← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ناديتُ يوماً طَرْفَه ... اللهض في أمرٍ العَجِلْ فأجابني بجفُونِه ... السيفُ قد سَبق العَذَلْ وَاهاً له من مُدْرِكٍ ... فعَل الجِنايةَ واسْتدَلّ يا أثْلَ عِيسِ المُنْحنَى ... حَيَّتْك سُحْبُك بالبَلَلْ لم أنْسَ طِيبَك لا نَسِي ... تُ وطِيب أوْقاتي الأُوَلْ قد كنتَ جامِعَ لَذَّتِي ... بك كم حصُلْتُ على أمضلْ هل تعْطِفَنَّ برَجْعةٍ ... لي لستُ أرْضَى بالبَدَلْ أشكُو عليك من المُهَفْ ... هفِ سالبِ الظَّبْيِ الكَحَلْ يا مَا جرَى من بَعْدِ بُعْدِ ... كَ في العَمِيد وما حصَلْ فعَل العَزِيزُ بعبْدِه ... فِعْلاً يرِقُّ له الجبَلْ ما زلْتُ من أفْعالِه ... بين التَّدَلُّه والوَجَلْ قضَّيْتُ دهرِي في هَوا ... هـ مُوَلَّهاً بعسَى وعَلّ فاسْمَعْ لِما قال العَمِي ... دُ ولا تمَلَّ لِما أُملّ قد كنتُ كيتَ وذَيْتَ يا ... دهرِي القديمَ فلا تسَلْ فلقد قنِعْتُ إليك من ... شَكْوايَ منه بالْجُمَلْ واللهُ لي نِعْمَ الوَكي ... لُ فقد عجزْتُ عن الحِيَلْ وقوله: سقَى الأثْلَ كلُّ سَحابٍ مُطِلَّهْ ... عليه ولا برِحتْ مُستهِلْه رعَى اللهُ أيامَه السَّالفاتِ ... وحَيَّى مَحلَّتَه من محلَّهْ ولَيْلاتِ أفْراحِنا المُشْرِفا ... ت بأغْصانِ بَاناتِنا والأهِلَّهْ وكلّ فتاةٍ كأنَّ الهوى ... يُريد بها فتْنةَ الخَلْقِ جُمْلَهْ إذا عاقلٌ سامَها نَظْرةً ... على غِرَّةٍ أخذَتْ منه عَقْلَهْ وبي من كتمْتُ اسمَها غَيْرةً ... ومَن حُبُّها لفؤادي جِبِلَّهْ أُحاكِي في حُبِّها عَنْتَراً ... وتحْكِي وأستغفرُ الله عَبْلَهْ أُغالِط مِن أجلها عاذِلي ... وأشْتاق في باطنِ الأمر عَذْلَهْ وأكْنِي عن ثَغْرِها بالبُروقِ ... وبالرِّيم عن مُقْلتيْها تَعِلَّهْ رَبيبَةُ مُلْكٍ إذا ما انْثنتْ ... لإيقاعِ أقْراطِها والأثَّلهْ تحيِّر قَدّ قضِيب النَّقَا ... وتُظهِر في صَفْحةِ البدرِ خَجْلهْ وكم جاهلٍ قال لي قد سلَوْتَ ... هَواها فقُلتُ له حاشَ لِلّهْ يُؤنِّب والعُذْر من وَجهِها ... يُحرِّر لي نَيِّراتِ الأهِلَّهْ فيا لِيَ من عاذلٍ مُكثِرٍ ... ويا لِيَ من عَقْلِه ما أقَلَّهْ ومنزلها خَلَدِي والشِّغا ... فُ تحمَّلها حَلَّة ثم حَلَّهْ وإنَّ نَسِيبي لها وحدَها ... إذا نسَب الناسُ عُلْويَ ورَمْلَهْ وكتب إلى محمد بن إبراهيم بن يحيى الشرفي، من كوكبان، هذه الأبيات اعتمد فيها الجناس التام: أخْبارُ أيَّامِنا العَوالِي ... صِحاحُها نُجُلُ العَوالِي أيَّام سَلْعٍ وأين سَلْعٌ ... مَرَّتْ على أنها حَوالِي دهرٌ حَبانِي بكلِّ سُؤْلٍ ... وكان طَوْعِي وما حَوَى لِي وساحرُ الطَّرْفِ ضَنَّ عنِّي ... بالطَّيْف في عالَم الخَيالِ بنَى على الشَّكِّ في المعاني ... واستقْبل الجامعَ الخَيالِي هذا الجامع من محسنات علم المعاني، ومن مفتاح السكاكي في بحثه لطائف. قال: ذكر أن السيد العلامة صلاح الدين بن عبد الله المعروف بالحاضري، مضى إلى جامع صنعاء، فلقي بعض الطلبة خارجاً من الجامع، فسأله عن دخوله الجامع؟ فقال: للإعادة في التلخيص، فبدهه بعبارة القزويني: ولصاحب علم المعاني فضل احتياجٍ إلى معرفة الجامع. فليعجب من هذا الاتفاق، والبلاغة التي سلمت له بالوفاق. ما قَطُّ يلْوِي على شُجونِي ... من بين َحْبي ولا خَيالِي

стр. 422

أظهَر هجري بغير جُرْمٍ ... ولستُ أدري بما جَنَى لِي أرْخَص سِعر الدموعِ عجباً ... وهْي على غيرِه غَوالِي وضاع شِعْرُ العُبَيد لمَّا ... ضَاع شذَاه على الغَوالِي ضاع الشيء: فات، وضاع الطيب: ظهر. والشذا: الذكا. والغوالي: جمع غالية، نوع من الطيب. قال العسكري في الأوائل: أول من سمى الغالية غاليةً معاوية، شمها من عبد الله بن جعفر، فسأله عنها، فوصفها، فقال: إنها غالية. ويقال إن شمها من مالك بن مالك. وأنكر الجاحظ هذا، وقال: نحن نجد في أشعار العرب ذكر الغالية، وأنشد: أطْيَبُ الطِّيب طيب أم بان ... فَأرُ مِسْكٍ بعنْبرٍ مَسْحوقُ خلَطْته بزَنْبَقٍ وببَانٍ ... فهْو أحْوَى على اليديْن شرِيقُ ونسبهما إلى عدي بن زيد. ومعجونات العطر كلها عربية، مثل الغالية، والشاهرية، والخلوق، واللخلخة، والقطر، وهو العود المطرى، والذريرة. انتهى. وقد نقل أن الغالية وقع ذكرها في الحديث. وعن عائشة: كنت أغلل لحية رسول الله ﷺ . أرَجَف عني الوُشاةُ أنِّي ... في ثغْر سُلطانِه جَلالِي هيْهات أرْضَى بمِثلِ هذا ... أعاذَني اللهُ ذو الجلالِ قال: الشيء بالشي يذكر، ذكرت بالبيت الأول قول السيد العلامة الحسن بن أحمد الجلال، في الخال: ونازلٍ أظْلَم منه أسْوَد ... في مَنْزِل لم يكُ مُستَوْطِنَهْ مُذْ لاح للنَّاظر سُلطانُه ... عاد الجلالِيُّ إلى السَّلْطنَهْ قلتُ له مَرَّةً لماذا ... عاقْبتني جُرْأةً ولاَلِي وأنْت أعْتقْتني قديماً ... فقال أقْرَرْتَ والولاَ لِي إن كان في الناسِ من مُجيرٍ ... للصبِّ في دولةِ الجمالِ وقعتُ حالِي وما أُلاقِي ... فوراً إلى مَسْمَع الحجالِ عنَيْت قاضِي الأنام طُرّاً ... مَن امْتطَى غارِبَ الكمالِ تأخَّر السابقون عنه ... وبيَّن النَّقْصَ في الكمالِ هذا الكمال، عنى به محمد بن علي، المعروف بالزملكاني الدمشقي، وقد عقد ابن نباتة له ترجمة في سجع المطوق وأنشد: ما كان أحْوَجَ ذا الكمالَ إلى ... عَيْبٍ يُوقِّيه من العيْنِ إليك أرسلتُها تَهادَى ... كاملةَ الشَّكلِ والخَيالِ تنشُر طَيِّب الثناءِ نَشْراً ... عليك يا صادقَ الخيالِ فاقْبَلْ من المدحِ نَزْرَ قولٍ ... واستُرْ إذا ما رأيتَ قالِي أنت من الناسِ خيرُ خِلٍ ... غيرُ مَمْلولٍ وغيرُ قالِي فيا لَها فُرْجة أزالتْ ... عنِّي هُمومي وطاب بَالِي فاستعبدِ الدهرَ في سرورٍ ... والْبَسْه حتى يعودَ بَالِي فأجابه عنها بقوله: طالِعُ سَعْدٍ قضَى وفالِي ... أنَّ حبيباً حقّاً وفَى لِي وبُلْبُل الأيْك راح يشْدُو ... براحتِي وانْشِرَاحِ حالِي رافع صوتٍ بخفْضِ عيشٍ ... جدِيدُهُ صِينَ عن وَبالِ ذكَّرني إذ شدَا وغنَّى ... ما مَرَّ لي من حَمِيد حالِي ليالياً كُنَّ كالَّلآلِي ... سالفُ عيْشي بهِنَّ حالِي كم خوَّلتنْي ونوَّلتْني ... تلك الليالِي من النَّوالِ فليت أنِّي اتَّخذْتُ عهداً ... لا فوَّت البَيْن والنَّوى لِي ولا قضَتْ بافْتراقِ شَمْلِي ... وشَمْلِ مَيْمونةِ الشِّمالِ كم طَوَّقتْ جِيدَها الليالِي ... زَنْدُ يمينِي مع الشِّمالِ وكم سقتْنِي بما سقْتني ... من مُسْكِرٍ طاهرٍ حَلالِ لو بعده ذُقْتُ أيَّ حُلْوٍ ... أستغفرُ اللهَ ما حَلا لِي ذكرت بالبيت الأول قول ابن نباتة في خطبة سجع المطوق: وهذه أوراقٌ تثمر الشكر، وفواصل طاهرة إلا أنها تنتج السكر. للهِ عَيْشٌ خَلا وكُلٌّ ... كما قضَى ذُو البَقاءِ خَالِي

стр. 423

ليت الذي عمَّه جَمالٌ ... وخَصَّه حُسنُه بخَالِ رَقَّ لِرقٍ عزيز قومٍ ... أرْخَصَه الحبُّ وهْو غالِي ما رَقَّ لي مرَّةً صديقٌ ... ممَّا أُقاسِي ولا أوَى لِي ولم أجِدْ مثلَ واحدٍ في ... أواخِر الناسِ والأوَالِي طَوَّق جِيدي بعِقْدِ نَظْمٍ ... سُهْداً على الحالتيْن حَالِي يا واحداً في العُلَى فريداً ... وسابقاً ما تلاه تالِي وخيرُ مَن صام في نهارٍ ... وقائمٍ في الدجى وتَالِي إن مُسَمَّاك في اكتسابٍ ... لأحْمَدِ الحمدِ غير آلِ عليك أزْكَى السلامِ تتْرَآ ... بعد نَبي وبعدَ آلِ وكتب ابن حميد الدين إليه أيضاً، من محروس شبام، ونور الربيع يضحك عن حب الغمام قدِم الربيعُ وخيرُ مَقْدَمْ ... والغيثُ أنْجَم ثم أنْجَمْ يقال: أنجم المطر وأدجن، وأرث، وألث، فإذا قيل أقلع، قيل أنجم. وفي الكلم النوابغ: المرء يقدم ثم يحجم، والنوء ينجم ثم ينجم. وتقدَّم الأنْوَا فلو ... صَلَّى الوَلِي ورآه سلَّمْ والجوُّ ينشُر مِطْرَفاً ... لك فاخِتِيَّ اللونِ مُعْلَمْ والسُّحْبُ مَدَّ رُواقَ دِي ... باجٍ بساحتِنا وخَيَّمْ والروضُ نَمَّقَه الغَما ... مُ بحُسْنِ صَنْعته ونَمَّمْ فبَدا يرُوق الناظرِي ... نَ كأنه بُرْدٌ مُسَهَّمْ برد مسهم: فيه خطوط مستوية، ومن ثم سمى الإرصاد البديعي تسهيماً، أخذاً منه. وحقيقته أن يجعل قبل العجز من الفقرة والبيت ما يدل عليه، إذا عرف الروي. ومنه في التنزيل قوله تعالى: " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ". والوردُ أبْدَى صفحةً ... من خدِّه فاشْتمَّ والْتمّ هذا هو العَيْشُ الذي ... يُصْبِي الحليمَ إذا تحلَّمْ قد كادت الدنيا تقُو ... لُ لساكِنيها لو تكلَّمْ هُبُّوا إلى فَيْءِ المُقلَّ ... صِ ظِلُّه فالفَىءُ مَغْنَمْ الغنيمة في هذا البيت نادرةٌ غريبة، وبعيدة الملك، وإن رآها الغبي قريبة. للهِ أنفاسُ الصَّبا ... ولطيفُ ما أهْدَتْه مِن ثَمّ يا طِيبَ رَيَّاها وإن ... أُغْرِي الشَّجِيُّ بها وأُغْرِمْ حَملت كلاماً سِرُّه الْ ... مكنونُ أن الشوقَ يُكْتَمْ ناديْتُها حتَّى م أحْ ... تملُ الهوَى العُذْرِي إلى كَمْ فتعثَّرتْ بذُيولها ... طَرَباً وقالتْ لا تظَلَّمْ لا رَأْىَ إلا الصبرُ وهْ ... ومع الرِّضا أسْلَى وأسْلَمْ فأجبْتُها سَمعاً لما ... حتَم الحبيبُ على المتيَّمْ فبِرُوحِيَ الأحْوَى وفي ... نَظْمِ الجِ، اس أقول أحْوَمْ الجناس بين أحوى وأحوم لاحق. وحقيقته أن يتباعد الحرفان في المخرج، وهو نقيض المضارع. ومن أمثلته في التنزيل: " ويلٌ لكل همزةٍ لمزةٍ ". بَدْرِيُّ وَجْهٍ كَمَّل الْ ... بارِي مَحاسِنَه وتمَّمْ ونَجِيُّ أسْرارِي وإنْ ... أكُ من لَواحظهِ مُكلَّمْ ذَهَبيُّ خَدٍ منه أثْ ... رَى صَبُّه والغيرُ أعْدَمْ ذُو مُقْلةٍ نَجْلاءَ أسْ ... حر مُقْلةٍ من فوق مَبْسَمْ لطيفة قال بعض قريش لرجل من بني عذرة، إذا علقتم المرأة تموتون، وهل هذا إلا خور!! فقال: لو رايتم الحواجب الزج، تحتها النواظر الدعج، تحتها المباسم الفلج؛ لاتخذتموها اللات والعزى. أنزلْتُه في المُنْحنَى ... من أضلُعِي واللهُ يعلَمْ رسلُ الخَيالِ إليه تَتْ ... رَى خِفْيةً والناسُ نُوَّمْ أن ليس أنْسَخُ وُدَّه ... بالهجْرِ منه فهْو مُحْكَمْ فاعجبْ لها من قِصَّةٍ ... يا أيها الحَبْرُ المكرَّمْ يا خيرَ تالٍ للأُلَى ... سَلفُوا وإن كان المُقدَّمْ

стр. 424

عَرِّف حدودَ رُسومِها ... وامنَحْ برأْيٍ منك يُرْسَمْ علِّقْ غَرِيبَ حديثِها ... فمَحاسنُ الآدابِ تُرْقَمْ في هذا البيت إشارةٌ إلى قاعدتين من علوم الحديث. الأولى المعلق، وحقيقته ما سقط من مبادي سنده رجلٌ بعد التابعي أو رجلان، وهو من قسم المردود؛ للجهل بحال المحذوف. والثانية الغريب، وهو ما تفرد بروايته شخصٌ واحد في أي موضع من السند. وابعَثْ قرِيضَك عُوذةً ... لفؤادِ مُختبَلٍ مُهَيّمْ فالشوقُ أنْجَد فيه ل ... كنْ صبريَ المسكينُ أتْهَمْ وارْغَبْ إلى الوهَّاب في ... جَمْعٍ لفُرْقِتنا مُنظَّمْ وخِتامِ عُمْرٍ من شَذَا ... نَفحاتِه الأعمالُ تُخْتَمْ فأجابه بقوله: بأبِي وبِي عَيْشٌ تقدَّمْ ... كان المُنَى لو أنه تَمّ أيامَ أرْفُل في ثِيا ... ب شَبابِيَ الْهانِي المُنعَّمْ فائدة إنما سمي الغزل تشبيباً؛ لذكر الغريب فيه أيام الشباب، فما بكت الأعين شيئاً كما بكته، ولا رثت غائباً باشعارها كما رثته. ويروى أن منصور النمري لما أنشد هارون الرشيد أبياته العينية التي منها: ما تنْقضِي حسرةٌ منِّي ولا جزَعُ ... إذا ذكرْتُ شباباً ليس يُرْتَجَعُ ما كنتُ أُوفِي شبابِي كُنْه قِيمَتِه ... حتى مضَى فإذا الدُّنْيا له تَبَعُ استعبر الرشيد، وأجرى دمعه ذلك النشيد. وما أشجى قول ابن طباطبا: للهِ أيامُ الشسبابِ فإنَّها ... كانت لسُرعةِ مَرِّها أحْلامَا لو دام عَيْشٌ رحمةً لأخِي هَوىً ... لأقام ذلكم السرورَ دَوامَا يا عيْشَنا المفقودَ خُذْ من عيْشِنا ... عاماً ورُدَّ من الصِّبا أيَّامَا وأشجى منه قول ابن الأثير في المثل السائر، من رسالة: أعوامٌ تعد أياماً لقصر أعمارها، وشهورٌ لا يشعر بأنصافها ولا سرارها. فالأوقات بها أصائل، والمحاسن فيها شمائل، والمآرب في ساعاتها رياضٌ في خمائل. فما أدري أهي خيالات أحلام عزت، أم أحاديث أمانٍ مرت. والأحْورُ الأحْوَى ومعنى الْ ... عيشِ أحْوى الطرْفِ أحْوَمْ رَشَأٌ مُؤشَّرُ ثَغْرِهِ الْ ... بَرَّاق مَعْسولٌ مُوشَّمْ كأسٌ كخاتِم فِضَّةٍ ... أضْحَى بمِسكِ الخالِ يُخْتَمْ يُذْكِي الغرامَ مُبَرَّدٌ ... منه مليحُ الطعمِ والشَّمّ لو أشْرقتْ للبدرِ غُرَّ ... ةُ وجهِه صَلَّى وسلَّمْ من أجْلِه قد سَلْسلَتْ ... عيْنِي حديثَ الدمعِ عن دَمْ يا ليْته يوماً يَرِقُّ ... لحالِ مظلومٍ تظلَّمْ حتَّى مَ أشكُو واصْطبا ... رُ أخِي الهوى فَرْضٌ مُحتَّمْ للهِ مولىً مالكٌ ... أهْدَى ليَ الدُّرَّ المُنظَّمْ أهْدَى لِيَ الوردَ الجَنِيَّ ... وقالَ لي فاشْتَمَّ والْثَمْ يا مالكِي والمالكُ الْ ... مولَى جزيلُ الفضلِ يخدمْ شرَّفْتني ولك الفخَا ... رُ كما لَك الشرفُ المقدَّمْ بمُشَرِّفٍ لقُدومِه ... قدِم الربيعُ وخيرُ مَقْدَمْ فكحَلْتُ منه ناظرِي ... بالشمسِ والبدرِ المُتَّممْ والسبعةُ الأفلاكُ جا ... ءتْ في دقائِقه تنظَّمْ ما زلتُ أطْوِيه وأنْ ... شرُه وأمْسحُه وألْثَمْ هو نُصْبُ عيني مُذْ أتَى ... ما زال بيْن الفْتحِ والضَّمّ ما زلتُ أسْتشْفِي به ... ورسائلُ الأحبابِ مَرْهَمْ فرأيتُه لِجَوايَ أحْ ... سَنَ قاطعٍ لي وأحْسَمْ وشكرتُ أجملَ نعمةٍ ... من فضلِ مَولانا وأجْسَمْ ونظَمتُ حَصْباءَ التُّرا ... بِ ولم تكن ممَّا تنَظَّمْ

стр. 425

وغُرِرتُ أنِّي كنتُ أنْ ... ظِم في زمانٍ قد تقدَّمْ فاعذِر فهذا النَّظمُ يدْ ... فعُ في لَهازِمِه ويلْطِمْ ولأَنْت أكرمُ ساتِرٍ ... لعُيوب خادمِه وأرْحَمْ وإذا تكاملتِ المَودَّ ... ةُ يا صديقُ وأنت أعلَمْ طُوِيَ البِساطُ فلم أكُنْ ... ممَّن تَحاشَى أو تجهَّمْ والحمدُ للهِ الذي ... أعْلاكَ مِقْداراً وعلَّمْ واللهُ يجمعُ شَمْلَنا ... من فضْلِه جَمْعاً مُنَظَّمْ ومن بدائعه قوله: شوقٌ تَجنَّاه الحبيبُ بلا جُرْمِ ... ورئْمٌ غَرِيرٌ لا يُوافِي ولا يحْمِي وشوقٌ أن النارَ من قَدْحِ زَنْدِه ... فكيف يرُوم العاذلون له كَتْمِي وجَفوةُ نَشْوانِ المَعاطِفِ حالِيَ المَرا ... شِف بدرٌ تَمَّمَ البدرَ في التِّمِّ حلاَ مُرُّ حُسَّادِي عليه بذكرِه ... كأن المُسمُّى منه في صورةِ الإسْمِ وكم ليلةٍ بتْنا على غيرِ ريبةٍ ... تُطارحني نَظْماً فينْظِمُه نَظْمِي وأرْشُفُ رِيقاً علَّه يُطْفىءُ الجوَى ... ولم أدْرِ أن البردَ إفْراطُه يُظْمِي جِناسِي على رشْفِي لذاك مُحرَّفٌ ... ولا شَكَّ أن الظَّلْمَ نوعٌ من الظُّلْمِ على خَدِّه قد وقَّع الحُسْنُ أسْطُراً ... فيكتبُها دمعي ويخْتِمها لَثْمِي رمَى جُرْحَ أحشائي عليه صَبابةً ... وعهْدي به قد كان يُدْمِي ولا يَدْمِي أحِبَّتَنا كم من رقيبٍ عليكمُ ... أُدارِيه حتَّى في الدجَى مُقْلةَ النَّجْمِ سقى عهدَكم صَوْبُ العِهادِ ومُقْلتي ... فعهْدي بها من هجرِكم دِيمَةٌ تَهْمِي ألا ليت شِعْرِي هل أقولُ قصيدةً ... ولا أشْتكِي فيها إلى صاحبٍ هَمِّي ومَن ذا يُشكِّيني إذا جئتُ شاكياً ... وقاضِي الورَى دون الورَى كلِّهم خَصْمِي هو الماجدُ السَّباقُ في حَلْبة الوغَى ... نعمْ وكذا في حَلْبة العلمِ والحِلْمِ وما فيه من عَيْبٍ سوى أنَّ كُتْبَه ... تُعوِّذني من طارقِ الليلِ بالنَّجْمِ حكمتُ له بالسَّبْقِ في كلِّ غايةٍ ... وظنِّي به أن يُثْبِت الحكمَ بالحُكْمِ عسى المُبدِىءُ الخلاَّقُ يُرجِعُ سالفاً ... فيَرْجِعُ رُوح الأُنْسِ منِّي إلى جسْمِي ودونَكها عَذْراء كالشمسِ رِفعةً ... عَلا بيتُها عن عِلَّة الكشْفِ والخَرْمِ ومن غزلياته الرقيقة قوله: أشاقَك بَرْقُ نَعْمانِ ... فعُدْتَ مُدَلَّهاً عانِي رُوَيْدَك إنَّني يا صا ... حِبي في الحالِ سِيَّانِ تعالَ نذكُر الأحْوَى ال ... ذي أصْغَى إلى الشَّانِي وأطْعمنِي فلمَّا أن ... أنِسْتُ به تَجافانِي وأغْضَبنِي واصْلَح بيْ ... ن تسْهيدِي وأجْفانِي وما بالغتُ في ذِكْرِي ... له إلاَّ تَناسانِي فسَلْنِي كيْ أُحقِّق أنَّ ... دهرِي فيه يَوْمانِ فيومٌ يومُ تهْديدٍ ... وآخرُ يومُ هِجْرانِ أُراقبُ حاسدِيه له ... فأصْحَب كلَّ إنسانِ فسُكَّانُ الغَضا سكنُوا ... وأهلُ الأثْلِ جيرانِي أيا زمنِي على الأثْلِ ال ... خَصِيبِ وعيْشيَ الهانِي سَقاك من الغَمامةِ صَوْ ... بُ هتَّانٍ بهَتَّانِ لقد قلَّدْتني مِنَناً ... تُحقِّر كلَّ إحسانِ وكنتَ ليَ السرورَ فهلْ ... تُعِيد مَسَرَّتي ثانِي وتحفظُ حُرْمتي أبداً ... فيَرْعاها ويرْعانِي

стр. 426

أليس من العجائبِ أنَّ ... عَزْمِي ليس بالْوانِي وحظِّي كلَّما خالَلْ ... تُ من خِلٍ تعَدَّانِي وبَدْرِي حاضرٌ ناءٍ ... فقُل في غائبٍ دَانِي وما نَفْعِي بقُرْبِ الدَّا ... رِ مَعْ صَدٍ وحِرمانِ فرُبَّ قريبِ أوْطانٍ ... يُعَدُّ بِعيدَ أوطانِ أراني قد جُبِلتُ على ... هواكَ فلسْتَ تخْشانِي وقلبِي بالورَى قَلْبٌ ... وقلبُك فيه قَلْبانِ وقوله: مُصدِّق الكاشِح والشانِي ... ومُرسِ الدَّمعِ من الشَّانِ ذاك الي مُلْكُه مُهْجتِي ... من كلِّ يومٍ هو في شَانِ مَن أجمعَ الناسُ على حبِّه ... لم يختلفْ في وصْفِه اثْنانِ غُصْن من الدُّرِّ لذيذُ الجَنَى ... لكنَّه عَزَّ عن الجانِي حلُو التَّثَنِّي والثَّنايا التي ... أزْرَت على بارقِ نَعْمانِ أصْلَي فؤادِي نارَ هجْرٍ لنا ... مُقْتبَسٌ من خدِّه الْقانِي أُعِيذه باللهِ أن ينْتَحِي ... ظُلْمِ بلا واضحِ بُرهانِ إلاَّ على الشُّورَى التي أُودِعتْ ... إليه من زُخْرُفِ غَيْرانِ يا لِي من الواشِي الغَيُورِ الذي ... أغْراهُ بالزُّورِ وأغْرانِي لكنَّني لم أستمِعْ فيه قَوْ ... لَ الزُّورِ من إنْسٍ ولا جَانِ يا ساحرَ الطرفِ الكحِيل الذي ... أخْرَجني من أرضِ سُلْوانِ وكيف أسْلُو وغريمُ الهوى ... في كلِّ حينٍ يتَقاضانِي أشْكُوك حالاً أنتَ أدْرَى بها ... يَرْثي لها شامخُ ثَهْلانِ قد كِدْتُ أن أكتُمَها دائماً ... وإنَّما فِعْلُك ألْجانِي فما عَدا فيما بَدَا بيْننا ... حتى تهاوَنْتَ بأيْمانِي وأنْتَ قد أمَّنْتَنِي بعدَها ... سَطْوةَ إعْراضٍ وهجْرانِ أخْلَفْتني أوَّلَ وعدٍ فهلْ ... أطمَعُ في الثالثِ والثانِي ثَناكَ رِيحُ العَذْلِ عن وَالهٍ ... والرِّيحُ تَثْنِي غُصُنَ الْبانِ قد كاد من قبْلِك أن ينْثنِي ... وإنَّما حَظِّيَ أقْصانِي فهْو الذي أزْدادُ عِلْماً به ... يسْعَى لإقْصائِي وحِرْمانِي وهاك عَتْبِي فاحْتمِلْه وإنْ ... أسأتُ عاملْنِي بإحْسانِ وأنت في أوْسعِ حِلٍ ولا ... وَاخَذك اللهُ بأشْجانِي واحْكُم بما شئْتَ وما تَرْتضِي ... فكلُّ ما يُرْضِيكَ أرْضانِي وكلُّ أرْضٍ أنتَ ثَاوٍ بها ... تصيرُ من جُملةِ أوْطانِي أخوه محمد أديبٌ كما تقترح، له طبع طيعٌ وخاطر منشرح. اقتفى أثر أخيه في أسلوبه، فتم له ما جنح إليه على وفق مطلوبه. فمن رآهما عرف ابني صاعد، وقال كلا الفرقدين محلهما غير متباعد. فهما يدٌ وساعد في الاتصال، وجسمان والروح واحد لا يقبل الانفصال. وقد ظفرت لهذا بشعرٍ قليل، لكنه على ما قلته في وصفه أول دليل. فمنه قوله: حُثَّ الْمَطِيَّ إلى الأوْطانِ يا حادِي ... أما ترى السَّعْدَ قد نادَاك بالنَّادِي غدَتْ طَوالعُه بالسَّعْدِ تخبرُنا ... وجَوَّدتْه بإتْقانٍ وإسنادِ عَساك تبلُغ بي الأحْوَى الذي فتكَتْ ... ألْحاظُه وأهاجتْ نارَ أكبْادِي رمتْ فؤادِي على عَمْدٍ وما حفِظتْ ... عهدِي ولا أنْجَزتْ بالوصلِ مِيعادِي مَن لي برَشْفِ رُضابٍ من مُقَبَّلهِ ... يَرْوِي ظَما قلْبِيَ المُستأْسِر الصَّادِي

стр. 427

مَن لي بذلك في أمْنٍ وفي دَعةٍ ... من الوُشاةِ رَماهم سهمُ إبْعادِي باللهِ باللهِ يا ريحَ الصَّباءِ خُذِي التَّ ... حيَّةَ مِن ذا الرائحِ الغادِي وصِفْ هَواي وما ألْقاه من كَمَدٍ ... لِجيرةِ الجِزْعِ والباناتِ والْوادِي هم أصلُ دائِي ولولاهم لمَا طرِبتْ ... نفسِي إلى شادنٍ في الحيِّ أو شادِي ليت الغُوَيْر تُعِيد المُلتقَى لِشَجٍ ... كما مضَتْ وتساعِفني بإسْعادِي وعَلَّ ساكنةَ الأحشاء تُطلِقُه ... لِمُغْرَمٍ مالَه من أسرِها فادِي إبراهيم بن المفضل إمامٌ تحلى بحلية التقى، وبلغ في الزهادة غاية المرتقى. اجتهد في العبادة من عهد شبيبته واهتم، وسهر الليالي ثم قال لما يكره الله نم. ومع ذلك فهو في الأدب مجيدٌ ملء فمه، مطلع لأحاسن الشعر من طرف قلمه. وفي القول حقه، وادعى حر الكلام فاستحقه. وقد أوردت له ما تشتم منه نفساً عابقاً، ولا تجد عنه إلا بعد مناله عائقاً. فمنه قوله في الغزل: أورَث جَفْني الأرَقَا ... بجَفْنِه إذ رَمَقَا ظَبْيٌ يُعِير قامةً ... إذا انْثَنى غُصْنَ النَّقَا رشِيقُ قَدٍ سلَب الْ ... ألْبابَ لمَّا رشَقَا صارمُ لَحْظيْه بمُهْ ... جةِ المُعنَّى مَشَقَا صُبحُ جَبِينِه إذا ... أسْفَر جَلَّى الغَسَقَا داءُ هواه أعْجزَ الرَّا ... قِي فما تُغنِي الرُّقَى قد صار قلبي في هَوا ... هُ يا رِفاقِي مُرْتَقَى ودمعُ عيني لم يزَلْ ... مُذ صَدَّ عَنِّي مُطلَقَا وقوله: دَعْنِي أكابِدُ لَوْعتِي وأُقاسِي ... أين الشَّجِيُّ من الخَلِيِّ القاسِي باللهِ لا تُطلِ المَلامَ فإنَّ لي ... قلْباً عليلاً مالَه من آسِ في حُبِّ مَن يحْكِي الصخورَ بقلْبِه ... والقدُّ منه حكَى قَضِيبَ الآسِ يُخْفي الغزالة إن بَدا في حُسْنِه ... ويفُوق بدرَ التِّمِّ في الأغلاسِ شمس الدين أحمد، وبدر الدين حسين ابنا يحيى بن المفضل كوكبا كوكبان، اللذان ظهر فضلهما وبان. توافقا صبغة وصنعة، وتظاهرا نعمة ومنعة. فجمعا من المكارم ما به المجد يتأثل، وبمحاسنه الفضل يتمثل. يضمان يديهما على الفضة والذهب، فلا يمسيان إلا والفضة انفتضت والذهب ذهب. وقد ذكرت لهما ما لا يشبع منه الناظر، ولا يروى من الخاطر. فمن شعر الشمس النير الأكبر قوله، من قصيدة كتب بها إلى أحمد بن حميد الدين صاحب الترويح. ما ابتسمَ البرقُ ولا أبْرَقَا ... إلا وأشْجَى قلبيَ المُحْرَقَا ولا تغنَّتْ وُرْقُ بَانِ الحِمَى ... إلا جَرى دمعي الذي مارَقَا ولا سرَتْ نَسْمةُ رِيح الصَّبا ... إلاَّ وأهْدتْ عَرْفَ رِيمِ النَّقَا مُهَفْهَفٌ يُزْرِي بشمسِ الضَّحى ... ويُخْجِل البدرَ إذا أشْرقَا حاجِبُه المَقْرون عن مُقْلتي ... قد حجَب النومَ فلن يطرُقَا وطَرْفُه النَّعْسانُ من قوسِه ... بسَهْم ذاك اللَّحْظِ قد فُوِّقَا وخَدُّه الوردِيُّ قد حَفه ... زهرٌ ونَسْرِينٌ به نُمِّقَا وثَغْرُه قد زانَه مَنْطِقٌ ... للهِ ما أحسنَه مَنْطِقَا ورِيقُه الجارِي على دُرِّه ... يشْفِي جَوَى قلبي الشَّجِي لا الرُّقَى وجِيدُه السَّامي يفُوق الظُّبا ... فحقَّ أن أصْبُو وأن أعشَقَا وقَدُّه ما رُمْتُ تشبيهَه ... بالغُصْنِ إلاّ كان ذا أرْشَقَا ما خلَق الرحمنُ في خَلْقِه ... مِثلاً له كلاَّ ولن يخلُقَا ولا رأيْنا في الورَى مُشْبِهاً ... لمَّا غدَا في دهرِنا المُنْتقَى

стр. 428

شمسُ الهدى أحمدُ أعنِي الذي ... أحْيَى رُسوماً للعُلَى وارْتَقَى عينُ بني المُختارِ في عصرِنا ... العلَمُ الفَرْدُ حلِيفُ التُّقَى سعَى إلى العَلْيا بعزْمٍ له ... نال به المجدَ فلن يُلْحَقَا له فَخارٌ أصلُه راسخٌ ... في روضةِ العَلْياء قد أغْرقَا صِفاتُه غُرٌّ فصِفْه بما ... شئتَ فما أحسنَ ما أصْدقَا ما كان في رَبْعٍ ولا منزلٍ ... إلاَّ غدا من نُورِه مُشرِقَا في كَوْكَبانَ العِزُّ لمَّا بدا ... إليه شاهدْنا له رَوْنَقَا وزادَه حُسْناً إلى حسنهِ ... وجدَّد الوَجدُ له مَوْثِقَا أسعدَه اللهُ بأيَّامه ... ولطفه غرَّب أو شرَّقَا فأجابه بقوله: يا زمنَ الأثْلِ بوادي النَّقا ... سَقاك مُنْهَلُّ دموعِي سَقَا يا بهجةَ العُمرِ ووجهَ المُنَى ... قد كان بالَّلذَّةِ لي مُشْرِقَا أيامَ لا ألْوِي على صادقٍ ... مُناصِحٍ أو كاذبٍ صدّقَا أيامَ لا أصحَبُ رِيحَ الصَّبا ... ولا أُراعِي بارقاً أبْرَقَا وروضةُ الحسين لنا مَوْئِلٌ ... وغُصْنُها المَيَّاد قد أوْرَقَا عيشٌ مضَى فالجَفْنُ من بعدِه ... وقَّع سطراً بالبُكاء مُلحقَا هل لِي إلى جَنَّاتِه ساجِعٌ ... وهل أرى لي في الهوى مُشفِقَا يا جِيرةَ الروحِ بحقِّ الوفا ... لا تنْقُضُوا عهداً ولا مَوْثِقَا أتحسَبوني قد تناسيْتُ ما ... قد حلا قِدْماً بعصر اللِّقَا فلم أزَلْ إن عَنَّ لي ذِكْرُه ... مُفكِّراً في عَوْدِه مُطْرِقَا لي في هواكم مَذهَبٌ مُذْهَبٌ ... حقَّق فيه الدَّرْسُ ما حقَّقَا توْضِيحُه يُزْهِي بتنْقيحهِ ... تَلْوِيحه يُعْجِز من دَقّقَا سألتُ مَن حمَّلني بُعْدَكم ... يجعلُ لي من أمرِكم مِرْفَقَا ويعمرُ الفضلَ بإبْقاءِ مَن ... أكْسَبه في دهرِنا رَوْنَقَا قد رفع النظمَ فقلنا له ... نظمُك في الذِّرْوة يا مُنتقَى أحمدُ مَن حَمْدِي له دائماً ... ما سجَع الطيرُ وما صَفَّقَا يا ماجداً طَوَّقني مَنُّه ... أعْجزني أفْحَمنِي مَنْطِقَا بدأتَ بالفضْلِ وأنتَ الذي ... سبقتَ بالفخرِ فلن تُلْحَقا للهِ ما شنَّفْت سَمْعِي به ... من غَزَلٍ حَيَّرني أقْلقَا تَخِذْتُ صَبْرِي دونه جُنَّةً ... ثم ترقَّبْتُ لنَفْثِ الرُّقَى فما اهْتدَى قلبي إلى سَلْوةٍ ... ولا هذَي كَلاَّ ولا فرَّقَا ضَمَّنتُه ذِكْر اجْتماعٍ لنا ... كَمَّله اللهُ بطُولِ البَقَا كان ليَ الحظُّ به كُلُّه ... فلم أزَلْ مُغْرىً به شَيِّقَا ودونكم نَظْمِي الذي جاءكم ... مُجدِّداً للعهد مُستوثِقَا واعذِرْ سَرِيعي إن مشَى مُسْرِعاً ... يطلبُ من أفواهِكم فُسْتُقَا واستُرْ عليه إن تجِدْ عَثْرةً ... فإنه نَزْرُ كلامِ اللِّقَا وسَل لنا التوفيقَ والعفوَ والْ ... غُفرانَ فالفائزُ من وُفِّقَا وله: بالبِعاد تجْزِينِي ... يا غزالَ يَبْريِنِ هل لذاك من سَبَبٍ ... أم تُريد تَبْريني قد وَلِيت حُكْمَ شَجٍ ... في هواكَ مَفْتونِ ما تَخافُ يا أمَلِي ... من تِلافِ مسكينِ بالصدودِ تقْتُلني ... والهوانَ تُولِينِي

стр. 429

أيُّ حاكمٍ يُفْتِي ... يا حبيبُ بالْهُونِ هل يصحُّ ذاك ومَن ... بالجوازِ يُفْتينِي ليس ذاك يُوجَد في ... شِرْعةٍ ولا دِينِ كَمْ جمعْتَ من حَسنٍ ... كاملٍ بتحْسينِ اللِّحاظُ فاتِرةٌ ... بالسِّهامِ ترمينِي والخدودُ ناعمةٌ ... أزْهرَتْ بنَسْرِينِ والجبينُ حاجبُه ... في القِرانِ كالنُّونِ والقَوامُ مُعتدِلٌ ... كالغصُون في اللِّينِ والسَّقامُ من مُقَلٍ ... ناعساتِ تَسْبِينِي والدواءُ في شَنَبٍ ... كالأقاحِ مكْنونِ لَثْمُه شِفا أملِي ... والرُّضابُ يرْوِينِي كم أقولُ من شَغَفٍ ... فيك مَن لِمَفْتونِ مَن لِمُغرَمٍ دَنِفٍ ... بالجآذرِ العِينِ وله: جُدْ بوصلٍ يا ناعسَ الأجْفانِ ... وترفَّق بالمغرمِ الوَلْهانِ رامَ كَتْمَ الهوى فَنَمَّ عليه ... سُقْمُ جسمٍ له ودمعٌ قانِي قسَماً بالجفونِ والخدِّ والثغْ ... رِ وبالقَدِّ مُخْجل الأغصانِ ما يمُرُّ السلُوُّ في البالِ مذ غِب ... تَ ولا تعرِفُ الكرَى أجْفانِي كم وكم رُمْتُ سَلوةً في هواكم ... أين منِّي ما رمتُ من سُلوانِ لَحمامِ الربُوعِ شَجْوٌ ولكنْ ... في فؤادي تتابُعُ اللَّمعانِ أتمنَّى يقال في كلِّ حينٍ ... وإلى كم وَيْلاه منِّي الأمانِي هل سبيلٌ إلى الوِصالِ قريبٌ ... أم بعيدٌ وما إليه تَدانِي ضاق بي مذ غِبتمُ كلُّ رَحٍْ ... وتجافَيْتُ بعدكم أوْطانِي ذاب قلبي من لَوْعةٍ في فؤادي ... يا مُنايَ قد أشْعلتْ نِيرانِي إن تجنَّى في حبِّه فهْو عبدٌ ... وإلى المالكِ انْتهاءُ الجانِي فصِلوه جُوداً وإلا فصُدُّوا ... لا عدِمْناكمُ مَدَى الأزمانِ قلتُ للعاذلِ المُعنِّف فيه ... لسْت أُصغِي فليس شأنُك شانِي وصلاةٌ على الشفيعِ وآلٍ ... ما أمال النسيمُ غصنَ الْبانِ وللبدر من قصيدة، مستهلها: رُعيتمُ أهلَ جَيْرونٍ ونَعمانِ ... يا ساكنِي قلبِيَ الْعانِي وأعْيانِي ففيكمُ ساحرُ الألْحاظِ ذُو غَنَجٍ ... مُهَفْهَفُ القَدِّ لا يرْثِي لأشْجانِي يا سامِيَ الجِيد هل للهجرِ من سبَبٍ ... فالهجرُ والصدُّ والتْهدِيدُ أضْنانِي ارْحمْ مُحِبَّك من طولِ البِعادِ فقدْ ... حرَّمْتَ نومِي ولَذَّاتِي وسُلْوانِي اللهُ يجمع شَمْلي بالذين لَوَوا ... بالعهدِ فهْو كريمٌ خيرُ مَنَّانِ محمد بن إبراهيم بن يحيى من أفراد اليمن وفو حظٍ متقد، وسلاسة لفظٍ يجري من خاطرٍ منتقد. حاز قصب السبق نظاما، وأوسعه أهل خطته لفضله إجلالاً وإعظاما. فقصرت نظراؤه عن مجاله، وعلموا أنهم ليسوا من رجاله. وله نظمٌ إذا نعته فقد عبته، وإن وصفته فلعمري ما أنصفته. فمنه قوله، من قصيدة كتبها إلى محمد بن حميد الدين. مطلعها: سَقْياً لِبانِ المُنْحَنى وزَرُودِه ... وسُهولِ ذَيَّاك الحِمَى ونُجودِهِ ولذلك الزمنِ الذي طَلعتْ على ... باهِي مَنازِله نجومُ سُعودِهِ عيْشِي مضَى في بَهْجةٍ ونَضارةٍ ... وَاهاً لنَضْرته وخُضْرةِ عُودِهِ ذاك الزمانُ هو الزمانُ وغيرهُ ... لا فَرْقَ بين فَنائِه ووُجودِهِ أعَلَى الليالي لو تجودُ بعَوْدةٍ ... عَيْبٌ وهل أحدٌ يُعاب بجُودِهِ يا صاحبَيَّ ومَن يُلام إذا شكَا ... مَلَلَ الحبيبِ له وطولَ صُدُودِهِ عُوجا على ذاك المَلُولِ تلَطُّفاً ... وحَذارِ سَطْوةَ بِيضِه من سُودِهِ

стр. 430

لا تعْدُوَنْ ذا الرسمَ في تعْريفِه ... إن الغرام مُجاوِزٌ لحدودِهِ فعَساه يعطِف أو يرِقُّ لمُدْنَفٍ ... يا صاحبِي ويلِينُ بعد جُمودِهِ أمِن المُروءةِ أن أبِيتَ مُسهَّداً ... ويبيتُ بين هُجوعِه وهُجودِهِ وأنا الخليلُ ومن بموسَى ذا النَّوَى ... قلبي الكليمُ مُقيَّد بقُيودِهِ ما لي وللأشْواقِ لا ترْضَى سِوَى ... إلْهابِ قلبي دائماً ووَقُودِهِ ما لي وقلباً راح في الأُخْدودِ من ... نارَيْ صُدودِ حبيبِه وخُدودِهِ قِصَصُ المحبَّة زُخْرُفٌ واسْألْ به الشُّ ... عراءَ عن أوْصافهِ وقُيودِهِ ما أحلى قول ابن نباتة، في خطبة سرح العيون: وإن كنت من الشعراء فلست ببعيدٍ من القصص. فإذا انْتهَى معك المديحُ إلى هنا ... فاقصِدْ بذلك مُنتهَى مقصودِهِ وامدَحْ به لتكونَ أصدقَ مادحٍ ... ممدوحَ كلِّ مُفَوَّهٍ مقصودِهِ فخَرتْ به آباؤُه وجدودُه ... والفخرُ في آبائِه وجدُودِهِ مولايَ دعوةُ عبدِ رِقٍ يَرْتجِي ... بك نَفْحةً تأْتيه من مَعْبودِهِ فارْجِعْ يديْك إذا قرأْتَ قصيدةً ... تدعُو له في نيْلِ كلِّ قُصودِهِ وكمُلتَ لا أحدٌ يفُوقك في عُلاً ... فأتَى بكاملِ شِعرِه موجودِهِ الصدر يتضمن ثاني أبيات الأندلسي، في بحر الكامل، وهو مركب من متفاعلن متفاعلن، مرتين. عُذْراً إليك فإنه سلَب النَّوَى ... منظومَ ذاك الدمْع مع مَنْضودِهِ لكنْ تألَّق للجوارِح بارِقٌ ... في عارضٍ مُتلفِّعٍ ببُرُودِهِ ترك الفؤادَ لشوْقهِ وحَ، ِينِه ... يخْتال بين بُروقِه ورُعودِهِ عجز هذين البيتين متضمن بيت البحتري، مطلع قصيدة. من أين لي كالبُحْتُرِيّ قلائدٌ ... قامتْ له فيها عُدولُ شُهودِهِ لكنْ بكُمْ شِعري غدا وكأنَّه ... هو ذاك عند قِيامِه وقُعودِهِ وصدورِه عند الوُرود فسَلْه عن ... شَرْحِ الصُّدورِ وكيف حال وُرُودِهِ فكتب إليه، مراجعاً له: نَظمٌ كسِمْط الدُّرِّ نَظْمُ عُقودِه ... لاحتْ على نحْرِ الزمانِ وجِيدِهِ سِحْر هو السحرُ الحلالُ وإنما ... لأُعِيذه من نافثاتِ عُقودِهِ طِرْسٌ هو الرَّوض النضِيرُ نُضارُهُ ... يخْتال بين زُهورِه ووُرودِهِ وشَّتْ بطَرْز وَشْيه أثر الحَيا ... فشَجاك مُعْلَمه ونَسْجُ بُرودِهِ يا أيها الْحَبْرُ أبْقَى لنا الْ ... بارِي الذين تقدَّموا بوُجودِهِ يا كاشفَ الكشَّاف فينا مَن به ... يُتلَقَّن التفْسِير عن مَحْمودِهِ غَفْراً فما شِعْرِي لِشِعْرك مُشْبِهاً ... أيُقاسُ شِعْرُ لَبِيدِه ببليدِهِ شِعْر يعود حبِيبُ منه مُبغَّضاً ... ويفُوق نَظْم يزِيده ووَلِيدِهِ لكنه جُهْدُ المُقِلِّ وإنما ... يأتِي الفتى بالقُلِّ من مَوْجُودِهِ سابْقتني في الشوقِ مَهْلاً إنني ... وَحْدِي عمِيدُ القلب وابنُ عَمِيدِهِ وسألْتني بَذْلَ الدعاءِ لجَمْعِنا ... يا رَبِّ عجِّلْ باللِّقاءِ وعودِهِ إبلاغُ خيرٍ بعد مَدْحِك مُلْحَقٌ ... والنَّفْلُ بعد الفرضِ في تعْدِيدِهِ أشْكُو إليك نوىً تَطاوَل عُمرها ... وعجزتُ عن دفْع النَّوَى وجُنودِهِ وبِيَ الذي صِرْتُ الكلِيمَ بنارِه ... وهو الخليلُ وكيف لي ببَرُودِهَِ لولاه ما قال العمِيدُ صَبابةً ... سَقْياً لِبَانِ المُنْحنَى وزَرُودِهِ يا مُنْجِزَ الإِيعادِ في أفْعالِه ... ومُخالِفَ المرجُوِّ من مَوْعودِهِ ومُصدِّقَ العُذَّالِ في شَرْعِ الهوى ... من غير بُرْهانٍ له بشُهودِهِ

стр. 431

ذَا مَدْمَعٌ للوصلِ أضْحَى سائلاً ... لا تنْهرَنَّ الدمعَ في أُخْدودِهِ يا طَرْفَه السَّفاحَ لستُ بمُهْتدٍ ... هيْهات يا مُهدِي الهُدَى برَشيدِهِ لا تعْجلَنَّ فإنَّ عبدَك طائعٌ ... أوَ لستَ تنظُر منه في تسْوِيدِهِ مَن لي بوَقْفتِك الشَّهيرةِ مَرَّةً ... يرْثِي لها الصَّفْوانُ في جُلْمودِهِ بُعْداً يُرَى في العيْن مَيْلاً قُرْبُه ... ويطُول فَرْسَخُه كطُولِ بَرِيدِهِ هل نافعٌ لي عاصِمٌ يا مالكِي ... في سُورةِ الدعوَى وفي تجْوِيدِهِ يا كامل الأوْصافِ دونَك كامِلاً ... تُزْرِي ببَحْر طوِيلِه ومَديِديدِهِ مطهر بن صلاح الهادي أظن أن هذا الاسم لا يتخلف، وإنما اره يتحد مع مسماه ويتألف. فإن الأصل أصلٌ طاهر، واستفادة الكثرة من الفرع معنىً ظاهر. فهذا المطهر ازداد طهارة في الروح والجسم، واحتسى كأس المحبة من يد ساقي الغيب وما غير ذلك الاسم. وله شعر جرى فيه على ذائقة أهل التصوف، وملك به في حلبة الواصلين إلى المعرفة عنان التصرف. فمنه قوله: صار حُبِّي لأحبابِي سلِيقَهْ ... وهوَى الغيرِ اخْتلاقٌ لا خلِيقَهْ هكذا مَرَّ زماني معهم ... والهوَى فيه مَجازٌ وحقيقَهْ ففؤادِي لأحبابِي غدَا ... صادقاً يخْتارُه أهلُ الطريقَهْ لستُ ممَّن وُدُّه زُورٌ ولا ... أنا ممَّن بالنَّوَى ينْسَى حُقوقَهْ بل وِدادِي ذلك الوُدُّ الذي ... قد غدَتْ فيه عُرَى عهدِي وَثِيقَهْ ليتَ مَن أضْنَى فؤادِي حبُّه ... يتلافانِي بسُقْيا خَمْرِ رِيقهْ السيد لقمان ابن أحمد بن شمس الدين بن الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المعي هوى المعارف فحذقها، ولزم الحكمة فنطقها. كان يتراسل هو والسيد محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين. فمما كتبه إلى السيد محمد بيتان قد طارا كل مطار، وزانا ببهتهما الأقطار. وهما: واسِطةَ العِقْدِ متى تأتِنا ... فعِقْدُنا أضْحَى بلا واسِطَهْ وحالُنا أضْحَت بلا صاحبٍ ... وجُملةُ الوصلِ بلا رابطهْ وكتب إليه السيد: إلى سيده وأخيه لقمان بن أحمد أبقاه الله حلياً لعاطل الزمن، وسناً لمحيا اليمن، وقد ذهب عني وأنا نائم فانتبهت وقمت، وأرسلتها إليه، وقد طلع إلى ذمار: مَن عَذِيرِي مولايَ منك فقد ... غادَرتْ قلبي لما به من غَرامِ رحْتَ عنِّي في نَوْمتي فتوهَّمْ ... تُ بأن اللِّقاءَ طيفُ مَنامِ وشَجَى نفسِيَ الفِراقُ فناجَتْ ... نِي إن الفِراقَ في الأحْلامِ زعمْتني وَسْنان وَجْداً ومالتْ ... بِي لما زَخْرفَتْ من الأوْهامِ وأنا الآن لستُ أدرِي أيْقظا ... نُ أنا أم مُهَوِّم لهيامِ سَكْرةٌ من جَوَى فِراقِك مَولا ... يَ ولا سَكْرةُ الرَّحِيقِ المُدامِ فأجابه بقوله: سيِّدي لا ترى عليَّ فإنِّي ... بطُلوعِي بادرتُ صَوْبَ الغَمامِ وثِيابِي كما علمتَ من الرِّقَّ ... ةِ قد أذَّنَتْ بصِدقِ انْصرامِ لو ترى السُّحْبَ قد أطلَّتْ لسالتْ ... فوق مَتْنِي أبِتْ لليْل التَّمامِ فابْسُط العُذْرَ يا أخي إنَّ فعلِي ... قد تجاوزْتُ فيه حَدَّ احْتشامِ ونِظامِي هذا فقيرٌ إلى سَتْ ... رِك فاسْتُرْ فأنت رَبُّ النِّظامِ بيت المهلا المهدوي الشرفي هذا البيت له نبأٌ يذكر، وحديث غير معلٍ ولا منكر. وبنوه في العلم والجاه، مآل الأماني والآمال المرتجاة. سمتهم توفيق وهدى، ومنذ التحموا في المعارف لم يدعوا شيئاً سدى. فمنهم: عبد الحفيظ بن عبد الله كبيرهم المنتقى، ورئيسهم الشامخ المرتقى. الورع المجتهد، والساهر المهجد. جلى وبرز، وحاز فضل السبق وأحرز. وقد أنار بصيرته، وجبل على الخير سيرته.

стр. 432

فأهل بلاده على كثرة مفاخرهم، مقرون بفضله التام عن آخرهم. وله في الأدب مرتبةٌ علية، وأشعاره بمثابة علمه واضحةٌ جلية. فمما بلغني من شعره، وقد أنشد بعضهم بيتي ابن حزمٍ الظاهري. وهما: إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتنِي ... فعليكِ إثمُ أبي حنيفة أو زُفَرْ الواثِبينَ على القياس تمرُّداً ... والرَّاغبين عن التسُّكِ بالأثَرْ فأنشد: ما كان يحسُن يا ابنَ حَزْمٍ ذَمُّ مَن ... حاز العلومَ وفاق فَضْلاً واشْتَهرْ فأبو حنيفةَ فضلُه مُتواتِرٌ ... ونظِيرُه في الفضلِ صاحبُه زُفَرْ إن لم تكنْ قد تُبْتَ مِن هذا ففِي ... ظَنِّي بأنك لا تُباعَد من سَقَرْ ليس القياسُ وقد تكون أدِلَّةٌ ... للحُكْمِ من نَصِّ الكتاب أو الخبَرْ لكنَّ مَعْ عَدَمٍ تُقَاسُ أدِلَّةٌ ... وبذاك قد وَصَّى مُعاذاً إذْ أمَرْ ابنه الناصر حامل راية الاجتهاد وناصرها، وقاطف أغصان البدائع وهاصرها. منظور بالمهابة والجلال، مدلٌّ بالخصال البارعة والخلال. وله الخاطر الوقاد بتلسن لهبه، والفكر النقاد لذهب القول ومذهبه. وكان استوزره الإمام المؤيد بالله فانتظم الأمر أيام وزارته، وتصرفت الأيام طوع إشارته. فأحسن الله له نيل وطره، وفخر بالظهور على من انحط خطره عن خطره. وهو صاحب رأيٍ سديد، وله في الأدب وأنواعه باعٌ مديد. وشعره صور محاسنه مجلوة، ونثره سور بدائعه متلوة. فمن شعره ما كتبه إلى السيد الإمام يحيى بن أحمد الشرفي، عاتباً عليه في تأخره عن الدرس؛ لشغلٍ عرض له: أحبابَنا ما لهذا الهجرِ من سَبَبٍ ... وما الذي أوْجَبَ الإعْراضَ واعَجَبَا يمْضِي الزمانُ ولا نحْظَى بقُرْبكمُ ... على الجِوارِ وكَوْنِ الجار ذَا قُرْبَى وليس شيءٌ على المُشْتاقِ أصْعبَ من ... بُعْدِ اللقاءِ إذا مُشْتاقُه قَرُبَا فصانَك اللهُ يا سِبْطَ الأكارمِ أن ... يكونَ وُدُّك للأحْبابِ مُضْطرِبَا هذا وإنِّيَ أدْري أن قَصْدَك لِي ... وأنت معْ ذاك شَيْخي عَكْسُ ما وَجَبَا لكنَّه لم يكنْ منِّي لحقِّكمُ ... جهلٌ ولكنَّ عُذْرِي عنك ما عَزُبَا وطلب السيد يحيى منه أن يرسل له مؤلفه المحرر في علم القراءات، فأرسله إليه وكتب معه: سلامُ اللهِ ما هَمر السحابُ ... ففاحَ عَبِيرُ زَهْرٍ مُستطابُ وإكرامٌ وإنْعامٌ على مَن ... له في المجدِ مَرْتبةٌ تُهابُ على يحيى الذي ما نال كَهْلٌ ... عُلوماً نالَها وكذا الشبابُ وبعدُ فإنَّ أشْواقِي إليكمْ ... كثيرٌ ليس يحصُرها كتابُ وتقْصُر ألْسُنُ الأقلامِ عن أن ... تقومَ بوَصْفِها وكذا الخطاُ فيا ابْنَ مَدينةِ العلمِ التي لمْ ... يكُن غيرُ الوَصِيِّ لتْلك بابُ ومَن حاز المَكارِمَ والمَعالي ... فمنه قل بَدا العجَبُ العُجابُ إليك أتى المُحرَّر في حَياءٍ ... لتُصْلِح منه ما العلماءُ عابُوا وتنظُرَه بعينِ البشرِّ حتى ... يزولَ إذا وجدْتَ به اضْطرابُ فمَن قد زارَ من بلدٍ بَعِيدٍ ... حَقِيقٌ أن يُلانَ له الجَنابُ ورَاجِعْ في عبارتِه أُصولاً ... لديْك بِحِفْظِها كُشِف الحِجابُ وإنِّي طالبٌ بَسْطاً لعُذْرٍ ... ويشملُني دُعاؤكم المُجابُ فما لي غيرُ شِعْبِ الآلِ شِعْبٌ ... وإن حسنُتْ بزَهْرتِها الشِّعابُ ودُمْ واسْلَمْ مُعافىً في نعيمٍ ... مُقيمٍ والقَرابةُ والصِّحابُ فكتب إليه السيد: سلامٌ لا يُحيِط به حِسابُ ... ولا يُحْصِي فضائِلَه كِتابُ ولو أنَّ البِحارَ له مِدادٌ ... ولم يبْرَح له الدهرَ اكْتِتابُ

стр. 433

سلامٌ مِن فَتِيت المِسْك أذْكَى ... ودُون مَذاقِ سَلْسَلِه الرُّضابُ سلامٌ حَشْوُه وُدٌّ مُصَفىً ... يرُوق فما بتكْديرٍ يُشابُ ورحمةُ ربِّنا الرحمنِ تُهْدَى ... مع البَركاتِ ما انْهَمر السحابُ إلى مَن لم يزَلْ للمجدِ خِدْناً ... ولم ينْفَكَّ بينهما اصْطِحابُ حَليفُ مَحاسنِ الشِّيَمِ الذي لم ... يُدنِّسْ مجدَه مُذ كان عَابُ سَلِيلُ أكابرِ العلماءِ مَن لم ... يكُن كنِصابِ فضلِهمُ نِصابُ حُماةُ شريعةِ المُخْتارِ مِن أنْ ... تُضامَ وأن يُخامِرَها اضْطِرابُ وأوحدُ أهلِ هذا العصرِ طُرّاً ... بما قد قُلْتُه لا يُسْتَرابُ أليْسَ مُقصِّراً عن نَيْل أدْنَى ... عُلاه الشِّيبُ منهم والشَّبابُ وَجِيهُ الدِّين ناصرُه فما إن ... يَزال له بنُصْرتِه احْتسابُ حَماه اللهُ من كَيْد الأعادِي ... وأرْغَم أنْفَهم عنه وخَابُوا وأبْقاه الإلهُ لنا مَلاذاً ... له في العِزِّ مَرتبةٌ تُهابُ وبعدُ فإنه قد جاء منه ... كتابٌ سَرَّني منه الخِطابُ بلغْتُ به من الفرَح الأمانِي ... وزايلنِي برُؤْيته اكْتئابُ وفَى بالدِّين والدنيا جميعاً ... فما لي غيرُ ما فيه طِلابُ وكيف فَطَيُّه مُلْك عظيمٌ ... يدُوم فما يُخافُ له ذَهابُ هو الذُّخْرُ الذي من لم يحُزْه ... ذخائرُه وإن كثُرتْ تُرابُ وذاك العلمُ أفْضلُ ما تحلَّتْ ... به نفسٌ وأفضلُ ما يُصابُ وقد أهديْتَ منه لنا نصِيباً ... به منَّا تطوَّقتِ الرِّقابُ جمعْتَ به المُحرَّر من علومٍ ... جَلاها أهْلُها طابتْ وطابُوا فنِلْتَ بما أنَلْتَ عظيمَ فضلٍ ... ومغفرةً ويهْنِيك الثَّوابُ ولا برِحتْ فضائلُك اللَّواتِي ... عَلوْنَ بها لنا يعلُو جَنابُ ودُمْتَ مُسلَّماً ما لاح مجدٌ ... وفاح عبيرُ نَشْرٍ يُسْتطابُ الحسن والحسين ابنا الناصر فرسا رهان وعدلا جمل، وصنوا جرثومة في علم وعمل. ينبت عزمهما الورد يانعاً في اللظى، ويطلع رأيهما الماء جارياً من صم الصفا. وكلٌّ منهما غيثٌ في كرم، وليثٌ في حرم. وبدر في أفق، وزهر في خلق. طوقا اليمن نبلاً ومجدا، وانتحلا بها المعالي انتحال من ملىء صبابةً ووجدا. في اقتبالٍ من العيش بهما كلف، وحظٍ من الأماني رائح إليهما مختلف. وكانا يتهاديان شعرا، فيتنافثان سحرا. ويقتدحان زندا، فيوريان عراراً ورندا. وشعرهما مثقف المباني، مرهف كالحسام اليماني. فمما كتبه الحسين إلى الحسن يعاتبه على القراءة في غيبته، وجعل أول كل بيت حرفاً من حروف المعجم: أذاب فؤادي بارقُ الغَوْرِ إذ سَرى ... بنَفْحة مِسْكٍ من حدائقها شَرَى بحقِّك خَبِّرْني عن الغَوْر إنه ... حديثٌ صحيحٌ ليس في القولِ مُنْكَرَا تأمَّل به تلك المغانِي تَلْقَ لي ... لطائفَ فاقتْ في المَحاسِن مَخْبرَا ثمِلْتُ وقد دارتْ رَحِيقةُ وَصْفِه ... فأنْهلنا التَّسْنيمُ من تلك سُكَّرَا جرَى ذكرُ أحْبابي برَوْضةِ قُدْسِها ... وقد كُسِيتْ بُرْداً من الوَشْيِ أخْضَرَا حَوَوْا من مليح الوصفِ كلَّ غريبةٍ ... كزُهْر سماءِ الأرض في حُسْنها تُرَى خليليَّ ما وافٍ بعهدِيَ أنْتُما ... إذا لم تَقُصَّا وصْفَها لي وتُخبِرَا دعَوْتكما كي تُفْهمانِي حقيقةَ الْ ... أحِبَّة فيها مُفْرقَيْن وتحضُرَا ذكرتُ لهم ذكرَ الصِّفات فهاجَ لي ... من الشوقِ ما ألفيْتُه مُتذكَّرَا

стр. 434

رأيْنا بها ما يملأُ العينَ قُرَّةً ... فروَّحتِ الأرواحُ من حُسْنِ ما نَرى زيارتُهم فيها لقلبي مَسَرَّةٌ ... غدَتْ مَورِداً للصالحاتِ ومصدَرَا سَلِي إن أردتِ اليومَ عنِّي وعنهمُ ... تَرَىْ ما يسرُّ الأولياءَ بلا مِرَا شَفَتْنا وأوْلتْنا فوائدَ عندها ... يُسهَّل للأحبابِ ما قد تعسَّرا صفَتْ عندنا تلك الصفاتُ التي علَتْ ... وفاقتْ وراقتْ للقلوب بلا امْتِرَا طوَيْنا لدى الأصحابِ كلَّ مَقالةٍ ... وقد كان في نفسِي مقالٌ تكثرَا ظفِرْنا بما نرجُو من الحسَن الذي ... يُفِيدك إن أقْرَا الفوائدَ أوْ قَرَا عليمٌ بأعْقاب الأمورِ كأنما ... لِما في غدٍ من قبل يأْتيه أبْصَرَا غدوْتُ عليه عاتباً حين أهْمل الْ ... أخُوَّةَ لمَّا ينْتظرْنِي ويذكُرَا فواعجَباً من فعْلِه حين غِبْتُ عنْ ... مَحافلِه هلاَّ لحقِّيَ آثَرَا قرأتَ حماك اللهُ لم تنتظِرْ لنا ... وعُذرِيَ أن السحبَ بالغيثِ أمْطرَا كفَى حُجَّةً بُرهانُها مُشرِقٌ بما ... فعلتَ على إهْمالِ حقِّي بما عَرَا لوَيْت عِنانَ الوُدِّ عنِّيَ عامداً ... وأُنْسِيتَ حقّاً للإخاءِ مُؤثَّرَا مَحلُّك فوقَ الشمسِ عندي وإنني ... لأبْنِي له فوق المَجرَّةِ مَعْمَرَا نَحَوتُكُم لمَّا تقشَّع سُحْبُها ... وسرتُ إلى سُوحِ المَعالي مُبكِّرَا وقد لاح في الصُّبْحِ الثُّريَّا كما ترَى ... كعُنْقُود مُلاَّحِيَّةٍ حين نَوَّرَا هو الصُّنْع إن تعْجلْ فخيرٌ وإن تَرِثْ ... بِعُذرٍ فكم رَيْث به عاد أكْبَرَا يقول لك القلبُ الذي ترَ الهوى ... إذا أنتَ راعيْتَ الإخاءَ المُقرَّرَا لأَعْظمِ من أوْلَى ووالَى صنِيعَهُ ... وحاز من الخيراتِ سَهماً مُوفَّرَا ألستَ من القومِ الذين وَلِيدُهمْ ... يُرَجَّى لإقْرَاءِ العلوم وللقِرَى بلغْنا السمَا مَجْداً وعزّاً وسُؤدداً ... وإنا لَنرْجو فوق ذلك مَظْهرَا تجرَّدْ لأخْذِ العلم عنهم فإنهم ... أئمَّتُها وارحَلْ إليهم مُشمِّرَا ثَباتُهم فيها عظيمٌ رُسوخُه ... وذِكْراه قد يُولِي الثناءَ مُعَنْبَرَا جزَى الله آبائِي عن الكلِّ خَيْرَه ... وأبْقاهمُ ماقيل نظمٌ وسُيِّرَا حَمَوْا بعَوالِيهم حِمَى الدِّين واستوَوْا ... على فلَك العَلْياءِ لمَّا تنوَّرَا عليك سلامُ الله ما انْهَلَّتِ السَّما ... بوَدْقٍ على روضٍ أرِيضٍ فأزْهَرَا فأجابه بقوله: أُسَرُّ إذا حقَّقت في النومِ معشَرَا ... وتكثُر أفْراحِي إذا كان أكْثَرَا بِنَاءً على أن امْرَأً باد عمرُه ... إذا كان في غيرِ العلوم تكثَّرَا تبيَّنْتُ أن العِزَّ في العلمِ والعُلَى ... وأن تِجَارَ العلم هم خِيرةُ الورَى ثنائِي عليهم لا على كلِّ مُهْمِلٍ ... يُجانبهم ممَّن عَتَا وتجبَّرَا جَنوا ثمراً من روضِ كلِّ فُنونِه ... وأعطاهمُ الرحمنُ حظّاً مُوفَّرَا حَرِيُّون بالتقْديم أقدامُهم على الثُّ ... ريَّا وأهلُ الجهلِ في أسْفلِ الثَّرى خَلاَ مَن غدَا في دهْرِه مُتعلِّماً ... ومستمِعاً ما فاق دُرّاً وجوهرَا دنا منهمُ فازداد فضلاً ورِفعةً ... وعاش حميداً في الورى مُتبصِّرَا ذكرتُ خِلالاً للحُسَين فسرَّني ... بأن أخي للعلمِ أضْحى مُشمِّرَا

стр. 435

رَضِيتُ له هذا طريقاً ومَسْلَكاً ... وصاحبُه فوق النجومِ كما ترَى زيادةُ مَن فوقَ البسيطةِ لم تكُنْ ... من العلمِ نْقصان وخُسْرٌ بلا مِرَا سمَا من له العلمُ الشريفُ وَسيلةٌ ... وما فازَ ذُو جهلٍ وخاب من افْتَرَى شَرَى نفسَه يبْغِي الرِّضا من إلهِه ... فيا فَوْزَه بالرِّبح من خيرِ ما شَرَى صَبُور على درسِ الدفاترِ مُقْبِلٌ سَرِيٌّ سرَى والصبحُ قد يُحمَد السُّرَى طويلٌ عليه الليلُ إن بات مُهمَلاً ... قصيرٌ إذا للدرسٍ بات مُؤثِّرَا ضَجِيعُ كتابٍ لا يفارقهُ ولا ... يُرافِق إلاَّ عالِماً مُتبحِّرَا ظفرتَ بما أمَّلْت فاشْكُر ولا تكنْ ... مَلُولاً فإن الصيدَ في باطِن الفَرَا على أنه وافَى نِظامُك عاتباً ... علينا ومنْظوماً نِظاماً مُحرَّرَا غدَوْتُ به في نعمةٍ لبلاغةٍ ... حَواها وألفاظٍ لها قد تخيَّرا فوا عجباً من عاتبٍ كان حقُّه ... بأن يُبْتدَى بالعَتْبِ فيما تحرّرَا قوافِيكَ أوْلَتْنا مَحاسِنَ عدها ... نقولُ وقد خاطبت مَن كان قصَّرَا كأنَّك لم تعلَمْ بمن سار أشهُراً ... ليحْظَى بعلمٍ ثم عاد مُطهَّرا له رِحْلةٌ معروفةٌ أنت أهلُها ... فواصِلْ دُروساً دَرْسُها لك يُسِّرَا مدَى الدهرِ لا تبْرَحْ على الدرسِ عاكفاً ... فما العلمُ في الأسواقِ بالمال يُشترَى نَبِيُّك لم يتركْ سوى العلمِ فاغتنِمْ ... وِراثتَه بالدَّرْسِ عن سيّد الورَى وأنتَ بحمْد اللهِ قد صِرْتَ علاِماً ... ولكنْ نظَمْنا ما تراه مُذكِّرَا هدانا إله الخلقِ نَهْجاً مُبلِّغاً ... إلى جنَّةِ الفِرْدوسِ فضلاً ويَسَّرَا لئن كنتَ تَرْعَى للحقوقِ فإنَّني ... لأرْعَى لها واسألْ بذلك مَن دَرَى يريد أخِي قلبَ العِتابِ فقُلْ له ... يحِقُّ لِمثْلي أن يغُصَّ ويصبِرَا إذا أنا لم أحمِلْ على النفس ضَيْمَها ... سَدَدْتُ طريقاً للثناءِ مُنوَّرَا بَدا لِيَ عُذْرُ الصِّنْو بعد جَفائهِ ... وذلك أن السحب دام وأمْطَرَا تَوَالت بذا الأسبوع فضلاً ونعمةً ... فرَام لهذا أن يُقال ويُعذَرَا ثلاثاً هجَرْتُم ثم زِدتُمْ كمِثلها ... لك اللهُ أرجو أن تُقِيل وتعذِرَا جرَى ما جرَى منكم من الهجرِ والقِلَى ... وفوق ثلاثٍ حَرَّم الظَّهر ما جَرَى عليك سلام اللهِ ما ذَرَّ شارِقٌ ... وأسْأر ذُو عَزْمٍ لعلمٍ وما سَرَى علي بن عبد الله بن المهلا بن سعيد النيساي الشرفي نخبة أهل العصر الغابر، وأفصح من استعمل الأقلام والمحابر. زجر طير البنان في أوكاره، وجاء بمعدن البيان من أبكاره. وكان الحسن بن الإمام القاسم يشهد بتقدمه، ويرى مجاريه منتهى قدمه. وله في مدحه أشعارٌ أعبق من نفحات الأنوار غب القطار، وأشهى من كأس المدامة في مغتنم فرص الأوطار. فمنها قوله من لامية، مستهلها: لا تحسَبُوه عن هواكم سَلا ... كلاَّ ولا فارقكُم عن قِلَى ولا ثَنتْ وَهْنانةٌ قلبَه ... هَضِيمةُ الكَشْحِ صَموتُ الحُلَى الوهنانة: اللينة الجسم، ناعمته، تكاد تسقط من النعومة. تفضح بالقَدِّ غصونَ النَّقا ... لِيناً وتحكي الشادِن الأكْحَلا نَشْوانةٌ ما شرِبت قَرْقَفاً ... سَحَّارةٌ ما عرفتْ بابِلاَ آهِلةُ الدارِ بأتْرابِها ... لا عَفَتِ اررِّيحُ لها مَنزِلاَ نسِيمُها حدَّث عن مِسْكِها ... فخَاله أهلُ الهوى مُرسَلاَ

стр. 436

دعِ التَّصابي في المَقام الذي ... فاق سناءً واقْصِد الأفْضَلا وقُلْ بأعلَى الصوتِ إن جئْتَه ... يا مَلِكاً حاز جميعَ العُلَى هُنِيتَ هذا الشرفَ الأطْولاَ ... فالمَفْخرُ الباذِخُ فوق المَلاَ أدركتَ مَجْداً عُشْرُ مِعْشارِه ... قد أعجز الآخِرَ والأوَّلاَ ما أنتَ إلاَّ آيةٌ أُنْزِلتْ ... تقمَع من حَافَ ومن أبْطَلاَ يشْهد ما في الأرضِ من علمِه ... أنَّك صِرْتَ الواحِد الأكْمَلا نورَ هدىً يُهْدَى به ذو التقى ... نارَ وَغىً حاميةَ المُصْطَلى وبحرَ علمٍ ماله ساحلٌ ... يزْخَر إن فَصَّل أو أجْمَلاَ دقيقَ فكرٍ ما رأَى مُشكِلاً ... إلا وحلَّ المُشكِلَ المُعضِلاَ يا ابنَ أميرِ المؤمنين الذي ... ما برِحَ النصرُ له مُقْبِلاَ رُمْحُك لا يألفُ إلا الحشَا ... سيفُك لا يعشَق إلا الطُّلاَ طَرْفُك يخْتاضُ دماءَ العِدَى ... كأنها كانتْ له مَنْهَلاَ مُنتَعِلاً في الرَّوْعِ هاماتِهمْ ... مُجلِّلاً أكبادَهم والكُلَى نهَدْتَ للتُّرْكِ وقد حَزَّبوا ... أجْنادَهم تملأُ عُرضَ الفَلاَ تغَصُّ قِيعانُ زَبِيدٍ بهمْ ... تَخالُ فرسانَهم أجْبُلاَ فدارتِ الحربُ وقد أمَّلُوا ... رَأْياً وقد يُعْكَس مَن أمَّلاَ وزاوَلُوا منك فتىً ماجِداً ... لا يرهَب الموتَ إذا أقْبلاَ يسْتحسِن الدِّرْعَ على جسمِه ... ثوباً ويسْتخْشِن ثوبَ المُلاَ سابِغةً تسْخَر بالبِيضِ في الْ ... هَيْجَا وتسْتزرِي القَنا الذُّبَّلاَ فَجُرِّعوا من بأسِه عَلْقَما ... مُعْتصَراً من شَجَراتِ البَلاَ واستبْدلُوا عن صهوات الذُّرَى ... والضُّمَّرِ الُجرْدِ بطونَ البِلَى فمنهمُ مَن جاء مُستسلِماً ... ومنهمُ مَن طار خوفاً إلىَ فهكذا فلتكُنِ الهمَّةُ الْ ... قعساءُ والفخرُ وإلاَّ فلاَ فانْقشعتْ تلك الغَياباتُ عن ... مُهذَّبٍ كالقمرِ المُجْتلَى عن فاطِمٍ ذِكْرُ أيامِه ... يفعلُ في السامِع فعلَ الطِّلاَ الحسنِ بن القاسم النَّدْبِ مَن ... غار على الإِسلامِ أن يُهْمَلا وشاد رُكْناً لبني هاشمٍ ... طاوَل مِن رِفْعتِه يَذْبُلاَ ساسَ من الشِّحْرِ إلى مَكَّةٍ ... إلى الحِمَى عُمْرانَها والخَلاَ ودَوَّخ الأرضَ فلو رام تَخْ ... تَ الشَّامِ بَلْه الرُّومَ والمَوْصِلاَ لأقْبلتْ بالطَّوْعِ مُنْقادةً ... لأمْرِه أسْرَعَ مِن لاَ ولاَ ونالَ منها كلَّ ما يبْتغِي ... وحازَها بالسيفِ أو بالجَلاَ وما هِيَ الأرضُ وما قَدْرُها ... عندك يا مَن قَدْرُه قد عَلاَ لو أنها عندك مجموعةً ... وهَبْتَها من قبلِ أن تُسأَلاَ ولو أمرتَ الشُّهْبَ إقْبالَها ... نحوك لا تلبَثُ أن تنزِلاَ وضَيْغمُ الأفلاكِ لو رُمْتَه ... جَعلتَ من قُرونِه أنْعُلاَ ولو نهَيْتَ الدهرَ عن فِعْلِه ... بالحُرِّ لاسْتعبَدَ واسْتمثَلاَ وإن يُرِدْ منه على بُخْلِه ... يُوليِه بِرّاً كاد أن يفعَلاَ دُمْتَ لدِين المصطَفى مَعْقِلاً ... ولِلهَّيِفِ المُعتفِي مَوْئِلاَ وقوله، من نونية، أولها: هام وَجْداً بساكِني نَعْمانِ ... حَسْبه من أحِبَّةٍ ومكانِ جِيرةٌ خَيَّموا فخَيَّم قلبي ... واستقلُّوا فهام بالأظْعانِ

стр. 437

ألِفَتْهم رُوحِي فهانتْ عليهم ... قَلَّما يسلم الهوى مِن هَوانِ الهوى شأْنُه عجيبٌ فكم مِنْ ... مُسْبِلس ماءَ شَأْنِه إثْر شانِ علِق القلبُ منهمُ بدرَ تِمٍ ... ساحرَ اللَّحْظِ فاتِرَ الأجْفانِ وافرَ الرِّدْفِ كاملَ الطَّلْعةِ الغَرَّا ... ءِ مُرَّ الصُّدودِ حُلْوَ اللِّسانِ مَن لقلبي بعَضِّ تُفَّاحِهِ الغَضِّ ... وتقْبيل خدِّه الأُرْجُوانِي فأُداوِي الفؤادَ من ألَمِ الحبِّ ... ليُشْفَى مُعذَّبُ الهِجْرانِ مالكِي ما تُرِيد أصلَحك اللَّ ... هُ بإتْلافِ مُطْلَقِ الدمعِ عَانِ نَمْ هنيئاً مِلْءَ الجفونِ فإن عا ... وَد طَرْفِي الكرى فقُل لا هَنانِي يَطَّبِينِي هوَى الحسانِ ولكنْ ... ما رآنِي رَبِّي بحيث نَهانِي بل تحامَى نفسِي القريضَ فَيُد ... نيها إليه تشبيهُها بالغَوانِي إِجماعٌ مع الصِّبا بعد ما لا ... حَتْ ثلاثٌ بيضٌ ثَنَيْنَ عِنانِي فاتنِي رَيِّقُ الشبابِ وأرْجُو ... عَوْدَه من أكُفِّ فَرْدِ الأوانِ يا أبا أحمدٍ بَقِيتَ فما غَيْ ... رُك يُدْعَى إذا الْتقَى الْجَمْعانِ ذُدْ عن الدِّين واحْمِه بالصِّفاحِ الْ ... بِيضِ والصَّافِناتِ والمُرَّانِ أنت مَهْدِيُّ هذه الأمة المَرْ ... جُوُّ إحْياؤُه عَقِيبَ الزمانِ زمِنَ الدهرُ عندما درَس الحقُّ ... فمُذ جئت عاد في العُنْفُوانِ غَبَن المُدَّعِي عُلاك لقد مَدَّ ... يَداً وَيْحَه إلى كِيوانِ يرْتجِي شَأْوَك الرَّفيعَ لقد ضَلَّ ... وغَرَّتْه نفسُه بالأمانِي رفع اللهُ منك رايةَ حَقٍ ... يتَّقي بأْسَها أُولو الطُّغْيانِ سَلْ زَبِيداً والنَّجْدَ نَجْد المُحَيْرِي ... بِ وقاعَ القِبابِ من سخَّانِ لو تصدَّى لها سواك إذاً آ ... لَ كَسِيرَ القَنا قتِيل طِعانِ ألِفَتْ خيلُك الوغَى فهْي من شو ... قٍ إليه تهُمُّ بالطَّيَرانِ كم جيوش غادرْتها للأعادِي ... جَزَراً للنُّسورِ والعُقْبانِ من رأى بأْسَك الشديد وإقْدَا ... مَك يوم الوغَى على الأقْرانِ مُعْلَماً يلْتقِي الكتائبَ فَرْداً ... حيث تُنْسَى مَوَدَّةُ الإخوانِ لا يرى غيرَ هامةٍ أو نَجِيعٍ ... أو قَتامٍ أو صارمٍ أو سِنانِ علِم الناسُ أن مالك ثانِي ... واسْتبانُوا أن الفَخار يَمانِي ذلك المَحْتدِ الرفيعُ وعَلْيا ... ك على الخلقِ ما لها من مُدانِي راق مَدْحِي فيمَن حوَى قصَب السَّ ... بْقِ ودانتْ لأمْرِه الخافقانِ ملِك يقْهر الجبابرةَ الصِّ ... يدَ ويْعنُو له ذَوو التِّيجانِ سَنَّ للناس مذهبَ الْجُودِ والْ ... باسِ فما زيدُ الخيلِ وابنُ سِنانِ نَشرَ اللهُ عَدْلَه في البرَرايا ... ليفوزُوا بالأمْنِ والإيمانِ وأعادَ الأعْياد تَتْرَى عليه ... أبداً ما تعاقَب المَلَوانِ أخوه محمد من ذوي اللسن الذلق، الموسومين بالأوجه الطلق. تعلق به النبلا، وتروي عنه الفضلا. وفيه تودد وألطاف، وله شعر تتمايل طرباً به أردانٌ وأعطاف. فمنه قوله: وأغْيَدَ مَعْسولِ الشَّنائبِ واللَّمَى ... يُسائلِني عن شَرْحِ جَمْعِ الجوامعِ فقلتُ له والعينُ تسكُب عَبْرةً ... نعم يا خليلي شرحُ جمعِ الجوَى مَعِي وقوله:

стр. 438

شريفٌ تِهامِيٌّ تعانَى وقال لي ... أُرِيد من المولى نَوالاً ونَامُوسَا فقُلتُ له ما الاسم قال أنا موسى ... فقلت لقد أُوتِيتَ سُؤْلَك يا مُوسَى أولاد الجرموزي الثلاثة الإخوة، الذين اجتمعت فيهم المروءة والنخوة. سلسلة مجدهم متساوٍ شرفاها، وهم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها. أما: الحسن حاكم المخا فهو لخزانة الفضل إقليد، لا يليق بغيره لحكمة تقليد. سمعت بخبره فعرفت كنهه، وزالت عني في مسلمات فضله كل شبهة. فما تلقيت بأحسن مما فهمت، ولا انتقيت إلا تعشقت فهمت. فروحي فدى مناقب، نجومها في سماء الفضل ثواقب. إن لم تكن بذاتها زينة النحور، فمنها تكتسب الرونق دراري البحور. وقد وقفت له على أشعار وفقت إليها، فرأيت الحسن جميعه وقفاً عليها. فمنها ما كتب به إلى شيخه القاضي محمد بن إبراهيم السحولي، وهو إذ ذاك في صنعا، وقد أمره بوظيفة الخطابة في جامع صنعا: حتَّى م تنْهلُّ البوادِرْ ... وإلى مَ أغدو الدهرَ ساهِرْ ويصُّدني رِيمُ الفَلا ... ةِ أمَا لذاك الصَّدِّ آخِرْ لا تعجبوا من فِتْنتِي ... بمُمَلَّكٍ في الحب جائرْ فالطَّرْفُ منه والقَوا ... مُ اللَّدْنُ فَتّاكٌ وساحِرْ أو ما تَرَوْنَ خُدودَه ... بدمِي أقرَّتْ فهو ظاهِرْ وترَوْنَ في الثَّغْرِ الأَنِي ... قِ سُموطَ دُرٍ بل جواهرْ يَهْدِينَ كالمِصباح إمَّا ... رْتَ في ظُلَم الدَّاجِرْ وتُنِيرُ أسْرَارُ البلا ... غةِ في البيانِ لكلِّ ناظِرْ فعلمتُ أن دلائلُ الْ ... إعجازِ من تلك المَحاجِرْ مُذْ صدَّني جَرَتِ الدُّمو ... عُ على الخدودِ من النَّواظِرْ فوَجْنتِي غُدْرانُها ... وعلى المُتُون له غدائرْ غادرْنَنِي فأفاضَ دمْ ... عِي بالعَقِيق من المَشاعِرْ وحكَتْ جُفوني المُعْصَرا ... تِ فدمعُها هامٍ وهامِرْ إلى أن قال في المديح: هزَّتْ وباهتْ فَرْحةً ... لِلِقاكَ أعْطافُ المَنابرْ وتبسَّمتْ صَفحاتُها ... عن طِيب أرْياحٍ عواطِرْ ما قُسُّ ما سَحْبانُ وا ... ئلِ في الخطابةِ من مُناظِرْ ما سِيبَويْه النحوِ ما الْ ... جَرْمِيُّ كَلاَّ وابنُ طاهِرْ ما الصاحِبُ الْكافِي أو الصَّ ... ابِي فكلٌّ عنه قاصِرْ حُزْتَ المَكارمَ والعُلى ... فلَك المَوارِدُ والمَصادِرْ واسلَمْ ودُمْ في خَفْضِ عَيْ ... شٍ ما زهتْ بك من دفاترْ وبقِيتَما إن غرَّد الشُّ ... حْرورُ مشكوراً وشاكرْ فأجابه القاضي محمد: بين المَحاجِر والمعاجِرْ ... فُتِن الأصاغِرث والأكابرْ وعلى الدُّمَى طُلَّتْ دِما ... ءٌ للأوائِل والأواخِرْ أمعلِّم الأغصانِ كيْ ... ف تَميلُ في الورَقِ النواضِرْ ومُعِيرَ آرامِ الظِّبا ... ءِ الحاجِريَّات المَحاجِرْ أعلمتَ وَسْنَانَ الجُفُو ... نِ بحال ساهٍ فيك ساهرْ يبكي فعيْنٌ دَمْعُها ... هامٍ وهذا العينُ هامِرْ إلى أن قال: إن راق فيك تغزُّلي ... وملأْتُ أوراقَ الدفاترْ ورآهُ بعضُ الحاسِدي ... ن من النَّقائصِ والجَرائرْ جهلاً بحُسْن سَرِيرتي ... واللهُ أعْلَمُ بالسَّرائرْ فلأمْحوَنَّ خَطِيئتي ... إن سلّمت واللهُ غافرْ بمديحِ مولانا الكري ... مِ ابنِ الكريم أخي الأطاهِرْ حسنٍ سليلِ مُطهَّرٍ ... نَسْلِ الغَطارِفة الأكابرْ إلى أن قال:

стр. 439

مولايَ أفْصحَ ناظمٍ ... في أهل جِلْدتِه وناثِرْ قابلتُ هاتيك الغصو ... ن بهذه الدِّمَنِ الدَّواثرْ عِلْماً بأنَّك كاملٌ ... وبأن بحرَ نَداك وافرْ وبأنَّ علْمَك عاذِرٌ ... فيما أتيْتُ به وساترْ وهي طويلة، أجاد فيها كل الإجادة. ومن شعره في الوعظ قوله مضمناً بيت ابن تومرت: فيا حجر النَّجْدِ حتى متى ... تسُنُّ الحديدَ ولا تقْطَعُ ألا انْهَمِري أيها الأدمعُ ... وذوبِي جَوىً أيها الأضْلُعُ ونُوحِي على من له أُوقِعتْ ... كِبارُ المَعاصِي التي تُصنَعُ فكم غاص جَهْلاً بحارَ العمَى ... ومِن عنده يُوجَد المَهْيَعُ على أنه واعظٌ إن رَقَى ... على مَتْن رَوْعٍ به يَرْدعُ فمثِّلْه إن شئتَ في حالِه ... بمثْل الذي قاله المُبدِعُ فيا حجرَ النَّجْد حتى متى ... تَسُنُّ الحديدَ ولا تقطعُ وله: باللهِ لا بسِواه ... من الأنامِ تَمسَّكْ فافْزَعْ إليه إذا ما ... خَطْبُ الحوادثِ مَسَّكْ تنَلْ بدُنْياك خيْراً ... وفي حُلولِك رَمْسكْ فإن وثِقْت بخَلْقٍ ... سواه ضَّيعْتَ نفسَكْ وله في التضمين: تجاوزتِ يا هندُ المليحة في الحدِّ ... غَنِيت عنه بما في حُسْنِك البَهِجِ وأغمدتِ سيْفَيْ مُقْلتيْك بمُهجتِي ... وهل يُجمَع السيفانِ أفديك في غِمْدِ وله: على مَ تتَّخذ الحَلَىْ النفِيس وقد ... غَنِيت عنه بما في حُسْنِك البَهِجِ الجِيدُ من فضةٍ والخَدُّ من ذهبٍ ... والثَّغْرُ من لُؤْلؤٍ والصُّدْغُ من سَبَجِ وله: بأبي من قد سَبانِي حُسْنُه ... وغدَأ قلبي به مُرْتهِنَا فالِقُ الإصْباحِ مِن غُرَّتِه ... جاعل الليل عليها سَكَنَا ثَمِل العشاقُ في عشْقتِه ... وأفاقُوا سَكْرةً إلاَّ أنَا الثاني منتزع من قول الباخرزي، في أبياته المشهورة: يا فالقَ الصُّبْحِ من لأْلاءِ غُرَّتِه ... وجاعَل الليلِ من أصْداغِه سَكَنَا بصورةِ الوثَن اسْتعْبدَتنِي وبها ... فتْنتنِي وقديماً هِجْتَ لي شَجَنَا لا غَرْو أن أحرقتْ نارُ الهوى كبِدِي ... فالنارُ حَقٌّ على مَن يعبُد الوثَنَا وله، وقد ذكرت بحضرته أبيات الأعشى، التي يقول فيها: وتسْخُن ليلةَ لا يستطيع ... نُباحاً بها الكلبُ إلاَّ هَرِيرَا وتبْرد بَرْدَ رِداء العرُو ... س ليلايَ ضَمَّخْن فيه العَبِيرَا أفْدِي الذي زِينةُ الدنيا مَحاسِنُها ... فلا مليحٌ على الدنيا يُدانِيهَا في البردِ حَرَّى ووقت الحرِّ باردةٌ ... وبُغْيةُ المُتمنِّي في مَعانِيهَا وله: للهِ ماءُ ثَناياكِ التي عَذُبتْ ... وحبَّذا قُبَلٌ فيه وتَكْرارُ لكنه بارِدٌ أذْكَى لَظَى كبِدِي ... فاْعجَبْ لماءٍ غدَتْ تُذْكَى به النارُ وله في معناه مضمناً بيت المعري: قد قال لي الحِبُّ مُذ قَبّلْتُه سَحَراً ... في الخدِّ لَمَاهُ الطِّيبِ العَطِرِ أتهجُر الماءَ يا مغرورُ مُغتبِطاً ... وتقصِد النارَ ذات اللَّفْحِ والشَّرَرِ فقُلتُ من خَصَرٍ مولايَ أهجرُه ... والعذبُ يُهْجَر للإفْراطِ في الخَصَرِ وله في الزنبق: انْظُر إلى الزّنْبَق الأنيقِ وقد ... أبْدَع في شَكْلِه وفي نَمَطِهْ يحكي قناديلَ فِضَّةٍ غُرِستْ ... شموسُ تِبْرٍ تُضِيءُ في وسَطِهْ وله: رِيمٌ تسُلُّ البِيضَ أجفانُه السُّ ... ودُ فتسْقينا كؤوسَ الحتوفْ جَردَّها عَمْداً وفي ظلِّها ... وردٌ على الخدِّ مَنِيع القُطوفْ

стр. 440

يا حبَّذا وَجْنتُه جَنَّة ... لكنَّها تحت ظِلالِ السيوفْ وهو من قول ابن الخطيب: انْظُر إلى عارضِه فوقه ... ألحاظُه تُرْسِل فيها الحُتوفْ تُشاهدِ الجَّنةَ في وجهِه ... لكنها تحت ظلالِ السُّيوُفْ وأما: جعفر فهو طيار الصيت في الآفاق، سيار الذكر بين الرفاق. خمرت طينته بالأدب كل التخمير، ودعي له بالفضل في الولاية والتأمير. فضرب لمخيم علاه على الأثير سرادق، ووعد جعفر فضله بسقي العلى فيا له من جعفرٍ صادق. وقد سمعت من مادحيه بعضاً يقول: إنه فرد الزمان، وبعضاً يقول: إن معه في التوحد توقيع الأمان. وله شعر كنور الأقاح كاد أن ينفتق، أو كنور الإصباح هم أن ينفلق. فمنه قوله من قصيدة يمدح بها جمال الإسلام علي بن المتوكل إسماعيل: هكذا شرطُ الهوى سَلْبُ القلوبِ ... وشروقُ الدمعِ من تلك الغُروبِ وجوىً نامٍ وصَبْرٌ ناقصٌ ... وزفيرٌ قد تعالَى بنَحِيبِ وجُفونٌ قد جفَتْ طِيبَ الكرى ... ما أعزَّ النومَ للصَّبِّ الكئيبِ ما لِعُذْرِيِّ الهوى عُذْرٌ وقد ... لاح كالصبحِ سَنَا وَجهِ الحبيبِ أهْيَفٌ مهما تَثنَّى أو رَنَا ... يا حياءَ الظبِْي والغُصْنِ الرَّطِيبِ شادِنٌ كالظَّبْيِ يرْعَى أبداً ... في رياض الحسنِ حَبَّاتِ القلوبِ عَنْبرِيُّ الخالِ مِسْكِيُّ الشَّذَى ... سُكَّرِيُّ الرِّيقِ دُرِّيُّ الشَّنِيبِ ساحرُ الألْحَاظِ فَتَّاك الرّنَا ... شَفَقِيُّ الخدِّ حُقِّيُّ الكُعوبِ لو رآه عاذِلي ما عادَ لِي ... سلَب الصبرَ عن القلْبِ السَّلِيبِ قَصِّرِ اللَّوْمَ عَذُولِي في الهَوى ... وأفِقْ باللهِ عنِّي يا رقيبي أنت لا تبْرحُ تلْقَى نَصَباً ... في حبيبٍ هو في الدنيا نَصِيبي وعلى أيَّةِ حالٍ فاسْترِحْ ... يا رقِيبي إنه غيرُ قريبِ هو مثلُ البدرِ بُعْداً وسَناً ... وجمالُ المُلْكِ مَعْدومِ الضَّرِيبِ وله في الغزل: برَّح الشوقُ فواصِلْ ... أنت عمَّا بِيَ غافلْ زُرْ فأيام المُحِبِّ ... ين كما قِيل قَلائلْ قد تركتَ القلبَ منِّي ... ذاهباً والعقلَ ذاهِلْ بأبي بدرٌ بدَا لي ... في سماءِ الحُسْنِ كامِلْ كلَّما فوَّق سَهْماً ... لم يُصِب إلاَّ المَقاتِلْ رِدْفُه للخَصْرِ منه ... ظالمٌ والقَدُّ عادلْ أقوامٌ ذاك أم غُصْ ... نُ نَقاً في الدَّوْحِ مائلْ وعيونٌ فاتراتٌ ... تلك أم أسْحارُ بابلْ وخدودٌ قَانياتٌ ... أو ورودٌ في غلائلْ قيَّدتْني عارِضاه ... لهواهُ في سَلاسِلْ قال لي لمَّا رآنِي ... مِن هواهُ في حبائلْ عارضِي المَقْرون نُونٌ ... وعِذارِي سالَ سائِلْ قد مضَى العمرُ ووَلَّى ... لم أفُزْ منه بطائلْ لستُ أُصغِي في هواه ... لوُشاةٍ وعواذِلْ إنَّ دينَ الحبِّ حَقٌّ ... وسُلُوِّي عنه باطلْ فدعِي العاذلَ فيه ... فلْيَقُلْ ما هو قائلْ هو لا شَكَّ لِما بي ... من جوىً في القلب جاهلْ أنْكَر العاذلُ وَجْدِي ... وعلى الوجدِ دلائلْ وكفَى السُّقْمُ دليلاً ... ودَمٌ في الخدِّ هامِلْ وله، في الغزل أيضاً: سُمْتَ الفؤادَ مَنالَ المَنْزَعِ السَّامِيسَوْمَ العِداةِ مَرِيرَ السَّوْمِ بالسَّامِ أذْكيْتَ نارَيْن فيه من هوىً ونَوىً ... كلاهما ذاتُ إضْرار وإضْرامِ

стр. 441

عذَّبْتَه يا وَقالك اللهُ ظالِمَهُ ... وهْو المُبرَّأُ عن ذنبٍ وإجْرامِ أقْوَتْ مدارسُ صبرِي مذ نأيْتَ عَفاً ... لم يبْقَ منها سوى نُؤْيٍ وآرامِ ظننتُ مَهْلاً غرامِي فيك وهْو معي ... كالحافِظَيْن ومِن خَلْفِي وقُدَّامِي صحِبْتُه والهوى بُرْدِي ومعهدُه ... عَهْدِي وحُلَِّته حَلِّي وإبْرامِي وإذْ لُباناتُ خِلِّي في الغرام لُبا ... ناتِي وأحكامُه في الحبِّ أحكامِي وكنتُ والكونُ مسروراً بمَأْرُبتِي ... ولا أخاف مَلاماً غِبَّ إلْمامِي أيامَ كنتُ ولا أخْشَى جَفاك ولم ... أحْفِل بتحْفيل عُذَّال ولُوَّامِ ويا زمانَ التَّصابِي لا عَداك من الْ ... وَسْمِيّ أغْدَق غيثٍ هامعٍ هامِي يسْقي مَعالمَ أُنْسٍ كم قطعتُ بها ... ساعاتِ دهري وأيَّامي وأعْوامِي واهاً على سالِفٍ منها ظفِرتُ به ... كأنه إذْ مضى أضْغاثُ أحْلامِ يقِلُّ منِّي عليه حين أذكرُه ... كَفٌّ يُعَضُّ وجَفْن دَمعُه دامِي ومُهْجةٌ حَشْوُها ممَّا أُكابدُه ... نارٌ وَقُودٌ وجسمٌ حِلْفُ أسْقام ويا رَبِيبةَ مُلْكِ الحُسْن ليس يُرَى ... في غير حُبِّك إسْرارِي وإحْرامِي ولا ورَبِّك ما إنْ عَنَّ في خَلَدِي ... سِوَى هواكِ ونعمَ الناشىءُ النَّامِي مُكِّنتِ منه مَحَلاً دون مَبْلغهِ ... صَدَّتْ نوازِعُ أفكارٍ وأوهامِ عَقِيلةَ الحيِّ مُلِّكتِ السَّنا وبه ... ملَكْتِ كلَّ رقيقِ القلبِ هَيَّامِ ضارعْتِ مثلَك في البَيْداء سالفةً ... أختَ الغزالةِ مَهْوَى قُرْطِك السَّامِي ومُقْلة ما شَبَا الهِنْديُّ يوم وَغىً ... منها أبَتُّ لأكبادِ وأجسامِ رَنَتْ فكم طار من حِجْرٍ لذي أدَبٍ ... طَيْرَ الحمامةِ خوف النَّابِل الرَّامِي ذاتَ الفِراخِ نأتْ عنها محلَّتُها ... وقد دَجَا الليلُ في ظلمٍ وإظْلامِ وقبلَ عَيْنيك ما إنْ دار في خَلَدِي ... أسْحارُ بابِلَ في ألْحاظِ آرامِ حَكمْتها في عذابِي فعْلَ غانيةٍ ... لم تعْرِف العدلَ في تصْريفِ أحْكامِ لولاكِ ما باتَ طَرْفِي غيرَ ذِي طَمَعٍ ... من المنامِ بإسْعافِ وإلْمامِ وقد ملكتِ فؤادِي فاسْمحِي كرَماً ... فإنه قلبُ ماضِي العَزْم مِقْدامِ وليس قبلَك يا أختَ الغَزال سَطَتْ ... بباسِلٍ في عَرِين الأُسْدِ صَمْصامِ إذْ كنتُ لا أتوَقَّى هَيْبَ نازلةٍ ... حتى بُلِيتُ بحبٍ منكِ قَصَّامِ كالشمسِ عُذْر محبٍ صار فيك لَقىً ... عن عَذْلِ كلِّ غليظِ القلبِ لَوَّامِ باتتْ إليك نجومُ الأفق شاخصةً ... تَحْديقَ طالبِ حُسْنِ منك مُسْتامِ والبدرُ لمَّا حكَى مَرْآكِ كان له ... معنَى الجمالِ وفيه بعضُ إيهامِ وما سرَى الرَّكْبُ في أرضٍ حلَلْتِ بها ... إلاَّ على ضوءِ ثَغْرٍ منك بَسَّامِ وأهْدَتِ الرِّيحُ منها مَنْدَلاً عطِراً ... ألْوَى بنَفْحة طِيبِ الهندِ والشَّامِ وقد ملكت كتابَ الحُسْن منفرداً ... ظفِرْت منها بأنْواعٍ وأقْسامِ وله من قصيدة يمتدح بها ضياء الدين إسماعيل بن محمد بن الحسن: ما غرَّد بُلْبُلٌ وغَنَّى ... إلاَّ وأضلَّنِي وعَنَّى في حبِّ مُهَفْهَفٍ غَرِيرٍ ... من حُسنِك يا هلالُ أسْنَى البدرُ يغَارُ إن تبدَّى ... والغصنُ يموتُ إن تَثنَّى والظَّبْيُ إذا رأى رَنَاهُ ... والجِيدُ يكاد أن يَحِنَّا لو شاهده العَذُولُ أضْحَى ... فيه قلِق الوِسادِ مُضْنَى

стр. 442

أهْواه ولا أُلامُ فيه ... ما أطيبَ عِشْقَه وأهْنَا أُشْفَى بجمالِه وأشْقَى ... أحْيَى بدَلالِه وأفْنَى الحبُّ مع الوصالِ إسمٌ ... والموتُ مع المِطالِ مَعْنَى أهْوَى وأوَدُّ لو تَراهُ ... يا عاذلُ كالهلالِ حُسْنَا كي تعذِر في الهوى مُحِبّاً ... قد صار من الخِلالِ أضْنَى يا مالِك مُهْجتِي ترَفَّقْ ... فضلاً وتَداركِ المُعَنَّى في حُبِّك قد بذلْتُ رُوحِي ... لا تحسبَنْه لَديْك رَهْنَا يا غصنُ أما لكَ انْعِطافٌ ... يا حُسْنُ أما لديْك حُسْنَى يا وردَ خُدودِه الزَّواهِي ... عهْدِي بك يا وردُ تُجْنَى يا بدرُ أما تزُور وَهْناً ... كالبدرِ إذْ يلُوح وَهْنَا ما ضَرَّك هل عليك عارٌ ... لو تُنْعِش مُغْرَماً تعَنَّى هَبْ عُذْرَك واضحٌ فقُل لي ... يا طَيْفُ كم الصدودُ عَنَّا لا أُشْرِك في هواكَ خَلْقاً ... ما وَحَّد مُسْلِم فثَنَّى بل أنتَ وأنتَ كلُّ قَصْدِي ... أغْنَى بصَبابتي وأفْنَى ومن مقطعاته البديعية قوله: عَاتْبتُهم حين حال وُدُّهُم ... عند انْعِكاس الزمان مُمْتحِنَا قالُوا فمن ذا تراه لم يكُ يَسْ ... تحيلُ بالانْعكاسِ قلتُ أنَا وله في الحمامة: وحمامةٍ غنَّتْ على ... غصنٍ يمِيل مع الرياحِ وَرْقاء تبْعثُ للقلو ... ب هوَى الصِّباحِ مع الصَّباحِ صَبْراً فلاحِي صَبْوتِي ... من قبل حَيَّ على الفَلاحِ وله فيها: يا صاحِبيَّ حمامةُ الْ ... وادي أهاجتْ لي غَرامَا غنَّتْ فغَنَّتْ مُغْرَماً ... فيهمْ وهَي جسْماً وهامَا قُلنا سلاماً تبْتغِي ... في سَجْعِها قالتْ سلامَا وكتب إليه الأديب حسام الدين ناصر بن سعد بن عبد الله، قبل المعرفة بينهما: لقد خطَب الوُدَّ منك امْرُؤٌ ... وأمْهَره المِثْل من وُدِّهِ فإن تَرْضَه يا رَضِيَّ الهُدى ... وإلاَّ فأحْسِن في رَدِّهِ فأجابه بقوله: خطبْتَ وِدادَ امْرِىءٍ لم يزَلْ ... مَودَّتُك الجُلُّ من قَصْدِهِ ومن يَحْظَ بالوُدِّ من ناصرٍ ... قد أحْرزَ الجَدَّ من سَعْدِهِ ومن شعره قوله: بعَيْشِك حَدِّثْني عن الْبانِ هل سَرَى ... به الركبُ أم مالوا إليه وخَيَّمُوا فلِي أبداً شَوْقٌ إليهم مُبَرَّحٌ ... ولِي أبداً قلبٌ عليهم مُتيَّمُ وقوله: تعانقَتْ أغْصانُ بانٍ بالحِمَى ... فأشبهتْ أعْطافَ أحْبابِي ومُذ صَبا قلبي صَبا صاحِبي ... آهٍ على الصَّاحِبِ والصَّابِي وقوله: يا غزالاً لم يزلْ ... وجدِي به أمراً عظيمَا جُدْتَ بالوصل فأحْيَيْ ... تَ أخا وَجْدٍ كَلِيمَا أتُرى ضمَّ كريماً ... منك أم ضَمَّك رِيمَا وقوله: ومليحٍ كالبدر وجهاً وكالظَّبْ ... يِ الْتفاتاً وكالقَضِيبِ اعْتدالاَ كلُّ شيءٍ منه مليحٌ وإن جا ... رَ وأما الهِجْران والاعْتدالاَ وقوله: بأبِي الذي ما شبَّ إلاَّ ... شَبَّ وجدِي فيه أكْثَرْ وإذا تعذَّر مالكِي ... فهناك صبْرِي قد تعذَّرْ وقوله في مليح به شرط: بي أحمرُ الوجْنَةِ مَشْروطُها ... لَدْنُ التثنِّي ناعِسُ المُقْلتْينْ لو لم تكنْ عيْناه مكسورةً ... ما فعلُوا من تحتهما خفْضَتيْنْ وقوله: قالتْ وقد أفْنَتْ جميعَ تصبُّرِي ... ونفَتْ لذيذَ النومِ عن أجفْانِي إن رُمْتَ منِّي زَوْرةً في ليلةٍ ... فاصبرْ وليس لَدَيَّ صبرٌ ثانِي وقوله: يا من إذا جاء يوماً ... يُتابع المَنَّ بالمَنّ

стр. 443

أحْرَقْتَ بالمَنِّ قلبي ... واحَرَّ قلباهُ ممَّنْ وأما: محمد فإليه الحديث يساق، ويخجل خبره العقد في تناسبٍ واتساق. فهو ممن اشتهر وبهر، وأضحى روضةً أطلت على نهر. وله القلم البابلي السحار، والكلم التي عطرت نسائم الأسحار. وقد ذكرت له ما تتنادم الألسن على ذكر مزاياه، وتستنشق الأرواح المسك الداري من عرف رياه. فمنه ما كتبه إلى الأديب حسين بن علي الوادي، وهو إذ ذاك بصنعا: السُّحْبُ أرْخَى أدمُعا لا يُفيقْ ... وألْبَس الأغصانَ ثوباً أنِيقْ ودبَّجَ الأرضَ فمِن أخصرٍ ... أو أصفرٍ أو أحمرٍ كالعَقِيقْ وكلَّما مرَّتْ بنا نَفْحةٌ ... أهدتْ من الأزهارِ مِسْكاً سَحِيقْ روَتْ حديثاً عادَ دمعِي له ... مُسَلْسَلاً بالوُدِّ لا يسْتقِيقْ أن الرّبَى قد كُلِّلتْ بالنَّدَى ... وانْتظَم المَنْثورُ بين الشَّقِيقْ يا أيُّها الوادِي الذي نَشْرُه ... قد ملأ الأرجاءَ نَشْراً فَتِيقْ بُعْدُك عنِّي والوفاءُ شِيمَتِي ... مَالي إلى السُّلْوانِ عنه طرِيقْ فأجابه الحسين بقوله: إن الذي صيَّرني حُبُّه ... دمعاً جرِيحاً وفؤاداً رَقِيقْ لا يكْتفي عن مُهْجتِي بالغضَا ... ولا عن العيْن بسفْحِ العَقِيقْ واحرَّ قَلْباه ومن نافعِي ... منه إذا يجْرح قلبي الحرِيقْ من قمرٍ يفْعل بالعقل مَرْآ ... هُ ولا فعلَ سُلافِ الرَّحِيقْ مُكَوْثَرُ الرِّيقةِ كم لي دَمٍ ... ومدْمعٍ في حبِّه قد أُرِيقْ مالي عن عشْقتهِ سَلْوةٌ ... ولا أرَى السُّلوانَ عنه يليقْ إلاَّ حديثاً في جُمانِ الهدى ... كأنما حُلَّ بمِسْكٍ سَحِيقْ وهي طويلة. ومن شعره فما كتبه إليه أيضاً: قُم يا رسولِي نحوَ دارِ الحسينْ ... وقُل له الوعْدُ شَبِيهٌ بدَيْنْ لا زلتَ تُدْلِي لي حبالَ المُنَى ... بوَقْفةٍ والأمرُ في ذاك هَيْنْ وأيُّ يومٍ نلْتقي لم تقُلْ ... غداً نُوافِيكم وما ذاك مَيْنْ فأرقُب السَّاعاتِ حتى مضَى ... ميعادُكم وأستخلِفُ الحَسْرتيْنْ يا ابنَ عليٍ أنت أطْرَبَتْنِي ... ولم أنلْ منك سوَى وَقْفتيْنْ للهِ وادِيكَ وما حازَهُ ... من نغمتٍ من كِلا الجانبيْنْ بُلْبُلُه بَلْبَلَ بالِي فلَم ... أزلْ أُراعِي في الدجَى الخافقيْنْ فأجابه بأبيات، منها: ذكرتَ أن الوعدَ ديْنٌ نعمْ ... الوعدُ عند الحرِّ لا شكَّ دَيْنْ وكيف يخفَى فيكم سائِلي ... وسائِلي قد مَلأَ الخافقيْنْ فهل سألتَ الرَّبْعَ عن وَقْفةٍ ... وقفْتُها فيه بلا وقْفتيْنْ وقلت للوادي هل جاءنا الْ ... وادي وفَيْناه فما الأمرُ هَيْنْ إن كان ذا مَطْلاً فنفسِي لَهُ ... صبرٌ جميلٌ يقبل الحالتيْنْ ومن جيد شعره قوله: قِفا حَدِّثا عن لَوْعتِي وغرامِي ... ففي القلب نارٌ أُجِّجَتْ بِضرامِ وعنِّي خُذَا الأشواقَ والوجدَ والهوى ... فليس دَعِيٌّ في الهوى كإمامِ وفي الجِزْعِ حَيٌّ كلَّما شاق ذكرَهم ... نسِيمُ اشْتياقٍ لا يلَذُّ مَنامِي جفَوا مُغرماً لم يُثْنِه عن هواهمُ ... سُلُوٌّ ولا أرْواهُ شُرْبُ مُدامِ ولا لَحْنُ شادٍ مَعْبَدِيٍ غناؤُه ... يُرجِّع ألْحاناً كسَجْعِ حمامِ إذا سَلْوة رامتْ إلى القلب مَسْلَكاً ... يقول لها الوجدُ ارْجعي بسلامِ وله في صنعاء: أرى المدائنَ شَوْها كلَّما ذُكِرتْ ... صنعاءُ والبابُ منها بابُ سيرانِ ما حلَّ فيها امْرُؤٌ إلاَّ وعايَنَها ... جَنَّاتِ عَدْنٍ عليها حُور رِضْوانِ وذيل عليهما صنوه السيد الحسن فقال:

стр. 444

إيَّاك إيَّاك أن تعدِل بها بلداً ... هيهاتَ ما الدُّرُّ والحَصْباء سِيّانِ تاهَتْ على الأرضِ ما نَهْرُ الأُبُلَّةِ والْ ... وادِي المُقدَّسِ أو ما شِعْبُ بوَّانِ السادة بنو الحجاف: السيد زيد بن علي أمير المخا، وخليفة المزن في السخا. من سروات الأشراف، كريم الأسلاف والأطراف. له خليقةٌ بذل المعروف ديمتها، وسجيةٌ نجدة الملهوف شيمتها. ولاه المتوكل المخا فكان بخا حظاً زائدا لا ينتقص، وحرماً آمنا لا يباح صيده ولا يقتنص. وله في أحكامه سيرةٌ رضية، وعزيمةٌ ما تخلفت بها عن حكمه قضية. وأما أدبه فروض نسام، كأنه في ثغر الدهر ابتسام. فمن شعره الذي لفظه بحره، وتزينت به لبة الزمان ونحره. قوله: ولي عَتْبٌ عل قومٍ أساءُوا ... مُعاملتِي وسامُوني اغْترارَا جنَوْا عَمْداً وما راعُوا حقوقاً ... وما اعْتذروا وسامُوني صَغارَا سأضربُ عنهمُ صَفْحاً وأُغْضِي ... مَخافةَ أن أُقلِّدهم شَنارَا ولو أنِّي ركبتُ مُتونَ عَزْمِي ... إذاً لَسقيْتُهم مُرّاً مِرارَا ولو أنِّي همَمْتُ بأخْذ حَقِّي ... لَولُّونِي ظُهورَهمُ فِرارَا فأجاه بعض أصحابه بقوله: لك العُتْبَى ومنك الصفحُ يُرْجَى ... إذا لم تسْتَبنْ مهم وَقارَا وإنَّهم جنَوْا عمْداً وجَهْلاً ... وما راعوا ولا طلَعوا اعْتذارَا فإن البدرَ لا يثنِيه شيءٌ ... من العجْما صِياحاً أو جُؤارَا وأنت على أذاهمْ ُُو اقْتدارٍ ... عَلِيٌّ أن تُسامَى أو تُبارَى فطِبْ نفْساً فكلُّهُم ذليلٌ ... لِعزَّتك اخْتياراً واضْطرارَا وله: أقول للوردِ لمَّا افْتَرَّ مبتسِماً ... صنَعتَ فيما أراه صَنْعةَ الأدبِ في فِيكَ لي صدقُ وُدٍ قد أضِنُّ به ... شَيْءٌ من الضَّرَبِ الحالِي مع الشَّنَبِ ومن بدائعه قوله: ومالِي وللهمِّ الذي أنا حاملٌ ... ولي صِلةٌ من لُطْف ربِّي وعائدُ إذا عادةُ اللهِ التي أنا آلِفٌ ... تذكَّرتُها هانتْ عليّ الشدائدُ فلا أتَّقِي هَوْلاً وأرْهبُ طارِقاً ... ولي ثِقةٌ باللهِ ما قام عابدُ السيد عبد الرحمن بن الحسن القاسمي صاحب يدٍ في القريض وساعد، وجدٍ إلى أفق النيرات صاعد. يزرع الدر في أرض الطروس، فيقتطف ثمارها طيبة المجنى والغروس. بعبارات عذبت فأغنت غناء الثنايا العذاب، وإشاراتٍ يذيب بصوغها القوافي فتؤدي رونق الذهب المذاب. وقد أثبت له ما يروق تطريزه، وينفق في سوق الأدب إبريزه. فمن ذلك قوله، من قصيدة: ألا أيُّها البرقُ الذي لاح من بُعْدِ ... فهيَّج أشْجاني وجدَّد لي وَجْدِي ومِيضُك من قلبي وغَيْثُك أدمُعِي ... ومن زفَراتي والبُكا حَنَّةُ الرعدِ وقد أنْحلتْ جسمي مَرارةُ مُهجتِي ... ومُنْهمرِ الأعْيان قد خَدَّ في خَدِّي عَساك إلى الأحْبابِ تُهْدِي تحيَّتي ... وتُخْبرني عن دارِ هندٍ وعن هندِ منها: ففِي مُهْجتي من طولِ ذا البعدِ والنَّوى ... بنارٍ وقد ذاب الفؤاد من الفقدِ فيا ليت أحبابِي لِما بِيَ شاهَدُوا ... ويا ليت شِعْرِي كيف حالُهُم بَعْدِي ومنها: مَنامِي طَرِيدٌ من فِراق أحبَّتِي ... وقلبيَ لا يقْوَى وُقِيتُم على الصَّدِّ فهل عندكم للعهدِ عند وَداعِنا ... وفاءٌ فإنِّي لا أحُول عن العهدِ وقوله: أولَى وأحْرَى بالمَلامةِ لُوَّمِي ... منّي وأجْدَى بالجِدالِ المُبْرَمِ لامُوا على أن ظلَّ دمعِي ذارِفاً ... والحقّ أن أبكى دُموعاً من دَمِ بل لو بكَيْتُ دماً لَقَلَّ لحادثٍ ... أضْحَى لديْه كلُّ ذي نظرٍ عَمِي السيد إسماعيل، والسيد يحيى، ابنا إبراهيم الحجاف غصنا كمال، وكوكبا جمال، وكلٌّ منهما يمين للمجد وشمال.

стр. 445

قد لانت أخلاقهما، وما بات إلا بالأدب اعتلاقهما. وكلاهما في حلبة الأدب من الفرسان، وفي شوطها ممن أحرز قصب الإحسان. ولهما شعر لا تنجاب ديمته، ولا تغلو بغير قلمهما قيمته. فمن شعر السيد إسماعيل، قوله من قصيدة يمدح بها المتوكل إسماعيل. أولها: أصبح الدهرُ طَيِّبَ الأوقاتِ ... كاملَ الحُسْنِ وافِرَ الحسَناتِ مُشْرِقَ الوجهِ باسمَ الثغر يزْدَا ... دُ بِمَرِّ الشهورِ والسَّنَواتِ كعَرُوسٍ من فوقه زادَها الْحَل ... يُ جمالاً إلى جمالِ الذَّاتِ غادة تسلُب العقولَ وتغْتا ... لُ قلوبَ الأنامِ باللَّحَظاتِ ينتُ سَبْعٍ وأربعٍ وثلاثٍ ... برَعتْ في السكونِ والحَركاتِ تتثنَّى فينْثني مِن وَراها ... خافِقُ القلبِ ساكبُ العَبَراتِ جَمْعت كلَّ مُفْرَدٍ من جمالٍ ... وتثَّنتْ غُصْناً من المائساتِ مُذ تولَّى أمرَ الخلافةِ فيه ... أوْحَدِيُّ الأفعالِ جَمُّ الصِّفاتِ ثابتُ الجأْشِ ثابتُ الرأيِ إسما ... عيلُ حِلْفُ الهدى حلِيفُ الهُداةِ هدوِيٌّ في نِسْبةٍ من أبيه ... قاسمِيٌّ في نِسْبةِ الأُمَّهاتِ تتلاقَى أطْرافُه في المَعالِي ... بين خَيْرٍ وخَيْرةِ الصَّالحاتِ منها: يا إمامَ الزَّمانِ قد أسْعَد اللَّ ... هُ أُناساً رأَوْك قبل المَماتِ شاهدُوا فيك من صِفاتِ عليٍ ... جُملةً أخْبرتْ عن الباقياتِ منها: بَّق الأرضَ جُود كفّيْك فيه ... وعَمرْتَ الورى بأسَنْى الهِباتِ يتبارَى كفاك والبحرُ جُوداً ... فأنافَا سَبْقاً على الذّارِياتِ صِفَةٌ من صفاتِ جَدِّك قد جا ... ء بمضْمونِها حديثُ الرُّواةِ وهي طويلة. وللسيد يحيى من كتاب إلى الحسين بن الناصر، وقد اطلع على كتابيه المواهب القدسية ومطمح الآمال، في إيقاظ جهلة العمال، من سنة الضلال. أما بعد؛ فإنه جاءني كتابٌ كريم، ومسطور أنشأه عظيمٌ عليم. حفظه الله، وأطال في عافيةٍ بقاه، وأهدى إليه سلاما طبق فضله وكفاه، وحباه برحمته وبركاته غدو عمره ومساه. فآنسني مجيئه وسر، ووصلني به منشيه وبر. وبهرني كماله الباهر، وملأ صدري إعظاماً له فضله وإفضاله الغامر. فدعوت الله أن يتولى مكافأته عني، ويجزيه أفضل ما جزى به المحسنين الواصلين نيابةً مني. والله تعالى يشكر مساعيه الحميدة، وعوائد نفعه العديدة. هذا، وقد طالعت مؤلفيه اللذين أحكمهما، فوقفت فيهما على علمٍ كبير، ووصلٍ خطير. أما شرح المنظومة فقد انطوى على علم غزير، وفقه كثير. وانتظم نظم المقارضة للفظ الأنيق، والجمع للزيادات مع أسلوبس رشيق. وأما كتاب مطمح الآمال، فلقد جمع على حصره، من أعيان الهداة، ومن شمائلهم وسيرهم، وأمثلة تقواهم لربهم وخشيتهم له ومراقبتهم، ما هو لباب المطولات، ومقصود المبسوطات. وتمم كماله ما ضمه إليه من مكاتبات العلما، ومباحثات الفهما. فصار مصباحاً للبصائر، ومفتاحاً لما انغلق من منهاج الأخائر. وإن فيما اشتمل عليه لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. وإن طريق الحق لأبلج، لولا حب الدنيا فإنه رحيب المدخل ضيق المخرج. ومن شعره قوله: قد لاَمَنِي العاذلُ لمَّا رأَى ... صَبابتي في الشَّادِن الشارِدِ وقال مهلاً لا تَرُم وَصْلَه ... فقد غدا في شَرَكِ الصَّئدِ السادة النعميون السيد علي بن الحسن ذو النسب الطاهر، والحسب الظاهر. ليس له مدان، غير بني عبد المدان. فيه شمائل نسمات نجد، وله كلفٌ بالمعلوات ووجد. نشأ في بيت الفضل والنعمة، ونما على فرش اللين والنعمة. إلى سجية مرتاضة، وطبيعة فياضة. وثمة لفظٌ ألذ من حلاوة عدن، ومعنىً أشهى من العافية إلى البدن. فمن شعره، قوله في الزهر: سَرْحةُ الروضِ نُزهةٌ للنفوسِ ... وبها مَرْهَمٌ لداءٍ وبُوسِ

стр. 446

وهْيَ أشْهَى لإلْفِها من سُلافٍ ... قد أُدِيرتْ على نَدامَى الكؤُوسِ ولها صورةٌ بمَنْظر قلبِي ... هيَ أبْهَى من صورةِ الطاوُوسِ فاسْتمرُّوا في دَرْسِها فالمَعالي ... تتهادَى في حالكاتِ الدُّروسِ والمَعاني مُهورهُنَّ مَغانٍ ... وارداتٌ عن صَفْوةِ القُدُّوسِ وجليسٌ مُذاكِرٌ في رَشادٍ ... خيرُ خِلٍ وصاحبٍ وجليسِ فإذا لم يكُن فصُحْبةُ سَفْرٍ ... هي عند اللَّبِيبِ خيرُ أنِيسِ واسْتمِدُّوا فضلاً من اللهِ يأْتِي ... فيه نورٌ يفُوق نورَ الشُّموسِ واسْتعِينُوا بالصَّبْر كيْما تفُوزُوا ... بِخلالٍ عظيمةِ النَّاموسِ فسلامٌ عليكُمُ مُستمِرٌّ ... ما هَمَى عارِضُ الغمامِ الرَّجيسِ وله من رسالة كتبها إلى الفقيه أبي القاسم بن محمد أبي هم، في مسألة حصلة بينهما فيها نزاع: وقد كان الأولى رفع النفس عن مجاراتك في جهلك، والالتفات إلى فرطات عقلك. وكف اليد عن جوابك، وقطع المدى عن عتابك. غير أني أعلم أنك لم تعدني بالإعراض متكرما، ولا بالازورار عنك مستحكما. بل تقدر مع ذلك أنك قد أصبت معظم الصواب من هذا البحث، وأنك قد أخذت بمقالك الأقبح الأرفث. وأيضاً، فإن من محكم كلام الجليل: " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ". ومن قول حكيم الشعر. إذا أتَتِ الإساءةُ من وضيعٍ ... ولم أَلُمِ المُسِيءَ فمَن ألومُ وبعد هذا، فاعرف موضع قدمك قبل المسير، وتبصر في الأمور أيها الجاهل الغرير. وقف عند انتهاء قدرك، وانظر في إصلاح أمرك. فالأولى لك أن تكون متعلما لا معلما، وأن تكون متفهما لا مفهما. وليس لك فيما سلكت جملٌ ولا ناقة، ولا تذكر في مقدمة ولا ساقة. السيد محمد والسيد حسن، ابنا علي بن حفظ الله غرتان في جبهة الزمن، وشامتان في وجنة اليمن. أماطا عن وجه البلاغة البراقع، وطلعا كالنسرين الطائر والواقع. ولهما جمعية أدوات تعجز الإدراك، وانحيازه نزعات تأبى في سواهما الاشتراك. وشعرهما في غاية ما يكون، يحرك بالضرورة طرباً له كل ذي سكون. فمما يحمد لمحمد قوله، من قصيدة أولها: مَن لقلبٍ مِزاجُه الأهواءُ ... وعيونٍ أودَى بهِنَّ البكاءُ لِشَجِيٍ متيَّمٍ مُستهامٍ ... هَمُّه النَّوْحُ دَائباً والأساء يا خليليَّ بالبُكا ساعِداني ... في عِراصٍ ربُوعهنَّ خَلاءُ دارِ ليلى ودراِ نُعْمٍ وهندٍ ... وديارٍ تحُلُّها أسْماءُ وقِفَا بي هُدِيتُما لو فَوقاً ... فوُقوفِي على الطُّلولِ شِفَاءُ أيها الرسمُ هل تُجِيبُ سؤالاً ... لِمَشوقٍ أوْدتْ به البُرَحاءُ كائناً عن ودادِ ليلى بهندٍ ... وبنُعْمٍ وشوقُه أسْماءُ وكذا كلُّ مُولَعٍ بحبيبٍ ... يتكنَّى وهل تُفِيد الكُناءُ بُحْ غراماً إن كنتَ حِلْسَ ودادٍ ... وقُلِ اللومُ في الحسانِ هُذاءُ أنا حِلْفُ الغرام في كلِّ حينٍ ... وفؤادي من السُّلُوِّ هَواءُ كلَّما أزْمع الفؤادُ سُلُوّاً ... ذكَّرتْني وَهْنانةٌ هيفاءُ بعيونٍ فواترٍ ساجياتٍ ... رُسُلُ الموت بينها كَمْناءُ قائلاتٍ لمن تمنَّى هَواها ... لا بقاءٌ مع اللِّقا لا بقاءُ وقُدودٍ بمَيْلها تتثَّنى ... ظامِياتٍ أكْفالُهنَّ رِواءُ يُطمِع الصبَّ لِينُها في لِقاها ... وهْيَ للصبِّ صخرةٌ صمَّاءُ لم أنَلْها بالعين إلاَّ اخْتلاساً ... رَدَّ عيني عن الصَّفاةِ الضِّياءُ وعَدانِي عن ازْدِيارِ حِماها ... رُقَباها وصَدَّها الرُّقباءُ فتارني أهْوَى المَمات طماعاً ... لازْديارِي منها وبئس الرَّجاءُ

стр. 447

وأُرجِّي يوم النُّشورِ لِقاها ... وكثيرٌ من الرجاءِ هَباءُ إنما الحبُّ ذِلَّةٌ وغرورُ ... وسَقامٌ يكِلُّ عنه الدَّواءُ وقوله من أخرى، أولها: تيَّمتْني ذاتُ الخُدودِ الرّهافِ ... وبرَتْني ذاتُ القُدودِ اللِّطافِ طَفْلةٌ تفْضَح القضِيبَ قَواماً ... تُسْبِل الليلَ فوق رَمْلِ الحِقافِ صَوَّر اللهُ شَخْصَها من ضياءٍ ... ولُجَيْنٍ ولُؤْلُؤِ الأصْدافِ أعلَى مَن هوى لتلك مَلامٌ ... لا وربِّ الحديدِ والأحْقافِ وقوله أيضاً: سَمحتْ بوَصْل المُسْتهام العاشقِ ... هَيْفاءُ خُصَّت بالجمال الفائقِ بيضاءُ صامتةُ المُوشَّح طَفْلةٌ ... تُزْرِي القضِيبَ بلِينِ قَدٍ باسقِ من بَعْد ما شحَّتْ بِطيب وِصالِها ... نَحْوِي ولم تسمحْ بطيْفٍ طارقِ وافَتْ وثوبُ الليل أسودُ حالِكٌ ... في جسمِ عاشِقها وزِيِّ السارقِ باتتْ ذوائِبُها الحسانُ قَلائدِي ... ومُوسّدي فَعْم الذِّراعِ الرَّائقِ نشْكو الجوَى ونبُثُّ سِرَّ غرامِنا ... في غَفْلةِ الرُّقَبا ونومِ الرَّامقِ للهِ مِن وصلٍ هنالك نِلْتُه ... في جُنْح ليلٍ غَيْهَبِيٍ غاسِقِ من شادِنٍ غَنِجٍ أغَنَّ مُهَفْهَفٍ ... باهِي الجمال بديعِ صُنْعِ الخالقِ في ليلةٍ ظَلْما كأنَّ نجومَها ... في لُجِّ بَحْرٍ أُوثِقتْ بوَثائقِ ملك الفؤادَ بدَلِّه ودلالِه ... فجوانِحي كجَناحِ طيرٍ خافقِ تاللهِ لا أنْساه ليلةَ قال لي ... لا تَنْسَ منِّي مَحْضَ وُدٍ صادقِ واسألْ فؤادَك عن فؤادِي إنه ... يُنْبِيك عمَّا جَنَّ قلبُ الوامقِ ومما يحسن لحسن ما كتبه للحسين المهلا: لأنتَ لِمُدْلَهِمِّ الأمرِ بدرُ ... يضيءُ وشمسُ معرفةٍ وبحرُ وطَوْدُ مكارمٍ وسبيلُ حَقٍ ... لليلِ دُجىً من الشُّبُهاتِ فجرُ ونُورُ هدىً لمن يعْرُوه جهلٌ ... ويَمُّ نَدىً لمن فاجَاه فَقرُ بُيوتُ عُلاك شامخَةٌ طِوالٌ ... ورَوْض هُداك ناضِرُهُ يسُرُّ علومُك أصبحتْ عسَلاً مُصفّىً ... وفي أنهارِها لبنٌ وخمْرُ وحُورُ حِسانِها مُتبخْتراتٌ ... تدور بشأنها ولهُنَّ بِشْرُ وأشْبَهُ بالنسيم الرَّطْبِ شيئاً ... عِتابٌ فيه للمعْتوب عُذْرُ لتأْخير الرسائلِ منك عنِّي ... وذلك بين أهلِ الوُدِّ فَخْرُ وأنت حَميْت نُورَ سوادِ عيْني ... ورِقُّ وَلايَ تحت لِواك حِجْرُ عليك سلامُ ربِّك في تَحايَا ... تخصُّك ما أنار وضاءَ بَدْرُ وكتب إليه، يتشوق لمروره بمحله: مُنتظَرَ القلبِ متى وصلُكمْ ... فحالُنا شَقَّ به الانْتظارْ وشوقُنا لمَّا يزَلْ صالِياً ... جوانحَ القلبِ بجمرٍ ونارْ ورَبْعُنا تهْتزُّ أكْنافُه ... شوقاً إليكم يا خِيارَ الخِيارْ لا زلتُمُ للحقِّ قُوَّامَه ... وفي المعالِي قادةً والفخارْ فأجابه بقوله: يا بدرَ أُفْقٍ في الليالي أنارْ ... ومَن لأفْلاك المَعالي أدارْ يا رافعاً دار العُلَى في المَلاَ ... فدارُه أضْحى رفيعَ المَنارْ وساكناً أرْضاً به أصبحتْ ... غرَّاءَ بيضاءَ كشمسِ النهارْ ومَنْبَعُ السُّؤددِ والمجدِ في ... دارٍ له صار به خيرَ دارْ وافَى إلينا النظمُ كالُّلؤْلؤ ال ... مَنْظومِ في حَوْراءَ فيها حوارْ فهو لقلبي وفؤادي شِفَا ... وليَمِيني ويسَارِي يَسارْ وكتب لعلي بن الهادي المنسكي، معتذراً إليه في إبطاء كتبه عنه قوله:

стр. 448

ما بُعْدُ كُتْبي عن الأحبابِ نِسْيانُ ... وقَطْعُ وصلِي لهم واللهِ سُلْوانُ أو سَلْوةٌ بسِواهم لا وحقِّهمُ ... إنِّي على عهدِهم باقٍ وإن بَانُوا وكيف أسْلو وفي الأحشاءِ منزلُهمْ ... والقلبُ رَبْعٌ لهم والجسمُ أوطانُ ومَن إذا شِمْتُ بَرْقاً نحوَ رَبْعِهمُ ... بُلَّتْ من الدمعِ أرْدانٌ وأجفانُ ومَن إذا الطَّيْفُ منهم زارنِي عجِلاً ... يُشَبُّ في مُهْجتي جَمْرٌ ونِيرانُ وكتب إليه من إنشاءه جواباً عن كتاب: وقد جاء من تلقائه الكتاب الكريم الشافي، ووصل من نحوه المثال الفخيم الوافي. جلت طوالعه حنادس الهموم، وحلت نوازعه فوارس البلاغة في يومٍ مشهودٍ له الناس وذلك يومٌ معلوم. فما تنزل به روح أمانيه من بيان سماء بلاغته إلا لشفاء أوامي، ولا تدلي أمين يراعته على بيان بلاغته إلا لبرء أسقامي. فما أحلى ما شربت من زلاله المعين صافيا، وما ألذ ما ارتويت من برد نميره المغيث شافيا. وما أنور ما تبسم به ثغره عن لؤلؤ عتابٍ كريم، وما أعطر ما تنسم به فجره عن روح غفرانٍ من المولى وتسليم. السيد الحسن بن علي بن الحسن بن محمد سيد تحلى بالحلل السنية، وأربى على أجواد الأسرة النعمية الحسنية. بفضلٍ مرتوي النبت خصيب، وفكرٍ كيف ما سددته فهو مصيب. فهو بدرٌ في شيم، وبحرٌ في ديم. ونور وزهر، في شاطىء غديرٍ ونهر. وشعره قولٌ حسن، مسند إلى الحسن. فمنه قوله فيما كتبه إلى الناصر المهلا، على لسان محمد بن صلاح: ألا باللهِ يا نفسَ الخيالِ ... أعِدْ لي ذكر سالِفةِ اللَّيالِي وأتْحِفْني بذكْرِ أُهَيْلِ نجدٍ ... وما قد مرَّ في تلك الحِلالِ وهاتِ الكأسَ صِرْفاً صَرْخَدِيّاً ... بذِكْراهنَّ لي في كلِّ حالِ فإنِّي إن ذكرتُ زمانَ وَصْلِي ... وما قد مرَّ من حُسْن اتِّصالِي بمَن أهْواه في عيشٍ خصيبٍ ... وأيامٍ حُلاها قد حَلا لِي أكاد أذُوبُ من وَلَهِي عليه ... وأضربُ باليمين على الشِّمالِ وأصْبُو للرُّبوعِ وساكنِيها ... وأبْقَى في افتكارٍ واشتغالِ وأرجُو اللهَ يجمعُنا قريباً ... بذاتِ النفسِ لا طَيْفِ الخيالِ ونقْضِي للصَّبابةِ والتَّصابِي ... لُباناتِ التَّواصُل والوصالِ الحسن بن أحمد الحيمي رئيسٌ سامي المقدار، مشكور السيرة في الإيراد والإصدار. طلع في أفق البيت الحيمي بدراً تحرس مجده الثواقب، وزين من مجلس إفادتهم صدراً تحفظ طرفيه المناقب. فهم من ملقاه في ضياءٍ يسطع، ومن رأيه الصائب في حكمٍ يقطع. وكان معروفاً بعلو الهمة، مقصداً في الأمور المهمة. ولذلك أرسله الإمام إسماعيل المتوكل رسولاً إلى الحبشة فظهرت له اليد البيضاء في أغراضٍ عين لها، وقضاها بنظره على حالٍ ما تغافل عنها ولا لها. وقد رأيت له قطعةً من نظمه استجدتها، وطالما أبديتها لحسن ديباجتها وأعدتها. وهي قوله: فؤادٌ على نارِ الأحبَّة لا يقْوَى ... وكيف ورَبْعُ العامِريَّة قد أقْوَى وصبرٌ ولكنْ غالَه الهجرُ والنوَى ... فلا نَفْعَ للمهْجورِ فيه ولا جَدْوَى ولكنَّني قد ذُبْتُ في الوصلِ بالرَّجا ... وكم ذِي لُباناتٍ تمنَّعَ بالرَّجْوَى فيا أيُّها الخِلُّ الذي أنا صَبُّه ... عليك بآدابِ الحديث الذي يُروَى ومُنَّ علينا بالترسُّل إنَّني ... رأيتُ حديثَ المَنِّ أحْلَى من السَّلْوَى ولده القاضي بدر الدين محمد قاضٍ إذا التبس الأمران، عن له في تمييزهما رأيٌ يحسده النيران. ليس للماء صفاء فكره ولو تصلف، ولا لبدر السماء حسن وجهه ولو تكلف وكانت الأحكام بفضله مطرزة العواتق، والأيام بحسن تدبيره مأمونة الفواتق. وهو في كثرة الإحاطة بحرٌ له مشارع، جرى في الصواب على وفق مراد الشارع. وقد فصل الأدب بدائع فصول، فضل القاضي الفاضل عندها فضول. وأتى بفرائد منظوم ومنثور، يستهدن لديها كل منقول ومأثور.

стр. 449

فمن شعره قوله؛ من قصيدة كتب بها إلى يوسف بن علي الهادي صاحب الطوق. مطلعها: أعِدْ من حديثِ السالفاتِ لنا ذكْرَا ... فللَّه ما أحْلاه دهراً وإن مَرَّا وكرِّر على سَمْعِي قديمَ حديثهِ ... وقُل إن تُدِرْه ما ألَذَّ وما أمْرَا ويا ساجعاتِ الوُرْقِ لا هَزَّكِ الهوَى ... كما اهْتزَّ غصنٌ في الرُّبَى بعد ما اخْضرَّا ولا خُضِبتْ منك الأكُفُّ بعَنْدَمٍ ... كدمعٍ جرى من أسْوَدِ الطَّرفِ مُحمْرَّا ولا صفَّقتْ منك الجناحان صَبْوةً ... إلى أفْرُخٍ في شاهقٍ أُودِعتْ وَكْرَا إذا لم تبُثِّي ما كتمتِ من الهوى ... وأحسنُه ما طابقَ الخَبَرُ الخُبْرَا جفاكِ خليلٌ أم نَبَا بك مَنْزِلٌ ... فما بيننا يا وُرْقُ أن تكْتمِي سِرَّا وما أنتِ بدْعٌ في غرامٍ ولوعةٍ ... وما الحبُّ إلاَّ ما يُرَى سِرُّه جَهْرَا كِلانا على الأغْصانِ ناحٍ وإنما ... على قدرِ ما نَهوى تخالفتِ الآرَا وما أنا في ذِكْرِ العَقِيقِ وأهلهِ ... بأوَّلِ صَبٍ صَبَّ في جَفْنِه التِّبْرَا فلو سكبتْ عيْناي ما سكبتْ على ... بِقاعِ الدُّنَى وما رأى أهلُها قَفْرَا رعى اللهُ أيامَ العَقِيقِ وإن تكُنْ ... على بُعْدِه أجْرَتْه من مُقلتِي نَهرَا إذا استُخْدِمتْ عيني لساكنِه فلا ... عجِيبٌ فإنِّي لست أُدْعَى بهم حُرَّا ولا عجبٌ إن هِمْتُ في ساكِني النَّقا ... غَراماً فقد شَبُّوه في كبدي حُرَّا أبَى الحبُّ إلاَّ أن أكون له أخاً ... شقيقاً ولو أني أشُقُّ به الصَّخْرَا فما لدمُوعِي لا تُنَظّمُ عَسْجداً ... إذا عجزتْ في الحبِّ أن تنثُر الدُّرَّا بحُبِّ رَشاً ما خامَر العقل حُبُّه ... وأغْراه إلاَّ خِلْتُه خامرَ الخمْرَا له مُقَلٌ إن حُلَّ عِقْدُ نِقابِها ... فقد حلَّلتْ قتلاً وقد عقدتْ سِحْرَا إذا ما انْتضَى منها سيوفَ لِحاظِه ... فما أكثرَ القتْلَى وما أرخْص الأسْرَى وما مِلْتُ منه قِيدَ شِبْرٍ لسَلْوةٍ ... فمن أجلِ ذا العشاقُ تنظُرني شَزْرَا ومن أجلهِ أرْعَى النَّظير لقَدِّه النَّ ... ضيرِ فأهوَى الغصنَ والصَّعْدَة السَّمْرَا إذا ما بدتْ للطَّرْفِ غُرَّةُ وجهه ... رأيتَ بها الشمسَ البهيَّةَ والبدرَا وأعْجَبُ مِن ذا جَنَّةٌ في خدودِه ... فشاهد فيها الماءَ والنارَ والزَّهْرَا وأعْجَبُ من هذين يكسِر جَفْنُه ... عليَّ وما ضمَّيْتُ من قَدِّه خَصْرَا إذا قيل لي سَمِّيه قلتُ مُكنيِّاً ... هو الغايةُ القصوَى هو الآية الكبرى له خلُقٌ كالروضِ بل هو أعجبٌ ... وكيف يُساوِي الزَّهْرُ في خَلْقِه الزَّهْرَا أُنادِي بأعْلَآ الصوتِ قد حَلَّ يُوسفٌ ... بمصرَ من الآداب فلْتهْبِطوا مصرَا عليمٌ بأنواعِ البديع وهذه ... خزائنُه من فكرِه أُودِعتْ فكرَا حَبانِي بنظمٍ لو حُبِينَ بمثلهِ الْ ... غوانِي لِعفْنَ العِقْدَ والشُّنْفَ والشَّذْرَا إذا قيل لي في الخمرِ سُكْرٌ مُحرَّمٌ ... فمِن غير ذاك النظمِ لا أعرف السُّكْرَا وإن قيل لي في الروضِ زهرٌ مُنوَّعٌ ... فمِن غيره لا أعرف الروضَ والزَّهْرَا سطورٌ أتتْني منه وهْي قلائدٌ ... حلَيْتُ بها نحْراً شرحتُ بها صدرَا كأنِّيَ يعقوبٌ رأى بُرْدَ يوسفٍ ... فلا عجَبٌ إمَّا مُلِئتُ بها بِشْرَا

стр. 450

وهاك جواباً قلتُه مَعْ شواغلٍ ... وأشجانِ قلبٍ لا أُطِيق له حَصْرَا ولا تعْتِبنِّي فالوِدادُ مُحقَّقٌ ... وأنت به يا ذا الوفا في الورى أدْرَى ودُمْ في نعيمٍ لا انْقضاءَ لعُمْرِه ... تفُوق به فضلاً وتسمُو به قَدْرَا فراجعه بقوله: خُذَا إن رَنا من سِحْرِ مُقْلتِه الحَذْرَا ... فأيُّ فؤادٍ لا يبِيتُ به مُغْرَى وإيَّاكما من نارِ مُتْرَفِ خدِّه ... فلِمْ تركتْ أحْشاءَ رامِقِها حَرَّى غزالٌ إذا قُلنا حكى الليلَ شعرُه ... أبان لنا فَرْقاً مُبِيناً حكَى الفَجْرَا غَنِيُّ جمالٍ إن أتى مَعْشَرُ اللِّقا ... إليه بدمعٍ سائلٍ ردَّه نهرَا مُبَرَّدُ رِيقٍ للقلوبِ مُقاتلٌ ... بمكْحولِ جَفْنٍ منه لم ينْجُ مَن فَرَّا يعلِّم أغصانَ النَّقا كيف تنْثنِي ... قَوامٌ له يا قومُ ما عرف الهَصْرَا ويرْنُو فتُصْبِينا جفونُ عيونِه الْ ... مِراضِ وتُصْمِينا سهامٌ له تُبْرَى له اللهُ رِيمٌ ما أعزَّ نِفارَه ... وأمْلَحه شكلاً وأحْلاه إن مَرَّا يُحذِّرني من حبِّه كلُّ كاشِحٍ ... ولم يدْرِ جهلاً أن تحْذيرَه أغْرَى ولو لم يكنْ أعْلَى ذوِي الحُسْنِ رُتْبةً ... بما حازَه ما كنتُ أسكنْتُه الصدرَا مليحٌ بَراه اللهُ أحسنَ ما يُرَى ... فأرْدَف منه الرِّدْفَ واخْتصَر الخَصْرَا أطار فؤادِي نحوه ثم حَلّه ... ولم يرَ طَرْفٌ طائراً قد غدا وَكْرَا عجبتُ لدمعِي في الخدود مُسَلْسَلاً ... وما جَنَّ إلا القلبَ فهْو به أحْرَى ويعجُم عندي باللَّواحظِ مَنْطقِي ... فيُعرِب عنِّي مُهْمَلاً يُوضِح العُذْرَا ومِن عاذِلٍ بالصبرِ ما زال آمرِي ... وإنِّي مع الهجْران أسْتعذِب الصَّبْرَا لِيَهْنِ فؤادي أنه فيه نازلٌ ... وأُفْقُ العُلى أنى بَدرْتُ به بَدْرَا لِيَ الشرفُ الضَّافِي عليَّ دِلاصُه ... مع السُّؤْددِ الضخمِ الذي يطَأ النَّسْرَا ولِي قلمٌ فيه المَنِيَّةُ والمُنَى ... إذا خَطَّ أبْدَى الأنْجُمَ الزُّهْرَا والزَّهْرَا وكم حافظٍ ذِكْرَ ارْتفاعي بصَمْتِه ... وما هو إلاَّ ناصبٌ فُتُّه فَخْرَا ونِكْسٍ جهولِ رام يُدْركني وهل ... تُرَى يمكِن الزُّرْزُورُ يقتنِص الصَّقْرَا عَلَوْتُ كمالاً فالثُّرَيَّا إذا غدتْ ... ترَى منزلي والشمس فيه غدتْ تِبْرَا ألم ترَنِي فوق السماءِ كأنني ... أُنَظِّم في أقْوَالِيَ الأنْجُمَ الزُّهْرَا فأُثْنِي على قاضِي القُضاة محمَّدٍ ... فتَى النَّسَبِ الوَضَّاح مَن زَيَّن الدَّهْرَا منها: أخو الفضلِ فينا جعفرُ الجُودِ خالدُ الْ ... محامِد يُحيِي ذكرَه كلَّما مَرَّا إذا أرقَم القِرْطاسَ قَرْطَسَ أسْهُماً ... ترى العين منها في نُحور العِدى نَحْرَا هو البَرُّ في الأفعال والبحرُ في النَّدَى ... وأعْجَب ما شاهدتَ بَرّاً غدا بَحْرَا أرى العلمَ ألقَى منه في قُدْسِ صدرِه ... عَصا السَّيْرِ لمَّا أن رآه لها أحْرَى فتىً عمَّر الداريْن بالجودِ والتُّقَى ... وأحْرزَ من دون الورَى الفخرَ والأجْرَا هذا ما وجدته منها في مسوداتي، ولها تتمة غفلت عن إلحاقها. عبد الرحمن بن محمد الحيمي بحرٌ زاخر، لا يدرك منه آخر. تشنفت به الأسماع، وانعقد على فضله الإجماع. وهو في الأدب صاحب آيته، وواصل غايته. ونكتة مساءلته، وفارس محلته.

стр. 451

عليه في حل مشكلاته المدار، وله فيه نباهة المكانة والمقدار. فمن شعره، ما كتبه إلى أحمد بن حميد الدين، صاحب ترويح المشوق، وهو بكوكبان: عن أحمدٍ يروِي حديثَ العُلى ... شيْخان أعني قلمِي واللِّسانْ ذا بدرُ أُفْقٍ زائدٌ في السَّنا ... فاعْجَب لبدرٍ ضمَّه كَوْكَبانْ وكتب إليه أيضاً: سار دمعي منِّي إليك رسولاَ ... حين أخليْتَ رَبْعَه المَأْهولاَ وفؤادي اسْتقرَّ إذْ أنتَ فيه ... يَتراءَاكَ بُكْرةً وأصِيلاَ ونسِيمُ الصَّبا تحمَّ مِن وصْ ... فِ اشْتياقِي فيه حديثاً طويلاَ حبَّذا قُرْبُك الذي كان أنْدَى ... في فؤادِي من النسيم بَلِيلاَ قرَّب اللهُ عهدَكم من ليَالٍ ... لم أكُنْ لاقترابِهِنَّ مَلُولاَ أتلظَّى جوىً وفرْطَ حَنِينٍ ... إن تذكَّرتُ ظِلَّهُنَّ الظليلاَ وإذا ما احْترقتُ شوقاً فقَوْلِي ... ليتَ لم أتَّخِذ فلاناً خَلِيلاَ كنتُ أجنِي ثمارَ أُنْسِك فيهِنَّ ... فبُدِّلتُ بالنَّوَى تبْديلاَ فأجابه بقوله: طلب الشوقُ من فؤادِي كفيلاَ ... مُذ تَراءَى وجهُ النهارِ صَقِيلاَ ومشَى الغُصْنُ في المَطارفِ لمَّا ... عقَد الطَّلُّ فوقه إكْلِيلاَ صاحبي صاحَ بي لَواعِجُ شَوْقٍ ... يا أخا الصَّبْوة الرَّحِيلَ الرَّحِيلاَ آهِ والشوقُ ما تأوَّهْتُ منه ... لزمانٍ ذكرتُ منه الجميلاَ أيّ دهرٍ أسْدَى إليَّ جميلاً ... مُذ رآنِي ذاك الكريم الجليلاَ وخلِيلاً ما قلتُ لمَّا افْترقْنا ... ليت لم أتَّخذْ فُلاناً خليلاَ كان يومي به كلَمْحةِ طَرْفِ ... فَغَدا للفِراقِ حَوْلاً كَمِيلاَ لإمامٍ حاز العلومَ فروعاً ... باسِقاتٍ قد أيْنعَتْ وأُصولاَ كم أرتْنا فصولُه اللُّؤلُؤيَّا ... تُ إلى مُنتَهى الأُصولِ وصُولاَ حُجَّةٌ صَيَّر المَفاخر أوْضا ... حاً على طَرْفِ عَزْمِه وحُجولاَ راسِخٌ في العقول لو فاخر السَّيْ ... ف لأغْضَى في جَفْنه مَفلولاَ جمَع اللهُ شَمْلَنا وأرانا ... من أسارِيرِ وجههِ المَأمولاَ قلت: مراده بالسيف، الآمدي، صاحب الإحكام. محمد بن أحمد بن عز الدين السلفي جامع شمل الآداب، والصارف عمره على الاشتغال والتدآب. قصد بني القاسم متقياً بهم عارض الباس، مستسقياً روحاً معلقة بخيط الياس. فأحسنوا إجابته، وقابلوا بالقبول إنابته. فاغتدى من أجل شيعتهم، الشاربين من زلال شريعتهم. وانبسطت بالمواهب يده وباعه، وتموجت بذخائر العطايا رباعه. وشهرته ثمة شهرة الشمس والقمر، وأشعاره فيما بينهم عوض الأحاديث والسمر. على كل أذنٍ منها لؤلؤةٌ في قرط تترجرج، وعلى كل عطف بردٌ من عمل اليمن يتبرج. فمن شعره قوله يمدح السيد الحسين بن الإمام القاسم من قصيدة غراء. أولها: خَلا أنها تسْبِي العقولَ وما تدرِي ... وما عذرُها في ذاك إلا الهوى العُذْرِي وإلاَّ فما في العالَمين نظيرُها ... ويكْفيك وَصْفاً أنها غُرَّةُ الدهرِ سَرَى طَيْفُها ليلاً فذكَّرني الأسَى ... وعهداً بليلَى حيثُ ما طَيْفُها يَسْرِي فلولا التَّسَلِّي مِن هواها وعهدِها ... لأحْرقتِ الأهْوَا بحَرِّ الجوَى صدرِي ولكنه أنْسانِيَ اليأسَ أُنْسُها ... وقُلِّدتُ من نَعْمائها بحُلَى التِّبْرِ عَذُولَيَّ صَفْحاً عن مَلامِي وخَلِّيَا ... فأُذْنَايَ عنها فيهما أيُّما وَقْرِ سَلاَ هل سَلاَ قلبي إذا لم أزُرْهُمُ ... أم انْطَوتِ الأحشاءُ منِّي على جَمْرِ

стр. 452

هو الحبُّ إن يمْلِكْ فغيرُ مُدافَعٍ ... وإن تحتْكمْ أسبابُه في الفتى يَبْرَى ومَن شأنِه حَمْلُ الهوى مثلَ مذهبي ... فليس له غيرُ التجلُّدِ والصبرِ عسَاها يدومُ الوصلُ منها تكرُّماً ... ففي وَصْلِها بين الورى شرفُ القَدْرِ وما ليلةٌ يأْتيك عنها سفيرُها ... ببُشْرَى التَّلاقي غيرُها ليلةُ القدْرِ إذا شُبِّهتْ بالأنْجُم الزُّهْرِ أنْفُسٌ ... فما أُنْصِفتْ إن شُبِّهتْ هي بالبدرِ وإن أطْنبُوا في وصفِ بيضاءَ دُمْيةٍ ... فلا شكَّ يوماً أنها بَيْضةُ الخِدْرِ ألا لستُ لولا حبُّها أعرفُ الهوى ... وما كنتُ أدْرِي بالقَرِيض وبالشعرِ قِفَا فلأمْرٍ ما أُوَرِّي بذِكْرها ... على عادةِ التَّشْبيبِ بالنظمِ والنثرِ حَلاَ غَزَلاً فَنُّ القوافِي وأهلها ... كما حَلَتِ الغِزْلانُ في الحُلَلِ الخُضْرِ فأسْحَرْتُ في سَبْكِ المعاني بَواكراً ... كما بان لي بعضُ البياناتِ في السِّحْرِ وما علِق التَّشْبيبُ صدرَ شَبِيبتي ... سناءً ولا ذاتُ الخِمارِ ولا الخْمرِ ولكن مَدْحَ الطاهرِ الشِّيَمِ الذي ... كَسَا الناسَ ثوبَ الأمنِ في البَرِّ والبحرِ وأجْرَى ينابِيعَ الهوى والورَى معاً ... وأوْرَى زِنادَ المُلْك بالنَّهِي والأمرِ وأرْوَى السيوفَ المُرهَفات من العدى ... أُولِي الفِسق والفَحْشاء والبَغْيِ والنُّكرِ وجرَّد فيهم همَّةً نَبَويَّةً ... فأفناهُم بالجُرْدِ والبِيضِ والسُّمرِ هو الشرفُ الأعلَى هو الناسُ جملةً ... إذا قيل فيمن دونه أوحدُ العصرِ فيومُ الأعادي لم يزلْ منه باكياً ... دَماً إذْ له الأيامُ ضاحكةُ الثَّغْرِ إليك أبا يحيى أتْتك تحية ... تضَوَّعَ من أرجائها أرَجُ البِشْرِ تجُوب الفَيافِي نحو بابِك مثلما ... تؤُمُّون نحوَ البيت والرُّكْنِ والحِجْرِ لها شرفٌ يزهو بتقْبِيلها الثرى ... لديْك ومن سُوحِ العلى مثلُها يَثْرِي بكَرتُ لها فِكراً ومِن وصفِك الذي ... يزِين القوافي فيك ساعَدني فِكْرِي كما قيل في البانِي الذي وجد البِنَا ... فلا عجبٌ أن طال ما شاد من قَصْرِ وماذا يقول الواصِفون وهل أتى ... لغَيركمُ من هل أتى مُحكَمُ الذِّكْرِ وأثْنَى عليكم في المَثانِي دلائلاً ... جَلِيَّاتِ أحْكام تَجِلُّ عن الحَصْرِ وكان يولع بقصيدة ابن دريد اللامية، التي أولها: هل الْحُرُّ إلاَّ مَن أفاد فأفْضَلا ... وما المالُ إلا ما اسْتُفِيد ليُبْذَلاَ دعِيني لهذا المجد أرْعَى سَوامَه ... وإن لم أعِشْ إلا مَلُوماً مُعذَّلاَ وكان ينشدها مستروحاً بها. ونظم على وزانها قصيدة في السيد الحسن بن القاسم، أولها: كفَى المجدَ فخراً أنْ غدا لك مُرسلاَ ... وقد كان للماضين قبلَك مَوْئِلاَ السيد حاتم بن الأهدل حاتمٌ للأجواد خاتم، وبه فصل السخاء تم. فحاتم طيٍ طوى به ذكره، ومعن بن زائدة تجاذبه عنده جهله ونكره. فضائل قامت على الأساس المحكم، وفواصل تكاد تنطق لسان الأبكم. تخمرت طينته بالندى، وأفرغت في قالب الهدى. وله من الآداب كلها، ومن المحامد دقها وجلها. وشعره روض بالزهر مسكي الأردان، كلله الندى فكأنما هو لؤلؤ استخرج من حصاء الغدران. فمنه قوله من تشطيرٍ لفائية ابن الفارض: قلبي يُحدِّثني بأنك مُتْلفِي ... عجِّل به ولك البقا وتصرَّفِ قد قلتُ حين جهِلْتني وعرفْتني ... رُوحِي فِداك عرَفْتَ أم لم تعرِفِ

стр. 453

أنت القتيلُ بأيِّ مَن أحبَبْتَهُ ... فلك السعادةُ بالشهادةِ يا وَفِي ولقد وصفتُ لك الغرامَ وأهْلَه ... فاخترْ لنفسِك في الهوى مَن تصْطفِي وقوله، من تخميس عينية ابن النبيه المشئهورة: رقَم العَذُولُ زخارِفاً وتصنَّعَا ... وأشاع نقْضَ العهدِ عنك وشنَّعَا فأجبْتُه والنفسُ تقطُر أدمُعَا ... أفْدِيه إن حفِظ الهوى أو ضَيَّعَا ملَك الفؤادَ فما عسى أن أصْنَعَا حكم الغرامُ فلُذْ به وبحُكْمِه ... واثبُتْ على مفروضِ واجبِ رَسْمِهِ واخضَعْ لعَذْلِ الحُبِّ فيه وظُلْمِه ... من لم يذُقْ ظُلْمَ الحبيبِ كظَلْمِهِ حُلْواً فقد جهِل المَحبَّةَ وادَّعَى ومن فصل له في رسالة: يقصر عن جسم معاليك قميص الثناء فيفوت الرصاف، ويرفل زهواً إذا فصلت لمعانيك حلل الأوصاف. ويعترف بالعجز سحبان إذا سحب ذيول البيان، ويقر المعري بالتعري عن لفظك الحريري المشتمل على الجواهر الحسان. ويلحق القاضي الفاضل النقص في هذا الميزان، ويذوي بديع المعاني عند شمس معانيك البديعة التبيان. القاضي محمد بن إبراهيم السحولي قاضٍ قضي له بالبراعة مذ حلت عنه التمائم، وحاكم تصرف باليراعة مذ وضعت على رأسه العمائم. توج بالافتخار هام تهامة، وطار في أفقها بين نباهةٍ وشهامة. وهو في الأدب همام أوحد، وفضله فيه لا ينكر ولا يجحد. وله كل معنىً إذا تطابق مع لفظه كان أعلق بالقلب من فكره، وبالطرف من لحظه. فمن شعره قوله: تظُنُّ ما ألْقاه فيك باطلاَ ... فلا تُبالِي أن تكون ماطِلاَ مدَدْتَ حبلاً للجفاءِ طائلاَ ... فهل رأيتَ تحت ذاك طائلاَ لو مِلْتَ نحوي أو عطَفتَ مثلَما ... رأيتُ عِطْفَك الرشيقَ مائلاَ تحلُو لقلبِي إذ تمُرُّ حالياً ... قلبُك لي عن الحِجاءِ عاطلاَ رفعتُ قِصَّتي وقد مرَرْتَ بي ... تَجُرُّ ذيلاً للدَّلالِ ذائِلاَ وقد فتحتَ ناظِريْك ناظراً ... في قِصَّتي نصبْتَ لي الحبائلاَ فرُحتُ مقْتولاً وكان قاتِلي ... مَن لا يُبالي أن يكون قاتلاَ يا قاتَل اللهُ العيونَ ما لهَا ... من حاجةٍ في أن تُرى قواتلاَ نَواعِساً فواتراً فواطراً ... فواتكاً لا تُخطِىءُ المَقاتِلاَ تركْنَ إذْ فعَلْنَ قلبي دائماً ... فيا لَها تَوارِكاً فواعِلاَ تصولُ فينا بالجُفونِ تارةً ... وتارةً تُجرِّدُ المَناصِلاَ سقى الغَضا سقَى الحِمَى سقى اللِّوَى ... سقَى الحَيا تيَّالِك المَنازِلاَ منازلاً عهدْتُها أقْمارُها ... لم تُمْسِ عن بُروجها أوافِلاَ ولَّهننِي بلهنْنِي أذْهلْننِي ... صَيَّرْننِي بين الأنام باقِلاَ في كلِّ عامٍ أرْتجِيكَ مُقبِلاً ... نحوِي وإن لم أرْتجِيك قابِلاَ يا كم أرَى فيك الزمانَ لم يزلْ ... لجيشِ آمالِي فيك خاذِلاَ ما ضَرَّ لو أطعْتَنِي تفضُّلاً ... ولو عصيْتَ واشِياً وعاذِلاَ ولو ذكرتَ بالحِمَى ليالياً ... وطِيبَ أوقاتٍ مضتْ أصائلاَ كم قد أقمتَ في تثَنِّي قامةٍ ... من الدَّلالِ في الهوى دلائلاَ وليلةٍ غازلتُ منك في الدجى ... غزالَ إنسٍ يدُهِش المُغازِلاَ والشُّهْبُ من غيظٍ تَوَدُّ أنها ... تُوقِد لي من نارِها المَشاعِلاَ وطالما فُزْنا بقَصْرِ ليلةٍ ... وذا هو العيشُ فلِمْ تطاوَلاَ أحْلَى الهوى ما كان في عصرِ الصِّبا ... لو لم يكنْ حالُ الصباح حائلاَ وكتب إلى الإمام إسماعيل المتوكل: مولايَ إسماعيلُ لي طفلٌ بكمْ ... مُتبارِكٌ أدعُوه إسماعيلاَ

стр. 454

قد عِيل صبرِي من مُفارقتِي له ... لا بالرَّباب ولا بأسْما عِيلاَ مُنُّوا بإسْماعِي نعم حاشاكمُ ... أن تقطعُوا صِلتِي بإساماعِي لا ومن انسجاماته اللطيفة قوله: أتظُنُّها قمراً سَنِيَّا ... باللهِ أم بشراً سَوِيَّا هزَّتْ معاطِفَ قَدِّها ... عُصْنا ولَدْناً سَمْهَرِيَّا وطوَى مَدارُ نِطاقِها ... من خَصْرِها سِرّاً خَفِيَّا نَشْوَى بخمْرِ شبابِها ... ورُضابها لا بالحُمَيَّا تخْتال في حُلَلِ الدَّلا ... لِ تمَلُّقاً وتِتيه غِيَّا وتخالُها وُرْقَ الحَما ... مِ إذا انْثنتْ غُصْناً نَدِيَّا وتظُنُّ وَسْواسَ الحُلِيِّ ... عليه تَغْريداً شَجِيَّا عجباً لوَرْقاءِ الغُصو ... نِ لقد أتتْ شيئاً فَرِيَّا لا الغصنُ يعرِف عِططفُه ... حُلَلاً ولا ألِف الخَلِيَّا كلاَّ ولا ناط الجما ... لُ عليه عِقْداً عَسْجَدِيَّا ولئِن تبسَّم ثغرُه ... ما كان كأساً لُؤْلُؤِيَّا هبْ أنَّ فيه مَلْمَساً ... رَطْباً ونَشْراً عَنْبرِيَّا ولربَّما أبْدَى الحَيا ... بخُدودِه ورداً جَنِيَّا أيكون ذاك مُشبِّهاً ... ورداً يكون له سَمِيّا يوسف بن علي الهادي نكتة عطارد وتحفة الفلك، قالت محاسنه اليوسفية ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك. تناول راية البيان باليمان، فظهر فضله فيه ظهور الإيمان. وقد أوتي من الفصاحة ما لو سمعه سحبان لاستحيى ولم يتفوه، ومن البلاغة ما أعجز من نظرائه المرموقين كل مفوه. يجري الأدب في أزمته، فيأخذ منه الأمل برمته. إلى عجائب لطائفٍ أخذت بكل معنى، وتعطر بمشام ذكرها كل مغنى. وشعره مثل طبعه مصقول، ودهره راوية ما يقول. وقد أثبت من نثره ما هو أفوح من الزهرة تفتحت عنها الكمامة، ومن نظمه ماهو أبهج منظراً من صدر البازي وطوق الحمامة. قال: ولما طلع بدر عود شرف الإسلام الحسين بن وجيه الدين من المشرق كاملاً، ونهض منه إلى حضرة الإمام قافلاً. بعد أن فقر عليهم عدوان العدو أمما، وكاد لا يبسم لهم ذلك الغثر عن شنب الفتح فما. ففتقت لهم ريح الجلاد بعنبر النصر، واجتنوا زهرات الظفر بأنامل النجح الذي تند أوصافه عن الحصر. وكان وصوله إلى حضرة الإمام مقارناً لقدوم العيد، فكأنما كان هلاله صلت وجهه السعيد. فأورده الإمام ورد إكرامه الصاف، وأنزله ظل تبجيله وتعظيمه الضاف. وملأ بالثناء عليه أسماع الملا، وأجابه إلى الدعاء له بنجح الأرب ولم يتلق حسيناً بكربلا. كتبت إليه أهنيه بالفتح والعود والعيد، برسالةٍ وقصيدة لم ينسج على منوالهما البديع البعيد. وهما: يقبل الأرض التي أضحت مواطن التهاني ومواطئها، وصارت منازل الأماني المقرونة بالنجاح ومنازهها. وتطولت على ذوي التقصير ببرها المحمود في يوم العرض، وصيرت فضلها أبياً لمفارقة ذي الفضل فلو قيل له: اذهب عنا قال: لن أبرح الأرض. وأنشأت سحب جودها فرأينا الندى منها على الأوراق، وفتحت أكمام معارفها عن زهرات فوائدها فتمشينا فيها بالأحداق. وأطلقت للعفاة منحاً، وللعداة محنا. فغدت مشكورة في الأمرين على الإطلاق، وطوقت أجياد الأنام بالندى الذي يجيب قبل سماع الندا فانقادت إليها بالأطواق. وأشرقت الجو بنقع غبارها وأشرقت بنور البصر المبين فأضحت مشهورة في الحالين بالإشراق، وقادت ذوي الفضائل إليها بسلاسل الأشواق، لما نصبت لهم من تخيل محاسنها حبائل، فعلموا يقيناً أنهم لمن أمةٍ تقاد إلى الجنة بالسلاسل. وجعلت حماها مرابع النعم، لا مراتع النعم. وأوردت الصادي ماء عين كرمها الذي يشتاق إليه الرائي، فعين الله تعالى على ذلك الكرم. ونهت عن إعلاء قباب برها، وإغلاق باب عفوها. وذلك شأن من هو بالمعروف معروف، ورحبت لما ضاق صدر الفضاء بعفاتها فهم فيه كالبنيان المرصوص والعقد المرصوف.

стр. 455

وأمضت أمرها المستقبل وأرادت السيوف أن تحاكيه مضاءً فجاوز حدها، وأشرقت الأحرار بالإحسان فما منهم إلا من يقول لمن يدعيه بالحرية: لا تدعني إلا بيا عبدها. فأبقى الله حماها الذي ما من خائفٍ إلا هو له مأمن، وروض جنابها الذي عنعن عنه العنبري أحاديث ذكاء ضنت بصحتها عن أن. وصفا باطنها بأنهارها، وحلى ظاهرها بأزهارها. وملأ صحون ديارها المسكية الروائح من قطر الغوادي، ونسج لها من بيض خيوله حلةً خضراء يقول كل ناظرٍ إليها كأنما نسجت على مرادي: فإنها أرضٌ لمن لم يجِدْ ... لعَيْبِه عن مَنْهجٍ منهَجَا نَدْبٌ يُعيدُ الفرضَ أن لا يرى ... باباً له عن مُرْتجٍ مُرْتجَا وسيد أقامته المعالي والعوالي فلم يختلف في فضله اثنان، وهمامٌ أضحى المشتري لرتبةٍ رجحت من قبل أن يرصد الميزان. ومولىً صار نصيراً للخلافة فنعم المولى ونعم النصير، وصاحب أقلامٍ حطم عوالي الأعداء بترسل قصيرها قبل أن تقول بيدي لا بيديك يا قصير. وملكٌ إذا صلت صوارمه لم يبق للعدى غير التسليم، أو أراد تكليم المعاندين بألسنة أسنةٍ أذعنوا له قبل التكليم. أو عقد ألويته حل بالمخالف الوبال والتلف، أو وجف بخيله وركابه على الأعداء قيل جرى القلم بهلاكهم وجف. أو وصف لهم عزائمه وترسلاته ظنوا بأنهم عياله ألف صفٍ من عزائمه وصف أو وكف جود كفه أقلع السحاب عن مجاراته وكف. أو ملأ سمعنا أمالي لا قالي لها فهي المليحة المليحة، أو جادل طعن الخصم بعوالي أحاديثه الصحيحة. أنَّى تُجارِيه فرسانُ العلومِ ومِن ... غُبارِه في هَوادِيهنَّ ما نقَضُوا فهو رب السيف والطيلسان، والقلم الذي يزداد إفصاحاً كلما قطع منه اللسان. واليد التي لا تهرع الناس إليها فيفوزون بالخمسة الأشباح، وتدعو الأنام لها بالبسط فكم ظفروا من أناملها بأيادٍ تجل عن الإيضاح. وتحتقر الثريا أن تكون لتقبيلها فما، وتعوذ أناملها الخمس بالسبع الطباق فما. والنسب الذي هو كصدر الرمح إلا أنه لا مطعن فيه لجارح، ولا نقص في كمال بدره لمنتقصٍ ولا عيب في زند شرفه القادح. نسبٌ تحسَب العُلَى بحُلاهُ ... قلَّدتْها نجومَها الجَوْزاءُ ولم لا يكون نسبه النسب العزيز، والسلسلة المنوطة بالشهب المصوغة من الإبريز. وهو من قوم عجنت طينتهم بماء الوحي والنبوة، ونبتت نبعتهم في حديقة الفضل والفتوة. وترددوا ما بين الخلالة والإمارة اللتين لا يبلى على مر الجديدين شرفهما العظيم، وشهد بفضلهما الحديث النبوي والقرآن الكريم على رأي الأشعرية وما أجل من شهد بفضلهم الحديث والقديم. أضاءتْ لهم أحسابُهمْ ووجُوهُهمْ ... دُجَى الليلِ حتى نظَّم الجِزْعَ ثاقبُهْ شقيق روض الفضل والعليا، ولو أنصفته لقلت ريحانته لأنه سمي الحسين أحد ريحانتي الرسول من الدنيا. شرف الإسلام والمسلمين، الحسين بن عبد القادر بن الناصر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن أمير المؤمنين. جمالُ ذا العصر كانوا في الحياةِ وهمْ ... بعد المماتِ جمالُ الكُتْبِ والسِّيَرِ لا زال آخذاً بآفاق سماء الفضائل والفواضل، فله أقمارها الطوالع ولغيره نجومها الأوافل. ولا برح سيداً إذا علت رتبةٌ أو جن دهرٌ كان لهما أفضل راق، ونبيلاً للقلوب وفاق، في أنه أفضل من ساد الأنام وفاق. وإماماً في العلوم تنبذ عند سماع حديثه العقيق، وهماماً نظره في الأمور كالسيف السريجي في الدقة والاستواء وكالسراج في البريق. منوطاً عمره بيوم التناد، مفسحاً في أيامه حتى لم يدر أهي أحادٌ أم سداس في أحاد. وبعد بذل أدعيةٍ بلغت إلى الأفق الأعلى ورحبت فوقه مظهرا، ومضى سلاحهن في كل من استقبل الحال بأمرٍ مكروه فأضحى مضمراً انكساره مظهرا. إذا رُفِعتْ يوماً لذِي العرشِ خَيْمةٌ ... لصِدْقِ وَلائي فيك بين السُّرادِقِ اعتماداً على ما أخرجه مسلم، من حديث أبي الدرداء عن أم الدرداء: " دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ، وملكٌ فوق رأسه يقول: آمين آمين، ولك بمثلٍ ". وعلى ما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس سيد الصحابة، في أن دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب أحد الدعوات الخمس المستجابة.

стр. 456

ينهى والأليق بن تنتهي نفسه الأمارة، عن مكاتبة أهل الخلافة والإمارة. فإنه وإن كان من الكرام الكاتبين لهم فليس ذلك، وكيف يكاتب مالكه من هو مقرٌّ بالدخول تحت رقه وإنما المكاتبة من المالك. لكنه وإن كان دونهم فهو يعتقد عدم خروجه عنهم، اعتماداً على ما رفعه أبو رافع إلى سيد الأنبياء: " مولى القوم منهم ". على أنه إن تصرف في هذا إلا أنها الذي كل رقٍ لحر كلامه مفتون، فهو يعلم صحة إذنكم له ولا ينكر تصرف العبد المأذون. وورد خبر عودكم المقرون بالنجاح، بعد أن لاح لكم الظفر من مشرق الفلاح، وسفرت لكم شمس الظفر من خلف ستارة الصلاح، وأعربت عن رفع شأنكم بلادٌ بنتها على الفتح عزائمكم التي هي أمضى من بيض الصفاح، وابتسمت لكم ثغورها لما جليتموها من قلح العدى بمساويك الرماح. والفتح المشرق قد طلعت فيه شمس الخلافة بعد أن أفلت وانسد، وقلت في ذلك مادحاً لكم مقال من أنشأ وأنشد: لمَّا فتحتَ الشَّرقَ بالْ ... عَزْمِ الذي ما هاب سَدَّا طلعتْ به شمسُ الخِلا ... فةِ بعد أن أفلَتْ وسُدَّا وأقسم قسم من بر، إنه لشرقٌ أكثره شر. فكم أجرى الدمع من الغرب، وأوجب سلب نفوس القادمين إليه فأتى بالإيجاب والسلب. وأغرب لما أشرق نزيله بندمه، وأطلع بدر القتيل منه في شفق دمه. حتى جعلت لكم الكرة عليهم، وكانت لكم العودة إليهم. وحان منهم بآرائك وراياتك الحين، وقال النصر المبين حسين مني وأنا من حسين. وجردتم كل صارمٍ يفترس ذبابه الأسد، وأعملتم كل لهذمٍ يخشى ثعلبه الأطلس فيرى الفرار من الرأي الأسد. وصيرتم البيضاء من دمائهم حمرا، والزهراء من أقتام المعارك غبرا. وكثرت القتلى، ورخصت الأسرى. وغلى منهم النجيب، وعلا منهم النحيب، وذهل المحب عن الحبيب. فلم ينشد: ذَكرتُك والخَطِّيُّ يخْطُر بيْنَنَا ... وقد نهِلتْ منها المُثقَّفةُ السُّمْرُ وسخرتم بهم بعد أن كانوا ساخرين، وغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وصار: للسَّبْيِ ما نكَحُوا والقتلِ ما ولَدُوا ... والنَّهْبِ ما جمَعوا والنارِ ما زرعُوا والحمد لله الذي جعل فناهم في فناهم، وتدميرهم في تدبيرهم. وصدعهم بالزجاج، صدع الزجاج. وأراد تصغيرهم، بعد تصعيرهم. وأعادك في جمع سلامة وهو جيشك الذي لم يدخل واحده وهو أنت شيءٌ من العلل، ومر بهذا الفتح المبين الذي انسد به كل خلل جلل. والعود الذي هو بمنزلة الربيع، فكم جدد لنا أفراحاً أثنينا عليها بأحسن مما أثنى على كأسه الخليع: وكَسَا الأرضَ خِدمةً لك يا مَوْ ... لايَ دون الملوكِ خُضْر الحريرِ فغدتْ كلُّ رَبْوةٍ تشْتهي الرَّقْ ... صَ بثوبٍ من النبات قصيرِ فهي تختال في زبر جدة خضراء تغذى بلؤلؤ منثور، وإن لم تكونوا نزلتم في منازلكم التي هي مطالع السرور، ومعدن الخلافة التي لم تطور آيتها المرفوعة بيمين النصر إلى يوم النشور. ففي تقريب الجياد، تقريبٌ من البعاد. ومع ثنيكم لعنان الرجوع، تستقدمون إليه قدوم السيف إلى غمده، واليمن مشرقٌ من غربه، والسعد موقوفٌ على جده. وفي أمثال من غبر: لابد من صنعا وإن طال السفر. ووالله يهنينا هذا الرجوع الذي محا عنا بصبحه أصدافا، فأذهب أتراحا، وأهدى أفراحا، فاخذتا وأسدافا. ومن محاسنه المقرونة بالإحسان، اقترانه بهذا العيد الذي ختم به شهر الصيام فهما في الحقيقة عيدان. فإذا ذكرنا معهما هذا الفتح الذي أعرب عن رفع شأنكم بكسر الضد، قويت بتضاعفهما المسرات وعجبنا لاجتماع ثلاثة أعياد في شهر واحد. وليس ذلك بعجب، فكل أيام مولانا أعيادٌ ومواسم، وكل ساعاته غررٌ في جبهات الأيام ومباسم. ولقد أراد المملوك أن يهنيك بهذا العيد فقال فكره السليم انتبه، وتمثل له الصواب في مرآه عقله فهناه بك لا أنت به. وأما المملوك فلم ير أنه عيدٌ لعدم رؤيته لهلاله وهو جبينك السعيد، لكنه رأى اجتماع هذه الأمة وهي لا تجتمع على ضلالة فقام ينشده قول من تبلد عنده لبيد: عِيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيدُ ... بما مضَى أم لأمْرٍ فيه تجْديدُ أما الأحبَّةُ فالبَيْداءُ دونَهمُ ... فليْتَ بينَك بِيداً دونها بِيدُ

стр. 457

فالله بيني وبين بيني عن هذا المالك الذي كان لفراقه علي ترة، والسيد الذي في عين الملك رجلٌ إذا كان غيره في عين الملك مرة. ولا كانت حوادث حدتنا على الوصل فهمزت بنا إلى الدهر فكانت همزة قطع، وغارت من التئام شملنا فاستعانت عليه بيد التشبيب فصدعته أي صدع. فلا وصل بعد ذلك، ولا مكاتبة فيه للملوك من المالك. إذا لم يكنْ يا غُصْنُ وصلٌ فإنني ... سأقْنَعُ بالأوراقِ منك على كَمَدْ فقد فقَد الطرْفُ القريحُ مَنامَهُ ... وقد هَتَن القلبُ الجريحُ وقد وَقَدْ وقد قد النوى لما غدوت سمي يوسف فؤادي من قبلٍ لا قميصي من دبر، وصيرني في سجن الهموم لما علم أني كنت من قومٍ هم على مفارقنك صبر. وأجمع رأيه أن يجعلني في غيابات جب الأحزان، بعد أن انثنى عن قتلي بسيف الأشجان. وجاء على قميصي من دموعي بدم، واسترقني لما استرقني وباعني ببخسٍ بيعاً لم يتبعه ندم. فأخرجني أيها الملك العزيز برأيك في الوصل والمكاتبة لا برؤياك، واجعلني على خزائن التلاقي إني حفيظٌ بودك عليم بالوفاء الذي يليق بعلياك. ووف غير مأمور لغير غادر، واحفظ عهد من أضاع فيك كلام العاذلين فأنت قادر. يا مَن أطعتُ بحبِّه ... مُخالِفاً مُعنِّفِي اللهَ في مُحافظٍ ... على الولاَ وفي وَفِي وأقسم بالله إقسام من لا يجعله عرضةً لأيمانه، وبحياة مولانا التي يعلم يودها المملوك لأنها أحد شروط إيمانه، وتحالفت، على إتلاف روحي، التي كدت أن أقول لها بعدك روحي، وما تخالفت. وما فؤادِيَ مُشتاقٌ بمفردِهِ ... بل كلُّ عضوٍ إلى لُقْياك مُشتاقُ فلذا سلسلت رواة الجفون أحاديث الدمع بعد أن رفع عنها أثر الكرى، وقالت للشوق المبرح وقد سال شأنه من شأنه أتسيل دمعةً ثم تسأل ما جرى. وأدمى جوارحي سجع الحمام الصادح، ولم أر صادحاً هو بسجعه للجوارح جارح. وجرى دمعي ذا ألوان، فقلت لأخي العجب منه هو رب الحزن فكل يومٍ هو في شان. فلا كان الفراق فلولاه ما باتت الجوانح تحترق، ولا صارت القلوب لاسترقاق الأشواق لها تحت رق. ولله أيام التداني، ففيها كل أمانٍ من الهموم وفيها نلت أماني. يا حبَّذا زمنُ التَّواصُل إنه ... زمنٌ كأحْلاَ ما يبُلُّ أُوامَا لكنه وَلَّى كأحْلامٍ فيا ... أسَفِي على زمنٍ حكى أحْلاَمَا وقد آن أن أقفي على هذا المنثور بالمنظوم، وأدير على سمع مولانا منه كاس رحيق بمسك الفصاحة والبلاغة مختوم. وأمدحه بطائية لو رآها الطائي لقال لا طاقة لي بهذه الطا، فهل من طا، أو أنشدت النجوم لطأطأت، وقالت لكل حرف من رويها طأ. على أني معترف بأن نظمي لا يقوم بنثر مولانا فإنه ذو النظم الأبي، وكيف يقوم نظمي بنظمه وإني لو كنت أبلغ من ابن النبيه في النظم لقيل لي: ما أنت كابن النبي. ولقد تطاولت إلى مدح مولانا بها مع القصور، وسولت لي نفسي بهذه الأبيات ظناً بأنها كالقصور. وإذا سكرتُ فإنني ... رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ وإذا صَحوتُ فإنني ... رَبُّ الشُوَيْهَةِ والبعيرِ ولولا ودٍ حكم بتصديقه كل ذي منطق، ودل بالمطابقة والتضمن والالتزام على أنه في الصحة معرق. وأضحى حده جامعاً لشرو الصحة مانعاً لكل عللٍ مفسدة؛ لأن جنسه القريب الإخلاص وفصله التحقيق الذي يقصيه عن البطلان ويبعده. لأطْرَقْتُ إطراقَ الشُّجاعِ ولو رأَى ... مَساغاً لنابَيْه الشُّجاعُ لصَمَّمَا وقيدت أقدامك فكري عن الخوض في بحور القريض، ومنعت نفسي من وقوعها من انتقادات مولانا في الطويل العريض. لكنني أعلم أنك الحر الذي يجر على الزلات ذيل المسامحة، وتكسر الجفن عن الخطيئة كما تكسره يوم الوغى والمكافحة. ولو لم تهزه أريحية عودكم الذي خلع على الملك ديباجاً لا مرطا، لما قال مهنياً لكم مقال من أدار على أفواه المسامع من نظمه إسفنطا: دنَا مَزاراً بعد ما شَطَّا ... فصيَّر القلبَ له شَطَّا مُهَفْهَفٌ صارِمُ ألْحاظِه ... لم تنْبُ إن قَدَّ وإن قَطَّا كم عاذلٍ صوَّبَ عشْقي له ... لمَّا رأَى عارِضَه خَطَّا

стр. 458

تظهرُ في ألْحاظِه سَكْرَةٌ ... وما احْتسَى يا صاحِ إسْفَنْطَا كم تاهَ لمَّا أن غدَا مالِكاً ... للخافقيْنِ القلبِ والقُرْطَا قلتُ له يا طلعةَ المُشْترِي ... مَن باع منكَ القلبَ ما أخْطَا ظَبْيٌ رعَى منَّا ثمارَ الهوى ... وما رَعَى أثْلاَ ولا خَمْطَا أهْيَفُ حاكَتْ لِينَ أعْطافهِ ... سُمْرُ القَنا فاعتُقِلتْ سُخْطَا تجلُّدي شَكٌّ لدى سُخْطِه ... فمَن يَقِيني إن نوَى السُّخْطَا عرَّض الزَّوْرةِ من بعد أن ... طوَّل في الهِجْران واشْتَطَّا فجاءني مُنْتصِب القَدِّ قد ... جَرَّ من التِّيه به المِرْطَا في ليلةٍ أحببْتُ أن لا أرَى ... للصبحِ في مَفْرِقها وَخْطَا فلم يزلْ لي مشهداً جامعاً ... لِلَذَّتي تُوسِعني غَبْطَا حتى بدا الصبحُ لنا حاكياً ... وجهَ الحُسَين البَرِّ إن أعطَى سِبْطُ رسولِ الله أزْكَى الورَى ... أَرُومةً أكْرِمْ به سِبْطَا تألَّفتْ من دُرَرٍ ذَاتُه ... فصار في جِيدِ العُلَى سِمْطَا شؤْبوبُ إحْسانٍ وجُودٍ لنا ... وجودُه قد أعْدَم القَحْطَا يرفع للسَّارِين نارَ القِرَى ... فكم بصيرٍ أَمِن الخَبْطَا وارِي زِنادِ الرَّأْي كم حاذَرتْ ... أعداؤُه من نارِه سِقْطَا يُسْتحسَن الدِّرعُ لِباساً على ... جسمٍ لديه يسْتخْشِن الرَّيْطَا كم فَرَّ من ثَعْلبِ خَطِّيِّه ... لَيْثٌ حسِبْناه إذاً قِطَّا نرجُو له نَقْداً ونخشَى له ... نَقْداً أبى الإبْطالَ والإبْطَا لَمْقُ المُحَيَّا ظاهرُ البشْرِ لم ... يَزْوِ بنَوْءٍ خُلْقَه السَّبْطَا قد طاوَل الشمسَ فقُلْنا له ... طإ الدَّرارِي يا مليكاً طَا ذُو قلم يرْدِي ويُعْطِي فقد ... تجانَس الإعْطابُ والإعْطَا إن قَطَّ قَطَّ رءُوسَ العِدَى ... فما رأيْنا مثلَه قَطَّا ملِك مَهِيبٌ ليس يرضَى سوى ال ... جيشِ رسولاً والظُّبا قَطَّا سَجَّان قد ألْقَتْ ملوكُ الورَى ... إليه منها القَبْضَ والبَسْطَا أقرَّتِ الخَلْقُ بتفْضيلِه ... ولم تُطِقْ جَحْداً ولا غَمْطَا أدْرَك من شَأْوِ العُلَى أغْيدا ... ما فات عن ذي اللِّمة الشَّمْطَا لم يخْلُ من إقْراءِ وَفْدٍ ومِن ... إقْراءِ علم يحسِم الإبطا فيا أبا المجد اسْتمِع مِدْحةً ... خلَتْ عن الإِقْواءِ والإِيطَا ابْنَةَ يومٍ غَضَّةً لم يقُل ... مُنْشِئُها هل لك في شَمْطَا طائيَّةُ الحُسْنِ وطائِيَّتُه ... قصَّر عنها مَن غدا فُرُطَا وقال ما لي قَطُّ من طاقةٍ ... بهذه الطَّاءِ فهل مِن طَا إنْشاءُ من إن شاء شُهْبَ الدُّجى ... قوافياً أنْفَدَها لَقْطَا ما اشترطتْ قطُّ جزاءاً لها ... سوَى جوابٍ فاجْزِها الشَّرْطَا وكتب إلى القاضي محمد بدر الدين بن الحسن الحيمي، هذه الرسالة، والتزم فيها السين. وهي: سيدنا باسق غرس السماحة والحماسة، وسابق فرسان السيادة والسياسة، وشمس سماء الداسة والرئاسة. المستنيرة بسيارات سماء محاسنه سدف المجالس، والمستعيرة سيماه المقدسة سكان المدارس. من إن رسم القرطاس قرطس سهم حساده، أو سود سطور الطروس استنار دامس نقس سواده. أو سأل لسانه الإسفار للأسفار انسل حسامٌ ماسح، أو استرسل في الترسل فحسبك بقلمسها وسملقها سابح وسائح. أو حسن نسيباً أنسى الحسان، أو أرسل فرس لسنه أنسى لسبق سحبان، فسبحان مسوي إنسانه شمساً مسفرةً بحسبان. سمي الرسول، وسبط الحسن.

стр. 459

وبيهس خيس سراة الرآسة، ووسمي سحب سماح الحسن وسؤل مجالس سرر الدراسة. اتسق سناء سنائه الوسيم، وانبجس سري سائغ إحسانه القسيم. واستمر محتسياً كؤوس السعادة، محسوداً حسن السجايا والسيادة. مستقرياً السلام السلام، محروسةً نفسه سفينة الإسلام. دارساً لطرس، المستودع سريرة نفس. الدارسة أساس أنسها، والتسربل بسرابيل بؤسها. لافتراس سبع المحاسمة الأعبس، وسد شسوعه سبل التدناء إنسانه السمح الأحمس. واستبعاد سوحه السامي أساسه، وعسعاس تأنيسه الساطع نبراسه. وحسم تدارس خندريس منافسته ومجالسته، وخسوف سليقة مؤانسته ومراسلته. أستمنح القدس إسعادي باستدامة سنته، فلست أستعذب استمرار شسوعه وتناسي سنته: لستُ أنْساك ومَن ... ينْسَى سَجَاياك السنيَّهْ وسُوَيْدايَ لإنْسا ... نِك سَفْحٌ وسَرِيَّهْ يا سليلَ الحسَن السَّ ... مْحِ ومَعْسولَ السَّجِيَّهْ والحُسَام الماسِح الحُسَّ ... ادَ مَسْحَا بالسَّوِيَّهْ فاستمِعْ سِيرَة اسْتِي ... يحاش نفسٍ يُوسُفيَّهْ سَرَدْتْ سِيناً ولَيْ ... سَتْ بلسانٍ فارسيَّهْ واسْقِ سمعِي من رِسالا ... تكَ كأْساً سَلْسَلِيَّهْ والْبَسِ السُّؤْددَ لا مُسْ ... حَ السُّدُوسِ السُّنْدُسِيَّهْ حرَستْ نفْسَك شمسُ الدَّ ... رْدَبِيسِ الحِنْدسِيَّهْ وأسير سجاياه المستحسنة، أرسل الحسناء مستجلاةً في الألسنة. فاستشرها في الاستجلاء، واستقبلها بالاستحلاء. ولست أسأله سوى رسالته، يستغفر لشسوعه مواساته. وحسبنا السلام، وسلامه على رسوله سيد الإسلام. وقد سلك فيها مسلك الخطيب الحصكفي، في رسالته التي كتب بها إلى القاضي أبي علي سعيد بن أحمد بن الحسن بن إسماعيل: بسم السميع الساتر أسأل ممسك السماء، ومرسل السماء، الحسن الأسماء، حراسة مجلس سيدنا الرئيس، السيد النفيس. فنفسي سكرى بسلاف الأسى، متماسكة لشسوعه بسوف وعسى. تمارس أسفاً يسقم، وتستنجد سلواً يسلم. أسيرة سجون الوساوس، كسيرة مناسر الدهارس. السهد سميري، والدم سجيري. والسعير مسندي ووسادي، والتحسر مجسدي وجسادي. أسهر سهر السليم، وأتنفس استرواحاً بالنسيم. إمسائي سواء والسحرة، وسيان يساري والعسرة. وأقسم بسيبه الواسع، وسناء حسبه الساطع. وسموق سؤدده الباسق، وسبوغ إحسانه السابق. للاستسعاد بأسارير وسامته سولي، والطرس لمستولي السهر والسقم رسولي. إنساني مسلوب السنة، ولساني أخرس الألسنة. أستوحش بمؤانسة الجليس، وأستوجم بمجالسة الأنيس. يسامرني فأستثقله، ويسارني فأستوبله. أسمع وأسكت فيستريب بسمعي سائلا، وأسبل سبكاً يسفح سائلا، تحسب سجله للسحاب مساجلا. وحسبي بمساترة الحساد، ومساورة الآساد، يتوسلون بأسباب الفساد، ويسعون لطمس سبل السداد. سقياً لساعاتٍ بالمسرة سلفت، وبسعودها شموس النحوس كسفت. ساعفت بالمحاسن غروسها، وسرت فساء دروسها: عسى سامِكُ السَّبْع سبحانه ... يُسهِّل أُنْساً يسرُّ النُّفوسَا ويُسْقَى الحسودُ بإسْعادِنا ... كؤوسَ سمامِ أسىً ليس يُوسَى ويسْرِي نَسِيمٌ يُسَرِّي السَّمُومَ ... ويبْسَم سِنٌ يُنَسِّي العُبوسَا ويُؤنسني بسطورِ الرئيسِ ... سعيدٍ لتُمْسِي لسِرِّي غُروسَا سطورٌ حَنادِسُها كالشموسِ ... تُسْفِرُ حُسْناً وتُسْمَى طُروسَا ويسكُت حُسْنُ أبي سالمٍ ... لنرمسه ونحس التيوسَا فلستُ لسالفِ إحْسانِه ... بناسٍ ولستُ لبُوْسٍ بَؤُوسَا ومن مقطعاته قوله، فيمن اسمه حسين: لك يا أوْحدَ المحاسنِ طَرْفٌ ... أسدُ الْغابِ من سَطاه جبانُ كيفَ لم يخْشَ طَعْنةً منه نَجْلاَ ... ءَ وأنت الحسينُ وهْو سِنانُ سنان هو سنان بن الأشتر النخعي، وهو الذي طعن الحسين حتى أرداه، ثم احتز رأسه لشمر بن ذي الجوشن، لعنهما الله تعالى. فالتورية في سنان من مبتكراته النادرة. وقوله، وهو من الغايات:

стр. 460

كلَّ يوم يزيد عَذْلُ اللَّواحِي ... لك يا مَن به الفؤادُ عَمِيدُ فأطِعْني بالوصلِ إنِّي مُحِبٌّ ... واعْصِه يا حُسَينُ فهْو يَزِيدُ وقوله، وهو من نكته البديعة: دُكَّ شِمْراً في سُوءِ عَذْلِ اللَّواحِي ... بالتجلِّي للصَّبِّ لا جئتَ أمْرَا واخْشَه يا حسينُ إن رخَّموه ... واجتنِبْه فقد غَدا لك شِمْرَا فإن شمر هو ترخيم شمراخ، وقد تقدم أن شمر هو الذي احتز رأس الحسين. وقوله، وهو السحر السامري، والبرد السابري: خلَّدْتني في نارِ هجرِك لي ... يا مالكاً لم ألْقَ رِضْوانَهْ وسكَنْتَ قلي يا حسينُ فلِمْ ... يشكُو العذابَ وأنتَ رَيْحانَهْ عن ابن عمر، أن النبي ﷺ ، قال: إن " الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا ". وعن مجاهد بن جبر صاحب ابن عباس، قال: مر النبي ﷺ ، بحائطٍ من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : " إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ". ثم قال: " كان أحدهما لا يستنزه من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة ". ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل منهما كسرة. فقيل له: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: " لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا " أو " أن ييبسا " أو " إلى أن ييبسا " انتهى. وقد تأسى بفعل النبي ﷺ بريدة الصحابي فأمر بوضع الجريدة على قبره، وهو أولى أن يتأسى به. وأنكره الخطابي، وغيره. وقال: إنما هو ببركة يده ﷺ ، أو لأمرٍ مغيب، علل في قوله: " ليعذبان " إلخ. ولا يلزم من كوننا لا نعلم تعذيبه، أنا لا نتسبب في أمرٍ يخفف عنه العذاب. ولم يزل الناس على وضع الريحان ونحوه من الخضر على القبور. وقد ورد هذا في الأشعار، كقول العتبي، يرثي ولده: كان رَيْحانِي فأضْحَى ... وهْو رَيْحانُ القبورِ غَرَستْه في بَساتي ... نِ البِلَى أيْدي الدهورِ ففي قوله في البتين المتقدمين: وسكنت قلبي يا حسين فلم إلخ، العقد لقوله ﷺ في الحسنين " هما ريحانتاي " الحديث، ولقوله ﷺ : " لعله أن يخفف عنهما " الحديث، والإشارة إلى ما عليه عمل الناس إلى الآن، من وضع الريحان على القبور تسبباً في تخفيف العذاب. ومعنى البيت التعجب من القلب كيف شكا العذاب، وفيه ريحانة، مع أنها توضع على قبر المعذب للتخفيف، تأسياً بفعل النبي ﷺ . ولا يخفى على ذي العرفان والذوق السليم، صحة هذا المعنى الذي يترك الحاسد الصحيح الذهن كالسليم. السيد علي بن صلاح الديلمي نسبةً إلى الإمام الناصر الديلمي، الذي دعا في الديلم، ثم خرج إلى أرض اليمن. صاحب بيت في الرياسة صميم، وفضل على المكرمات عميم. تميز من بين أكفائه بالكفاية، واحتف دون خلفائه بالحفاية. فظهر فضله الأبين، وبهر أدبه الأزين. وأشعاره لليراعة سوالٍ سوالب، وهي للصناعة جوالٍ جوالب. فمنها قوله في الغزل: صَبٌّ يُماطِل قلبَه الوَصْلاَ ... لم تسْلُ عن أهلِ الحمَى أصْلاَ ما انْهَلَّ في حَيٍ مَدامعُه ... إلاَّ ولم يجدُوا به مَحْلاَ وإذا شَدَا غنَّتْ مُطوَّقةٌ ... وتبادَرتْ لحَنِينِهِا الثَّكْلَى كم ضَلَّ يجْأر بالنِّدا كَلِفاً ... يا أهلَ سَفْح المُنْحنَى مَهْلاَ أللهَ في صبٍ أقامَ على ... نارِ الغرامِ وحَرَّها يَصْلَى ذابتْ حُشاشتُه فأرْسَلها ... مَثَلاً بصفحة خدِّه تُتْلَى وتباعَد الصبرُ الجميلُ كما ... بَعُدَ المَزارُ وقوَّض الرَّحْلاَ وخَريدةٍ لانَتْ مَعاطفُها ... وقسَتْ فؤاداً وانْثَنتْ خَجْلَى في جِيدِها هَيَفٌ وقامتُها ... رَيَّانةٌ للهِ ما أحْلَى تبدُو كما يبدُو الصباحُ إذا انْ ... جابتْ غدائرُهَا لتُسْتَجْلَى
следующие страницы →