← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأطْيَبُ أوْقاتي من الدهرِ ليلةٌ ... تُرِيع القوافِي خاطرِي وأُرِيعُهَأ وكم بلَغتْ بي هِمَّتِي بُعْدَ غَايةٍ ... يَعِزُّ على الشِّعْرَى الْعبُورِ بُلُوغُهَا فما سَرَّني إلاَّ كلامٌ أُسِيغُه ... بِمَسْمَع واعٍ أو مَعانٍ أَصُوغُهَا وكتب إلى بعض وزراء مصر: يا أيُّها المَوْلَى الوزيرُ ومَن له ... مِنَنٌ حَلَلْنَ من الزَّمانِ وَثاقِي مَن شاكِرٌ عنَّي يدَيْك فإنَّنِي ... مِن عُظْمِ ما أوْلَيْتَ ضاق نِطاقِي مِنَنٌ تَحِفُّ على يديْك وإنما ... ثَقُلَتْ مَواهِبُها على الأعْناقِ وله فيمن اسمه بدر: سَمَّوه بَدْراً وذاك لَمَّا ... أن فاقَ في حُسْنِه وتَمَّا وأجْمَع الناسُ مذ رَأَوْهُ ... بأنَّهُ اسمٌ على مُسَمَّى وله: وكم للهِ مِن نِعَمٍ ... يعُمُّ الكونَ مَاطِرُهَا تُذكِّرُنا أوائِلُها ... بما تُولِي أوَاخِرُهَا وله: رُمْتُ حالَ الوَصْلِ أنِّي ... لا أرَى للوصلِ آخِرْ فَحُرِمْتُ الوصلَ رَأْساً ... زاد بي الوجدُ فَحاذِرْ ولده: محمد إياسي الزكن، عريٌّ عن العي واللكن. رحب ذرعه، ودل على كرم أصله فرعه. فهو قريع فخامةٍ وجلالة، ووارث الفضل لا عن كلالة. ويرجع مع الأصل الأصيل، إلى أدبٍ لوصفه في فن الفضائل تفريع وتأصيل. وقد وقفت على ديوانه، الذي سماه نزهة الأبصار، وروض الأزهار، فجردت من أحاسن أبياته، ما استحسنته لتوشية الطروس بإثباته. فمن ذلك قوله: حبيبي في التَّلطُّفِ بي يُحاكِي ... مُطاوَعة الأَراكةِ للنَّسِيمِ نديمٌ قد تملَّكني رَقِيقاً ... وإنِّي عبدُ رِقٍ للنَّدِيمِ يُعاطِينِي الحديثَ وخَمْرَ ثَغْرٍ ... فَأسْكَر بالحديثِ وبالْقديمِ وإن رام السُّلُوَّ فإن قلبي ... صحيحُ الوُدِّ في جَسَدٍ سقيمِ أقمتُ بحُبِّه ومَضَى عَذُولِي ... فلا اجْتَمع المُسافِرُ بالمُقيمِ وقوله في الغزل: أُفَدِّي غزالي الذي غَزَا لِي ... بسَيْفِ لَحْظٍ وما رَثَى لِي هَزَّتْه رِيحُ الصَّبا سُحَيراً ... فمَاسَ كالغُصْنِ في دَلالِ وقام يجْلُو شمسَ الْحُمَيَّا ... من رِيقِ فِيهِ شُهْدِي حَلا لِي وجاء يهْتزُّ مثلَ غُصْنٍ ... وقد سَقاني وقد مَلاَ لِي فصرتُ أشكُو النَّوَى إليه ... وما نَوَى لي من المَلالِ وقلتُ باللهِ يا حبيبي ... انْظُرْ لِحالِي قد صار حَالِي يا بدرَ تِمٍ بأُفْقِ سَعْدٍ ... يا مُشْترِي القلبِ بالوِصالِ حمَّلْتني في هواك ما لا ... أفْدِيك خِلِّي بكُلِّ مَالِي ومُرْسَلُ الدمعِ سال فَيْضاً ... والقلبُ واللهِ ليس سَالِي ومَقْصِدي أن أراك يوماً ... ماذا على الدهرِ لو صَفَا لِي يا قامةَ الغُصْنِ في اعْتدالٍ ... يا طَلْعَة البدرِ في الكمالِ لا عِشْتُ إن لم أكُنْ مُحِبّاً ... أحْفَظُ وُدِّي ولا أُبالِي وأرْتضِي في هَواك هَتْكِي ... وأُنْفِقُ الرُّوَح ثم مَالِي وله: رُبَّ ساقٍ خَمْرةً مِن ثَغرِهِ ... وثَناياهُ كدُرٍ أو حَبَبْ أوْرَثَ العقلَ خَبالاً عندما ... أن تَبدَّى لي بكأسٍ مِن ذَهَبْ مَذْهبي فيه طِرازٌ مُذْهَبٌ ... واصْطبارِي في هَواه قد ذَهَبْ لَيِّنُ الأعطافِ قَاسٍ قلبُه ... واللَّمَى يحْكِي ضَرِيباً أو ضَرَبْ عَارِضاهُ أنْبتَبَا آساً وفي ... وَجْنتَيْهِ أصبحَ الوَرْدُ عَجَبْ وقوله: ألِفُ الْقَوامِ ولامُ عارضِ مَن سَبَا ... عقلي ومِيمُ الثَّغْرِ مَعْ صادِ المُقَلْ

стр. 667

إن جُمِّعُوا وغَدَوْا نَصِيبي مَرَّةً ... من فيه ذاك شِفاءُ قلبي مِن عِلَلْ فيه توليدٌ لطيف، وهذا النوع مما تظرف فيه الأدباء، ومنه قول بعضهم: كأنَّ مُقلتَه صادٌ وحاجبَه ... نونٌ وموضِعَ تَقْبِيلي له مِيمُ فصِرْتُ أعْشَقُ من عِشْقي له صَنمَاً ... وعاشِقُ الصَّنَم الإنْسِيِّ مَرْحُومُ قال الزكي بن أبي الإصبع، في تحرير التحبير: إن أغرب ما سمعت في التوليد: كأنَّ عِذَارَهُ في الخَدِّ لاَمٌ ... ومَبْسِمَه الشَّهِيَّ العَذْبَ صادُ وطُرَّةَ شَعْرِه ليلٌ بَهِيمٌ ... فلا عَجَبٌ إذا سُرِق الرُّقادُ فإنه ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد، لفظة لص، وولد من معناها تشبيه الطرة بالليل وذكل سرقة النوم، فحصل توليدٌ وإغرابٌ وإدماج. وأستحسن أنا فيه قول بعضهم: تاللهِ ما لِمُعذِّبي في حُسْنِه ... شَبَهٌ فأيُّ حَشاً عليه لم يَهِمْ لاَمُ العِذارِ وميمُ مَبْسمِه على ... ما أدَّعِي من حُسْنِه بُرْهانُ لَمْ ولابن جابرٍ الأندلس، معتذراً عمن لم يسلم: لا تَعْتِبَنَّ على تَرْكِ السَّلامِ فقد ... جاءَتْك أحْرُفُه كَتْباً بلا قَلَمِ فالسِّيُن مِن طُرَّتِي والَّلامُ مَعْ ألِفٍ ... مِن عارِضِيَّ وهذا المِيمُ مِيمُ فَمِي وللوارثي: أقْبَلَ المَحبوبُ يوماً ... خاَطِراً نَحْوَ الْمُعَنَّى مُفْرداً في الحُسْنِ فاعْجَبْ ... منه فَرْداً يتَثنَّى غصبه من قول ابن نباتة: فريدٌ وهْوَ فَتَّانُ التَّثَنِّي ... فيالَلَّهِ من فَرْدٍ تَثَنَّى ومثله لابن العفيف: هو لا شَكَّ واحدُ النَّاسِ في الحُسْ ... نِ وإن كان قَدُّهُ يتَثَنَّى وله: بأبِي أفْدِي غَزالاً ... مُكْثِراً للهَجْرِ والْبَيْنِ عَارِضَاه صَيَّرانِي ... هِمْتُ من وَجْدِي بلا مَيْنِ من قول البدر الدماميني: لاَمَا عِذارَيْكَ هما أوْقَعَا ... قَلْبَ المُحِبِّ الصَّبِّ في الْحَيْنِ فَجُدْ له بالوَصْلِ واسْمَحْ له ... ففِيكَ قد هامَ بِلاَ مَيْنِ أبو الإسعاد يوسف الوفائي أحد السادات بني وفا، الذين اربى قدرهم على أهل الدنيا وأوفى. تميزوا في الأولياء تميز الملوك في الأجناد، وجردوا عزمهم فكان فرنده النقي وغمده تبسيم الأجياد. سقى عهودهم بالماء الطاهر، وتحلوا بحليتي الباطن والظاهر. فإذا اقتسم الفضل وشرف الخصال، فللناس منهما الأسماء ولهم الأفعال. وإن ذكر المدح والثنا، فكلهم يعرفون في الوصف الجميل بالكنى. فليت شعري بأي وصفٍ أصفهم، ولو جمعت جيوش البلاغة لم أكن أنصفهم: ولولا أنَّ في الأشْياءِ ما لاَ ... يُنالُ بكَدِّ نَفْسٍ واجْتهادِ كتبتُ ثَناءَهم بسَوادِ عَيْني ... مَخَافَةَ أن يُدَنَّسَ بالمِدادِ وأبو الإسعاد هذا رونق منتسبهم العالي، وبهجة منتداهم الذي أطلع ثمر المعالي. جمال عصره، ويوسف مصره. عطف سماحه مياس، ونيل كفه جارٍ بغير مقياس. فهو في الروض إذا ذوى ناضر العود، ولدى الحوض وإن خوى أسعد السعود. ولعين الرجاء نزهةٌ في روض مساعيه الخصيبة الرحاب، ولآثاره عليه ثناءٌ كثناء الرياض على غر السحاب. فتتشوق النفوس إلى تلك الشيم، تشوق الجدب إلى فيض الديم. والجود حسن السادة الكرام، كالحسن يدعو الناس إلى الغرام. فلله ما وهبه العز من تجمله به وتحليه، وتبرجه بآرائه وتجليه. بوجهٍ لا يحاسنه شيءٌ في الإشراق، ومعالٍ من ادعاها لزمته جناية السراق. فهو يثير بشيم اللطف، وينيل بالديم الوطف. ويهتز للأدب عطف بانه، ويضطرب لمجتديه كأنما نادمه ابن بانة. وله من رائق النظام، ما هو كالثريا في الانتظام. فمنه قوله: لَحِيِّ أهلِ الْوَفَاءِ سِرْ بِي ... فإن فيه غَزَالَ سِرْبِ مِلْ بي إلى نَحْوِهم وعُجْ بِي ... سَلِمْتَ مِن فِتْنةٍ وعُجْبِ

стр. 668

قومٌ بهم ما حَيِيتُ دَائِي ... وهم دَوَائِي وعَيْنُ طِبِّي وهم شموسُ العُلَى افْتخاراً ... بفَيْضِ كَسْبٍ وفَيْضِ وَهْبِ وهم سحَابُ الرَّجَا مَطِيراً ... إذا اشْتكَى الدَّهرُ عَهْدَ جَدْبِ ولاَحَ سِرُّ الوفاءِ منهم ... عَوْناً إذا سامَ دَفْعَ كَرْبِ فهم عِياذِي وهم مَلاذِي ... لكلِّ هَوْلٍ وكلِّ خَطْبِ وليس لي عنهُمُ غَنَاءٌ ... وهكذا حَالةُ الْمُحِبِّ وقد رَضَوا لي سَلْبِي سِواهُمْ ... فاشْهَدْ مَقامَ الرِّضا وسَلْ بِي لا نِلْتُ مِن قُرْبِكم وِصالاً ... إن لم أمُتْ فيكمُ بحُبِّي غَمَرْتُمونِي بكلِّ فَضْلٍ ... وقد عَمَرْتُم رُبوعَ قلبِي وهكذا تفعلُ الْمَوالِي ... إذا رَعَوْا ذِمَّةً لِصَبِّ وقوله: قَسَماً بكم يا سادتي وغَرامِي ... ما حُلْتُ عن عَهدِي لكم وذِمامِي وأنا المُقيمُ لكم على عَهْدِ الوفَا ... وعلى هَواكُم تَنْقضِي أيَّامِي غيري يُغَيِّرُه الجَفاءُ عن الهوى ... فيَمِيلُ نحوَ مَلامةِ اللُّوَّامِ وأنا الذي لو مُتُّ فيكم لم أحُلْ ... عنكمْ ولا يَثْنِي المَلامُ زِمامِ يا سادتِي عَطْفاً على عَبْدٍ لكم ... فعَسَاكمُ تحْنُوا على الْخُدّامِ فالقلبُ في نِيرانِ تَبْرِيحِ الجَوَى ... يَصْلَى وجَفْنِي مِن جَفاكُمْ دَامِي أرْضَعْتُموني دائماً ثَدْيَ الرِّضَا ... ويَشُقُّ من بَعْدِ الرِّضاعِ فِطامِي فعلى مَ أظْهَرْتُم إهانةَ عَبْدِكم ... مِن بَعْدِ ذاك العِزِّ والإكْرامِ ما زَلَّ بي قَدَمٌ وإن زَلَّتْ فكَمْ ... غُفِرتْ لَدَيْكم زَلَّةُ الأقدامِ قَسَماً بفضْلِكُمُ عَليَّ وإنه ... لِذَوِي المَعارِفِ أعظمُ الأقْسَامِ بسِواكمُ ما لِلْفُؤادِ تَعَلُّقٌ ... أنتم مَرامِي دونَ كُلِّ مَرامِ يا عَاذِلِي ذَرْنِي فإني كُلَّما ... زِدْتَ الْمَلامَ عليَّ زادَ هُيامِي كيف التَّسَلِّي عن هَواهُم بَعْدَمَا ... سَكَنَ الهوى في مُهْجَتِي وعِظامِي مَن رامَ فَضْلاً يَأْتِهِمْ مُتأدِّباً ... يَحْظَى بهم ويفوزُ بالإكْرامِ إنِّي لأَطْرَبُ من مَدِيحِ صِفاتِهمْ ... فأمِيلُ نَشْواناً بغير مُدَامِ إنْ أعْرضُوا فأنا الصَّبُورُ وإن أبَوْا ... فأنا الشَّكورُ بِخُلَّتِي وغَرامِي شُرِّفْتُ حين غَدَوْتُ مِن خُدّامِهمْ ... ورَقِيتُ في الإسْعادِ خيرَ مَقامِ ومن مطولاته قوله: حَيِّهِمْ إن جِئْتَهم يا سَعْدُ حَيّ ... فهمُ أهلُ الوفَا في كلِّ حَيّ عِشْ بهمْ صَبّاً ومُتْ في حُبِّهمْ ... مَن يَمُتْ في حُبِّ حَيٍ فهْو حَيّ هُم مُلوكُ الأرضِ سَاداتَ الورَى ... فاَرْوِ عنهم واطْوِ ذِكْرَ الْغَيْرِ طَيّ لم يزَلْ إحْسانُهم يغْمُرُنا ... مُطْلَقاً بالفَيْضِ في نَشْرٍ وطَيّ كم كذا ألْطَافُهم تَأْتِي بما ... فيه لِلْقَلْبِ شِفاءٌ ودَوِيّ لَفْظُهم والجودُ ذَا فيه شِفَا ... لِذَوِي السُّقْمِ وذا فيه رَوِيّ مِن كِلاَ هذين لا أبْرَحُ لي ... سَكْرَةٌ فارْوِ لهم عن سَكْرَتَيّ أنا منهمْ لم أزَلْ مُكْتسِباً ... كُلّ ما يُنْسَبُ في الخيرِ إلَيّ فسَناهُم لاَمِعٌ في فِكْرَتِي ... ونَداهُم هَامِعٌ في رَاحَتَيّ

стр. 669

طَرَقَتْنِي نَفْحة مِن سِرِّهم ... فكَسَا ضَوْءُ سَناهَا أصْغَرَيّ صَيَّرتْني مُنْشِئاً مُرْتَجِلاً ... كلُّ ما أطلُبه في قَبْضَتَيّ أسْعَدَ اللهُ بهم فِكرِي فلا ... يعْترِيِني قِصَرٌ في سَاعِدَيّ وَاجِبٌ عنديَ أنْ أسْعَى علَى ... بَصَرِي حَقّاً لهم لا قَدَمَيّ يا لِسانِي أدِمِ المَدْحَ لهم ... دائمَ الدهرِ ويا فكرِي تَهَيّ أنا واللهِ مُحِبٌّ لكمُ ... صَدِّقُوني ليس بعدَ اللهِ شَيّ مُخْتَفٍ حُبُّكمُ في مُهْجتِي ... عن جميعِ الخَلْقِ إلاَّ مَلَكَيّ لا يخفى أنه أراد المعارضة لابن الفارض، ولكنه بحكم عارض المحبة بقي تحت ذيل العارض، وبيت الفارضي: كان لولا أدْمُعِي أسْتغْفِرُ اللَّ ... هَ يَخْفَى حُبُّكم عَن مَلَكَيّ مُذ مَنَحْتُم بِوَفاً دون جَفاً ... فلذا أنْسَيْتُمونِي أبَوَيّ وسَقانِي كَفُّكم كأسَ نَدىً ... مِن رَحِيقٍ بَرْدُه وَسْطَ حَشَيّ دام مِنِّي المَدْحُ يأْتِيكُم علَى ... سائق الأظْعانِ يَطْوِي الْبِيدَ طَيّ عبد الرحيم الشعراني خلاصة جيله، الواجب أمر تعظيمه وتبجيله. وآل بيته الأخيار، رونق السير وطلاوة الأخبار. لهم نفوسٌ بالأسرار الروحانية عارفات، إذا كان لغيرهم منها عارفةٌ فلهم منهم عارفات. فما زالوا يطلعون من أخلافهم، ما يبقى به ذكر أسلافهم. وهذا الحبر العالم، زين الله به منهم المعاهد والمعالم. فنال حفلا به السعد اكتمل، وابتسم بمرآه ثغر المنى وامتد خطو الأمل. وهاجر إلى الروم لأمرٍ دعاه، فحمد عند أهل المشاهدة مسعاه. فأقام بها راتعاً من الجلالة في نضرها ولدنها، إلى ان انتقل من ظهرها إلى بطنها. يملأ الصدور انشراحا، ويعم الأرجاء أفراحا. ولا يألو وليه شكر منه الجسيم، كما شكر عارفة الروض لسان النسيم بوقارٍ كما تشتهيه العيون، ونصحٍ كما تقتضيه الظنون. يلهب الوجد الذي خمد، ويذيب الدمع الذي جمد. ووعظٍ يقيم الحرج، على الشيخ أبي الفرج. وله أشعارٌ مشتملة على حكم ووعظ، يتمتع بها القلب قبل اللفظ. فمنها قوله في عقد كلاٍم ينقل عن كسرى، كاتب به قيصر جواباً عن مكاتبة: كَاتَبَ في السَّبِق كسرى قَيْصَرُ ... بما اسْتقامَ مُلْككُم والظَّفَرُ فقال قد دامَ لنا الْولاءُ ... بخَمْسةٍ طاب بها الْهَناءُ إن اسْتَشَرْنا فَذَوِي العُقولِ ... وإن نُوَلِّي فذَوِي الأُصولِ وليس في وَعْدٍ ولا وَعِيدِ ... نُخالِفُ القولَ على التَّأْبِيدِ وإن نُعاقِبْ فعلى قَدْرِ السَّبَبْ ... مِن الذُّنوبِ لا على قَدْرِ الغَضَبْ ولا نُقَدِّمُ الشبابَ مُطْلَقَا ... على الشيوخِ في وَلاءٍ أُطْلِقَا وله في التوسل: يا سيِّدَ الرُّسْلِ ومَن جُودُهُ ... لكلِّ خَلْقِ اللهِ مُسْترسِلُ أنتَ الذي خَصَّك رَبِّي بما ... لم يُحْصِه المِزْبَرُ والمِقْوَلُ وإنِّني عبدُك مَنْ جُرْمُهُ ... لفِكْرِ ذي اللُّبِّ غَدَا يُذْهِلُ قد جئتُ أبْغِي توبةً يَنْمَحِي ... عنِّي بها الوِزْرُ الذي يُثْقِلُ والسَّتْرَ في دِيني وأهْلِي ومَن ... يَحْوِيه بَيْتي أو بهِ يَنْزِلُ فأنتَ بابُ اللهِ أيُّ امْرِىءٍ ... أتاه مِن غيرِك لا يَدْخُلُ هذا البيت مضمن من قصيدة الشمس البكري، التي أولها: ما أرْسَلَ الرحمنُ أو يُرْسِلُ ... مِن رحمةٍ تصْعَدُ أو تَنْزِلُ في مَلَكوتِ اللهِ أو مُلْكِهِ ... مِن كلِّ ما يخْتَصُّ أو يَشْمَلُ إلاَّ وطه المُصطَفى عبدُه ... نَبِيُّهُ مُخْتارهُ المُرْسَلُ وَاسِطةٌ فيها وأصْلٌ لها ... يعْلَم هذا كلُّ مَن يعقِلُ ولده: أبو السعود

стр. 670

هذا سعد السعود، الذي لو مس عوداً يابساً لعاد الماء في العود، حتى ينور خضرا، ويثمر غضاً نضرا. ولد في طالع السخا، وغذي في بحبوحة الرخا. ومارس المعارف ممارسةً كشفت له عن وجوه الحقائق، وأظفرته بفوائدها الجلائل، وفرائدها الدقائق. فقدمه في العلم راسخة عالية، والمسامع بمحامده مقرطةٌ حالية. وكانت أوقاته مقسمةً بين عارفةٍ ينيلها، وملمةٍ يزيلها، وفائدةٍ يبديها، وصنيعةٍ يسديها. ومجلسه أوله ثناء جميل، وآخره دعاءٌ جزيل، وبينها ترحيبٌ وتأهيل. ففخره يتقلده جيد الدهر وليته، وذكره يأرج له مسرى النسيم وهبته. وله أدبٌ يتنافس فيه بلا تطرية مادح، وشعرٌ ورى فيه زنده ولم يقدح فيه قادح. فمنه قوله مخمساً: يا حادِيَ العِيسِ إن حَفَّتْ بك الْكُرَبُ ... الْحقْ هُدِيتَ برَكْبٍ ساقَهُ الطَّرَبُ وقُلْ لِصَبٍ غَدَا بالشوقِ ينْتحِبُ ... لِمَهْبِطِ الوَحْي حَقّاً ترحَلُ النُّجُبُ وعندَ هذا المُرَجَّى ينْتهِي الطَّلبُ أعْنِي الرسولَ الذي قد شَرَّفَ الأُمَمَا ... ونال سائِلُهُ فوقَ الوَرَى قسمَا يَلْقَى العُفاةَ بما يَرْجُون مُبْتسِمَا ... به تحُطُّ رِحالُ السَّائلين فَمَا لِسائِلِ الدَّمْعِ ما يَقْضِيهِ ما يَجِبُ إن رُمْتَ كشفَ العَنَا والحَوبِ والنُّوَبِ ... كذا الخَلاصَ مِن الأكْدارِ والنَّصَبِ وأن تكونَ سعيداً غيرَ مُكتئِبِ ... قِفْ وِقْفَةَ الذُّلِّ والإطْراقِ ذا أدبِ فعندَ حَضْرتِهِ يُسْتَلْزَمُ الأدبُ يا مَن بِهِمَّتِه قد صار مُنطلِقَا ... وسكَّن الرُّوحَ منه بعدَ ما فَرَقَا ذاك الحبيبُ الذي مِن صَفْوةٍ خُلِقَا ... له الملاحةُ خَلْقاً والنَّدَى خُلُقَا والثَّغْرُ مُبْتَسِمٌ والكفُّ مُنْسكِبُ إنْ أزْمةٌ أوْهَنتْ قلبي كذا جسدِي ... أو كُرْبةٌ فَرَّقتْ جُنْدِي كذا جَلَدِي فليس لي نَاصِرٌ إلاَّك يا سَنَدِي ... يا سيِّدي يا رسولَ اللهِ خُذْ بيَدِي فأنتَ حَسْبِي ومنكم يُعْرَفُ الحَسَبُ سري الدين محمد الدروري المعروف بابن الصائغ ماجدٌ سرى، وفاضلٌ بكل مدحٍ حري. قد ضربت البراعة رواقها بناديه، ولم يزل داعي البلاغة من كثبٍ يناديه. مضى حيث يرتد العضب الصقيل وهو كهام، وبلغت هممه حيث تقصر عن مداركها خطا الأوهام. فقعد حيث كيوان بإزائه، وعقد له الفلك ذوائب جوزائه. إنَّ السَّرِيَّ إذا سَرَى فبنفسِه ... وابنُ السَّرِيِّ إذا سَرَى أسْرَاهُمَا فهو ظرف علم، ووعاء حلم، ومن عرف حاله من الإيثار عرف الحلي كيف يصاغ، والسلاف الرائق في الأفواه كيف يساغ. هو امْرؤٌ لا يصُوغُ الحَلْيَ تعملُه ... كَفَّاهُ لكنَّ فَاهُ صائغُ الكَلِمِ وقد أوتي من حلاوة الأخلاق والبيان، ما يزرع حب الحب في الصميم من الجنان. فنظمه جارٍ في بداعة الأسلوب على غير مثال، ونثره حقه أن يجعل كل فقرةٍ منه مثلاً من الأمثال. جميع الأمثال منه تطرب، ولكونها لا تلحقه تضرب. فمن نظمه قوله من قصيدةٍ، أولها: رَعَى الله عَهْداً بالغَرامِ تقدَّمَا ... أراه بثَوْبِ الدهرِ وَشْياً مُنَمْنَمَا وحَيَّى الْحَيَا منِّي ديارَ أحِبَّتِي ... وإن كان رَبْعُ الوُدِّ منهم تَهَدَّمَا وإن كان وُدَّا في الْحَقيقةِ غيرَ أنْ ... عَشِقْتُ وأوْهَمْتُ الحِجَى فتوَهَّمَا إلى كم أُضِيعُ العمرَ في أيْنَ هم غَدَوْا ... وحتَّى مَ يُسْليِنِي لعلَّ وأيْنَمَا أُطالِبُ دهرِي أن يجودَ بقُرْبهم ... فما زادَ بالبُطْلانِ إلاَّ تَبَرُّمَا وناشَدْتُه إلاَّ مُقاسمةَ الأذَى ... وصَفْوَ الليالي فاسْتقالَ وأقْسَمَا وما ضَرَّهم لو أن بَرْقَ الْتقائِهمْ ... أضاءَ إذا لَيْلُ القَطِيعةِ أظْلَمَا تبدَّتْ لِيَ الأيَّامُ في زِيِّ بَأْسِهِمْوسَلَّتْ بِكَفِّ الغَدْرِ للقَتْلِ مِخْذَمَا

стр. 671

وضحك مَشِيبي أنَّ عصرَ شَبِيبتِي ... يُودِّع جسماً ما أراه مُسَلِّمَا هبَطْتُ إلى أرضِ المَذَلَّةِ بالذي ... تَخِذْتُ لِصَرْحِ العِزِّ مَرْقىً وسُلَّمَا مما يتناسب معه قول الفاضل: وقيل اهْبِطُوا مِصْرَ وأيُّ فَضِيلةٍ ... لِمِصْرَ وبَاغِي الرِّزْقِ في مصرَ يَهْبِطُ وممَّا دَهانِي أنْ بَلِيتُ بأغْيَدٍ ... إذا إسْكارَ العقولِ تَبَسَّمَا وإمَّا رَنَا واهْتزَّ غُصْنُ قَوَامِهِ ... فوَيْلُ الْمَهَا منه وتَعْساً على الدُّمَى تَمَايَلَ وَسْنانَ الجُفونِ وما احْتسَى ... مُداماً وأصْمَانَا وما راشَ أسْهُمَا ووَلاَّه سُلطانُ الجمالِ نُفوسَنا ... ألستَ ترَى دِيباجَ خَدَّيْهِ مُعْلَمَا وما هو إلاَّ لاَنَ عِطْفَيْه جَانِباً ... فيَسْمَحُ لي في زَوْرَةٍ ثم يَنْدَمَا زَرعتُ بلَحْظِي الوردَ في رَوْضِ خَدِّهِ ... أما آنَ أن يُجْنَى بِفِيَّ أمَا أمَا وهَبْهُ حَمَى وَرْدِيَّهُ بِعذَارِهِ ... فمَنْعُ فَمِ العُشَّاقِ ذاك اللِّمَى لِمَا اللمى، مثلثة اللام: سمرةٌ في الشفة، لمى، كرضى: اسودت شفته، وهو ألمى، وهي لمياء. هذه عبارة القاموس. وأكثر ما يستعمله الشعراء، خصوصاً المولدون، في معنى الريق، ومما ينبغي أن ينبه عليه، أنه إذا وقع مع لم يستوجب أن يختار منه المكسور اللام، لقصد الموازنة، كما وقع هنا، وكما وقع في البيت الفارضي: صَدٌّ حَمَى ظَمَئِي لِمَاكَ لِمَاذَا فإن الموازنة بين الكلمات أمرٌ مستحسن عند النقاد البصيرين بموارد الكلام، فقد ذكر ابن جنى، عند الكلام على قول المتنبي: بَلِيتُ بِلَى الأطْلالِ إن لم أقِفْ بها ... وُقوفَ شَحِيحٍ ضاع في التُّرْبِ خَاتِمُهْ أنه قرأ البيت على المتنبي، ونطق بالتاء مفتوحة، فقال له المتنبي: اكسر التاء. فقال له أبو الفتح: أليس الفتح أفصح؟ فقال: ألا تنظر إلى حركات ما قبل الميم يعني في القصيدة كيف تجد الجميع مكسوراً. فعلم مراد المتنبي، وأثنى عليه. وأدل دليلٍ على التزام الموازنة قضية الازدواج المذكور، مع أن فيه عدولاً عن الأصل لأجل الموازنة، كقول النبي ﷺ للنساء المتبرجات في العيد: " ارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ "، وقوله في عوذته للحسن والحسين: " أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامةٍ، ومن شر كل عينٍ لامةٍ "، والاصل في مازورات موزورات لا شتقاقه من الوزر كما ان الاصل في لامة ملمة، لأنها فاعل من ألمت. وقالت العرب: الغدايا والعشايا. والأصل في الغدايا: الغدوات، وقالوا: هناني الشيء ومراني. والأهل في مراني: أمراني. وليس تغيير مبانيها إلا للقصد المذكور، ولهذا إذا استعملت شيئاً من هذه الألفاظ مفردة رددتها إلى أصولها. ومن منشآته قوله من كتاب: سيدي الذي سكن فؤادي، وسلب رقادي، واستأثر بودادي، وقصر على محبته والنزوع إلى رؤيته سويداي وسوادي. فيا من ملك زمام العلوم، من كل منطوقٍ ومفهوم، وساعده التوفيق، على أن جمع بين التحقيق والتدقيق. وإذا هُما اجْتمعَأ لنفسٍ مَرَّةً ... بلَغتْ مِن العَلْياءِ كلَّ مَكانِ أعيذ طبعك ذلك الغواص المواج، وصدرك ذلك البحر الثجاج، وفهمك ذلك السراج الوهاج، من أن ترضى بأن أصبر على الظما، وأن أبقى في ظلمة الهجر والنوى. ولم تغث مسرح بصيرتي بنوء، ومطمح نظري ببعض ضوء. وهو حفظه الله تعالى يعلم أن من مداده أمدادي، ومن سنا طبعه الوقاد هدايتي ورشادي. وعلمه محيطٌ بما في احتباس القطر من ضجر النفوس، وبما في خفاء الشمس من الوحشة والعبوس. وأنا أشكو تعطشي إليه، وأعرض حال وحشتي من بعده عليه. فهو حفظه الله تعالى إذا شاء أثلج بخطابه الأحشا، وأنا بكتابه ناظرٌ أصبح لغيثه أعشى. ومما ينسب إليه، في توجيه بيتٍ لأبي تمام، وهو: زَارَ الْخَيالُ له لا بَلْ أزَارَكَهُ ... فِكْرٌ إذا قامَ فِكْرُ الخَلْقِ لم يَنَمِ

стр. 672

قال: عاب الآمدي هذا، فقال: وإذا زاره بالفكر وقد زار فلا معنى للاستدراك، وحاصل ما اعتذر به أن الاستدراك صحيح؛ لأنه إذا قال: زار الخيال له لا بل أزار، احتمل زيادة الاختيار من غير بعث باعثٍ، واحتمل وقوع الزيارة عن حمل حامل، فأزال هذا الإبهام بقوله: لا بل أزاركه فكر. وقوله: لم ينم لم يرد حقيقة النوم، بل كما يقال: فلان لم ينم عن هذا الأمر. وقال: إذا نام فكر الخلق، يعني آخر الليل، ولم يقل: أوله؛ لأنه إنما أنه يسهره، وإنما يقوم في آخره تهويماً بتطرقه. وقيل: وجه احترازه أن الخيال لا يطرق في العادة إلا مع وجود النوم، وهذا إنما يكون في آخر الليل، مع استمرار النوم وطول زمانه. وقال أبو الطيب: لا الحُلْمُ جاد به ولا بمِثالِه ... لولا ادِّكارُ وَداعِه وزِيالِهِ إنَّ المُعِيدَ لنا الْمَنامُ خَيالَه ... كانتْ إعادتهُ خَيالَ خَيالِهِ يقول: المتمثل والمتخيل له في اليقظة إعادة خياله في المنام، كأن الخيال الذي في النوم خيال الخيال الذي تصور في اليقظة. وأظهر من هذا قول أبي تمام المتقدم، وإنما أخذه من قول جران العود: حَيَّيْتُ طَيْفَك مِن زَوْرٍ ألَمَّ بِهِ ... حَدِيثُ نَفْسِك عنه وهْو مَشْغُولُ فقوله: وهو مشغول، أي لم يزرك على الحقيقة، فبنى من قوله: ما زارك طيف الخيال وقوله: حديث نفسك قوله: ولكنك الفكر أزاركه. وقال الكميت: ولمَّا انْتهيْتُ وَجَدْتُ الْخَيالَ ... أمَانِيَّ نَفْسي وأفْكارَهَا عبد البر الفيومي جواب أقاليم، ومبدي صور تعاليم. زاحم العلماء بالركب، وانتضى إليهم كل مركب. ينتجع الأفكار، ويعتمد التذكار. ويباحث ويثابر، ويتأبطه اليراع والمحابر. ويحتفل بتحصيل الذخائر ويعتني، وسعيه البر لا يفتر عن مطلبٍ ولا يني. فبذل الطريف والتلاد، وتقلب في أعطاف البلاد. حتى استقر بالروم فاخضرت أكنافه، وتجملت أنواع بره وأصنافه. فبللغ من الفضل موارده، وجمع أوابده وشوارده. والتقط نفائس دره، وارتضع حلائب دره. وبها كانت رحلته إلى دار البقا، وصحيفة عمره بادية الجلاء والنقا. وهو روضةٌ بالفضل أنيقة، كتب الدهر له بتمليك الأدب وثيقة. وله من حسن البداهة والبيان، ما يسحب على سحبان ذيل النسيان. وقد أوردت من شعره ما تستغني به عن مجاجة الريق، وتستكفي به عن صرف الرحيق، الذي شغل الزجاجة والإبريق. فمنه قوله: حبيبٌ له جسمي وقلبيَ رَاغِبٌ ... ولي منه هَجْرٌ وهْو للوَصْلِ رَاهِبُ له مِن غرامي في فؤادِيَ أعْيُنٌ ... ولي مِن جَفاه والتَّباعُدِ حاجِبُ نَزِيلُ الْحَشَا لم يَرْعَ مَثْوىً به نَشَا ... وكيف انْتِشَا والوَجْدُ للصَّبِّ ناصِبُ وِلمْ طَبْعُه لم يكسب الْخَفضَ بُرْهَةً ... مِن الْجَفْنِ والوَلْهانُ للكسرِ كاسِبُ له في عُيوني مِن رَقيبيَ حارسٌ ... ومن خاطِري خِلٌّ وَفِيٌّ وصاحبُ قوله: له من غرامي أحسن منه قول الخفاجي: تنازَع فيه الشوقَ قلبي وناظرِي ... فأثَّر فيه الطَّرْفُ والقلبُ ناصِبُ وتنْظُره من قلبيَ الصَّبِّ أعْيُنٌ ... عليها لِمَحْنِيِّ الضُّلوعِ حَواجِبُ ومن تشبيهاته قوله: رأيتُ يوماً عَجَباً ... فيا لَهُ مِن عَجَبِ النُّورَ مُبْيَضّاً على ... مُحْمرِّ لَوْنِ القُضُبِ كخَيْمةٍ مِن فِضَّةٍ ... على عَمُودٍ ذَهَبِ ومنه قوله أيضاً: انْظُرْ إلى الزَّهرِ النَّضِيرِ العَسْجَدِ ... يدعُو إلى لَهْوٍ كوَجْهِ الأغْيَدِ فالوردُ في الرَّوضاتِ مُحْمَرٌّ على ... أغْصانِه الخُضْرِ الحِسانِ المُيَّدِ مُلاءَةٌ مِن ذَهَبٍ مَنْشورَةٌ ... من تحتِها قَوائِمُ الزَّبَرْجَدِ ومن غزلياته قوله: قام يَرْنُو بطَرْفِهِ حَوَرُ ... منه كلُّ الأنامِ قد سُحِرُوا قام مِن نَوْمِه على كسلٍ ... جَفْنُه بالنُّعاسِ مُنْكَسِرُ

стр. 673

كسَّر الجسمَ والفؤادَ فهل ... لِلْقتيلِ المُهانِ مُنْتصِرُ أطْلَع مِن جَيْبِه لِعاشقِه ... هَالَة البَدْرِ ثَوْبُه العَطِرُ سلَب العقْلَ مِن فَتىً دَنِفٍ ... مالَه مُذْ رآهُ مُصْطَبَرُ حائرٌ مُغرَمٌ به قَلِقٌ ... لم يطِبْ بعدَه له سَمَرُ خَصْرُه طَبْعُه فإن بَلَى الثَّوْ ... ب عليه فضِمْنُه قَمَرُ أصل هذا قول الأمير أبي المطاع بن ناصر الدولة: تَرَى الثِّيابَ مِن الْكَتَّانِ يَلْمَحُها ... نُورٌ من البَدْرِ أحْياناً فيُبْلِيَها فكيف تُنْكِر أن تَبْلَى مَعاجِرُهُ ... والبدرُ في كلِّ وقتٍ طالعٌ فيهَا وقد أخذه من قول ابن طباطبا: لا تَعْجَبُوا من بِلَى غِلالتِهِ ... قد زَرَّ أزْرَارَه على الْقَمَرِ وأخذه الرضي الموسوي، فقال من قصيدة: كيف لا تَبْلَى غِلالَتُهُ ... وهْو بَدْرٌ وهْي كَتَّانُ وللقمر خاصيةٌ في قرض الكتان؛ ولذلك قال من ذكر عيوب القمر: يهدم العمر، ويحل الدين، ويوجب أجرة المنزل، ويسخن الماء، ويفسد اللحم، ويشجب اللون، ويقرض الكتان، ويضل الساري، لأنه يخفي الكواكب، ويعين السارق، ويفضح العاشق الطارق. ومما يحسن له قوله: ألْقَى ذُؤابتَه فكانتْ حَيَّةً ... تسْعَى إلى إضْعافِ رِدْفٍ خَارِجِي وحَمَى مِن اللَّثْمَ الخُدَيْدَ بعَقْرَبٍ ... مَلْوِيَّةٍ من فوق جَمْرةِ مَارِجِ أخذ الأول من قول العسيلي: دَبَّتْ له ذُؤابةٌ ... كحَيَّةٍ مِن خَلْفِهِ تَحْمِي ضَعِيفَ خَصْرِهِ ... مِن خَارِجِيّ رِدْفِه واستعمله الفيومي في أبياتٍ أخر، ومحل الشاهد منها: ويحْمِي خَارِجِيَّ الرِّدْفِ منه ... بحَيَّاتٍ له ذاتِ اعْوِجاجِ قلت: والنسبة في خارجيٍ للمبالغة كدؤادي. قال ابن جنى، في سر الصناعة: وسموا كل ما فاق حسنه، وفاوق نظائره خارجياً، قال طفيل: وعارضْتُها رَهْواً على مُتتابِعٍ ... شدِيدِ القُصَيْرَى خَارِجِيٍ مُحَنَّبِ انتهى. وبهذا يتم حسن قول ابن النبيه: خُذُوا حِذْرَكم مِن خَارِجيِّ عِذَارِهِ ... فقد جاء زَحْفاً في كثيبته الخَصْرَا وله، وفيه التزام لطيف: مِن عَالَمِ الذَّرِّ لي إلْفٌ ومعرفة ... به فهل جائزٌ في الحُبِّ يُنْكِرنِي أبيتُ أذْكُره جُنْحَ الظَّلام فهلْ ... في ساعةٍ من لَيالِي الدهر يذْكُرنِي صَبْراً فأيُّ فَتىً أرْضَى بحُكْم رَشاً ... يَذُمُّنِي في الهوى يوماً ويشْكرنِي كما رَضيتُ بوَصْلٍ منه لي وقِلىً ... والحُبُّ والوَجْدُُ يُصْحِينِي ويُسْكِرنِي وله: تَبَدَّى مَلِيكُ الْحُسْنِ في مَجْلِس البَسْطِبِقَدٍ كغُصْنِ الْبانِ أو ألِفِ الْخَطِّ وأبْدَى على شَرْطِ المَحبَّةِ حُجَّةً ... مُسلَّمةً أحكامُها قَطُّ ما تُخْطِي ومِن شَرْطِه في الخَدِّ قُبْلةُ عاشقٍ ... فكان مِدادُ الْحُسنِ في ذلك الشَّرْطِ اختلسه من قول ابن حجة، في قصيدة قالها في مدح حماة: وقد جاء شَرْطُ الْبَيْنِ أنِّي أَغِيبُ عن ... حِمَاهَأ فقد أدْمَى فُؤادِيَ بالشَّرْطِ وله: بدرٌ من التُّرْكِ في ثوبٍ من الشَّفَقِ ... قد حَلَّ من رَوضةِ الأزْهارِ في أُفقِ عجِبتُ من أبيضٍ في أسودٍ حَلكٍ ... ولا عجيبَ فحُسْنُ البدرِ في الغَسَقِ يدُورُ بالرَّاح كالتِّبْرِ المُذابةِ في ... كأسٍ كدُرٍ نَضِيرٍ أبيضٍ يَقَقِ فبات يشْفِي ويسْقِي من مُدامتِه ... إلى الصباحِ فأحْيَتْ مَيِّتَ الرَّمَقِ وقد بَدَا سيفُ فَجْرِ الصبحِ مُرْتقياً ... أفْعَى الدَّياجِي ففَرَّتْ عنه من فَرَقِ وله: نَكْهَةٌ قد شَمَمْت من ذاتِ حُسْنٍ ... تلك مَكِّيَّةٌ وذِي تُرْكيَّهْ

стр. 674

وَجْنةٌ عُطِّرتْ بنُقْطةِ خَالٍ ... تلك وَرْدِيَّةٌ وذي مِسْكيَّهْ شاكَلتْ مُقْلتاهُ قَامةَ خَدٍ ... تلك قَتَّالَةٌ وذِي فَتْكِيَّهْ مثل قول ابن شمس الدين البصير، نزيل الخانقاه السرياقوسية: قلتُ لمَّا أدارَ مِسْكاً وخَمْراً ... ذُو دَلالٍ وأعْيُنٍ سَحَّارَهْ لكَ واللهِ نَكْهَةٌ ورُضابٌ ... تلك عَطَّارَةٌ وذِي خَمَّارَهْ ورأى في بروسة الحمام الخلقي، الذي يقال له: قبلجه، وهو ماء حارٌ يخرج من تحت جبلٍ عالٍ، فقال: وماءٍ له طَبْعُ الحرارةِ خِلْقَةً ... مِن الجبلِ الصَّلْدِ العظيمِ لقد سَلَكْ إلى كلِّ حَوضٍ مُسْتديرٍ مُوَسَّعٍ ... تراه مَدارَ الماءِ مَلْعبةَ السَّمَكْ تدُور به الوِلْدانُ طالعةً وقد ... تغِيبُ كشأنِ النَّيِّراتِ من الفَلَكْ وقال، وهو معنىً حسن: وحَوْضٍ كبير مستديرٍ وماءُه ... حَرارتُه بالطَّبْعِ للبردِ دافِعَهْ أحاطتْ به الأقمارُ مِن كلِّ جانبٍ ... ومِن أُفْقِه شمسُ المَحَاسنِ طالِعَهْ ومن لطائفه قوله: ولي حبيبٌ قد سالَماهُ ... عذبا وطَرْفَاهُ سَالماهُ فيا خليلي عُذْراً لصَبٍ ... جُوداً وإلاَّ فَسالِماهُ فالطَّرْفُ هَامٍ من التَّجافِي ... طُولَ الليالي قد سالَ مَاهُ وسَاكِنُ القلبِ مُذْ رَآهُ ... يَهِيمُ بالوَجْدِ سالَ مَا هُو الأول: ساء، بالهمزة مقصورٌ للشعر، ولماه: ريقه، فاعله، وإساءته: منعه لوارده. والثاني: ماضٍ، والألف للتثنية. والثالث: أمرٌ لاثنين. والرابع: من الإسالة، والماء قصر للضرورة. والخامس: من السؤال، سهلت الهمزة ضرورةً وما سؤالٌ على سبيل تجاهل العارف. وقد عارض بهذه الأبيات أبيات أحمد السنفي، المعروف بقعود وزاد عليه التصريع. وأبيات السنفي: يا صاحِبَيَّ اتْرُكَا مُعَنىً ... أو فاعْذُلاهُ وعارِضَاهُ فما تُطِيقانِ رُشْدَ غَاوٍ ... بما يُلاقِي وَعَى رِضَاهُ سَبَى حشَاهُ والعقلَ منه ... عَيْنَا غَزالٍ وعَارِضَاهُ يا جَمْعَ مَن صَيَّرَ التَّصابِي ... في الحُسْنِ عَاراً بالعارِ ضَاهُوا ومن مقاطيعه قوله: لقد كرَّم الرحمن وَجْهَ مُعَذِّبي ... بِعَشَّاقةِ حُسْنٍ وهْي زِينَةُ خَدِّهِ فتجْذِبُ حَبَّات القلوبِ لِحُبِّه ... بحَبَّةِ مِسْكٍ أذْفَرٍ عند صَدِّهِ وله: لمَّا بَدَا حولَ وَرْدِ الخَدِّ آسُ رُباً ... نَبَاتُه في رياضِ الحُسْنِ قد طَلَعَا لم يَرْضَ تَقْبِيلَه يوماً ولا عَجَبٌ ... فما خَراجٌ على غيرِ الذي زَرَعَا وقوله: فِكْرِي وعقلي عندكم وبكُمْ ... قد صِرْتُ في شُغْلٍ وفي سُكْرِ فاعْجَبْ لمَن كتبتْ أنَامِلُه ... خَطّاً بلا عَقْلٍ ولا فِكْرِ وقوله في معناه: قد قِيلَ إنَّ المالَ عقلُ الفتى ... به له التَّصْرِيفُ في النَّقْلِ فقلتُ لا تعجَبْ فكم في الورَى ... مِن عاقلٍ أضْحَى بلا عَقْلِ وقوله: ومُذْ رامَ الهلالُ وقد تَعَدَّى ... مُشابَهةً له من غيرِ قَابِلْ أجابَ قَلَمْتُ مِن ظُفْرِي شَبِيهاً ... له وطَرَحْتُه فوقَ الْمَزابِلْ تناوله من قول التقي الفارسكوري: وما في البدرِ مَعْنىً منه إلاَّ ... قُلامة ظُفْرِه مِثْل الْهِلالِ والتقي أخذه من قول ابن المعتز: ولاح ضَوْءُ هِلالٍ كاد يفضحُنا ... مثل القُلاَمةِ قد قُدَّتْ من الظُّفُرِ وابن المعتز أخذه من قول بعض العرب: كأنَّ ابنَ لَيْلتِها جانحاً ... فَسِيطٌ لَدَى الأُفْقِ مِن خِنْصَرِ وابن الليلة الهلال، والفسيط، بفتح الفاء وكسر السين المهملة: قلامة الظفر. ويروى: كأن ابن مزنتها، ومعناه حين انقشعت عنه السحابة بدا كقلامة الظفر.

стр. 675

وهنا فائدة، ذكرها ابن الأثير، في المثل السائر، قال: واعلم أن من التشبيه ضرباً يسمى الطرد والعكس، وهو: أن يجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبهاً به، وبعضهم يسميه غلبة الفروع على الأصول، ولا تجد شيئاً من ذلك إلا والغرض به المبالغة، فمما جاء من ذلك قول عبد الله بن المعتز وأنشد البيت ألا ترى إليه كيف جعل الأصل فرعاً، والفرع أصلاً، وذلك أن العادة أن تشبه القلامة بالهلال، وإنما فعل ذلك مبالغة وإيذاناً بأنه لما صار ذلك مشهوراً متعارفاً حسن عكس القضية فيه. قلت: فبيت التقي والفيومي جاريان على الأصل، والثانيان على العكس. وله: جاء المَليحُ بأسودٍ في أبيضٍ ... مِن قَهْوةٍ تَرْوِي عن المِسْكِ الذَّكِي فنظَرْتُها ونظرتُ حُسْنَ عُيونِهِ ... والفَرْقُ فيه احْتار ذو عقل ذَكِي كأنه نظر إلى قول الجمال العصامي: فِنْجانُ قَهْوةِ ذا المَلِيحِ وعَيْنُه الْ ... كَحْلاءُ حَارَتْ فيهما الألْبَابُ فسَوادُها كسوَادِها وبيَاضُها ... كبَياضِها ودُخانُها الأهْدابُ وله في الدولاب: إنما الدُّولابُ في دَوْرِهِ ... يَهُمُّ من شَوْقٍ وأشْجَانِ ينُوحُ حُزْناً ويُرَى باكِياً ... بأعْيُنٍ تَهْمِي على الْبَانِ قريبٌ من قول ابن عبد السلام المصري: ورَوْضة دُولابُها دائرٌ ... مُوَلَّهٌ مِن فَرْطِ أشْجانِهْ فكلُّه مِن وَجْدِه أعْيُنٌ ... تبْكِي على فُرْقةِ أغْصانِهْ وهذا المعنى كثير، وقد تقدم ما يغني عن ذكره. وله في دولاب العيد: دولابُ عِيدٍ دار بالمُنْحنَى ... لِطَلْعةٍ قامتُها ناضِرَهْ يَرْوِي لنا عن فَلَك نَاضِرٍ ... والشمسُ ما زالتْ به دَائِرهْ وله: شَبَّابَةٌ قامتْ بمَوْصُولِها ... وعَيْنُها جَارِيةٌ بَاكِيَهْ تُشِيرُ بالعَيْنِ إلى ذِي جَوىً ... بأنَّها مِن وَجْدِها شَاكِيَهْ مثله لابن الأزهري: يا حُسْنَها شَبَّابة لم ينْقطِعْ ... مَوْصولُها عِندي وذاك تَرَنمُ بالرَّمْزِ تُفْهِمني إشاراتِ الورَى ... أوَمَا تَرَاهَأ بالعُيونِ تَكلَّمُ شبابة، بالتشديد: قصبة الزمر المعروفة، مولدة. قال المشد: ومُطْرِبٍ قد رأيْنا في أَنامِلِهِ ... شَبَّابةً لِسُرورِ النفسِ أهَّلَهَا كأنه عاشقٌ وَافَتْ حبيبتُه ... فضَمَّها بيَدَيْه ثم قَبَّلَهَا ولشافع: شَغَفَتْنَا شَبَّابةٌ بِهَواهَا ... كلّ ما يُنْسَبُ الكئيبُ إلَيْهَا كيف والمُحْسِنُ المُقوِّلُ فيها ... آخِذٌ أمْرَها بكِلْتا يَدَيْهَا والمقول: الزامر، والعجم تقول له: قوال. وهل: ليلُ هَجْرٍ مَكانه سَنَةٌ ... أو مَسِيرٌ ناءَتْ مَراحِلُهُ صُبْحُه كالمَدِينِ مَاطَلَهُ ... رَبُّ دَيْنٍ غَدَا يُماطِلُهُ أحسن منه قول ابن الجزري: وليلٍ كأنَّ الصُّبْح فيه مَآرِبٌ ... نُؤَمِّلُ أن تُقْضَى وخِلٌّ نُصادِقُهْ وله في بعض المحتجبين: أتَيْتُ بابَ كبيرٍ عند نَائِبةٍ ... وجَدْتُه مُغْلَقاً قلتُ الفَتَى فَطِنُ فقال لي صاحبي ما الرَّأْيُ قلتُ له ... رَأْيُ ابنِ عُبْدُوسَ رَأْيٌ كامِلٌ حَسَنُ رأي ابن عبدوس قوله لنا قاضٍ له خُلُقُ ... أقَلُّ صِفاتِه الْفَرَقُ إذا جِئْناه يحْجُبنا ... فنَلْعنُه ونفْتَرِقُ وقد اقتدت الأدباء بهذا الرأي كثيراً، فمنهم ابن الخصال في قوله: جئْناك للْحاجةِ المَمْطولِ صاحبُها ... وأنت تَنْعَمُ والإخوانُ في بُوسِ وقد وقفْنا طَوِيلاً عند بَابِكُمُ ... ثم انْصَرَفْنا على رَأْيِ ابنِ عُبْدُوسِ ولمحمد بن بدر الدين القوصوني مثله من فصل: الرأي الصواب، في المتواري بالحجاب، رأي ابن عبدوس، وما سواه رأيٌ منحوس، بل عذابٌ وبوس. وله في الخضوع:

стр. 676

يا مَن له مُهْجتِي رِقٌّ ولِي شَرَفٌ ... بأنَّنِي عبدُه جَهْرِي وإسْرَارِي عَتَقْت قلبيَ من زَيْغٍ ومن زَلَلٍ ... وعِتْقُ ذِي سَفَهٍ فيما بَقِي سَارِي مَنَنْتَ باللُّطْفِ في الأُولى ولا عَجَبٌ ... أن تعْتِقَ الجسمَ في الأُخرى من النارِ منه قول البدر القرافي: منك البَداءةُ بالإحْسانِ حَاصِلَةٌ ... مَلَّكْتنِي الرِّقَّ فضلاً منك لي سارِي ألْهَمْتنِي بعدَه عِتْقاً لتُكْرِمَنِي ... فاخْتِمْ بخيرٍ به عِتْقِي من النارِ وللحافظ ابن حجر: يا رَبِّ أعْضَاء السُّجُّودِ عَتَقْتَها ... من فضلِك الوافِي وأنتَ الْوَاقِي والعِتْقُ يَسْرِي في الغِنَى يا ذا الْغِنَى ... فامْنُنْ علَى الْفانِي بعِتْقِ الْباقِي والأصل فيه قول ذي الرمة، قال الشريشي: وهو آخر شعرٍ قاله: يا رَبِّ قد أسْرَفتْ نَفْسِي وقد عَلِمَتْ ... عِلْماً يَقيناً لقد أحْصَيْتَ آثارِي يا مُخْرِجَ الرُّوحِ من نفسِي إذا احْتُضِرتْ ... وفارِجَ الكَرْبِ زَحْزِحْنِي عن النارِ وله من فصل في معرض شكاية من الزمن: قد كان الفضل في المراقي، من نصل عيون الدهر هو الراقي، والترقي في الأدب به التوقي من النصب والوصب، وكل هذا ذهب، وانحصر الدواء في الفضة والذهب. فالمفلحون بخبايا النقود قعود، والمفلسون في زوايا الخمول رقود. فدع فضل العلم والنسب، واسع أن يكون لك من المال خير نشب. فقد كان الأدب وديعةً واسترد، وصار الدرهم مرهماً ولبرء ساعةٍ استعد. ومن هذا القبيل قول زين الدين الجزري من مقامةٍ له: قد كان شراب الأصول يداوي العليل، والآن ليس في غير الدينار شفاءٌ للغليل. ألم تسمع أن الدراهم، لجروح العدم مراهم! وقد استردت الأيام، ودائع المكارم والكرام! يس الحمصي العليمي نزيل القاهرة منتمى بدع الفنون، ومنتدى نزه العيون. الذي بعث نفساً عاطراً إلى الإحسان، وأثبته عقداً نفيساً في جيد الكواعب الحسان. يتناول المعاني والألفاظ من مدىً قريب، وإن مد باعه فمن سحابٍ وإن اغترف فمن قليب. وحواشيه حواشي خدود، لا حواشي برود، وتخريجات أصداغٍ على وجنات، أو سوالف على خدود غانيات. وله أشعار تحل لها عقد الحبى، وتهتز لها النفوس كما يهتز تحت القطر الربى. وكان عهده قد جمع نضارة الورد إلى بقاء الآس، وافتر عن رقة المدامة في نقاء الكاس. وهو يرجع إلى شيمٍ دمثة، وهممٍ على الخير منبعثة. طالما هبت منه على طلبته نسمة المنى، فنبهت من أفواههم زهرة الثنا. وقد أثبت له ما إذا تلي وصف نفسه، وأطلع نهار طرسه شمسه. فمنه قوله: في لَحْظِه سِحْرٌ فلم أرَ صَارِماً ... في غِمْدِه يَفْرِي سِواهُ فمن يَرَى عَجَباً لغُصْنِ الْبانِ مَن أعْطافُه ... فوقَ الكثيب لبَدْرِ تِمٍ أثْمَرَا صَبَّرتُ عنه القلبَ فهو بصَبْرِهِ ... مَيْتٌ عسَى يَرْثِي لِمَيْتٍ صُبِّرَا وحدِيثُ دمعِي مُرسَلٌ لمَّا غَدَا ... منه الصُّدودُ مُسَلْسَلاً يا ما جَرَى فالرأسُ مُشْتعِلٌ بشَيْبِ صُدودِهِ ... والعَظْمُ أضْحَى وَاهِياً وقد انْبرَى والقَلبُ من مُوسَى لِحاظٍ قد غدَتْ ... مَرْضى كَلِيمٍ وهْو لن يتغيَّرَا إن رَامَ مَرْأىً مِن بَدِيع جمالِهِ ... جعَل الجوابَ له وحَقِّي لن تَرَى واللَّحْظُ مِنّي حين أبْصر خَدَّهُ ... فيه الربيعُ جَرَى عليه جَعْفَرَا يا ذا الذي قد زَارَ طيف خَيالهِ ... وأتى بَخِيلاً ما تأهَّل لِلْقِرَى بالطَّيْفِ قد مَنَّيْت لكنْ بالأذى ... أتْبَعْتَه فسلَلْتَ من عينِي الْكَرَى ما زار إلاَّكي يُعاتبَني على ... نَوْمِي فيُفْنِيهِ ويجْنَحُ للسُّرَى ولَرُبَّ ليلٍ طال حتى إنَّني ... قد قلتُ لو كان الصباحُ لأسْفَرَا لكنْ ذكرتُ بطُولِه وسَوادِهِ ... شَعْرَ الحِسانِ فطاب لي أن أسْهَرَا

стр. 677

قوله: في لحظة صدر الأبيات من قول بعضهم: كلُّ السيوفِ قَوَاطعٌ إن جُرِّدتْ ... وحُسامُ لَحْظِك قاطعٌ في غِمْدِهِ وقوله: يا ذا الذي إلى آخر الأبيات الثلاثة، هو معنى بيتي صردر: زار الخَيالُ بَخيلاً مثل مُرْسِلِهِ ... فما شَفانِيَ منه الضَّمُّ والْقُبَلُ ما زارنِي قطُّ إلاَّ كيْ يُعاتِبني ... عَلَى الرُّقادِ فيُفْنِيه ويَرْتحِلُ وهو مسبوقٌ إليه أيضاً، في قول بعضهم: طيفُ خَيالِ هَاجِرِي ... ألَمَّ بي فما وَقَفْ عاتَبَنِي على الْكَرَى ... ثُمَّ نَفَاهُ وانْصَرَفْ قلت: وهو إن تجارى مع غيره في ميدان تلك التحاسين، ف " قل هو الله أحدٌ " شريفة وليست من رجال " يس ". محمد الحموي نزيل القاهرة هو بين العلماء صاحب وجاهة، تستعير أولو الأخطار لدى الأزمة همته وجاهه. لين المهتصر والعود، أملس العرض مصقول شبا الوعود. تصدر تصدر الجهبذ النحرير، وأغنى الطلاب بما أبداه على المغنى من التقرير والتحرير، فأصبح الكل من أهل الإفادة، يتقربون إليه بالتلمذ والاستفادة. وكان فرد العلم في عصره، لا بل العلم الفرد بين مشايخ مصره. مع ذاتٍ بهية مطبوعة، وأداة فواكهها الحموية غير مقطوعة ولا ممنوعة. وقد أوردت له ما يبتهج ابتهاج الربيع ببرده، ويروق روق الريق في حلاوته وبرده. فمنه قوله، من قصيدة أولها: أوُجُوهُ غِيدٍ أم حِسانُ رُبوعِ ... وعيونُ آرامٍ تَزِيدُ وُلوعِي أم نَشْرُ زَهْرٍ ضاعَ فامْتلأَ الرُّبَى ... عِطْراً عَبِيراً أم رياضُ ربيعِ والماءُ قد صَقَل النَّسِيمُ مُتُونَهُ ... أم في جَداوِلِه مُتونُ دُروعِ والطَّلُّ قد زانَ الشَّقِيقَ بلُؤْلُؤٍ ... أم وَجْنةٌ مَطْلولةٌ بدُموعِ والقُضْبُ مِن لُطْفِ النسيمِ تَمايَلَتْ ... خَجَلاً فأبْدَتْ ذِلَّتِي وخُضوعِي والبدرُ أشرقَ في ثَنِيَّاتِ الدُّجَى ... سَهَراً وبُرْدُ الليلِ في تَوْشِيعِ سَفَرَ اللِّثَامَ فَلاح في وَجنَاتِه ... وَرْدُ الخدودِ فحارَ فيه بَدِيعِي سَاجِي اللَّواحِظِ فاتِكٌ بجُفونِه ... ذو خِبْرةٍ في صَنْعةِ التَّقْطيعِ ما نَمَّ مِسْكُ عِذارِه في خَدِّه ... إلاَّ لِيُظْهِر عُذْرَ كلِّ خَلِيعِ والثَّغْرُ قد حازَ العُذَيْبَ وبَارِقاً ... وجَوَاهِراً للدُّرِّ غيرَ مُضِيعِ يا قلبُ خَلِّ هَوى الحسانِ وخَلِّنِي ... مِن ذِكْرِ أحْبابٍ وذكرِ رُبوعِ واقْطَعْ أقاويلَ الْوُشاةِ فقَطْعُها ... سَبَبٌ لِوُصْلةِ حَبْلِنا المقْطوعِ ومن دره المكنون، بديعيةٌ على قافية النون، مستهلها: هَجْرِي عليَّ ولِي وَصْلٌ بأحْيَانِي ... أمَاتنِي الهَجْرُ جاءَ الوَصْلُ أحْيانِي قوله: أماتني من قول ابن الفصيح، صاحب السراجية في الفرائض: زارَ الحبيبُ فَحَيَّى ... بِحُسْنِ ذاك الْمُحَيَّا مِن صَدِّه كنتُ مَيْتاً ... مِن وَصْلِه عُدْتُ حَيَّا السيد أحمد الحموي جميع السادة منه في المنزلة، منزلة الكتاب من البسملة. وهو في المجد متعادل الوصفين، وفي السؤدد متكافىء الطرفين. صحيح المنتسب من القدم، فضلٌ كله من الفرق إلى القدم. فأصله عريقٌ وطبعه شريف، وروضه وريقٌ وظله وريف. تملا من لطفه، وسال الوقار على عطفه. فكأنما أخلاقه رضعت در النعيم، فجاءت والحمد لله كالصحة في جسم السقيم. فتدرج على درج النجح بأرجاء الرجا، وابتهج بمطلعه السعد المتألق بلألاء اللألا. مطوياً على نشر الكرم الفائق المستفيض، متبلجاً بأضواء المكارم الغر وأنوار الأيادي البيض. فألسنة الثناء بفضله منطلقة، وأيدي الرجاء بحبله معتلقة. وهو في ظلٍ من الأمن مديد، ورأيٍ بحل المشكلات سديد. فكم من فضلٍ افاد، وأدبٍ أحياه وقد باد. وله في الأدب ومضافاته، رتبةٌ يعرف مقدارها من مؤلفاته فيه ومصنفاته.

стр. 678

وشعره كمسعول الأماني في شباب الزمان، ومعتنق قدود الغواني في ظل الأمن والأمان. أوردت منه ما يعطر أنفاس النسائم في الهبوب، فهو إن لم يكن كثنائه العطر فكنفس المحبوب. فمنه قوله من قصيدة: ورَقِيقِ خَصْرٍ بالنُّحولِ مُمَنْطَقٍ ... قد رُيِّشَتْ بالهُدْبِ لي أجفْانُهُ غُصْنٌ على دِعْصٍ يميلُ مع الصَّبَا ... سَكْرانُ من خَمْرِ الصِّبا نَشْوانُهُ مَكْحُولُ أطْرافِ الجفونِ غَضِيضُها ... قد خُضِّبتْ بدمِ القلوبِ بَنانُهُ ما السِّحْرُ إلاَّ ما حَوَتْهُ جُفونُهُ ... والطِّيبُ إلاَّ ما حَوَتْ أرْدانُهُ ما الوردُ إلاَّ مَا حَوَتْه خُدُودُه ... وعِذارُه رَيْحانُه سُوسَانُهُ ما الصَّعْدةُ السَّمْراءُ تُشْبِهُ قَدَّهُ ... كلاَّ ولا غُصن النَّقَا فَيْنَانُهُ سلطانُ حُسْنٍ بالجمالِ مُتَوَّجٌ ... شَاكِي السِّلاحِ سِهامُه أجْفانُهُ قد حجَّبُوه بالأسِنَّةِ والظُّبَا ... كالبدرِ حُجِّب بالغَمامِ عيِانُهُ فهو العزيزُ ومِصْرُه قلبُ الشَّجِي ... وسَوادُ ناظِره به إيوانُهُ مَبْذولُ ما فوقَ اللِّثامِ لِنَاظرٍ ... مَمْنوعُ ما تحت الإزارِ مُصانُهُ قد زَارَنِي والليل قُلِّص ذَيْلُه ... والصبحُ قد طعَن الظلامَ سِنانُهُ والوُرْقُ تبْكِيه وتنْدُب فَقْدَهُ ... والدِّيكُ صاح وقد علَتْ أحْزَانُهُ في منزلٍ عَمَّ السرورُ رِحابَهُ ... والعُودُ يُفْصِح بالسرورِ لِسانُهُ والوَرْدُ والمَنْثورُ يَعْبَقُ نَشْرُه ... والنَّدُّ يسْطَع إذْ عَلاهُ دُخانُهُ وحَديثُنا قِطَعُ الرِّياض لِظِلِّها ... أنْدَا الرَّبيع وما أطَلَّ زَمانُهُ جاذَبْتُه هُدْبَ الحديثِ مُوَرِّياً ... عن فَرْطِ شَوقٍ قد زكَتْ نِيرانُهُ فأتاحَ ما تحتَ اللِّثامِ لناظرِي ... وأباحَنِي الثَّغْرَ النَّضِيدَ جُمانُهُ فلَثَمْتُه ورشَفتُ رِيقَةَ ثَغْرِهِ ... وسَقيْتُ قلباً شَفَّنِي خَفَقانُهُ وضَممْتُه وهَصَرْتُ بَانَةَ قَدِّهِ ... وعَفَفْتُ عَمَّا ضَمَّهُ هِمْيانُهُ وغَفَرْتُ ذَنْبَ الدهرِ ممَّا قد جَنَى ... وشكَرْتُ قَوْلاً عَمَّنِي إحْسَانُهُ ومن بدائعه قوله في معذر: لاح العِذارُ بِخَدِّ نَحْوِيٍ لنا ... كالَّلامِ أكَّدتِ الغرامَ وَفاءَا فسألتُ ما هذا السَّوادُ أجابَنِي ... حَرْفٌ لمعنىً بالمحَاسِنِ جاءَا وأحسن منه قول الشهاب: بلاَمِ عِذارِه قد زا ... دَهُ رَبُّ الورَى حُسْنَا وعادتُهم إذا ما زِي ... دَ حَرْفٌ زادَ في المعنَى ولام التأكيد وقعت في قول ابن نباتة: لامُ العِذَارِ أطالتْ فيك تَسْهيدِي ... كأنَّها لِغَرامِي لامُ تَوْكِيدِ ومثلها لام التعليل، كما في قول ابن الحنائي الرومي: ولائمٍ لامَ في حُبِّي لِذِي غَنَجٍ ... لمَّا رأَى في حَواشِي خَدِّه لاَمَا فقلتُ ذِي لامُ تعْليلٍ بوَجْنتهِ ... تُبِين عِلَّةَ مَن في حُبِّه هَامَا ولام الاستغاثة، كما في قول ابن رشيق: خَطَّ العِذَارُ له لاَماً بِعَارِضِهِ ... مِن أجْلِها تسْتغيثُ الناسُ بالَّلامِ واللام الموطئة للقسم كما في قول الخفاجي: غَزالٌ نَقَدْتُ له طاعتِي ... وعَجَّلْتُ للوَصْلِ ذاك السَّلَمْ وأقْسمتُ لا بُدَّ مِن وَصْلِهِ ... وبالهَجْرِ والوَصْلِ يأْتِي القَسَمْ ولامُ العِذَارِ على خَدِّهِ ... لَعَمْرِي مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمْ واللام الجارة كما في قول ابن الجابي وقد تقدم: في خَدِّه لامٌ تَجُرُّ إلى الهوَى ... فالقلبُ مَجْرورٌ بتلك الَّلامِ ولام الابتداء، كما في قول أبي الحسن علي بن الحسن الأندلسي:

стр. 679

قال العَذُولُ الْتَحَى فقلتُ له ... حُسْنٌ جَدِيدٌ قَضى بتجْدِيدِ أما تَرَى عَارِضَيْه فوقَهما ... لاَمُ ابْتداءٍ ولامُ تَوْكِيدِ ولام كي، في قول ابن نباتة: ومُسْتَتِرٍ من سَنَا وَجْهِهِ ... بشَمْسٍ لها ذلك الصُّدْغُ فَيّ كَوَى الْقَلْبَ مِنِّي بلاَمِ العِذَارِ ... فعرَّفني أنَّها لامُ كَيْ والبيت الأول كثيراً ما يشكل فهمه، وتبينه أنه أراد بسناء الوجه البياض، وبالشمس الحمرة. وعكس ابن غالبٍ وأبعد وأبدع في ذم العذار، فقال: سأصْنَعُ في ذَمِّ العِذارِ بَدائِعاً ... فمن شاء يقْضِي بالدَّليلِ كما أقْضِي ألا إنَّه كالَّلامِ واللامُ شَأْنُها ... إذا الْتصَقتْ بالإسمِ آلَ إلى الخَفْضِ فاجعله محتملاً لما شئت من الذم إن وجهت الخفض بانخفاضه للعمل المطلوب منه، وإن شئت انخفاضه انخفاض حاله. وقد رد عليه شرف الدين المناوي، بقوله: بَلَى إنها لامُ ابْتداءِ مَحبَّةٍ ... أو اللامُ للتأكيدِ ليستْ بذِي الخَفْضِ فلو أبْصَرَتْ عيْناك ذاك الذي بَدَا ... على خَدِّه الوَرْدِيِّ كنتَ إذاً تَقْضِي وللسيد المترجم: تبَدَّى ذا العِذارُ شَبِيهَ لاَمٍ ... على وَرْدٍ بهِ زهَتِ الخدودُ غَدَتْ كلُّ البَرَايَا فيه سَكْرَى ... لَدَى لامِيَّةِ الْوَرْدِي شُهودُ مثله لبعضهم: هوَيْتُه عَجَمِيّاً فوق وَجْنَتِهِ ... لاميَّةٌ عَوَّذْتها أحْرُفُ القَسَمِ في وَصْفِه ألْسُنُ الأقْلام قد نَطقتْ ... وطال شَرْحِي في لاميَّةِ العَجَمِ وله: بأبِي وغيرِ أبِي عِذارٌ سائلٌ ... كالمِسْكِ سالَ على بَياضِ الْعَاجِ أبداً أدِينُ بحُبِّه وبمدْحِه ... فلْيَلْحَنِي اللاَّحي ويهْجُو الْهَاجِي وله في غلام يشرب الدخان: وبديع حُسْنٍ بالدُّخانِ مُولَّعٍ ... ومِن الغَداةِ إلى العَشِيَّةِ يَشْرَبُهْ يُبْدِي الدُّخانُ بوجْهه سِتْراً لنا ... فتخالُ بَدْراً والغَمامُ يُحجِّبُهْ مثله لابن الجزري: كأنما دُخانُ غلْيُونِهِ ... لمَّا بَدَا من ثَغْرِه الدُّرِّي غَيْمٌ نَشَا من شَفِقٍ أحْمَرٍ ... مُحْتَجبٍ غَطَّى سَنَا الْبَدْرِ وكتب لشخصٍ من أهالي مكة، في صدر كتاب: سلامٌ كنَشْرِ الرَّوْضِ أو نَفْحةِ المِسْكِتَسِيرُ به أيْدِي الصَّبَا في دُجَى الحُلْكِ بَلِيلة أذْيالٍ بدَمْعِ تَشَوُّقٍ ... إلى خِيرَةِ البيتِ المُعظَّمِ بالنُّسْكِ يخُصُّ حبيباً أبْعَدَتْهُ يدُ النَّوَى ... وكان قريباً قُربَ جِيدٍ إلى السِّلْكِ وكتب إلى الأستاذ زين العابدين البكري وقد انقطع عن مجلسه أياماً بسبب كثرة الأوحال من المطر: لقد مَنع المَسِيرَ إلى حِماكُمْ ... تَوَالِي الغَيْثِ من ثَدْيِ السَّحابِ وأوْحالٌ بها الطُّرقاتُ سُدَّتْ ... فما أسْطِيعُ مَشْياً لِلذَّهابِ وقالوا رحمةٌ للناسِ عَمَّتْ ... ولكنْ لي بها فَرْطُ العذابِ فيا رَبَّاهُ حتى الغَيْثُ خَصْمِي ... يُمانِعُنِي دُنُوِّي واقْترابِي فعَجِّلْ بانْحِباسِ الغَيْثِ كَيْما ... أرَى ذاك الجمالَ بِلاَ حِجَابِ من الأمثال مطر مصر يضرب للشيء النافع، يتضرر به؛ لأن من عيوب مصر أنها لا تمطر، فإذا أمطرت كرهت أهلها ذلك أشد كراهةٍ؛ لما يقع فيها من الأوحال، قال الله تعالى: " وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته " يعني المطر، فهذه رحمةٌ مجللة لهذا الخلق، وهم لها كارهون، وهي لهم غير موافقة، ولا تزكو عليها ثمارهم. قال بعض الشعراء: وما خيرُ قومٍ تُجْدِبُ الأرضُ عندهم ... بما فِيهِ خِصْبُ العالَمين من الْقَطْرِ إذا بُشِّرُوا بالغَيْثِ رِيعَتْ قلوبُهمكما رِيعَ في الظَّلْماءِ سِرْبُ الْقَطَا الكُدْرِ

стр. 680

ومما يحسن موقعه في منع المطر عن الزيارة قول الشهاب مضمناً: أقولُ لِوَابلٍ عن دارِ حِبِّي ... أعَاقَ وقد بَدَا منه انْسِجامُ سلامُ اللهِ يا مَطَرٌ عليها ... وليس عليك يا مَطَرُ السَّلامُ وكتب جحظة إلى ابن المعتز: كنت على المسير إلى الأمير، فانقطع شريان الغمام، فقطعني عن خدمته. فكتب إليه: لئن فاتني السرور بك لم يفتني بكلامك. وقوله: شريان الغمام، من أحسن الكلام. ورأى تاريخ المقري، المسمى بنفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، فكتب إليه: مِن الغُصْنِ الرَّطِيبِ هَصَرْتَ غُصْناً ... ومن أثْمارِه أصْبَحْتَ جَانِي كَساهُ اللهُ من ورقٍ بُرُوداً ... مُطرَّزة بأزْهارِ الجِنانِ وكتب لبعض إخوانه يطلب منه كتاب قلائد العقيان: يا سيِّداً حاز خَصْلَ الفضلِ من كُتُبٍ ... بجدِّ عَزْمٍ وجَدٍ طاهر النَّسَبِ مِن القَلائِد جِيدِي عامِلٌ أبداً ... فابْعَثْ بها كي تُحَلِّي جِيدَ ذِي أدَبِ قَصْدِي المروُ عليها مُسْرِعاً عَجِلاً ... كما يمُرُّ نسيمُ الرَّوضِ بالْعَذَبِ وله يعتذر عن ترك التغزل: وقائلةٍ لِمْ لا تَغَزَّلُ في الظِّبَا ... وطَبْعُك مِن ماءِ اللَّطافةِ قد رَوِي فقلتُ لها قَدْرِي تَسَامَى عن الذي ... تَرُومِي لِشُغْلِي بالعلومِ وما رُوِي وله في الشباب والشيب: ليلُ الشبابِ نجومُ الشَّيْبِ فيه بَدَتْ ... فأحْرقتْ مِن شَياطينِ الهوَى زُمَرَا بدَتْ وأدْهَمُ لَهْوِي جَدَّ في مَرَحٍ ... فقيَّدتْهُ بِعقْدٍ يُشْبِهُ الدُّرَرَا معنى الأول ألم فيه بقول أبي طالب بن يعمر. نجومُ شَيْبِيَ في ليلِ الشبابِ بَدَتْ ... فبَصَّرتْ عينَ قلبِي مَنْهَج الدِّينِ فصِرْنَ راجِمةً شَيْطَان مَعْصِيَتِي ... إنَّ النُّجُومَ رَجُومٌ للشَّياطِينِ ومن فوائده ما كتبه على البيت المشهور: فَرَّقْنَ بين مَحَاجرِ ومَعَاجِرٍ ... وجمَعْنَ بين بَنَفْسَجٍ وشَقائِقِ قال: أجاب عنه البدر الدماميني، وصاحب التبيان، والبيت ثالث بيتين قبله، وهما: أنا الفِداءُ لظَبْيةٍ أحْداقُها ... مَوصُولةٌ مِن حُسْنِها بحدائِقِ لمَّا الْتقيْنا للوَداعِ وأعْرَبتْ ... عَبَراتُنا عنَّا بدَمْعٍ ناطقِ فَرَّقْنَ.....الخ وقد وجدت البدر أتى البيوت من أبوابها وأزال بنور قريحته ما أظلم من غيهب رحابها أما صاحب التبيان وإن كان من أئمة البيان، المشار إليهم بالبنان، فقد وقف من وراء البيوت، وهو من الحزن كظيم، وتأخر عنها وهو من الحياء سقيم، وراش سهام قريحته فأبعد المرمى، ولم يصب لحماً ولا عظماً. ولله در القائل: نَزَلُوا بمكة في قبائلِ مُكْثِرٍ ... ونزلت بالبَيْداءِ أبْعَدَ مَنْزِلِ فأتى بمعانٍ لا يخطبها خاطب، بل مما يحطبها في ليل سطورها الحاطب، وجهز بنات فكره بما لا يستروح لنشره؛ وليت شعري ما كان أغناه عن هذا الجواب وقصده، وما أكثر ما يهز المعاطف ولكن ببرده. وها نحن نذكر نص الجوابين، ليظهر لك ما قلناه بغير مين، ونذكر ما ظهر لنا من الجواب، الذي هو أمس رحماً بضوءٍ من الآداب. قال البدر: الظاهر أن الشاعر قصد أن عبراته في حال الوداع حجبت نظره عن رؤية الظبية الموصوفة، وحالت بينهما، فحصل بذلك تفريق العبرات المذكورة بين محاجره التي كان ينظر منها، وبين المعاجر التي كان ينظر إليها. وقد وصف بعض الشعراء الدمع بكونه حائلاً بين العين والرؤية، كقول بعضهم: وحالتْ دموعُ العَيْن بيني وبينه ... كأن دموعَ العين تعْشَقه مَعِي وقال ابن منهال، أحد شعراء إفريقية: إذا بَدَا حَالَ دَمْعِي دون رُؤْيتِه ... يَغارُ منِّي عليه فهْو بُرْقُعُهُ وقول أبي الحسين بن سقر، شاعر المرية، في دولة بني عبد المؤمن: وقَفَتْ وَقْفَةَ الوَداعِ وقالتْ ... ليت شِعْرِي متى يكون الرُّجوعُ فبكيْنا خوفَ الفِراقِ فحالَتْ ... بيْننا قبلَ أن نَبِينَ الدُّموعُ

стр. 681

وأما دمعها هي، فإنه إذا اختلط بكحل عينها، أشبه البنفسج من حيث اللون؛ وباعتبار جريانه على الوجنات حصل الجمع بين البنفسج وهو الدمع المذكور، وبين الشقائق وهي الخدود. وقد شبه بعض الأدباء البنفسج بالكحل الممتزج بالدمع، حيث قال: بَنَفْسَجٌ حُمِيَتْ أزْهارُه فحكَى ... كُحْلاً تشرَّب دَمْعاً يومَ تَشْتيتِ فلا بدع إذن في تشبيه الدمع، الذي هذه حالته بالبنفسج، ووجه الشبه ما قلناه. والملخص أن العبرات التي جرت من هذين في حالة التوديع، أوجبت حالةً اختص بها القائل، وهي التفريق المذكور، وحالةً تختص بالمقول، وهي الجمع على الصفة المذكورة، وهذا كله ظاهرٌ، متجهٌ، لا يرد عليه شيءٌ، إلا أن الشاعر لم يصرح في نظمه بأن المتغزل فيها كانت مكحولةً، حتى يشبه دمعها الممتزج مع الكحل بالبنفسج. وجوابه أن يقال: أحال الأمر في ذلك على ما يقتضيه الذوق السليم، وأشار إلى ذلك بالتشبيه المذكور، فيتلطف له في هذا القدر. هذا كلامه، وأما الطيبي فإنه قال: يحتمل أن المراد بالبنفسج والشقائق عارض الرجل وخد المرأة، ويحتمل أنها حين الوداع مزقت جلدها، ولطمت خدها، أي جمعت بين أثر اللطم، وهو شبيهٌ بالبنفسج، وبين لون الخد، وهو شبيهٌ بالشقائق، لكن الثاني أولى؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند طريان الخضرة، وليس في الشعر ما يدل على شباب الخضرة. انتهى. قال الدماميني: قلت: إنما أنشد في التبيان البيتين الأخيرين، ولم يتكلم على معنى التفريق بين المحاجر والمعاجر في الاحتمال الأول، ولم يتقدم في هذه الأبيات الثلاثة ما يصلح أن يكوم معاد الضمير في فرقن، وجمعن غير العبرات، وعليه فلا معنى لشيءٍ من الاحتمالين اللذين أبداهما الطيبي، وإنما غره في جعل الضمير للنسوة المودعات كونه لم يظفر بالبيت الأول، وغلا فلو وقف عليه لتبين أن العبرات هي مرجع الضمير قطعاً؛ فإنه لا وجه بعد ذلك لنسبة التفريق والجمع للنسوة التي لم يجر لهن ذكرٌ. إلى هنا كلامه؛ فإنك تراه كيف بين جهات الخلل في كلام صاحب التبيان، بما لا يمتري فيه من ذوي الفطرة إنسان. وهذا ما ظهر لنا من الجواب، الجاري على منهج الصواب، فنقول: إن المفلقين من الشعراء، والمصاقع من البلغاء، قد تغالوا في وصف الدمع بما تبتهج به النفوس، ويروق السمع، فأخرجوه عما هو معهود ومأهول، وجعلوه متصل الجري دائم الهمول، من غير فترةٍ في وقتٍ دون وقت، وادعوا فيه أنه كالمطر حتى سقوا به الديار الآنسة، والأطلال الدارسة، إلى غير ذلك من المبالغات الشعرية، التي لا تنخرط في سلك التحقيق، وادعوا أيضاً أن الدموع تبدلت بالدم، ومنه قول أبي تمام: وأجْرَى لها الإشْفاقُ دَمْعاً مُوَرَّداً ... مِن الدَّمِ يجْرِي فوقَ خَدٍ مُوَرَّدِ ومن هذا اتضح باب تشبيه الدمع بالعقيق والمرجان والياقوت، بمجرد حمرة اللون. ولما غلب استعمال الشعراء للدمع بالدم، وتداولت الأسماع وروده عليها، وألفت وقوعه فيها، صار حقيقةً عرفيةً عند الخاص والعام، وصار هو الأصل والدمع فرعاً عليه، حتى ادعى الشاعر أن المحبوبة أنكرت دمعه، وطالبته بالحجة والعذر عن بياضه، فقال: وقائلةٍ ما بالُ دَمْعِك أبْيَضاً ... فقلتُ لها يا عَزُّ هذا الذي بَقِي ألم تعْلمي أن البُكا طال عُمْرهُ ... فشابتْ دُموعِي مثْلَما شابَ مَفْرِقِي وقال الآخر: قالُوا ودَمْعِي قد صَفَا لِفِراقِهمْ ... إنَّا عَهِدنا منك دَمْعاً أحمرَا فأجَبْتُهم إن الصَّبابةَ عُمِّرتْ ... فيكم وشابَ الدَّمْعُ لَمَّا عُمِّرَا وقال بعضهم في الدمع الأسود: وقائلةٍ ما بالُ دمعِك أسْوداً ... وجسمُك مُصْفَرَّاً وأنتَ نَحِيلُ فقلتُ لها أفْنَى جَفاكِ مدامِعِي ... وهذا سَوادُ المقْلتيْنِ يَسِيلُ وقال الآخر في الدمع الأخضر: وقائلةٍ ما بالُ دمعِك أخْضَرا ... فقلتُ لها هل تفْهمين إشارَتِي ألم تعْلمِي أن الدُّموعَ تجفَّفتْ ... فأجْرَيتُها يا مُنْيَتِي من مَرَارتِي وقال الآخر في الدمع الأصفر: وقائلةٍ ما بالُ دمعِك أصْفرَا ... فقلتُ لها ما حالَ عن أصْلِ مائِهِ

стр. 682

ولكنَّ خَدِّي اصْفَرَّ من سَقَمِ الهَوى ... فسالَ به واللونُ لَوْنُ إنائِهِ إذا تقرر هذا، فنقول: الظاهر أن هذا الشاعر قصد أن عبراته هو اتصفت في حالة التوديع، وذلك المهيع الفظيع، الموجب لنحول الجسد، وحلول الكمد، وكسوف البال، وتغير الحال، وترادف الزفرات، وتتابع العبرات، واضطراب القلب، واضطرام الصدر، وانتهاب الصبر، بوصفين: أحدهما؛ أنها لفرط انصبابها، وتلاحق تساكبها، صارت حجاباً مانعاً، وستراً حائلاً بينه وبين رؤية ما هو بمرأى ومسمعٍ منه، فبهذا الاعتبار صح الحكم عليها بأنها فرقت بين محاجره التي كان ينظر منها، ومعاجر المحبوبة التي ينظر إليها، وهذا وصفٌ ممكن. والثاني؛ أن عبراته اتصفت بلونين متقابلين، وذلك أنه لفرط بكائه، وحزنه وعنائه، في تلك الحالة الحويلة، التي تخدع العقل وتسحره، وتملك اللب وتقهره، وتغلب القلب وتبهره، فاضت عبراته تارةً دماً أحمر، يشبه الشقائق في لونها، وهذا قريبٌ من الإمكان، على ما قيل: إن أصل الدموع الدم، وتارةً دماً مشرباً بزرقةٍ يشبه البنفسج في لونه؛ وهذا بعيدٌ من الإمكان عادةً، لأن مادة البكاء إنما تكون من فضولٍ تصعدت إلى الدماغ من الرطوبات المنفصلة عن هذا الجسم، وليس في لونها زرقة، ولكن هذا من المبالغات الشعرية، التي لا تنخرط في سلك التحقيق؛ لكونها مقبولةً عندهم، بل كلما زاد الشاعر في ادعاء غير الممكن كان الشعر مستحسناً، حتى قيل: لو صدق الشعر لما استحسن. غير أن هذا وإن كان بعيداً عن الإمكان، يقربه أن حالة التوديع توجب تغيراً في سحنة الوجه، بحيث يتراءى أن فيه زرقةً، فإذا فاضت عليه العبرات، تلونت بلونه؛ لكونه جوهراً شفافاً، يتلون بلون إنائه. وهذا له مساسٌ بمقاصد الشعراء وتخيلات البلغاء، خصوصاً والدمع قد تغالوا فيه، حتى أخرجوه عن سعة دائرة الإمكان، إلى أوسع مكان، ألا ترى إلى ما تخيله بعض الشعراء، في وصفه بالزرقة حيث قال مخبراً عن محبوبته: قالتْ وقد نظَرتْ لزُرْقةِ أدْمُعِي ... أكَذَا يكون بكاءُ صَبٍ شَيِّقِ فأجَبْتُها قد مات في جَفْنِي الكْرَى ... فَجرَت دُموعِي في الحِدَادِ الأزْرَقِ إذا تقرر هذا، ظهر لك صحة الحكم على عبراته بأنها جمعت بين البنفسج، وهو الدمع الموصوف بما ذكر، والشقائق، وهي الدمع الذي استحال دماً، فأشبه الشقائق في لونها، من غير نظرٍ إلى عبرات المحبوبة التي لم يكن في سياق الأبيات ما يدل على أنها كانت مكحولةً، كما اعترف هو به، وتكلف لها جواباً لا يسمن ولا يغني من جوعٍ. على أن الدمع المشرب بالكحل لا يحسن أن يشبه بالبنفسج، كما هو ظاهر، فإن البنفسج، إنما يشبه ما فيه زرقةٌ لا سواد. وهذا وجهٌ جميل، له من اللطافة ما ترى، وأنت إذا تابعت النظر يوشك أن يلوح لك وجهٌ آخر. تاج العارفين بن عبد العال تاج مفرق عصره، وغرة جبين مصره. من بيتٍ علمه منسجم الغمائم، عم نفعهم العالم، من منذ تتوجوا بالعمائم. وقد نبغ هو كما شاءت معاليه، فازدانت به أيامه ولياليه. مهابة تقدم لحظته، وبراعةً تتقد لفظته، ولطفاً ملىء به جسمه، وصفاءً قام به وسمه. فمناقبه غررٌ على أوجه الأيام تسيل، وشرفه لا يلحقه السابق ولا الرسيل. وله شعرٌ وإنشاء رائقان، وفي معارج اللطافة إلى فلك القبول راقيان. وقد جئتك منهما بما تشتم به نفساً ينسي السوسن المبلول، وتنفح منه نفحاً يهدي لك نور الربى المطلول. فمن ذلك ما كتبه إلى عبد الرحمن المرشدي، مفتي مكة: أذَكرْتَ رَبْعاً من أُمَيْمةَ أقْفَرَا ... فأسَلْتَ دمعاً ذا شُعاعٍ أحْمَرَا أم شاقَك الغادُون عنك بسُحْرَةٍ ... لمَّا سَرَوا وتَيَمَّمُوا أُمَّ القُرَى زَمُّوا المَطِيَّ وأعْنَقُوا في سَيْرِهم ... لِلّهِ دمعِي خَلْفَهم يا ما جَرَى ما قُطِّرتْ في السَّيْرِ أجْمالٌ لهم ... إلاَّ ودمعي في الرِّكابِ تقطَّرَا فكأنَّ ظَهْرَ الْبِيدِ بَطْنُ صَحِيفةٍ ... وقِطارُها فيه يُحاكِي الأسْطُرَا وكأنها بهَوادِجٍ قد رُفِّعتْ ... سُفُنٌ ودمعُ الصَّبِّ يحكي الأبْحُرَا

стр. 683

رحَلُوا وما عادُوا على مُضْناهمُ ... وَاهاً لحَظِّي ليت كنتُ مُؤَخَّرَا إن كان جسمي في الدِّيارِ مُخَلَّفاً ... فالقلبُ منهم حيث قالُوا أهْجَرَا أظْهرْتُ صبرِي عنهمُ مُتجلِّداً ... وكتَمْتُ وَجْدِي فيهمُ مُتسترَا وغدا العَذُولُ يقول لي مِن بعدِهم ... بَادٍ هواك صَبَرْتَ أم لم تصْبرَا أقسمتُ إن جادَ الزمانُ بِمطْلبِي ... وسَلكْتُ رَبْعاً بالمنَاسِكِ عُمِّرَا وشهدِتُ بَدْرَ الحيِّ بعد أُفُولِهِ ... مُذْ لاح مِن أفُقِ السعادةِ مُقْمِرَا أدَّيْتُ خدمةَ سيِّدٍ سَنَدٍ غَدَا ... مُفْتِي الأنامِ وِراثةً بين الوَرَى وكتبت إليه أيضاً: مَلَكتْ سَوْرةُ الرَّحِيلِ عِنانِي ... وأهاجتْ سَواكِنَ الأشْجانِ أتمنَّى أسْرِي وهل يملِك السَّيْ ... رَ طَرِيحُ النِّدَا أسِيرُ التَّدانِي يا خليليَّ وَقْفةٌ بالمُصَلَّى ... تُجْدِ حَمْدَ السُّرَى ودَرْكَ الأمانِي فاعْطِفا وانْزِلا وبُثَّا سَلامِي ... لِوَجِيهِ العُلَى فريدِ المَعانِي أنا بيْن لَوْعةٍ عَلِم اللَّ ... هُ وشَوْقِي له بِطُولِ الزَّمانِ أيْنَ منِّي الحَنِينُ من ذاتِ طَوْقٍ ... سَلَبَتْها النَّوَى غُصونَ الْبَانِ لو تُطِيقُ النِّياقُ شوقِي لما حَنَّ ... تْ خُضوعاً مِن تُرْبِها أجْفانِي وبقلبِي من الوَجِيبِ إليهِ ... مِثْلَما بالنِّياقِ مِن دَمَلانِ فَوَعَيْشِ الصِّبا وحيِّ التَّصابِي ... ولَيالِي الرِّضَا وأُنْسِ التَّدانِي إنَّ قَصْدِي لُقْياك لكنْ قِيادِي ... بيَدٍ ليس لي بها مِن يَدَانِ فأجابه بقوله: يا خليليَّ بالصَّفا أسْعِدَانِي ... وبوَصْلٍ من الإياسِ عِدانِي واحْمِلاَ بعضَ ما أُلاقِي وبُثَّا ... حالَ صَبٍ مُتيَّمِ القلبِ عَانِي جسمُه في جِيادَ والقلبُ منه ... في قُرَى مصرَ دائمُ الخَفَقَانِ لم يزَلْ شَيَّقاً وَلُوعاً دَواماً ... شَاخِصَ الطَّرْفِ سَاهِرَ الأجْفانِ يرقُبُ النَّجْمَ لَيْلَه وإذا أصْ ... بحَ أضْحَى مُناشِدَ الرُّكْبانِ هل رأيتمُ أو هل سمعتمُ حَدِيثاً ... عن قديمِ الإخَا عظيمِ المعانِي هو تاجٌ لِلْعارفين الذي قد ... نالَ إرْثاً عَوَارِفَ العِرْفانِ خُصَّ بالعِلْمِ والرِّياسةِ والوُدِّ ... وهَذِي مَواهبُ الرحمنِ فهو كنزٌ ومَجْمَعٌ لعُلومٍ ... قد حَواها بغايةِ الإتْقانِ وهو صَدْرُ الشريعةِ المَشْرَعُ العَذْ ... بُ البَسِيطُ الْمُحِيطِ والبُرْهانِ دام فينا مُبَلَّغاً ما يُرَجَّى ... من مُرادٍ ورِفْعةٍ وأمانِي ما تغَنَّى على الرِّياضِ هَزارٌ ... رَقَّص الغُصْنَ في رُبَا البُسْتانِ وكتب إليه أيضاً: اليومُ مثلُ العامِ حتى أرَى ... وَجْهَك والساعةُ كالشَّهرِ إن أبهى ما تجملت به السطور والطروس، وأشهى ما استعذبته الأنفس وتطلبته النفوس، دعاءٌ على مر الدهور لا ينقضي، وابتهالٌ بأكف الضراعة للإجابة مقتضي، أن يديم على صفحات الوجوه شامة دهرها، وواحد وقتها، وعالم عصرها. المستجمع لمكارم الأخلاق والشيم، والمنفرد بمزاياها عند الخلق والأمم. المشتهر عند العرب والعجم بأنه ملك من العلم زمامه، وجعل العكوف عليه لزامه. فانقاد إليه انقياد الجواد، وجرى في ميدانه بحسن السبق والفكر الوقاد. عالم الغرب والشرق، ومزيل ما تعارض من المسائل بحسن الجمع والفرق. الجامع بين رياستي العلم والعمل، والمانع بإخلاص السريرة من لحوق عوارض العلل. كنز العلوم والكشف، بحر الهداية الذي ارتوى منه بالعب والرشف. صدر الشريعة الغرا، وشيخ حرم الله بالإفتاء والإقرا.

стр. 684

من لا يمكن حصر وصفه بالتفصيل، فإن الإطناب فيه طويل، وإنما أحيل على ما قيل: أنت الذي وَقَفَ الثَّناءُ بسُوقِهِ ... وجَرَى النَّدَى بعُروقِهِ قبلَ الدَّمِ عبد الجواد بن شعيب الخوانكي شاعرٌ متسع الباع، معتدل الطباع في الانطباع. فهو ليس بالناسك البارد، ولا الفاتك المارد. ولا بالمتعفر المتقشف، ولا بالخليع المتكشف. يشوب الحصافة بالفصاحة، ويزين اللباقة باللياقة. ويجمع بين الجد المقبول والهزل المطلوب، ويستشف عما يقر العيون ويسر القلوب. وقد أوردت له ما محله الخلد، وإذا نقدته علمت أن قائله من نقد البلد. فمن ذلك قوله: وَيْلاهُ يهْجُرني عَمْداً بلا سَبَبِ ... وفي مَحَبَّتهِ الأمثالُ تُضْرَبُ بي ليت الصَّبابةَ ما كانتْ ولا خُلِقتْ ... فإن آخرَها يُفْضي إلى العَطَبِ شهراً ثلاثين يوماً لا أراكَ ولا ... عَيْنِي رأتْك فقلبي زائدُ الوَصَبِ ولا تخُطُّ كتاباً منك تُخْبِرُنِي ... أعَنْ رِضىً كان هذا الصَّدُّ أم غَضَبِ ولا يمُرُّ خيالٌ منك في حُلُمِي ... فأطْمئِنُّ وهذا غايةُ العَجَبِ وكيف يسْرِي خَيالٌ والكَرَى مَنعتْ ... بَناتُ نَعْشٍ به في أعْيُنِ الشُّهُبِ كأنه كان جِنِّيّاً يُسارِقُنِي ... فأحْرقَتْه فما أبْقتْ سِوَى اللَّهَبِ وقوله: سِرْبُ جِنَّانٍ في جِنَانٍ وبِي ... يمْشِي مع الغِزْلاَنِ في رَبْرَبِ يرْتَعُ في النَّرْجِسِ أو يرْتَقِي ... حَبَّةَ قلبِي بَدَلَ الزَّرْنَبِ تَرْفُل بالسُّنْدُسِ أعْطافُه ... أعْطافُ غُصْنِ الْبانةِ المُخْضَبِ في صَنْعةِ السِّحْرِ لأجْفانِه ... أشْياءُ عن هاروتَ لم تُكْتَبِ قد عقَد النَّوْمَ وغَلَّ الكَرَى ... مِنِّي ولا تسَلْ ما حَلَّ بي حُلْوُ الْجَنَى مُرُّ الْجَفَا قُرْطُه ... عَرَّفنِي مَنْزِلة الكَوْكَبِ وَرْدُ الرُّبَى يُقْطَفُ من خَدِّه ... والشُّهْدُ من مَعْسُولِه الأشْنَبِ أسْكَرنِي منه عُذَيْبُ اللَّمَى ... لو لم يكنْ ذا بَارِقٍ خُلَّبِ أطْمَعنِي في وَصْلِه مَرَّةً ... وقال يا أطْمَعُ من أشْعَبِ قوله: والشهد مبتدأٌ خبره الجملة، فلا يرد أن القطف في العسل غير لغوي، على أنه يمكن فيه ارتكاب التجوز، فيستعمل فيه كما استعمل في قطف الزهر، وأصله من قطف الكرم. ومن صنائعه قوله: ومن عَجَبٍ سَفْكُ الجُفونِ دماءَنَا ... وعَهْدِيَ أن السيفَ يقطَعُ لا الغِمْدُ وأعْجَبُ من هذا تُشَقُّ قلوبُنا ... ولا أوْضَحَتْ عَظْماً ولا خُدِشَ الجِلْدُ وأعْجَبُ من هذيْن تَجْنِي تَعَمُّداً ... ويُقْضَى لها أن لا قِصاصَ ولا حَدُّ وأعْجَبُ من تلك العجائبِ أنَّنِي ... بقْتلِيَ رَاضٍ وهْو يغضبُ من بَعْدُ وأعْجَبُ منها مرَّتيْن شِكايتِي ... وهل يملِكُ الشَّكْوَى من السَّيِّدِ العَبْدُ وأعْجَبُ منها مرَّتيْن ومَرَّةً ... يَصُدُّ فيدْعُوني لِطاعتهِ الصَّدُّ وأعْجَبُ من أضْعافِها قَوْلُ عَاذِلِي ... تسَلَّ ألاَ لو كان في عَاذِلٍ رُشْدُ وأعْجَبُ شيءٍ مُطْلَقاً أنه اجترَى ... ولم يَدْرِ مَن أهْوَى أزينبُ أم دَعْدُ أما والذي أبكى وأضْحَك لم يكُنْ ... لِيُخْلَق لولا خَدُّه الآسُ والوَرْدُ ومن شعره قوله من قصيدة، أولها: يا رَبَّة الْخَلْخالِ والقُرْطِ ... والمِطْرفِ الموْشِيِّ والمِرْطِ عَطْفاً فإنِّي لم أحِدْ يوماً ... عن حِفْظِ ذاك العهدِ والشَّرْطِ قِفِي انْظُرِي ما حَلَّ بي إنِّي ... قد ضَرَب الأمْثالَ بي رَهْطِي وغادةٍ بَيْضاءَ مِعْناقٍ ... قَوامُها كالأسْمَرِ الخَطِّي

стр. 685

لها رُضابٌ ولها ظَلٌ ... كالشُّهدِ مَمْزوجاً بإسْفَنْطِ رأيتُها في رَوْضةٍ يَوْماً ... تخْتالُ بين الأثْلِ والخَمْطِ فقلتُ ناشَدْتُك إلاَّ ما ... عَجِلْتِ لي من وَصْلهِ قِسْطِي فوجَّهتْ وَجْهَ الرِّضَا نَحْوي ... وأعْرَضتْ عن وِجهةِ السُّخْطِ وقوله: ما اصْطَفى قلبيَ إلاَّ مُصْطَفى ... هُوَ حَسْبي من حبيبٍ وكَفَى أسْعَدَ اللهُ تعالى طالِعاً ... حَلَّ فيه وأراه الشَّرَفَا ما عليه لو سَقانِي رِيقَهُ ... إنه الشُّهْدُ وفي الشُّهْدِ شِفَا إنْ وَفَى الدهرُ به في ليلةٍ ... فهْو عندي دائماً أهلُ الْوَفَا وكتب إلى صديقٍ له: قُلْ للذي أنا ثابتٌ في حُبِّه ... وهَواهُ وهْو مُبَدِّلٌ مِيثَاقِي إنِّي لأرْضَى أن تُنَوِّه بي ولو ... في آخِرِ القِرْطاسِ بالإلْحاقِ وله في الدخان: هل آيةٌ جاءتْ بتحْريمِهِ ... أو هل حديثٌ نَبَويٌّ وَرَدْ فقُم إلى الغابَةِ وانْهَضْ لها ... لا يقْرَبُ الْغابةَ إلاَّ أسَدْ عبد الباقي الإسحاقي شاعرٌ تجاوز في الرقة الحد، فكأنما تكون من سحر الجفن ورقة الخد. فشعره عليه رونقٌ باهرٌ من الحسن، وهو أفعل في القلوب من التفتير في الجفون الوسن. باختراع المعاني ذو صبابة، يرمي الغرض البعيد عن قوس الإصابة. وقد جاء في هذه الخطة أمةً وحده، فلم يجهل أحدٌ من أهل العصر رسمه وحده. فابن نباتة لم ينل حلاوة معانيه، وابن سكرة عزبت عنه عذوبة مبانيه. وقد أوردت له ما تتعاير على رونقه دراري البحور، وتتمايل له طرباً أغصان القدود المثمرة بثمار النحور. فمن ذلك قوله: تمشَّتْ لنا تُخْجِلُ الكَوْكَبَا ... فناديتُها مَرْحَباً مَرْحَبَا غزالةُ إنْسٍ لها طَلْعةٌ ... إذا خالَها الصَّبُّ حَقّاً صَبَا أدارتْ بحَضْرتِنا قَهوةً ... وطافتْ بكأسِ الطِّلاَ مُذْهَبَا رَنَتْ ورَمتْنِي بألْحاظِها ... وقد أذْكرتْنِي عهدَ الصِّبَا فلو أنَّ نَظْرتها كالظِّبَا ... لَهَانَ ولكنْ كحَدِّ الظُّبَا وغَنَّتْ لنا فطرِبْنَا لها ... فيا حُسْنَ ذاك الذي أطْرَبَا غَزالِيَّةٌ آنَسَتْ صَبَّها ... وأنْسَتْ مَحبَّتُها زَيْنَبَا فَهِمْنَا فَهِمْنا غَراماً بها ... وعن حالتِي حُبُّها أعْرَبَا وصبَّرتُ قلباً غَدَا هائماً ... وقد كاد في الحُبِّ أن يَذْهَبَا ففيه مَديحِيَ عَذْباً يُرَى ... وفي غيرِها المدحُ لن يَعْذُبَا سأجعلُ في وَصْفِها نُبْذَةَ ... وأركبُ في حُبِّها أشْهَبَا مدحتُ فقَصَّر قلبي المديحَ ... وكان مُرادِيَ أسْتَوْعِبَا وإنِّيَ في وَصلِها سيِّدي ... تَرانِيَ بين الورَى أشْعَبَا فباللهِ يا نَسْمةَ الْبانِ إنْ ... حَفَفْتِ على حَيِّ ذاك الرُّبى وجُزْتِ رِياضاً بها غَادتِي ... فهاتِ لنا عن حُلاهَا نَبَا أيا عاذِلِي في هَواها اتَّئِدْ ... حديثُك عنديَ مثلُ الْهَبَا سقى اللهُ رَوْضاً به سَادتِي ... من الوَبْلِ غَيْثاً به صَيِّبَا لأنِّيَ باقٍ على عهدِهمْ ... أرَى حُبَّهم مَذْهَباً مُذْهَبَا وقوله: أذْكَرْتِ أيَّتُها الحمامةُ غِيدَا ... ومَعاهِداً سلَفتْ لنا وعُهودَا وصَدَحْتِ فوق أراكةٍ فصَدَعْتِ قلْ ... بَ شَجٍ وحين صعَدْتِ ذا الأُمْلودَا ذكَّرْتِ أشْجاناً لنا ومَعاهِداً ... وصَفاً تقضَّى طارِفاً وتَلِيدَا هذا على أن الغرامَ إذا زكَا ... ظَلَّ الشَّجِي يتوقَّعُ التَّغْرِيدَا

стр. 686

للهِ أيامٌ نعِمْتُ بها وقد ... عقَد الغَمامُ على الغصونِ بُنودَا حيث الشَّجِي طَوْراً يُخَمِّشُ كاعِباً ... ومن الجَوى طَوْراً يُخَمِّشُ رُودَا حيثُ الشَّمالُ يُحرِّكُ العَذَباتِ إذْ ... يخْطُو ويخطِر في الرِّياضِ وبِيدَا حيثُ المَثانِي والمَثالثُ هذه ... تَرْنُو وذِي تُشْجِي تُحرِّكُ عُودَا هذا ومَعْ أنَّا ولو طفَحَت كُؤو ... سُ الرَّاحِ واشْتعل المُدامُ وَقُودَا ما حرَّكتْ مِنَّا الشَّمُولُ سِوَى الرُّؤو ... سِ كذا الشَّمالُ تُحرِّكُ الأُمْلُودَا أتَؤُوبُ هاتِيك اللُّوْيلاتُ التي ... فيها نظَمْتُ لآلئاً وعُقودا ولَرُبَّ خِلٍ حاز أنْواعَ الذَّكا ... ولِذَا غَدَا في المَكْرُماتِ فريدَا سَامَرْتُه وجَنَوْتُ من ألْفاظِه ... ما يُخْجِلُ الصَّهْباءَ والعُنْقودَا وجَلاَ عليَّ عَرائِساً من فِكْرِه ... حَسُنتْ طُلاً ومَعاطِفاً وقُدودَا وأفادنِي وأفَدْتُه والخِلُّ يح ... مَدُ أن يُفادَ مَعانِياً ويُفِيدَا فالعقلُ نَامٍ والعَفافُ بحالِه ... ومُجِيدُ فِكْرتِنا اسْتمرَّ مُجِيدَا يا عبدُ فابْقِ على اصْطباحِك واغْتبا ... قِك واصْحَبَنَّ العَهْدَ والمَعْهودَا ومن مطرباته قوله: رقص المجلسُ أُنْسَا ... فاجعلِ الجَرَّةَ كأْسَا واسْقنِي بالزِّقِّ والطَّا ... سِ فإنِّي طِبْتُ نَفْسَا وأقِمْ للَّهْوِ واللَّذَّ ... اتِ في حَانِيَ عِرْسَا قد غَرسْنا زَهْرَ حُبٍ ... فَجَنَيْنَا منه غَرْسَا فأمْلَ لِي حتى ترَى الأعْ ... رابَ في المَنْطِقِ خُرْسَا لا ولا تقْنَعْ بذا حَتَّ ... ى تَرَى النُّدْمانَ خُرْسَا ما بهم قَطُّ حَراكٌ ... لا ولا تسْمَعُ هَمْسَا حَبَّذا بِكْرٌ عَرُوسٌ ... قد حَكَتْ في اللَّونِ وَرْسَا هي عَذْراءُ عجوزٌ ... لم تكُنْ تَنْفُضُ لَمْسَا وعجيبٌ لعَرُوسٍ ... أدْرَكَتْ قُسّاً ورَسَّا وهي لِي سِتٌّ ولكنْ ... ملكتْ مِنِّيَ خَمْسَا قولهم: ستي بمعنى سيدتي خطأ، وهي عامية مبتذلة، ذكره ابن الأعرابي، وتأوله ابن الأنباري، فقال: يريدون يا ست جهاتي. وتبعه في القاموس، فقال: وستي للمرأة، أي يا ست جهاتي؛ كناية عن تملكها له، ولا يخفى أنه تكلفٌ وتمحل. وإليه أشار بهاء الدين زهير: برُوحِي مَن أُسَمِّيها بِسِتّي ... فتنْظُرُني النُّحاةُ بعَيْنِ مَقْتِ يرَوْنَ بأنَّني قد قلتُ لَحْناً ... وكيف وإنَّني لَزُهَيْرُ وَقْتِي ولكن غادةٌ ملَكتٌ جِهاتِي ... فلا لَحْنٌ إذا ما قلتُ سِتِّي كيف لا وتُرِينِي ... في دُجَأ الظَّلْماءِ شَمْسَا وتُقِيمُ المَيْتَ حَيّاً ... بعدَ ما جاوَرَ رَمْسَا فاتَّخَذْناها إلى الخَلْ ... وةِ في المجلسِ عِرْسَا واصْطَفيْناها إلى جَيْ ... شِ هُمومِ القَلْبِ تُرْسَا واتَّقَينا بظُباهَا ... في الْوَغَى جِنّاً وإنْسَا هاتِها من يَدِ ظَبْيٍ ... يُكْسِبُ النُّدْمانَ أُنْسَا وإذا عَزَّتْ سَقَى مِن ... لَحْظِه الأدْعَجِ نَطْسَا فيه أضْحَى القلبُ مُغْرىً ... مِثْلَما أصبح أمْسَى فإلى اللّذَّاتِ أشْكُو ... زَمَناً لِلَّهْو أنْسَى صار فيه القلبُ صَخْراً ... وغدا المَضْجَعُ حَبْسَا

стр. 687

ولقد عَمَّ مَعالي ... مَ الذَّكَا نَوْعاً وجِنْسَا ما ابنُ إسْحاقَ بأزْكَى ... منك أنفاساً ونَفْسَا إن تأسَّيْتَ تَسلَّيْ ... تَ فحَبْرٌ من تَأَسَّى وله في الغزل: يُحرِّكني إليك هَوىً مُطاعُ ... فأحمِلُ فيك ما لا يُسْتطاعُ وأركبُ مَرْكَباً في الحبِّ صَعْباً ... تضِيق به الأماكنُ والبِقاعُ فلِلْعَبَراتِ في الخدِّ انْدِفاقٌ ... وللزَّفَراتِ في الصَّدْرِ انْدِفاعُ وفي هذِي رُمِيتُ بكلِّ بَلْوَى ... تدَاوَل ذكْرَها الرَّهَجُ الرَّعاعُ وبَلْوَى الدهرِ تنزِل كلَّ يومٍ ... بكلِّ فتىً له في السَّبْقِ بَاعُ تطاوَل في المَكارِمِ منه طَولاً ... له في عالَمِ الغيبِ اطِّلاعُ فما ذَنْبي سوى أنِّي مُحِبُّ ... وفي كَبدِي من الحبِّ انْصِدَاعُ ولي فضلُ التَّقدُّمِ في انْقطاعٍ ... إليك وليس لي عنك انْقِطاعُ أضعْتَ مَودَّتِي ونسِيتَ عهدي ... وعهدي في المَحبَّةِ لا يُباعُ وكنتُ قنعْتُ بالكتْمانِ فيكم ... فأمَّا اليوم فانْكَشف القِناعُ وكنتُ إذا سمعتُ لكم حديثاً ... يُحرِّكني من الوَجْدِ السَّماعُ فإن تعْطِفْ على عبدٍ مُضاعٍ ... فإنِّي ذلك العبدُ المُضاعُ وقد طلَّقْتُ سَلْوتَكم ثلاثاً ... طلاقاً ليس لي فيه ارْتجاعُ على أني سأُنْشِد عند بَيْعي ... أضاعُوني وأيَّ فتىً أضَاعُوا ومن مطرباته قوله: امْلَ لي الكاسَ تَماماً ... واسْقِنِي جَاماً فجَامَا واجْعلِ الدُّرَّةَ كأساً ... وخُذِ التِّبْرَ مُدامَا تمِّمِ الكأسَ فإنَّ الْ ... كاسَ ما كان تَمامَا واتَّخِذْها سُلَّما لِلَّ ... هو يسْمُو أن يُسامَى وتوهَّمْ أنها الحِلُّ ... وإن كانتْ حَرامَا ثم أزْهَى موضعٍ في الرَّ ... وضِ فاخْتَرْه مُقامَا وإذا ما شئتَ أنْ تسْ ... كرَ فاسْتَدْعِ النَّدامَى ولْيَكُنْ خمْرُك عَا ... دِيّاً وساقِيك غُلامَا يمْلأُ الكاساتِ والألْ ... حانَ بُرْءاً وسَقامَا يملأُ القلبَ سروراً ... وانبِساطاً وغَرامَا عابِثاً بالغُصْنِ أعْطا ... فاً وبالزَّهْرِ ابْتِسامَا ومُحَلَّى بالطِّلا جِي ... داً وبالْعارِضِ لاَمَا وترَى منه القَوامَ الْ ... غُصْنَ والغُصْنَ الْقَوامَا وترى الأغْصانَ إجْ ... لالاً له هِيباً قِيامَا اسْقِني بالكُوبِ والكَا ... سِ فُرادَى وتُوَامَا ثم بالطّاسِ إلى أنْ ... تتَراءَى الْهامُ هَامَا ثم بالْجَرَّةِ فالْجَرَّ ... ةِ حتَّى أتَرامَى اسْقِني حينَئِذٍ بالزِّ ... قِّ حتى لا كَلامَا ثم بادَّنِّ فتلك الْ ... غايةُ القُصْوَى تمامَا ثم خُذْ عنِّيَ ما شِئْ ... تَ ولا تخْشَ أثامَا والْتَقِطْ مِنِّي الجُمانَ الْ ... فَرْدَ نَثْراً ونِظامَا وإذا لم يكُنِ الطَّا ... فِحُ بالكأسِ هُمامَا فاغْدُ واعْذِرْ وإذا رَا ... مَ خِطاباً قُلْ سَلامَا أبو السرور الهوي روض أدبٍ أزهاره لا تعرف ذوا، وله شعرٌ لطيف لمرض الشجون دوا. سلك من شعاب الفضل أقوم سبيل، وكرع من حياضه أعذب سلسبيل. فأطلع شعره أبهى من السرور، وألطف من الزلال على الكبد المحرور. وكان في عنفوان شبابه، ورواء أخدانه وأحبابه، حليف هوىً ولهو، وأليف وجدٍ وزهو. بين ندمانٍ طلعوا في أفق الحسن شموسا، وذللوا من مطايا الطرب حرونا وشموسا.

стр. 688

ولما رأى تلك الشموس هوت، ونجوم الآمال قد خوت، أعرض عن هواه، وداوى داء عشقه بدواه. وتحقق بالانقياد لمنهج الصواب، ونادى منادي الغيب فسمع الجواب. ولم يزل موفقا لإحراز مراضيه، وحال مستقبله خيرٌ من ماضيه. إلى أن انتقل إلى رحمة علام الغيوب، بريء الساحة من درن العيوب. فمن شعره، قوله من نبوية، مستهلها: حتَّى م يُقْصِيني بِعادِي ... عن حَيّ حَيِّ حِمَى سُعادِ وإلى متى يَثْنِي عَزَا ... ئمَ هِمَّتِي طولُ التَّمادِي وعلى مَ ذا شَرٌّ يَرُو ... جُ وكلُّ خيرٍ في كَسادِ ولَج النَّهارُ اللَّيْلَ في ... فَوْدِي وفي ظُلَمِ الغَوادِي ما آن إمْساكٌ بَدَا ... خَيْطُ البياضِ من السَّوادِ ما آن للسَّفَرِ الطوي ... لِ من التُّقَى تحْصِيلُ زادِ ما آن يا ذاتَ الْجِها ... تِ السِّتِّ لي جَمْع انْفِرادِ رَفْعُ النِّقابِ لينْجَلِي ... مَرْأَى وُجودِي عن مُرادِي ما آن أن تتذكَّرِي الْ ... عهدَ القديمَ من الوِدادِ ما آن أن تتعرَّفِي ... طالَ التنكُّرُ في بِعادِي أوَّاهُ قد كُشِفَ الحجا ... بُ وخاب في نَظَرِي سَوادِي والرَّكْبُ سار على الجِيا ... دِ بمن تزَوَّدَ خيرَ زادِ وقطعْتُ عُمْرِي في المَسِي ... رِ ولا بَرِحْتُ ببَطْنِ وَادِ ولقد ضلِلْتُ وليس لي ... إلاَّ دليلُ الخيرِ هادِي ذُو الجاهِ والباعِ الطوي ... لِ إذا تقاصَرتِ الأيادِي المُصْطَفى المُخْتارُ صَفْ ... وةُ مُجْتَبِيهِ من العبادِ مَاحِي الضَّلالةِ بالبنَا ... نِ وبالبيَانِ وبالفؤادِ شمسُ النُّبُوةِ في الشُّرو ... قِ وفي الغروبِ وذا اعْتقادِي يا أحمدُ المحمودُ في التَّ ... نْزِيلِ يا عالِي العِمادِ العَجْزُ عن إدْراكِ دَرْ ... كِك غايةٌ في الاعْتقادِ يا واحداً جَمع المَحا ... سِنَ كُلَّهُنَّ على انْفِرادِ يا كَنزَ إكسِيرِ الوِدا ... دِ لقلبِ أعْيانِ الأعادِي بذُنوبِ أهلِ الأرْضِ جِئْ ... ك مُسْلِماً ولك انْقيادِي وبك استغَثْتُ وأنتَ أكْ ... رمُ أن يَرُدَّ نَدَاك صَادِي والعفوُ أوسعُ من ذنُو ... بي والرَّجا مَحْضُ اعْتقادِي يا سَيِّداه ويا نَبِيَّ ... اهُ ويا غَوْثَ المُنادِي زَنْدُ الرَّجا والخوفِ أَوْ ... دعَ مُهْجتِي وَرْىَ الزِّنادِ إنِّي أنا المُضْطَرُّ والْ ... مُضْطَرُّ مقبولُ الجِيادِ إن النَّوائبَ شَتَّتَتْ ... شَمْلِي بأهْوالٍ شِدادِ إنِّي إلى المعروفِ أشْ ... وَقُ في الْوَفَا مِن طِيبِ زَادِ وإذا بسَطْتَ الكَفَّ جُو ... داً كَفَّ من عُدْمِ الأعادِي مَهْداً تبيَّنْت السُّرو ... رَ وفي الصِّبا حُزْنُ الفُؤادِ أجِزِ الجوائزَ بالقَبُو ... لِ فإنه أقْصَى مُرادِي فعَليْك ما ضَجَّ الْحجِي ... جُ وسار بالرُّكْبانِ حَادِي أزْكَى الصلاةِ مع السلا ... مِ مِن السَّلامِ بلا نَفادِ والآلِ والصَّحْبِ الذي ... ن قَضَوا جِهاداً في الْجِهادِ ما أحْسَنَ اللهُ الخِتَا ... مَ لحُسْنِ إصْلاحِ المَبادِي ومن مقطعاته قوله: رَامَ رِئمُ الحِمَى يُقَبِّلُ ظَبْياً ... فتلقَّى وُقوعَها في فِيهِ فانْثَنَى نافِراً وألْفَتَ جِيداً ... وعَجِيبٌ نِفارُه مِن أخِيهِ وقوله:

стр. 689

إخْوانُ هذا الزمانِ لمَّا ... تفرَّقتْ منهمُ القلوبُ توهَّمُوا أنهمُ أَصابُوا ... وما دَرَوا أنهمُ أُصِيبُوا محمد بن حجازي الرقباوي شاعر مكثار، إلا أنه مأمون كبوةٍ وعثار. دخل الحجاز واليمن، واتصل بولاتهما الذين ابتهج بهم الزمن. فأطال في مدحهم وأطاب، وملأ ذخائر أنعمهم الجمة الوطاب. ولله تعالى بقايا من عباده في بلاده، خلقهم لينعش بهم العاثر، ويحيى بمكارمهم المعالي والمآثر. فمن مدائحه في الشريف زيد، صاحب مكة، قوله من حاثية عارض بها الفتح بن النحاس، مطلعها: كلُّ صَبٍ مالَه في الخَدِّ سَفْحُ ... لم يَرُقْ في عينهِ نَجْدٌ وسَفْحُ ومتى يعلُو بشأنٍ في الهوى ... وله شأنٌ به فيه يَشِحُّ إنَّما الدمعُ دليلٌ ظاهرٌ ... إن يكنْ للحبِّ مَتْنٌ فهْو شَرْحُ والذي يصْبُو لأغْصانِ النَّقَا ... لم يكنْ عنها بغير الطَّرْفِ يَصْحُو يستْحِي من أن يُوافِيها الْحَيا ... وهْو أوْفَى مِنَّةً والغَيْمَ يَمْحُو كيف يسْتسْقِي لها ماءَ السَّما ... وله جَفْنٌ متى شاء يَسِحُّ رَوضةٌ لِلْغِيدِ كانتْ مَلْعباً ... وهي في لَبَّةِ جِيدِ الشرقِ وَضْحُ كلما نقَّطَها قَطْرُ النَّدَى ... رَشَف الطَّلَّ بها رَنْدٌ وطَلْحُ وإذا مَرَّتْ بها رِيحُ الصَّبا ... سَحَراً أرَّجَها بالمِسْكِ نَفْحُ وتغنَّتْ فوقها وُرْق الحِمَى ... ولِدَاعِي بُلْبلِ الأشواقِ صَدْحُ رُبَّ خَودٍ ذاتِ لَحْظٍ فاتِنٍ ... فاتِكٍ بالكَسْرِ والسَّقْمِ يَصِحُّ بَضَّةٍ قد غُمِستْ في حُسْنِها ... ولها في لُجَجِ الإحْسانِ سَبْحُ أتُراها اسْتَعْذَبتْ يومَ النَوَى ... لِعَذابِي كأسَ بَيْنٍ وهْوَ مِلْحُ ما لَها لا عَبَثَ الدهرُ بها ... لا تَرَى الهِجْرانَ يكْفِي وهْو ذَبْحُ كنتُ أشكُو صَدَّها مِن قبلِ أن ... تنْتوِي والآن عندي فيه شُحُّ يا نَوارُ اصْطنعِينِي باللِّقَا ... فلَكمْ قالَيْتُ مَن في العشقِ يَلْحُو إن تكُونِي شِمْت في ليل الصِّبا ... بَارِقاً فهْو لرَوْضِ الحُلْمِ فَتْحُ كم جلَيْتِ الشمسَ في غَرْبيَّةٍ ... وسَمَحْتِ وجَناحُ الفَوْدِ جُنْحُ فاجْعلِيه شافِعاً فيما بَدَا ... أيُّ لَيْلٍ ما لَه يا بَدْرُ صُبْحُ ولقد أعلمُ حَقّاً لم يكنْ ... منكِ عن ذَنْبِ ظُهورِ الشَّيْبِ صَفْحُ كم أُدارِي فيك عُذَّالِي وكم ... ساءَنِي فيك على التَّبْريحِ كَشْحُ وإذا فعل الغوانِي هكذا ... كلُّ ذي سُكْرٍ بهم لاشَكَّ يَصْحُو سأذُودنََّ فؤادِي رَاغِباً ... عن هوَى مَن جِدُّه بالصِّدْقِ مَزْحُ يا خليليَّ اعْذِرا بِي إنَّ لي ... نارَ وَجْدٍ ما لها بالعشق لَفْحُ خَلِّيانِي والذي ألْقاهُ مِن ... زَنْدِ شوقي مالَه بالغِيدِ قَدْحُ أنا عن ألْحاظِهم في مَعْزِلٍ ... وحَدِيثي ظاهرٌ وهْو الأصَحُّ قد نَسِينَا ما حَفِظْنا منهمُ ... ورأيْنا أن بعضَ العَذْلِ نُصْحُ لا أرَى العَيْشَ صَفَا ما لم أعِشْ ... وفؤادِي من حُروفِ اللَّهْوِ مَمْحُو وعن التَّشْبِيبِ ما أغْنَى ولي ... في عُلاَ زيدِ العُلَى شكرٌ ومَدْحُ قامِعُ الأقْرانِ في يومِ الوَغَى ... تحت ظِلِّ السَّمْرِ والحربُ تَفِحُّ أبيضُ الوَجْهِ إذا النَّقْعُ دجَا ... وَاضِحُ البِشْرِ إذا الفرسانُ كُلْحُ كم له يومَ فخَارٍ مُنْتَمىً ... ولِوَقْعِ البِيضِ بالْهاماتِ رَضْحُ

стр. 690

صبَّح الإقبال حرباً ولَكَم ... شرَّقتْ من خَيْلهِ حربٌ وصُبحُ يومَ أرْوَى بقَدِيحِ المُصْطلى ... قَدْحَ زَنْدٍ وَرْيُه بالفَوْزِ قِدْحُ وعلى العُمْرةِ أرْبتْ يَدُهُ ... وله في يومِها عَفْوٌ وصَفْحُ أذْكَر الصَّفّيْن إذْ ذاك بها ... يومَ صِفِّينَ وللْخَيْليْن ضَبْحُ ولَغَا عني ضَلالاً بعد ما ... طاشَ من تَصْحيفه في فِيهِ صَفْحُ ولَكَمْ سارَع بالخيْلِ على ... حَرَمِ اللهِ وللأَعْمارِ دَلْحُ مانعُ الْجارِ فلو لاَذَ الدُّجى ... بعَواليه لمَا جَلاّه صُبْحُ ولو انَّ الشمسَ تحْكِي نُورَه ... ما عَلاها في ظلامِ الليلِ جُنْحُ وَاهِبُ الأرْواحِ في يومِ الوَغَى ... لأَعادِيهِ الأُلَى بالمالِ شَحُّوا ولقد كان أبُوه هكذا ... ولِمَاءِ الوَرْدِ بعد الوردِ نَضْحُ أشْغلَتْ هَيْبتُه فِكْرَ العِدَى ... فهمُ في غَمْرةِ الإشْفاقِ طَرْحُ لو رَأَوْه في الكَرى لانْتبهُوا ... ولهم من خَوْفهِ بالرُّعْبِ قَزْحُ وإذا شَامُوا بُروقاً أيْقنُوا ... أنَّ أعناقَهمُ بالبِيضِ مُسْحُ وإنِ انْقضَّتْ نجومٌ في الهَوَا ... زَعمُوا أن مُطارَ الشهْبِ رُزْحُ بأبِي أفْدِيك يا بحرَ النَّدَى ... يا مُضِيءَ الرَّأْيِ إن أظلمَ قَدْحُ يا عَقِيدَ الخيلِ يومَ المُلْتقَى ... يا سَديدَ البَأْسِ والأقْرانُ طُلْحُ يا عَرِيضَ الْجاهِ يا حامِي الحِمَى ... يا مَلاذَ الكونِ إن لم يُغْنِ كَدْحُ يا جَمِيمَ الفضلِ والسَّيفُ له ... بفَدادِينِ الطُّلاَ حَصْدٌ ومَسْحُ خُذْ حَدِيثِي واسْتَمِعْ قَوْلِي فما ... كلُّ مَن قال قَرِيضاً فيه صُحُّ هاك نَظْمَ الدُّرِّ من مَعْدِنِهِ ... رائقَ المعنَى له بالمَدْحِ مَدْحُ واجْتَلِ الأبْكارَ في نُورِ الْوفَا ... واخْتَبِرها فهْي بالعِرْفانِ فُصْحُ ضَمِن الدهرُ لها التَّخْلِيدَ في ... صَفَحاتِ الكَوْنِ والأيَّامُ فُسْحُ وهْي كالجُرْدِ السَّلاهِيبِ لها ... بمجَالِ الشُّكْرِ في عَلْياك مَرْحُ حاصَرتْ ما شاد فَتْحٌ قبلَها ... وتلَتْ نَصْرٌ مِن اللهِ وفَتْحُ أحْرَزَ السَّبْقَ ولكن فُتُّهُ ... بك يا ابنَ الطُّهْرِ والآياتُ وُضْحُ لا يرُوقُ المَدْحُ إلاَّ في الأُلَى ... لهمُ الأنْسابُ كالأحْسابِ رُجْحُ أين مَن جَدَّاهُ طه المُصْطَفى ... وعَلِيُّ المُرْتضَى مِمَّن يُزَحُّ بَرزَ القالُ لها من مَنْطِقِي ... لك بالإيرادِ والإسْعادِ سُنْحُ وأنا منك أيا خَيْرَ الورَى ... لم يكُنْ صَوْنِي كما قيل أبَحُّ ولقد أغْنَيتْنِي عن مَطْلَبِي ... منك بَدْءاً ونَظِيرِي لا يُلِحُّ لو درَى النَّحَّاسُ أنِّي بعدَه ... أصْنَعُ الإبْرِيزَ لم يَمْسَسْه قَرْحُ أشكُر الأيامَ قد رَوَّيْتنِي ... وينَابِيعِي بأفْضالِك طُفْحُ لا أرَى الغُرْبَة ألْوَتْ سَاعِدي ... ولِبَاعِي بنَداك الجَمِّ سَبْحُ طَالِعِي بالسَّعْدِ وَضَّاحُ الحِجَى ... بك في بُرْجِ الْهَنا والرَّجْوُ ضِحُّ ولقد بلَّغْتَنِي كُلَّ المُنَى ... بأحاديثَ لها في النفسِ سَرْحُ نِعمةٌ منك علينا لم تَزَلْ ... يقْتفِي آثارَها فَوْزٌ ورِبْحُ دُمْتَ يا شمسَ الهُدَى ما ابْتسَمتْ ... بك أفْواهُ الدجى وافْتَرَّ صُبْحُ ما هَمتْ عَيْنُ الغَوادِي وبَدَا ... بك في وَجْهِ الزمانِ الغَضِّ رَشْحُ

стр. 691

محمد الطيلوني بعيد غور المدح، واري زناد القدح. مكانته في البداهة لا تزحم، وحجته البالغة لا تدحض ولا تفحم. فاز بمقاد الانتقاد، وأمسك عنان الافتنان، فما كلت له شفرة كلام، ولا برئت صحائفه من وقيعة أقلام. ولا صفا له ضمير، ولا بات ليلةً إلا وله المركروه سمير. والطبع كالزرع، لا يزكو حتى يصادف ثرىً طيبا، ومن التوفيق مطراً صيبا. ومن الأخلاق آفاقاً صافية، ومن المكارم أبراداً ضافية. فإذا لم ير إلا المكاره، حاد عن انطباعه وهو كاره. فيتخذ الذم عادة، ويراه أشهى من حياةٍ معادة. وكان يعادي القاضي عمر المغربي ويهاجيه، وكلٌّ منهما يسامر بريد خياله في ذم الآخر ويناجيه. والقاضي هذا شيخ بن أهرام الزمان، أعمر من نصر بن دهمان. مُعَمَّرٌ كأنه ... صالَح صَرْفَ النُّوَبِ قد انْقضَى الدهرُ وما ... كان به من عَجَبِ والناسُ جِسْمٌ واحدٌ ... وذاك عَجْبُ الذَّنَبِ ارتشف الكبر وارتضع، حتى إذا قيل استحكم اتضع. ولبس خلعة العجب والمآثم، فهو كالنعش لم يلبس خلعةً إلا وفي الحي نوائح ومآتم. فمما وقفت عليه مما دار بينهما، هذه الرسالة، كتبها إليه الطيلوني: سلامي على من استعار الليل من سواد خلقته، واستفاد طويس الشؤم من صورته، واكتسب النحسان من نحوسته، وانكدرت النجوم من عبوسته. لا زال مكتسياً تفاصيل الخزي والخذلان، متردياً أردية الذلة والصغار والهوان. ما نبحت كلاب المغرب، واستهانت عند من يهجو ويضرب. وبعد، فإن سألت عني أيها الخامل، الذي لو قدر على حمل الذكور لكنت أول حامل. فإني بحمد الله من العزة والعافية في أعلى رواق، ممدوحٌ بألسنة الوزراء فمن دونهم بالاتفاق. في عيشةٍ راضية مرضية، ونعمةٍ سابغة سنية. لا أرقع قميصا، ولا أبيت خميصا، ولا أستعمل خبيصا. ولا رهنت منذ عمري جوخةً ولا صوفا، ولا تطفلت على خوان أنتظر فيه لحمةً أو رغيفا. وإني بخيرٍ كما لا تحبون، وأرجو من الله ما لا ترجون. وأسأل الله تعالى أن لا تكونوا كذلك، وأن يوقعك في أضيق المسالك والمهالك. ومما أقرع به سمعك أعاره الله الصمم، وألم بعينيك وفيك العمى والبكم. أني كنت أضربت عن هجوك صفحا، وطويت على إشهار مثالبك كشحا. ورميتك ورائي ظهريا، وجعلتك نسياً منسيا، وإن كنت جئت شيئاً فريا. وقد سمعت أنه بلغ بك من الحسد والجهالة، أن لفقت من هذيانك وسرقاتك رسالة. وتعرضت فيها لذكر من لست له على بال، ولا تجول بخلده إلا إذا تغوط أو بال. وتوصلت ببعض المعاتيه، الغارقين في بحر الهيام والتيه. ليوصلها لصاحب الدولة، أدام الله له العزة والصولة. فحين رمقها مزقها كل ممزق، وتحقق أنك أكذب من المخرق. وكانت سبباً لسقوط نحسك، وازدياد عكسك وبخسك. فكنت كما قيل: كالجادع بيده مارن أنفه، والباحث على حتفه بظلفه. ولعمري قد تحككت العقرب بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعى. وإذا حان أجل البعير، حام حول البير. يا سالكاً بين الأسِنَّةِ والظُّبَا ... إنّي أشُمُّ عليك رائحةَ الدَّمِ وحيث أبيت إلا الإصرار، وأوقعت نفسك كالفراش في النار. وعبست وبسرت، وأدبرت واستكبرت. حينئذٍ أرسلت لك في هذا الكتاب بعض جوابك، وتعلم أنه ينزل الألم والجوى بك. فصواعقه لك محرقة خوارق، وزواجره على رأسك يا سندال كالمطارق. ارتجالي الاختراع، مربع الأسجاع. مرتب على حروف المعجم، فاسمع يا خامل الذكر وافهم. يا خط البهائي، يا حزان النشائي، يا إفلاس البيائي، يا تهمة التنائي. يا خروف أبي الطيب، يا يوم الزمهرير والصيب، يا خجلة العروس الثيب، يا ضرطة الغني المتهيب. يا أضحوكة الغنيات، يا حامل رزمة المغنيات، يا ثابت السجلات، خذ ما أتى واستعد لما هو آت. يا من لباسه رث، وحديثه غث، وتطفيله وجره بالكد والحث، ودأبه الانكباب في الأرض للبحث. يا ظلمة الليل إذا سجى، يا من لا يهاب ولا يرتجى، يا فاقد اللب والحجى، لا بلغت بك النوق النجا. يا كثير النباح، يا خائباً في الغدو والرواح، كأنك ثورٌ دائرٌ في الطواح، ملأت الجهات من البكا والنواح.

стр. 692

يا أسود سالخ، يا عفونة المسالخ، يا عصارة الكامخ، يا غضاضة الرامخ يا زلعة القيح والدود، يا كثير الآباء والجدود، يا قدار في ثمود، يا عاقر ناقة أخي هود. يا حانة النباذ، يا خندق بغداذ، يا من يضم الأفخاذ، على الغرمول من الالتذاذ. يا مرتع الأيور، يا منبع الفساد والفجور، يا يوم المفلس المهجور، يا خزانة الإفك والزور. يا است القزاز، يا فروة الأجذم النزاز، يا نقاعة الخراز، يا حبة الصيف على الخباز. يا أقرع الراس، يا نتن الأنفاس، يا حمار التراس، يا بغل ابن قلقاس. يا دستمان الفراش، يا ثوب النباش، يا جوخة قرواش، يا عمامة خطيب بهواش. يا صنة اللصوص، يا مبغض يا منقوص، يا من جحد النصوص، وأنكر ما في الفصوص. يا تارك السنة والفرض، يا من سعى بالفساد في الأرض، وتعرض للأعراض بالقرض، وتفرغ من العرض وامتلأ من العرض. يا منديل اللواط، يا بيت الوطواط، يا سائل اللعاب والمخاط، يا مكواة الخياط. يا عين الجاحظ، يا تمتمة اللافظ، يا سليب الحدس والملاحظ. يا بخر السبع، يا كشر الضبع، يا ثامن السبع، يا مرحاض الربع. يا خليج المدابغ، يا أشيخان المصابغ، يا ميلغة الوالغ، يا ماء الحوراء ورابغ. يا عريض القفا والأكتاف، يا زنبيل العلاف، يا خرج شوعة الصراف، يا من لم يحسن الفرق بين المنجم والعراف. يا ساعة الفراق، يا أوسع من العراق، يا شيبة بولاق، يا حليف الشقا والشقاق. يا دكان السماك، يا ثقالة الأراك، سعد من لا يراك، وخاب من قربك وأدناك. يا عش القمل، يا خشكليشة الدمل، يا ماء الشتاء المسيل، يا جامع ابن غراب المعطل. يا قفة المجذوم، يا عرق المحموم، يا صباح القرد والبوم، أنت بعينه الفاسق المحروم. يا بول الخصيان، يا رجيع الرهبان، يا مائدة العميان، يا مخزن الصديد والصنان. يا مهبط الدواهي، يا من خالف الأوامر والنواهي، وجد في التلاهي، وتبع الغي والملاهي. يا سمير البلوى، يا كثير الشكوى، يا أثقل من رضوى، إلى كم تسقي جحرك ولا يروى. يا صريع الدلا، يا من هو لا إلى هؤلاء ولا إلى، أينما تتوجه لا، ولم تزل مكباً على. يا خدن البغي والغي، يا جلدة الجرح والكي، يا زغمة القي، يا باقل الفهاهة والعي، فلا أنت ميتٌ ولا حي. وها قد نفدت الحروف، ولم تنفد معايبك يا خروف. وقد حذا فيها حذو أبي بكر الخوارزمي، في رسالته التي كتبها إلى البديهي ومن جملتها: يا غداة الفراق، وكتاب الطلاق. يا موت الحبيب، وطلعة الرقيب. يا يوم الأربعاء في آخر صفر، ويا لقاء الكابوس في وقت السحر. يا خراجاً بلا غلة، ودواءً بلا علة. يا أثقل من المكتب على الصبيان، ومن كرا الدرا على السكان. يا أبغض من لم ولم، ومن لا بعد نعم. يا بغلة أبي دلامة، وحمار طياب، وطيلسان ابن حرب، وضرطة وهب. يا نظرة الذل إلى البغيض، يا شرب الخمر على الحشف، يا وكف البيت الشتوي في كانون. يا ليلة الغربة، وجواب الغلظة. يا كمد المغموم، ودهشة المصبور. يا نظرة العنين إلى البكر وقد عجز عنها، واستشعر مخائل الغضب منها. يا قرع الغريم الباب، ومعه جريدة الحساب. يا وجه المانع وقفا المحروم، يا شخص الظالم في عين المظلوم. يا ألأم من اللؤم، وأشأم من الشؤم، وأقل من المعدوم. يا غم الدين، ووجع العين، ويوم البين. يا أوحش من زوال النعمة بعد كفرها، وأقبح من ارتجاع الصنيعة بعد شكرها. يا أثقل من منادمة الطفيلي على الندما، مقترح في الغدا، متشبه في العشا. مجمشٌ للساقي، مناظرٌ للباقي. يا أثقل من الحق عليك، يا طول الحجاب، وعبوس البواب. يا مهاجرة الصديق، ويا سوء القضا، وجهد البلا، ودرك الشقا، وشماتة الأعدا. وحسد الأقرباء، وطوارق الأرض والسماء. وملازمة الغرما، وعربدة الجلسا، وخيانة الشركا. وغش الأصدقاء، وملاحظة الثقلاء، ومسألة البخلاء، ومحادثة البغضاء، ومشاتمة السفهاء، ونصرة الضعفاء، وعداوة الأمراء، ومزاحمة السعداء، يا كرب الدواء. يا من لو كان اللؤم يلد كان أباه، ولو كان يولد كان أخاه، ولو شارك شريكاً لما عداه. يا بيع المتاع الكاسد، وجوار الجار الحاسد. يا ليلة المسافر، في كانون الآخر. يا خيبة من رأى السراب فظنه شراباً، وندامة من نظر إلى الخطأ فتوهمه صوابا.

стр. 693

يا من هو دليلٌ على أن الله تعالى جوادٌ حين أطعم مثله، وحين رزقه من بره فضله. يا من هو حجة الملحد على الموحد، في قوله: " الذي أحسن كل شيءٍ خلقه ". يا من احتماله أصعب من عد الرمل، ومن عدد النمل، والصبر عليه أشقَّ من الصعود إلى السما، والنظر إليه أبشع من النظر إلى نباش قبور الشهدا. وهذا الباب طويل الذيل، وقد بالغ فيه الأدباء وكثروا، ولم أر أجمع ولا أبلغ من قول الشهاب الخفاجي: يا سُخْرةَ الشيخِ بلا أُجْرَهْ ... وفَسْوةَ المَبْطونِ في السُّحْرَهْ ويا كِرا الدارِ على مُفْلِسٍ ... وسَلْحةَ المَطْرودِ في وَعْرَهْ وضَرْطَة السلطانِ في مَوْكبٍ ... به وُفودٌ تطلُب النُّضْرَهْ وضَيْعة الهِمْيانِ من عائلٍ ... قُبَيْل عِيدٍ أعْوَزَ الفِطْرَهْ ونَظْرةَ المَخْمورِ عَبْداً له ... قد كسَّر الأقْدَاح والْجَرَّهْ وحَسْرةَ العِلْقِ إذا أقْبلَتْ ... لِحْيتُه في آخِر الشَّعْرَهْ وحَكَّةَ المَقْطوعِ كَفاً له ... ودُمَّلاً يخرُج في الشَّعْرَهْ ونَظْرةَ الخِنْزِيرِ من خَارِىءٍ ... يَرْمِيه لَمَّا جاع بالصَّخْرَهْ ويا قَفَا المَهْزومِ من فارسٍ ... أدْرَكَه في ساحةٍ قَفْرَهْ وبَهْتةَ السَّكْرانِ من هَاجمٍ ... في ليلةٍ مُظْلمةٍ قِرَّهْ ويا نَعِيّاً جاءَ عن واحِدٍ ... إلى عَجُوزٍ ما لَها أُسْرَهْ ووَحْدةَ الحُرَّةِ في ليلةٍ ... مات بها الزَّوْجُ لَدَى الضَّرَّهْ وحُجَّةَ المُعْتزِليِّ الذي ... يسْمعُ نَصّاً ناقِضاً أمْرَهْ وطَلْعةَ الزِّنْدِيقِ في مَسْجدٍ ... يخافُ مِن جِيرانِه هُجْرَهْ ووَجْهَ تِمْساحٍ لَدىَ ساحلٍ ... أتاه غَرْقانُ رأى بَرَّهْ وُعرَّةً قد خَرِبتْ فوقَه ... ذُبابةُ الذُّلِّ غدا غُرَّهْ ومَن غدا في النَّظَرِ ابنَ الأُلَى ... في عَيْنِ إبْلِيسَ بهم قُرَّهْ كم تَدَّعِي الفضلَ ولا تَرْعوِي ... تُعِيد ما قال ذَوُو الخِبْرَهْ فهْو على تكْريرِ أقْوالِهم ... كالجَملِ المَشْغول بالْجَرَّهْ يا أيها الفَخَّار من أجْلِ ما ... طَوَّل رَبٌّ خَالِقٌ عُمْرَهْ هَل تصدُق الأمْثالُ في قَوْلِها ... ما كُلُّ يومٍ تسْلَمُ الْجَرَّهْ يا جُعَلَ الجهلِ إلى كم تُرَى ... مُدَحْرِجاً في طَرَفِ البَعْرَهْ وقد خرجت عن الصدد في شهوةٍ أطعتها، وصرفت حصة عمرٍ للاشتغال بما لا يعني استبدلت بها السخف لما بعتها. إذ ليس من شرط كتابي بذاءة، وأخشى من الذم أن أقف حذاءه. فإني كالدواء أستخرج الأذى، إذا كان غيري كالكأس يستبقى القذى. وأسأله سبحانه وطالما بلغ السائل منه سؤالاً ومأمولا، متاباً صادقاً على موضع الندم محمولا. عثمان التلاوي هضبة فضلٍ يقصر عنها المتطاول، وذروة معالٍ لا تنالها الثريا بيد المتناول. تصدر لإفادة العلوم، وصير المجهول منها في مرتبة المعلوم. فأطاعه أبيها وشامسها، وانجلى بنور فهمه غامضها وطامسها. وله أدبٌ كالبحر الزاخر، وشعرٌ كالحلي الفاخر. فمنه قوله من قصيدة في الغزل، أولها: مَن مُنْجِدِي من غَزالٍ فَرَّ من كِلَلِ ... وأسْلَم الفكرَ بعد الوصلِ لْلأمَلِ إذا انْثنَى فغُصونُ الْبانِ مُطْرقةٌ ... وإن رَنَا فظِباءُ البَرِّ في شُغُلِ يفْتَرُّ عن جَوْهَريْ عِقْدٍ وعن بَرَدٍ ... فالبدرُ في وَجَلٍ والشمسُ في خَجَلِ ما إن رأيْنا لهذا الظَّبْيِ من شَبَهٍ ... إلاَّ هِلالاً أرابَ الشمسَ في الْحَمَلِ يسْطُو شُجاعاً فمنه الصَّبُّ في خَبَلٍ ... يرْنُو غَزالاً فمنه القلبُ في جَذَلِ سَلْماً وحَرْباً أرانا من شَمائلهِ ... يا مَا أُمَيْلِحَ ما منه علَيَّ ولِي

стр. 694

وقوله من أخرى، مستهلها: أبَتْ هِمَّتي إلاَّ التَّزايُد في الوُدِّمَدَى الدهرِ للأحْبابِ في القُرْبِ والبُعْدِ أُلامُ على فَرْطِ المَحبَّةِ في الهوى ... وأُعْذَل أن كانتْ حُتوفِيَ في وَجْدِي سَرَتْ بي دَواعِي الحُبِّ سَيْراً لَو انَّه ... تكلَّفَه شُمُّ الشَّوامِخِ والصُّلْدِ لَشقَّ من التَّبْريح طَوْد رعاده ... وألقَى مَقالِيدَ المَحبةِ والوُدِّ فلي شِيمةٌ لم يُبْرزِ الدهرُ مِثْلَها ... إذا ما اعْتراها العَذْلُ يكْبُو ولا يُجْدِي وله: ألا ليت أُمِّي لم تلِدْني ولم أكُنْ ... تُراباً ولا شيئاً مع الخَلْقِ أُذْكَرُ فلا عُمْرَ مَصْروفٌ بخيرٍ وطاعةٍ ... ولا عِرْضَ مُبْيَضٌّ به المرءُ يُشْكَرُ ولا رَبُّ أحْسابِي يُصَانُ بلا أذَى ... ولا فِعْلُ معروفٍ مع الناسِ يُثْمِرُ الأمير عثمان المنفلوطي أميرٌ باهر السنا، أهل المدح والثنا. رقيق شملة الشمائل، طويل نجاد السيف رحب الحمائل. يمضي مضاء المشرفي بيمينه، وترف له البشرى في مسعاته رفيف البشر في جبينه. جمع من المعالي كل تليد وطارف، وهو إلى إسداء المعروف أحن من شارف فينوي كما طش عارضٌ حنان، ويطرب كما حن صادحٌ مرنان. فهو إنسانٌ منظور إليه بإحسانه، له موقعٌ من الناظر في جوف إنسانه. فلو قيل قدره من الطود أجل، نادى الصدى من شوامخه أجل. وَقُورٌ إذا فاضتْ أَيادِيه للورَى ... كطَوْدٍ تَسامَى واحْتبَى بالجَداولِ فألْقَى عَصا التَّسْيار إذْ بلَغ الْعُلَى ... وما قُرِعتْ تلك العصَا في مَحافِلِ وهو ممدوح الفتح بن النحاس، الذي يقول فيه من قصيدة: هو والفضائلُ دِيمَةٌ وحديقةٌ ... والناسُ عَيْنٌ نَحْوه ونِيام والحِلْمُ رَوْض خُلْقُه أنْوارُه ... والآخَرُون الرِّمْثُ والقُلاَّمُ والجودُ بحرٌ وهْو دُرُّ يَتِمِيهِ ... والمجدُ بَيْتٌ وهْو فيه قِوامُ وله من الكلام ما يزين صفوف الطروس بحسن روائه، ويدعو بلسان الحال إلى أن تكون أمراء الشعر تحت لوائه. فمنه قوله، من قصيدة في الغزل: ما القلبُ يَا رَّبَة الخَلْخَالِ والخْالِ ... مِن الصَّبابةِ لو طال الْمَدَى خَالِي طاوَعْتُ فيك الهوَى حتى عصَيْتُ أبِي ... ولا رَكنْتُ إلى عَمٍ ولا خَالِ يا ظَبْيةً ما رَعَتْ عهدَ الوفا ورَعَتْ ... حُشاشةَ القلبِ إني زاد بَلْبَالِي لِمْ تَرْفَعي خَبَراً في الحُبِّ مُبْتدَأً ... ولِمْ تُجريِّ القِلَى نَصْباً على الْحالِ يا صاحبِي إنَّها في مُهْجتِي حَكَمتْ ... فلا أَمِيلُ إلى أقْوالِ عُذَّالِي السيد أحمد بن القاضي شمس الدين المنصوري سيدٌ له الفضل نسب، إلا أنه صديان جدوى ونشب. فزحزحه الدهر عن بلده، وأبانه عن معاهد سبده ولبده. فطار بين سمع الأرض وبصرها، لا يدري ما يطأ من حجرها ومدرها. إلى أن استقر آخراً بمركز التخت العثماني، مؤملاً أن ينال من باب المراد كل الأماني. فما أم وجهة، إلا قابلت بالحرمان وجهه. حتى فل ماله، وقل مناله. وتفلست لهاه، وتقلست لهاه. وبقي في الغربة إلى أن تخلصت منه الظنون، ومن مات في قبضة الذل فقد أحسنت إليه المنون. وكان أنشأ سبع مقاماتٍ أطنب فيها وأطرب، وحاول طريقة من تقدمه فأعجب وأغرب. وذكر فيها مبتدأ حاله، وما لقيه من النصب في إقامته وترحاله. بعباراتٍ تعطف القلوب القاسية، وتزعزع الجبال الراسية. وعرضها على أقوامٍ يكاد يندى من أياديهم السحاب الجهام، فمنعه سوء بخته عن رشاشةٍ يبل بها صدأ الأوهام. فمما انتخبته من مقامته السادسة: قال أبو الحسن المصري: إني نشأت بمصر السعيدة، حامداً ربي على أيامها الحميدة. قرير العين، كثير العين. ليس لي حرفة ولا حيلة، إلا تتبع آثار ذوي الصنائع الجليلة. فجديت في الطلب، وما أخطأت الأدب. حتى علوت ذروة كل صناعة، وحويت رأس مال كل بضاعة.

стр. 695

فما رأيت من كل ذلك إلا النقصان، وما استفدت من المتاجر إلا الخسران. وكان من جملة ما خدمت أساتيذه، وتتبعت دلائله وأسانيده. الفنون الأدبية، والعلوم الفقهية. حتى صار لي ملكةٌ في الأخذ من الأسانيد والدلائل، وقدرةٌ على كتب الحواشي وتحرير الرسائل. خصوصاً فن الكتابة والإنشا، إذ بهما يكون للمرء ما يشا. ثم خلج في خلدي الرحلة إلى بلاد الروم، لأتمم بها طلب العلوم. فلما من الله تعالى علي بدخولها، واجتمعت بعلمائها وفحولها. فإذا هم غارقون في بحور النعم، معروفون بالجود والكرم. وكنت في بعض الأيام، أتردد على صدورها العظام. تارةً بما استطعت من قصيدةٍ نظمها بديع، وأخرى برسالةٍ عقود ترتيبها مرصعة بالدر الصنيع. وكان دأبي تتبع آثار المتقدمين، لأن ما قدموه لا يتهم ككلام المتأخرين. ومن العادة، أن أهل كل صناعة، يكرمون القادم عليهم من أهلها بحسب الاستطاعة. فأكرموني بحسب استطاعتهم، وجادوا علي بقدر مروءتهم. فأعطوني مدرسة، كانت عاقبتها علي فقرا ومنحسة. فكنت أكثر الأيام، لا أذوق الطعام. وغالب الأوقات، أحرم الأقوات. حتى نفد مالي، وتبدد حالي. وجار علي الزمان، بالذل والهوان. فبعت كتبي، وأنفقت ذهبي. كلما عرفت حالي تنكر، وعند ابتداء خروجي من عندهم لم يبق عندهم مني خبر. ففي يوم من الأيام كنت أكابد الجوع، وأصبر قلبي المسكين الموجوع. إذ مررت بباب بعض الأكابر، وكان يعرفني من مصر وأنا أبيع الجواهر. فناداني: ألست الجوهري؟ قلت: نعم، أنا الحسني المصري. فقال: يا من حضر، الحذر، كل الحذر، من حوادث الدهر فإنه ليس مأمون الخطر. يعز الذليل، ويذل العزيز، ويحط الجليل. يخفض المرفوع، ويغير الموضوع. ثم التفت إلي التفات الشفيق، وقال: إن كلام الشاعر بالتصديق حقيق. فيما ذكر من الأبيات، في شأن بعض الحكايات. رواية عن تاجر، أنه التقط شيئاً من الجواهر. وانتخب منها درة، تساوي بدرة. فبينما هو سائرٌ في بعض القرى، إذ سقطت الدرة في الثرى. ومكثت سنةً مكملة، في تلك المزبلة. فالتقطها أحد الأكارين، وباعها بدرهمين. فلما بلغ خبرها إلى الشاعر، الأديب الماهر. أنشد وقال، هذا المقال: رأيتُ بسُوقٍ دُرَّةً ذاتَ قيمةِ ... يُنادَى عليها بين قَوْمٍ أخِسَّةِ أبِيعتْ بِبَخْسِ السِّعْرِ من غيرِ أهْلِها ... فأصْبحتُ من غَيْظِي بهَمٍ وحَسْرةِ عجِبْتُ لِمَا شاهدْتُه من عجائبٍ ... وقلتُ لهم بَيْتاً به خيرُ حكمةِ أيا دُرَّةً بين المَزابِل أُلْقِيَتْ ... وجَوْهرةٍ بِيعتْ بأرْخصِ قِيمةِ فلما سمع الحاضرون كلامه، أظهروا الملامة، ووقفوا أمامه. وقالوا: لقد بالغت في وصفه، وأطنبت في نعت حاله ورصفه. فقال: من كان أديباً فليساجله، ويناقشه ويعامله. فما منهم إلا سأل وأجبته، وخاطبته الخطاب الوسط وما رهبته. فلما سمع مني صاحب الدار، أجوبتي الحاضرة عن أسئلة أولئك الحضار. وعدني بوعدٍ حسن، وأنا في انتظاره إلى هذا الزمن. فخرجت محتاجاً إلى ذرةٍ من درهم في صره، أو لقمةٍ من بره. فعجب القوم من مدحٍ يوجب الإحسان، وحرمانٍ يقتضي ذم ذلك الإنسان. محمد خفاجي الزيات غرةٌ في ناصية الدهور، وابتسام في فم الزهور. له أخلاق من لب اللباب، كما تبسم فم الكأس عن الحباب. فالراح بسلسلها ممزوجة، والرياض على منوالها منسوجة. وقد خلص كلامه من التهجين، كما تسل الشعر من العجين. أثبت له ما تظل الأفكار لحلاوة تعبيراته شائقة، كالشهد لأجل حلاوةٍ رغبت إليه كل ذائقة. فمنه قوله في الغزل: هامَ الفؤادُ وقد صَبَا بغَزالِ ... فضَح الغَزالةَ والغرامُ غَزا لِي سحَر العُيونَ ففي مَ عذَّب خاطرِي ... وسَبا القلوبَ ففي مَ غيَّر حالِي رفَع السَّقامُ لخَصْرِه بعضَ الذي ... يلْقى فقابلَه بنَصْبِ الْحالِ ما لِلْعَذُولِ إذا جَفَا بدرُ الدجى ... أو مَاسَ بالقَدِّ القويمِ ومَالِي أفْدِيه وهْو أجلُّ شيءٍ يُفْتَدى ... بالرُّوحِ منِّي لا أقُول بمَالِي

стр. 696

يا تارِكي بصُدودِه غَرَضَ الضَّنَى ... هَلاَّ رثَيْتَ لجسمِ صَبٍ بَالِي يَرْضى ولو بالطَّيْفِ تُرْسِلُه له ... في غَفْلةِ الرُّقَباء جُنْحَ ليالِي وقوله، من قصيدة أولها: رأَى ناظِري وَجْهاً يَرِقُّ أدِيمُهُ ... فأجْرى به دَمْعاً وقال أُدِيمُهُ وشاهَدَه في صفحةِ الخَدِّ لُؤْلُؤاً ... تَخالَط منه بالعَقِيقِ يَتِيمُهُ وأبْدَى حديثاً من قديمٍ مُعَلَّلاً ... فصَحَّ وبالأسْقامِ راح كَلِيمُهُ رَوَاه عن الزُّهْرِيِّ نْعمانُ خَدِّه ... وحَسَّنه من عارِضَيْه نَمِيمُهُ وبي لَوْعةٌ من صَدِّه ونِفارِهِ ... يَوَدُّ لها طُولَ الزمانِ سَلِيمُهُ لعلَّ له في مَوْقفِ الحشرِ والْجَزَا ... يطُول به المُضْنَى المُعَنَّى لُزُومُهُ وهيْهات ضاع الصبرُ عند لِقائِه ... وضاع به في الحيِّ عِطْراً شَمِيمُهُ ووَيْلاه من قَدٍ إذا هَزَّ عِطْفَه ... فما عَطْفُهُ يُرْجَى وإنِّي عَدِيمُهُ إذا رُحْتُ أشكو فالصَّدَى يشْتكي معي ... مُحالٌ لما أُبْدِي كأني غَرِيمُهُ كأنَّ النَّوَى لمَّا تخيَّل خَيْبتِي ... بمَن شَفَّنِي هاجتْ إليَّ جَحِيمُهُ إذا راح دَمْعِي يُشْبِهُ الدُّرَّ نَثْرُه ... شَجانِيَ مِن ثَغْرِ الحبيبِ نَظِيمُهُ يحيى الشامي أريبٌ جلت مزاياه، فكم من خبايا معانٍ في زواياه. ذكره كالزهر مفتر الكمامة، وخلقه كالروض جادته الغمامة. وكان مع طبعه المنقاد، ولطفه الذي يهب العين الرقاد. منفرداً انفراد البدر، متوحداً كليلة القدر. كأنه سهمٌ رشق عن قوس القضا، يضيق في عين تصوره رحب الفضا. وله شعرٌ رقيق المعاني، أثبت منه ما تتأنق برونقه المعاني. فمنه قوله، من قصيدة مستهلها: أمَا لأسيرِ الحبِّ فَادٍ من الأسْرِ ... ليرْبَحَ في المِسْكينِ شَيئاً من الأجرِ أما لِلْهوى شرعٌ وللحبِّ حاكمٌ ... فيسألَ عن حالِي وينْظُرَ في أمْرِي رهينُ فؤادِي في يَدَيْ مَن أُحِبُّه ... على غيرِ دَيْنٍ في الهوى مُفْلِس الصَّبْرِ وباع الْكَرَى إنْسانُ عَيْنِي بنَظْرةٍ ... فما رَبحَ المغرورُ بل عاد بالخُسْرِ يُطالِبُني العُذَّالُ بالعُذْرِ والهوى ... ولا عُذْرَ لي إلاَّ الهوى والهوى عُذْرِي وأبْكِي عن من يُشْبِهُ الصَّخْرَ قلبُه ... كما كانتِ الخَنْساءُ تبْكِي على صَخْرِ فلا نَظَرتْ عيني خِلافَ حَبِيبَها ... وإن زاد في الإعْراضِ والصَّدِّ والهَجْرِ وبالقلبِ منِّي والْجَوانِحِ كلِّها ... مَلِيحٌ يفُوق البدرَ في ليلةِ البَدْرِ بديعُ جمالٍ قد تطابقَ حُسْنُه ... حَوَى ثِقَلَ الأرْدافِ مَعْ خِفَّةِ الخَصْرِ إذا الْتفَّ في بُرْدٍ وفاح عَبِيرُه ... فما شئْتَ قُلْ في اللَّفِّ وفي النَّشْرِ أحانةُ خَمْرٍ أم سهامٌ رَواشِقُ ... قلوَب الْبَرايا أم ضُروبٌ من السِّحْرِ ولمّا عَرَتْنِي سَكْرةٌ من لِحاظِهِ ... وصِرْتُ صَرِيعاً لا أُفِيقُ من السُّكْرِ تدَاوَيْتُ مِن ألْحاظِه برُضابِهِ ... كما يتداوَى شاربُ الخمرِ بالْخَمْرِ وسكَّن نارِي ضَمُّهُ لجَوانِحِي ... وأجْفانُه أعْدَتْ فؤادِيَ بالسُّكْرِ وكان الهوى حُلْواً لَذِيذاً بوَصْلِهِ ... فغيَّر ذاك الحُلْوَ طعمُ النَّوَى الْمُرِّ شهاب الدين الديربي المالكي أحد السيارة في فلك الفضل، الموفي على أقرانه وله القول الفصل. قد ظهرت دلائل نبله، ورمى عن قوسه فأصاب لب الصواب بنبله. فأصبحت مآثره مدونة، وصحائفه بعنوان الخير معنونة. والفضْل في مِدْحتِه قائلٌ ... هذا لَعَمْري قد غدا مالِكي

стр. 697

فمن شعره قوله من قصيدة يمدح بها المفتي يحيى بن زكريا، وهو قاضٍ بمصر، وأولها: أوُرْقُ الرَّوْضِ تصْدَحُ أم تغَنَّى ... هَزَارُ الأُنْسِ بالإقْبالِ هَنَّا على قُضْبانِ بَاناتٍ ووَرْدٍ ... بألْحانٍ فُرادَى ثم مَثْنى أم الوَرْدُ البَهِيُّ زَهَا بنَوْرٍ ... سَناهُ عن سَنَا الأقمارِ أغْنَى أم ابْتَسم الزمانُ فَلاحَ بَرْقٌ ... فأبْكَى في رَوابي الأرضِ مُزْنَا وصفَّقتِ الرياحُ على أَكُفٍ ... من الأوْراقِ حتى قد دَهِشنَا وشُحْرورُ الرِّياضِ بها يُناغِي ... بأنْواعِ الغِناء به سُرِرْنَا وقام على الغُصونِ خطيبُ أُنْسٍ ... يُذكِّرُنا بما كُنَّا سَمِعْنَا ويَرْوِي من أحاديثٍ صحاحٍ ... حَدِيثاً صَحَّ إسْناداً ومَتْنَا بأن الحَبْر يحيى قام يُحْيِي ... رُسوماً للشَّرِيعةِ كُنَّ مُتْنَا قلت: هذا الشاعر إن لم يكن من العوالي، فربما ينظم السبج مع اللآلي. على أنه قد يُذْكَر في في البَيْن من يُجْعَل عُوذَةً تقِي شَرَّ العَيْن أبو بكر بن شهاب الدين قعود ماجدٌ قامت له البراعة على قدم، وبنى بصائب فكره من رسم البلاغة ما انهدم عجنت طينته بماء عوارف المعارف، فأضحى يجر على أبناء عصره أردية الفخر سابغة المطارف. وقد تأدب وفاق، ولم يحتج في ترويج حظه إلى حروفٍ وأوفاق. وله شعرٌ كأنه بنيانٌ مرصوص، وهو بمزية الوصف في حسن السبك عامٌّ مخصوص. فمنه قوله: إذا النفسُ سادَتْ في المعالِي طَرِيقها ... وليس عَظِيمُ الخَطْبِ عنها يَعُوقُها فلَهْفاً على نَفْسٍ إذا رُمْتُ عِزَّةً ... لها ذَلَّ حَوْزِ المطالِب سُوقُهَا رَمَتْ حَظَّها الأيَّامُ بالأسْهُمِ التي ... مُحالٌ لَعَمْرِي أن يعيشَ رَشِيقُها لقد قدّم الجَهْلُ الليالي وإنَّه ... لَمِن أعْظمِ البَلْوَى التي لا نُطِيقُهَا ولكنَّ حَسْبَ الحَبْر أنَّ عُلومَه ... تلُوحُ بآفاقِ الكمالِ بُرُوقُهَا سليم الشاعر رجلٌ سليم الضمير، ذو باطن أصفى من الماء النمير. جم الفائدة والآثار، طافح الشعر والنثار. كيله هيل، ونهره سيل. يجمع الغث والسمين، ويخلط الورد بالياسمين. وقد جئتك من منتخباته اللطاف، بقطعةٍ كباكورة الثمار جنية القطاف. وهي قوله: سَبَى مُهْجتِي ظَبْيٌ كَحيلُ النَّواظِرِ ... بديعُ جمالٍ حازَ حُسْنَ النَّواضِرِ فيا مُهْجتِي حَاكِي السَّعِير وشَابِهي ... بجسمِي ضَنَى خَيْط الرَّبابِ ونَاظرِي ويا كبدِي هَوْلَ الغرامِ تَجاسَرِي ... عليه كَقلبِي في هَواه وخاطرِي برُوحِيَ مَن نَاهِيَّ أصْبَح آمِرِي ... به وبِغَيٍ عاذلي فيه عاذِرِي وبي لِلمَاهُ أو لَمامِ دُنُوِّهِ ... تلَهُّفُ حَيْرانٍ ولَفْتةُ حائِرِ يجُور عل ضَعْفِي كما يحكُم الهوى ... بعادلِ قَدٍ منه في الحُكْمِ جائِرِ غرامِي صحيحٌ والرَّجا منه مُعْضِلٌ ... ومُرْسَلُ دمعِي منه جُرْحُ مَحَاجِرِي فقُرَّةُ عيني عنه عن حَسَنٍ رَوَتْ ... وعن صِلَةٍ لم تَرْوِ قَطُّ وجَابِرِ يَبيتُ ومنه الطَّرْفُ غَافٍ وغافلٌ ... وما الجَفْنُ منِّي غيرَ سَاهٍ وسَاهِرِ نَفَى النومَ عنِّي حين أعْرَض نافِراً ... فبِي منه أوْدَى صُنْعُ نَافٍ ونَافِرِ غَدَا جَازِماً بالهَجْرِ للنَّومِ رافعاً ... وناصبَ صَدٍ كاسِراً منه خَاطِرِي مَدِيدٌ تَجَنِّيهِ سريعٌ صُدودُه ... طويلُ جَفاً من صَدِّه المُتَواتِرِ تهتَّكْتُ فيه والهوى لم يزَلْ به ... ولو تُعْظِم الأحْجاءُ هَتْكَ السَّرائِر متى يَنْمَحِي منِّي وأُصْبِحُ تارِكاً ... مَخافاتِ لَهْوٍ عُمْرُه غيرُ عامِرِ سليمان الدلجي صاحب طبعٍ فياض، وشعرٍ كأنوار الرياض.

стр. 698

تتنافس بهاء آدابه، والشعر طريقته المثلى ودابه. فمن شعره قوله: حَسْبُ المُتَيَّمِ ما يلْقاه من ألَمِ ... وما يُقاسِيه من وَجْدٍ ومن سَقَمِ مُسَلْسِلاً دَمْعَه يَرْوِيه مُنْسكِباً ... ما بين مُخْتلِفٍ منه ومُلْتئِمِ ودَأْبُه حَمْلُ أعْباءِ المَلامِ على ... دِينِ الغَرامِ ولو أشْفَى على العَدَمِ في كلِّ وقتٍ له وَاشٍ يُرَوِّعُه ... وكاشِحٌ عاذِلٌ عند الطريق عَمِي لا لَهْوَ عن قَامةٍ أو مُقْلةٍ سَحَرتْ ... منها رِماحٌ وأسْيافٌ تُرِيقُ دَمِي أخْشَى عليها وإنّي خائفٌ وَجِلٌ ... مِن العِداةِ ومِن تَزْوِيرِ قَوْلهمِ بالقلبِ مَسْكنه لكنَّما جَزَعِي ... إعْراضُه عن مُحِبٍ ثابتِ الْقَدَمِ فذُو الصَّبابةِ لا يُصْغِي لِعاذِلِه ... إن المُحِبَّ عن العُذَّالِ في صَمَمِ فحسْبُه الله لا يَبْرَحْ أسِيرَ هوىً ... ومُدَّةَ الدهرِ والأيام لم تَنَمِ علي الصوفي فتى تورعٍ وتصوف، لم يكن له إلى غير الخوف تشوف. فهو صادق العزمة، مستغاثٌ به في الأزمة. بعيد القدم، من مخاضات الندم. أوتي بسطةً في العلم، ورسا طوداً في ساحة الحلم. وله كلماتٌ في الحكم باهرة اللمعان، بمثلها تحل أضغان وترحل أظعان. وشعره آخذٌ بأطراف المعارف، ماحٍ بأنوار البراهين شبه الزخارف. أثبت منه قطعةً تنور القلب وتشرح الصدر، وتدل على أن قائلها في المعرفة علي الهمة والقدر. وهي قوله: ومِن عَجَبِي أن الذين أُحِبُّهمْ ... أرَاهم بعَيْن القلبِ طُولَ المدَى مَعِي وتنْظُرهم عَيْني وهم في سَوادِها ... ويشْتاقُهم قلبي وهُم بين أضْلُعِي جعلتُ لهم حتى الدَّوام حُشاشَتِي ... وعن غيرِهم أصْلاً قطعتُ مَطامِعِي شكَوْتُ لقاضِي الحُبِّ جَوْرَ أحِبَّتِي ... جَفَوْنِي وقالوا أنت في الحُبِّ مُدَّعِي فخُذْ قِصَّتي واحكُمْ عليَّ ومنهمُ ... فإنِّي عليهم خائفٌ كيف أدَّعِي وعندي شُهودٌ أربعٌ يشْهدون لي ... سَقامِي ووَجْدِي واشْتياقِي وأدْمُعِي وإن طلَبُوا منِّي حُقوقَ هَواهمُ ... أقول فقيرٌ لا عليَّ ولا مَعِي وإن سَجنُونِي في سُجونِ هَواهُمُ ... دخلتُ عليهم بالنَّبِيّ المُشَفَّعِ محمد بن سلطان الحافظ الرشيدي الأفق الفاتح عن ضوء النهار، والروض النافح عن أرج الأزهار. استقل بالفائدة الجديدة، واستبدل بالآراء السديدة. فله في الجد همةٌ لا تني، وعزيمةٌ إذا انثنت الجبال لا تنثني. أمنت بحمد الله غوائله، وحدثت عن حسن اواخره أوائله. وله في القريض، باعٌ طويل عريض، وروض بلاغته مخصب أريض. فمن شعره قوله، في نظم أسماء الأنبياء، المصرح بهم في الكتاب العزيز: أتَى في كتابِ اللهِ أسْماءُ جُمْلةٍ ... من الأنْبياءِ المُتَّقِين ذَوِي الفَخْرِ فأبْدَيْتُ إحْصاءً بنَظْمٍ لِعَدِّهمْ ... بأسْمائِهم أحْلَى مَذاقاً من القَطْرِ ولم أرَ قبْلي مَن أتى بنِظامِهمْ ... فهاك عَرُوساً أُبْرِزتْ لك من خِدْرِ ولم ألْتزِمْ تَرْتيبَهم في وُجودِهمْ ... فقدَّمتُ خيرَ الخلقِ أحمدَ في الذِّكْرِ فقلتُ وإنِّي سائلٌ مُتوسِّلٌ ... إلى اللهِ في أن يرفعَ الوِزْرَ عن ظَهْرِي محمدٌ المُهْدَى إلى الناسِ رَحمةً ... وآدَمُ إدْريسٌ ونُوحٌ على الإثْرِ وهودٌ أخو عادٍ وصالحٌ الذي ... أتَى بالهُدَى من ربِّه لِذَوِي الحِجْرِ كذلك إبراهيمُ ذُو الصُّحُفِ الذي ... عليه ثَناءُ اللهِ في مُحْكَمِ الذِّكْرِ ولُوطٌ وإسْماعيلُ إسْحاقُ بعدَه ... أتى نَجْلُه يعقوبُ كالكوكبِ الدُّرِّي

стр. 699

شُعَيبٌ ومُوسَى ثم هارونُ صِنْوُهُ ... عليهم سلامُ اللهِ في السِّرِّ والْجَهْرِ ويونسُ إلْياسٌ وذُو الكِفْلِ كلُّهم ... من المُخْلَصِين الدَّائِمين على الشُّكْرِ وداوُدُ ذُو الأيْدِ سُلَيمان بَعْدَه ... وأيُّوبُ مَن قد فاقَ بالأجْرِ والصَّبْرِ ويوسُف لكنَّ المُسَمَّى بغَافِرٍ ... به الخُلْفُ تحْكِيه الرُّوَاةُ بلا نُكْرِ فقيل ابنُ يعقوبٍ وقد قيل غيرُه ... من الأنْبياءِ المُرْسَلِين ذَوِي الإصْرِ كذا زكريَّاءُ المُبشَّر بالنِّدَا ... ويحيى وعيسى فاعْتبِرْ يا أخا الفِكْرِ كذا يَسعٌ ثم الْعُزَيْرُ بتَوْبةٍ ... فسَلْ توبةً من مالِك الخلقِ والأمْرِ فقيل ابنُ إبراهيم أو هُوَ غيرُه ... من الأنبياءِ الطاهِرين أُولِي الصَّبْرِ فهذا الذي في الذِّكْرِ جاء مُصَرَّحاً ... به دُمْتَ مَسْعوداً إلى آخِر الدَّهْرِ فجُمْلتُهم يا صاحِ عشرون ثم زِدْ ... ثمانيةً نِلْتَ الشَّفاعةَ في الحَشْرِ به أرْتَجِي عَفْواً لِذَنْبٍ جَنَيْتُه ... عسى العُسْرُ يأتي بعدَه أجْملُ اليُسْرِ وتنْفَكُّ أقْفالُ القُيودِ بأسْرها ... وتُفْتَح أبْوابُ القَبُولِ بلا قَسْرِ عليهم صلاةُ اللهِ ثم سلامُه ... يَدُومانِ أحْقاباً إلى أمَدِ الدَّهْرِ قوله: ويوسف به الخلف في الخميس نقلاً عن الكامل، قيل: موسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم. وأم موسى يوخانذ. واسم امرأته صفوراً ابنة شعيب النبي. وكان فرعون مصر في ايامه قابوس بن مصعب بن معاوية، صاحب يوسف الثاني. وكانت امرأته آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الأول. انتهى. وقال في محلٍ آخر: وقيل: كان الملك في أيام يوسف فرعون موسى وهو مصعب ابن الريان، أو ابن الوليد، بن مصعب. عاش أربعمائة سنة، وبقي إلى زمان موسى، بدليل قوله تعالى: " ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ". والمشهور أن فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، من بقايا عاد، والآية من قبيل الخطاب للأبناء بأحوال الآباء. وقوله وذو الكفل في نبوته خلاف، قال البيضاوي: في سورة ص: ذو الكفل ابن عم يسع أو بشر بن أيوب، واختلف في نبوته. انتهى. ولم يحك هذا في سورة الأنبياء، بل قال: إلياس أو يوشع أو زكريا. وحكمة تأخيره على القول بأنه زكريا؛ لأن الله تعالى ذكره بعد ذي النون، بقوله تعالى: " وزكريا إذ نادى ربه "، فهذا يبعد القول بأنه زكريا. وقال الجلال المحلى، في سورة ص: اختلف نبوته، قيل: كفل مائة نبيٍ فرت إليه من القتل. انتهى. ويدلك على أن القول بنبوته ضعيف، قول الجلال المحلى أيضاً، في سورة الأنبياء: وسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بصيام جميع نهاره، وقيام جميع ليله، وأن يقضي بين الناس ولا يغضب، فوفى بجميع ذلك، وقيل: لم يكن نبياً. انتهى. وإيراده له بقيل، مع تأخيره إشارة إلى الضعف. وفي تاريخ ابن الشحنة: وبعث الله تعالى ولد أيوب بشراً، وسماه ذا الكفل، وكان مقامه بالشام. انتهى. فهو والمؤيد، صاحب حماة، جازمان بأن ذا الكفل ابن أيوب، بعثه الله بعد أبيه. وقوله: كذلك إسماعيل فيه الخلاف المذكور في الأنعام: قيل غير ابن إبراهيم، والصحيح أنه ابنه؛ وإنما أخر في الذكر لأنه أبو العرب، ولم يكن أباً لبني إسرائيل، وإنما كان إسحاق بن إبراهيم، فلما ذكر إسحاق عد الأنبياء من أولاده، ثم عاد إلى ذكر إسماعيل. وفي تفسير اللباب: إشماويل بالعربية: إسماعيل، وهو متأخر عن أولاد إبراهيم بزمان طويل، وهو الذي داود وبقي إلى زمان شعيب بن غيفا، صاحب مدين الذي تزوج موسى بنته، وشعيب بن ذي مهدم، وإليه الإشارة بقوله : " وكم قصمنا من قريةٍ كانت ظالمةً "، أي بقتلهم شعيباً هذا. محمد بن موسى الحسيني الجمازي معدودٌ من سراة الجحافل، مرموقٌ في السادة الذين زينوا المحافل. تتعطر أودية الشرف من رياه، وتتقطر مياه الترف من محياه.

стр. 700

فيبدي عن ماء النعيم رواؤه، ويزيل الصدى عن الأكباد الهيم إرواؤه. وله شعر كنسبة عالي، محله الغرة من جبهة المعالي. فمنه قوله لتمثال النعل الشريف: لِتْمثالِ النِّعالِ بلا ارْتيابِ ... فضائلُ أدْهشتْ أهلَ الحسابِ فيا شوقِي لِما وَطِئتْه رِجْلٌ ... علَتْ فوق العُلَى ودَنَتْ كقَابِ تُشرِّف لاَثِميها ثم تَشْفِي ... من الأوْصابِ بالقَصْدِ الصَّوابِ فخُذْها عُدَّةً من كلِّ هَوْلٍ ... تَراهُ لم يكن لك في حِسابِ وتبْقَى ما حَيِيتَ عظيمَ جَاهٍ ... وعِزٍ في أمانٍ مُسْتطابِ حَمَدْتُ اللهَ إذْ نظَرتْ عُيوني ... لها أشْكالَ حُسْنِ وانْتخابِ ومَرْجِعُها مع التَّكْرارِ فَرْدٌ ... إذا خَفَّفْتَ مع كَشْفِ النِّقابِ فجازَى الله مُهْديِها إليْنا ... جزاءَ الخيرِ مع حُسْنِ المَآبِ وقوله فيه أيضاً: لمَّا رأيتُ مِثالَ نَعْلِ المُصطفَى ... المُسْنَدَ الوَضْعِ الصَّحيحَ مُعَرَّفَا مِن حَضْرةِ الأعْلامِ زاد تشوُّقِي ... وتشَوُّقِي فازدَدْتُ منه تَرَشُّفَا مُذ باشَرتْ قَدَمَ الحبيبِ تشَرَّفتْ ... فانْحُ الشِّفاء بلَثْمِها تَجِدِ الشِّفَا يا طَالَمَا مَرَّ اللُّغُوبُ من الأذَى ... وأضَرَّ بالجسم الضَّعِيفِ تعسُّفَا وأصَابني داءُ الشَّقيقةِ مُؤْلِماً ... وبقِيتُ ممَّا نالني مُتخوِّفَا فمسحتُ وَجْهِي بالمِثالِ تبرُّكا ... فشُفِيتُ مِن وَقْتِي وكنتُ على شَفَا وظفِرتُ بالمطلوبِ من بَرَكاته ... ووجدتُ فيه ما أُرِيدُ مع الصَّفَا لِمْ لا وصاحبُه أتانا رحمةً ... الهاشميُّ الأبْطَحِيُّ المُقْتفَى صلَّى عليه اللهُ ﷻ ... مع آلهِ الغُرِّ الكرامِ ذوِي الوفَا أحسن ما قيل في هذا المعرض قول بعضهم: مُذ شاهدتْ عَيْنَاي شكلَ نِعالِهِ ... خطَرتْ عليَّ خوَاطرٌ بمِثالِهِ فغدَوْتُ مشغولَ الفؤادِ مُفَكِّراً ... مُتَمَنيِّاً أنِّي شِراكُ نِعالِهِ حتى أُلامِسَ أَخْمَصَيْهِ مُلاطِفاً ... قَدَماً لمن كشَف الدُّجَى بجَمالِهِ يا عَيْنُ إن شَطَّ الحبيبُ ولم أجِدْ ... سَبَباً إلى تَقْرِيبِه ووِصالِهِ فلقد قنِعْتُ برُؤْيتِي آثارَهُ ... فأُمَرِّغُ الخدَّيْن في أطْلالِهِ وأصل هذا قول علاء الدين بن سلام: يا عينُ إن بَعُدَ الحبيبُ ودارُهُ ... ونَأتْ مَراتِعُه وشَطَّ مَزارُهُ فلقد ظفرْتِ من الزَّمانِ بطائلٍ ... إن لم تَرَيْه فهذه آثارُهُ ومثله قول لسان الدين بن الخطيب التلمساني: إن بان مَنْزِلُه وشَطَّ مَزارُهُ ... قامتْ مَقامَ عِيانِه أخْبارُهُ قَسِّمْ زمانَك عَبْرةً أو عِبْرةً ... هذا ثَراهُ وهذه آثارُهُ ولهذا الشاعر معاصرٌ اسمه محمد بن ضيف الله، ويعرف بالترابي، رشيدي التربة، له في وصف التمثال الشريف: لِمَن قد مَسَّ شكلَ نِعالِ طه ... جَزِيلُ الخيرِ في يومِ الثوابِ وفي الدنيا يكونُ بخير عَيْشٍ ... وعِزٍ بالهَناءِ بلا ارْتيابِ فبادِرْ والْثِمِ الآثارَ منها ... لَقصْد الفَوْزِ في يومِ الحسابِ فنعمَ القَصْدُ أشْرفُ شَكْلِ نَعْلٍ ... لقد وُضِعتْ على وَجْهِ التَّرابِ والذي جرى في ميدان هذا التماثل فلم يلحق الشهاب الخفاجي، حيث قال: لَعَمْرُك نَعْلُ المصطفى بَركاتُها ... يُشاهِدُها كلُّ امْرِىءٍ كان ذا عقلِ ولو أن في وُسعِي زِمامَ تصرُّفِي ... جعلتُ لها جَفْنِي مِثالاً بلا مِثْلِ وكان أَدِيمُ الوَجْهِ فوق أدِيمها ... يَقيِها غُباراً من تُرابٍ ومن رَمْلِ

стр. 701

أُفَصِّل من دِيباجَتيْهِ وِقايةً ... تُمَدُّ عليها حَذْوُكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ وقال: وحَقِّك تِمْثالُ النِّعَالِ مُكَرَّمٌ ... به اعْترفَ العقلُ المُدقِّقُ والفضلُ ونَعْلٌ لأقْدامٍ يَلِينُ لها الصَّفَا ... أيَقْسُو عليها القلبُ ممَّن له عَقْلُ تفاءَلتُ مِن تَقْبِيلها أنَّنا بها ... على كلِّ ذي قَدْرٍ رفيعٍ غَداً نَعْلُو موسى القلبيبي الأزهري كاملٌ في صنعة التأديب، لفظه الأزهري تهذيب التهذب. أحسن ما شاء في النظم والإنشا، وأفاض قليبه فملا الدلو وبل الرشا. ينادي الأدب إلى طاعته فلا يتوقف، ويلقي عصا سحره المصري فتتلقف. فمما اخترته من شعره المعسول، هذه القطعة من موشح قاله في التوسل بجاه الرسول. وقد كان أصابه رمد، فزال عنه بلطف القادر الصمد: يا إلهي بكريمِ الكُرَمَا ... طاهرِ الأنْفاسْ ألْطفِ الخلْقِ رحيمِ الرُّحَمَا ... سيِّدِ الأكْياسْ عَبْدُك المُختار من أُمِّ القُرَى ... لقيامِ الدِّينْ الحبيبُ المُجْتَبَى عالِي الذُّرَى ... صاحبُ التَّمكينْ عَرْشُ سِرِّ الله ما بين الوَرَى ... شامِخُ العِرْنِينْ رافعُ الخطب إذا مادَهَمَا ... دَافِعُ الأدناسْ أعلمُ الناسِ بما قد قَدِما ... قبل عصرِ الْياسْ نُقْطةُ التَّفْضِيلِ في الدَّوْرِ القديمْ ... مَظْهرُ اللاَّهوتْ ظاهرُ التَّفْضيل مِن قبْلِ الْكَلِيمْ ... باطنُ النَّاسُوتْ مُفْصِحُ التَّعْبِير عن أهلِ الرَّقِيمْ ... قامِعُ الطَّاغُوتْ تُرْجُمانُ الطِّلْسَمِ الغَيْبِيّ ما ... قال ربُّ النَّاسْ جاء جبريلُ به ممَّن سَمَا ... لجلاءِ الْباسْ الرسولُ المُقْتَفى ممَّن مَضَى ... مَهْبِطُ الأسْرارْ الصِّراطُ المُسْتقِيمُ المُرْتضَى ... صاحبُ المِقْدارْ شاهرُ السيفِ القويمِ المُنْتضَى ... مَاحِقُ الأغْيارْ كالِىءُ الإسلامِ حتى أن سَمَا ... كاسِرُ الأرْجاسْ شافعُ الخَلْقِ إذا اشْتدَّ الظَّمَا ... صافِعُ الوَسْواسْ قد توسَّلْتُ به أرْجُو الفَرَجْ ... فامْحُ آثامِي وأزِلّ عنِّي عَنائِي والحَرَجْ ... واجْلُ إجْرامِي وبلُطْفٍ منك بَرِّدْ مَا وَهَجْ ... واشْفِ أسْقامِي وتلطَّفْ يا إلهي كَرَمَا ... بضَعِيفِ الرَّاسْ وأغِثْنِي وأعذْنِي كلَّما ... وَسْوَسَ الخَنَّاسْ صلواتُ وَاصِلاتٌ كلَّما ... دارتِ الأفْلاكْ وسلامُ ورِضاً قَدْرُ ما ... سبَّحت أمْلاَكْ لحبيبٍ ونَبِيٍ قد حَمَى ... مِن عَمَى الإشْراكْ وعلى آلٍ وصَحْبٍ رحما ... عِتْرة الْعَبَّاسْ ما غُصَيْنٌ في رياضٍ قد سَمَا ... وبلُطْفٍ مَاسْ محمد المنوفي القاضي أديبٌ جيد التعبير، متقن التوشية والتحبير. والقاهرة أفقه الذي به أستهل، ومحل عيشه الذي شب فيه واكتهل. ثم ولي القضاء مراراً عدة، وتردد في نصب المناصب إلى أن استوفى المدة. وله شعر أطربت به قصب اليراعة، وابتهجت برونقه رياض البراعة. فمنه قوله من قصيدة في المدح، أولها: لئن ضاق ذَرْعِي أو تغيَّر حالِي ... وعَطَّل منِّي الدهرُ ما هو حَالِي

стр. 702

وأفْردنِي صِفْرَ اليديْن ونَاشَنِي ... بِمِخْلَبِه إلا شَفْى وفَرَّق بالِي فخيرُ الورَى ذُخْرِي وكَهْفِي وعُدَّتِي ... يُخلِّصُنِي منه بغيرِ سُؤالِ فهِمَّتُه زُهْرُ الكواكِب دُونَها ... ومجلسُه السَّامِي مَحِطُّ رِحالِي منها: إذا خَطَّ طِرْسٍ رأيتَ جواهراً ... تَنظَّمُ في سِمْطَيْ حَياً وجَمالِ وإن قال لم يتْرُك مَقالاً لقائلٍ ... وإن صالَ جالَ القِرْنُ كلَّ مَجالِ ولا عَجَبٌ من سَيْبِ سُحْبِ نَوالِهِ ... ومَبْسِمِه الأسْنَى وحُسْنِ فِعالِ ولكنْ عجيبٌ لا تَرَى بك وَحْشةً ... وأنتَ بدُنْيانا عَدِيمُ مِثالِ وكتب يهنيه بعيد النحر: تَهَنَّ بعيد النَّحْرِ يا واحدَ الدَّهْرِ ... ودُم في الْهنا والعزِّ والمجدِ والنصْرِ تُقلدنا فيه قلائدَ أنْعُمٍ ... وأحسنُ ما تبْدُو القلائدُ في النَّحْرِ فهذا زمانُ الأمْنِ واليُمْنِ والمُنَى ... وهذا زمانُ المدحِ والحمدِ والشكرِ ولمَّا حَطَطْتُ الرَّحْلَ دون عِراصِهِ ... أخذتُ أمانَ الدهرِ من نُوَبِ الدهرِ وما عَتْبُه إلاَّ بأني وَصفتْهُ ... وشبَّهتُه بالبدرِ والليثِ والبحرِ ومن يكُنِ الرحمنُ خَلَّد مُلْكَه ... وأثنَى عليه الله في مُحْكَمِ الذِّكْرِ يَحِقُّ له أن يبسُط الكَفَّ بالْعَطَا ... وينصُرَ مكسوراً من الفقرِ بالجَبْرِ قوله: تقلدنا فيه قلائد البيت، لما رأيته منسوباً إليه، استكثرت معناه البديع عليه. ثم ظفرت به في أشعار بلدية ابن نباتة، فعرفت أن التضمين ما فاته. ولابن نباتة بيتٌ قبله، وهو: تَهَنَّ بِعيد النحرِ وابْقَ مُمتَّعاً ... بأمثالهِ سامِي العلى نافِذ الأمْرِ وأصله قول زكي الدين بن أبي الإصبع، وفيه الاستتباع، تخيَّل أن القِرْنَ وَافاهُ سائلاً ... فقابلَه طَلْقَ الأسِرَّةِ ذا بِشْرِ ونادَى فِرِنْدَ السيفِ دُونَك نَحْرَهُ ... فأحْسَنُ ما تُهْدَى الَّآلِي إلى النَّحرِ وفي منشآت ابن نباتة: وصل المثال الأعظم فقبل المملوك الأرض أمامه مراراً، واسترسل سماء النعمة مدراراً. وعارض بقطرات مدحه البحر، وتقلد في هذا العيد قلادة الكرم وأحسن ما كانت القلادة في النحر. محمد بن معتوق المنوفي القاضي فاضلٌ قال من الفضل بظلٍ وريف، وكاملٌ حل من الكمال بين خصب وريف. حسن اللفظ وجوده، وبيض وجه البلاغة بما سوده. وله شعر ألذ من غمزات الألحاظ المراض، وأشهى من تلفت الظباء بعد الإعراض. أنشدني له بعض المصريين قوله: رمى رِيمُ النَّقا من أرْض رَامَهْ ... بلَحْظٍ في الْحَشَا يُذْكِي ضِرامَهْ فما ثُعَلٌ برامِيَةٍ نِبالاً ... إذا ما استَلَّ من لَحْظٍ حُسامَهْ شُعورِي ضَلَّ في داجِي شُعورٍ ... تُظلِّلُ وَجهَه من فوقِ هَامَهْ ألا فاعجَب لِظلٍ فوق شَمْسٍ ... وبدرٍ قد أظلَّتْه غمامَهْ وخِشْفٍ بالشَّمائِل والمَزايَا ... تراه يَصِيدُ مِن غَابٍ أُسامَهْ يمُرُّ مُسلِّماً صبٌّ عليه ... فلا يَرْضَى لعاشِقه سَلامَهْ ويقتُل مَن يهَيمُ به مَلُوماً ... وليس عليه في قتْلٍ مَلامهْ منها: أَخا الغزْلانِ رفْقاً بالمعَنَّى ... فمِن مَعْنَاك قد حَلَّى نظامهْ يُسامِي فكرُه الْعَيُّوقَ حتَّى ... يُسامِرَه ويُسْمِعه كلامَهْ علي بن موسى الأبيض قمر ذكاءٍ يلذ على طلعته السمر، وربيع فضلٍ يطيب منه النور والثمر. رأيته بمكة فرأيت شخصاً بحلية التقى متحليا، ومن هجنة الرياء متخليا. وهو ذو بيضاء نقية، فيه من نزقة الشباب بقية. وله شعر أعده من وساوس فكره، إلا أني لم أر بداً من ذكره. فمنه قوله، من قصيدة في الغزل: سَبتْني بحُسْنِ البَها والكَحَلْ ... إلى أن بَدَا الشيبُ عندي وحَلّ

стр. 703

وفتَّشْتُ قلبي وجسمي فلمْ ... أجِدْ فيهما لسِواها مَحَلّ وحالفْتُ سُهْدِيَ جُنْحَ الدُّجَى ... وخالفتُ يا صاحِ نَوْمَ المُقَلْ أيا عاذلِي دَعْ مَلامِي ولا ... تسَلْ عن غرامِي بها لا تَسَلْ أنا الْوالِهُ الصَّبُّ لا غَرْوَ أن ... لبِسْتُ ثيابَ التَّصابِي حُلَلْ رعَى اللهُ دهراً بها قد مَضَى ... بوَصْلٍ ومنها سُقِيتُ الْعَلَلْ وفيها صَفا باللِّقا خاطرِي ... وزالتْ كُروبِي بها والعِلَلْ وماسَتْ بأعْطافها وانْثَنتْ ... دَلالاً بقَدٍ يفُوق الأسَلْ وطافتْ بكأسِ الطِّلا في الدُّجَى ... كبدرٍ بِبُرجِ السُّعودِ اكْتَمَلْ وقالتْ ألا أيها المُجْتَبى ... تَهَيَّ إلى الوَصْلِ وانْفِ المَلَلْ سكِرتُ سكِرْتُ ووَقْتِي صَفَا ... ونَجْمِي بسَعْدِ السُّعودِ اتَّصَلْ ونِلْتُ المُنَى حين وَاصَلْتُها ... ومَصَّيْتُ ثَغْراً يُحاكِي العَسَلْ ونزَّهْتُ طَرْفِيَ في وَجْنةٍ ... غدا الوردُ مِن حُسْنِها في خَجَلْ وهِمتُ بأقداحِ أحْداقِها ... وتَيَّمنِي غَزْوُها والغَزَلْ فللهِ من أعْيُنٍ جَرَّدتْ ... سِهاماً وكم جَنْدَلتْ من بَطَلْ رَنَتْ لي بها بعدَ ما أنْشدَتْ ... على عُودِها نَغْمةً مِن رَمَلْ وأطْيارُ أُنْسِيَ قد غَرَّدتْ ... بمُعْربِ لَحْنٍ غَرِيبِ الْمَثَلْ وَلِعْتُ بها وخلَعتُ السِّوَى ... وسَمْسَمَنِي رِدْفُها والكَفَلْ فوُقِّيت في الحبِّ شرَّ العِدَى ... وفي كلِّ حالٍ بلغْت الأمَلْ محمد بن عمر الخوانكي أديبٌ خبره متمتع الأسماع، وعشرته سلوى الأماني وحظ الأطماع. لقيته بالروم والحال حالي، والعيش من كدر الأيام خالي. وأنا وإياه حليفا صبا، وأليفا شمولٍ وصبا. لم يشب مسك عارضينا بعارض، ولم يدر كافور التجارب منا في عارض. فكنت أتمتع من لفظه بما ينعش كل خافٍ خافت، ومن معناه بما يحرك كل هافٍ هافت. حتى غار القضا فأغار، واسترد مني ما كان أعار. فانفصم ذلك العقد الثمين، وتفرقنا ذات الشمال وذات اليمين. ثم رأيته بدمشق في سنة مائةٍ وألف، وقد عرض البياض لعارضه، كما صرح لي بعد معارضة. وصرنا في بردٍ من الشيب منهج، بعد أن كنا في بردٍ من العيش مبهج. فمما استتم السؤال عن كيفية الحال، حتى خاطبته على سبيل الارتجال: لا تَعِيبَنَّ صُفْرةَ اللَّونِ منِّي ... واحْمِرارَ الدموعِ في أجفْانِي فبَياضُ المَشِيبِ يُنْبِىءُ أنِّي ... غَيَّرتْنِي تَلوُّناتُ الزمانِ فأملى علي من فصوله القصار، قوله: الموت الأحمر في الحظ الأسود، والعدو الأزرق في بني الأصفر، والشيب الأبيض في عدم العيش الأخضر. وهذا كما تراه يعارض قول الحريري في المقامة الثالثة عشرة: فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر. وقوله: العدو الأزرق يعني الشديد العداوة، أو الأزرق العين، يريد الروم؛ لأن أكثرهم زرق العيون، فبنو الأصفر على الأول بنو الذهب؛ وهم الدنانير، وعلى الثاني الروم. ومن الأول تعرف أن الحريري عبر بالمحبوب، فلحظ جانب مدحه، كما فعل في المقامة الدينارية، حيث مدحه فقال: أكْرِمْ به أصْفَرَ راقتْ صُفْرَتُهْ إلى أن قال: وحُبِّبَتْ إلى القلوبِ غُرَّتُهْ وأما هو فعبر بالعدو، ولاحظ جانب ذمه تبعاً للحريري، حيث ذمه، فقال: تَبّاً له من خادِعٍ مُماذِقِ ... أصْفَرَ ذي وَجْهيْن كالمُنافقِ والموت الأحمر هو موت الفجاءة، وقيل: هو الموت الشديد، وهو القتل بالسيف، وذلك لما يحدث عن القتل من الدم، وقد يكنى عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، ويقال: سنةٌ حمراء، أي شديدة، وقيل: الموت الأحمر الفقر.

стр. 704

وفي الحواشي الفنارية على المطول: الموت الأحمر يروي بالتوصيف وبالإضافة، فالأحمر على الثاني بالزاي المعجمة، قيل: هو حيوان بحري يشق موته، والظاهر أنه على الثاني، وعلى الأول بها أيضاً من الحمازة، وهي الشدة، وقيل: هو عليه بالراء المهملة، فيراد به موت الشهداء، والأول أقرب كما لا يخفى. انتهى. وجرى بيني وبينه ذكر بلوغ الأربعين من العمر، فقال: كيف ترى حالك، وقد بلغت الأشد؟ فقلت: قد فارقت الشدة، وبلغت الأشد، فأنا قد عدمت معه السداد فمن لي بالأسد. ما يُرجِّي من أرْذَلِ العمرِ شَيْخٌ ... مِن بلوغِ الأشُدِّ يلْقَى الأشَدَّا وأنشدني من لفظه لنفسه قوله مضمنا: ولا أخْتشِي إن مَسَّنِي ضُرُّ حادثٍ ... إذا كان عُقْباهُ ارْتفاعِي من الخَفْضِ ولا الدهرَ مهما إن أطال له يَداً ... فتلك يَدٌ جَسَّ الزمانُ بها نَبْضِي فإن عِشْتُ أدركتُ المَرامَ وإن أمُتْ ... وأسْرعَ أرْبابُ الودائعِ للقَبْضِ ولم تُشْفَ من ماء الحياةِ غَلائِلِي ... فللهِ مِيراثُ السمواتِ والأرضِ محمد المعروف بالصائغ الدمياطي صائغ القول صوغ الإبريز، ورب السبق في البراعة والتبريز. اتفق على فضله الجمع، وتغاير على محاسنه البصر والسمع. وقد ورد علي بالقاهرة وخاطري بنوادر التحف متولع، وناظري لأطارف الملح متطلع. فصادفت فيه المؤمل، ولعمري إنه كاملٌ مكمل. فامتزجت أنا وإياه على التآلف والتعطف، ولم أر مثله في كثرة التحبب والتلطف. وها أنذا شاكرٌ من ألطافه ما قل وما جل، والمودة فيما بيننا خالصةٌ لله . وقد تناولت من أناشيده نثير الجمان، وأحمد الله على أن جمعني وإياه الزمان. فمما أتحفني به هذه القصيدة، مدح بها الأستاذ زين العابدين البكري: رفعتْ بأطْرافٍ رِطابِ ... عن وجهها طَرفَ النِّقابِ فعجبتُ كيف البدرُ يجْ ... لُو الشمسَ عن صَدَأِ السحابِ ورَنَتْ بمُقْلتِها التي ... هي فِتْنتِي وبها عذابِي فرأيتُ خمرَ الْجَفْنِ أسْ ... رعَ للمدَارِك بالذَّهابِ والسِّحرَ سِحْرَ العَيْن لا ... سِحْرَ العزيمةِ والكتابِ وتبسَّمتْ عن أشْنَبٍ ... يفْتَرُّ عن عَجَبِ عُجَابِ دُرٌّ ترصَّع في الشَّقِي ... قِ الغَضِّ بالشُّهْدِ المُذابِ والوردُ صان الثَّلجَ خَشْ ... يةَ أن يسيلَ من الرُّضابِ والأُقْحُوانةُ كيف تَنْ ... بُتُ في اليَواقيتِ العِذابِ وكأنه كأسٌ تَلوَّ ... نَ بالرَّحِيقِ وبالحُبابِ ونظرتُ آيةَ خَدِّها ... فقرأتُ عنوانَ الكتابِ وعلمتُ أنّ الموتَ دُو ... نَ وُرودِ مَبْسِمِها الشَّرابِ رَيّانةُ الأعْطافِ مِن ... ماءِ اللَّطافةِ والشبابِ صَلْدِيَّةُ الأحشاءِ حَاشا ... هَا ترِقُّ لذي تَبابِ تَزْهُو إذا رأتِ الصَّرِي ... عَ مُعفَّراً فوق الترابِ تزهو بخاتمِها وخِنْ ... صَرِها المُقَمَّعِ بالخِضابِ وتظَلُّ عابسةً كما ... يلْهُو المُفكِّرُ بالحسابِ إن أنْسَ لا أنْسى مَقا ... مَ رَحِيلها وعَداكَ مَا بِي زَمُّوا المَطِيَّ وزمَّلُوا ... حُمْرَ الهَوادِجِ والقِبابِ رحَلُوا فعزَّ القلبُ مِن ... صَدْرِي وما حُلَّتْ ثيابِي يا لائِمِي في الْحُبِّ دَعْ ... عَذْلِي فليس عليك عَابِي هَبْنِي ضَلِلْتُ فما عليْ ... كَ إلى الهدايةِ مِن حسابِ مَن لي بأن أُدْعَى حَلِي ... فَ صَبابةٍ ولَقَى تَصابِي أنا لَذَّ لي ذُلُّ الهوى ... وأرى خَطايَ به صوابي والعِزُّ يخدمُ ساحتِي ... والسَّعْدُ مُرْتبَطٌ ببابِي

стр. 705

بمديح زيْن العابدي ... نَ الْحَبرِ محفوظِ الجَنابِ ابنِ الْفَواتِحِ والخَوا ... تِم والْعَواصمِ والمَتابِ وابنِ الخلافةِ والإنا ... فةِ والإمامةِ والمَآبِ فَرْدُ الوجودِ ومَظْهرُ التَّ ... كْمِيلِ فَيَّاحُ الرِّحابِ طَلْقُ الْجَبِين إذا تصدَّ ... رَ للخُطوبِ أو الخِطابِ سهلُ الخلائقِ للعُفا ... ةِ وللعِدَى صَعْبُ الحِجابِ مِن بَأْسِه تَجِدُ الملو ... كَ الصِّيدَ مُرْتعِدِي الإهابِ إن تَلْقَهُ تَلْقَ المُؤَمَّ ... لَ للمَثُوبةِ والوِثابِ وإذا نظرْتَ الوجْه مِنْ ... هـ تَرَ الجمالةَ في المَهابِ وإذا اسْتمحْتَ يَمِينَهُ ... حُزْتَ اليَسارَ بلا حسابِ وإذا اسْتَغَثْتَ بجَاهِهِ ... فتُغاثُ منه بمُسْتَجَابِ طابتْ عناصِرُه وطا ... بَ الأصلُ منه بمُسْتَطابِ سَعِدتْ به الأيامُ وابْ ... تهجَ الزمانُ على الحِقابِ وعَلَتْ به رُتَبُ العُلَى ... فوق الثَّوابتِ بالثَّوابِ وبذِكْرِه تَرْتاح أفْ ... ئدةُ المَحامِدِ والمَحابِ مِن عُصْبةٍ طابتْ أَرُو ... مَتُهم بفخرٍ وانْتخابِ قومٌ لهم شَرَفٌ وحَقِّ ... اللهِ في أُمِّ الكتابِ حُبِّي بَنِي الصِّدِّيقِ دُخْ ... رِي للقيامةِ واحْتسابِي وبِه أرومُ الفَوْزَ في الدُّ ... نْيَا وفي يومِ الحسابِ وهُنا وعُمْرِ أبيك قد ... نَوَّخْتُ راحلةَ الطِّلابِ وجعلتُ مَدْحِي في بَنِي الصِّ ... دِّيقِ ما قد عِشْتُ دَابِي وأنشدني من لفظه لنفسه، قال: وهو مما قلته في الرؤية: كأنما الشمسُ في الإشراقِ طالعةً ... خَوْدٌ تَرِفُّ على أرْضٍ من الذهبِ وإن تدلَّتْ لنَحْوِ الغربِ مائلةً ... تجُرُّ من خَلْفِها ذيلاً من اللَّهَبِ وأنشدني قوله: للهِ قومٌ عهِدتُ حُبَّهمُ ... فرضاً عليَّ الغرامُ قد كتَبَا كأنما القلبُ عند ذكرِهمُ ... طَيْرٌ أحَسَّ الوُقوعَ فاضْطَربَا وقوله: أذِلُّ لِعزَّتِه يُعْجَبُ ... وأرْضَى فيُغْضِبُه فاعْجَبُوا وأسألُه العَفْوَ عمَّا جَنَى ... عليَّ كأنِّي أنا المُذْنِبُ وقوله: بالرُّوحِ أفْدِي عِذَاراً ... أبانَ للناسِ عُذْرِي أقول مِتُّ غرامَا ... يقول يا ليتَ شِعْرِي وقوله: تعلَّقتْ بك آمالي وأطْمعنِي ... فيك الوُثوقُ بأنِّي لم أُضَعِ فجُدْ بإنْجازِ وَعْدِ كي أفوزَ ولا ... تُمِتْ رجائِيَ بين الياسِ والطَّمَعِ وقوله: أرى الدنيا وإن رفَعتْ ... لأعْلَى ذِرْوة الفَلَكِ سترْمِي مَن يُغَرُّ بها ... لأدْنَى هُوَّةِ الدَّرَكِ فإن نصَبتْ حَبائِلَها ... فخَفْ من حَبَّةِ الشَّرَكِ وقوله: مَن كان باللهِ لا يُبالِي ... إن أكثرُوا اللَّوْمَ أو أقَلُّوا ومَن يكن همُّه سِواهُ ... فإنما حَظُّه الأَقَلُّ وقوله: لاَثَ على رأسِه عِمامَهْ ... فنال منه الجمالُ آمالَهْ كأنه وهْو تحتَها قمرٌ ... دائرةٌ فوق رأسِها هالَهْ وقوله: هُمُ هُمُ إن نأَوْا عنِّي وإن قَرُبُوا ... أحِبَّتِي حبُّهم منِّي كحُرِّ دَمِي فلا أقَرَّتْ يدي كأساً ولا جذَبتْ ... سيفاً ولا لعِبتْ بالرُّمْحِ والقلمِ ولا أسالتْ شَآبيبَ النَّدَى كرَماً ... إن كنتُ وَجَّهْتُ وَجْهِي نحوَ غيرِهِمِ وقوله في كاتب:
следующие страницы →