أعطافه إذا أخذته حرارة الفهم.
وله قوة إلهامية، على افتراع بنات الأفكار، وسليقةٌ غريزية، في اختراع المعاني الأبكار.
ومن آثاره الفريدة، مختصر الخريدة.
سماه عود الشباب، كله لب اللباب.
وكان ممن ولي قضاء القاهرة، فافترت مباسمها عن فضائله الزاهرة.
وقد سلك في قضائه بها أجل مسلكٍ جلي، وصدق الحديث المروي: " أقضاكم عليٌّ ".
وبها عطل منه جيد القضا، على مقتضى الحكم الذي لا يقابل إلا بالرضا.
فعلى أخلاقه الرضية، رضوان الله ورحمته الراضية المرضية.
فمن توشيات قلمه، قوله في الاعتذار عن اختصار الخريدة: ولما وجدت بعض نقده أزيف من رائج زماننا، شرعت في تمييز الجياد واكتفيت باقتطاف الجياد من ثمار أغصانها، بل قنعت بالعرف الضائع من بانها.
وإني وإن فاتني بعض جواهره فالغائص يعذر بما في يديه، ويشكر الصبا مقبلاً من الحبيب بعض عرف صدغيه.
فجاء بحمد الله تعالى غادةً تسحر القلوب بألفاظها القسية، وألحاظها البابلية.
تصيد القلوب بألحاظها التي زينها الجمال بالفتور، فمن نظر فيه يشتعل قلبه بالنار وتكتحل عينه بالنور.
وإني غير آملٍ من أبناء الزمان تحسينهم، وبقلادة حسن القبول توشيحهم وتزيينهم.
فإن من جرب الناس في أمرهم، يعرف أن الناس مشتقون من دهرهم.
بل ما نؤمله من كرمهم الفسيح، أن لا يوردوا وجهه بالتصريح بأنه قبيح.
إنَّا لفي زمنٍ تَرْكُ القبيحِ به ... من أكْثرِ الناسِ إحسانٌ وإجْمالُ
ثم ختم الديباجة بذكر خاله شيخ الإسلام يحيى وجعل المختصر معنوناً باسمه، وأورد هذه الأبيات وأظنها من نظمه، وهي:
يا مُصدِرَ الآمالِ بُدْناً بعد ما ... سُقْنَا إليك مع الرَّجَا أنْقاضَها
عِشْ في ذَرَى كافي الكُفاةِ مُصاحباً ... نِعَماً بياضُ الصبح هاب بياضَها
وخُذِ الجواهرَ من قلائد مِقْوَلِي ... إذْ كان غيري مُهْدِياً أعْراضَها
قوله: يعرف أن الناس مشتقون من دهرهم يشير به إلى قول أبي الفرج العلاء الرئيس الواسطي:
الناسُ مُشتقُّون من دهرِهمْ ... طَبعاً فمن مَيَّز أو قاسَا
يمتحن الدهرَ وأحْوالَه ... مَن شاء أن يمتحنَ الناسَا
واتفق لي أن بعض الإخوان وعدني بإرسال هذا المختصر وسوف، وشوق العين لاجتلاء روضه النضر وشوف.
فكتب إليه متمثلا:
نَوالُك دون حَجْبُ الحجابِ ... ومَن ناداك مفقودُ الجوابِ
إذا أمَّلتُ يوماً منك وَعْداً ... كأني أرْتجِي عَوْدَ الشَّبابِ
ومن شعر رضائي، قوله مضمناً في الدخان، وقد أبدع:
غَلْيونُنا حين همَّت كلُّ نائيةٍ ... به وسامَرنا هَمٌّ وأفْكارُ
قد اهتديْنا إلى شُرْب الدُّخانِ به ... كأنه علَمٌ في رأسِه نارُ
الغليون: أطلق على سفينة معهودة بين العوام، وعلى هذه الآلة التي يوضع فيها ورق التبغ ويشرب، وكلاهما عير لغوي، وهو في اللغة اسم للقدر.
والمصراع للخنساء، من قصيدتها التي رثت بها أخاها صخراً.
وأول البيت الذي هو ثانيه:
وإن صَخْراً لتأْتَمُّ الهُداةُ بهِ
وقد كثر تضمين الشعراء له في مقاصد لهم وأجود ما رأيته من تضامينه قول العز الموصلي، في سامري، اسمه نجم:
وسامَرِيٍ أعارَ البدرَ فضلَ سَناً ... سَمَّوه نجْماً وذاك النْجمُ غَرَّارُ
تهْتزُّ قامتهُ من تحت عِمَّتِه ... كأنه علَمٌ في رأسهِ نارُ
ومما عربته من شعره:
جرَّد لي من ناظِريْه مُرْهفاً ... ومثلُه من حاجبَيْهِ عاطِبي
حَيَّرني فَدَيْته أأغتدِي ... قُرْبانَ عَيْنيْه أم الحواجبِ
محمد بن بستان المفتي خدن الفضل وتربه، ومن أمن من المكروه سربه.
يتفتق من المعارف مكنة، لكنه يرتضخ لكنة.
فالكلام مشغوف بحلاوة لسانه، والقول وقف على حسنه وإحسانه.
وهو من حين أقمر هلاله، راقت ولا ورق البستان المزهر خلاله.
стр. 352
وانهل صيب جوده وقد أربى على انهلال السحاب انهلاله فشتان بينه وبين البستان، أو الصيب الهتان.
وهيهات أن يكون من فيضه خاصٌّ كمن فيضه عام، أو من يؤتي أكله كل حينٍ كمن يؤتي أكله كل عام.
وقد أطلعه الله منظوراً بعين العناية المتواصلة المدد، ومحفوفاً بنهاية الرعاية على توالي الآنات والمدد.
حتى سمت رتبة الفتيا بعالي مقامه، وطرزت حللها الباهية بوشي أرقامه.
ثم فارقته ولم تصبر على نواه، فراجعها بعد ما استحلت بسواه.
فعاد روض الفضل إلى نمائه، وكوكب السعد إلى سمائه.
ولم يزل يكحل الطروس بميل يراعته، ويشفف الآذان بلآلىء براعته.
إلى أن ذبل بسموم المرض غض نباته، وقطفت بيد الحين زهرة حياته.
فمما يعد من زهرات بستانه، ورشحات أقلام بنانه، قوله في رثاء سليمان زمانه.
ألا أيها النَّاعِي كأنَّك لا تَدْرِي ... بما قلتَ من سوءِ المَقالةِ والنَّشرِ
سَلَلْتَ سيوفَ الموتِ في الدهرِ بَغْتةً ... وقد بلغَ السيلُ الزُّبَى من جَوى الصدرِ
وشَقَّتْ قلوبَ المسلمين جراحةٌ ... بصارمِ سيْفٍ قد مضَى ماضِيَ الأمرِ
سهامُ المَنايا من قِسيِّ صُروفِها ... أصابتْ بسهمٍ في ابْتسامٍ من الفجرِ
نسيمُ الصَّبا رقَّتْ بأشْجانِ فُرقةٍ ... حمامة ذات السِّدرِ حنَّتْ من الذُّعرِ
همامٌ على هامِ المَمالِك تاجُه ... أمينٌ رشيدٌ في الخلافةِ ذو قَدْرِ
أأعْنِي جواداً في جوادٍ بذكْرِه ... لقد سارتِ الرُّكبان في البرِّ والبحرِ
عزيمتُه في البحر كانت عظيمةً ... وهِمَّتُه فاقتْ على الأنْجُمِ الزُّهْرِ
وأيامُه كالشمسِ كانت مضيئةً ... وأعوامُه في الحسنِ أبْهَى من البدرِ
وما قيل إجْمالٌ لبعضِ صفاتهِ ... ولا يُمكِن التفصيلُ بالنظمِ والنثرِ
فهاتيك أوصافٌ لَعَمْري جليلةٌ ... فدُونَكها أبْهَى من الزَّهْرِ والزُّهْرِ
على عكس ما طاف البلادَ بجُنْدِه ... كشمسٍ غَرِيباً غاب في مَغْرِب القبرِ
صحائفُ أكْوانٍ تدبَّرتُ حَلَّها ... فصادفْتُها شرحاً لفنٍ من الهجرِ
على صفحةِ الخدَّيْن أمليْتُ مَا جَرى ... بأقلامِ أهْدابٍ من البُؤْس والضُّرِّ
شيخ الإسلام أسعد بن سعد الدين مناط الملك وملاكه، وقطب السعد الذي دارت عليه أفلاكه.
الشمس والقمر السعد، والمقتنص لشوارد المعالي بلا تحمل منةٍ لوغد.
تحلى بالرياسة في ميعة شبابه، وألقت السعادة أعنتها في بابه.
مرتقياً في رتبها طوراً فطورا، ترقى النبات ورقاً ونورا.
يزيد قدره ويوفي، وقد خلص من داء الغرض وعوفي.
فما قصرت له في أمرٍ يدان، وعنده انطفا قنديل سعدان.
فبوجهه مرآة النهار تصقل، ولديه تربط الأماني وتعقل.
وله في الصدارة تثبت الجبال، والاستقلال الذي ينسي الماضي منه الاستقبال.
فلولا مهابته إذا أقبل، لانتظمت على أذياله القبل.
وكان دخل الشام حاجاً فابتهجت بأضواء سعادته، وقارنت السعد الأكبر في بدء أمره وإعادته.
وفي رجعته إليها قابله البريد بمنصب الفتيا، ودعاه الدهر إلى هذا المقام الذي وقفت عنده العليا.
فنادته المعالي لبيك وسعديك، واليمن والنجح كما تشاء في يديك.
ولم يزل في هذا المركز حائزاً رتب الكمال، وعلى مشرع مجده تحوم طيور الآمال.
إلى أن وقعت فتنةٌ بين العسكر، اغبر لها أفق الكون وتعكر.
ثم انتهت إلى قتل السلطان عثمان، فانحرف عنه وعن آل بيته الزمان.
ولم يطل به العمر حتى طلحة وأنضاه، وأعمده في قراب القبر الذي انتضاه.
فلا زالت رحمة الله وبركاته، تحييه ما دامت تقل الفلك حركاته.
وقد أوردت من شعره قطعةً خضع لها البيان وسلم، وهي قوله في التوسل بصاحب الشفاعة ﷺ :
يا رسولَ الله أنت المَقصِدُ ... أنت للرَّاجين نعم المسنِدُ
كلُّ مَن ناداك فيما نَابَه ... فاز بالإسْعادِ فيما يقصدُ
стр. 353
قد أتى مستغفِراً مُستشْفِعاً ... عبدُك المسكينُ هذا أسعدُ
مستغيثاً شاكياً من نفسهِ ... باكياً مما جَنتْ منه اليَدُ
منك فَتْحَ الباب أرجُو ضارعاً ... قارعاً أبوابَ فضلٍ تُرْصَدُ
منك يا غيثَ النَّدَى أرجو الهُدَى ... إن في الأحشاءِ ناراً تُوقَدُ
مَسَّنِي ضُرٌّ وكربٌ مُزعِجٌ ... في الليالِي بالتَّوالي أسهَدُ
طال أيامُ التنَائِي والأسَى ... يا طبيبَ القلب أنت المُنْجِدُ
يا حبيبَ القلب باللهِ الذي ... غيرُه سبحانَه لا يُعبَدُ
بالذي أعطاك قدراً عالياً ... ما لمخلوقٍ إليه مَصْعَدُ
بالذي أعطاك ما لم يعطه ... أحداص من خلقه يا سيد
بالذي أعطاك ما لم يُعْطِه ... أحداً من خَلْقِه يا سيِّدُ
عِدْ بلُطْف منك كُنْ لي شافعاً ... إن تُلاحِظْنِي فإني أسْعَدُ
لا تُخيِّبْني فإني سائلٌ ... سائلُ الدمعِ الذي لا يُطْرَدُ
سَلْ مِن الرحمن تَعْجِيلَ الشِّفا ... وانْشِراحَ الصدرِ لي يا أمْجَدُ
كلُّ مَن يرجو النَّدَى من بابِكمْ ... فهْو من نَيْلِ الأماني يسعَدُ
صَلِّ يا ربِّ على خير الورَى ... بصلاةٍ سَرْمَدٍ لا تنفَدُ
وارْضَ عن آلٍ وأصحابٍ همُ الْ ... عابدون الرَّاكعون السُّجَّدُ
ابنه أبو سعيد محمد المفتي بعد أبيه وجده، والمولى الذي خضع كل مجدٍ لمجده.
ورث المجد خلفاً عن سلف، وزها به مركز السيادة على زهوٍ وصلف.
بشيمٍ للنيرات بها تعلق، تستمد منها فضل توقدٍ وتألق.
وبلاغةٍ في مرتبة الإعجاز، كأنما استفيد منها الاختصار والإيجاز.
فهو قليل القول صادق العمل، مقصور الهمة على إنالة ما يهم من الأمل.
له صدر النادي، والصيت الذائع بشرف المنادي.
وأيدي الغبطة به عالية، وحال تلك الدولة به حالية.
حتى جربه الدهر بخطب من أخطاه سهمه، لكنه ازداد به عقلاً عقله وفهمه.
في وقعةٍ تخرب فيها قبيلٌ وعشير، وهلك فيها وزير ومشير.
فرقت بين روحٍ وجسد، وخلت بين تشفٍ وحسد.
فأصيب في ذخائر كان عبأ خباياه منها، وسلمت ولله الحمد نفسه التي لا عوض عنها.
وإذا بقيت النفس فلا التفات إلى الفان، وهي الأيام ليست إلا إغفاة أجفان.
فبقي بعدها منزويا، وفي خير الخير كما كان منطويا.
ولم يغفل لسانه عن شكر، ولا شاب فيها حالته المعروفة بنكر.
حتى طوى الحمام محاسنة الفاخرة، فالله يعوضه عن لذات الدنيا بنعيم الآخرة.
وقد ذكرت من آثار قلمه ما يروى لشرف الناظم، والمنسوب يصير عظيماً بالنسبة إلى الأعاظم.
فمن ذلك ما كتبه على طومار يشتمل على كرامات أبي الغيث القشاش التونسي:
أرى أسْطُراً في ضِمْن تلك الرسالة ... جداولَ من بحر الحقيقةِ سالَتِ
ومن مَنْبَعَيْ علمِ اليقينِ وعيْنِه ... أسالتْ مَعِينَ الحقِّ أيَّ إسالةِ
وفيها جَلتْ حالات حبٍ كأنها ... طَواوِيسُ جَنَّاتٍ تجلَّتْ وجالَتِ
وفي ضِمْنها تنْشِيطُ أهلِ محبَّةٍ ... وتنْبيهُ تعبيرٍ لأهل البِطالةِ
أبو الغيثِ نعم الغَوْثُ خيرُ وسيلةٍ ... إلى من به قد كان خَتْمُ الرسالةِ
قلت: أبو الغيث هذا آية الله الكبرى في الفنون، والنائل من مقامات القرب والتخصيص ما لا تتخيله الأوهام والظنون.
ومن أراد استقصاء أحواله، فعليه بتاريخي فهو موشىً بذكر أفعاله وأقواله.
وكتب على فرائض العلاء الطرابلسي، الإمام بجامع دمشق:
كتابٌ نفيسٌ للفوائد جامعُ ... مفيدٌ لطلاَّب المسائل نافعُ
على حُسْنِ ترتيبٍ تحلَّى مُجمَّلاً ... فقرَّتْ عيونٌ للورى ومَجامعُ
بَدا مُعْجِباً إذْ لم تَرَ العينُ مثلَه ... به نورُ آثارِ الفضائل لامعُ
لجامِعهِ فخرِ الأئمَّة سُؤْدُدٌ ... لرايات أنوارِ المكارم رافعُ
стр. 354
أفاض عليه الربُّ من سُحْبِ جُودِه ... فبحرُ عَطاهُ الجَمُّ للخَلْقِ واسعُ
فسدد من جمعه وأحسن، وأمعن فيما جمع وأتقن.
حيث أتى بمختص حسن، في تلخيص مطولات هذا الفن.
ولما أجلت نظري في ربوة حسنه وبهجته، وشممت من جانب واديه عرف شميمه ونفحته.
وجدته حديقةً أنيقة، مزينةً بأزهار المعاني الدقيقة.
وألفيته جامعاً من المسائل ما لا يوجد في المنقول، ومحتوياً من الأبحاث ما تعجز عن فهمه العقول.
أبر الله عمله، وحرسه من صوارف الدهر ويسر أمله.
محمد بن عبد العزيز بن سعد الدين المعروف ببهائي هو بين أسرة هذا النجر، ليلة القدر إلى مطلع الفجر.
شاهده تلق نجح الأمل، وانظر بناديه الشمس في الحمل.
أشرق في فلك البها، وحلي ببردة الازدها.
فبشره يعيد بشاشة النبت الجديب، ولطفه يمسح به الروض عطفي أديب.
مشمول الشمائل طيبها، منهمر المواهب صيبها.
أعْدَى الوجودَ بجُودِه ... فأباد سائرَ بُخْلِهِ
لا بُخْلَ فيه يُرَى سوى ... أن لا يجُود بمثْلِهِ
فعطاؤه يزيد الأعمار في نمائها، ويبقي وجوه الراغبين بمائها.
وإذا كانت أنعمه عند أوليائه، يغتبط بها أكثر ما تكون في أفيائه.
سرى ذكره في الآفاق، مسير الصبا جاذب ذيلها النسيم الخفاق.
فإذا تلقت الأرواح منها نفحات الثنا، تعطفت بها الأعطاف وتثنت الأثنا.
وقد جمع الله شتات الأدب باعتنائه، وأعاد فيه رونق الحياة بعد دثوره وفنائه.
في زمنٍ لم يبق فيه من إذا شدا مداحه هزته الأريحية، إلا قضب الربيع إذا شدت الأطيار تثنت من أصواتها الشجية.
فانكشفت ظلماؤه عن يقق، وازدهت رياضه من الوشي في أفخر شفق.
وانثالت إليه الوجوه من أهله، سالكين في صعب المديح وسهله.
فما خاب أحدٌ منهم في سراه، ولا صلد له زندٌ وراه.
وهو في الشعر التركي مجيد ملء فمه، وأما الشعر العربي فلا أحسبه جرى على قلمه.
وقد وقفت له على قطعةٍ بالتركية التقطت منها اللؤلؤ الفرد، ونقلته إلى العربية فها هو كماء الورد يدل على الورد:
وقد كُشِف الحجابُ فبَان عنه ... مُحيّاً أكْسَب الشمعَ اضْطِرابَا
وأخْجَلها بوجهٍ فاق نُوراً ... فصيَّرت الفِراشَ لها نِقابَا
وقد رأيت من منشآته هذه القطعة، كتبها على نسب أدهمي: حمداً لمن جعل الانتساب، إلى بعض الأنساب، من أوكد الأسباب، الناجعة في إنشاء ذخائر الحمد والثنا.
وأباح لأقدام المتشبثين بأذيالها، مواطىء العز ومدارج العلى.
ونصب لهم سلماً يعرجون فيه، إلى سماء السمو وفلك الارتقا.
مَرابِعُ قُدْسٍ نالَها كلُّ أقْدسٍ ... سَمَا مَن سَما مِن نائليها إلى السَّمَا
وصلاةً وسلاماً على من به بدئت نسخة الوجود والعطا، كما به ختمت رسائل النبوة والاصطفا.
وعلى آله وأصحابه الكرماء النجبا.
وبعد، فهذه شجرةٌ طيبةٌ أصلها ثابت وفرعها في السما، تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها.
وتفوح من كل زهرة منها روائح كأنها نوافح النوافج حسناً وطيباً، ويبدو من محاسنها ما يخاله الإنسان غصناً رطيبا.
كأنها اتصلت بأفواه عروقها عين الحياة، إذ انسحبت عليها أذيال نفحات الجنان بتلك الحسنات.
يا لها من شجرةٍ زكية تسد عين الشمس بأوراقها، وتعطر أعماق الثرى بطيب أعراقها.
ثابتةٍ في تربةٍ طالما ربت غصوناً طاميات، ودوحاً ناميات.
من أسفل سافلين، إلى أعلى عليين.
وجنة عالية، قطوفها دانية، وثمارها يانعةٌ غير فانية.
تورد أخدود خدودها حياءً وخجل، حيث تشرفت بلثم أنامل السيد الأجل.
ملك أقاليم الإطلاق على الإطلاق، وارث أسرة مقامات الكمل بالاستحقاق.
الذي أتحف الضرتين بطلاق، وقام في مقام الحمد على ساق.
فطوبى لمن له نصيبٌ في تلك الشجرة الرفيعة الشان، السامية المكان، المورقة الأغصان.
المشرقة الأنوار، المزهرة الأزهار، اليانعة الأثمار.
طوبى له ثم طوبى له كالشيخ الأجل، والصاحب الأمجد الأكمل، فلان؛ فإن فيه مما يشهد له ألسنة الأقلام، من أجلة العلماء الأعلام.
بصحة هذا النسب الباذخ، والحسب العاطس من أنف شامخ.
دلائل تدل على تلألؤ نور السيادة من غرته، وانبلاج صبح السعادة عن مفرق طرته.
стр. 355
قاله المتيقن بصحة هذا النسب الأخطر، حاكماً بها على ما يوجبه الشرع المطهر.
حسين بن محمد بن أخي المفتي صدر الصدور، والبدر الذي تستضيء بأنواره البدور.
تألق وظلام الخطوب قد امتد، وأسفر وسواد القطوب قد اشتد.
فأشرقت به الدولة في ليلها المعتكر، وزهت به برجل أندى من الوسمي المبتكر.
ثم استوى رئيس هذه الطائفة، فأضحى ووفود الآمال حول حماه طائفة.
وكان كبراء عصره لنبالته يحسدونه، ويودون لو عدوا في دفتر المعتدين ولا يعدونه.
فانبعث سوء القول، وفتح باب العول.
وكان في قلوب الجند أغراضٌ خالجة، ومفاسد منذ زمانٍ والجة.
فوجد في جانب الخيار، وانبرم في الأمر معه في الحركة على الاختيار.
فدقوا عطر منشم، وسعوا سعى متذبذبٍ متحشم.
في فتنة يتأجج أجيجها، ويبلغ عنان الأفق ضجيجها.
فعدم اتفاقا، وحرم مناصرةً وارتفاقا.
واستشهد في كربٍ وبلا، مثل سميه بكربلا.
فتجرع أعداؤه غصص الحين، ورأوا بمقتله يوم الحسين.
وقد أوردت له مقطوعاً يدل على لطف مزاجه، وحسن طبعه الذي يحكي عطارد في قوة امتزاجه.
وهو قوله:
أيها المُبتلَى عليك بخمرٍ ... إنها للعليل خيرُ علاج
ثم لا تشْرَبَنَّ إلاَّ بمَزْجٍ ... أوَّلُ الواجبات أمر المِزاجِ
وكتب على إجازة الشيخ مسلم الصمادي، لولده الشيخ إبراهيم: الحمد لله الولي القادر، العالم بما في الضمائر.
والصلاة والسلام على رسوله محمد، المبعوث من أكرم القبائل وأشرف العشائر.
وعلى آله وأصحابه الجالسين على سرر اليقين، الوارثين معالم الدين كابراً عن كابر.
وبعد، فقد وقفت على ما في هذا الرق الفاخر من الإجازة، وعرفت حقيقته ومجازه.
فوجدته كالروض الفائق، وآثار الأجلة النعمانية فيه كالشقائق.
فيا له من سيدٍ سلم ارتقاؤه على سلم الوصول فبالحري أن يدعى بمسلم، وكان شهرة لواء إرشاده كنارٍ على علم.
لقن ولده الذكر وأجازه في التلقين، وجعل كلمةً باقيةً في عقبه يوم الدين.
ولله در النجل النبيل، سمي نبي الله الخليل.
حيث بسط للسالكين سماط الصمادي، فأضاف كل رائح وغادي.
بأنفاسه الأنسية، ونفحاته القدسية.
فهو في فنه وحيدٌ فريد، وسمع طبل اشتهاره من بعيد.
ولا غرو أن سلك المسلك الأسد، فإن هذا الشبل من ذلك الأسد.
جعلنا الله من المقتبسين من أنوارهم، والفائزين بمعالم آثارهم.
عبد الرحمن بن الحسام المفتي العلم المختلف إليه، والعلامة المتفق عليه.
ازدانت به الأيام ازديان الخد بالعذار، وقامت مواهبه العامة عما جنته الليالي مقام الاعتذار.
يحفه لطفٌ من الله تعالى مدارك، فيسمو إلى المعالي سمو المستبد لها من غير مشارك.
حتى ترامت الحظوة لديه، كعبيده الواقفين بين يديه.
إلى حيث لا يدركه أمل، ولا يبلغه إلا ذو علم وعمل.
تبذل النفوس أرواحها في رضائه، فلو غفل قلبٌ عن تمريضها عافته كل أعضائه.
وله سداد رأيٍ يعضده القضا، وحسام طبعٍ لا يخونه المضا.
فهو ينثر الدر إذا أخذ القلم، ومن يشابه أبه فما ظلم.
فحظه جارٍ بلا مثالٍ سابق، ولم يوجد قبله حظٌّ لحظه مطابق.
فقد أخذ من الجد بعنانه، وتصرف بالقلم كيفما شاء فكأن آية السحر في بنانه.
وقد طال إلى ديار العرب تردده، وبارت بها السحب الهواطل يده.
فما زالت تشكر آلاؤه حيث حلت ركائبه من البلاد، وتقيه الأعيان من النوائب، بالأنفس النفيسة لا بمنفوس التلاد.
وطالما تسابقت إلى مدحه القرائح، ودلت عليه الأقاويل بالكنايات والصرائح.
ثم استقر آخراً بمصر مخضر الأكناف، متوفر الأنواع من أسباب العيش والأصناف.
ولم يخل أيام إقامته فيها من مجالس يصرف إليها أعنة الاعتنا، وفي صحبة أودائه حزبٌ كأنهم ما خلقوا إلا للمدح والثنا.
ينتشون بغده إذا كروا ما مر لهم في أمسه، ويطالعون آثار الربيع فلا يرونها كآثار خمسه.
إلى أن أغمده منتضيه، فالله يعطيه من الكرامة ما يرضيه.
فمن شعره قوله، يمدح النجم الحلفاوي، خطيب حلب وعالمها:
عليك بنجْمِ الدين فالْزَمْه إنه ... سيَهْدِي إلى جِنْسِ العلوم بلا فَضْلِ
بنُورِ اسمِه السَّامي هدَى كلَّ عارفٍ ... إلى أنه شمسُ الهدايةِ والفضلِ
قال البديعي: ولما أنشدهما قلت بديهةً مخاطباً النجم بقولي:
стр. 356
كفاك افْتخاراً أيها النجمُ أنَّ ذا الْ ... مآثرِ بدرَ المجدِ شمسَ ضُحَى العدلِ
حليفَ العُلَى نَجْلَ الحُسامِ المهذَّبَ الَّ ... ذِي عَزمُه ما زال أمْضَى من النَّصْلِ
ومن أشرقتْ شَهْباؤُنا بعلومِه ... وزُحْزِح عنها ظلمةُ الظلم والجهلِ
حباك ببَيْتَيْ سُؤددٍ بل بدُرَّتَيْ ... فَخَارٍ على أهلِ المآثرِ والفضلِ
فيض الله بن أحمد القاف، قاضي العسكر صدرٌ طاب في ورد وصدر، وصاحب قدر جاء للرياسة على قدر.
وروضة فضلٍ تندت أوراقها، وسحابة جود أرعادها صادت وأبراقها.
عنده مجمل الأدب ومفصله، ولديه حاصل الكلام ومحصله.
بلسانٍ يورد موارد الخيال، فيستخرج اللطائف من نبعه السيال.
وهو وإن كان من الروم خرج، فطبعه بالعربية البحتة امتزج.
ترنو البلاغة عن أحداقه، وتطغى الفصاحة بين أشداقه.
فإذا حاضر فما الدر إذا ارتصف، وإن شعر فما ابن الرومي إذا نعت أو وصف.
وله شعر من ندي القول ومخضله، ولا أعده إلا من فيض الله وفضله.
فمنه قوله، من قصيدته التي مدح بها السلطان مراد بن سليم، يذكر فيها فتح مدينة تبريز، على يد جيش أرسله السلطان المذكور.
ومستهلها:
للهِ دَرُّ جيوشِ الروم إذْ ظهروا ... على الرَّوافضِ إذْ صارت بهم عِبَرُ
كم أبْدَعوا بِدَعاً سَبّاً ومَظْلمةً ... لهم قلوبٌ يُحاكِي لِينَها الحجرُ
فالناسُ تجْأر للرحمنِ من يدِهمْ ... واللهُ يسمع منهم كلماجَأرُوا
وعندما اقْترب الجيشُ العَرَمْرَمُ مِن ... تَبْرِيز ثم بدا في ذاتهمْ خَوَرُ
فشجَّعوا أنفُساً منهم قد امْتلأتْ ... جُبْناً وقد طاشتِ الأحلامُ والفِكَرُ
ظنُّوا بأن الليالي نحوَهم نظرتْ ... فأخْطأَ الظنُّ لمَّا أخطأ النظرُ
وأمَّلوا سَحَراً من ليلِ كَرْبهمُ ... فلم يكُن لدُجَى أوْصابِهم سَحَرُ
لمَّا رأى بَأْسَنا حُمْرُ الرُّءُوسِ إذا ... فَرُّوا كما فرَّ من أُسْدِ الشَّرَى الحُمُرُ
قلوبُهم خشِيَتْ أبصارُهم عَمِيَتْ ... شاهَتْ وجوهُهمُ خوفاً وقد خسِرُوا
سَطَوْا بهم فتراهم ذَا يَفِرُّ وذَا ... عانٍ أسيرٌ وذا في التُّرْبِ مُنْعفِرُ
والنَّقعُ ليلٌ بَهِيمٌ لا نجومَ به ... تلُوح للعين إلاَّ البِيضُ والسُّمرُ
هذا من قول مسلم بن الوليد:
في عَسْكرٍ تُشرِق الأرضُ الفضاءُ به ... كالليلِ أنْجُمه القُضْبانُ والأسَلُ
وللعباسي، صاحب المعاهد ما هو أحسن منه:
يعقِد النَّقْعُ فوقها سُحُباً كالل ... يلِ فيه السيوفُ أضْحتْ نجُومَا
فمتى ما رأتْ سوادَ شياطي ... ن بُغاةِ الحروبِ عادتْ رُجومَا
وللمتنبي:
فكأنما كُسِيَ النهارُ بها دُجَى ... ليلٍ وأطْلعتِ الرماحُ كواكبَا
وقد نقله إلى مثال آخر، فقال:
نَزُور الأعادِي في سماءِ عَجاجةٍ ... أسنَّتُها في جانبيْها الكواكبُ
ولبعضهم:
نسَجتْ حوافرُها سماءً فوقها ... جعلت أسَّنتها نجومَ سمائِهَا
ولابن المعتز، فيما يضارعه:
وعمَّ السماءَ النَّقْعُ حتى كأنه ... دخانٌ وأطرافُ الرماحِ شرارُ
عوداً على بدء:
فالبِيضُ في يدهم صارتْ صَوالِجةً ... والأرْؤُس الْحُمْرُ فيما بينهم أُكَرُ
هذا البيت قد أخذ بأطراف اللطف والانسجام، إذ فيه المقابلة مع ذكر الحمر في تمثيل حال الأعاجم، وهو أحسن عندي من قول الصالحي:
كأنما الخيلُ في المَيْدان أرْجلُها ... صَوالِحٌ ورءُوس القومِ كالأُكَرِ
مع أنه توارد فيه مع ابن عبد الظاهر، في قوله في بعض رسائله: أصبح الأعداء كأنما جزر أجسادهم جزائر، أحاط بها من الدماء السيل، ورءوسهم أكرٌ تلعب بها صوالجة الأيدي والرجل من الخيل.
ومما يناسب ذكره في هذا المحل، وهو الغاية في بابه، قول الشهاب في السلطان مراد بن أحمد، حين غزا العجم:
غزا الفُرْسَ في جيشٍ أطلَّ عليهمُ ... بما لم يُشاهَدْ في القرونِ الأوائلِ
стр. 357
فحال عِداهم صاغَةً وصَيارِفاً ... لصَرْفٍ دهاهم بالسيوفِ الشَّواغلِ
فأرْؤُسُهم أبدتْ بَواتِقَ في لَظىً ... من الحربِ شُبَّتْ من رِقاقِ العواملِ
فصَبَّ عليهم فضَّةً من سيُوفِه ... فرُدَّتْ نُضاراً من نجيعِ القواتلِ
كأنما السمعُ مِغْناطيسُ أنفسِهم ... فحيث مالتْ ترى الأرواحَ تُنْتَثرُ
ذوَتْ رياضُ أياديهم فلا ثمَرٌ ... يلُوحُ فيها ولا في دَوْحِها ثَمَرُ
وللفِرارِ إلى الأقطارِ قد نفَرُوا ... وما لهم معشرٌ فيها ولا نَفَرُ
فأصبحوا لا تُرَى إلا مساكنُهم ... وقد خلَتْ ما بها عَيْنٌ ولا أثَرُ
وتخْتُ تَبْرِيزَ نادى وهْو مبتهِجٌ ... هذا الزمانُ الذي قد كنتُ أنتظرُ
فيا مَلِيكاً له كلُّ الملوك غدتْ ... تدِين طوعاً وتأتي وهْي تعتذرُ
سِرْ وامْلك الأرضَ والدنيا فأنت إذاً ... إسْكَنْدرُ العصرِ قد وافَى به الخَضِرُ
فيا لَها نعمةٌ آثارُ مَفْخَرِها ... كانتْ لدولتِه الغرَّاءِ تُدَّخَرُ
ظِلُّ الإلهِ مُرادُ الله قد شرُفتْ ... به المنابرُ والتِّيجانُ والسُّرُرُ
أجَلُّ من وَطِىءَ الغَبْراءَ من ملِكٍ ... بأمْرِه سائرُ الأملاكِ تأْتمرُ
بعَزْمِه ظهرَ الفتحُ الذي عجزتْ ... عنه السلاطينُ قد أفْنَتْهمُ العُصُرُ
لو فاخرتْه ملوكُ الأرضِ قاطبةً ... ما نالَهم من معانِي فخرِه العُشُرُ
هل يسْتوي الشمسُ والمصباحُ جُنْحَ دُجىً ... ويسْتوي الجاريان البحرُ والنَّهَرُ
بَدا له في سماء المجد نُورُ هُدىً ... من دونهِ النَّيِّرانِ الشمسُ والقمرُ
وأصبح المُلك محروسَ الجَنَابِ وقد ... وافَى به المُسْعدانِ القَدْرُ والقَدَرُ
استعمال المثنى على هذا الأسلوب كثير، وأجود ما وقع إلي منه قول الشنتريني، من بلدة غرب الأندلس:
يا مَن يُصِيخُ إلى دَاعي السِّفَاهِ وقد ... نادَى به النَّاعِيان الشَّيْبُ والكِبَرُ
إن كنتَ لا تسمعُ الذِّكْرَى ففي مَ ثَوَى ... في رأسِك الواعِيان السمعُ والبصرُ
ليس الأصَمُّ ولا الأعمى سوى رجلٍ ... لم يهْدِه الهادِيان العَيْنُ والأثَرُ
لا الدهرُ يبْقَى ولا الدنيا ولا الفَلكُ الْ ... أعْلَى ولا النَّيِّران الشمسُ والقمرُ
ليَرْحلَنَّ عن الدنيا وإن كرِها ... فِراقَها الثَّاويان البدوُ والحضَرُ
تتمة القصيدة:
عَطفاً على عبدِك المَدَّاح ناظمِها ... فقلبُه من صُروفِ الدهرِ منكسِرُ
لا زال مُلكك دَوْرِيَّ السَّعُودِ فما ... يُرَى له آخِرٌ في الدهرِ يُنتظَرُ
بدولةٍ تُخلِق الأيامَ جِدَّتُها ... ما أزْهرتْ في الدياجي الأنجُمُ الزُّهُرُ
ولهذا الصدر ولد، أجل من دار حبه في خلد.
اسمه: عبد الحي، ويعرف بفائضي فائض الطبع متدفقه، متأرج روض الأدب متفتقه.
سلك الوعور من المعارف والسهول، وفاق على حداثة سنه الشيوخ والكهول.
إلا أنه اخترم في اقتبال، وأصيب للأجل بنبال.
وشبابه يقطر ما ويرف نما، ويغازل عيون الكواكب فضلا عن الكواعب إشارةً وإيما.
فكان ممن ثكلته النجابة، وتخلفت في الدعاء بطول عمره الإجابة.
فلبست عليه الغواني الحداد في الأحداق، وبكت عليه عيون السحب بالصيب المغداق.
ولم أقل له على شعر عربي، غير أني عربت له بعض مفردات.
فمنها قوله:
غَبْغَبُ مَن أهواه في جِيدِه ... تفَّاحةُ التفْريحِ للقلْبِ
وقوله:
والسَّرْوُ بالثَّلْجِ غدا مُجلَّلاً ... كأنه المغَارة البيضاءُ
وقوله:
يا صَبا الروضِ أخْبرِي ... أنتِ للأُنْسِ مَحْرَمُ
هل بنادٍ رأيتِ من ... عِقْد وُدٍ يُنَظَّمُ
стр. 358
كمال الدين بن أحمد طاشكبرى، قاضي العسكر الكمال وصفه الذي يعزى إليه، وعين الله عليه وحواليه.
فهو لم يشب بنقص، ولم يدخل بيت مجده خبن ولا وقص.
فغدا الفلك الدوار مطية آماله، واليمن مقروناً بيمينه وانتظام الشمل معقوداً بشماله.
وقد بلغ ماؤه عشراً في عشر، وتناسب بينه وبين الفضل لفٌّ ونشر.
وهو ممن إذا قال لم يترك مقالاً لقائل، وإذا أنشا أنسى سحبان وائل.
وله تشبث بالفنون الأدبية، ونظم ونثر بالتركية والعربية.
فمن شعره العربي قوله، من أبيات كتبها لبعض الصدور:
عاصفُ الحادثات أفْنانِي ... صَرْصَرُ الدهر بَذَّ أفْنانِي
كَمَدِي آدَنِي وأعْياني ... ارحموا سادتي وأعْيانِي
وله من رسالة يعتذر فيها عن عرض أسند إليه.
إن كنته،
وما أنا في حِفْظِ الوفا متضنِّعاً ... ولا أنا للزُّورِ القبيحِ مُنمِّقُ
وأنتَ فتدري ما اقْتضتْه جِبلَّتِي ... فما أدَّعي إلاَّ وأنت تصدِّقُ
ولكنَّ دهراً قد بُلِينَا بأهله ... أباحوا به ثوبَ النِّفاق ونفَّقُوا
والذي يعلم سري وعلانيتي في جميع حالي، لم يصدر عني ذلك الأمر ولا خطر ببالي.
وهل يليق بي أن أدنس العرض بمثل ذلك العرض، وأحشر في زمرة الكاذبين يوم العرض.
ووُدِّي أنتَ تعلمُه يقيناً ... صحيحاً لا يكدَّر بالجفاءِ
فلا تسمعْ لما نقلَ الأعادِي ... وما قد نمَّقوه من افْتراءِ
محمد بن عبد الغني، قاضي العسكر نادرة الزمن، ومبدي الخفي من الدقائق والمكتمن.
تباهت أولو المعارف من الانتماء إليه، ورفرفت أرباب الشعر بأجنحة الاستفادة عليه.
فهو رأس من برع في فنه، وشعشع راح الأدب في دنه وله نزعات تقف الآراء دون تحقيق مناطها، وتعنى الألباب فلم يهتد بيانها لاستنباطها.
تتوقد نار فكره، وتبتهج بين شرب المدام وسكره.
مع لطف الشيم، الهامية الديم.
وحسن الخصال، التي عمرت بها البكر والآصال.
وقد تميز بالرياسة ناهضاً بأعبائها، وحظي من السلطنة بتقريبها واجتبائها.
ولم يعطل من راحه راحه، ولم يسكن إلا إلى دعة وراحة.
وكان يؤثر الأفراح والقصف، ويكثر من النعت للراح والوصف.
وله غزليات بالتركية، يستشفى بها الخمار، وتتعاطى عليها الأسمار.
وأما شعره العربي فلم أر له إلا هذين البيتين:
قيل إن الياقوتَ أصلٌ أصيلٌ ... لجميعِ الجواهرِ الشَّفَّافَهْ
فلهذا المُكيِّفات جميعاً ... هي فرعٌ والأصلُ فيه السُّلافَهْ
يشير إلى ما قاله التيفاشي في زهر الأفكار، في جواهر الأحجار، ناقلاً عن بلينوس: الياقوت حجر ذهبي، وجميع الأحجار غير الأجساد الذائبة، إنما انعقدت وابتدت لتكون كلها ياقوتا، كما ابتدأت الأجساد الذائبة لتكون كلها ذهبا، فأقعدتها عن الذهبية العوارض.
وكذلك الأحجار إنما ابتدأت في خلقتها لتكون ياقوتا، فأقعدتها عن الياقوتية كثرة الرطوبة وقلتها، وقلة اليبس وكثرته، فلم تكن ياقوتا، فصارت حجارة حمراء، وبيضاء، وخضراء، وصفراء، وغير ذلك من الألوان. انتهى.
مصطفى بن عزمي، قاضي العسكر الهمام البذ الفرد، الذي اقتنص المعارف اقتناص الأسد الورد.
نفث في عقد النهى بلطفه المصقول، وملك بحسن تصرفه لب المعقول والمنقول.
مع لطائف تستنطق الجماد، وبدائع لو سمعها رضوى لماد.
إلا أن نهضه كان بشأوٍ قصيرٍ بين أقرانه، وذلك دليل مواربة الدهر معه وحرانه.
وربما انعطف عليه فرغم معطسه، فيرمى على غرةٍ قلب الصواب فيقرطسه.
وهو كما شاءت العلى، يزداد تواضعا كلما علا.
وتآليفه ساجل بها صوب الغمامة، وطوق الدهر بها طوق الحمامة.
وأنا بآثاره ونظامه ونثاره أضن بأمثالها، من الدهر بمثالها.
وإني لأتشوق إلى سماع مزاياه، تشوق الصمة إلى رياه، وأبى الخطاب إلى ثرياه.
ولم أقف له من الشعر إلا على قوله:
يا نفسُ عُوذِي بالكريمِ وجُودِه ... فهو الذي يُسْدِي إلينا نِعْمتَهْ
ويُنزِّل الغيثَ الذي يروِ الرُّبَى ... من بعد ما قَنَطُوا وينْشُر رَحمتَهْ
وقوله:
للهِ من رشأٍ كتائبُ لَحْظِهِ ... أهْلَ الصَّبابة غادرتْ مَأسُورَا
стр. 359
ولقطْعِه صُلْبَ القلوبِ كرَوْضِها ... قد صار صارمُ لَحْظِه مكسورَا
السيد محمد بن محمود النقيب العلامة عقد الخلافة النبوية، وتاج الأسرة المستمدة النور من الأسرة العلوية.
وابن أفضل الأنام، والمستنزل بوجهه در الغمام، وخلاصة نور الوحي الملتقى ما بين فاطمة الزهراء وعليٍ الهمام.
وإذا لم يكن علويٌّ كالعلامة، في الشرف الذي كفاه على وضع العلامة.
فهو للشرف كالغاصب، وربما كان حجةً للنواصب.
فأما كرم الطبع فكما تقتضيه الأريحية، وأما لطف الخلق فكأنه منتسخٌ من أخلاق جده ﵇ والتحية.
إلى ما حواه من البيان الفصيح واللفظ الخلوب، وحسن الأداء الذي يستدعي حب القلوب.
تتجارى فصاحته وبلاغته كفرسي رهان، فالاستدلال بهما على فضله يغني عن حجةٍ وبرهان.
وله من الآثار المتلوة، ما يلوح عليه سيماء النبوة.
فمن زهراته الطرية، وفقراته الدربة.
قوله في ديباجة رسالة وسمها باسم السلطان مراد، في تفسير آية: " الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ".
اللهم اهدني بسيارة الفكر في سموات الذكر إلى منهج اليقين، واسلب غشاوة الغباوة عن عيني حتى تبصر مدرج المتقين.
فيما بليت بدرايته، وسئلت عن روايته.
صبيحة يومٍ مجموعٍ له الناس في جامع وجوه الصالحين، به تغنى عن النبراس يستفتحون بعرمرم المسلمين.
المحاصرين حصن بغداد، محاصرة الثواقب لبروج السبع الشداد.
والجامع جامعٌ لمحاسن العرش المجيد، بجواهر التزيين وزواهر التنجيد.
ومراد الله فوقه شمسٌ طالعٌ على خط الاستوا، والأعيان الثابتة على الطبقات ثوابت السما.
والمذكر قد خرج على قومه من المحراب على سنة سيدنا زكريا، فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا.
إذ تمثل لي روح الملأ الأعلى بشراً سويا، فقام يسألني عن أشياء خفيةٍ حفيا.
على سلطانٍ مسارح سبوح، فكره ملكوت السبوح.
ومدار صبوح، ذكره مجالس الملائكة والروح.
ملكٌ ملك الآفاق لطفاً وقهرا، وسلك مسلك الاتفاق سراً وجهرا.
وخضعت لجلالته وجلادته الدهور، ونسمت بنسيم سعادته غرر الشهور كالزهور.
عمت بالأيادي يداه قبائل الشاكرين فضلاً وجودا، وهمت بنوادي نداه قوافل الذاكرين قياماً وقعوداً وسجودا.
الذي استرق رقاب السلاطين مراداً ومريدا، واستعبد ملوك الماء والطين ولم يذر مريدا.
نشر راية السلطنة الطنانة نشر عبير، وفسر حدسه آية الدولة الديانة أحسن تفسير.
لم يزل صدره مصدر الكليات، وضميره لوح الماهيات.
وما برحت راحته راحة العباد، وساحته قبلة الحاضرين والباد.
وما انفكت زجاجة قريحته الوقادة، توقد من شجرة التحقيقات العقيقية؛ وبديهته النقادة، ترتاح إلى التدقيقات المجازية والحقيقية.
وما فتىء قبول قبوله روحا يروح نخل الفضائل بروح وريحان، وما خلا بنان رسوله يقطف قطوف الفنون من الأفنان.
ينظر إلى ثمره إذا أثمر وينعه، ويشكر فضل أثره ويأمر بجمعه.
وكتب إلى إمام السلطان يوسف بن أبي الفتح الشامي، وهو بدمشق:
يا مَن علاَ بجمالِه ... وكمالهِ أعْلَى العُلَى
مِنِّي إليك تحيَّةً ... حِرْز البقا لذَوِي العُلَى
ثم ينهي على رسم أولي النهى، إلى المحل الذي خصه الحسن والبها.
أنا كنا مجهزين إليه قبل تاريخه كتاباً مكتوبا بأمداد الصدق والخلة، وخطاباً فيه شفاءٌ عن العلة والغلة.
ثم قعدنا ناظرين بم يرجع المرسل، فلم يظهر ممن رحل وقفل، وطلع وأفل، نوع أثرٍ من عين، ونغمة خبرٍ من رباب وعين.
فلعل المجهز ضاع في البين، وما ضاع نشره بين اثنتين.
وإلا فالحبيب لا محالة وثيق الوفا، سحيقٌ على شفا جرف الجفا.
فلو وصل لوصل، وما قطع عروة ما حصل.
ودمت يوسف الحقائق، موفياً كيل الدقائق.
بين متهم ومنجد، ومشئمٍ ومعرق.
وكتب على رقعة رفعت إليه من بعض الفضلاء، على يد واسطة بعض خواص الأفاضل، متضمنة لعتب حصل منه: تحضرون البيت، وتحكون الحكاية كيت وكيت.
قضية الهجر فرية الواهمة، والقطيعة من الهجران لا من أهل كاظمة.
عند الملاقاة تظهر الأمور، ولدى المصافاة يحصل شفاء الصدور.
وكتب على إجازة لبعض الحلبيين: لما تشرفت بمطالعة هذا الطامور، الفائق على هياكل النور وقلائد الحور.
стр. 360
بميامن ما احتواه من ذكر الصالحين الذين تنزل الرحمة عنده وتحصل به الأجور، اللائق كتبه بالمسك والكافور على النحور.
بل بسواد أحداق الحور، على صحائف قدود ربات الحجال والقصور.
ذكرتهم بالدعاء الصالح، والثناء العطر الفائح.
وأثنيت على صاحبه الفائز الفالح، بالمدح العبق الروائح.
مستمداً من روحانيتهم العالية، متيمناً بحسن الانتظام في زمرتهم السامية، ومستطراً سحب همته الهامية النامية.
فقلت فيه مقرظا:
حقَّقتُ أن جمالَ الدين من زُمَرٍ ... حَلُّوا محلَّ سوادِ القلب والبصرِ
من أهلِ خِلقة تَجْريدٍ بها ادَّرَعُوا ... والتاجُ بَيْضتُهم تحمِي عن الضَّرَرِ
من مَحْتِدٍ عَبْقرِيٍ بَيْضُهم حَدَدٌ ... المُرْتوِي صدرهُم من رَملةِ الصَّدَرِ
المنتمِين إلى البازِ المُحقِّق في ... جَوِّ العُلَى الأشهبِ العالي عن النّظرِ
طُوبَى لمن إذْ جَلَى مِرآةَ خاطِره ... بخِرْقةٍ منهم تخلُو عن الكَدرِ
جمالُ ذي العصرِ في مَحْياه دام وإذْ ... حلَّت شَعُوب جمالُ الكُتْبِ والسِّيَرِ
بين الأُلَى فرأوْا عين النظيرِ به ... عين الفريدةِ في عِقْدٍ من الدُّرَرِ
فإن له ينبح الحُسَّادُ عن حسَدٍ ... فلا يضُرُّ عُواءُ الكلبِ للقمرِ
وله القصيدة الثلجية، وهي مشهورة بالقدس، نظمها لما كان قاضياً بها، وعين لها وقفاً وقراء يقرأونها كل ليلة في المسجد الأقصى.
ومستهلها:
ما الثلجُ ثَجَّ على ذا الطُّورِ والْحَرَمِ ... نُورٌ تجلَّى به الرحمنُ ذو الكرمِ
من عهدِ مُوسى تجلَّى لا نظيرَ له ... لكنَّه شاملٌ للعُرْبِ والعجَمِ
من جملتها:
من جانبِ الرومِ ضيفٌ قد ألَمَّ بنا ... أنْجَى الخلائقَ من جَدْبٍ ومن ألَمَِ
مُنَوَّرُ الوجهِ شيخٌ من محاسنِه ال ... بيْضَا يفيضُ بوجهِ الْبانِ والعَلَمِ
تأتي سليمانَ من سُحْبٍ أريكتُه ... فالرِّيح تحملها بالخيْلِ والحَشَمِ
تواضُعاً وجهُه في الأرضِ محتَشِمٌ ... فمن تخطَّاه قُلْ يا زَلَّةَ القدمِ
محمد بن فضل الله المعروف بعصمتي بحرٌ في البلاغة زاخر، ومولى كله مناقب ومفاخر.
يتسامى به دهره ويتعالى، ويتنافس به مادحه ويتغالى.
فموضعه من كرم الخيم وفضل العلى، موضع الإكليل من الرأس والعقد من الطلى.
وطبعه الروض إذا باح، بسر نوره نفس الصباح.
أصلف من ملح في ما، وأشف من زجاجة عن صهبا.
وله بنان تحل أقلامه ما عقدته الأوهام بالأسنان، فإذا دعا بيان المقال لباه سحر البيان.
فيأتي بورد خدٍ تحت ريحان طرة، وصبح فرق يسفر عن نهار غرة.
ولطفه مع المعاشرين، لطف ابن العشرين.
تفتر عن ثنائه الثنايا، وتحتوي على حبه الضلوع والحنايا.
وأنا لا أحسب أن في طبعه وصمة، وأن لا تجد منه العصمة.
وكان الدهر أغري بوهي بنائه، لتلونه تلون الماء في إنائه.
فلما رآه كالياقوت لا يتغير إذا ألقي في النار، عطف عليه ورفع له في الحظوة المنار.
فاستأنف لذاته وجددها، وأثبت مقاماته وحددها.
وتأزر بأثواب العلى وتردى، ولم تجد عنه السعادة محيداً ولا مردا.
إلى أن فاجأه الموت، وفات في أجله الفوت.
فلا زالت الديمة الوطفا، تحيي قبراً ضم منه كرماً ولطفاً.
وهذه شذرات من عقده، جئت بها خالصةً من زيف الشعر الداعي لنقده.
فمنها قوله:
أهلاً بمن فاق السِّماك مُخَجِّلاً ... شمسَ الضحى في رفعةٍ وسَناءِ
فكأنَّ لي فوق الثُّرَيَّا منزلاً ... علِقتْ بسُدَّتِه حِبالُ رَجائِي
وكتب إلى أستاذي عزتي:
يومكمُ نصفهُ تقَضَّى بنوُر الْ ... عِزِّ والنصفُ منه للقُرَناءِ
طالعِ الدرسَ بعد كل عِشاءٍ ... فالليالي تُعَدُّ للإحْياءِ
وكتب إلى المفتي أبي سعيد:
لا زلتَ في فَلك السعادةِ ساطعاً ... أنت الكفِيُّ بحاجتِي وحَسِيبي
أمَّلتُ حُظوةَ نظرةٍ من أجلِها ... أشْغلتُ ساحتَكم ببَسْط كُروبي
وكتب لبعض الصدور:
стр. 361
يا سراجَ التقى وبدرَ المعالي ... دُمْ منيراً وهادياً للعبادِ
كنتُ من قبلُ ألثَم اليدَ بالإجْ ... لالِ والآن نالَ ذاك مِدادِي
وله من قصيدة ربيعية:
زمنُ الوردِ بالرَّحِيق الصَّفُوقِ ... طاب حيثُ الصَّبوحُ مثلُ الغَبُوقِ
أنتَ بالغَنْجِ والدلالِ أنيسٌ ... وليَ الخمرُ كالصديقِ الصَّدوقِ
وسمع قول ابن عبد ربه:
نعَق الغرابُ فقلتُ أكذبُ طائرٍ ... إن لم يصدِّقْه رُغاءُ بعيرِ
فقال:
ورد النسيمُ فقلت أصدقُ قاصِدٍ ... خجلتْ له عينُ النباتِ الأخْضرِ
ومما عربه المنجكي من كلامه:
لو فوَّق الحظُّ سهماً من كِنانتِه ... وكان من خَلْفِ قَافٍ لم يفُتْ غَرَضُ
وعربت أنا من كلامه:
وأُريد أن أُبْدِي شكايةَ هجرِه ... فيسُدُّ منه بكأسِ موعدِه فَمِي
ومنه:
مُقبِّلتي سدَّ السبيلَ شِكايتِي ... على السِّرِّ من خَاتمِ خاتمِ الفمِ
ومنه:
وأنفقْتُ عمرِي في تعشُّق فَرْعِه ... فلم أتنَشَّق شَمَّةً من عَبِيرِهِ
حسين بن رستم المعروف بباشا زاده، نزيل مصر صنديد بطل، ومنطيقٌ غير ذي خطأٍ وخطل.
نهجه مستقيم، والدهر بمثله عقيم.
بشيم اقتضاها مجده، وأورثه إياها أبوه وجده.
ومفخرة يتوشح بردائها، ومأثرة يترشح لابتدائها.
إلى أخلاقٍ ألطف من نعمة الوصال، وأرق من نسمة الشمال تهديها البكور والآصال.
أقام بالقاهرة زماناً طويلا، وأوسع بها الآمال إنعاماً وتنويلا.
بين قوم حروف السؤال لديهم زوائد، فما لأحد في عزهم مرتجى ولا له في مصائبهم فوائد.
فازدهت به المواطن والمرابع، وأشار إليه حتى النيل بالأصابع.
وله أخبارٌ نشرت أعلام إفادتها في كل نادي، وأشعارٌ لفصاحتها عند قس الإيادي أيادي.
فمنها قوله من قصيدة، كتب إلى المفتي سعد الدين، يمدحه بها.
ومطلعها:
أراك ترُوم المجدَ ثم تُساهِلُ ... وزامِلةُ العمرِ اليسيرِ تُناقِلُ
ونفسُك زادت زَمعَها لا تَرُوعها ... وتفضُل عما خلَّفتْك الأوائلُ
وقد طفَلتْ شمسُ الحياةِ وبعد ما اخْ ... تفتْ لا تراها تخْتفي فتُقابِلُ
وسُلَّتْ سيوفُ الشَّيْب من غِمْدها وقدْ ... تَبرَّتْ لأن تَنْساخ منها الكلاكلُ
سنابلُ أيامِ الهوى اصْفَرَّ لونُها ... وأوشك أن حلَّتْ عليها المَناجِلُ
وشتَّت نَبْلَ الحادثاتِ قِسيُّها ... وتُخْطىء إلاَّ أن تُصِيب المَقاتلُ
فماذا التَّوانِي والتكاسُل غافلاً ... تنامُ وشُدَّت في الحَوالِي حبائلُ
وما أنت في دُنياك إلاّ معذَّبٌ ... بِرُوحٍ يعاني غَمّه ويُماثلُ
وجسمٍ يُهادَى بين موتٍ وسُقْمِه ... ولا ينْثني عنه الأسَى والنَّوازلُ
فأيُّ صفاءٍ لم يشُبْهُ مكدِّرٌ ... وأيُّ وصالٍ لم يعُبه فاصلُ
إذا ما عَراك الهمُّ بالعُدْمِ فاعْتبرْ ... بأصدقِ قولٍ لا ترى من يُجادِلُ
تباعَدْ عن الدنيا وزايِلْ نعيمَها ... فكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ
يُنادي جميل الخلق حيّاً وميِّتاً ... ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطلُ
تطول رِشاءٌ في الأمانِي وإنَّه ... تُحوِّل فيما لم يكن فيه طائلُ
فواللهِ خَلاَّقِ البَرايا وربِّهم ... تُسَنُّ سِنُوها والشهورُ مَناصِلُ
وترْنُو لآمالٍ بعُمْرٍ نهارُه ... قصيرٌ وقِيعانُ الأماني أَطاوِلُ
رأيت ذوي التِّيجانِ ثُلَّثْ عروشُهم ... وتنظُر في الأركانِ يوماً عَنادِلُ
وتغترُّ بالدهرِ الدَّنِّي وجاهِه ... فمَن رام بالجاهِ المُجاهاةَ جاهلُ
ولو لم تكن تجلُو السَّرِيرةَ بالتُّقى ... صباحَك لَهْواءٌ ويومَك هازِلُ
стр. 362
فلا تعتمدْ دهراً بُلِيتَ به فما ... ترى الخلق إلاَّ وهْو جاءٍ وراحِلُ
ومن حام فيه ساعةً مستمرَّةً ... على ما ارْتضاه فهْو ساهٍ وغافلُ
ولا تحتْظِي فيها البرايا فإنَّها الدَّ ... قيقُ وأنَّاتُ الدَّواهِي المَناخلُ
منها:
أيا نفسُ ما هذا التَّنافسُ في المُنَى ... أما تنظُرين الدهرَ ماذا يُحاوِلُ
يُروِّيك من ماءٍ أُجاجٍ مكرَّرٍ ... وأرْيُك منه سَلْسَلٌ وهَلاهِلُ
ترُومينَ عيشاً رائغاً ومَعالِياً ... وذلك سَفْسافٌ حوَتْه الحسائلُ
وأمْلَتْ لكِ الأيام في العصرِ بُرْهةً ... تمُرُّ بك الموتى وتجرْى المَحاملُ
وليلُ سبيلِ البَيْن أسودُ حالكٌ ... وتُصْطاد أنمارٌ به ورآئلُ
أتَسْري بدخْياءِ الليالي وأُطْفئتْ ... بتسْريحِ أرْواح الذنوبِ المَشاعلُ
بَنيْتَ دياراً قد نَبَتْ بك نَبْوةً ... وتُلْهيك رَوْضاتٌ بها ومَجادِلُ
ستثْوِي بقَاعٍ صَفْصفٍ وتحُلُّه ... أَو إلى خيول جُلْنَ فيه المغاسلُ
عَمُوا أيها الشَّافون منها جُيودهم ... ودوموا وقُوموا واستقيموا وحاملُوا
صَباحةُ فجر الوصلِ أبدتْ طَلاقةً ... ألا أيها الإخوانُ قوموا فناوِلُوا
كؤوسَ رحيقٍ فاح كالمسكِ نَشْرُها ... بنَشْوتها تُنْسى الرَّدى وتُجاملُ
تُسِيحُ صَمِيمَ القلب ظَمْياءُ كُرْبةً ... إذا أبْطأتْ في الدَّوْرِ تلك الذَّبائلُ
تجودُ بأفنانِ الذنوبِ جوارحِي ... وطَرْفي بأقْطارِ النَّداية باخلُ
أتاكِ إلهي صاغراً متأسِّفاً ... على ما جَناها وهْو جَدْواك سائلُ
مُقِرٌّ بما يكْبُو ويهْفُو وذاكرٌ ... كثيرُ خطِيئاتٍ أقَلَّ وعائلُ
أحمد بن زين الدين، المعروف بمنطقي هو وإن كان بدمشق مولده ومرباه، وبمائها وهوائها سقي فترنح غصن رباه.
فله من الفارسية أوفر قسم، ومن التركية ما يتخيل أنه وإياه روح وجسم.
ولحق بالروم فصار منهم، وإن لم يكن يفوق على أبلغ بلغائهم فلم يقصر عنهم.
فرمت له عن قوسها الروم، واتفقت على تفضيله الأعلام والقروم.
وعهدي بمن يفرق الرث من السمين، ويعرف فضل الورد على الياسمين.
يقول: إنه فطنٌ يتلهب شرار عفاره ومرخه، ومحسن إذا نطق بشعره، استوقف الطير في منقاره وزق فرخه.
وأشعاره متنفس خواطر الشعراء، ومن أراد محاكاتها في حسن التأدية نبذ بالعراء.
وقد أوردت من شعره العربي قطعةً تشهد له بالإحسان، شهادة الروض الأريض بفضل ماء نيسان.
وهي قوله:
سقتِ الرياضَ دموعُ عينِي الجاريَهْ ... فبدتْ تراجُعها عيونٌ باكيَهْ
وسَرْت لأغصانِ الوُرودِ فأصبحتْ ... أكْمامُها منها قلوباً داميَهْ
دمعِي تبدَّل بالشَّرارِ وكيف لا ... وجحيمُ قلبي فيه نارٌ حاميَهْ
ماذا عليَّ من الجحيمِ ولم تزلْ ... نارُ المحبَّةِ في وجودِي باقيهْ
يا سادةً لمَّا بدا سلطانُهم ... ملَك القلوبَ من الأنام كما هيَهْ
تلْوِي غصونُ قُدودهم أيدي الصَّبا ... وقلوبُهم مثلُ الحجارةِ قاسيَهْ
لم يبْقَ لي ثمنٌ يُقاوم وَصْلَكُم ... إلا المحبةَ والمحبةُ غاليَهْ
الجسمُ ذاب من الجفا والقلبُ رَهْ ... نٌ عندكم والرُّوحُ منِّي عاريَهْ
مُنُّوا عليَّ بنظْرةِ فوَحقِّها ... قسَماً بمَن أبْرَى النفوسَ الفانيَهْ
لو مَرَّ بي مَيْتاً نسيمُ ديارِكمْ ... سَرَتِ الحياةُ إلى عظامِي الباليَهْ
عطاء الله بن نوعي، المعروف بعطائي ضافي ذيل النباهة، صافي ماء البداهة.
ما أعافه طبعٌ، ولا جف له نبع.
وأنا أتحققه كلما أطاب، ولم يخرج من خزينة رؤيته إلا جواهر شفافةٌ ولآلٍ رطاب.
стр. 363
بمحاورات يحمر لها خدود الشقائق من الخجل، ومحاضرات تكاد تخلص الحياة من يد الأجل.
وله كتاب الذيل على الشقائق النعمانية، في علماء الدولة العثمانية.
أجاد فيه سجحاً وتقفية، ووفى الحسن أكمل توفية.
وكلامه في المقفى والموزون، سلوة المغموم وفرحة المحزون.
ولم يبلغني من شعره العربي إلا قوله:
ولمَّا توالتْ للزمانِ مصائبٌ ... لكلِّ رَذِيلٍ بالرَّذالةِ مُعْلَمِ
ترامتْ بهم أيدي المَنايا عن المُنَى ... إلى حيث ألْقت رَحْلها أم قَشْعَمِ
وعربت له بيتاً ذكره في ترجمة شيخ الإسلام زكريا، وقد ولي الإفتاء في سنة إحدى وألف، وهو:
في رأسِ كل مائةٍ يجِيءُ مَن ... يُجدِّدُ الدينَ بديعَ الوصفِ
ومثلُ ذا مُجدِّدٌ للدِّينِ لا ... يجِيءُ إلا واحداً في الألفِ
ولده محمد ابن أبيه، فالأصل نبيهٌ والفرع شبيه.
مشى على أثره، وضرب على محكمه في نظمه ونثره.
إلا أنه قدح، وأبوه مدح.
وتجاوز في الأمد، وشفى الحقد والكمد.
وهو وإن أتى بما عليه رونق وحلاوة، إلا أنه من هذا الأمر فالج ابن خلاوة.
فالله يعفو عنه وعني، وعن كل من يتكلم بما لا يعني.
فمن شعره قوله:
يأوِي إلى الحمَّامِ في أوطارِهم ... أهلُ المعالي عند إعْوازِ الخدَمْ
حتى إذا ما حمّلوا فوق الرِّضا ... حكمَ القضا في بيْته يُؤتَى الحَكَمْ
هذا المثل مما زعمت العرب وضعه على ألسنة البهائم، قالوا: إن الأرنب التقط ثمرةً فاختلسها الثعلب، فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب.
فقالت الأرنب: يا أبا الحسل.
فقال: سميعاً دعوت.
قالت: أتيناك لنختصم إليك.
قال: عادلاً حكمتما.
قالت: فاخرج إلينا.
قال: في بيته يؤتى الحكم.
هذا محل المقصود منه، وله تتمة طويلة.
ومما يناسب منزعه في التضمين قول بعضهم:
لنا عالم يُؤْتَى فيأتِي بحُجَّةٍ ... على ذاك من أخبار علمٍ وآياتِ
وقلنا له الإسلام يعلُو ولم يكن ... ليُعْلَى فقال العلم يُؤْتَى ولا يأتِي
محمد بن داود المعروف برياضي شاعر بارع، متسنم لرتب البراعة فارع.
تؤثره أدباؤهم على غيره، ومن أراد منهم نهج البلاغة سار على سيره.
اشتهر ذكره، واستطار شرراً فكره.
ونهض فنهضت بنهضته همم، وتكا فأسمعت كلماته من به صمم.
وله أدب شعشع به البدائع وروقها، وقلدها بمحاسنه النوادر وطوقها.
فرياض أدبه لا تعرف أزهارها الذبول، إذا ما هبت نسماتها استخلفت الصبا والقبول.
فمما عربته من مفرداته:
إذا تذكَّرتُ منه رِيقاً ... ترحَّل الصبرُ والقَرارُ
إن عَزَّوِجْدانُه بمصرٍ ... لله في الأرض قُنْدُهارُ
ومنها هذه الرباعية:
أهْوَى قمراً فاق على الأقْمارِ ... قد قيَّد بالحسن خُطَى الأبْصارِ
لا أرغبُ في الحياة إلاَّ طمعاً ... في رُؤيته فهْي مُنَى الأعْمارِ
أويس، الشهير بويسى شاعر منشٍ، وناسج موشٍ.
لا يسدي إلا ألحم، ولا يناظر إلا أفحم.
اشتهر بالإحسان اشتهار الزهر بأويس، ولم يقابل مجاريه ومباريه إلا بويح وويس.
أعرب بفنونه، واعترى القلب بفتونه.
وآثاره مما تنفع الكبراء على أسمارها، وترقم ببدائعه هالات أقمارها.
أوتي في اللسان بسطة، كما منح في اليراع نشطة.
فكأن المعاني حاضرةٌ على طرف فمه، والألفاظ مترقبةٌ لأن يجريها على بنانه وقلمه.
وقد ترجم السيرة النبوية فأحسن كل الإحسان، وأطاعته فيها الفقرات إطاعة القوافي الحسان.
فشكر صنيعه من اتسم بكمال النهى، وأحله هذا الأثر من مراقي العز فوق فرق السها.
وله غيره من الآثار في الفنون، بما يحقق تمكنه من الاطلاع للظنون.
ومن جيد معانيه المنقولة قوله:
شجَرُ الخِلافِ يقول للنَّهرِ ... أنا مُرْتَوٍ بنَوالِكَ الغَمْرِ
والنهرُ أيضاً قائلٌ وأنا ... في ظلِّ فَضْلِك دائماً أجْرِي
وحللت من أبياته: الباطل باطلٌ لا شبهة تنافيه، لكن ربما ظهر في صورة الحق فشك المفكر فيه.
عمر المعروف بنفعي ابن الرومي بعينه في الهجا، فكأن ذاك ما راح وهذا ما جا.
стр. 364
لو قرع إبليس بهجوه لتاب، أو رمي مارد بجذوةٍ منه لذاب.
وكله إذا فتشت فيه، وساوس أغراضٍ يمليها فكره على فيه.
فمكواته لا تفارق النار، وإذا جهل فعلى أعلى المنار.
بفكرٍ يرد السيف مثلماً، والرمح مقلما.
ويصير القمر للعمر هادما، ولا يدع الواصف للعسل بقيء الزنانير نادما.
ولقد رأيت أهاجيه مرارا، فأعرضت عنها تقطباً وازورارا.
لأن نحسها أدى إلى رداه، ومكن من وريده حسام عداه.
فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وترك من لا يرد سهام ملامه وتقريعه من خلفه.
وهو على بذاءة لسانه، يجيد في التغزل بحسن القول وإحسانه.
وكل معنىً مبتكر، لا تحوم حول حماه الفكر.
فمنه على ما عربته:
أسَرْتَني بلَحْظِ طَرفٍ ساحرِ ... أوْقعتنِي فيه بقَيْدِ الناظرِ
باللهِ صُنْ صائلَ الفَرْعِ ولا ... تُخلِّني في هَمِّ قيدٍ آخَرِ
عبد الباقي، المعروف بوجدي السيف القاطع، والكاتب المتناسب المقاطع.
أي وقارٍ في تلطف، وأنسٍ مع حسن تعطف.
إلى خلق كما هبت صبا نجد، وطبعٍ يمتلي به المشغوف وجداً على وجد.
وهو في الأدب ممن بعد شأوه، وله شعر يعلم منه مقداره وبأوه.
منه ما عربته:
ما تراءَى لي ذلك الوجهُ إلاَّ ... قام فيه لَوْنُ الحَيَاءِ نِقابَا
عجباً من سَواد مِرْآةِ حَظِّي ... قابلتْ نُورَه فصار حِجابَا
نائلي رب فصاحةٍ وبراعة، وفارس دواةٍ ويراعة.
نبغ وتفوق، وتصفى كأس أدبه وتروق.
وراح في الحلبة واغتدى، واكتسى بأحسن الحلة وارتدى.
وما زالت تعله الرياسة وتنهله، والدهر ييسر أمله الأقصى ويسهله.
حتى استقامت أسبابه، وتمتعت حيناً برونق أيامه أحبابه.
على توفر حظوظٍ شارقة، وإخفاق سحب أمانٍ بارقة.
وهو في الأدب ممن استحسن منزعه، واستعذب من مثله مشرعه.
وطبعه في الشعر العارض إذا هتن، وما أرى إلا أنه أراد أن يشعر ففتن.
فمما عربته من بدائعه قوله:
أيها الطالبُ شمسَ الأُفْقِ منْ ... مسكنٍ عزَّتْ به وامْتنعتْ
ارْجُ قُرْبَ الوصل إن الشمسَ في ... شَرَكٍ من عارضيْه وقعتْ
فهيم شابٌّ شب في حجور الآداب، وتعلق من الشعر الغض بتلك الأهداب.
فجاء منه بما تستعير لطفه الشمائل، وبرق به النسيم إذا سرى بين الخمائل.
وقد تغرب في عنفوان شبابه، وغاص في بحبوحة التفنن وعبابه.
فأرضعته الحنكة بلبانها، وأدبته الدربة في إبانها.
فكان أبرع من أورد اليراع في محبرة، وهز غصنها في روضة طرسٍ محبرة.
إلا أنه كان لا يقتصر على سمت، ولا يخلو من انحرافٍ وأمت.
وقد نزع إلى سلوكٍ ورياضة، واستحسن عن الزخرف بالخشن تبدله واعتياضه.
وله ديوان شعر موجود بأيدي الناس، وأكثره غزليات من أدق رقى الوسواس الخناس.
فمما عربته منها:
عجبتُ من لَحْظِ ظَلومٍ في السَّطَا ... يُعلِّم التظلُّمَ المظْلومَا
سليمان، المعروف بمذاقي ظرف الظرف، وقوة الطرف.
وزاملة النتف، وأطروفة الطرف.
كنه الأخبار حديثاً وقديما، فلهذا اتخذه الكبراء جليساً ونديما.
فهو على القدح ريحانة، وفي الكأس سلافة حانة.
وكان مولعاً بالصناعة، ولديه منها توسع في البضاعة.
فهو قمريٌّ التصوير، شمسي التأثير، ومحله ما بين فلك عطارد والفلك الأثير.
وله شعر عذب المساغ حلو المذاق، ورتبته في الأدب رتبة المهرة الحذاق.
فمما عربته من كلامه:
ما أخْجلَ الحِبَّ عَتْبُ صَدِّ ... جَنَى به الطَّرْفُ وردَ خَدِّ
بل أشعلَ الحسنُ فيه جمراً ... قطَّر للرِّيق ماءَ وردِ
قلت: هذا معنى لطيف.
ولأبي الطيب صالح النقري من شعراء المركز، ما هو منه من أبيات:
أنْضجْتُ وردةَ خدِّه بتَنَفُّسِي ... وظلَلتُ أشربُ ماءَها مِن فِيهِ
وحليت من شعره: كثيراً ما يغم العاشق فكرٌ يتصور في خياله، والمعشوق في شغلٍ عنه يمنعه أن يمر بباله.
وقس على هذا الحال المعارف يتوقع منهم المكروه، وأما الأجانب فالمرء آمنٌ مكائدهم من كل الوجوه.
نابي هو الآن في الأحيا، يوازن بمكارمه الصيب إذا حبا وأحيى.
آخذٌ بأسباب المحاسن جملةً وتفصيلا، ومستوعبٌ أدوات الفضائل غريزةً وتحصيلا.
стр. 365
وأما أدبه فالربيع زاهٍ بفضله، والحبيب منعمٌ بعد هجره بوصله.
شق الجيوب من الطرب، وعل النفوس بما هو أحلى من الشهد والضرب.
وشعر كل من عاصره بالنسبة إلى شعره المسترق النهى، إن لم يكن أرق من السها، فهو أخفى من منديل الرها.
فمما عربته منه:
لا أرَى كأسَ الأمال ... دارَ نَحْوِي في أمانِ
فهْو قد حقَّقتُ منه ... تابِعٌ دَوْرَ الزمانِ
الأمير يونس الموصلي، المعروف بسامي جم الأدب رائقه، سامي النظم فائقه.
رأيته وقد أخذ منه الكبر، واعتبرت منه العبر.
وهو يروع الليث في آجامه، ويخجل الغمام عنه انسجامه.
وكنت عاشرته مدةً قليلة، وحصلت منه على أمانٍ جليلة.
تنسكب علي فوائد تجاريبه كالمطر، فأراني بفضل عشرته قضيت من أمر الرحلة الوطر.
وكنت مدحته بأبيات، مستهلها:
برُوحِي بل بآبائي الكرامِ ... فتى تَفْدِيه أرواحُ الأنامِ
أقول فيها:
وكم لي فيه من عِقْد امْتداحٍ ... على الأيامِ مُتَّسِق النِّظامِ
يرُوقُك حُسْنُه فتراه لُطْفاً ... كما حدَّثْت عن صَفْو المُدامِ
قَوافٍ ليس تكسِبُه افْتخاراً ... ولو جاءتْ بمُعجزةِ الكلامِ
ففيه تقولُ أَلْسنةُ المعالِي ... سَما يسْمُوا سُمُوّاً فهْو سَامِي
وعربت من كلامه:
والروحُ منِّي في مَضِيقٍ إن تَجِدْ ... فَرَجاً أبَتْ أن نلْتقِي في المَحْشرِ
أحمد المعروف بفصيح حيٌّ موجود، لكنه منقطعٌ عن الوجود.
بشهامة نفسٍ لها في ذاتها تفرد، ولطف أدب كأنه في وجنة الزمان تورد.
وقد صحبته بالروم وله رواءٌ وبزة، وغصن كماله تتساقط ثمراته بأدنى هزة.
ثم عدل إلى توحشٍ وانقطاع، ولله تعالى في خلقه أمرٌ مطاع.
وكان أنشدني من أشعاره قطعاً في الغزل، ما زلت أتمتع بها في أوقات الوحدة، ولم أزل.
وقد عربت منها هذا المفرد:
علمتُ لمَّا فَكَّ عن صدرِه ... كيف تشُقُّ الشمسُ جَيْبَ الصباحْ
الباب الرابع
في ظرائف ظرفاء العراق
والبحرين والعجم
أما فضل العراق، فكالشمس حالة الإشراق.
وحسبك أنه في جهة مطلعها الذي هو الشرق، وإذا قيس بالغرب فكأنما سوي بين القدم والفرق.
وشتان بين ما تجلى الشمس منه فوق منصتها، وبين ما يشره أفقه الغربي لابتلاع قرصتها.
وأما أهله فهم ملائكة الأرض، وبهم لاق من المدح المسنون والفرض.
وشعراؤه قد هاموا من البلاغة في كل واد، وجلوا غررهم في سواده وأحسن ما لاحت الغرر في السواد.
وقد خرج قريباً منهم جماعةٌ أطلعوا ذكاء ذكائهم في أفقه المشرق، وملأوا ببضائع فوائدهم ونصائع فرائدهم حقائب المشئم والمعرق.
عبد علي بن ناصر بن رحمة الحويزي أوحد من أبدع وأغرب، وشعر فأبان عن إعجازه وأعرب.
ما شئت من استحكام المبنى، وانقياد اللفظ الغر من المعنى.
وحسن الأسلوب الذي تشبث بالحشايا، ونصاعة المقترح الذي تبتهج به البكر والعشايا.
وشعره تملكه الرقة على الشوادن العفر، ويكسب القدود خفةً فتكاد تسترقص على الظفر.
أرقُّ من دمعةٍ شِيعِيَّةٍ ... تبْكي على ابن أبي طالبِ
فالهوى أول تميمةٍ قلدته الداية، والصبابة هي التي عرفها من البداية.
ودخل بغداد فتخلق ثمة بأخلاقٍ عذاب، وكان كابن الجهم بعث إلى الرصافة ليرق فذاب.
ثم التحق بابن افراسياب صاحب البصرة فألقى عنده رحله وحط، والتم في كنفه بعد ما شط.
ففك من يد العسرة وثاقه، وأخذ على الدهر باستقالة عهده ميثاقه.
فأقام في ظله إلى وقت زواله، ومضى فلم يبق بعده في تلك الناحية من يعتني بأقواله.
وقد أوردت من شعره ما يسكر العقول بصهبائه، ويدل على أنه أخذ من بحر القريض أنفس دره وولع الناس بحصبائه.
فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها الأمير علي بن افراسياب، ويستأذنه في الحج:
لمع البرقُ في أكُفِّ السُّقاةِ ... وبدا الصبحُ في سَنا الكاساتِ
فالبِدارَ البِداَر حَيَّ على الرَّا ... حِ وهُبُّوا لأكْمل اللذَّاتِ
نارُ موسى بدَتْ فأين كليم الذَّ ... اتِ يمْحو بها حجابَ الصِّفاتِ
стр. 366
صاحَ دِيكُ الصباح يا صاحِ بالرَّ ... احِ فَواتِ الأفراحَ قبل الفَواتِ
واصطبِحْها اصْطباحَ مَن راح لا يفْ ... رقُ بين الشموسِ والذَّرَّاتِ
تَلْقَ فيها العقولَ مُنتقشاتٍ ... كانْتقاشِ الأشخاصِ في المِرآةِ
فهي الشَّرْبةُ التي عثَر الخِضْ ... رُ عليها في عينِ ماءِ الحَياةِ
وتقصَّى الإسْكندرُ البحثَ عنها ... فعَداها وتاهَ في الظُّلُماتِ
سكنتْ من حَضائرِ القُدْسِ حَاناً ... جَلَّ عن أن يُقاسَ بالْحاناتِ
نُورُ حقٍ بنفسِه قام ما احْتا ... جَ إلى كُوَّةٍ ولا مِشْكاةِ
قَبَسٌ أشْعلتْه أيْدِي التجلِّي ... فأضاءتْ به جميعُ الجهاتِ
حُجبَتْ بالزُّجاجِ وهْيَ عِيانٌ ... كاحْتجاب البدورُ بالْهالاتِ
يا ندِيمي أجِلْ لي عرائسَ سِرٍ ... بغَواشِي الكؤُوسِ مُحْتجِباتِ
هات راحِي ونادِ خُذْها فإنِّي ... لستُ أنْسَى يوم اللِّقا خُذْ وهاتِ
فلقد رُدُّ ركنُ نَحْسِيَ لَمَّا ... سعِدتْ بالحبيبِ كلُّ جِهاتِي
هي شَهْدُ الشُّهود بل راحةُ الأرْ ... واحِ بل حُسْنُ طَلْعةِ الحسناتِ
يا سُقاتي لا تصرفُوا الصِّرْفَ عَنِّي ... فحياتِي في رَشْفِها يا سُقاتِي
غيرُ بِدْعٍ ممَّن حَساها إذا ارْتا ... ح وقال: الوجودُ بعضُ هِباتِي
قام زينُ العِبادِ مِن شُربها قُطْ ... باً عليه دارَتْ رَحَا البَيِّناتِ
فتلاشَى بشُعْلةٍ فَتح العَيْ ... نَيْنِ منها إلى عيونِ الذَّاتِ
وخطَتْ بالجُنَيْد خُطْوَة بَحْرٍ ... غَرِقتْ فيه أكْثرُ الكائناتِ
ورمتْ بالحُسيْن حتَّى ترقَّى ... بأنا الحقُّ أرْفعَ الدَّرجاتِ
أسمعتْنَا من شيخ بِسطامَ مَا أعْ ... ظَمَ ذاتِي بالنَّفْيِ والإثْباتِ
وقُصارى خَلْعِ العذار بها نَيْ ... لُ مَقامٍ يُقاوِم المُعجِزاتِ
رُبَّ وَفْرٍ منها يُصِيب فتَى الْ ... مجدِ عليِّ العرشِ مِرآةِ السُّراةِ
فهو في سِرِّهِ المنَزَّهِ سِرِّي ... ولئِن لم يهِم بحَوْزِ الفَلاةِ
حاد عن مذهبِ التقشُّفِ وانْحا ... ز إلى مذهب الحُماةِ الكُماةِ
وتردَّى بُرْدَ البَوَاطِن والأصْ ... لُ خُلوصُ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ
فهْو في السِّرِّ خادمُ الفَقْرِ عافٍ ... وهْو في الجَهْرِ ضَيْغمُ المُلكِ عاتِ
وله في مَراتبِ الفضلِ ذِهْنٌ ... هو مفْتاحُ مُقْفَل المُشكِلاتِ
كتمْتْه أُولَى الدهورِ وأبدتْ ... هُ على فَتْرةٍ من المَكْرُماتِ
فأفادتْ بمجْدِه البَصْرةُ الفيْ ... حاءُ حَلْيَ المعاهِد العاطِلاتِ
حَلَّ من حِفْظِ نفسِه للمسا ... كِين سَنام المَراتبِ العالياتِ
أسدٌ في ملاحِمِ الحرب غيثٌ ... في النَّدَى خِضْرَمٌ بعلم اللغاتِ
كفُّه مُقْلةُ العدوِّ فلا ينْ ... فَكُّ كلٌّ عن شِيمة المرسَلاتِ
وكذا خَيْلُه وأفئدةُ الأعْ ... داءِ سِيَّان في وَحَي العادِياتِ
وكذا مالُه وأرواحُ مَن عادا ... هُ في كَوْنِهنَّ في النازِعاتِ
إن يضِعْ وقتُ مَن سِوايَ فإنِّي ... لي بعَلْياه أشرفُ الأوقاتِ
شمِلتْني منه العنايةُ حتَّى ... مسحَتْ هِمَّتي عن النَّيِّراتِ
يا إمام الكرامِ يا صادقَ الوَعْ ... دِ إذا لم يَفِ الورَى بالعِداتِ
وهُماماً تعوَّد الحلمَ والجُو ... دَ وهاتان أكرمُ العاداتِ
стр. 367
نِلْتُ من جُودِك العَمِيمِ نَوالاً ... وجبَتْ فيه حِجَّتِي وزَكاتِي
عرف الناسُ في حِماكَ وُقُوفِي ... فأجِزْني الوقوفَ في عَرَفاتِ
ومُرادِي لك الثوابُ وللرِّقِّ ... قضاءُ المَناسِك الواجباتِ
طَوْفُ بيت اللهِ الحرامِ وتَقْبِي ... لُ ثَرَى قبرِ سيِّد الكائناتِ
لم أُفارِقْ حِمَى العَليِّ لِبيْتٍ ... غيرِ بيتِ العَلِيِّ ذِ الدَّرجاتِ
وابْقَ واسلَمْ على الرَّجاءِ مَلِيكاً ... طَوْعُ ما تشْتهي الزمانُ المُواتِي
قلت: هذه القصيد مؤلفة من الدرر النضيدة، إذا أنشدت بين العذيب وبارق، تقول رواة الغرب يا حبذا الشرق.
ووقفت له على ضادية، بها فخر على كل من نطق بالضاد، وبلطف انسجامها ورونق نضارتها تروي كل صاد.
وهي:
قام يجْلُوها في الأجْفانِ غَمْضُ ... والنَّدامى نُوَّمٌ بعضٌ وبعضُ
والضِّيا يرمِي بها الفَجْر الضِّيا ... ولخيْلِ الصبح في الظُّلُمات رَكْضُ
وكأن الليلَ غَيْمٌ مُقْلِعٌ ... لَمَعانُ الكأسِ في جَنْبَيْه وَمْضُ
في رياضٍ نسَجتْ فيها الصَّبا ... ولَها في زهْرِها بَسْطٌ وقَبْضُ
ضَرَّج الوردُ بها وَجْنتَه ... والأقاحِي ضُحَّكٌ والآسُ غَضُّ
وكأنَّ النَّرجِسَ الغَضَّ بها ... أعْيُنُ الغِيدِ وما فيهنَّ غَمْضُ
وكأن الْبانَ قَدٌّ مائِسٌ ... كلُّ غصنٍ منه عِرْقٌ فيه نَبْضُ
وكأنَّ الأرْضَ ممَّا أنبتتْ ... زَهَراً جَوُّ السما والجوَّ أرْضُ
أحسن ما قيل في معناه:
وما غرُبتْ نجومُ الأفْقِ لكنْ ... نُقِلْنَ من السماءِ إلى الرِّياضِ
مجلسٌ طُلَّ دمُ الكأسِ به ... وله ظِلٌّ له طولٌ وعَرْضُ
نظمتْ فيه اللآلِي حَبَباً ... حين عنْها صدَفُ الدَّنِّ يُفَضُّ
بي وبالرَّاحِ الذي أجْفَانُه ... تحسِم البِيضِ صحاحاً وهْي فَرْضُ
كيف تَرْجُو البِيضُ نحْوي رَسْمَها ... ولها في خِدِّها رَدٌّ ونَقْضُ
ما وفَتْ دَيْنِيَ منها وَلَها ... في فُؤادِي أبداً نَشْرٌ ونَقْضُ
يا حبيباً قد غدَا مُعْتزِلِي ... ليس لي عن سُنَّةِ العُشَّاقِ رَفْضُ
إن يكُن قد شِيبَ دمعي بدَمِي ... حُمْرةً فالوُدُّ في الأحْشاءِ مَحْضُ
مُستقِرٌّ نُهِك العظمُ به ... بعد أن ذابَ له لحمٌ ونَحْصُ
وبقلبي عقْربُ الصُّدغِ له ... كلَّما هبَّ الصَّبا نَهْشٌ وعَضُّ
حمَّلت جسميَ أعْباءَ الهوى ... وهو لا يُمكِنُه بالثوبِ نَهْضُ
ومن خمرياته المشهورة:
أقَرقفٌ في الزُّجاجِ أم ذَهبُ ... ولُؤْلؤٌ ما عليه أمْ حَبَبُ
شمسُ عُلاً فوق دَنِّها شُهُبٌ ... والعَجَبُ الشمسُ فوقها الشُّهُبُ
حمراءُ قد عُتِّقتْ فلو نطَقتْ ... حكَتْ لِخَلْق السماءِ ما السبَبُ
إن لَهبَّتْها السُّقاةُ في غَسَقٍ ... يُحرِّك الليلَ ذلك اللَّهَبُ
وإن حَساها النَّدِيمُ مُصطبِحاً ... ألَمَّ في الجيشِ همّة الطَّرَبِ
لم أدْرِ من قبلِ ذَوْبِ عَسْجَدِها ... بأن يُرَى التِّبْرُ أصلُه العِنَبُ
للهِ أيامُنا بذِي سَلَمٍ ... سقتْك أيامَ وصلِنا السحُبُ
والروضُ بالمُزْنِ يانِعٌ أنِقٌ ... والغصنُ بالرِّيح هَزَّة الطَّرَبُ
والنهرُ يحتْاكه الصَّبا زَرَداً ... إذا نضَتْ من بوارِقٍ قُضُبُ
فخانَنا الدهرُ بالفرِاقِ وقد ... رَثَّتْ جَلابيبُ وَصْلِنا القُشُبُ
عجبتُ للدهرِ في تصرُّفهِ ... وكلُّ أفعالِ دهرِنا عَجَبُ
يُعانِدُ الدهرُ كلَّ ذي أدَبٍ ... كأنما نَاكَ أمَّه الأدَبُ
стр. 368
هذان البيتان قديمان، فكأنه ضمنهما.
وللخفاجي ما هو أعجب من هذا؛ وهو قوله:
لزُناةِ الأنام حَدٌّ ورَجْمٌ ... وبِنَفْيٍ كم غَرَّب الشرعُ زَانِي
وزمانِي قد لَجَّ في تغْرِيبي ... أتُرانِي قد نِكْتُ أمَّ الزمانِ
التغريب عند أبي حنيفة منسوخ في حق البكر، وعامة أهل العلم على أنه ثابت، على ما روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ ، ضرب وغرب.
يا عرباً باللِّوَى وكاظِمةٍ ... لي في مَقَاصِير حَيِّكم أرَبُ
بأهْيَفٍ كالقضِيبِ إن هتفَتْ ... صَباه سقتْهُ أعْيُني السُّكْبُ
كالشمس أنوارُه وغُرَّته ... فماله بالظَّلام ينْتقِبُ
تسْفَح من سَفْح مُقْلتِي سُحُبٌ ... إذْ لاح مِن فيهِ بارِق شَنِبُ
كأنَّما فيْضُها ووابِلُها ... أعارَه الفَيْضَ راشِدُ النَّدْبُ
ومن جيد شعره قوله يمدح الشريف راشداً:
إلى مَ انْتظارِي للوصالِ ولا وَصْلُ ... وحتَّى مَ لا تدْنو إليَّ ولا أسْلُو
وبين ضُلوعي زَفْرةٌ لو تَبوَّأتْ ... فؤادَك ما أيْقنْتَ أن الهوى سَهْلُ
جميلاً بصَبٍ زادَه النَّأْيُ سَلْوةً ... ورِفْقاً بقلبٍ مَسَّه بعدك الخَبْلُ
إذا أطْرفتْ منك العيونُ بنَظْرةٍ ... فأيْسَرُ شيءٍ عند عاشقِك القتلُ
أمُنْعِمةٌ بالزَّوْرةِ الظبيةُ التي ... بخَلْخَالِها حِلْمٌ وفي قُرْطِها جَهْلُ
ومَن كُلَّما جَّردْتها من ثيابِها ... كساها ثياباً غَيْرَك الفاحمُ الجَثْلُ
هذا البيت من قصيدة المتنبي الفائية، أولها:
لِجِنِّيَّةٍ أم غادةٍ رُفِع السِّجْفُ
لم يغير فيه إلا القافية، وهي الوحف.
والوحف: الشعر الكثير الملتف.
والجثل: الكثير اللين.
سقى المُزْنُ أقواماً بوَعْسَاءِ رَامةٍ ... لقد قُطِّعتْ بيني وبينهم السُّبْلُ
وحَيَّى زماناً كلما جئتُ طارقاً ... سُلَيْمَى أجابتْني إلى وصْلِها جُمْلُ
معناه أن الحسان يطلبن وصله لما يرون من لباقته.
وأخرج منه قول الأمير المنجكي:
قضَيْتُ حَقَّ الصِّبا وفي كبدِي ... هوىً عليه الحِسانُ في جَدَلِ
والذي حاز قصبات السبق في هذا العتبى، في قوله:
رأيْنَ الغوانِي الشيبَ لاح بمَفْرِقِي ... فأعْرَضْنَ عنِّي بالخدُودِ النَّواضرِ
وكُنَّ إذا أبْصَرْنَنِي أو سَمِعْنَ بي ... سَعَيْن فرقَّعْنَ الكُوَى بالمَحاجِرِ
ولقد أبدع الوزير أبو محمد بن عبد الغفور الأندلسي، من رقعة: كنت والشباب نضر الحلى، قبل حلول هذا الشيب الذي علا، كريماً على ذات الطلى، لا تعترض في لمكان القلة بلولا.
ولما طار غراب الشباب بان المشيب، ورحت رث الجلباب بعد كل سحتٍ قشيب.
سمعتهن حيناً يتبرمن، وحيناً يترنمن، إلا أنهن يجمجمن ولا يترحمن.
وبفضل حاستي ولله الحمد ما فهمت الوزن، فلما استقريت لتعرف حروفه السهل والحزن، عثر لهجي في تطلب تلك الضالة بلعل وعسى، بقول الملك الضليل:
ألِمَّا على الرَّبْعِ القديمِ بِعَسْعَسَا
ولم أزل بعد محدثاً موسوسا، حتى سقط بي اليقين على قوله، وقد ساءني في صدر هذا الرأي:
أرَاهُنَّ لا يُحْبِبْنَ مَن قَلَّ مالُه ... ولا مَن رأَيْنَ الشيبَ فيه وقَوَّسَا
وإذا قوس ظهر المرء فقد استحال جماله، فإذاً، قاتلهن الله، يحببن القبيح ذا المال، والفقير ذا الجمال.
تتمة القصيدة:
تَوَدُّ ولا أصْبُو وتُوفِي ولا أفِي ... وأنْأَى ولا تَنْأى وأسْلُو ولا تَسْلُو
إذِ الغُصْنُ غَضٌّ والشَبابُ بمائِهِ ... وجِيدُ الرِّضَا من كلِّ نائِبةٍ عُطْلُ
ومِن خَشْيةِ النارِ التي فوق وَجْنتِي ... تقاصَر أن يدنُو بعارِضِيَ النَّمْلُ
برُوحِيَ مَن ودَّعْتُها ومدامعِي ... كسِقْطِ جُمانٍ جُذَّ من سِمْطِه الحَبْلُ
كأن قِلاصَ المالِكيَّةِ نَوَّخَتْ ... على مَدْمعِي فارْفَضَّ مُذْ سارتِ الإبْلُ
هذا من قول المتنبي:
стр. 369
كأن العِيسَ كانتْ فوق جَفْنِي ... مُناخاتٍ فلما سِرْنَ سَالاَ
والمتنبي أخذه من قول بشار:
كأنَّ جُفُونِي كانت العِيسُ فَوْقَها ... فسارتْ وسالتْ بعدهنَّ المَدامِعُ
وما ضُربتْ تلك الخيامُ بعالِجٍ ... لقَصْدٍ سوَى أن لا يُصاحِبني العَقْلُ
وحَدَبٍ كأنَّ العِيسَ فيه إذا خَطتْ ... تُسابِق ظِلاً أو يُسابِقُها الظِّلُّ
سَئِمْنَ بنَا الأنْضاءُ حتى كأنَّنا ... حَيارَى دُجىً أو أرْضَنا معنا قَفْلُ
إذا عَرضتْ لي من بلادٍ مذلَّةٌ ... فأيْسَرُ شيءٍ عنديَ الوَخْدُ والرَّحْلُ
وليس اعْتِسافُ البِيدِ عن مَرْبَعِ الأذَى ... بذُلٍ ولكنَّ المُقامَ هو الذُّلُّ
ولا أنا ممَّن إن جهلتَ خِلالَه ... أقامتْ به القَاماتُ والأعْيُن النُّجْلُ
فكلُّ رياضٍ جِئْتُها ليَ مَرتَعٌ ... وكلُّ أُناس أكْرمُوني همُ الأهْلُ
ولي باعْتمادِ الأبْلجِ الوَجْهِ رَاشدٍ ... عن الشُّغْلِ في آثارِ هذا الورَى شُغْلُ
هُمامٌ رسَتْ للمجدِ في جَنْبِ عَزْمِه ... جِبالٌ جبالُ الأرضِ في جَنْبِها سَهْلُ
وليثٌ هَياجٌ ما عَرِينَ جُفونُه ... من الكُحْل إلاَّ والعَجاجُ لها كُحْلُ
يقوم مَقامَ الجيشِ إن غابَ جيْشُه ... ويخْلُف حدَّ النصلِ إن غُمِد النَّصْلُ
زكَتْ شرَفاً أعْراقُه وفُروعُه ... وطابتْ لنا منه الفضائلُ والفِعْلُ
إذا لم يكنْ فعلُ الكريمِ كاصْلِه ... كريماً فما تُغْنِي المَناسبُ والأصلُ
من النَّفَرِ الغُرِّ الذين تحالَفُوا ... مدَى الدهرِ لا يأتي ديارَهمُ البُخْلُ
كِرامٌ إذا رامُوا فِطامَ وَليدِهمْ ... عن الثَّدْيِ حطُّوا البُخْلَ فانْفَطم النَّجْلُ
ليوثٌ إذا صَالُوا غُيوثٌ إذا هَمَوْا ... بُحورٌ إذا جادُوا سيوفٌ إذا سُلُّوا
وإن خطَبوا مَجْداً فإن سيوفَهمْ ... مُهورٌ وأطرافُ القَنا لهمُ رْسْلُ
إذا قفَلُوا تَنْأَى العُلَى حيثما نأَوْا ... وإن نزَلُوا حلَّ الندَى أينما حَلُّوا
هذا معنى متداول، منه قول المتنبي:
الحسنُ يرحَلُ كلما رحَلُوا ... معهم وينزلُ حيثما نزَلُوا
تَوالتْ على كسْبِ الثناءِ طِباعُهم ... فأعْراضُهم حِرمٌ وأمْوالهم حِلُّ
أمَوْلايَ إن يَمْضُوا ففِيك سَما العُلَى ... وقامتْ قَناةُ الدِّين وانْتشر العَقْلُ
وإن يكُ قد أفْضَى الزمانُ بسالمٍ ... فإنك رَوْضُ الوَبْلِ إذْ ذهَب الوَبْلُ
هذا معنىً تلاعب به المتنبي وكرره، في تفضيل البعض على الكل، فأحسن وأجاد، حيث قال:
فإن يكُ سَيَّارُ بن مُكْرَمٍ انْقضَى ... فإنك ماءُ الوردِ إن ذهبَ الوَرْدُ
وقال:
فإن تكُنْ تَغْلِبُ الغَلْباءُ عُنْصُرَها ... فإنَّ في الخمرِ معنىً ليس في العِنَبِ
وقال:
فإن تَفُقِ الأنام وَأنت منهمْ ... فإن المسكَ بعضُ دمِ الغزالِ
وقال:
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ ... ولكن مَعْدِنُ الذهبِ الرَّغامُ
ولبعضهم منه:
وكان أبوك لنَا كالْحَيَا ... فوَلَّى وأبْقاك مثلَ الغَدِيرِ
وله أيضاً:
ألاَ للهِ قومٌ إن تَولَّوْا ... لهم نَسْلُ يُسَلُّونَ المُصابَا
فإنهمُ الْحَيَا وَلَّى وأبْقَى ... لنا رَوْضاً وأنْهاراً عِذابَا
إليك ارْتمتْ فِينا قَلوصٌ كأنها ... قِسِيٌّ بأسْفارٍ كأنَّهُمُ نَبْلُ
يعني أنحلها السرى، بحيث صارت من الهزال كالقسي.
وأول من وصف النوق بهذا الوصف البحتري، في قوله:
يتَرقْرَقْنَ كالسَّرابِ فقد خُضْ ... نَ غِماراً من السَّرابِ الجاري
стр. 370
كالقِسِيِّ المُعَطَّفاتِ بل الأسْ ... هُمِ مَبْريَّةً بل الأوْتارِ
ثم تداول الشعراء هذا المعنى، وتجاذبوا أطرافه.
فمنهم الشريف الموسوي، حيث قال:
هُنَّ القِسِيُّ من النُّحُولِ فإن سَمَا ... طلبٌ فهُنَّ من النَّجاءِ الأسْهُمُ
وقد أخذه ابن قلاقس، فقال:
خُوصٌ كأمْثالِ القِسِيِّ نَواحِلاً ... فإذا سَمَا خَطْبٌ فهُنَّ سِهامُ
وقال ابن خفاجة:
وقِدْماً بَرَتْ منَّا قِسِيّاً يَدُ السُّرَى ... وفَوَّق منها فوقَها المجدُ أسْهُمَا
وهذا منزع عبد علي.
وما زَجَر الأنضاء سَوْطي وإنَّما ... إليك بلاَ سَوْقٍ تَسابقتِ الإبْلُ
يَمِينُك لا أقْصَى الزمانُ بها حَياً ... وكَهْفُك لا أوْدَى الزمانُ له ظِلُّ
وكلُّ لحاظٍ لستَ إنْسانَها قَذَىً ... وكلُّ بلادٍ لستَ صَيِّبَها مَحْلُ
وله من أخرى في مدحه أيضاً.
أولها:
يا دارَها بالشِّعب شِعب الحائلِ ... غادَاكِ مُرْفَضُّ الغَمام الهاطلِ
تبدَّلتْ عن كلِّ حالٍ آنِسٍ ... من أهلِها بكلِّ ناءٍ عاطلِ
عُجْنَا بها رِكابَنا لكي ترى ... ما فعلتْ أيدِي الزمانِ الماحلِ
كأنما كلُّ هوَى قُلوبِنا ... رُكِّبَ في قوائمِ الرَّواحلِ
والْتثمتْ جَحْفَلها تُرابُها ... فمُسْعِدي مُلْتثَمُ الجَحافلِ
إن مَصَح الدهرُ رُبَا رُبوعِها ... فليس تُمصَح الرُّبَى بهاطِلِ
وإن تُمتْ بعدَهم ديارُهم ... فالنَّازلون أنْفس المنازلِ
للهِ عيشٌ ذهبتْ نَضْرتُه ... كأنه رَقْدةُ ظِلٍ زائلِ
وليلةٌ قضَّيْتُها بعاقل ... سقَى الغمامُ ليْلتي بعاقِلِ
إذِ الثُّرَيَّا لِمَمٌ نُجومُها ... كأنها تُرْسُ فَتىً مُنازِلِ
والبدرُ في كبدِ السماءِ حائرٌ ... كأنه وعدُ حبيبٍ ماطلِ
أحْيَيْتُها مرتشِفاً بَلابِلاً ... تهْرُب عند شُرْبِها بَلابِلِي
أرشِفُها حتى إذا ما فرغتْ ... جمعتُ بين القُرط والخلاخِلِ
يحتمل أن يكون جمع بينهما في التمتع بالنظر فحسب، وأن يكون جمع بينهما في التمتع بالفعل، كما يقال في الكناية عن الفعل: رفع كراعها، وشال شراعها، وألحق قرطها بخلخالها.
ووقع لي في الإحماض:
ولقد ضلِلتُ عن الطريق بغادةٍ ... جعلَتْ رَشادِي سُخْرةً لضَلالِي
فحنَيْتُها فعلَ المُكِبِّ لِحاجةٍ ... وجمعتُ بين القُرْطِ والخَلْخَالِ
وإضلال الطريق، كناية عن ابتغاء ما لم يكتب الله.
لِلَّهْوِ ساعةٌ تمُرُّ خُلْسةً ... كأنها تقبيلُ ثَغْرِ راحلِ
هذا بعينه بيت المتنبي:
لِلَّهْوِ آوِنةٌ تَمُرُّ كأنها ... قُبَلٌ يُزوِّدها حبيبٌ راحلُ
وأصله قول البحتري:
وزمانُ السرورِ يمْضِي سريعاً ... مثلَ طِيبِ العناقِ عند الفِراقِ
ومن مديحها:
مُعتنِقُ الحِلْم اعْتناقَ فَتْكِه ... مُجْتنِبَ البُخْل اجْتنابَ الباطلِ
إذا ارْتدَى الفَضْفاضَ قال قائلٌ ... مَن نَظَر البُحورَ في الجداولِ
لا يلْتقي الحربَ بغير مُهْجةٍ ... جليلةٍ تُدْخَر للجلائلِ
وشُذَّبٍ إن صدرتْ رايَتُها ... سلم الصِّغاحِ كلم الأناظل
تركُض من غُبارِها بعارِضٍ ... تسْبَح من دِمائِها بوابلِ
يا مُظْمِىءَ الخيلِ كأنْ ليس لها ... غيرُ دماءِ الصِّيد من مَناهلِ
ومُورِدَ البِيضِ كأنَّ صَوْتَها ... على العِدَى قَعْقَعةُ السَّنادلِ
تختطِف الهامَ بها نَواشِداً ... لا قُطِّعتْ سواعدُ الصَّياقلِ
كأنَّما حَكْمَتُها على الشَّوَى ... حِكْمة لُقْمانَ على المفاصلِ
стр. 371
هل لكَ في فَخْرِك من مُفاخِرٍ ... هل لك في فَضْلِك من مُفاضِلِ
وما عسى فخرُهم ومَعْنُهم ... كمادِرٍ وقُسُّهم كباقلِ
قد قصَدوا واللهِ غيرَ قاصدٍ ... وافْتعلُوا واللهِ غيرَ فاعلِ
وخاصَمُوا مُهنَّداً ليس له ... للدِّين غيرُ النَّصرِ من حَمائلِ
رامُوا اكْتِتامَ نُورِ حَقٍ بَاهرٍ ... وحاوَلُوا قَصْرَ كمالٍ طائلِ
وما سمعْنا أو رأيْنا في الدجى ... قد كُتِمتْ شَعْشَعةُ المَشاعِلِ
أحَبُّ كلّ مَرْتعٍ مُعْشِبُهُ ... وأيْمَنُ الأكُفِّ كَفُّ باذلِ
إذا أرادَ اللهُ كَشْفَ مَنْقَبٍ ... خافٍ رَماه بِعنادِ خاملِ
هذا من قول أبي تمام:
وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فضيلةٍ ... طُوِيتْ أتاح لها لسانَ حَسُودِ
لولا اشْتعالُ النارِ فيما جاورتْ ... ما كان يُعرَف طِيبَ عَرْفِ العُودِ
لولا اشْتعالُ النَّارِ واضْطِرامُها ... ما عُرِف الرِّمْثُ من الصَّنادِلِ
فجاءَهم لا سيفُ عَزْمٍ كاهِمٌ ... ولا جَوادُ همَّةٍ بناكلِ
تطْعنُهم مُعْتجِلاً على القَنا ... كرَكِّ لامَيْنِ بفَرْقِ نابلِ
قد يُدرَك المجد بجهْلِ جاهلٍ ... ويُصْحَبُ الذلُّ بعَقْلِ عاقلِ
لا عدِم الناسُ جنَى فضيلةٍ ... منك فأنت مَعْدِنُ الفضائلِ
وكتب إلى القاضي تاج الدين المالكي المكي، قوله:
وحقِّ من أرْتجِي شَفاعَتَهُ ... يوم تكون السماءُ كالمُهلِ
ما سرتُ عنكم ولي حَشاً بسِوَى ... خيالكُم مُذْ نَأيْتُ في شُغُلِ
يا تاجَ دِينِ الإخاءِ ما أنا مَنْ ... يُفْضل عنكم ركائبَ الرُّسُلِ
لكنني قد جعلتُ مُعتَمدِي ... ما أثْبتتْه لنا يدُ الأزَلِ
وخُذْ على البُعدِ ما همَى مطَرٌ ... تحيَّةً من أخيك عبدِ علِي
ومن بدائعه ميميته المشهورة، وهي مما يتغنى بها في نغمة الحجاز.
ومستهلها:
لِمَن العِيسُ عَشِيّاً تترامَى ... تركتْها شُقَق البَيْن سُهامَا
كلما بَرْقَعها نَشْرُ الصَّبا ... لبسَتْ من أحمرِ الدَّمعِ لِثامَا
وترامَتْ خُضَّعاً أعناقُها ... كلما هَزَّ لها البَرْقُ حُسامَا
شَفَّها وَجْدٌ بَراها لِلْحِمَى ... فهْي تَثْنِي لِرُبَى نَجْدٍ زِمامَا
وتَلافاها نسيمٌ حامِلاً ... عن قُرى وَجْرةَ أنْفاسَ الخُزامَى
يا تُرَى من حملتْ لو وقَفُوا ... ساعةً نَشْرَحُ وجداً وغَرامَا
ومن الجهلِ أُراه يَقْظةً ... إنَّني لا أترجَّاه مَنامَا
يا بَني عُذْرةَ هل من آخِذٍ ... بدَمِي المَسْفوحِ مَن حَلَّ الخيامَا
قمرٌ لولا يُرَى بدرُ الدُّجَى ... ما حوَى البَدْرُ كمالاً وتَمَامَا
غادِرٌ لم يَرْعَ مِنِّي نَسَباً ... دون أن يحْفظَ عَهْداً وذِمامَا
نَسَبٌ أيْسَرُه أنَّ الهوى ... بين خَدَّيْه لَهِيباً وضِرامَا
وبجِسْمِي مِن بَقايا حُبِّه ... شِبْهُ طَرْفَيْه فُتوراً وسَقامَا
يا نَدامايَ دَعا خَمْرَكُما ... إن أراق الحِبُّ مِن فِيه مُدامَا
وانْثنِي يا قُضُبَ الْبانِ إذا ... رَنَّحتْ خمرُ اللَّمَى ذاك القَوامَا
وانْسَ يا رَوْضُ أقاحِيكَ غِنىً ... فلقدْ أبْدَى من الثَّغْرِ ابْتسامَا
عاقَب اللهُ بأدْهَى صَمٍَ ... أُذُنِي إن سمِعتْ فيك مَلامَا
وعَمَتْ عن أن ترى ذاك الْبَها ... مُقْلتِي إن زَارَها النومُ لِمَامَا
стр. 372
أنا من ينظرُ في شَرْعِ الهوى ... كلَّ شيءٍ ما سوى الحبِّ حَرامَا
وقوله من قصيدة يتغنى بها في السيكاه، ولم يحفظ منها إلا قوله:
أمَا والهوى لولا العِذارُ المُنَمْنَمُ ... لمَا اهْتاجَ وَجْدِي ساجِعٌ يترنَّمُ
ولا اهْتجَعتْ عَيْنايَ من فَيْضِ مَدْمَعِي ... قضَى جَرْيُها أن لا يُفارِقَها الدَّمُ
هو الحبُّ ما أحْلَى مُقاساةَ خَطْبِه ... وأعْذَبَه لو كانتِ العَيْنُ تكْتُمُ
ومن مقطعاته قوله، وهو أيضاً مما يتغنى به في نغمة الحجاز:
لا تطلُعِي في قمرٍ إنَّني ... أخاف أن يغلطَ أهلُ السَّفرِ
أو طلعتْ شمسٌ فلا تطلعِي ... أخاف أن تعمَى عيونُ البَشَرِ
وأبدع ما له قوله في راقص، إذا تراءت محاسنه للعيان، جمدت له في وجوههن العينان، وإن قابلته العيدان في يد الكواعب، تحركت أوتارها بغير ضوارب، وهو قوله:
وراقصٍ كقضِيب الْبانِ قامَتهُ ... تكاد تذْهبُ رُوحِي في تنقُّلِهِ
لا تستقِرُّ له في رقْصِهِ قَدَمٌ ... كأنَّما نارُ قلبي تحت أرْجُلِهِ
ألم فيه بقول السري الرفاء، في وصف جواد:
لا يستقرُّ كأنَّ أرْبَعَهُ ... فُرِشَ الثَّرى من تحتها جَمْرَا
ومما يلطف قول السري، في وصف راقص:
ترى الحركاتِ بلا سُكونٍ ... فتحسَبُها لخِفَّتِها سُكونَا
كسَيْرِ الشمسِ ليس بمُسْتقِرٍ ... وليس بمُمْكِنٍ أن يسْتبينَا
ولعبد علي:
دَعِ الدنيا ولا ترْكَنْ إليها ... فزُخْرُفها سيذْهبُ عن قليلِز
وإن ضحِكتْ بوجْهِك فهْو منها ... كضِحْك السيفِ في وَجْهِ القتيلِ
وله:
فِتْيةُ الكهفِ نَجَا كَلْبُهمْ ... كيف لا ينْجُو غَداً كلبُ عَلِي
علي بن خلف بن عبد المطلب الموسوي الحويزي هو الخلف نعم الخلف، فائقٌ بمعونة الله على السلف.
فمن رأى ما في شعره من الصنعة والإغراب، عرف أن خلفاً استخلفه على اللغة والإعراب.
فلله من معانٍ يصوغها، ومجاني عباراتٍ يسوغها.
ينفق فيها من خاطرٍ واسعٍ وفكرٍ ملي، ويوضح مذاهب البلاغة حتى يحقق أن نهج البلاغة لعلي.
وقد أثبت منها ما يشهد له بالإحسان، ولو أنصفه الدهر لرقم به خدود الحسان.
فمنه قوله: من قصيدة، أولها:
مَكانَك يا وَجْدَ الفؤادِ المُعذَّبِ ... إلى أن يعودَ الحيُّ بالجزِعِ واذْهَبِ
وهيْهات أن يُرجَى زوالُ مُلازمٍ ... من الوجدِ ثاوٍ في الضَّمير مُطنِّبِ
وهَبْهم نأَوْا أو قارَبوا أو تعطَّفوا ... بوَصْلٍ فما قلبي عليهم بقُلُّبِ
وإنَّ غراماً خامَر القلبَ في الصِّبا ... متى ينْتشِق روحَ اللِّقا يتلهَّبِ
وقوله:
في أَمانٍ من الإله ورَحْبِ ... أيها الظَّاعِنونَ عنِّي بلُبِّي
ما كفَى الدهرَ سَعْيُه بنَوى الأحْ ... بابِ انْثنى بتشْتيت صَحْبي
لستُ أنْسَى أيَّامَنا بلِوَى الجِزْ ... عِ وعَيْشي منه بوَصْلٍ وقُرْبِ
حيثُ وادِي تِهامةَ لِي دا ... رٌ ومحَلٌّ وشِعْبُ رَامَةَ شِعْبي
وأخٌ لو بُعدتُ عنه بأصْلِي ... قد دَنَا من حِماه قلبي ولُبِّي
لو دَعانِي من البِعادِ لخَطْبٍ ... كنتُ فيما دعا إليه مُلبِّي
فعزيزٌ عليه يفْقِد شخصِي ... وعزيزٌ أن لا أراه بسِرْبي
صاحبٌ إن شكَوْتُه داءَ خَطْبٍ ... كأن ممَّا أصابه داءُ خَطْبِ
وقوله:
إن سُرَّ وَاشِينا بفُرْقتِنا ... إذْ ساءَه ما كان في القُربِ
ظَنّاً بأن البُعدَ صاحبُه ... ينْجُو من الأشْجانِ والحُبِّ
لا سُرَّ وَاشِينا فإنَّك قد ... حُوِّلْتَ من عيْني إلى قلبي
وقوله، وهو بأصبهان:
طارحُوني صَبابتِي والجوَى ... بمَقالٍ يُشْجِي القلوبَ ويُصْبي
هذه أصْبَهان ما تشْتهي الأنْ ... فُسُ فيها وكلُّ نُزهةِ صَبِّ
стр. 373
وإذا ما دَعاكض للْغَيِّ دَاعٍ ... كنتَ فيما دَعاك غيْرَ مُلَبِّ
قلتُ قد صح ما تقولون عندي ... يا صِحابي لو كان عنديَ قلْبي
وقوله:
وذِي هَيَفٍ خاطبْتُه فأجابنِي ... بأطْيبَ من ماءِ الحياةِ وأعْذَبِ
يحدِّث حتى لو حكَى الدهرَ كلَّه ... أقولُ له أوْجَزْتَ في القولِ فأطْنِبِ
وقوله:
يا نسيماً هبَّ من وادِي قُبَا ... خَبِّرينِي كيف حالُ الغُرَبَا
كم سألْنا الدهرَ أن يجمعَنا ... مثْلَما كنَّا عليه فأبَى
وقوله:
أحِنُّ إلى ذاك الزمانِ وإنما ... حَنِيني لِمَن زان الزمانَ بقُرْبِهِ
وأهْوَى الحِمَى لا أنَّني عاشقُ الحِمَى ... ولكنَّني مُغْرىً بسُكان شِعْبِهِ
فآهاً لوَجْدِي كيف يبْقَى رَسِيسُه ... وآهاً لصَبْرِي كيف يقْضِي بنَحْبِهِ
وقوله:
إن جئتَ سُكَّان الأرَاكِ ففرِّجِ ... منهم على الظَّبْيِ الأغَنِّ الأدْعَجِ
وإذا أتيْتَ رَبَارِباً برُبَى الحِمَى ... فاقْرَ السلامَ رَبيبَ ذاك الهَوْدَجِ
واسْتفْتِه كيف اسْتحلَّ دِماءَنا ... فقضَتْ لواحِظُه ولم تتحرَّجِ
للهِ وِقْفتُنا وقد صاحُوا النَّوى ... فدَعوْت يا حادِي المَطِيِّ بهم عُجِ
كم شمس خِدْرٍ يوم ذاك تبرَّجتْ ... وهي التي للنَّجْمِ لم تتبرَّجِ
وَدَّ الهلالُ وما رآها أنَّه ... منها مكانُ سِوارِها والدُّمْلُجِ
ومُعذِّل لي بالغرامِ أجبْتُه ... يا عاذِلي أين الخَلِيُّ من الشَّجِي
هلاَّ عُزِلتَ وما دخلتَ بضِيقةٍ ... فالآن قُلْ لي كيف وَجْهُ المَخْرَجِ
قلت: هذه الأبيات الجيمية كأن كل جيمٍ منها عطفة صدغ مزرد، ونقطتها خالٌ في كرسي خدٍ مورد.
وله:
يا مَجْمَعَ الأزهارِ والوَرْدِ ... لا كان هذا آخرَ العهدِ
حَيَّتْ طُلولَك كلُّ غاديةٍ ... وجَب الثناءُ لها على الرَّنْدِ
للهِ ليلتُنا عليك وقد ... مزَج السرورُ الهَزْلَ بالجِدِّ
والزَّهرُ يبسَم كلَّما هَملتْ ... عينُ السحابِ بواكِف العَهْدِ
ونَسِيمُك المُعْتلُّ صَحَّ به ... جسمِي من الآلام والجَهْدِ
أهْلاً به من زائرٍ طَرقتْ ... أنْفاسُه بالعنْبَرِ الوَرْدِ
ما زال يحْكينا ويُسِند ما ... يحْكيه عمَّن حَلّ في نَجْدِ
لا عن قِلىً فارقتُ زهرَكَ يا ... خيرَ الرِّياضِ ولم يكنْ وُدِّي
إن كان حيَّى بالسرورِ فقد ... أبْقَى بقلبي لاعِجَ الوجدِ
فكأن أحمره بأصْفرِه ... دمعي غداةَ نأَيْتَ في خَدِّي
وله:
بشَّرْتَ بالخير يا بَشيرِي ... جئتَ على الوَفْقِ من ضميرِي
لو أحدٌ طار من سُرورٍ ... لطِرْتُ من شدَّةِ السرورِ
قد قلتُ بدرُ الكمال وافَى ... بعد اخْتفاءٍ عن الظهورِ
أجَلْ هو البدرُ في عُلاهُ ... فذاك مِن عادةِ البُدورِ
فإن تخفَّى فلا لنقْصٍ ... وإن بدا ليس بالنَّكيرِ
فهْو على الحالتيْن يبْغِي ... بِفعْلِه طاعةَ القديرِ
سَمحْتَ يا دهرُ بالأمانِي ... أحْسَنْتَ يا أحسنَ الدهورِ
وزاره الحشري الشامي فلم يجده ثم زاره هو فلم يجده أيضاً، فأنشد على الفور:
ما احْتيالِي على مُعاكسةِ الدهْ ... رِ وما زال دهرُ مثْلِي غَرُورا
زُرْتَني يا أخِي وزرتُ فما سَا ... مَح أن ألْقاك زائراً ومَزُورَا
فعسَى تعْذُر المحِبَّ كما كنْ ... تَ لديْه بمثلِها مَعْذُورَا
ومن مقاطيعه قوله:
سحقْنَا عقودَ الدُّرِّ عند عِناقِنا ... وكادتْ عُقودُ الدرِّ أن تَصْدَع الصَّدْرَا
стр. 374
فلم أدْرِ من يشكو أدُرُّ عُقودِها ... أم الصدرُ مما نالَه يشْتكي الدُّرَّا
سحق العقود من مخترعات ابن هندو في قوله:
ولمَّا أن تعانَقْنا سحَقْنَا ... عقودَ الدُّرِّ من ضِيق العناقِ
ومثله ذوب حصا الياقوت في قول أبي الجوائز:
واعتنقْنا ضَمّاً يذوب حَصَا الْيَا ... قوتِ منه وتطمئنُّ النُّهودُ
وقال فيها الباخرزي: ذوب تتذاوب فيه الأماني، وسحقٌ تتساحق عليه الغواني.
ومن بدائعه قوله:
أيا أختَ الظِّباءِ وبنتَ بَدرِ السَّ ... ماءِ وضَرَّةَ الشمسِ المُنيرَهْ
عشِيرتُك النجومُ فمن يُدانِي ... عُلاكِ وأنتِ في سَعْدِ العَشِيرَهْ
ومن عَجَب أسَرْتِ القلبَ قسْراً ... وأنت لحَجْلِك الزَّاهِي أسِيرَهْ
وقوله في صفة جواد أغر:
ومُطَهَّمٍ كالليلِ حين ركبْتُه ... فكأنَّ بدراً فوق ليلٍ أسْفَعِ
جاء الصباحُ يريد مَسْحَ جبِينِه ... في كفِّه فهَفا ومَسَّ بأُصْبُعِ
هذا عند التأمل أوضح في التشبيه، من قول ابن نباتة:
وكأنَّما لَطم الصباحُ جَبِينَهُ
وله:
ذُقْنا الفِراقَ ووَصْلَكم ووَداعكُمْ ... فإذا الحلاوةُ بالمرارةِ لا تَفِي
حلَف الزمانُ بأن يفِي بوصالِكم ... وثنَى فكان يمينُه أن لا يَفِي
يا مَن دَنا وثنَى عِنان وِصالِه ... حُوشِيتَ من زَفَراتِ قلبِي المُدْنَفِ
فلئن وجدتُمْ في البحارِ مُلوحةً ... ما ذاك إلا مِن دموعِي الذُّرَّفِ
وله:
برُوحِي التي لم تُبْقِ منّي بقيَّةً ... فَيعرفَ صوتي إن تكلَّمْتُ عارِفُ
نحَلْتُ فلو أنِّي طَرقْتُ ديارَها ... لقالتْ خيالٌ زار أم هو هاتِفُ
وله من قصيدة، مطلعها:
عسى وجَفَاتِ اليَعْمَلاتِ ألأيانقِ ... تُبلِّغني وادِي العُذَيْب وبارِقِ
فيَهدأ قلبٌ خافِقٌ من زِيالِهمْ ... وإن كان في غير الهوى غيرَ خافِقِ
لئن راعَنِي ما اسْوَدَّ من يوم بَيْنِهمْ ... فما راعَهم إلاَّ بياضُ مَفارِقِي
فهل بِوَمِيض البرقِ عَوْنٌ لناظرٍ ... على البُعد ليلاً عن يَمِين الأبارِقِ
وهل بهبُوط الوادِيَيْن مُعرِّسٌ ... وهل بنسِيم الرِّيح رَوْحٌ لناشِقِ
نعمْ إنْ تَزُرْ تلك الديارَ تجِدْ بها ... لُبانةَ مُشتاقٍ وحَنَّةَ عاشِقِ
بحيث الحصَا كاللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ بَهْجةً ... وطِيبُ ثَراها فاق مِسْكَ العوابِقِ
ديارٌ إذا ما الصَّبُّ زار خِباءَها ... رأيتَ عجيباً من مَشُوقٍ وشائقِ
ولكنَّها مَحْفوفةٌ بضَراغِمٍ ... أتَوْا من مُرورِ الرِّيح في زِيِّ طارقِ
فلو قدَّرُوا أن لا يُرَى النجمُ عندَهم ... رَمَوْا كلَّ نَجْمٍ في السماءِ بخارِقِ
ولولا شُروطُ الحبِّ زُرْتَ خيامَهم ... زيارةَ غَازٍ لا زيارةَ وَامِقِ
على كلِّ مقْدُودٍ من الليلِ جِسْمُه ... يُعاجِلُ رَجْعَ الطَّرْفِ حين التَّسابُقِ
ولا عجَبٌ لو راح للرِّيح لاحِقاً ... إذا كان يُعْزَى للوجِيهِ ولاحِقِ
فلو رام ساري البرقِ يسْرِي خيالُه ... لَقال اتَّئِدْ يا برقُ لستَ مُرافِقِي
من الَّلاءِ لم تعرف سوى الكَرِّ غارةً ... إذا امْتلأتْ رُحْبُ الفَلا بالفَيَالِقِ
يُجشِّمها مَن هَوَّن الموتَ عنده ... طِلابُ المَعالِي واحْتمالُ الحقائقِ
تحمَّل أعْباءَ الخُطوب وإنَّها ... تمِيدُ لها صُمُّ الشِّدادِ الشَّواهِقِ
وإن احْتمالَ الخَطْب في كلِّ حادثٍ ... طرائقُ آبائي وبعضُ طَرائقِي
فما عُذْرُ من عادتْ جَراثِمُ أصْلِه ... إلى كاظِمٍ للغَيْظ من بعد صادقِ
стр. 375
وهذا أبِي الدَّانِي الذي سار ذِكْرُه ... مَسِيرَ ذُكَا في غَرْبِها والمَشارِقِ
وله من أخرى، أولها:
أسَلِيلةَ القمريْن دَعْوةُ وَامِقٍ ... ماذا ترَيْنَ بمُسْتهامٍ عاشقِ
قد كان يطمعُ في وِصالِك يَقْظةً ... والآن يقْنَع بالخَيالِ الطَّارقِ
يرضَى بوُدِّ مُنافِقٍ ومُماذِقٍ ... مَن لم يجدْ وصلَ الصديقِ الصادقِ
هلاَّ صَدَدْتِ وشعرُ رأسِي أسْودٌ ... أيَّام أرْهُف في ثيابِ مُراهِقِ
فترَيْنَ من شَغَفِ الحِسانِ بطَلْعتِي ... ذُلَّ المَشُوقِ بجَنْبِ عِزِّ الشائقثِ
أنَسِيتِ لَيْلاتِ العَقِيق مَبِيتَنَا ... والسَّاعِدان حَمائلِي في عاتِقِي
وحديثَنا عمَّا تُجِنُّ صُدورُنا ... كاللُّؤْلُؤ المتناظِم المُتناسِقِ
في حيثُ رُمَّانُ النُّهودِ لغامِزٍ ... حِلٌّ ومَيَّادُ القُدودِ مُعانقِي
وتضُوع من أزْياقِنا عِطْريَّةُ النَّ ... فَحاتِ كالمِسكِ الفَتِيقِ الفائقِ
فَيُرَى بنا مِن شَوقِنا وعَفافِنا ... حَجماتُ ذِي نُسْكٍ ونظرةُ فاسقِ
منها:
غَدْرُ الأنام مُعَنْعَنٌ عن دهرِهمْ ... يُخْفِي العداوةَ في ثيابِ مُنافقِ
ولوَ انَّني رمتُ السُّلُوَّ لَخاننِي ... قلبٌ على السُّلْوانِ غيرُ مُوافقِ
ومن محاسنه قوله:
بعيشِك خَبِّرْني إذا ذُكِر الحِمَى ... أدْمْعِيَ أُجْرِي أم جُفونِي أم الوَدْقُ
إذا طلع الرُّكْبانُ منه اعْترضْتُهم ... وأسألُهم بالرِّفْقِ لو عطَف الرَّفْقُ
ألا فاصدُقونِي عن عُرَيبٍ تركتُهم ... به هل رَعَوْا عهدِي وإن ساءَني الصِّدْقُ
وأنْشَق من تِلْقائِه كلَّ ناسِمٍ ... يُعِلُّ ويشْفي من لطَافتِه النَّشْقُ
وفي مَضْحَك البرقِ التِّهاميّ جِيرةٌ ... بكَتْهُم جُفونِي كلَّما ضحك البَرْقُ
ويُذْكِي لهيبَ القلبِ وُرْقٌ ترنَّمتْ ... ولو علمتْ ما ب بَكتْ شَجْوَها الوُرْقُ
تنُوح ولا تبْكِي وأندُب باكِياً ... أجَلْ بين إعْوالِي ورَنتِها فَرْقُ
فيا ليْتني بُدِّلت نُطْقي بصَمْتِها ... وكان لها منِّي الفصاحةُ والنُّطْقُ
وله:
أُبْدِي السُّلُوَّ لعاذِلي وبوادرُ الْ ... أنفاسِ تخْصِمني بأنِّيَ وَامِقُ
وإذا سترْتُ هواكُمُ عن عاشقٍ ... نادى عليَّ الدمعُ هذا عاشقُ
وخرج الشاه صفي إلى الصيد، وتخلف هو؛ لألمٍ ألم به، فكتب إليه:
أَلَمٌ ألَمَّ فعاقَنِي ... عن خدْمةِ الشاهِ الأجَلِّ
وأوَدُّ لو أسعَى على ... عَيْني لخدْمتهِ ومَن لِي
فو حقِّه ما إن أصُو ... نُ النفسَ إلاَّ للْمَحلِّ
هو بَذْلُها وقتَ الهِيا ... جِ له وذَا جُهْدُ المُقِلِّ
وقال، وهو في مازندران:
إن حالتِ الأطْوارُ من دونِكمْ ... يا ساكنِي قلبي والثلجُ حَالْ
فصَبُّكمْ ما حالَ عن وُدِّه ... والحمدُ للهِ على كلِّ حالْ
ومن جيده قوله:
وأطْوَلُ سَقْيٍ من هِلالٍ سطَا ... ببَانةٍ تخْطُر أو لَحْظِ رِيمْ
أعْرَض إذْ عَرَّضنِي للضَّنا ... كأنما أقْسَم أن لا يَريمْ
لو لم يظُنَّ الريح جسمِي لمَا ... مالَ إذا ما صافَحتْه النسيمْ
وقوله:
سرَتْ نَسْمةٌ برَّدتْ غُلَّتِي ... فَماد لها المُدنَفُ المُغْرَمُ
وحَيَّيْتُها بانْتشاقِي لها ... لَوَ انَّ نسيمَ الصَّبا يفهمُ
وقوله من قصيدة:
دَعْنِي ولا تقُلِ الغرامُ جنونُ ... رَشَدِي بأنِّي في الهوى مفْتونُ
قَيْسٌ بأُنْمُلِه يخُطَّ على الثرَى ... وأنا بدَمعي والجنُون فُنونُ
إن كنتَ تعجبُ من حديثِ مُرَقِّشٍ ... فاسْمَعْ حديثِي والحديثُ شجونُ
стр. 376
أنا مَن علمت فمُذْ تعرَّضْتُ الهوى ... حكمتْ بلُبِّي أعينٌ وجفونُ
للهِ ما فتكَتْ بنا ألْحاظُها ... يوم اللِّوَى تلك الظِّباءُ العِينُ
وقوله في الشمعة:
قلتُ ليلاً لصاحِبي ما ترَى الشَّم ... عَةَ تبكي مهما نظَرْتَ إليهَا
قال هذا البكاءُ ليس عليْنا ... كلُّ دمعٍ يسيلُ منها عليهَا
السيد حسين بن كمال الدين الأبزر الحلي هذا السيد في الحلة، متزين من الأدب بأجمل الحلة.
أجمع أهل بلدته، على أنه أشعر أهل جلدته، والرائد لا يكذب أهله، وهو أدرى بشعار حلته.
فمن شعره قوله؛ مذيلاً لبيت المتنبي، وأجاد:
أتى الزمانَ بَنُوه في شَبيبتهِ ... فسرَّهُم وأتيْناه على الهَرَمِ
وهم على كلِّ حالٍ أدركوا هَرَماً ... ونحن جئْنَاه بعد الموت والعَدَمِ
وبيت المتنبي منزعه قديم.
منه قول أبي تمام:
نظرتُ في السِّيَر الَّلاتِي مضَتْ فإذا ... وجدتها أكلَتْ باكُورةَ الأُمَمِ
ابن السماح:
صفَا الدهرُ مِن قبلي ودِرْدِيُّه أتى ... فلم يصْفُ لي مذ جئتُ بعدهمُ عُمْرُ
فجاءُوا إلى الدنيا وعصرُهم مضَى ... وجئتُ وعصرِي من تأخُّرِه عَصْرُ
أبو جعفر المحدث:
لَقِيَ الناسُ قبْلَنا غُرَّةَ الدهْ ... رِ ولم نَلْقَ منه إلا الذُّنابَا
المعري:
تمتَّع أبكارُ الزمان بأيْدِه ... وجِئْنا بوَهْنٍ بعد ما خَرِفَ الدهرُ
فليت الفتى كالبدرِجُدِّد عمرُه ... يعود هلالاً كلما فَنِيَ الشهرُ
كأنما الدهرُ ماءٌ كان واردَه ... أهلُ العصور وما أبْقَوْا سوى العَكِرِ
وذكر الحافظ الحجاري في المسهب، أنه سأل عمه أبا محمد عبد الله ابن إبراهيم؛ عن أفضل من لقي من الأجواد في عهد ملوك الأندلس.
فقال: يا ابن أخي، لم يقدر أن يقضي لي طروقهم في شباب أمرهم، وعنفوان رغبتهم في المكارم، ولكن اجتمعت بهم وأمرهم قد هرم، وساءت بتغيير الأحوال ظنونهم، وملوا الشكر، وضجوا من المروءة، وشغلتهم المحن والفتن فلم يبق فيهم فضلٌ للإفضال، وكانوا كما قال أبو الطيب:
أتَى الزمانَ...... إلخ.
وإن يكن أتاه على الهرم، فإنا أتيناه وهو في سياق الموت، ومع هذا فإن الوزير أبا بكر بن عبد العزيز كان يحمل نفسه ما لا يحمله الزمان، ويبتسم في موضع القطوب، فيظهر الرضا في حال الغضب، ويجتهد ألا ينصرف عنه أحدٌ غير راضٍ، فإن لم يستطع الفعل عوض عنه القول.
قلت له: فالمعتمد بن عباد كيف رأيته؟ فقال: قصدته وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، في غزوته للنصارى المشهورة، فرفعت له قصيدةً، منها:
يا ليت شعرِي ماذا يرْتضِيه لِمَن ... ناداه يا مَوْئِلي في جَحْفَلِ النادِي
فلما انتهيت إلى هذا البيت، قال: أما ما أرتضيه لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان.
وأمر خادماً له فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن، فإني انصرفت به إلى المرية، وكان بها سكناه، والتجارة بها؛ لكونها ميناء لمراكب التجار، من مسلم وكافر، فاتجرت فيها، فكان إبقاء ماء وجهي على يديه.
عيسى بن حسن بن شجاع النجفي روح في قالب إنسان مصور، اقتطف القول من غصنه عندما تنور.
مرآة ذهنه انطبعت فيها صور المحاسن، وماء رؤيته جرى في حدائق الأدب وهو غير آسن.
تتمتع بحسن منظره النظار، وأراه ما تحلى بهذا الشعار، إلا لكثرة ما حلى عليه من الأنظار.
وله صمادة فكر، لا تولد غير معنىً بكر.
قرائحُ بِكْرٍ ولَّدت بنتَ فِكْرةٍ ... يطيشُ لها رأيٌ ويذكُو بها فكرُ
ولو لم تكنْ أنفاسُه عِيسَويَّةً ... لما قلَّدته من قريحتِه بِكْرُ
قال ابن معصوم في ترجمته: رحل إلى الهند، ومدح الوالد، وحصل بينهما مراسلات طويلة، ولما حصل من أمله على مراده، وقضى أربه من انتجاع مراده، ثنى عنانه للقصد إلى أوطانه وبلاده، فركب البحر قاصداً وطنه عن يقين، فحال بينهما الموج فكان من المغرقين.
ومن شعره قوله يمدح النظام والد ابن معصوم المذكور:
стр. 377
بقلبيَ من عينٍ سِهامٌ ثَواقبُ ... تسدِّدها كحلاءُ والقوسُ حاجبُ
لنا حاجبٌ عن كلِّ سهمٍ يردُّه ... وليس لسهمِ الحبِّ واللهِ حاجبُ
سقيمةُ أجْفانٍ وكَشْحٍ ومَوْعِدٍ ... أرى السقمَ تبْرِي وهْي فيه تُغالبُ
أُغالِبُ أسْقامِي وأسقامَها لها ... ومن غالَب الأسقامَ فالسقْمُ غالبُ
إذا برزَتْ فالناسُ فيها ثلاثةٌ ... طعينٌ ومضْروبٌ وسَاهٍ يُراقبُ
ولم يُرَ عَسَّالٌ سوى قَدِّ بَانَةٍ ... وليس لها إلاَّ الجفونُ قواضِبُ
وإن أسفرتْ ليلاً جلَى الليلَ وجْهُها ... وخَرَّت له خَوْفَ الكُسوفِ الكواكب
وإن طلعتْ يوماً فاللشَّمسِ ضَرَّةٌ ... عليها من الجَعْدِ الأًثِيثِ غياهِبُ
ومِن عَجَبٍ للشمس والبدْرِ مَغْرِبٌ ... وليلَى لها كلُّ القلوبِ مَغاربُ
إذا ما النَّوَى زَمَّتْ رِكابَ أحبَّتي ... فللشوقِ في قلبي تجُول رَكائبُ
ولُبِّيَ مَسْلوبٌ وجسمِيَ واهِنٌ ... ودمعيَ مسكوبٌ وقلبيَ وَاجِبُ
وما العيشُ إلاَّ والحبِيبُ مُواصِلٌ ... وما الحتْفُ إلاَّ أن تصُدَّ الحَبائبُ
لك اللهُ من قلبٍ أصابَك سَهْمُها ... ومن كبدٍ فيها الظِّباءُ لَواعِبُ
ومن جسدٍ قد أسْقمتْه يدُ الهوى ... ومَعْ سُقْمِه للحبِّ فيه مَلاعبُ
عليه لأنواعِ الخُطوب تَناوُبٌ ... فإن فاتَه خَطْبٌ عَرَتْه نَوائبُ
تعوَّدْتُها كالإلْفِ حتى لَوَ انني ... تفقَّدتُها حلَّتْ لديَّ مصائبُ
طويتُ على شكوَى الزمانِ ضمائرِي ... وأغضيتُ عنه باسماً وهْو قاطبُ
ولو أنني يوماً نبذْتُ أقلَّها ... لضاقتْ بها ذَرْعاً عليَّ المَعائبُ
وإنِّي على مُرِّ الزمان لصابرٌ ... وإن ساءني دهرٌ فما أنا عاتبُ
ولَلصَّبرُ أحلَى من شماتةِ حاسدٍ ... وقولِ خليلٍ مَلَّ شكواكَ صاحبُ
ولم أخْشَ ضَنْكاً من حياةٍ لأنني ... سَروبٌ وإن سُدَّتْ عليَّ المَساربُ
مُبشِّرُ آمالِي مُسكِّنُ رَوْعتِي ... بأنِّي إلى البحر الزُّلالِ لَذاهِبُ
تطالبني في كلِّ حينٍ يمُرُّ بِي ... مَدِيحَك نفسِي والفؤاد يُجاذبُ
لأنك يا نَجْلَ الرسُولِ هوىً لها ... كذا كلُّ نفسٍ في هَواها تُطالبُ
منها:
لقد طِبْتَ فَرْعاً حيث طبتَ أَرُومةً ... نعم طيِّبٌ حيث الأصولُ أطايبُ
فللوردِ ماءُ الوردِ فَرْعٌ يزِينُه ... ولِلَّيث شِبْلُ الليثِ مِثْلٌ يُقاربُ
فأنت لها ابنٌ وأنتَ لها أبٌ ... وأنت لها صِنْوٌ وأنت أقاربُ
عشِقتَ العُلَى طفلاً ولم يك عاشقاً ... سِواك وشِبْهُ الشيءِ للشيء جاذبُ
كذاك عشِقْتَ العلمَ والجودَ والتُّقَى ... وللناس فيما يعشقون مذاهبُ
منها في الختام:
ولا زلْتَ في روضٍ من العيش ناضرٍ ... إلى دارِك العَلْيا تؤُوب الرغائبُ
شعراء البحرين
هي من البلاد التي هي معدن السخا، ومطلع المكارم، في الشدة والرخا.
أطرافها منازل الأشراف، وأكثر الحلي في الأطراف.
فمنهم: السيد عبد الرضي بن عبد الصمد الولي الرضي الشيمة، المرتضى الجرثومة.
المتكافىء الشرف، المتعادل الطرف والطرف.
مجمع البحرين، بحر العمل وبحر العلم، ومقلد النحرين، نحر الكمال ونحر الحلم.
إلى أدبٍ أوقع من حلاوة الرضا، وشعرٍ ما ناله الرضي ولا المرتضى.
فمنه قوله:
بات يسْقيني من الثَّغْرِ مُدامَا ... ذُو جمالٍ يُخْجِل البدرَ التِّمامَا
حَلَّل الوصلَ وقد كان يرى ... وَصْلَ مَن يشْتاقُه شيئاً حَرامَا
стр. 378
ويَرى سَفْك دمِ العشاقِ فَرْضاً ... في هَواه أو يمُوتون غَرامَا
زارَني وَهْناً ولا أعرف لِي ... منه مِيعاداً فأدركتُ المَرامَا
جاء في حُلَّةٍ من سُنْدُسٍ ... ثمِل الأعْطافِ سُكْراً يتَرامَى
فاعْترتْني دَهشةٌ من حسنِه ... حين أرْخَى لي عن الوجهِ اللِّثامَا
منها:
ليلةٌ كانت كإبْهامِ القَطَا ... أو كرَجْع الطَّرْف قِصْراً وانصِرامَا
حيثُ كان العيشُ غضّاً والصِّبا ... مَجْمَعَ اللذَّاتِ والدهرُ غُلامَا
يا حَماماً ناح في أيْكَتهِ ... صادِحاً ما كنتَ لي إلاَّ حِمامَا
تندُبُ الإلْفَ ولا تَذْرِي دَماً ... ودُموعِي تُشْبِه الغيثَ انْسِجامَا
السيد علوي بن إسماعيل من خلص الأسرة العلوية، الضاربين خيامهم في المنازل العلوية.
له في هجر ذكرٌ لم يعرف الهجر، وفضائل توضحت مثلما توضح الفجر.
أطلعته السيادة من شرقها، فوضعته تاجاً فوق فرقها.
وهو في الكمال مخلوق على أحسن فطرة، والبحران عنده لا يتجاوزان قطرة.
وقد رأيت له في النسيب ثلاثة عشر بيتاً، تحيي الطرب إذا كان ميتاً.
فأثبتها وأنا مستطار فرحاً، وأهز عطفي بحسن انسجامها مرحاً.
وهي قوله:
بنفسِي أُفَدِّي وقلَّ الفِدا ... غزالاً بوادِي النَّقا أغْيَدَا
مَلِيحاً إذا فُضَّ عن وجهِه ... نِقابُ الحيَا خِلْتَ بدراً بَدَا
غزالاً ولكنْ إذا ما نَصْب ... شِراكاً لأصطادَه اسْتأْسَدَا
سقيمُ اللَّواحظِ مكحولُها ... ولم يعرف المِيلَ والإثْمِدَا
رشيقُ القوامِ إذا هَزَّه ... رأيتَ الغصونَ له سُجَّدَا
له رِيقَةٌ طعمُها سُكَّرٌ ... يُجَلِّي الصَّدَا ويُرَوِّي الصَّدى
ولَحْظٌ كعَضْبٍ ولكنَّه ... يشُقُّ القلوبَ وما جُرِّدَا
تفرَّد بالحُسْن دون المَلاَ ... فسبحان مَوْلىً له أفْرَدَا
نأَى بعدُ فهْو لغيرِي ولِي ... قريبُ المَزارِ بعيدُ المَدَى
رعَى اللهُ أيامَنا الماضيات ... وعيشُ الفُتَاءِ به أرْغَدَا
وصَبَّ على تُرْبِ تلك الرُّبوعِ ... مُثْعَنْجِراً مُبْرِقاً مُرْعِدَا
إلى حيثُ أخْفَتْ صُروفُ الزمانِ ... وشَمْلُ الوِصالِ بها بُدِّدَا
وأضْحَتْ قِفاراً وليس بِهِنَّ ... من ذلك الجَمْعِ إلا الصَّدَى
إذا قلتُ أين حبيبي غَدَا ... يُجيب بأيْنَ حبِيبي غَدَا
السيد محمد بن عبد الحسين بن إبراهيم بن أبي شبابة جمال هذا البيت وجملة مفاخره، وفذلكة حسابه المنوطة به أحساب أوائله وأواخره.
تكونت بالبحرين جوهرة ذاته، وبها كانت أوطانه وأوطار لذاته.
ولما حلت بيد الشباب تمائمه، وصدحت في أفنان الفتوة حمائمه.
تنقل في البلاد فأحرز الطارف من الكمال والتلاد.
كما تنقل الدر من البحر، فعلا على التاج والنحر.
ثم أقام آخراً بأصبهان، وبها انتقل من دار العياء والامتهان.
فمن شعره قوله، من قصيدة يمدح بها النظام ابن معصوم، وهو بالهند.
ومطلعهام:
أرى عَلماً ما زال يخفُق بالنَّصْرِ ... به فوق أَوْج المجد تعلُو يدُ الفَخْرِ
مضَى العمرُ لا دنيا بلغتُ بها المُنَى ... ولا عملاً أرْجُو به الفوزَ في الحشرِ
ولا كَسْبُ علمٍ في القيامةِ شافعٍ ... ولا ظفِرت كفِّي بمُغْنٍ من الوَفْرِ
وأصبحتُ بعد الدَّرْسِ في الهند تاجراً ... وإن لم أفُز منها بفائدة التَّجْرِ
طوَيتُ دَواوينَ الفضائل والتقى ... وصرتُ إلى طَيِّ الأمانِيِّ والنَّشْرِ
وسوّدت بالأوْزارِ بِيضَ صحائفي ... وبيَّضْت سودَ الشِّعر في طلَب الصُّفْرِ
وبعتُ نَفِيسَ الدِّين والعمرِ صَفْقةً ... فيا ليت شِعرِي ما الذي بهما أشْرِي
стр. 379
إذا جَنَّني الليلُ البَهِيمُ تفجَّرتْ ... عليَّ عيونُ الهَمِّ فيها إلى الفَجْرِ
تفرَّقتِ الأهْواءُ منِّي فبعضُها ... بِشِيرازَ دارِ العلم والبعضُ في الفكْرِ
وبالبَصْرة الرَّعْناءِ بعضٌ وبعضُها الْ ... قَوِيُّ ببَيْتِ اللهِ والرُّكْنِ والحِجْرِ
فما لي وللهند التي مُذ دخلْتُها ... مَحَتْ رَسْمَ طاعاتِي سيولٌ من الوِزْرِ
ولو أن جِبْرائيلَ رام سُكونَها ... لأعْجزه فيها البقاءُ على الطُّهْرِ
لئن صِيدَ أصحابُ الحِمَى في شباكِها ... فقد تأخذُ العقلَ المقاديرُ بالقَهْرِ
وقد تُذهب العقلَ المطامعُ ثم لا ... يَعُود وقد عادت لَمِيسُ إلى العِتْرِ
هذا تلميح إلى المثل المشهور، وهو قولهم: عادت إلى عترها لميس. أي رجعت إلى أصلها.
والعتر، بكسر المهملة وسكون المثناة من فوق: الأصل.
ولميس: اسم امرأة.
يضرب لمن رجع إلى خلق كان قد تركه.
وليس هذا المثل بعينه حتى يعترض بأن الأمثال لا تغير.
مضَتْ في حروبِ الدهر غايةُ قُوَّتي ... فأصبحتُ ذا ضَعْفٍ عن الكَرِّ والفَرِّ
إلى مَ بأرضِ الهنْدِ أُذْهِب لَذَّتبي ... ونَضْرة عَيْشٍِ في محاولة النَّضْرِ
وقد قنِعتْ نفسِي بأوْبَةِ غائبٍ ... إلى أهلِه يوماً ولو بَيَدٍ صَفْرِ
إذا لم تكنْ في الهندِ أصنافُ نعْمةٍ ... ففي هَجَرٍ أحْظَى بصِنْفٍ من التَّمْرِ
على أنَّ لي فيها حُماةً عهِدتُهمْ ... بُناةَ المَعالي بالمُثقَّفة السُّمْرِ
إذا ما أصاب الدهرُ أكْنافَ عِزِّهمْ ... رأيتَ لهم غاراتِ تَغْلِبَ في بَكْرِ
ولي والدٌ فيها إذا ما رأيتَه ... رأيتَ به الخَنْساءَ تبْكي على صَخْرِ
ولكنَّني أُنْسِيتُ في الهند ذكْرَهم ... بإحْسانِ مَن يُسْلِي عن الوالد البَرِّ
إذا أذْعَرَتْني في الزَّمانِ صُرُوفُه ... وجدتُ لديه الأمْنَ من ذلك الذُّعْرِ
وفي بيته في كلِّ يومٍ وليلةٍ ... أرى العِيدَ مقْروناً إلى ليلةِ القَدْرِ
ولا يُدْرِك المُطْرِي نِهايةَ مَدْحِه ... ولو أنَّه قد مُدَّ من عُمُرِ النَّسْرِ
وفي كُلِّ مِضْمارٍ لدَى كلِّ غايةٍ ... من الشرفِ الأوْلَى له سابِقٌ يجرِي
إذا ما بدتْ في أول الصبحِ نِقْمةٌ ... ترى فَرَجاً قد جاء في آخر العَصْرِ
فقُل لي أبَيْتَ اللَّعْنَ إن عَزَّ مَقْطَعٌ ... أأصبِرُ أم أحْتاجُ للأوْجُهِ الغُرِّ
إذاً لا علَتْ في المجد أقدامُ هِمَّتي ... وإن كان شعرِي فيك من أنْفَسِ الشعرِ
وإنِّي لأرْجو من جَميلِك عَزْمةً ... تُبلِّغني الأوطانَ في آخرِ العُمرِ
تُقِرُّ عيوناً بالعراقِ سَخِينَةً ... وتُبرِد أكْباداً أحَرَّ من الجمرِ
وتُؤْنس أطفالاً صِغاراً تركْتُهم ... لفُرْقتِهم ما زال دمعيَ كالقَطْرِ
وعيشْي بهم قد كان حُلْواً وبعدهم ... وجدتُ لذيذَ العيشِ كالعَلْقَمِ المُرِّ
إذا ما رأَوْني مقبِلاً ورأيتُهم ... تقول أيومُ القَرِّ أم ليلةُ النَّفْرِ
وما زلتُ مُشتاقاً إليهم وعاجزاً ... كما اشْتاقَ مَقْصوصُ الجناح إلى الوَكْرِ
ولكنَّما حسبِي وُجودُك سالماً ... ولو أنني أصبحتُ في بلدٍ قَفْرِ
فمَن كان موصولاً بحَبْلِ وَلائِكم ... فليس بمُحْتاجٍ إلى صِلةِ البِرِّ
وله من قصيدة، على لسان أهل الحال، وأجاد فيها.
ومستهلها:
لَعَمْري لقد ضلَّ الدليلُ عن القَصْدِ ... وما لاح لي برقٌ يدلُّ على نَجْدِ
فبِتُّ بلَيْلٍ لا ينام ومُهْجةٍ ... تقلَّب في نارٍ من الهمِّ والوجْدِ
стр. 380
وقلتُ عسى أن أهْتدِي لسَبِيلِها ... بنَفْحة طيبٍ من عَرارٍ ومن رَنْدِ
فلما أتيْتُ الدَّيْرَ أبصرتُ راهباً ... به ثَمَلٌ من خَمْرةِ الحبِّ والوُدِّ
فقلتُ له أين الطريقُ إلى الحِمَى ... وهل خَبرٌ من جِيرةِ العَلَم الفَرْدِ
فقال وقد أعْلَى من القلْبِ زَفْرةً ... وفاضتْ سيولُ الدمعِ منه على الخَدِّ
لَعلَّك يا مسكينُ ترجُو وِصالَهم ... وهيْهات لو أتلفْتَ نفسَك بالكَدِّ
إذا زُمْرةُ العُشَّاقِ في مجلسِ الهوى ... نَشاوَى غَرامٍ من كُهولٍ ومن مُرْدِ
ألم تَرَ أنَّا من مُدامةِ شَوْقِهمْ ... سُكارَى ولم نبلُغْ إلى ذلك الحَدِّ
فكم ذهبتْ من مُهْجةٍ في طريقِهمْ ... وما وصلتْ إلاَّ إلى غايةِ البُعْدِ
فقلتُ أأدْنُو قال مِن مِحْنةٍ ... فقلتُ أأرجُو قال شيئاً من الصَّدِّ
هذا البيت فيه المراجعة، وهي كثيرة في كلامهم.
ألم تَرَنَا صَرْعَى بدهشةِ حُبِّهمْ ... نُقلِّب فوق التُّرْبِ خَدّاً إلى خَدِّ
فكم طامعٍ في حبِّهم مات غُصَّةً ... وقد كان يرضَى بالمُحالِ من الوَعْدِ
ولده السيد عبد الله عرف ذلك الطيب، واريجه الذي يذكو ويطيب.
تحلى بالأدب من منذ ترعرع، وارتوى منه بكأس مترع.
فاستباح جني قطافه، واستماح روي نطافه.
وقد وقفت له على أشعارٍ باهت الطراز المعلم ببذرقة التطريز، وجرت جداولها لطالب الأدب بمذاب اللجين والإبريز.
فدونك منها ما تستجيده، وتعلم منه أنه محسن القول ومجيده.
فمنه قوله، من قصيدة أولها:
أغَار في تِيهِه وأنْجَدْ ... فصوَّب الفكرَ بي وصَعَّدْ
وجَدَّ في مَطْلَب التَّجنِّي ... فجذَّ حبلَ الوِدادِ بالصَّدّ
أتيتُ أشكُو إليه وَجْدِي ... فصدَّ كِبراً وصعَّر الْخَدّ
سَما به عُجْبُه فأضْحَى ... يضِنُّ عند السلامِ بالرَّدّ
ظَبْيٌ بديعُ الجمالِ أحْوَى ... أغَرُّ حُلْوُ الدَّلالِ أغْيَدْ
مُهَفْهَفٌ تخضَع العَوالِي ... إذا تثنَّى ورَنَّحَ الْقَدّ
مُجاذِبٌ رِدْفُه لخَصْرٍ ... دَقّ فخِفْنا عليه ينْقَدّ
ذُو مَبْسَمٍ بالرُّضابِ حَالٍ ... مِن حولِه اللُّؤْلُؤُ المُنضَّدْ
كم بات يرْوِي لنا قديمَ ال ... حديثِ نَقْلاً عن المُبَرِّدْ
فنَال منَّا المُدامُ منه ... ما لم تنَلْه مُدامُ صَرْخَدْ
بدرُ تَغارُ النجومُ منه ... إذا سَنَا وجهِه تَوقّدْ
أحلَّ قتْلَ الأنام عَمْداً ... ولا قِصاصاً يَرى ولا حَدّ
منها:
ما لاح يوماً لعاشِقيهِ ... إلاَّ وخَرُّوا لديْه سُجَّدْ
كلُّ عَمِيدٍ به عَمِيدٌ ... وكل مَوْلىً له مُعَبَّدْ
أُطلِق حُبِّي له فأمسَى ... قلبِي به واجِباً تقيَّدْ
هوَيْتُه عامِداً لمعنىً ... منه أتى بالجمالِ مُفْرَدْ
ولستُ أبْغِي به بدِيلاً ... وإن تجافَى قِلىً وإن صَدّ
ما زلتُ شوقاً إليه أصْبُو ... وعهد وُدِّي له يُجدَّدْ
كما صَبَا للنَّدى ارْتياحاً ... سيدُنا ابنُ النبيِّ أحمدْ
أرْفَعُ من ترفعُ المَعالِي ... طَوراً إلى مجدِه وتُسْنَدْ
كم جمعتْ للكرامِ شَمْلاً ... يَدٌ له مَالُها مُبدَّدْ
وكم أقالتْ عِثارَ قَيْلٍ ... أطاحَه دهرُه وأقْعَدْ
منها:
أبا عليٍ فِداك نفسي ... وما حَوَتْه يَدايَ من يَدْ
منها:
وابْق بقاءَ الدهورِ ما إنْ ... أضاءَ برقٌ ولاح فَرْقَدْ
وله من قصيدة أخرى، مستهلها:
ما نضتْ ليلةَ المَزارِ الإزارَ ... هندُ إلا لتهتِكَ الأسْتارَا
стр. 381
طرَقتْنا ولاتَ حين طُروقٍ ... حبَّذا زائرٌ إذا النجمُ غارَا
رَقَّ بعد الصُّدودِ عَطْفاً لِرقٍ ... ورعَى حُرمةَ العهودِ فزارَا
قابلتنا بطَلْعةٍ قد أرتْنا الشَّ ... مسَ ليلاً فأوْهمتْنا النهارَا
طَفلةٌ تخلِبُ العقولَ بطَرْفٍ ... وبدَلٍ تستعْبِدُ الأحْرارَا
دُميةٌ لو تصوَّرت لِمَجُوسٍ ... تَخِذُوها إلهاً وعافوا النَّارَا
ناهدٌ تسلُب النفوسَ بطَرْفٍ ... غَنِجٍ زادَه الفُتورُ احْوِرارَا
زاتُ خدٍ جلَى لنا الوردَ غَضّاً ... وشَتِيتٍ جلَى علينا العُقارَا
وفمٍ مثل خاتمٍ من عَقِيقٍ ... عمَّر الدُّرَّ في نَواحِيه دَارَا
ولِحاظٍ تسْبي العقولَ وخَصْرٍ ... زادَه باسطُ الجمال اخْتصارَا
وإذا ما ترَنَّح القَدُّ منها ... قلتُ قد هَزَّ ذابِلاً خَطَّارَا
غادةٌ لَذَّ لي بها هَتْكُ سِتْرِي ... في طريق الهوى وخَلْعِي العِذارَا
وعجيبٌ ممَّن توغَّل أمْراً ... في الهوى أن يرومَ منه اسْتتارَا
أيْسَرُ الهوى وشأنُ دموعِ الصَّ ... بِّ بالصَّبِّ تظهِر الأسْرارَا
والذي عقلُه غدا بيَدِ الغِي ... دِ أسيراً لا يستبدُّ اخْتيارَا
كيف أرجو من الخُطُوب خَلاصاً ... بعد ما أنْشَبتْ بيَ الأظْفارَا
أرْهَفتْ إذ عدَتْ عليَّ نِصالاً ... ليس ينْبو فِرِنْدُها وشِفَارَا
قصَدتْ أن تسُومنِي الخَسْفَ ظُلْماً ... والبَرِيُّ الأبيُّ يأْبَى الصَّغارَا
ما درَتْ أنني رُفِعتُ مقاماً ... بحِمَى أحمدٍ وزِدْتُ اعْتبارَا
وهو أسْمَى في رُتْبةِ المجد من أن ... يُدرِك الضَّيْمُ لَمْحةً منه جَارَا
سيِّدٌ ساد في البريَّةِ نُبْلاً ... وزكا عُنْصُراً وطاب نِجَارَا
ماجدٌ نال رُتبةً في المعالي ... لم ينَلْها من قبلُ كِسرَى ودَارَا
أرْيَحيٌّ إذا أراحَ لنَيْلٍ ... أرْسلتْ سُحْبُ راحِه الأمْطارَا
السيد عبد الله بن الحسين أربى على الخلص من عتاة فن الأدب، فكان أجل من جد في تحصيله ودأب.
رأيت له شعراً ينسي محاسن التقدم، ويترك المجتري على معارضته بغبن التندم.
فلو منحه ابن الحسين لما تنبأ عجباً بالقريض بل كان تأله، أو سمعه أبو تمام لاتخذه تميمةً لعود عقله الذي تدله به وتوله.
وها أنا ذا أتلو عليك منه قطعةً تستنزل الثريا، وتغنيك عن اجتلاء زهرات الروضة الريا.
وهي قوله في الغزل:
أتتْ تحمل الإبْرِيقَ شمسُ الضحىَ وَهْنَا ... ولو سَمحْت بالرِّيق كان لها أهْنَا
حَكاها قَضِيبُ الخَيْزُرانِ لأنه ... يُشارِكها في اللِّين واللفظِ والمعنَى
تُرِيني الضُّحَى والليلُ ساجٍ وما الضحى ... وطلْعَتُها من نُورِ طلعتِه أسْنَى
مُهَفْهَفةُ الأعْطافِ حَوْراء خِلْتُها ... من الحُورِ إلا أنَّ مُقْلتَها وَسْنَا
لها كَفَلٌ كالدِّعْصِ مِلْءُ إزارِها ... وقَدٌّ إذا ماسَتْ به تُخْجِل الغُصْنَا
عليها بُرودُ الأُرْجُوانِ كأنها ... شَقائقُ أو من وَجْنتيْها غَدَا يُجْنَى
ولا عَيْبَ فيها غيرَ أنَّ مَلِيكَها ... بَراها بخُلْقٍ يُعْقِب الحُسْنَ بالحُسْنَى
تقوم تُعاطِينا سُلافَة ثَغرِها ... على وَجَلٍ نِلْنا به المَنَّ والأمْنَا
هي الرُّوحُ والرَّيحان والرَّاحُ والمُنى ... علينا بها مُعْطِي المَواهب قد مَنَّا
قصَرتُ عليها مَحْضَ وُدِّي فلم يكنْ ... سواهَا له في القلبِ رَبْعٌ ولا مَغْنَى
السيد داود بن شافيز سيد شهم، للآمال منه نصيبٌ وسهم.
استوطن في السيادة نجداً، وتوسد الجوزاء مجداً.
стр. 382
وله في الشعر بدائع كثيرة العيون، لم يتحمل لأجلها فكره الصقيل منة القيون.
فقد ألان الله لطبعه الحديد الكلام، كما ألان الحديد لداود ﵇.
وقد أوردت له ما لا يرى العيان مثله، ومن طمع في لحاقه فيوشك أن يصير في العالم مثلة.
فمنه قوله في الغزل:
أنا واللهِ المُعَنَّى ... بالهوَى شوقِيَ أعْرَبْ
كلَّما غَنَّى الهوَى لي ... أرْقصَ القلبَ وأطْرَبْ
وغَدا يسْقيه كاسا ... تِ صَباباتٍ فيشْرَبْ
فالذي يطمَع في سَلْ ... بِ هوى قلبيَ أشْعَبْ
قلتُ للمحبوبِ حتَّى ... مَ الهوى للقلْبِ ينْهَبْ
وبمَيْدان الصِّبا واللَّ ... هوِ ساهٍ أنتَ تلعبْ
قال ما ذنبْي إذا شا ... هدت خدّاً قد تلهَّبْ
فهوَى قلبُك فيها ... ذاهباً في كلِّ مَذْهَبْ
قلتُ هَبْ أن الهوى هَبَّ ... فألْقاه بهَبْهَبْ
أفلا تُنقذ مَن يهْ ... واكَ من نارٍ تلَهَّبْ
وقوله:
طال في الحبِّ غرامِي ... إذْ رمى المُهْجةَ رامِ
فأصابَ القلبَ مَجرُو ... حاً بمَسْموم السِّهامِ
والهوى فوقي وتحتي ... وورائِي وأمامِي
ويمِيني ويَسارِي ... وهْو لاشكَّ إمامِي
قائداً قلبي إلى نا ... رِ هَوانٍ وهُيامِ
قلتُ للمحبوبِ حتى ... مَ بِنيرانِ الغَرامِ
من ضَرِيعِ الشوقِ والأحْ ... زانِ أُكْلِي وطَعامِي
وشَرابِي من حَمِيم الْ ... هجرِ أغْرَى بي حِمامِي
لا تُغنِّي في أرَاكِ الْ ... وصلِ في زَفِّ حَمامِ
قال قِفْ واصبرْ على ... بَلْوَى الهوى صَبْرَ الكرامِ
فعسَى تحْظَى بجَنَّا ... تِ وصالِي وسَلامِي
السيد ناصر بن سليمان القاروني الخطيب النضيح، والشاعر الفصيح.
قضى فأرضى، ونضى فأمضى.
وفرع وأصل، وأجمل وفصل.
وذهب في البراعة كل مذهب، وارتدى من النباهة بكل رداءٍ مذهب.
فنظمه حظ الزمان، بل هو حظ الأمان.
وسجع الحمام، بل سفح الغمام.
وريق النحل، بل الخصب بعد المحل.
وقد ذكرت له ما تحله قلبا، وتضم عليه شغافاً وخلبا.
فمنه قوله:
أيا مَن يُغالِي في القريبِ ويشْترِي ... قرابةَ إنْسانٍ بألْفٍ أبَاعِدِ
تعالَ فإنِّي ليْتني لا قَريبَ لي ... أبِيعُك منهم كلَّ ألْفٍ بواحِدِ
وقوله من مرثية:
أيها النائمونَ والدهرُ يقَظْا ... نُ أصاحونَ أنتمُ أم سُكارَى
طاَما نِمْتُم فهُبُّوا من النو ... مِ فداعِي المَنونِ يدعُو جِهارَا
هو دَاعٍ إذا أهابَ بمَن في ... رأسهِ نَشْوةٌ أطار الخُمارَا
هو داعٍ يُجيِبه مَن دعاه ... كارهاً للِّقاءِ أو مُختارَا
هو ذا منزلُ الملوكِ برَغْمٍ ... لِرَغامٍ من الصَّياصِي اقْتسارَا
هو هذا مُكَسِّرٌ عَظْم كِسرَى ... ومُدِيرٌ رحَى المَنُونِ بِدَارَا
فبِداراً ليومِ عَيْشٍ عزيزٍ ... قبل أن يُذيع الرحيلُ بِدارَا
وانْتهازاً لفُرصةٍ ليس تبْقَى ... قبل أن تُسلَبُوا عليها الخِيارَا
السيد أحمد بن عبد الصمد أحد من اجتنى طري القول واهتصر، إلا أن طريقه إلى الأدب مختصر.
له من الشعر بيتان، على جودة طبعه بينان.
لم يسمع له غيرهما قط، من برى قلماً وقط.
وهما قوله:
لا بلَّغتْنِي إلى العلْياء مَعْرفتي ... ولا دَعتْنِي العُلاَ يوماً لها وَلدَا
إن لم أُمِرَّ على الأعْداء مَشْربَهم ... مَرارةً ليس يصْفُو بعدها أبَدَا
ماجد بن هاشم بن المرتضى بن علي بن ماجد خطيب شيراز وإمامها، ورئيسها المشار إليه وهمامها.
ماجد جد فوجد، وارتقى مثلما ارتقى له أبٌ وجد.
стр. 383
نسبٌ من النبي مبتدى، وحسبٌ ببرد النباهة مرتدي.
وقد شفع شرف النسب بمزية الكمال، وقرن إلى صدق الأقوال فضل الأعمال.
وراء ذلك أدبٌ بلغ به الأرب، وملأ دلوه منه إلى عقد الكرب.
فمن شعره الذي تقف دونه الأطماع، وتشنف به على السماع الأسماع.
قوله في مليح قارىء:
وتالٍ لآيِ الذِّكْرِ قد وقفتْ بنا ... تلاوتُه بين الضَّلالة والرُّشْدِ
بلفظٍ يسُوق الزاهدين إلى الخَنَا ... ومعنىً يشُوق العاشقين إلى الزهدِ
وقوله:
وذي هَيَفٍ ما الوردُ يوماً ببالغٍ ... حُلَى وَجْنتيْه في احمرارٍ ولا نَشْرِ
برِئْنا من العَلْياء إن سِيمَ وصلُه ... عليْنا بما فوق النفوسِ ولا نَشْرِي
وقوله متغزلاً:
حسناءُ ساءتْ صَنِيعاً في مُتيَّمِها ... يا ليتَها شفَعت حُسْناً بإحْسانِ
دَنَتْ إليه وما أدْنتْ مَودَّتَها ... فما انتفاعُ امرىءٍ بالباخِل الدَّانِي
جعفر أبو البحر بن محمد الخطي العبدي أحد بني عبد قيس الخط والحظ للخطى، وهذا من الجناس الخطي.
فآثار قلمه زينة الصحائف، وأخبار أدبه حلية التحائف.
وهو أحد الجلة المشاهير، وأوحد أولئك الجماهير.
وله في البحرين حديثٌ فاح أريجه، وتدفق بالثناء نهره وخليجه، فأنشد لسان مجده:
وهل يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلاَّ وشِيجُه
فكم زمت إليه المطية، وركزت على رماحه الخطية.
وقد أثبت له ما يسو على النيرين، ويحسد اتساقه ما يخرج من بين البحرين.
فمنه قوله:
عاطِنيها قبل ابْتسام الصباحِ ... فهْي تُغنيك عن سَنا المِصباحِ
أنت تدْرِي أن المُدامة نارٌ ... فاقْتدِحْها بالصَبِّ في الأقداحِ
فهْي تمحُو بضَوئها صِبْغةَ اللَّيْ ... لِ فيغدُو وجهُ الدجَى وهْو ضاحِ
وإذا ما أحاط بِي وفْدُ هَمٍ ... مُهدِياً لي طرائفَ الأتْراحِ
فارْسِلَنْها وَرْدِيَّة كدَمِ الظَّبْ ... يِ أسالتْه مُدْيةُ الذَّبَُّّاحِ
فهي تُقْصِي إمَّا دَنتْ وارِدَ الهَمِّ ... وتُدْنِي شواردَ الأفْراحِ
ألْحَفتْ في السؤالِ هل من فَكاكٍ ... لأسيرٍ ما إنْ له من بَراحِ
مَزَجُوها فقيَّدوها فلو تُتْ ... ركُ صِرْفاً طارتْ بغير جَناحِ
يا خليلِي ولا أرَى لي من النا ... سِ خليلاً إلاَّ فتىً غير صاحِ
يتلقَّى عَذْلَ العَذُولِ بهَيْها ... تَ ويحْثُو في أوْجُه النُّصَّاحِ
ألِفَ الرَّاحَ فهْو بين اغْتباقٍ ... لا يُنادَى وليدُه واصْطباحِ
رُحْ على الرَّاس بي فليس على الأجْ ... سامِ عَيْبٌ في السَّعْيِ للأرواحِ
واسْقِنيها صِرفاً فللنَّارِ نأتْ ... جانباً عن وِصال ماءٍ قَراحِ
خيرُ ما يُشرَب المُدامُ عليه ... وجهُ خَوْد من الكَعابِ رَداحِ
ذات قَدٍ تثْني الغصونُ عليها ... حين يهْفو بها نسيمُ الصباحِ
فوقه طُرَّةٌ تُظِلُّ مُحَيّاً ... جائلاً ماؤُه مُضِيء النَّواحِي
فهْي من نُورِ وجهِها وظلامِ الشَّ ... عرِ في حالتيْ مَساً وصَباحِ
وثُغورٌ يُخَلْنَ في بارد الظَّلْ ... مِ حَباباً يطْفُو على وجهِ راحِ
ما تَرى الدهرَ كيف رقَّتْ ليالي ... هـ فشقَّتْ عن أوْجُه الأفراحِ
ولما دخل بأصبهان، اجتمع بالبهاء الحارثي، وعرض عليه أدبه، فاقترح عليه معارضة قصيدته التي مطلعها:
سرَى البرقُ من نَجْدٍ فهيَّج تَذْكارِي ... عهوداًبحُزْوَى والعُذَيبِ وذي قارِ
فعارضها بقصيدة طنانة، أولها:
هي الدارُ تسْتسْقِيك مَدْمعَها الجارِي ... فسَقْياً فخيرُ الدمعِ ما كان للدَّارِ
ولا تسْتضِع دمْعاً تُرِيق مَصُونَه ... لِعزَّته ما بين نَوْءٍ وأحْجارِ
стр. 384
فأنت امرؤٌ بالأمسِ قد كنت جارَها ... وللجارِ حقٌّ قد علمتَ على الجارِ
عشوتَ على الَّلذَّاتِ فيها على سَنَا ... سَناءِ شموسٍ ما يغِبْن وأقْمارِ
فأصبحتَ قد أنفقْتَ طَيِّبَ ما مضَى ... من العمرِ فيها من عُونٍ وأبْكارِ
نواصِعُ بِيضٌ لو أفَضْن على الدجى ... سَناهُنَّ لاسْتغْنى عن الأنْجُمِ السارِي
خرائدُ يقْصرن الأصولَ بأوْجُهٍ ... تغَصُّ بأمْواهِ النَّضارةِ أحْرارِ
مَعاطيرُ لم تُغْمَس يدٌ في لَطِيمةٍ ... لهُنَّ ولا اسْتَعْقَبن جَوْنةَ عطَّارِ
أبحَنْكَ مَمنوعَ الوصالِ نوازلاً ... على حُكْمِ ناهٍ كيف شاء وأمَّارِ
إذا بِتَّ تستسْقي الثغورَ مُدامةً ... أتَتْك فحيَّتْك الخدودُ بأزْهارِ
أموسمَ لذَّاتي وسُوقَ مآربي ... ومَجْنَى لُباناتِي ومَنْهب أوْطارِي
سقْتك برَغْمِ المُزْنِ أخْلافُ مُزْنةٍ ... تلُفُّ إذا جاشتْ سُهولاً بأوْعارِ
وفَجٍ كما شاء المجالُ حشَوْتَه ... بعَزْمةِ هَوَّالٍ على الهَولِ كَرّارِ
تمرَّس بالأسْفار حتى تركْنَه ... لدِقَّته كالقِدْحِ أرْهفَه البَارِي
إلى ماجدٍ يُعْزَى إذا انْتسب الورَى ... إلى مَعْشرٍ بِيضٍ أماجدَ أخْيارِ
ومُضطلِعٍ بالفضْل زَرَّ قميصَه ... على كَنْزِ آثارٍ وعَيْبَةِ أسْرارِ
سَمِيِّ النبيِّ المصطفَى وأمينهِ ... على الدِّين في إيرادِ حُكْمٍ وإصْدارِ
به قام بعد المَيْل وانتصبتْ به ... دعائمُ قد كانت على جُرُفٍ هارِ
فلما أناخَتْ بي على باب دارِه ... مَطايايَ لم أذمُم مغَبَّة أسْفارِي
نزلتُ بمَغْشِيِّ الرُّواقيْن دارُه ... مَثابةُ طُوَّافٍ وكعبةُ زُوَّارِ
فكان نُزولي إذ نزلتُ بمُغْدِقٍ ... على المجد فضلَ البِرِّ عارٍ من العارِ
أساغ على رَغم الحواسدِ مَشرَبِي ... وأعْذَبَ وِرْدَ العيش لِي بعد إمْرارِ
وأنقذني من قبْضةِ الدهرِ بعد ما ... ألَحَّ بأنْيابٍ عليَّ وأظفارِ
جُهِلتُ على معروفِ فَضْلي فلم يكنْ ... سواهُ من الأقوامِ يعرف مِقْدارِي
ولما انتهى إلى هذا البيت في الإنشاد، قال، وأشار إلى جماعة من سادات البحرين: وهؤلاء يعرفون مقدارك إن شاء الله تعالى.
على أنه لم يَبْقَ فيما أظنُّه ... من الأرضِ شِبْرٌ لم تُطبِّقْه أخْبارِي
ولا غَرْوَ فالإكْسِير أكبرُ شُهْرةً ... وما زال من جهلٍ به تحت أسْتارِ
متى بُلَّ لي كفٌّ فلستُ بآسِفٍ ... على درهمٍ إن لم ينَلْه ودينارِ
فيا ابنَ الأُلى أثْنَي الوَصِيّ عليهمُ ... بما ليس تَثْنِي وجهَه يدُ إنْكارِ
بِصفِّين إذ لم يُلْفِ من أوْليائه ... وقد عَضَّ نابٌ للورَى غير فرَّارِ
وأبْصر منهم جِنَّ حَرْبٍ تهافتُوا ... على النارِ إسْراعَ الفَراشِ إلى النارِ
سِراعاً إلى داعِي الحروب يرَوْنَها ... على شُرْبِها الأعمارَ موردَ أعْمارِ
أطارُا غُمودَ البيض واتَّكلُوا على ... مَفارِق قومٍ فارَقُوا الحقِّ كُفَّارِ
وأرْسَوْا وقد لاَثُوا على الرُّكَبِ الحُبَى ... بُروكاً كهَدْيٍ أبْرَكوه لَجزَّارِ
فقال وقد طابتْ هنالك نفسُه ... رِضاً وأقَرُّوا عينَه أيَّ إقْرارِ
فلو كنتُ بَوَّاباً على بابِ جَنَّةٍ ... كما أفحصتْ عنه صَحِيحاتُ آثارِ
стр. 385
يشير إلى همدان، وهي قبيلة من اليمن، ينتهي إليهم نسب الممدوح، وكانوا قد أبلوا يوم صفين بلاءً حسناً، فروي أنهم في بعض أيامهم حين استحر القتل، ورأوا فرار الناس عمدوا إلى غمود سيوفهم فكسروها، وعقلوا أنفسهم بعمائمهم، وجثوا للركب، وبركوا للقتل، فقال فيهم أمير المؤمنين، كرم الله وجهه:
لَهمْدان أخلاقٌ ودِينٌ يزِينُها ... وبأسٌ إذا لاقَوْا وحُسْنُ كلامِ
فلو كنتُ بَوَّاباً على بابِ جَنَّةٍ ... لقلتُ لهَمْدان ادْخُلوا بسَلامِ
وقال فيهم يوم الجمل: لو تمت عدتهم ألفاً لعبد الله حق عبادته.
وكان إذا رآهم تمثل بقول الشاعر:
ناديتُ هَمْدان والأبوابُ مُغْلقةٌ ... ومثلُ هَمْدان سَنَّى فتْحةَ البابِ
كالهُنْدُوانِيِّ لم تُفْلَل مَضارِبُه ... وجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وَجَّابِ
ذكره ابن عبد ربه في العقد.
وهمدان بسكون الميم، وبعدها دال مهملة، وأما همذان، بفتح الميم والذال المعجمة، فبلد من بلاد العجم، وهي أول عراق العجم، وإليها نسب بديع الزمان الهمذاني، صاحب المقامات التي اقتفى الحريري أثره فيها.
ومن شعر صاحب الترجمة، قوله من قصيدة يمدح بها وزير البحرين محمود بن نور الدين، وهي أول قصيدة أثبتها في المدح، وأنشدها يوم عيد الفطر:
ماذا يُفيدُك من سُؤالِ الأرْبُعِ ... وهي التي إن خُوطِبَتْ لم تسمَعِ
سَفَهٌ وقوفُك في رُسومٍ رَثَّةٍ ... عَجْماءَ لا تدرِي الكلامَ ولا تعِي
فذَرِ الوقوفَ على مَخافِي منْزلٍ ... عافٍ لمُختلِف الرِّياح الأرْبَعِ
وامْسِك عِنانَ الدمعِ عن حَوْبائِه ... في دِمْنةٍ لم تحمْدَنْك ومَرْبَعِ
اللهُ جارُك هل رأيتَ منازلاً ... عطِلتْ فحلَّتْها عقودُ الأدْمُعِ
واسْتبْقِ قلبَك لا تَعيشُ بغَيْرِه ... وشعاعَ نفس إن يَغبْ لم يَطلُعِ
واصرِفْ بصِرْفِ الرَّاح همَّك إنها ... مهما تفرَّق من سرورِك تجمْعِ
كَرْمِيَّةٌ تذَرُ البَخيلَ كأنما ... نزَل ابن مَامةَ من يدَيْه بأُصْبُعِ
فهي التي آلتْ ألِيَّةَ صادقٍ ... أن لا تُجاورها الهمومُ بمَوْضعِ
مع كلِّ ساحرة اللِّحاظِ كأنها ... ترْنُو بناظِرتَيْ مَهاةٍ مُرْضِعِ
وكأنما تَثْنِي على شمسِ الضحى ... إمَّا هي انْتقبَتْ حواشِي البُرْقُعِ
إما مركبة من إن الشرطية، وما الزائدة، وأدغمت النون في الميم.
وكأنما وُضِع البُرَى منها على ... عُشَر تعاوَره الحَيا أو خِرْوَعِ
البرى هنا جمع برة، وهي الخلخال.
والبيت وصفٌ لها بالطول وتمام الخلق.
وتعاوره الحيا تأكيدٌ وتحسين لهذا الوصف.
يا مَن يفِرُّ من الخُطوب وصَرْفِها ... أنَّى رآه يفِرُّ عنها يتْبعِ
لُذْ بالوزير ابنِ الوزير فإنما ... تأْوِي إلى الكَنَفِ الأعزِّ الأمْنَعِ
ملِكٌ رَقَى دَرْجَ الفخارِ فلم يدَعْ ... فيها لِرَاقٍ بعده من مَطْمَعِ
وتناولَتْ كفَّاه أشْرفَ رتبةٍ ... لو قام يلْمِسُها السُّهَا لم يَسْطَعِ
أنْدَى من الغيْثِ المُلِثِّ إذا اجْتُدِي ... أحْمَى من الليثِ الهِزَبْرِ إذا دُعِي
التَّارِكُ الأبطالَ صَرْعَى في الوغَى ... فكأنهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِ
منقع من الاكتفاء، وله معنىً بدون الاكتفا؛ بأن يكون مأخوذاً من أقعى فرسه، إذا رده القهقرى، فيزادياءً، أو من أنقع الميت، أي دفنه، والمراد دفنها بعشية القتال.
يذَرُ الجماجمَ في المَكَرِّ سَوَاقِطاً ... سَقْط الثِّمار من المَهَبِّ الزَّعْزَعِ
أفْدِيه وهْو على أغَرَّ مُحجَّلٍ ... ظامِي الفُصوصِ سليم سَيْرِ الأكْرَعِ
الفصوص: جمع فص، وهو ملتقى كل عظمين.
وظامي الفصوص، كناية عن لطافة مفاصله.
نَهْدِ المَراكل واللَّبان بعيدِ ما ... وُضِع العِنانُ به عَصِيٍ طَيِّعِ
стр. 386
فكأنه لمَّا اسْتقام تَلِيلُه ... مُصْغٍ تلقَّفَ نَبْأةً من بُرْقُعِ
في جَحْفلٍ كالْيَمِّ إلاَّ أنه ... لا ماءَ فيه غيرُ لَمْعِ الأدْرُعِ
حتى ترجَّل للصلاةِ ولم نجِدْ ... أسداً يُصلِّي قَبْلَه في مَجْمَعِ
لو قال: أخشع خاشع متورع. لكان أنسب بأفتك فاتك.
حُيِّيتَ يا كسرى الملوكِ تحيَّةً ... تُرْبى على كسرَى المُلوكِ وتُبِّعِ
يا ابنَ الأُلَى جعلوا مراكز سُمْرِهمْ ... حَبَّ القُلوبِ بكل يومٍ مُفْظِعِ
واستبْدلُوا لِلْبِيض من أغْمادِها ... في الحرب هامةَ كلِّ ليثٍ أرْوعِ
النازلين من العُلَى في رتبةٍ ... هامُ السُّها منها بأدْنَى موضعِ
ما حدَّثتْ نفسُ امرىءٍ ببُلوغِها ... إلاَّ ومات بغُلَّةٍ لم تُنْقَعِ
وإليك من عُرْبِ الكلامِ خريدةً ... جاءتْك مُسْفِرةً ولم تتَبرْقَعِ
عذراءَ أوّلُ ما جَناه لناظرٍ ... نَظْمِي وأولُ ما تلاه لِمَسْمَعِ
مِن شاعرٍ ذَرِبِ اللسانِ مُفَوَّهٍ ... طَبٍ بترْكيب القوافِي مِصْقَعِ
فاضمُمْ عليه يديك تَحْظَ بآخِرٍ ... أذْكَى من المتقدِّمين وأبْرعِ
فَليُسْمِعنَّك إن بَقِي لك بعدها ... ما يسْتبين لديْه ذُلُّ الأشْجَعِ
قلت: لله دره من فارس مجال هو على تناول المعاني أشجع من أشجع، وخطيب حفل كلماته أفيد من قائل أما بعد وأنجع.
وقد انتهى ذكر أهل البحرين الذين ارتفع قدرهم وسما، وروت غررهم في رياض آدابها حديث النعمان عن ماء السماء.
وهنا أذكر من نجم من بلاد العجم ممن وقع عليهم الاتفاق، وانهلت فوائدهم كالسحاب الدفاق.
فمنهم: الحكيم أبو الحسين بن إبراهيم الطبيب الشيرازي فارس حكماء الشرق، المستوفي في السبق شوط البرق.
بلغ وهو شاب مبلغ الشيخ فقضى له بالرياسة، وبرع في صناعة الطب براعة حكمت له بالاستيلاء على النباهة والكياسة.
إلى أدب يتخيله الفكر فيشفى به عليله، وينطبع في الطبع فيشحذ به كليله.
وحسن طلعةٍ تتعشقها الصور، ولطف علاجٍ لم يبق معه ما تشتكيه مرضى العيون إلا الحور.
وقد وقفت له على شعر ألذ من العافية للسقيم، وألطف من بشرى الولد الكريم للشيخ العقيم.
فأثبت منه ما هو غايةٌ في حسن الأسلوب، وكأنما هو دواءٌ لأمراض القلوب.
فمنه قوله:
كشف الصبحُ اللِّثامَا ... وجَلى عنَّا الظلامَا
فأجِلْ لي الكأسَ ونَبِّ ... هْ أيها السَّاقي النُّدامَى
عَلَّنا نقضِي كما رُمْ ... نا من الأُنْسِ المَرامَا
ما ترى الوُرْقَ على الأيْ ... كِ يُجاوِبْنَ الحَمامَا
وزُهورَ الروضِ أصْبَحْ ... نَ يفُتِّقْنَ الكِمامَا
والحَيا يبْكِي عليهِنَّ ... فيَضْحكْنَ ابْتسامَا
ووميضَ البَرْقِ قد سَلَّ ... على الأُفْقِ الحُسامَا
وحبِيبَ النفسِ قد لا ... حَ لنا بَدْراً تِمَامَا
أيُّ عُذْرٍ لك إن لم ... تصلِ الراحَ مُدامَا
فاغْنَمِ الأُنْس وبايِنْ ... مَن لَحَى فيه ولاَمَا
وهي عروض أبيات بلديه الشيخ سعدي، صاحب الكلستان، وهي:
يا نَدِيمي قُمْ بليلٍ ... واسْقِني واسْقِ النُّدامَى
خَلِّني أسهرُ ليلِي ... ودَعِ الناس نِيامَا
اسْقِيانِي وهدِيرُ الرَّ ... عدِ قد أبْكَى الغَمامَا
في أوانٍ كشفَ الوَرْ ... دُ عن الوجهِ لِثامَا
أيها المُصْغِي إلى الزُّهَا ... دِ دَع عنك الكلامَا
فُزْ بها من قبلِ أن يجْ ... علك الدهرُ عِظامَا
قُل لِمَن عيَّر أهْلَ الْ ... حُبِّ في الحبِّ ولاَمَا
لا عرفتَ الحبَّ هَيْها ... تَ ولا ذُقْتَ غَرامَا
стр. 387
لا تلُمْني في غُلامٍ ... أوْدعَ القلبَ سَقامَا
فبِداء الحبِّ كم من ... سيِّدٍ أضْحى غُلامَا
ومن رقيق شعره قوله في الغزل:
مَن أوْدَع الشُّهْدَ والسُّلافَ فَمَهْ ... والجوهرَ الفَرْدَ فيه من قَسَمَهْ
وواوُ صُدْغَيْه فوق عارضِه ... يا ليت شِعْرِي بالمِسْك من رَقَمَهْ
ووافرُ الحُسْنِ والجمالِ به ... من دون كلِّ الحسانِ مَن رَسَمَهْ
وخَدُّه الوردُ في تضرُّجِه ... ما ضَرَّهُ لو مُحِبُّه لَثَمَهْ
دمِي ودَمْعِي بلَحْظِه سُفِكَا ... فلا شفَا منه رَبُّه سَقَمَهْ
كم من قتيلٍ بسيفِ مُقْلتِه ... لم يَخْشَ ثاراً لمَّا أباح دَمَهْ
كتمْتُ حُبِّي عن الوُشاةِ فما ... ظَنَّ به كاشحٌ ولا عَلِمَهْ
وكم مُحِبٍ أعْيَتْ مذاهبُه ... أذاع سرَّ الهوى وما كَتَمَهْ
وقوله، وأجاد في الجناس:
قضَى وَجْداً بحُبّ أُهَيْل رَامَهْ ... وما نال الذي في الحبِّ رَامَهْ
مُحِبٌّ لم يُطِع فيهم عَذُولاً ... ولا قبلتْ مَسامعُه المَلامَهْ
نَهاهُ عن الهوى لاَحِيه سِرّاً ... فقال لها جِهاراً في المَلامَهْ
فقولوا يا أُهَيْل الوُدِّ قولُوا ... على مَ هجرتُمُ المُضْنَى على مَهْ
وقد أمسَى بهجرِكُمُ قتيلاً ... وحُبُّكُمُ له أضْحَى علامَهْ
المنلا فرج الله الششتري أحد شعرائهم المفلقين، وأوحد لطفائهم الذيقين.
شعره نظم الإحسان في لبة القريض، وأسمع فيه ما هو أطرف من نغم معبد والغريض.
وشعره في الصنعة بردٌ مروي، وفي العذوبة حديث للشباب مروي.
فمما انتخبته من شهيه، وألمعت به من بهيه.
قوله من قصيدة، مستهلها:
ما بين دِجْلَة والفُراتِ مَراتِعٌ ... هي للنفوسِ معارجٌ وسَماءُ
ومنازلٌ هي للقلوب منازِلٌ ... لا جاوزَتْها دِيمةٌ هَطْلاءُ
لا الْجِزْعُ يُسْلِيني ولا وادي الغَضا ... عنها ولا نَجْدٌ ولا الدَّهْناءُ
لا رامَةٌ رَوْمِي ولا حُزْوَى ولا ... وادي النَّقا والخَيْفُ والخَلْصاءُ
سَقَتِ الغوادِي رَوْضَها وفَلاتَها ... ورعَتْ بمَرْعاها مَهاً وظِباءُ
أصْبُو إلى سُكانها طولَ المدَى ... لم تُلْهِني خَوْدٌ ولا هَيْفاءُ
إنَّ الأماكنَ تُسْتحَبُّ لأهلِها ... أنا عُرْوةٌ وجميعُهم عَفْراءُ
بهمُ أُشَبِّب لا بعاتكةٍ وكم ... في مُهْجتِي من بينهم بُرَحاءُ
أسماؤُهم ملأتْ خُروقَ مَسامعِي ... لا مَيُّ تسْكنها ولا أسْماءُ
للنَّازِلين على الفُراتِ مَواطِنٌ ... لهمُ بهنَّ عن الخيامِ غَناءُ
وبِسُوحِهنَّ مراتعٌ ومَلاعبٌ ... الليلُ فيها والنهارُ سَواءُ
قد تلطف في هذا، ومراده أنها لشدة اعتدالها تساوى فيها الليل والنهار، كما يكون ذلك في البلاد التي في خط الاستواء، أو في الربيعين اللذين هما أعدل الأزمنة.
ووقع لي من قصيدة:
قد لاح في خَدِّه العِذارُ ... فاعتدلَ الليلُ والنَّهارُ
مُستوطنُ الآمال غاياتُ المُنَى ... للغانياتِ بها الغَداةَ ثُواءُ
يرْتعْنَ بين ضُلوعِنا فكأنَّما ... أرْباعُها الألْبابُ والأحْشاءُ
آرامُ أُنْسٍ للنفوسِ أوانِسٌ ... داءٌ ولكنْ للعيون دواءُ
يُصْغِي إليهنَّ الجليسُ فينْثنِي ... وهناك لا خمرٌ ولا صهْباءُ
حلَّ الربيعُ متى حَلَلْنَ بمنزلٍ ... فكأنهنَّ عوارضٌ وحياءُ
وإذا ارْتحلْنَ ترى الديارَ كأنها ... من فَقْدِهنَّ سباسبٌ قَفْراءُ
стр. 388
كم من مناهلَ للفُراتِ ورَدْنَها ... وصَدَرْنَ وهْي لِعَوْدِهنَّ ظِماءُ
لا تعجَبنْ إن لم يَفِينَ بمَوْعدٍ ... إن الغوانِي ما لهُنَّ وَفاءُ
سُكانُ تلك الأرضِ كلُّهم لهم ... عندي هوىً وصداقةٌ وإخاءُ
إن يسْلِبوا عنِّي السرورَ ببَيْنِهمْ ... فلِمُهْجَتِي بحديثِهم سَرَّاءُ
فهمُ مَناطُ مَساءَتي ومسرَّتِي ... وهمُ لقلبِي شِدَّةٌ ورخاءُ
أكبادُنا نارُ الغَضا من بعدهمْ ... تُذْكِي الأسَى وجفونُنا أنْواءُ
الظَّاعِنون القاطنونَ قلوبَنا ... هم واصِلين وقاطِعين سواءُ
وإذا المَحبَّةُ في الصدورِ تمكَّنتْ ... فقد اسْتوَى الإبْعادُ والإدْناءُ
ألقتْنِيَ الأيامُ من أرضٍ إلى ... أرضٍ لها أرضُ العراقِ سَماءُ
شتَّان ما بيْني وبين مَزَارِهمْ ... هيهات أين الهندُ والزَّوْراءُ
كيف احْتيالِي في الوُصولِ إليهمُ ... إن الوصولَ إليهم لَرَجاءُ
لا تركَبنْ ظهرَ الرجاءِ مَطِيَّةً ... إن الرجاءَ مَطِيَّةٌ عَوْجاءُ
وكواذِبُ الآمالِ لا تُهدَى بها ... دَعْها فتلك هدايةٌ عَمْياءُ
يا ساكنِي دارِ السلامِ عليكمُ ... مني السلامُ ورحمةٌ ودعاءُ
أين الغَرِيُّ وأهلُه وضجِيعُه ... رُوحي له ولِمَا حَواه فِداءُ
ومن مديحها قوله:
الأحمدُ المحمودُ كلُّ فِعالِه ... ما شاءَه وقضى به فقَضاءُ
فله يَدٌ وله أناملُ فِعْلُها الْ ... إحسانُ والإنعامُ والإعطاءُ
لا كالبحارِ تظَلُّ تجمع ماءَها ... بل كالجبالِ يسيلُ عنها الماءُ
مالَ الخلائقُ حيث مالَ كأنه ... شمسُ السَّما وكأنهم حِرْباءُ
يعني أنهم يتلونون معه، ولا يستقرون من الطيش على حال، كما تتلون الحرباء ألواناً مع الشمس.
والحرباء دويبة تسمى أم حبين، وتكنى أبا قرة.
ويقال حرباء الهجري لما ذكر، وحرباء تنضب، كما يقال ذئب غضا، وهو شجر يتخذ منه السهام، جمع تنضبة.
وفي شفاء الغليل للشهاب: الحرباء، جنس من العظاء، معرب حوربا، أي حافظ الشمس؛ لأنه يراقبها ويدور معها.
وفي المثل: أحزم من حربا، لأنه مع تقلبه في الشمس لا يرسل يده من غصن حتى يمسك آخر.
وإياه عنى التميمي في قوله:
لنا صديقٌ له في الغانياتِ هَوىً ... وأيْرُه لا يزال الدهرَ طَرَّاقَا
كأنما هو حِرْباءُ الهَجيرِ ضُحىً ... لا يُرسِل الساقَ إلا مُمْسِكاً ساقَا
وهو تضمين، من قول بعض شعراء الجاهلية:
أنَّى أُتِيحَ له حِرْباءُ تنْضُبَةٍ ... لا يُرسِل الساقَ إلاَّ مُمْسِكاً ساقَا
وضربه بعض العرب مثلاً للألد الخصام، الذي كلما انقضت له حجة أقام أخرى.
وضربه ابن الرومي مثلاً للقبيح.
ويضرب به المثل في كثير التقلب.
عادتْ عصافيراً بُزاةُ زمانِه ... وتصاغرتْ لجَلالهِ الكُبراءُ
منها:
حسْبي سُمُوّاً إن تكن بي عارفاً ... ما ضَرَّني أن يُنكِر الضعفاءُ
لا غَرْوَ إن لم تُفْصِح الأيامُ بي ... الدهرُ ابنُ عَطا وإنِّي الرَّاءُ
وبذا جرَى طبعُ الزمانِ وأهلِه ... دُفِن الكمالُ وأهله أحياءُ
هب لي قُصورِي واغْفِرَنْ ذنبي فما ... أنا منه في هذا الهُذاء بُراءُ
ما الجُود مخصوصاً ببَذْلِ المُقتنَى ... بل منه عندي العَفْوُ والإغْضاءُ
هذا مديح من خُلوصِ عقيدةٍ ... معلومةٍ وتحيَّةٌ وثَناءُ
قوله: الدهر ابن عطا وإني الراء يريد واصل بن عطاء المعتزلي، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، وكان يخلص كلامه من الراء، ولا يفطن لذلك؛ لاقتداره على الكلام، وسهولة ألفاظه، ففي ذلك يقول أبو الطروق الضبي:
عليمٌ بإبْدالِ الحروفِ وقامِعٌ ... لكلِّ خطيبٍ يغلبُ الحقَّ باطلُهْ
وقال فيه أيضاً:
стр. 389
ويجعل البُرَّ قَمْحاً في تصرُّفهِ ... وخالف الرَّاءَ حتى احتال للشّعَرِ
ولم يُطِق مَطَراً والقولُ يُعجِلُه ... فعاد بالغيْث إشْفاقاً من المطرِ
ومما يحكى عنه، وقد ذكر بشار بن برد: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله: أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً أو عقيلياً.
فقال: هذا الأعمى، ولم يقل: بشاراً، ولا ابن برد، ولا الضرير.
وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل المغيرية، ولا المنصورية.
وقال: لبعثت، ولم يقل: لأرسلت.
وقال: على مضجعه، ولم يقل: على مرقده، ولا على فراشه.
وقال: يبعج بطنه، ولم يقل: يبقر.
وذكر بني عقيل؛ لأن بشاراً كان يتوالى إليهم.
وذكر بني سدوس؛ لأنه كان نازلاً فيهم.
وكلف تأدية هذه العبارة، وهي: أمر أمير الأمراء أن يحفر بئرٌ على قارعة الطريق؛ ليشرب منه الوارد والصادر.
فقال: حكم حاكم الحكام أن ينبش جبٌّ على الجادة؛ ليستقي منه الصادي والغادي.
واستعمل الشعراء إسقاط الراء في أشعارهم.
فمنه قول أبي محمد الخازن، من قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد:
نعَم تجنَّب لا يوم العطاءِ كما ... تجنَّب ابنُ عطاءٍ لَثْغةَ الرَّاءِ
وقال آخر، في محبوب له ألثغ:
أجعَلتَ وصلِي الراءَ لم تنطِقْ بها ... وقطَعْتني حتى كأنَّك واصلُ
وللمترجم في مليح ألثغ في الراء:
أعِدْ لَثْغةً لو أنَّ واصلَ حاضرٌ ... فيسْمَعها لم يهجُر الراء واصلُ
عرفي الشيرازي هو في أدباء فارس، لدر الكلم في روض الطوس غارس.
وكان دخل الهند فجاس خلاله، وملأ بلاده جلالة.
وحل به محل الماء من الصديان، والروح من جسد الجبان.
فنشل ما في كنانته من المكنونات، ونثر ما في ذخائره من المخزونات.
وبها دعاه الله إليه، فلا زالت سحائب الرحمات منهلةً عليه.
ولم أقف له على شعر عربي تنقله الرواة، فعربت مفردات جعلتها حلى الأسماع والأفواه.
فمنها:
كلُّ عَزْمٍ حوَى الأنامَ هَباءٌ ... عند عَزْم العلاَّمةِ الأستاذِ
لو يكن كفُّه وحاشَاه شَمْعاً ... جذَب النارَ من حشَا الفُولاذِ
ومنها:
وَيْلايَ قد وُجِدتُ بعد ما انْمَحتْ ... مراسِمُ الشَّبِيبةِ المأْهولَهْ
فصرتُ شيخاً هَرِماً من قبل أن ... أُعاينَ الشبابَ والكُهولَهْ
من هذا:
وأرجُو أن يُعِيد رُوا شبابي ... زمانٌ غادَر الوِلْدانَ شِيبَا
طالب الآملي شاعرٌ مراميه مصميةٌ لأغراضها، وجواهر كلماته خلصت من شائنة أعراضها.
قبلة النفوس من جميع الجهات، فكل قضاياه إلى الصواب موجهات.
وقد عربت له:
لَوَ انَّ الجاهَ مخصوصٌ ... بأهل الجودِ والكرَمِ
لَخُصَّ المسكُ بالغزلاَ ... نِ حول البيْتِ والحَرَمِ
صائب واحدٌ معدودٌ بألف، جميع من تقدمه من شعرائهم متأخر مع الخلف.
لا يوتر إلا رشق رشق صائب، وأشعاره عندهم أكاليل على الجباه وعصائب.
رفعته ملوك أوانه، وباهت أهل داووينها بديوانه.
وأوسعته رعيا، وأحسنت فيه رأيا.
تييه الأقلام تحية كسرى، وتقف الآراء دون مداه حسرى.
وقد تلاعب بالمعاني تلاعب الصبا بالبانة، والصبا بالعاشق ذي اللبانة.
فكأنما قلمه مزمارٌ ينفخ الأهواء في يراعته، وعزيمةٌ تنطق مجنون الوجد من ساعته.
وقد أوردت من معرباته ما تطيش عند تخيله الأذهان، وتبطل فيه رقى الهند وتزاويق الكهان.
فمنه:
مَن لي بمَن ألْقاه من إعْجابه ... بتَتابُع الأنفاسِ دَلاً يُحْدِثُ
لولا فَنائِي عند كلِّ دقيقةٍ ... لحسِبْتني إن قلتُ آهاً ألْهَثُ
ومنها:
ما المُلْكُ بالمالِ ولا ... بالخيلِ ولا بالدَّرَقِ
إسْكندرُ الدهر فتىً ... يملِك سَدَّ الرَّمَقِ
فصل جعلته للمعربات
قديماً وحديثاً
فمن ذلك ما ذكره الباخرزي في دميته للكافي العماني:
وصحراءَ ردَّتْها الظِّباءُ حفائراً ... بأظْلافِها أحْسِن بها من حفائرِ
стр. 390
فهبَّتْ رياحٌ للصَّبا فطَمَمْنَها ... بمسكٍ فعادتْ نُزْهةً للنواظرِ
أبو علي العثماني:
غدرتَ يا من وجهُه ... قد غَدَّر المَعمُودَا
يحسُدك الصَّباحُ مذْ ... أرَيْتَه الخدودَا
تخطُر في خدودِه البي ... ضِ خدوداً سُوُدَا
وله:
مُذ قرصْت الصُّدغَ فَوْ ... قَ عارضٍ كالبدرِ
نقضْتُ ألفَ توبةٍ ... هتكتُ ألفَ سِتْرِ
حسنُك باقٍ حالةَ الصّ ... حْوِ وحالَ السُّكْرِ
في الصحوِ أبْهَى أنت أم ... في السُّكر لستُ أدْرِي
وله:
تحجَّبُ في وقتِ الحجابِ فلا تُرَى ... وتنُبت في وقتِ اللِّقاءِ من الأرضِ
وتُصْبي المَوالِي ثم تبغِي مُرادَهمْ ... وذا غايةٌ في الظَّرفِ والخُلُقِ المُرضِي
أبو محمد عبد الله الحمداني:
لولا امْتِساكِي بصُدْغَيْها على عَجَلٍ ... حُمِلتُ يوم النَّوَى في عَبْرتِي غَرَقَا
تعلُّقاً كاشْتعالِ النارِ في شمعٍ ... فلا أفُكُّ يداً أو تضربَ العُنُقَا
قال الباخرزي: قلت، قد أخطأ حيث قال: أو تضرب العنق؛ لأن ضرب العنق ليس بعلة لانفكاك النار عن الشمع، بل يزيد ذلك في العلاقة، والصواب ما قال والدي:
علِقْتُ بها كالنارِ بالشمعِ فهْي لا ... تكُفُّ يداً عنه ولو حُزَّ رأْسُها
ولوالدي فيما يقرب من هذا المعنى، وكلهم قصدوا نقل المعنى على سبيل الترجمة من الفارسية:
علِقتُ بها كاللَّظَى بالشموع ... تُميَّز عنها بإطْفائِها
أبو نصر البكسارغي:
بمَن شَغَفُ الرَّاحِ مُصْفَرَّةً ... تُراها عَراها الذي قد عَرانِي
هَبِ المِسْكَ سَوَّغها عَرْفُه ... فأنَّى لها صِبْغةَ الزَّعْفَرانِ
مثل مترجم:
قالوا إذا جمَلٌ حانتْ منيَّتُه ... أطاف بالبئْرِ حتى يهلِك الجملُ
وللطغرائي:
إنِّي وإيَّاكَ والأعداءَ تَنْصُرهمْ ... وأنتَ منِّي على ما فيك من دَخَلِ
مثلُ الغُرَاب رأََى نَصْلاً تركَّب في ... قِدْحٍ لطيفٍ قويمِ الحدِّ مُعْتدِلِ
فقال لابأسَ إن لم يأْتِه مَدَدِي ... متى يكونُ له عَوْنٌ على العملِ
فألْبَس القِدْحَ وَحْفاً من قوادمِه ... مَن ذا أَلُوم وحَتْفي كان من قِبَلِي
قال الشهاب، في طرازه: قلت، هذا نظمٌ لما في بعض الكتب الفارسية، ذكر بعضهم أن غصون الأشجار رأت فأساً ملقاةً في الرياض، فقالت: ما تفعل هذه هنا؟ فأجاب بعضها بأنها لا تضر ما لم يدخل في استها شيء مني.
وقد نظمه الشهاب، فقال:
كلُّ شيءٍ له زوالٌ ونَقْصُ ... هو من جنة القريبِ يُصِيبُ
لا يضُرُّ الأشجارَ فأسٌ إذا لمْ ... يكُ فيها من الرياضِ قضيبُ
أحمد بن محمد بن يزيد، شاعر مرو.
من معرباته:
إذا وضعتَ على الرأسِ التُّراب فضَعْ ... من أعْظَم التَّلِّ إن التلَّ فيه نفعْ
إذا الماءُ فوق غريقٍ طَمَا ... فقابُ قناةٍ وألْفٌ سَوَا
إذا لم تُطِق أن ترْتقِي ذِرْوَةَ الجبَلْ ... لعَجْزٍ فقِفْ في سَفْحِه هكذا المثَلْ
في كلِّ مستحسَنٍ عيبٌ بلا رَيْبِ ... ما يسلَم الذهبُ الإبْرِيزُ من عَيْبِ
إذا حاكمٌ بالأمرِ كان له خُبْرُ ... فقد تَمَّ ثُلْثاه ولم يصعُبِ الأمْرُ
ما كنتُ لو أُكْرِمتُ أسْتعصِي ... لا يهرُب الكلبُ من القُرْصِ
طلَبُ الأعْظُمِ من بيت الكلابِ ... كطِلاب الماءِ في لَمْعِ السَّرابِ
ادَّعى الثعلبُ شيئاً وطلَبْ ... قيل هل من شاهدٍ قال الذَّنَبْ
من مثُل الفُرْسِ سار في النَّاسِ ... التِّين يُسْقَى بعِلَّة الآسِ
هذا مرويٌّ عن كسرى، وقد نظمه أبو نواس في قوله:
صرتُ كالتِّين يشربُ الماءَ فيما ... قال كسرَى بعِلَّة الرَّيْحانِ
следующие страницы →