Полный текст (737 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فوقَف الحُسْنُ عليه حائِراً ... مُتيَّماً وَلْهانَ في ذاك الْبَهَا
تَهْوَى الصَّبَا شَمائلَ اللُّطْفِ به ... فلا تُداوِي سُقْمَها أيْدِي الأُسَا
إلاّ إذا ما لَمَستْ ضَرِيحَه ... فكم سَقامٍ من تُرابِه اشْتفَى
سَرَى إلى السَّبْعِ الطِّباقِ جسمُه ... في صُحْبةِ الرُّوحِ الأمينِ ورَقَى
إن قطَع الأفْلاكَ سُرْعَةً فلا ... بُعْدَ فإن ذاتَه شمسُ الضُّحَى
حَوافِرُ البُراقِ مِن آثارِها ... قد ظهرَتْ فيه أهِلَّةُ السَّمَا
يُغْنِي عن المدحِ رَفِيعُ قَدْرِهِ ... فيُمْدَح المدحُ به وما دَرَى
كلُّ لِباسٍ للمديح قاصِرٌ ... عنه يُحَلَّ رَحْلُه دون المَدَى
سال لُعابُ الشمسِ ممَّا تشْتهِي ... لَذِيذَ هاتِيك المَعاني إذْ حَلاَ
وقد استعمل ابن سناء الملك هذا، في قوله يهجو الشمس:
أنتِ عَجُوزٌ لِمْ تَبَهْرَجْتِ لِي ... وقد بَدا منك لُعابٌ يَسِيلْ
فصاحةٌ ما الشِّعر منها بالغٌ ... ببَحْرِه قطرةَ وَصْفِ ذِي صَفَا
لذلك قد قَطَّعَه الناسُ وقد ... دارتْ به دَوائرُ القومِ الأُلَى
وما أحسن قوله في وصف المقصورة:
بين يَدَيْها ابنُ دُرَيدٍ حاجِبٌ ... وألِفاتُ شِعْرِه مِثْلُ الْعَصَا
ذَيْلُ الدُّجَى بِعَرْفِها مُمَسَّكٌ ... مُضَمِّخٌ خَلُوقُها بُرْدَ الضُحَى
ومن همزيته النبوية، التي أولها:
ما سُلَيْمَى ما هندُ ما أسْماءُ ... أنتَ مَعنىً وكلُّها أسْماءُ
وهْو حِزْبِي ووِرْدُ كُلِّ لسانٍ ... ولَكم أخْصَبَتْ به الشَّهْباءُ
ذاك حِزْبُ البحر الذي لا يُلاقِي ... من يُدِمْ ذِكْرَه عَناً وبَلاءُ
منها:
وجَدُوه دُرّاً يَتِيماً تَرَبَّى ... لم يُدْنِّسْهُ عُنْصُرٌ وهَبَاءُ
الهباء: الأجزاء التي تؤلف منها العناصر، كما في الفتوحات.
ذاك كَيْلا يكونَ مَنٌّ عَلَيْهِ ... لأُصولٍ له إليْها اعْتِزاءُ
في حديث الراهب بحيرى، لما سأل أبا طالب: ما هذا منك؟ قال: ابني.
قال: هذا لا ينبغي أن يكون أبوه حياً.
فيه إشارةٌ إلى أن اليتم كمالٌ في حقه، وقد بين بأن الحكمة فيه أن لا يجب عليه طاعةٌ لغير الله، ولا يكون عليه ولايةٌ ولا منةٌ لغيره، ولا يتوجه عليه حقٌّ لمخلوق، ولا نسب لقطيعةٍ ولا عقوق.
كذا في شرح تائية السبكي، لابن الهيتمي.
منها:
خُلُقٌ للصَّبَا شَقِيقٌ فمِنْها ... نَصْرُه والعِدَى لَها النَّكْباءُ
مُذْ أظَلَّ الزَّمانَ منه وُجودٌ ... حسَدتْه الأزْمانُ والآناءُ
وعليه إذا غارَ من عينِ شَمْسٍ ... ظَلَّلتْه سَحابةٌ وَطْفاءُ
وبه زَهْرةُ الحياةِ رَبِيعٌ ... مُذ أظلَّت مَوْلُودَه الخَضْراءُ
وغدَتْ أرضُه سماءً بفَخْرٍ ... فهْي خَضْراءُ ثُمَّ لا غَبْراءُ
وله الأرضُ مَسْجِدٌ فجميعُ ... مَن عليها له به الاقْتِداءُ
وسُطورُ الصلاةِ حُجَّةِ دِينٍ ... وبخَتْمِ النُّبُوَّةِ الإمْضاءُ
وبه شُرَّفَتْ فكانت طَهُوراً ... وتساوَى البُلْدانُ والصَّحْراءُ
منها:
وله الضَّبُّ ناطِقٌ باعْترافٍ ... ومن السَّعْدِ تنْطِقُ العَجْماءُ
مع ذَأ سَفَّه النِّفاقُ أُناساً ... ما لِضَبٍ من حِقْدِهم نافِقاءُ
ليس فيهم سِوَى أَعِنَّةِ خَيْلٍ ... وقَنَا الخَطِّ في الوغَى سُفَهاءُ
ومِراضُ القلوب قد قَصَدْتهم ... سُمْرُهُ حين حَمَّتِ الهَيْجاءُ
ما سَقاهم إلاّ كُئوسَ المَنايَا ... ربَّ داءٍ له المماتُ دَواءُ
هم ثِفالٌ إذا رَحَى الحرب دارتْ ... وبنادِيهمُ همُ الأرْجاءُ
стр. 632
تُغْمَدُ البِيضُ في طُلاهمْ بفَتْكٍ ... مُضَرٌ لُقِّبَتْ به الْحَمراءُ
هذا من الأسرار العجيبة في اللغة العربية، وهو الإشارة إلى حال اللفظ أو جهة وصفه، كقول ابن الرومي:
غارتْ عليهنَّ الثُّدِيُّ ... هناك مِن مسِّ الغَلائِلْ
وإذا لبِسْنَ خَلاخِلاً ... كَذَّبْن أسماءَ الخلاخِلْ
وقال الشريف الرضي:
وغَيَّر ألْوانَ الْقَنَا طولُ طَعْنهمْفبالحُمْرِ تُدْعَى اليومَ لا بالْقنَا السُّمْرِ
وقال:
سُمِّيتِ الغَبْراءُ في عَهْدِهمْ ... حَمْراءَ من طُولِ قِطارِ الدَّمِ
وقال الغزي:
حيثُ القناةُ تُرَى قَناةً كاسْمِها ... من نَضْحِ عَيْنِ الطَّعْنَة الرَّشَّاشِ
وقال ابن حازم:
جعلُوا الْقَنا أقْلامَهم وطُرُوسَهمْ ... مُهَجَ العِدَى ومِدَادهنَّ دِماءَهَا
وأظُنَّ أن الأقْدَمِين لِذا رَأَوْا ... أن يجعلوا خَطِّيَّةً أسْماءَهَا
وقال المتنبي في الدنيا:
شِيَمُ الْغانياتِ فيها فما أدْرِي ... لِذا أنَّث اسمها النَّاسُ أوْ لاَ
وقال الشاب الظريف:
أدُورُ لتَقْبِيلِ الثَّنايَا ولم أزَلْ ... أجُودُ بنَفْسِي للنَّدامَى وأنْفاسِي
وأكْسُوا أكُفَّ الشُّهْبِ ثَوْباً مُذَهَّباً ... فمِن أجْلِ هذا لَقّبُونِيَ بالْكاسِ
وقال الخفاجي:
ما السِرُّ سِرٌّ إذا أظْهَرْتَه لِفَتىً ... سِواكَ والسِّرُّ لِلإخْفاءِ قد صُنِعَا
منها تتمة:
قد مَحاهمُ وطهَّر الأرْضَ منها ... ومع السَّيْلِ لا يَقَرُّ الغُثاءُ
وبُطونُ الطَّيرِ أمْسَتْ قُبوراً ... لِلْعدى إذ تُمزَّق الأشْلاءُ
ما سمِعْنا بالقبْرِ سار اشْتياقاً ... لِيُوارِي سَوْآتِ مَن قد أسَاءُوا
رُبَّ من كان زِئْبَقاً فَرَّاراً ... صار عَبْداً لِرِقِّه اسْتعساءُ
لم يَقِلْ والظِّلالُ صارتْ مِهاداً ... فَوْقَه الآلُ بُرْدَةٌ سِيَراءُ
منها:
هو نُورٌ فما لَه قَطُّ ظِلٌّ ... لاَحَ لولا بُرودُه والرِّداءُ
إن نَفَى ظُلْمةً عَياءُ جَمالٍ ... فبِظِلٍ له يَعِزُّ البقاءُ
صِينَ عن أن يُجَرَّ في التُّرْبِ ذَيْلٌ ... مِن ظِلالٍ له كما الأفْياءُ
فَرَشَ الناسُ ظِلَّهم واحْتَذَوْهُ ... عندما قام للنّهارِ اسْتِواءُ
كيف يبْدُو ظِلٌّ لِشَمْسٍ تَعالَتْ ... واسْتوَى الإسْتواءُ والإرْتقاءُ
أتُراه يُصانُ عَن حَرِّ جَوٍ ... إذْ أظَلَّتْه سُحْبُه والْعَماءُ
أمْ عليه تَغارُ مِن عَيْنِ شَمْسٍ ... مُدَّ مِن دونها عليه الْغِطاءُ
لم تَرَ العَيْنُ مِثْلَه فلهذا ... يَنْمَحِي ظِلُّه إذا الناسُ فَاءُوا
لَبِسَ الظِّلُّ مِن نَواهُ حِداداً ... فظِلالُ الورَى لِذَا سَوْداءُ
من هذا يعلم قدرته على الكلام وتصرفه، وبالجملة فلم أر أحداً مثله أطاعته ألفاظ الكلام وأحرفه.
وقد استعمل الظل في معنىً غير ما نظمه هنا من رباعية له:
ما جُرَّ لِظلِّ أحْمَدَ أذْيالُ ... في الأرضِ كَرامةً كما قد قَالُوا
هَذا عَجَبٌ ويا لَه مِن عَجَبٍ ... والناسُ بِظلِّه جميعاً قالُوا
لَيْلةٌ أنْجَبتْ وقد حَمَلْته ... وبهذا ما أنْجَبتْ سَوْداءُ
جَنَّةٌ كلُّ بُقْعةٍ حَلَّ فيها ... ليس فيها لَغْوٌ ولا شَحْناءُ
وأهالِي الجنانِ ليس ينامُو ... ن لذا كان نَوْمُه الإغْفاءُ
يَقِظُ القلبِ فالجفونُ هُجودٌ ... ومَحارِيبُ حاجِبَيْه قُباءُ
فُوهُ لم ينْفَتِحْ بغير سَدادٍ ... لا تَمَطٍ له ولا ثَوْباءُ
الثوباء: التثاؤب.
قال ابن حجر في شرح الهمزية: جاء أن النبي ﷺ حفظ من التثاؤب، بل جاء أن كل نبيٍ كذلك.
стр. 633
وذكر المترجم، في شرحه على الشفاء، عند قوله: ومن دلائل نبوته أن الذباب كان لا يقع على ما ظهر من جسده الشريف، ولا يقع على ثيابه، ما ملخصه: وهذا مما قاله ابن سبع أيضاً، إلا أنهم قالوا: لا يعلم من روى هذا.
وهذا مما أكرمه الله تعالى به؛ لأنه طهره من جميع الأقذار.
وقد نظم هذا في رباعية، وهي:
مِن أكْرَم مُرْسَل عظيم جَلاَّ ... لم تَدْنُ ذُبابةٌ إذا ما حَلاَّ
هذا عَجَبٌ ولم يذُقْ ذو نَظَرٍ ... في الموجُوداتِ مِن حُلاه أحْلَى
قال: وتظرف بعض الأعاجم ومراده به الملا جامي فقال: محمد رسول الله ليس فيه حرفٌ منقوط؛ لأن النقط يشبه الذباب، فصين اسمه ونعته عن النقط.
ونظمه فقال:
لقد ذُبَّ الذُّبابُ فليس يَعْلُو ... رسولَ اللهِ محموداً مُحَمَّدْ
ونَقْطُ الحَرْفِ يُشْبِهُه بشكْلٍ ... لذاك الخطُّ عنه قد تجَرَّدْ
صَمَّمُوا آراءَهم على الفَتْك فيهِ ... فتَوارَتْ لخَوْفِه الآراءُ
ورأَوا نَفْيَه لِحَيٍ سِواهُمْ ... ولكم أثْبَتَ المِراءَ انتِفاءُ
لم يُصِبْ نَصْبُهم مَكائدَ شَرٍ ... وتَساوَى التَّحْذِيرُ والإغْراءُ
نَبْحُ كلبٍ بلَيْلةِ التِّمِّ بَدْراً ... لم يُفِدْه إلاَّ الْعَنَا والعُواءُ
منها:
ولِغَيْظٍ على سُراقةَ عَضَّتْ ... سُوقَ نَهْدٍ من تحتِه الدَّهْناءُ
وعلى أمِّ مَعْبَدٍ نَالَ حتى ... بعُلاهَا تحدَّث الأحْياءُ
ورَفِيعَ العِمادِ أصْبَح لمَّا ... أنْ حَوَى قَدْرَه الرَّفيعَ الْجَفاءُ
وبيُمْنٍ منه له الشَّاةُ دَرَّتْ ... وهْي للهِ دَرُّها عَجْفاءُ
وطَعامٌ لجابرٍ إذْ أتاه ... وبخَفْضِ الإضافةِ النَّعْماءُ
كطعامِ الجِنانِ من غيرِ قَطْعٍ ... لجميعِ الأنامِ فيه اكْتفاءُ
وله في وصف تلك الذات، التي وصفها أشهى اللذات، من قصيدة طويلة:
تملَّك حَبَّاتِ القلوبِ لأجل ذا ... دَعاهُ حَبِيباً كلُّ صَبٍ مُتَيَّمِ
ويوسُف لم يظْفَرْ بمَسْحةِ حُسْنِه ... على أنه رَبُّ الجمالِ المُكرَّمِ
يقال: عليه مسحةٌ من كذا، أي أثر. قال:
على وَجْهِ مَيٍ مَسْحةٌ مِن مَلاحةٍ
وفي الحديث: " عليه مسحةٌ من ملكٍ "، وهي تعبيرٌ بليغ، وهو خاصٌ بالمدح.
فأين النِّساءُ القاطِعاتُ أَكُفَّها ... وشَقُّ ابن مُزْنٍ صَدْرَه شَقَّ مُغْرَمِ
ودُرٌّ يَتِيمٌ لم يُهَذِّبْه كافِلٌ ... وآدابُه ليست إلى الناس تَنْتمِي
يقول أنا الأمِّيُّ في اللَّوحِ ناظِرٌ ... وفي مَكْتَبِ الأرْواحِ رَبِّي مُعَلِّمِي
منها:
إذا لاح في مَوْضُونَةِ السَّرْدِ خِلْتَهُ ... خِضَمّاً تَرَدَّى بالغَدِير المُنَسَّم
أأعْداءُه خُشْبٌ مُسَنَّدةٌ ولم ... تَحِنَّ حَنِينَ الجِذْعَ حين التَّألُّمِ
أم الصَّخْرُ إنَّ الصَّخْرَ سَلَّم إذْ بَدا ... وما سَلَّمتْ تسْليمَ أخْرسَ أعْجَمِ
منها:
فسَلْ يوم بَدْر حين لاحَتْ نُجومُه ... وشمسٌ بغَيْرِ النَّقْع لم تتثَلَّمِ
بكُلِّ كَمِيٍ كان في بَطْنِ أُمِّه ... تعلَّم أن يُغْذَى ويُرْوَى من الدَّمِ
لم أسمع في هذا المعنى أبدع من قول أبي بكر الإشبيلي المعروف بالأبيض، في تهنئة بمولود:
أصاخَتِ الخيلُ آذاناً لِصَرْختِهِ ... واهْتَزَّ كلُّ هِزَبْرِ عندما عَطَسَا
تعشَّقَ الدِّرْعَ مُذْ شُدَّتْ لَفائفُهُ ... وأبْغَضَ المهْدَ لمّا أبْصَرَ الْفَرَسَا
تعلّمَ الرَّكْضَ أيَّامَ المخاضِ بِهِ ... فما امْتطَى الخَيْلَ إلاّ وهْو قد فَرُسَا
وله من أخرى مستهلها:
يا ليْتنِي ثانٍ لِحادٍ حَداكْ ... ورابعُ الكَهْفِ لِكَهْفٍ حَواكْ
стр. 634
وليت نَوْءَ الطَّرْفِ في رَوْضةٍ ... أنتَ بها رَغْماً لِنَوْءِ السِّماكِ
أسْقِي بها مَثْواكَ يا مُنْيتِي ... هل تُسْكَبُ العَبَراتُ إلا هُناكْ
يا ابْنَ الذبِيحَيْن وقد فُدِّيَا ... ليت جميعَ الخلْقِ كانوا فِدَاكْ
فما اسْتحقّ العَنْبَرُ الرّطبُ أن ... يُحرَق إلا حين حاكى ثَراكْ
ليت وُجوهاً لأعادِيكَ لو ... أمْسَتْ نِعالاً حَاجِباها شِرضاكْ
لم تَحْكِكَ السُّحْبُ ولا البَحْرُ في ... جُودٍ ولا فاز بما في لُهاكْ
فالبَرْقُ لم يَلْمعْ ولكنَّه ... يضْحَكُ من وَابِلِ غَيْثٍ حَكاكْ
وله:
أيُغْلَبُ من له الأَمْلاكُ جُنْدٌ ... ورَبُّ العَرْشِ قد أمْسَى مُعِينَا
وقَبْلَ جُيوشِه هُزِمَتْ قلوبٌ ... برُعْبٍ خِلْتَه سَبَق المَنُونَا
ولو ثَبَتُوا لَفَرَّ الْهامُ منهمْ ... وأرْوَاحٌ لهم كانتْ كَمِينَا
وله:
لِرَسُولِ الإلهِ أعْلَى مَقامٍ ... ليس يَدْرِي به جميعُ الْكَلامِ
وله هِمَّةٌ وعَزْمٌ رفيعٌ ... جَلَّ عن أن يُرْتَضَى بمِلْكِ الحُطامِ
فلذا لم يكُنْ له مِيراثٌ ... غيرَ شَرْعٍ وغيرَ عِلْمٍ سَامِي
لو تكون الدُّنْيا له مِيراثاً ... مِثْلَ ما كان في جميعِ الأنامِ
ما حَواهَا الصِّدِّيقُ في عَصَباتٍ ... وذَوِي الفَرْضِ من أُلِي الأرْحامِ
وهْو حَيٌّ في قَبْرِه ورسولٌ ... لم يُوَرِّثْ حَيّاً ذَوُو الأحْلامِ
فَدَكٌ قد قضَتْ عليْنا بهذا ... وحديثُ العَبَّاسِ والأعْلامِ
فادْرِ هذا فإنه جَوْهَرٌ قد ... حَفِظتْه خَزائنُ الأفْهامِ
لا يَغُرَّنَّك الذي قال قومٌ ... حين ضَلُّوا في مَهْمَهِ الأوْهامِ
ومن أخرى:
فالجِذْعُ حَنَّ وأنَّ مِن جَزَعٍ ... لِفِراقِ طه بَعْدَما خَطَبَا
وغَدا غِراساً في الجِنانِ له ... ثَمَرٌ يَطِيبُ بِمَنْهَلٍ عَذُبَا
والمُشرِكون قَسَتْ قلوبُهُم ... فطَغَوْا ولم يُصْغُوا لخيرٍ نَبَا
فغَدَوْا وهم خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ ... ستَراهمُ لِجَهَنَّمٍ حَطَبَا
وله:
لِوَالِدَيْ طه مَقامٌ عَلاَ ... في جَنَّةِ الخُلْدِ ودارِ الثَّوَابْ
وقَطْرةٌ من فَضَلاتٍ له ... في الجَوْفِ تُنْجِي مِن ألِيمٍ العقابْ
فكيف أرْحامٌ له قد غَدَتْ ... حامِلةً تَصْلَى بنارِ العذابْ
وله:
رُواةُ حَدِيثِ المصطفَى قد دعَا لهمْ ... بنَضْرةِ وَجْهٍ في المَسَرَّةِ لا تُحَدّ
وإنِّيَ قِدْماً خادمٌ لحديثِهِ ... يَرَاعِي بمِحرابٍ الطُّرُوسْ له سَجَدْ
فحَاشاهُ أن يَرْضَى بذِلَّةِ عَبْدِهِ ... ويهْدِمَ بُنْياناً عليه قد اعْتَمَدْ
إليه اسْتِنادِي في جميعِ مَقاصِدِي ... وما خاب مَن كان الرسولُ له سَنَدْ
وله في قصة عامرٍ مع النبي ﷺ وأربد:
يا خُلَّبَ الْبَرْقِ الذي ... كالنَّصْلِ قد قطَع العَلائِقْ
وَافَيْتَ أرْبَدَ بالرَّدَى ... للهِ دَرُّك أيّ بَارِقْ
ما ذاك أوَّلَ شائِمٍ ... لِلْبَرْقِ أرْدَتْهُ الصَّواعِقْ
وله:
بِمَسِّ أقْدامِ النَّبِيِّ قد حَوَتْ ... طَيْبَةُ فخراً حَلَّ في أرْجائِهَا
أَخَالُها مذ فَنِيَتْ بحُبِّهِ ... صَانَتْه لِلْغَيْرةِ في أحْشائِهَا
وله مضمناً:
وقالوا حَلَتْ بئرٌ بِرِيقِ مُحمَّدٍ ... وكم عاد صَخْرٌ بعد ما مَسَّه رَطْبَا
ولو نال ماءُ البحرِ من فِيهِ قَطْرةً ... لأصْبَحَ ماءُ البحرِ مِن رِيقِه عَذْبَا
لمجنون ليلى:
стр. 635
ولو تفلَتْ في البحرِ والبحرُ مالحٌ ... لأصبحَ ماءُ البحرِ مِن رِيقِها عَذْبَا
وله:
ما زَلْزَلَةٌ لها سقوطُ الإِيوانْ ... إذْ حان قُدُومُ فَخْرِ نوعِ الإنْسانْ
إلاّ لِمَسَرَّةٍ تَهُزُّ الأكْوانْ ... إذْ بَشَّرها به اخْتِلاجُ الأعْيانْ
وله:
طه كَمُلَتْ صِفاتُه والخلُقُ ... مُذْ زُيِّن في الوجودِ له النَّسَقُ
بحرٌ عَذُبَتْ مَوارِدُ الشُّرْبِ به ... لولاه لَما اسْتُخْرِج منه العَلَقُ
وله:
نِيرانُ فارسَ انْطَفَتْ لمّا بَدَتْ ... بُشْرَى النُّبُوَّةِ ساطِعاً بُرْهانُهَا
سجَدتْ لِنِيرانِ المَجُوسِ عِصابةٌ ... سجَدتْ لأنْوارِ الهُدَى نِيرانُهَا
وله:
لَعَمْرُكَ جَبْهَةُ خيرِ الورَى ... جِراحَتُها آيةٌ للبشَرْ
أرانا لها اللهُ حتى نَرَى ... بها كيف كان انْشِقاقُ القَمَرْ
وله:
قَصَرْتُ مَدائِحِي والقَصْرُ مِنِّي ... على طه وما لِلْقَصْرِ مَدُّ
إذا كان الثَّناءُ له جميلاً ... هو الْحَمْدُ الذي في العُرْفِ حَدُّوا
ولم يُرَ منه أجْمَلُ طَرْف عَيْنٍ ... فليس بِلائِقٍ لِسِوَاه حَمْدُ
وله:
خَلِيليَّ مُرَّا بِي على طَيْبَةَ التي ... بها مَضْجَعُ المُختارِ طه المُقَرَّبُ
يفُوق ذَكِيَّ المِسْكِ عَرْفُ تُرابِها ... فمِن شَمْسِه نادأك صَلِّ عَلَى النَّبِي
ألَمْ تَرَ أنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقاً ... وَجَدْتُ بها طِيباً وإن لم تَطَيَّبِ
وله:
لَعَمْرُكَ ما قلبُ النَّبِيِّ غَفَا ولاَ ... عيونٌ له في ظُلْمةِ الليلِ رَاقِدَهْ
تَهجَّدتِ الأجْفانُ في ظُلْمةِ الدُّجى ... فبانتْ بِمحْرابِ الحَواجِبِ ساجِدَهْ
وله في وصف الصحابة مضمناً:
يُكبِّرُون إذا خاضُوا بُحُورَ رَدىً ... وما لَهُمْ عن حِياضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ
حياض: جمع حوض، وحياض الموت: المنية، استعارة منه، والتهليل: الانهزام والتكذيب، قال:
أمْضَى وأعْنَى في اللِّقاءِ لَقِيتَهُ ... وأقَلُّ تَهْلِيلاً إذا ما أُحْجِمَا
ومن لطائف المتأخرين:
هَلُمَّ لوَصْلِ حَمَّامٍ بديعٍ ... يفُوق رُخامُه زَهْرَ الرِّياضِ
لِبُعْدِك ماؤُه ما طاب قَلْباً ... وأمْسَى من فِراقِك في الْحِياضِ
ومن تفاريق قصائده قوله:
على النَّهْرِ دِرْعٌ من نَسِيمٍ حَبابُهُ ... له حَلَقٌ لمَّا رَمى وَبْلُه نَبْلاَ
تكِلُّ سيوفُ الهندِ في لَحْظِ مُنْيَتِي ... فتعْذُب والتَّعْذِيبُ في السيفِ إن كَلاَّ
منها:
إذا طالَبْتنِي بالحُتُوفِ عَزائِمي ... أُماطِلُها حتى أُلاقِي لها أهْلاَ
فيقْضِي اصْطِبارِي كلَّ دَيْنٍ على المُنَى ... قضاءَ مَلِيٍ لم يكنْ يعرفُ المَطْلاَ
وإن صِرْتُ حِلْسَ الدَّارِ رِزْقِي يزُورُني ... فأصْطاد ما تَهْوَى الأمانِي من المِقْلاَ
وقوله من قصيدة أولها:
بِتُّ أرْعَى النجومَ والإلْفُ رَاقِدْ ... هل سميرُ الشِّهابِ غيرُ الفَراقِدْ
منها:
كلُّ زَرْعٍ زَرَعْتُه في شبابِي ... فله مِنْجَلُ انْحِنائِيَ حَاصِدْ
أنا في الأرْضِ ضاربٌ كلَّ كَسْبٍ ... مِثْلَ ضَرْبٍ لِواحدِ في وَاحِدْ
منها:
وبجِيدِ الأيامِ عند تَصابٍ ... ليس غير الكُؤُوسِ فيها فَرائِدْ
وقوله:
وسَفْرِ مُنىً جازتْ بعَزْمِي ومالَها ... قناطرُ إلاَّ العِيسَ في أبْحُرِ الآلِ
عَبَرْتُ بها دَاراً مُحِيلاً رُسُومُه ... ألَحَّ عليه كُلُّ أسْحَمَ هَطَّالِ
إلى كعبةٍ أمْسَتْ تُزارُ ولم تَزُرْ ... يطُوف رجائي حولَها مُنْذُ أحْوالِ
أقُول لها لمَّا تبَّدى لناظِرِي ... تَمِيسُ عُلاهُ لي مَلابِسِ إجْلالِ
стр. 636
أتيْتُك من كلِّ الوسائِلِ مُحْرِماً ... وألْبَسْتُ وَجْهَ الأرضِ سابِغَ أذْيالِ
وقوله:
وخِدْنٍ يرُوق الطَّرْفَ وَضَّاحُ وَجْهِهِ ... وقد تَرْجَمتْ باليُمنِ عنه قَوابلُهْ
إذا غَصَّ بالسُّؤَّالِ نَادٍ يحُلُّه ... يَسُوغُ بماءِ الجُودِ يصْفُو مُسائِلُهْ
وإن نَحَلتْ أقْلامُه لاشْتياقِها ... إليه حَنَتْ منه عليها أنامِلُهْ
ويُزْهِر وَجْهُ الشمسِ غِبَّ لقائِه ... وتصْفَرُّ من خوفِ الفِراقِ أَصائِلُهْ
فإن صَدَّنِي عنك الزمانُ لحادثٍ ... فأيْن من الغَرْقانِ في البحرِ ساحِلُهْ
فإنك شمسٌ لا تُرَى السُّحْبُ عندها ... فلا تُنْكِرَنْ إن لم يَلُحْ ثَمَّ آفِلُهْ
وقوله:
خَدُّ الربيع من الحَياءِ تَوَرَّدَا ... خَجَلاً لِمَا أهْدَى إليه من النَّدَى
وبَنَفْسَجُ الكُثْبانِ أطْرقَ رأسُه ... لَّما رأَى صُدْغَ الحبيبِ تجعَّدَا
وأرى الخريفَ اشْتَمَّ أنْفاسَ الشِّتَأ ... فاصْفَرَّ مِنه خِيفَةً لمَّا بَدا
ورأَى جيوشَ سُيُولِه قد أقْبلَتْ ... وعليه حُلَّةَ سُنْدُسٍ فتَجَرَّدَا
والسُّحْب تنْثُر لُؤْلُؤاً وغُصونُه ... بأَكُفِّ أوراقٍ تُفَرِّقُ عَسْجَدَأ
والنَّجْمُ كحَّلَه الظلامُ بإثْمِدٍ ... مُذْ خالَه في الجَوِّ طَرْفاً أرْمَدَا
رَوضٌ تبَسَّم للوُفودِ بمَبْسَمٍ ... للرَّوضِ عَذْبِ المُجْتَنَى والمُجْتَدَى
ما ذَاقَ فيه السُّهْدَ إلاَّ ناظِرٌ ... للنَّرْجِسِ الغَضِّ الشَّهِيِّ تَسَهَّدَا
وقوله من غزلية:
مُذ سَبانِي بدرٌ بقلبي مُقِيمٌ ... صار جسْمِي كخَصْرِه في المِحَاقِ
حاكمٌ جُنْدُه المِلاحُ جميعاً ... ذُو لِواءٍ من شَعْرِه الخَفَّاقِ
جامعٌ رِقَّةَ الحجازِ وسْحْرَ الشَّ ... امِ حُسْناً في سِلْكِ لُطْفِ العِراقِ
سرَق الغُصْنُ لِنَهُ فلهذا ... لَزِمَتْهُ جِنايَةُ السُّرَّاقِ
قام في جَنَّةِ الرِّياضِ بكأسٍ ... فأباح المُدامَ بين الرِّفاقِ
بثلاثٍ مِنهُنَّ طَلَّق هَمِّى ... دون ما رَجْعَةٍ لذاك الطَّلاقِ
في مجالٍ كالخَصْرِ فيه اخْتِصارٌ ... دارَ فيه النُّدْمانُ مِثْلَ النِّطاقِ
ذُو عيونٍ لأجْلِها النَّرْجِسُ الغَضُّ ... اصْفَرَّ وأمْسَى من جُمْلةِ العُشَّاقِ
ما رَثَتْ في الهوى لِسائِل دَمْعِي ... تحسَبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً في المَآقِي
وقوله:
قامتْ تجُرُّ ذُيولَ التِّيهِ والجَدَلِ ... ووَجْنَةُ الشَّفَقِ احْمَرَّتْ من الخَجَلِ
خَمِيلةٌ بثِمارِ الحَلْيِ مُثْقَلةٌ ... زُهورُها ما جَنَتْها رَاحةُ الأمَلِ
تَسِيرُ رُسْلُ الصَّبَا تَرْتادُها سَحَراً ... في الْحَيِّ تعْثُر بين البِيضِ والأَسَلِ
صَباً على سُقْمِها يُشْفَى السَّقامُ بها ... ورُبما صَحَّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ
تخافُ تَجْرَحُ وَجْناتِ الحبيبِ لِذَا ... تخُوض مِن عَرَقِ الأنْداءِ في بَلَلِ
وقوله:
أتاركُ قلبي في لَظَى الوَجْدِ مَجْمَرَا ... وطِيبَ ثَناءٍ فوقه فَاح عَنْبَرَا
ترفَّقْ فما ابْيَضَّتْ دموعِي بعدَكُمْ ... ولكنَّها شَابَتْ وصبرِي تعَذَّرَا
فيَوْمِي كأيَّامِ القيامةِ طُولُه ... وأرْضِيَ أمْسَتْ لْلأعادِي مَحْشَرَا
منها:
وغُصْن قَوامٍ كلُّ غُصْنٍ لحُسْنِه ... بأوْراقِه من خَجْلةٍ قد تَسَتَّرا
وعَيْن له قد أهْدَتِ السُّقْمَ والهوَى ... فأهْدَى إلى أجْفانِها طَرْفِيَ الْكَرَى
من مديحها:
стр. 637
إذا طَرَّزَ القِرْطاسَ وَشْيُ بنَانِهِ ... تعَشَّق منه الطَّرْفُ خَدّاً مُعَذَّرَا
وما كان لَوْنُ التِّبْرِ أصْفَرَ إنَّما ... لِخَوْف نَداهُ بالنَّدَى صار أصْفَرَا
وقوله:
مَسِيلُ الصبحِ طَمَّ على الكواكبْ ... وقد ظمِئتْ إلى السَّيْرِ النَّجائِبْ
تقلَّص ذَيْلُ عَزْمِك في مَسِيرٍ ... له طَيْفُ العُلَى خِدْنٌ مُصاحِبْ
بِوَرْيٍ أعْوجِيٍ قَبَّلَتْهُ ... بغُرَّتِهِ الأهِلَّةُ والكواكبْ
جَرَتْ مِن خَلْفِهِ النَّسماتُ حتى ... سَرَتْ مُعْتلةً فيه الجَنائِبْ
عليه مِن لَيالِ الوصلِ بُرْدٌ ... وقد أهْدَتْ له الغِيدُ الذَّوائِبْ
إذا ما خَبَّ خِلْتَ الطَّيْفَ وَافَى ... لِجُنْحِ الليلِ مِن خَوْفِ المُراقِبْ
مَعارِفُه كأهْدابٍ تَبدَّتْ ... لِوَجْه الأرْضِ تَدْنُو كالْمَراقِبْ
عَلاهُ مُحدِّثٌ قد جَلَّ عنه ... لجارِيه تمائمُ في التَّرائِبْ
بعَزْمٍ يَفْرَقُ الهِنْدِيُّ منه ... مَضَاءً قصَّرتْ عنه القَواضِبْ
ورَأْيٍ زَفَّ بِكْرَ الفكرِ يَزْهُو ... لِتخْطُبهَا المَعالِي والمراتِبْ
وقوله:
وباسِلِ نارٍ عَزْمُه تَقِدُ ... كأنما حُمَّ خَوْفَه الأسَدُ
أخْلاَقُه للنَّدِيمِ ضامِنَةٌ ... أن يُنْجِزَ الْجُودَ قبلَ ما يَعِدُ
تنْقُل عنه الكرامُ مَأْثُرَةً ... حَدِيثُ عَلْيائِه لها سَنَدُ
وقوله:
زاد خَطُّ العِذارِ في الخَدِّ حُسْنَا ... فهْو حَرْفٌ قد جاء فيه لِمَعْنَى
كلَّ حِينٍ داعِي الغرام يُنادِي ... رَحِمَ اللهُ كلَّ قلبٍ مُعَنَّى
قُمْ خَلِيلِي نَبْكِي الديارَ سُحَيْراً ... لا يكونُ الحَمَامُ أطْربَ مِنَّا
لا تَلُمْنِي إن ساء فيك ظُنونِي ... كُلُّ مَن ضَنَّ بالأحِبَّةِ ظَنَّا
كم حَبِيبٍ إذا أردْتُ سُلُوّاً ... عنه قال الدَّلالُ مَهْلاً تأَنَّى
وبَناتُ القلوب مُعْتِذراتٌ ... شافِعاتٌ له إذا الليلُ جَنَّا
مُذْنِبٌ ليس يقْبَل العُذْرَ مِنِّي ... وإذا ما جَنَى عليَّ تجَنَّى
كلُّ صَدٍ إن لم يكنْ عن مَلالٍ ... فهْو وَصْلٌ به الرَّقِيبُ تَعَنَّى
إنما القلبُ دَارُه وهَواهُ ... دَاخِلٌ فيه ليس يطلُب إذْنَا
عَلَّموا حَظِّيَ الصُّدودَ فَوَلَّى ... واخْتَفيْنَا فالهَجْرُ يسألُ عَنَّا
لم تَذُقْ قَطْرةً من الوصلِ حِيناً ... وشَرِبْنَا الوِصالَ دَنّاً فَدَنَّا
مِن قَضيبٍ يَميسُ في الرَّوْضِ تِيهاً ... لِيُرِي الغُصْنَ كَيْفَما يَتَثَنَّى
أسْمَرُ الْقَدِّ منه ينْهزِم اللَّوْ ... مُ إذا جاد في الصَّبابةِ طَعْنَا
وأرى المَنْزِلَ الخَرابَ إذا ما ... حَلَّ فيه الأحْبابُ رَوْضاً أغَنَّا
وله، وهو معنىً بديع، في دعوة ضيف كريم:
مَوْلايَ دارِي والذي قد حَوَتْ ... نَبْتٌ زَهَا من صَوْبِ أمْطارِهْ
وإنَّني عَبْدٌ له حارسٌ ... بشُكْرِهِ رَوْضةَ آثارِهْ
إذا دَعَوْناه لأجل القِرَى ... وأشْرَقتْ داري بأنْوارِهْ
قالُوا طُفَيْليّاً عجِبْنَا له ... يُضيفُ رَبَّ الدارِ في دَارِهْ
قال: وكمت قلته لما أعجبني قول إبراهيم بن المدبر، الذي أنشده له في الأغاني:
سيِّدي كلُّ نِعْمةٍ هي عندي ... فهْي بعضٌ مِن فَيْضِ تلك الأيادِي
فإذا زُرْتَنِي فإنِّي ضَيْفٌ ... سَاكِنٌ مِن ذَراكَ أكْرَمَ نَادِي
فيَظُنُّونِيَ الطُّفَيْليَّ لَوْلاَ ... إرْثُ دَارِي مِن سالِفِ الأجْدادِ
وله في معنى قول كثير عزة:
стр. 638
لَئِنْ ساءَني أن نِلْتنِي بِمَسَبَّةٍ ... لقد سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ ببالِكِ
يسُرُّنِي شَتْمُك إذْ كنتُ قد ... خَطَرْتُ في بَالِكَ دون اشْتِباهْ
يحلُوا لِيَ الشَّتْمُ إذْ مَرَّ لِي ... اسمٌ على عَذْبِ اللَّمَى والشِّفَاهْ
إن ذكَرَ اسْمِي لَذَّ لي ذِكْرُه ... كأنني قبَّلتُ بالوَهْمِ فَاهْ
فيه لطف؛ لأنه يمكن أن يخرج على أن في اسمه حرفاً شفوياً، وكذا في لقبه.
وقد استعمله ابن جرير، وكان اسمه محمداً، حيث قال:
أنا في غَيْرةٍ عليْك من اسْمِي ... إنَّه دائِماً يُقبِّل فاكَا
وله في قول بعض معتزلة النحاة: عدل عمر تقديري، يريد غير محقق:
بِنُورِ المعاني أشْرَق اللفظُ فاكْتَسَى ... بثَوْبَيْهِ من حُسْنٍ بَديعٍ بلا زُورِ
ففي عُمَرٍ من عالمِ الذَّرِّ عَدْلُه ... إلى اسْمٍ سَرَى من أجْلِ ذا قيل تَقْدِيري
ومَن قال ذا التَّقدير غيرُ مُحَقَّقٍ ... فقد سار في ظَلْمَاءِ جهلِ بلا نُورِ
وله:
زمانُ السُّوءِ إن وَافَى بِرَيْبٍ ... صديقك والقريبُ له يَذِلُّ
شَكَتْ رُسْلَ المنايا لِي طُيورٌ ... جَوارِحُ للسَّماءِ تظَلُّ تَعْلُو
فقلتُ سَلُوا الْقَوَادِمَ والخَوافِي ... فلَوْلا رِيشُها ما طال نَبْلُ
هذا كقول الأرجاني:
يُعْطِينَ قتْلاها النُّسور جَوائِزاً ... إذْ كُنَّ طِرْنَ بما كَسَتْهُ الأنْسُرُ
وله:
أتَدْرِي السَّواقِي ما تقولُ وقد غدتْ ... تدُورُ وتَسْقي حين تعلُو وتنْزِلُ
تقول لك المَمْلُوءُ يعْلُو وكلُّ ما ... تضَرَّع تَلْقاهُ مَدَى الدهرِ يسْفُلُ
تُريدُ الورى تهْوَى الغَنِيَّ ولم تزَلْ ... تُعادِي فقيراً ما عليه مُعَوَّلُ
فلا تُظْهِرَنَّ الفقْرَ ما دُمْتَ بينهم ... وأظْهِرْ غنىً عنهم فذلك أجْمَلُ
وله:
قد رأيْنا الملوكَ إن سار جيشٌ ... كثَّبُوا الكُثْبَ في الفَلا المطْرُوقِ
فلذا سَنَّمُوا الترابَ على مَن ... ماتَ رَمْزاً لِفَهْم معنىً دقيقِ
إن جيشَ الخُطُوب سار وهذِي ... سلبُه فاسْلكُوا سَواءَ الطَّرِيقِ
وله:
مُذ فُتِحَتْ أبوابُ نادي العُلَى ... فَتْحَ المُلاقِي لمعالِيهِ
ما صَرَّت الأبوابُ بل رَحَّبتْ ... على مُرَجٍ لأيادِيهِ
كذلك الأقلامُ في طِرْسِهِ ... صَرِيرُها شكرُ أَيادِيهِ
والماء يشكُ، بخريرٍ له ... فِراقَه رَوْضةَ نَادِيهِ
وله:
يا حبَّذا نادٍ لنا ... حُفَّ بأُنْسٍ وطَرَبْ
وخمرةٌ في كأسِها ... يلعبُ بالنَّرْدِ الْحَبَبْ
فُصوص ألْماسٍ على ... بِساطِ خَزٍ وذَهَبْ
وله:
سَبَح الحبيبُ بِبرْكةٍ ... والقلبُ من وَلَهٍ يطيرُ
فخشِيتُ من ماءِ اللَّطا ... فةِ فيه يشْربُه الغَدِيرُ
وتَشابُه الماءِ الرقي ... قِ وجسمِه التَّرِفِ النَّضِيرِ
لولا الذَّوائبُ لم يكنْ ... للنَّاظرين به شُعورُ
وله:
ما أقْصَرَ الليلَ الذي ... كحَّل أنْوارَ الحَدَقْ
عانْقتُ فيه غُصُناً ... مِن حُلَلٍ فيه وَرَقْ
إذ هَمَّ ثَغْرُ الصبحِ أنْ ... يُقَبِّلَنْ خَدَّ الشَّفَقْ
ومما لا ينقضي منه الإعجاب، قوله من قصيدة:
مَرَرْتُ على رَبْعِ الأحِبَّةِ دارِساً ... ففَاح به عَرْفُ الحديثِ المُتَمَّمِ
وذكَّرنا عهدَ الصَّبابةِ والصِّبا ... هَدِيلُ حَمْامٍ في الرُّبَى مُترنِّمِ
فقلتُ لِخِلِّي عُجْ بنا ساعةً عسى ... يُحدِّثنا رَسْمُ الهوى المُتقدِّمِ
فعُجْنَا له عَطْفاً على موضعٍ به ... هَوانا فكان العَطْفُ عطفَ تَوهُّمِ
стр. 639
وعطف التوهم معروفٌ عند النحاة، وهو أن يجري في موضعٍ إعرابان، فيعرب بأحدهما، ويعطف عليه باعتبار الآخر، كما في قول الأخوص الرياحي:
بَدَا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جَائيَا
فإن لست يجر خبرها بالباء الزائدة كثيراً، فإذا نصب قد يعطف عليه مجرور نظراً إلى حالته الأخرى.
وأما عطف المنصوب على المجرور، فهو العطف على الموضع، وإياه عنى محاسن الشواء، في قوله:
هَاتِيكَ يا صاحِ رُبَا لَعْلَعِ ... نَاشَدْتُك الله فعَرِّجْ مَعِي
وانْزِلْ بنا بين بُيوتِ النَّقَا ... فإنها آهِلَةُ المَرْبَعِ
حتى نُطِيلَ اليوم وَقْفاً على السَّ ... اكِنِ أو عَطْفاً على المَوْضِعِ
وهذه مقطعات له، على حروف المعجم:
مَدْحٌ بوَجْهِ كُدْيَةٍ ... فيها كَمِينٌ لِلرَّجاءْ
مِثْلُ المُرَقْرِقِ في الصَّبُو ... حِ يُسِرُّ حَسْواً في ارْتغاءْ
فيه مثلان قديمان.
وله:
يشْتكي الخَصْرُ رِدْفَه كلَّ حِينٍ ... وأنِينِي يشْكُو من الرُّقَباءِ
فكِلانَا في حالَتَيْه مُعَنَّى ... ذا عَياءٍ يشْكُو من الثُّقَلاءِ
وله:
لَئِن نكَسَّ الدهرُ حَظِّي فلِي ... لطَائفُ في الغَيْبِ تُحْيِي الرَّجَاءْ
فرُبَّ شِهابٍ إذا نَكَّسُوه ... يَزِيدُ اشْتعالاً ويعْلُو سَنَاءْ
وله:
قال لي الأيْرُ لا أُهَنِّيك إن ... زارَك مَن قد هَويتَ في الظَّلْماءِ
وأنَا منك لا يُهَنِّىءُ عُضْوٌ ... بالمَسَرَّاتِ سائرَ الأعْضاءِ
وله:
لا يكذبُ العاقلُ ما ... أمْكنَهُ صِدْقٌ يجبْ
ففي المَعارِيضِ له ... مَنْدُوحةٌ عن الكَذِبْ
وله:
وبلدةٍ سُكَّانُها في لَظَى ... في الصَّيْفِ من حَرٍ لها ناصِبِ
ترى بها الماشي بُعَيْدَ الضُّحَى ... مُنْتعِلاً نَعْلَ أبِي طالبِ
يشير إلى ما ذكر أهل السير، من أن أبا طالبٍ لم يهتد للإيمان، لأن رسول الله ﷺ كان في جواره، ولو أسلم لم يقبلوا جواره.
ولما قالوا له: إن أبا طالبٍ كان يحبك ويحيك فهل ينفعه ذلك؟ قال: " يخفف عنه فجعل له نعلٌ من نارٍ يغلي منه دماغه ".
رواه مسلم.
وله:
إذا شاب شَعْرُ المَرْءِ قَلَّ سُرورُه ... وزَارتْه مِن وَفْدِ الهمومِ المَصائبُ
وشَابَ قَذَى الأكْدارِ صَفْوَ حَياتِهِ ... فمِن أجْلِ هذا قِيل للمَرْءِ شائبُ
وله:
قد تسْتوِي في الحَرَكات الورَى ... لكنْ لَدَى السَّبْقِ تَبِينُ الرُّتَبْ
كم طار صَقْرٌ وغُرابٌ مَعاً ... لكنَّ ذا صَادَ وهذا هَرَبْ
وله:
قد خاب مَن كان في مُناهُ ... مُقصِّرَ الجِدَّ في الطِّلابِ
فلا يَلُمْ غيرَ نَفْسِه مَن ... قد أرْسَل الْبَازَ في ضَبابِ
وله:
ظَنَنْتُ الصَّبا لَمَّا على النهرِ قد جَرَتْ ... وعَكْسُ ذُكاءٍ لاح فيه لِمُرْتَقِبْ
شِباكاً بها صار النَّسيم غَزالةً ... ألَسْتَ تَراها دائماً فيه تضْطَرِبْ
وله:
على خَدِّه مُذْ لاح نَبْتُ عِذارِهِ ... جرَتْ أدْمُعِي في الخدِّ ذاتَ صَبيبِ
إذا ما اسْتدارتْ دَارَةُ البَدْرِ حَوْلَه ... فإنَّ وُقوعَ القَطْرِ غيرُ عَجِيبِ
وله:
لَحَى اللهُ أيَّاماً تُعادِي أُولِي النُّهَىوتُسْعِفُ لُؤْماً كلَّ غُفْلِ المَناقِبِ
تُقدِّم فيهنَّ الصِّغارَ كأنهم ... إذا ذُكرِوا عَقْدَ الْبَنانِ لِحَاسِبِ
وله:
إنما هذه الحياةُ مَنامٌ ... والأمانِي حُلْمٌ بها الْمَرْءُ صَبُّ
فلهذا تأْتِي على العكسِ مِمَّا ... كَرِهَ النَّاسُ دائماً وأحَبُّوا
وله:
كُنِ ابنَ وَقْتٍ حاضرٍ تَجْنِي هَنا ... ولا تفُكِّرْ في غَدٍ وما ذَهَبْ
стр. 640
وإن وجدتَ سُكراً فانْعَمْ به ... ولا تَسَلْ عَمَّا جَرى على القَصَبْ
وله:
إذا ما غاب مَن أهْواهُ عَنِّي ... فإنَّ لِقاءَه عندي كِتابُ
سَوادٌ في بياضٍ مِثْل عَيْنِي ... به ألْقَى الأحِبَّةَ حين غَابُوا
وله:
لَمَّا بَدَا في صُدْغِه خَالُه ... أذابَ قلبَ الصَّبِّ بالْحُبِّ
فانْظُرْ إلى الْحَبِّ على فَخِّه ... ولا تَسَلْ عن طائرِ القَلْبِ
وله:
رَوضُ المُنَى أيْدِي الأماني به ... كم قد جَرَتْ لي ثمرَاً مُسْتطَابْ
ما لَذَّةُ الدنيا إذا لم أكُن ... أخْطِر فيها بِردَاءِ الشَّبابْ
وله:
مُذ رأًى النَّهْرُ بَرْقَهُ سَلَّ سَيْفاً ... مُرْهَفَ الحَدِّ من قِرابِ السَّحابِ
نَسجتْ فوقه الرِّياحُ دُرُعاً ... سَابغاتٍ قد سُمِّرَتْ بالحَبَابِ
وله في الرد على ابن القيم:
قالوا جَهَنَّمُ دارُ الخلدِ ساكنُها ... إذا تَطاوَلَ دهرٌ أَخمَدَ اللَّهَبَا
أمَالِكٌ صار مِن عَجْزٍ لِذِي يَدِهِ ... لا يسْتطيعُ لفقرٍ يشْتري الحَطبَا
وله:
سُكَّانُ مِصْر كالنِّيل ما عَرَفُوا ... قَدْرَ شُيوخِ العلمِ والطَّلَبَهْ
فَجَيِّدٌ فيه والرَّدِيُّ سَوَا ... كما اسْتَوَى الماءُ ثَمَّ والْخَشَبَهْ
وله:
كم أُناسٍ من الكرام تَوَلَّوْا ... في نعيمٍ وطِيبِ عَيْش مُواتِي
قَطَفُوا وَردةَ الحياةِ سُروراً ... ورَمُوا الشَّوْكَ في طريقِ الآتِي
وله:
وبُحَيْرةٍ بِفنائِها سَمَرُوا ... واللَّهُو بالأحْزانِ قد شَمَتَا
وكأنما عَكْسُ الشُّموعِ بها ... بَحْرٌ به المَرْجانُ قد نَبَتَا
وله:
أنا أصْبُو والتَّصَابِي حِلْيَةٌ ... لكريمِ العِرْضِ في صَبْوَتِهِ
بعَفِيفِ الجَيْبِ لَدْنٍ ناعمٍ ... لم يُعانِقْهُ سِوَى حُلَّتِهِ
وله:
لحديثِ النَّبيِّ بعد كلامِ اللَّ ... هِ طِيبٌ يَحُثُّ شَوْقِي حَثِيثَا
مُسْتَجِدٌّ على مُرورِ الجَديدَيْ ... نِ لِذَأ سُمِّيَ الحديثُ حَدِيثَا
وله:
غاب الحبيبُ وفؤادِي خافِقٌ ... مُنْتظِرٌ لذلك المَعْنَى البَهِجْ
والنَّرْجِسُ الغَضُّ يُنادِي في الرُّبَى ... أبْشِرْ بما سَرَّ بعيْني تخْتلِجْ
وله:
ذُؤابتُه قد اشْتفَتْ ... مِن فَرَجٍ بلا حَرَجْ
بابُ استْهِ لِصَبْرِه ... فاز بِمفْتاحِ الْفَرَجْ
وله:
وساحِر المنْطِقِ أظْهَر الطِّلاَ ... في مَجْلِسٍ يَسْعَى لِرؤْياهُ الْفَرَحْ
رَتَّبَ شَكْلاً للسُّرورِ مُنْتِجاً ... الْجَرَّةَ الكُبْرى وصُغْراه الْقَدَحْ
وله:
إلى اللهِ أشْكُو الزَّمان الذي ... يُرَيِّشُ حَالِي بنَتْفِ الجَنَاحْ
إذا سُمْتُه الصُّلْحَ قال اتَّئِدْ ... فبيْني وبينك سُوقُ السِّلاحْ
وله:
إذا رُمْتَ أمْراً فكُنْ طالباً ... برِفْقٍ ففي الرِّفْقِ نَيْلُ الصَّلاحْ
ففي الرِّفْفِ والصبرِ للمُرْتَجِي ... لِقاحَ الصَّلاحِ جَناحُ النَّجاحْ
وله:
وزَانٍ بحُبِّ الزِّنا مُغْرَمٍ ... أمَاطَ رِداءَ الْحَيَا واطَّرَحْ
يُقبِّلُ أولادهُنَّ الصِّغارَ ... ومَن عَشِقَ الدَّنَّ بَاسَ الْقَدَحْ
وله:
إن الصديقَ مَن إذا دَعَوْتَهُ ... لَبَّى الرَّجا بتَباشِيرِ الْفَرَحْ
وإن تنَحْنَحَ الذي دَعَوْتَه ... لِحاجَةٍ مُلِمَّةٍ فقد تَنَح
وله:
كم من قريبٍ كِيلاَ لِي شَرُّهُ ... وخيرُه إن جاء أحْباب فخّ
وكم أخٍ يملأُ لي صَدْرَه ... نَفثْةَ مَصْدُورٍ إذا قلتُ أَخْ
وله:
إذا رُمْتَ إكْسِيرَ نَصْرٍ فقُمْ ... بسيْفَك واضْرِبْ رقابَ العِدَى
стр. 641
تصُبُّ عليهم حديدَ النِّصالِ ... وتأخُذها في دَمٍ عَسْجَدَا
قال بعضهم: قول ابن نباتة السعدي لم يسبق إليه:
أبَوْا أن يُطِيعُوا السَّمْهَرِيَّة غِيرَةً ... فصُبَّتْ عليهم كاللُّجَيْنِ الْقَواضِبُ
فعادتْ إلينا عَسْجَداً مِن دِمائِهمْ ... ألا هكذا فلْيَكْسِبِ المجدَ كاسِبُ
ومنه أخذ الأَبيوردي قوله:
وللهِ دَرُّ السيفِ يجلُو بَياضُهُ ... غَياهِبَ يومٍ قاتِمِ الجَوِّ أرْبَدَا
بمُعْتَرَكٍ تَلْقَى به الموتَ لُجَّةً ... تَسِيلُ لُجَيْناً ثم تُغْمَدُ عَسْجَدَا
قال: قلت: انظر هذا مع قولي أولا.
وله:
رأيْتُك طَوْداً قد لَجأْتُ لِظلِّهِ ... فلي مَعْقِلٌ منه إذا دهرِيَ اعْتَدَى
إذا قُمْتُ في نَادِيه أُنْشِدُ مِدْحَةً ... أنا الطائرُ المَحْكِيُّ والآخَرُ الصَّدَى
وله:
رُقَى الفَقْرِ اسْمُه يدْعُوهُ دَاعٍ ... ورُؤْيةُ وجهِه سَعْدُ السُّعود
دَعَانَأ نَحْو سُدَّتِه نَداهُ ... خَرِيرُ الماءِ يدعُو للوُرودِ
وله:
ويومٍ غَدَأ بارِداً جَوُّهُ ... بَدَا رَعْدُه من هَواً يَبْرُدُ
ترى لهبَ النارِ من بَرْدِهِ ... بكَانُونهِ أبَداً ترعُدُ
من بدائع الصلاح الصفدي، قوله من رسالة: لو ترى أحدنا وقد أخذه النافض، ونحاه القر بعامله الرافع والزمهرير الخافض، لرأيت شخصاً قد ركبت أعضاؤه من الزئبق فما تستقر، وجفت لهواته يبساً فما تستدر.
لا يمد كفه ولو بايعه الناس على الخلافة، ولا يخرج يده ولو كان فقيراً إلى كيس ذهب أو نديماً إلى كأس سلافة.
يكاد لذلك البرد حتى الكلام يتجسد، ويتمنى الإنسان لو أنه تحت رخام الحمام يتوسد.
وله في مثلٍ معروف:
أهْوِنْ بسيِّد فِتْيَةٍ نال الغِنَى ... بدَناءَةٍ مَنَعتْهُ فيهم رُشْدَهُ
وعليه جُلْجُلُ سَبَّةٍ ولآَمَةٍ ... ستُشَدُّ لكن هل يُرَى مَن شَدَّهُ
وله:
كم جِئْتُه بِحاجَةٍ ... ومالَه عندي يَدُ
فقال لي إلى غدٍ ... والدهرُ كلُّه غَدُ
وله:
أيِسْنَا من هُدَى الهادِي ... وإسْعافٍ وإسْعادِ
وصار زمانُنا أعْمَى ... يُقدِّم كلَّ قَوَّادِ
وله:
قلتُ لِمْ تشتري الغلام كبيراً ... وصِغارُ الغِلْمانِ لِلَّهْوِ عُدَّهْ
قال إنَّا لم نأْخُذِ اليومَ إلاَّ ... مَن وجَدْنَا مَتاعَنا اليومَ عِنْدَهْ
وله:
شيخٌ بسَعْدٍ وبِنَحْسٍ له ... كم قادَ أوْبَاشاً من السَّادَهْ
مَتاعُ زُهْدٍ وَسْطَ سُوقِ الرِّيَا ... يُباعُ في حانوتِ سَجَّادَهْ
وله:
قد قلتُ إذ حَسَدُوا وما ... في العَيْشِ إذْ حسَدوا رَغَدْ
خَسَّ الزَّمانُ وأهلُه ... وطِباعُهم حتى الحَسَدْ
وله:
ما نعمةٌ تخْلُو من الحسدِ الذي ... مِنْه تكَدَّر كلُّ وِرْدٍ قد وُرِدْ
وأرى الخمولَ مع التَّواضُعِ نِعْمةً ... قد صانَها الرحمنُ من كَدَرِ الْحَسَدْ
وله؛ في قول العوام: الورد من عرق النبي ﷺ :
ناضرُ الوردِ قيل مِن عَرَقِ المُخْتَا ... رِ قد لاح في حَدائِقِ خَدِّ
وَرْدُ خَدَّيْهِ قبلَ ذلك زَاهٍ ... هل سمعتُم بالوَرْدِ من ماءِ وَرْدِ
وله:
فتَّح الوَردُ في الرِّياضِ صَباحاً ... عندما قبَّل النسيمُ خُدودَهْ
بُلِّغَ الزَّعْفَرانُ فهْو لهذا ... ضاحِكٌ شَقَّ من سُرُروٍ بُرودَهْ
وله، في قول أرباب الفلاحة: إن الحيات والهوام تهرب من شجر الرمان، ولذا يجعل بعض الطيور أوكارها فيه:
إذا هَبَّتْ صَبَا الأسْحارِ يوماً ... وحَرَّكَتِ الذَّوائبَ في الخُدودِ
فَحيَّاتُ الذَّوائبِ في اضْطِرابٍ ... وقد شَعَرتْ برُمَّانِ النُّهودِ
وله:
يسْمُو بخُلْقٍ ولِسانٍ حَلاَ ... مَن بِلِبانِ المجد قِدْماً غُذِي
стр. 642
فأدْوَأُ الدَّاءِ كما قد رَوَوْا ... خُلْقٌ دَنِيٌّ ولسانٌ بَذِي
وله:
بَقِيَّةُ عُمْرِ حُرٍ مُدَّ فيها ... يَتِمُّ بها المَسَرَّةُ والْفَخارُ
ألسْت ترى الرَّبيعَ يَرُوقَ مَرْأىً ... وتأْتِي في الخريفِ له الثِّمارُ
وله:
رَوضةٌ جادَها الْحَيا بَلآلٍ ... قلدتْه جواهرَ الأزْهارِ
ضاحِكاتٌ أطْفالُ أنْهارِها إذْ ... إذْ وَعَدتْها نَسائمُ الأسْحارِ
قال: وقلت لما سمعت قول أبي بكر ﵁: من امتطى التغافل ملك زمام المروءة:
تَغافَلْ إذا رُمْتَ وُدَّ الورَى ... يدُوم فتُصْبحُ لِلْعِزِّ جارَا
زِمامُ المُروءةِ في كَفِّ مَن ... تَغافُلَه يمْتطِي حيثُ سَارَا
وله:
وَلَّى الشَّبابُ حَمِيداً حين وَرَّثَنِي ... مَجْداً وشِعْراً يُحاكي زَاهِيَ الحِبَرِ
إن جاد طَبْعِي بشِعْرٍ راقَ رائِقُهُ ... لا تُنْكرُوا رِقَّةً في نَسْمَةِ السَّحَرِ
وله:
أوْصافُ مولانا سَقَتْ ... ظَمْآنَ سَمْعِي كَوْثَرَا
كجَنَّةٍ مَعْشوقةٍ ... للناسِ قبلَ أن تُرَى
وله:
لي سيِّدٌ مُتواضِعٌ لِغُلامِهِ ... وعلى سِواهُ مُسْرِفٌ في كِبْرِهِ
ينْقادُ للغِلْمانِ في خَلَواتِهِ ... مِثْلَ السَّفِينِ زِمامُه في دُبْرِهِ
وله:
وسارقٍ يسْرِقُ شِعْرَ الورَى ... ويُتْبِع المَنْظومَ بالنَّثْرِ
ما اقْتَبسَ الآياتِ إلاَّ لِمَا ... يأْلَفهُ من سِرْقَةِ الشِّعْرِ
وله:
قالُوا لِشاعرِك الذي ... أهْدَى مَدِيحاً حَطَّ قَدْرَكْ
جَدِّد وُضوءَك بعدَ ذا ... إنْ كان هذا الشِّعْرُ شِعْرَكْ
وله:
كلُّ الأمورِ لم تزَلْ ... تكْبُر من بَعْدِ صِغَرْ
إلاَّ مصائبَ الورَى ... تصغُر من بَعْدِ كِبَرْ
وله:
ومُباحثٍ في العِلْمِ من نَفَرٍ ... لا يُدْرِكون مَباحِثَ النَّظَرِ
أعْرَضْتُ عنه كأنه عَلَمٌ ... وتركْتُه بمَباحِثِ البَقَرِ
العرب تقول: تركته بمباحث البقر، إذا لم يعرف مكانه، وتقول: تركته بملاحس البقر، إذا ترك بمكانٍ لا أنيس به، وملاحس البقر: المواضع التي تلحس فيها بقر الوحش أولادها.
وله:
في دَوْلةِ وَصْلِ مُنيَتِي والهَجْرِ ... قد حُقَّ لذا وحَقِّ رَبِّي شُكْرِي
في الوصلِ حَلَتْ حياةُ نَفْسٍ وصَفَتْ ... والهجرُ به يُطِيلُ رَبِّي عُمْرِي
ولي أنا من هذا:
رمضانُ جاء فمَرْحباً بقُدومِهِ ... شهرٌ بلغْتق بفضْلِهِ المَأْمُولاَ
وأُجِلُّ مِنَّتَه عليَّ بأن أرَى ... عُمْرِي النَّفِيسَ يزيدُ فيه طولاَ
وله:
إن يكنْ أخْلَقَ الشَّبابُ ورَثَّتْ ... جِدَّتي والنَّشاطُ في كلِّ أمْرِ
كم لبِسْتُ الشبابَ غَضّاً جديداً ... ساحِبَ الذَّيْلِ في مَواسِمِ عُمْرِي
وله:
مَعْلُومِيَ المعلومُ يا سيِّدي ... يحْفظُه الدِّيوانُ والدَّفْتَرُ
كأنه هَمْزَةُ وَصْلٍ بهِ ... يُرْسَم في الخَطِّ ولا يُذْكَرُ
وله:
قد كنتُ في كَنَفِ الخُمولِ مُنَعَّماً ... والآن أتْعَبنِي الْعَنَأ لمَّا حَضَرْ
كالحَرْفِ فَرَّ من الْتقاءِ السَّاكنَيْ ... نِ لعُسْرِ نُطْقٍ في التَّلفُّظِ فانْكَسَرْ
وله:
أصبحتُ مَن يُبْصِرُني طَرْفُهُ ... بكلِّ ما أمْلِكُه يَدْرِي
كسُلْحُفَاةٍ من مِيَاهٍ بَدَتْ ... بَيْتِي وما أحْوِي على ظَهْرِي
وله:
رأيتُك تُعْطِينا الهِباتِ كتارِكٍ ... لَدَى أهْلِهِ مُسْتَوْدَعاتِ الذَّخائِرِ
ودائعُ في حِرْزٍ من الدهرِ سالمٍ ... وما ضاع جُودٌ مُودَعٌ عند شاكِرِ
وله:
يقولون إِن المَدَّ في أثَرِ الجَزْرِ ... لِنُورِ بَدْرِ العصرِ في ساحلِ البَحْرِ
стр. 643
فما بَالُ بَحْرِ الدَّمْعِ يزْدَادُ مَدُّهُإذا غاب بَدْرُ الحُسْنِ في ظُلْمةِ الهَجْرِ
وله:
صَرَف اللِّحاظَ عن الوُشَا ... ةِ إلى الكَئِيب وما يَسُرُّهْ
أبداً يَميِلُ إليهمُ ... مَيْلَ المريضِ لِمَا يضُرُّهْ
وله:
وطُوفانِ ليلٍ مُذْ طَفًَا فيه مَوْجُهُ ... طَفَا زَبَدُ الدهرِ المُزَيِّنِ للْخَضْرَا
تفَجَّر سَيْلُ الصبحِ من سَدِّ شَرْقِهِ ... فمِن أجْلِ ذا يُدْعَى الصباحُ بهِ فَجْرَا
وله:
غَطَّتْ بساعِدٍ كماءٍ يجْرِي ... وَجْهاً يفُوق الوَرْدَ تبَّ القَطْرِ
كبدرِ تَمٍ عند نصفِ شَهْرِ ... غاب وقد لاحَ عَمودُ الفَجْرِ
وله:
قُل لِرَقيبٍ قد أتى لِصِببْيَةٍ ... أرَقّ مَعْنىً من نَسِيمِ السَّحَرِ
باللهِ قُمْ لا تقْطَعَنْ حديثَهمْ ... وتعْترِضْ بين الصَّبا والزَّهْرِ
وله:
بكَر النَّدامَى للصَّبُوح ونَبَّهُوا ... أوْتارَهم تدْعُو لهم ضِعْفَ السُّرورْ
فتمطَّتِ الأغْصانُ من نَفَسِ الصَّبا ... وتثاءبَتْ في الأرضِ أفْواهُ الزُّهورْ
وله:
مُذ زار مَن أهْواه في رَوضةٍ ... أرْشَفنِي ثَغْراً هو الخَمْرُ
قالت لِي الأرْدافُ مِن خَلْفِه: ... اليومَ خَمْراً وغَداً أمْرُ
وله:
سرَق المَنام بطَرْفِه الْ ... فَتَّانِ ذُو الحُسْنِ الغَزِيرِ
طِرَازُ حُسْنِ حاذِقٍ ... طَرَّ القلوبَ من الصُّدورِ
وله:
وحَقِّكُمُ مَدِيحِي في عُلاكمْ ... له نَشْرٌ ببُرْدِ الدهرِ عاطِرْ
وعَرْفُ العُودِ يُخْبِر مَن رَآهُ ... بِطيبٍ فيه تنْقُله المَجامِرْ
وله:
رَقَّ مِسْكِيُّ حُلَّةٍ فوقَ جسمٍ ... رَقَّ حتى لَكاد باللُّطْفِ يجْرِي
فيه طَرْفِي مُنَزَّهٌ حين أبْدَى ... بُرْدَ ظِلٍ على مَعاطِفِ نَهْرِ
وله:
رعَى اللهُ عَصْراً غاب عنِّي عَواذِلِي ... به فَسرقْتُ الوَصْلَ في غَفْلةِ الدهرِ
أصائِلُ وَصْلٍ بَرَّدتْ بنَسِيمِها ... من الكَبِدِ المَلْهوفِ هاجِرَةَ الهَجْرِ
وله:
تعلَّق قلبي في الغرامِ بصُدْغِهِ ... فعَطْفةُ ذاك الصُّدْغِ وَقْفةُ خايِرِ
تعلَّق قلبي ليس يدْرِي قَرارَهُ ... كأنّ فؤادِي في مَخالِبِ طائِرِ
وله:
كيف سُلُوِّي إذا تبدَّى ... بوَجْهِ مَعْشوقيَ العِذارُ
والحُسْنُ في وَجْنتيْهِ غَضٌّ ... ما اخْتلَف الليلُ والنهارُ
وله:
دَعَوْتُك يا خليلي للحضُورِ ... فلا تبْخَل بتعْجيلِ السُّرورِ
فعْمْرُ الالْتقاءِ غدا قصيراً ... فطَوِّلْهُ بأوقاتِ البُكورِ
وله:
يا صاحِ والشوقُ اسْتَعَرْ ... إن فَتَّق الجَفْنَ السَّهَرْ
رَفَّاهُ خَيْطُ مَدْمَعٍ ... له من الهُدْبِ إبَرْ
وله:
ويمْنعُنِي تقْبيلَ خَدَّيْه أنني ... أخافُ إذا ما أبْصَرتْه النَّواظِرُ
فعلمَني تقبيل رِجْليْه إذْ مَشَى ... وقد قبَّلتْ أقْدامَهُنَّ الضفَّائِرُ
وله:
فرَش الرَّبيعُ لنا خَمائِلَ سُنْدُسٍ ... مِن حولها غُدْرانُهُنَّ فَراوِزُ
ومشَى بها سارِي الصَّبا مُتَسَلِّلاً ... وعليه أعْيُنُ نُورِه تَتَغامَزُ
وله:
مَحَا اللهُ أقْطاراً من الجُودِ أمْحلَتْ ... وكم قادرٍ فيها عَن الحَمْدِ عاجِزُ
وعاقِرَ أرْضٍ ليس يُولَد نَبْتُها ... وكم وَلَدتْ فيها المَنايَا المَفاوِزُ
وله:
وكم ناسٍ بِمَوْتِ أُصولِهم قد ... رَقَوْا رُتَباً لها شَرَفٌ وعِزَّهْ
كدُودِ القَزِّ أمْسَى في قبورٍ ... لصاحبِها بها حُلَلٌ وبِزَّهْ
وله:
مَلَكْتُ من القَنْعِ كَنْزَ الغِنَى ... وقال اصْطبارِيَ مَن عَزَّ بَزّ
стр. 644
فإن عَزّ ذو الجْاهِ من كِبْرِه ... فَجَاهُ القَناعةِ عندي أعَزّ
وله:
حسَدتُ كِتَابي حين لاقَى أحِبَّتِي ... بِعارِضِ خَطٍ دَبَّ في خَدِّ قِرْطاسِ
فقال على الأقْدامِ تسعى وتبْتغِي ... مَقامِي وقد أمْسَيْتُ أسْعَآ على رَاسِ
وله:
الخَلْقُ سَفْرٌ والزمانُ مَراحِلٌ ... خَطَواتُه في سَيْرِهِ الأنْفاسُ
والمَقْصِدُ الأسْنَى لهم دارُ الْبَقَا ... دخَلتْه من بابِ الفَناءِ الناسُ
وله:
مَن يبْغِ طُولَ العمرِ لم يضْجَرْ بما ... ساق الزمانُ له فكدَّر حُسْنَهُ
مَن كان يخْتار الحياةَ وطُولَها ... فعلى النَّوائِبِ فَلْيُوَطنْ نَفْسَهُ
وله:
إن غاب مَن أهْوَى فلي مُسامِرٌ ... مِن الأماني لم يَغِبْ عن مَجْلِسي
نِعْمَ الرَّفِيقُ أمَلي إن لم يَجُد ... بنَفْعِه فهْو لَعَمْرِي مُؤْنِسِي
وله:
لأشْعارِ مصر بالتَّوارِي سَخافَةٌ ... وكم لاح تَجْنِيسٌ بها وهْو تَنْجِيسُ
يقولون في الألفاظِ مِنَّا حَلاوةٌ ... فقلتُ ولكن ذاك حَشْوٌ وتَلْبِيسُ
وله:
أفئدة الخلقِ على حُكْمِهِ ... له رَعايَا والسَّرِيرُ الْحَشَا
مَلَّكه الحُسْنُ قلوبَ الوَرى ... واللهُ يُؤْتِي مُلْكَه مَن يَشَا
وله:
أيُّها الَّلائِمُ دَعْنِي واسْتَرِحْ ... مِن خليعٍ هو للنُّصْحِ عَصَى
لا تلُم في اللَّهْوِ والسِّنُّ عَلاَ ... واقْرَعِ العُودَ ودَعْ قَرْعَ عَصَا
وله:
يا صاحِ تَوَقَّ من فَواتِ الفُرَصِ ... لا تَهْنَأُ عِيشَةُ امْرِىءٍ ذِي غصَصِ
فالوُرْق وإن غَدَتْ بعَيْشٍ رَغَدٍ ... تبْكي وتنُوحُ دائماً في الْقَفَصِ
وله:
دهرُ سُوءٍ فيه ارْتفاعُ لَئيمٍ ... وبَنانٌ من المَكارِمِ تُنْفَضْ
فَيَدِي قد غَسلْتُها من نَداهُ ... وفمُ الجَفْنِ بالدُّمُوعِ تَمَضْمَضْ
وله:
ومَوْلىً له بالمُرْدِ قلبٌ مُوَلَّعٌ ... يُصَرِّح طَوْراً بالهوَى ويُعَرِّضُ
ومُذ قال إن الحبَّ عنديَ آفةٌ ... خَشِيتُ عليه أن يَمَلَّ فيُحْمِضُ
وله:
رعَى اللهُ عَوَّاداً إذا زار نادياً ... غَدا لِجُموحِ اللَّهْوِ في الحالِ رَائِضَا
رأى طَرَبَ النَّدْمانِ أسْقَمه الهوَى ... فَجَسَّ له نَبْضاً من العُودِ نابِضَا
وله:
وقومٍ لِئامٍ ليس لي فيهمُ رِضاً ... وما فيهمُ شَيءٌ على قُبْحِه يُرْضِي
أُسائِل عنهم كلَّ مَن قد لَقِيتُه ... سُؤالَ طَبِيبٍ ليس يعلمُ بالنَّبْضِ
إنما يسأل عن القارورة والبراز، فهو كنايةٌ بديعةز وله:
نَثِيرُ اليَاسَمِينِ من فوقِ بَدْرٍ ... لِمُحِبِّيه بالخَلاعةِ باسِطْ
فحَسبْناه شَمْعةً أوْقَدُوها ... وعليها فَراشُ لَيْلٍ تَساقَطْ
وله:
للهِ ما ألْطَفَه من زامرٍ ... ينْشَق من عَبَقِ الإنْبِساطْ
كأنَّ إسْرافيلَ قد وكَّلَه ... لِيبْعثَ الأرْواحَ من فَرْطِ النَّشاطْ
وله:
قلتُ لمَّا عَذَّبوه فَغَدا ... مَثَلاً يُسْرِعُ في خَيطِ اخْتلاطْ
عُذْرُ مَولايَ الذي جاء به ... مِثْلُ ضَمِّ الاسْتِ من بعدِ الضُّراطْ
وله:
كم هِمَّةٍ عاليةٍ ... في الجدِّ لم تُفَرِّطِ
لا تَرْتَضِي بوَسَطٍ ... فالدُّونُ جارُ الوَسَطِ
وله:
كتب الربيعُ على طُرُوسِ رِياضِهِ ... صُحُفاً من التَّوحيدِ ما فيها غَلَطْ
وحَدَا السحابُ إِلى الحدائق قُدْرَةً ... نَقّاشُها في الرَّوْضِ نَقَّطَ ثم خَطّ
وله:
ومَوْلىً أمْطَرتْ كَفَّاه غَيْثاً ... لَدَى الأزَماتِ فهْو على اشْتِراطِ
ومَن يُحْسِنْ وقد فات احْتِياجٌ ... كمن يقْضِي الصَّلاةَ على الصِّراطِ
وله:
стр. 645
قيل فلانٌ يَدَّعِي كَرَماً ... ورِفْعةً والزمانُ فيه غَلِطْ
فقلتُ مات الكِرامُ فهْو كمَنْ ... وَجَد البيتَ خالِياً فضَرَطْ
وله:
أمَوْلايَ كم من دُعاءٍ إلى ... نَداكَ دعاءَ مُلِحٍ مُلِظِّ
تَخِذْتُك كَهْفاً لِمَا أرْتجِي ... فما نِلْتُ منك سوى يومِ حَظِّي
وله:
وسحابٍ فيه بَرْقٌ ... بعُيونِ النَّوْرِ تُلْحَظْ
خِلْتُه لمَّا تَبَدَّى ... حَبَشِيّاً يتلَمّظْ
وله:
المَدُّ بعد الجَزْرِ قالوا إنه ... يأْتِي من البدرِ المُنِيرِ الطَّالِعِ
صَدَقُوا فبَدْرِي في مَطالِعِ حُسْنِهِ ... قد أوْرَثَ الأجْفانَ مَدَّ مَدامِعِي
وله:
إذا لم ألْقَ في أمْرِي شَفِيعاً ... فتَرْكِي ما أُرِيدُ أجَلُّ شَافِعْ
أأخْشَى ضِيقَ صَدْرٍ من لَئِيمٍ ... وصَدْرُ البِيدِ والطُّرُقاتِ واسعْ
وله:
لَعَمْرُك ما طال الوُقوفُ على الحِمَى ... لِحِيرةِ فكري من دُرُوسِ المَرابِعِ
ولكنْ تمَشَّتْ في ذَراهُ عُيونُنا ... تجُرُّ على الأطْلالِ ذَيْلَ المَدَامِعِ
وله:
تَواضَعْ تكنْ ممَّا يَشِينُك سالِماً ... فكم جَرَّ نَفْعاً لِلَّبِيبِ التَّواضُعُ
وللإسْمِ بالتَّصغير جَمْعُ سَلامةٍ ... وإن كان فيه قبلَ ذاك مَوانِعُ
وله:
أذْهَب نَقْدَ العمرِ حتى انْحنَى ... يطلُب في التُّرْبِ لِمَا ضَيَّعَا
كأنما نَكَّسَ رَأْساً له ... يُعاقِبُ القلبَ الذي ما وَعَى
وله:
قد انْحنَى الشيخُ لعُظْمِ الذي ... حُمِّلَ مِن ذَنْبٍ له قد سَعَى
كأنما سلَّم من فَرْحةٍ ... على رسولِ الموتِ إذ وَدَّعَا
وله:
مِيعادُك الفارغُ إن ساعَدَهُ ... قولهمُ مَن أجْدَبَ المَرْعَى انْتجَعْ
أشْفِقْ عليه كم كذا تجُرُّهُ ... ما بين يَأْسٍ زاجِرٍ لي وطَمَعْ
وله:
قالُوا المَنَامُ لم يزَلْ ... بكلِّ تَأْويلٍ يَقَعْ
على جَناحِ طائرٍ ... فهْو إذا قُصَّ وَقَعْ
وله:
أصْبَحْتُ في خَلَفٍ كجِلْدٍ أجْرَبِ ... وبِمُهْجتِي داءٌ دوائي ما ابْتَغَى
حَلِم الأدِيمُ فليس يُجْدِي دَبْغُه ... حتى يعودَ الْقارِظان فيُدْبَغَا
وله:
لمَّا رأَى القلبُ أهْوالَ الزمانِ وما ... في اليأْسِ مِن راحةٍ بعد الْعَنَا فَرَغَا
لم تُجْدِ شَكْوَايَ إلاَّ ذِلَّةً وعَنَا ... وليس أوَّلُ فَحْلِ أثْقَلُوا فَرَغَا
وله:
لا أطمعُ اليومَ وقد أصبحتْ ... للهِ عندي نِعَمٌ سَابِغَهْ
لِرَأْسِ أطْماعِي تَبِيتُ المُنَى ... تَدْهُنُ من قارورةٍ فارِغَهْ
وله:
فَدَيْتُك إن النفسَ تأْنَفُ أن تَرَى ... رجائيَ في باب امْرِىءٍ مُتكفِّفَا
وليس يتمُّ الجودُ للحُرِّ مُوسِراً ... إذا لم يكنْ في عُسْرِه مُتعَفِّفَا
وله:
أقول لِلَّهْوِ والصَّهباء قد مَنَعتْ ... صَفْواً على رَغْمِ أنْفٍ للخَلِيعِ عَفَا
أغاب إبْلِيسُ مِن هذا المُصابِ لنا ... ما ذاك إلاَّ لِطُولِ العمر قد خَرِفَا
وله:
أيْرٌ ككلْبِ الدارِ لمَّا جَنَى ... وصار في فِعْلِ الْخَنَا ذا شَغَفْ
يقُوم للطَّارِي عليه ولا ... يقومُ للإلْفِ الذي قد عَرَفْ
وله:
سقى اللهُ رَوضاً قد نَعِمْنا بظِلِّه ... ولا جارَ إلاّ نَهْرُه المُتدَفِّقُ
إذا ما تغنَّتْ وُرْقُه وطيورُه ... غَدتْ طَرَباً أيْدِي المِياهِ تُصَفِّقُ
وله:
قد شِبْتُ وعُمْرُ صَبْوتِي عن طَوْقِي ... ما شَبَّ وطِفْلُه بمَهْدِ الشَّوْقِ
في غُصْنِ نَقاً إذا بدا عُنْصُرُه ... في ماءِ مَشارِبِي حَلاَ في ذَوْقِي
وله:
стр. 646
مِن تحت هَمْزةِ صُدْغِه ألِفٌ ... مِن عارِضَيْهِ تملكَّتْ رِقي
عابُوه في حَلْقٍ لها عَبَثاً ... مع أنَّها من أحْرُفِ الحَلْقِ
وله:
هذه الدنيا مَمَرٌّ ... فيه للداخلِ طُرْقُ
ليس بيْن الموتِ في الأوْ ... طانِ والغُرْبةِ فَرْقُ
وله:
شُجاعٌ إذا قام في مَعْرَكٍ ... يزِيدُ اشْتعالاً لَدَيْه العِراكُ
فكم دَارِعٍ صادَه في الوغَى ... كأن الدُّرُوعَ عليه شِباكُ
وله:
لَعيدُ الزمانِ وعُرْسُ الفَلَكْ ... زمانُ كِرامٍ أضاءَ الحَلَكْ
وإن زَمَاناً به قد وَلِيتَ ... لما تَمَّ دهرٌ بِبَخْسِ الفَلَكْ
وله:
إذا لُحْتَ قالتْ عيونُ الورَى ... أَذَا مَلِكٌ طالِعٌ أم مَلَكْ
أرى زمناً كنتَ فيه العَمِي ... دَ عِرْسَ الكِرامِ وعيدَ الفَلَكْ
وله:
كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَي طَرِيقٌ لسالِكٍ ... إذا لم يكن يَرْضَ مُقاماً على ذُلِّ
فإن كنتُ مأكولاً فكُنْ خيرَ آكِلٍ ... ولا تنْتهِبْنِي نِهْبَةَ الذئب للسَّخْلِ
وله:
فَدَيْتُ دِياراً للأحِبَّةِ لم تَزَلْ ... على القلبِ للقلبِ المُتَيَّمِ مَنْزِلاَ
فليت تُراباً مَسَّها قَدَمٌ لهم ... أراه بأفْواهِ الجُفُونِ مُقَبَّلاَ
وله:
أمَلِي مُذ سَعى لِطُرْقِ المَعالي ... وله الحِرْصُ والغَناءُ دَلِيلُ
قال يَأْسِي له اسْتَرِحْ فهْي طُرْقٌ ... ما على المُحْسِنين فيها سَبِيلُ
وله:
يُعْلِي مَقامَ المرءِ خِفَّةُ ظِلِّهِ ... وترى الثَّقيلَ مُحَقَّراً مَمْلولاَ
أوَ ما ترى المِيزانَ يُرْفَع كلَّما ... قد خَفَّ فاحْذَرْ أن تكون ثَقِيلاَ
وله:
رأَى في طريقِ الرُّشْد شَبَّتْ بهامَتِي ... فأوْقَد فوق الرأسِ منِّي مَشَاعِلاَ
يخُطُّ به راءً لَدَى كلِّ شَعْرةٍ ... تُنَفِّر عني كلَّ مَن كان وَاصِلاَ
وله:
ناديْتُ وقد هَجَرْتُمُ يا ليلى ... مُذْ طُلْتِ هَدَدْتِ بالتَّجافِي حَيْلِي
والدَّمْعُ بمُقْلتي لِنَوْمِي أفْنَى ... والذَّنْبُ لنائمٍ بطُرْقِ السَّيْلِ
وله:
بجُودِه تغرق الآمالُ حين تَرَى ... مَوْجَ النَّدى سال في النَّادِي لِمن سَأَلاَ
له مَوائِدُ إحْسانٍ إذَا بُسِطتْ ... تدْعُو الثناءَ إليها دَعْوة الْجَفَلَى
دعوة الجفلى هي الدعوة العامة، يجفلون إليها، والنقري: خلافها، قال طرفة:
نحنُ في المَشْتاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فينا ينْتَقِرْ
وله:
أرى كلَّ ذي عَيْبٍ ونَقْصٍ لقد عَلاَ ... على كلِّ حُرٍ بالفضائلِ كُمِّلاَ
كذلك عاداتُ الزمانِ لأجْلِ ذا ... صفاتُ عُيوبِ الخلقِ في الوَزْنِ أفْعَلاَ
وله:
ما فتح الوردَ بَنانُ النَّدَى ... ولا نَسِيمٌ سَحَراً ناسِمُ
قراضةَ التِّبْرِ بِفِيهِ احْتَسَى ... فهْو لذا فَرِحٌ باسِمُ
وله:
قيل في اسْمِ السَّلامِ رُقْيَةُ رَاقٍ ... للأَفاعِي قد حَرّمْتها الأنامُ
وأنا قد رأيتُ رُقْيةَ فَقْرِي ... حين ألْقاكَ أن أقولَ السَّلامُ
وله:
إنِّي إذا ما الْهَمُّ وَافَى إلىَ ... مَضاجِعٍ شَرَّدَ عنها المَنَامْ
خَادعْتُ أيَّامِي بشُربِ الطِّلاَ ... فخِدْعَةُ الأيامِ شُرْبُ المُدامْ
وله:
مَن كان في الدهرِ له مَكْسَبٌ ... فلْيَجْعلِ العَقْلَ بَرِيدَ المَرامْ
لكلِّ شيءٍ صَنْعةٌ أُحْكِمتْ ... وصنْعةُ العقلِ اخْتيارُ الكرامْ
وله:
كُن لِمَا لا ترجُو أشَدَّ رَجاءً ... وارْجُ رَبَّاً للعالمين كَرِيمَا
إن مُوسَى راح يقْبِسُ ناراً ... كلَّم اللهَ رَبَّه تكْلِيمَا
وله:
стр. 647
قالوا الزمانُ غَدا قَصِيراً هل مَضَتْ ... بَرَكاتُه أوْ زادتِ الآلامُ
ما ذاك إلاَّ أنه قد فَرَّ مِن ... خَوفٍ وقد جارَتْ به الأحْكامُ
وله:
يتَبادَلان بِلاَ رِباً إذْ أحْكَمَا ... عِنْدَ المَحبَّةِ أيَّمَا إحْكامٍ
قُبَلٌ فَماً لِفَمٍ وصَبٌّ دائمٌ ... ما بَيْن ذَيْنِ كفَرْدَتَيْ بَنْكامِ
وله:
ومُولَّعٍ بالدَّبِّ كَيْ ... يسْرِقَ لَيْلاً خاتِمَا
وقد حكَى الطَّيْفَ فما ... يزُورُ إلاَّ نائما
وله:
أُغْلِقُ الجَفْنَ حين زار خَيالٌ ... منك كي لا يَفِرَّ من أجْفانِي
فيظُنُّ العَذُولُ أنَّ مَنامِي ... زَارَني والمنامُ ليس يَرَانِي
وله:
صَبرتُ لخَطْبِ زمانٍ دَهانِي ... وأفْنَى الَّلآلِي شَيْدُ والِي المَبانِي
فشَالَتْ نَعامتُهم بالرَّدَى ... وفَرَّخَ رُوعِي بوَكْرِ الجِنانِ
وله:
وكم فِتْيةٍ نَجَّيْتُ من نار فِتْنَةٍ ... وأنْقَذْتُهم من ظُلْمةِ الحَدَثانِ
أضاعُوا حُقوقِي ثم غُرُّوا بِذِلَّتِي ... كأنِّي لديْهم خالدُ بن سِنانِ
وله:
ولم أنْسَ إذْ أهدَى النَّسِيمُ تحيَّةً ... رقصَتْ لها طَرَباً غصونُ الْبَانِ
والسُّحْبُ قد نَسَجتَ رِداءً أدْكَناً ... والبَرْقُ مَكُّوكٌ من العِقْيانِ
وله:
مُذْ هَجَرْتُم هَجَر الطَّيْقُ ولِي ... نَاظِرٌ لم يَدْرِ ما طَعْمُ الوَسَنْ
في هَواكم ألِفَ الْحُزْنَ فلو ... لم يجدْه مات من فَرْطِ الْحَزَنْ
وله:
أيها السَّائلِي عن النومِ إنِّي ... لم أذُقْه من بعد ساعةِ بَيْنِي
أتَظُنُّ المَنامَ يدخُل جَفْنِي ... كيف هذا وحُسْنُه مِلءُ عَيْنِي
وله في معنى قول الحسن: من ركب الليل والنهارفإنه يسار به وإن كان مقيماً:
لا تَظُنَّنَّ ذَا حياةٍ مُقِيماً ... وهْو في رِحْلةٍ له بيَقِينِ
مَن مَطاياهُ ليلُه ونهارٌ ... سائرٌ للفناءِ في كلِّ حِينِ
وله:
إذا غبتَ يا شمسَ المكارمِ والنَّدَى ... وأظْلَمَ من أُفْقِ التَّواصُلِ هِجْرانُ
في كلِّ طَرْفٍ من خَيالِك صُورةٌ ... وفي كلِّ عَيْنٍ مثْلَما قيل إنْسانُ
وله:
العينُ تَوَدُّ في جميعِ الأزْمانْ ... لو تُبْصر طَرْفَه المريض الفَتَّانْ
تشْكو سُهْدَ النَّاعِساتِ الأجْفانْ ... فالنَّومُ كما يقال حَقّاً سُلْطانْ
وله:
قالوا لِيَ اصْبِرْ لفادِح الأحْزانِ ... فالحُزْنُ وما يَسُرُّ كلٌّ فَانِي
فارْقُبْ فَرَجاً فقُلتُ إنِّيَ أخْشَى ... يأْتي الفَرَجُ إليَّ لا يلْقانِي
وله:
زارَنا الوَرْدُ في أسَرِّ زَمانٍ ... فقَرَيْناه بابْنةِ الزَّرْجُونِ
وبُعَيْدَ الرَّبيعِ أطْفالُ نَوْرٍ ... لَعِبت والخيولُ قُضْبُ غُصونِ
وله مضمنا، فيمن علق على جبينه باقة نرجس:
على وَجْه من أحْبَبْتُ أبْصَرْتُ نَرْجِساً ... غدا بَاهِتاً يرْنُو له بعُيونِهِ
فيا حَبَّذا بلدرٌ بقلبِيَ نازلٌ ... كأنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقتْ في جَبِينِهِ
وله:
يا حابِسَ الكأسِ في يَدَيْهِ ... أنْعِمْ بِرَدٍ لِشارِبِيهَا
فَحَبْسُها في يدَيْك ظُلْمٌ ... شَيَّبَ رأسَ الحَبابِ فِيهَا
وله:
حُسْنُ لِباسِ الفتى يدُلُّ على ... مُروءَةٍ طَبْعُه بها زَاهِي
فبِزَّةُ المرءِ في تَجَمُّلِهِ ... عليْه عُنْوانُ نِعمةِ اللهِ
وله:
تَوَقَّ السُّؤالَ إذا ما حَجَجْتَ ... وفي جامعٍ تعْبدُ اللهَ فِيهِ
فمَن يسْألِ الناسَ عند الكريمِ ... سواءٌ لَديْه ومَن يشْتكِيهِ
وله:
لمَّا رأيتُ الوزيرَ بالدُّنْيَا ... أجْمَعِها قام وهْو حَاوِيهَا
стр. 648
عَرفتُ أن الدنيا تقومُ على ... قَرْنٍ لِثَوْرٍ بإذْن بَارِيهَا
وله:
مَدحْتُه يوماً فنِلْتُ الغِنَى ... بالوعدِ والإحْسانِ مِن فِيهِ
فقال لي لمَّا تَقاضَيْتُه ... كِذْبٌ بكِذْبٍ لا رِبَا فِيهِ
وله:
مَنْزِلٌ ضَيِّقٌ ولا حُسْنَ فيه ... غيرُ تَهْوِينِ ضِيقِ قَبْرٍ كَرِيهِ
مثل حَبْسِ الأرْحامِ مَن يَنْجُ منه ... ما رأيْناه قَطُّ يدخلُ فِيهِ
وله:
قدَّر اللهُ أن أعِيشَ فريداً ... في ديارٍ أُساقُ كَرْهاً إليْهَا
وبقلْبِي مُخَدَّراتُ مَعانٍ ... أُنْزِلَتْ آيةُ الحِجابِ عليْهَا
وله:
كلُّ الورى جُرْدٌ سَلُوقيَّةٌ ... لِصَيْدِ رِزْقٍ أبداً تَنْوِي
ووثْبةُ الأرْنَبِ كم خَلَّفتْ ... كَلْباً على حِرْمانِه يَعْوِي
وله:
مَوْلىً إذا ما جئْتُ أبْوابَهُ ... وفَضْلُه أصْبح لي دَاعِيَا
ظَلَّ أميرُ الشَّوْقِ لي آمِراً ... وحاجبُ الْهَيْبةِ لي ناهِيَا
وله:
أتَيْتُك يا مَوْلايَ أبْغِي زيارةً ... تسُرُّ على رَغْمِ الأعادِي الأمانِيَا
فإن كنتَ لم تُصْبِحْ لِيَ اليومَ آذِناً ... فقد أذِنَتْ لي هِمَّتِي بارْتِحالِيَا
وله:
دَارِ الْبَرِيَّةَ إن تُرِدْ ... شَرَفاً ودَعْ عنك الْحَيَا
إن الرِّياسةَ كاسْمِها ... فاسْمَعْ أوائِلُها رِيَا
ومن مفرداته التي أجراها مجرى الأمثال:
دَارِ الأنامَ صغيرَهم وكبيرَهم ... مَن لم يُدارِ المُشْطَ ينْتِفْ لِحْيَتَهْ
أرْسِلْ إذا أرْسلْتَ خِلاَّ حاذِقاً ... إنَّ الرسولَ تُرْجُمانُ العَقْلِ
يَطِيبُ عَيْشُ المرءِ في حَيِّهِ ... إن ترك التَّدْبيرَ والإخْتيارَا
مَن يتَّبِعْ رَأيَ الأمانِي ... لم يَنْجُ مِن مَطْلِ التَّوانِي
كفَى ناظِراً للعَبْدِ أنَّ عَدُوَّهُ ... يكون على حالٍ بها يَغْضَبُ الرَّبُّ
مَن يَزْنِ في حُلْمٍ يكُنْ جَزاؤُه ... في حُكْمِ أهل الشَّرْعِ يُجْلَد ظِلُّهُ
كلُّ الورى صائدٌ ولكنْ ... يختلفُ الفَخُّ والشِّباكًُ
البَيْعُ بالنَّقْدِ خيرٌ ... وأوَّلُ السَّوْمِ رِبْحُ
كم ناصحٍ وصَف الطريقَ لِمُدلِجٍ ... ويَنامُ عن سَنَنِ الطَّريقِ الواضِحِ
ومن يقعُدْ على طُرُقِ الْقوافِي ... تَمُرُّ عليه قافيةُ الهِجاءِ
لا تكُن مُمْسِكاً حَبابَ رَجاءٍ ... فالأمانِي بَضَائِعُ الْحَمْقَى
ولا خيرَ في مُلْكٍ بغيرِ مُدَبِّرٍ ... تفرَّقت الأغنامُ إذْ ذَهَب الرَّاعِي
تَسْبيحُ عِلْقٍ زارَهُ لائِطٌ ... أبْرَدُ أم سَجَّادةُ الزَّانِيَهْ
كلُّ مَن قَصَّر عَمَّا ... نالَه الناسُ يَعِيبُهْ
ما يطلُب المرءُ بغيرِ حاجةٍ ... تدعُو إليها الحالُ فَقْرٌ حاضِرُ
بلُحومِ الأنامِ مَن يتغَذَّى ... ذاق جُوعاً من النَّدَى والمَعالِي
إذا ما تَّيسعَ الخَرْقُ ... فأعْطِ الثَّوبَ رَافِيهِ
يروغُ في مِشْيةٍ ثَعْلَبٌ ... ولو مَشى في رَبَضٍ خَالِي
إن لم يكُنْ في منزلٍ مُؤْنِسٌ ... ما الفَرْقُ بين البيتِ والقَبْرِ
أيها النَّافخُ يبْغِي أنَّه ... يُطْفِىءُ الشمسَ لقد أتْعَبْتَ فَاكَا
لسانُ كلِّ عاقلٍ في قلبِه ... وقلبُ كلِّ جاهلٍ في فِيهِ
إن نصَحْتَ الصديقَ فانْصَحْه سِرّاً ... كلُّ نُصْحٍ بين المَلاَ تَقْرِيعُ
يا مَن سقَى مِن حَنْظَل عَسَلاً ... أرَقْتَ في غيرِ طائلٍ عَسَلَكْ
стр. 649
مَن صحِب الدهرَ طُولَ عُمْرِهْ ... لم يَخْلُ من خَيْرِه وشَرِّهْ
إذا كنتَ في بَلْدِةٍ لم تُرِدْ ... مُقامَك فيها فأنتَ الأسيرُ
مَن لا له حَبِيبُ ... فإنَّه غَرِيبُ
خيرُ السِّلاح ما وَقَى ... إن الرشادَ في التُّقَى
إنما أشْتَهي لقاءَ حَبِيبٍ ... أو لبيبٍ يشْفي الفؤادَ كلامُهْ
قيل لا جُهْدَ بَلاءٍ نازلٍ ... مثلُ جارِ السُّوءِ في دارِ المُقامَهْ
مَن يُهْدِ للناسِ ثمارَ الغنَى ... أهْدَوْا إليه ثَمَرَ الشكرِ
إنَّ رِضَا المرءِ على نفسِهِ ... دليلُ سُخْطِ الخَلْقِ والخالقِ
وإذا ما كنتَ يوماً مُخْطِئاً ... فاعْتِرافٌ بالْخَطَا عَيْنُ الرِّضَأ
ربما كان سارقانِ على المْا ... لِ حَفِيظانِ مثلَ رَبِّ المْالِ
مِن أفضلِ التَّصدُّقاتِ بِرَّا ... جُهْدُ مُقِلٍ لفقِيرٍ سَرَّا
لقد قيل إن الكبرَ والعُجْبَ مِحْنَةٌ ... وذاك بَلاءٌ ليس يرحمُ صاحِبَهْ
إذا جاد لْلقوم رَبُّ الطعام ... فماذا يكونُ امْتنانُ الطُّفَيْلِي
قل لِمَن في الخيْر أبْدَى جُهْدَهُ ... الضِّمارُ اليومَ والسَّبْقُ غَدَا
إن لم يكنْ بين القلوبِ تجاوُزٌ ... كان الجِوارُ قَرَابةَ الْحِيطانِ
لا تَصْحبنْ إلاَّ امْرَءاً عاقلاً ... ينفع في الدنيا وفي الآخِرهْ
رحم الله صاحباً لِيَ أهْدَى ... عَيْبَ نَفْسي قد كنتُ لستُ أَراهُ
ومن نوادره منظومته في الأمثال، سماها ريحانة الندمان.
منها:
مَن ينتسِبْ إلى العظيمِ عُظِّمَا ... فالْجَأْ إلى اللهِ تكُن مُكَرَّمَا
تُصانُ عن كَسْرٍ وعن إمَالَهْ ... مُجاوِراً سَعْداً وخيرَ حَالَهْ
ورُبّما يُكْسَر لْلجوارِ ... ويُؤْخَذُ الجارُ بظُلْمِ الْجارِ
في زمن فيه الفُحولُ صَرْعَى ... اسْتَنَّنتِ الفِصالُ حَتَّى القَرْعَى
خُذْ عِظةً من الزمانِ كم وَعَظْ ... إن السعيدَ مَنْ بغيرهِ اتَّعظْ
ليس الغَنِي إلاَّ إذا صَفَا الكَدَرْ ... هل ينظُر الغَرِيقُ في البحرِ الدُّرَرْ
فامْدَدْ على قَدْرِ الكِساءِ رِجْلَكَا ... واقْطَعْ على طُولِ القَوامِ ثَوْبَكَا
قد مات أمْسِ وتقَضَّى أمَدُهْ ... واليومُ في النَّزْع ولم يُولَدْ غَدُهْ
اتْرُكْ فتىً أخلاقُه أخْلاقُ ... دَواءُ ما لا تشْتهي الفِراقُ
كم آلِفٍ مَن لم يكُنْ قَرِينَهْ ... ضَرورةً كصُحْبةِ السَّفِينَهْ
مَن خطب الشَرَّ تزوَّج النَّدَمْ ... ويسْتوِي منه الوجودُ والعَدَمْ
مَن يزْرع العِتابَ يَحْصُدِ الفِراقْ ... وغِيرةُ الْحَمْقاءِ مِفْتاحُ الطَّلاقْ
كم زارع لراقدٍ قد أكَلاَ ... ومُوقدٍ ناراً وغيرُه اصْطَلى
مَنْ مَوْتُه عِتْقٌ من الآفاتِ ... فلْيُؤْثِرِ الموتَ على الحياةِ
ما الخَطْبُ إلاّ للجَلِيلِ طارِقُ ... مِن الأعالي تنزلُ الصَّواعِقُ
مَن لا يَقِيكَ غائباً أُذْناهُ ... ليس تَراكَ شاهداً عَيْناهُ
وَسِّعْ عليك كلَّ شيءٍ يتَّسِعْ ... فإنه مَن صَارعَ الدنيا صُرِعَ
قد يُنبِىءُ اللفظُ عن الضَّميرِ ... واللَّحْظُ عن لَفْظٍ بلا تَعْبِيرِ
مَن نَفْسُه لِذلَّةٍ تُسلِّمُهْ ... لا أكْرَم الرحمنُ مَ، يُكَرِّمُهْ
стр. 650
رِضَا الأنامِ غايةٌ لا تُدْرَكُ ... أرْضِ الإله للسَّدادِ تَمْلِكُ
إنَّ اقْتنَاءَ المجدِ والمَناقِبِ ... تكونُ في الصبرِ على العَواقِبِ
إنَّ المِزاح مُلْقِحُ الأضْغانِ ... وكاسِفٌ مَهابةَ الإنْسانِ
فَضْلُ الأيادِي في النَّدَى قُروضُ ... ووُدُّها في شَرْعِه فُروض
لا يعدَمُ الكريمُ أن لا يُحْسَدَا ... والمالُ مَكذوبٌ عليه أبَدَا
إذا تَلاقَى الخطْب والأقْدارُ ... يصْطلِحُ الغَرِيقُ والتَّيَّارُ
يَتْعب مَن يُجاوِرُ الأعْلَى المَحَلَّ ... أما تَرَى الْخَصْرَ النَّحِيلَ والكَفَلْ
ورُبَّ شِرِّيرٍ لِقَومٍ يُصْلِحُ ... إنَّ الحديدَ بالحديدِ يُفْلَحُ
إنَّ الجبانَ حَتْفُه مِن فوقِه ... والثَّوْرُ يحمى أنفَه برَوْقِهِ
لا يتْركُ الحزْمَ اللبيبُ الأكْيَسُ ... أن تَرِدَ الماءَ بماءٍ أكْيَسُ
والْحِرْصُ في كلِّ زمانٍ عانِي ... والحِرْصُ والحِرْمانُ تَوْءَمانِ
شَيبُ الشُّعورِ زُهْرُ النُّجومِ ... تُنْبِتُه غمائمُ الغُمُومِ
إن لم يجُدْ بوَصْلِه الحبيبُ ... اصْطَلح العاشقُ والرَّقيبُ
أعْطِ أخاك إن قَدَرْتَ تَمْرَهْ ... فإن أبى قبولَها فَجَمْرَهْ
تُؤدِّب الأشْرافُ بالهجْرانِ ... ولم تُؤدِّبْ قطُّ بالحرْمانش
لا تصْحبِ المجْدُودَ بعد الْياسِ ... فرُبَّما أعْداك بالإفْلاسِ
السادات البكرية سادات الوجود، وأولياء النعم الذين عرفوا بالكرم والجود.
بيتٌ كبيت العتيق يزوره من لبى وأحرم، ومن نال لثم عتبة بابه فقد ظفر بالحجر المكرم.
ثبتت أوتاده وأطناهب، ووصلت بأسباب السماء أسبابه.
لا زحاف فيه إلا في بيوت حساده، ولا يطأ إلا على رقاب أضداده.
حرمٌ آمن ليس للحوادث عليه هجوم، ولا لشياطين البغي فيه استراقٌ فلذا تستريح شهبه من الرجوم.
فهو نور الكون قبل أن يخلق النيران، وقطب الدائرة قبل أن تؤمر الأفلاك بالدوران.
خالصة الله من عباده أهل الصلاح، وتراب نعالهم كحلٌ لعيون أهل الفلاح.
ما منهم إلا فتىً لثوب العز ساحب، وللوقار من الصبا مصاحب، فإذا استوى على كرسيه فملكٌ عليه من المهابة قبل الحاجب حاجب.
بحاارٌ ظمت وعلت القلل متعهدة صوب العهاد، فتوارت البحار خجلاً منها في منخفض الوهاد.
ففي جيد الدهر من مدائحهم عقودٌ وقلائد، ليس إلا كلماتها شذرات وقوافيها فوائد.
فمنهم: أحمد بن زين العابدين شهاب أفقهم الثاقب، الكثير المآثر والمناقب.
رايات مشاهده على الآفاق مجلوة، وآياتٌ محامده بألسنة الإطلاق متلوة.
فما فتحت المحابر أفواهها إلا لتنطق ألسنة الأقلام بما مدحته به الأنام، ولا حبر الحبر بياض العطروس بسواد السطور إلا ليشير إلى أن من جملة خدمه الليالي والأيام.
إذا بدا للعيون أدهشها عن التملي حجابه المنيع، وإذا قابله الورد احمرت خدوده إذ أخجل الروض منه الصنيع.
وقد عودته بسط الكف فواصله، فلو أراد قبضها لم تجبه أنامله.
محاسن شيمه خلفها المعالي تسير، ومواطىء هممه كف الثريا إليها تشير.
وإذا رقَى نَجْدَ المعالِي وَاطِئاً ... ثَهْلان مَجْدٍ في ذَرَاهُ فارِعَا
لم يَحْكِه شَرَفاً ولا ظِلٌّ له ... فلذا يُعَفِّر منه خَدَّا ضَارِعَا
وكان يسير سيل الملوك، ويقلد من الترفة بأزهى السلوك.
في عزةٍ أشهر من مثل، وعن الملوك فلا تسل.
وقد ولي قضاء مكة فانضم إلى كعبتها كعبة، وبسط يده في المواهب حتى صير كعباً لا يبلغ في الجود كعبه.
فلا ينتهي من محمدةٍ حتى تكل الخواطر، ولا يرجع عن مأثرةٍ حتى تنقطع عن السير المطي الخواطر.
وهو في الأدب روض توشى ببرده الأخضر من نباته، ونظم النوار قلائده من جيد الجداول في لباته.
стр. 651
وله أشعارٌ أنسق من لؤلؤ المزن في فم الأقاح، وأعبق من عبير ورد الخدود والتفاح.
فدونك منها ما يسحب به الأدب ذيولا، وتأمن زهرات رونقه تغيراً وذبولا.
فمنه قوله:
صَبٌّ جَفاهُ هجُوعُه ... والآن زاد وُلُوعُهُ
كتمَ الهوَى عن قَوْمِهِ ... فوَشَتْ عليه دُموعُهُ
قالوا الحبيبُ مُمََّنعٌ ... أحْلَى الهوى مَمْنُوعُهُ
لو ذاق رَضْوَى بعضَ ما ... يَلْقَى لَذابَ جميعُهُ
فهو القتيلُ بحُبِّه ... مُلْقَى الغرامِ صَرِيعُهُ
شيخُ الهوى بل كَهْلُه ... بل طِفْلُه ورَضِيعُهُ
وقوله:
وحَقِّ حُمْرةِ خَدٍ ... تُثِير بالقلبِ حُمْرَهْ
تُطْفي لخَمْرةِ ثَغْرٍ ... بيْضاء في الكأسِ خُمرَهْ
تجْلل لخَمْرةِ فضلٍ ... تُزِيلُ بالشُّرْبِ خَمْرَهْ
ومن ألغازه:
غَزالةٌ في بُرْدِها رافِلَهْ ... تقْتنِصُ الأُسْدَ مِن القافلَهْ
في حَرَمِ الأمْنِ وقد خِلتُها ... قائمةً بالفَرْضِ وبالنَّافِلَهْ
قلتُ لها: رِقِّي، فقالت لِمَنْ ... كأنها عن مَطْلَبِي غافِلَهْ
ثم انْثَنتْ تُلْغِز لي باسْمِها ... لُغْزاً به أفكارُنا كافِلَهْ
ما اسمٌ خُماسِيٌّ وتصْحِيفُه ... شِبْهُ بُدورٍ لم تكنْ آفِلَهْ
في سُنَّةِ المُختارِ خيرِ الورى ... بَيانُه وهْي له شامِلَهْ
في سِنَةٍ نَبَّهَ مُسْتيقِظاً ... وإن تَشَا في سَنَةٍ كامِلَهْ
ومن نثره جواب لغزٍ في حوراء: أجدت أيها الجهبذ الهمام، وحليت بجواهر زواهر الدرر أجياد الكرام.
واستجليت على منصة فكرتك حوراء الجنان، واستخليت بها في المقاصير الحسان.
فافتر ثغر حنكها للقياك، وروت لك رواية بشرٍ عن الضحاك.
فصابح الله صباحة وجهك بوجهها الحسن، ولا زالت تخدمك المعالي بأنضر فنن.
وله في أشهب، كتبه إلى ابن عمه الوارثي، وكان مالكياً: ما علمٌ مفرد مركب، وضع لحيوانٍ يركب؟ إن رفعت رأس زمامه، دل على اسم جمعٍ ناريٍ في التزامه.
وإن أتيت برأسه إلى أقدامه، فاستعذ بالله من سهامه.
مع أنه على حقيقة الانفراد، إمامٌ تزيد فيه اعتقاد.
وتقتدي بأمره ونهيه وعدله، وقد أقر العلماء بفضله.
خصوصاً أهل مذهبكم الشريف، ولا يحتاج إلى تعريف.
وله جواب لغزٍ أرسله إليه الوارثي: بقيت أيها العلامة المصون بلفظ الخالق، تكتحل بإثمد مدادك المكنون عيون الحقائق.
وتسعى لديك جواريها جارية ولو جازت قصبات السبق، مطيعةً لأمرك في حالها وماضيها ومضارعها لاستقبال الحق.
ينتظم منثورها لديك انتظام العقود، ويتشعب أريضها تشعب المغايرة في منهلها المورود.
لأنك الفرد الذي زاد الله شرفه، ورقى في مراقي الكمال شرفه.
وكتب إليه: ما قولكم في حرامٍ ورد بالنص، وهو حلالٌ لكل شخص.
ومن أعجب العجاب، أن تفتخ به أولو الألباب.
نزلت في شأنه آياتٌ بينات، وأقيم بوجه الحرمة فيه دلائل واضحات.
ولا حد على من قال بحله، مع أن حده ثابتٌ بصحيح نقله.
شهدت بتحريمه علماء الملل، واعترفوا بالحل ولا زلل.
إن حذفت آخره تراه من الأوتاد، ويطلبه الزهاد والعباد.
فأجابه بقوله:
دُمْتَ مولايَ بالمَعارِفِ تُولِي ... صَحْبَك الفضلَ في بديعِ الكلامِ
وعجيبٌ في النَّصِّ شيءٌ حَرامٌ ... وهو حِلٌّ وواجِبٌ في الحَرَامِ
وهو في الْحَدِّ قائمٌ حيث يَحْمِي ... كلَّ مَن جاءَه لِحْفظِ الذِّمامِ
هو بالنَّصِّ جائزٌ وحَرامٌ ... بل وحَاوٍ لسائِرِ الأحْكامِ
وهو أيْضاً حقيقةٌ ومَجازٌ ... وطريقٌ لَنْيلْ كلِّ مَرامِ
فيه أيضاً ثَوابُ سَاعٍ إليهِ ... بل وفيه وَسِيلةُ الإسْلامِ
هَبْكَ بالقلْبِ تُخْلِصُ الوُدَّ فيه ... هو نزْرٌ فيما له من مُقامِ
أخوه: الأستاذ محمد صاحب الحال والقال، ومن أعجز بوصفه فصحاء المقال.
стр. 652
فهو معدن الفضل الذي خلص عياره، وبحر العلم الذي لا يقتحم بسفن الأفكار تياره.
خلق كما أرادته معاليه، وتمنته أيامه ولياليه.
فلو صور نفسه في الوجود، لم يزْدها على ما فيه من الكرم والجود.
فاشتهر شهرة الفجر الصادق في الظلام، وجده أبي بكر الصديق في أهل الإسلام.
وهو خليفة الذي أسرع الأجواد لمحالفته ولم يستقم أمر خلافته مع مخالفته.
فما انقطعت الأقلام في خدمة باريها إلا طمعاً في جنات مدحه فواظبت على الخمس، ولا رأى الهلال ما في نفسه من العوج إلا قال اعتذاراً له من أين لي وصولٌ إلى مطلع الشمس.
على أن رأس الشمس شاب لانتظاره، والأنجم كلها مقلٌ منتظرةً لمحةً من أنظاره.
وكان له نوادٍ غاصة، ومجالس عامة وخاصة.
يستخلص فيها من رقت طباعه، وامتد فيما يليق بمكالمته باعه.
فيصفي ألبابهم بمحصول خيره، ويسكن قلوبهم بيمن طيره، ويغنيهم ما عاشوا عن مخالطة غيره.
في حضرةٍ تستنطق محاسنها الخرس، ونازلها متهيءٌ من موسمٍ إلى عرس.
يتنسم في الطلوع والعبو عن عبير، ويثني المعاطف من الحبور في حبير.
الرَّوضُ ما قد قِيلَ في أيَّامِه ... لا أنَّه وَرْدٌ ولا نَسْرِينُ
والمِسْكُ ما لَثَم الثَّرَى مِن ذِكْرِهِ ... لا أنَّ كلَّ قَرارةٍ دَارِينُ
فامتلأت أرجاء الوجود بأرج صفاته الملكية، وخضعت الصناديد الصيد لعتبة عزه الملكية.
وشدت فحول الرجال، نحو سدته الرحال، وكحلت بثراه أعينها بلا منة الكحل والكحال.
وأصبح للآمال ركناً ركيناً، وكهفاً تأوي إليه العفاة مسكينا.
في خِلْعةِ الزَّاهِي لِمَن شامَهُ ... صَحِيفَةٌ عُنْوانُها البِشْرُ
بطَلْعةٍ تمتْلِي العَيْنُ مِن ... إجْلالِها والقلبُ والصدرُ
وكان في الأدب ممن سلم له المقاد، وله شعرٌ سلم من النقد فإن قائله أنقد النقاد.
إذا ما قال شِعْراً تَاهَ عُجْباً ... به بين الخَلِيقةِ كلُّ شِعْرِ
ولِلأْقلامِ كم قَصَباتِ سَبْقٍ ... حَواها في الرِّهان بيَوْمِ فَخْرِ
فلم تُدْرِكْ غُباراً منه عَيْنٌ ... ولم تَلْحَقْ به خَطَواتُ فِكْرِ
فمن شعره قوله، من قصيدة أرسلها إلى شيخ الإسلام يحيى المنقاري، أولها:
أمِسْكيَّةُ الأنْفاسِ أم عَبْقَةُ النَّدِّ ... وناسِمةُ الأزْهارِ أم نَفْحَةُ الوَرْدِ
ونَشْوانةُ الألْحاظِ أم رِئْم حاجِرٍوثَغْرُ الْقَوافِي الزُّهْرِ أم لُؤْلُؤُ العِقْدِ
ومائِسَةُ الأعْطافِ أم خُوطُ بَانَةٍ ... ووَجْهُ الذي أهْواهُ أم قَمَرُ السَّعْدِ
أعَزُّ بني الْعَلْياءِ قَدْراً ورِفْعةً ... ومَن فرَعَ الشَّمَّاءَ مِن رُتْبةِ المَجْدِ
ومُقْتَعِدٌ مِن صَهْوةِ المجدِ سَابِقاً ... إذا ما دَنَا حَدُّ المُطَهَّمةِ الْجُرْدِ
ومُعْتقِلٌ لِلْعِزِّ صَعْدَة عَزْمِةٍ ... أنَابِيبُها رَعَّافةٌ بِدَمِ الأُسْدِ
ومُرْسِلُ أرْسالِ العَطايَا مُبارِياً ... بأيْسَرَها وُطْفَ الغمائِم في الرِّفْدِ
أيا مُفْتِيَ السُّلْطانِ إنَّك واحدٌ ... كَمالاً وهذا لستُ أشْهدُه وَحْدِي
وأنت ومَ يَهْواك في ذِرْوةِ الْعُلَى ... بفَخْرٍ ومن يَشْناكَ في وَهْدةِ الطَّرْدِ
وإنَّك والرحمنِ حِلْفَةَ صَادِقٍ ... لأمْثَلُ مَن أُهْدِي له دُرَرَ الْحَمْدِ
فلا زال أهْل العلمِ يَحْيا بفَرْعِكُم ... بفْضلِ إلهٍ فَيْضُه زادَ عن حَدِّ
رعَى اللهُ أيَّاماً مَضَيْنَ كأنَّنا ... بها قد غَنِمْنا العَيْشَ في جَنَّةِ الخُلْدِ
تولَّيْتَ فيها مصرَ تُوسِعُ أهْلَها ... نَوالاً يفُوق النِّيل في وَاسِعِ المَدِّ
وعَزَّزْتَ فيها الشَّرْعَ آيةَ عِزَّةٍ ... بحَدِّ حُسامٍ سُلَّ بالعِزِّ عن حَدِّ
فيا مَن له وُدِّي من الناسِ كُلِّهم ... ومَن هو لي من بَيْنهم غايةُ القَصْدِ
стр. 653
ومَن صِرْتُ في مَدْحِي عُلاهُ كأنَّني ... حَمامةُ جَرْعَا فَوْق مَيَّالَةِ المُلْدِ
على أنَّني ما فُهْتُ يوماً لِماجِدٍ ... سِواه بشِعْرٍ لا بقُرْبٍ ولا بُعْدِ
ولكنْ دَعانِي الشَّوقُ لَبَّيْتُ دَاعِياً ... وهذا وما أُخْفِيه بعضُ الذي أُبْدِي
ألِيَّةَ مَحْنِيِّ الضُّلوعِ على الأَسَى ... تَحارُ الأُسَا فيما بَراهُ مِن الوَجْدِ
له زَفَراتٌ من فؤادٍ تضرَّمَتْ ... بها نارُ شَوْقٍ دُونَها النارُ في الوَقْدِ
لأَنْت الذي ما حَلَّ في القلبِ غيرُه ... ولا حَال حالِي فيه عن ذلك الْعَهْدِ
ولم تَرَ عَيْنِي مثلَه بَعْدَه وهل ... يَمِيلُ إلى غَوْرٍ فتىً عاش في نَجْدِ
وأعقبها بنثرٍ، صورته: اللهم إني أسألك بأسرار التنزيل التي فاقت البحر والنهر، ويسرت بمعالم تنزيلها المدارك لتسهيل السبيل كل سؤدد وفخر.
وقضيت بكشف معارفها عن كشاف عوارفها لمن أصبح عادلاً وابن عادل، فما أفتى مفتٍ إلا وانفهق من من قلبه ينبوع الحياة وحصل منه الكمال بكمال الفضائل.
وما أعرب عما أغرب بباسقات تبيانه إلا وكان الدر المنثور، وما أطنب بكل كلامٍ أطيب إلا بفتح الرحمن الكفيل له بتيسير الأمور.
أن تمد حضرة مولانا شيخ الإسلام، الذي أحيى الله تعالى بوجوده مآثر العلماء الأعلام.
نخبة أرباب العلوم، والمحلى لجيد الدهر بقلائد المنثور والمنظوم.
صاحب المقامات الحسنة في ترغيبه وترهيبه من فعله الحسن، بادي الإرشاد بتنبيه الغافلين فيما ظهر وبطن.
فالدرر المنيرة من مواهبه اللدنية، المتفق عند الثقاة على دلائله منهاج التوضيح من فتح رب البرية.
ما اختلف في فضله اثنان، بل ائتلف على حبه كل إنسان.
مرسل أوصافه مسلسلٌ بكل كمال، وحديث أفضاله متصلٌ بالخبر في الغدو والآصال.
ضياء مشكاة أفكاره مشارق الأنوار، ومصابيح آرائه مضيئةٌ بالعشي والإبكار، بتنوير الأبصار والبصائر، المختار من خلاصة أهل العناية فلا أشباه له ولا نظائر.
فالدر والغرر من كنز بحر علمه الرائق، الجامع المحيط بما يقصر عنه نهر الحقائق.
الحائز من البداية أسرار الهداية، صدر الشريعة منشرحٌ بنقاية الوقاية وغاية النهاية.
تنقيح عباراته يبدي درر بحاره، وتوضيح تلويح إشاراته يهدي إلى الإسعاف بمنتقى اللطائف.
مجمع بحري العلم والعمل، ورمز الحقائق الموصل إلى خزانة الفقه بفيض الأزل.
فجامع الفتاوى يضيء من جوهره لبه المنير، وفتاوى ابن نجيمٍ من بياته برسم بنانه الكاشف عن سرة السرير.
منار الدين وصاحب الاستقصاء لفصول البدائع، بحر الأصول في المعقول والمنقول بل جمع الجوامع.
منهاجه قويم، ونهجه مستقيم.
وكيف لا وهو العضد وحاوي التحرير، أبكار أفكاره المستقصر من لب اللباب عند كل خبير.
فالنقود والردود من أبحاثه حاصله، ومرقاة الوصول لذي الأصول واصلة.
صاحب التمهيد والتجريد بالهداية إلى مواقف المقاصد، والمقامات العلية في آداب البحث لذوي العقائد.
فكم له من محاوراتٍ يحصل بها الشفا، لبيان حكمة العين ممن كان في غموضها على شفا.
قوي الطالع سامي العماد، سيدٌ في مطالع السعد على أولي الطوالع الأمجاد.
له المحاكمات الشمسية في تهذيب جميل الفرائد، المنتظمة في سلك تقرير الملخص للفوائد.
ذي المناهج الوافية بتحفة المودود، وطالع نظام السعد الذي هو أسنى المطالب في تحقيق المقصود.
عباراته الشافية مراح الأرواح، المشرقة بسناء الإيجاز التعريف الفائض للمصباح عز الموالي فالمنسوب إليه عزي الأفاضل، الآتي بما لم تأت به الأوائل.
لا غرو أنه مغني اللبيب، وتحفة الغريب.
ألفاظه الكافية في تسهيل الصلاة والعوائد، وموارده الصافية لكل وارد لتحصيل خلاصة القواعد.
ما قطر الندى إلا من بحر علمه البسيط، وجمع جوامع فوائده وافٍ محيط.
المنهل العذب لوارديه، والكافي الشافي لمريدي الارتشاف وطالبيه.
عصام الدنيا والدين، فوائده الضيائية عمدة أهل التمكين.
مجيب الندا لراجي همع عوارفه، ومجلي ظلمات الردى بإشراق نجمه السعيد في سماء معارفه.
عين أنموذج الكمالات، فكم أبدى كل ملحةٍ من عباب فكره الجامع لأشتات المكرمات.
стр. 654
عرائس أبار معانيه متحلية بشذور الذهب الخالص، المفضل بالدر النفيس الذي هو بعض ما فيه من الخصائص.
فما عقود الجمان لعروس الأفراح إلا كالمثل السائر، وما مصاح الإصباح على زهر الربيع إلا دون أسرار بلاغته في الضياء لكل ناظر.
فكل مطولٍ أو أطول في بيان فضائله مختصر، ودلائل شمائله لائحةٌ لكل منشٍ أراد الإطناب في مدحه البديع فاقتصر.
فما كل فصيحٍ وإن نطق بلسان العرب، وارتقى بمحاسن الصفات وتهذيب الأسماء واللغات أعلى مراتب الأدب، إلا قطرةٌ من عبابها الذي ليس له نهاية، وشذرةٌ من عقد صحاحها الجوهري اللامع سناؤه لأبصار ذوي الفضل والدراية.
ومجمل القول فيه أنه عين أرباب الفضائل، وتاج مصادر العرفان وصدر الأفاضل.
لا زال صاحب الحماسة والسماحة، وقوله المغرب في نقد الشعر المطرب مرجعاً لأهل البلاغة والفصاحة.
أما بعد؛ فإن الله تعالى لما علم ما وهبكم من الكمالات السنية، واختار لكم من المقامات الزكية، خالط أرواح العلماء بمحبتكم، وجعل قوام أمزجتها مزيد مودتكم، حتى لقد كادت أشباحهم تسابق النسور إلى أعتاب عزتكم.
خدمةً ومحبةً، وتوجهات قلوبهم لم تزل ملازمةً لأبواب سعادتكم شغفاً ورغبة.
وعند المحب بما يعلم الله تعالى من الشوق، ما هو فوق الطوق.
ما هبت شمالٌ وصبا، إلا مال إليها وصبا.
على أن ملاك هذا الأمر كله سر التوالف بالعوارف المؤكدة، المشار إليها بقوله ﷺ : " الأرواح جنودٌ مجندة ".
ولده زين العابدين هذا الأستاذ في العباد، كمصر حرسها الله تعالى في البلاد.
فكما هي محتويةٌ على العالم الأكثر، فهو وله الفضل منطوٍ على العالم الأكبر.
وإذا حققت فما هي إلا عبارةٌ عن ناديه، وما أصابع نيلها إلا من فضل أياديه.
محامده تخلدها أقلام الأقدار، بمداد الليل في قرطاس النهار.
وترسمها حداة القطار، في مسالك الأقطار، وبتذهيب الأسفار.
وزمانه هدية الفلك، ولطفه ينبىء عن خلق الملك.
وناديه فائدة كل فؤاد، وجاره أمنع من جار أبي دؤاد.
ألسنة الثناء بفضله منطلقة، وأيدي الرجاء بحبله معتلقة.
وأياديه لا تزال تنشىء غض الأمل المقتبل، وأياديه عاليةٌ على الأيدي فلم يعلها من شيء إلا القبل.
فما قبلت له الأفواه كفاً، إلا لرؤيتها بحراً تطلب منه رشفا.
سقى اللهُ بَحْراً منه بالنَّيْل لم يزَلْ ... يَفِيضُ لِرَاجِيةِ نَدىً ورَغائِبَا
وحَيَّي زماناً فيه غُرَّةُ وَجْهِه ... تَحيَّةَ صَوْبِ المُزْنِ يَرْوِي السَّحائبَا
وكان قبل أن يشرف الشام بحلول قدمه، ويحييها بيمن طالعه الذي أضحت سعود الفلك من جملة خدمه.
لم تزل أخباره حظ القلوب والمسامع، وآثاره حلية الأفواه ورونق المجامع.
فتشتاق النفوس إليه شوقه لإسداء الجميل، وتشتهي لقاه شهوته سبق عطائه التأميل.
إلى أن عزم على زيارة القدس الشريف، وحلها فكسا بقاعها حلة الابتهاج والتشريف.
ثم عن له النهوض إلى دمشق لرؤية معاهدها، والتملي حيناً بمشاهدة مشاهدها.
فجرت بهذا العزم ذيل الفرح، وتسربلت برداء الجذل والمرح.
وودت أن يركب النجم السيار، ويمتطي الفلك الدوار.
لتقرب حركته، وتعود عليها وعلى أهلها بركته.
فابتدرت الفصحاء من أهاليها، تخطبه بفرائد الآثار من لآليها.
وكنت ممن تطفل باستدعائه، وفكره مصروفٌ إلى ثنائه ودعائه.
فكتبت إليه، أسبغ الله نعمه عليه:
أوْرَتْ يدُ البَرْقِ في الرُّبَى زَنْدَا ... فَمِجْمَرُ النَّوْرِ ضوَّع النَّدَّا
ونام مِن نَبْتِها رَضِيعُ نَدَى ... تهُزُّ أيْدِي الصَّبا له مَهْدَا
والطَّلُ في زَهْرةٍ يُضاحِكُها ... لآلِىءُ ضِمْنَ مُدْهَنٍ يَنْدَى
وجدولُ الماءِ في مُفاضَتِهِ ... قد سَردتْ دِرْعَه الصَّبا سَرْدَا
وما أرتْنا الجِنانُ حُلَّتَها ... حتى أرتْنا في جِيدِها عِقْدَا
فحبَّذا طَلْعةُ الربيع وقد ... ألْبَست الأرضَ وَشْيَها بُرْدَا
وحبَّذا الشامُ أرضَ مُؤْتلَفٍ ... تُنْبِتُ حُبَّ القلوب والوُدَّا
стр. 655
إن أهْدَتِ الوردَ زَاهياً خَدّاً ... أطْلَعتِ البَانَ مائِساً قَدَّا
من كلِّ قَيْدِ العيونِ مُمْتلِىءٍ ... لُطْفاً عن النَّدِّ حُسْنُه نَدَّا
ترْتَع منه الأحْداقُ في نُزَهٍ ... لا يبلُغُ الوصفُ ضَبْطَهَا عَدَّا
فانْتهِزِ العيشَ يا نديمُ فقد ... وفَتْ لك الشامُ بالمُنَى وَعْدَا
انْظُر ترى الوقتَ صافياً وعَلَى ... تَتِمَّةِ الحَظِّ آخِذاً عَهْدَا
ففي التَّباشِير أن يُزِّينَها ... زَيْنُ العبادِ الذي حَوَى المَجْدَا
أجَلُّ مَن ينطِق اللسانُ به ... شُكْراً وأوْلَى كلِّ الورى حَمْدَا
قد اسْترَقَّ النُّهَى بأنْعُمِهِ ... فكلُّ حُرٍ أضْحَى له عَبْدَا
ما حَلَّ إلاَّ حَلَّ النَّدَى معَه ... وأثمر الدهرُ للمُنَى سَعْدَا
مُذْ قِيل يَنْوِي للشَّامِ مُرْتَحَلاً ... كادتْ إليهِ تسْعَى بنا وَجْدَا
وهَيَّأتْ في الثَّرَى لِمَوْطِئِه الْ ... أعْيُنُ فَرْشاً ومَرَّغَتْ خَدَّا
فكُلُّنا رامِقُ البَشِيرِ لكيْ ... نَبْذُل أرْواحَنا له نَقْدَا
النور وهو منير، والماء وهو نمير.
والروض وهو ناضر، والسحاب وهو ماطر.
والمراد وهو مريع، والزمان وهو ربيع.
أمثالٌ أوردت وأشباه، والمقصود أنت بلا ريبٍ واشتباه.
أنتَ المُرادُ ولا مُرادَ سِواكَا ... فجميعُ ما نَهْوَى يكون فِداكَا
فأما النور فنور وجهك المضيء، وأما الماء فماء رونقك الوضيء.
وأما الروض فروض شئيمك وأخلاقك، وأما السحاب فسحاب إنعامك وإغداقك.
وأما المراد فمراد جبرك الذي تنعطف إليه القلوب، وأما الزمان فزمان خيرك الذي يتم به المطلوب.
وإذا كنت والمُنَى فيك ... فما حاجةُ الورَى لْلأمانِي
وقد بلغنا خبر الحركة، المقرونة باليمن والبركة، فمرْحباً بالأماني والأمان، وسَقْياً ورَعْياً لهذا الزمان.
وذلك بمجرد بشارة، ومحض عبارةٍ في إشارة.
وأما خبر الوصول والحصول، فموجب الذهول للعقول، فلا ندري عنده ما نقول.
وبالجملة فحسبنا منك لحظة، ودعنا نوجم فلا نلفظ بلفظة.
فالله تعالى لا يحرمنا منها، ويصرف جميع العوائق والموانع عنها.
فلعمري إنها النعمة التي لا نقوم بشكرها، وما زلنا من حين الترعرع في طيب ذكرها.
والدعاء.
ثم ورد دمشق فدخلها في يومٍ أخذ زينته بزينه، ولم يبق ذو جسمٍ إلا والبشرى ملءُ قلبه والمهابة ملء عينه.
فأشرقت بنوره أرجاؤها، وامتد به أملها ورجاؤها.
وهرعت إليه أبناؤها من وجوه ناسها، يردون حضرةً احتوت من المحاسن على أنواعها وأجناسها.
فيتفاءلون بتلك الطلعة التي تقرأ منها نسخة الحسن، وتلمع في أساريرها أشعة النجاح واليمن.
فيبشرهم بابتسامه، قبل أن يبشرهم بكلامه.
ويحييهم بالنجح بإشارته، قبل أن يترجم لهم بعبارته.
فيشاهدون حظاً أقبل في معرض الكمال، وطالع سعدٍ قد طلع عليهم بنيل الآمال.
وكنت أنا ممن سارع إليه، أسرع من الكرم لطرفيه.
فاستخلصني لولائه اللازم واللازب، وربطني بإحسانه المتراكم المتراكب.
فما توانت لي في قصده مدة الإقامة قدم، ولم يعطل لي مذ شاهدته في ثنائه قلم.
وهو، حجب الله تعالى العيون عن كماله، وجعل اتفاق اليمن مقروناً بيمينه وانتظام الشمل معقوداً بشماله.
سَقانا به اللهُ وَبْل الْحَيا ... فإنَّا إذا ما دَعَيْنَا سُقِينَا
ثم انصرف والأهواء معه، والثناء يملأ سمعه.
والأبصار على مرآه تزدحم، والأفواه على تقبيل يديه تقتحم.
فالله يعضده بتوفيقه، ويجعل السعد حزبه ورفيقه.
وقد وصلتني منه نسخة كتابٍ إثر وصوله، تقضيني الوفود عليه، والمثول لديه، وها هي:
هل تناسَى عَهْدَ المَودَّةِ أهْلُهُ ... أو حَلِيفُ الجَوَى تَجافاه خِلُّهْ
والهوَى الكامِنُ الذي مَلَك اللُّبَّ ... وما حالَ عن فؤادِي مَحَلهْ
أتُراه يَرْعى اللهُ طِيبَ عَهْدِ لَيالٍ ... بحَبيبٍ يُجلُّنا ونُجِلهْ
стр. 656
ما أراها إلاّ كطَيْفِ خَيالٍ ... مَرَّ بي مُسْرِعاً وما شِيمَ مِثْلُهْ
إن أبهى ما نطق به لسان اليراع، وأشهى ما تشنفت بدرره الأسماع، سلامٌ يخجل الربى في أويقات البكور، ويزري بما تحملته الصبا من نشر الزهور.
أرق من دمعة المشتاق، وأصفى من الصهباء بما تضمنه من مكارم الأخلاق.
وأشجى من لوعة العشاق، ريثما تطاولت الأعناق للعناق.
وتحياتٌ زكية، ومحبةٌ صادقةٌ صديقية.
أتحف بها ترجمان أهل الأدب، والبالغ أقصى غايات الكمالات في كل ما دأب.
المنطيق الذي أعجزت فصاحته كل لسن، ذا التحقيق الذي هو بكل براعةٍ قمن.
والذي يهدي برائع عبارته طيب الوصل بعد الهجران، ويلفى من براعاته روضاً أينعت منه الأزاهر بفينان وأفنان.
كأنما مخانق الدرر خلصت من ترائب الآرام فألقيت في حدائق محاوراته، والحور العين برزت في غرر تلميحاته بتلميحات مطارحاته.
لوذعي الفكرة الوقادة، ألمعي الفطنة المستجادة.
من فاق قساً وأعجز المتنبي، حبيبنا السيد أمين المحبي.
كان الله ظهيرا، وفي كل الأمور نصيرا.
وبعد: فإنا لله الحمد والثنا، في صحةٍ وعافية وأرغد عيشٍ وأهنا.
غير أنا ملوعوا الجوانح، متعلقةٌ آمالنا بالمطامع والمطامح.
لورودكم لهذه الديار، والتملي بطلعتكم الحميدة المرأى والآثار.
فنرجو من فيض فضل الله الغزير، أن يهيء لكم التأهب لهذه الديار إنه على كل شيء قدير.
فكتبت إلى جنابه:
كيف يَنْسَى عَهْدَ المَوَّدةِ خِلُّهْ ... وهْو عن كلِّ ما سِوِى اللهِ شُغْلُهْ
يَرْتجِي به الرِّضا وحَقِيقٌ ... بانْتماءٍ إليه يَنْجَحُ سُؤْلُهْ
يا رَعى اللهُ مَن بعَهْدِ هَواهُ ... لِيَ منه الإسْعادُ والعِزُّ كُلهْ
بُغْيتِي منه أن أُمَرِّغَ خَدِّي ... بثَرَى نَعْلِه الرفيعِ مَحَلُّهْ
فإذا أسْعَفتْ حُظوظِي فمِثْلِي ... مَن يُباهِي الأيَّامَ بالفَضْلِ مِثْلُهْ
حضرة الأستاذ الذي حياتي بعهده مرتبطة، ونفسي بما يشتهيه مغتبطة.
إن لم أكن عنده، فقد استخلصني عبده.
فأنا أينما كنت، ما نقضت عهده ولا خنت.
نعم كان الواجب من رعى ذمته، أن أكون في بابه حليف خدمته.
فأسعى إلى سدته حبواً على القدم، وأستنهض في خطابه السان عوضاً عن القلم.
ثم لا أرضى له بباعي القصير، وعبارتي الموسومة بالعجز والتقصير.
حتى أكون استعرت ألسنةً تنطق حمداً وشكراً، واستنجدت أفئدةً توسع ثناءً وذكرا.
فكأن القول ذو سعة، والمغالاة هنا سنة متبعة.
وقد كان في حكم ما أولانيه الأستاذ من اعتنائه بشاني، واستدنائه لمكاني.
تبصراً منه بصلته، ورغبةً في مراعاة وصلته، أن أدع جميع المآرب جانبا، وأكون لجميع المشاهد سوى مشاهدته مجانبا.
لكن عدم الإمكان ثبطني عن هذا الغرض، وعاقني عن أداء هذا الواجب المفترض.
فأقمت معتكفاً على دعاءٍ أتخذه في أوقاتي ورداً، ولا أخلو من أماني لقاء الأستاذ التي أسقى بها على ظمأٍ بردا.
مقبلا بشفاه الأجفان مواطي نعاله، ذاكراً ما أسده لي من كرائم خصاله وجمائل فعاله.
وإذا لاحظت شخصه الممثل، وتصورت وده الموثل، أستقيم وأنحني، وأذكر أيام الحمى ثم أنثني.
وكانت لي حاجةٌ في ذمة زماني، ومأربةٌ بقيت في عهدة الأماني.
وهو ورود كتابٍ من الأستاذ يحل عقدة لساني في بيان ما أجد لبعده، ويتلافى في بعض رمقٍ ما كنت أحسبه يبقى من بعده.
حتى طلع كتابه فكان غيثاً كفى صيبه دعوة المستسقي، وماءً زلالاً روى بوروده ظمأ المستقي.
فكان أحسن من طلوع السعد، وأحلى من إنجاز الوعد.
فاتخذته مرتع ناظري، ومنتعش خاطري.
ونقلي إذا شربت، وداعيني إذا طربت، ومحدثي إذا خلوت، وعروسي إذا جلوت.
بل كان لي حظ الأماني من الزمان، وتوقيع النجاة من اليأس والحرمان.
فالله تعالى يبقى يداً وشته وحشته، ويديم راحةً مسته وجسته.
ثم فكرت في الجواب، وأنا متجرٍ جادة الصواب، فرأيت إن لم أجب، فما أديت ما يجب.
فأقدمت إقدام مذعور، وقدمت مقدمة معذور.
قائلاً: هذا ما انتهى إليه في العبارة جدي، وأنا على يقينٍ بأن هذا الشرط ليس من حدي.
على أنني لو أوتيت جوامع الكلم، لست ممن تخيل حصر كرام أوصاف الأستاذ أو علم.
стр. 657
ولا ممن قال له اليم الملتهم، أنا مدادك الملتطم، وقال مكنونه أنا درك المنتظم.
وأرجو من الأستاذ الصفح عن هذه الفرطة، والعفو عن الجناية التي ورطتني هذه الورطة.
فمثله من يقبل الأعذار، ويقوم بوجوده عن ذنب الزمان الاعتذار.
وأما مثولي بين يده، ووصولي بعد هذه المدة لديه، فبيني وبينه شهر الصبر، وأعزم لأحصل بمشيئة الله موسم الجبر.
وقد نويت أني لا أفارق تلك الحضرة، أو يفارق الآس الخضرة.
حقق الله سبحانه رجائي، وأمدني بإمدادات الأستاذ في علانيتي ونجوائي.
وفلان أحسن الله بقاه، وحفظه من كل سوءٍ ووقاه، شوقني بخبره إلى نظره، وبسلامه إلى كلامه.
فأنا أهدي إلى جنابه سلاماً كسلام أصحاب اليمين، وأودعه القلب على الثقة من أمين، إنه أمين، وعن الود لا يمين.
ولما تعلقت إرادة الله تعالى بمسيري إلى القاهرة المعزية، كان أول من اجتليت بها طلعته الزاهية الزهية.
فأنخت الراحلة في حماه، واقتصرت من أهاليها على التوسل برحماه.
فنزلت من النيل وساكنيه بمجمع البحرين، ونظرت إلى وجهه وإلى البدر فرأيت القمرين.
وفاتحته بقولي:
حَسْبُ مصرٍ فَخْراً على البُلْدانِ ... وهْي أُمُّ الدنيا بشَيْخِ الزَّمانِ
سيِّدٌ أشْتفِي بتُرْبَةِ نَعْلَيْ ... هِ إذا كت تقرَّحتْ أجْفانِي
وألحقتها بهذه القصيدة:
نُجْلُ العيونِ من الكَواعِبْ ... أوْقَعْنَ قلبي في المَتاعِبْ
بأبِي غَوانٍ للنهَى ... تُدْعَى السَّوالِبَ والنَّواهِبْ
الغَارِساتُ الْبَانِ في ... خَلَل الرَّوادِفِ والتَّرائِبْ
والمُطْلِعاتُ البَدْرِ ما ... بيْن السَّوالِفِ والْحَواجِبْ
هُنَّ الْقَواضِي بالرَّدَى ... لَمَّا يُجَرِّدْنَ القَواضِبْ
من كلِّ رُودٍ إن بَدَتْ ... تَخْفَى لطَلْعتِها الكواكبْ
تخْتالُ في مَرَحِ الصِّبَا ... رَيَّا المَسارِبِ والمَساحِبْ
وتكادُ مِن لُطْفِ الأدِي ... مِ تَسِيل مِن كلِّ الجوانبْ
ما أنْكَرتْ عهد الهوى ... لكنْ تُسامِح في الرَّغائِبْ
وإذا أرادتْ طُول لَهْ ... فِ الصَّبِّ أرسلَتِ الذَّوائِبْ
أبُثَيْنُ هل من عَطْفةٍ ... لِمُولَّهٍ قَلِقِ الرَّكائبْ
حَمَّلْتِه ما لا يقُو ... مُ بحَمْلِه الصُّمُّ الرَّواسِبْ
وأبَحْتِه لِعَنَا التَّغَرُّ ... بِ فاغْتدَى إحْدَى الغَرائِبْ
رِفْقاً أيا قلبي بِقَلْ ... بي في مَ إغْضاءُ المُجانِبْ
هَلاَّ أذِنْتِ بزَوْرَةٍ ... لِلطَّيِفِ في جُنْحِ الغيَاهِبْ
فيروزُ مُضْنىً أقْلقَتْ ... فيه فَلا الْبِيد النَّوادِبْ
ولقد رَعَيْتِ وما وَعَيْ ... تِ عُهودَ هاتِيكَ المَلاعِبْ
أيَّامَ لم يَجْنِ الدَّلا ... لُ على الهَوى غَلَطَ المُعاتِبْ
والعَيْشُ وَضَّاحُ السَّنَا ... والدهرُ سَمْحٌ بالمطالِبْ
حتى اسْتحالَ وكُدِّرتْ ... تلك المَوارِدُ والمشارِبْ
ونأَيتُ عنك ولِي حَشاً ... لم يَدْرِ ما مَضَضُ النَّوائِبْ
أسْرِي وحُبِّي سائِقِي ... أيَّانَ شاءَ مِن المَذاهِبْ
وأخُطُّ نُونَاتِ المُنَى ... بِمنَاسِمِ الغُرِّ النَّجائِبْ
ورَجاءُ زَيْنِ العابدي ... نَ وَسِيلَتِي لِحمَى المَآرِبْ
ذاك الهُمامُ أجَلُّ مَن ... تسْعَى لِسُدَّتهِ الرَّكائِبْ
شَهْمٌ أحاط بكلِّ مَنْ ... قَبةٍ بها تَسْموُ المَناقِبْ
مُتناسِقُ الأخْلاقِ بَا ... دِي البِشْرِ فَيَّاضُ المواهِبْ
كم رَغْبَةٍ عَرَضتْ به ... ما أعْرَضتْ عنها الرَّغائِبْ
فترُوض رَوْضَ فضائلٍ ... بالْجُودِ مُخْضَرَّ الجَوانِبْ
стр. 658
يحْبُوكَ مِن ثَمَرِ المُنَى ... غَضَّ الْجَنَى دَانِي الأطايِبْ
وشمائلاً عَطَّرْنَ أرْ ... دِيَةَ الشَّمائِلْ والجَنائِبْ
كالغَيْثِ بَرَّاقُ المخَا ... ثِل وهْو مُنْهَمِرُ الصَّوائِبْ
نِعَمٌ بها يُنْشِي النَّدَى ... والرَّوْضُ تُنْشِيهِ السَّحائِبْ
ولَكَمْ له من نائلٍ ... شَمِل الأقاربَ والأجانبْ
كالشَّمْسِ في كَبِدِ السَّمَا ... تغْشَى المَشارِقَ والمَغارِبْ
مَوْلايَ أنت وأنتَ أنْ ... تَ نِتاجُ مَفْخَرَةِ الحَقائِبْ
يا نَجْلَ صِدِّيقِ النَّبيِّ ... وفَرْعَ زَهْراءِ المَناسِبْ
لك مِن أُصولِك رُتْبةٌ ... فَخَرَتْ على كلِّ المَراتِبْ
وهمُ الذين تَبَوَّءُوا ... في المجدِ هَاماتِ الثَّواقِبْ
نَطق الكتابُ بِمَدْحِهمْ ... واسْتفْتحتْ بهم الكتائِبْ
فمدائحُ الأقوامِ غَيْ ... رِهُمُ تُعَدُّ مِن المَثالِبْ
وعَلَ عِداهُم في الورَى ... رَصَدانِ للقَدَرِ المُحارِبْ
ما اسْتَيْقَظُوا إلاَّ رَما ... هُم بالمتاعبِ والمصاعِبْ
وإذا غَفَوْا أمَرَ الحُلو ... مِ فَجَرَّدتْ لهمُ القَواضِبْ
مَوْلاَي يا مَن أرْتَجِي ... هـ إذا تعسَّرتِ المَطالِبْ
طَوَّقْتنِي نِعَماً بها ... أثْقلْتَ ظَهْرِي والمنَاكِبْ
فَلأشْكُرنَّك شُكْرَ مَن ... جَعَلَ الثَّنا أسْنَى الرَّواتِبْ
وإليك غانِيةً تَها ... دَى في مُصَنْدَلة الجَلائِبْ
فاسْتَجْلِ منها حُسْنَ مُنْ ... عَطَفٍ لأسْرابِ السَّرائِبْ
واسْلَمْ كما سَلِمتْ صِفا ... تُ عُلاكَ من كُلِّ المعائِبْ
تزْهُو بِمِدْحتِك الورَى ... بيْن الأعاجِمِ والأعارِبْ
ولك الأمانِي غَضَّةٌ ... والدهرُ مأمونُ العَواقِبْ
وكنت في أثناء الإقامة سافرت إلى رشيد، ثم عدت إليه بالرغبة، وما عدلت عنه للرهبة.
عود من عرف فضله، واستطاب ظله، ولم يحمد مباينته، ولا استوفق مجانبته.
فطاب العود والإبدا، ورجوت أن يروي تلك النوادي الأندا.
فإنه إذا كان أول من عرف تعبدي فجوده لعنان ثنائي ثاني، وإذا كان لي من ذراه مرابع فلي من خطابه مثالث ومثاني.
فرأيته في الثانية كالأولى، وحاله على أجمل ما عوده الله وأولى.
فالله يجريه على عادته الحسنى التي هي جبلةٌ نفيسة في نفسه، ويجعل كل يومٍ من أيامه مبشراً بالخير عن غده وزائداً فيه على أمسه.
فخاطبته مرتجلاً بقولي:
يا مَن هواهُم آخذٌ بأعِنَّتِي ... وهمُ لقلبي في الورَى المَطْلوبُ
ذَنبُ الفِراقِ وقد ظفِرْتُ بقُرْبكم ... فعلَى يَدَيْهِ من الزمانِ أتوبُ
وأخلق بمن جنح إلى الاعتراف والإقرار، ونزع عن التمادي والإصرار، أن تكون توبته مقبولة، وإنابته صحيحة غير معلولة.
وشتان بين المتورط الناصر لورطته، وبين النازع الراجع عن غلطته.
وقد اسْتطار إلى المعالِي مُدْرِكاً ... مَن أنْهَضَتْه لنَحْوِه العَلْياءُ
طلَب النَّباهةَ في ذَراهُ فما لَهُ ... إلاَّ لَدَيْه تأمُّلٌ ورَجاءُ
فكساني حلة فخارٍ وتجمل، وحملني من آلائه ما لم يبق لي معه تحمل.
واحتاز فؤادي أجمعه، بأن لم يجعل لأحد علي يداً معه.
فأنا عرافٌ بأن صرف الفكر لغيره عبثٌ ولهو، فإذا سجد يراعي لمدح سواه فسجدته سجدة سهو.
وقد أخذت عنه من فضلٍ يراعه الموشى للأوراق، ومحاسن بدائع التي تخفى خجلاً منها الشموس عند الإشراق، ما يضيق عن إحاطة وصفه نطاق الأرقام، وتنصضب عنده ليقة المحابر وتحفى أقدام الأقلام.
فمن ذلك كتابٌ كتبه إلى رئيس المنجمين، نادرة الفلك الدوار، وقطب فلك التحقيق الذي عليه المدار، المولى أحمد بن لطفي، حرس الله مهجته، وأدام رونقه، وبهجته:
стр. 659
الحمد لله أسمى الأسماء، العالم بمواقع النجوم والأنواء، الرحمن المتفضل بجلائل الآلاء، الرحيم بدقائق الإمدادات من الدرجات العلى.
والصلاة والسلام والتحية والثنا، على مركز دوائر الاهتدا، المنزل عليه: " والنجم إذا هوى " صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما طلع نجمٌ وما ركبٌ سرى.
والدعاء للدولة العثمانية، والسيرة العمرية، مواظبٌ من السلالة الصديقية، والحضرة الزينية، على ترادف الآنا.
وبعد: فقد اعتبرت كيوان في مراقي الاعتلا، وتوسمت برجيس في إشراق السنا وعلو السنا، وبهرام في سلطنة قهره المنيع الذري، والنير الشمسي عند خط الاستواء، وعروس الدوران الزهرة الزهرا، والقمر المنزل لتقدير الاهتدا، فرأيت جميعها ممتثلاً أمر ربه الأعلى، مسخرةً لخدمة هذا الرئيس فرادى وثنا، مذعنةً له يصرف سعودها ويصرف نحوسها كيف يشا.
فتثليث سعدها ينظر إليه من تربيع، وتسديس طالعها يطالعه من تسديس.
فلن تحول الدوائر الكثيفة، ولم تحجب ذوي الظلال الوريفة، بينه والعلى كيف شاء وارتضى، فهو أولى بأن ينشد ويقصد:
وقد عرفتْك فما بالها ... تراها تَراك ولا تنْزلُ
ولو بِتُّما عند قَدْرَيْكما ... لَبِتَّا وأعْلاَكُما الأسْفَلُ
وإذا فتح الله على هذا العالم الأصغر بإلهام الفراسة، وفتق له رتق الخاطر من الكياسة، لم ينطق عن الهوى، وكأنما هو وحيٌ يوحى.
ولما قدر الله تعالى بالقران السعيد، واستقام سير هذا الرئيس على سمت سيرنا ونظرنا إلى طابع هذا الرئيس من تسديس، ولحظ مقامنا الرفيع من تربيع، نظرنا له خصائص سلك فيها طرقا، وإن لم يأت بها غيره تخلقا أتى بها هو خلقا.
ونظرنا علمه الذي يطالع الغيب من وراء سترٍ رقيق، ويطلع على الضمائر من مكان لا سحيق.
فيرى بفضل حسه وقياسه، ما لا يراه حاذقٌ بإحساسه.
فقلنا: سبوح قدوس من شمسٍ تخجل شمس السنا، وتضاءل لها تضاؤل الإما، وتعلم أن ليس لها إلا المشاركة في الأسما.
وقد رأينا به العالم في واحد، وعلمنا أن الدهر للناس ناقد.
وأنه قد سعى أحمد سعى، وخدمه الجد ثم عاد إلى المحل الأعظم، والسدة العليا والمقام الأعصم.
فوصل وصول حبيبٍ غائب، ووقع وقوع غيثٍ صائب.
فاستقبلته دولةٌ كان فارقها ولم تفارقه، ولم نقل إنه وافقها ولم توافقه.
وقد علم أن المحبة التفاتاتٌ إلى متوجهه، وتشوقاً إلى ورود أنباء تنبي عن مكتنهه.
فمنها ما يفيد تجديد العهود السالفة، وما يفيد المودات المستقبلة الآنفة.
وقد علم الداني والقاصي، والطائع والعاصي، فضل جدنا الأعلى، ومجدنا الأسمى، وتمسك الماضين من سلاطين بني عثمان بولائنا واعتقادنا.
فشاع ذلك وذاع، وملأ الربوع والرباع، وعلمته الملوك والرعاع.
وخصوصاً هو، فإنه ملأ باعتقادنا صدره، وعلم خبر مددنا وخبره.
ثم إن سلطاننا الآن قان الدوران، وشهنشاه الزمان.
من حاز فضيلتي العلم والعمل، وبلغ من مزايا الدنيا والآخرة أقصى ما يمتد إليه الأمل.
ومما صح عنه بتواتر النقل، وشواهد العقل، محبة العلماء والفضلا، وإيثار النبهاء والنبلا.
وله فؤادٌ أنتم جنانه، ولسانٌ أنتم ترجمانه، ورأيٌ وأنتم قهرمانه، ومجلسٌ خاصٌّ وأنتم حاضرته وقطانه.
والملك يشتغل أحياناً في أن ينص، فيعذر أن لا يعم أو يخص.
والرئيس قد تمكن من المكانة حتى صار شمس مطالعه، ومنتهى مطامعه.
ولنا والحالة هذه به وصلةٌ تأكدت أسبابها، وتوثقت أطنابها.
تبعثه على نجاز متعلقات أغراضنا من ذلك المقام الأشم من مذكرات، تفضي إلى مكاتبات، ومودات تسفر عن إمدادات.
ولم ننبهكم أننا نبهنا غافلا، ولا استطلعنا آفلا.
لكنها الذكرى تنفع المؤمنين، لا كمكن لبث بضع سنين.
وهذه طلبةٌ لم نؤهل سواكم لأمثالها، ولا أطلعناه على مثالها.
بل ثقتنا بكم حملتنا على أن نطلعكم على تلك السريرة، فالأسرار عند الأخيار ذخيرة.
ولما بلغتنا مبالغكم العلية، قلنا نهنيكم بالدرجات السنية:
أُعْطِيَتِ القوسُ مَن بَرَاهَا ... وبُوِّىءَ الدارَ مَن بَناهَا
ألْقتْ عَصاها ثم اسْتقرَّتْ ... مِن بَعْدِ ما أبْعدَتْ نَواهَا
مِنَصَّةٌ ما رقَى عليها ... مَن نال أمْثالَها شِفاهَا
فما لها كافِىءٌ سِواهُ ... وما لَه كافىءٌ سِواهَا
стр. 660
يا مَن دَعَتْه العُلَى فَلَبَّى ... وما تَوانَى وما تَلاهَا
هُنَّيتَ بالقَدْرِ والمَزايَا ... وما سِواهَا وما وَراهَا
ومن شعره هذه المقصورة:
أساءَ فَأحْسَن فيما أسَا ... لأنِّي أرى حالتيْه سَوَا
وواصَلنِي هَجْرُه والسُّهادُ ... وهاجَرني وَصْلُه والكَرَى
وأنَّى تُسِيىءُ حِسانُ الوُجوهِ ... حِسانُ القُدُودِ حِسانُ الرُّوَا
ومَن يَكُ مِثْلِي قصيرَ اللِّسانِ ... فلِمْ لا يكون طويلَ الأسَى
وهيْهات أذكُر إلاَّ الجميلَ ... وكيف أقولُ اسْتحال الضِّيَا
وهل يُحْسِن الفعلَ إلاَّ المَلِيحُ ... وهَلْ يُذْهِب الداءَ إلاَّ الدَّوَا
كَلِفْتُ به عَرَبيَّ اللِّسا ... نِ والوَجْهِ والأدبِ المُنْتقَى
ولكنَّه جَرْكَسِيُّ النِّجارِ ... له ألْفُ خالٍ بأرْضِ الكفَا
إذا قال نَظَّمَ عِقْدَ البَيانِ ... وإنْ جال فتَّتَ صُمَّ الصَّفَا
وإنْ صَال سُلَّتْ مُتونُ الظُّبَا ... وإن خال كَلَّتْ جُفونُ الظِّبَا
وإن مَالَ قلتُ لِخُوطِ النَّقَا ... إليكَ فلسْتَ بِخُوطِ النَّقَا
ألسْتَ تَرَى صَعَداتِ الرُّبَى ... تَخِرُّ له سُجَّداً وهْي لاَ
تُحرَّكُ أنت بهَبِّ الهَوَا ... وذاك يُحرِّك منِّي الْهَوَى
ويهْتَزُّ عن ثَمَراتش الْجَنَا ... وتهْتَزُّ عن ثَمَراتِ المُنَى
وأنتَ تَميدُ بريحِ الصَّبَا ... وذاك يَمِيلُ برَوحِ الصِّبَا
وذلك يُورِق سُودَ الشُّعُورِ ... وأوراقُ مِثْلِك جَزْلُ الغَضَا
وهيْهات هيْهات منك الْجفَا ... وهيهات هيهات منه الوَفَا
ويبْعُدُ أن يجْتلِيكَ العِيانُ ... تَولَّدُ منه صُنوفُ الصَّفَأ
ويا مَن رأَى طَيْفَهُ في المَنامِ ... وإن كان زُوراً كمَنْ لا يَرَى
ويا سَعْدَ مَن باتَ في صَدْرِهِ ... إلى الصُّبْحِ من أُولَيَاتِ الْعِشَا
يُغازِل منه عُيونَ الْمَهَا ... مُتَرْجمةً بحديثِ الْهَوَى
ويجْنِي بِفِيهِ تُفَاحَ الخُدُودِ ... وإن رام غيرَ جَنَاها جَنَى
يُقبِّلُه مِائَتَيْ قُبْلةٍ ... دُوَيْنَ اللِّثامِ وفوقَ اللِّثَى
ويَرْشُفُ من ثَغْرِه قَرْقَفاً ... يُسمُّون ضَرَّتَها بالسُّلاَ
وينْظِمُ في الجِيدِ تِقْصارةً ... فَرائِدَ مِن لَثْمِهش أو ثُنَا
يُعانِقُ منه قَضِيبَ الْقَوامِ ... ويرشُفُ منه زُلالَ اللَّمَى
يُبلُّ بماءِ الشَّتِيتِ الشَّنِيبِ ... ظَمَا كَبِدٍ أبداً في ظَمَا
فطَوْراً يمُصُّ كَمَصِّ الكُؤُوسِ ... وطَوْراً بِرَشْفٍ كرَشْفِ الطِّلاَ
يُباشِرُه مِن وراءِ الْقَمِيصِ ... مُباشَرةً مِثْلَ طَيْفٍ الخِبَا
إذا ما وَلَي جِسْمُه جِسْمَهُ ... فقد قابَلتْ بَرْدَ طُوبَى لَظَى
ويهْصِرُه مِعْطَفاً مِعْطَفاً ... لِذَاتِ اليَمينِ وذاتِ الشِّمَا
ويُفْرِشُه زَنْدَ يُمْنَى يَدَيْهِ ... ويجْعَل يُسْراه مِثْلَ الْغِطَا
فَماً لِفَمٍ مثلَ زَقِّ الْحَمامِ ... وهيْهات يُشْبِه زَقَّ الْحَمَا
وصَدْراً لِصَدْرٍ ومن هَا هُنا ... يَلَذُّ العِناقُ إلى ههُنَا
فثَمَّ احْتدَامُ وَطِيسِ الْغَرامِ ... وثَمَّ مُثارُ لَهِيبِ الْحَشَا
وثَمَّ اغْتنامُ لذيذِ الوصالِ ... وثَمَّ تَشاكِي أليمِ الْجَفَا
وبالصُّعَداءِ ووَضْعِ اليَدَيْنِ ... على الكَبِديْنِ ترَى الاشْتِكَا
стр. 661
وبِالْعَضُديْن يَطِيبُ الْعِناقُ ... وبالشَّفَتيْن يُبَثُّ الْجَوَى
وبالْقَمريْن فَرَعْنا الظّلامَ ... وبالعُمَريْن عَرَفْنَا الْهُدَى
وبالْحَسنَيْن وتلك الْبَتوُلِ ... وحَيْدرةٍ ثُمَّ أهْلِ الْعِبَا
أولئك ما مَفْخَرٌ في الدُّنَا ... ولم يبْلُغوهُ ولا مُعْتلَى
أولئكمُ قد رَقَوْا مُرْتَقىً ... تعالَى فما بَعْدَه مُرْتَقَى
أولئك ما مَفْخَرٌ في الدُّنَا ... ولم يبْلُغوهُ ولا مُعْتلَى
أولئكمُ قد رَقَوْا مُرْتَقىً ... تعالَى فما بَعْدَه مُرْتَقَى
أولئك آباؤُنا الأقْدَمُونَ ... وأخْوالُنا وأُولاكَ الأُلَى
تُخومُ الجبالِ وزُهْرُ النُّجُومِ ... مُتونُ الظُّبَا ورَوَاسِي الرُّبَى
بَنُوهم بَنُو بِنْتِ أبْنَائِهم ... ونحن كذا أو بَنُونَا كذَا
وهل تَلِدُ النُّجْبُ إلاَّ النَّجِيبَ ... وهل تُنْتَجُ اللَّيْثَ إلاَّ اللُّبَا
أولئكمُ آلُ بَيْتِ النَّبيِّ ... نَبِيِّ الهدى وإمام التُّقَى
أولئكمُ نَسْلُ خَيْرِ الأنامِ ... رئيسِ النَّبِيِّينَ والمُصْطَفى
منها:
وكيف تقول انْتَهى في الرُّقِيِّ ... ولا حَدَّ ثَمَّ ولا مُنْتَهَى
ولكنه بلغَ المُسْتوَى ... ولم أدْرِ ما بلَغ المُتسْتَوَى
وكَلَّمه وكَلامُ الإْلهِ ... كصَلْصَلةِ الماءِ فوقَ الصَّفَا
وأوْحَى إليه وأوْحَى إليه ... يُفِيدُ السِّرارَ وما مِن مَدَى
وثمَّ أمورٌ تُشِيب الوَلِيدَ ... وترْجِع بالأشْيَبِ القَهْقَرَى
ولا تَقْفُ ما ثُمَّ لا تَمْشِ في ... ولا تُعْدُوَنْ عن وصابِرْ عَلَى
ومَهْما أمَرْنا امْتثِلْ أمْرَنَا ... وغُضَّ جُفونَك عن أمْرِنَا
فتلك شَناشِنُ أهلِ النُّهَى ... فقُم بشَناشِنش أهلِ النَّهَآ
ولا تَعْدُ شُكْرَك إن كنتَ لا ... تقومُ بحَمْدِك حَدَّ الكَفَا
وعن بابِنَا وإلى بابِنَا ... وفي بابِنَا وفي بابِنَا وإلى بابِنَا
فنحن العِيانُ ونحن الْكِيانُ ... ونحن الأنامُ ونحن الورَى
عَلاَ جَدِّنا من عُلاَ جَدِّنا ... فيا سَعْدَنا ثم يا سَعْدَنا
ومن غزلياته قوله:
أبداً إليك يَحِنُّ قلبي ... فعلى مَ تُؤذيني بعَتْبِ
يا قاسِيَ القلبِ الذي ... فيه أذَبْتُ صَمِيمَ لُبِّي
أمْ أيُّ أمرٍ فيك أوْ ... جَبَ طُولَ أعْراضِي وسَلْبِي
لا سامَح اللهُ الهوَى ... فلَكْمْ يُصَوِّبني ويُصْبِي
يدعُو القلوبَ إلى هَوا ... هُ فأيُّ قلبٍ لا يُلَبِّي
يا أيها التَّيَّاهُ في ... زَهْوِ الهوى رِفْقاً بِصَبِّ
يُذْرِي الدُّموعَ ولا دُمُو ... عَ تسِيلُ غيرَ مُذابِ قلبِي
يا جسمَ نَاسُوتِي ويا ... رُوحِي ويا دائِي وطبِّي
أغْرَاك وَاشِيك الرَّقِي ... بُ بطُولِ إعْراضِي وحَرْبِي
لا كان مَن أغْراكَ يا ... مَوْلاي في قَتْلِ المُحِبِّ
فارْفُقْ بقلبٍ فيك يَقْ ... لِبُه الهوَى جَنْباً لِجَنْبِ
وابْقِ على رَمَقِي فما ... يَدْرِي بحالي غير رَبِّي
أنا والهوَى فَرَسَا رِها ... نٍ فيك والأشْواقُ تُنْبِي
تاللهِ ما قال العِدَى ... يا مُنيتِي بُهْتانُ كِذْبِ
لم يَجْرِ مِنِّي غير دَمْ ... عٍ فاض من عَيْنِي بسَكْبِ
يا أُمَّةً للحُسْنِ فِي ... هَا وَجْهُك الوَضَّاحُ نُبِّي
стр. 662
إن دام هذا الهجرُ والْ ... إعْراضُ عنه والتَّأبِّي
في ذِمَّةِ اللهِ التَّقا ... ضِي منك يومَ العَرْضِ حَسْبِي
وقوله:
أما وانْعِطافِ الغُصْنِ مِن هَيَفِ القَدِّ ... وماءِ الْحَيَا والروضِ من جَنَّةِ الخُلدِ
وأقْداحِ أحْداقٍ تُدارُ بخَمْرةٍ ... مُنَزَّهةٍ وَصْفاً عن الرَّسْمِ والحَدِّ
أما والهَوى العُذْرِيِّ والصِّدْقَ إنَّهُ ... مُقيمٌ على تلك الصَّبابةِ والوَجْدِ
بأنَّ غرامِي والعَفافَ تخَلَّفَا ... بلَغْتُهما قبلَ السُّكونِ إلى المَهْدِ
وأنِّي أيا ذات الجمالِ تعبُّدِي ... بدِين الهوى التَّحْقيق مُعْتَقدٌ عندِي
ومِن حَضْرةِ الإطْلاقِ كنتُ فتىً على ... يَقِينٍ بأنِّي مُطْلَقُ الحبِّ في القَصْدِ
فَنائِي به عَيْنُ البَقاءِ وغَيْبتِي ... حُضورِي وغَيِّي في عَوَالِمِه رُشْدِي
وذُلِّي به عِزٌّ وأوْجُ سيادتي ... إذا ما دَعانِي مَن هَويِتُ بيا عَبْدِي
فلا تعْترِضْ مَن هامَ في الحبِّ وافْترِضْ ... عليك له التَّسْليمَ تسْلَمْ من الطَّرْدِ
وإنِّيَ زَيْنُ العابدين ووالدِي ... محمَّدُ نَجْلُ الزَّيْنِ والصادقُ الوَعْدِ
بصِدِّيقِ خير المُرْسَلِين وسِبْطِه ... بلَغْنا من الأنْسابِ واسِطةَ العِقْدِ
ببابِ عَرِيضِ الجْاهِ أعْظمِ شافِعٍ ... وأكْرَمِ مَن أعْطَى وجادَ بما يُجْدِي
مَرَدُّ جميعِ الكائناتِ بأسْرِها ... ومَعْنَى كمالِ الفضلِ من ذِرْوَةِ المجدِ
مَدَى الدهرِ ما شمسُ المعارفِ أشْرقتْ ... مع الآلِ والصَّحْبِ الأئمَّةِ للرُّشْدِ
وما أقْسمَ الصَّبُّ المَشُوقُ بقولِهِ ... أما وانْعِطافِ الغُصْنِ من هَيَفِ القَدِّ
وقوله:
شَرَّدْتَ من مُقْلتِي رُقادِي ... كحَّلْتني مِرْودَ السُّهادِ
باتَتْ عِداك اللِّئامُ مِثْلِي ... ليس بَياتِي على مُرادِي
بِتُّ كما تشْتهِي الأعادِي ... وُقِيتَ ما تشْتهي الأعادِي
بِتُّ ويُسْرايَ تحت خَدِّي ... وأخْتُها مِن على فؤادِي
كأنهم مَهَّدُوا فِراشِي ... على كَوادِي شَوْكِ القَتادِ
كأنَّني عند وَضْع جَنْبِي ... بِتُّ على نِيَّةِ الجهادِ
أبْكِي بما يخْلُف الغَوَادِي ... إن قشَّعتْ سُحْبَها الغَوادِي
وقوله من خمرية:
ورَوْضٍ حَلَلْنا سُوحَه ساعةَ الفَجْرِ ... ورِيحُ الصَّبا في صَوْبِ صَيِّبه تَسْرِي
وأضْحَتْ عيونُ المُزْنِ تبكي فأضْحكتْ ... زُهورَ الرُّبَى منه فأهْدتْ شَذَا العِطْرِ
وصار شَقِيقُ الأُقْحُوانِ بِمجْمَرٍ ... فأوْقَدَ نَدّاً فَوْجُه طَيِّبُ النشْرِ
وأصْبَح صَوْتُ العَنْدَلِيبِ مُخَبِّراً ... هَلَمُّوا إلى دَاعِ الصَّبُوح بلا عُذْرِ
ودُوروا مع النُّدْمانِ في حَانِ دُورِهم ... إذا جُلِيَتْ بِنْتُ المُدامِ من الخِدْرِ
وفُضُّوا خِتامَ الدَّنِّ عنها لكي يُرَى ... على ساقِها مِن كأسِها عَنْدَمٌ يجْرِي
قديمةُ عَصْرٍ وهْي عَذْراءُ إذْ بَدَتْ ... تُخَبِّرُ عمَّا كان في سالفِ الدَّهْرِ
لقد أعْجَزتْ عن وَصْفِها كلَّ ناطقٍ ... لِسِرٍ بها قد قام يسْرِي من السِّرِّ
فنُورٌ ولا نارٌ وكأسٌ ولا طِلاً ... شُئونٌ بها هامَ الكَلِيمُ مع الخِضْرِ
فمِن طِبِّها عيسى بنُ مريمَ قد شَفَى ... لِمَن شَفَّه داءُ السَّقامِ بلا نُكْرِ
وأهْدَى لنا هادِي الهُدَى من سَنائِها ... فهامَ بها السَّاداتُ نَسْلُ أبي بكرِ
стр. 663
فصارُوا جميعاً مِن ألَسْتُ بِرَبِّكم ... نَشاوَى سُكارَى هائمين إلى الحَشْرِ
فخُذْ وَصْفَها منِّي وعنِّي فإنني ... خبيرٌ بأوْصافِ المُعتَّقةِ البِكْرِ
فمَرِّيخُها في زُهْرَةِ الكأسِ إذْ بَدَتْ ... يُرِيكَ ضياء الشمسِ كالكوكب الدُّرِّي
ودَوْرُ هلالِ البدرِ يُشْبِهُ جَامَها ... وفيها حَبَابُ الدُّرِّ كالأنْجُمِ الزُّهْرِ
فهاك بها صِرْفاً وإن شئتَ مَزْجَها ... فمِن رِيقِ ساقٍ فهْو للسُّقْمِ قد يُبْرِي
فدُونَكَها واقْبَلْ مَقالةَ صادقٍ ... ومَن جَدُّه الصِّديقُ في الغارِ للطُّهْرِ
تسَمَّى بزَيْن العابدين وسِبْطُ مَن ... هو الشافِعُ المَقْبولُ للناسِ في الحَشْرِ
عليه صلاةُ اللهِ ثم سلامُه ... كذا الآلُ والأصحابُ مَن هم أُولُوا الفَخْرِ
وله:
نحن قومٌ تُبيدُنا الأعْيُنُ السُّ ... ودُ على أنَّنا نُبِيدُ الأسُودَا
تتَّقِي بَأْسَنا الصَّناديدُ الصِّ ... يدُ ونَخْشَى من الحِسانِ الصُّدُودَا
ولنا رُتْبةُ السيادةِ لكنْ ... صَيَّرتْنا لها انْقياداً عَبِيدَا
إن نَثَرْنا تساقَط اللُّؤْلُؤث الرَّطْ ... بُ فنَظَّمْنَه لَهُنَّ عُقودَا
أو نَظَمْنا أوْصافَهُنَّ أنا ... شِيدَ أعَدْنَا بها لَبيداً بَلِيدَا
ما عَرَفْنا التَّقْليدَ مُنْذُ رأيْنا ... هُنَّ يَمْنَحْنَ دُرَّنا التَّقْلِيدَا
خُطَباء مَصاقِعٌ فإذا قُلْ ... نَ أمَلْنَا لهنَّ أُذْناً وجِيدَا
ثم نَعْيَى فلا نُعِيدُ ولا نُبْ ... دِي وَقاراً لهنَّ قَوْلاً مُفِيدَا
تَتحانَى لنا الظُّهورُ فإن لُحْ ... نَ غدَا ذلك الرُّكوعُ سُجودَا
شَحَذتْ مُرْهفاتِنا الأعْيُنُ النُّجْ ... لُ فصَيَّرْنَهُنَّ بِيضاً وسُودَا
وتمايَلْنَ والرِّماحُ بأيْدِي ... نا فقَصَّدْنَهُنَّ عُوداً عُودَا
وتَلاَيَنَُّّ في الحرير فأدْمَيْ ... نَ قُلوباً لنا تُليِنُ الحديدَا
وتَهادَيْنَ بالدَّلالِ فكم شِمْ ... تُ بإدْلالِهشنَّ صيداً صِيدَا
وتمايَلْنَ مثلَ ما انْعطَف المُرَّا ... نُ لكنَّهنَّ أحْلى قُدودَا
وتَبَرَّجْن فاجْتليْتُ حُلا ... هُنَّ ومَيَّزْتُهُنَّ رُوداً رُودَا
ثم أهْوَيْتُ نحوَ واسِطةِ العِقْ ... دِ فقالتْ أرَى قِراناً سَعِيدَا
فَتَرَشَّفْتُ ثَغْرضها الْقَرْقَفَ الحُلْ ... وَوعانقْتُ قَدَّها الأُمْلُودَا
وبلغْتُ الذي على مِثْلهِ أعْ ... ذِرُ مِن حُسَّدِي اللسانَ الحَسُودَا
وأنا ابنُ الصِّدِّيقِ جَدِّي ثانيَ اثْ ... نَيْنِ في الغارِ فالجُدودَ الْجُدودَا
فالرِّضَا عنهمُ ومنهمْ وفيهمْ ... وعليهمْ لهمْ بهمْ تَأْكِيَدا
وله:
قُمْ فإن الصَّباحَ للتَّنْفيسِ ... ودَوَاعِيه قد سَرَتْ في النفوسِ
ونسيمُ الصَّبا رسولٌ إلى الرَّوْ ... ضِ بِطَلٍ كَلْؤْلُؤٍ مَغروُسِ
والشَّحارِيرُ كالمَزاميرِ تشْدُو ... كقُسُوسٍ تَدُقُّ بالنَّاقوسِ
فاجْتَلِ الرّاحَ للنَّدامَى سُحَيْراً ... لترَى البدرَ طالعاً بشُموسِ
وأدِرْها بدُورَ حَانِ التَّصابي ... من مُدامٍ عَتِيقةٍ خَنْدَرِيسِ
عانِسٌ وهْي في الحقيقةِ عَذْرا ... ءُ عجوزٌ حديثُها في رَسيسِ
تتلظَّى غَيْظاً فتثنتجُ بِشْراً ... حين أضْحَتْ تلُوحُ ضِمْنَ كُؤُوسِ
هي داءُ الهمومِ فاعْجَبْ لداءٍ ... جالبِ الرِّيِّ مُذْهِبٍ لِلْبُوسِ
стр. 664
حدَّثتْنا من قبلِ أنْ يُخْلَقَ الكَرْ ... مُ حديثَ التَّنْويعِ والتَّجْنيسِ
نارُ أُنْسِ الكَلِيمِ فاخْلَعْ نِعالاً ... في حِماها مَعْ كلِّ مَولىً رئيسِ
فاز قومٌ بنُورِها وهُداها ... وعن النُّورِ ضَلَّ رَأْيُ المَجُوسِ
كسَناها يهْدِي شَذَاها إلى الْحَا ... نِ مُشِيراً لا عِطْرَ بعدَ عَرُوسِ
عاطِنِيها يَاقُوتةً بعدَ وَقْدٍ ... كضياءِ المرِّيخِ في الحِنْدِيسِ
وهْي مِرْآةُ وَجْنتيْك لهذا ... شَفَقُ الخَدِّ ظاهرٌ في الكُؤُوسِ
هاتِها بين فِتْيةٍ كبُدورٍ ... كهلالِ البَنانِ كي يجِلّ بُوسِي
خمرةٌ شَأْنها تحلُّ بمْعنا ... ها خَبايا كنوزِ ما في النُّفوسِ
بالَغتْ في صفاتِها القومُ ما ضا ... ق اتِّساقاً به مَجالُ الدُّروسِ
بمَعانٍ تُشِير كالْحَدَقِ النُّجْ ... لِ بَياناً بسِحرِ رَمْزِ الطُّروسِ
فاقْتَفيْنا آثارَهم مَعْ قُصورٍ ... وانْتظمْنا في سِلْكِ كلِّ رئيسِ
فهْي بِكْرُ البَكْرِيِّ زَيْنُ عِبا ... دٍ سِبْطُ مُخْتارِ صفوةِ القُدُّوسِ
فعليه الصلاةُ ما سار رَكْبٌ ... لِحِماهُ من فوقِ بُزَّلِ عِيسِ
وعلى آلهِ الكرامِ وصَحْبٍ ... قد تعالَوا به رئيسَ الرُّءُوسِ
وله:
بينما أذْكُر الْقَا ... سِي وما منه أُقاسِي
عَنَّ لي أن أشْربَ الرَّا ... حَ وأن أجْلُوَ كاسِي
فتَماشيتُ إلى الدَّيْ ... رِ برَيْحانٍ وآسِ
وبشَمَّاسٍ يُدير الْ ... كاسَ من غيرِ شِماسِ
ونَدِيم يذكُر النَّا ... سُ به العهدَ النَّواسِ
ومُغَنٍ يُذْهِل الْحَا ... سِي عن الخَمْسِ الحَواسِ
قَرَنَ الخَمْسَ إلى تِسْ ... عٍ سُداسِي وخُماسِي
صُورةٌ جَمَّلَها اللَّ ... هُ على كلِّ الأناسِي
صُورةٌ جاءتْ من الحُسْت ... نِ على غيرِ قِياسِ
وإذا احْتال النِّطاسِيُّ ... لها كَلَّ النِّطاسِي
أحْمَرُ الخدِّ كَحِيلُ الطَّ ... رْفِ وَرْدِيُّ اللِّباسِ
فاتِرُ الطَّرْفِ وقد يَنْ ... عَسُ من غيرِ نُعاسِ
غُصْنُ بَانٍ خَنِثُ الْ ... أعْطافِ مَيَّاسٌ مُواسِ
يجبرُ اللهُ به كَسْ ... رَ الأسَى من غيرِ بَاسِ
يتلافَىالْبائِسَ الْعا ... نِي به من غيرِ بَاسِ
يَمْلأُ الْجاماتِ من ... إسْفَنْطِه مَلْءَ الْعِساسِ
فسَبَأْتُ الخمرَ مِن دَيَّ ... ارِهَا أبْلينآسِ
وبذَلتُ العقلَ في الرَّا ... حِ له رأساً بِرَاسِ
فَبِيَ اسْتَوْثِقْ ولا تُلْ ... قِ حِبالِي ومَراسِي
ثم لا تَنْوِ مُناوَا ... تِي ولا تقصِدْ مِراسِي
فأنا الفَرْعُ الذي وُطِّ ... دَ جَذْمِي وأسَاسِي
وأنا الغُصْنُ الذي طَا ... ب نبَاتِي وغِراسِي
وأنا الناسُ وما كُلُّ ... أُناسٍ بأناسي
أنا لَيْنٌ حُلْوٌ هَيْ ... نٌ بَعِيدُ الغَوْرِ حَاسِي
أنا لا قَاسٍ ول ... كنِّي إذا خُوشِنْتُ قاسِ
رفَعوني فأنا رَأْ ... سِي كذاك الطَّودِ رَاسِ
وعلى الجُودِيِّ في السَّا ... لِفِ ما تُلْقَى المَراسِي
ولِجَدِّي يُذْعنِ الْقا ... سِي مِن شُمِّ الرَّواسِي
أنا زَيْنُ الْعابِدِينض بْ ... نُ أبي بَكرِ المُواسِي
ومن موشحاته البديعة، قوله معارضاً ابن سناء الملك، في موشح له:
стр. 665
انْظُروا تَعْدِيلَ قاماتِ الغُصونِ ... هذه بَانَهْ وهذِي خَيْزُرانَهْ
وَحِّدُواالرحمنَ ذا العرشِ المجيدِ
وأمِيطُوا اللَّبْسَ من خَلْقٍ جَديدِ
وانْظُروا تَورِيدَ تُفَّاحِ الْخُدودِ
واعْجَبُوا مِن حُسْنِ تَلْوينِ العُيونِ ... تِلْكمُ حَانَهْ وهاتيكم كِنانَهْ
بِأَبي مُرُّ الجفَا بالدُّرِّ حَالِي
قَدْرُه قد حَطَّ مِن قَدْرِ العَوالِي
مَطْلبِي مِن ثَغْرِه كَنْزُ الَّلآلِي
رَصَّع المَرْجانَ بالدُّرِّ المَصُونِ ... كلّ مَرْجانَهْ بأعْلاَها جُمَانَهْ
حَبَّذا مَن خَلْقُه الغُصْنُ الْوَضِيُّ
حبَّذا مَن خُلْقُه الغَضُّ الرَّضِيُّ
حبَّذا مَن جِسْمُه الْبَضُّ الطَّرِيُّ
حَبَّذا منه وُعُودٌ مِن جُفونِ ... غيرِ خَوَّانَهْ مَوَدَّاتِ الأمانَهْ
أيُّها الَّلاحِي أما لِلْعَذْلِ عُذْرُ
سَلِّمِ الأمرَ فإن الأمرَ أمْرُ
ودَعِ الإنْكارَ فالإنكارُ نُكْرُ
كيف تلْحانِي على زَاهِي جَبِينِ ... قَدُّه زَانَهْ وفُوهُ أُقحُوانَهْ
كيف تَلْحَى فيه زَيْنَ الْعابِدينَا
كيف تَلْحَى فيه كَنْزَ الطَّالِبِينَا
كيف تَلْحَى فيه نَجْلَ الصَّادِقِينَا
إنما عَذْلُك قلبي في شُجُونِ ... مِثْلُ صَفْوانَهْ هَوَتْ من أُسْطُوانَهْ
أنا لي مَجْدٌ ولي جَدٌّ عَتِيقُ
ابنُ صِدِّيقٍ صَدُوقٌ وصَدِيقُ
ورَقِيقٌ أنا والشِّعْرُ رَقِيقُ
وجَوَارِي قُصَّدِي قُبُّ البُطونِ ... كلُّ خَمْصانَهْ بألْفَيْ بَهْرمانَهْ
وصلاةُ اللهِ والتَّسْليمُ تَتْرَى
لِلنَّبِيِّ المُجتبَى كَنْزاً وذُخْرَا
والرِّضَا عن صحبهِ دُنْيَا وأُخْرَى
مَن له اللهُ بجبريلَ الأمينِ ... زاد سُلطانَهْ وقَوى عُنْفُوَانَهْ
ومن مقاطيعه قوله:
لا تسألِ الناسَ مُعادَاتِهمْ ... إن كنتَ لا تَرْضَى مُعاداتِهمْ
وعِفَّ عن شُرْبِ شَراباتِهمْ ... مَن يسْألِ الناسَ شَراباً تُهِمْ
وله:
ولي حِلْمُ مَيّالٍ عن البَطْشِ قادرٍ ... على العَفْوِ لم يخطُر سِواه بِبَالِهِ
إذا سَمحتْ بالمالِ يوماً يَمِينُه ... أسَرَّ عَطايَا جُودِه عن شِمالِهِ
وقوله:
هي الألْحاظُ فاحْذَرْها وإلاَّ ... دَهَتْك بَوابِلِ النَّبْلِ الهَتُونِ
إذا قلتُ ارْحَمِينِي قال قلبي ... وهل في العِشْقِ يا أُمِّي ارْحمينِي
ومن أبياته المفردة:
الناس خوفَ الذُّلِّ في ذِلَّةٍ ... وخَشْيةَ أن يَتْعبُوا في تَعَبِ
وله:
الناسُ مثلُ الناسِ لكنَّهم ... طِباعُهم تُنْكرِها النَّاسُ
أحمد الوارثي الصديقي رأس حمله الحديث والفرقان، وشهاب الملة الذي لا يمكن أن يرى الفلك نظيره في ألف قران.
اشتهرت أحاديث فضائله فأصبحت رونق السير والأسمار، وظهرت أعلام علمه فلا تخفى إلا على أكمه لا يعرف الشموس والأقمار.
فكان له في الشهرة الفضل المقدم، وأقر له مع التأخر السابق الأقدم.
فرجع العلماء إليه رجوع الحديث إلى قتادة، وصدق الخبر الخبر فيما ألفه من الخير المحض واعتاده.
فلو تقدم عصره نزلت آي القرآن شواهد بفضله وآثاره، أو لحق الصديق الأكبر لقال: هذا وراثي بصدقه وإيثاره.
وهو من الأدب في مرتبة سنامه وكاهله، تحوم الآراء حول مراده فترتوي من مناهله.
وله نظمٌ ونثركما انتظمت الأنوار، بعد ما انتثرت عليها الأمطار، أو كما انتظمت الأطوار، بعد ما انتثرت من تشتت المآرب والأوطار.
فمن ذلك قوله:
ماذا تقولين فيمَن شَفَّه سَقَمٌ ... مِن فَرْطِ حبِّك حتى صار حَيْرانَا
قد لاَذَ في الحبِّ حتى صار مُكْتئباً ... والعشقُ أضْرَم فيه اليومَ نِيرانَا
هل يشْتفي منك بالثَّغْرِ الرَّحِيق إذاً ... أو تتْركيه على الأدْنانِ نَدْمانَا
وقوله:
وإنِّي لَصَبٌّ بالقوافِي ومَدْحِها ... ويبلُغ بي حَدَّ السرويرِ بَليغُهَا
стр. 666
وأطْيَبُ أوْقاتي من الدهرِ ليلةٌ ... تُرِيع القوافِي خاطرِي وأُرِيعُهَأ
وكم بلَغتْ بي هِمَّتِي بُعْدَ غَايةٍ ... يَعِزُّ على الشِّعْرَى الْعبُورِ بُلُوغُهَا
فما سَرَّني إلاَّ كلامٌ أُسِيغُه ... بِمَسْمَع واعٍ أو مَعانٍ أَصُوغُهَا
وكتب إلى بعض وزراء مصر:
يا أيُّها المَوْلَى الوزيرُ ومَن له ... مِنَنٌ حَلَلْنَ من الزَّمانِ وَثاقِي
مَن شاكِرٌ عنَّي يدَيْك فإنَّنِي ... مِن عُظْمِ ما أوْلَيْتَ ضاق نِطاقِي
مِنَنٌ تَحِفُّ على يديْك وإنما ... ثَقُلَتْ مَواهِبُها على الأعْناقِ
وله فيمن اسمه بدر:
سَمَّوه بَدْراً وذاك لَمَّا ... أن فاقَ في حُسْنِه وتَمَّا
وأجْمَع الناسُ مذ رَأَوْهُ ... بأنَّهُ اسمٌ على مُسَمَّى
وله:
وكم للهِ مِن نِعَمٍ ... يعُمُّ الكونَ مَاطِرُهَا
تُذكِّرُنا أوائِلُها ... بما تُولِي أوَاخِرُهَا
وله:
رُمْتُ حالَ الوَصْلِ أنِّي ... لا أرَى للوصلِ آخِرْ
فَحُرِمْتُ الوصلَ رَأْساً ... زاد بي الوجدُ فَحاذِرْ
ولده: محمد إياسي الزكن، عريٌّ عن العي واللكن.
رحب ذرعه، ودل على كرم أصله فرعه.
فهو قريع فخامةٍ وجلالة، ووارث الفضل لا عن كلالة.
ويرجع مع الأصل الأصيل، إلى أدبٍ لوصفه في فن الفضائل تفريع وتأصيل.
وقد وقفت على ديوانه، الذي سماه نزهة الأبصار، وروض الأزهار، فجردت من أحاسن أبياته، ما استحسنته لتوشية الطروس بإثباته.
فمن ذلك قوله:
حبيبي في التَّلطُّفِ بي يُحاكِي ... مُطاوَعة الأَراكةِ للنَّسِيمِ
نديمٌ قد تملَّكني رَقِيقاً ... وإنِّي عبدُ رِقٍ للنَّدِيمِ
يُعاطِينِي الحديثَ وخَمْرَ ثَغْرٍ ... فَأسْكَر بالحديثِ وبالْقديمِ
وإن رام السُّلُوَّ فإن قلبي ... صحيحُ الوُدِّ في جَسَدٍ سقيمِ
أقمتُ بحُبِّه ومَضَى عَذُولِي ... فلا اجْتَمع المُسافِرُ بالمُقيمِ
وقوله في الغزل:
أُفَدِّي غزالي الذي غَزَا لِي ... بسَيْفِ لَحْظٍ وما رَثَى لِي
هَزَّتْه رِيحُ الصَّبا سُحَيراً ... فمَاسَ كالغُصْنِ في دَلالِ
وقام يجْلُو شمسَ الْحُمَيَّا ... من رِيقِ فِيهِ شُهْدِي حَلا لِي
وجاء يهْتزُّ مثلَ غُصْنٍ ... وقد سَقاني وقد مَلاَ لِي
فصرتُ أشكُو النَّوَى إليه ... وما نَوَى لي من المَلالِ
وقلتُ باللهِ يا حبيبي ... انْظُرْ لِحالِي قد صار حَالِي
يا بدرَ تِمٍ بأُفْقِ سَعْدٍ ... يا مُشْترِي القلبِ بالوِصالِ
حمَّلْتني في هواك ما لا ... أفْدِيك خِلِّي بكُلِّ مَالِي
ومُرْسَلُ الدمعِ سال فَيْضاً ... والقلبُ واللهِ ليس سَالِي
ومَقْصِدي أن أراك يوماً ... ماذا على الدهرِ لو صَفَا لِي
يا قامةَ الغُصْنِ في اعْتدالٍ ... يا طَلْعَة البدرِ في الكمالِ
لا عِشْتُ إن لم أكُنْ مُحِبّاً ... أحْفَظُ وُدِّي ولا أُبالِي
وأرْتضِي في هَواك هَتْكِي ... وأُنْفِقُ الرُّوَح ثم مَالِي
وله:
رُبَّ ساقٍ خَمْرةً مِن ثَغرِهِ ... وثَناياهُ كدُرٍ أو حَبَبْ
أوْرَثَ العقلَ خَبالاً عندما ... أن تَبدَّى لي بكأسٍ مِن ذَهَبْ
مَذْهبي فيه طِرازٌ مُذْهَبٌ ... واصْطبارِي في هَواه قد ذَهَبْ
لَيِّنُ الأعطافِ قَاسٍ قلبُه ... واللَّمَى يحْكِي ضَرِيباً أو ضَرَبْ
عَارِضاهُ أنْبتَبَا آساً وفي ... وَجْنتَيْهِ أصبحَ الوَرْدُ عَجَبْ
وقوله:
ألِفُ الْقَوامِ ولامُ عارضِ مَن سَبَا ... عقلي ومِيمُ الثَّغْرِ مَعْ صادِ المُقَلْ
стр. 667
إن جُمِّعُوا وغَدَوْا نَصِيبي مَرَّةً ... من فيه ذاك شِفاءُ قلبي مِن عِلَلْ
فيه توليدٌ لطيف، وهذا النوع مما تظرف فيه الأدباء، ومنه قول بعضهم:
كأنَّ مُقلتَه صادٌ وحاجبَه ... نونٌ وموضِعَ تَقْبِيلي له مِيمُ
فصِرْتُ أعْشَقُ من عِشْقي له صَنمَاً ... وعاشِقُ الصَّنَم الإنْسِيِّ مَرْحُومُ
قال الزكي بن أبي الإصبع، في تحرير التحبير: إن أغرب ما سمعت في التوليد:
كأنَّ عِذَارَهُ في الخَدِّ لاَمٌ ... ومَبْسِمَه الشَّهِيَّ العَذْبَ صادُ
وطُرَّةَ شَعْرِه ليلٌ بَهِيمٌ ... فلا عَجَبٌ إذا سُرِق الرُّقادُ
فإنه ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد، لفظة لص، وولد من معناها تشبيه الطرة بالليل وذكل سرقة النوم، فحصل توليدٌ وإغرابٌ وإدماج.
وأستحسن أنا فيه قول بعضهم:
تاللهِ ما لِمُعذِّبي في حُسْنِه ... شَبَهٌ فأيُّ حَشاً عليه لم يَهِمْ
لاَمُ العِذارِ وميمُ مَبْسمِه على ... ما أدَّعِي من حُسْنِه بُرْهانُ لَمْ
ولابن جابرٍ الأندلس، معتذراً عمن لم يسلم:
لا تَعْتِبَنَّ على تَرْكِ السَّلامِ فقد ... جاءَتْك أحْرُفُه كَتْباً بلا قَلَمِ
فالسِّيُن مِن طُرَّتِي والَّلامُ مَعْ ألِفٍ ... مِن عارِضِيَّ وهذا المِيمُ مِيمُ فَمِي
وللوارثي:
أقْبَلَ المَحبوبُ يوماً ... خاَطِراً نَحْوَ الْمُعَنَّى
مُفْرداً في الحُسْنِ فاعْجَبْ ... منه فَرْداً يتَثنَّى
غصبه من قول ابن نباتة:
فريدٌ وهْوَ فَتَّانُ التَّثَنِّي ... فيالَلَّهِ من فَرْدٍ تَثَنَّى
ومثله لابن العفيف:
هو لا شَكَّ واحدُ النَّاسِ في الحُسْ ... نِ وإن كان قَدُّهُ يتَثَنَّى
وله:
بأبِي أفْدِي غَزالاً ... مُكْثِراً للهَجْرِ والْبَيْنِ
عَارِضَاه صَيَّرانِي ... هِمْتُ من وَجْدِي بلا مَيْنِ
من قول البدر الدماميني:
لاَمَا عِذارَيْكَ هما أوْقَعَا ... قَلْبَ المُحِبِّ الصَّبِّ في الْحَيْنِ
فَجُدْ له بالوَصْلِ واسْمَحْ له ... ففِيكَ قد هامَ بِلاَ مَيْنِ
أبو الإسعاد يوسف الوفائي أحد السادات بني وفا، الذين اربى قدرهم على أهل الدنيا وأوفى.
تميزوا في الأولياء تميز الملوك في الأجناد، وجردوا عزمهم فكان فرنده النقي وغمده تبسيم الأجياد.
سقى عهودهم بالماء الطاهر، وتحلوا بحليتي الباطن والظاهر.
فإذا اقتسم الفضل وشرف الخصال، فللناس منهما الأسماء ولهم الأفعال.
وإن ذكر المدح والثنا، فكلهم يعرفون في الوصف الجميل بالكنى.
فليت شعري بأي وصفٍ أصفهم، ولو جمعت جيوش البلاغة لم أكن أنصفهم:
ولولا أنَّ في الأشْياءِ ما لاَ ... يُنالُ بكَدِّ نَفْسٍ واجْتهادِ
كتبتُ ثَناءَهم بسَوادِ عَيْني ... مَخَافَةَ أن يُدَنَّسَ بالمِدادِ
وأبو الإسعاد هذا رونق منتسبهم العالي، وبهجة منتداهم الذي أطلع ثمر المعالي.
جمال عصره، ويوسف مصره.
عطف سماحه مياس، ونيل كفه جارٍ بغير مقياس.
فهو في الروض إذا ذوى ناضر العود، ولدى الحوض وإن خوى أسعد السعود.
ولعين الرجاء نزهةٌ في روض مساعيه الخصيبة الرحاب، ولآثاره عليه ثناءٌ كثناء الرياض على غر السحاب.
فتتشوق النفوس إلى تلك الشيم، تشوق الجدب إلى فيض الديم.
والجود حسن السادة الكرام، كالحسن يدعو الناس إلى الغرام.
فلله ما وهبه العز من تجمله به وتحليه، وتبرجه بآرائه وتجليه.
بوجهٍ لا يحاسنه شيءٌ في الإشراق، ومعالٍ من ادعاها لزمته جناية السراق.
فهو يثير بشيم اللطف، وينيل بالديم الوطف.
ويهتز للأدب عطف بانه، ويضطرب لمجتديه كأنما نادمه ابن بانة.
وله من رائق النظام، ما هو كالثريا في الانتظام.
فمنه قوله:
لَحِيِّ أهلِ الْوَفَاءِ سِرْ بِي ... فإن فيه غَزَالَ سِرْبِ
مِلْ بي إلى نَحْوِهم وعُجْ بِي ... سَلِمْتَ مِن فِتْنةٍ وعُجْبِ
стр. 668
قومٌ بهم ما حَيِيتُ دَائِي ... وهم دَوَائِي وعَيْنُ طِبِّي
وهم شموسُ العُلَى افْتخاراً ... بفَيْضِ كَسْبٍ وفَيْضِ وَهْبِ
وهم سحَابُ الرَّجَا مَطِيراً ... إذا اشْتكَى الدَّهرُ عَهْدَ جَدْبِ
ولاَحَ سِرُّ الوفاءِ منهم ... عَوْناً إذا سامَ دَفْعَ كَرْبِ
فهم عِياذِي وهم مَلاذِي ... لكلِّ هَوْلٍ وكلِّ خَطْبِ
وليس لي عنهُمُ غَنَاءٌ ... وهكذا حَالةُ الْمُحِبِّ
وقد رَضَوا لي سَلْبِي سِواهُمْ ... فاشْهَدْ مَقامَ الرِّضا وسَلْ بِي
لا نِلْتُ مِن قُرْبِكم وِصالاً ... إن لم أمُتْ فيكمُ بحُبِّي
غَمَرْتُمونِي بكلِّ فَضْلٍ ... وقد عَمَرْتُم رُبوعَ قلبِي
وهكذا تفعلُ الْمَوالِي ... إذا رَعَوْا ذِمَّةً لِصَبِّ
وقوله:
قَسَماً بكم يا سادتي وغَرامِي ... ما حُلْتُ عن عَهدِي لكم وذِمامِي
وأنا المُقيمُ لكم على عَهْدِ الوفَا ... وعلى هَواكُم تَنْقضِي أيَّامِي
غيري يُغَيِّرُه الجَفاءُ عن الهوى ... فيَمِيلُ نحوَ مَلامةِ اللُّوَّامِ
وأنا الذي لو مُتُّ فيكم لم أحُلْ ... عنكمْ ولا يَثْنِي المَلامُ زِمامِ
يا سادتِي عَطْفاً على عَبْدٍ لكم ... فعَسَاكمُ تحْنُوا على الْخُدّامِ
فالقلبُ في نِيرانِ تَبْرِيحِ الجَوَى ... يَصْلَى وجَفْنِي مِن جَفاكُمْ دَامِي
أرْضَعْتُموني دائماً ثَدْيَ الرِّضَا ... ويَشُقُّ من بَعْدِ الرِّضاعِ فِطامِي
فعلى مَ أظْهَرْتُم إهانةَ عَبْدِكم ... مِن بَعْدِ ذاك العِزِّ والإكْرامِ
ما زَلَّ بي قَدَمٌ وإن زَلَّتْ فكَمْ ... غُفِرتْ لَدَيْكم زَلَّةُ الأقدامِ
قَسَماً بفضْلِكُمُ عَليَّ وإنه ... لِذَوِي المَعارِفِ أعظمُ الأقْسَامِ
بسِواكمُ ما لِلْفُؤادِ تَعَلُّقٌ ... أنتم مَرامِي دونَ كُلِّ مَرامِ
يا عَاذِلِي ذَرْنِي فإني كُلَّما ... زِدْتَ الْمَلامَ عليَّ زادَ هُيامِي
كيف التَّسَلِّي عن هَواهُم بَعْدَمَا ... سَكَنَ الهوى في مُهْجَتِي وعِظامِي
مَن رامَ فَضْلاً يَأْتِهِمْ مُتأدِّباً ... يَحْظَى بهم ويفوزُ بالإكْرامِ
إنِّي لأَطْرَبُ من مَدِيحِ صِفاتِهمْ ... فأمِيلُ نَشْواناً بغير مُدَامِ
إنْ أعْرضُوا فأنا الصَّبُورُ وإن أبَوْا ... فأنا الشَّكورُ بِخُلَّتِي وغَرامِي
شُرِّفْتُ حين غَدَوْتُ مِن خُدّامِهمْ ... ورَقِيتُ في الإسْعادِ خيرَ مَقامِ
ومن مطولاته قوله:
حَيِّهِمْ إن جِئْتَهم يا سَعْدُ حَيّ ... فهمُ أهلُ الوفَا في كلِّ حَيّ
عِشْ بهمْ صَبّاً ومُتْ في حُبِّهمْ ... مَن يَمُتْ في حُبِّ حَيٍ فهْو حَيّ
هُم مُلوكُ الأرضِ سَاداتَ الورَى ... فاَرْوِ عنهم واطْوِ ذِكْرَ الْغَيْرِ طَيّ
لم يزَلْ إحْسانُهم يغْمُرُنا ... مُطْلَقاً بالفَيْضِ في نَشْرٍ وطَيّ
كم كذا ألْطَافُهم تَأْتِي بما ... فيه لِلْقَلْبِ شِفاءٌ ودَوِيّ
لَفْظُهم والجودُ ذَا فيه شِفَا ... لِذَوِي السُّقْمِ وذا فيه رَوِيّ
مِن كِلاَ هذين لا أبْرَحُ لي ... سَكْرَةٌ فارْوِ لهم عن سَكْرَتَيّ
أنا منهمْ لم أزَلْ مُكْتسِباً ... كُلّ ما يُنْسَبُ في الخيرِ إلَيّ
فسَناهُم لاَمِعٌ في فِكْرَتِي ... ونَداهُم هَامِعٌ في رَاحَتَيّ
стр. 669
طَرَقَتْنِي نَفْحة مِن سِرِّهم ... فكَسَا ضَوْءُ سَناهَا أصْغَرَيّ
صَيَّرتْني مُنْشِئاً مُرْتَجِلاً ... كلُّ ما أطلُبه في قَبْضَتَيّ
أسْعَدَ اللهُ بهم فِكرِي فلا ... يعْترِيِني قِصَرٌ في سَاعِدَيّ
وَاجِبٌ عنديَ أنْ أسْعَى علَى ... بَصَرِي حَقّاً لهم لا قَدَمَيّ
يا لِسانِي أدِمِ المَدْحَ لهم ... دائمَ الدهرِ ويا فكرِي تَهَيّ
أنا واللهِ مُحِبٌّ لكمُ ... صَدِّقُوني ليس بعدَ اللهِ شَيّ
مُخْتَفٍ حُبُّكمُ في مُهْجتِي ... عن جميعِ الخَلْقِ إلاَّ مَلَكَيّ
لا يخفى أنه أراد المعارضة لابن الفارض، ولكنه بحكم عارض المحبة بقي تحت ذيل العارض، وبيت الفارضي:
كان لولا أدْمُعِي أسْتغْفِرُ اللَّ ... هَ يَخْفَى حُبُّكم عَن مَلَكَيّ
مُذ مَنَحْتُم بِوَفاً دون جَفاً ... فلذا أنْسَيْتُمونِي أبَوَيّ
وسَقانِي كَفُّكم كأسَ نَدىً ... مِن رَحِيقٍ بَرْدُه وَسْطَ حَشَيّ
دام مِنِّي المَدْحُ يأْتِيكُم علَى ... سائق الأظْعانِ يَطْوِي الْبِيدَ طَيّ
عبد الرحيم الشعراني خلاصة جيله، الواجب أمر تعظيمه وتبجيله.
وآل بيته الأخيار، رونق السير وطلاوة الأخبار.
لهم نفوسٌ بالأسرار الروحانية عارفات، إذا كان لغيرهم منها عارفةٌ فلهم منهم عارفات.
فما زالوا يطلعون من أخلافهم، ما يبقى به ذكر أسلافهم.
وهذا الحبر العالم، زين الله به منهم المعاهد والمعالم.
فنال حفلا به السعد اكتمل، وابتسم بمرآه ثغر المنى وامتد خطو الأمل.
وهاجر إلى الروم لأمرٍ دعاه، فحمد عند أهل المشاهدة مسعاه.
فأقام بها راتعاً من الجلالة في نضرها ولدنها، إلى ان انتقل من ظهرها إلى بطنها.
يملأ الصدور انشراحا، ويعم الأرجاء أفراحا.
ولا يألو وليه شكر منه الجسيم، كما شكر عارفة الروض لسان النسيم بوقارٍ كما تشتهيه العيون، ونصحٍ كما تقتضيه الظنون.
يلهب الوجد الذي خمد، ويذيب الدمع الذي جمد.
ووعظٍ يقيم الحرج، على الشيخ أبي الفرج.
وله أشعارٌ مشتملة على حكم ووعظ، يتمتع بها القلب قبل اللفظ.
فمنها قوله في عقد كلاٍم ينقل عن كسرى، كاتب به قيصر جواباً عن مكاتبة:
كَاتَبَ في السَّبِق كسرى قَيْصَرُ ... بما اسْتقامَ مُلْككُم والظَّفَرُ
فقال قد دامَ لنا الْولاءُ ... بخَمْسةٍ طاب بها الْهَناءُ
إن اسْتَشَرْنا فَذَوِي العُقولِ ... وإن نُوَلِّي فذَوِي الأُصولِ
وليس في وَعْدٍ ولا وَعِيدِ ... نُخالِفُ القولَ على التَّأْبِيدِ
وإن نُعاقِبْ فعلى قَدْرِ السَّبَبْ ... مِن الذُّنوبِ لا على قَدْرِ الغَضَبْ
ولا نُقَدِّمُ الشبابَ مُطْلَقَا ... على الشيوخِ في وَلاءٍ أُطْلِقَا
وله في التوسل:
يا سيِّدَ الرُّسْلِ ومَن جُودُهُ ... لكلِّ خَلْقِ اللهِ مُسْترسِلُ
أنتَ الذي خَصَّك رَبِّي بما ... لم يُحْصِه المِزْبَرُ والمِقْوَلُ
وإنِّني عبدُك مَنْ جُرْمُهُ ... لفِكْرِ ذي اللُّبِّ غَدَا يُذْهِلُ
قد جئتُ أبْغِي توبةً يَنْمَحِي ... عنِّي بها الوِزْرُ الذي يُثْقِلُ
والسَّتْرَ في دِيني وأهْلِي ومَن ... يَحْوِيه بَيْتي أو بهِ يَنْزِلُ
فأنتَ بابُ اللهِ أيُّ امْرِىءٍ ... أتاه مِن غيرِك لا يَدْخُلُ
هذا البيت مضمن من قصيدة الشمس البكري، التي أولها:
ما أرْسَلَ الرحمنُ أو يُرْسِلُ ... مِن رحمةٍ تصْعَدُ أو تَنْزِلُ
في مَلَكوتِ اللهِ أو مُلْكِهِ ... مِن كلِّ ما يخْتَصُّ أو يَشْمَلُ
إلاَّ وطه المُصطَفى عبدُه ... نَبِيُّهُ مُخْتارهُ المُرْسَلُ
وَاسِطةٌ فيها وأصْلٌ لها ... يعْلَم هذا كلُّ مَن يعقِلُ
ولده: أبو السعود
стр. 670
هذا سعد السعود، الذي لو مس عوداً يابساً لعاد الماء في العود، حتى ينور خضرا، ويثمر غضاً نضرا.
ولد في طالع السخا، وغذي في بحبوحة الرخا.
ومارس المعارف ممارسةً كشفت له عن وجوه الحقائق، وأظفرته بفوائدها الجلائل، وفرائدها الدقائق.
فقدمه في العلم راسخة عالية، والمسامع بمحامده مقرطةٌ حالية.
وكانت أوقاته مقسمةً بين عارفةٍ ينيلها، وملمةٍ يزيلها، وفائدةٍ يبديها، وصنيعةٍ يسديها.
ومجلسه أوله ثناء جميل، وآخره دعاءٌ جزيل، وبينها ترحيبٌ وتأهيل.
ففخره يتقلده جيد الدهر وليته، وذكره يأرج له مسرى النسيم وهبته.
وله أدبٌ يتنافس فيه بلا تطرية مادح، وشعرٌ ورى فيه زنده ولم يقدح فيه قادح.
فمنه قوله مخمساً:
يا حادِيَ العِيسِ إن حَفَّتْ بك الْكُرَبُ ... الْحقْ هُدِيتَ برَكْبٍ ساقَهُ الطَّرَبُ
وقُلْ لِصَبٍ غَدَا بالشوقِ ينْتحِبُ ... لِمَهْبِطِ الوَحْي حَقّاً ترحَلُ النُّجُبُ
وعندَ هذا المُرَجَّى ينْتهِي الطَّلبُ
أعْنِي الرسولَ الذي قد شَرَّفَ الأُمَمَا ... ونال سائِلُهُ فوقَ الوَرَى قسمَا
يَلْقَى العُفاةَ بما يَرْجُون مُبْتسِمَا ... به تحُطُّ رِحالُ السَّائلين فَمَا
لِسائِلِ الدَّمْعِ ما يَقْضِيهِ ما يَجِبُ
إن رُمْتَ كشفَ العَنَا والحَوبِ والنُّوَبِ ... كذا الخَلاصَ مِن الأكْدارِ والنَّصَبِ
وأن تكونَ سعيداً غيرَ مُكتئِبِ ... قِفْ وِقْفَةَ الذُّلِّ والإطْراقِ ذا أدبِ
فعندَ حَضْرتِهِ يُسْتَلْزَمُ الأدبُ
يا مَن بِهِمَّتِه قد صار مُنطلِقَا ... وسكَّن الرُّوحَ منه بعدَ ما فَرَقَا
ذاك الحبيبُ الذي مِن صَفْوةٍ خُلِقَا ... له الملاحةُ خَلْقاً والنَّدَى خُلُقَا
والثَّغْرُ مُبْتَسِمٌ والكفُّ مُنْسكِبُ
إنْ أزْمةٌ أوْهَنتْ قلبي كذا جسدِي ... أو كُرْبةٌ فَرَّقتْ جُنْدِي كذا جَلَدِي
فليس لي نَاصِرٌ إلاَّك يا سَنَدِي ... يا سيِّدي يا رسولَ اللهِ خُذْ بيَدِي
فأنتَ حَسْبِي ومنكم يُعْرَفُ الحَسَبُ
سري الدين محمد الدروري المعروف بابن الصائغ ماجدٌ سرى، وفاضلٌ بكل مدحٍ حري.
قد ضربت البراعة رواقها بناديه، ولم يزل داعي البلاغة من كثبٍ يناديه.
مضى حيث يرتد العضب الصقيل وهو كهام، وبلغت هممه حيث تقصر عن مداركها خطا الأوهام.
فقعد حيث كيوان بإزائه، وعقد له الفلك ذوائب جوزائه.
إنَّ السَّرِيَّ إذا سَرَى فبنفسِه ... وابنُ السَّرِيِّ إذا سَرَى أسْرَاهُمَا
فهو ظرف علم، ووعاء حلم، ومن عرف حاله من الإيثار عرف الحلي كيف يصاغ، والسلاف الرائق في الأفواه كيف يساغ.
هو امْرؤٌ لا يصُوغُ الحَلْيَ تعملُه ... كَفَّاهُ لكنَّ فَاهُ صائغُ الكَلِمِ
وقد أوتي من حلاوة الأخلاق والبيان، ما يزرع حب الحب في الصميم من الجنان.
فنظمه جارٍ في بداعة الأسلوب على غير مثال، ونثره حقه أن يجعل كل فقرةٍ منه مثلاً من الأمثال.
جميع الأمثال منه تطرب، ولكونها لا تلحقه تضرب.
فمن نظمه قوله من قصيدةٍ، أولها:
رَعَى الله عَهْداً بالغَرامِ تقدَّمَا ... أراه بثَوْبِ الدهرِ وَشْياً مُنَمْنَمَا
وحَيَّى الْحَيَا منِّي ديارَ أحِبَّتِي ... وإن كان رَبْعُ الوُدِّ منهم تَهَدَّمَا
وإن كان وُدَّا في الْحَقيقةِ غيرَ أنْ ... عَشِقْتُ وأوْهَمْتُ الحِجَى فتوَهَّمَا
إلى كم أُضِيعُ العمرَ في أيْنَ هم غَدَوْا ... وحتَّى مَ يُسْليِنِي لعلَّ وأيْنَمَا
أُطالِبُ دهرِي أن يجودَ بقُرْبهم ... فما زادَ بالبُطْلانِ إلاَّ تَبَرُّمَا
وناشَدْتُه إلاَّ مُقاسمةَ الأذَى ... وصَفْوَ الليالي فاسْتقالَ وأقْسَمَا
وما ضَرَّهم لو أن بَرْقَ الْتقائِهمْ ... أضاءَ إذا لَيْلُ القَطِيعةِ أظْلَمَا
تبدَّتْ لِيَ الأيَّامُ في زِيِّ بَأْسِهِمْوسَلَّتْ بِكَفِّ الغَدْرِ للقَتْلِ مِخْذَمَا
следующие страницы →