Полный текст (737 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
تجْرِى الأمورُ بوَفْق ما يخْتارُه ... ويُطِيعه العاصِي بكلِّ مَرامِ
فكأنما الأقْدارُ طَوْعُ يمينِه ... بعد المُهيْمن في قَضا الأحكامِ
قُطْبٌ تدور عليه دولةُ أحمدٍ ... ملَك الدُّنَا بالحَلِّ والإبْرامِ
هابَتْه أنفاسُ النفوسِ بأسْرِها ... في الناس بعد العالِم العَلَّامِ
ولِبأْسِ شِدّته الأسودُ تشرَّدتْ ... وتستَّرتْ في الغابِ والآجامِ
منها:
يلْقَاك بالبِشرِ الذي مِن نَشْرِه ... ريحُ المنى يسْرِى بطِيب مَشامِ
بخَلائِقٍ تكْسو الرياضَ خلائقاً ... فتضِيعُ رَيَّا مَنْدَلٍ وخُزامِ
ويُرِيك من رِضْوان عَدْلٍ جَنَّةً ... فيها لحَرْبِ البَغْيِ أيُّ ضِرامٍ
منها:
يا أيها الطَّوْدُ العظيمُ وصاحبَ الطَّ ... وْلِ الجسيمِ وجَوْشَنَ الإسلامِ
أُلْبِسْتَ من حُلَل الصَّدارة خِلْعةً ... قنِع الأُلَى منها بطْيفِ مَنامِ
ما دار في فَلك المُديرِ مَدارهُ ... إلا لْخبلِكِ وَدَّ دَوْرَ حِزامِ
ما أوْ كبَتْ زُهْر الدجَى بكوَاكبٍ ... إلا لنَصْرِك في ألَدِّ خصامِ
إلى أن قال في آخرها:
كتبتْ مدائحُك الليالِي أسطُراً ... تبْقَى بقِيتَ على مدى الأيَّامِ
وله:
قد جدَّد الشوق الجديدَ خيالُكمْ ... بجوارِحي وضمائرِي وسَرائرِي
فإذا نظرتُ إلى الوجودِ رأيُتكمْ ... في كلِّ موجودٍ عَيانَ الخاطرِ
وله:
قد قَّسم الحبُّ جسمي في محبَّتكمْ ... حتى تجَزَّى بحيث الجسمُ ينْقسمُ
وما تصوَّرتُ مَوْجوداً ومنعدِماً ... إلا خيالكمُ الموجودُ والعدمُ
ما إن نَثرتُ دموعَ القطْرِ من حُرَقٍ ... إلا تحقَّقْتُكم في القَطْرِ ما زعمُوا
السيد أسعد بن البتروني
ريحانة جاذبتها أيدي الصبا، فلم تزل غضة المهز من عهد الصبا وحضرة عليها للجنان صور، تشف عن كحل في عيون الغيد وحور.
صافي الطبع كالزجاج في نقائه، منتظم العشرة كالسلك إذا انتقى جوهره وجيد في انتقائه.
وهو في الأدب جامع نوادر وشوارد، يزينها بجمال المشترى وظرف عطارد.
تعودت غصب العقول نكاته البديعة، كأن لها عند كل قلبٍ من قلوب الرجال وديعة.
وكنت وأنا بالروم نعمت بدنوه، ونسمت على نسمات مودته وحنوه.
في عهد أشهى للجفن من لذة هجوعه، وألذ من بشارة الشيخ بعوده لصباه ورجوعه.
وهو من أنه جاوز العشرة التي تسميها العرب دقاقة الرقاب، كثير التلفت لجمع شمل اللهو والارتقاب.
إلى أن اعترضه آخر أمره مرض، دام إلى أن انطوى عمره، وانقرض.
وأحسب أن الله أراد به تكفير سيئاته، وتمحيصه من فرطاتٍ سلبت كثيراً من حسناته.
وقد أوردت من شعره ما أحدقت به المحاسن إحداقا، ونبه لزهرات الروض أعيناً وأحداقا.
فمنه قوله، من قصيدة كتبها إلى السيد موسى الرامحمداني:
قد حلَّ أمرٌ عَجَبُ ... شَيْبٌ بفَوْدِي يلعبُ
نجومُه لا تغرُبُ ... فأينَ أين المهربُ
أرجو بقاءً معه ... ما أنا إلَّا أشْعَبُ
هذ الشبابُ قد مضى ... وبان منِّى الأطْيَبُ
هل عيشةٌ تصْفو لمن ... قد غاب عنه المُطرِبُ
دهرٌ أرانا عجَباً ... وكلُّ يومٍ رجبُ
أندُبُ أياماُ مضتْ ... فيها صَفا لى المشربُ
في حلَبٍ بسادةٍ ... قد خدَمتْهم رُتَبُ
من كلِّ سمحٍ ماجدٍ ... تخجَل منه السُّحبُ
أفْناهُم الموتُ الذي ... لكلِّ بِكْرٍ يخطُبُ
وما بها مِن بعدهمْ ... مَن للمعالي يُنسَبُ
سوى جَهولٍ سِفْلةٍ ... عن كلِّ فَضْلٍ يُحجَبُ
وهْو إذا أمَّلْتَه ... كلبٌ عَقُور كَلِبُ
أستغفرُ الله بها ... أستاذُنا المهذَّبُ
مُوسى الذي لفضْلِه ... مُدَّ رُواقٌ مُذْهَبُ
стр. 317
حَلَّال كلِّ مُشكِلٍ ... وحاتمٌ إذ يهَبُ
وإن جرَى في حكمٍ ... تخالُ فينا يخطبُ
وقد حَوى مَعالياً ... تنْحطُّ عنها الشُّهبُ
مِن سادةٍ أحْسابُهمْ ... تنْطِق عنها الكتُبُ
مولايَ أشكُو غربةً ... طالتْ وعزَّ المطلبُ
وتحت أذْيالِ الدجى ... حامِلةٌ لا تُنْجِبُ
إلَّا بأولاد الزِّنى ... هذا لَعَمْري العجبُ
إليْكَها خَرِيدةً ... مَنالُها يُستصعَبُ
جآذرُ الرومِ لها ... تسجدُ أو تنَسَّبُ
وَاسْلمْ وَدُم في رفعةٍ ... للسَّعد فيها كوكبُ
ما حرَّكتْ مُتيمَّاً ... وَرْقاءُ حين تندُبُ
فراجعه يقوله:
ما الكونُ إلا عجَبُ ... فمنه لا يُستعجَبُ
أعمارُنا تُنتهَبُ ... يوماُ فيوماُ تذهبُ
ونحن نلهُو أبداً ... في غَفْلةٍ ونلعبُ
أوَّاهُ من يومٍ يجِي ... ءُ شمسُه لا تغرُبُ
صائلةٌ فيه المَنَى ... يا صولةً لا تغلَبُ
تخْطو على أرْواحِنا ... فأين أين المهربُ
تَبّاً لدُنْيانا التي ... لم يصْفُ فيها المشربُ
كم سيِّدٍ غرَّتْ به ... وَاراه لحدٌ أحْدبُ
للدُّودِ فيه مَرْتَعٌ ... وللهَوامِّ ملعبُ
والويلُ يومَ العَرْضِ إن ... لم ينْجُ منه المُذنبُ
ومن لَظَى نارٍ بها ... أجسادُنا تْلتهبُ
لا عملٌ يُرْجَى ولا ... غوثٌ إليه ينسَبُ
إلا الكريمُ ربُّنا ... ومن به نحْتسبُ
ثم الشفيعُ مَن إلى ... جَنابِه ننتسبُ
محمدٌ خيرُ الورَى ... مقصِدُنا والمطلبُ
الحكْمُ لله فَلّا ... يكون ما لا يكتُبُ
والخيرُ فيما اخْتارَه ... حَتمْاً علينا يجبُ
نَسْأَلُه يَبْقَى لنا ... سيدُنا المهذَّبُ
أسعدُ من ساد الورَى ... به وسادَ العربُ
جوهرةُ العِقْد الذي ... جوهرُه المنتخَبُ
نجلُ الأُلَى تجَّملتْ ... بهم قديماً حلَبُ
حِلْماً وعِلماًُ وتُقًى ... وحسبٌ ونسَبُ
يخجل من أخْلاقِه ... زَهرٌ سقتْه السُّحبُ
ومن جميلِ صُنْعِه ... له المعالي تخطُبُ
طَلْقُ المُحيَّا فكلُّه ... مُبجَّل مُحجَّبُ
ولُطْفُ أنْفاس الصَّبا ... إلى عُلاه يُنسَبُ
ومن إلى المجدِ يُجا ... رِيه فلا يُصوِّبُ
زِيد بَناناً كفُّه ... إذْ ضاق عمَّا يهَبُ
فسَيْبُ صَوْبِ جُودِه ... يخجل منه الصَّيِّبُ
لم يحْلُ خِلٌّ غيرُه ... مُودَّدٌ محبَّبُ
قلت: لم أر من وصف الإصبع الزائدة هذا الوصف البديع، وبعضهم جعلها علامة الحرص، حيث قال:
انظُر إليه لشدَّةِ الحرصِ ... زِيد بَناناً فزاد في النَّقْصِ
ومن هنا تعلم سر قولهم:
كم من زيادةٍ فيها نُقْصان فائدهْ ... كاليد تنُقصها الإصبعُ الزَّائدهْ
وكان الأستاذ أبو بكر الطبري، يقول: الزيادة تؤدي إلى النقصان، والمثل فيها جارٍ على كل لسان.
ولذلك قيل: صبوة العفيف، وسطوة الحليم، وضربة الجبان، وجواب السكيت، ونادرة المجنون، وشجاعة الخصي، وظرف الأعرابي.
ومن شعر السيد أسعد، قوله في الشيب:
أبَعْد الأربعين خِضابُ شَيْبٍ ... أرُوم به مُواصلةَ الغوانِي
وأرجو أن أكونَ به فَتِيّاً ... فهذا من أكاذيب الأمانِي
فَوا أسفِي على زمنٍ تقضَّى ... سَماعِي فيه قَهْقهةُ القَنانِي
стр. 318
السيد حسين النبهاني
أديب بشرطه، الموجب لخموله وحطه.
فما نقص من حظه، زيد في حظه.
سروجي المذهب، ذاهب في التلون كل مذهب.
لا يهبط بلداً إلا أبدى أعجوبة محجوبة، وبنى دسته على حيلةٍ منصوبة، وجدة مغصوبة.
ثم يفارقه مفارقة لبد، ويقول: " لا أقسم بهذا البلد ".
وقد رأيته بالروم وجهه أغبر، وهمه من وعائه أكبر.
يظهر كل يوم في نمط، وحيثما سقط لقط.
وعاشر ممن أعرف فرقةً رفقة، أداه خلل حاله معهم إلى فرقة وحرقة.
وتلاعبت به الظنون في ذلك الفريق، تلاعب موج البحر المهتاج بالغريق.
وبقي أنقى من الراحة، شاكيا بلسان كمده مغداه ومراحه.
وفارقته وهو منغمر في تلك الأوحال، وتبريحه ما برح وحاله ما حال.
ثم بلغني أنه انتعش، فكانت نعشته النعشة الأخيرة، وأدركه أجله الذي نفى الحكيم تقديمه وتأخيره.
وهو بارع في النظام والنثار، إلا أنه يرمى في شعره بالإكثار.
ولكون الكثير مملول الطباع، لم أذكر منه إلا نزراً سهل الانطباع.
فمنه قوله، من قصيدة في المدح:
العلمُ والحلمُ والمعروفُ والجودُ ... وكلُّ وصفٍ حميدٍ فيك موجودُ
حويْتَ ذلك إرْثاً عن أبٍ فأبٍ ... كأنكمْ في رياض المجد عنقودُ
يا مَن بِسُؤْدِده أعداؤُه شهدتْ ... وكيف لا وهو مشهورٌ ومشهودُ
ففي العَطا تُغرِق الدنيا بأجمعِها ... وفي السَّطا تتوقَّاك الصَّنادِيدُ
حاشَاك تحرِم عبداً مات من ظَمأٍ ... ومَنْهلُ الجودِ من كفَّيْك مورودُ
لا سِيَّما أن لي حقَّ الجوارِ ولي ... في كلِّ آنٍ بمَدْحي فيك تغْريدُ
وما تقادَم عهدِي في الدُّعا لكمُ ... إلاَّ ويعقُبه في الحال تجْريدُ
ولم يجاوِرْ كريماً قطُّ ذو أملٍ ... إلاَّ غدا وهْو من نعْماه محسودُ
لكنَّ حالِيَ لم يعلمْ بها أحدٌ ... إذْ لا يُحيط بها رَسْمٌ وتحْديدُ
وأنشدني نادرة الوقت المولى عارف للنبهاني، يمدحه:
أنا في التَّباعُدِ والدُّنُوّ ... أرجو لمولانا العُلُوّ
أبداً تراني رافعاً ... كفِّي إلى ربٍّ عَفُوّ
أدْعوه في سرٍّ وجَهْ ... رٍ أن يُدِيمك في السُّمُوّ
فيما يُسَرُّ به الصدي ... قُ وما يُساء به العدُوّ
يا عارفاً هو للمعا ... رفِ بالعِشيِّ وبالغُدُوّ
بل للفضائلِ والفَوا ... ضلِ والفُتوَّة والمُرُوّ
مَن دَأْبُه بَثُّ المَكا ... رمِ والحفيظة والحُنُوّ
مَن سيفُه ثُكْلُ العِدا ... ةِ وسَيْبُه حُورٌ وحُوّ
وبذكْرِه طاب المدِي ... حُ أما تراهُ في زُهُوّ
مولايَ يا مَن فضلُه ... ما إن رأيتُ له كُفُوّ
هذِي العُجالة قد أتتْ ... كَ تعوذُ من طَرْف السُّلُوّ
وتَميسُ في حُلَل الفصا ... حةِ بالملاحةِ والدُّنُوّ
نطقتْ بما يحْوى الحشَا ... لا بالتقوُّل والغُلُوّ
وهيَ التي لو رامَها ... قُسٌّ رمَتْه بالنُّبُوّ
اسلَمْ ودُمْ تسمُو على ... شُمِّ الذُّرى أسْمَى السُّمُوّ
القاضي ناصر الدين الحلفاوي
حليف أدب وأرب، وأليف جذل وطرب.
ورونق روض ناضر، وتحفه جواب حاضر.
وقد طالت في الفضل باعه، وأشربت حب الأدب طباعه.
فذهب في مجاله عرضا وطولا، وأصبح فيه وهو صاحب يد طولى.
ترد أربابه عليه، ويرجعون في دعاويهم إليه.
فتعرب براعته عن فصل خطاب، وتسفر حكومته عن ثناء مستطاب.
وهو خالص من الشوب، طاهر العرض والثوب.
نقي الشيبة، ممتزج المباسطة بالهيبة.
توفي عن سن عالية، وحالته بالرفاهية حالية.
وقد أثبت من شعره ما سهل مساقه، وأحكم في الصنعة اتساقه.
فمنه قوله من سلسلة أولها:
يا معتدلَ القَدِّ هو لوعْدك إنْجازْ ... أو طيفُ خيال يُلِمُّ نحويَ إنْ جازْ
стр. 319
ترنُو بلحاظٍ لهنَّ فعلُ مَواضٍ ... في القلبِ وتسطُو من القَوام بهزَّازْ
فالشوقُ غريمي والفكرُ فيه نَديمِي ... والدمعُ حَمِيمِي وفي اصْطباريَ إعْوازْ
لم تحْكِ مُحيَّاه فاحْتجبْ بغَمامٍ ... يا بدرُ فحِبِّي مدى الملاحةِ قد حازْ
يا عاذلاً هلاَّ تركْتني وغرامِي ... ما كنتُ لأُصغِي إلى نصيحةِ هَمَّازْ
يا من ملَك الحسنَ في الأنامِ جميعاً ... ما أسْعد صَبّاً بطِيبِ وصلِك لو فازْ
قلبِي بك لاَهٍ وعقْد صَبْرِيَ وَاهٍ ... إذْ وجهك زاهٍ وطرفُ لحظِك غمَّازْ
نظمتُ جُمَانَ البديع فيك عقوداً ... يا حُسْنَ نِظامٍ أتَى بأبْدع إبْرازْ
قسمتُ وجودِي لمَّا جمعتَ صدوداً ... والبَيْنَ فهل حلَّ ما صنعْتُ وجازْ
وقوله محاجياً:
يا كاملَ الفضْلِ في المعانٍي ... وللأحاحِي غدا يُعانِي
امْنُنْ بردِّ الجواب فضْلاً ... ما مثلُ قولي ألْمَى جَفانِي
محمد بن تاج الدين الكوراني
أديب لبيب، مليح التشبيه والتشبيب.
لحق من الأدب ما لم يلحق، وانفرد بأشياء كأنها لم تخلق.
وله المجد الطامح، إلى ما فوق الأعزل والرامح.
على انتهاضٍ بين أكفائه، وشهرة في تنبهة وإغفائه.
إلا أن عمر سروره قصير، والدهر بتفريق المجتمع بصير.
وقد أثبت له ما يقطر من ماء الظرف، وتتمتع به الروح قبل الطرف.
فمن ذلك قوله في الغزل:
طرقْتُ ديارَ الحيِّ والليلُ حالكٌ ... طُروقَ فتىً لا يخْتشِي الدهرَ من ضُرِّ
وخُضتُ بحارَ الموت والموتُ حائمٌ ... كحَوْمة نَسْرِ الأُفْق فيها على وَكْرِ
ودُستُ بِساطَ الأُجمِ عمداً وأسْدُها ... توقَّد منها الأعْيُن الحُمْر كالجمرِ
إلى أن أتيتُ الحيَّ نحو خِباءِ مَن ... أراشتْ فؤادِي من لواحظِها الفُتْرِِ
فلم ألْقَ إلا صَعْدةً سَمْهريَّةٍ ... عليها مُحيَّا منه يبدو سَنا البدرِ
عَرضتُ لها عُذْرِي وأظهرتُ ما حوَى ... جوَى مُهجتِي من مُحكماتِ هوى العُذْرِي
فرقَّتْ وراقتْ وانْثَنَتْ وتعطَّفتْ ... وحَيَّتْ فأحْيتْ مَيِّت الشوقِ والصبرِ
وجادتْ بجيدٍ للتَّداني وأرْشفتْ ... رُضاباً رَحِيقياً ينُوب عن الخمْرِ
وبِتْنا وقلبُ البرقِ يخْفِق غَيْرَةً ... علينا وعينُ النجمِ تنظُر عن شَذْرِ
البيت الأخير مضمن من رائية ابن خفاجة، وقبله:
ودون طُروقِ الحيِّ خَوْضةُ فَتْكةٍ ... مُوَرَّسَةِ السِّرْبالِ داميةِ الظُّفْرِ
تطلَّع من فَرْعٍ من النَّقْعِ أسودٍ ... وتُسْفِر عن خَدٍّ من السيفِ مُحْمَرِّ
فسِرْتُ وقلبُ البرقِ يخفِق غَيْرةً ... هناك وعينُ النجم تنْظر عن شَذْرِ
وله في معذر اصطبح الورد واغتبق بوجنتيه، وقلم الريحان مشقٌ فوق عارضيه:
بدَا بدْراً بآياتِ الكمالِ ... مليحٌ قد تفرَّد بالجمالِ
تخيَّل ناظِري في وجْنتيهِ ... مِثالاً كالعِذَارِ بلا مِثالِ
فقلتُ له وعِقْدُ الصبرِ منِّي ... لدَهْشة ناظِرِيَّ في انْحلالِ
عقيدةُ مطلبِي هل ذاك نَبْتٌ ... أَبِنْ لي قال حاشيةُ الخيالِ
قلت: هذه الحاشية، عليها خيال الخيالي على " الحاشية ".
وأول من عبر بهذه العبارة فيما أعلم ابن النبيه، في قوله:
كأن ذاك العِذَارَ حاشيةٌ ... خرَّجها كاتبٌ لنِسْيانِهْ
ثم تصرفت فيها الشعراء على حسب خيالاتهم، حتى جاء العسيلي المصري، فقال:
صحيفةُ الخدِّ التي ... للحُسْنِ فيها صُوَرُ
مُذ حُشِيتْ بعارضٍ ... لم يَبْقَ فيها نَظَرُ
ومن هنا انظر قولي، مع قول الكوراني، والعسيلي:
في حاشيةِ الكَمالِ من عارِضٍ ... دَوْرٌ وتسَلْسُل ولي فيه نَظَرْ
وقول الشهاب الخفاجي:
стр. 320
أيا قمراً زانتْ طوالِعُ حُسْنِه ... حواشِي عِذارٍ يبْهَر اللُّبَّ والفِكَرْ
فما شَانَه دَوْرٌ به وتسَلْسُلٌ ... فكَم في حواشِيها لذِي فكْرةٍ نَظَرْ
وقد دار الدور، لقضية التسلسل والدور.
فاسمع فيه قول الظريف:
لِحاظُك أسيافٌ ذكُورٌ فما لَها ... كما زعمُوا مثلَ الأراملِ تغزِلُ
وما بالُ بُرهانِ العِذَارِمُسَلَّما ... ويلْزمُه دَوْرٌ وفيه تسَلْسُلُ
وأعجب منه قولي:
نظَرِي لصُدْغك بُغْيَتِي ... فعلى مَ تمنعنِي النَّظَرْ
والمنْعُ غيرُ مُوَجَّهٍ ... فيه المَقالُ قد اشْتَهَرْ
والدَّوْرُ إن صحِب التَّسَلْ ... سُلَ ليس يخْلُو من نَظَرْ
فكن في هذا ممن لا يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من اللآلئ بمعرفة ما في الأصداف.
وللكوراني:
بدرٌ أدار على النجومِ برَاحةٍ ... شمساً فنَارتْ في كؤوسِ رحيقِهِ
شمسٌ إذا طلعَتْ كأن وَمِيضَها ... بَرْقٌ تلالا عند لَمْعِ بريقِهِ
يسْقِي وإن عزَّتْ عليه ورامَ أن ... يشْفِي لداءِ مُحِّبه وحريقِهِ
فيُديرُها من مُقْلتيْه وتارةً ... من وَجْنتيْه وتارةً من رِيقِهِ
ومن مقطعاته قوله:
مَليكُ جمالٍ أنْبت العزُّ خدَّه ... نباتاً له كلُّ المحاسنِ تُنسَبُ
فكرَّرتُ لَثْمَ الخدِّ منه لطِيبِه ... وكل مكانٍ يُنبتُ العِزَّ طيِّبُ
وقوله، مضمناً:
ومُعذَّرٍ لَدْنِ القَوامِ ووجهُه ... قمرٌ تقمَّصَ بالعِذارِ الأخْضَرِ
فُتِق العِذارُ بخدَّه فكأنما ... فُتِقتْ لكم رِيحُ الجِلادِ بعَنْبَرِ
وقوله:
عجبتُ لِمَا أبْداه وجهُ مُعذِّبي ... من الحسنِ كالسحرِ الحلال وأسْحَرُ
بوجْنتهِ ياقوتُ نارٍ توقَّدتْ ... عليها عِذارٌ كالزُّمُرُّدِ أخضرُ
وقوله:
ومُعذَّر فَتَك الأنامَ بحُسْنِه ... وسطَا بمُرْهَفِ لَحْظِه المُتنعسِ
جعل العِذارَ لشامِه مُتنكِّراً ... كيْلا يُحاط به لقتْلِ الأنْفُسِ
وقوله:
لمَّا تأمَّل بدرُ التِّمِّ عارضَه ... وقد بدا في مُحيَّا نورِه سَطَعَا
بدَا به غَيْرةً خَسْفٌ وشبَّهه ... كأنه في مُحيَّاه قد انْطبعَا
وقوله:
ومُهَفْهَفٍ كمُلتْ محاسنُ وجهِه ... من فوق غصنِ قَوامِه المُتمايلِ
وبدا طِرازُ عِذارِه فكأنَّه ... بَدْءُ الخسُوفِ ببَدْرِ تِمٍّ كاملِ
ولده أبو السعود
هو في الميلاد سليله، وفي البراعة مقدمه ودليله.
طلع طلوع الزهر من الكمامة، فتهادته أبناء عصره تهادي الشمامة.
ينشد الأدب من خصاله، كما ينشد الأنس من وصاله.
وله شعر أوقع في النفس من رجعة الشباب، وأسوغ من سلافة الكأس طفى عليها الحباب.
أثبت منه ما يقع موقع الماء من ذي الغلة، ويفرح فرح الشفاء لصاحب العلة. فمنه قوله، من قصيدة:
أجَلْ إنها الآرامُ شِيمتُها الغدْرُ ... فلا هجرُها ذَنْبٌ ولا وَصْلُها عُذْرُ
ففُز سالماً من فَرْطةِ الحبِّ واتَّعِظْ ... بحالِي فإن الحبَّ أيْسرُه عسرُ
وقد هاجَنِي في الأيْكِ صَدْحُ مُغرِّدٍ ... به حلَّتِ الأشجانُ وارْتحل الصبرُ
يُذكِّرني تلكَ الليالي التي مضتْ ... بلَذَّةِ عيْش لم يشُبْ حُلْوَهُ مُرُّ
سُقِيتِ ليالِي الوصلَ مُزْنَ غَمامةٍ ... فقد كان عيشِي في ذَراكِ هو العمرُ
فكم قد نعِمْنا فيكِ مَعْ كلِّ أغْيَدٍ ... رقيقِ الحواشِي دون مَبْسمِه الزَّهْرُ
لقد خَطَّ ياقوتُ الجمالِ بخدِّه ... جداولَ من مِسْكٍ صحيفتُها الدُّرُّ
منها:
وروضٍ بها جَرَّ الغَمامُ ذُيولَه ... فخرَّ له وَجْداً على رأسِه النهرُ
وقد أرْقدَ الأغصانَ تغْريدُ وُرْقِه ... وأضْحك ثغرَ الزَّهرِ لمَّا بكى القَطْرُ
стр. 321
وضاع به نَشْرُ الخُزَامَى فعطَّرتْ ... نسيمَ الصَّبا منه ويا حبَّذا العِطْرُ
بدائعُ من حُسْن الربيعِ كأنَّها ... إذا ما بدتْ أوصافُ سيِّدنا الغُرُّ
ويستحسن له قوله:
كأنما الوجهُ والخالُ الكريمُ به ... مع العِذارِ الذي اسْوَدَّتْ غَدائرُهُ
بيتُ العتيقِ الذي في رُكْنِه حَجَرٌ ... قد أُسْبِلتْ من أعالِيه ستائرُهُ
أخذه من قول سيف الدين المشد:
يامَن عِذارُه وأصْداغُه ... حدائقٌ هِمْتُ بأزْهارِهَا
لو لم يكنْ خَدُّك لي كعبةً ... لَما تعلَّقتُ بأسْتارِهَا
إلا أنه زاد فيه تشبيه الخال بالحجر.
ولقد أجاد يوسف بن عمران، في قوله يصف أرمد:
حين خُبِّرتُ أن في الطَّرْفِ منه ... رمَداً زاد في ذُبولِ المَحاجِرْ
جئتُ كيْما أزورَ مِن وَجْه بَدْرِي ... كعبةَ الحسنِ تحت سُود السَّتائرْ
محمد بن أحمد الشيباني
ذو الرأي الأصيل، وواحد النجابة والتحصيل.
مساعيه منيفة شريفة، وخلائقه كأنها روضةٌ وريفة.
ترف النضرة فيه من كمامه، ويكرع الظمآن من آدابه في غمامه.
وأرَى رقيق المدحِ يخدم نَعْتَهُ ... فلَذاك أضْحَى كلُّ نَعْتٍ تَابِعَا
وقد أثبت له ما اتخذ النجوم الزهر من فريقه، وجاء ممتزجا بمدام الساقي وريقه.
فمنه قوله، من قصيدة أولها:
حتى مَ لَيْلِي بالتَّجنِّي ألْيلُ ... وإلى متى إدْبارُ صُبحى مُقبِلُ
ما لي أرى هذِي النجومَ تحيَّرتْ ... أَأَضَلَّتِ التَّسْيارَ أم لا تعقل
أم أسْكر الفلك الأصيل فأُقْعِدتْ ... عن سيْرِها أم بالبُروق تسَلسَلُ
يا قِبْلتي في حاجبَيْك نواظرِي ... آياتُ نُورٍ للصلاةِ تُرَتَّلُ
ما كان أحْسَن لو عطفْتِ ولم أقُلْ ... ما كان أقْبَح هَجْرُ مَن هو أجْملُ
قلبي الكِمامُ وأنتِ فيه الزَّهْرُ هل ... يُرضِيك بيتُك بالتجنِّي يُشْعَلُ
من مديحها:
فالدهرُ إن رقَم الأُلى في صفحةِ الْ ... أيامِ فهْو لها حسابٌ مُجْمَلُ
يا خيرَ من فاق الأُلى في عصرِه ... أنتَ الأخيرُ وفي الفضائل أوَّلُ
بك أن يهنَّى العبدُ فهْو حقيقةٌ ... ولك الهناءُ بها مجازٌ مُرْسَلُ
وقوله من أخرى مستهلها:
أما والهَوَى لو أوْضحَ العُذْرَ كاتمُهْ ... لأقْصرَ لاحِيه وأحْجَم لائمُهْ
ولو خبَّرُوا ظَبْيَ النّفارِ بحالتي ... لآنَس لكنْ مُسْهَر الجَفْن نائمُهْ
برُوحِي وأيُّ الرُّوحِ أبقى ليَ الهوَى ... غزالاً حلَتْ لِي في هواه عَلاقِمُهْ
رقيقُ الحَواشِي كادَ من لُطْفِ عِطْفِه ... يُمَنْطِقُه من رِقَّة الخَصْرِ خاتمُهْ
ترَاءَت لمِرآةِ الخدودِ جفونه ... فظَنّ نباتاً فوق خَدّيْه شائِمُهْ
كأن حسابَ الحسنِ كان مُفرَّقاً ... فجمَّعه في طِرْس خدّيْه راقِمُهْ
كما جمَّع الأفْضالَ والمجدَ والنَّدَى ... إمامُ الهدى مولَى الزمانِ وعالِمُهْ
منها:
فيا نَجْمَ أُفْقِ الفضلِ بل شمسَه التي ... أنار بها من غَيْهبِ الجهلِ قاتمُهْ
تهنَّ بعِيدِ النحرِ يا خيرَ ماجدٍ ... تهنَّتْ به أعْيادُه ومواسِمُهْ
ودونَك غَرَّاءَ القوافِي كأنها ... إذا أُنْشِدتْ رَوْضٌ تغنَّتْ حمائمُهْ
بها ما بجسْمِي من هوَى الغِيدِ رِقَّةً ... لذلك نمَّتْ بالذي أنا كاتِمُهْ
لك الخيرُ هل مُسْتَكثَرٌ شعرُ شاعرٍ ... أُنِيطتْ على نظمِ القريضِ تمائمُهْ
أراني إذا ما قلتُ شعراً تنكَّرتْ ... وُجوهٌ وعابَتْهُ عليَّ أعاجمُهْ
لئن جهِلوا نثْراً فإنِّي بَدِيعُه ... أو اسْتحسنوا نَظْما فإنِّي كشَاجِمُهْ
стр. 322
فدُمْ وابْقَ واسلَمْ لابْن شيْبانَ مَلْجَأً ... تَشِيد من العلْياء ما الدهرُ هادِمُهْ
فقد مدَّتِ العَلْيا عليك ظلالَها ... وحيَّتْك من ثغْرِ الربيعِ مَباسِمُهْ
حسين بن مهنا
أديب فصيح المقال، مرهف طبعه غنيٌ عن الصقال.
اقتطف القول جنياً، وتناول كأسه سائغاً هنياً.
ولد بحلب، وتقلب في النعم أكرم منقلب.
وتكررت منه إلى دمشق الوفادة، فجلا بها عن صبح الإفادة والاستفادة.
واكتسب تلك الرقة التي تحسدها رقة الصبا، من امتزاجه بأبنائها امتزاج الماء الزلال بالصهبا.
فخطبته الحظوة، وما قصرت له الخطوة.
ودرجته الأيام والليالي، إلى أن صار بخطابة سليميتها المقدم وخلفه المصلي والتالي.
ثم أقلع إلى مسقط رأسه، ومنبت غراسه.
وبها تلاحق به الحمام، فكان من ترابها البداية وإليه التمام.
وقد أثبت له ما تتخذ سطوره ريحانا، وترجع ألفاظه ألحانا.
فمنه قوله:
أنُسيْمةً بالطَّلِّ تنْدَى ... باللهِ إن وافيْتِ نَجْدَا
فتجمَّلي للِقا الحبي ... بِ وشمِّري بالجِدِّ بُرْدَا
وتحمَّلي في طَيِّه النَّ ... شْرَ النَّدِيّ عدِمتِ نِدَّا
وتعهَّدي بَثَّ الهوى ... بل يَمِّمي في السَّيْرِ وَخْدَا
وإذا وصلتِ إلى الشآ ... مِ وفاح نادي الروضِ نَدَّا
أدِّي أَلُوكةَ مُغرمٍ ... ما خان للأحبابِ عهدَا
منها:
أوَّاه طِيبُ العيش أيْ ... ن بظلِّكم والصَّفْوُ نَدَّا
مرَّت لياليَ فيه مُرُّ ... السُّهْدِ قد ذُقْناه شُهْدَا
من يوم فارَق ناظرِي ... ذاك الجمالُ عدِمتُ رُشْدَا
وبقِيتُ في قومٍ رأَوا ... كلبَ الغَنِيِّ يفُوق أُسْدَا
عقلوا وما عقَلُوا فلِي ... عن حبِّهم مَسْرَى ومغْدَى
لذَوي المعالي والمعا ... رفِ والكمالِ أجِدُّ جِدَّا
فأحُوز منهم ما ينا ... ل به الفتى شرفا ورُشْدَا
لكنَّ أين العَنْدَلي ... بُ رقى من الأفْنان مُلْدَا
غنَّى له لما سقَى ... في دَوْرةِ الدُّولاب وجْدَا
فشدَا على ورد الريا ... ضِ فأحْرق الأحشاءَ وَقْدَا
ورأيتُ ذاتَ الطَّوقِ أبْ ... دتْ مثلما قد كان أبْدَى
أترى الزمانَ يُعيد لِي ... في عَوْدِ من أهْواه رِفْدَا
يا دهرُ خُذْ رُوحِي إذا ... بشَّرْتَني سَلَفاً ونَقْدَا
وقوله:
وحقِّ ليالٍ قد مضَيْنَ عفائفاً ... وحُرْمةِ أيامٍ مضتْ بصفَاءِ
لأنْتِ بسَوْداوَيْن قلبي وناظِري ... وذكرُك وِرْدِي بُكْرتي ومَسائِي
وإنِّي على العهدِ الذي كان بيننا ... مُقِيمٌ على وُدِّي وحُسْنِ وَفائِي
وقوله مضمنا:
فُتِنتُ بظَبْيٍ أهْيَفِ القَدِّ فاتنٍ ... بعينٍ لها عن قَوْسِ حاجِبه جَذْبُ
صبَوْتُ به لما رأيتُ جمالَه ... ومَن ذا يرى هذا الجمالَ ولا يصْبُو
وقوله:
كأنما الخالُ قُرْبَ الثغر مِن رَشَأٍ ... مُعذَّرٍ راشِقٍ سهماً من المُقَلِ
شُحْرورُ وردٍ أراد الوِرْدَ ثم أرى ... صِلاًّ يدور حَواليْه فلم يصِلِ
حام فيه على معنى الحرفوشي في قوله:
كأنما الخالُ فوق الثغرِ حين بدَا ... وقد غدَا فِتْنةَ الألْباب والمُقَلِ
هَزارُ أيْكٍ سعَى من روضةٍ أُنُفٍ ... لمَنْهَلٍ راجياً رَيّاً فلم يصِلِ
وله ملغزا في شعير:
ما اسمُ شيءٍ من النَّبات إذا ما ... زال حرفٌ منه غدا حيَوانَا
رُبْعه معدِناً تراه وشمساً ... وترى فيه جَهْرةً إنسانَا
وبتصْحِيف بعضِه فهْو نارٌ ... وتُروِّي من بعْضِه الظمآنَا
محمد بن عبد الرحمن
درة مغفلة، وخزانة مقفلة.
ولولا أني ظفرت باسمه عفوا، ووردت من منهل أدبه الفياض صفوا.
стр. 323
لبقي محجوباً عن العيان، ونسجت عليه عناكب النسيان.
ورأيت فضله كمن في إهابه، وبراعته دثر رسمها به.
وهو مطبوع الطبع على النظم، إلا أنه إذا نظم جاء بالمخ والعظم.
وولعه بأوابد الكلام، كولعه بشوارد نفثات الأقلام.
ولا بد مع الرطب من سلاء النخل، ومع العسل من إبر النحل.
فقد أوردت له ما تحمده عليه، وتترك لأجل ممدوحه تفويق سهم الانتقاد إليه.
فمنه قوله من كافيّة:
خَلِّ العوانِسَ ذاتَ الخَبِّ والرَّتَكِ ... تسْرِي بنا بِبُجور الْآلِ كالفُلُكِ
تعْلُو الحزُون فلا فُلَّتْ مَناسِمُها ... ةلا يُغِبَّنَّها وِرْدٌ بمُشتركِ
ولا عَداها هَطُولُ المُزْنِ في فَيْفٍ ... ولا أُحِيدتْ من الحوماءِ في شَرَكِ
حتى تجُوبَ الفَيافِي والوِهادَ وتسْ ... تِقلَّ في مَرْبَعٍ بالبِرِّ مُحْتبِكِ
حيثُ المَلاذُ المُرجَّى المجْتَبى قِدماً ... المُصطَفى مُنقذُ العاصِي من الدَّرَكِ
حامِي حِمى الدِّين مَن شَأْواه قد رُفِعتْ ... على العُلَى حيث حُطَّت دُرَّةُ الفلَكِ
مَن قد سَما وسَما من فوق كل سَما ... حتى وطِي بشُسُوعٍ ربَّةَ الحُبُكِ
محمدٌ أحمدُ المحمودُ خيرُ فتىً ... له فَخارٌ عَلا بالفضل كلَّ ذَكِي
وقوله من أخرى:
أحسنُ من بَهْجة نَوْحِ الحمامْ ... وسجعِ وَرْقاءَ بمتْن البَشامْ
وصَدْحِ قُمْرِيٍّ شَجِيٍّ عَلَى ... خَمِيلةِ الضَّالِ وأثْلِ الخُزامْ
ومن صفِيرٍ صاتَه بُلْبُلٌ ... على قضيبٍ مائِدٍ وهْو سامْ
وشَدْوِ شُحْرورٍ فصيحِ اللُّحونِ ... مُعْتجمِ اللفظِ دَغِيمِ الكلامْ
ودَوْحةٍ قد أنْبتتْ زهرَها ... ترُوق للناظرِ في الانْتظامْ
وطَلِّ أنْداءَ بأوْراقِه ... تنْثُره فيه غَوادِي الغَمامْ
وأرْقمٍ تنْسِج أيدِي النَّسا ... ئمِ مَوْجا له كفِرِنْدِ الحُسامْ
وقَهْوةٍ حَلْبِ عصيرٍ غدَا ... يسعَى بها ساقٍ كبدرِ التَّمامْ
ومُطْربٍ قد شَدَّ أطْباقَه ... وحَرَّك العودَ وأبْدى النَّغامْ
ومن هوَى حسْناءَ رُعْبُوبةٍ ... قد كُحِّلتْ أجفانُها بالسَّقامْ
مليحةٍ تُخْجل غصنَ النَّقا ... وتَسلُب اللُّبَّ بِلِين الكلامْ
أحسنُ من هذا وذا كلِّه ... وكلِّ ذي حُسْن به يُسْتَهامْ
مَدْحُ النبيِّ المصطفى أحمدٍ ... مَن قد أتى رحمة للْأنامْ
محمد بن الشاه بندر
هو من حين تحيز، بنعمةٍ بأدواتها تميز.
تغاديه النشوة وتراوحه، وتناوحه أنفاس القصف وتفاوحه.
فنبغ ونجب، وقضى من حق التحصيل ما وجب.
وفتق ثناءً كالمسك صدراً ووردا، وتخلق بخلق كالماء الزلال عذبا وبردا.
فوجه أدبه شادخة غرره، وسلك نظمه متسقة درره.
وهذه قطعة من شعره، تعلم منها أنه أوتي الإصابة، واستحق أن ينوه به بين هذه العصابة.
وهي قوله:
ذَرِ الصدَّ إني لستُ أقوى على الصدِّ ... وعُدْ للذي عوَّدْتَني منك من وُدِّ
فِطامِيَ عن ثُدْيِ الوَلا مُتمنِّعٌ ... وطِفلُ نُزوعِي لا يُعلَّلأ بالمَهْدِ
حَنانَيْك ما هذا التجنِّي فإنني ... لفي نُكرٍ من مَزْج هَزْلِك بالجِدِّ
لئن يكُ شَطَّ الوَهْمُ عنِّي لهفْوةٍ ... فعَدِّ وعُدْ وابْشِر فغُفْرانُها عندِي
وحقِّك لم أحسَبْك قطُّ مُفارِقي ... ولم يكُ ظنِّي فيك خُلْفَك للوعْدِ
فكيف تُنائِي وَيْحَ غيرِك هاشماً ... حَباك بمَحْض الودِّ في القربِ والبعدِ
فوا لَهَفي لو كان يُغنى تلُّهفِي ... ووا أسَفِي إذ صرتُ أبْطأَ من فِنْدِ
فما هكذا عهْدي بفَقْدِك أُلْفَتِي ... أأحدَثْتُ أمْراً لم يكن منك في عَقْدِ
стр. 324
لقد كنتَ لي حسَبَ اقْتراحِي ومُنْيَتي ... مُفْدّىً إذا اشكو وأنتَ الذي أفْدِي
مُجيباً بمطْلوبٍ مُلَبٍّ بدعوةٍ ... مُراع بمَرغوبٍ سريعا إلى رِفْدِي
فماذا عسى أنْكرتَ منِّي وما الذي ... أباحَك تعْذِيبي وقتْلي على عَمْدِ
أراك وقد خلَّفْتني ذا لَواعِجٍ ... من البَيْن ذا قلبٍ أشَدَّ من الصَّلْد
لمن صِرْتَ لا زَلَّت بك النَّعْلُ غادِياً ... حلِيفاً وذا أهلٍ وقد كنتَ لي وَحْدِي
فيا ناسياً للوُدِّ إنِّي ذاكرٌ ... ويا ناقضَ المِيثاق إنِّي على العهدِ
أبى اللهُ أن أرعَى ذِمامَك جاهداً ... وتُبْخسَني حقِّي وتُكثِر في جَهْدِي
فلا كان لي قلبٌ لغيرك جَانِحٌ ... ولا صحِبَتْني مُقلةٌ فيك لا تُنْدِي
فقدْتُك إبراهيمٌ فُقْدانَ آدمٍ ... على دَعَةٍ من أمرِه جنةَ الخلدِ
أُعلِّل قلْباً لا يحيل تعِلَّةً ... به عنك ذَا تَوْقٍ جزيلٍ وذا وَقْدِ
وأُنْشِد بيتاً سالفاً حسبَ لوعتي ... إذا هاج تَهْيامِي وقد فاتني قصْدِي
لعلَّ الذي أبْلَى بهجْرك يا فتى ... يردُّك لي يوماً على أحْسَنِ العهدِ
أقلِّبُ طَرْفي لا أراك فينْثَني ... بوابِلِ دمعٍ كالجُمان على خَدِّي
ودَدْتُك تدرِي ما الذي بِي من الجوَى ... عسى كنتَ تَرْثِي لي من الهمِّ والوجدِ
أما تذكُرَنْ ما دار بالوصلِ بيْننا ... أبارِيقَ لَذَّاتٍ ألذَّ من الشُّهْدِ
لأيَّةِ حالٍ قد تناسيْتَ خُلَّتِي ... وكيف اسْتجزْتَ الهجرَ والنَّكْثَ للعهدِ
سلامِي على اللَّذاتِ بعدك والهوَى ... وحلوِ التَّصابي والتَّشُّوقِ للمُرْدِ
فيا ليتَ شعرِي مَن تبدَّلْتَ بي ومَن ... غدا حاسدِي في القرب بالبَيْن تسْتعْدِي
فما أمُّ خِشْفٍ راعَها حبلُ صائدٍ ... فأذْهَلها عنه وغابتْ عن الرُّشدِ
تَحِنُّ فتسْتهْدِي الأسودِ لِغابِها ... فلا أثراً تلْقَى ولا هادِياً يهْدِي
بأفْجعَ منِّي حين فارقتُه ضُحىً ... حليفَ أُوارٍ لا أُعِيدُ ولا أُبْدِي
لئن كنتَ أخلفتَ العهودَ وخُنْتَ بالْ ... مَواثيقِ عن جهلٍ ومِلْتَ عن الرشدِ
فحبُّك في قلبي وذكرُك في فمِي ... وأنت بعيْني ما حَيِيتَ إلى اللَّحْدِ
قوله " أبطأ من فند " مثل.
وفند هذا مولى عائشة ابنة سعد بن أبي وقاص، وكان أحد المغنين المحسنين، وكان يجمع بين الرجال والنساء.
وله يقول ابن قيس الرقيات:
قل لفِنْدٍ يشَيِّع الأظْعانَا ... طال ما سَرَّ عيشَنا وكَفانَا
وكانت عائشة أرسلته يأتيها بنار، فوجد قوماً يخرجون إلى مصر، فخرج معهم، فأقام بها سنة، ثم قدم فأخذ ناراً، وجاء يعدو، فعثر وتبدد الجمر، فقال: تعست العجلة.
وفيه يقول الشاعر:
ما رأيْنا لِغُرابٍ مثَلا ... إذ بعثْناه يجِي بالمِشْمَلَهْ
غيرَ فِنْدٍ أرْسلوه قابساً ... فثَوَى حولاً وسبَّ العجَلَهْ
المشملة: كساء يجمع المقدحة وآلاتها.
وقالبعضهم المشملة، بفتح الميم، وهي مهب الشمال، يعني الجانب الذي بعث نوح ﵇ إليه الغراب؛ ليأتيه بخبر الأرض أجفَّت أم لا، فاشتغل بجيفة رآها في طريقه، وفيه يقال: " أبطأ من غراب نوح ".
صالح بن قمر
هلال نجابته يعد بأقمار، وفيه وفي نباهته أحاديث وأسمار.
كتب وقيّد بخطه الكثير، ونظم ونثر فجاء بالدر النظيم واللؤلؤ النثير.
وقد أوردت له ما تستبدعه، وتحفظه في خزانة النفس وتستودعه.
فمنه قوله:
يا مقلةَ الحِبِّ مهلاً ... فقد أخذتِ بِثارِكْ
وأنتِ يا وجنتيْه ... لا تحْرقيني بنارِكْ
فقد كفاني لهيبٌ ... أصابني من شَرارِكْ
стр. 325
هيهات أنْجُو سليماً ... من بعد خَطِّ عِذارِكْ
وخالُك الخال غالٍ ... لوقْعةٍ في نُضارِكْ
وثغرُك العذبُ فيه ... لنا غِنىً عن عُقارِكْ
وقَدُّك الغُصْنُ لكن ... لا يُجْتنَى من ثمارِكْ
أنت الذي ما رأيْنا ... في حُسنِه من مُشارِكْ
فارفُق بصَبٍّ عليلٍ ... أفْناه بُعْدُ مَزارِكْ
إلى متَى تتْرُكَنِّي ... أرْعَى نجومَ انْتظارِكْ
وكم على ليلِ ضَعْفِي ... تسْطُو بجَوْرِ نهارِكْ
إن كان يُرضيك قتْلي ... عَمْداً بحُسْن اخْتيارِكْ
فذَاك صَبٌّ عمِيدٌ ... في ساحةِ الذلِّ بارِكْ
ولم يزلْ في التَّصابِي ... بالصبرِ فيك يُعارِكْ
عسى يلُوح صَباح الرِّ ... ضَا له من ديارِكْ
وتشمل الصَّبَّ قُرْباً ... من بعد طولِ ازْورارِكْ
فجُدْ وسامحْ وواصِلْ ... واعطِفْ وعجِّل ودارِكْ
صالح بن نصر الله المعروف بابن سلوم
رئيس الأطباء للسلطان محمد ونديمه الذي صح به تركيب الزمان، ووفى له الأمل بالضمان.
تقدم في حلبة النبلاء بحلب، ودر له ضرع الأماني فحلب.
طالما وفى العيش حقه بمنادمة يهتز لها مرحاً عطف الشباب، وسقى السمع كأس محاورة ترقص السامعين رقص الحباب.
حتى تقضقض آبنوسه، وأشرف عناه وبوسه.
فأنف الإقامة في حيه وربعه، ودعاه إلى الرحلة حب الرياسة المركوز في طبعه.
فرحل إلى دار السلطنة العالية، وحل منها محل العافية من الأبدان العافية البالية.
واتفق إثر وصوله وصول خبره للسلطان فاستدناه، وصيره رئيس أطبائه وندمائه فبلغه من وفور الجاه ما يتمناه.
وتبدلت نحوسه سعودا، وأنجز له الدهر الضنين وعودا.
فأبرز من نفيس صنعته ما لم تتنفس به لهوات ابن النفيس، وشفى عليل صدور الملهوفين ولا بدع ف " الشفاء " للرئيس.
وبالجملة فجمل فضائله مما تقصر عن وصفه جمل العبارات، وإذا وقعت لذات الفضل إشارات فلذلك الرئيس تلك الإشارات.
وله في الأدب روايةٌ طال بها باعا، ودرايةٌ أبرأ بها من مرض الزمان قلوباً وطباعا.
ولم أقف له إلا على بيتين أجد معناهما، ولم تتمتع أذن سامعٍ بغيرهما في معناهما.
وهما قوله:
سقانيَ مَن أهوَى كلوْنِ خدودِه ... مُداماً تُرِي سرَّ القلوب مُذاعَا
ومُذ شبَّب الإبريقُ في كأسِ حانِنا ... أقامتْ دراويشُ الحَباب سَماعَا
مصطفى الزيباري
هو في هذه لحلبة، كالعقد النفيس في اللبة.
وله جامعية فنون تربو على الحصر، وفضائل لا يستطيع جحودها نبهاء العصر.
لكنه أتى الدهر وقد هرم ن فلم يترو زهير روضه بمثل ندى هرم.
فهو يشتكي زمناً بعيد الإحسان، لا يستجلبه ولا دعوة الغيد الحسان.
وينظم الشعر لا فاقة، ما له منها إفاقة.
بجدٍ أمضى من النصل، وهزلٍ أحلى من الوصل.
وقد ذكرت له ما يستلذ وصفه الوصاف، والقول له أنه غايةٌ في بابه من الإنصاف.
فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها البهائي:
هي الشمسُ إن حيَّى بها الأوطَفُ البَدْرُ ... فخُذْها هنيئاً لا مَلامٌ ولا وِزْرُ
دهاقاً دَهاقاً غيرَ عانٍ فإنها ... إذا صافحتْ ذا عُسْرةٍ حَلَّه اليُسْرُ
ولا تخْشَ إمْلاقاً فإن حَبابَها ... فرائدُ ياقوت وذائبُها تِبْرُ
ولا تعتبرْ قولَ المُعيبين صَحْبَها ... فأَتْرابُها زُهْرٌ وأكوابُها زَهْرُ
وقُل لمدير الرَّاح سِرَّاً وجَهْرةً ... ألا فاسْقِنِي خَمْراً وقل لي هي الخمْرُ
ومكْسُولةِ الألْحاظ معْسولةِ اللَّمَى ... تَخال بها قَطْر النَّباتِ ولا قَطْرُ
لها لَحظاتٌ تسلُب اللُّبَّ والحجَى ... وما فارقتْ جَفْناً وهذا هو السحرُ
وجيدُ مَهاةٍ بل غزالٍ كأنه ... عَمُود لُجَيْنٍ فوقه بَزَغَ البدْرُ
стр. 326
وليلٍ كبحرٍ خُضْتُ أمواجَ جُنْحِه ... على سابحٍ عن سَيْرِه قصَّر النَّسْرُ
أكَفْكِف أذْيالَ البوادِي تعسُّفاً ... ولا يرْعَوِي إن راعَه الضربُ والزَّجْرُ
كان أبا الفضلِ البهاءَ محمَّداً ... لنا حيث سِرْنا من صباحتِه فَجْرُ
وقوله من أخرى، مطلعها:
أأيَّتُهنَّ إذْ تبدو نَوارُ ... صَدُوف أم كَنُود أم نَوارُ
بعيشِك هل سمعتَ فما سمعْنا ... بآرامٍ وليس لها نِفارُ
برَزْنَ من الخدورِ مُحجَّباتٍ ... ومحمودٌ من البدرِ السِّرارُ
طَلعْنَ عليك ثم خَنَسْنَ عُجْباً ... كذلك تفعل الغُرُّ الجِوارُ
حَذارِ لواحظاً منهن دُعْجاً ... فمقْتول الهوى منها جُبارُ
وبِي منهنَّ أُمْلُودٌ رَدَاحٌ ... نأتْ عنِّي وقد شطَّ المَزارُ
لقد غدرت أُخَيَّ وغادرتْني ... وحيداً لا أزور ولا أزارُ
وأنشد له السيد عبد الله الحجازي، يهجو قرية أوارين:
ولو أن لي في كلِّ وقتٍ وساعةٍ ... بقريَة أوّارينَ ما أتمنَّاهُ
لقُلت خليليَّ ارْحلا بي عن التي ... تُكثِّر أوْصابِي فلا بارك اللَهُ
مصطفى بن محمد بن نجم الدين الحلفاوي
خطيب وابن خطيب، وعبير مستفاد من مسك وطيب.
تناول المجد كابراً عن كابر، واستفاده ما بين أسرة ومنابر.
وهو من قوم رقوا عن الدرج، وأمن مادحهم من الاعتراض والحرج.
لأياديهم فتحت بالثناء أفواه الأعلام ولأقدامهم طأطأت رؤوس المنابر والأقلام.
لم تزل النجابة فيهم نسقاً على نسق، وإذا لاحت وجوههم أضاءت بالليل وما وسق.
وأنا إذا أمسكت عن ذكرهم لساناً رطيباً، فقد قام اشتهارهم عني في الآفاق خطيباً.
وقد نبغ منهم هذا الندب كما شاءت العلى، فجاء متحلياً من الفضائل الغر بأفخر الحلى.
وقد عرف فيه الرشد، من حين وضع في اللفافة وشد.
إلا أنه اخترمه الأجل وغصنه يانع، وليس له عند التوسع في الملآثر مانع.
وقد أنشدني بعض الأدباء له بيتين، جئت بهما في هذا المحل مثبتين.
وهما قوله:
قالوا سَلاَ قلبُه عن حبِّهم وغدا ... مُفرَّغَ الفكرِ منهم خاليَ البالِ
قلتُ اثبِتُوا أن لي قلباً أعيشُ به ... ثم اثْبِتُوا أنه عن حبِّهم سالِي
وهذا معنى حسن، وقلت فيه من قطعة:
وظننتَ قلبي سالياً ... أتركْتَ لي قلباً فيسْلُو
وقلت أيضاً:
قال تسَلَّى وقد جفانِي ... ونام عن صَبْوتي وحُبِّي
صدقتَ بالقلبِ كنتُ أهوى ... ما حِيلتي إذ أخذتَ قلبِي
والأصل فيه قول بشار:
عَذِيرِي من العُذَّالِ إذ يعْذِلونني ... سَفَاهاً وما في العاذلين لبيبُ
يقولون لو عزَّيْتَ قلبَك لارْعَوَى ... فقلتُ وهل للعاشقين قلوبُ
ومثله لابن الوضاح المرسي:
يقولون سلِّ القلبَ بعد فِراقِهمْ ... فقلتُ وهل قلبٌ فيسْلو عن الحبِّ
وللعرجي ما هو منه ولا يبعد عنه:
وزعمتِ أن الدهر يُقْنِعني ... صبْراً عليك وأين لي صبرُ
وللبهاء زهير:
جعل الرُّقادَ لي يُواصل مَوعِداً ... من أين لي في حبِّه أن أرْقُدَا
وللبوريني:
يقولون في الصبحِ الدعاءُ مُؤثِّرٌ ... فقلتُ نعم لو كان ليلِي له صبحُ
وللشهاب الخفاجي:
يقولون لي لم تُبْقِ للصلحِ مَوْضِعاً ... وقد هجرُوا من غير ذَنْبٍ فمَن يُلْحَى
صدقْتُم وأنتُم للفؤادِ سلَبتُمُ ... وماليَ قلبٌ غيره يطلُب الصُّلْحَا
محمد بن محمد البخشي
من أفراد العلم الكبار، الحسان الآثار والأخبار.
وكان من سمو القدر، واتساع الصدر، ونببل الهمة، ورعى الذمة.
في حدٍ ما وراءه مطمع، ولا يتقرط بمثل خبره مسمع.
إلى تقوى باطنه معمور، وقناعة موطنه ببركاته مغمور.
وإيثار بما ملك، ووقارٍ يتبعه أنى سلك.
توازن به السحب الهواطل إذا حبا، ولا ترضى أن تشبهه الجبال الروازن إذا احبتى.
стр. 327
صحبته بالروم فشاهدت ملكاً في صورة إنسان، مطبوعاً على الخير فما يشاب بشرٍ ولا يشان.
فما شرته محباً له محبة الصحابي للسنة، وفارقته فتلهفت عليه تلهف آدم على الجنة.
أنسى الأيام وأذكره، وأذك مكارمه فأشكره.
وهاجر آخر أمره إلى مكة، فكان بها سحاباً ماطراً، ونسيماُ إذا هب هب عاطراً.
فأقبل أكثر أهلها عليه، وسلموا زمام انقيادهم إليه.
ووردوا مشرع وفاقه، وانتظموا في سلك رفاقه.
ثم لم يلبث أن دعاه الكريم إلى داره، فتولاه عفوه بمنهله ومدراره.
وكان أملى علي من أشعاره قطعاً سهلة، ربما حفظتها لجودتها من أول وهلة.
فلم أعلقها في دفتر اعتماداً على الحفظ مني، ولم أدر أن الأيام وشواغلها تنفرها عني.
ثم وقفت له بمكة على قصيدة فتعلقت بها وجعلتها من المعلقات، وأنا من عهدها شغفٌ بترديدها حرصاً على تذكر تلك العلاقات.
والقصيدة هي هذه، قالها في مدح الشريف أحمد، وأخيه الشريف سعد ابني زيد، وهما بدار الخلافة:
خليليّ إيهٍ عن حديث صَبا نَجْدٍِ ... وإن حركت داءً قديماً من الوَجْدِ
فآهاً على ذاك النَّسِيم تأسُّفاً ... وآهٌ على آهٍ تروِّح أو تُجْدِي
عليلةُ أنْفاسٍ تُصِحُّ نفوسَنا ... مُعطَّرةُ الأرْدانِ بالشِّيح والرَّنْدِ
وهيهاتَ نجدٌ والعُذَيْب ودونَه ... مَهامهُ تغوى الكدر فيها عن الوِرْدِ
ومن كل شمَّاخِ الأهاضبِ خالَط السَّ ... حابَ يرومُ الشمسَ بالصدِّ والرَّدِّ
وتسْرِي الصَّبا منه فتُمسِي وبيننا ... من البَوْنِ ما لبين السَّماوةِ والسِّنْدِ
هذا في المبالغة وقول ابن عنين رفيقا عنان.
وقوله هو:
سامحتُ كُتْبَك في القطيعةِ عالِماً ... أن الصحيفةَ لم تجدْ من حاملِ
وعذَرتُ طَيْفَك في الوصولِ لانه ... يغْدو فيصبح دوننا بمَراحلِ
ولا أقول ما قال ابن بسام: لقد شنع وبشع أبو زيد في الكذب، حيث قال:
وشِمْتَ سيوفَك في جِلَّقٍ ... فشامتْ خُراسانُ منها الحيَا
وبعد وبدع مهلهل، حيث قال:
ولولا الريحُ أسمَعَ من بُحْجرٍ ... صليلُ البَيض تُقرَعُ بالذُّكورِ
لأن الصبا قد تتخلف لهبوب غيرها أيلاماً فبيت ابن عنين كذبه ولاضح، وللعذر فاضح.
والبيت الذي نحن فيه منشيه موصون بصدق المقال، ومنشده مستريحٌ من حمل الأثقال.
سقا اللهُ من نجدٍ هضاباً رياضُها ... تنفَّس عن أزْكى من العَنْبَرِ الوَرْدِ
وحيَّى الحَيا حَيّاً نعِمْنا بظلِّه ... بنَعْمان ما بين الشَّبِيية والرِّفدِ
نُغازِل غِزْلانا كوانِس في الحشَى ... أوانسَ في ألْحاظها مَقْنِصُ الأُسْدِ
تُحاكِي الجَوارِي الكُنَّسَ الزُّهْرَ بَهْجةً ... وتفضُلها في رفعةِ الشأن والسَّعدِ
حِجازيَّةُ الألْفاظِ عُذريَّة الهوى ... عراقيَّة الألْحاظ ورديَّة الخدِّ
بعيدةُ مَهْوَى القُرْطِ معسولةُ اللَّمَى ... مُرهَّفةُ الأجفانِ عَسَّالةُ القَدِّ
تَمِيسُ وقد أرْخَتْ ذوائبَ فَرْعِها ... فتخْطُر بين الْبَانِ والعلَم الفَرْدِ
وتعْطُو بجِيدٍ عطَّل الْحَليُ حسنَه ... كأن ظَبْيةٌ تعْطو إل رَيِّقِ المردِ
وكم ليلةٍ باتتْ يَداها حمائلِي ... وباتتْ يدي من جِيدها مَطْرَح العِقدِ
ندير سُلافاً من حديث حَبابِها ... على حين تَرْشافٍ ألَذَّ من الشُّهْدِ
ولمَّا تمطَّى الصبحُ يطلُب علْمنَا ... تكنَّفَنا ليلٌ من الشَّعَرِ الجَعْدِ
عفِيفيْن عمَّا لا يليق تكرُّما ... على كا بنا من شدةِ الشوقِ والوَجْدِ
وقد كاد يسعى الدهرُ في شَتِّ شَمْلِنا ... ولكن توارَى شفْعُنا عنه بالفَرْدِ
فأصبحتُ أشكو بَيْنَها وفِراقَها ... بشَطِّ النوى شكوَى الأسيرِ إلى القِدِّ
стр. 328
وإنِّي قد استطْلعتُ دَرْكَ مطالبِي ... وتبْليغَ آمالِي وما نَدَّ عن حَدِّي
بطلْعة نَجْلَىْ دَوحةْ المجد غاربِ الْ ... مَعالي سَنامِ الفخر بل غُرَّةِ المجدِ
إمامِ المصلَّى والمُحصَّب والصَّفا ... وِراثة جَدٍّ عن نُمَيٍٍّ إلى جدِّ
أبي أحمد زيْن الصَّناديد في الوغَى ... بني حسَن الأُسدِ الكواسرةِ الحدِّ
بُزاةِ العلى الغُرِّ المَيامنةِ الأُلى ... سما قدرُهم يوم التفاخُر عن نِدِّ
غيوثٌ إذا أعطَوْا ليوثٌ إذا سطُوا ... مناقبُهم جلَّتْ عن الحدِّ والعَدِّ
فما أفَلتْ شمس لزيْد وقد بدا ... لنا من ضِياها شمسُ أحمدَ أو سعدِ
هما نَيّرا أوْج المَعالي وشَرَّفا ... بُروجَ قصورِ الروم في طالع السعدِ
ومُذْ رحَلا عن مكةٍ غاب أُنْسُها ... فكانا كنَصْل السيفِ غاب عن الغِمْدِ
منها:
جَواديْن في شَطِّ المَماجد جَلَّيا ... وحازا رِهانَ السَّبْقِ في حَنَق الضِّدِّ
يِراحاتهمْ إن ينبُت الجودفي العطَا ... فتلك بحورٌ تتَّقي الجَزْرَ بالمَدِّ
وإن أحْيتِ السحبُ النَّباتَ بمائها ... فكم أحْيَتِ الراحاتُ أنفسَ مُسْتجْدِي
رياضٌ لمُرتادٍ حصونٌ للَائذٍ ... رُجومٌ لمُستْعدٍ نجومٌ لمستهدِي
شمائلُ تهزُو بالشَّمائلِ لُطْفُها ... وعِطْف شَمُولِ الرَّاحِ هزَّتَه تُبْدِي
منها:
بنو هاشمٍ إن كنتَ تعرف هاشماً ... وما هاشمٌ إلا الأسِنَّةُ للمجدِ
بهم فخَرَتْ عَدْنانُ والعُرْبُ كلُّها ... ودانتْ لهم قَحْطانُ أهلُ القَنا الصُّلْدِ
فمِن مجدهم يُستَقْبَس المجدُ كلُّه ... ومن جُودِهم أهلُ المكارمِ تسْتجْدِي
هنِيئاً لأبْنا المصطفى الشرفُ الذي ... تسَامَى فلا يُحْصَى بعدٍّ ولا حَدِّ
بمِدْحتكم جاء الكتابُ فما عسى ... تقول الورى من بعد حم والحمدِ
وعُذْراً بني الزَّهْراءِ إنِّيَ ظامئٌ ... إلى المدحِ والأيامُ تُنْسِي عن الوِرْدِ
يوَدُّ لساني لو يُترجِمِ بعضَ ما ... لكم في فؤاد الصَّبِّ من صادقِ الوعدِ
وقد نضَبتْ منه القريحةُ نَضْبةً ... على حذَرٍ من حاذرٍ أحْذر الرَّيْدِ
كنَفْثةِ مَصدورٍ ولمحةِ عاشق ... تُسارِقه عينُ الرقيب على بُعْدِ
فإن أعْطَتِ الأيامُ بعضَ قيادِها ... رأيتُم له من مَدْحِكم أعْظمَ الوِرْدِ
إبراهيم بن أبي اليمن البتروني
صدر منشرح الصدر، موفية محاسنه على الشمس والبدر.
من أسرة نسقوا الفضائل ولا، وسحبوا من المعلوات مطارف وملا.
افتر لهم الزمان وابتسم، وارتسم بهم نقش المآثر واتسم.
كما تبسم ثغر زهرٍ عن شعاع، وترقرق جعد نهرٍ بظلٍ لماع.
وهذا الفاضل محله منهم محل العين الناظرة تصان عما يقذيها، واليد الباطشة تحفظ عما يؤذيها.
أوصافه لا تجاريه فيها أقدام الوطر، زنعوته لا تزاحمه عليها مناكب الخطر.
فهي مسلمةٌ إليه إذا نوزع من ادعاها، مقرة لديه إذا دوفع من استدعاها.
وله مآثر يفارق فرق الفرقدين قعيدها، إذا وطئت أقدامه الأرض ربت واهتز فيها صعيدها.
إلا أن الأيام عاندته في منصب قومه، وعوضته هم أمسه مضافاً إلى يومه.
وعارضه صادق المقدور، فراح من الدنيا بنفثة المصدور.
وقد رأيت له شعراً يدل على قدره الجليل، دلالة النسيم العليل، على الروض البليل.
فأثبت منه ما ألفيت، وبالدلالة عليه اكتفيت.
فمنه قوله من مكاتبة:
على فَرْطِ التشوُّق والبِعادِ ... وإخْلاصِ المحبَّةِ في العبادِ
فإني مُوقِرٌ غُرَرَ التَّحايا ... ومُهْديها إلى الشَّهْم الجوادِ
خليلي ذِي الخِلال بلا اخْتلالٍ ... وخِذْني ني الفضائِل والودادِ
стр. 329
وصَفْوتِيَ المُصفَّى والمُوفِّى ... حقوقَ مودَّتي في كلِّ نادِ
منها:
وهل يصْفُو الزمانُ وقد بَراه ... إلهي غادراً من قبلِ عادِ
إذا ما فَارقتْ منه سهامٌ ... فلا تُخْطِي قواتلُها فؤادِي
فَبي من صَرْفه ما لو تراءَى ... لأوْدَى بالبَرايا والبوادِي
ألا قُل لي فَدَيِتُك هل أرى لي ... مُعِيناً في البلوغ إلى المُرادِ
رحِيبَ الصدرِ ذا صدقٍ ودينٍ ... لأجعلَه ادِّخارِي واعْتمادِي
وقوله من قصيدة:
جاءت اليك وقد أرتك قصورها ... عذراء شادت بالثناء قصورها
حسناءُ صاغ لها المَديحُ قلائداً ... حلَّت بها بين الحسانِ نحُورَها
باهتْ بفخْرك كلَّ مُمتدَحٍ وما ... تاهتْ وصَانتْ عن سواك نظيرَها
واستَمْطَتِ الجوزاءَ قدْراً حيث إن ... كنتَ المآلَ لها وكنتَ سميرَها
يا ايها الصرر الذي اقتعد العلى ... بمكارم اضحن الكمال سميرها
منها:
ورجعتَ منصوراً وعُدتَ بنعمةٍ ... قد نلْتَ من رب الورى مَوْفورَها
وحَظِيتَ بالأجرِ الجزيل وهذه ... نِعَم فكُن بالمَكْرُمات شَكُورَها
ويعجبني قوله في التخلص من قصيدة قالها في الأمير محمد بن سيفا:
ولقد شكوتُ له الهوى ليرِقَّ لي ... فنأَى عن المُضْنَى بقلبٍ جَلْمَدِ
وأبَى سوى رِقِّي فقلتُ له اتَّئِدْ ... إني رفيقٌ للأمير محمدِ
وله في الفتح بن النحاس، وكان يهواه:
مُهْلِكَ العشاق مَهْلاً ... فيك لي منك انْتقامُ
بشُعَيْرَاتٍ كمِسْكٍ ... هي للحسن خِتامُ
وله فيه، من أبيات:
بيني وبينك مدةٌ فإذا انقضَتْ ... كنتَ الجديرَ بأن تُعزَّى في الوَرى
منها:
رِفْقاً بقلبٍ أنت فيه ساكنٌ ... إن الحياةَ إذا قَضى لا تُشْتَرى
فارْدُدْ على طَرفي السُّهادَ لعله ... يلْقَى خيالاً منك في سِنةِ الكَرَى
واسْألْ عيوناً لا تمَلُّ من البكا ... عن حالتِي يُنبِيك دمعي ما جرَى
وله فيه، وقد عشق مليحاً اسمه موسى، فتجنى عليه:
كلُّ فِرْعونَ له موسى وذا ... في الهوى مُوساكَ يُولِيك النَّكَدْ
فكما أكْمدتَ من يَهْواك بالصَّ ... دِّ مُتْ صَدَّاً وذَقْ طعمَ الكمَدْ
أحمد بن محمد المعروف بابن المنلا
شارح مغنى اللبيب عالم الشهباء ومصنفها، ومقرط العلياء ومشنفها.
بتآليف وشح بيراعة براعتها صدور المهارق، وأتى فيها من معجزات البلاغة بالخوارق.
حاز بها في تلك الحلبة غاية الظهور، وفاز بقصب السبق فيما بين ذلك الجمهور.
وله عقود كلام لو تجسم لفظها لما رصعت إلا على التيجان، وتنزهت عن أن ترى أفرادها مواضع اللؤلؤ والمرجان.
تشتمل من رود القوافي، وخود الغزليات الصوافي.
على غرر كقطع الرياض غب القطر، وفقر أحسن من الغنى بعد الفقر.
فما يتبين في معاني بلاغته انحلال معاقد، ولا تلين قناة براعته لغمز ناقد.
فمن كلامه الدائر بين الرواة، المرتصف دراً أصدافه الأفواه.
هذه اقطعة من موشح أطلعها منيرة، وبعث بها الأشجان لنار الوجد المثيرة.
وقد عارض به موشح ابن سهل الذي يقول في مطلعه:
هل درَى ظبيُ الحِمَى أن قد حَمى ... قلبَ صَبٍّ حلَّه عن مَكْنَسِ
وهو من الموشح الموزون، الذي يتسلى به قلب المحزون:
رُبَّ رِيمٍ رام قلبي فرمَى ... فيه سهماً جاء عن غير قِسِي
من رى ظَبْياً أرانا أسْهُما ... من لحاظٍ كعيونِ النَّرجِسِ
يا نديمِي قُم صَفا وقتُ الهنا ... فامْلَ لي الكأسَ وعجِّل بالطِّلَا
وأدِرْها خمرةً تُولِي المُنَى ... فزَمان الأُنْسِ بالبشرِ حُلاَ
والحَيَا قد ألْبَس الروضَ الثَّنَا ... وعلى الدَّوْحِ من الزَّهْرِ حُلاَ
стр. 330
وحكتْ بالأنْجُم الأرضَ السما ... إذ غدَت بالزُّهْرِ منها تكْتَسِى
وحَبا الأغصانَ طَرْزاً مُعْلَما ... حين ماماسَ بأبْهَى مَلبَسِ
دور
ما ترى يا صاحِ أغصانَ الرُّبى ... مائِلات القَدِّ من خمر السحابْ
رنَّحتْها سُحْرةً أيْدِي الصَّبا ... فصَبا القلبُ إليها باكْتئابْ
ومن الزَّهْر لها أغْلى قِبَا ... ومن الدَّوْح لها عالِي القِبابْ
نَقَّطتْها السُّحبُ دُرّاً مثلما ... كستِ الروضَ بثوْبٍ سُنْدُسِي
وشذا عَرْف نسيمٍ هَيْنَما ... وكذا يفعُل ذاكي النَّفَسِ
دور
ما لِلاحٍ مُذْ لحَى طاب الهوى ... في حبيبٍ وجهُه يحْكِي القمَرْ
لَذَّ لِي في حبِّه مُرُّ النوى ... وارْتكابُ الهَوْلِ يوماً إن خطَرْ
ما على مَن نجمُه فيه هوَى ... حبن ما صَدَّ دَلالا ونفَرْ
أحوريُّ اللحْظِ معسولُ اللَّمَى ... فاحِمُ الشعرِ شهيُّ اللَّعَسِ
ثَغْرُه ابدى لنا برقَ الحمى ... وأثِيثُ الشعرِ ثوبَ الغَلَسِ
دور
يالَه بدراً حَمى عنِّي الكرَى ... قدُّه والطَّرْفُ عَضْبٌ وأسَلْ
في دُجَى شعرٍ له بدرٌ سرَى ... وبشمسِ الوجه ليلٌ قد نَزَلْ
خَنِثٌ في جَفْنِه أُسْدُ الشَّرَى ... وعلى أعْطافِه لِينٌ ودَلّ
ساحرُ المُقْلةِ معشوقُ الدُّمَى ... قمرُ الأُفْق وظَبْيُ المَكْنَسِ
ذُو لِحاظٍ كم أراقتْ من دِماً ... وهي تُفْدَى بالجَوارِي الكُنَّسِ
ومن بدائعه قوله:
نازَع الخدَّ عِذارٌ دائرٌ ... فوق خالٍ مِسْكُه ثَمَّ عبِقْ
قائلاً للْخال هذا خادمِي ... ودليل أنه لَوْنِي سرَقْ
فانْتَضى الطرفُ له سيفَ القضا ... ثم نادَى كما الذي أبْدَى القلقِ
أيها النُّعمانُ في مذهبِكم ... حجةُ الخارجِ بالمِلك أحَقْ
وقوله:
وأسمرٍ من بني الأتْراكِ ذي غَنَجٍ ... يهُزُّ قدّاً كغُصن الْبان في هَيَفِ
كأنه حين يعْلُو سُورَ قلعتِه ... وينْثنى شَرفاً منه على الشَّرَفِ
غصنُ الصِّبا مزهِراًقد رنَّحتْه صَبا ... عليه بدرٌ بدا من دَارَةِ الشَّرَف
ومن تضامينه العجيبة، قوله في شخص عابه بانحسار شعر رأسه:
يَعِيبني أن شعرَ الرأسِ مُنْحسِرٌ ... منه فتىً قد عَرَى من حُلَّة الأدبِ
وليس ذلك إلا من ضِراِم هوىً ... سرَى إلى الرأس منه ساطِعُ اللهبِ
أقْصِر فدَيْتُك ذا داءٌ بمَبْعَرِه ... والعيبُ في الرأسِ دون العيبِ في الذَّنَبِ
وله في شريف يعرف بالمشهدي يدعي الشعر:
المَشْهَدِيُّ لِسانُه ... قد فّلَّ كلَّ مُهَنَّدِ
إن رام إنْشادَ القَرِي ... ضِ فقُل له يا سيدِي
يشير إلى قول القائل في ابن الشجري العلوي:
يا سيِّدي والذي يُعِيذك من ... نظْم القريضِ يصْدَا به الفكرُ
ما فيك من جَدِّك النبيِّ سوى ... أنك لا ينْبغي لك الشعرُ
وفي كتاب الكناية والتعريض للثعالبي: يقولون في فلان فضيلتان من فضائل النبي ﷺ : إحداهما أنه أمي، والثانية أنه لا يقول الشعر، وهاتان الخصلتان من فضائل رسول الله ﷺ وليستا من غيره بفضيلة.
وإذا كان الرجل متشاعراً غير شاعر، قالوا: فلانٌ نبيٌ في الشعر. يعهني أنه لا ينبغي له ذلك، وعلى هذا بنى مخلد الموصلي قوله:
يا نَِبَّي الله في الش ... عرِ وعيسى بنَ مريَمْ
أنتَ من أشْعرِ خلْ ... قِ الله مالمْ تتكلَّمْ
وله:
قالوا حبيبُك أمسى لا تكلِّمه ... ولا تميلُ لرُؤْيا وجهِه النَّضِرِ
فقلتُ أمرٌ دعاني نحو جَفْوتِه ... والحبُّ للقلبِ لا للِّفظِ والنَّظَرِ
وله:
стр. 331
ادَّعَو أن خَصْره في انْتحال ... فلذا بان قَدُّه المَمْشوقُ
وأقاموا الدليلَ رِدْفاً ثقيلاً ... قلتُ مهلاً دليلُكمْ مَطْروقُ
وممن منشآته قوله من رسالة: يقبل الأرض معترفاً برق العبودية قرباً وبعداً، ومقراً بأن فراق تلك الحضرة الزاكية لم يبق له على مقاومة التصبر جهداً.
ارتكب مجاز التصبر ليفوز بحقيقة الاصطبار، واستعار لقلبه جناح الشوق فهو هو يود لو أنه نحوكم قد طار.
عجل عليه البين بدنو حينه، وسبك في بودقة خدوده خالص إبريز دمعة عينه.
وقطر بتصعيد أنفاسه لجين دموعه، ونفى بتأوهه وأنينه طير هجوعه.
بين أيادي من حلاه الله بأشرف المناقب، ورفع رتبته العلية على أعلى المراتب.
ونصب له لواء المجد، وخفض له جناح السعد.
المجزوم بأنه أوحد العصر والأوان، والمحكوم بقصر الفضل عليه من غير احتياج إلى حجة وبرهان.
من فتح لأبناء دهره أبواب التحقيق، وفاق أقرانه بحسن التنقيح والتدقيق.
وحل من مشكلات العلوم ما أعجز كل نحرير، وأبرز غواضم الدقائق على أطراف الثمام بأحسن تقرير.
فهو المسند إليه في باب العلم، والمشار إليه بأنه إمام الحلم.
وله من رسالة أخرى: انفتح له في فضل تصريف الأيام أبواب المزيد، وتسلطت عل أصوله أيدي العلل فعاين العذاب الشديد.
فحاله رق له أولو التمييز، ومتى ارتفعت زفراته بعامل التجني من يوسف الملاحة نادى أيها العزيز.
تناوب في إهلاكه ماضي طرفه وسمهري قده فقرأت باب تنازع العاملين، وتمادى موصول جفاه فأرسل سحاب الناظرين.
وأوقع الفؤاد في عروض الأسقام، وآذن بتقطيع الأوصال بسيوف الغرام.
محمد بن حسن الكواكبي
عنوان كتاب العلى، يكتب آخراً ويقرأ اولاً.
له يفرض الشكر ويحتم، وبه يبدأ الذكر ويختم.
فلهذه ختمت به باب أولى الفتوة والبسالة، كما ختمت بمحمد ﷺ باب النبوة والرسالة.
فإنه من خلص نحلته، القائم بتأييد ملته.
ومن تقدمه بالنسبة إليه، كلهم في الفقه عيالٌ عليه.
فهم مقدمات لشكل الفضل الأول، وهي النتيجة التي عليها في القياس المعول.
فقد يتأخر الهاطل عن الرعد، والنائل عن الوعد.
ومراتب الأعداد، تترقى بتأخير رقمها وتزداد.
وتجيءُ فَذْلَكةُ الحسابِ أخيرةً ... لتكون جامعةَ العديد الأوْفرِ
ولا غرو فالكبير تتقدمه المواكب، والشمس بطلوعها تغيب الكواكب.
فهو النير الأعظم، وعصماء عقد النفاسة المنظم.
مزاياه تستغرق الألفاظ من النثير والنظيم، والذي قسم الحظوظ بين الناس حباه بالخلق العظيم.
وقد متعه الله بحوالسه وأعضائه، وأمته بني الدنيا بإيناسه وإغضائه.
فاقتعد الرتبة التي أرته إلى الفلك صاعدا، وصحب الهمة التي صيرته يتناول الكواكب قاعداً.
وأنا إذا أردت وصفه الذي بهر، وبدا كالصبح إذا اشتهر.
قلت في شأنه الباهر، ومحله الزاهي الزاهر:
ليت الكواكبَ تدْنُو لي فأنْظمِهَا ... عقودَ مدحٍ فلا أرضَى له كَلَمِي
وله من النظم الذي أبدعه فكره، واكسب صحائف الأيام فخر الأبد ذكره ما يسمو إلى الأسماع سمو حباب الماء، ويعمل في القلوب عمل الأفعال في الأسماء.
فمنه قوله مضمناَ بيتي المرسي:
حتَّى م في ليلِ الهمو ... مِ زِنادَ فكرِك تقْتدِحْ
قلبٌ تحرَّق بالأسَى ... ودموعُ عيْنٍ تنْسفِحْ
ارْفُق بنفسِك واعْتصِمْ ... بحِمَى المهيْمِنِ تنْشرحْ
اضْرَعْ له إن ضاق عن ... ك خِناقُ حالِك تنْفسِحْ
ما أَمَّ ساحةَ جُودِه ... ذُو مِحْنةٍ إلا منحْ
أو جاءَه ذو المُعْضِلا ... تِ بمُغْلَق إلا فتَحْ
فدعِ السِّوَى وانْهَجْ على النَّ ... هجِ القويمِ المُتَّضِحْ
واسمعْ مقالةَ ناصحٍ ... إن كنتَ ممَّن ينْتصِحْ
ما تمَّ إلا ما يُري ... د فدَعْ مُرادَك واطَّرِحْ
واتْرُكَ وَساوسَك التي ... شغلتْ فؤادَك تسْترَح
وله في الغزل:
стр. 332
وَرْقاءُ من عهد الحبيب تُتَرْجمُ ... لِيَهْنِك إلفٌ بالغُوَيرِ مَخيِّمُ
لئِن تندُ بي إلْفاً وما شَطَّ حيُّه ... فإني على شَطِّ المَزارِ مُتيَّمُ
وهَبْ سَجْعك اللموزون باللحن معرِبٌ ... فدمعِيَ أوْفَى صامتٍ يتكلمُ
لكِ مثلٌ في العَنْدَلِيب وسَجْعِه ... ولي بالفَراشِ الشِّبْه والفَرْقُ يُعْلَمُ
وله:
يا أيها البدرُ المُنيرُ إذا بدَا ... وإذا رَنَا يا أيُّهذا الرِّيمُ
ومعلِّم الغصنِ الرَّطِيب تمايُلاً ... رق النسيمُ لها فصار يَهيمُ
كم ذا تُمَوِّه عن صَبابةِ عاشقٍ ... صَبٍّ على طولِ الصدودِ مقيمُ
فارْحَمْ ضَنا جسدِي وحسَن تَصَبُّرِي ... وارْعَ الجميلَ فما الجمالُ يدومُ
وله في ألكن:
فلا تعجبوا من لُكْنةٍ في لسانِه ... فمن حُلْوِ فِيه لا يفارقُه الشُّهدُ
وهذا المعنى أصله بالتركية، وكنت عربته قبل أن رأيت تعريبه.
وبيتي هو:
ما لُكنةٌ فيه تِشينُ وإنما ... تأبَى الحروفُ فِراق شُهْدِ لسانِهِ
ثم رأيت في ديوان الشهاب ما زاد عليه، وهو قوله:
بالله حدِّث عن تلَجْلُجِ نُطْقِه ... سُكْراً وأتْحِفْني بعذْبِ بَيانِهِ
الضِيقِ فِيه ليس يخرُج لفظُه ... أم لا يُريد فِراق عَذْبِ لسانِهِ
ومما يستعذب هنا قول ابن تميم:
عابُوا التَّلَجْلُجَ في لسانِ مُعذِّبي ... فأجبْتُهم للصَّبِّ فيه بَيانُ
إن الذي يُنْشِي الحديثَ لسانُه ... ولسانُه من ريقِه سَكْرانُ
ولهذا الأصل الطيب المغرس، فرعٌ لم يزل ولا يزال تتعرف فيه المعالي وتتفرس.
وهو أحمد القائم مقام أبيه في رتبته، والمفرع لأفانين البلاغة من سامي هضبته.
زاده الله تعالى فضلاً ونبلاً، وضاعف له الثناء بعداً كما ضاعفه قبلاً.
وذلك إن كان بقي مزيدٌ بعد التمام، على أنه لم يبق إلا الاستدامة كما قال أبو تمام:
نعمةُ اللهِ فيه لا أسألُ اللّ ... هَ إليه نُعْمَى سوى أن تدوما
ولو أنِّي سألتُ كنتُ كمن ... يسألُه وهْو قائمٌ أن يقُومَا
الجزء الثالث
الباب الثالث
في نوابغ بلغاء الروم
وهذا الباب فيه الغرض المروم؛ فإن دار خلافتها وإن تباين فيها اللسان، ففي أهلها حذق لا يعيقه مزية وجدت في نوع الإنسان.
فسبحان من جعل جبالها السبع بمنزلة الأفلاك، مطالع الأضوا ومغارب الأحلاك، ومغرد طيور جملة الأملاك، وسبب انتظام هذه الأسلاك.
فسما بها الفرع الباسق، والأصل الثابت، وطاب لعمري فيها المنبت والنابت.
كيف وهي حاضرة الدنيا، وواحدة المفردة والثنيا.
ومجمع أهل الفضل تنظمهم في سلك، وتنزههم فيما أنالها الله من ملك وملك.
وقد أمنت بحمد الله من الصائل، وحمدت فيها البكر والأصائل.
ولها الحظوة التامة، والمحاسن الخاصة إلى الخيرات العامة.
مع اللطافة المشربة بالغضارة، والطلاقة الممكنة من مفاصل النضارة.
فهي قيعة الظل الأبرد، وكناس الغيد الخرد.
ومهوى هوى الغيث الهاتن، ومأوى اللفظ الساحر واللحظ الفاتن.
وبها المباني الشم الأنوف، والقصور الجمة الحلي والشنوف.
رياضها وريقه أريضة، وأهويتها صحيحة مريضة.
ومرابعها مراتع النواظر، ومطالع المسرات النواضر.
تصبو النسمات إلى مسارحها الرحاب، وتبكي شوقاً إليها جفون السحاب.
ولعهدي بها إذا أخذت بدائع زخارفها، ونشرت طرائف مطارفها.
وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السحائب.
فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حبابٌ كاللؤلؤ المنحل.
هناك رأيت كل شعب يحدث عن شعب بوان، وكل منظر يتجلى عن أشكال من الزهر وألوان.
بُسِطت فَوقه بُرودُ ربيعٍ ... عندما زاره وفودُ الشمائلْ
خُطَّ فيه كتابُ توحيد ربِّي ... نَقْطُه النَّورُ والمياهُ الجداولْ
فتلتْه طيورُه دارساتٍ ... وأعادتْه مُفْصِحات العنادِلْ
أغْنَتِ السمعَ عن مِراءِ جدالٍ ... رامياتٍ لنقْل حمْل الدلائلْ
стр. 333
وأنا إذا بسطت فيها القول، وهدرت هدر الشول.
فغاية ما أقول: هي العروس المتبرجة، والروضة المتأرجة.
فصان الله جمالها وجلالها، ووقى من حر الهجير ببرد النعيم ظلالها.
ولا زالت قوافل العوائد الإلهية واصلةً إليها، ودامت دار إيمانٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومع ما أعطاها الله من تحفٍ تحف بها وكرامة، فقد اجتنت أهلها أثمار الرحلة في ظل الإقامة.
فكلهم عصابة بارعة، وآراؤهم إلى الغوامض مسارعة.
بأنفس كريمة الشمائل والغرائب، وقرائح تقذف بحارها بدرر الغرائب.
وحرص على لقاء كل ذي علم، وتخلق بأخلاق كل ذي مروءة وحلم.
وقد خرج جماعةٌ من أعيانهم، زانوا الأدب وزينوه بحسن بيانهم.
أشعارهم بالألسنة الثلاثة حجة أهل اللسن، وفاضحة المذهبات الثلاث الماء والخضرة والوجه الحسن.
لو كنت أوفيهم حقهم الراتب، وأخلص من تبكيت المزدري والمعاتب.
لجعلت الطرس من صحيفة الخد، والقلم من ألف القد.
ثم كتبت وصفهم بالتبر، فضلاً عن الحبر.
ووهبت للناسخ، نفس ودي الراسخ.
وقلت فليكن الناقل، ممن لا يقذف صفحته إلا إلى الصاقل.
وقد ابتدأت الباب باثنين منهم، رويت حديث الثنا في محلهم عنهم.
وعقبتهم باثنين آخرين، رأيتهما بدمشق وقد بزغا كالقمرين.
ثم أذكر بعدهم من له شعرٌ عربي اطلعت عليه، ثم من له شعر تركي انتخبت من شعره مفردات عربتها ونسبتها إليه: شيخ محمد بن لطف الله بن زكريا بن بيرام أستاذي وملاذي، وعتادي وعياذي.
عين المعالي وإنسانها، وقلب المعارف ولسانها.
صحيفة مجده لم يجد نقط شكلها حسود، وأقلام مدحه ليس همها إلا ركوع وسجود.
أنديته مصب مزن الفضل، فهي ذات سقيط وندىً مخضل.
تبذل الأعمار في لقائه نقدها، وتنتطق الجوزاء في خدمته عقدها.
ومن حق هيبته عند ذوي الآداب، أن يعقدوا إذا لمحوه الحواجب بالأهداب.
أراد البحر أن يحاكي نداه، فقصر عنه ولم يدرك أدنى مداه.
فهو لذلك في اضطراب وأمواجه في التطام، وطفل النبت يغتذي بندى كفه فلا يخشى عليه منها إلا الفطام.
فلو استجارت أوراق الخريف، بظل حمى نداه الوريف.
لما سلبت برداً زهى للعيون وراق، وظلت شاكرةً فضل الربيع بلسان الأوراق.
إليه انتهت الرغائب، وحضر نداه الخضر وهو غائب.
وهو الذي دخلت الروم لأجله، وحصلت من لقاه على أعظم الأمل وأجله.
وهو إذ ذاك عن رتبة البدر متقاعد، ومع الشمس في الظهور رابعة النهار متواعد.
فشاهدت ملكاً في صورة إنسان، يملأ العين بالحسن والكف بالإحسان.
وله السعادة مهيأة، وبه الدنيا وأهاليها مهنأة.
فوردت بحراً من جوده نميرا، وارتقيت حيث أعد النجم سميرا.
وكم مجلسٍ بين يديه، قرأت فيه سورة الأدب لديه.
تنطقني فضائله بما أنظم فيه من الغرر، فأغدو كمن قلد البحر من فرائده بعقود الدرر.
ثم أفيض عنه فيض النهر، وأنصرف انصراف الصبا عن الزهر.
وقد آليت لا توقعت خيراً سوى خيره، ولا أملت الرغبة عن شق القلم لمدحه غيره.
وصفوي محميٌّ به عن الشوائب، وجسدي محرم على أنياب النوائب.
وكانت لي وراء رأيه مواعيد، كنت منها على نيلٍ قريب غير بعيد.
فعاق عنه موته الذي بدل السرور بالترح، وترك الحزن شامتاً بالفرح.
فدفن به كنزٌ كان في الزمان لقية، وتم به السرور لكل حي وكانت عندنا منه بقية.
فنعته الهمم، وماتت بموته أمم.
وما فُجِعت به الدنيا ولكن ... غدتْ بِفراقه الدنيا يتيمهْ
فعلى قبره من الرحمة الحافة، عدد أنفاس الخلائق كافة.
وقد أوردت له من آثاره التي جلت، وأسفرت عن شمس البلاغة حين تجلت.
ماهو في مقلة الأدب حور، وفي قلب الحسود خور.
فمن ذلك قوله:
يرمِي فيُوقع فتنةَ النَّظَرِ ... وتراه يسألني عن الخبرِ
نَزْهٌ خيالُ الفكر يُغضِبه ... فيكاد يمنعني من الفِكَرِ
ما شاهدتْ عيْنايَ طلعتَه ... إلا وأغْناها عن القمرِ
يُرْجَى من الفِتَن الخلاصُ إذا ... سلمتْ لواحظُه من الحَوَرِ
وقوله:
أترى الزمانَ يُعيد لي أُنْسِي ... ويردُّ بدرِي حاملاً شمسِي
فإذا تكرَّم رحتُ أشكرُه ... وتركتُ يومي عاتباً أمسِي
وقوله:
صافيْتُكم من عهدِ أن ... كنتمْ فما هذا الجفَا
стр. 334
وبيْننا مودةٌ ... تعلِّم الآسَ الوفَا
وقوله:
يسْبِي العقولَ بلَحْظه فكأنما ... سُقِيتْ سيوفُ لِحاظِه بسُلافِ
سَيْفُّيهُ صاد القلوبَ بنَظْرةٍ ... من بين مثل قوادم الخَطَّافِ
السيفي: طائر من الجوارح يشبه الصقر.
ومن رباعياته قوله:
ناديتُ أحبَّتِي لأجل السَّلْوَى ... والدهرُ رسومَ رَبْعهم قد سَوَّى
بالنَّوْحة جُدْتُ في المغاني حتى ... قد ساعدني على بكائِي رَضْوَى
ولي فيه مدائح كثيرة، من جملتها قصيدة قلتها في ابتداء ورودي عليه.
ومستهلها:
دَنا الرَّكْب من حَيٍ تقادَم عهدُه ... وهَيَّج فيه القلبَ وجداً يُجِدُّه
دعتْه إلى الشكوَى معالمُ أُنْسِه ... ولكن أسرارَ الغرام تصُدُّهُ
بنفسِيَ مِن آرامِه كلّ شادِنٍ ... تملَّك مني حبَّةَ القلبِ وُدُّهُ
من الغِيد يرْنُو عن حُسامِ لَواحظٍ ... يقُدُّ قلوبَ الدَّارِعين فِرِنْدُهُ
أرُدُّ عيوني عنه خِيفةَ كاشحٍ ... وهل يمنع الصَّادِي عن الماء وِرْدُهُ
سقاني وقد حيَّى مُداماً تروَّقتْ ... إذا لم تكُن من كَرْمِه فهْيَ خَدُّهُ
سُلافاً تُعير الصبحَ في كَشْفِه لنا ... قِناعَ الدجى منها سَناً يسْتمدُّهُ
من مديحها:
يرِفُّ به غصنٌ من الحمدِ يانِعٌ ... ويعبَق من نَشر الثَّنا فيه نَدُّهُ
ولا تعثُر اللَّحظاتُ في باب مجدِه ... بغير مَنالٍ يقْدَح العزَّ زَنْدُهُ
أدَرَّ على الأيام سَيْباً ففجَّرتْ ... ينابِيعَ حتى الصخرُ أعْشَب صَلْدُهُ
ومنها هذه القصيدة، قلتها وقد ألبسني فروةً من فراه، وهي بعض ما نالني من قراه:
شأنُ المُوَلَّه أن يعيش مُتيَّما ... والحبُّ ما منع القَرارَ المُغرَمَا
هو ما علمتَ غرامُ صَبٍ دمعُه ... ما زال يُظهِر سِرَّه المتكتِّمَا
لو شاء من أضناه هجيره ... رد الحياة لجسمه منكرما
وإذا الصبابةُ خامَرتْ قلبَ امرىءٍ ... وجد الشِّفاءَ من الحبيب تنعُّمَا
ولَرُبَّ مُغْبَرِّ الأديمِ قطعتُه ... من فوق مُبْيَضِّ القوائمِ أدْهَمَا
لا تستطيع الشمسُ ترسم ظلَّه ... مهما مشَى سبَق القضاءَ المُبرَمَا
والليلُ بحر قد تدافَع مَوْجُه ... وترى الكواكبَ فيه تسْرِي عُوَّمَا
وكأن وجهَ الأُفْقِ تُنقَدُ فضةً ... والبدرَ تحسَبه عليه دِرْهَمَا
وكأنما المَرِّيخُ شعلة قابسٍ ... أو رأسُ نَصْلٍ خضَّبْته يدٌ دَمَا
أسْرِي وشخصُك لا يزال مُسامِري ... وأرى التصبُّر عنك مُرّاً عَلْقَمَا
يا آفةَ الأرواحِ ما ألْهاك عن ... دَنِفٍ لذكْرِ هواك يهوَى اللُّوَّمَا
من مديحها:
مولىً إذا ظلمَ الزمانُ فما يُرَى ... إلاَّ إلى عزَماته مُتظلِّمَا
جارَى الملوك إلى مقاماتِ العلى ... فتأخَّرُوا عنه وكان مُقدَّمَا
لو مَدَّ راحتَه لثَغْرِ مُقَبِّلٍ ... أنِف الثُّريَّا أن تكون له فَمَا
أو تنطق الدنيا بِمِدحةِ ماجدٍ ... نطَق الزمانُ بمدْحِه وتكلَّمَا
دعَواتُه تجلو الكروبَ وعَزمُه ... لو يلْتقيه الموتُ مات توهُّمَا
ولو اسْتجار به النهارُ من الدجى ... لم تبصرِ الأحداقُ شَيّاً مظلِمَا
منها:
ألْبَسْتني نِعَماً رأيتُ بها الدجى ... صبحاً وكنتُ أرى صباحِي مظلِمَا
ما عُذْرُ من شرَّفتَه بفضيلةٍ ... أن لا ينالَ بها السُّهَا والمِرْزَمَا
وإليْكها زهراءَ ذاتَ بلاغةٍ ... لو رامَها قُسٌّ لأصبح أبْكَمَا
من كل بيتٍ لو تجسَّم لفظُه ... لرأيتَه وَشْياً عليك مُنَمْنَمَا
стр. 335
واسلَمْ لنَشْر فضيلةٍ معلومةٍ ... لوْلاك طال على المَلا أن تُعلَمَا
إن العُلَى بدأتْ بذكرِك مثْلَما ... آلتْ بغيرِك في الورى لن تُخْتَمَا
ومنها هذه الرائية، مدحته بها في أول فصل الربيع، وأولها:
باكِر الحانةَ والكأسُ تُدارُ ... فشبابُ العمر ثوبٌ مستَعارُ
هذه الأرضُ اكْتستْ أزهارَها ... ما على من يغْنَمِ اللذاتِ عارُ
وكأنَّ الروضَ وَشْيٌ فاخرٌ ... نَقْشُه آسٌ ووردٌ وبَهارُ
إن سَرتْ فيه نُسَيمات الصَّبا ... فضَح العنبرَ رَنْدٌ وعَرارُ
وكأنَّ المُزْنَ تِبْرٌ كنزُه ... دُرَّةٌ بيضاءُ والماءُ نُضارُ
فتَقتْ كفُّ الغوادِي جَيْبَها ... فالذي منها على الروضِ نِثارُ
يا رَفِيقَيَّ دعانِي والهوى ... إنما الصَّبْوةُ للصَّبِّ شِعارُ
كنتُ أُخفِي محنةً في خَلَدي ... لو يكنْ للقلب في العشقِ اختيارُ
من بيِتْ وَلْهانَ في حبِّ الظِّبا ... خانَه القلبُ وعزَّ الاصْطبارُ
يعذُب الهجرُ لمن يعرفُه ... وبمَطْل الغِيد يحلُو الانتظارُ
إنما نَشْوانُ أحْداقِ المَها ... صَحْوُه من سَكْرةِ العشق خُمارُ
يا سَقى موطِنَ لَهْوِي بالحمى ... أدْمُعِي إن شحَّتِ السحبُ الغِزارُ
كم ليالٍ فيه قد قضَّيْتُها ... ومن الأيامِ حلوٌ ومِرارُ
فانْقَضتْ أسرعَ من سهم القضا ... يا ابنَ وُدِّي ليس للعيشِ قَرارُ
وحبِيبٍ بات زَنْدِي طوقَه ... والمُنى ثالثُنا والأنسُ جارُ
قد نأَى لكنْ عن العينِ وكم ... نازحِ الدار له القلبُ ديارُ
أيُّ نفعٍ في اقترابِ الجسم إن ... بعُد القلبُ وما يُغنِي الجِوارُ
هكذا تفعل أحكامُ الهوى ... في بَنِي العشقِ وللدهرِ الخِيارُ
ينْقضي العمرُ ومالي مُسْعِفٌ ... ومن الضَّيْم مُصِيخٌ لا يُجارُ
هذه حالي وإن طال المدى ... واعْتبارُ الحالِ للمرءِ اختبارُ
غيرَ أن الحرصَ غَلاَّبُ النُّهىَ ... والمُنى منها اختيارٌ واضطرارُ
لا أذُمُّ الدهرَ حاشَى وله ... أنْعُمُ المولَى عن الذنبِ اعْتذارُ
كعبةِ الآمالِ والركنِ الذي ... للمنى فيه اسْتلامٌ واعْتمارُ
قد جَلا خَطْبَ الليالي عَزْمُه ... مثْلما يجلُو دُجَى الليلِ النهارُ
لو يكُنْ للبحر أدْنَى بِرِّه ... لم يلُحْ للعينِ بَرٌّ وقِفارُ
وحِماهُ مُلْتقَى عِيسِ المُنى ... لا سِواه للنَّدى مَأوىً وجارُ
روضُ فضلٍِ نجتَني إحسانَه ... وكذا تُجنَى من الروضِ الثِّمارُ
أيها الأستاذُ والمولى الذي ... غَرِقتْ في سَيْب كفَّيْه البحارُ
لك أُنْهِي نُوَباً من بعضِها ... يذْهَل اللبُّ وذو العقلِ يَحارُ
حَلَّ بي الشيْبُ فأفنَى رَوْنقِي ... وكذاك البدرُ يمْحوه السِّرارُ
فأغِثْني من كروبٍ في الحَشا ... حُرَقٌ منها وفي الطَّرْفِ انكسارُ
وتمتَّع بقوافٍ كَرُبىً ... ضاحَكَ النَّوْرِ عليها الجُلَّنارُ
بِدَعٌ قد أُشْرِبتْ ألفاظُها ... رِيقةَ المبْسَم والخمرَ العُقارُ
كخُدودِ الغِيد تحمْرُّ حَياً ... وإذا شئْتَ كما اخْضَرَّ العِذارُ
أنا حسَّان القوافي فإذا ... فُهْتُ طاب الشعرُ وارْتاح الفَخارُ
وإذا غنَّتك أطْيارُ الثنا ... فأنا من بينها وحدِي الهَزارُ
ليس لي مالٌ ولكن كَلِمِي ... عَسْجَدٌ تِبْرٌ وإلاّ فنُضارُ
стр. 336
لم أقُلْ طالتْ وإطْنابُ الورَى ... في مَعاليك مدَى الدهرِ اخْتصارُ
فابْقَ أعْلَى الناسِ جاهاً ونَدىً ... وإلى مَجدِك بالعِزِّ يُشارُ
لك أهْنَى عِيشةٍ تخْتارها ... ولأَعْداك البلايَا والدَّمارُ
وقد اكتفيت بما أثبته عن الباقي، ورددت بعد هذه الخمرية القدح إلى الساقي.
عبد الباقي بن محمد الشهير بعارف بحرٌ وأنواع المعارف ماؤه، وبدر وأوج السعادة سماؤه.
لم ير نظيره في المحاسن النواضر، لأن محاسنه ملأت القلوب والنواظر.
له السبق الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر.
استولى على العلوم، وألحق المجهول منها بالمعلوم.
وأما الأدب وفنونه، فهو الذي تشير إليه عيونه.
فالنسب، إلى حفظه انتسب.
والأيام والدول، عنده منها خبر الأواخر والأول.
وأما الأخبار فهو ينسي التاريخ ومن ورخ، وله استقصاءٌ يعلم به الذي باض وفرخ.
وقد وفر الله له غاية الحظ في محاسن الخط، فخطه نتيجة ما أودع الباري من مقدمتي البرى والقط.
كلما دور القلم نور المقل، وحلى العقول وحل العقل.
وقد اعتنق الأشعار وألفها، كما اعتنقت لام الكتابة ألفها.
وجاء منها بفرائد تحسدها سبح الدر من الثنايا المنظمة في العقيق، وتغض من حيائها حدق النور وتحمر خدود الشقيق.
وكنت وأنا بالروم اجتمعت به مرات، وشاهدت طلعةً هي موسم أفراح ومسرات.
فلما ورد دمشق كانت رؤيتي له ثانية، وفيها تدلت على ثمرات إقباله متداينة.
وشديت للقاهرة في خدمته الرحل، وكنت معه بها في زمنٍ كزمن الفطحل.
في أوقاتٍ كلها برؤيته نعيم وطلاوة، أتلو بها أوصافه على القلم فيسجد لها سجدة تلاوة.
وأنا أعلق من نفسائه كل ذخيرة، وينسيني الليلة الأولى منه بالأخيرة.
وتسهر عيْني فيه والحَظُّ نائمٌ ... كأنِّيَ من خوفِ المَكارِه أحرسُهْ
ولقد أشتهى أن أحل كل جسم، ليكون لي من رؤية وجهه كل قسم.
وإذا رغب إلى الله راغبٌ، في تسهيل ما له من مطالب ورغائب.
فإني أرغب في التوسل بطول عمره، وارتقاء أمره.
إلى أن يعمل الاسم في الحرف، ويمتنع زيد من الصرف.
وحتى يشغل الجسم حيزين، ويحل في مكانين.
وقد أخذت من أشعاره التي جاوز الشعرى تراقيها، وكأنما نظم المحاسن عقد في تراقيها.
ما لو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرت لها العرب العاربة بالإعجاز.
قصائدُ إن تكنْ تُتْلَى على مَلأٍ ... صدورُها علمتْ منها قوافيهَا
ينْسى لها الراكبُ العَجْلانُ حاجتَه ... ويصبحُ الحاسدُ الغضْبانُ يرْوِيهَا
فمنها قصيدة نبوية، أولها:
متى هتفتْ بالجُنْحِ وُرْقُ الحمائمِ ... أنارتْ جوَى قلبٍ من الوجدِ هائمِ
سقَى اللهُ ساحاتِ العُذَيْبِ وبارِقٍ ... بكل هَمُولِ الوَدْقِ أوْطفَ ساجمِ
إذا بارِقٌ شِمْناه من نحو بارِقٍ ... تأجَّج نارٌ في الحشَا والحيَازِمِ
فها أنا مَطْوِيُّ الضلوعِ على الجوى ... إلى لَثْمِ هاتيك الرُّبَى والمَعالمِ
ألا أيها الحادِي ترفَّقْ بمُهْجتِي ... وباليَعْمَلات الدَّامِياتِ المَناسِمِ
أحِنُّ ادِّكاراً نحوَ مُنْعَرَج اللِّوَى ... وأصْبُو إلى سفْحِ النَّقَا فالأناعمِ
فيَسِّرْ إلهي أن أعفِّر جبهتي ... بساحاتِ هاتِيكَ الرُّبَى والمَعالمِ
ألم يَأْنِ يا مُعطِي المُنَى أن تحصَّلتْ ... مآرِبُ أصحابِ النفوسِ الأكارمِ
وهاج غرامِي نحوَ مكَّة حيثما ... تُشَّدُّ حِزامُ المُرسَلات الرَّواسمِ
وذلك أزْكى مَرْبعٍ صار مَنْشَأً ... لفخرِ البرايا خيرِ أولادِ آدمِ
ترى طَيْبةً قد صار مأوَى شفيعِنا ... حليفِ النَّدى فخرِ الجدودِ الأكارمِ
محمدٍ المبعوثِ بالبِرِّ والتقى ... وبَذْلِ نوالٍ واقْتناءِ مكارمِ
طرازِ رُواءِ الفضلِ من نَسْل يَعْرُبٍ ... وإنسانِ عين المجد من آل هاشمِ
شفيعِ ذوِي الآثامِ نِيطَتْ بحبِّه ... إزاحةُ آثامٍ وصفحُ جرائمِ
стр. 337
ملائكةُ الرحمنِ أمستْ وأصبحتْ ... تطُوف ذُراها كالطيورِ الحوائمِ
وليس يُسامِي النجمُ سُدَّةَ بابِه ... فمن يعْتلي سقفَ السَّما بالسَّلالمِ
فمن يكُ يأوِيها فقد صار لائِذاً ... إلى مَعْقِلٍ للمستجيرِين عاصمِ
ولن تبلُغَ الأملاكُ في القُرْبِ شَأْوه ... وكيف الخوافِي تسْتَوِي بالقوادمِ
وفي ليلةِ الإسراءِ صار مُشرِّفاً ... بأخْمَصِه فوق السُّها والنَّعائمِ
وبعثتُه أضحتْ لكلِّ مُلِمَّةٍ ... كأيام ذي قارٍ لجار الأراقِمِ
ولولاه لم يُوجَد من الخلقِ واحدٌ ... هو السببُ الأقْصَى لخلقِ العوالمِ
بمِيلادِه غارتْ بُحَيرة سَاوةٍ ... وغِيضَت أوَاذِي سَيْحِها المتراكمِ
غَدا حِصْنُ من لم يتَّبِعْ لك دَارِساً ... ولم يتَّفق بَانٍ له غيرُ هادمِ
مَشاربُهم سَمٌّ ذُعافٌ ومالَهم ... مطاعمُ أشْهَى غير عَضِّ الأباهمِ
ألا يا رسولَ اللهِ جُدْ بشفاعةٍ ... عسى اللهُ أن يَمْتاح عفوَ جرائِمي
شفَيْتَ نفوساً حيث داويْتَ سُقْمها ... وسلَّلتَ منها مُرْدِيات السَّخائمِ
وسَيْبُك يا ذا الجودِ غيرُ مُمنَّعٍ ... لمُسْترفِدِ الجَدْوَى ببابِك قادِمِ
تركتَ ذوِي اللسَن المصاقعَ مُفْحِماً ... وإنَّك قد انْطقْتَ عُجْمَ البهائمِ
وكم مُفْلِقٍ أعجزتَه مُتحدِّياً ... بمُعجِز قرآنٍ إلى الحشر قائمِ
وهبْتَ جَرِيداً في الوغَى لعُكاشةٍ ... تحوَّل نَصْلاً من مَواضِي الصَّوارمِ
ووجهُ ابن مِلْحان غدَا إذْ مَسَحْتَه ... مُضيئاً كبَرْقٍ في خلال غمائمِ
وشَاءٌ لعبد القيْس في أُذْن سَخْلِها ... إلى اليوم قد أبْقيتَ بادي المياسِمِ
لعمري قد أصبحتُ مُغْرىً ببابِكَ الرَّ ... فيع مُعَنّىً مُذْ أُمِيطتْ عمائِمي
عليك سلامُ اللهِ ما سطع الضُّحَى ... وأوْمَض برقٌ في خلال غمائمِ
كذلك للصحب الكرام وآله ... ذوي عِزَّة قَعْساءَ جَمِّ المكارمِ
لهم في النَّوادِي فضلُ حِلْمٍ ومُكْنَةٍ ... وفي حَوْمةِ الهيْجاء عَدْوُ الضَّراغمِ
نجومُ هُدىً من يقْتديهم يفُزْ بما ... يرومُ اهْتداءً في ليالٍ فواحِمِ
وأنشدني من لفظه هذه القصيدة، مدح بها مفتي السلطنة:
أحْيَى رُبوعَ الأجْرَعَيْنِ لِزامَا ... مُزْنٌ سَقاها وابلاً ورِهامَا
ومتى يُرى البرقُ اللَّمُوعُ بذي الغَضا ... طار الفؤادُ لها شجىً وغَرامَا
وثَوى الربيعُ على ذُراها مُلْقِياً ... برَحِيب ساحتِها العصا فأقامَا
والريحُ إذْ هبَّتْ برَيَّا تُرْبِها ... أذْكَتْ من الوجدِ الصريحِ ضِرامَا
زَرَّتْ هَتُون السحبِ في حافاتِها الْ ... أزْرارَ ناشرةً بها أعْلامَا
لو ضَلَّه السَّارِي هدَاه نَحْوَ سا ... حتِها شَذَا أنْفاسِ نَشْرِ خُزَامَى
عهْدي بأيامٍ مَضَيْنَ برَبْعِها ... يا رِيحُ عنِّي بلِّغِيه سلامَا
أوقاتُ أُنْسٍ مثل إبْهام القَطا ... قد صِرْنَ من قِصَرِ المدى أحْلامَا
وبِمُنْحنَى وادِي الأراكِ حبيبةٌ ... قلبي بشَجْوِ غرامها قد هامَا
وبسُرَّةِ البَطْحاء مُرْتَبَعٌ غدا ... أضْنَى فؤادي صَبْوةً وهُيامَا
وبما ارْتدتْ بِرداءِ جَوْنِ سُفُورِها ... صارتْ على بشر المَوامِي شَامَا
شَغَفِي وتَهْيامِي تجدَّد كلّما ... شدُّوا على العِيسِ الأَمُونِ حِزَامَا
للنَّاسِ صيَّرها الإلهُ مَثابةً ... إذ حيثُ عَيَّن قبلةً إعْظامَا
стр. 338
قُصَّادُها تَرْقَى على رُتَبِ العلى ... مهما تجُوب مَهامِهاً وأَكامَا
أصْبُو إلى تقْبيل هاتيك الثرى ... لأفُوز أن اسْتافَ ذاك رَغامَا
وإذا الحجيجُ توجَّهتْ نحو العُلَى ... أهْفُو إلى تلك الربوعِ غَرامَا
إن رُمْتَه نَيْلَ المُنَى مُسترفِداً ... خُذْ ما ترُوم فقد ظفِرتَ مَرامَا
فاطلُبْه ممَّن بالفضائل واللُّهَى ... لذَوِي الحِجَى والفضلِ صار إمامَا
مُفْتِي الورى ومُبِين أعلام الهدى ... أفْتَى الأنامَ وأوضحَ الأحْكامَا
ذو المجد إن أمْعَنْتَه ألْفَيْتَه ... وجدودَه الغُرَّ العظامَ كِرامَا
وبرأْيه المورُوثِ أعطَى راعياً ... للدولةِ العُظْمى به اسْتحْكامَا
أعْطَى بصائب فكرِه وبجُودِه ... لشَتِيت آمالِ العُفاةِ نِظامَا
وأزاح دَيْجورَ الحواديثِ بعد ما ... قد عَمَّ ساحاتِ الديارِ ظلامَا
وأراح مُذْ ساس الورَى فلأجْلِ ذا ... أضحت عيونُ الحادثاتِ نِيامَا
مَن فاز بِشْراً من أسِرَّة وجهِه ... بَرْقَ البشائرِ والتهَانِي شَامَا
ومَنِ اسْتضاءَ بنورِ غُرَّته اجْتلَى ... وجهَ السرورِ وقد أُمِيطَ لِثامَا
ولأجْل أن أغْلَى المعالِي قيمةً ... سوقُ المعالِي والمعارف قامَا
مَن كان مُنتمياً إلى أعْتابه ... أمسَى وأصبح للأنام إمامَا
أنت الذِي أعطيتَ جَدّاً ناعِشاً ... من يستغيثُك نال ما قد رامَا
آنافُ كلِّ مُخالفٍ أجْدَعْتها ... بشَبَا البراعةِ إذ سَللْتَ حُسامَا
وجوادُ فكرك فاق سَبَّاقَ النُّهَى ... خاض الطِّرادَ وما أثار قَتامَا
وسلكتَ في سُبُلِ المكارم مَسْلَكاً ... أعْيَى الوُلاةَ وأتعبَ الحُكَّامَا
من يتَّخِذْ مَثْوَى جنابِك قِبْلةً ... للناس أصبح أُسْوةً وإمامَا
سَبقتْ لِبابِك لي تَلِيدُ عُبودةٍ ... أنت الأحقُّ بأن تصون ذِمامَا
اللهَ أسألُ أن يُحلِّي دَائباً ... بوجودِك الأيامَ والأعوامَا
دُمْ في ذُرَا طَوْدِ السعادة والعلى ... تتسَنَّم الهضَباتِ والأعْلامَا
وأنشدني رائية خبية الفكر، والخريدة التي صانها الله صيانة البكر، وهي في مدح الوزير مصطفى، أخي الوزير الفاضل.
ومطلعهاك
دِراكُ المعالي بالمُهنَّدةِ البُتْرِ ... وَنيْلُ الأماني بالمُثقَّفة السُّمْرِ
ومَن يهتْصرْ لَدْنَ القنا باعْتقالِها ... جنَى يانعاً من دَوْحةِ النُّجْحِ والنصرِ
وهل بعد أن الحتْفَ ضربةُ لازبٍ ... لمن ينْثنِي ذُعْراً عن الزحفِ من عُذْرِ
ولو لم يكن بالْهالِع النَّدْلِ سُبَّةٌ ... كفى فيه خُسْراً سوءُ مُنْقلَبِ الكَرِّ
وما لم تُرِقْ لم يُورِق النُّجْحَ ناضراً ... نَجِيعُ الأعادي كالمُلِثِّ من القطْرِ
ومن يعْتنِقْ هِيفَ القَنا يسْلُ مُعرضاً ... عن الخَفِراتِ البِيض ناحِلةِ الخَصْرِ
ويسْتنتج الحَوْماتِ والبأْسِ من يكُن ... أبا عُذْر ما قد خاض من فتْنةٍ بِكْرِ
ومَن لم يخُضْ لُجَّ المَعارِك لم يكَدْ ... يفُوز بِعقْد النَّحْرِ من لُؤلؤٍ نَثْرِ
فها هو ذا الصدرُ الكريم الذي غدا ... عديمَ المُدانِي غيرَ مُشتَرك النّجْرِ
سَمِيُّ النبيِّ المصطفى الناشرُ اللُّهَى ... غزيرُ الندى شمسُ العلي الواسعُ البِرِّ
مُعزُّ أساسِ الدين مُحيِي رسُومهِ ... مُذِلُّ رقابِ المعتدين ذوِي الكفرِ
وناظمُ شمْل الدين للمال ناشرٌ ... يفوق الورَى في ذلك النظم والنثرِ
стр. 339
تطاوَل للأحْرارِ حيث اسْترقَّهمْ ... بِفَكِّ عُناةٍ منهم عن يَدِ الأسْرِ
وصار له خَوْضُ الحروبِ سجِيَّةً ... ولم يكُ يسْطو في المعارِك بالبُتْرِ
رحيبٌ ذَاره أصبحت مُنْتدَى اللُّهَى ... وحَضْرتُه العَلْيا غدَتْ منتهى الفخرِ
حَرِي للورى أن يُفْرِشوه خُدودَهم ... يعُدُّونه زَهْواً من الشِّيَم الغُرِّ
له شاغلٌ بالبِيض عن أبْيَض الدُّمَى ... وبالسُّمْر يسْتغني عن الشُّدُنِ العُفْرِ
زَكَا خُلْقُه الَّزاهِي ورتبتُه اعْتلَتْ ... على أنْجُمِ الزَّهْرا بل الأنْجُمِ الزُّهْرِ
أزاح بمَاضِي الشَّفْرتيْن صفوفَهم ... كما حَكَّ سْطراً بعد ما حاك من سَطْرِ
وما قد أتى من صَيِّب النُّجْح عاجلاً ... مَخِيلةُ أن يزْداد من دِيَمٍ غُرِّ
وأنت الوزيرُ ابنُ الوزير أخو الندى ... وصدرُ الصدور الماجِدين ذوي القَدْرِ
أحاطتْ أياديك الكرامُ بحيثما ... يَضيقُ بما خَوَّلْتَ منطقةُ الشكرِ
رُواقُ المعالي في ذَراكَ مُطنِّبٌ ... بحيث غدَتْ أوتادُه مَرْقَبَ النَّسْرِ
بغزْوِك آضَ الشرعُ مُسْتوثِق العُرَى ... وأصبح حبلُ الدِّين مُستحْصِد الشَّزْرِ
ومن عَضْبِك البَتَّارِ ما برح العدى ... إذا أوْمَض البرقُ المُلِيحُ على ذُكْرِ
تركْتهمُ تحت السَّنابكِ في الوغى ... لَقَى بعد ما كانوا اعْتلَوا صَهْوة الكِبْرِ
ولاَذُوا حُصوناً قد ظفِرْتَ بفتْحها ... كما فزِع الطيرُ المَرُوعُ إلى الوَكْرِ
ومن يكُ يأوِي من جَنابِك مَلْجأً ... جَلا أوْجُهَ الآمال مُبتسِمَ البِشْرِ
أقلْنِي يُثبْك اللهُ ما قد تروُمُه ... وزادَك ما قد حُزْتَ من شرف القدرِ
أفاض لك النُّعْمَى وزادك بَسْطةً ... بما مَنَّ من نُجْحٍ عظيمٍ ومن نصرِ
وجازَى بما أعليْتَ من كلِماتِه ... فكنتَ مُقيلَ الدِّين والشرعِ من عَثْرِ
وإنِّي وأيْمُ اللهِ لم آلُ دَعوةً ... مُدِيمُ الثناءِ المَحْضِ في السرِّ والجهرِ
غدوتُ أخا عُرْىً وضُرٍ وفاقةٍ ... طَلِيحاً بأعْباءِ الخَصاصةِ والفقْرِ
وأضحى عدوِّي راثياً لي لأنني ... قويُّ الأسَى واهِي التجلُّد والصبرِ
وإني لِمَا بي من أسىً مُتجلِّدٌ ... ولكنَّ أحْزاني تنِمُّ عن سِرِّي
وإنِّي جديرٌ أن أُرَوَّي برَشْحةٍ ... أفَضْتَ بها من فيْضِ نائِلك الغَمْرِ
مُنايَ وسُؤْلِي أن أفوز بحِجَّةٍ ... وأسْرَحَ طَرْفِي بالحَجُونِ إلى الحِجْرِ
وفي في سماءِ الصدقِ صادقُ دعوةٍ ... عَلا في الدياجِي مثل مُنْبَلِج الفجرِ
أنِلْ وابْق واسلَمْ مُستماحاً ومَفْزَعاً ... لمُسْتنْجِدي الجَدْوَى ومُسترفِدي البِرِّ
ودُمْ ساحباً ذيلَ المكارم ساكباً ... سحابَ نوالٍ مُخْجِلٍ نائلَ البحرِ
سقى اللهُ مِن دَانِي الهيَادِبِ صَيِّبٍ ... حِماك الذي صارت مُناخاً لذي الفقرِ
وكتب إليه إبراهيم السؤالاتي، ملغزاً في ربيع، قوله، وقد أنشدنيه وجوابه من لفظه:
نكتةَ الدهرِ لَوْذَعِيَّ الزمانِ ... عارفَ الوقتِ ألْمَعِي الأوانِ
بدرَ أُفْقِ الكمال شمسَ المعالي ... رُوحَ جسمِ الجمال والعرفانِ
والمُجَلِّي طِرْفَ الفضائل والبَذْ ... لِ سَبُوقاً في حَلْبة الميْدانِ
والمحلى جيد الفصاحة بالفك ... ر عقوداً من لؤلؤ وجمان
стр. 340
بيَراعٍ منه تُراعُ المَنايا ... ويُراعَى فيه ربيعُ الأمانِ
ما اسمُ شيءٍ طَلْقِ المُحيَّا نضيرٍ ... بشَذاه يُرِيحُ لُبَّ الجَنانِ
رُبعه خمسُ ربعه وتراه ... إسمَ شخصٍ وقطعةً من زمانِ
شَطْرُه مالكٌ ومقلوبُ باقِي ... هِ يُصيب الإنسانَ في الأحْيانِ
واقلبِ الاسمَ بعد طَرْحِك للصد ... رِ تراه عيْباً بدا للعَيانِ
وإذا ما قلبْتَ حاشيتيْه ... فعبيرٌ ينِمُّ عن رَيْحانِ
وإذا ما حذفتَ ثانيَ هذا ... فهْو رَكْبٌ يسيرُ في القِيعانِ
وانْتشِقْ من تصْحيِفه نَشْرَ شيءٍ ... هو طِيبُ الأرْواحِ والأبدانِ
نصفُه إن ردَدْتَه فهْو شخصٌ ... طائعٌ والديْه في كلِّ آنِ
وفَلاةٌ عريضةٌ وتعالى الل ... هـ ربِّي مُدبِّرُ الإنسانِ
وإذا ماحذفتَ ذا فهْو قوتٌ ... وغذاءٌ للجائعِ اللَّهْفانِ
وإذا ما صحَّفْتَه فوِعاءٌ ... لِغذاء الرضيعِ يا ذا البَيانِ
هاك مولايَ من عُبَيْدك لُغْزاً ... وابْقَ تسْمُو قدراً على كِيوانِ
ما سرَتْ نَسْمةُ الرياضِ صَباحاً ... في رُباها بلَيِلَة الأرْدانِ
وتغنَّتْ بسَجْعِ حَمْدك وُرْقٌ ... بفَصِيحِ التِّبْيانِ والألْحانِ
وهذا جوابه:
وردةٌ ذي أم مَبْسَمُ الأُقْحُوانِ ... جاد وَسْمِيّ عارضٍ هَتَّانِ
أم ثغورُ المِلاح ألْعَسُ أحْوَى ... أم خدودُ المِلاح حُمْرُ قَوانِي
أم جُمانٌ مُنضَّدٌ لوشاحِ الْ ... غِيدِ يُزْهِي مَعاقِدَ التِّيجانِ
أم سُلافُ الرُّضابِ عذْباً بَرُوداً ... بِتُّ منها كالْوالِهِ النَّشْوانِ
أم كؤوسٌ أدارها أهْيفُ القَدِّ ... هَضِيمُ الحشا خضيبُ البَنانِ
زهرةٌ زانَها السحابُ سُحَيْراً ... بدموعٍ غزيرةِ الهمَلانِ
تلك روضةٌ غَنَّاءُ فيها من الوُرْ ... قِ بكلِّ الأرْجاءِ سَجْعُ قِيانِ
نَفْثةُ السِّحْر أم رُقىً لِمُعنّىً ... فاترِ القلبِ ساهرِ الأجفانِ
كنتُ خِلْواً من الغرام فهزَّتْ ... نِي صَباباتُ هذه الألحانِ
حيث جاءتْ ألَذَّ من غَفَواتِ الْ ... فجرِ طِيباً لِجَفْنيَ السهرانِ
يا كريماً بعثتَ سِلْكَ عقودٍ ... فاضِحاتٍ قلائدَ العِقْيانِ
مُلْغِزٌ في اسمِ ما به الرَّبعُ زَاهٍ ... وهْو للدهرِ موسمُ العُنْفُوانِ
جئتَ للهِ يا ربيعَ المعالي ... بِمُوشّىً مُحيِّرِ الأذْهانِ
يا سَمِيّاً لمن به صِرْنَ بَرْداً ... وسَلاماً لَواعِجُ النِّيرانِ
فُقْتَ كلَّ الورى وصار مُقِرّاً ... لك بالفضل كلُّ قاصٍ ودَانِ
ما تعنَّتْ حمائمٌ ساجعاتٌ ... بهديلٍ أعالِيَ العِيدانِ
أجبت أطال الله بقاك، وأقول كما قال شيخ المعرة، حيث أنشد:
واقْتنِعْ بالرَّوِيِّ والوزنِ منِّي ... فهُمومي ثقيلةُ الأوزانِ
ومن بدائعه قوله:
ترى السَّرْوَ إذْ وافَى السحابُ بثَلْجِه ... وقلبي المُعنَّى بالهوى جِدُّ مَسْجُورِ
يشمِّر أذْيالاً كبِلْقِيس حيثما ... تبدَّتْ لها بُسْطُ الرُّبَى كالقواريرِ
قلت لو كان للسرو رجل أخرى إلى رجله، لكان تشميره الذيل حتى يسارع بتقبيل الأرض لأجله.
ومنه قول ابن زهر الحفيد، في زهر الكتان:
أهلاً بزَهر الَّلازَوَرْدِ ومرحبَا ... في روضةِ الكَتَّان تعطِفه الصَّبَا
لو كنتُ ذا جهلٍ لخِلْتُك لُجَّةً ... وكشفتُ عن ساقٍ كما فعلتْ سَبَا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
تَوَقَّ الشُّحَّ عن نَشْر الأيادِي ... وأيْدِي الجود فابْسُطْها سَماحَا
стр. 341
أيبْقَى العنكبوتُ بلا جناحٍ ... أعَدَّ الله للرزقِ الجناحَا
ولي أنا فيه من المدائح قصائد محررة، وبرودٌ خِطتْها من جَيِّد الثناء وهي بالقوافي مزررة.
فمنها قصيدة أهديتها له عند دخولنا القاهرة، مستهلها:
على رَسْمِها بالمُدَّعِي من مَآلفِ ... أقامتْ هَزِيماتُ الحيا المتضاعفِ
ونسختها اختص بها وحده، فلهذا لم أذكرها.
وكان له ولد طاهر النشأة وقورها، مبذول المكارم موفورها.
انتقل بمصر إلى عفو الله ورضوانه، وخلى القلوب تعالج لواعج أحزانه.
فكتبت إليه أسليه:
هو الرَّدَى للمرء بالمرصادِ ... والكونُ كلُّه إلى النَّفادِ
وهذه الدنيا التي نعرفُها ... ما هي إلا مَنْشأُ الأنْكادِ
أنكرتُها وأنكرتنْي وأنا ... إذْ ذاك ما وُضعتُ في المِهادِ
فلو أكُنْ أملكُ روحي في يدي ... أطلقْتُها من ساعة الميلادِ
مالي وإيَّاها وكلِّي ألْسُنٌ ... على فَواتِ عُمُرِي تُنادِي
ومن يمتْ أحْسَب يلْقَى راحةً ... ولا أقَلّ من أذَى الأضْدادِ
ويكتفي مع الورى في خَلطٍ ... مشَّقةً متاعبَ الجهادِ
وقد فقدتُ مَن مضَوا ومعهمْ ... راحلتِي من المُنَى وزادِي
وفيهمُ مَن لو يُفدَّى مَيْتُهُ ... فدَيْتُه بحَبَّةِ الفؤادِ
ومن إذا ذكرتُ عهدَ قُرْبِه ... ودَّعتُ عند ذكرِه رَشادِي
ومَن هواه لم يزلْ في خَلَدِي ... مُنَزَّلاً منزلةَ اعْتقادِي
ريحانةُ المجدِ التي بِعَرْفها ... تعطَّرتْ مَعاطِسُ الأمجادِ
قد نقَد الفضلَ صفاتُه التي ... حَلتْه نَقْد الحُسْنِ للجيادِ
وكان في عيْن الزمانِ نُورَها ... قد حلَّ منها داخلَ السَّوادِ
ومَن رآه في بُروجِ سَعْدِه ... فقد رأى أهِلَّةَ الأعيادِ
مضَى سعيداً والرِّضا زميلُه ... مُصاحبُ الإسْعافِ والإسعادِ
فكلُّ بُقْعةٍ به عاطرةٌ ... تنْفح نَشْرَها بكلِّ وادِ
فما على من شَمَّ مِسْكاً أذْفَراً ... من تُربِه مُضَمَّخَا بِجَادِي
لا زال في جنانِ عَدْنٍ ثاوياً ... يحْبُوه لطفُ المنْعم الجَوادِ
وباكرتْ مَضْجَعه من الرِّضا ... غُرٌّ يحثُّها الصَّبا غَوادِ
والله يقْضي لمُصابِ فَقْدِه ... بالصبرِ والجزاءِ في المَعادِ
ولا يزال عمرُه عُمْرَ الورى ... لا ينْقضي لأبَدِ الآبادِ
فهو الذي تُرشِدنا علومُه ... ورأيُه للخير خيرُ هادِ
وقلت وأنا برشيد في خدمته أودعه، وكان المرض أقعدني عن رفقته، لمشيئة الله وحكمته:
أفارقُ من أوَدُّ به التلاقِي ... وأخْتار الحِمامَ على الفِراقِ
وأذكر عهدَ لَيْلاتي المَواضِي ... فأنْدُبها بتَذْكارِ البَواقِي
ولو كانتْ دمشقُ ثَنَى عِنانِي ... ولا ألْقاك عِفْتُ بها اعْتلاقِي
فأنت إذا بعُدتَ فألْفُ بُعْدٍ ... لآمالي ولا بَرِح اشْتياقِ
ولولا الضَّعفُ ما اخترتُ التَّواني ... ولا سلَّمتُ للبلْوَى وَثاقِي
فعُذْراً إنني والحظُّ قِدْماً ... تعاهدْنا على عدَم الوِفاقِ
إذا ما رُمْتُ أمْراً فيه نُجْحِي ... يُعاكِسه ويجْهَد في شِقاقِي
فيا صبْري فديْتُك مِن مُطِيقٍ ... ويا بُؤْسي عدِمتُك من مُطاقِ
وأنت أيا مُنَى قصْدِي خبيرٌ ... بما ألْقَى وما أنا بعدُ لاَقِ
فلا تُهْمِل لعبْدك رَعْىَ وُدٍ ... ودُمْ طولَ الزمان وأنت باقِي
السيد عبد الله، المعروف بابن سعدى روضٌ متهدل الغصون، من شجرة السرو المصون.
لم يرق أفصح منه براعة بيان، ولم يشق أنقش منه يراعة بنان.
стр. 342
فكفه توشي الأرض الزخارف، وتجر على وجه الرياض خضر الطارف.
وكان شديد العارضة في المعارضات، موفى العهد في المقارضات.
إلا أنه على جودة طبعه، وشفوفه في مادة نبعه.
زحلي الانتقال، والعثرة عنده لا تقال.
ينحرف من حيث يستقيم، ويعتل وشكل مادته عقيم.
ولهذا ابتلى في قضاه، بحكمٍ جرى على خلاف رضاه.
فجوزي باخترامه، في احترامه.
وقوبل باعتباطه، من اغتباطه.
فصعب عليه أمر العزلة وأشكل، إلى أن عقل أمانيه المطلقة وتوكل.
ثم حصل له إمدادٌ بالرجعة، فأحله فيما شاء من النجعة.
وأطلعت صفحته الصحو، ونشر بعد ذلك المحو.
ولما استقضى بمكة رأيته بالشام وهو يزدهي بالنسب الأوضح، ويتباهى بنبعةٍ فرعها في السماء ومغرسها سرة الأبطح.
وكان بينه وبين أبي حقوق، ما رميت قط بوصمة عقوق.
فاحتفل به احتفال الناس بالربيع إذا جَا، وهلال شوال إذا فاجا.
ثم جرى بينهما مخاطبات، وطرف مكاتبات.
ألذ من إغفاء الفجر، وأشهى من الوصل بعد الهجر.
ثم دخل الحجاز، فكان لوعد ارتحاله بها الإنجاز، وهكذا من كان في دار النقلة والمجاز.
فرحم الله انقطاعه إلى كرمه، والتجاه إلى رمه.
فمما دار بينه وبين أبي، ما كتبه إليه أبي:
يا ساكناً بشِغافِي ... وعن عيونِيَ خافِي
طوَّلتَ مدةَ هجرِي ... وبعضُه كان كافِي
كدَّرتَ بالبُعدِ عيِشي ... من بعد ما كان صافِي
لهفِي لطِيب ليالٍ ... مرَّتْ لنا بالتصافِي
حيث الشبابُ قَشِيبٌ ... والدهرُ فيه مُوافِي
وسالفٌ من زمانٍ ... تُدار فيه سُلافِي
من كفِّ رِيمٍ كغُصْنٍ ... يميلُ بالأعْطافِ
يزْهُو بورْديِّ خدٍ ... يُزْرِي بوَرْد القِطافِ
زمانُ لَهْوِي تقضَّى ... برَوضةٍ مِئْنافِ
تُسْقَى من السُّحبِ وَبْلاً ... بعارضٍ وَكَّافِ
يا دهرُ رِفْقاً بصَبٍ ... حتى متى ذا التجافِي
وعدْتني بالأماني ... فكُن بوعدِك وافِي
واسمحْ برؤيةِ مَوْلىً ... سليلِ عبدِ منافِ
منها:
مولايَ يا بحرَ فضلٍ ... طَامٍ من الجود طافِي
وفائزاً بقوافٍ ... أعيتْ لَعَمْرِي ابنَ قافِ
أنت الغنِيُّ بمَدْحي ... عن كثرةِ الأوصافِ
فلا تظنَّ بأنِّي ... لِسابقِ الوُدِّ جافِي
لو كنتُ أعلم أمرِي ... لكنَّ أمْرِيَ خافِي
لَكان سَعْيِي إليكمْ ... وفي حِماكم طَوافِي
فرَبْعُ غيرِك عندي ... مولايَ كألأعْرافِ
إن رُمْتَ تفْصيلَ حالِي ... من الزَّمانِ المُجافِي
ما إن تمنَّيتُ شيئاً ... إلا أتى بالخلافِ
من جَوْره ضاق صدري ... فسِحْتُ في الأريافِ
حتى حَللْتُ بمصرٍ ... من بَعْد قطْع الفيافِي
فلم أجِدْ ليَ فيها ... غيرَ الثلاثِ الأثافِي
فلا صديقٌ صَدُوقٌ ... ولا حبيبٌ يُوافِي
هذا زمانٌ عجيبٌ ... ما فيه خِلٌّ مُصافِي
والفضلُ قد صار ذَنْباً ... وللرَّواجِ مُنافِي
منها:
واعذُرْ بفضلِك فكرِي ... ضاقتْ عليه القوافِي
ودُمْ بسَعْدك تسْمُو ... عُلاً على الأسْلافِ
فأجابه بقصيدة طويلة، مستهلها:
يا خيرَ خِلٍ مُصافِي ... لازال وِرْدُك وافِي
أين الزمانُ الذي قد ... كُنَّا به في التَّصافِي
ما بيْننا غيرُ وُدٍ ... ما بيْننا من خِلافِ
طَوْراً نُرَى من رياض الْ ... علومِ في الاقتطافِ
وتارةً من بحار الْ ... قَرِيض في الاغْترافِ
كنَّا كمثلِ الثُّرِيَّا ... بصُحبةٍ وائْتلافِ
فصيَّرَتْنا بناتِ النَّ ... عْشِ الليالِي الجَوافِي
стр. 343
بيننا نَرُود برَوْضٍ ... يوماً مع الأحْلافِ
وطيرُه في وِفاقٍ ... ولَحْنُها في اخْتلافِ
إذْ صاح منها غُدافٌ ... تَعْساً لذاك الغُدافِ
قد بَان كلٌّ عن الإلْ ... فِ وهْي ذاتُ الإَفِ
منها:
عسَى ليالٍ تقضَّتْ ... يعُدْنَ بالإسْعافِ
آهٍ عليها فآهٍ ... قد أسرعتْ في التَّجافِي
مضَتْ سريعاً وولَّتْ ... كمثلِ دُهْمٍ خِفافِ
مرَّتْ كخاطفِ بَرْقٍ ... وطِرْنَ كالخُطَّافِ
قد كُنَّ شَامَ زَمانِي ... كالشَّامِ في الأرْيافِ
دمشقُ أعْنِي ودامتْ ... مُخْضرَّةَ الأكْنافِ
شوقي لها كلَّ حينٍ ... يزْداد بالأضْعافِ
أصْبُو إلى بَرَداها ... بلَوْعةٍ والْتِهافِ
نسيمُها وهْو ذُو عِلَّ ... ةٍ لدائِيَ شافِي
أنهارُها لجيوشِ الْ ... همومِ كالأسْيافِ
بها حدائقُ فاقتْ ... في أحسنِ الأوْصافِ
تلك الحدائقُ تحكي ... صفاتِ خِدْنِي المُصافِي
منها:
يا مَن له كابْنِ بُرْدٍ ... بُرْدٌ من الفضلِ ضافِي
يا ظافراً بقوافٍ ... أعْيَتْ عُوَيْفَ القَوافِي
عويف القوافي، هو: عويف بن معاوية بن عقبة الفزاري.
من شعراء الدولة الأموية.
وإنما قيل له عويف القوافي لبيت قاله، وهو:
سأُكذِبُ مَن قد كان يزْعُم أنني ... إذا قلتُ قولاً لا أُجِيد القوافيَا
أتْحَفتنا بقرِيضٍ ... أحْسِنْ بذا الإتْحافِ
فَائِيَّة ما رأيْنا ... مِثْلاً لها في القوافِي
ما من سِنادٍ خَلِيلِي ... بها ومِن إصْرافِ
السناد: اسم لكل عيب يحدث للحروف والحركات قبل الروي.
والإصراف: اختلاف المجرى، وهو الحركة في الروي، بالفتحة والضمة.
وإذا كان بالضمة والكسرة فهو الإقواء.
وأما الإكفاء، فهو تقارب حرفي الروي في المخرج، كالنون مع الميم.
والإجازة هو بعدهما في المخرج، كالباء واللام.
زفَفتَ بِكْراً عَرُوباً ... إليَّ خيرَ زَفافِ
بِخَتْمِها بلَغتْني ... مَصونةً في السِّجافِ
عتبْتَ في تَرْكِ كُتْبِي ... إليكَ والعَتْبُ شافِي
لا تَعْذُلَنِّي فهذا ... حَوْبُ الزمانِ المُجافِي
وإن يكنْ ذاك ذَنْبِي ... فاصْفَحْ ومثلُك عافِي
ما أجملَ الصفحَ عن ذنْ ... بِ مجرمٍ ذي اعْترافِ
واللهِ ربِّي الذي لا ... تخْفَى عليه الخَوافِي
حُبِّيكَ في كلِّ حينٍ ... يكون في استحْصافِ
رأسٌ كقافٍ وإن كا ... ن بيْننا بُعْدُ قَافِ
لا زلْتَ ترْفُل عِزّاً ... وثوبُ قدْرِك ضَافِي
عبد اللطيف، المعروف بأنسي أعجوبة الأقطار والأمصار، وشرك العقول وقيد الأبصار.
وحسنة هذا النوع الإنسي، وعذر الزمن عن ذنب به أنسي.
اشتعلت بأسماره فحمة الليل، وجرى في روض أخباره نهر الصبح مثل السيل.
بحسن بيان يسحب ذيله على سحبان، ولطف تعبير يجر مطرفة على جرير وحسان.
وأحاديث هي مراوح النفوس من كد الفكر، ومصفاة القلوب إذا أبقت فيها الحوادث أثر العسكر.
ومناسبات هي نزهة مسارح الأخبار، وحظ جارحة السمع من منح الاعتبار.
أشهى من لذة النشوان، وقطع الرياض، جرى فيها ماء البيان، وسقتها مياه الحياض.
وله في الفنون يدٌ تتناول الشمس، وتشبر البسيطة بالبنان الخمس.
فلو أدركه الرازي لقيل له دونك إمامك، أو ابن أرفع رأس، لقيل له ارفع رأساً وانظر من أمامك.
أو لحقه ابن وحشية لقرب له المتنافر البعيد، أو خالدٌ الغيور لكفاه هم التقطير والتصعيد.
فلو وضعت صنجات النجوم من نيران السماء في كفه، لم توازن مناقبه الغر ونسبت إلى طيشٍ وخفة.
стр. 344
له تدبير محتنكٍ مجرب، ورأى ممارس مشرق ومغرب.
ونظمه ونثره باللسانين، هذا يقصر عنه من السحاب دره، وذا يصغر عنه من السخاب دره.
فذا أصفى قطراً وديمة، وذا أوفى قدراً وقيمة.
وكان في آخر أمره تنبه حظه من نومته، وسيم من الإقبال التام بسومته.
فولي قضاء الشام، ونال رتبةً يتباهى بها العز والاحتشام.
وقد رأيته يوم دخوله، وزحمة الأعين تحول بين التملي ووجهه، فرأيت شيخاً إذا سار البدر في موكب نجومه، قيل قد غنينا عنه بتلهبه.
وقد أخلق العمر عمائم ثلاثاً في راسه، وأشعل للرحيل بهذه النعشة ذبالة نبراسه.
ولم يبق من كأس عمره إلا جرعة، وبريد المنية سائرٌ إليه في عجلة وسرعة.
فما حط أثقاله بهذا الفنا، حتى نزل دار البقا وترك دار الفنا.
فالله ينور له الحفيرة والتربة، وهو المسؤول أن يؤنس له الوحشة والغربة.
وهذا جانبٌ من نثره الفائق، ونظمه الرائق.
أتيت منه بالقليل من الكثير، فإن محاسنه تزيد على نجوم الفلك الأثير.
فمن ذلك ما كتبه إلى مفتي الدولة:
دروعٌ لِشاكِي الطعنِ هذي الرسائلُ ... يرُدُّ بها عن نفسه ويشاغِلُ
هي الزَّرََدُ الضَّافِي عليه ولفظُها ... عليكَ ثناءٌ سابغٌ وفضائلُ
أتاك يكادُ الرأسُ يجحَد عُنْقَه ... وتنْقَدُّ تحت الذُّعْر منه المَفاصلُ
كيف لا، وأيد الله مولانا، وهو مظهر الجلال والقهر، ومصدر الحماسة والسيادة في أبناء الدهر.
ذو الهمة التي همت بالدهر إذ تصرف في الاحرار بصروفه، والعزمة التي عزمت على تسكين دور دوائر حتوفه.
الذي تصهر باستبعاده الأحرار من عزمهم غصناً وريقا، وتسنم من سبح الجلالة والجبروت مكاناً وثيقا.
متى استنجد تنمر تنمر الليث، أو استغيث تشمر تشمر البطل عند الغيث.
يكاد سنا برق سطوته يذهب بالأبصار، وتكاد صواعق دولته تخرب المدائن والأمصار.
وإن شيم برق حلمه في خلال جون معارضات عوارضه، فالمستغر بوميضه كمن اغتر في الأحقاف بعارضه.
كم أوجف أقدام قربه بالجبان، إلى مساقط الحرب العوان.
وكم روى سويد بن البنان، من دماء الغطارفة الشجعان.
يتكسَّب القصَبُ الضعيفُ بخطِّه ... شَرفاً على صُمِّ الرماحِ ومَفْخَرَا
لقد أطال إلى سمك السماكين باعا، ومد إلى جر مجرة الفرقدين ذراعا.
فتغنى بمديحه غير الغريد، وملأت مهابته قلب كل قريب وبعيد.
بعث الرعبَ في قلوبِ الأعادِي ... فكأنَّ القتالَ قبلَ التَّلاقِي
وتكاد الظُّبَا إذا جاشَ غَيْظاً ... تَنْتضِي نفسَها إلى الأعناقِ
كرمٌ خَشَّنَ الجوانبَ منه ... فهْو كالماءِ في الشِّفارِ الرِّقَاقِ
ومَعالٍ إذا ادَّعاها سِواهُ ... لزِمتْه جِنايةُ السُّرَّاقِ
هو لعمري المقدم الذي لا يجارى في مضمار، ولا يساوى عذار جواد سؤدده بعذار.
لقد تقلد بفخره حساماً لا تنبو مضاربه، وتخوذ من عرضه بيضةً يعجز عن قرعها مضاربه.
فمن رام وطء حرمه بنقصٍ ملته البقيا، ومن اصطلى بناره أتيح له منها شوبٌ لا يموت فيها ولا يحيى.
أعزُّ مُغالبٍ كفّاً وسيْفاً ... ومقدرةً ومَحْمِيةً وآلاَ
وأشرفُ فاخرٍ نفساً وقوماً ... وأكرمُ مُنْتمٍ عَمّاً وخالاَ
كلا والله، لست صادقاً في قالي، ولا مصيباً تلك الرمية بنبال مقالي.
لأني لا أرتضي له من جميل المدح مدحَا، ولا أستطيع لمتن حسن ثنائه شرحَا.
إذ المدح وسيلةٌ لأن يعتقد في الناقص الكمال، والثناء ذريعةٌ إلى تخيل الجميل في غير ذي الجمال.
فأكون كالأعشى إذا مدح محلقا فغدا بعد خموله إلى شأو العلى محلقا.
وهو فقد ملك السيادة مقاداً ذليلا، وأضح له صعب الفخار ذلولا.
وجل عن مذهب المديح فقد كاد يكون المديح فيه هجاء، فأكبر بشأنه، وأعظم بمكانه.
هو الذي بذ فلا يدرك، وشذ في عصره فلا يشرك.
وأي مقال ينبي عن مغنى فضله، وأي إرقالٍ ينتهي إلى مداه وخصله.
لو أرخى عنان جواد الثنا، في ميدان المدح والثنا، لوجب من غلو الوصف المندوح، تكفير المادح والممدوح.
لكن قد زحم جماح غلوه، واستنزه جلمود علوه.
واستقصر مدى جريته، دون التمادي في مريته.
стр. 345
على سرد بعض منتقى أوصافه الفاخرة، ووصف فيض ملتقى بحر علومه الزاخرة.
عَلامةُ العلماءِ والبحرُ الذي ... لا ينتهي ولكل لُجٍ ساحلُ
يدْرِي بما بِكَ قبلَ تُظهِرُهُ له ... من ذهنِه ويُجيب قبلَ تُسائلُ
وتراه معترضاً لنا ومُولِّياً ... أحْداقُنا وتحارُ حين يُقابلُ
كلماتُه قُضُب وهنَّ فواصلٌ ... كلُّ الضَّرائبِ تحتهنَّ مَفاصلُ
مقطعاته كالسحر الحلال، والسلسبيل السلسال.
والمثل السائر، والنادر المنجد والغائر.
لا يمكن الاحتذاء على مثالها، ولا تطول أعناق الهمم إلى مثالها.
إن شبه فالمعتزيات واجمة، أو أغرب فالمغربات راغمة.
ذو الأخلاق الأريحية، والأحكام الشريحية.
والشجاعة العنترية، والنصائح البحترية.
من هو في الزهد كأويس، وفي الحلم كالأحنف بن قيس.
إياس الزكن، عريٌّ عن اللحن واللكن.
كان قدما أبوه في العلم والزهد يساوي سميه زكريا، فاقتفى أثره وأربى عليه وله صار وارثاً ووليا.
أنهي إليك أيها المولى الباذخ فخاره، الشامخ على النجم مناره.
أن هذا بعض ما أدركه أسير امتهانك، وهدف سهام امتحانك.
من بعض أوصاف حميد شيمك، التي حويتها بعلي هممك.
التي أفحمت كل معارض يجارى، وأوجمت كل معاندٍ يمارى.
ورجمت مناويك بشواظٍ من نار، وألجمت كل ذي لسنٍ يقاويك بلجام العي والبوار.
فكيف أقوى بعد جرمي بها، وتحقق وهمي فيها، على سل مرهف المقال، والتجاسر في حضرتك على إطلاق عنان المقال.
مع علمي بصلود قدحي، ومعرفتي وسم قدحي.
وإني إن جعلت نفسي لسهام سطوتك هدفا، أوردتها من وخيم مناهل بطشك تلفا.
ثم لا أجد لي من الانتساب إلى معرفة جنابك شافعا، ولا من الانتماء إلى خدمة أعتابك عن أليم عقابك دافعا.
وما عسى أن أقول، وعلى أي قرنٍ أصول.
وأنت سحبان وائل، وأنا أعيى من باقل.
ولقد عُرِفتَ وما عُرِفت حقيقةً ... ولقد جُهِلتَ وما جُهِلت خُمولاَ
ما كلُّ من طَلب المعالي نافِذاً ... فيها وما كلُّ الرجال فُحولاَ
والرسالة التي تقوم بعدة رسائل، هو ما قال القائل:
تأخَّرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْ ... لنفسِي حياةً مثل أن أتقدَّمَا
فلستُ بمُبْتاعِ الحياة بذلَّةٍ ... ولا مُرْتَقٍ من خشْية الموت سُلَّمَا
وكنت برهةً طالما اقتدحت زناد فكري، في وصف معاليك فما قدح، واستصدحت عندليب شعري، في وصف مساعيك فما صدح.
فأصبحت من زخارف آمالي، وزيف نقود أعمالي، على ركية جفت مذانبها، وروضةٍ اغبرت جوانبها.
وصرت الآن كقطاةٍ لم يعلق لها جناح، علق بها من جأشك لا من الأيام جناح.
ونصبت لها في حرمك الأشراك، وأعوزها البشام والأراك.
والذي حول حمالي، وهيج بلابل بلبالي.
هو ما أنا شارحه، وبين يديك الكريمتين طارحه.
سمعتُ حديثاً ما سمعتُ بمثلِه ... فأكثرتُ فيه فِكرتي وتعجُّبِي
وها أنا أُلْقيه إليك مُفصَّلاً ... فدونك فاسْمعْ ما يسرُّك واطْرَبِ
وذلك أنا صادفنا خلسةً من خلس الاتفاق، في مجلس بعض الموالي الرفاق.
الذين حضور مجالسهم شرف دهر، واستئناف عمر، ورفعة قدر.
والذين هم عيون أعيان أصدقائك، وأجل جلة محبيك وأخلائك.
نتنافث فيه رقى الأشعار، ونتساجل من فقرها ما يفعل في العقول فعل الأسحار.
ونتفاوض منها في المحكم والمتشابه، والشرط الذي لا يحسن القريض إلا به.
مع سادةٍ هم لعمري نجوم الفضل والأدب، وبدور الحسب والنسب.
فبينما نحن نجول في تلك الحلبة، ونرتشف من مخض تلك الحلبة.
إذ سقط علينا من السما، وفاجأنا من العما، من أسكرته حميا قربك، وأقعس منكبيه كونه من حزبك.
فهو لا يرتضي غير حاله حالا، ولا يعد غير قاله قالا.
فجعل ينص لنا من مخدرات أبكار أفكاره، ويجلو علينا من قاصرات نظامه ونثاره.
ما زعم أنهن كاللؤلؤ والمرجان، لم يطمثهن إنسٌ قبله ولا جان.
ولنا القولُ وهو أدْرَى بفحْوا ... هُ وأهدى فيه إلى الإعجازِ
ومن الناسِ من يمُرُّ عليه ... شعراءٌ كأنها الخَازِبَازِ
فاعتقدنا ما اعتقدنا، ونقدنا ما نقدنا.
وأقمنا لبضاعة قريضه سوقا، ونهجنا للأخذ والعطاء فيه طريقا.
стр. 346
فرأينا النقاوة فانتقيناها، واريناه النفاوة التي انتفيناها.
فأوتر لذلك قوس غضبه بوتر المثالب، ورمى المملوك من تعنته بكل سهم صائب.
وتكشف عن خلق ليس بينه وبين الجميل نسب، ولا له إلى التثبت طريقٌ ولا مذهب.
وهو بسيف تعسفه صائل، ولم يعلم قول القائل:
إن بِعضاً من القَرِيض هُراءٌ ... ليس شيئاً وبعضُه إحكامُ
منه ما تجلِبُ البراعةُ والفضْ ... لُ ومنه ما يجلبُ البِرْسَامُ
فلما رأى أني لست ممن تغتاله غوائله، ويصطاد في حبائله.
وأني وإن طلبت للشعر عيباً ألفيته، وإن كافحني قرنٌ لقيته.
وأنه إنما تخضع الرقاب لمن وجدت فيه فضلا، وتنقل الأقدام إلى من كان للزيارة أهلا.
فأضرب عن المجادلة صفحا، وسحب ذيل تناسيه على رسم المساجلة مرحا.
ثم لما ودعنا، وغاب شخصه عنا.
حملناه على أحسن محمل، ونسبناه إلى ما هو من الجميل أجمل.
ولم نعلم أنه ركض علينا في ميدان حضرتك، ووضع قدم قوله حيث شاء من الملام في سدتك.
وما لكلام الناس فيما يَرِيبُنِي ... أصولٌ ولا للقائلين أصولُ
أُعادَى على ما يُوجِب الحبَّ للفتى ... وأهدأُ والأفكارُ فِيَّ تجُولُ
فلم أشعر إلا منذراً إيعاد مولاي علاه لدى الباب، يذكر ما حصل لجنابه من التحمل والاضطراب.
فيا لله العجب كيف أصغي للنميمة، وبالغ كل المبالغة في الشتيمة.
ولم يلهم أن الروايات تمر وتعذب، والحكايات قد تصدق وتكذب.
ولم أرَ في عيوبِ الناسِ عيباً ... كنقْصِ القادرين على التَّمامِ
وربما صدق مولانا ما نقل إليه، وما عرض من الافتراء عليه.
من أني استهجنت شعره الرائق، واستوجمت نثره الفائق.
أو من تقدمه من متقدمي هذه الصناعة، وجالبي هذه البضاعة.
من كل من إذا رام اقتناص نوادر بديعية ابتدعها، أو غاص في بحار المعاني على جواهر اختراعية اخترعها.
أو قال أبياتا أبرزها غررا، أو نظم فقراً جعلها دررا.
وأنا أعيذ سيدي أن ينظر الذنب الخفي، أو يتغافل عن العذر الجلي.
تطيعُ الحاسدينَ وأنت امرؤٌ ... جُعِلتُ فِداؤُه وهُم فدائِي
أأنطِق فيك هُجْراً بعد عِلْمي ... بأنك خيرُ مَن تحت السماءِ
وهَبْني قلتُ هذا الصبحُ ليلٌ ... أيَعْمَى العالَمونُ عن الضِّياءِ
وإنما طريق العلم نهجً تستوي فيه الأقدام، ومورد الفضل مشرعٌ تتشارك فيه الأفهام.
ولكني أقول:
أرى المُتشاعِرين غَرُوا بذَمِّي ... ومَن ذا يحمَد الداءَ العُضالاَ
ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍ مريضٍ ... يجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالاَ
فوالذي حرم وطء حرم الأعراض، وعظم أجر غرض أسهم الأغراض.
ما يليق بشأنك، ولا يحسن بعلو مكانك.
أن تكون خفيف ركاب الغضب والرضا، أو تكون رخيص مهر الحب والقلى.
وأن تسارع إلى شنيع العتب، أو تسلف العقوبة قبل ارتكاب الذنب.
ولقد عجبت كل العجب حيث لم تدرك الصواب، في تعيين بشاعة الجزاء. وشناعة العقاب.
وأنت المشهور بالصواب في أحكامك، والمعروف بإصابة اليقين بسهام أوهامك.
وفي حل عقد المشاكل، كما قال القائل:
قاضٍ إذا الْتَبس الأمْرانِ عَنَّ له ... رأيٌ يُخلِّص بين الماءِ واللبنِ
الفاصلُ الحكمَ عَيَّ الأوَّلون به ... والمُظهِر الحقَّ للسَّاهِي على الذَّهِنِ
فلو عرفت وجه سخطك، وتبينت موجب شططك.
لتحملت دونك الوزر في ظلمي، ولكنت مقدمتك إلى سبي وذمي.
ولأزمعت أن أضع نفسي في الكفة التي وضعتني فيها، وأن أنزلها في المنزلة التي أهلتني لها.
لعلمي أن حكومتك لا تنقض، وحجتك لا تدحض.
لكن يتواضع الليث لصيد الأنب، وافتراس الثعلب.
وإن كان يصطاد الفيل، ويفترس العندبيل.
حسبُك اللهُ ما تضلُّ عن الحقِّ ... ولا يَهْتدي إليك أَثامُ
لم لَمْ تحْذَرِ العواقبَ في غَيْ ... رِ الدَّنايا وما عليك حَرامُ
والعقاب الذي حكم به مولانا على عبده مرضي، وقضاؤه على مملوك رقه مقضي.
لكن حيث كان الخوض في شعر الناقل محصورا، والنقد على زيوف محصول ديوانه مقصورا.
لو قصرتم السبب على ذلك المسبب، لكان أظهر للإعلال وأنسب.
стр. 347
بشأن الحب أن ذلك العنوان، ليس إلا في شأن ذلك الديوان.
وليعلم الخاص والعام، ويتحدث في المحافل عاماً بعد عام.
بأن مولانا لم يخط في حكمه ثغرة السداد، ولم يزغ برسمه عن شريعة الرشاد.
فلعمري لقد جاءني الداء، من مظنة الدواء.
وكنت أعددت مولاي لكل مطلوب جناحا، ولظلمات الخطوب مصباحا.
قد كنتَ عُدَّتِيَ التي أرْمي بها ... ويدي إذا اشْتَدَّ الزمانُ وساعِدِي
فرُمِيتُ منك بضدِّ ما أمَّلْتُه ... والمرءُ يشْرَق بالزُّلالِ الباردِ
أقول ذلك إجلالاً واحتراما، لا اختباراً واستفهاما.
فإن الأمور بيد الله، والأرزاق في خزانة الله.
قد لَعَمْرِي أقْصرتُ عنك وللوَفْ ... دِ ازْدِحامٌ وللْعطاءِ ازْدحامُ
ومن الرُّشدِ لم أزُرْك على القُر ... بِ على البُعدِ يُعرَف الإلْمامُ
لي والله يا سيدي قلبٌ لا تقلبه السراء ولا الضراء، وعرضٌ غير ملوم لا يدنسه المراء.
طالما نطقت بلسانٍ تشبه خلقته خلقة إنسان، ونمقت بكلمٍ كأن لسانه لسان السنان.
لا يعثر جوادهما في مضمار الكلام، وصلت بحسام همة لا ينبو شباه عن ضرب أعناق المرام.
لم أوجد بحمد الله تعالى كاسد الشعر، رخيص السعر.
نزر الكلام، كسلان الأقلام.
غافلاً عما هو من الحقوق متعدٍ أو لازم، جاهلاً بما هو للأنفة محرك أو جازم.
وما الحداثةُ من ِحلْمٍ بمانعةٍ ... قد يُوجَد الحلمُ في الشُّبَّانِ والشِّيبِ
فليتك يا سيدي ومولاي تقول:
إنِّي امرؤٌ لا يعْترِي خُلُقِي ... دَنَسٌ يُكدِّرهُ ولا أفَنُ
وكل هذا لا يساوي هذا الملق، ولا يستغرق السجع الملفق.
وإن تيقنت أبقاك الله جميع ما نقل عني، أو زعمت أنه صدر مني.
فطالما كانت الهفوة عند الكريم سبباً لجميل الرجعي، والنبوة سلماً عند الحليم إلى كريم العتبى.
والصلة بعد القطيعة أبقى، والود بعد النفرة أخلص وأصفى.
ولطالما انكسرت المودة فانجبرت، وانقلبت الأحوال بعد ما أدبرت.
فليس لما صدر تربةٌ تحتمل غراسا، ولا قرارةٌ تسع أساسا.
والكذب عائدٌ على من حكاه، والغلط مردود على من رواه.
فإنه صيرفي دراهم، لا صيرفي مكارم.
وإنما هو تاجر قيل وقال، لا تاجر مقال وأفعال.
دعونِيَ والواشِي فها أنا حاضرٌ ... وصوتِيَ مرفوعٌ ووجهيَ بارِزُ
والمرء أقصر ما تكون بنانه، إذا طال لسانه.
وإنما يتلمظ بحلاوة العرس، من احتمل مهر العرس.
أنَفُ الكريمِ من الدَّنِيَّةِ تاركٌ ... في عينِه العددَ الكثيرَ قليلاَ
والعارُ مَضَّاضٌ وليس بخائفٍ ... من حَتْفِه مَن خاف مهما قيلاَ
ولئن عاد إلى التعريض، والادعاء في إجادة القريض.
لم أدع في لساني فضلةً إلا أحضرتها، ولا في قلبي سجعةً إلا نثرتها.
ليعلم أن الكريم من أكرم الأحرار، واللئيم من ازدرى بالأخيار.
وأن الرياسة، حيث النفاسة.
وأني ممن إذا رمى صاد، وإذا قال أجاد.
وأن الحر إذا جرح أسا، وإذا خرق رفا.
ومن بسط عذر الأيام، فقد بسط عذر الأنام.
ومن جهل المتاع، فلينظر المبتاع.
جعل الله أوقات مولانا صافيةً من الكدر، خالصةً من الغير.
ومساعيه محمودة الأثر، وعلومه زاكية الثمر.
إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
أيا عاتباً لا أحمِلُ الدهرَ عَتْبَه ... عليَّ ولا عندي لأنْعُمِه جَحْدُ
سأسكتُ إجلالاً لعلمِك إنني ... إذا لم تكن خَصْمِي لِيَ اللُّجَجُ اللُّدُّ
ومن شعره النقي، ما كتبه لبعض أحبابه في صدر رسالة:
أيها السيدُ الذي أنا عبدُهْ ... والذي أنطَق المدائحَ مجدُهْ
لي إلى وجهِك الجميلِ غرامٌ ... في يديْه عَفْوُ اشْتياقي وكَدُّهْ
أنا إن زرتَ أو تخلَّفتَ عبدٌ ... بل ولُبِّي صفَا وحقِّك وُدُّهْ
يستوي في الوفاءِ قُربي وبعدِي ... وسواءٌ قُربُ الوليِّ وبُعدُهْ
سوف أُثْنِي على مودةِ مولىً ... ضاق عنها شكرُ الكلام وحَمدُهْ
وقوله في بعض الصدور:
حدَّثتُ باليَاسِ منك النفسَ فانصرفتْ ... واليأسُ أحْمدُ مَرجُوعاً من الطمعِ
стр. 348
فكُن على ثقةٍ أنِّي على ثقةٍ ... أن لا أُعلِّل نفسِي اليومَ بالخُدَعِ
فما يَضرُّك عندي اليومَ هجرُك لِي ... ولستُ إن سُمْتنِي وصلاً بمُنْتَفِعِ
هجرتُ ذِكْرَك عن قلبي وعن أُذُنِي ... وعن لسانِي فقُل ما شئتَ أو فَدَعِ
إذا تبَاعدت قلبي عنك مُنصرِفٌ ... فليس يُدْنِيكَ منِّي أن تكون مَعِي
ومن ظرفه قوله:
أمُعِيرُ قَوْلي أنت سمعَك مَرَّةً ... كَرَماً فأذكرُ إن رأيتُ فُضولاَ
والنصحُ قُرْطٌ ربما يُجْدِي الفتى ... في السمعِ محمولُ النَّهِيِّ ثقيلاَ
وسواك يفهم إن عنيت بمقولي ... فعلى اسْتماعِك أجعلُ التَّعْويلاَ
وإذا نظرتَ وأنت عارفُ عِلّةٍ ... لم تَعْيَ عن أن تعرف المَعْلولاَ
وكتب لبعض أخلائه:
أكلِّفُ نَسْماتِ البُكورِ تكلُّفاً ... بحَمْل سلامي أو ببَثِّ غرامِي
فتدْنَف مما قد تضمَّن من جَوىً ... وتضعُف عن أعْباءِ شرح أُوامِي
وتعثُر في الأذْيال من ثِقْلِ حملِها ... ويُزعجِهُا فيه لهيبُ ضِرامِي
فرّقتُها من رحمةٍ لي وطِيبُها ... شَذَى مِدْحتي فيكمْ ونَشْرُ سلامِي
وكتب إليه مفتي الشام عبد الرحمن العمادي، وهو قاضٍ بطرابلس:
مولايَ أُنْسِي الذي طابتْ طَرابُلُسٌ ... به وأصبح فيها الوحشُ في أُنسِ
ومن غَدا فضلُه في العصرِ مُشتهرَاً ... كالشمِس في شَفَقٍ والصبح في غَلَسِ
أنتَ الذي فَخَر العَصرُ العصورَ بهِ ... وقصَّرتْ كلُّ مصرٍ عن طَرابُلُسِ
قد كان لي حَرُّ أشوقٍ فضاعَفَه ... قُربُ الديارِ كشَبِّ النارِ بالقَبَسِ
لكن رجَوْنَا لقاءً منك يُطفئِه ... يا رَبِّ فاجعلْ رجانا غيرَ مُنْعكِسِ
فاجابه بقوله:
هذا كتابُك أم ذِي نفْحةُ القُدُسِ ... يا طيَّبَ اللهُ زاكِي عَرْفِ ذَا النفَسِ
فقد حَلا كُلَّما كدَّرْتُه بفَمِي ... كأنه أشْنَبٌ قد جادَ باللَّعَسِ
كأنَّما كلُّ سَطْرٍ مُفْعَمٍ أدَباً ... غُصنٌ تُوقِّره الأثمارُ لم يَمِسِ
كأنَّهنَّ المَهارِي وِقْرُها دُرَرٌ ... وفي سوى القلبِ والأسْماعِ لم تَطُسِ
نظمٌ بديع جِناسُ الإلتفات حَلا ... منه فباللهِ هذا ظَبْيةُ الأنسِ
مخائلُ السحر تبدو من دقائِقه ... كاللَّحْظِ أجفانُه مالتْ إلى النَّعَسِ
لنا به كلَّ وقتٍ عن سواه غِنىً ... في طلعةِ الشمسِ ما يُغنِي عن القَبَسِ
تكسو المَسامعَ أشْنافاً صناعتُه ... وتكْتسِي صُنْعَ صَنْعاءٍ وأنْدلُسِ
فبينما نحن نَجْنِي من أزاهرِها ... إذ أشْرقتْ وهْي مثلُ الزُّهْرِ في الغَلَسِ
وبينما هي تُجْلَى في طَرَابُلُسٍ ... والشام طَلَّتْ على مصرٍ ونابُلُسِ
أذْكَرْتني منه ما لم أنْسَه أبداً ... ولم يزَلْ مُؤنسِي في مجلسِ الأُنُسِ
يا مَن تنزَّه عن إحْصا فضائلِه ... هل في حسابِك أُنْسِي للعهدِ نَسِي
وإنَّني لَحفِيظٌ للوِدادِ ولو ... أعْياك رسمُ ودادٍ غيرُ مُنْدرِسِ
لا زلتَ عُمْدةَ أهلِ الفضلِ في صَعَدٍ ... إلى العُلَى يا عِمادِي غَيرَ مُنْتَكِسِ
ما لِي سوى نسماتِ الشِّعرِ أبْعثُها ... تحيةً لدمشق من طَرابُلُسِ
شيخ الإسلام زكريا بن بيرام مفتي الديار الرومية، والممالك العثمانية، وأجل من كل من انفتحت عن مآثره الشقائق النعمانية.
هو من جوهر الفضل مكون، وكتاب الدهر بمحاسنه معنون.
ما طلعت نجوم فتاويه إلا وأشرقت آفاق الدنيا رونقاً وابتهاجا، ولا امتطى صهوات أبحاثه إلا كان له نور الفهم على دهم الإشكال سراجاً وهاجا.
стр. 349
دانت له الليالي فجلى بها ظلمات الحنادس، وتدانت له سماء المعالي فاستقر بها وهو للنيرات الخمس سادس.
حتى أصبح الدهر راوياً لخبر إفادته، وناطقاً بلسان إجادته.
وقد جمع الفضائل كلها، وحوى المحاسن دقها وجلها.
ومع ذلك فهو مطلق الهمة لإسداء الهبات، مفيضٌ للمكارم على الفور والثبات.
إذا هطلت سحب إحسانه سقى الجود منه رياض المنى، طلائع إحسانه بشره كما سبق النور غض الجنى.
لم يأت من المراتب شيئاً فريا، وكفل الفضائل والفواضل كفالة زكريا.
وكان مع تبحره في المنقول والمأثور، جامعاً بين حسن المنظوم ورونق المنثور.
وله فيهما ما تقف الفصاحة عنده، وتقفو البلاغة حده.
فمن ذلك ما قرظ به طبقات التقي التميمي.
هذا كتابٌ فاق في أقْرانِه ... يسْبِي العقولَ بكَشْفِه وبَيانِهِ
سِفْرٌ جليلٌ عَبْقَرِيُّ فاخِرٌ ... سحرٌ حلالٌ جاءَ من سَحْبانِهِ
أوراقُه أشْجارُ روضٍ زاهرٍ ... قد تُجْتَنى الثَّمراتُ من أفْنانِهِ
لله دَرُّ مُؤلِّفٍ فاق الورى ... بفرائدٍ فغدَا فريدَ زمانِهِ
فجَزاه ربُّ العالَمين بلُطْفِه ... طبقاتِ عِزٍ في فسيحِ جِنانِه
لما تعمقت في لجج هذا البحر الزاخر، صادفت أصداف أصناف الدرر الكامنة النوادر.
وألفيته روضةً غناء زاهرةً أزهارها، وروضةً زهراء ناضرةً أنوارها.
وجناتٍ شقائقها محمرة، وجنات حدائقها مخضرة.
تذكرةً لعارفٍ تقي، وتبصرةً لمستبصرٍ عن الرذائل نقي.
جاوز الشعرى بشعره الفائق، وفاق النثرة بنثره الرائق.
قد استضاء بجواهره المضية تاج تراجم الأعيان، فصار كأنه مرآةٌ انعكس فيها صور سير الأسلاف وأشراف أفاضل الزمان.
اللهم اجمع بيننا وبينهم في غرف عدنٍ وطبقات الجنان.
ومما يروى له من الشعر قوله:
إذا ما كنتَ مَرْضِيَّ السَّجايَا ... وعاش الناسُ منك على أمانِ
فعِشْ في الدهرِ ذا أمْنٍ ويُمْنِ ... ويُوصِلُك الإله إلى الأمانِ
وقوله في الغزل:
قد قتل العشاقَ من لَحْظهِ ... دماؤُهم سالَتْ على الأوْدِيَهْ
يا عجباً من قاتلٍ إنه ... ليس عليه قَوَدٌ أو دِيَهْ
ولده شيخ الإسلام يحيى المولى الأعظم، والملاذ الأعصم، والعروة الوثقى التي لا تفصم.
واحد الزمان، وثاني النعمان.
طلع شمساً في فلك الفتيا فلما قابل أرضه البدر انخسف، ودار كل شهر على لقاه فلما آيس انتحل بل امتحق من الأسف.
فشعشعت الآفاق منه غرةٌ في جبين المجد مشرقة، واستقر به في ذلك المركز شخصٌ لم يدخل العلوم من بابٍ واحدٍ، بل دخلها من أبوابٍ متفرقة.
فأطاعته الدولة إطاعة المملوك لمالكه، ونفذت كلمته نفاذ كلمة المليك في ممالكه.
في رياسةٍ مطارح ظلالها حرم، وكل فعالها جودٌ وكرم.
فلم يدع لفضل الفضل ذكراً، وترك معروف يحيى بن خالد نكراً.
بل لم يبق لكعبٍ، من علو كعب.
وأنسى دعوة حاتم، بأي مادحٍ وخاتم.
تتنفس الأسحار عن آثاره، وتتبسم الأماني عن جوده وإيثاره.
والدنيا مشرقةٌ بلألاء وجهه المضي، والأيام تغضب إذا غضب وترضى إذا رضي.
وقد ضمنت مساعيه أن يشكر، وأن لا تعذب الأفواه حتى يذكر.
وله القدر الذي استخدم الأنام، واستعبد الليالي واسترق الأيام.
إذا أقبل في كوكبه وجلاله، تسجد الأجفان لتعظيمه وإجلاله.
فرأيه سراج الملوك، وذلك من نظمه الذي هو نظم السلوك.
وهو في الأدب أوحد من لان له الكلام، فإذا أمسك القرطاس اختصمت أفواه الدوي في تقبيل أقدام الأقلام.
يستوقفُ العَلْيا جَلالاً كُلَّما ... سجَد اليَراعُ بكفِّه تبْجيلا
لا تسْتنيرُ به المعالي غُرَّةً ... حتى يسيل به النَّدَى تَحْجِيلاَ
وكل من كان في عصرهِ، فهو هاصر غصن الأدب من محل هصره.
وأكثرهم عليه تخرج، وفي بستانه تأرج، ومن طبعه اكتسب وإلى طريقه انتسب.
فرياض أفكاره باسمة الثغور عن شنب المعالي والألفاظ، وغياض أشعاره متفتحة عن ورد الخدود ونرجس الألحاظ.
تهز أعطافها ارتياحاً به القوافي، وتحث لها الندمان أكؤسها على الغدران الصوافي.
مستظْهِرٌ بعباراتٍ وألْسِنةٍ ... تفَتَّتْ كالرياضِ الغُرِّ ألْوانَا
стр. 350
أهْدَى إلى لُغَةِ الأعْرابِ تُبَّعَهَا ... ورقَّ بالمنطقِ التُّركِيِّ خاقَانَا
وقد أوردت له ما يحلي الأدب كما يحلي السوار الزند، ويفوح عرفه كما يفوح عرف العنبر الند.
فمنه قوله في الغزل:
ورَد النسيمُ بأطْيبِ الأخبارِ ... طاب الوُرودُ وسائرُ الأزْهارِ
سكِروا بخمْرِ الشوقِ حتى أظهرُوا ... ما في ضمائِرهم من الأسرارِ
في جَمْعِهم لم تَلْقَ إلا ماسِكاً ... قدَحاً من الإبْرِيزِ والبَلاَّرِ
والحوضُ فيه مجالسٌ مَلكِيَّةٌ ... والوَرْد كالسُّلطانِ في الأطْوارِ
لِعب الشَّمال بهم فحرَّكهم كما ... لعِب الشَّمُول بزُمْرةِ الشُّطَّارِ
وقوله:
كأنْ بوَرْدِ خدَّيْه عُقارُ ... شرِبْتُها حتى بَدا البَلاَّرُ
البلار: لغة في البلور، رأيته في استعمال المولدين، منهم المعتمد بن عباد، على ما ذكره في قلائد العقيان:
جاءتْكَ ليلاً في ثيابِ نهارِ ... من نُورِها وغُلالةِ البلارِ
والشرب كناية عن التقبيل، أزيلت به الحمرة وبدا البياض.
ومن لطيف تخيلاته قوله:
بِحُلَّةٍ حمراءَ جاءتْ وقد ... تفُوح بالعنْبَر أذْيالُهَا
حِلْيتُها لَعْلٌ وياقوتةٌ ... صِيَغ من العَسْجدِ خَلْخالُهَا
وله تخميس على بردة الأبوصيري بقوله:
لمَّا رأيتُك تُذْرِي الدمعَ كالعَنَمِ ... غرِقتُ في لُجَجِ الأحْزانِ والتُّهَمِ
قُلْ لي وسِرِّ الهوى لا تخْشَ من نَدَمٍ ... أمِن تذكُّر جِيرانٍ بذِي سَلمِ
مَزجْتَ دمعاً جرَى من مُقْلةٍ بدَمِ
تُمسِي بعَيْنٍ بوَبْلِ الدمعِ ساجِمةٍ ... ونارِ وَجْدٍ بجَوْنِ القلبِ ضَارِمةٍ
فهل بَرِيدٌ أتَى من حَيِّ فاطمةٍ ... أم هبَّتِ الرِّيحُ من تِلْقاءِ كاظِمةٍ
وأوْمَض البرقُ في الظَّلْماءِ من إضَمِ
متى السُّلُوُّ لأهلِ العشقِ عنه متى ... وحَبُّ حُبِّ سُلَيْمَى بالحشَا نَبَتَا
إن تُنْكرِ الوجدَ عندي بعد ما ثبتَا ... فما لعيْنَيْك إن قلتَ اكْفُفَا هَمَتَا
وما لقلبِك إن قلتَ اسْتفِقْ يَهِمِ
تُريد تُخْفي الهوى والدمعُ مُنْسجِمٌ ... وفي حَشاك لَظَى الأشواقِ مُضْطرِمٌ
هيْهات كاتمُ سِرِّ العشقِ مُنْعدِمٌ ... أيحسَب الصَّبُّ أن الحبَّ مُنكتِمٌ
ما بين مُنْسجِمٍ منه ومُضْطرِمِ
ومن إنشائه، ما كتبه على كتاب في الطب، اسمه مغني الشفا: يا له من روضةٍ شحاريرها أقلام المادحين من النحارير، وألحان سواجعها ما سمع لدى التحرير من الصرير.
غصونها أورقت ولكنها بصحائف كأنها مملوءةٌ باللطائف أطباق، وأثمرت والعجب أن منابت أثمارها بطون الأوراق.
من وقف عليها وتوقف فيما قلته من الوصف العاري عن المرا، فلا شك أنه مبتلىً بداء النوك وليس له دوا.
ولما أجلت نظري في ربوة حسنها وبهجتها، ونشقت شذا رياحينها وشممت عرف نفحتها.
وعاينت مجالس أنسها وقضيت منها العجب، وحرك مني أوتار سطور طروسٍ بها ما لا يحدثه القانون من الطرب.
توجهت بمجامع قلبي إليها، وقلت مؤثراً موجز القول في الثناء عليها:
يا روضةً في رُباهَا ... دَوْحٌ غدَا سَجْعُ طَيْرِهْ
مَغْنَى الشِّفاءِ ومُغْنٍ ... عنِ الشِّفاءِ وغيرِهْ
ومن نوادره، أنه دخل عليه رجلٌ، فوقف وسوى قامته، ثم انحنى، ثم قبض على لحيته، وجعل كأنه ينفض عنها شيئاً من آخرها ثلاث مرات، ثم قال له يعمى: باسم الفقير؟ فقال له: اجلس يا إدريس.
ومن هذا القبيل ما يحكى عن الصاحب، أنه سأل رجلاً عن اسمه، فأنشده:
وقد تستوي الأسماءُ والناسُ والكُنَى ... كثيراً ولكن ما تساوَى الخلائقُ
فقال له الصاحب: اجلس يا أبا القاسم.
علي المعروف برضائي سبط المفتي زكريا عليٌّ الرضا في نباهته، وإن شئت فقل في نزاهته.
ذو البنان الرطب، والبشر الذي يفرق منه الخطب.
فسيح مدى الإغضاء وفضاه، منتقبٌ وجه غضبه برضاه.
стр. 351
انتسخت شمائله من الصبا في المنازه الرحاب، وارتضعت خلاله مع طفل النور أخلاف السحاب.
فيكاد من رقته يذوب ذوبان علي بن الجهم، وتتقطر مياه البراعة من أعطافه إذا أخذته حرارة الفهم.
وله قوة إلهامية، على افتراع بنات الأفكار، وسليقةٌ غريزية، في اختراع المعاني الأبكار.
ومن آثاره الفريدة، مختصر الخريدة.
سماه عود الشباب، كله لب اللباب.
وكان ممن ولي قضاء القاهرة، فافترت مباسمها عن فضائله الزاهرة.
وقد سلك في قضائه بها أجل مسلكٍ جلي، وصدق الحديث المروي: " أقضاكم عليٌّ ".
وبها عطل منه جيد القضا، على مقتضى الحكم الذي لا يقابل إلا بالرضا.
فعلى أخلاقه الرضية، رضوان الله ورحمته الراضية المرضية.
فمن توشيات قلمه، قوله في الاعتذار عن اختصار الخريدة: ولما وجدت بعض نقده أزيف من رائج زماننا، شرعت في تمييز الجياد واكتفيت باقتطاف الجياد من ثمار أغصانها، بل قنعت بالعرف الضائع من بانها.
وإني وإن فاتني بعض جواهره فالغائص يعذر بما في يديه، ويشكر الصبا مقبلاً من الحبيب بعض عرف صدغيه.
فجاء بحمد الله تعالى غادةً تسحر القلوب بألفاظها القسية، وألحاظها البابلية.
تصيد القلوب بألحاظها التي زينها الجمال بالفتور، فمن نظر فيه يشتعل قلبه بالنار وتكتحل عينه بالنور.
وإني غير آملٍ من أبناء الزمان تحسينهم، وبقلادة حسن القبول توشيحهم وتزيينهم.
فإن من جرب الناس في أمرهم، يعرف أن الناس مشتقون من دهرهم.
بل ما نؤمله من كرمهم الفسيح، أن لا يوردوا وجهه بالتصريح بأنه قبيح.
إنَّا لفي زمنٍ تَرْكُ القبيحِ به ... من أكْثرِ الناسِ إحسانٌ وإجْمالُ
ثم ختم الديباجة بذكر خاله شيخ الإسلام يحيى وجعل المختصر معنوناً باسمه، وأورد هذه الأبيات وأظنها من نظمه، وهي:
يا مُصدِرَ الآمالِ بُدْناً بعد ما ... سُقْنَا إليك مع الرَّجَا أنْقاضَها
عِشْ في ذَرَى كافي الكُفاةِ مُصاحباً ... نِعَماً بياضُ الصبح هاب بياضَها
وخُذِ الجواهرَ من قلائد مِقْوَلِي ... إذْ كان غيري مُهْدِياً أعْراضَها
قوله: يعرف أن الناس مشتقون من دهرهم يشير به إلى قول أبي الفرج العلاء الرئيس الواسطي:
الناسُ مُشتقُّون من دهرِهمْ ... طَبعاً فمن مَيَّز أو قاسَا
يمتحن الدهرَ وأحْوالَه ... مَن شاء أن يمتحنَ الناسَا
واتفق لي أن بعض الإخوان وعدني بإرسال هذا المختصر وسوف، وشوق العين لاجتلاء روضه النضر وشوف.
فكتب إليه متمثلا:
نَوالُك دون حَجْبُ الحجابِ ... ومَن ناداك مفقودُ الجوابِ
إذا أمَّلتُ يوماً منك وَعْداً ... كأني أرْتجِي عَوْدَ الشَّبابِ
ومن شعر رضائي، قوله مضمناً في الدخان، وقد أبدع:
غَلْيونُنا حين همَّت كلُّ نائيةٍ ... به وسامَرنا هَمٌّ وأفْكارُ
قد اهتديْنا إلى شُرْب الدُّخانِ به ... كأنه علَمٌ في رأسِه نارُ
الغليون: أطلق على سفينة معهودة بين العوام، وعلى هذه الآلة التي يوضع فيها ورق التبغ ويشرب، وكلاهما عير لغوي، وهو في اللغة اسم للقدر.
والمصراع للخنساء، من قصيدتها التي رثت بها أخاها صخراً.
وأول البيت الذي هو ثانيه:
وإن صَخْراً لتأْتَمُّ الهُداةُ بهِ
وقد كثر تضمين الشعراء له في مقاصد لهم وأجود ما رأيته من تضامينه قول العز الموصلي، في سامري، اسمه نجم:
وسامَرِيٍ أعارَ البدرَ فضلَ سَناً ... سَمَّوه نجْماً وذاك النْجمُ غَرَّارُ
تهْتزُّ قامتهُ من تحت عِمَّتِه ... كأنه علَمٌ في رأسهِ نارُ
ومما عربته من شعره:
جرَّد لي من ناظِريْه مُرْهفاً ... ومثلُه من حاجبَيْهِ عاطِبي
حَيَّرني فَدَيْته أأغتدِي ... قُرْبانَ عَيْنيْه أم الحواجبِ
محمد بن بستان المفتي خدن الفضل وتربه، ومن أمن من المكروه سربه.
يتفتق من المعارف مكنة، لكنه يرتضخ لكنة.
فالكلام مشغوف بحلاوة لسانه، والقول وقف على حسنه وإحسانه.
وهو من حين أقمر هلاله، راقت ولا ورق البستان المزهر خلاله.
стр. 352
وانهل صيب جوده وقد أربى على انهلال السحاب انهلاله فشتان بينه وبين البستان، أو الصيب الهتان.
وهيهات أن يكون من فيضه خاصٌّ كمن فيضه عام، أو من يؤتي أكله كل حينٍ كمن يؤتي أكله كل عام.
وقد أطلعه الله منظوراً بعين العناية المتواصلة المدد، ومحفوفاً بنهاية الرعاية على توالي الآنات والمدد.
حتى سمت رتبة الفتيا بعالي مقامه، وطرزت حللها الباهية بوشي أرقامه.
ثم فارقته ولم تصبر على نواه، فراجعها بعد ما استحلت بسواه.
فعاد روض الفضل إلى نمائه، وكوكب السعد إلى سمائه.
ولم يزل يكحل الطروس بميل يراعته، ويشفف الآذان بلآلىء براعته.
إلى أن ذبل بسموم المرض غض نباته، وقطفت بيد الحين زهرة حياته.
فمما يعد من زهرات بستانه، ورشحات أقلام بنانه، قوله في رثاء سليمان زمانه.
ألا أيها النَّاعِي كأنَّك لا تَدْرِي ... بما قلتَ من سوءِ المَقالةِ والنَّشرِ
سَلَلْتَ سيوفَ الموتِ في الدهرِ بَغْتةً ... وقد بلغَ السيلُ الزُّبَى من جَوى الصدرِ
وشَقَّتْ قلوبَ المسلمين جراحةٌ ... بصارمِ سيْفٍ قد مضَى ماضِيَ الأمرِ
سهامُ المَنايا من قِسيِّ صُروفِها ... أصابتْ بسهمٍ في ابْتسامٍ من الفجرِ
نسيمُ الصَّبا رقَّتْ بأشْجانِ فُرقةٍ ... حمامة ذات السِّدرِ حنَّتْ من الذُّعرِ
همامٌ على هامِ المَمالِك تاجُه ... أمينٌ رشيدٌ في الخلافةِ ذو قَدْرِ
أأعْنِي جواداً في جوادٍ بذكْرِه ... لقد سارتِ الرُّكبان في البرِّ والبحرِ
عزيمتُه في البحر كانت عظيمةً ... وهِمَّتُه فاقتْ على الأنْجُمِ الزُّهْرِ
وأيامُه كالشمسِ كانت مضيئةً ... وأعوامُه في الحسنِ أبْهَى من البدرِ
وما قيل إجْمالٌ لبعضِ صفاتهِ ... ولا يُمكِن التفصيلُ بالنظمِ والنثرِ
فهاتيك أوصافٌ لَعَمْري جليلةٌ ... فدُونَكها أبْهَى من الزَّهْرِ والزُّهْرِ
على عكس ما طاف البلادَ بجُنْدِه ... كشمسٍ غَرِيباً غاب في مَغْرِب القبرِ
صحائفُ أكْوانٍ تدبَّرتُ حَلَّها ... فصادفْتُها شرحاً لفنٍ من الهجرِ
على صفحةِ الخدَّيْن أمليْتُ مَا جَرى ... بأقلامِ أهْدابٍ من البُؤْس والضُّرِّ
شيخ الإسلام أسعد بن سعد الدين مناط الملك وملاكه، وقطب السعد الذي دارت عليه أفلاكه.
الشمس والقمر السعد، والمقتنص لشوارد المعالي بلا تحمل منةٍ لوغد.
تحلى بالرياسة في ميعة شبابه، وألقت السعادة أعنتها في بابه.
مرتقياً في رتبها طوراً فطورا، ترقى النبات ورقاً ونورا.
يزيد قدره ويوفي، وقد خلص من داء الغرض وعوفي.
فما قصرت له في أمرٍ يدان، وعنده انطفا قنديل سعدان.
فبوجهه مرآة النهار تصقل، ولديه تربط الأماني وتعقل.
وله في الصدارة تثبت الجبال، والاستقلال الذي ينسي الماضي منه الاستقبال.
فلولا مهابته إذا أقبل، لانتظمت على أذياله القبل.
وكان دخل الشام حاجاً فابتهجت بأضواء سعادته، وقارنت السعد الأكبر في بدء أمره وإعادته.
وفي رجعته إليها قابله البريد بمنصب الفتيا، ودعاه الدهر إلى هذا المقام الذي وقفت عنده العليا.
فنادته المعالي لبيك وسعديك، واليمن والنجح كما تشاء في يديك.
ولم يزل في هذا المركز حائزاً رتب الكمال، وعلى مشرع مجده تحوم طيور الآمال.
إلى أن وقعت فتنةٌ بين العسكر، اغبر لها أفق الكون وتعكر.
ثم انتهت إلى قتل السلطان عثمان، فانحرف عنه وعن آل بيته الزمان.
ولم يطل به العمر حتى طلحة وأنضاه، وأعمده في قراب القبر الذي انتضاه.
فلا زالت رحمة الله وبركاته، تحييه ما دامت تقل الفلك حركاته.
وقد أوردت من شعره قطعةً خضع لها البيان وسلم، وهي قوله في التوسل بصاحب الشفاعة ﷺ :
يا رسولَ الله أنت المَقصِدُ ... أنت للرَّاجين نعم المسنِدُ
كلُّ مَن ناداك فيما نَابَه ... فاز بالإسْعادِ فيما يقصدُ
стр. 353
قد أتى مستغفِراً مُستشْفِعاً ... عبدُك المسكينُ هذا أسعدُ
مستغيثاً شاكياً من نفسهِ ... باكياً مما جَنتْ منه اليَدُ
منك فَتْحَ الباب أرجُو ضارعاً ... قارعاً أبوابَ فضلٍ تُرْصَدُ
منك يا غيثَ النَّدَى أرجو الهُدَى ... إن في الأحشاءِ ناراً تُوقَدُ
مَسَّنِي ضُرٌّ وكربٌ مُزعِجٌ ... في الليالِي بالتَّوالي أسهَدُ
طال أيامُ التنَائِي والأسَى ... يا طبيبَ القلب أنت المُنْجِدُ
يا حبيبَ القلب باللهِ الذي ... غيرُه سبحانَه لا يُعبَدُ
بالذي أعطاك قدراً عالياً ... ما لمخلوقٍ إليه مَصْعَدُ
بالذي أعطاك ما لم يعطه ... أحداص من خلقه يا سيد
بالذي أعطاك ما لم يُعْطِه ... أحداً من خَلْقِه يا سيِّدُ
عِدْ بلُطْف منك كُنْ لي شافعاً ... إن تُلاحِظْنِي فإني أسْعَدُ
لا تُخيِّبْني فإني سائلٌ ... سائلُ الدمعِ الذي لا يُطْرَدُ
سَلْ مِن الرحمن تَعْجِيلَ الشِّفا ... وانْشِراحَ الصدرِ لي يا أمْجَدُ
كلُّ مَن يرجو النَّدَى من بابِكمْ ... فهْو من نَيْلِ الأماني يسعَدُ
صَلِّ يا ربِّ على خير الورَى ... بصلاةٍ سَرْمَدٍ لا تنفَدُ
وارْضَ عن آلٍ وأصحابٍ همُ الْ ... عابدون الرَّاكعون السُّجَّدُ
ابنه أبو سعيد محمد المفتي بعد أبيه وجده، والمولى الذي خضع كل مجدٍ لمجده.
ورث المجد خلفاً عن سلف، وزها به مركز السيادة على زهوٍ وصلف.
بشيمٍ للنيرات بها تعلق، تستمد منها فضل توقدٍ وتألق.
وبلاغةٍ في مرتبة الإعجاز، كأنما استفيد منها الاختصار والإيجاز.
فهو قليل القول صادق العمل، مقصور الهمة على إنالة ما يهم من الأمل.
له صدر النادي، والصيت الذائع بشرف المنادي.
وأيدي الغبطة به عالية، وحال تلك الدولة به حالية.
حتى جربه الدهر بخطب من أخطاه سهمه، لكنه ازداد به عقلاً عقله وفهمه.
في وقعةٍ تخرب فيها قبيلٌ وعشير، وهلك فيها وزير ومشير.
فرقت بين روحٍ وجسد، وخلت بين تشفٍ وحسد.
فأصيب في ذخائر كان عبأ خباياه منها، وسلمت ولله الحمد نفسه التي لا عوض عنها.
وإذا بقيت النفس فلا التفات إلى الفان، وهي الأيام ليست إلا إغفاة أجفان.
فبقي بعدها منزويا، وفي خير الخير كما كان منطويا.
ولم يغفل لسانه عن شكر، ولا شاب فيها حالته المعروفة بنكر.
حتى طوى الحمام محاسنة الفاخرة، فالله يعوضه عن لذات الدنيا بنعيم الآخرة.
وقد ذكرت من آثار قلمه ما يروى لشرف الناظم، والمنسوب يصير عظيماً بالنسبة إلى الأعاظم.
فمن ذلك ما كتبه على طومار يشتمل على كرامات أبي الغيث القشاش التونسي:
أرى أسْطُراً في ضِمْن تلك الرسالة ... جداولَ من بحر الحقيقةِ سالَتِ
ومن مَنْبَعَيْ علمِ اليقينِ وعيْنِه ... أسالتْ مَعِينَ الحقِّ أيَّ إسالةِ
وفيها جَلتْ حالات حبٍ كأنها ... طَواوِيسُ جَنَّاتٍ تجلَّتْ وجالَتِ
وفي ضِمْنها تنْشِيطُ أهلِ محبَّةٍ ... وتنْبيهُ تعبيرٍ لأهل البِطالةِ
أبو الغيثِ نعم الغَوْثُ خيرُ وسيلةٍ ... إلى من به قد كان خَتْمُ الرسالةِ
قلت: أبو الغيث هذا آية الله الكبرى في الفنون، والنائل من مقامات القرب والتخصيص ما لا تتخيله الأوهام والظنون.
ومن أراد استقصاء أحواله، فعليه بتاريخي فهو موشىً بذكر أفعاله وأقواله.
وكتب على فرائض العلاء الطرابلسي، الإمام بجامع دمشق:
كتابٌ نفيسٌ للفوائد جامعُ ... مفيدٌ لطلاَّب المسائل نافعُ
على حُسْنِ ترتيبٍ تحلَّى مُجمَّلاً ... فقرَّتْ عيونٌ للورى ومَجامعُ
بَدا مُعْجِباً إذْ لم تَرَ العينُ مثلَه ... به نورُ آثارِ الفضائل لامعُ
لجامِعهِ فخرِ الأئمَّة سُؤْدُدٌ ... لرايات أنوارِ المكارم رافعُ
стр. 354
أفاض عليه الربُّ من سُحْبِ جُودِه ... فبحرُ عَطاهُ الجَمُّ للخَلْقِ واسعُ
فسدد من جمعه وأحسن، وأمعن فيما جمع وأتقن.
حيث أتى بمختص حسن، في تلخيص مطولات هذا الفن.
ولما أجلت نظري في ربوة حسنه وبهجته، وشممت من جانب واديه عرف شميمه ونفحته.
وجدته حديقةً أنيقة، مزينةً بأزهار المعاني الدقيقة.
وألفيته جامعاً من المسائل ما لا يوجد في المنقول، ومحتوياً من الأبحاث ما تعجز عن فهمه العقول.
أبر الله عمله، وحرسه من صوارف الدهر ويسر أمله.
محمد بن عبد العزيز بن سعد الدين المعروف ببهائي هو بين أسرة هذا النجر، ليلة القدر إلى مطلع الفجر.
شاهده تلق نجح الأمل، وانظر بناديه الشمس في الحمل.
أشرق في فلك البها، وحلي ببردة الازدها.
فبشره يعيد بشاشة النبت الجديب، ولطفه يمسح به الروض عطفي أديب.
مشمول الشمائل طيبها، منهمر المواهب صيبها.
أعْدَى الوجودَ بجُودِه ... فأباد سائرَ بُخْلِهِ
لا بُخْلَ فيه يُرَى سوى ... أن لا يجُود بمثْلِهِ
فعطاؤه يزيد الأعمار في نمائها، ويبقي وجوه الراغبين بمائها.
وإذا كانت أنعمه عند أوليائه، يغتبط بها أكثر ما تكون في أفيائه.
سرى ذكره في الآفاق، مسير الصبا جاذب ذيلها النسيم الخفاق.
فإذا تلقت الأرواح منها نفحات الثنا، تعطفت بها الأعطاف وتثنت الأثنا.
وقد جمع الله شتات الأدب باعتنائه، وأعاد فيه رونق الحياة بعد دثوره وفنائه.
في زمنٍ لم يبق فيه من إذا شدا مداحه هزته الأريحية، إلا قضب الربيع إذا شدت الأطيار تثنت من أصواتها الشجية.
فانكشفت ظلماؤه عن يقق، وازدهت رياضه من الوشي في أفخر شفق.
وانثالت إليه الوجوه من أهله، سالكين في صعب المديح وسهله.
فما خاب أحدٌ منهم في سراه، ولا صلد له زندٌ وراه.
وهو في الشعر التركي مجيد ملء فمه، وأما الشعر العربي فلا أحسبه جرى على قلمه.
وقد وقفت له على قطعةٍ بالتركية التقطت منها اللؤلؤ الفرد، ونقلته إلى العربية فها هو كماء الورد يدل على الورد:
وقد كُشِف الحجابُ فبَان عنه ... مُحيّاً أكْسَب الشمعَ اضْطِرابَا
وأخْجَلها بوجهٍ فاق نُوراً ... فصيَّرت الفِراشَ لها نِقابَا
وقد رأيت من منشآته هذه القطعة، كتبها على نسب أدهمي: حمداً لمن جعل الانتساب، إلى بعض الأنساب، من أوكد الأسباب، الناجعة في إنشاء ذخائر الحمد والثنا.
وأباح لأقدام المتشبثين بأذيالها، مواطىء العز ومدارج العلى.
ونصب لهم سلماً يعرجون فيه، إلى سماء السمو وفلك الارتقا.
مَرابِعُ قُدْسٍ نالَها كلُّ أقْدسٍ ... سَمَا مَن سَما مِن نائليها إلى السَّمَا
وصلاةً وسلاماً على من به بدئت نسخة الوجود والعطا، كما به ختمت رسائل النبوة والاصطفا.
وعلى آله وأصحابه الكرماء النجبا.
وبعد، فهذه شجرةٌ طيبةٌ أصلها ثابت وفرعها في السما، تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها.
وتفوح من كل زهرة منها روائح كأنها نوافح النوافج حسناً وطيباً، ويبدو من محاسنها ما يخاله الإنسان غصناً رطيبا.
كأنها اتصلت بأفواه عروقها عين الحياة، إذ انسحبت عليها أذيال نفحات الجنان بتلك الحسنات.
يا لها من شجرةٍ زكية تسد عين الشمس بأوراقها، وتعطر أعماق الثرى بطيب أعراقها.
ثابتةٍ في تربةٍ طالما ربت غصوناً طاميات، ودوحاً ناميات.
من أسفل سافلين، إلى أعلى عليين.
وجنة عالية، قطوفها دانية، وثمارها يانعةٌ غير فانية.
تورد أخدود خدودها حياءً وخجل، حيث تشرفت بلثم أنامل السيد الأجل.
ملك أقاليم الإطلاق على الإطلاق، وارث أسرة مقامات الكمل بالاستحقاق.
الذي أتحف الضرتين بطلاق، وقام في مقام الحمد على ساق.
فطوبى لمن له نصيبٌ في تلك الشجرة الرفيعة الشان، السامية المكان، المورقة الأغصان.
المشرقة الأنوار، المزهرة الأزهار، اليانعة الأثمار.
طوبى له ثم طوبى له كالشيخ الأجل، والصاحب الأمجد الأكمل، فلان؛ فإن فيه مما يشهد له ألسنة الأقلام، من أجلة العلماء الأعلام.
بصحة هذا النسب الباذخ، والحسب العاطس من أنف شامخ.
دلائل تدل على تلألؤ نور السيادة من غرته، وانبلاج صبح السعادة عن مفرق طرته.
стр. 355
قاله المتيقن بصحة هذا النسب الأخطر، حاكماً بها على ما يوجبه الشرع المطهر.
حسين بن محمد بن أخي المفتي صدر الصدور، والبدر الذي تستضيء بأنواره البدور.
تألق وظلام الخطوب قد امتد، وأسفر وسواد القطوب قد اشتد.
فأشرقت به الدولة في ليلها المعتكر، وزهت به برجل أندى من الوسمي المبتكر.
ثم استوى رئيس هذه الطائفة، فأضحى ووفود الآمال حول حماه طائفة.
وكان كبراء عصره لنبالته يحسدونه، ويودون لو عدوا في دفتر المعتدين ولا يعدونه.
فانبعث سوء القول، وفتح باب العول.
وكان في قلوب الجند أغراضٌ خالجة، ومفاسد منذ زمانٍ والجة.
فوجد في جانب الخيار، وانبرم في الأمر معه في الحركة على الاختيار.
فدقوا عطر منشم، وسعوا سعى متذبذبٍ متحشم.
في فتنة يتأجج أجيجها، ويبلغ عنان الأفق ضجيجها.
فعدم اتفاقا، وحرم مناصرةً وارتفاقا.
واستشهد في كربٍ وبلا، مثل سميه بكربلا.
فتجرع أعداؤه غصص الحين، ورأوا بمقتله يوم الحسين.
وقد أوردت له مقطوعاً يدل على لطف مزاجه، وحسن طبعه الذي يحكي عطارد في قوة امتزاجه.
وهو قوله:
أيها المُبتلَى عليك بخمرٍ ... إنها للعليل خيرُ علاج
ثم لا تشْرَبَنَّ إلاَّ بمَزْجٍ ... أوَّلُ الواجبات أمر المِزاجِ
وكتب على إجازة الشيخ مسلم الصمادي، لولده الشيخ إبراهيم: الحمد لله الولي القادر، العالم بما في الضمائر.
والصلاة والسلام على رسوله محمد، المبعوث من أكرم القبائل وأشرف العشائر.
وعلى آله وأصحابه الجالسين على سرر اليقين، الوارثين معالم الدين كابراً عن كابر.
وبعد، فقد وقفت على ما في هذا الرق الفاخر من الإجازة، وعرفت حقيقته ومجازه.
فوجدته كالروض الفائق، وآثار الأجلة النعمانية فيه كالشقائق.
فيا له من سيدٍ سلم ارتقاؤه على سلم الوصول فبالحري أن يدعى بمسلم، وكان شهرة لواء إرشاده كنارٍ على علم.
لقن ولده الذكر وأجازه في التلقين، وجعل كلمةً باقيةً في عقبه يوم الدين.
ولله در النجل النبيل، سمي نبي الله الخليل.
حيث بسط للسالكين سماط الصمادي، فأضاف كل رائح وغادي.
بأنفاسه الأنسية، ونفحاته القدسية.
فهو في فنه وحيدٌ فريد، وسمع طبل اشتهاره من بعيد.
ولا غرو أن سلك المسلك الأسد، فإن هذا الشبل من ذلك الأسد.
جعلنا الله من المقتبسين من أنوارهم، والفائزين بمعالم آثارهم.
عبد الرحمن بن الحسام المفتي العلم المختلف إليه، والعلامة المتفق عليه.
ازدانت به الأيام ازديان الخد بالعذار، وقامت مواهبه العامة عما جنته الليالي مقام الاعتذار.
يحفه لطفٌ من الله تعالى مدارك، فيسمو إلى المعالي سمو المستبد لها من غير مشارك.
حتى ترامت الحظوة لديه، كعبيده الواقفين بين يديه.
إلى حيث لا يدركه أمل، ولا يبلغه إلا ذو علم وعمل.
تبذل النفوس أرواحها في رضائه، فلو غفل قلبٌ عن تمريضها عافته كل أعضائه.
وله سداد رأيٍ يعضده القضا، وحسام طبعٍ لا يخونه المضا.
فهو ينثر الدر إذا أخذ القلم، ومن يشابه أبه فما ظلم.
فحظه جارٍ بلا مثالٍ سابق، ولم يوجد قبله حظٌّ لحظه مطابق.
فقد أخذ من الجد بعنانه، وتصرف بالقلم كيفما شاء فكأن آية السحر في بنانه.
وقد طال إلى ديار العرب تردده، وبارت بها السحب الهواطل يده.
فما زالت تشكر آلاؤه حيث حلت ركائبه من البلاد، وتقيه الأعيان من النوائب، بالأنفس النفيسة لا بمنفوس التلاد.
وطالما تسابقت إلى مدحه القرائح، ودلت عليه الأقاويل بالكنايات والصرائح.
ثم استقر آخراً بمصر مخضر الأكناف، متوفر الأنواع من أسباب العيش والأصناف.
ولم يخل أيام إقامته فيها من مجالس يصرف إليها أعنة الاعتنا، وفي صحبة أودائه حزبٌ كأنهم ما خلقوا إلا للمدح والثنا.
ينتشون بغده إذا كروا ما مر لهم في أمسه، ويطالعون آثار الربيع فلا يرونها كآثار خمسه.
إلى أن أغمده منتضيه، فالله يعطيه من الكرامة ما يرضيه.
فمن شعره قوله، يمدح النجم الحلفاوي، خطيب حلب وعالمها:
عليك بنجْمِ الدين فالْزَمْه إنه ... سيَهْدِي إلى جِنْسِ العلوم بلا فَضْلِ
بنُورِ اسمِه السَّامي هدَى كلَّ عارفٍ ... إلى أنه شمسُ الهدايةِ والفضلِ
قال البديعي: ولما أنشدهما قلت بديهةً مخاطباً النجم بقولي:
следующие страницы →