← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ينهى والأليق بن تنتهي نفسه الأمارة، عن مكاتبة أهل الخلافة والإمارة. فإنه وإن كان من الكرام الكاتبين لهم فليس ذلك، وكيف يكاتب مالكه من هو مقرٌّ بالدخول تحت رقه وإنما المكاتبة من المالك. لكنه وإن كان دونهم فهو يعتقد عدم خروجه عنهم، اعتماداً على ما رفعه أبو رافع إلى سيد الأنبياء: " مولى القوم منهم ". على أنه إن تصرف في هذا إلا أنها الذي كل رقٍ لحر كلامه مفتون، فهو يعلم صحة إذنكم له ولا ينكر تصرف العبد المأذون. وورد خبر عودكم المقرون بالنجاح، بعد أن لاح لكم الظفر من مشرق الفلاح، وسفرت لكم شمس الظفر من خلف ستارة الصلاح، وأعربت عن رفع شأنكم بلادٌ بنتها على الفتح عزائمكم التي هي أمضى من بيض الصفاح، وابتسمت لكم ثغورها لما جليتموها من قلح العدى بمساويك الرماح. والفتح المشرق قد طلعت فيه شمس الخلافة بعد أن أفلت وانسد، وقلت في ذلك مادحاً لكم مقال من أنشأ وأنشد: لمَّا فتحتَ الشَّرقَ بالْ ... عَزْمِ الذي ما هاب سَدَّا طلعتْ به شمسُ الخِلا ... فةِ بعد أن أفلَتْ وسُدَّا وأقسم قسم من بر، إنه لشرقٌ أكثره شر. فكم أجرى الدمع من الغرب، وأوجب سلب نفوس القادمين إليه فأتى بالإيجاب والسلب. وأغرب لما أشرق نزيله بندمه، وأطلع بدر القتيل منه في شفق دمه. حتى جعلت لكم الكرة عليهم، وكانت لكم العودة إليهم. وحان منهم بآرائك وراياتك الحين، وقال النصر المبين حسين مني وأنا من حسين. وجردتم كل صارمٍ يفترس ذبابه الأسد، وأعملتم كل لهذمٍ يخشى ثعلبه الأطلس فيرى الفرار من الرأي الأسد. وصيرتم البيضاء من دمائهم حمرا، والزهراء من أقتام المعارك غبرا. وكثرت القتلى، ورخصت الأسرى. وغلى منهم النجيب، وعلا منهم النحيب، وذهل المحب عن الحبيب. فلم ينشد: ذَكرتُك والخَطِّيُّ يخْطُر بيْنَنَا ... وقد نهِلتْ منها المُثقَّفةُ السُّمْرُ وسخرتم بهم بعد أن كانوا ساخرين، وغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وصار: للسَّبْيِ ما نكَحُوا والقتلِ ما ولَدُوا ... والنَّهْبِ ما جمَعوا والنارِ ما زرعُوا والحمد لله الذي جعل فناهم في فناهم، وتدميرهم في تدبيرهم. وصدعهم بالزجاج، صدع الزجاج. وأراد تصغيرهم، بعد تصعيرهم. وأعادك في جمع سلامة وهو جيشك الذي لم يدخل واحده وهو أنت شيءٌ من العلل، ومر بهذا الفتح المبين الذي انسد به كل خلل جلل. والعود الذي هو بمنزلة الربيع، فكم جدد لنا أفراحاً أثنينا عليها بأحسن مما أثنى على كأسه الخليع: وكَسَا الأرضَ خِدمةً لك يا مَوْ ... لايَ دون الملوكِ خُضْر الحريرِ فغدتْ كلُّ رَبْوةٍ تشْتهي الرَّقْ ... صَ بثوبٍ من النبات قصيرِ فهي تختال في زبر جدة خضراء تغذى بلؤلؤ منثور، وإن لم تكونوا نزلتم في منازلكم التي هي مطالع السرور، ومعدن الخلافة التي لم تطور آيتها المرفوعة بيمين النصر إلى يوم النشور. ففي تقريب الجياد، تقريبٌ من البعاد. ومع ثنيكم لعنان الرجوع، تستقدمون إليه قدوم السيف إلى غمده، واليمن مشرقٌ من غربه، والسعد موقوفٌ على جده. وفي أمثال من غبر: لابد من صنعا وإن طال السفر. ووالله يهنينا هذا الرجوع الذي محا عنا بصبحه أصدافا، فأذهب أتراحا، وأهدى أفراحا، فاخذتا وأسدافا. ومن محاسنه المقرونة بالإحسان، اقترانه بهذا العيد الذي ختم به شهر الصيام فهما في الحقيقة عيدان. فإذا ذكرنا معهما هذا الفتح الذي أعرب عن رفع شأنكم بكسر الضد، قويت بتضاعفهما المسرات وعجبنا لاجتماع ثلاثة أعياد في شهر واحد. وليس ذلك بعجب، فكل أيام مولانا أعيادٌ ومواسم، وكل ساعاته غررٌ في جبهات الأيام ومباسم. ولقد أراد المملوك أن يهنيك بهذا العيد فقال فكره السليم انتبه، وتمثل له الصواب في مرآه عقله فهناه بك لا أنت به. وأما المملوك فلم ير أنه عيدٌ لعدم رؤيته لهلاله وهو جبينك السعيد، لكنه رأى اجتماع هذه الأمة وهي لا تجتمع على ضلالة فقام ينشده قول من تبلد عنده لبيد: عِيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيدُ ... بما مضَى أم لأمْرٍ فيه تجْديدُ أما الأحبَّةُ فالبَيْداءُ دونَهمُ ... فليْتَ بينَك بِيداً دونها بِيدُ

стр. 457

فالله بيني وبين بيني عن هذا المالك الذي كان لفراقه علي ترة، والسيد الذي في عين الملك رجلٌ إذا كان غيره في عين الملك مرة. ولا كانت حوادث حدتنا على الوصل فهمزت بنا إلى الدهر فكانت همزة قطع، وغارت من التئام شملنا فاستعانت عليه بيد التشبيب فصدعته أي صدع. فلا وصل بعد ذلك، ولا مكاتبة فيه للملوك من المالك. إذا لم يكنْ يا غُصْنُ وصلٌ فإنني ... سأقْنَعُ بالأوراقِ منك على كَمَدْ فقد فقَد الطرْفُ القريحُ مَنامَهُ ... وقد هَتَن القلبُ الجريحُ وقد وَقَدْ وقد قد النوى لما غدوت سمي يوسف فؤادي من قبلٍ لا قميصي من دبر، وصيرني في سجن الهموم لما علم أني كنت من قومٍ هم على مفارقنك صبر. وأجمع رأيه أن يجعلني في غيابات جب الأحزان، بعد أن انثنى عن قتلي بسيف الأشجان. وجاء على قميصي من دموعي بدم، واسترقني لما استرقني وباعني ببخسٍ بيعاً لم يتبعه ندم. فأخرجني أيها الملك العزيز برأيك في الوصل والمكاتبة لا برؤياك، واجعلني على خزائن التلاقي إني حفيظٌ بودك عليم بالوفاء الذي يليق بعلياك. ووف غير مأمور لغير غادر، واحفظ عهد من أضاع فيك كلام العاذلين فأنت قادر. يا مَن أطعتُ بحبِّه ... مُخالِفاً مُعنِّفِي اللهَ في مُحافظٍ ... على الولاَ وفي وَفِي وأقسم بالله إقسام من لا يجعله عرضةً لأيمانه، وبحياة مولانا التي يعلم يودها المملوك لأنها أحد شروط إيمانه، وتحالفت، على إتلاف روحي، التي كدت أن أقول لها بعدك روحي، وما تخالفت. وما فؤادِيَ مُشتاقٌ بمفردِهِ ... بل كلُّ عضوٍ إلى لُقْياك مُشتاقُ فلذا سلسلت رواة الجفون أحاديث الدمع بعد أن رفع عنها أثر الكرى، وقالت للشوق المبرح وقد سال شأنه من شأنه أتسيل دمعةً ثم تسأل ما جرى. وأدمى جوارحي سجع الحمام الصادح، ولم أر صادحاً هو بسجعه للجوارح جارح. وجرى دمعي ذا ألوان، فقلت لأخي العجب منه هو رب الحزن فكل يومٍ هو في شان. فلا كان الفراق فلولاه ما باتت الجوانح تحترق، ولا صارت القلوب لاسترقاق الأشواق لها تحت رق. ولله أيام التداني، ففيها كل أمانٍ من الهموم وفيها نلت أماني. يا حبَّذا زمنُ التَّواصُل إنه ... زمنٌ كأحْلاَ ما يبُلُّ أُوامَا لكنه وَلَّى كأحْلامٍ فيا ... أسَفِي على زمنٍ حكى أحْلاَمَا وقد آن أن أقفي على هذا المنثور بالمنظوم، وأدير على سمع مولانا منه كاس رحيق بمسك الفصاحة والبلاغة مختوم. وأمدحه بطائية لو رآها الطائي لقال لا طاقة لي بهذه الطا، فهل من طا، أو أنشدت النجوم لطأطأت، وقالت لكل حرف من رويها طأ. على أني معترف بأن نظمي لا يقوم بنثر مولانا فإنه ذو النظم الأبي، وكيف يقوم نظمي بنظمه وإني لو كنت أبلغ من ابن النبيه في النظم لقيل لي: ما أنت كابن النبي. ولقد تطاولت إلى مدح مولانا بها مع القصور، وسولت لي نفسي بهذه الأبيات ظناً بأنها كالقصور. وإذا سكرتُ فإنني ... رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ وإذا صَحوتُ فإنني ... رَبُّ الشُوَيْهَةِ والبعيرِ ولولا ودٍ حكم بتصديقه كل ذي منطق، ودل بالمطابقة والتضمن والالتزام على أنه في الصحة معرق. وأضحى حده جامعاً لشرو الصحة مانعاً لكل عللٍ مفسدة؛ لأن جنسه القريب الإخلاص وفصله التحقيق الذي يقصيه عن البطلان ويبعده. لأطْرَقْتُ إطراقَ الشُّجاعِ ولو رأَى ... مَساغاً لنابَيْه الشُّجاعُ لصَمَّمَا وقيدت أقدامك فكري عن الخوض في بحور القريض، ومنعت نفسي من وقوعها من انتقادات مولانا في الطويل العريض. لكنني أعلم أنك الحر الذي يجر على الزلات ذيل المسامحة، وتكسر الجفن عن الخطيئة كما تكسره يوم الوغى والمكافحة. ولو لم تهزه أريحية عودكم الذي خلع على الملك ديباجاً لا مرطا، لما قال مهنياً لكم مقال من أدار على أفواه المسامع من نظمه إسفنطا: دنَا مَزاراً بعد ما شَطَّا ... فصيَّر القلبَ له شَطَّا مُهَفْهَفٌ صارِمُ ألْحاظِه ... لم تنْبُ إن قَدَّ وإن قَطَّا كم عاذلٍ صوَّبَ عشْقي له ... لمَّا رأَى عارِضَه خَطَّا

стр. 458

تظهرُ في ألْحاظِه سَكْرَةٌ ... وما احْتسَى يا صاحِ إسْفَنْطَا كم تاهَ لمَّا أن غدَا مالِكاً ... للخافقيْنِ القلبِ والقُرْطَا قلتُ له يا طلعةَ المُشْترِي ... مَن باع منكَ القلبَ ما أخْطَا ظَبْيٌ رعَى منَّا ثمارَ الهوى ... وما رَعَى أثْلاَ ولا خَمْطَا أهْيَفُ حاكَتْ لِينَ أعْطافهِ ... سُمْرُ القَنا فاعتُقِلتْ سُخْطَا تجلُّدي شَكٌّ لدى سُخْطِه ... فمَن يَقِيني إن نوَى السُّخْطَا عرَّض الزَّوْرةِ من بعد أن ... طوَّل في الهِجْران واشْتَطَّا فجاءني مُنْتصِب القَدِّ قد ... جَرَّ من التِّيه به المِرْطَا في ليلةٍ أحببْتُ أن لا أرَى ... للصبحِ في مَفْرِقها وَخْطَا فلم يزلْ لي مشهداً جامعاً ... لِلَذَّتي تُوسِعني غَبْطَا حتى بدا الصبحُ لنا حاكياً ... وجهَ الحُسَين البَرِّ إن أعطَى سِبْطُ رسولِ الله أزْكَى الورَى ... أَرُومةً أكْرِمْ به سِبْطَا تألَّفتْ من دُرَرٍ ذَاتُه ... فصار في جِيدِ العُلَى سِمْطَا شؤْبوبُ إحْسانٍ وجُودٍ لنا ... وجودُه قد أعْدَم القَحْطَا يرفع للسَّارِين نارَ القِرَى ... فكم بصيرٍ أَمِن الخَبْطَا وارِي زِنادِ الرَّأْي كم حاذَرتْ ... أعداؤُه من نارِه سِقْطَا يُسْتحسَن الدِّرعُ لِباساً على ... جسمٍ لديه يسْتخْشِن الرَّيْطَا كم فَرَّ من ثَعْلبِ خَطِّيِّه ... لَيْثٌ حسِبْناه إذاً قِطَّا نرجُو له نَقْداً ونخشَى له ... نَقْداً أبى الإبْطالَ والإبْطَا لَمْقُ المُحَيَّا ظاهرُ البشْرِ لم ... يَزْوِ بنَوْءٍ خُلْقَه السَّبْطَا قد طاوَل الشمسَ فقُلْنا له ... طإ الدَّرارِي يا مليكاً طَا ذُو قلم يرْدِي ويُعْطِي فقد ... تجانَس الإعْطابُ والإعْطَا إن قَطَّ قَطَّ رءُوسَ العِدَى ... فما رأيْنا مثلَه قَطَّا ملِك مَهِيبٌ ليس يرضَى سوى ال ... جيشِ رسولاً والظُّبا قَطَّا سَجَّان قد ألْقَتْ ملوكُ الورَى ... إليه منها القَبْضَ والبَسْطَا أقرَّتِ الخَلْقُ بتفْضيلِه ... ولم تُطِقْ جَحْداً ولا غَمْطَا أدْرَك من شَأْوِ العُلَى أغْيدا ... ما فات عن ذي اللِّمة الشَّمْطَا لم يخْلُ من إقْراءِ وَفْدٍ ومِن ... إقْراءِ علم يحسِم الإبطا فيا أبا المجد اسْتمِع مِدْحةً ... خلَتْ عن الإِقْواءِ والإِيطَا ابْنَةَ يومٍ غَضَّةً لم يقُل ... مُنْشِئُها هل لك في شَمْطَا طائيَّةُ الحُسْنِ وطائِيَّتُه ... قصَّر عنها مَن غدا فُرُطَا وقال ما لي قَطُّ من طاقةٍ ... بهذه الطَّاءِ فهل مِن طَا إنْشاءُ من إن شاء شُهْبَ الدُّجى ... قوافياً أنْفَدَها لَقْطَا ما اشترطتْ قطُّ جزاءاً لها ... سوَى جوابٍ فاجْزِها الشَّرْطَا وكتب إلى القاضي محمد بدر الدين بن الحسن الحيمي، هذه الرسالة، والتزم فيها السين. وهي: سيدنا باسق غرس السماحة والحماسة، وسابق فرسان السيادة والسياسة، وشمس سماء الداسة والرئاسة. المستنيرة بسيارات سماء محاسنه سدف المجالس، والمستعيرة سيماه المقدسة سكان المدارس. من إن رسم القرطاس قرطس سهم حساده، أو سود سطور الطروس استنار دامس نقس سواده. أو سأل لسانه الإسفار للأسفار انسل حسامٌ ماسح، أو استرسل في الترسل فحسبك بقلمسها وسملقها سابح وسائح. أو حسن نسيباً أنسى الحسان، أو أرسل فرس لسنه أنسى لسبق سحبان، فسبحان مسوي إنسانه شمساً مسفرةً بحسبان. سمي الرسول، وسبط الحسن.

стр. 459

وبيهس خيس سراة الرآسة، ووسمي سحب سماح الحسن وسؤل مجالس سرر الدراسة. اتسق سناء سنائه الوسيم، وانبجس سري سائغ إحسانه القسيم. واستمر محتسياً كؤوس السعادة، محسوداً حسن السجايا والسيادة. مستقرياً السلام السلام، محروسةً نفسه سفينة الإسلام. دارساً لطرس، المستودع سريرة نفس. الدارسة أساس أنسها، والتسربل بسرابيل بؤسها. لافتراس سبع المحاسمة الأعبس، وسد شسوعه سبل التدناء إنسانه السمح الأحمس. واستبعاد سوحه السامي أساسه، وعسعاس تأنيسه الساطع نبراسه. وحسم تدارس خندريس منافسته ومجالسته، وخسوف سليقة مؤانسته ومراسلته. أستمنح القدس إسعادي باستدامة سنته، فلست أستعذب استمرار شسوعه وتناسي سنته: لستُ أنْساك ومَن ... ينْسَى سَجَاياك السنيَّهْ وسُوَيْدايَ لإنْسا ... نِك سَفْحٌ وسَرِيَّهْ يا سليلَ الحسَن السَّ ... مْحِ ومَعْسولَ السَّجِيَّهْ والحُسَام الماسِح الحُسَّ ... ادَ مَسْحَا بالسَّوِيَّهْ فاستمِعْ سِيرَة اسْتِي ... يحاش نفسٍ يُوسُفيَّهْ سَرَدْتْ سِيناً ولَيْ ... سَتْ بلسانٍ فارسيَّهْ واسْقِ سمعِي من رِسالا ... تكَ كأْساً سَلْسَلِيَّهْ والْبَسِ السُّؤْددَ لا مُسْ ... حَ السُّدُوسِ السُّنْدُسِيَّهْ حرَستْ نفْسَك شمسُ الدَّ ... رْدَبِيسِ الحِنْدسِيَّهْ وأسير سجاياه المستحسنة، أرسل الحسناء مستجلاةً في الألسنة. فاستشرها في الاستجلاء، واستقبلها بالاستحلاء. ولست أسأله سوى رسالته، يستغفر لشسوعه مواساته. وحسبنا السلام، وسلامه على رسوله سيد الإسلام. وقد سلك فيها مسلك الخطيب الحصكفي، في رسالته التي كتب بها إلى القاضي أبي علي سعيد بن أحمد بن الحسن بن إسماعيل: بسم السميع الساتر أسأل ممسك السماء، ومرسل السماء، الحسن الأسماء، حراسة مجلس سيدنا الرئيس، السيد النفيس. فنفسي سكرى بسلاف الأسى، متماسكة لشسوعه بسوف وعسى. تمارس أسفاً يسقم، وتستنجد سلواً يسلم. أسيرة سجون الوساوس، كسيرة مناسر الدهارس. السهد سميري، والدم سجيري. والسعير مسندي ووسادي، والتحسر مجسدي وجسادي. أسهر سهر السليم، وأتنفس استرواحاً بالنسيم. إمسائي سواء والسحرة، وسيان يساري والعسرة. وأقسم بسيبه الواسع، وسناء حسبه الساطع. وسموق سؤدده الباسق، وسبوغ إحسانه السابق. للاستسعاد بأسارير وسامته سولي، والطرس لمستولي السهر والسقم رسولي. إنساني مسلوب السنة، ولساني أخرس الألسنة. أستوحش بمؤانسة الجليس، وأستوجم بمجالسة الأنيس. يسامرني فأستثقله، ويسارني فأستوبله. أسمع وأسكت فيستريب بسمعي سائلا، وأسبل سبكاً يسفح سائلا، تحسب سجله للسحاب مساجلا. وحسبي بمساترة الحساد، ومساورة الآساد، يتوسلون بأسباب الفساد، ويسعون لطمس سبل السداد. سقياً لساعاتٍ بالمسرة سلفت، وبسعودها شموس النحوس كسفت. ساعفت بالمحاسن غروسها، وسرت فساء دروسها: عسى سامِكُ السَّبْع سبحانه ... يُسهِّل أُنْساً يسرُّ النُّفوسَا ويُسْقَى الحسودُ بإسْعادِنا ... كؤوسَ سمامِ أسىً ليس يُوسَى ويسْرِي نَسِيمٌ يُسَرِّي السَّمُومَ ... ويبْسَم سِنٌ يُنَسِّي العُبوسَا ويُؤنسني بسطورِ الرئيسِ ... سعيدٍ لتُمْسِي لسِرِّي غُروسَا سطورٌ حَنادِسُها كالشموسِ ... تُسْفِرُ حُسْناً وتُسْمَى طُروسَا ويسكُت حُسْنُ أبي سالمٍ ... لنرمسه ونحس التيوسَا فلستُ لسالفِ إحْسانِه ... بناسٍ ولستُ لبُوْسٍ بَؤُوسَا ومن مقطعاته قوله، فيمن اسمه حسين: لك يا أوْحدَ المحاسنِ طَرْفٌ ... أسدُ الْغابِ من سَطاه جبانُ كيفَ لم يخْشَ طَعْنةً منه نَجْلاَ ... ءَ وأنت الحسينُ وهْو سِنانُ سنان هو سنان بن الأشتر النخعي، وهو الذي طعن الحسين حتى أرداه، ثم احتز رأسه لشمر بن ذي الجوشن، لعنهما الله تعالى. فالتورية في سنان من مبتكراته النادرة. وقوله، وهو من الغايات:

стр. 460

كلَّ يوم يزيد عَذْلُ اللَّواحِي ... لك يا مَن به الفؤادُ عَمِيدُ فأطِعْني بالوصلِ إنِّي مُحِبٌّ ... واعْصِه يا حُسَينُ فهْو يَزِيدُ وقوله، وهو من نكته البديعة: دُكَّ شِمْراً في سُوءِ عَذْلِ اللَّواحِي ... بالتجلِّي للصَّبِّ لا جئتَ أمْرَا واخْشَه يا حسينُ إن رخَّموه ... واجتنِبْه فقد غَدا لك شِمْرَا فإن شمر هو ترخيم شمراخ، وقد تقدم أن شمر هو الذي احتز رأس الحسين. وقوله، وهو السحر السامري، والبرد السابري: خلَّدْتني في نارِ هجرِك لي ... يا مالكاً لم ألْقَ رِضْوانَهْ وسكَنْتَ قلي يا حسينُ فلِمْ ... يشكُو العذابَ وأنتَ رَيْحانَهْ عن ابن عمر، أن النبي ﷺ ، قال: إن " الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا ". وعن مجاهد بن جبر صاحب ابن عباس، قال: مر النبي ﷺ ، بحائطٍ من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : " إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ". ثم قال: " كان أحدهما لا يستنزه من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة ". ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل منهما كسرة. فقيل له: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: " لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا " أو " أن ييبسا " أو " إلى أن ييبسا " انتهى. وقد تأسى بفعل النبي ﷺ بريدة الصحابي فأمر بوضع الجريدة على قبره، وهو أولى أن يتأسى به. وأنكره الخطابي، وغيره. وقال: إنما هو ببركة يده ﷺ ، أو لأمرٍ مغيب، علل في قوله: " ليعذبان " إلخ. ولا يلزم من كوننا لا نعلم تعذيبه، أنا لا نتسبب في أمرٍ يخفف عنه العذاب. ولم يزل الناس على وضع الريحان ونحوه من الخضر على القبور. وقد ورد هذا في الأشعار، كقول العتبي، يرثي ولده: كان رَيْحانِي فأضْحَى ... وهْو رَيْحانُ القبورِ غَرَستْه في بَساتي ... نِ البِلَى أيْدي الدهورِ ففي قوله في البتين المتقدمين: وسكنت قلبي يا حسين فلم إلخ، العقد لقوله ﷺ في الحسنين " هما ريحانتاي " الحديث، ولقوله ﷺ : " لعله أن يخفف عنهما " الحديث، والإشارة إلى ما عليه عمل الناس إلى الآن، من وضع الريحان على القبور تسبباً في تخفيف العذاب. ومعنى البيت التعجب من القلب كيف شكا العذاب، وفيه ريحانة، مع أنها توضع على قبر المعذب للتخفيف، تأسياً بفعل النبي ﷺ . ولا يخفى على ذي العرفان والذوق السليم، صحة هذا المعنى الذي يترك الحاسد الصحيح الذهن كالسليم. السيد علي بن صلاح الديلمي نسبةً إلى الإمام الناصر الديلمي، الذي دعا في الديلم، ثم خرج إلى أرض اليمن. صاحب بيت في الرياسة صميم، وفضل على المكرمات عميم. تميز من بين أكفائه بالكفاية، واحتف دون خلفائه بالحفاية. فظهر فضله الأبين، وبهر أدبه الأزين. وأشعاره لليراعة سوالٍ سوالب، وهي للصناعة جوالٍ جوالب. فمنها قوله في الغزل: صَبٌّ يُماطِل قلبَه الوَصْلاَ ... لم تسْلُ عن أهلِ الحمَى أصْلاَ ما انْهَلَّ في حَيٍ مَدامعُه ... إلاَّ ولم يجدُوا به مَحْلاَ وإذا شَدَا غنَّتْ مُطوَّقةٌ ... وتبادَرتْ لحَنِينِهِا الثَّكْلَى كم ضَلَّ يجْأر بالنِّدا كَلِفاً ... يا أهلَ سَفْح المُنْحنَى مَهْلاَ أللهَ في صبٍ أقامَ على ... نارِ الغرامِ وحَرَّها يَصْلَى ذابتْ حُشاشتُه فأرْسَلها ... مَثَلاً بصفحة خدِّه تُتْلَى وتباعَد الصبرُ الجميلُ كما ... بَعُدَ المَزارُ وقوَّض الرَّحْلاَ وخَريدةٍ لانَتْ مَعاطفُها ... وقسَتْ فؤاداً وانْثَنتْ خَجْلَى في جِيدِها هَيَفٌ وقامتُها ... رَيَّانةٌ للهِ ما أحْلَى تبدُو كما يبدُو الصباحُ إذا انْ ... جابتْ غدائرُهَا لتُسْتَجْلَى

стр. 461

فتُرِيكَ بَرْقاً من ثَنِيَّتِها ... لَمَعانُه يسْتهترُ العَقْلاَ وكلُؤْلُؤٍ أُلْقِي على صَدَفٍ ... رشحَ الجبِينُ وقدرُه أعْلَى يا سائِقَ الوَجْناء مُعْتسِفاً ... أدْركتَ من بُرَحائِك النَّبْلاَ كيف السبيلُ إلى مُواصلةٍ ... تُدْنِي الدِّيارَ وتجعُ الشَّمْلاَ بِي مثلُ ما بِك والنِّظائرُ في ... ما بينها تتعارفُ الحَمْلاَ فاحملْ أخاً قَعد الزمانُ به ... وعَدا عليه البَيْنُ واسْتولَى حتى تُبلّغه ذُرَا مَلِكٍ ... يهوى النَّوالَ ويمنحُ الجَزْلاَ ويرُوع جَيْشَ الهمِّ إن فتكَتْ ... بعُفاتِه ويسُومُها قَتْلاَ بكَرائمٍ لا يسْتقيم لها ... خَطْبُ النوائبِ قَلَّ أو جَلاَّ ومَكارمٍ تكسُو العُلَى حُلَلاً ... يبْلَى الزمانُ بها ولا تبْلَى من مَعْشرٍ سَلكُوا بسعْيهمُ ... في الصّالحاتِ طريقةً مُثْلَى ونَضَوْا لنصرِ الدِّين مُرْهَفةً ... أضْحتْ أعادِيه بها قَتْلَى حَسْبُ الليالِي أنها جَمعتْ ... بين الفَخارِ وأهلِه شَمْلاَ وأتتْ بمَلْكٍ جَلَّ عن شَبَهٍ ... مَلأَ البَسِيطةَ سيْفُه عَدْلاَ لا يَرْتضِي العَلْيَا سِواه لها ... في الأكْرَمِين جميعهم عِدْلاَ السيد محمد بن الهادي الديلمي القطابري شمس فضلٍ يضيء به الزمن البهيم، وبحر أدب تروى به العطاش الهيم. له من الفضل لب اللبان، ومن الأدب ما تصبو إليه أولو الألباب. وقد رأيت له قصيدةً على حرف العين، فقلت: عليها عين الله من العين. ثم أثبتها متنافساً فيها حسناً ولطفا، وهاهي كالخود الرداح تهتز من دلها ردفاً وعطفا. وقد كتب بها إلى الحسين المهلا. ومطلعها: عُجْ بالغَضَا ولَعْلَعِ ... ورَامة والأجْرعِ وقِفْ هناك مُعْلِناً ... بصوتِك المُرجَّعِ واسألْ أُهَيْلَ المُنْحنَى ... عن قلبيَ المُستودَعِ قلبٌ به نارُ الهوى ... والوجدُ بين أضْلُعِي مَن لامْرِىءٍ دموعُه ... في الخدِّ أيّ هُمَّعِ يبْكي اللُّوَيْلاتِ التي ... سلامُها تودُّعِي ليلاتُ وصلٍ عبَرتْ ... عُبورَ بَرْقٍ مُسرِعِ أيامَ لي ثوبُ الصِّبا ... وصَفْوُهُ تدرُّعِي سقى الحَيا زمانَه ... وعيشُنا ذاك رُعِي لَهْفِي على مواقفٍ ... مضَتْ بذاك المَرْبَعِ كنتُ بها في غفلةٍ ... ونِعْمةٍ لم تُنزَعِ وشادِنٍ جَفْوتُه ... نِبالُها لم تُدْفَعِ واصَلنِي تكرُّماً ... طبعاً لا تطبُّعِ فليت شِعْرِي مالَه ... شَطَّ على المُولَّعِ آهٍ على العيشِ الذي ... طال له توجُّعِي نُدِيرُ كاساتِ الطُّلَى ... بلفْظِ نَدْبٍ ألْمَعِي في حَيِّ حَيٍ كلُّهمْ ... كالبدر عند المَطلَعِ شموسُ علمٍ نورُهمْ ... ما زال ذا تشَعْشُعِ من آلِ طه مَعْشر ... ذوِي السُّيوفِ القُطَّعِ ليوثُ حربٍ إن دُعُوا ... لَبَّوا ببطْشِ الأنْزَعِ أكْرِمْ بهم من سادةٍ ... صدور كلِّ مَجْمَعِ وأنت يا سعدُ إذا ... نُودِيتَ يوماً فاسْمَعِ أبْلِغْ حُسَيناً مَن له ... في المجدِ خيرُ موضِعِ قاضِي القضاةِ يا لَه ... من عالمٍ وأرْوَعِ بُورِك للعالَم في ... حياتهِ والمَربَعِ فخَلِّني من غيرِه ... كم صنَمٍ مُلفَّعِ أكْرِمْ به من عَلَمٍ ... وعالِمٍ مُمَّتعِ

стр. 462

وباسِلٍ عرَفتُه ... بالكفِّ عارِي الأشْجَعِ إن صَرَف الدهرُ ولم ... يُجِرْ ولمَّا يَمْنَعِ يمَّمْتُه مُسلِّماً ... بحالةِ المُودِّعِ ومن جواب القاضي له: يا ابنَ الوَصِيِّ الأرْوعِ ... ونورَ كلِّ مَجْمَعِ نَجْلَ النبيِّ مَن له ... قال الإلهُ فاصْدَعِ ومَن غَدا بُرْهانُه ... في العلمِ أيَّ مَرْجِعِ وافَى إليَّ نَظْمُه ... كزهرِ روضٍ مُمْرعِ في جَنَّةٍ راقتْ لدَى ... فضلٍ بتلك مُولَعِ أنْهارُها كفضَّةٍ ... تجْري بتلك الأرْبُعِ ومنها: كأنما مَرَّتْ على ... سُوحِ العظيمِ الأرْوَعِ محمّدٍ مَن عِلْمُه ... في الناسِ ذُو تَنَوُّعِ وإن بَدَا في مَحْفَلٍ ... مُشَرَّفٍ مُمَنَّعِ رأيتَ بحراً زاخِراً ... أمْواجُه لم تُدْفَعِ يمْلي عُلوماً جَمَّةً ... لِمَسْمَعٍ ومُسْمَعِ يروِي الحديثَ مُسْنَداً ... وإن يُحدِّثْ يَرْفَعِ مُدبِّجاً ومُرسِلاً ... كالغيْثِ إمَّا يَهْمَعِ مُعَنْعنِاً مُعْضِلَه ... مُسَلْسِلاً لمَن يَعِي كم خبرٍ منه لنا ... غريبُه لم يرجعِ يُزِيلُ كلَّ مُنْكَرٍ ... موضوعُه لم يُسْمَعِ وهي طويلة. ومما كتبه إلى الحسين أيضاً، قوله: لئن صُرِفتْ عنِّي الهمومُ الطَّوارِقُ ... وساعَدني دهرِي وما عاق عائِقُ وأيَّدني ربُّ العباد بنصْرِه ... وتأييدِه لم أخْشَ ما قال فاسقُ وحَسْبُ الفتى أن يتَّقِي الله ربَّه ... وما غضبُ المخلوقِ إن يرضَ خالقُ فقُل للأُلى قد يحسدوني على العُلَى ... لُحِيتُم أمَا فيكم مدَى الدهرِ صادقُ تبِيتُ كأعْيان الغواني عيونكُم ... تمَلُّكمُ عند الخمُولِ النَّمارِقُ ولي مُقَلٌ سُهْرُ الجفونِ ومِفْرَشي ... سُروجُ المَذاكِي والحسامُ المُعانِقُ وسَرْدُ الدِّلاصِ الزُّعْفِ أشْرَفُ مَلْبَسٍ ... عليَّ وللنَّقْع الكَثِيفِ سُرادِقُ ولي عَزَماتٌ تسلُب الليثَ شِبْلَه ... وعزْمٌ له تعنُو الذُّرَى والشَّواهِقُ ورأيٌ إذا أعملْتُه في مُلِمَّةٍ ... يُفلُّ فِرِنْدَ السيفِ والسيفُ فالقُ سَجِيَّة آباءٍ كِرامٍ غَطارِفٍ ... إلى المجد سبَّاقٌ وإنِّي للاحِقُ نَمَتْهم إلى العَلْيا نفوسٌ كريمةٌ ... تخاف أَعادِيها وترجو الأصادقُ وما هيَ إلاَّ نعمةٌ قد تحدثَّتْ ... بها شفَتي والحرُّ بالحقِّ ناطِقُ أيا سعدُ عُجْ بالحسين الذي له ... علومٌ لها بحرٌ على الناسِ دافِقُ فتىً يُدْهِش الأبْصارَ رأْياً وحِكمةً ... وعلماً وحِلْماً فهْو للنفسِ خارِقُ ونادِ بنادِيه وقُل يا ابن ناصرٍ ... عليك سلامُ الله ما ذَرَّ شارِقُ لقد أرْعدتْ في الأرض من قبل صَبْوتِي اللّ ... ئامِ ولِلأوباشِ ثمَّ بَوَارِقُ وما صَوْلتِي لولا الإمام لقولِه ... فبُورِكَ قولاً فهْو للخير سابقُ أتتْ نحوه منك الطُّروسُ مُذكِّراً ... فَلبَّتْك منه بِيضُه والسَّوابقُ يقودهمُ مَن ليس للخَصْم مَدْخَلٌ ... عليه ولا للِقْرنِ إن ضاق مَأزَقُ فتىً شبَّ في نَصْرِ الخليفة جاهداً ... وشاب وما شاب الزمانُ الغُرانِقُ

стр. 463

وقام بأمرِ الحقِّ عن أمرِ قائمٍ ... هو العدلُ إن حار اللئيمُ المنافقُ وأنْفَذَ سُبْلاً للمساكينِ لم يزلْ ... بها مارِدٌ طاغٍ وما زال مارِقُ وجاء معي وجهٌ من الحقِّ أبْلَجٌ ... أضاءَ به الإسلامُ فالغمُّ زاهِقُ ولكنني أدْعوه دعوةَ وامقٍ ... ونَفْثةَ مَصْدورٍ به الصدرُ ضائِقُ ذَوِي البَغْيِ في الأصْفاد حرب وآخر ... له شُبُهاتٌ وهْو واللهِ سارقُ لعلَّ أميرَ المؤمنين يُحقق الّ ... ذي قلتُ أو يدْرِي لما أنا راشِقُ ومَن يعلم التَّمْليح غير خليفةٍ ... ولولاه ما في الخلقِ أرْوعُ حاذِقُ وكيف يصِحُّ الجسمُ والرأسُ مُوجَعٌ ... وكيف يُنِير العدلُ والجَوْر آنقُ إليك على بُعْدِ الديارِ نصيحةً ... لها الوُدُّ والإخلاصُ داعٍ وسابِقُ فإن نطقتْ عنِّي بحقٍ فأهلُه ... وإن كذبتْ فالمجدُ عنديَ طالقُ ويا أيها القاضِي الهِزَبْرُ وخيرَ مَن ... يُنادَى إذا ما الظلمُ للرِّفْقِ ماحِقُ سلامٌ عليكم بعد جَدِّي وآلهِ ... سلامَ امْرِىءٍ إن رُمْتَه لا يُنافِقُ تحية ذِي قلبٍ تحرَّق بالجوَى ... ولِمْ لا وقد قَلَّ الوَلِيُّ المُصادِقُ ولولاك في هذِي الرُّبَى للفيتها ... وأوحيتها ما لاح في الجوِّ بارِقُ وإخوتُك الصِّيدُ الكرامُ عليهمُ ... تحيةُ صَبٍ بالمَودَّةِ واثِقُ يقول إذا ما ضَمَّ شَمْلِي بشَمْلِكم ... فَرِيقا هوىً منا مَشُوقٌ وشائِقُ السيد محمد بن صلاح بن الهادي من سراة اليمن وأشرافه، يقطر ماء النباهة من أطرافه. له السبق في الجهاد، ونظم أعمال الجبال والوهاد وقد ولي الأعمال بأبي عريش وجازان، فزاد شرفهما بقدره وزان. وله في الأئمة بني القاسم مدائح قالها تحبباً لا تكسبا، وعمر بها مجالسهم تقرباً لا تحسبا. فحظي عندهم بأكرامٍ وإعزاز، ووضع ثوب نفاسته في يدي بزاز. وهو في الشعر ممن نشر وشياً محوكا، ونظم دراً محبوكا، ومنح ذهباً مسبوكا. وقد أثبت من عيون أشعارهذه العينية، وهي كما ترى روضةٌ تهدلت أغصانها بالثمار الجنية. وقد كتب بها إلى الناصر المهلا، ولم يبلغني منها إلا المقدار الذي كتبته: لستُ أنْسَى رقَّةَ العيشِ الذي ... زاد في الرِّقَّةِ حتى انْقطَعَا في رُبَى الشَّجْعَة كُنَّا جِيرةً ... وأخلاَّئي وأخْدانِي مَعَا جنةٌ عندي رُباهَا زُخْرِفتْ ... سِيَّما والكَرْمُ فيها أيْنَعَا وسقى اللهُ لُيَيْلاتِ الحِمَى ... وكلاه وحَماه ورَعا وصديقاً زارني من بعدِ ما ... بجَلابيبِ الظلامِ ادَّرَعَا قطعَ البَيْداءَ نحوِي مُسرِعاً ... والفَيافِي والمَوامِي قطَعَا زار كالطَّيْف اخْتلاساً ومضَى ... ثم ما سلَّم حتى ودَّعَا أوْدَع القلبَ أسىً إذْ ودَّعا ... فجميلُ الصبرِ منِّي امْتنَعَا وسعَى الحادِي به مستخْفِراً ... ليته يا قلبُ ما كان سعَى إن يكنْ لَذَّ لسَمْعِي خبرٌ ... بعد أن فارقْتكُم لا سمِعَا أو ظننْتُم أن جَفْنِي هاجِعٌ ... فلَعَمْرِي بعدكم ما هجَعَا عِيلَ صَبْرِي إذْ رحلْتُم جَزَعاً ... وفؤادِي ذاب فيكم وَلَعَا كان ينْهانِي الحيَا أن أشْتكِي ... فغرامِي لحيائِي منَعَا فاقْصِدا الناصرَ فضلاً إنه ... خيرُ بحرٍ للمَعاني جُمِعَا واسْألا لِي مَن نَداه دَعْوةً ... فهْو بَرٌّ ومُجابٌ إن دَعَا السيد يحيى بن أحمد بن صلاح بن الهادي الوشلي

стр. 464

فرعٌ من دوحة السيادة أورق وأثمر، وهلالٌ في أفق النجابة أمده النور الإلهي فأبدر وأقمر. وآباؤه صناديد ضراغم، طأطأ لهم السؤدد وهو راغم. لهم الشرف الذي أربى على كل شرف، واحتوى على أدوات المعالي من كل طرف. فكان فيهم سحبان يسحب ذيل فصاحته، وحاتماً يقيم رسم سماحته. وحسيبهم هذا كالمسند كلما كبر ساد، وكالذهب كلما سبكته السنون زاد. وله من الشعر بدائع ألطف من سلافة العصير، وروائع أشهى من ربيبات المقاصير. فمن جيده قوله، من قصيدة، أولها: حمَى النومَ بَرْقٌ جاء من جانبِ الحِمَى ... يلُوح فأبكَى العينَ لمَّا تبسَّما وحَرَّك أشْجاناً وهيَّج لَوْعةً ... وأوْدَع نِيراناً بقلبِي وأضْرمَا وذكَّرني عهْداً وما كنتُ ناسياً ... لعهدٍ مضَى بالرَّقْمَتيْن وإنَّما يُجدِّد ذِكْراً فوق ذكرٍ فأنْثنِي ... مُبِيحاً لما قد كان مني مُكتَّمَا رعَى اللهُ سُكَّانَ الحِمَى وحَماهم ... ولَذَّةَ عيْشٍ طاب فيه ومَعْلَمَا وأيامَ أُنْسٍ قد مضَتْ وليالياً ... تقضَّتْ به والضِّدُّ في عينِه عَمَى ورَوضاً أرِيضاً كم نعِمْنا بظلِّه ... وظلاً ظليلاً كان للصَّبِّ مَغْنَمَا سحَبنا به ذيْلَ المَسَّرةِ بُرْهةً ... من الدهرِ لا نَلْوِي على كاشحٍ رَمَى فللهِ من ظلٍ مَديدٍ ومَجْمَعٍ ... سعيدٍ ومن عيشٍ رغيدٍ تقدَّمَا وحَيَّى الحَيَا تلك المعاهدَ والرُّبَى ... هَنِيّاً إذا وافَى رَوِيّاً إذا هَمَى حدائقُ عَلْيا صافحتْها يدُ الصَّبا ... صَباحاً وزَارتْها الشَّمالُ مُعتَّمَا أُعلِّل قلباً بادِّكارِ مَواطنٍ ... فيزْدادُ وَجْداً بالتذكُّرِ كُلَّمَا وما بالُ قلبي خافق كُلَّما سَرَى ... نسيمٌ أمِنْه خَفْقَةً قد تعلَّمَا أقول إذا الحادِي ترنَّم شادِياً ... رُوَيْدَك قد هيَّجْتَ قلباً مُتَيَّمَا وإن جَدَّ ليلي زاد ما بِي من الجوَى ... فنومِي على الأجْفانِ إذ ذاك حُرِّمَا ولا غَرْوَ مَن يَلقى كوَجْدِي يرَى بما ... يُقاسِيه أسْقاماً ووَجْداً مخيِّمَا أحِبَّةَ قلبي هل لأيَّامنا التي ... مضتْ من إيابٍ أو تعود إلى الحِمَى وهل ذلك الروضُ الأرِيضُ وعَيْشُه الرَّ ... قيقُ كما قد كان فيما تقدَّمَا فشَوقي إلى ذاك الحمَى شوقُ صادِىٍ ... إلى الماءِ يوماً قد أضَرَّ به الظَّمَا ووجْدِي بهم وَجْدُ الحسين بنِ ناصرِ ب ... نِ عبد الحفيظ النَّدْبِ أفضل مَن سَمَا بِجَمْعِ المعالي من طَريفٍ وتالِدٍ ... نسِينا به أخبارَ من قد تقدَّمَا إذا قال لم يتْرُكْ مقالاً لقائلٍ ... فما قُسُّ في إبْداعِه إن تكلَّمَا وما ابنُ هلالٍ في مَلاحةِ خَطِّهِ ... وما ابنُ عميدٍ في البلاغة دَعْهُمَا له رتبةٌ قَعْساءُ ما قَطُّ نالَها ... سِواه ولو كان السِّما كان سُلمَا إذا زُرتَه شاهدتَ في الأُنْسِ روضةً ... وفي فضلهِ شَمْساً وفي العلمِ خِضْرِمَا لمجلسِ علمٍ لو تعدَّاه ضَيْغَمٌ ... تأدَّب إجْلالاً له وتحرَّمَا علومٌ طغَتْ أمْواجُها فتلاطَمتْ ... وصدرٌ رحِيبٌ كالخِضَمِّ إذا طَمَا منها: لقد ضلَّ مَن يبْغِي عُلاك جَهالةً ... ودون عُلاك النجمُ أقربُ مُرْتَمَى ولو بابْنِ حَيُّوسٍ دنَا منك وقتُه ... لعَاد بما تُوليه منك مُعظمَا وجاوَرَ لُقْماناً وشاهَد يُوسفاً ... وخاطَب سَحْباناً وأمَّ يَلَمْلَمَا فكم ليلِ شَكٍ قد جلَيْتَ ومَسْمَعٍ ... مَلَيْتَ وكم أوْضَحتَ ما كان مُبْهَمَا

стр. 465

وكم عُقَدٍ أحْلَلْتها وأحَلْتَها ... وكم نُوَبٍ أجْلَيْتَها مُتكرِّمَا وليس لِما أبْرمْتَ نعرفُ ناقِضاً ... ولا لمَقالٍ أنت تنقُض مُبْرِمَا السيد محمد بن أحمد بن الإمام المؤيد بن علي بن جبريل سيد بهر بحسن خلقه وخلقه، ولقد أطلق عنانه في المكارم فلم يدرك أحدٌ شأو طلقه. محاسنه سافرة القناع، ومحامده يتم بها وحدها الإقناع. ولاه المتوكل بندر المخا فأحمدت سيرته، وظهرت عن سر الكناية سريرته فأمده بالمعونة المتبينة، واستظهر له الرعاية المتعينة. فلم يزل حتى طوى من مسافة العمر المراحل، وانتهى من لجة بحر الحياة إلى الساحل. وقد أثبت له من شعره السهل الانقياد، ما استوفى الحسن جملةً فلم يبق فيه محلٌّ لازدياد. فمنه قوله: طرَبٌ يهِيجُ اليَعْمَلاتِ سَبالِ ... وجوىً بأطْباقِ الفؤاد ذَوانِي وتعَلُّلِي بَخِلتْ به رِيحُ الصَّبا ... وتصبُّرِي كَرُمتْ به أجْفانِي إن الحبيب وقد تناءتْ دارُه ... أغْرَى فُؤادَ الصبِّ بالأَحْزانِ لو زارني طَيْفُ الكَرَى مُتفضِّلاً ... بجمالِه وحديثِه لشَفانِي أو لو تفضَّل بالوِصالِ تكرُّماً ... أصبحتُ مِن قَتْلاه بالإحْسانِ يا عاذِلي دَعْنِي فلستُ بمُرْعَوٍ ... عَذْلُ العِدَى ضَرْبٌ من الهَذيَانِ من مديحها: لولا طلوعُ الشمسِ في كبدِ السَّما ... خِلْناه أشْرفَ مِن على كِيوانِ فكأنه السفَّاحُ منصورُ اللِّوَا ... جاءتْ صوارمُه على مَرْوانِ وكأنه الهادِي بنُورِ جَبِينِه ... وكأنني المَهْدِيُّ في إذْعانِي وكأن نُورَ جَبِينه من يوسُفٍ ... فأنا الرَّشِيدُ به إلى الإيمانِ يا أيها المأمونُ عند إلههِ ... والمُتْبِعُ الإحسانَ بالإحْسانِ والحاشرُ الماحِي المُؤمَّل للورَى ... تحت اللِّوَا ذُخْراً إلى الرحمنِ الجارُ والرَّحِمُ الذي أوصَى به ... ربُّ السما ودعاك بالإعْلانِ فاللهَ فيَّ أبا شَبِير وشَبَّرٍ ... كيلا أخافَ طوارقَ الحِدْثانِ محمد بن دعفان الصنعاني من آل أبي عمرو أساة القريض، وولاة الجاه العريض. وكانوا بصنعاء ممن بنوا للآداب منارها، ورفعوا نارها، وأطلعوا وردها وجلنارها. وهو من بينهم بحر النظام، وبقية الأعلام العظام. أبده من نطق ولفظ، وأنبه من نظر ولحظ. وقد وقفت له على أبيات من قصيدة، مدح بها الإمام القاسم مهنياً له بفتح صنعا. وهي هذه: هِمَمُ الخَطِير جليلةُ الأخْطارِ ... محمودةُ الإيرادِ والإِصْدارِ وتفَاضُل العَزَماتِ في أرْبابها ... يجرِي بحسَب تفاضُل الأقْدارِ والناسُ مُشتبهو الذَّواتِ وإنما ... ليس المَعادِن كلُّها بنُضارِ إنَّ اليواقيتَ الثمينة لم تكُنْ ... ممَّا تُقاسُ بسائرِ الأحْجارِ جاء ابنُ حمْزةَ في القياسِ بمُعْجِزٍ ... من جِنْسِ مُعجِزِ جَدِّه المُختارِ وأتى ابنُ بنتِ محمدٍ كمحمدٍ ... ما أشبهَ الآثار بالآثارِ كُنَّا عن المنصورِ نَرْجُو مُخْبِراً ... حتى بدَا يُغْنِي عن الأخْبارِ أحمد صفي الدين بن صالح بن أبي الرجال رأس مهرة علوم اللسان. وناسج صنعاء الحلل الحسان. توفرت آراؤه للصنائع الناجحة، واختص ميزان حسناته بالأعمال الراجحة. وله التاريخ الذي أبدع فيه وأغرب، وأطرب بحسن تعبيراته جد ما أطرب. استكمل فيه الفروع والأصول، واستوفى الأجناس برمتها والأصول. يأخذ الحق ويعطيه، ويرمي الغرض فلا يخطيه. وهو إلى ما يريد، أقرب من حبل الوريد. وله أدب دار به من رحيق البيان معتقه، وملأ الأكمام من زهر روضه مفتقه. وقد أخرجت من شعره قطعةً أنضر من الروض غصونه تعتنق، وأسحاره تتنسم وآصاله تغتبق. وهي قوله، في وصف روضة صنعاء الشهيرة: روضةٌ قد صَبا لها الصُّغْدُ شوقاً ... قد صفا ليلُها وطاب المَقِيلُ

стр. 466

جوُّها سَجْسَجٌ وفيها نسيمٌ ... كلُّ غصنٍ إلى لِقاه يميلُ صحَّ سُكَّانها جميعاً من الدا ... ءِ وجسمُ النسيم فيها عَليلُ إيهِ يا ماءَ نهرِها العذبَ صَلْصِلْ ... حبَّذا يا زُلالُ منك الصَّلِيلُ إيهِ يا وُرْقَها المُرِنَّةَ غَنِّي ... فحياةُ النفوسِ منك الهَدِيلُ رَوْضَ صنعاءَ فُقْتَ طبعاً ووصفاً ... فكثيرُ الثناءِ فيك قليلُ تِهْ على الشِّعْبِ شِعْبِ بَوَّانَ وافْخَرْ ... فعلَى ما تقولُ قام الدليلُ نهرٌ دافِقٌ وجَوُّ فَتِيقٌ ... زهرٌ فائقٌ وظِلٌّ ظليلُ وثِمارٌ قِطافُها دانِياتٌ ... يجْتنيها قصيرُنا والطويلُ لستُ أنْسَى ارْتعاشَ شُحْرورِ غُصْنٍ ... طَرَباً والقَضِيبُ منه يميلُ وعلى رأسِ دَوْحِه خاطَب الوُرْ ... قَ ودَمْعُ الغصونِ طَلاً يسيلُ ولسانُ الرُّعودِ تهْتِفُ بالسُّحْ ... ب فكأن الخفيفَ منها الثقيلُ وفَمُ السحبِ باسمٌ عن بُروقٍ ... مستطيرٌ شُعاعُها مستطيلُ وزهورُ الرُّبَى تعَجَّبُ مِن ذَا ... شاخِصاً طَرْفُها المَلِيحُ الجميلُ فانْبَرتْ قُضْبُها تَراقَصُ تِيهاً ... كخليلٍ سقاه خمراً خليلُ وعلى الجوِّ مِطْرَفُ الغَيْم ضافٍ ... وعلى الشَّطِّ بُرْجُ أُنْسٍ أَهِيلُ فيه لي رُفْقةٌ رِقاقُ الْحَواشِي ... كاد لِينُ الطِّباع منهم يسيلُ وهمُ في العلى أشدُّ من النَّبْ ... عِ إذا حَلَّ في الخُطوبِ الجليلُ أرْيَحِيُّون لو تسومُهم النَّ ... فْسُ لجادُوا فليس فيهم بخيلُ نَتهادَى من العلومِ كؤوساً ... طَيِّباتٍ مِزاجُها زَنْجبيلُ وغوانٍ من المَعانِي كِعابٍ ... ريقُها عند رَشْفِه سَلْسبيلُ طاب لي رَأْدُها وطاب ضُحاها ... كيف أسحارُها وكيف الأصيلُ ولما اطلع عليها القفاضي محمد بن إبراهيم السحولي، عارضها بقوله: لا زال وجهُ الجمالِ الجميلُ ... ولها منه غُرَّةٌ وحُجولُ وعليها من المَلاحة سِرْبا ... لٌ طِوالٌ أرْدانُه والذُّيولُ وخَلاخيلُ بهجةٍ وسُلُوسٌ ... وتَقاصِيرُ نَضْرةٍ وفُلولُ والذي أبرزَتْ من الحسنِ معلو ... مٌ ولكنْ أضْعافُه المجهولُ ولهذي الدعوَى براهينُ قد ... حُرِّر منها المَعقولُ والمنقول غيرَ أن المَجالَ يُسْتحسَن الإجْ ... مالُ فيه ويسمُجُ التفصيلُ جنَّةُ الأرْبعِ الجِنان الذي دَا ... نَ بتفْضيلِها عليها الرسولُ ومتى احْتاجتِ الغزالةُ في رَأْ ... دِ الضحى أن يُقام فيها الدليلُ ولِموضوعِ حُسْنِها في الحواشِي ... مُلحقَاتٌ بدائعٌ وفُصولُ كالرياضِ الغَنَّا إذا طاب فيها ... ليلُها والضحى وطاب المَقيلُ وبكى الغيمُ في رُباها فأضحى ... ضاحكاً منه ثغرُه المعسولُ وتغنَّى الهَزارُ في الوَرَقِ الأخْ ... ضرِ واصْفَرَّ كالنُّضارِ الأصيلُ وأتى مُرْسَلُ النسيمِ إلى الغُصْ ... نِ فيُوحِي إليه كيف يميلُ حبَّذا حبَّذا مُروج أحاطتْ ... ببرُوجٍ فيها البدورُ نُزولُ كجِنانِ الفِرْدَوْسِ ألوانُ ولْدا ... نٍ من النَّبْتِ في رُباهَا تجُولُ فَلِرَيْحانِها سرورٌ وقد را ... ق بلالاً خَدٌّ له مَبْلولُ وإذا اهتزَّ الغصنُ وانْتثرَ الطَّ ... لُّ بمَرْجانِه تبسَّم لُولُو

стр. 467

وإذا ما النسيمُ دبَّ على الما ... ءِ تَعاطاه جوهرٌ وقبولُ حَبَّذا نهرُها الذي المِسْكُ والكا ... فورُ والشُّهدُ فيه والزَّنْجبيلُ ما نَقِيبٌ ودِجْلةٌ والمُعلَّى ... وفُراتٌ ونِيلُ مصرَ المُنيلُ في البساتين كالثَّعابين تَنْسا ... بُ رأيتَ الحِبابَ كيف تسيلُ أو كما هُزَّ للمِصاعِ يَفاعٌ ... صَحْصَحانُ الأطرافِ سيفٌ صَقيلُ إن تُصلْصل حُماتُه حكم القا ... ضِي فمِن عادة السيوفِ الصَّلِيلُ كل ما مرَّ فهْو حالٍ ولكنْ ... لا تقُل فيه كلُّ حالٍ يحُولُ كم خلافٍ عنه له ثمراتٌ ... قد حَواها جميعَها المَحصولُ القاضي حسن بن العفيف الحضرمي شاعر تلك الخطة، وأديبها الذي أقدار أدبائها عنه منحطة. له شهرةٌ في تأليف الدراري بأسلاكها، كشهرة الكواكب طالعةً في أفلاكها. وقد رأيت له قصيدة فتعلقت بها وتمسكت، وتأرجت بروائحها العبقة وتمسكت. وها هي كالغانية، ضمخت بالغالية. فخذها مباركاً لك فيها، ومتع الفكر في ظاهرها وخافيها. وكان مدح بها المتوكل إسماعيل، وأولها: هو الرَّبْعُ سَلْه أو فقِفْ لي أسائِلُهْ ... أنُزَّالُه نُزَّالُه أم نَزائلُهْ فإنَّ هُدُوَّ القلبِ يُؤْذِن أنَّما ... به غيرُهم والدمعُ أشْكل سائلُهْ أرى القلبَ أهْدَى لي الصوابَ وربَّما ... غدا وهْو ذُو علم بما الطَّرْفُ جاهلُهْ فيا رَبْعُ نَبِّئْنَا أنُزَّالُك الأُلَى ... عَهِدنا فإنَّ الحقَّ ما أنتَ قائلُهْ فقال أجَلْ مَن قد عَهِدنا وذا الحِمَى الْ ... مسَمَّى وذاك المنْحَنَى وخَمائلُهْ وتلك لُبَينَى حيث تُقضى لُبانةُ الْ ... مُحِبِّ وحال الصَّبِّ تهْدا بَلابِلُهْ فقلتُ سُقِيتَ الغَيْثَ لم أجهلِ الذي ... علمتَ ولكنْ لاق عندي تجاهُلُهْ وليلٍ كتَأْميلِ المَشيبِ أرِقْتُه ... لهم ثم ليلُ الهَمِّ سار يُطاوِلُهْ كأنَّ به جَفْني لجَفْنِيَ عاشِقٌ ... وطَرْفِي رَقيبٌ حارسٌ لا يُواصِلُهْ إذا ما سَها وَقْتاً كَلاَ وكذا وَشَى ... من الدَّمْعِ نَمَّامٌ على السهوِ عادِلُهْ لِيَ اللهُ من ثاوٍ بجِسمٍ وطَيُّه ... طعِينُ فؤادٍ راحلُ الفكرِ قافِلهْ أُفكِّر أيَّ البِيد بالقُودِ أرْتَمِي ... إلى منزلٍ بالغُبْرِ طابتْ منازلُهْ وأيَّ خِضَمٍ بالسَّفِين أخوضُه ... إلى مثلهِ جُوداً تطامَتْ جداولُهْ وعاذلةٍ بين الجوانِح راعَها ... مُحاولُ حالٍ في عَنا مَن يُحاوِلُهْ تقول على مَ ذا التَّرامِي على النَّوَى ... ومُرِّ النوَى والرزقُ فاللهُ كافِلُهْ أقولُ لها قولَ امْرِىءٍ لم يَطِبْ له ... على دَعَةٍ من طَيَّبِ العيشِ خامِلُهْ ذَرِيني على أخلاقيَ الصمد التي ... هي الوَفْرُ أو شَرْبٌ تَرِنُّ ثَواكِلُهْ فلم أرَ عُذْراً للكريمِ بدون ما ... ينالُ الفتى أو بازْدِيادٍ يُزاوِلُهْ سأسْرِي كما يسْرِي الهلالُ بأُفْقهِ ... هو الحَظُّ إما مَحْقُه أو تكامُلُهْ وحقَّقَ نَيْلِي للمُنَى ووَسيلتي ... دعاءُ أميرِ المؤمنين ونائلُهْ فلا فضل إلا دون فضلِ ابن قاسمٍ ... ولا بَذْلَ إلاَّ دون ما هو باذلُهْ إذا قيل إسماعيلُ أبلغ جُنْدُه الْ ... هدى عُدَّةً والوصلُ طالتْ أناملُهْ إمامٌ وعاءُ الدهرِ يطْفحُ مُتْرَعاً ... به وكذا طابتْ قديماً أوائلُهْ

стр. 468

فضائلُه ضاق الزمانُ بكُنْهِها ... وفاضتْ على طُرْقِ الزمانِ فواضلُهْ إذا ما دعانا الخَطْبُ لُذْنَا بيُمْنِه ... فتُجْلَى به في الحال عنَّا جلائلُهْ وإن جال فرسانُ العلومِ فإنه ... يُحاذِرُ منه فارسَ القوم راجلُهْ فعمَّا تسائلُه فإنك سائلٌ ... لحَيْدَرة في علمِه إذْ تُسائلٌهْ تأمَّلْ إذا أمْلَى دقائقَ فِكْرِه ... وما ضُمِّنْته كُتْبه ورسائلُهْ فمسألةٌ كالشمسِ يزْهو ضَوْءُها ... كبدرٍ وكالزُّهْرِ النجومِ دَلائلُهْ أقول مَقالاً قيل قثبلي وإنَّما ... إلى خيرِها من شرِّها أنا ناقِلُهْ جَوادٌ يُنِيلُ الحمدَ جَذْلانَ باسماً ... ويزْدادُ بشراً كلَّما ازْداد آمِلُهْ علامةُ جودِ المرءِ بالطَّبْعِ بِشْرُهُ ... كجودِ الحَيا لَمْعُ البروقِ مَخائلُهْ أجلْتُ افْتكارِي في الكرامِ فما بهم ... سِواه كريمٌ كاملُ الجودِ شاملُهْ وكاملُ جودٍ جودُه غيرُ شاملٍ ... وشاملُه لكنّ ما هو شاملُهْ فلَّله بَرٌّ بَسْطةُ البحرِ كفُّه ... سَماحاً وبحرٌ ساحةُ البِرِّ ساحِلُهْ بلغْتَ بأُفْقِ الجودِ أفضلَ رُتْبةٍ ... فقِف ثم لا أعْلَى لما أنتَ طائلُهْ كأنك في الدنيا بجِسْمِك كائنٌ ... وبالزُّهْد فينا بائنُ القلبِ آفلُهْ تأملَّتَ إنِّي تارِكٌ فيكمُ وما ... يُضاهِيه عن خير الورَى ويُشاكِلُهْ فأنتَ به المقصودُ في العصر والذي ... يحُثُّ عليه في اتِّباعك حاصلُهْ كَلاكَ ووَالاك امْرُؤٌ فاز ناجِياً ... وعنك تولى مَن أُتِيحتْ مَقاتلُهْ وخُذْ شُكْرَ إحسانٍ تُوالِيه دائماً ... عليَّ ومَن لي أنَّ شُكْرِي مُقابِلُهْ فكم كُربةٍ فرَّجتَ عني وشِدَّةٍ ... كشفْتَ وحالِي ماحِلُ الحالِ حائلُهْ وقمتَ بنصْرِي والزمانُ مُحاربِي ... وأهْوِنْ به خَصْماً إذا أنت خاذِلُهْ أذُمُّ كشُكْرِيك الزمانَ وأهْلَه ... فساء وساءُوا فالقليلُ أَماثِلُهْ أسافِلُه فيه الأَعالي وشَرُّ ما ... لَقِيتَ زماناً والأعالِي أسافلُهْ إذا شئتُ رَفْعِي شاء خَفْضِي فدائماً ... يُماطِلني عمَّا أشَا وأُماطِلُهْ فيا ليت شِعْري والعجائبُ جَمَّةٌ ... لأَيَّةِ معنىً غاض في الدهرِ فاضلُهْ دَعِيّ كدُبٍ خُصَّ بالخَفْضِ عَيْشُه ... ونَدْب أدِيب أبْرَضَتْه مَآكلُهْ لَحَى اللهُ دهراً باقِلٌ فيه قُسُّهُ ... وقُبْحاً له إذ قُسُّه فيه باقِلُهْ وما قلتُ هذا جازِعاً من صُروفِه ... ولكنْ ليدْري منه ما هو غافِلُهْ ويعلم أنِّي بالإمام مُظفَّرٌ ... وإن ظافَرتْه من بَنِيه أراذِلُهْ تباركْتَ مَوْلىً لم يخبْ منك سائلٌ ... عظيماً ولم تعْظُم عليك مَسائلُهْ وحَسْبُ امْرِىءٍ وَافاك رأيُك في النَّدى ... وأن صِفاتِ الجُودِ فيك وسَائلُهْ وصلّى عليك اللهُ بعد نَبِيِّه ... وعِتْرتِه ما المُزْنُ أسْبَل وابِلُهْ مطهر بن علي الضمدي اسمه مطهر ومسماه طاهر، وفضله وادبه كلاهما زاهٍ وزاهر. وهو في العلم مشارٌ إليه، وفي حل المشكلات معول عليه. لم يدع فناً إلا أهداه، ولا معنىً مغلقاً إلا أبداه. وتفسيره الفرات النمير، في تفسير الكتاب المنير مفخر ذلك القطر إحساناً زائداً، وأجل أثرٍ لم يمنع من تلقي الفوائد النوادر رائداً.

стр. 469

كما قال في آخره: فدونك ما حوى من أصداف التفاسير لآليها، وأنار من مشكلات الأقاويل لياليها. ولن يسعد بحل رموزه، ويظفر بكشف كنوزه. إلا من برز في علم البيان، وأشير إليه في معرفه صحيح الآثار بالبنان، وراض نفسه على وفاق مقاصد السنة والقرآن. هذا، ومع لطافة جسمه فكم حوى من لطائف، ومع حداثة سنه فكم حدث بظرائف، ومع رشاقة قده كم رشق من مخالف. وكم مشكلٍ أوضحه قد أغفله الأولون، وكأيٍ من آية يمرون عليها وهم عنها معرضون. قلت: وقد حظي هذا التفسير في اليمن بالقبول، ومدحه كثيرٌ من علمائه بالمدائح السائرة مسرى الصبا والقبول. فمن جملة من مدحه السيد صلاح الدين بن أحمد بن المهدي المؤيدي، حيث قال: هذا الفُراتُ فَرِدْ مَشارِعَ مائِه ... تجِدِ الشرائعَ أُودِعتْ في بَحْرِهِ كَشَّافُ كلِّ غَوامضٍ ببيَانِها ... أسرارُ مُنْزَلِ ربِّنا في سِرِّهِ لا عيبَ فيه سوى وَجازةِ لَفْظِه ... مع أنه جَمع الكمالَ بأسْرِهِ حبسَ المعاني الرَّائقاتِ برَقِّهِ ... والحقَّ أطْلَق والضلالُ بأسْرِهِ وله نظم ونثر شهيران. فمن نظمه قوله: مَن شافعِي نحوكم يُحنِّفكُمْ ... إليَّ يا مالكِي فأحْمَدُهُ زَيَّدتني حين صِرْتَ مُعْتزِلِي ... وَجْداً كَحَرِّ الجحيمِ أبْرَدُهُ يا رافضِي أنت ناصبِي لهوىً ... ما كنتُ قبل الفِراقِ أعْهَدُهْ وقوله: تظنُّونِيَ مُرْتاحَا ... ومَن أيْن ليَ الرَّاحَهْ إذِ الراحةُ في الكيسِ ... وليس الكيسُ في الرَّاحَهْ وله: تزوَّجْ هُدِيتَ تِهاميَّةً ... ترُوقك في المِئْزرِ المِطْرَفِ ودَعْ عنك بيضاءَ نَجْديَّةً ... ولو برَزتْ في بَها يُوسُفِ عليها قميصٌ وسِرْوالةٌ ... وليستْ تَرِقُّ لمُسْتعطِفِ فأجابه السيد صلاح المؤيدي بقوله: أردتَ بها الذمَّ فَالْبَسْتَها ... سَرابِيلَ مَدحٍ لا تختفِي نعم هكذا شِيمةُ المُحْصَناتِ ... إذا شئْتَ تمدحُ مَدْحاً وَفِي قَساً في القلوبِ ولِينُ القُدودِ ... وخَدٌّ نَقِيٌّ وصوتٌ خَفِي وإن رام منها الْوَفا طارقٌ ... فليستْ ترِقُّ لِمُستعطِفِ حسن بن علي المرزوقي أديبٌ تعاطى الشعر جل بضاعته، وتوشية حلل الطروس معظم صناعته. مع رقة طبعٍ تحسدها القدود الرشاق، وعلاقة صبابة تتفانى عليها نفوس العشاق. وقد أوردت له قطعةً كلها غرر، ينقدح فيها من وجده الذي سكن لبه شرر. وهي قوله: تألَّق من نحو الكَثِيبِ ووَهْدِهِ ... برِيقٌ تَلاَلاَ في حَمائلِ بُرْدِهِ تَراءَى لِعَيْنٍ قد تقرَّحَ جَفْنُها ... وعُوِّض عن طِيب المَنام بسُهْدِهِ فهيَّج وَجْداً مُضْمَراً في سَرائرِي ... وأبْدَى مَصُوناً ما استطعتُ لِرَدِّهِ فبِت كئيباً وَالِهَ القلبِ شَيِّقاً ... بِيَمِّ غرامٍ بين جَزْرٍ ومَدِّهِ وما افْترَّ إلاَّ جاد بالدَّمْعِ ناظرِي ... وأذْكَر ماءً بالعُذَيْب ووِرْدِهِ ومَسْرَحَ غِزْلانٍ يرُحْنَ عَشِيَّةً ... بذاتِ اللِّوَى والأبْرَقَيْنِ وثَمْدِهِ ومَيَّادَ غُصْنٍ مُذ تثنَّى بعِطْفِه ... لَوَى عَقْرَبَيْ صُدْغَيْه خَفَّاقُ بَنْدِهِ كثيرُ التجنِّي والتَّجاوُزِ ظالمٌ ... جنَى سيفُ لَحْظٍ منه وهْو بغِمْدِهِ له حَدَقٌ صَحَّتْ بسُقْمِ جُفونِها ... ومِن عَجَبٍ تقْويمُ شيءٍ بضِدِّهِ وإنِّي إذا ما جَنَّ لَيلِي تخالُنِي ... أحِنُّ حَنينَ الثَّاكلاتِ لفَقْدِهِ ويُطربني صَدْحُ الحَمامِ بأيْكةٍ ... إذا صاح قُمْرِيُّ البَشامِ بِرَدِّهِ ورَنَّةُ شُحْرُورٍ يُرَدِّدُ شَدْوَهُ ... بِغُنَّةِ إدْغامٍ ولينٍ بِمدِّهِ

стр. 470

وترْجِيعُ صوتِ العَنْدَلِيب كأنه ... غدا رَاهباً فيه زعيماً بورْدِهِ وإن شُقَّ نَحْرُ الفجرِ ناحتْ حَمائمٌ ... تُسبِّح للهِ القديم بحمْدِهِ وإنِّي على وُدِّي مُقِيمٌ على الوفَا ... وما مِلْتُ بل باقٍ على حِفْظِ وُدِّهِ كأنِّي وما أرجُو كُثَيِّرُ عَزَّةٍ ... إذا حرْتُ أو بِشْرُ العَمِيد بهنْدِهِ ألا في سبيلِ اللهِ دهرٌ قضَيْتُه ... على ظَمَإٍ لم يَرْوِه ماءُ صَدِّهِ أبِيتُ على جَمْرِ الغَضا مُتقلِّباً ... وفي طَيِّ أحْشائِي تَلُظُّ بوَقْدِهِ محمد بن محمد العشبي شاعرٌ له قطع مستجادة، مسبوكةٌ في قالب الإجادة. أثبت منها ما تقل مؤونته، وتكثر لأديبٍ معونته. فمن ذلك قوله: سألتُ ذات الحُسْن لَمَّا رَنَتْ ... بمُقْلةٍ ساحرةٍ فاتنهْ عن الأحاديثِ وعن إسْمِها ... وهْي بوَكْرٍ للبَها صائنَهْ قالتْ خَفِ الرحمنَ يا سيِّدِي ... الطيرُ في أوْكارِها آمِنَهْ وقوله في مليحة اسمها كوكب: بدت كوكبٌ مثلَ بدرِ الدجى ... لِصَبٍ هوَى قلبُه واسْتعاذَا فأنْكَر شمسَ الضحى في الهوى ... فلمَّا رأى كوكباً قال هذَا وقوله: يا سائلِي عن وَصْفِ مَن ... مالتْ كغُصْنِ الْبانِ مَيْلاَ بالبدرِ هندٌ تُوِّجَتْ ... وتَبرْقَعتْ بالشَّعْرِ لَيْلَى وقوله: وقفْنا بالغَضاءِ فكلُّ قلبٍ ... مُصَلٍ في جوانحهِ مُعَنَّى وهِمْنا بالعَقِيق بكلِّ وَادٍ ... ونُحْنَا في حِمَى لَيْلَى ولُبْنَى وقوله: وأغْيَدٍ من تَعِزٍ بِتُّ أسألُه ... من أي حافاتِ سِرْبِ الخُرَّدِ الغِيدِ أجاب مِن حافةِ الهَزَّازِ قامته ... لكنَّ أعْيُنَه من حافةِ السُّودِ وقوله: ويُوسُفِيِّ جمالٍ زار عارضَه ... مُوسى فأصبح منه العبدُ مَأنُوسَا تفَرْعنَتْ في كَلِيم مُقْلةٌ سحَرتْ ... لعَقْرَبِ الصُّدْغِ حتى حَلَّه مُوسى وقوله: وقالوا اعْتمِدْ لك مُسْهِلاً ... إن كان داؤُك يعسُرُ فأجبْتهم في خَدِّ مَن ... أهْوَى دوائي يظهَرُ إهْلِيلَجٌ من خالِه ... ومن الثَّنايَا كَوْثَرُ أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الجابري الشحري أديب باهر، وأريب ماهر. له نظمٌ كما رق السحر، وعبق أريج الشحر ونثرٌ كما رق السحر، وصافح النسيم الشجر. وهو في النظم مقطع غير مقصد، فلله دره من مقتصر على الحسن مقتصد. وقد أثبت له ما يروق في المسامع، وتعجز عن إدراك مثله المطامع. فمنه قوله في التوجيه: قد تعشَّقْتُ غَزالاً ... فيه لي قولٌ ومَذْهَبْ طال مِنْهاجُ غرامِي ... في هوَى الظَّبْيِ المُهَذَّبْ وهو كقول التقي السروجي: تفقَّهتُ في عِشْقِي لمَن قد هَوَيْتُه ... ولي فيه بالتحرير قولٌ ومَذْهَبُ وللعينِ تنْبيهٌ به طال شَرْحُه ... وللقلبِ منه صِدُقُ وُدٍ مُهذَّبُ ومثله قول بعضهم: الروضُ والبهجةُ يا سيِّدِي ... في الخدِّ مجموعٌ له حَاوِي وقد غَوَى سالكُ مِنْهاجِه ... فامْنُنْ بِإرْشادك للْغاوِي وله: كتبْتُ على الخدودِ لفَرْطِ شَوْقي ... سُطوراً من دموعٍ مُستهِلَّهْ فلا تعجبْ لخَطٍ فاقَ حُسْناً ... وحقِّك إنَّه خَطُّ ابنُ مُقْلَهْ وله: ما هَبَّ نَشْرُ صَباً لنَحْوِي منهمُ ... إلاَّ وأحْيَى المُسْتهامَ عَلِيلُهُ فالقلبُ مصر وهْو منزلُ يوسفٍ ... والحسنُ رَوْضتُه ودَمعِي نِيلُهُ وله: شادِنٌ جار واقْتَدَرْ ... ورمَى القلبَ في الكَدَرْ دَرَّ دمعِي فليْتَه ... جاد بالوصلِ وَقْتَ دَرّ وله: زارني البدرُ لَيْلَةً ... وحَبانِي بكلِّ مَا

стр. 471

وبجسمٍ أباح لي ... مثلَ خَزٍ وأنْعَمَا وله: بروحِيَ بدرٌ في المَحاسِنِ مُفْرَدٌ ... إذا ما تثَنَّى للغصونِ قد انْتَمَى أدادَ بِخَدٍ إذ أتانيَ زائراً ... له مثل روضٍ في النَّعِيم وأنْعَمَا استعمل النعومة في وصف الروض، المفضل عليها نعومة الخد، وفيها خدش. وله مضمناً: فدَيْتُ من المِلاح غزالَ إنْسٍ ... له قَدٌّ تثنَّى كالرَّداحِ وخَدٌّ رائقٌ يزْهُو كوردٍ ... وثَغْرٌ زانَه حُسْنُ الأَقاحِ وإن فَخَر النهارُ بضوءِ صُبْحٍ ... فإنِّي بالثَّلاثةِ ذُو انْشِراحِ جَبِينٌ والمُقلد والثَّنايا ... صَباحٌ في صَباحٍ في صَباحِ وله: ومليحٍ بمُقْلتيْه سَبانِي ... وسَبا الشمسَ إذْ بدَتْ بمُحَيَّا غُلِب القلبُ في هوىَ ناظِريْه ... وضَعِيفان يغلبان قَوِيَّا وهو من قول ابن نباتة: ومليحٍ قد أخْجَل الغُصْنَ والبَدْ ... رَ قَواماً رَطْباً ووَجْهاً جَلِيَّا غُلِب الصبرُ في لِقَا ناظِرَيْهِ ... وضعيفان يغلِبان قَوِيَّا وله: رئمٌ رمانِي من ظباءِ الفَلا ... بسَهْمِ لَحْظٍ قد أتى مُرْسَلاَ فالشمسُ تروِي عنْ سَنَا وجهِه ... عن نورِه عَ، خدِّه المُجْتلَى وقد روى مَكْحولُ عن طَرْفِه ... لكنَّ ضَعْفَ الجَفْنِ قد أعْضَلاَ وله: بأبي أفْدِي غزالاً ... لم يزلْ باللَّحْظِ قاتلْ أزْهَرِيُّ اللَّونِ يروِي ... سيفَ لَحْظٍ عن مُقاتِلْ وله: لو لم يكنْ من بابلٍ لَحْظُهُ ... ما هَيَّمَ الصَّبَّ ولا بَلْبَلاَ أو لم يكنْ كالبدرِ في طَلْعةٍ ... ما كان ذا القلبُ له مَنْزِلاَ وله: بي ساحرُ الألحاظِ أطْلَق مَدْمَعِي ... والقلبُ منه مُقَيَّدٌ في حَبْسِهِ لا غَرْوَ أن همَلتْ عيوني إذْ رَنَا ... فلِكُلِّ شيءٍ آفةٌ من جِنْسِهِ الأصل فيه قول القاضي أمين الدين الطرابلسي: إنْ كان شَرْعُ هواكَ أطْلَقَ مَدْمَعِي ... فوكيلُ شَوْقِي عاجزٌ عن حَبْسِهِ أو كان منك الطَّرْفُ أسْهَرَ ناظِرِي ... فلكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ من جِنْسِهِ وللنواجي: ظَبْيٌ إذا لَمَحَ الغزالَ بطَرْفهِ ... فالرأيُ أن ينْجُو الغزالُ بنَفْسِهِ وتُقِلُّ بِيضَ الهندِ سودُ عُيونِه ... ولكلِّ شيءٍ آفةٌ من جِنْسِهِ وله: وبرُوحِي مُهَفْهَفُ القَدِّ ألْمَى ... ليت بالوَصْلِ للكئيبِ أعَانَا قد خَفِي الصَّدْرُ منه نهداً ولكن ... مُذْ تَبدَّى وماسَ بالقَدِّ بَانَا وله: برُوحِي رَشِيقٌ له قامةٌ ... يميلُ بها الريحُ من لُطْفِهِ فلولا جَوارِحُ ألْحاظِه ... لَغَنَّى الحمامُ على عِطْفِهِ وله في معناه: أفْدِيه من رَشَأٍ في حُسْنِ طَلْعتِه ... كأنه البدرُ يَسْرِي في غَمامتِهِ لولا جَوارِحُ ألْحاظٍ له صدَحتْ ... وُرْقُ الحممِ على مَيَّادِ قامتِهِ وله: إن ماس حِبِّي أو بدَا خدُّه ... أظهرتُ فيه كلَّ معْنىً دقيقْ فقَدُّه لابنِ رَشِيقِ انْتمَى ... وخدُّه الزُّهْرِي رَوى عن شَقِيقْ وله: يا صاحِ إن جُزْتُ أعلامَ العَقيقِ فَرُدْ ... دموعَ عَيْنِيَ منها الماءُ ينْسكِبُ وإن مررْتَ بأرْدافِ الحبيبِ دُجىً ... قِفْ بي عليها وقلْ لي هذه الكُثُبُ وله: تبدَّى العِذارُ بخدِّ الحبيبِ ... فقُلتُ ولم أخْشَ من لائِمي أمولايَ سُدْتَ مِلاح الورَى ... فأنتَ المُسوَّدُ في العالَمِ وله: أفْدِيه غُصْناً وبدراً إن بَدا ومشَى ... حذارِ منه إذا ما ماسَ أو سَفَرَا بنُورِ شمسِ جبينٍ صاد كلَّ فتىً ... ونَمْلِ زُخْرُفِ ليلٍ هَيَّم الشُّعَرَا

стр. 472

أفْدِي حبيباً عَزِيزَ الوصلِ تيَّمني ... في كلِّ ليلِي منه موعدٌ ونَبَا بزُخْرُفِ النَّمْل صادَ القلبَ عارِضُه ... وهامتِ الشُّعَرَا في هَلْ أتى وسَبَا وله: بأبِي مليحٌ لم أزَلْ في أسْرِهِ ... مُنذ ارْتشَفْتُ سُلافةً من ثَغْرِهِ وسبَا القلوبَ بنَمْلِ عارضِ زُخْرُفٍ ... من فوقِ شَمْسِ ضُحَى الجَبِينِ وعَصْرِهِ وله: وحبَّةِ خالٍ بخَدِّ الحبيبِ ... تلُوذ بعارِضِه السَّائِلِ تفانَى الرِّجالُ على حُبِّها ... فما يحصلُون على طائلِ وله: بثَغْرِه الدُّرُ شَبِّهُهْ ووجْنته ... حَمَّالة الوَرْدِ لا حَمَّالة الحَطَبِ رَشَقْتُ رِيقَتَه فازْدَدْتُ من عَجَبٍ ... إذْ بان لي جوهرٌ قد حُفَّ بالذَّهَبِ وله: يا شادِناً ملَك الفؤادَ بطَلْعةٍ ... شاهدت منها البدرَ ليلَ تمامِ عجباً لثَغْرِك بارداً في طَعْمِه ... وله غدا من سيفِ لَحْظِك حَامِي وله: ثَغْرُ الذي أهْوى له بارِقٌ ... قد لاح للصَّادرِ والوارِدِ مُبَرَّد في الثَّغْرِ عنه روَى ... وخدُّه يروِي عن الْواقِدِي من قول ابن الوردي: ومليحٍ إذا النُّحاةُ رأَوْه ... فضَّلوه على بديع الزَّمانِ برُضابٍ عن المُبرَّد يرْوِي ... ونُهودٍ تروِي عن الرُّمَّانِي وله: وربَّ ساقٍ كبدرِ التِّمِّ طَلْعتُه ... قد ضَنَّ بالرَّاحِ لمَّا غاب مَن عَشِقَا ولا يزال عفيف الذَّيْلِ يمطُلنا ... بالرَّاحِ واللَّثْمِ حتى زارَه فسَقَا أخذه من قول الحافظ ابن حجر: وساقٍ منَع السُّقْيَا ... وقد غاب الذي عَشِقَا وما زال عفيفَ الذَّيْ ... لِ حتى زارَه فسَقَا وله: بالرُّوح منِّي مُغَنٍ ... فيه تزايدَ عِشْقِي ملكْتُه بِشراءٍ ... فصار مَالِكَ رِقِّي وله: قال لي في الدَّوْحِ حِبِّي ... وبه الأنهارُ تجرِي قُمْ بنا في الرَّوْضِ نَغْدُو ... بين رَيْحانٍ ونَسْرِي أخذه من قول الدماميني: يقول مُصاحبِي والروضُ زَاهٍ ... وقد بسَط بِساطَ زَهْرِ تعال بنا إلى الرَّوْضِ المُفدَّى ... وقُم نَسْعَى إلى وردٍ ونَسْرِي وله: يا غائبين سَرَى لنحْوِي منكمُ ... ذاك النسيمُ وذيلُه مَبْلولُ فأتى إليَّ مع الصَّباحِ بعَرْفِكمْ ... وشَفا سقامَ الصَّبِّ وهْو عليلُ أخذه من قول ابن نباتة: يُداوِي أسَى العشَّاقِ من نَحْوِ أرضِكمْ ... نسيمُ صَباً أضْحَى عليه قبُولُ برُوحِيَ ذَيَّاك النسيمُ إذا سَرَى ... طبيبٌ يُداوِي الناسَ وهْو عليلُ علي بن نشوان بن سعيد الحميري جوادٌ سبق البلغاء في ميدان البراعة، ثم جاء على رسله وقد تناول قصب اليراعة. ولي الأعمال الكبار في أيام الإمام القاسم، فافترت له الأيام ضاحكة الثغور والمباسم. وباشر حروباً كثيرة، جلت عن همم عليه ومساعٍ أثيرة. فنشر ذكراً عاطر الريا، وتبوأ منزلةً فوق النسر والثريا. وهو إذا نظم فنظمه من النمط العالي، وإذا افتخر فقد أعلى مقدار النباهة والمعالي. وقد ذكرت له ما لا يمكن لحاقه، ولو تتوج به البدر ما أدركه محاقه. فمنه قوله على لسان الإمام، ليقي خاطره على النهوض: يا مُوقِدَ النارِ البعيدةِ أجِّجِ ... واشهِرْ بِمُضْرَمِها شِعار المَخْرَجِ أشْعِلْ وَشِيكاً جَذْوَةً بِبَراقِشٍ ... ليُضِيءَ ما بينَ العِراقِ ومَنْبِجِ إن الإقامةَ قد نقضْتُ شُرُوعَها ... ونسخْتُ أوقاتَ الضلالِ السَّجْسَجِ بِشَرَائعِ التَّهْجِيرِ والتَّغْلِيسِ والْ ... إسْئادِ حينَ أقول أَدْلِجْ أَدْلِجِ والكَرِّ بين الفَيْلَقَيْنِ وصَوْلَةٍ ... تحتَ العَجَاجِ وتحتَ كلِّ مُدَجَّجِ

стр. 473

ولقد سئمتُ من المُقامِ وظِلِّهِ ... وتَتَوَّقَتْ نفسي لظهْرِ الأعْوَجِي وَلموقفٍ حِصْنِي به سُمْرُ القَنا ... وشَبا الظُّبَا وقِرَى الْحِصانِ المُسْرَجِ فأمِتْ سُؤالِي حين أُنْشِدُ مُنْشِداً ... ألْجِمْ جِيَاداً يا غُلامُ وأسْرِجِ وأرِقْتُ من طَرَبٍ إلى غَزْوِ العِدَى ... ومُسابِقيَّ إلى الصَّرِيحِ المُزْعَجِ ذهَبَ السُّلُوُّ فوَدِّعَا طِيبَ الكَرَى ... وتتبَّعا أثَرِي وسِيرَا مَنْهَجي كَلَفِي بِطِرْفٍ لاحِقِيٍ مُضْمَرٍ ... نَهْدِ المَرَاكِلِ لا بطَرْفٍ أدْعَجِ وكَتيبَةٍ مَوْصُولةٍ بكتيبَةٍ ... تَخْتالُ في حَلَقِ الحديد المُدبجِ وتطَيُّبِي بعَجاجِ نَقْعٍ ثائرٍ ... ودمٍ لأثوابِ الكَمِيِّ مُضَرِّجِ ولقد شهدتُ الخيلَ تقْرع بالْقَنا ... في حافظٍ نَجْدِ الوَغَى مُتوهِّجِ ولقد شهدتُ الليل حتى خِلْتُ ما ... أيْقَنْتُ منه كالقميص المُدْمَجِ ولقد دخلتُ على السِّباع وِجارَها ... ووَلَجتُ غَيْل ضَراغِمٍ لم تُولَجِ ولقد وردتُ أنا وواس مَورِداً ... في مَسْلَكٍ من أُمَّةٍ لم تُخْرَجِ والشمسُ في وسطِ السماءِ مُظِلَّةٌ ... والجوُّ أقْتَمُ بالعَجاجِ المُرْهَجِ وكأن رَقْراقَ السَّرابِ بِقيعةٍ ... ذَوْبُ اللُّجَيْن هَرقْتَ من مُتَبرّجِ قُوما فشُدَّا لِي على أعْلَى الثَّرى ... غَرِدَ النَّسَا صافِي الأديم مُدمَّجِ نَهْدٌ أقَبُّ الأيْطَليْن إذا غدا ... في البِيدِ خِلْتَ مَمَّر رِيحٍ سَمْهَجِ درن يجاذبُ للوُثوبِ عِنانَهُ ... طَرَباً ويصْهَل عند صوت المُسْرِجِ وكأنه سَيْلٌ إذا ناقْلتُه ... وإذا مددْتُ له فبارِقُ زُرَّجِ وقال بالجوف، يحض قبائل همدان على الجهاد مع الإمام: أرِقْتُ وما طربتُ إلى الغوانِي ... فأبكي في الرُّبوع أو المَغانِي ولا عَدَت المُدامةُ لي ببالٍ ... فأسألُ عن مُعَتَّقةِ الدِّنانِ ولا طرِبتْ إلى الأوْتارِ نفسِي ... ولا سمع المُجونِ ولا الأغانِي ولكنِّي طربتُ لصَوْتِ داعٍ ... مِنَ الِ محمدٍ شهمِ الجَنانِ إمامٌ عادلٌ بَرٌّ ذَكِيٌّ ... أمينٌ لا يقولُ بقَوْلِ مَانِي له علمٌ ومعرفةٌ ودِينٌ ... يفُوه بذكْرِه أهلُ الزمانِ الحسين بن سليمان بن داود المرهبي صاحب التجنيس البديع الجنس، الذي ضرب به إلى الجن وهو من خيار الإنس. فتبارك معطيه، ولله متعاطيه. ما أطول باعه، وأحسن طباعه. ولقد سخر له هذا النوع من الكلام كل التسخير، ولعمري إنه لم يسمع بأحسن منه في الزمنين الأول والأخير. وقد أثبت له ما لو سمعه أبو منصور، لقال: التجنيس الأنيس على هذا مقصور. أو أبو الفتح لأعرض عن جناسه الذي كثر فيه أقواله، وعد التناصل من التورط في أمثاله أقوى له. فمن قوله، وقد اتفق له أنه رفع قصته للمتوكل، يعرض فيها شوقه إلى وطنه، ويستأذن منه في الذهاب إلى أهله، فوقع له تحت قصته بيتاً فقط: إذا يسَّر اللهُ أمراً أتاكَ ... وإن حاول الناسُ إبْطالَهُ فضمن هذا البيت في قصيدة. وهي: أُذكِّرُ مولايَ ما قالَهُ ... لعبدٍ أبَثَّك أحْوالَهُ شكَى ما يُعانِيه من دهرِه ... وأحْسَن في اللهِ آمالَهُ فكان جوابُ إمامِ الهدى ... أدام له اللهُ إجْلالَهُ بخطِّ يَدٍ خُلِقتْ للعطاءِ ... تُبارِي الغمامَ وتَهْطالَهُ إذا يسَّر اللهُ أمراً أتاكَ ... وإن حاوَل الناسُ إبْطالَهُ فجدَّد قولُك أسْمالَه ... وكان جوابُك أسْمَى لَهُ

стр. 474

وأشْفَى لقلبٍ وأطْفَى لَهُ ... لمن بَاتَ يذكُر أطْفالَهُ وبَشَّرتَه ببُلوغِ المُنَى ... وسكَّنْتَ بالوعدِ بَلْبالَهُ وأصبح يخْتالُ من تِيهِه ... ويسحبُ بالفخرِ أذْيالَهُ وهَنَّاه كلُّ صديقٍ وقَا ... ل طُوبَى له ثم طُوبَى لَهُ فأمْرَك في مُخْلِصٍ مُضْمِرٍ ... من الوُدِّ فوق الذي قالَهُ يَعُدُّك ذُخْراً ويخْشَى المَعادَ ... ونَشْرَ العبادِ وأهْوالَهُ ومَن يتولَّ إمامَ الزَّمانِ ... فقد أصلَح اللهُ أعْمالَهُ ومن يَكُ في النُّصْحِ أوْفَى له ... يُسَرُّ إذا ما رأى فَالَهُ ومن يَغْدُ في الغَيْثِ أحْمَى له ... يحُطُّ من الوِزْرِ أحْمالَهُ وذلك في الدِّين أقْوَى له ... يُسدِّد رأيُك أقْوالَهُ وامَّا الذي لا يَودُّ الإمامُ ... فتَعْساً له ثم سُحْقاً لَهُ ومَن كان في الناسِ أشْكَى له ... فلا أكثر اللهُ أفعالَهُ ومن يتهَزَّا فأفْعَى لَهُ ... ولا قبِل اللهُ أشْكالَهُ بَقِيتَ إمامَ الهدى والتقى ... تمُدُّ على الدِّين سِرْبالَهُ وتشْفِي للحقِّ أوْجالَهُ ... وتُرْدِي للشِّركِ أبْطالَهُ وجازاك ربُّك عن خَلْقِه ... وهَنَّاك مولاي أفْضالَهُ وكتب إلى الحسين المهلا، بداره الواسطة في الطور من المحابشة، وأرسلها إلى السجعة: يا فاضلاً أرْبَى على أقْرانِهِ ... وسمَا بمَفْخَرِه على كِيوانِهِ ومَلِيكَ عصرٍ لا يُرامُ مَحَلُّه ... إيوانُ كسرى غار من إيوانِهِ إن فَوَّق الأعْدَا سهامَ قِسِيِّهمْ ... أصْماهُمُ بلسانِه وسِنانِهِ ومُجَلِّياً إمَّا جرى في حَلْبَةٍ ... قد فاز يومَ سِباقِه برِهانِهِ سَبَّاقُ فضلٍ لا يُشَقُّ غُبارُه ... أنَّى لِمثْلي الجَرْيُ في مَيْدانِهِ حقّاً لقد شرَّفْتني بفوائدٍ ... يلْهُو بها المشْتاقُ عن أوطانِهِ من جَوْهرِ النَّظَّامِ بل أفْرادُه ... كالبحرِ جاد بدُرِّه وجُمانِهِ كالروضِ في إبَّانِه والوردِ في ... نِيسانِه والعُمْرِ في رَيْعانِهِ فالبيتُ ممَّا قُلتَه ونظمْتَه ... يزْهُو على الهَرَميْنِ في بُنْيانِهِ أهْدَيْتَ من دُرِّ العَرُوسِ نفائِساً ... صَلُحتْ لمَلْكِ الروم تِيجانِهِ خزَنْته سُمْرُ الطورِ إعْجاباً بهِ ... وتقلَّدْته البِيضُ في طلانِهِ فَرفلْتُ في السِّرْبالِ من داوُدِه ... وعلمتُ حُكْمَ الصَّمتِ من لُقْمانِهِ وروَيْتُ علم الفقهَ عن نُعْمانِهِ ... وقرأتُ حُرَّ الشِّعرِ عن حَسَّانِهِ ورأيتُ في الحِلْم ابنَ قَيْسٍ أحْنَفاً ... وإياساً المشهورَ في إتْقانِهِ وحقَرْتُ بطليموسَ دَارِس كُتْبِه ... ورفضْتُ رِسْطاليس في يُونانِهِ قلَّدْتني عِقْداً نفيساً فائِقاً ... قَدْرِي الحقيرُ يجلّ عن أثْمانِهِ وذكَرْت أخْلاقِي كبَغْلِي رَثَّةً ... في سَرْجِه وحِزامِه وعِنانِهِ من بعد ما كان النجومُ تَغار مِن ... قِطَعِ اللُّجَيْنِ مَنوطةً بِجِرانِهِ وعليه دِيباجُ الحريرِ مُصوَّراً ... والجُوخ يرفُل منه في ألْوانِهِ فكذلك الدهرُ الخَؤُونُ بأهلِه ... مَن ذا نَجَا من حادثاتِ زمانِهِ لم يُغْنِ عنها البَرُّ عن غِزْلانِهِ ... كَلاَّ ولا التَّيّارُ عن حِيتانِهِ فعَساكَ تُعْدِيني على حِدْثانِهِ ... وتُقِصُّنِي من كَفِّه وبَنانِهِ

стр. 475

جعل الإلهُ بكلّ يومٍ شارِقٍ ... بعظيم شَأْنِك في الورى مِن شَأْنِهِ ولده محمد خبيرٌ بأساليب الكلام، لم يقصر في شعره عن درجة الأعلام. وكيفما تفوه أطرى، وحيثما اقتدح أورى. مع حسن فهم، أوتي منه أوفر سهم. ونفسٍ تواقةٍ إلى الحسنى، وأوصافٍ تتحلى بها الكاعب الحسنا. وقد رأيت له قصيدةً أحكم فيها الرصف، فأثبت منها ما يستغني بنفسه عن كثرة الوصف. وكان كتب بها إلى السيد الحسن بن الإمام إسماعيل، وهو باللحية، مادحاً له، وشاكياً إليه من والده: عُوفِيتَ من كَلَفِي وفَرْطِ عَنائي ... يا شِبْهَ خُوطِ الْبانةِ الغَنَّاءِ أمَّا أنا فشُحوبُ جسمي شاهدٌ ... لي بالذي أُخْفِي من البُرَحاءِ ومدامِعي تُنْبِيكَ عن صُنْع الأسَى ... من بَثِّ نُورِ هواك في أحْشائِي فإذا امْتريْتَ فإن أيْكةَ حَاجرِي ... تدْرِي بواقعتِي مع الوَرْقاءِ حين امْتطَتْ فَنَنَ الأراكةِ وانْبَرتْ ... في النَّوحِ تُسمِعُه على أنْحاءِ فوقفتُ لا عيْني تُساعِدني على ... رَمْزٍ ولا كفٌّ على إيماءِ حَيْرانَ مسلُوبَ الجَنانِ مُقَرَّحَ الْ ... أَجْفانِ نِضْوَ هوىً وحِلْفَ بُكاءِ وعلى غِياضِ الوادييْن بلابلٌ ... عرفتْ لفَرْطِ ذكائها أنْبائِي كَلَفٌ به فَطِنَ الحمامُ فجائزٌ ... أن يُمْتَرى فيه لدَى العُقلاءِ أعَقِيلةَ الحيِّ الغيورِ هُمامُه ... ما بالُ قومِك أذَّنوا بتَناءِ نزلوا على نَشْرِ العَقِيقِ وإنّما ... كرِهُوا لأجْلِي سَرْحة الرَّوْحاء بَخِلُوا بوجهِك أن أراه يُقْظةً ... فلْيَمْنعوني الطّيْف في الإغْفاءِ أنَّى يُلِمُّ بنا الخيالُ ودوننا ... رَصَدٌ عليه لقومِها الغبراءِ يا راكباً شَدَنِيَّةً مِذْعانةً ... خَرْقاءَ تخْرِق مِطْرفَ البَيْداءِ مَوَّارةً تغْشَى الهواجِرَ جَسْرةً ... تُخْفِي الجوى وتُغِذُّ في الإعياءِ أقْرِرْ بها عينَ النَّباهة ضارباً ... بخِفافها في أخْدَع البَطْحاءِ وادفعْ بها في صدرِ كلِّ تنُوفةٍ ... غُفْلٍ عن الأعلامِ والخضْراءِ فإذا عَبرتَ عن اللّحيّة ضَحْوةً ... وشمَمْتَ رَوْحَ مُروءةٍ وسَخاءِ ورأيتَ أنْوارَ الإمامةِ من ذُرَا ... ملِكِ الزمانِ وخاتمِ الكرماءِ فانزلْ بأبْلَجَ من ذُؤابةِ هاشمٍ ... كاسٍ مَلِيءِ محامدٍ وثَناءِ والْثَمْ يَداً فيها بحورٌ خمسةٌ ... أغْنَتْ مَواقِعُها عن الأنْواءِ فهناك سِرٌّ للنُّبُوةِ مُضْمَرٌ ... حامتْ عليه خواطرُ العُلماءِ شرفَ الهدى يهَنْيك أنك سابقٌ ... فَرْدٌ عن الأشْباهِ والنُّظَراءِ ما زلتَ في دَرَجِ المحامدِ راقياً ... مُتوقِّل الهَضَباتِ في العَلْياءِ بالأمسِ في الأُمَرَا وأنت اليومَ في ال ... علما وأنتَ غداً من الخُلَفاءِ أشكُو إليك أبِي وذاك أخُو التقى ... لكنه غَمٌّ على الأبْناءِ وخَصاصةً بجوانِحي من كَرْبِها ... ما لم تسَعْه جوانحُ الدَّهْناءِ وصروفَ أيامٍ أقَمْنَ قِيامتِي ... بنوَى الخَلِيطِ وفُرقةِ القُرَناءِ وجفاءَ مَوْلىً كنتُ أحسَب أنَّه ... عَوْنِي على السَّراءِ والضَّراءِ ثَبْتُ العزيمةِ في العُقوقِ ووُدُّه ... مُتنقِّلٌ كتنقُّلِ الأفْياءِ يُقْفِي المَسرَّة فَرْحةً ويُسِرُّ في ... ذَيْلِ المَبرَّةِ منه غَوْلَ جَفاءِ

стр. 476

وخُلاصَةُ الأخبارِ عنه أنه ... مُتلَوِّنٌ كتلَوُّنِ الحِرْباءِ أخْدمْتُه نفْسِي النفيسةَ باذلاً ... نُصْحِي له في شِدةٍ ورخاءِ وكتبتُ عنه رسائلاً شهِد الورى ... بمَكانِ شِدَّتها على الأعداءِ ومدحْتُه بقصائدٍ زادتْ بها ... عَلْياه حُسْن صَباحةٍ وبَهاءِ ولو انَّها في الدهرِ سالمَ أهْلَهُ ... مِن حَرْبِه وحَنَا على الفُضَلاءِ وإلى أبي وله السَّلامَةُ يلْتقِي ... سَوْقُ العِتابِ فمنه أصلُ بَلائِي مال الزمانُ عليَّ حتى زادنِي ... بجَفائِه غَمّاً على غَمَّائِي لو كان سائِليَ الصَّغارَ وقاصدِي ... بالخَسْفِ غيرَ أبي رأيت إبائِي لكنَّه وله الكرامةُ مَن أتَى ... نَصُّ النَّبيِّ بحقِّه والآئِي فلأَصْبِرنَّ ولا أقُول له قِلىً ... قَدْكَ اتَّئِبْ أرْبَيْتَ في الغُلواءِ هذا وحاصلُ ما أُكابِدُ أنني ... قد ذُبْتُ غيرَ حُشاشةٍ وذَماءِ ولقد وَهَى جَلَدِي وعِيلَ تصبُّرِي ... ما بين حَرِّ هَوىً وحَرِّ هواءِ هل عَطْفةٌ أو لَفْتةٌ حَسنِيَّةٌ ... تُورِي زِنَادَ مَسَّرتِي ورُوائِي وتُحِلُّني في عَقْوةٍ مَلكيَّةٍ ... منها أحُلُّ مَراتبَ الخُلَصاءِ فأجابه والده بقوله، مع تمثله بقول المتنبي، وغيره من الشعراء: جاءتْ تمِيسُ كغادةٍ حسناءِ ... تخْتالُ بين غَلائلٍ وحُلاءِ منظومةً قد كُلِّلتْ بجواهرٍ ... تُزْرِي بحُسْنِ كواكِب الجَوْزاءِ فَضَّ الغلامُ خِتامَها فتنفَّستْ ... كتنفُّسِ الأزهارِ غِبَّ سَماءِ فكأنها من رِقَّةٍ وطَلاوةٍ ... تِمثالُ نُورٍ في أدِيمِ هَواءِ وكأنها لِعُذوبةٍ في لَفْظِها ... يُضْطَرُّ سامعُها إلى الإصْغاءِ شهدتْ لِمُنْشِئِها بحُسْنِ تصرُّفٍ ... في الوصفِ والتَّشْبيبِ والإِنْشاءِ للهِ دَرُّك يا محمدُ من فتىً ... أرْبَى على النُّجَباءِ والأُدَباءِ فَلأنتَ سَحْبانُ البلاغةِ ناثراً ... ولأنتَ في الشعرا حَبِيبُ الطَّائِي وإليك سِتَّةَ أذْرُعٍ مجموعُها ... جِيمٌ وواوٌ مُعْقَبانِ بِخاءِ وجوابَ والدِك الشَّفيقِ كما ترى ... مُتمثِّلاً برقائقِ الشُّعراءِ أعْزِرْ عليَّ بفُرْقةِ القُرباءِ ... وتَعَتُّبِ الأبْنا على الآباءِ فتفرُّقُ البُعَداءِ بعد مَودَّةٍ ... صعبٌ فكيف تفرُّقُ القُرَباءِ أمَّا أنا فأقولُ حاشَا للعُلَى ... ما حُلْتُ عن أُكْرومَتِي ووَفائِي ومَوَدَّةٍ أخْلصْتُها لك طَاقتِي ... في موضعِ الإِخلاصِ من سَوْدائِي فلقد كوَى كَبِدِي الجوَى وجوانِحي ... واغْتالَ حُسْنَ عَزائمي وعَزائِي وسلبْتني ثوبَ التحمُّلِ والأسَى ... وكسَوْتنِي ثوبَيْ أسىً وعَناءِ كم زَفْرةٍ ضَعُفتْ فصارتْ أنَّةً ... تمَّمْتُها بتنفُّسِ الصُّعَداءِ وجرى الزمانُ على عوائدِ كَيْدِهِ ... من قلبِ آمالِي وعكْسِ رَجائِي قُلْ للبَخِيلةِ إنَّ وجهكِ جَنَّةٌ ... يا مَنْ رأَى الجنَّاتِ للبُخَلاءِ طلع البشيرُ بأطْيبِ الأنْباءِ ... بُشْرايَ إن العامَ عامُ لِقاءِ وَعَدَتْ سعادُ بأن تزورَك فارْتقِبْ ... بُعْدَ السُّعاةِ وغَيْبةَ الرُّقَباءِ إن صحَّ ذاك ومَن بذاك فقد غدتْ ... رُؤْيايَ حَقّاً واستُجِيبَ دُعائِي ماذا عليك إذا اكتسبْتَ مَبَرَّةً ... تُجْزَى بها في الخُلْدِ خيرَ جَزاءِ

стр. 477

ورَحِمْتَ ضَعْفَ جوارحي وقُوائِي ... فحملتَ بعضَ الثُّقْلِ مِن أعْبائِي ووَصلْتنِي ممَّا لديْك ببَدْرةٍ ... مَعْدودةٍ من فِضَّةٍ بَيْضاءِ إن الأبَرَّ من البَنينَ يواصلُ الْ ... إحسانَ مُغتنِماً جَزِيلَ ثناءِ واسمعْ للقول ابن الحُسَين ويا لَه ... مِن شاعرٍ أرْبَى على الحكماءِ لأَبٌ قَطوعٌ جَافِيٌ مُتجهِّمٌ ... أحْنَى إذاً من واصلِ الأبْناءِ وله من قصيدة، مستهلها: لولا اشْتياقي حبيباً قَطُّ ما قَرُبَا ... لم أُلْفَ صَبّاً ضئيلَ الجسمِ مُكتئِبَا ولا شَجَتْني حمامُ الدَّوْح ساجعةً ... وهيَّجتْ لِيَ أرْواحُ الصَّبا طَرَبَا ولا أرِقْتُ لبَرْقٍ لاح مُبتسِماً ... يحْدُو ليَ الجِزْعَ سُحْباً بَات مُنْتحِبَا ولا رضيتُ سؤالَ الظُّعْنِ لِي خلفاً ... دون الشرِيفيْن أعني العلمَ والأدَبَا ولا سنَنْتَ وُقوفَ الصَّحْب في طَلَل ... ما كن يطمع قلبي فيه أن يَجِبَا فاعذُرْ عَذُولِي ولا تُنْكرْ ضَنَى جسَدِي ... وخَلِّ لَوْمي وحَمْلِي في الهوى التَّعَبَا ماذا أغاظك من شَجْوِي ومن قَلَقِي ... ومن نُحولِي ورَعْيي في الدُّجَى الشُهُبَا إن العذاب لَعَذْبٌ في الغرام وما ... غدا لِيَ الصَّابُ إلا في الهوَى ضَرَبَا في ذِمَّةِ اللهِ عينٌ ظَلَّ مَدْمَعُها ... وخاطِرٌ راح في حُبِّ الحِسانِ هَبَا ما بين جَفْنِي وبين النومِ فاصِلةٌ ... لم تُبْقِ للطيْفِ في أجْزَا الكَرَى سَبَبَا تاللهِ ما عَنَّ ذِكْر السفْحِ من إضَمٍ ... إلا ركبتُ من الأشواقِ ما صَعُبَا يا رَبْعَ سَلْمَى سلِمتَ المَحْلَ ما سلِمتْ ... ولا عَداك من الأنْواءِ ما عَذُبَا ما بالُ مَمْنوعِ حُزْنِي فيه مُنْصرِفاً ... وما لمخْفوضِ عَيْشِي فيك مُنْتصِبَا إن لم يُفِدْ ماءُ عيني فيك مُطَّرِداً ... فالقلبُ ما زال إلاَّ عنك مُنْقلِبَا سَقْياً لأوْقاتك اللاتِي قَضيْتُ بها ... من الحبيبِ ومن شَرْخِ الصِّبا الأرَبَا أيامَ لا كاشحٌ تُخْشَى غَوائلُه ... ولا عَذولٌ نُدارِيه إذا عَتَبَا وأهْيفِ القَدِّ عَبْلِ الرِّدْفِ مُقْتَبِلٍ ... ما ماسَ إلاَّ ذكرتُ الْبانَ والكُثُبَا يجُول ماءُ الصِّبا في صَحْنِ وَجْنتِه ... ويسْتحيلُ إذا حدَّثْتَه لَهَبَا حُلْوِ الفُكاهةِ إلاَّ أن مَطْعَمَه ... مُرٌّ إذا ما ثَنَى أعْطافَه غَضَبَا أدْنُو ويُبْعِدُه دَلُّ الشبابِ جَفا ... فكُلّما قلتُ قد جَدَّ الهوى لَعِبَا كم صِحْتُ من طَرْفِه الفَتاك وَاحَرَابي ... لو كان ينْفع قولُ الصَّبِّ وَاحَرَبَا قد صَدَّني عن نَسِيبٍ فيه أنْظِمُه ... مَديِحُ مَن طاب في هذا الورى نَسَبَا الحسين بن علي الوادي هو في الفضل صاحب مزايا بوادي، وأما في الأدب فإن شئت عده من عذبات وادي. يجاذبه نسيم اللطف من هنا وهنا، وإذا ساقط فلا يساقط إلا رطباً جنى. وقد أثبت من شعره ما يحرك العذب، ولم يسمعه صبٌّ إلا وإليه انجذب. فمنه قوله: نسيمَ الصَّبا في سُوحِنَا يتبخْتَرُ ... لك اللهُ ما هذا الأرِيجُ المُعَنْبَرُ أأنت رسولٌ يا نسيمَ الصَّبا وعن ... حُلولِ الحِمَى أم أنت عنهم مُبَشِّرُ فهمتُ الذي أودَعْته غيرَ أنني ... أُحِبُّ حديثاً منهمُ يتكرَّرُ لِما ألِفَتْه النفسُ منهم وعُوِّدتْ ... وإلاّ فعِلْمُ الغَيْبِ لا يُتقدَّرُ فكَرِّرْ على سَمْعِي أحاديثَ ذِكْرِهمْ ... عسى تَنْطفِي نارٌ بقلبي تسَعَّرُ

стр. 478

همُ اسْتَصحبُوك السِرَّ بيني وبينهم ... لأنك أبْدَى بالجميلِ وأبْدَرُ ومِثْلِي هداك اللهُ يا سارِيَ الصَّبَا ... يُسِرُّك والمعروفُ أجْدَى وأجْدَرُ وأبْلجَ أمَّا الخدُّ منه فأحمرٌ ... وأمَّا قَوامُ القَدِّ منه فأسْمَرُ وأمَّا ثَنايا ثَغْرِه حين يُجْتلَى ... فكأسُ جُمانٍ فيه خمرٌ وكَوْثَرُ يُغازِلُ عن عَيْنَيْ مَهاةٍ وشَادِنٍ ... يُلاحِظُنا منها سِهامٌ وأبْتَرُ هي البِيضٌ إلاَّ أنها حَنْدَسِيَّةٌ ... هي النَّبْلُ إلاّ أنها تتكسَّرُ هي السِّحرُ إلاَّ أن فيها خَصائصاً ... بها عالِمُ السِّحر الصِّناعِيّ يُسْحَرُ وفي خدِّه خالٌ يقولون إنه ... بِلالٌ له في جامعِ الحُسْنِ مِنْبَرُ بلَى ذلك الخالُ الصَّرِيحُ إشارةٌ ... عديمةُ مِثْلٍ لا بِلالٌ وعَنْبَرُ شكوتُ له من فَتْرةٍ في جُفونِه ... لِشِدَّةِ ما ألْقَى بها حين تفْتُرُ وما أنا فيه من هوىً وصَبابةٍ ... تبِيتُ بها الأحشاءُ تُطْوَى وتُنْشَرُ فأفْصَح عن لفظٍ توهَّمْتُ أنه ... جُمانٌ من الثّغْرِ الجُمانِيِّ يَبْهَرُ وقال نعم هذا لعَيْنِيَ مَذهبٌ ... وفِتْنةُ نفسِ المرءِ شيءٌ مُقدَّرُ برُوحِيَ أفْدِي جائِرَ اللّفظِ قَدُّه ... تحقّق فينا عَدلُه حين يخْطِرُ ألا إن عَدْلَ القَدِّ أكبرُ شاهدٍ ... عليك بجَوْرِ الحُكمِ واللهُ أكبرُ ورِقّةَ هذا الجسمِ منك بأنّني ... رقيقُ هوىً والشيءُ بالشّيء يُذْكَرُ فللهِ أزمانٌ تواصَل يومُها ... بلَيْلتها والعمرُ كالعَيْشِ أخضرُ وليلٌ عهِدناهُ وإن كان أسوداً ... كشَعرِ الصِّبا يشكُو سَواداً فيُشْكَرُ وأحبابُ قلبٍ لي إلاّ همُ المُنَى ... صَفاءُ ودادِي فيهمُ لا يُكَّدرُ دلائلُ عِشْقِي في هواهم صريحةٌ ... ومعرفتي في حُبِّهم ليس تُنْكَرُ ربِحْتُ هَواهمْ في زمانِ شَبِيبتي ... وشِبْتُ فلن أرْضَى بأنِّيَ أخْسَرُ فلا تُنْكرِوا أن أرْسَلَ الجَفْنُ دَمْعَه ... وقد جاء في رأسي من الشّيْبِ مُنْذِرُ ويعقوبُ أحْزانِي ويوسُف فِتْنتِي ... وصالحُ أعمالِي عَسانِيَ أُوجَرُ خليليَّ عَهْدُ اللهِ إن جُزْتُما الحِمَى ... وعاينْتُما قلبي ببَيْداه يَجْأرُ فدُلاّ عليه جِيرةَ الحَيِّ واذْكُرَا ... لهم من حديث الصَّبِّ ما يتيسَّرُ عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن مسعود الحوالي مشعشع سلافٍ في دنان، وواصف جؤذر وغصنٍ فينان. بألفاظٍ ملؤها تطرية، ومعانٍ كلها عن الحسن تورية. إلى طبعٍ يفيض فيه الغمام، وشعر كما بدت الزهرة من الأكمام. فدونك منه ما هو أشهى من ثغرٍ مبتسم، وأبهى من خطٍ في صفحة خدٍ مرتسم. فمنه قوله: عن سُعادٍ وحاجِرٍ حَدِّثانِي ... ودَعانِي من المَلامِ دَعانِي واذْكُرَا بُرْهةً من الدهرِ مَرَّتْ ... كنتُ أُدْعَى فيها صَرِيعَ الغَوانِي أنا لا أكْتفي بنَأْيِ رِئامٍ ... والرُّبوع الرِّحاب من نَعمْانِ قد سقَتْنِي بكأسِها من مُدامٍ ... هيَّم القلبَ لَوْنُها الأُرْجُوانِي عُتِّقتْ في الدِّنان من عهد كِسْرَى ... فهيْ تُنْمَى إلى أنُوشِرْوانِ بَهرتْ في الصِّفاتِ حَمْراءَ صَفْرا ... ءَ سُرورَ القلوبِ والأبْدانِ يا عَذُولِي ولستُ للعَذْلِ أُصْغِي ... غيرَ قلبي يهُمُّ بالسُّلْوانِ ولَوَ انِّي رُزِقْتُ حَظّاً لما صِرْ ... تُ أُعانِي من الهوى ما أُعانِي

стр. 479

ولآثرْتُ حاجةً في فؤادِي ... صُنْتُها عن فُلانةٍ وفُلانِ وقوله في رباعية: يا جُودَ حَياً على الجِنانِ الغَرْبِي ... قد أنْعَمه بواكِفاتِ السُّحْبِ أحْيَيْتَ الأرضَ في رُباهُ فمتى ... يَحْيَا بالوصلِ من حبيبي قَلْبِي أحمد بن سعد الدين بن الحسين بن محمد المسوري فتى إنابةٍ وعفاف، وله احتفافٌ بالفضائل والتفاف. وكانت دولة القاسم زاهيةً بطلعته، يتكلم في غرضٍ فتتحدر سيول البراعة من تلعته. وله في الأدب مقدار يتوسع فيه الشاكر، ويتفسح فيه الواصف والذاكر. ينظم بأقلامه، منثور الآثار من كلامه. وينسج بعباراته، وشايع مخاطباته ومحاوراته. فمن بدائعه، ما أجاب به الأمير الشريف الحسين بن أحمد الخواجى، صاحب صبيا، وقد كتب إليه كتابا، وأصحبه هدية: وصل الكتاب الذي هو جواب جوابي عليكم، مشتملاً على وجوهٍ من الخطاب، صيرت ما كان سبق مني من الإحسان بإجابة الكتاب الأول ذنباً، وما كنت أحسبه حمداً عند الله وعند خيار عباده سباً؛ إذ لم يقع مني ما صدر من البشير السابق لمن وصل الحضرة الإمامية من إخوانكم الشرفا، ثم جوابي عليكم في كتابكم الذي ابتدأ المولى به إلا رعايةً لحق رسول الله ﷺ ؛ إذ كنتم وأولئك الجماعة من أهل بيته، وممن ينسب إلى ذريته، ثم صيانةً لعرض مولانا أمير المؤمنين، ومحبة في أن يكون من في حضرته الكريمة من المكرمين، كما جاء في الحديث النبوي: " المؤمن إلفٌ مألوفٌ ". وكنت أظنكم رعاكم الله وأولئك الجماعة، ممن له في خوف الله نصيب، وممن قد أقلع عما يوجب البعد من القريب المجيب، وممن دعواه صادقةٌ، وأنه لا يريد إلا الله، ولا يسعى إلا في طاعته وتقواه؛ فخدعتموني في الله فانخدعت، ولو أخذت بالحزم الذي هو سوء الظن لما أبعدت، فحملتم تلك الحالة على ما زهدني والله وغيري من المؤمنين فيكم، ونبهني على الحذر والريب في كل ما يصدر من قولٍ أو فعلٍ عنكم؛ إذا أحللتموني محلاً لست من أهله. وكتبتم إلي بتصدير هديتكم، المردودة إليكم غير مشكورةٍ ولا محمودة، ولم ترها والحمد لله عيني، ولا لمستها والمنة لله علي يدي، أردتم خديعتي عن ديني، والتوصل بها إلى ما تريدون من أغراض الأهواء وإن أهلكني. وأكون كما قيل: بِتُّ كأنِّي ذُبالةٌ نُصِبَتْ ... تُضِيءُ للناسِ وهْي تحترقُ ومعاذ الله أن أكون ممن يبيع دينه بكل الدنيا، فضلاً عن عرضٍ منها هو أقل وأدنى، وأن يحبط أعماله، ويبطلها، بإماطة الأوساخ عن الناس ل " قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ". وكيف إن بقي شيءٌ من المعقول آمر الناس بالبر وأنسى نفسي، وأتصدر لإمام الحق في إنشاء مواعظ يخطب بها على المنابر لنصيحة الخلق وأخونها، وهي أعز الأنفس عندي. على أني والمنة لله علي من فضل ربي، وفضل إمامي في خيرٍ واسع، ورزقٍ جامع، وأملٍ في كل بلاغ راتع. ثم إنه لا يسلك أحدٌ طريقةً إلا وله فيها سلف يقتدي بهم بعد رسول الله ﷺ . فأولهم أمير المؤمنين علي، كرم الله وجهه، وهو يقول في خطبة له: والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، أو أجر في الأغلال مصفداً، أحب إلي من أن ألقى الله تعالى ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، أو غاصباً لشيء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها. والله لقد رأيت أخي عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقي، فأحميت له حديدةً، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنفٍ من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدةٍ أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نارٍ أضرمها جبارها لغضبه؟ أتئن من الأذى، ولا أئن من لظى؟ وأعجب من هذا طارقٌ طرقنا بملفوفةٍ في وعائها، ومعجونةٍ شنئها كما عجنت بريق حيةٍ أو قيئها. فقلت: أصلةٌ، أم زكاةٌ وصدقة؟ فذلك محرم علينا. أهل البيت. قال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية.

стр. 480

فقلت: هبلتك الهبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني! أمختبط، أم ذو جنة، أم تهجر، والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلب شعيرةٍ ما فعلته، وإن دنياكم هذه لأهون من ورقةٍ في فم جرادةٍ تقضمها، ما لعليٍ ونعيمٍ يفنى، ولذةٍ لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل، وقبح الزلل، وبه نستعين. وأقر أئمتي إمام عصري بعد والده أمير المؤمنين القاسم بن محمد بن علي رضوان الله عليهم، وهما من علم الخاص والعام سلوكهما تلك الطريق، وتمسكهما بذلك الحبل على التحقيق. ورفضهما الدنيا بعد ملك المشرق والمغرب، ورضاهما منها بأدناها مع نفوذ أمرهما في العرب والعجم، والبعد والقرب. والشمسُ إن تخْفَى على ذي مُقْلةٍ ... نصفَ النهار فذاك تحقيقُ العَمَى وأما آبائي الذين أنتسب إليهم، فأدناهم أبي الذي ولدني كان، والله، كما ورد في الحديث النبوي: يغضب لمحارم الله كما يغضب الجمل إذا هيج، لا تأخذه في الله لومة لائم. وكما قال الأول: القائلُ الصدقَ فيه ما يضُرُّ به ... والواحدُ الحالتين السر والعَلَن ثم أخوه عمي الذي أدبني، كان كما قال أمير المؤمنين عليٌّ كرم الله وجهه في صفة المؤمن: بشره في وجهه، وحزنه في قلبه. أوسع شيءٍ صدراً، وأذل شيءٍ نفساً. يكره الرفعة، ويشنأ السمعة. طويلٌ غمه، بعيد همه. كثيرٌ صمته، مشغولٌ وقته. شكور، صبور. مغمورٌ بفكرته، ضنين بخلته. سهل الخليقة، لين العريكة. نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد. ثم أبوهما جدي سلمان أهل البيت، الذي لا نعلم أن إماماً من الأئمة مدح غيره بذلك، فقال الإمام شرف الدين لولده شمس الدين: جاءكم سَلْمانُ بَيْتِي ... فاعرِفَنْ يا شمسُ حَقَّهْ وبرَجْواك فحقِّقْ ... وببِشْرٍ فتَلقَّهْ وأنا، بحمد الله، لم أعرف غير سبيلهم، ولا ربيت إلا في حجورهم. وإني والناس لكما قال عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه: يقولون لي فيك انْقِباضٌ وإنما ... رأَوا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحْجَمَا أرَى الناسَ مَن داناهمُ هان عندَهمْ ... ومن أكرَمتْه عِزَّةُ النَّفسِ أُكْرِمَا ولم أقْضِ حَقَّ العلمِ إن كنتُ كلما ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرتُه لِيَ سُلَّمَا وما كُلُّ بَرْقٍ لاح لي يسْتفزُّنِي ... ولا كلُّ مَن في الأرضِ ألقاه مُنْعِمَا إذا قيل هذا مَشْرَبٌ قلتُ قد أرَى ... ولكنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا ولم أبْتذِلْ في خدمةِ العلمِ مُهْجَتِي ... لأخدُم مَن لاقيْتُ إلاَّ لأُخْدَمَا أأشْقَى به غَرْساً وأجْنِيه ذِلَّةً ... إذاً فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أسْلَمَا ولو أنَّ أهلَ العلمِ صَانُوه صانَهُمْ ... ولو عظَّموه في النفوسِ لَعُظِّمَا ولكنْ أهانُوه فهَان ودَنَّسُوا ... مُحَيَّاه بالأطْماعِ حتى تجهَّمَا اللهم إني لا أقول ذلك افتخاراً على غيري، ولا تزكيةً لنفسي، ولكن لما شرعته من تجنب مواقف التهم. وأنا مع ذلك معترف بأني أحقر من أن أذكر، وأهون من قلامة الظفر، ولكن مظلومٌ رفعت ظلامتي إليك. وكما قال زين العابدين، ﵇: يا من لا تخفى عليه أنباء المتظلمة، ويا من لا يحتاج في قصصهم إلى شهادة الشاهدين، ويا من قربت نصرته من المظلومين ويا من بعد عونه عن الظالمين، قد علمت يا إلهي ما نالني من فلان. إلى آخر ما ذكره في الدعاء. وحسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرشي العظيم. هذا، ولولا تحريج أمير المؤمنين، بعد الشكوى عليه، في إعادة الجواب لما توجه مني بعد ذلك خطاب. وهذا بيني وبينكم آخر الكتاب. علي بن محمد بن أبي بكر الحكمي من بني مطير الذرية المختارة، والكواكب الدرية السيارة. مسكنهم بلد عبس من أعمال كوكبان، ولهم بها الشهرة التي حظها الأوفر قرى الركبان. وعلى هذا علمهم الذي تشير إليه الأصابع، وتبتهج به على الأفلاك العلوية المرابع. له مقدارٌ خطير، وأدب كأنه روضٌ مطير.

стр. 481

وقد وقفت له على نبوية، فقلت هذه علية علوية. وها هي كالخود تلوح، ومن أردانها مسك دارين يفوح: مُتَيَّمٌ إن سرتْ رِيحُ الشَّآمِ صَبَا ... ومُسْتَهامٌ إذا مَرَّتْ عليه صَبَا وذُو شُجُونٍ وما غنَّتْ مُطوَّقَةٌ ... تبْكِي على الإلْفِ إلا دمعُه سَكَبَا يبكِي ويندُب لو فَيَّاضُ أدْمُعِه ... من جُودِه جاد يوماً طَوْقَها سُلِبَا وإن تذكَّر أيَّاماً له سلَفتْ ... مع الأحِبَّةِ في أوطانِهم جُذِبَا روَى الرَّبيعُ مَغانِيهم ومَرْبَعَهم ... وعمَّم الغَيْثُ منها السَّهْلَ والجَدَبَا وأزْهَرَ الروضُ منها والحَمامُ غَدَتْ ... مُغَرِّداتٍ عليه تمْتَطي العَذَبَا وكلَّما رامَ يبْغِي نَحْوَهم طُرُقاً ... يعْمَى السبيلُ عليه أيْنَما ذَهَبَا سُبْحان من نفَذتْ فينا مَشِيئَتُه ... فما يُسَهِّلْ له يَسْهُلْ وما صَعُبَا ما زلتُ أقْرعُ أبوابَ الرَّجا ورَجَا ... نفسِي تفوزُ بجُودٍ شامِلٍ وحِبَا وعمَّنِي اللهُ بالإحسانِ مَرْحمةً ... فضْلاً من اللهِ لا فَرْضاً ولا سَبَبَا وإن تغلَّقتِ الأبوابُ عن أمَلِي ... قصَدتُ جاهَ الذي فاقَ الورَى رُتَبَا فهْو الذي ملأَ الأكْوانَ أجْمَعَها ... نُوراً وفتَّح فينا الشَّخْصَ والحِقَبَا يا مَن عَلاَ فوق مَتْنٍ للبُراقِ ويا ... خيرَ الخلائقِ قاصِيهمْ ومَن قَرُبَا منها: وكم مَعاجِزَ لا تُحْصَى بُعِثْتَ بها ... عنها نُجُومُ المَعالِي ضُمِّنَتْ كُتُبَا يا سيِّدَ الخلقِ يا مِفْتاحَ يومِ غَدٍ ... تُولِي الشَّفاعةَ يومَ الحشْرِ إذ صَعُبَا أنت الذي يوم بَعْثِ الخَلْقِ شافِعُنا ... سَبْقاً إذْ أُلْزِمُوا رَهَبَا عبد القادر بن محمد بن الحسين الذماري الهراني فردٌ في سرعة البادرة، وحيد في جودة النادرة. يطرب بكلماته، ولا طرب الموسيقى بنغماته. ويسحر بألفاظه، ولا سحر الرشأ الأغن بألحاظه. وقد ذكرت له ما هو أرق من ماء البارق، وألطف من طيف الحبيب الطارق. فمنه ما كتبه لبعض الأئمة، وهو قوله: يا حبَّذا الليلةُ مرَّتْ لَنا ... في هَجْرَةِ الشُّمِّ بني عُقْبَهْ رَعْياً لها من بلدةٍ ما لها ... مِثلٌ لها في هذه الغُرْبَهْ وحَبَّذَا الأدِيمُ من بلدةٍ ... صحيحةِ الأهْواءِ والتُّرْبَهْ وَاهاً لها واهاً لها إنَّها ... من جَنَّةِ الخُلْد لها نِسْبَهْ قُصورُها حُفَّتْ بجَنَّاتِها ... تجْرِي بها أنهارُها العَذْبَهْ وجَوُّها مُنْخَرِقٌ واسعٌ ... للقلبِ في السُّكْنَى بها رَغْبَهْ طابتْ بها أنفُسُنا فانْجَلتْ ... عنها غَمامُ الغَمِّ والكُرْبَهْ خَيَّم فيها عُصْبَةٌ دَأْبُهم ... أن يُكْرِموا الأضْياف في الغُرْبَهْ سَقى فرَوَّى صَيِّبٌ هاطِلٌ ... مِن الْحَيا أفْياءَها الرَّحْبَهْ فيا أميرَ المؤمنين الذي ... له سَمَتْ فوق السُّها الرُّتْبَهْ إِيذَنْ لنا باللُّبْثِ يوميْن في ... أوطانِهم أيَّتُها العُصْبَهْ وابْسُطْ لنا العُذْرَ وإن لم يكنْ ... فِراقُكم من مُقتضَى الصُّحْبَهْ لا زال مَلْكُ العصرِ في نعمةٍ ... ولا رأَى في دَهْرِه نَكْبَهْ سلامٌ ساطعٌ نوره، متضاحك نوره. أعذب من بارد سلسل الأنهار، وأطيب من رشف سلاف أفواه الأبكار. وأعبق من شميم الزهور الندية، وألذ من تقبيل خدود الخرائد الوردية. ورحمة الله المنفجرة عيونها، المثمرة شئونها. وبركاته الواسعة الأفياء، الكافلة ببلوغ المنى على مولانا أمير المؤمنين، الهادي إلى الحق المبين. أما بعد؛ فإنا لما سرنا من المخيم المنصور، والمقام المحجوج المزور.

стр. 482

وصلنا إلى هجرةٍ لا يحيط بوصفها المقال، ولا يبلغ إلى كنهها تصور الخيال. جمعت غرائب العجائب وعجائب الغرائب، وأبعدت عن المساوىء والشوائب، وحميت عن سطوات المحن والنوائب. رياضها مفترة، وغياضها مخضرة. وأنهارها متدفقة، وأحوالها منتظمةٌ متسقة. طيبة المثوى والمستقر، أنيقة المرأى والمنظر. فهي تنشد بلسان حالها مطربة، متبجحة ببديع مقالها معجبة: أنا خيرُ الأرضِ مالِي ... شِعْبُ بَوَّانٍ يُدَانِي لا ولا الغُوطَةُ مثلِي ... أنا من بعضِ الجِنَانِ فعُيوني جارياتٌ ... كلَّ حِينٍ وأوانِ وقُطوفِي دانِياتٌ ... يجْتنيها كلَّ جَانِ جانِبي أضحى مَنِيعاً ... فحُلولِي في أمانِ كلُّ مَن حَلَّ برَبْعِي ... فلقد نال الأمانِي نعم، وحين كانت هذه نعوتها أتحفنا المقام النبوي الإمامي بشرح شيءٍ من تلك الصفات، وذكر طرفٍ من هاتيك السمات. لما نعرفه من تطلعه أبقاه الله تعالى إلى مثل ذلك، وإن لم نستطع استقصاء ما هنالك. والمأمول من طوله أيده الله تعالى القبول والاحتمال، وستر ما يقف عليه من الاختلال. تفضلاً، وتكرماً وتطولا. وكتب إليه أيضاً، من شعره، قوله: يا أيُّها المولَى الذي شَأْوُه ... في المجدِ أسْمَى من مَدارِ الفَلَكْ أنت الذي مَن يمتثِلْ أمره ... يُهْدَى ومَن لم يمتثلْهُ هَلَكْ فأغِثْنِي إنِّي مُقِلُّ فقد ... أعْطاك مَن للأمر ذا أهْلَكْ وأوْفنِي منك الذي أرْتجِي ... فإنّ ما جَمّلنِي جَمْلَكْ واقْضِ دُيونِي يا مَلاذِي وقُلْ ... أبْشِرْ سنقضِي عنك ما أثْقَلكْ ولا تَدَعْنِي مُعْدِماً مُقْتِراً ... وقُلْ سنُعْلِي في الورَى مَنْزِلَكْ وإن يكُنْ ذاك ولي لائقٌ ... أولا فإنّ الأمْرَ والرَّأْيَ لَكْ السيد محمد بن عبد القادر المقاطعجي أحد من نطق فسحر، ورقت شمائله فكانت صباً تنفست في سحر. تجتلي به العيش في رغده، وتنتشي وأنت في يومه إذا وعدك بزورةٍ في غده. وله أدبٌ أنضر من الروض في شباب الزمان، وشعرٌ ألذ من مغالطة الساقي عند الندمان. فمنه قوله: أحْوَى حَوى الرِّقَّ منِّي ثَغْرُه الشّنِبُ ... ومَبْسَمٌ لاح في جِرْيالهِ الْحَبَبُ حُلْوُ التَثنِّي إذا رِيحُ الصَّبا عطَفتْ ... مَعاطِفَ القَدِّ منه تخجَلُ القُضُبُ مُهَفْهَفُ القَدِّ مَيَّاسُ القَوامِ إذا ... ما اهْتزّ كالغُصْنِ لِيناً هَزَّني الطَّرَبُ دَمِي مُباحٌ لِسَيْفٍ من لَواحِظِه ... إن كان غيرُ هَواهُ للحَشَا أرَبُ منها: لا تعذِلُوني إذا ما هِمْتُ من شَغَفٍ ... بِمَن سَبانِيَ منكُم أيُّها العَرَبُ قد بان عُذْرُ غرامِي في محبّتِه ... عَذْل العَذُولِ وشأْني في الهوى عَجَبُ حيدر بن محمد الرومي من شعراء العصر المتنوعين في الملاحة والملح، فإذا تأملت رأيت العالم على لطف خلقه وخلقه اصطلح. له طبعٌ كما حدثت عن العيش الأخضر، وودٍ كما تذكرت النعيم الأبيض الأخضر. إلى خطٍ كخطوط الغوالي في خدود الغواني، واشهى من تذكر الليالي الخوالي في الأيام الدواني. وشعرٍ كما زان الصّحابة حَيْدر ... إذا كان شِعْر الشَّاعِرِين مُعاويهْ فمنه قوله في الزنبق: وزَنْبَقٍ مُجْلَسٍ بين النُّدامِى ... كشيخٍ حاز لُطْفاً في وَقارِ يُرِيك إذا تلاَ إنَّا فَتحْنَا ... عَمودَ الفَجْرِ في ضَوءِ النَّهارِ وقوله: أمُعَلِّمَ الأزْهارِ إن خُدودَ مَن ... عَلَّمته مُغْنٍ عن الأزْهارِ هَلاَّ جعلتَ القلْبَ منزلةً له ... فالقلبُ خيرُ منازلِ الأحْرارِ وقوله، في غلام بديعٍ يدعى بتاج: ريمٌ من اللَّحظِ ومِن قَدِّه ... يُسْبِي بسَحَّارٍ ومَيَّاسِ لو زارني كنتُ مليكَ الورَى ... وقلتُ يا تاجُ على رَاسِي وقوله، وعجز كل بيت معكوس كلمات صدره:

стр. 483

زارني مَحْبوبُ قلبِي سَحَراً ... سَحَراً محبوبُ قلبِي زَارَنِي ينْثنِي كالغُصْنِ لِيناً قَدُّه ... قَدُّه كالغُصْنِ لِيناً ينْثَنِي سَرَّني لمَّا تبدَّى باسِماً ... باسِماً لمَّا تبدَّى سَرَّنِي خَصَّني من دون غيرِي باللِّقَا ... باللِّقَا من دون غيرِي خَصَّنِي أعْيُني قَرَّت بِخِلِّي مُذ أتَى ... مُذ أتى قَرَّتْ بِخِلِّي أعْيُنِي اجْتنِي يا طَرْفُ وَرْدي خَدِّه ... خَدُّه يا طَرْفُ وَرْدِي اجْتنِي اسْكُنِي يا نفسُ قد زال العَنَا ... الْعَنا قد زال يا نفْسُ اسْكُنِي عبد الصمد بن عبد الله باكثير شاعر اليمن، ونادرة الزمن. ينتهي في النسب إلى كندة، وهذا النسب كما عرفت تقف الفصاحة عنده. وكان كاتب الإنشاء لملك الشحر، السلطان عمر بن بدر، ونديمه الذي سما به قدره على كل قدر. وهو أديبٌ فسيح الخطى، وشاعرٌ مأمون العثار والخطا. وديوان شعره مشهور ومتداول، وبأكف الاعتناء والقبول متناول. فمن مختاره قوله من قصيدة، مستهلها: رَعْياً لأيامٍ تقضَّتْ بالحِمَى ... فُزْنا بها ووُشاتُنا غُفَلاءُ جاد الزمانُ بها وأسْعفَنا بمَنْ ... نَهْوَى ولم تشعُر بنا الرُّقَباءُ ومُنادِمِي بَدْرٌ على غصنٍ على ... حِقْفٍ له قلبِي العَمِيدُ خِباءُ عَذبُ المُقبَّلِ عاطرُ الأنْفاسِ دِرْ ... ياقُ النفوسِ شِفاهُهُ اللّعساءُ مُتبسِّمٌ عن أشْنَبٍ شَنَبٍ له ... مهما تبسَّم في الدجى لأْلاَءُ ما مِسْكُ دَارِين بأطْيَب نَكْهةً ... منه وقد ضاعتْ له رَيَّاءُ عبَر النسيمُ يجرُّ فضلَ رِدائِه ... فحبْته من كافورِها الأنْداءُ فتعطَّرتْ من طِيبِ فائحِ نَشْرِها ... أرْواحُنا وسَرَتْ لها السَّرَّاءُ فسقَى الإلهُ مَراتعَ الغِزْلانِ مِن ... وادِي النَّقَا وهَمَتْ بها الأنْواءُ وتهلَّلتْ برياضِها سُحْبُ الْحَيَا ... وسَرَتْ عليها دِيمةٌ وَطْفاءُ حتى يراها الطَّرْفُ أبْهَجَ روضةٍ ... فيروقُه الإصْباحُ والإمْساءُ والطيرُ عاكفةٌ بكلِّ حديقةٍ ... فكأنها بلُحونِها قُرَّاءُ والروضُ مُبتهِجُ الْحَيَا فكأنما ... روَّاه من عمر النَّدَى إيماءُ وقوله من أخرى، أولها: بنَشْرِ وادِي الغَضَا نَشْرُ النسيمِ سَرَى ... فأفْهَمَ الصَّبَّ عن أهلِ الحمَى خَبَرَا أهْدَى التحيَّةَ من أهلِ الخيامِ إلى ... حليفِ وَجْدٍ يُقاسِي الوجدَ والسَّهَرَا لكنَّه جَدَّ في وجدِي وأذْكَرَنِي ... تلك الرُّبوعَ وبانَ الحَيِّ والسَّمُرَا منها: ولِي من العُرْبِ ظَبْيٌ ما رأَى بَصَرِي ... شِبْهاً له في الورى بَدْواً ولا حَضَرَا كالبدرِ وَجْهاً ونَظْمِ الدُّرِّ مُبتسَماًوالظَّبْيِ جِيداً وغُصْنِ الْبانِ إن خَطَرَا كم ليلةٍ زارني فيها على وَجَلٍ ... مستوفِزاً خائفاً مستعجِلاً حَذِرَا يمْشِي الهُوَيْنَى حذارَ الكاشِحين وقد ... أرْخَى السُّتُورَ ظلامُ الليلِ واعْتَكَرَا قبَّلْتُ مَبْسَمَه عَشْراً على عَجَلٍ ... فقام منِّي إلى التَّوْدِيعِ مُبْتدِرَا فكدتُ أشْرَبُه لَثْماً وأهْصِرُه ... ضَمّاً وأثْنِي عِناقاً قَدَّه النَّضِرَا وقوله من أخرى، أولها: هَذِي المَرابعُ والكَثِيبُ الأوْعَسُ ... وظِبَا الخِيامِ الآنِساتُ الكُنَّسُ قِفْ بي عليها ساعةً فلعلَّ أنْ ... يبْدُو لِيَ الخِشْفُ الأغَنُّ الألْعَسُ فلَطَالَما عِفْتُ الكرَى عن ناظرِي ... شوقاً إليه ومَدْمَعِي يتبَجَّسُ ينْهَلُّ سَحّاً مِثلَ مُنْهمِر الْحَيَا ... فوق المَحاجرِ مُطْلَقاً لا يُحْبَسُ

стр. 484

وأغَنَّ ناعِسُ طَرْفِه سلَب الكرى ... عَنّي فطَرْفِي ساهرٌ لا ينْعَسُ أشْتاقُه ما لاح صُبْحٌ مُسْفِرٌ ... في أُفْقِه أو جَنَّ ليلٌ حِنْدِسُ يا عاذلِي دَعْنِي وشَأْنِي إنَّ لي ... قلباً بغيرِ الحُبِّ لا يَسْتأنِسُ لك قُدرةٌ أن لا تلومَ وليس لي ... صَبْرٌ به دون الورَى أتَلبَّسُ كيف السُّلُوُّ عن الأحِبَّةِ بعدما ... دارتْ عَلَيَّ من الصَّبابةِ أكْؤُسُ نقل الصَّبا نَشْرَ الحبيبِ وحبَّذا ... نَشْرٌ به رِيحُ الصَّبا يتنفَّسُ آهاً ولا يجْزِي التَّأوُّهُ والأسَى ... فالصبرُ أجْملُ والتجمُّلُ أكْيَسُ وقوله: عاذِلِي في الغرامِ مَهْلاً فقلبِي ... حَمَّلْته الأحبابُ ما لا يُطِيقُ كيف يُصْغِي إلى اللوائم صَبٌّ ... في حَشاهُ من الفِراقِ حَرِيقُ سلَبْته اللَّواحِظُ البابِلِيَّا ... تُ وأوْدَى به القَوامُ الرَّشِيقُ وسَباه أغَنُّ أحْوَى رَداحٌ ... يُسْنِد العِشْقَ حُسْنُه المَعْشوقُ قد كَفاهُ عن المُهَنَّدِ لَحْظٌ ... وعن الرُّمْحِ قَدُّه المَمْشوقُ رَوْضُ خَدَّيْه جَنَّةٌ لاح فيها ... جُلَّنارٌ وسَوْسَنٌ وشَقِيقُ وله مَبْسَمٌ يُضِيءُ سَناهُ ... عن شَتِيتٍ حَكاه دُرٌّ نَسِيقُ ظَلْمُه في لَماه شُهْدٌ مُذابٌ ... في سُلافٍ رَيَّاهُ مِسْكٌ فَتِيقُ خَصْرُه يشْتكِي من الرِّدْفِ فاعْجَبْ ... كيف يَقْوَى عليه وهْو رَقِيقُ وقوله من قصيدة، مطلعها: جَاد وَبْلُ الغَمامِ شِيحاً وضَالاَ ... ورِياضاً بالسَّفْحِ مَدَّتْ ظِلالاَ لا جَفاها الْحَيَا فلِي ثَمَّ رَبْعٌ ... لم أزَلْ مُكْثِراً عليه السُّؤالاَ تسْحبُ الغِيدُ في رُباه ذُيولاً ... تتَهادَى من النَّعِيمِ اخْتِيالا ورَشِيقِ القَوامِ ما ماسَ إلاَّ ... أخْجَلَ الغُصْنَ قَامةً واعْتِدالاَ ما تثَنَّى إلاَّ ثَنَى كلَّ قلبٍ ... نَحْوَه تابِعاً إذا مالَ مَالاَ صاد قلبي لمَّا تصدَّى لِقَتْلِي ... بِلِحاظٍ يَريشُ منها النِّبالاَ لَوْعَتِي في هَواه أذْكَتْ غَراماً ... وأعادتْ آناءَ لَيْلِي طِوالاَ كلَّما لاح بارِقٌ من زَرُودٍ ... فاض وَادِي العَقِيقِ دَمْعِي وسالاَ وقوله: أشْتاقُ من ساكِني ذاك الحِمَى خِيَماً ... لأجْلِها زاد شَوْقي في الحَشَا ونَمَا ولاعِجُ الشوقِ والتَّبْريحِ من كَمَدٍ ... أجْرَى من العينِ دَمْعاً يُخْجِل الدِّيمَا ما جَنَّ لَيْلِيَ إلاَّ بِتُّ من كَلَفٍ ... أرْعَى النجومَ بطَرْفٍ يسْتَهِلُّ دَمَا لولا هوَى شادِنٍ في القلبِ مَرْتَعُهُ ... ما اشتقْتُ وادِي النَّقَا والْبَانَ والعَلَما نفسي الفداءُ لظَبْيٍ وجهُه قمرٌ ... وبُرْجُه في سَما قلبِي العَمِيدِ سَمَا يُصْمِي فؤادِي بنَبْلٍ من لَواحِظِه ... عن قَوْسِ حاجبِه مَهْما رَنَا ورَمَى في ثَغْرِه الدُّرُّ منظوماً فيا لَكَ مِن ... ثَغْرٍ شَنِيبٍ يُرِيك الدُّرَّ مُنْتظِمَا جَلَّ الذي صاغَه بَدْراً على غُصُنٍ ... على كَثِيبٍ فأبْداه لنا صَنَمَا لم يَكْسُه الحُسْنُ ثَوْباً مِن مَطارِفِه ... إلاَّ كَسَا جَسَدِي مِن عِشْقِه سَقَمَا وقوله من أخرى، أولها: جاد الغَمامُ مَراتِعَ الغِزْلانِ ... ومَرابِعَ الرَّشَأِ الأغَنِّ الْغَانِي وجرى عليها كلُّ أسْحَمَ هاطلٍ ... غَدِقٍ يسيحُ بوابِلٍ هَتَّانِ

стр. 485

يُحْيِي رُبوعاً طال ما لعبتْ بها الْ ... غِيدُ الحِسانُ نَواعِسُ الأجْفانِ من كلِّ فاتنةِ اللِّحاظِ إذا رَنَتْ ... سلَبتْ بِسحْرِ اللَّحْظِ كلَّ جَنانِ فكأنّما الأقمارُ تطلعُ في دُجَى ... ليلٍ من المُسْترْسِل الفَيْنَانِ وكأنما تلك القُدودُ إذا انْثَنتْ ... قُضُبٌ تمايَلُ في رُبَى الكُثْبانِ وبمُهْجتِي خِشْفٌ أغَنُّ مُهَفْهَفٌ ... أصْمَى فُؤادِي إذْ رنَا فرَمانِي ظَبْيٌ مِن الأعْرابِ في وَجَناتِهِ ... قُوتُ القلوبِ وسَلْوةُ الأحْزانِ باللهِ ما طالعْتُ طَلْعةَ وجهِه ... إلاَّ ورُحْتُ براحةِ النَّشْوانِ ماءُ الشَّبِيبةِ فوق وَرْدِ خُدُودِهِ ... يجْرِي على مُتلَهِّب النِّيرانِ ذابتْ عليه حُشاشتي وَجْداً به ... وصَبابةً وجَفَا الكَرَى أجْفانِي لم أنْسَ أيامَ التَّواصُلِ واللِّقا ... والشَّمْلُ مُجْتمِعٌ بوادِي الْبَانِ ومُنادمِي مَن قد هويْتُ وبَيْنَنا الصِّ ... رْفُ الكُمَيْتُ تُدار في الأدْنانِ شمسٌ مَطالِعُها سُعودُ كُؤوسِها ... بين النَّدامَى في بُروجِ تَهانِي في روضةٍ مَفْروشةٍ أرْجاؤُها ... بالوردِ والمَنْثورِ والرَّيْحانِ يتراقَصُ النُّدَماءُ من طَرَبٍ بها ... بتراجُعِ النَّغَماتِ والعِيدانِ لم لا يُواصِلُني السُّرورُ ونحْن في الْ ... فردوسِ بين الحُورِ والوِلْدانِ وقوله، وعجز كل بيت معكوس كلمات صدره تَيَّمَنِي مَن هويْتُ وَاكَمَدِي ... وَاكَمَدِي مَن هَويْتُ تَيَّمَنِي حَيَّرنِي من سَناه حين بَدا ... حين بَدا من سَناه حَيَّرنِي ترشُقني بالنِّبالِ مُقْلَتُه ... مُقْلَتُه بالنِّبَالِ تَرْشُقنِي عَذَّبنِي بالصُّدودِ وَاتَلَفِي ... وَاتَلَفِي بالصُّدودِ عَذَّبنِي صَيَّرنِي في هَواه ذا قَلَقٍ ... ذَا قَلَقٍ في هَواه صَيَّرَنِي يُمْطِلُنِي باللِّقا ويُوعِدُنِي ... يُوعِدُنِي باللِّقا ويُمْطِلُنِي الحسن بن علي بن جابر الهبل شهمٌ ندب، روض أدبه ما طرقه جدب. افتن في الآداب، وسن فيها سنة ابن داب. وله شعرٌ كاسمه حسن، وفضلٌ يقصر عن وصفه كل ذي لسن. قال الصفي بن أبي الرجال، في حقه: لا عيب فيه سوى بعد بلاده، وقرب ميلاده. فالمَنْدَلُ الرَّطْبُ في أوطانِه حَطَبُ أما صغر الميلاد، فلله در أبي الطيب، حيث يقول: ليس الحَداثةُ من حِلْمٍ بمانعةٍ ... قد يُوجَد الحِلْم في الشُّبَّانِ والشِّيبِ وأما بعد الميلاد، فأمرٌ لا يعتبره الحذاق، وإن قالوا: القرب المفرط مانعٌ لإدراك الأحداق. وقال بعض الناس: عَذِيرِيَ مِن عُصْبةٍ بالعراقِ ... وقلبُهمُ بالجَفَا قُلَّبُ يرَوْنَ العجيبَ كلامَ الغريبِ ... وأمَّا القريبُ فلا يُطْرِبُ وعُذْرُهمُ عند تَوْبيخِهمْ ... مُغنيِّةُ الحيِّ لا تُطْرِبُ لكن العاقل الفاضل لا يجنح إلى التقليد، حتى في تفضيل الحصباء على لآلي الجيد. وإن الإنصاف، من أجمل الأوصاف. انتهى. وقد وقفت له على أشعارٍ شعشعها وروقها، واستدعى بها القلوب للصبابة وشوقها. فأثبت منها ما اتسق اتساق النزعات الوجدية، وانتسق انتساق النسمات النجدية. فمن ذلك قوله، من قصيدة أولها: لو كان يعلم أنَّها الأحْداقُ ... يومَ النَّوَى ما خاطرَ المُشْتاقُ جهِل الهوَى حتى غدَا في أسْرِه ... والحبُّ ما لأسِيرِه إطْلاقُ ما لي أُكَنِّي بالنَّقَا عن غيرِه ... وأقولُ شامٌ والمُرادُ عِراقُ يعجبني في هذا المعرض قول الحاجري: خُمارُ هواك قد أتَى بالقَدَحْ ... والوقتُ صَفَا فقُم بنا نَصْطَبِحْ

стр. 486

كم تكتُم سِرَّ حَالِك المُفْتضَحْ ... قُلْ علوة واكْشِفِ الغِطَا واسْتَرِحْ منها: إن قلتُ قد أشْرقْتَنِي بمَدامِعِي ... قال الأهِلةُ شَأْنُها الإِشْراقُ وقوله: حتَّى مَ عن جهلٍ تلومْ ... مَهْلاً فإنَّ الجهلَ لُومْ طَرْفِي الذي يشكُو السُّها ... دَ وقلبيَ المُضْنَى الكَلِيمْ إن الشَّقا في الْحُبِّ عِنْ ... د العاشقين هو النَّعِيمْ ما الحبُّ إلاّ عَبْرةٌ ... عَبْراءُ أو جسمٌ سَقِيمْ يا مَن أُكَتِّمُ حُبَّه ... واللهُ بي وبه عَلِيمْ وبَلابِلٌ بَيْن الْجَوا ... نحِ لا تنَامُ ولا تُنِيمْ ما لِي وما لِلوَائِمِي ... أعليكَ ذو عقلٍ يلُومْ يا هل تُراهُ يَعودُ لي ... بِكَ ذلك الزمنُ القَدِيمْ وهَنِيُّ عيشٍ باللِّوَى ... لَو أنَّ عيشَ هَناً يَدُومْ وبِرَامَةٍ إذ نِلْتُ مِن ... وَصْلِ الأحبَّةِ ما أرُومْ يا حَبَّذا تلك الرُّبو ... عُ وحَبَّذا تلك الرُّسومْ يا تاركينَ مبُهْجَتِي ... شَرَراً يذوبُ بها الجَحِيمْ طال المِطالُ ولم تهُبَّ ... لِصِدْقِ وعدِكمُ نَسِيمْ مَطْلُ الغَرِيمِ غَرِيمَهُ ... حاشَاكمُ خُلْقٌ ذَمِيمْ وقوله: يا مَن أطالَ التَّجَنِّي ... منك الصُّدودُ ومِنِّي مولايَ إن طال هذا ... عليَّ فاعلمْ بأنِّي أفْديك قُلْ ليَ ماذَا الّ ... ذي بدَا لك مِني تركْتَني مُستهاماً ... حَيْرانَ أقْرَعُ سِنِّي أشكُو إليك الذي بي ... وأنتَ تُعْرِضُ عنِّي ولم تَرِقَّ لِحالِي ... ولا رثَيْتَ لحُزْنِي وقوله: أصِخْ لِشَكِيّتِي وارْفُقْ ... بجسمٍ فيك قد نَحَلاَ وقُل لي مَن أحَلَّ دَمِي ... ومَن ذا حَرَّمَ القُبَلاَ وإن تُنْكِرْ ضَنَى جَسدِي ... ولم تعطِفْ عليَّ ولاَ فكُفَّ النَّبْلَ من عيْنيْ ... ك يكْفي بعضُ ما فَعَلاَ ولا تُطْلِعْ لنا خَدَّا ... كَ وَرْدَ رِياضِها الخَضِلاَ وقوله: ما زلتُ من دَرَنِ الدَّنايا صائناً ... عِرْضاً غدا كالجوهرِ الشَّفّافِ فإذا جَرَى مَرَحاً بمَيْدان الصِّبا ... مُهْرُ الهوَى أَلْجَمْتُه بعَفافِ وإذا همُ وصَفُوا مَحاسِنَ شادِنٍ ... مُسْتكمِلٍ لِمَحاسنِ الأوْصافِ أبْدَيْتُ فيه من النَّسِيبِ غرائباً ... ووصفْتُ فيه ما عدا الأرْدافِ وقوله: تغزَّلْتُ حتى قِيلَ إنِّي أخو هَوىً ... وشَبَّبْتُ حتى قيل فاقدُ أوْطانِ وما بيَ من عِشْقٍ وشوقٍ وإنما ... أتَيْتُ من الشِّعْرِ البديعِ بأفْنانِ وله في تعليل كسوف البدر، وفيه لزوم ما لا يلزم: لا بِدْعَ أن يُكْسَفَ بدرُ السَّمَا ... ذاك لِمَعْنىً قد تحقَّقْتُهُ لمَّا بدَا لي وجهُه مُشْبِهاً ... وَجْهَ حبيبي حين فارَقْتُهُ ذكرتُ مَحْبوبي فمِن أجْلِهِ ... صَعَّدْتُ أنْفاسِي فأحْرَقْتُهُ وله أيضاً: قالَ من قال أُكْسِفَ البدرُ قُلْنا ... لا تظنُّوا كُسُوفَه عن شِئانِ قد أخَذْنا سَناهُ عند التَّلاقِي ... وأعَرْناهُ حُلةَ الهِجْرانِ ومن بدائعه قوله: إذا شئْتَ أن نَتَسَلّى هواكَ ... ونَصْبِرَ لاَ كان مَن يصْبِرُ فقل لِقَوامِك لا ينْثنِي ... وقُلْ لِلِحاظِك لا تسْحِرُ وغَطِّ العِذارَ فمهْما بدا ... فإنّا على خَلْعه نُعْذَرُ وقوله: قد كتب اللهُ على خَدِّه ... بالمِسْكِ سَطْراً دَقَّ مَعْناهُ

стр. 487

فقلتُ للعُشَّاقِ لمَّا بَدَا ... صَبْرٌ على ما كتَبَ اللهُ وله في مليح يقرأ: وساتِرٍ خَدَّه بمُصْحَفِهِ ... قلتُ له والفؤادُ في قَلَقِ خِفْتَ على الوردِ من لَواحِظِنا ... يا غُصْنُ حتى اسْتترْتَ بالْوَرَقِ وله: لِفعْلِ الخيرِ تشْتُمُنِي ... وتَرْكِي بَثَّ أسْرارِكْ فقلْ ما شِئْتَ في ذَمِّي ... فإنِّي الفاعلُ التَّارِكْ وله في مليح خراز: وبرُوحِي أفْدِيه خَارِزُ جُلِّهِ ... يُخْجِلُ البدرَ في الليالِي السُّودِ يتراءَى للعاشقِين بسِكِّي ... نٍ تشُقُّ القلوبَ قبلَ الجلودِ وله، في جندي باع سلاحه بعد مرض: قام صلاحُ الدِّين مِن مَرَضِه ... واستقْبَل الدهرَ بعُمْرٍ جديدْ لا تعجَبوا أن باعَ أسْيافَه ... كلَّفَه التَّنْقِيةُ أكلَ الحديدْ وقوله: إياكَ لا تَضَعِ المَدي ... حَ ولا تُرَى مُتغزِّلاَ أتقول قافيةً وقد ... خَلتِ الدِّيار فلاَ وَلاَ يريد قول الغزي: خَلَتِ الديارُ فلا كريمٌ يُرْتجى ... منه النَّوالُ ولا مليحٌ يُعْشَقُ وله: صَدَّ وَصْلَ الحبيبِ عنِّي عَذُولِي ... راح يسْعَى إليه بالتَّفْنِيدِ ورقيبٍ كأنما هو شهر الصَّ ... ومِ عندي فِراقُه يومُ عِيدِ وله في مليح يعرف بالقاسمي: وَافَى فقلتُ وقد رأيتُ له سَناً ... قمراً على غصنٍ رَطِيبٍ ناعمِ يا قاسِمِي بحُسامِ فاتِرِ طَرْفِهِ ... ارْحَمْ بعِزِّك ذِلَّتِي يا قاسِمِي وله، وقد أرسل إليه السيد يحيى بن محمد بن الحسن كتاباً ودراهم: يحيى عمادَ الدِّين يا مَن له ... كَفٌّ يُنِيل السُّؤْلَ قبلَ السُّؤالْ عِطْفِي قد اهْتَزَّ يا سيِّدِي ... مذ جاءَنِي منك خطابٌ ومَالْ وله مضمناً: لمَّا رآني مَن أحَبَّ مُفكِّراً ... نادَى إليَّ مُداعِباً بتلَطُّفِ حدَّثتَ قلبَك بالسُّلُوِّ فقلتُ بلْ ... قلبي يُحدِّثني بأنّك مُتْلِفِي وله، رباعية: كم أكتُم لَوْعتِي وكم أُخْفِيها ... والدمعُ إذا جرَى وما يُبْدِيَها يا مالِكَ مُهْجتِي رُوَيْداً بشجٍ ... ها مُهْجَتُه لدَيْك فانْظُر فيها وله: لا تعتبرْ ضَعْفَ مالِي واعتبِرْ أدَبِي ... وغُضَّ عَن رَثِّ أطْمارِي وأسْمالِي فما طِلابِيَ للدُّنْيَا بمُمْتَنِعٍ ... لكنْ رأيتُ طِلاَب المجدِ أسمَى لِي وله: رُوَيْدَك من كَسْبِ الذنوبِ فأنتَ لا ... تُطِيقُ على نارِ الجحيم ولا تَقْوَى أترْضَى بأن تَلْقَى المُهَيْمِنَ في غدٍ ... وأنتَ بلا عِلْمٍ لَديْك ولا تقوَى وله: افْزَعْ إلى البارِي وكُنْ ... ممَّا جنَيْتَ على وَجَلْ وارْجُ الإلهَ فلم يَخِبْ ... راجِي الإلهِ علَى وجَلّ وقد سبق إلى هذا في قول الأول: كُنْ من مُدَبِّرِك الحكِي ... م عَلاَ وجَلَّ علَى وَجَلْ وله في الثقة بالله: ثِقْ بالذي خلق الورَى ... ودَعِ البَرِيَّةَ عن كَمَلْ إن الصديقَ إذا اكْتَفى ... ورأَى غَناءً عنك مَلّ وله: رضيتُ بربِّيَ عن خَلْقِهِ ... وعن هذه الدارِ بالآخِرَهْ سأسْعَى لطاعتِه طَاقَتِي ... وإن قصرتْ هِمَّتِي القاصِرَهْ وقال، وقد رأى شعرةً بيضاء في رأسه: شبابٌ غيرُ مذمومٍ تولى ... وشَيْبٌ قد أتى أهْلاً وسَهْلاَ مضَى عمرِي الطويلُ ومَرَّ عَيْشِي ... كأنِّي لم أعِشْ في الدهرِ إلاَّ الضد أقرب خطوراً بالبال عند ذكر ضده، فذكرت من قوله: رأى شعرةً بيضاء في رأسه ما حكى أبو الخطاب بن عون الحريري الشاعر، أنه دخل على أبي العباس الشامي المصيصي واجماً، ورأسه كالثغامة، وفي شعره واحدةٌ سوداء. فقلت: يا سيدي، برأسك شعرةٌ سوداء!

стр. 488

قال: نعم، هذه بقية شبابي، وأنا أفرح بها، ولي فيها شعرٌ. فقلت: أنشدنيه. فأنشدني: رأيتُ في الرَّأْسِ شَعْرةً بَقِيَتْ ... سوداءَ تهْوَى العيونُ رُؤْيتَهَا فقلتُ للبِيضِ إذْ تُرَوِّعُها ... باللهِ ألاَ فارْحَمْنَ غُرْبَتَهَا وقَلَّ لُبْثُ السوداءِ في وَطَنٍ ... تكون فيه البَيْضاءُ ضَرَّتَهَا ثم قال: يا ابن الخطاب، بيضاء واحدة تروع ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء. أحمد اليبنبعي شهابٌ في سماء الفضل قد وقد، تنفث أقلامه في عقودٍ لا عقد. وضح في طريق المعارف وضوح النور الساطع، ومضى في تحصيل شواردها مضاء السيف القاطع. وله بديهة لم تعب في ميدان سبقٍ بتخلف، وأشعارٌ سلمت من وصمة تعقيدٍ وتكلف. فمنها قوله: سَبَى فؤادِي ومَن حاز الجمال سَبَى ... ظَبْيٌ من التُّرْكِ ألْهَى حُسْنُه العَرَبَا منها: والليلُ مشتمِلٌ بالغَيْم مُتّشِحُ ... بالبَرْقِ قد وضعُوا تاجاً له الشهُبَا والبرقُ مُسْتعِرُ الإيماضِ مُتَّصِلٌ ... كأنه قلبُ صَبٍ للنَّوَى وَجَبَا أو أنه ضَوْءُ مِصْباحٍ يُمثِّلُه ... ضَحْضَاحُ ماءٍ ولكن عندمَأ اضْطَرَبَا وله من أخرى، مطلعها: سَلُوا عن فؤادِي إن مَرَرْتُم على سَلْعِفعَهْدِي به لمّا الْتَقَى الرَّكْبُ بالجِزْعِ منها: كأنَّ حُروفَ العِيسِ في فاحِمِ الدُّجَى ... أحاديثُ سِرٍ أُودِعتْ جَيِّدَ السَمْعِ كأنَّ سُهَيْلاً غُرَّةٌ فوق أدْهمٍ ... يُجاذِبُه رَبُّ العِنانِ عن الرَّفْعِ وتنظُر في الغَرْبِ الهلالَ كأنه ... مِن الْعاج مُشْطٌ غاصَ في آخرِ الفَرْعِ هذا التشبيه محل نظر. إلى أن تجلّى عن دُجَى الليلِ صُبْحُهُ ... تَجلِّي أمير المؤمنين عن النَّقْعِ وله: شكى إلى آسِيهِ مِن رأسِه ... مَن قَدُّه يَهْزأُ بالآسِ قلتُ كِلانَا والهوى قد رَسَا ... في القلبِ نَشْكُو ألَمَ الرَّاسِ إبراهيم بن صالح المهتدي أحد من سبق وادعى، ورعى من حق الصنعة ما رعى. تبلغ بها على رواج سوقها، وانتحلها على توافر أمانيه من وثوقها. والإمام أحمد بن الحسن أول من استدناه، وبلغه من وفور المواهب مناه. فتهادته السيادة تهادي الرياض النسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في العيش الوسيم. فنشأ خلقاً جديداً، وجرى طلقاً مديدا. وهو شاعرٌ كاتب، حقه واجب، وفضله راتب. وكلماته قلائد في طلى ولائد، وفرائد في أجياد خرائد. وقد أثبت له ما يبلغ الغاية في الإغراب، ولم يسمع بأجود منه من العرب والأعراب. فمنه قوله، من قصيدةٍ كتبها إلى الإمام إسماعيل، يحثه على الجهاد، لما أحصر الركب اليماني، في سنة ثلاث وثمانين بعد الألف: أظُلْماً عن البيتِ الحرامِ تُذادُ ... على مِثْلها الخلُ الجِياد تُقادُ وخَسْفاً يُسامُ الهاشِمِيُّون إنها ... لَفَادِحةٌ فيها الحتوفُ تُقادُ فلا نامتِ الأجْفانُ يا آلَ قَاسِمٍ ... وكيف وفيهِنَّ السيوفُ حِدادُ ولا حمَلتْكُم مِن نتائجِ دَاحِسٍ ... شَوازبُ ما لم تُسْتشَبَّ زِنادُ إذا لم يَصُنْ مجدَ الخلافةِ منكمُ ... فمِن أين مجدٌ طارِفٌ وتِلادُ تدافعتِ البِيدُ المَوَامِي بقومِكمْ ... تَدافُعَ ذُلٍ في دِماه ضِمادُ ورُدُّوا حيارَى خائبين بصفْقةٍ ... يُنالُ بها رِيحُ الرَّدَى وتُقادُ وقد شارَفُوا أرْجاءَ مكةَ وانْثَنَوْا ... بِفاقِرةٍ تَفْرِي الأَدِيمَ وعادُوا بنى القاسم المْنصور لا تحْسَبونها ... مُهنِّيةً لا بَلْ عَناً وعِنادُ فعَزْماً فأنتم أُسْرَةُ السُّؤْددِ الذي ... مَبَانِيه من فوقِ النُّجومِ تُشادُ

стр. 489

ألستمُ بأهلِ البيتِ والرُّكْنِ والصَّفَا ... بلَى وهْيَ أوطانٌ لكم وبِلادُ فلا تتركوا الأتْراكَ في جَنَباتِها ... على الغَيِّ قد سادُوا القُرومَ وشَادوا وصُولُوا مَصالاً يتْرُك البحرَ جَذْوةً ... وحَزْماً فما فوق الجَمارِ رَمادُ ويا آلَ قَحطانٍ ويا آلَ حاشِدٍ ... وآل بَكِيلٍ آنَ آنَ جهادُ يُذادُ عن البيتِ الحرامِ حَجِيجُكمْ ... كما ذِيدَ عن ذِئْبِ الفَلاةِ نِقَادُ فشُدُّوا حِزَامَ الحَزْمِ فالطِّرْفُ إن يُدَعْ ... مَشَدُّ حِزامٍ منه مال بَدادُ ألا أيْقظُوا نُجْلَ العيونِ عن الكَرَى ... فَليس بها إلاَّ قذىً وسُهادُ إذا فاتَها من أسْودِ الرُّكْنِ نظْرةٌ ... فلا دار في أحْداقِهِنَّ سَوادُ قليلٌ بأن تُشْرَى مِنىً بِمَنِيَّةٍ ... لَيالِي لِقاً تزْهُو بِهِنَّ سُعادُ وتَجْريعُ كأسِ الموتِ إن نَدَّ زَمْزَمٌ ... وأعْوزَتِ الوُرَّادَ منه ثِمادُ ونَحْرُ الفتى المذكورِ في عَرَفاتِها ... على وَقْفةٍ فيها الجِرارُ بِرَادُ ألَذُّ وأحْلَى لِلْكَمِيِّ مَذاقةً ... ألا انْتبِهوا يا قوم طال رُقادُ أتَقْذَى عيونٌ منكمُ بِمَذَلَّةٍ ... وتُغْضِي جفونٌ حَشْوهنَّ قَتادُ ويصْفُو على ذا الضَّيْم للحُرِّ مَشْرَبٌ ... وكيف وشِرْبُ الهُونِ فيه يُرادُ دعوتكُمُ هل تسمعون نِداءَ مَن ... يُحرِّض لكن لا يُجيبُ جَمادُ فيا سَيْفَ سيفِ الآلِ مِن حَسَنٍ أَجِبْ ... فقد لقِحتْ حَرْبٌ وثار جِلادُ أأحمدُ ماذا العَوْدُ منكم بأحمدٍ ... ولكن حديثُ الضَّيْمِ منه يُعادُ فثُرْ ثَوْرةً واغضبْ لربِّك غَضْبةً ... بعَزْمٍ له فوق النُّجُوم مِهادُ وقُلْ لأميرِ المُؤْمنين أفِقْ لنا ... يُذادُ بنا والمُقْرَبات جِيادُ لأَيَّةِ معنىً هذه الخيلُ تَدَّعِي ... وبِيضُ المواضِي والرِّماح صِعَادُ وفي مَ يجُرُّ الجيشُ وهْو عَرَمْرَمٌ ... لُهامٌ بها عُصْبٌ رُبىً ووِهادُ أغايتُه يوم الغَدِيرِ لِزِينَةٍ ... وغايةُ جُرْدِ الخيلِ منه طِرادُ أبَى اللهّهُ الدِّينُ الحَنِيفُ وصارمٌ ... على عاتقِ الإسْلامِ منه نِجادُ ويأبَى أميرُ المؤمنين وبأسُه ... وفي الثَّغْرِ والرَّأْيِ السَّدِيدِ سَدادُ فيا أيُّها المولى الخليفةُ عَزْمَةً ... فقد شاب فَوْدٌ واستطَار فؤادُ فلا تَبْرِ أقْلاماً سِوَى من لَهاذِمٍ ... لها من دماءِ المَارِقين مِدادُ ولا كُتُباً إلا الكتائبُ والظُّبَى ... ولا رُسُلاً إلا قَنَاً وجِيادُ دعا أحمدُ الهادي بمكةَ مُفْرَداً ... فمال ذَوُوه عن دُعاه وحَادُا وقام وجُنْحُ الكُفْرِ دَاجٍ عِرانُه ... وما الكونُ إلا ضَلَّةٌ وفَسادُ فلما تجلَّى صُبْحُ أسْيافِه انْجَلتْ ... حَنادِسُ غَيٍ واسْتنارَ رشادُ فسَيِّرْ أميرَ المؤمنين جَحافلاً ... لهُنَّ من السُّحْبِ الثِّقالِ مُرادُ وجَهِّزْ صَفِيَّ الدِّين يمضي بهِمَّةٍ ... بأشْراكِها نَسْرُ السماءِ يُصادُ وأيِّدْهُ بالأبْطالِ أبْناءِ عَمِّه ... وبابْنِك عِ. ِّ الآلِ يُبْنَ وِسادُ ولا تَطْوِ أحْشَاءَ الفَخارِ على جَوىً ... تُؤجَّجُ منه جَذْوةٌ وزِنادُ

стр. 490

أتُقْصَى عن البيتِ الحرامِ رِكابُنا ... ويُهْدَمُ مِن آلِ النَّبيِّ عِمادُ ألم تذكر الأتْراكُ غارةَ أثْلَةٍ ... وأنَّهم ذاقوا الوَبال وبادُوا ويا رُبَّ يومٍ أدركوا فيه مَصْرعاً ... وللوَحْشِ منهم مَنْهَلٌ ووِرادُ فعُودُوا عليهم عَودةً قَعْسَريَّةً ... تُصاب سَلِيمٌ عندها ومُرادُ إذا أحْرَمتْ بِيضُ السيوف تَجِلَّةً ... وناط بِخَيْفٍ أبْطَحٌ وجِيادُ هنالك يُشْفَى غَيْظُ نفسٍ كريمةٍ ... وقد حان من أهلِ الضَّلالِ حَصادُ ودونكم الحَرَّاءَ من قلبِ عارفٍ ... لها حِكَمٌ ما إنْ لَهُنَّ نَفادُ لقد أرسلتْ تِمْثالَها وترسَّلتْ ... فواصلُ فيها للعِداةِ صِفادُ أصِيخُوا لها سَمْعاً وعَزْماً يقولُه ... خطيبٌ بليغُ الواعظاتِ جَوادُ سلامٌ عليكم إن عملتُم بِحُكْمِها ... وإلاَّ فلا جاءَ الديارَ عِهادُ وقد وقفت لصاحبنا أديب الدهر، أحمد بن ابي القاسم الحلي على قصيدة وزانها، رد عليه فيها. وهي: دَعَوْتَ ولكن مَن دعوتَ جَمادُ ... ونَبَّهْتَ لكنْ مَن دَهاه رُقادُ وأسمعْتَ مَن أضْحتْ بأُذْنَيْه عِلَّةٌ ... فما لِمَواعيظِ الرَّشادِ رَشادُ كأنَّ أحاديثَ الذين تحلّفوا ... وصَدُّوا لآذانِ الرِّجالِ سِدادُ وحرَّضْتَ أصْناماً ظننْتَ شُخوصَها ... جُسوماً ولكنْ ما لهُنَّ فُؤادُ رأيتَ سَراباً لاح منهم بِقِيعَةٍ ... شَراباً فرِدْ إن الشّرابَ يُرادُ وآنسْتَ ناراً يُستطارُ شَرارُها ... وما هِيَ إلاّ إن كشفْتَ رَمادُ قَذىً حَلَّ في عينيْك حتى تصوَّرتْ ... لك الحُمْرُ أُسْداً والحمير جِيادُ وحتى البُروقُ الّلامعاتُ صَوارِمٌ ... وحتى الحصونُ المائلاتُ مَعادُ وحتى النجومُ الزَّاهِرات مَغَافِرٌ ... وحتى طِرادُ اللاعبِين جِلادُ وحتى ظَلُومُ الليلِ جيشٌ عَرَمْرَمٌ ... تضِيقُ به عند النُّزولِ بِلادُ وحتى السحابُ الجُونُ قامتْ تُثيرُه ... خيولٌ على السَّبْعِ الشِّدادِ شِدادُ وحتى الرُّعودُ المُزعِجاتُ صَهِيلُها ... إذا هيَ في اليومِ العَبُوس تُقادُ وحتى العَباءُ السُّودُ وهْيَ عليهمُ ... دُروعٌ لقد غَرَّ السوادَ سَوادُ أعِدْ نَظَراً فيما رأيتَ ولا تَمِلْ ... عن الحقِّ إنَّ المَيْلَ عنه عِنادُ ألم يعلموا أن النفوسَ نَفائِسٌ ... وأن مَذاقَ الموتِ ليس يُرادُ ألم يعلموا أن السَّلامةَ مَغْنَمٌ ... إذا حصَلتْ نالوا المُنَى وأفادُوا وهَبْ أنهم هَشُّوا لقولك هَشّةً ... وشدُّوا العِتاقَ السَّابقاتِ وقادُوا ألَيس قُصاراهم إذا قامتِ الوغَى ... ودارتْ رحَى الهَيْجا فَناً وشِرادُ أبَعْد افْتراشِ الخَزِّ تغدو من الثّرَى ... لهم فُرُشٌ مطروحةٌ ووِسادُ وبَعْد رُكوبِ الخيْلِ يغْدو رُكوبُهم ... على آلةٍ حَدْبا وعَزَّ مِهادُ وبعد لَذِيذات المَطاعمِ منهمُ ... يكون طعامٌ للسِّباعِ وزَادُ يعِزُّ عليهم يا أخا العَزْمِ والنُّهى ... يطُول لربَّاتِ الحِجَالِ حِدادُ بحقِّك قُلْ لي هل رأيتَ هَلاكَهمْ ... بإغْرائِهم كَيْما يُنال مُرادُ وهل في الحَشَا منكم كُلومٌ قديمةٌ ... فثَارَ لأخْذِ الثّأْرِ منك فُؤادُ كأنِّي بهم لو حاولوا أن يُزايِلُوا ... مَنازلَهم قادُوا الرِّقابَ نِجادُ

стр. 491

ولو خرجُوا منها لأوْشَك زَادُهمْ ... يكون له قبلَ الخُروج نَفادُ ولو جَنَحُوا للحربِ قَصَّ جَناحَهمْ ... وظَلُّوا بأيْدِي القاعدين يُصادُوا ولو فارقُوا أبْوابَ صَنْعا لفُرِّقتْ ... جُموعُهم أيْدِي سَبَاءَ وبادُوا ولو جاوزُوا غَرْسَ الغِراس هُنيئَةً ... لكان لهم يومَ المَعاد مَعادُ ومن بدائعه قوله، من قصيدة يمدح بها الإمام إسماعيل المتوكل. ومستهلها: نعمْ ما لربَّاتِ الحجُولِ ذِمامُ ... ولا لعُهودِ الغانياتِ دَوَامُ أعَزُّ إلى مَ البرقُ عندك خُلَّبٌ ... وحتى مَ سُحْبُ الوصلِ منك جَهام تقلَّص ظِلٌّ مِن وفائِك سابِغٌ ... ظَلِيلٌ وعاد الرِّيُّ وهْو أُوامُ تَخِذْتِ قِلالَ الصَّدِّ والبعدِ جُنَّةً ... مَلَلْتِ ألا إن المَلالَ مَلامُ وتلك لَعَمْرِي في الحِسانِ سَجِيَّةٌ ... وللشَّيْخِ في إلْمامِهِنَّ لِزامُ ولكنه في حَقِّهِنَّ مُمَدَّحٌ ... يحِلُّ وأما في الرجالِ حَرامُ قُصارَى جَمالِ الغِيدِ وَجْدٌ ولَوعةٌ ... لها بيْن أحشاءِ الثّناءِ ضِرامُ تعَصَّيْتِ حتى ما لمُضْناك حِصَّةٌ ... من الوصلِ إلاَّ مِن رَنَاكِ سِهامُ حسبْتِ بأن الحسنَ باقٍ وربما ... غدا يَنْعُه يا عَزُّ وهْو تَمامُ وكلُّ شبابٍ بالمَشيبِ مُروَّعٌ ... وإن لم يَرُعْك الشَّيْبُ راع حِمامُ ألم تعلمِي أن المَحاسنَ دولةٌ ... يَزولُ إذا زالتْ جَوىً وغَرامُ ولو دامتِ الدّولات كانُوا كغيْرِهمْ ... رَعايا ولكن ما لَهُنَّ دَوامُ إذا زِدْتِ بُعْداً أو أطلْتِ تجنُّباً ... رحلتُ وجسمِي لم يُذِبْه سَقامُ ومافَضْلُ ربِّ السيفِ إن فتكَتْ به ... جفونٌ كَلِيلاتُ المَضاءِ كَهامُ أينْصِبْن لي من هُدْبِهنَّ حُبالَةً ... وهل صِيدَ في فخِّ الغَزالِ حَمامُ ولي هِمَّة لا يطَّبيها صَبابةٌ ... وحَزْمُ فتىً بالخَسْفِ ليس يُسامُ وعَزْمةُ نَدْبٍ لا يذِلُّ فُؤادُه ... وجانبُ حُرٍ لن تراه يُضامُ هُيامِيَ في نَهْدٍ أقبَّ مُطَهَّمٍ ... إذا القومُ في نَهْد المَليحةِ هامُوا ولم يكُ عندي غيرَ كُتْبٍ نَفِيسةٍ ... ترُوق وإلاّ ذابِلٌ وحُسامُ ولي قلمٌ كالصِّلِّ أمَّا لُعابُه ... فسَمٌّ وأما نَفْثُه فَمُدامُ وإن أمَّنِي دهرِي الخَؤُونُ بحادثٍ ... فلي مِن أمير المؤمنين عِصامُ وله مناظرة بين القوس والبندق. قال فيها: الحمد لله المفيض كرماً ومنا، والصلاة على نبيه الراقي إلى قاب قوسين أو أدنى. المؤيد بخوارق آياتٍ هن أشد حكماً وأنفذ سهما، الذي أنزل عليه: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ". وعلى آله الذين تقوست بريهم ظهور النواصب، وأدركوا ببندق الإصابة كل غرض ناكب. وأقيمت لهم في الدين الحجج والأدلة، وتقاصرت بجودهم الشهور والأهلة. أما بعد: فهذه أرجوزة جمعت فيها غرائب من البديع، ووشعت بردها مفوفاً كأزاهير الربيع. وسميتها براهين الاحتجاج والمناظرة، فيما وقع بين القوس والبندق من المفاخرة. سلكت فرائدها ممتثلاً لمقترح مولاي السيد العلامة لسان المتكلمين، وترجمان الأئمة العارفين، سيف الإسلام والمسلمين، أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين. وطرزتها بفرائد من مديحه، الذي لا يقضي النظر مع تعارض الأدلة إلا بترجيحه. فهو المقصود أولاً وبالذات، والمقدم التالي في هذه الأبيات: جاءتْك تبْرِي أسْهُمَ الجفونِ ... عن قوسِ ذاك الحاجبِ المَقْرونِ تخْتالُ مثلَ الغُصُنِ الرَّطِيبِ ... في مِطْرَفٍ من حُسْنها القَشِيبِ

стр. 492

رَيَّانةٌ ظامئةُ الوِشاحِ ... سَكْراءُ من خَمْرِ الصِّبا يا صاحِ تفْترُّ عن دُرٍ بَدِيدِ الشّنبِ ... كأنه كأسٌ طَفَا بالحَبَبِ هِمْتُ بها وأعْجَبُ الإبْداعِ ... ذو طَيْلَسانٍ هام في قِناعِ كالليلِ داجي شَعْرِها إذا سجَى ... ووجهُها كأنه بدرُ دُجَى بيضاءُ بيْضا الْجُسَيمِ كاعِبَهْ ... تُضْحى بألْبابِ الرِّجالِ لاعِبَهْ كم مُغْرمٍ بحُبِّها مُدَلَّهَا ... بقلْبِه نحوَ الهوى مُدَّلَهَا جاءتْ إلينا كالأصِيل في الضُّحَى ... لو لَمَحَ البدرُ سَناها لَمَحَا وطَوْقُها يلوحُ فوق الجِيدِ ... كأنه شَكْلُ هِلالِ العيدِ على جَبِين الأُفقِ البَهِيِّ ... مُنْحدِرٌ في الجانبِ الغَرْبِيِّ قد خُطّ في طِرسِ السَّما كالنُّونِ ... كأنه قَوْسُ صَفيِّ الدِّينِ رامِي حَشَا البُخْلِ بِسَهمِ الجودِ ... وقاتلُ الإعْدامِ بالوجودِ يَمُّ العلومِ والنَّدَى المألوفِ ... وجُنَّةُ اللائذِ والمَلْهوفِ هو الحُسامُ في يَدِ الخليفهْ ... حامِي ذِمامِ المِلَّةِ الْحَنِيفهْ مَنْ جَلَّ مِقْداراً على السِّماكِ ... وقال للشمسِ أنا سَماكِ أحمدُ نَجْلُ الحسنِ بن القاسمِ ... ناهِيك في الهَيْجاءِ من مُصادِمِ مَن عرَّف الجندَ بلاَمِ الحربِ ... واللامُ للتَّعْريف عند العُرْبِ ما بين خَطِّيٍ وبين ماضِ ... ومِغْفَرٍ وسابغٍ فَضْفاضِ يتْلوهما تركشة في الرَّاسِ ... فُؤادُها من الحديدِ قاسِ وتركشُ النَّبْلِ وقَوسُ الرَّمْيِ ... من لازمِ المُدَجَّح الكَمِيِّ فالقوسُ قد عادتْ له أحكامُ ... وارتفعتْ لحُكْمِه أعْلامُ منذ أعاد الأحْمَدِيُّ أثَرَهْ ... وشَدَّ أيضاً بالسَّوامِ أثَرَهْ فصار بين الخافقَيْن مُشْتهَرْ ... وجا على البُنْدُقِ أيضاً يفْتخِرْ مُنْحَنِياً من الدّها مُترْكشَا ... مُقَذِّفاً لسَهْمِه مُرَيِّشَا يقول فَضْلِي ظاهرُ البيانِ ... بسُورةِ الزُّخْرُفِ لا الدُّخانِ يُرْجَى على ظهرِ الحصانِ الأعْوَجِ ... أنا الهلالُ لم يُعَبْ بالعِوَجِ قِدْحِي المُعَلَّى في ظهورِ السُّبَّقِ ... فأين مِن مَرْمايَ مُجْرِي البُنْدُقِ قَبيلتي بين الورَى كِنانَهْ ... راشِقةٌ حِرابُها طَعّانَهْ فهل ترى لبُنْدُقٍ قبيلَهْ ... سوى مقصّ شم أو فَتِيلَهْ وإن أتى وصوتُه مُجاشِعُ ... فإنما أصولُه قَعاقِعُ غِذاؤُه الباروتُ والرَّصاص ... كأنما في جَوْفِه قُرَّاصُ فأرْعَدَ البُنْدُقُ حتى أبْرَقَا ... بَرْقاً من الياقوتِ قد تألّقَا وقال إذْ قام على كُرْسِيِّهِ ... قد أُنْطِق الأخْرسُ بعد عِيِّهِ تمنْطَق القَوْسُ عليَّ وافتَخرْ ... وهْو مدَى الأيامِ في أسْرِ الوَتَرْ مُشدّدُ الأطرافِ كالمَوثُوقِ ... وقلبُه مُطَرَّحٌ في السُّوقِ يفْخَر والفاخرُ عُقْباه النّدَمْ ... مَعْ أنه مُحْدَوْدِبٌ من الهِرَمْ ليس له ذخيرةٌ يُنفِقُها ... إن ثار من نارٍ الوغَى مُحْرِقُهَا يجهْل ما بيْن الورَى تأْثيرِي ... ورَفْعَ كُرْسِيِّي على الصدورِ ولا أزال طالعاً في غاربِ ... أرْمِي الشياطِين بنَجْمٍ ثاقبِ أرُوعُ في الهَيْجا زئيرَ الأُسْدِ ... بصَرْخةٍ من رَمْيتِي كالرَّعْدِ

стр. 493

آكُلْ بالمِيزانِ أكْلَ الحِكْمَهْ ... فلستُ أخْشَى دائماً من تُخْمَهْ كفَاك منِّي خَبَرِي وخُبْرِي ... وحُسْنُ مَدْحِي من أديبِ العَصْرِ قد قال فيّ والبليغُ حُجّهْ ... وقولُه مُتَّضِح المَحَجّهْ ضئيلةٌ تَرْقِيشُها حسنُ الفرندْ ... جَوْهرُها في الرُّوم مَشْبوكُ الزّرَدْ أفْعاءُ في أجْوافِها النِّيرانُ ... يحْذَر منها الصِّلُّ والثُّعْبانُ وسَمُّها تَحْمِلُه جَنِينَا ... تُرْضِعُه من الرَّدَى علينَا بيْنَا تُرَى تحملُ منه طِفْلاَ ... حتى يصيرَ للحِمامِ كَهْلاَ ما تدْرِ ما تلْفَحُه وتضَعُهْ ... ومن أَفاوِيق الذُّعافِ تُرْضِعُهْ إلاَّ بِمقْدارِ اكْتحالِ النّاظرِ ... حتى يصير وهْو حَتْفُ الفَاجِرِ وَاهاً لها تلك مَخاضُ حُبْلَى ... أسْرَعُ ما تدْرأُ منه الحَمْلاَ فابْتَدرَ القوسُ بسهمٍ ووثَبْ ... وازْوَرَّ كالحاجبِ من فَرْطِ الغَضَبْ وصار يُبْدِي صَوْلة المِقْدامِ ... يسْحبُ أذْيالاً من السِّهامِ وقال ما أقْرَعُ في خِطَامِهْ ... والمرءُ قد يُقْذِعُ في إعْظامِهْ ما لِي وللْبُنْدُقِ يا أُخَيَّهْ ... أصْبَح يُعْلِي صَوْتَه عَلَيّهْ جوابُه أن لا يُجَابَ أبَدا ... فما يُجِيبُ صوتَه إلا الصّدَى لكنني مُنْتصِرٌ خَشْيَة أن ... يقول إنِّي قد رُميتُ باللَّكَنْ وكان أوْلَى عِنْدِيَ السُّكوتُ ... فإنما نَفِيثُه بارُوتُ مُسْتكْثَرٌ دُوَيْبقٌ في ثَمنِه ... أما تراه أبْخَرَ من نَتَنِهْ وقال لم تَعْلَقْه من تُخْمَهْ ... وإنما غذاؤُه بالحِكْمَهْ وكم له من بِطْنةٍ مبْغوضَهْ ... تَظَلُّ أحْشاهُ بها مَغْضوضَهْ كم آد مَن يحملُه من تَعَبْ ... وأخَّر الرَّامِيَ عن نَيْلِ الأرَبْ لثُقْلِه فجِرْمُه ثقيلُ ... إن الثقيلَ قُرْبُه مَمْلولُ ما أكثرَ التَّلْوينَ في دِيانتِهْ ... وأضْيَعَ الأسرارَ في خِزانتِهْ فَتِيلُه نارُ الفَرِيقِ في العَلَمْ ... فسْرُّ مَن يغْزُو به لا يُكْتَتَمْ كم دَرَّ بالصوتِ على رَاميهِ ... ونَمَّ في الليل على سَارِيهِ وأيْنَه منِّي وحِفْظُ سِرِّي ... ما زال مَحْنُواً عليه ظَهْرِي أُصِيب مَن أرْمِيه اغْتيالاَ ... حتى أكاد أرْشُق الخَيالاَ أصُونُ سِرِّي فهْو لا يبينُ ... مُقْتدِراً بقَوْلِه اسْتعينُوا إن يتبجَّحْ في عُلُوِّ الشَّانِ ... بمَدْحِه من شاعرِ الزَّمانِ فحُجَّتِي أرْجُوزةُ النَّباتِ ... ودُرَّةٌ من بَحْرِه الفُراتِ أعْنِي بذا فرائدَ السُّلوكِ ... في ذِكْرِه مَصائد المُلوكِ للهِ ما أعْذَبها مِنْ مُلَحْ ... قد قال إذْ طَرَّزَها مَن مَدَحْ يا حبذا مُجِيبةُ الوِصالِ ... قاطعةُ الأعمارِ كالهلالِ زَهْراءُ خضراءُ الإهابِ مُعْجِبَهْ ... ممَّا ثَوَتْ بين الرِّياضِ المُعْشِبَهْ كأنها حولَ المِياهِ نُونُ ... أو حاجِبٌ بما يشا مَقْروُنُ لها بَنانٌ بالمَنَى مَعْذُوقَهْ ... من نَبْعةٍ واحدةٍ مَخْلوقَهْ فاضْطرَب البُنْدُقُ واسْتثارَا ... وأظْهرتْ ذخيرةٌ شَرارَا وقال عندي خَبَرُ البُخارِي ... ولي حديثُ الرَّمْيِ بالجِمارِ يا قَوْسُ لا تدخُلْ في أحْكامِي ... فأنت عندي من ذَوِي السِّهامِ

стр. 494

ولا تقُل في مَتْنِك التَّعْصِيبُ ... فما له من قِسْمَتِي نَصِيبُ القوسُ يا قومُ لنَدْفِ القُطْنِ ... لا لاتِّخاذِ الرَّمْيِ يومَ الطَّعْنِ كأنه في مَسْجِدٍ مِحْرابُ ... أو راكعٌ من خشْيتي مُرْتابُ كم فُتِّتَ تحت الْبانِ كَبِدُهْ ... بِخِدْمةٍ حتى يُقاد أَوَدُهْ أنا الذي أُحْرِزَ في الإقْدامِ ... بآيةِ الكُرْسِيِّ صَدْرَ الرَّامِي وقال إنِّي لَثقِيلُ الجِرْمِ ... وليس يدْرِي أنَّ ذا من حِلْمِي ونَبْلُه من خِفَّةٍ يَطيشُ ... تحلُّه مع الرِّياحِ الرِّيشُ ما كلُّ من خَفَّ قِباً لَطِيفُ ... إن الخفيفَ عَقْلُه خَفِيفُ فحين زادتْ منهما المُفَاخَرَهْ ... واتَّصلتْ بينهما المُشاجرَهْ وكاد أن يُفْضِي إلى القتالِ ... بين رَصاصِ الرَّمْلِ والنِّبالِ تجرَّد السيفُ عن القِرابِ ... وجَرَّ حَدّاً منه غَيرَ نَابِي وانْسَلَّ ما بينهما إصْلاحَا ... وقال قد طَوَّلْتُما الكِفاحَا والرأيُ أن تصْطِرخَا في الحالِ ... وتذْهبا عن ظُلْمةِ الإشْكالِ إلى الصَّفِيِّ فَيْصلِ الأحْكامِ ... أحمدَ مَوْلى الحَلِّ والإبْرامِ فإنه قد قال وهْو الحاكمُ ... وحُكْمُه فيما يقولُ لازِمُ لابُدَّ للأصْيَدِ في الفرسانِ ... من مُرْهفٍ وذَابلٍ مُرَّانِ وتركش مُقْترِنٌ بالقَوْسِ ... كمن مضَى من خَزْرَجٍ وأوْسِ فراجِلٌ يمْشي بلا حُسامِ ... وبُنْدُقٍ رامٍ إلى المَرامِ كفارسٍ يبْرُز للنِّزالِ ... من غيرِ لا سيفٍ ولا عَسَّالِ فعند ذا فاءَا إلى الصُّلْحِ مَعا ... ونَحْوَ بابِ الأحْمَدِيِّ نَزَعَا لَيْثٌ له كَهْفُ الفَخارِ خِيسُ ... يرْتابُ من سَطْوتِه بِرْجِيسُ الجامعُ الَّلامَ فيومِ الْفاءِ ... في مَوْكبٍ يمْلأُ عَيْنَ الرَّائِي رَعِيلُ شُهْبٍ تَنتقِيه الشُّهْبُ ... وعنده نارُ العِداةِ تَخْبُو به تَمُور قُلَلُ الشَّهْباءِ ... وقَوْسُه في أُذُنِ الجَوْزاءِ أمِيرُه سيفُ الفتوحِ أحمدُ ... لِواؤُه في كلِّ نَصْرٍ يُعْقَدُ يا قمراً في أُفُقِ الخِلافَهْ ... دُونكَها مُجاجَة السُّلافَهْ تخْتالُ في بُرْدٍ من الطُّروسِ ... ماشِيةً كمِشْيةِ العَرُوسِ لها مَعانٍ للعقولِ ساحرَهْ ... فاخِرةٌ في حُلَلِ المُفاخَرَهْ وإن تراخَتْ في قضاءِ الواجبِ ... فعُذْرُها عُذْرُ زمانٍ غالبِ ثم الصلاةُ ما بدتْ غَزالَهْ ... على النبيِّ خاتِمِ الرِّسالَهْ وآلِه سفينة النَّجاةِ ... وصَحْبِه أكابرِ السَّاداتِ ومن أبدع بدائعه، قوله مخابطاً للإمام إسماعيل، وقد عرض عليه حصانان من كرائم خيله، أحدهما أسود، والآخر أبيض: وأدْهَمٍ قد زَهَى اسْوِداداً ... مع أبْيَضٍ زانَه اخْضِرارُ فأنتَ في رُتْبةِ المَعالِي ... يحْمِلُك الليلُ والنهارُ وقال، وكان الإمام أراد أن يدخل مكاناً له، فهوى قنديلٌ كان معلقاً، فانكسر: لا تعْجَبُوا إن هوَى القِنْدِيلُ مُنْكَسِراً ... فما عليه أُهَيْلَ الفَضْلِ من حَرَجِ رأَى الإمامَ كشمسٍ في مطالِعِها ... وعند شمسِ الضُّحَى لا حَظَّ للسُّرُجِ ومما يحاضر به، ما اتفق أن زجاجةً انشقت من ذاتها، في مجلس سلطان، فظهر منه تطيرٌ، فأنشد بعض الشعراء: ومجلسٍ بالسرورِ مُشْتمِلٍ ... لم يَخْلُ فيه الزُّجاجُ عن أرَبِ

стр. 495

سَرَى بأعْطافِه يُرنِّحُهُ ... فشَقَّ أثْوابَه من الطَّرَبِ ومن محاسنه قوله يخاطب بعض السادة: قُلْ للذين سَرَوْا والنارُ مُضْرَمةٌ ... وفيهمُ شَرَفُ الإسلامِ إذ ظَعنُوا لا تُشْعِلوا النارَ في مَسْراكمُ فلقد ... أغْناكمُ النَّيِّران البدرُ والحَسَنُ وله: يا عينَ فرسانِ بني هاشمٍ ... سبحانَ حامِيكَ من العَيْنِ صُلْتَ برُمْحٍ وبِعطْفٍ فقُلْ ... في فارسٍ جاء برُمْحَيْنِ وله: أقْبَلَ كالرمحِ له هزَّةٌ ... تحت قِباءٍ غيرِم َمزْرورِ كأن ذاك الخالَ في صدرِه ... حَبَّةُ مِسْكٍ فوق كافُورِ وله: حدِّثاني عن النَّقِيبِ حديثاً ... وصِفَا لي شُروطَه بالعَلامَهْ وارْوِيا لي عن جَوْهَرٍ لَفْظَ حُكْمٍ ... واجْعَلاه في جَبْهةِ الدهرِ شَامَهْ فيصِحُّ الحديثُ من غَيْرِ سُقْمٍ ... ما رواه إمامُنا عن أُسَامَهْ وله: كأنها والقُرْطُ في أُذْنِها ... بَدْرُ الدُّجَى قُورِنَ بالمُشْتَرِي قد كتبَ الحُسْنُ على وَجْهِها ... يا أعْيُنَ الناسِ قِفِي وانْظُرِي وله في حامل ساعة: ومليحٍ ملَك الحُسْ ... نَ جميعاً فأطَاعَهْ جاءَنا ساعة أُنْسٍ ... إذْ حَوَتْ يُمْناه سَاعَهْ وله في بانياني اسمه رامه: وَلِعْتُ ببانيانِي فيه حُسْنٌ ... تظَلُّ الشمسُ عاكفةً أمامَهْ كأن بِرِيمهِ لمَّا تبدَّى ... بريقَ الغَوْرِ في أكْنافِ رَامَهْ وله: قد انْقضَى الصومُ ووَلّى وقد ... أقْلَقهُ شَوَّالُ بالإرْتحالْ في الأرضِ تَرْميه مَجانِيقُنَا ... وفي السَّما يَرْمِيه قَوْسُ الهلالْ وله: طَيْلَسانُ المُهذّبِ بن عشيشٍ ... هَذَّبْته الشهورُ والأعْوامُ حاكَه مُجْتبَى النُّبُوَّةِ شِيثٌ ... هكذا قد رَوَتْ لنا الأهْرامُ وله: طَيْلَسانُ ابنِ عشيشٍ ذِي العُلَى ... قد بَراه الدهرُ في نَشْرٍ وطَيّ شَيِّقٌ يُذْكِر أيامَ الصِّبا ... ما له ممَّا بَراه الشوقُ فِيّ طيلسان ابن عشيش، كطيلسان ابن حرب، في قدم الزمان والاختلال. وطيلسان ابن حرب صاحب الشهرة على ألسنة الشعراء. وكان محمد بن حرب أهداه إلى الحمدوني، وكان خلقاً، فقال في وصفه قرابة مائتي مقطوعة، لا تخلو واحدةٌ منها من معنىً بديع، وصار الطيلسان عرضةً لشعره، ومثلاً في البلى والخلوقة، وانخرط في سلك حمار طياب، وشاة سعيد، وضرطة وهب، وأير أبي حكيمة. ومن نوادر ما قال فيه: يا ابنَ حَرْبٍ كَسَوْتنِي طَيْلَساناً ... أمْرَضْته الأوجاعُ فهْو سَقِيمُ وإذا ما رَفَوْتُه قال سُبْحا ... نَك مُحْيي العظامِ وهْي رَمِيمُ قلت: ومثله في الشهرة، ثوب المالقي، وفروة ابن نباتة، وصوف ابن مليك. السيد أحمد بن محمد الأنسي شاعر صنعاء المفلق، وشهاب أفقها المتألق. تعانى الأدب حتى سما بإحرازها، فإذا نشرت حللها الصنعائية فهو طراز طرازها. وكان له عند أئمتها قدرٌ لا يجهل، واعتناءٌ لا يكاد حقه يهمل أو يمهل. ثم قدم مكة ومدح شريفها، ونال من المفاخر تليدها وطريفها. فكان غرس نعمه، الذي سقاه كرمه سائغاً هنيا، فأثمر قولاً جنيا. وحسامه الذي حلاه، فأهدى إليه من حلاه. وحظي حظوةً ما زال في خيرها إلى الممات يتقلب، واشتهر شهرةً أنست شهرة أخي العرب قدم على آل المهلب. وقد أثبت من أشعاره ما يستغني في إحكام صنعته عن الحجة والبرهان، ويدل على أن قائله حاز في ميدان البراعة مزية الرهان. فمن ذلك رائيته المشهورة التي مدح بها الشريف زيدا، وبلغني أنه أجازه عليها ألف ذهبٍ، وعبداً، وفرسا: سَلُوا آلَ نُعْمٍ بعدَنا أيُّها السَّفْرُ ... أعندهمُ عِلْمٌ بما صنَع الدهرُ تَصَدَّى لِشَتِّ الشَّمْلِ بيني وبينها ... فمنزليَ البَطْحا ومَنْزلُها القَصْرُ
следующие страницы →