Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل للعاشقين بأحكام الغرام رضا وحبب إليهم الموت في حب من يهوونه فلا تكن يا فتى بالعدل معترضاً فكم فيهم من عاشق ومحب صادق:
رأى فحب فرام الوصل فامتنعوا ... فسام صبراً فاعياً نيله فقضا
أحمده من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى وشبب يذكر محبوبه إن كان تهامياً في حجازاً وشامياً في نوى:
طور إيمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحميد المجيد شهادة من أصبح موته لبعده أقرب من حبل الوريد وقال لعاذله لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وأنك لتعلم ما نريد:
ولو أن ما بي من حبيب مقنع ... عذرت ولكن من حبيب معمم
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله شهادة من أخلص في موالاته وتبرأ من الإثم حين تولى عنه محبوبه بخاتم ربه وبراءته صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين يحبهم ويحبونه ويقفون عند ما أمرهم ولا يتعدونه ما ذر شارق وهام عاشق.
أما بعد فإن كتابنا هذا كما قيل.
كتاب حوى أخبار من قتل الهوى وسار بهم في الحب في كل مذهب مقاطعيه مثل المواصيل لم تزل تشبب فيه بالرباب وزينب فهم ما هم تعرفهم بسيماهم قد تركهم الهوى كهشيم عقال المحتظر وأصبحوا من علة الجوى على قسمين فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فهم ما بين قتيل وشهيد وشقي وسعيد على اختلاف طبقاتهم وأشكالهم وتباين مراتبهم وأحوالهم وغير ذلك مما تصبح به أوراقه يانعة الثمر وتمسي به صفحاته في كل ناحية من وجهها قمر فإذا نظرت إلى الوجود بأسره شاهدت كل الكائنات ملاحاً على أن جماعة من العصريين غلبوا من تقدم بالتأليف في هذا الباب ولم يفرق غالبهم في التشبيب بين زينب والرباب:
وكل يدعى وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا
فربع كتابنا هذا بذكر العامرية مغمور وهو بالنسبة إلى ما ألفه الشهاب محمود مشكور ومن وقف عليه علم صحة هذا الكلام وأنشدني تصديق هذه الدعوى إذا قالت حذام مؤلف طوق الحمامة بالنسبة إلى حجلته يحجل وصاحب منازل الأحباب ممن عرف المحل فبات دون المنزل.
وعذرت طيفك في الجفاء ... يسري فيصبح دوننا بمراحل
آخر
فيا دارها بالخفيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
فإن قلت الفضل للمتقدم وهل غادر الشعراء من متردم قلت نعم في الخمر معنى ليس في العنب وأحسن ما في الطاوس الذنب فدع كل صوت بعد صوتي فأنني أنا الصائح المحكي والآخر الصدا فكم ترك الأول للآخر ولا اعتبار بقول الشاعر:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يالفة الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل
فقد سقط في يديه وقيل في الرد عليه:
أفخر بآخر من كلفت بحبه ... لا خير في الحبيب الأول
أتشك في أن النبي محمداً ... ساد البرية وهو آخر مرسل
وقال ديك الجن الحمصي يرد على حبيب قوله المتقدم:
كذب الذين تحدثوا عن الهوى ... لا شك فيه للحبيب الأول
ما لي أحن إلى خراب مقفر ... درست معالمه كأن لم يوهل
فقال حبيب حين بلغه قول ديك الجن المذكور:
كذب الذين تخرصوا في قولهم ... ما الحب إلا للحبيب المقبل
أفطيب في الطعم ما قد ذقته ... من مأكل أو طعم ما لم يؤكل
فقال ديك الجن أيضاً حين بلغه قول حبيب هذا:
أرغب عن الحب القديم الأول ... وعليك بالمستأنف المستقبل
نقل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد أو كوصل مقبل
وقال أبو البرق وسلك بينهما جادة الإنصاف وبقوله يجب الاعتراف لأنه أحسن في المقال حيث قال:
زادوا على المعنى فكل محسنٍ ... والحق فيه مقالة لم يجهل
الحب للمحبوب ساعة وصله ... ما الحب فيه لآخر ولأول
стр. 2
على أنني لم أجحد ما في منازل الأحباب من ذكر حبيب ومنزل ولا تحملت على مصنفه فوا عجباً من قلبي المتحمل ولكن قصدت التنبيه على أن حسن التأليف مواهب وأن للناس فيما يعشقون مذاهب ومعلوم أن الجنون فنون وكل حزب بما لديهم فرحون ولم يزل كتابنا هذا في مسوداته منذ حجح وبيوته من بحورها في لجج لا أبيح ما فيه من منازل الأحباب لساكن ولا أمكن عاشقاً من المرور بتلك الأماكن:
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذاراً وخوفاً أن تكون لحبه
حتى برز لطلبه المرسوم الشريف الملكي الناصري أدام الله نشر إعلامه ولا أخلى كنانة من سهامه ما نفذت مراسيم سهام المقل وتثني قوام الحبيب الذي طاب به الزمان واعتدل فبادرت إلى تجهيزه وسبك إبريزه حسب المرسوم والمعدن الشريف من غير تسويف ولا تكليف ولم أبح زهر منثوره لغير حضرته الشريفة من الأنام لأنه كان يقال كل ما يصلح للمولى على العبد حرام لا جرم أنه جاء بنظره السعيد نزهة للنظر وقال الواقف على عتبة بابه أن السعادة لتلحظ الحجر فهو للسلطان بستان وللعاشق سلوان وللمحب الصادق جبيب موافق وللمهجور نجوة وللنديم قهوة وللناسي تذكرة وللأعمى تبصرة وللشاعر المجيد بيت القصيد وللأديب الماهر مثل سائر وللمحدث قصص وللحاسد غصص وللفقيه تنبيه وللحبيب بالقمر تشبيه:
تبادره بالبدر منه بوادره ... وتحلو له عند المرور نوادره
ففيه له في كل يوم وليلة ... حبيب ملم أو نديم يسامره
ولي فيه نظم أن تضوع نشره ... ففي طيه حلو الكلام ونادره
ولي فيه منثور غدا في مقامه ... وعرف سناه مشرق الروض عاطره
ولي فيه من سحر البيان رسائل ... إذا ما جفاني أحور الطرف ساحره
ولي فيه أسرار الحروف لأنه ... ينقطه دمعي فتبدو سرائره
فنثور دمعي مثل نظيم سطوره ... خدودي إذا ما خط فيها دفاتره
تمد مداد الدمع أقلام هديه ... فدمعي حبري والسواد محابره
خدمت بديوان الصبابة عاملا ... فباشر قتلي من سباتي ناظره
فلولا الهوى ما مات مثلي عاشق ... ولا عمرت بالعامري مقابره
وفي غزلي ذكر الغزال ومربع ... تطار حتى فيه الحديث جآذره
أنزهه عن وصف خدر عنيزة ... ومنزل قفر سرن عنه اباعره
تجر قوافيه معال غدا بها ... جرير كعبداً وثقته جرائره
يشيب بها فود الوليد لأنه ... يسير وجنح الليل سود ضفائره
ولست أرى يوماً بدارة جلجل ... سوى شاعر دارت عليه دوائره
إذا ما نسي ذكر حبيب ومنزل ... فإني لمن أهواه ما عشت ذاكره
أجاور في سفح المقطم جيرة ... فيا حبذا المحبوب حين تجاوره
فيا طيف من أهواه طرفي إن غفا ... أتهجره بالله أم أنت زائره
وحقك لو سايرته بعض ليلة ... لسايرت صيامات في الحب سائرة
ويا تيه طيف من خيالك طارق ... فيطرق إجلالاً كأنك حاضرة
وبي من يحج الغصن رمح قوامها ... إذا بات في الروض النضير بناظره
إذا قبلت في الحلي والطيب قيل لي ... حبيبك بستان تضوع أزاهره
وإن رمت منها وهي غضبى التفاتة ... ثنت عواطفها نحو الغزال تشاوره
أيبرد ما ألقاه من حر هجرها ... وقد حميت يوماً علي هواجره
تحصنت في حصن الهوى من عواذلي ... وبات لقلبي جيش هم يحاصره
ولو لم يكن أعمى البصيرة عاذلي ... لما عميت عمن هويت نواظره
يشبهها بالغصن والغصن عندها ... يشاهدها يغضي ويطرق ناظره
أللغصن خد كالشقيق إذا بدا ... وشعر كجنح الليل سود غدائره
стр. 3
لئن طاب ذلي في هواها فإنني ... وحقك ممن عز في مصر ناصره
مليك يهز الرمح أعطاف قده ... كما اهتز غصن طار في الحب
مليك تريه قبل ما صار هو كائن ... بصيرته أضعاف ما هو ناظره
يليك إذا ما جئته حسن اللقا ... مجبل المحيا بارع الحسن باهر
مليك إذا ما صار كالبدر في الدجى ... فأولاده مثل النجوم تسايره
مليك أرى من حوله كل عالم ... يذكره في العلم ما هو ذاكره
مليك له في كل يوم ولية ... بشير توالت بالهناء بشائره
مليك أسود الغاب تحذر بأسه ... لأن ملوك الأرض طرا تحاذره
تروعهم شهب السماء وبروقه ... وما هي إلا سمره وبواثره
إذا افترعت أشكال حال اجتماعهم ... فأي ضمير لم يدس فيه ضامره
أي كماة لم بحرها يرعهم نزاله ... وأيّ مكان ما علته منابره
وأي قصيد بخرها لم يرق له ... وغائص فكري ناظم الدر ناثره
ولي فيه من غر التصانيف خمسة ... وهذا الذي طوق الحمامة عاشره
يضوع به المنثور كالزهر عندما ... تراوحه ريح الصبا وتباكره
فكم فيه لي من مرقص حول مطرب ... بتشبيبه في الحي يطرب زامره
ولو لم يكن مثل السكر دان ما غدا ... بحضرته يوماً تطيب حواضره
نعم الفته باسم مولانا السلطان على ... الوجه المشروح وتوليت لأجله
عمله بنفسي فجاء كما قيل عمل ... ... .... ... ... ... الروح للروح
أهيم بمن هام الحبيب بحبه ... ألا فاعجبوا من ذا الغرام المسلسل
وسلكت في تأليفه الاختصار ... والاقتصار على النوادر القصار
لأنه كان يقال الوضع وضعان ... وضع له افتخار ووضع له نجار
وقال يحيى بن خالد لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون واحفظوا أحسن ما تكتبون وحدثوا بأحسن ما تحفظون وخذوا من كل شيء طرفاً فإنه من جهل شيئاً عاداه. وسميته ديوان الصبابة ليصبح الواقف عليه مولهاً ويعلم أنه إن لم أكن أنا للصبابة من لها:
ما يعلم الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
أي والله
قلما يبرح المطيع هواه ... كافا ذا صبابة وجنون
стр. 4
ورتبته على مقدمة وثلاثين باباً وخاتمة أما المقدمة ففي ذكر حد العشق واشتقاقه وما قيل في وسمه ورسمه وأسبابه وعلاماته ومراتبه وأسمائه ومدحه وذمه وذكر اختلاف الناس فيه هل هو اختياري واضطراري ونحو ذلك وأما الأبواب فالباب الأول في ذكر الحسن والجمال وما قيل فيهما من تفصيل وإجمال والباب الثاني في ذكر المحبين والظرفاء من الملوك والخلفاء. والباب الثالث في ذكر من عشق على السماع ووقع من النزوع إلى الحبيب في نزاع. والباب الرابع في ذكر من نظر أول نظرة فاحترق من خد الحبيب بجمرة. والباب الخامس في ذكر تغير الألوان عند العيان من صفرة ووجل وحمرة وخجل وما في معنى ذلك من عقد اللسان وسحر البيان. والباب السادس في ذكر الغيرة وما فيها من الحيرة وقرع سن ديك الجن. والباب السابع في ذكر إفشاء السر والكتمان عن أبناء الزمان. والباب الثامن في ذكر مغلطة الحبيب واستعطافه وتلافي غيظه وانحرافه والباب التاسع في ذكر الرسل والرسائل والتلطف في الوسائل. والباب العاشر في ذكر الاحتيال على طيف الخيال وغير ذلك مما قيل فيه اختلاف معانيه. والباب الحادي عشر في ذكر قصر الليل وطوله وخضاب شفقه ونصوله وما في معنى ذلك. والباب الثاني عشر في ذكر قلة عقل العزول وما عنده من كثرة الفضول. والباب الثالث عشر في ذكر الإشارة إلى الوصل والزيارة. والباب الرابع عشر في ذكر الرقيب والنمام والواشي الكثير الكلام. والباب الخامس عشر في ذكر العتاب عند اجتماع الأحباب وما في معنى ذلك من الرضا والعفو عما مضى. والباب السادس عشر في ذكر إغاثة العاشق المسكين إذا وصلت العظم السكين. والباب السابع عشر في ذكر دواء علة الجوى وما يقاسيه أهل الهوى. والباب الثامن عشر في ذكر تعنت المعشوق على الصب المشوق وغير ذلك من أقسام الهجر وصبر النابض فيه على الجمر. والباب التاسع عشر في ذكر الدعاء على المحبوب وما فيه من الفقه المقلوب. والباب العشرون في ذكر الخضوع وانسكاب الدموع. والباب الحادي والعشرون في ذكر الوعد والأماني وما فيهما من راحة العاني. والباب الثاني والعشرون في ذكر الرضا من المحبوب بأيسر مطلوب. والباب الثالث والعشرون في ذكر اختلاط الأرواح كاختلاط الماء بالراح. والباب الرابع والعشرون في ذكر عود المحب كالخلال وطيف الخيال وما في معنى ذلك من رقة خصر وتشبيه الردف بالكثيب. والباب الخامس والعشرون في ذكر ما يكابده في طلب الأحباب من الأمور الصعاب. والباب السادس والعشرون في ذكر طيب ذكرى حبيب. والباب السابع والعشرون في ذكر طرف يسير من المقاطيع الفائقة والأغزال الرائقة مما اشتمل على ورد الخدود ورمان النهود وغير ذلك مما هنالك. والباب الثامن والعشرون في ذكر طرف يسير من أخبار المطربين المجيدين من الرجال وذوات الجمال وما في معنى ذلك من ذكر موالاتهم ووصف آلاتهم. والباب التاسع والعشرون في ذكر من ابتلى من أهل هذا الزمان بحب النساء والغلمان. والباب الثلاثون في ذكر من اتصف من العفاف بأحسن الأوصاف. وأما الخاتمة ففي ذكر من مات من حبه وقدم على ربه من غني وفقير وكبير وصغير على اختلاف ضروبهم وتباين مطلوبهم ولأجل ذكرهم أسست قواعد هذا الكتاب ودخلت فيه من باب وخرجت من باب ومن هنا نشرع في ذكر ما يجلب الراحة كمراوح الخيش وتكون عند المطالعة كالطليعة للجيش وهذه المقدمة في ذكر رسم العشق ووسمه ومدحه وذمه وذكر اختلاف الناس فيه هل هو اختياري واضطراري ويشتمل ذلك على خمسة فصول:
الفصل الأول
رسم العشق ورسمه وما قيل في اسمه
أقول هذا الفصل عقدناه لذكر رسم العشق وحده وجزر بحره المتلاطم ومده وما للناس فيه من الكلام الباين والقول المتباين إذ فيهم من التبس عليه فسماه باسم سببه أو باسم ما يؤول لغيه وغير ذلك مما التبس عليهم فيه الجواب وإصابة الصواب وعذرهم الظاهر قول الشاعر:
يقول أناس لو نعت لنا الهوى ... والله ما أدري لهم كيف أنعت
فليس لشيء منه حد أحده ... وليس لشيء منه وقت مؤقت
стр. 5
فمن حدود المليحة ورسومه الصحيحة قول فيثاغورث الذي أخذ عن أصحاب سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فيما ذكره صاعد في كتاب الطبقات العشق طمع يتولد في القلب ويتحرك وينمو ثم يتربى وتجتمع إليه مواد من الحرص وكلما قوي زاد صاحبه في الاهتياج واللجاج والتمادي في الطمع والفكر والأماني والحرص على الطلب حتى يؤديه ذلك إلى الغم المقلق ويكون احتراق الدم عند ذلك باستحالة السوداء أو التهاب الصفراء وانقلابها إليها ومن طبع السوداء إفساد الفكر يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون وتمنى ما لا يتم حتى يؤدي ذلك إلى الجنون فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه وربما مات غماً وربما نظر إلى معشوقه فمات فرحاً وربما شهق شهقة فتختنق روحه فيبقى أربعاً وعشرين ساعة فيظنون أنه مات فيدفنونه وهو حي وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه وينضم عليها القلب ولا ينفرج حتى يموت وتراه إذا أذكر من يهواه هرب دمه واستحال لونه قال الإمام ابن الإمام محمد بن داود الظاهري وتكرار وإذا كان ذلك كذلك فإن زوال المكروه عمن هذه حالته لا سبيل إليه بتدبير الأدوية ولا شفاء له في نسخة وقال فزاري إلا بلطف رب العالمين وذلك إن المكروه العارض من سبب واحد قائم بنفسه يتهيأ التلطف فيه بزوال سببه فأما إذا وقع السببان وكان كل واحد منهما سبباً فإذا كانت الصوداء سبباً لاتصال الفكر وكان اتصال الفكر سبباً لاحتراق الدم والصفراء وقلبهما إلى تقوية السوداء فهذا هو الداء العضال الذي يعجز عن معالجته الأطباء ومنها قول أفلاطون الآخذ للحكمة عن فيثاغورس المتقدم ذكره العشق قوة غريزية متولدة من وسواس الطامع وأشباح التخيل نام بإيصال الهيكل الطبيعي محدث للشجاع جنباً وللجبان شجاعة يكسو كل إنسان عكس طباعه حتى يبلغ به المرض النفساني والجنون الشوقي فيؤديانه إلى الداء العضال الذي لا دواء له. ومنها قول ارسطاطاليس الآخذ للحكمة عن أفلاطون المتقدم ذكره العشق عمى العاشق عن عيوب المعشوق وهذا كقوله ﷺ حبك الشيء يعمي ويصم وقول الشاعر:
فلست براء عيب ذي الود كلّه ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضياً
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقول لآخر
وعين السخط تبصر كل عيب ... وعين أخي الرضا عن ذاك عميا
ومنها ما مشى عليه أبو علي بن سينا وغيره من الأطباء العشق مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والتماثيل وقد يكون معه شهوة جماع وقد لا يكون وقال بعض الأدباء الظرفاء العشق عبارة عن طلب ذلك الفعل المخصوص من شخص مخصوص وهذا ظريف وقال الجنيد العشق ألفة رحمانية وإلهام شوقي أوجبها كرم الله تعالى على كل ذي روح لتحصل به اللذة العظمى التي لا يقدر على مثلها إلا بتلك الألفة وهي موجودة في الأنفس بقدر مراتبها عند أربابها فما أحد إلا عاشق لأمر يستدل به على قدر طبقته من الخلق ولأجل ذلك كان أشرف المراتب في الدنيا مراتب الذين زهدوا فيها مع كونها معاينة ومالوا إلى الآخر مع كونها مخبراً لهم عنها بصورة اللفظ وقال الأصمعي سألت إعرابية عن العشق فقالت: جل الله عن أن يرى وخفى عن أبصار الورى فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن تركته توارى وقال بعضهم إن الجنون فنون والعشق فن من فنونه واحتج بقول قيس:
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين
إني جننت فهاتوا من جننت به ... إن كان ينفي جنوني لا تلوموني
стр. 6
وقيل لأبي زهير المدايني ما العشق فقال: الجنون والذل وهو داء أهل الظرف وقيل لأبي وائل الأوضاحي ما تقول في العشق فقال: إن لم يكن طرفاً من الجنون فهو عصارة من السحر وقالت إعرابية: هو تحريك الساكن وتسكين المتحرك وقال المأمون ليحيى بن أكثم ما العشق فقال: سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه وتؤثر بها نفسه فقال له تمامة: أسكت يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد صيداً فأما هذه فمن مسائلنا نحن فقال له المأمون: قل يا تمامة قال: العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب مالك وملك قاهر ملك مسالكه لطيفة ومذاهبه غامضة وأحكامه جائرة ملك الأبدان وأرواحها والقلوب وخواطرها والعيون ونواظرها والعقول وآراءها قد أعطى عنان طاعتها وقوة تصرفها وقياد ملكها وتوارى عن الأبصار مدخله وعمي عن القلوب مسلكه فقال له المأمون أحسنت يا تمامة وأمر له بألف دينار وهذا القدر كاف في معرفة العشق ورسمه.
الفصل الثاني
أسبابه وعلاماته
أقول هذا الفصل عقدناه للكلام على أسباب العشق النفسانية وعلاماته الجسمانية على أن هذا النوع الأخير كثير والمتصف به من المحبين جم غفير وسنورد من ذلك ما يعذب وروده وتخفق كقلب العاشق بنوده إن شاء الله تعالى قال بعض الأطباء سبب العشق النفساني الاستحسان والفكر وسببه البدني ارتفاع بخار رديء إلى الدماغ عن مني محتقن ولذلك أكثر ما يعتري العزاب وكثرة الجماع تزيله بسرعة وقال ابن الأكفاني في كتابه غنية اللبيب عند غيبة الطبيب إن أكل الطيور المسموعة يورث العشق وقال أيضاً في الخلاصة علامته نحافة البدن وخلاء الجفن للسهر وكثرة ما يتصعد إليه من الأبخرة وغور العين وجفافها إلا عند البكاء وحركة الجفن ضاحكة كأنه ينظر إلى شيء لذيذ ونفس كثير الانقطاع والاسترداد والصعداء ونبض غير منتظم لا سيما عند ذكر أسماء وصفات مختلفة فأيها اشتد عنده اختلاف النبض وتغير الوجه فهو وقال أرسطاطاليس الفلكي للعشق من النجوم زحل وعطارد والزهرة جميعاً ولذلك إذا اشتركوا في أصل المولد أو اجتمعوا وتناظروا في أشكال محمودة وقع بينهم العشق والمحبة في بيت أحدهم أو في حده وكان رب البيت أو صاحب الحد ناظراً إليه أو كانت الكواكب المذكورة ناظرة في أشكال محمودة أو متقارنة فزحل يهيئ الفكرة والتمني والطمع والهم والهيجان والأحزان والوسوسة والجنون وعطارد يهيئ قول الشعر ونظم الرسائل والملق والخلاعة وتنميق الكلام والتذلل والتلطف والزهرة تهيئ للعشق والوله والهيمان والرقة وتبعث في النفس التلذذ بالنظر والمؤانسة بالحديث والمغازلة التي تبعث على الشبق والغلمة وتدعو إلى الطرب وسماع الأغاني وما شابهه وقال بطليموس سببه أن تكون الشمس والقمر في برج واحد أو متناظرين من تثليث أو تسديس فمتى كان كذلك كانا مطبوعين على مودة كل واحد منهما لكون سهمي سعادتهما في مولديهما في برج واحد أو يتناظر السهمان من تثليث أو تسديس بعد أن يكون نظر صاحب سهم المحبة والصداقة فذلك يدل على أن هذين المولودين محبتهما من جهة المنفعة ومنفعتهما من جهة واحدة وإن أحدهما ينتفع بمودة صاحبه فتجلب المنفعة ما بينهما المحبة والمودة ويمتزجان ويؤيد هذا قول الخيزارزي:
ولكن أرواح المحبين تلتقي ... إذا كانت الأجساد عنهن نوّما
وأحسب روحينا من الأصل واحداً ... ولكنه ما بيننا منقسما
ولو لم يكن هذا كذا ما تألّمت ... له مهجتي بالغيب لما تألما
ومن علاماته إغضاء المحب عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرفه نحو الأرض وذلك من مهابته له وحيائه منه وعظمته في صدره ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم بل يكون خافض الطرف إلى الأرض قال الله تعالى مخبراً عن كمال أدب نبيه ﷺ في ليلة الإسراء ما زاغ البصر وما طغى وهذا غاية الأدب فإن البصر لم يزغ يميناً ولا شمالاً ولا طمح متجاوزاً إلى ما وراء ومنها اضطراب يبدو للمحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه كما قيل:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني ... فهيج أشجان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
دعا باسم ليلى أسخن الله عينه ... وليلى بأرض الشام في بلدٍ قفر
стр. 7
ومنها أنه يستدعي سماع اسم محبوبه ويستلذ الكلام في أخباره ويحب أهل محبوبه وقرابته وغلمانه وجيرانه ومن ساكنه كما قال الشاعر:
فيا ساكني أكتاف دجلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
وقال آخر:
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
ومنها كثرة غيرته عليه ومحبة القتل والموت ليبلغ رضاه والإنصاف لحديثه إذا حدث واستغراب كل ما يأتي به ولو أنه عين المحال وتصديقه وإن كذب وموافقته وإن ظلم والشهادة له وإن جار وأتباعه كيف يسلك والإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه والتعمد للقعود بقربه والدنو منه واطراح الأشغال الشاغلة عنه والزهد فيها والرغبة عنها والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى مفارقته والتباطئ في المشي عند القيام عنه وجوده بكل ما يقدر عليه مما كان يتمتع به قبل ذلك حتى كأنه هو الموهوب له وهذا قبل استعار نار الحب فإذا تمكن أعرض عن ذلك كله وبدله سؤالاً وتضرعاً كأنه يأخذه من المحبوب حتى أنه يبذل نفسه دون محبوبه كما كانت الصحابة يفدون النبي ﷺ في الحرب بنفوسهم حتى يصرعوا حوله كما قيل:
بفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فداك به
ومنها الانبساط الكثير الزائد والتضايق في المكان الواسع والمحاربة على الشيء يأخذه أحدهما وكثرة الغمز الخفي والميل والتعمد للمس اليد عند المحادثة ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة وشرب ما أبقى المحبوب في الإناء قلت ومنها تقبيل نعله في غيبته وقد رأيت من فعل هذا فعنفته على ذلك فقال: أسكت يا فلان ما تعلم ما في هذا من اللذة ثم أني وجدت هذا المذكور بمكة وأرسل معي كتاباً إلى محبوبه المذكور لأنه جاور فقلت له: كيف أمكن الصبر يا زيد عن عمرو فأنشد:
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب
ومنها تقبيل جدار الدار كما قيل:
أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار ... أمر على الديار ديار ليلى
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
ومنها الاتفاق الواقع بين المحب والمحبوب ولا سيما إذا كانت المحبة محبة مشاكلة ومناسبة فكثيراً ما يتكلم المحبوب بكلام أو يريد أن يتكلم به فيتكلم المحب به بعينه وكثيراً ما يمرض المحب بمرض محبوبه قلت وقد اتفق هذا غير مرة للسلطان الملك الناصر أحمد لما كان بالكرك مع محبوبه الشهيب فإنه كان يمرض لمرضه ويصح لصحته أخبرني بذلك من لا ارتاب في قوله ممن كان في خدمته ملازماً له وأما وقوع ذلك للمتقدمين فكثير فمن ذلك ما حكى عن أبي نواس أنه مرض فدخل عليه بعض أصحابه يعودونه فوجدوا به خفة قال فانبسط معنا وقال: من أين جئتم فقلنا: من عند عنان جارية الناطقي فقال: أو كانت عليلة قلنا: نعم وقد عوفيت الآن فقال: والله لقد أنكرت علتي هذه ولم أعرف لها سبباً غير أني توهمت أن ذلك لعلة نالت بعض من أحب ولقد وجدت في يومي هذا راحة ففرحت طمعاً أن يكون الله عافاه منها قبلي ثم دعا بدواه وكتب إلى عنان:
إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى تحدث عوادي بشكواك
فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا بحماك
وخصلةٍ كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك
حتى إذا اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاك
стр. 8
ومنها أنه إذا سئل عن أمر أجاب بخلافه وكثرة التثاؤب والتمطي والتكسل إذا نظر إلى محبوبه ونكثه في الأرض بإبهام رجله. وهذا كثير ما يقع للنساء وعضها على شفتها السفلى وضربها على عضديها أو ثدييها وإظهار محاسنها لمن تهواه توهمه أنها ترى ذلك لبعض أهلها ونظرها إلى أعطافها ووضعها الحديث في غير موضعه - إياك أعني واسمعي يا جارة - ومنها الانقياد للمحبوب في جميع ما يختاره من خير وشر فإن كان المحبوب مشغوفاً بالعلم اجتهد المحب في طلبه أشد من اجتهاده وإن كان مشغوفاً بالنوادر والحكايات الحسان والأخبار المليحة المستحسنة بالغ المحب في طلبها وحفظها وإن كان مشغوفاً بحرفة أو صناعة اجتهد في تعلمها أن أمكنه ذلك فالمحبة النافعة أن يقع الإنسان على عشق كامل يحمله عشقه على طلب الكمال والبلية كل البلية أن يبتلي الإنسان بمحبة فارغ بطال صفر من كل خير فيحمله حبه على التشبه به. وفي أخبار العشاق أن عاشقاً عشق السراويلات من أجل سراويل معشوقته فوجد في تركته اثنا عشر حملاً وفردة من السراويلات ذكره الصيمري وعشق آخر الهاونات من أجل صوت هاون محبوبته فوجد في تركته عشرة آلاف منها وقد وقفت من هذا على أشياء كثيرة والجنون فنون.
الفصل الثالث
مراتبه وأسمائه
أقول هذا الفصل عقدناه لذكر مراتب الحب وسياقه وأسمائه واشتقاقه على اختلاف لغاته وانفاق رواته ومن المعلوم أن الشيء إذا كان عند العرب عظيماً وخطره جسيماً كالهزبر والرمح والخمر والسيف والداهية والمحبة المحرقة وما أدراك ماهية وضعوا له أسماء كثيرة وكانت عنايتهم به شهيرة ولا شيء يعدل اعتناءهم بالحب الذي يسلب اللب فأول مراتبه الهوى وهو ميل النفس وقد يطلق ويراد به نفس المحبوب. قال الشاعر:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
ثم العلاقة وهي الحب اللازم للقلب كما قال الشاعر:
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم
وسميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم الكلف وهو شدة الحب وأصله من الكلفة وهي المشقة يقال كلفة تكليفاً إذا أمره بما يشق عليه فكان الحبيب يكلف المحب ما لا يطيق ويتغافل عن قوله تعالى لا يكلف الله نفساً إلا وسعها وقيل هو مأخوذ من الأثر وهو شيء يعلو الوجه كالسمسم والكف أيضاً لون بين المواد والحمرة وهي حمرة كدرة ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب وفي الصحاح العشق فرط الحب وهو عند الأطباء من جلة أنواع الماليخوليا والمراد بالماليخوليا تغير الظنون والفكر عن المجرى الطبيعي إلى الفساد وهو أمر هذه الأسماء وقلما نطقت به العرب وكأنهم ستروا اسمه وكنوا عنه بهذه الأسماء فلم يكادوا يفحصون به ولا تكاد تجده في شعرهم القديم وإنما أولع به المتأخرون ولم يقع هذا اللفظ في القرآن ولا في السنة إلا في حديث ابن داود الظاهري كما يأتي بيانه وقال ابن سيده العشق عجب المحب بالمحبوب يكون في عناف الحب وذعارته وقيل العشق الاسم والعشق المصدر وعشيق كثير العشق وامرأة عاشق وشجرة يقال لها. وقيل عاشقة تخضر ثم تدق وتصغر قال الزجاجي واشتقاق العاشق من ذلك وقال الفراء العشق نبت لزج فسمى العشق الذي يكون بالإنسان لزوجته ولصوقه بالقلب.
стр. 9
وقال ابن الأعرابي العاشقة اللبلابة تحضر وتصفر وتعلق بالذي يليها من الشجرة فاشتق من ذلك العاشق ذكره في ديوان العاشقين والعشيق يكون للفاعل والمفعول وجمع العاشق عشق وعشاق ويقال في المرأة عاشقة وامرأة عاشق أيضاً وقد تقدم ذكر ذلك والله أعلم ثم الشغف قال العزيزي في غريب القرآن شغفها حباً أصاب حبه شغاف قلبها والشغاف غلاف القلب ويقال هو حبة القلب وهي علقة سوداء في صميمه وشغفها حباً ارتفع حبه إلى أعلى موضع في قلبها مشتق من شغاف الجبال أي رؤسها وقولهم فلان مشغوف أي ذهب به الحب أقصى المذاهب وأما الشعف بالعين المهمله فهو إحراق الحب القلب قال في الصحاح شعفه الحب أي أحرق قلبه وقد قرى بهما جميعاً شغفها حباً وشغفها وكذلك اللوعة واللاعج أعني مثل الشغف في الإحراق فاللاعج اسم فاعل من قولهم الضرب لعجه إذا آلمه وأحرق جلده ويقال هوى لاعج لحرقة الفؤاد من الحب وفي الصحاح لوعة الحب حرقته فهذا هو الهوى المحرق ثم الجوى وهو الهوى الباطن وفي الصحاح الجوى الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن ثم التتيم وهو أن يستعبد الحب ومنه سمي تيم الله أي عبد الله ومنه قيل رجل متيم ثم التيل وهو أن يسقمه الهوى ومنه رجل متبول وفي الصحاح تبلهم الدهر واتبلهم إذا أفناهم ثم التدلة وهو ذهاب العقل من الهوى ويقال دلهه الحب أي حيره ثم الهيام وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه ومنه رجل هائم والهيام بالكسر الأبل العطاش وقوم هيم أي عطاش والصبابة رقة الشوق وحرارته والمقة المحبة والوامق المحب والوجد والحسران الحزن وأكثر ما يستعمل في الحزن والدنف لا تكاد تستعمله العرب في الحب وإنما ولع به المتأخرون وإنما استعملته العرب في المرض والشجو حب يتبعه هم وحزن الشوق سفر القلب إلى المحبوب قال في الصحاح الشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشيء وقد جاء في السنة وأسألك النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك واختلف في الشوق هل يزول بالوصال أو يزيد فقالت طائفة يزول لأنه سفر القلب إلى المحبوب فإذا وصل إليه انتهى السفر فألقت عصاها واستقر بها النوى.
كما قر عيناً بالإياب المسافر وقالت طائفة بل يزيد واستدلوا بقول الشاعر:
وأعظم ما يكون العشق يوماً ... إذا دنت الخيام من الخيام
قالوا الآن الشوق هو حرقة المحبة والتهاب نارها في حرقة المحبة والتهاب نارها في قلب المحب وذلك مما يزيده القرب والمواصلة والصواب أن الشوق الحادث عند اللقاء والمواصلة غير النوع الذي كان عند الغيبة عن المحب قال ابن الرومي:
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني
وألثم فاها كي تزول صبابتي ... فيشتد ما القي من الهيمان
كان فؤادي ليس يشفى غليله ... سوى أن ترى الروحين يمتزجان
والبلبال الهم ووسواس الصدر والبلابل جمع بلبلة يقال بلابل الشوق وهي وساوسه والتباريح الشدائد والدواهي يقال برح به الحب والشوق إذا أصابه منه البرح وهو الشدة والغمرة ما يغمر القلب من حب أو سكر أو غفلة والشجن الحاجة حيث كانت وحاجة المحب أشد إلى محبوبه. وقال الراجز:
إني سأبدي لك في ما أبدي ... لي شجنان شجن بنجد
؟ وشجن لي ببلاد السند
وقال آخر:
تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي ... وللناس أشجان ولي شجن وحدي
والوصب ألم الحب ومرضه فإن أصل الوصب المرض والكمد الحزن المكتوم والكمد تغير اللون. والأرق والسهر وهو من لوازم المحبة والحنيني الشوق أصل مادته الستر والحب المفرط يستر العقل فلا يعقل المحب ما ينفعه ولا ما يضره فهو شعبة م الجنون ومن الحب ما يكون جنوناً والود خالص الحب وألطفه وأرقه وهو من الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة والخلة توحيد المحبة فالخيل هو الذي يوحد حبه لمحبوبه وهي مرتبة لا تقبل المشاركة ولهذا اختص بها من العالم الخليلان إبراهيم ومحمد صلوات الله عليهما كما قال واتخذ الله إبراهيم خليلاً وصح عن النبي ﷺ أنه قال إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً وفي الصحيح عنه لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً وقيل إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح.
قال الشاعر:
стр. 10
قد تخللت موضع الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا
زعم من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل وقال محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله وهذا الزعم باطل لأن الخلة خاصة وهي توحيد المحبة كما تقدم والمحبة عامة قال الله تعالى أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقد صح أن الله تعالى اتخذ نبياً خليلاً فحصل من أنعام الحب العام على الخاص والعام:
حللت بهذا حلةً ثم حلة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما
والغرام الحب اللازم يقال رجل مغرم بالحب وقد لزمه الحب. وفي الصحاح الغرام الولوع والغريم الذي يكون عليه الدين وقد يكون الذي له الدين: قال كثير:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
والوله ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، وله أسماء غير هذه أضربت عنها خوف الإطالة والمحبة.
أم باب هذه الأسماء كلها وقيل الشوق جنس والمحبة نوع منه، ألا ترى أن كل محبة شوق وليس كل شوق محبة وخالف ذلك صاحب المنظوم والمنثور. فقال: زعموا أن العشق والوجد والهوى أن يهوى الشيء فيتبعه غياً كان أو رشداً والحب حرف تنتظم هذه الثلاثة فيه، وقد يقال للعاشق والواجد والذي يهوى الأمر محب وللناس في حد المحبة كلام كثير فقيل: هي الميل الدائم بالقلب الهائم وقيل: هي قيامك لمحبوبك بكل ما يحبه منك. وقيل: ذكر المحبوب على عدد الأنفاس كما قال المتنبي:
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
وقيل هي مصاحبة المحبوب على الدوام كما قيل:
ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وقيل هي حضور المحبوب عند المحب دائماً كما قال الآخر:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فاين تغيب
وفي اشتقاقها أيضاً أقوال فقيل هي مشتقة من حبة القلب وهي سويداؤه، ويقال ثمرته فسميت المحبة بذلك لوصولها إلى حبة القلب وقيل هي مشتقة من اللزوم والثبات ومنه أحب البعير إذا برك فلم يقم وقيل من حباب الماء فتح الحاء وهو معظمه أو يعلو الماء عند المطر الشديد فعلى هذا المحبة غليان القلب وقيل: من حب الماء الذي يوضع فيه لأنه يمسك ما فيه من الماء ولا يسع غيره إذا امتلأ به كذلك إذا امتلأ القلب من الحب فلا اتساع فيه لغير المحبوب وعلى ذكر حب الماء الذي يسميه المصريون الزير ما أحسن قول القاضي محيي الدين عبد الظاهر ملغزاً في كوز الزير وفيه اعتراض يشينه وحسن نظم يزينه.
وذي أذن بلا سمع ... له قلب بلا قلب
إذا استولى على حب ... فقل ما شئت في الصب
الفصل الرابع
مدحه وذمه
أقول هذا الفصل عقدناه لمدح العشق وذمه وترياقه وسمه فكم مدحه عاقل وذمه متعاقل هيهات فات من ذمه المطلوب ومن أي للوجه المليح ذنوب فمن خصاله المحمودة وفضائله الموجودة ما قاله العلامة قدامة العشق فضيلة تنتج الحيلة وتشجع الجبان وتسخي كف البخيل وتصفي ذهن الغبي وتطلق بالشعر لسان العجم وتبعث حزم العاجز وهو عزيز يدل له عز الملوك وتضرع له صولة الشجاع وهو داعية الأدب وأول باب تفتق به الأذهان والفطن وتستخرج به دقائق المكايد والحيل وإليه تستريح الهمم وتسكن نوافر الأخلاق والشيم يمتع جليسه ويؤنس أليفه وله سرور يجول في النفوس وفرح يسكن في القلوب وقيل لبعض العلماء أن ابنك قد عشق فقال الحمد لله، الآن وقت حواشيه ولطفت معانيه وملحت إشاراته وظرفت حركاته وحسنت عباراته وجادت رسائله وجلت شمائله فواظب على المليح واجتنب القبيح وقيل لآخر كذلك فقال لا بأس إذا عشق لطف وظرف ودق ورق وقيل للبزرجمهر متى يكون الفتى بليغاً فقال إذا صنف كتابً أو وصف هوى أو حبيباً وقد صدق فيما قال العباس ابن الأحنف:
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق
وقال غيره:
وما سرني أني خلى من الهوى ... ولو أن لي ما بين شرق ومغرب
وقال آخر:
ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولا في نعيم ليس فيه حبيب
وقال آخر:
اسكن إلى سكن تلذ بحبه ... ذهب الزمان وأنت خالٍ مفرد
وقال آخر:
стр. 11
إذا لم تذق في هذه الدار صبوة ... فموتك فيها والحياة سواء
وقال آخر:
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيباً ولا وافى إليك حبيب
وقال آخر:
ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق
وقال المتنبي:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق
وقلت أنا مضمناً لقول المتنبي هذا مع زيادة التورية:
إن تسألوا عما لقيت من الهوى ... فأنا الذي مارسته وعرفته
خالفت في رشف الرضاب وطعمه ... وعذلت أهل العشق حتى ذقته
حكي أن الملك بهرام جور كان له ولد واحد فأراد ترشيحه للملك بعده فوجده ساقط الهمة دنيء النفس فسلط عليه الجواري والقيمان فعشق منهن واحدة فأعلم الملك بهرام بذلك ففرح وأرسل إلى التي قيل أنه عشقها أن تجني عليه وقولي أني لا أصلح إلا لشريف النفس عالي الهمة ملك أو عالم فلما قالت ذلك راجع العلم وما عليه الملوك من شرف الهمة حتى برع في ذلك وتولى الملك فكان من خيرهم وأثبت ذلك في حكمة إلى كسرى إن الملك لا يكمل إلا بعد عشقه وكذلك العالم قالوا والعشق المباح مما يؤجر عليه العاشق كما قال شريك وقد سئل عن العشاق فقال أشدهم حباً أعظمهم أجراً.
قالوا وأرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم ضعيفة وأرواحهم بطيئة الانقياد لمن قادها حاشي سكنها الذي سكنت إليه وعقدت حبها عليه وكلام العشاق ومنادمتهم تزيد في العقول وتحرك النفوس وتطرب الأرواح وتجلب الأفراح وتشوق إلى مساع أخبارهم الملوك فمن دونهم ويكفي العاشق المسكين الذي لم يذكر مع الملوك ومع الشجعان الأبطال أنه يعشق ويشتهر بالعشق فيذكر في مجالس الملوك والخلفاء فمن دونهم تدور أخباره وتروى أشعاره ويبقى له العشق ذكراً مخلداً ولولا العشق لم يذكر له اسم ولا جرى له رسم ولا رفع له رأس ولا ذكر مع الناس وقال المرزباني سئل أبو نوفل: هل سلم أحد من العشق فقال: نعم الجلف الجافي الذي ليس له فضل ولا عنده فهم فأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دمائة أهل الحجاز وظرف أهل العراق فلا يسلم منه وقال بعضهم لا يخلو أحد من صبوة إلا أن يكون جافي الخلقة ناقصاً أو منقوص البنية أو على خلاف تركيب الاعتدال:
وا عجباً للدهر لم يخل مهجة ... من العشق حتى الماء يعشقه الخمر
ويكفي العاشق أنه يرتاح للمعروف وإغاثة الملهوف كما قيل:
يرتاح للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوماً عند ليلى شمائله
وقال أبو النجاب رأيت في الطواف فتى نحيف الجسم بين الضعف يلوذ ويتعوذ ويقول:
وددت بأن الحب يجمع كله ... فيقذف في قلبي وينفلق الصدر
لا ينقضي ما في فؤادي من الهوى ... ومن فرحي بالحب أو ينقضي العمر
فقلت يا فتى أما لهذه البنية حرمة تمنعك من هذا الكلام. فقال بلى والله ولكن الحب ملأ قلبي فتمنيت المني والله ما سرني ما بقلبي منه ما فيه أمير المؤمنين من الملك وإني أدعو أن يثبته الله في قلبي عمري ويجعله ضجيعي في قبري دريت به أم لا أدري هذا دعائي وله قصدت وفيه ترغبت مما يعطي الله سائر خلقه. ثم مضى قلت: ذكرت هنا ما قاله الأخطل وقد لامه عبد الملك على الخمر، فقال:
ليت شعري ما يعجبك فيها ... وأولها مراراً وآخرها خمار
فقال لكن بينهما والله نشوة لا أبيعها بخلافتك يا أمير المؤمنين أخذه الشاعر فقال:
إن يكن أول المدام كريهاً ... أو يكن آخر المدام صداعاً
فلها بين ذا وذاك هنات ... وصفها بالسرور لن يستطاعا
وأما ما جاء في ذمة وسريان سمه فأكثر من أن يحصر فكم ترك الغنى صعلوكاً والمالك مملوكاً كما قيل:
ظل من فرط حبه مملوكا ... وقد كان قبل ذلك مليكا
تركته جآذر القصر صبا ... مستهاماً على الصعيد تريكا
وهذه الأبيات لبعض ملوك الأندلس وسيأتي ذكرها في الباب الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله وعرضه ونفسه وضيع أهله ومصالح دينه ودنياه ووقع فيما يأباه أي والله.
والعشق يجتذب النفوس إلى الردى ... بالطبع واحسدي لمن لم يعشق
стр. 12
قالوا وكم عاشق هرب من الحب إلى مواقف التلف ليتخلص من التلف بالتلف. وعلى هذا حكاية دعبل الشاعر. قال: كنت بالثغر فنودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا أنا بفتى يجر رمحه بني يدي. فالتفت فنظر إلي فقال: أنت دعبل. قلت: نعم. قال: اسمع مني ثم أنشد:
أنا في أمري رشاد ... بين حب وجهاد
بدني يغزو وعدوي ... والهوى يغزو فؤادي
ثم قال كيف ترى. قلت: جيد والله. قال: فوالله ما خرجت إلا هارباً من الحب ثم قاتل حتى قتل وقال الواوا الدمشقي:
سبيل الهوى وعر وحلو الهوى مرّ ... وبرد الهوى حر ويوم الهوى دهر
وقال غيره:
العشق مشغلة عن كل صالحة ... وسكرة للعشق تنفي سكرة الوسن
وقال عبد المحسن الصوري:
كان ابتداء الذي بي مجوناً ... فلما تمكن أمسى جنوناً
وكنت أظن الهوى هينا ... فلاقيت منه عذاباً مهينا
وقال محمد اليزيدي:
كيف يطيق الناس وصف الهوى ... وهو جليل ما له قدر
بل كيف يصفو لحليف الهوى ... عشق وفيه البين والهجر
وما أحسن قول عبد الله بن إسباط القيرواني:
قال الخلي الهوى محال ... فقلت لو ذقته عرفته
فقال هل غير شغل قلب ... إن أنت لم ترضه صرفته
وهل سوى زفرة ودمع ... إن لم ترد جريه كففته
فقلت من بعد كل وصف ... لم تعرف الحب إذ وصفته
تنبيه، الهوى أكثر ما يستعمل في الحب المذموم. قال الله تعالى: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالاً مقيداً ومنه الحديث " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". وقال ابن عباس: الهوى إله معبود وقرأ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه فتلخص من الآية الكريمة. والحديث الشريف أن الهوى ينقسم إلى قسمين: هوى محمود وهو في الخير والصلاح، وهوى مذموم وهو في الشر والفساد، وفي كتاب السهل المواتي في فضائل ابن مماتي: أن بعض الصوفية قال: إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه إلى النار. قلت: لو قال يهوى بصاحبه إلى الهاوية لكان أنسب. وقال بعضهم الهوى الهوان زيدت فيه النون كما قيل:
فسألتها بأشارة عن حالها ... وعلي فيها للوشاة عيون
فتنفست صعداً وقالت ما الهوى ... إلا الهوان أزيل عنه النون
وقوله تعالى: " أخلد إلى الأرض واتبع هواه " قيل أخلد إلى الأرض أي سكن إليها ونزل بطبعه عليها وكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية وبحسب ما يخلد العبد إلى الأرض يهبط من السماء. قال سهل قسم الله للأعضاء من الهوى لكل عضو حظاً فإذا مال عضو منها إلى الهوى رجع ضرره إلى القلب وللنفس سبع حجب سماوية وسبع حجب أرضية فكلما دفن العبد نفسه أرضاً أرضاً سما قلبه سماء سماء فإذا دفن النفس تحت الثرى وصل قلبه إلى العرش وحاصل القضية أن العشق والهوى أصل كل بلية وفيه ذل كل نفس أبية. وقد قال النبي ﷺ " لا ينبغي للمرء أن يذل نفسه ". قال الإمام: أحمد تفسيره أن يتعرض من البلاء لما لا يطيق وهذا مطابق لحال العاشق فإنه أذل نفسه لمعشوقه كما قيل:
اخضع وذل لمن تحب فليس فيّ ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد
وقال آخر:
مساكين أهل العشق حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر
وقال الشيخ شرف الدين بن الفارض:
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل
وعش خالياً فالحب راحته عنا ... فأوّله سقم وآخره قتل
فأوله سقم وآخره قتل
الفصل الخامس
اختلاف الناس فيه هل هو اضطراري أو اختياري
أقول هذا فصل عقدناه لما تقدم ذكره وأسفر كالصباح سفره إذ للناس فيه كلام من الطرفين وتبختر بين الصفين فقائل بأنه اضطراري وقائل بأنه اختياري ولكل من القوانين وجه مليح.
стр. 13
وقدر رجيح ونحن نذكر من ذلك ما يعم به الانتفاع ونتكلم في طوله وعرضه بالباع والذراع فمن ذلك ما قاله القاضي أبو عمر ومحمد بن أحمد النوفاني في كتابه تحفة الظراف العشاق معذورون على كل حال مغفور لهم جميع الأقوال والأفعال إذ العشق إنما دهاهم على غير اختياري بل اعتراهم على جبر واضطرار والمرء إنما يلام على ما يستطيع من الأمور لا في المقضي ﵊ فتضع حملها فكيف ترى هذه وضعته أباختيار منها كان ذلك أم باضطرار لا بل باضطرار وفقد اقتدار هذا مما لا شك فيه دولب ولا يختلج خلافه في قلب قلت: وجاء في تفسير قوله تعالى " فلما رأينه أكبرنه " أي رأينه في أعينهن كبيراً وقيل حضن من الدهش. وقال ابن عباس أمذين وأمنين من الدهش وقطعن أيديهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج ولم يجدن ألماً لحز أيديهن لاشتعال قلوبهن بحسنه. وقال وهب: كن أربعين امرأة فمات منهن تسع وجداً بيوسف وكمداً عليه. وما أحسن قول بعض بني عذرة، وقد قال له بعض العرب ما لأحدكم يموت عشقاً في هوى امرأة يألفها إنما ذلك ضعف نفس ورقة وخور تجودنه فيكم يا بني عذرة. فقال أما والله لو رأيتم الحواجب الزج فوق النواظر الدعج تحتها المباسم الفلج لأتخذتموها اللات والعزى. وقال الفضيل بن عياض: لو رزقني الله دعوى مجابة لدعوت الله بها أن يغفر للعشاق لان حركاتهم اضطرارية لا اختيارية ورؤى أبو السائب المخزومي وكان من أهل العلم والدين بمكان متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم ارحم العاشقين وقوي قلوبهم واعطف عليهم قلوب المعشوقين فقيل له ذلك. فقال: والله للدعاء لهم أفضل من عمرة من الجغرانة ثم أنشد:
يا هجر كف عن الهوى ودع الهوى ... للعاشقين يطيب يا هجر
ماذا تريد من الذين جفونهم ... قرحى وحشو قلوبهم جمر
متذبلين من الهوى ألوانهم ... مما تجن قلوبهم صفر
وسوابق العبرات فوق خدودهم ... درر تفيض كأنها قطر
والظاهر أن قوله أفضل من عمرة من الجعرانة هو الذي جسر الفتح ابن خاقان على قوله من أبيات:
أيها العاشق المعذب صبراً ... فخطايا أهل الهوى مغفورة
زفرة في الهوى أحط لذنب ... من غزاة وحجة مبرورة
قلت وقد بالغ في هذا الكلام حتى استحق الملام فليته اكتفى بما قتل في التمثيل:
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا عليّ ولا ليّا
والظاهر أن الحامل له على هذا ما ذهب إليه الشافعي في أن الميت عشقاً من الشهداء للحديث الوارد في ذلك وسيأتي ذكره في باب العفاف إن شاء الله تعالى. وقال التميمي في كتابه امتزاج الأرواح. سئل بعض الأطباء عن العشق. فقال أن وقوعه بأهله ليس باختيارهم ولا بحرصهم عليه ولا لذة لأكثرهم فيه ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المدنفة والأمراض المتلفة فقال: لا فرق بينه وبين ذلك. وقال المدائني لام رجل رجلاً من أهل الهوى. فقال: لو كان الذي هوى اختيار لا اختياران لا يهوي ولكن لا اختيار الذي هوى قالوا والعشق نوع من العذاب والعاقل لا يختار العذاب لنفسه وفي هذا قال المؤمل شفا المؤمل يوم الحيرة النظر ليت المؤمل لم يخلق له بصر يكفي المحبين في الدنيا عذابهم والله لا عذبتهم بعدها سقر حكي أنه نال ما تمنى لأنه عمي بعد قوله، وقال أبو محمد بن حزم قال رجل لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة فعشقتها فقال عمر ذلك مما لا يملك وقال كامل في سلمي:
يلومونني في حب سلمى كأنما ... يرون الهوى تمنيته عمداً
ألا إنما الحب الذي صدع الحشا ... قضاء من الرحمن يبلو به العبدا
وقال الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " بالعشق وهذا لم يريدوا به التخصيص وإنما أرادوا به التمثيل وأن العشق من تحميل ما لا يطاق والمراد بالتحميل ههنا التحميل القدري لا الشرعي الأمري انتهى كلامه.
стр. 14
وقال عبيد الله بن طاووس في قوله تعالى " وخلق الإنسان ضعيفاً " قال إذا نظر إلى النساء لم يصبر نقله عنه سفيان بن سعيد في تفسيره وقالوا قد رأينا جماعة من العشاق يطوفون على من يدعو لهم أن يعافيهم الله من العشق ولو كان اختيارياً لأزالوه من نفوسهم ومن هنا يتبين خطأ كثير من العاذلين ويظهر أن عزلهم من هذا الحال بمنزلة عذل المريض في مرضه وما أحسن قول بعضهم:
يا عاذلي والأمر في يده ... هلا عذات وفي يدي الأمر
وإنما ينبغي العدل قبل تعلق هذا الداء بالقلب وانصباب دمع العاشق الصب.
وذهب جماعة من الأطباء وغيرهم إلى أنه اختياري لا اضطراري وقد تقدم في حد العشق الذي ذكره ابن سينا وغيره أنه مرض وسواسي يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل فهذا تصريح منهم بأن الإنسان هو المختار في العشق بتسليط فكرته الواقع في بحار سكرته قالوا ولأن المحبة إرادة قوية والعبد يحمد ويذم على إرادته ولهذا يحمد مريد الخير وإن لم يفعله وقد ذم الله تعالى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وأخبر أن عذابهم أليم ولو كانت المحبة لا تملك لم يتوعدهم بالعذاب على ما لا يدخل تحت قدرتهم ومنه قوله تعالى " ونهى النفس عن الهوى " ومحال أن ينهي الإنسان نفسه عما لا يدخل تحت قدرته قالوا والعقلاء قاطبة مطبقون على لوم من يحب ما يتضرر بمحبته وهذه فطرة فطر الله عليها الخلق فلو اعتذر بأني لا أملك قلبي لم يقبلوا له عذراً قلت، والقول الصحيح الذي ليس فيه رد ولا عن محبوبة صد التفصيل في ذلك وهو أن العشق يختلف باختلاف بني آدم وما جبلوا عليه من اللطافة ورقة الحاشية وغلظ الكبد وقساوة القلب ونفور الطباع وغير ذلك منهم من إذا رأى الصورة الحسنة مات من شدة ما يرد على قلبه من الدهش كما تقدم في حق النسوة اللاتي متن لما رأين يوسف عليه الصلاة وقد كان مصعب ابن الزبير إذا رأته المرأة خاضت لحسنه وفيه يقول الشاعر:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت بنوره الظلماء
ومنهم من إذا رأى المليح سقط من قامته ولم يعرف نعله من عمامته قال الشاعر:
فما هو إلا أن يراها فجاءة ... فتصطك رجلاً ويسقط للجنب
فهذا وأمثاله عشقه اضطراري والمخالفة فيه مكابرة في المحسوس ومنهم من يكون أول عشقه الاستحسان للشخص ثم تحدث له إرادة القرب منه ثم المودة وهو أن يود لو ملكه ثم يقوى الود فيصير محبة ثم يصير خلة ثم يصير هوى ثم يصير عشقاً ثم يصير تتيماً والتتيم حالة يصير بها المعشوق مالكاً للعاشق ثم يزيد التقيم فيصير ولها والوله والخروج عن حد الترتيب والتعطل عن التمييز فهذا وأمثاله مبدأ عشقه اختياري لأنه كان يمكنه دفع ذلك وحسم مادته على أن هذا النوع أيضاً إذا انتهى بصاحبه إلى ما ذكرناه صار اضطرارياً كما قال الشاعر:
العشق أول ما يكون مجانة ... فإذا تمكن صار شغلاً شاغلاً
ولهذا قال بعض الفلاسفة لم أر حقاً أشبه بباطل ولا باطلاً أشبه بحق من العشق هزله جد وجده هزل أوله لعب وآخره عطب قال الشاعر:
تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق
رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق
قال صاحب روضة المحبين وهذا بمنزلة السكر مع شرب الخمر فإن تناول المسكر اختياري وما يتولد عنه من السكر اضطراري فمتى كان السبب واقعاً باختياره لم يكن معذوراً فيما تولد عنه بغير اختياره ولا ريب أن متابعة النظر واستدامة الفكر بمنزلة شرب المسكر فهو يلام على السبب ولهذا إذا حصل العشق بسبب غير محظور لم يلم عليه صاحبه كمن كان يعشق امرأته أو جاريته ثم فارقها وبقي عشقها غير مفارق له فهذا لا يلام على ذلك كما في قصة مغيت وبربرة المشهورة وقد ظهر بهذا أن العشق يكون اضطرارياً تارة وتارة اختيارياً وذلك بحسب كمالة العاشق كما تقدم فحينئذ يكون إدعاء من قال أنه اضطراري مطلقاً أو اختياري مطلقاً غير مقبول عند ذوي العقول والله تعالى أعلم أقول وإلى هنا انتهى الكلام على هذه الفصول التي طاب زمانها واعتدل وظهر بها في جنة الورد حمرة الخجل وما بقي إلا الدخول في الأبواب على الوجه المقترح والإتيان بما فتح الله سبحانه ومن دق باب كريم فتح.
الباب الأول
ذكر الحسن والجمال
стр. 15
وما قيل فيهما من تفصيلي وإجمالي
أقول هذا باب عقدناه للكلام على الحسن وأقسامه: والحبيب وكلامه.
ولا سيما إذا ابتسم عن حبب.
واضطرب في ثغره الصرب.
فعذب مقبله.
وتساوى من حسنه في الحالي ماضيه ومستقبله.
هنالك يحتوي من الجمال على القسمين الذين هما الظاهر والباطن.
والظاعن والقاطن.
فالجمال الباطن المحمود لذاته كالعلم والبراعة.
والجود والشجاعة.
والجمال الظاهر ما ظهر من غصن قوامه الرطيب.
ووجهه الذي فاق البدر بلا غيبة للشمس عند المغيب.
فعند ذلك يشمت بالبدر بشاماته.
ويقول لخدة الذي ازداد بها حسناً من زاد زاد الله في حسناته.
فلذلك قيل الحسن الصريح.
ما استنطق الآفواه بالتسبيح.
وقيل بل هو كما قيل شيء به فتن الورى غير الذي يدعي الجمال ولست أدري ما هو قلت وهو الصحيح لأنه لا يدري كنهه ولا يعرف شبهه.
حتى كأنه فكرة لا تتعرف.
ومجهول لا يعرف.
ولذلك قال بعضهم للحسن معنى لا تناله العبارة ولا يحيط به الوصف وقيل الحسن مشتق من الحسنة قلت والذي يظهر أنه لهذا المعنى قيل للشامات حسنات قال بعضهم في سوداء مليحة يا رب سوداء تجلى.
بحسنها الظلمات ماذا يعيبون فيها رؤيته.
وكلها حسنات وقلت أنا ووجه زال رونقه فأضحت.
محاسنه بلحيته عيوباً قليل الحظ بالشامات أمسي.
فما حسناته إلا ذنوب.
وقيل الحسن أمر مركب من أشياء وضاءة وصباحة وحسن تشكيل وتخطيط ودموية في البشرة وقيل الحسن تناسب الخلقة واعتدالها واستواؤها ورب صورة متناصبة الخلقة وليست في الحسن بذاك.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها وقالت عائشة ﵂ البياض شطر الحسن وقالوا في الجارية جميلة من بعيد ملحية من قريب فالجميلة التي تأخذ جملة بصرك فإذا دنت منك لم تكن كذلك والمليحة التي كلما كررت بصرك فيها زادتك حسناً وقيل الجميلة السمينة من الجمال وهو أشحم والمليحة أيضاً من الملحة وهي البياض والصبيحة كذلك من الصبح لبياضه وقال بعضهم الظرف في القدر والبراعة في الجيد والرقة في الأطراف والخصر والشأن كله في الكلام وأحسن الحسن ما لم يجلب بتزيين وقال امرؤ القيس:
وجدت بها طيباً وإن لم تطب
وقال آخر:
إن المليحة من تزين حليها ... لا من غدت بحليها تتزين
وقال بعض أهل اللغة العرب تقول الحلاوة في العينين والملاحة في الفم والجمال في الأنف والظرف في اللسان ومنه قول الحسن ﵁ إذا كان اللص ظريفاً لا يقطع أي إذا وقع دفع عن نفسه بطلاقة لسانه ومنطقه وما أحسن قول بعضهم البدن فيه الوجه والأطراف.
وفي الوجه المحاسن وإليها الاستشراف.
وفي المحاسن النكت التي هي الغاية في الاستحسان والاستظراف.
كالملاحة في العين ونكتة الملاحة الدعج وكالحسن في الفم ونكتة الحسن الفلج وكالطلاوة في الجبين ونكتة الطلاوة البلج وكالرونق في الخد ونكتة الخد الضريح.
وما يستحسن في المرأة طوال أربعة وهي أطرافها وقامتها وشعرها وعنقها.
وقصر أربعة يديها ورجليها ولسانها وعينيها والمراد بهذا القصر المعنوي فلا تبذر ما في بيت زوجها ولا تخرج من بيتها ولا تستطيع بلسانها ولا تطمع بعينها.
وبياض أربعة لونها وفرقها وثغرها وبياض عينها وسواد أربعة أهدابها وحاجبها وعينيها وشعرها.
وحمرة أربعة لسانها وخذها وشفتيها مع لعس واشراب بياضها بحمرة.
وغلظ أربعة ساقها معصمها وعجيزتها وما هنالك. وسعة أربعة جبهاتها وجبينها وعينها وصدرها. وضيق أربعة فمها ومنخرها ومنفذ أذنيها وما هنالك وهو المقصود الأعظم من المرأة. قيل وجدت جارية في زمن بني ساسان بهذه الصفات المذكورة جميعها فما كان أحقها أن يقال في حقها.
لو أن عزة حاكمت شمس الضحى في الحسن عند موفق لقضى لها وحكى أن يعصور أحد ملوك الصين أهدى إلى كسرى أنوشر وأن ملك فارس هدية من جملتها جارية تغيب في شعرها وتتلألأ جمالاً فبعث إليه كسرى بهدية من جملتها جارية طولها سبعة أذرع تضرب أهداب عينيها خديها كأن بين أجفانها لمعان البرق مقرونة الحاجبين لها ضفائر تجرهن إذا مشت.
стр. 16
فصل: قال روضة المحبين كان النبي ﷺ يدعو الناس إلى جمال الباطن بجمال الظاهر كما قال جرير بن عبد الله وكان عمر بن الخطاب يسميه يوسف هذه الأمة قال: قال لي رسول الله ﷺ " أنت امرؤ حسن الله خلقك " وقال بعض الحكماء ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة فإن رأى صورته حسنة فلا يشنها بقبيح فعله وإن رآها قبيحة فلا يجمع بين قبح الصورة والفعل. وقد نظم بعضهم هذا فقال:
يا حسن الوجه توق الحنا ... لا تفسدنّ الزين بالشين
ويا قبيح الوجه كن محسناً ... لا تجمعن بين قبيحين
ولما كان الجمال من حيث هو محبوباً للنفوس معظماً في القلوب لم يبعث الله نبياً لا جميل الوجه كريم الحسب حسن الصوت كما قال علي بن أبي طالب وقد سئل أكان وجه الرسول ﷺ مثل السيف قال: لا بل مثل القمر وفي صفته ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه فكان كما قال شاعرة حسان بن ثابت:
متى يبدو في الدجي البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان أو من قد يكون كأحمد ... نظام لحق أو نكال لمعتدي
وقال أيضاً:
فأجمل منه لم تر قط عيني ... وأكمل منه لم تلد النساء
خلقت مبراء من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء
وكان أبو بكر الصديق ﵁ إذا رآه يقول:
أمين مصطفى بالحير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام
وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رآه ينشد قول زهير:
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المضيء لليلة البدر
ونظرت إليه عائشة يوماً ثم تبسمت فسألها عن ذلك فقالت: كأن أبا كثير الهذلي إما عناك بقوله:
وإذا نظرت إلى اسرّة وجبه ... برقت كبرق العارض المتهلل
وفي الجملة فقد كان رسول الله ﷺ من الحسن في الذروة العليا وروى بعض الصحابة لقي راهباً فقال: صف لي محمداً كأني أنظر إليه فإني رأيت صفته في التوراة والإنجيل. فقال: لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصر فوق الربعة أبيض اللون مشرباً بالجمرة جعد الشعر ليس بالقطط جمته إلى شحمة أذنه صلب الجبين واضح الحد أدعج العينين أقنى الأنف مفلج الثنايا كأن عنقه إبريق فضة وجهه كدائرة القمر فأسلم الراهب وكان ﷺ مع هذا الحسن قد ألقيت عليه المحبة والمهابة فمن وقعت عليه عيناه أحبه وهابه وقد كمل الله سبحانه له مراتب الكمال ظاهراً وباطناً فكان أحسن خلق الله خلقاً وخلقاً وصورة ومعنى وهكذا كان يوسف ﵊. قال ربيعة: قسم الحسين نصفين فبين سارة ويوسف نصف الحسن ونصف الحسن بين سائر الناس وفي الصحيح عنه ﷺ أنه رأى يوسف ليلة الإسراء وقد أعطى شطر الحسن وكان النبي ﷺ يستحسن أن يكون الرسول حسن الوجه حسن الاسم وكان يقول إذا أبرد تم بريداً فليكن حسن الوجه حسن الاسم وقد روى الخرائطي من حديث ابن جريج عن أبي مليكة يرفعه من آتاه الله وجهاً حسناً واسماً حسناً وجعله في موضع غير شائن له فهو من صفوة الله من خلقه. وقال وهب: قال داود يا رب أي عبادك أحب إليك. قال: مؤمن حسن الصورة. فقال أي عبادك أبغض إليك قال: كافر قبيح الصورة ويذكر عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان ينتظره نفر من أصحابه على الباب فجعل ينظر في المرآة ويسوي شعره ولحيته ثم خرج إليهم فقالت: يا رسول الله وأنت تفعل هذا. فقال نعم: " إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليجملن نفسه فإن الله جميل يحب الجمال " وقال معاوية لرجل دخل عليه فرى في وجه ما يكرهه مما يمكن إزالته ما يمنع أحدكم إذا خرج من منزله أن يتعاهد أديم وجهه.
стр. 17
فصل: قوله تعالى: " ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " أي في أحسن تعديل لقامته وصورته وحسن شارته منتصباً يتناول مأكوله بيده مزيناً بالعقل لا كالبهائم وعلى هذا حكاية الرشيد لما خلا بزوجته في ليلة مقمرة فقال لها: إن لم تكوني أحسم من هذا القمر فأنت طالق فأفتى علماء زمانه بالحنث إلا يحيى بن أكثم فإنه قال: لا يقع عليه الطلاق فقيل له: خالفت شيوخك فقال الفتوى بالعلم ولقد أفتى به من هو أعلم منا وهو الله حيث قال: " لقد خلقت الإنسان في أحسن تقويم ".
وجاء تفسير قوله تعالى يزيد في الخلق ما يشاء أنه الصوت الحسن والوجه الحسن ولهذا قال أبو فراس:
قد فاق بدر السماء حسناً ... والناس في حبه سواء
فزاده ربه عذاراً ... تم به الحسن والبهاء
لا تعجبوا ربنا قدير ... يزيد في الخلق ما يشاء
وحكي عن بعض النساء أنها كانت تكثر صلاة الليل فقيل لها في ذلك فقالت أنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن ٣ وجهي.
وحكي أن المأمون استعرض جيشاً فمر رجل قبيح فاستنطقه فرآه ألكن فأمر بإسقاطه. وقال: إن الروح إذا وقع أثرها في الظاهر كانت صباحة وإذا وقع أثرها في الباطن كانت فصاحة وهذا الرجل لا ظاهر له ولا باطن ولكن شخص له حكمان: أحدهما من جهة جسمه وهو منظره والآخر من جهة نفسه وهو مخبره وكثيراً ما يتلازمان ولذلك فرغ أصحابه الفراسة من معرفة أحوال النفس الهيئة البدنية حتى قال بعض الحكماء قلما توجد صورة حسنة تدبرها نفس رديئة وقد قال ﵊ اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه فهذا كله يدل على أن الحسن وكمال الجسم من الفضائل ويدل عليه قوله تعالى: " وزاده بسطة في العلم والجسم " والحسن أول سعادة الإنسان لأن الله تعالى بلطف حكمته لم يخلق الصورة مختارة الصفات سليمة من الآفات إلا وأضاف إليها ما يناسبها من العقل والصفات وقلما تجد الخلق إلا تبعاً للخلقة تناسباً مطرداً وأصلاً لا ينعكس وإجماعاً لا ينفرد وما خلق الله نبياً قط إلا وقد بهر أهل زمانه بحسنه وإحسانه فإذا نظرته أول مرة رأيته أحسنهم صورة وأتقنهم بنية فهو أولاهم مرتبة وأعلاهم منقبة. وقد قال ﷺ : " لا يعذب الله حسان الوجوه سود الحدق ". قال الإمام فخر الدين الرازي في أسرار التنزيل ما ملخصه حسن الصورة وإن كان أمراً مرغوباً فيه فإن حسن السيرة من مطالب الحكمة ولا شك أن الحكمة أفضل من الشهوة فكان حسن السيرة أفضل من حسن الصورة لا محالة، ومنها أن يوسف ﵊ اجتمع له حسن الصورة وحسن السيرة ثم أنه بسبب حسن الصورة وقع في أنواع من البلايا منها أن أباه كان يحبه أزيد من أخوته بدليل قوله تعالى " إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا " فهذا قصدوا قتله بدليل حكايته عنهم " اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم " ومنها أنه وقع بسب الحسن في أسر الرق ومراودة امرأة العزيز وإدخاله السجن بسبب ذلك فلما علم الملك بعد ذلك حسن سيرته اصطفاه لنفسه وقال له إنك اليوم لدينا مكين أمين ولم يقل صبيح مليح فدل ذلك على أن حسن السيرة أفضل من حسن الصورة ومعلوم أن حسن الصورة لا يبقى إلا أياماً قلائل وأما حسن السيرة فإنه لا يزول أثره ولا تبطل نتيجته قلت وممن حصل له الأذى بسبب حسن صورته نصر بن حجاج وذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ مر ليلاً فسمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فدعا نصر بن حجاج وهو من بني سليم فرآه أحسن الناس وجهاً وله شعر حسن فحلق شعره فكان أحسن منه بشعر فقال: لا تساكني في بلد فتشفع نصر إليه أن لا يخرجه من المدينة فلم يقبل عمر ﵁ فلما ودعه نصر قال له يا أمير المؤمنين لقد سمتني قتل نفسي فقال عمر كيف ذلك فقال قال الله تعالى: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم " فقرن هذا بهذا. فقال عمر: ما أبعدت لكن أقول ما قال شعيب ﵇: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ولقد أضعفت لك يا نصر عطاءك ليكون ذلك عوضاً لك أقول ذكرت بحلقة شعره فكان أحسن منه بشعر قول بعضهم في ذلك:
حلقوا رأسه ليزداد قبحاً ... غيرة منهم عليه وشحا
стр. 18
كان صيحاً عليه ليل بهيم ... فمحوا ليله وأبقوه صبحاً
وما أحسن قول السراج الوراق في مليح قلندري:
عشقت من ريقته قرقفاً ... وماله إذ ذاك من شارب
قلندر يا حلقوا حاجباً ... منه كنون الخط من كاتب
سلطان حسن زاد في عدله ... فاختار أن يبقى بلا حاجب
وقال ابن سنا الملك:
حكيت جسمي نحوك ... فهل تعشقت حسنك
وكان جفنك مضني ... فصرت كلك جفنك
وزادك السقم حسناً ... والله إنك أنك
فصل
قد تقدم ذكر ما يستحسن من المرأة فلنذكر هنا ما قالته الشعراء في تشبيه الأعضاء بالحروف لأنهم أكثروا من ذلك فشبهوا الحاجب بالنون والعين بالصدغ بالواو والفم بالميمي والصاد والثنايا بالسنين والطرة المضفورة بالشين ومن أحسن ما قيل في ذلك قول محاسن الشواء أرسل فرعاً ولوى هاجري صدغاً فأعيا بهما واصفة فخلت ذا من خلقه حية:
تسعى وهذا عقرباً واقفه ... ذي ألف ليست لوصل ودي
واو ولكن ليست العاطفة. وقول الآخر
ياسين طرتها وصاد عيونها ... إلى أعوّذ بسورة طه
وقول ابن مطروح
قالت لنا ألف العذار بخده ... في ميم مبسمه شفاء الصادي
وقول ابن نقاده
ضم الجمال فصاده من عينها ... والنون حاجبها بخال ينقط
والميم فوهاً فالحروف تألفت ... مكتوبة والصبر عنها يكشط
وقول الآخر:
لا تقول لي لا فمكتوب على ... وجهك المشرق نورا نعم
بحروف صورت من قدرة ... ما جرى قط عليها قلم
نونها الحاجب والعين بها ... طرفك الفتان والميم الفم
وقال شهاب الدين أحمد بن الخيمي:
إن صدغ الحبيب والفم والعا ... رض منه واو وصاد ولام
هي وصل بين المحاسن لما ... تم حسناً وبالعذار التمام
غير أني أراه وصل وداع ... فيه يفضي افتراقنا والسلام
وقلت أنا:
حبيب تعالي قد حين سمته ... وقال قوامي رمحه ما يقوم
وخط عذاري أعجم الخال لامه ... ولم أدر أن اللام في الخط يعجم
وقلت أيضاً:
يرنو إليّ بعين نون حاجبها ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
وقلت أيضاً: في عكس هذا المعنى أشارت وهو تشبيه الحروف بالأعضاء في تقريظ قصيدة مدحت بها مولانا السلطان الملك الناصر حسن.
فكم ألف بها أمسى ... رشيق القامة النضره
وكم شين بحاشية ال ... كتاب تخالها طرّه
وعين أصبحت في العين ... مثل العيز والنقرة
وقلت أيضاً: في تقريظ كاب ورد على بعض الأحباب من رسالة افتتحها بقصيدة منها:
رفضت النوم بعدك يا علي ... فلا تعجب لدمعي أن توالا
ووافاني كتاب منك عال ... حكت الفاته السمر الطوالا
وكم شاهدت من خطا ولكن ... مثالك ما رأيت له مثالا
لين أمست به الفات قطع ... فكم وصل به ضمن الوصالا
وكم ألف به للوصل لاحت ... كغصن البان ليناً واعتدالا
تعانق لامها طوراً يميناً ... وآونة تعانقه شمالا
ظننت اللام فيه عذار خدّ ... وخلت النقط فوق الخدخالا
وامسى طالع الطاآت فيه ... يعلم لينه غصن الكمالا
وقال القاضي الفاضل من رسالة كتب بها إلى موفق الدين خالد القيرواني وقد وقف له على رسالة كتبها بالذهب جاء منها فمن ألفات ألفت الهمزات غصونها حمائم ومن لامات بعدها يحسدها المحب على عناق قدودها النواعم ومن صادات نقعت غلة القلوب الصوادي والعيون الحوائم ومن واوات ذكرت ما في وجنة الأصداغ من العطفات ومن ميمات دنت الأفواه من ثغرها لتنال جنى الرشفات ومن سينات كأنها الثنايا في تلك الثغور ومن دالات على الطاعية لكاتبها بانحناء الظهور ومن جيمات كالمناسر تصيد القلوب التي تخفق لروعات الاستحسان كالطيور وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وخالد فيها خالد وتحيته فيها المحامد ويده تضرب في ذهب ذائب والناس تضرب من حدي بارد.
стр. 19
الباب الثاني
ذكر المحبين الظرفاء من الملوك والخلفاء
أقول هذا باب عقدناه لذكر أحسن الملوك طباعاً وأطولهم باعاً وأطيبهم عيشاً وأكثرهم طيشاً وأرقهم شعراً وأدقهم فكراً وأقربهم مرجوعاً وأكثرهم بالحبيب ولوعاً أذهم في الحقيقة أولى الناس بذلك وأحقهم بالنوم على تلك الأرائك وذلك بحسب ما سولته لهم نفوسهم وزينه لهم جليسهم كما قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى
إذا كنت في القوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
فمنهم من قنع من محبوبه بالنظر ... حتى مات كمداً ولحق مثل نور الدين
الشهيد بالشهدا
وستأتي حكايته في باب العفاف إن شاء الله تعالى ومنهم من أصبح دونه في العفاف وأقام سالف محبوبه مقام السلاف ومنهم من خلع العذار واحتج بقول الشعر في العقار:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
فجمع ما بين ذات العقود وابنة العنقود ولكن مع صيانة ورجوع إلى ديانه فهو وإن طال به المجلس اختصر وإن جنى فيه على محبوبه اعتذر كما قيل:
إن أكن قد جنيت في السكر ذنباً ... فاعف عني يا راحة الأرواح
أي عقل يبقى هناك لمثلي ... بين سكر الهوى وسكر الراح
ومنهم من نال بالراح اللذة المحظورة وأخرج بها وجنة الحبيب من صورة إلى صورة فجارى النديم في الجريال وسما إلى الحبيب سمو حباب الماء حالاً على حال فأفضى به ذلك إلى هلكه وفساد ملكه كما اتفق للأمين بن الرشيد وغيره قال الربيع: قعد الأمين يوماً للناس وعليه طيلسان أزرق وتحته لبد أبيض فوقع في ثمانمائة قصة فوالله لقد أصاب وما أخطأ وأسرع فما أبطأ ثم قال يا ربيع أتراني لا أحسن التدبير والسياسة ولكن وجدت شم الآس وشرب الكاس والاستلقاء من غير نعاس أشهى إلى مقابلة الناس وكذلك خلع قبله الوليد بن يزيد وبعده المتوكل وغيرهم من الخلفاء والأمراء ممن آثر راحة النفس على تعب السياسة والذي آراه إطلاق ما ذهبوا إليه بالصريح ومفارقة الجميع على وجه مليح كما قيل:
لو رأى وجه حبيب عاذلي ... ولتفارقنا على وجه مليح
وما أحسن قول أبي الفتح البستي إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً: فاحكم على ملكه بالويل والحرب أما ترى الشمس في الميزان هابطة لما غدا وهو برج اللهو والطرب ومن هنا نشرع في ذكر من ذل لمحبوبه من الملوك فصبح مع كونه مالكاً له كالملوك وهم في ذلك لشدة البأس على خلاف ما عليه الناس وهذا وذلك لأن العشق وأصحابه طبقات فمنهم من لا يطيب له العشق إلا بالذل هو الغالب على العشاق الصادقين في المحبة كما قال الشيخ شرف الدين بن الفارض:
ولو عز فيها الحب ما لذلي الهوى ... ولم يك لولا الذل في الحبّ عزتي
كما قيل:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة ... فكم عزة قدنا له المرء بالذل
ومنهم من يرى توحيد المحبوب وعدم الشريك كما قيل:
ليس في القلب موضع لحبيبين ... ولا أحدث الأمر اثنان
فكما العقل واحد ليس بدري ... خالقاً غير واحد رحمن
فكذا القلب واحد ليس يهوى ... غير فرد مباعداً ومدان
وكذا الدين واحد مستقيم ... وكفور من عنده دينان
هو في شرعة المودة ذو شر ... بعيد من صحة الإيمان
فمن كان على خلاف هذا ممن يرى الشريك في المحبة كالرشيد وغيره كما يأتي بيانه في بابه لم يكن محباً حقيقة وهذا الغالب عل الملوك لكثرة ما لديهم واختلاف الشكل عليهم كما قيل:
تنقل فلذات الهوى في التنقل ... ورد كل صاف لا تقف عند منهل
فالملوك ليسوا كغيرهم لقدرتهم على من يحبونه بالنقود النضة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة نعم قد يعشق الملك العظيم فلا يذهب به عشقه إلى ترك تدبير ملكه وإنما أكثر ما يظهر من أمر الملوك أن يضعوا محبوبهم في مقام مالكهم وهم مالكوه كما قال الحكم بن هشان ملك الأندلس ظل من فرط حبه مملوكاً:
لقد كان قبل ذاك مليكا ... تركته جآذر القصر صبا
مستهاماً على الصعيد تريكا ... يجعل الخد واضعاً فوق ترب
стр. 20
للذي يجعل الحرير أريكا ... هكذا يحسن التذلل بالحرّ
اذا كان الهوى مملوكاً
وقال الرشيد وقد عشق ثلاث جوار:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعزّ من سلطاني
وقال المستعين بالله بن الحكم الأموي أحد خلفاء المغرب واجآد:
عجباً يهاب الليث حدّ سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان
وأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الأعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
حاكمت فيهنّ السلو إلى الصبا ... فقضى بسلطان على سلطان
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عزّ ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلل للهوى ... ذلّ الهوى عزّ وملك ثاني
ما ضرّ أني عبدهنّ صبابةً ... وبنو الزمان وهن من عبداني
قلت وكم:
مثله من ملك قاهر وسلطان قادر ... تذل لهيبته الأملاك وتذعن
لسطوته الفتاك هدم الهوى ... أركانه وأذل عزه وسلطانه
فقصر جفنه في الليالي الطوال ... واقعه مع عقله الحسن في أسر
الاعتقال
فقال:
أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي
وقيل هما للرشيد وقيل هما للمأمون وقيل هما للمهدي وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان كان السلطان أبو عبد الله محمد بن السلطان الغالب بالله أحد ملوك الأندلس جميلاً حسن السياسة متظاهراً بالدين رأيته مراراً بغرناطة وأنشدني شعر وأحضرت عنده إنشاد الشعراء ومن شعره:
أيا ربة الخدر التي أذهبت نسكي ... على كل حال أنت لا بد لي منك
فأما بذل وهو أليق بالهوى ... وأما بعز وهو أليق بالملك
وقال الملك الأمجد:
من مثلي في عصري ... بستاني في قصري
معشوقي مملوكي ... غني لي من شعري
وقال الملك الظاهر في مملوكه أيبك الجامدار:
أنا مالك مملوك ظبي أغيد ... ومن العجائب مالك مملوك
وأنا الفتى وإنني من وصله ... بين البرية معدم صعلوك
ولكم سفكت دماً بسيف عنوة ... ودمي بسيف لحاظه مسفوك
وقال الملك الأشرف في مملوكه وكان خازنداره دوبيت:
أفدى قمراً تحار فيه الصفة ... يسخو بدمي وهو أمين ثقة
ماذا عجباً يحفظ مالي ويرى ... روحي تلفت به ولا يلتفت
وبقية ماله من المقاطيع ذكرتها في الباب الأول من نقل الكرام في مدح المقام وذكرت فيه أيضاً حكاية محبوبه ابن مملوكه وما بان فيها عنه من حسن السيرة وهي من أغرب ما يحكى عن الملوك وقال الملك تميم:
بالله جدّ لي بوعد صدق ... وخلّ هذا الدلال عنكا
ولا تدعني أظل أشكو ... مثل محياك ليس يشكا
وحكي عن المأمون أنه غضب على جاريته عريب المعنية وكان كلفا بها فأعرض عنها وأعرضت عنه ثم أسلمه الغرام وقلقه الشوق حتى أرسل إليها يطلب مراجعتها فلما اجتمعا لم تلتفت إليه وكلمها فلم ترد عليه فأنشأ يقول:
تكلم ليس يوجعك الكلام ... ولا يزري محاسنك السلام
أنا المأمون والملك الهمام ... ولكني بحبك مستهام
يحق عليك أن لاتقتليني ... فيبقى الناس ليس لهم إمام
فقالت له: يا أمير المؤمنين والدك أمير المؤمنين هرون الرشيد أعشق منك حيث يقول ملك الثلاث الآنسات الأبيات المتقدمة وتمام حكايتها ذكرتها في الباب الثاني من السكردان وهي حكاية مليحة جداً ورأى المأمون أيضاً يوماً غلاماً مليحاً لأحمد بن يوسف فقال: ما اسمك؟ فقال: فتح. فقال المأمون:
يا فتح يا فاتحاً لبلوائي ... ويا عليماً بطول شكوائي
الحمد لله لا شريك له ... مولاك عبدي وأنت مولائي
فبلغ ذلك أحمد فوهبه الغلام قلت فكان كما قيل:
стр. 21
كل ما يصلح للمو ... لى على العبد حرام
وقعد والده الرشيد يوماً عند زبيدة وعندها جواريها فنظر إلى جارية واقفة على رأسها فأشار إليها أن تقبله فاعتلت بشفتيها فدعا بدواة وقرطاس فوقع فيه قبلته من بعيد. فاعتل من شفتيه. ثم ناولها القرطاس فوقعت فيه:
فما برحت مكاني ... حتى وثبت عليه
فلما قرأ ما كتبت استوهبها من زبيدة فوهبتها فمضى بها وأقام معها أسبوعاً لا يدر مكانهما فكتبت إليه زبيدة:
وعاشق صب بمعشوقه ... كأنما قلباهما قلب
روحاهما روح ونفساهما ... نفس كذا فليكن الحب
وحدث أبو جعفر قال بينما محمد ابن زبيدة يطوف في قصر له إذ مر بجارية له سكرى وعليها مطرف خز وهي تسحب أذيالها من التيه فراودها عن نفسها فقالت يا أمير المؤمنين إنك قد هجرتني مدة ولم يكن عندي علم بموافاتك فانظرني الليلة حتى أتهيأ للقياك وآتيك في غد فلما أصبح انتظرها فلم تجئ فقام ودخل عليها وسألها انجاز الوعد. فقالت: يا أمير المؤمنين أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار، فضحك وخرج من مجلسه فقال: من بالباب من الشعراء فقيل له مصعب والرقاشي وأبو نواس فأمر بهم فدخلوا فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل واحد منكم شعراً يكون آخره كلام الليل يمحوه النهار فأنشأ الرقاشي يقول:
متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صبا مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار
إذا استنجزت منها الوعد ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب:
أتعذلني وقلبي مستطار ... كئيب لا يقرّ له قرار
بحبّ مليحة صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار
ولما مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار
فقلت لها عديني منك وعداً ... فقالت: في غدمنك المزار
فلما جئت مقتضياً أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس:
وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وقد سقط الردى عن منكبيها ... من التخميش وانحل الإزار
وهز الريح أردافاً ثقالا ... وغصناً فيه رمان صغار
هممت بها وكان الليل ستراً ... فقام لها على المعنى اعتذار
وقالت في غد فمضيت حتى ... أتى الوقت الذي فيه المزار
وقلت الوعد سيدتي فقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال له: ويلك أكنت مطلعاً علينا أو ثالثنا في القصر. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ولكن نطرت إليك فعرفت ما في نفسك وعبرت عما في ضميرك فأمر له بأربعة آلاف درهم ولصاحبيه مثلها وذكرت هنا ما قلته في ابن نهار:
أقول لموعدي زوروا بليل ... بدا كالبدر فيه ثم غابا
كلام الليل يا ابن نهار زيد ... إذا طلعت عليه الشمس ذابا
وقلت:
أتبيت ريان الجفون من الكرى ... وأبيت أسهر فيك مع سماري
وتلوم إن أصبحت في يوم الجفا ... مجنون ليلى فيك يا ابن نهار
حكي أنه كان للمتوكل غلام اسمه شفيع وكان من أحسن الفتيان فكان المتوكل يجن به جنوناً فأحب يوماً أن ينادم حسين بن الضحاك وأن يرى ما بقي من شهرته وكان قد أسن فأحصره فسقاه حتى سكر وقال الشفيع: اسقه فسقاه وحياه بوردة وكانت على شفيع ثياب موردة فمد حسين يده إلى ذراع شفيع فقال المتوكل: أتخمش أخمص قدمي بحضرتي فكيف لو خلوت به ما أحوجك إلى الأدب وكان المتوكل قد غمز شفيعاً على العبث به فدعا بدواة فكتب:
وكالوردة الحمراء حيّا بزهرة ... من الورد يمشي في قراطق كالورد
تمنيت أن أسقي بعينيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلة ... خلياً ولكن من حبيب على وعد
ثم دفعها الشفيع فأعطاها للمتوكل فاستملحها وقال: أحسنت يا حسين ولو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك ولكن بحياتي يا شفيع إلا كنت ساقية بقية يومنا وأمر له بمال كثير وكان شفيع المذكور يكتب على طرز قبائه الأيمن:
بدر على غصن نضير ... شرق الترائب بالعبير
стр. 22
ويكتب على الطراز الأيسر:
خطت صحيفة وجهه ... في صفحة القمر المنير
ومن غريب ما يحكى أن يزيد بن عبد الله بن مروان كان صباً بحبابة جاريته فخلا يوماً في لهو معها وقل: لا كذبن قول من قال أن الدهر لا يصفو لأحد يوماً وأحضر حاجبه وقال له: لا تأذن لأحد يدخل علي ولا تعلمني بخبر ولو كان فيه ذهاب ملكي مدة هذا اليوم وأقام معها في أتم حال فتناولت رماناً فشرقت فماتت لوقتها فعرض له عليها طرف من الوله فحال بينه وبين الصبر ومنع من دفنها حتى سأله جماعة من بني أمية في دفنها ولاطفوه في ذلك فأمر بدفنها وقال:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
وقيل أنه لم يقم بعدها إلا سبعة أيام ومات أسفاً عليها ومثل فعله هذا في عدم دفنه لمحبوبته ما حكيته في نقل الكرام في مدح المقام في الباب الرابع عن السلطان جلال الدين خوارزم شاه لما مات مملوكه فلج منع من دفنه فكان يحمل معه في محفة وكلما حضر بين يديه طعام. قال: احملوا هذا إلى فلج. فقال له بعض الأمراء: أيها الملك قد مات فلج. فضرب عنقه فلا حول ولا قوة إلا بالله. وتمام حكايته ذكرتها في الكتاب المذكور.
الباب الثالث
ذكر من عشق على السماع
ووقع مع الحبيب في النزاع
أقول هذا باب عقدناه لذكر من عشق قبل أن يرى فتم عليه ما تم لما جرى من دمعه ما جرى فأصبح لا يقر له قرار بعد أن كان قرير العين وشهد على عينيه بما لم تريا فكان كمن كلف أن يعقد بين شعيرتين كم ليلة رقص فيها على السماع وجمعة سهر من لياليها مثنى وثلاث ورباع فهوا على طبقة ممن عشق باللمس أو غيرها من بقية الحواس الخمس والظاهر أن ذلك لمشاكله بينه وبين المحبوب في نفيس الأمر أو تعارف سابق في عالم الذر كما قال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس في الاقتباس:
محبة ما عرفت الدهر سلوتها ... تسري إلى النفس أو تجري مع النفس
وما لها آخر لكن أولها ... تعارف سابق في حضرة القدس
في عالم الذر ناجاني البشير بها ... أهلاً بميتها طهرا من الدنس
أشهى إلى القلب من أمن علي وجل ومن مجال الكرى في الأعين النعس قولي لمشاكله بينة وبين المحبوب إلى آخره فيه إشارة إلى أنك لا تحد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة واتفاق في بعض الصفات لا بد من هذا. ولهذا اغتنم أبقراط حين وصف له رجل من أهل النقص أنه يحبه. فقال: ما احبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه. ويؤيد هذا قول النبي ﷺ وقد سأل عائشة ﵂ عن امرأة كانت تدخل على نساء قريش فتضحكهن قدمت المدينة فنزلت على امرأة تضحك الناس بها فقال: على من نزلت فلانة. فقالت: على فلانة المضحكة. فقال: الحمد لله الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وأنشد طرفة:
تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقي وخليل
وقال أبو الهذيل العلاف: لا يجوز في دور الفلك ولا في تركيب الطبيعة ولا في القياس ولا في الحس ولا في الممكن ولا في الواجب أن يكون محب ليس لمحبوبه إليه ميل والظاهر أن هذا للسر الذي ذكرناه من وجودج ما بينهما من المشاكلة، فإن قلت فقد رأينا من أحب من لا يحبه ولا يلتفت إليه. قلت: ذكر عن ذلك أجوبة أحسنها أن يقال المحبة على قسمين: القسم الأول: محبة غرضية، فهذه لا يجب الاشتراك فيها بل يقابلها مقت المحبوب وبغضه للمحب كثيراً، إلا إذا كان له معه غرض نظير غرضه فإنه يحبه لغرضه منه كما يكون بين الرجل والمرأة لأن لكل منهما غرضاً مع صاحبه.
القسم الثاني: محبة روحانية، سببها المشاكلة والاتفاق بين الروحين فهذه لا تكون إلا من الجانبين ولا بد فلو فتش المحب محبة صادقة قلب محبوبه لوجد عنده من محبته نظير ما عنده أو فوقه أو دونه وذكر بعضهم أن سبب المحبة ثلاثة أشياء أما رؤية صورة أو سماع نغمة أو سماع صفة فهذه الثلاثة هي أصل ينبوع المحبة إذ لا يخلو حب أحد من أن يستند إلى شيء منها وقد قيل ثلاث محبات فحب علاقة.
وحب تملاق رحب هو القتل وأحوال الناس تختلف في ذلك فمنهم من يحب بمجرد الوصف دون المعاينة فيفني بمن وصف له محبة وما رآه ولكن وصفه له واصف كما قيل:
стр. 23
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمي
أخذه القاضي الفاضل فقال ... عللوني عن الشآم بذكر
أن قلبي عليه بالأشواق
مثلته الذكرى لسمعي كأني ... أتمشى هناك بالأحداق
وقال بعض الحكماء أن الله جعل القلب أمير الجسد وملك الأعضاء فجميع الجوارح تنقاد له كل الحواس تطيعه وهو مديرها وبإرادته تنبعث ووزيره العقل وعاضده الفهم ورائده العينان وطليعته الأذنان وهما في باب النقل سيان لا يكتمانه شيئاً ولا يطويان عنه سراً يعني العين والأذن وقيل لأفلاطون: أيهما أشد ضرراً السمع أم البصر فقال: هما للقلب كالجناحين للطائر لا ينهض إلا بهما ولا يستقل إلا بقوتهما وربما قص أحدهما فتحامل بالآخر على تعب ومشقة قيل فما بال الأعمى يحب وما رأى والأصم يحب وما سمع فقال له: لذلك قلت: أن الطائر قد ينهض بإحدى جناحيه ولا يستقل طيراناً فإذا اجتمعا كان ذهابه أمضى وطيرانه قوي وكان يقال الحب أوله السماع ثم النظر كما أن أول الحريق الدخان ثم الشرر.
حكي إن أبي تمام أنه سمع جارية تغني بالفارسية فشجاه صوتها فقال:
ولم أفهم معانيها ولكن ... شجت قلبي فلم أحمل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنى ... يحب الغانيات ولا يراها
قال ابن طاهر قلت لأبي تمام: أخذت هذا المعنى من أحد فقال: نعم من قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا لمن لا ترى تهوى فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
قلت والظاهر أن بشار أخذ قوله هذا من كلام الحكم المتقدم ذكره وتبعه أبو يعقوب الخزيمي فقال:
قالت وتهزأ بي غداة لقيتها ... يا للرجال لصبوة العميان
فأجبتها نفسي فداؤك إنما ... عيني وأذني في الهوى سيان
وقال بشار أيضاً الحب إنما يتولد بالقلب والفكر وأنشد في ذلك.
يزهد في حب عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يعشق ذو اللب
وما تبصر العينان في موضع الهوى ... لا تسمع الأذنان إلا من القلب
وقال الحصري وقد صدق فيما نطق إنما أحست الحواس الخمس بواسطة توسطتها النفس وقد قال الخليل بن أحمد.
إن كنت لست معي فالذكر منك معي ... يرعاك قلبي وإن غيبك عن بصري
العين تبصر من تهوى وتعشقه ... وناظر القلب لا يخلو من النظر
وقال مظفر بن إبراهيم الأعمى في الاعتذار عن العشق مع العمى:
قالوا عشقت وإنك أعمى ... ظبياً كحيل الطرف ألمي
وحلاه ما عاينتها ... فتقول قد شغفتك وهما
وخياله بك في المنا ... م فما أطاف ولا ألما
من أين أرسل للفؤاد ... وأنت لم تنظره سهماً
ومتى رأيت جماله ... حتى كساك هواه سقماً
وبأي جارحة وصلت ... لوصفه نثراً ونظماً
والعين داعية الهوى ... وبه تنم إذا استتما
فأجبت أني موسميّ ... العشق انصاتا وفهما
أهوى بجارحة السما ... ع ولا أرى ذات المسمى
وقال المدني:
أيا من لامني في حب ... من لم يره طرفي
لقد أفرطت في وصفك ... لي في الحب بالضعف
فقل هل تعرف الجنة ... يوما بسوى الوصف
وما أحسن قول المهذب ابن الشحنة من قصيدة مدح بها مولانا السلطان الملك الناصر صلاح الدين أيوب مطلعها:
وإني امرؤ أحببتكم لمارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وقالت لي الآمال إن كنت لاحقاً ... بأبناء أيوب أنت الموفق
وقلت أنا من قصيدة أمدح بها مولانا السلطان الملك الناصر حسن وفيه زيادة حسنة مطلعها:
وحياة وجهك وهو بدر مشرق ... قلبي عليك كما عملت واشفق
يا من إذا لاح آس عذاره ... أمسي ولي بالعيش غصن مورق
ما لاح خدك بالعذار مكاتباً ... إلا ظننت بأنه معتق
ومنها
стр. 24
كم ذا رقصت على السماع بذكره والأذن قبل العين قالوا تعشق وحاصل القضية أن من الناس من يعشق على السماع ويفني في محبة من لا رآه لكن وصف له ولهذا نهى النبي ﷺ أن تنعت المرأة لغير زوجها حتى كأنه ينظر إليها والحديث في الصحيح قال في الواضح المبين ومنهم من يعشق أثراً رآه يحكى أن رجلاً عشق أثر كف امرأة رآه في حائط فلما آيس أهله من صلاحه تركوه حتى مات ومنهم من يحب في النوم شكلاً لا يعرفه فيهم به كما قيل.
يا ليت شعري من ... كانت وكيف سرت
أطلعة الشمس ... كانت أم هي القمر
أظنها العقل ... أبداها تدبره
أو صورة الروح ... أبدتها الفكر
فقد تحير في ... إدراكها البصر
أولم يكن كل هذا فهي حادثة ... أتى بها سبباً في حتفي القدر
ومنهم من يعشق باللمس قيل وهو رأس الشهوة ومنهم من يعشق بالشم كما قيل:
والعين تعشق ما تهوى وتبصره ... كذلك يعشق فيك الأنف والأذن
ومنهم من أخبرني أنه دخل إلى حمام فرأى فيه شعرة طويلة سوداء لبعض النساء ولم يعلم لمن هي فأخذها وأقامت عنده زماناً وأصابه من حب صاحبتها، ما أشرف به على التلف كما قيل:
تلفت بشعرة وسمعت غيري ... يقول سملت من تلفى بشعره
ومنهم من يعشق جنية رآها في نومه ووصفت نفسها له وجاءته غير مرة على زعمه كما حكى أبو الفرج الأموي أن جعفر المنصور كان يتعشق من الجن حتى كثر ولعه بذلك فصار يصرع في النوم مرات حتى مات من ذلك فحزن عليه أبو جعفر حزناً شديداً وكان جعفر خليعاً ماجناً ولما نهى المنصور مطيع بن أياس عن صحبة ابنه جعفر قال وأي مستصلح فيه وأي غاية لم يبلغها في الفساد فقال ويلك وبأي شيء هذا قال يزعم أنه يعشق امرأة من الجن وهو مجتهد في خطبتها ودأبه جمع أصحاب العزائم عليها وهم يعدونه ويمنونه فوالله ما فيه فضل لغير ذلك جد ولا هزل ولا كفر ولا إيمان ومن شعره فيها:
لإبنة الجنى في الحي ّتطل ... دارس الآيات عاف كالخلل
قلت هذا الذي يقال في حقه الجنون فنون.
ومثل هذا ما أخبرني به صاحبنا جمال بن عبد الله قال: قال الثعالبي في فقه اللغة زعموا أن التناكح قد وقع بين الأنس والجن لقوله تعالى وشاركهم في الأموال والأولاد لأن الجنيات إنما تصرع الرجال من الأنس على العشق وطاب الفساد وكذلك رجال الجن لنساء بني آدم.
فصل
ذكر ما ينخرط في سلك العشق
على السماع والشهاه على الغائب
كقول ديك الجن وقيل عبد المحسن الصوري:
بأبي فم شهد الضمير له ... قبل المذاق بأنه عذب
كشهادتي لله خالصة ... قبل العيان بأنه رب
وما أحسن قول الآخر:
أهم إلى العذب من ريقه ... كما هيم العاشقين العذيب
شهدت عليه وما ذقته ... بقينا ولكن من الغيب غيب
وقال بشار بن برد:
يا أطيب الناس وقار غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
وقال المتوكل الليثي:
كأن مدامة صهباء صرفاً ... ترقرق بين رواق ودن
تعل به الثنايا من سليمى ... فراسة مقلتي وصحيح ظني
وقال امرؤ القيس:
وثغر لها طيب واضح ... لذيذ المقبل والمبتسم
وما ذقته غير ظني به ... وبالظن يقضي على ما أكتم
وقال ابن حمد الصقلي:
وما ذقت فاهاً ولكنني ... نقلت شهادة عود الإدراك
وقال البهاء زهير:
فتنت به حلواً مليحاً فحدثوا ... بأعجب شئ كيف يحلو ويملح
وقد شهد المسواك عندي بطيبه ... ولم أرى عدلاً وهو سكران يطفح
وقال ابن النقيب:
قالوا فلان يصوغ كذباً ... يكسوه من لفظه طلاوة
حلو حديث فقلت من لي ... لو أنه صادق الحلاوة
стр. 25
قلت: وبقي هنا حكاية تتعلق بمن عشق على السماع من الحمقى والمغفلين وهي ما حكاه الجاحظ قال: عبرت يوماً على معلم فوجدته في هيئة حسنة وقماش مليح فقام إلي وأجلسني معه ففاتحته في القراآت فإذا هو فيها ماهر ففاتحته في شيء من النحو فوجدته فيه ماهراً ثم في أشعار العرب واللغة فإذا به كامل في جميع ما يراد منه فقلت: والله قوي عزمي على تقطيع دفتر المعلمين فكنت كل يوم أجالسه وأزوره قال: فأتيت في بعض الأيام إلى زيارته فوجدت الكتاب مغلقاً فسالت عنه جيرانه فقالوا: مات عنده ميت فقلت: أروح أعزيه فجئت إلى بابه فطرقته فخرجت إلى جاريته فقالت: ما تريد فقلت: أريد مولاك فقالت: مولاي جالس وحده في العزاء ما يعطي لأحد الطريق إليه فقلت: قولي له صديقك فلان يطلبك فدخلت وخرجت إلي وقالت: بسم الله فعبرت إليه فإذا هو جالس وحده فقلت أعظم الله أجرك: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
وهذا سبيل لا بد منه فعليك بالصبر ثم قلت له: هذا الذي توفي ابنك قال: لا قلت: فوالدك قال: لا قلت: فأخوك قال: لا قلت: فمن قال: حبيبتي. فقلت في نفسي: هذه أول المناحس. ثم قلت: سبحان الله النساء كثر وتجد غيرها وتقع عيناك على أحسن منها فقال: وكأني بك قد ظننت أني رأيتها فقلت في نفسي: هذه منحسة ثانية ثم قلت: وكيف عشقت من لا رأيته فقال: أعلم أني كنت في الطارمة وإذا برجل عابر وهو يغني ويقول:
يا أم عمر جزاك الله مكرمة ... ردئ على فؤادي أينما كانا
فقلت في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا مثلها ما قيل فيها هذا الشعر فهويتها فلما كان بعد يومين عبر ذلك الرجل وهو يغني ويقول:
إذا ذهب الحمار بأم عمر ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
فعلمت أنها ماتت فحزنت وقعدت في العزاء ثلاثة أيام بهذا اليوم قال الجاحظ فعادت عزيمتي وقويت همتي على تقطيع الدفتر بحكاية أم عمرى.
الباب الرابع
ذكر من نظر أول نظرة
فاحترق من خد الحبيب بجمرة
أقول هذا باب عقدناه لذكر من أوقعه النظر في الضرر المؤدي إلى السهر إذ هو داعية الأرق وزناد الحرق كم دعا إلى الجماع المحرم بالإجماع فهو سهم مسموم وفعل مذموم وفي مبدئه يمكن استدراكه وأسيره يرجى فكاكه فإذا تكرر أدى إلى ما صورته كيت وكيت أما ترى الحبل بتكراره البيت كما قيل:
كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضرّمهجته ... لا مرحباً بسر ورجاء بالضرر
قولي وفي مبدئه يمكن استدراكه إلى آخره وذلك أن الرجل تمر به المرأة فيكون ظاهر هيئتها وشكلها وصورتها مشاكلاً لطبعه فتتحرك نفسه وتنبعث همته من أول نظرة فإذا تكرر نظره إليها ازداد حبه لها وإن جلس حتى يراها صار الذي به أضعاف ما كان فإن نظرت إليه نظرة افتتن بجمالها ووقع في أسر حبالها ودخل في عدد العاشقين وهذا مما يؤيد قول من ذهب إلى أن العشق اختياري لأنه لم يصر عاشقاً إلا بعد وقوع هذه المقدمات وكان يمكنه حسم مادة ذلك بعد النظرة الأولى اللهم إلا فيما ندر كما تقدم في ذكر النسوة اللاتي رأين يوسف ﵇ ففتن من أول نظرة وكان يقال النظر من المحب موت عاجل ومن المحبوب سهم قاتل وكان يقال رب عشق غرس من لحظه وحرب جنى من لفظه وكان يقال من أطلق طرفة كثر أسفه وكان يقال من كثرت لحظاته دامت حسراته وقال إعرابي العشق نبت بذره النظر وماؤه المزاورة ونماؤه الوصل وقتله الهجر وحصاده التجني. وقال الصوري:
غرست الهوى باللحظ ثم احتقرته ... وأهملته مستأنساً متسامحا
ولم تدر حتى أينعت شجراته ... وهبت رياح الوجد فيه لواحقا
فأمسيت تستدني من الصبر عازباً ... عليك وتستدعي من النوم نازحاً
стр. 26
وقال الأصمعي كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون: قد جاءت فتحرك الناس فقمت معهم فإذا بجارية قد وردت الماء ما رأيت مثلها قط في حسن وجهها وتمام خلقتها فلما رأت كثرة تشوف الناس إليها أرسلت برقعها فكأنه غمامة غطت شمساً فقلت لم تمنعينا النظر إلى وجهك هذا الحسن فأنشأت تقول:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولاعن بعضه أنت صابر
ثم نظر إليها أعرابي وقال أنا والله ممن قل صبره وأنشد:
أوحشية العينين أين لك الأهل ... أبالحزن حلوا أم محلهم السهل
وأية أرض أحرجتك فإنني ... أراك من الفردوس إن فتش الأصل
قفي خبرينا ما طعمت وما الذي ... شربت ومن أين استقل بك الرحل
لأن علامات الجنان مبينة عليك ... وإن الشكل يشبهه الشكل
أقول هذا والله هو السحر الحلال والعذب الزلال قد اشتمل على مذهب السحر الكلامي والبدر السامي فكأني بها وقد ذكرت له الأهل ووصفت من حيها وخدها الحزن والسهل هنالك يأتيها سعياً على الرأس لا سعياً على القدم وتكون وجناتها أحب إليه من حمر النعم وينشد:
أريني مكان البدر إن أفل البدر ... وقومي مقام الشمس إن بعد الفجر
ففيك من الشمس المنيرة ضوءها ... وليس لها منك التبسم والثغر
حكي أنه دخل أصبهان مغن كان يتغنى بهذين البيتين:
سماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح
فإن الحب آخره المنايا ... وأوله شبيه بالمزاح
قلت وفي هذا دليل على أن العين هي التي تجلب الحين وإذا كان كذلك فلنذكر هنا مناظرة وقعت بين القلب والعين ولوم كل منهما صاحبه والحكم بينهما وهي لما كانت العين زائدة ومحبة القلب زائدة وهذه لها لذة النظر وهذا له لذة الظفر كانا في الهوى شريكي عنان وفرسي رهان فلما وقعا في السهاد والحرق وأضر بصاحبهما الأرق قال القلب، يقول الأرجاني لطرفه الجاني:
تمتعتا يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أشر الموارد
أعينيّ كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد
وقال أبو الطيب المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
وقول الآخر:
عوقب قلبي وجنى ناظري ... وربما عوقب من لا جنى
وقول الآخر:
نظر العيون إلى العيون هو الذي ... جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلاً
ما زالت اللحظات تغزو قلبه ... حتى تشحط بينهن قتيلاً
وقول الآخر:
يا من يرى سقمي يزيد ... وعلتي أعيت طبيبي
لا تعجيز فهكذا ... تجني العيون على القلوب
وقال ابن مدرك:
جرحت بلحظي خدّ الحبيب ... فما طالب المقلة الفاعله
ولكنه اقتس من مهجتي ... كذاك الديات على العاقله
فلما سمعت العين إنشاده وفهمت مراده أشاوت إليه وأخذت في الإنكار عليه فقالت يا للعجب من ظالم يتظلم وأخرس يتكلم أليس من الخبر الذي شاع وذاع أنك أنت الملك ونحن الأتباع ترسلني فيما تريد كالبرق وتعقب ذلك بالتهديد أما سمعت قول أبي هريرة ﵁ القلب ملك والأعضاء جنوده فإن طاب الملك طابت جنوده وإن خبث الملك خبثت جنوده.
وقال سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله فبين ذنبي وذنبك إذ ذاك كما بين عماي وعماك.
وقال علام الغيوب " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب " فلما سمعت النفس ما دار بينهما من الجدال قالت في الحال.
أنا ما بين عدوّين ... هما قلبي وطرفي
ينظر الطرف ويهوى ... القلب والمقصود حتفي
وقال آخر:
يقول قلبي لطرفي إذ بكى جزعاً ... تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا
فقال طرفي له فيما يعاتبه.
بل أنت حملتني الأمال والطمعا ... حتى إذا ما خلا كل بصاحبه
كلاهما بطويل السقم قد قنعا ... نادتهما كبدي لا تعتبا فلقد
стр. 27
قطعتماني بما لاقيتما قطعا
وقال آخر:
عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلاً
فالزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا
فقلت كفا جميعاً ... تركتماني قتيلا
قلت فكانا كما يقول العامة قفا بين صفاعين وما أحسن قول الآخر:
فوالله ما أدري أنفسي ألومها ... على الحب أم عيني قريحة أم قلبي
فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
فعيني وقلبي قد تشاركن في دمي ... فيا رب كن عوناً على العين والقلب
فصل في ذكر سحر العيون ونبل الجفون
قلت والحاكم بينهما الذي يحكم بين الروح والجسد إذا اختصما كما ورد في الخبر عن سيد البشر " لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد فيقول: الجسد للروح أنت التي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل شيئاً بدونك فتقول الروح له: وأنت الذي أكلت وشربت وتمتعت فأنت الذي تستحق العقوبة فيرسل الله ملكاً يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستاناً فقال المقعد للأعمى: أنا أرى ما فيه الثمار ولكن لا أستطيع القيام. وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئاً فقال المقعد: تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة فيقولان عليهما فيقول: فكذلك أنتما ".
فصل
ذكر سحر الجفون ونبل العيون
فمن ذلك قول بشاره وهو أغزل بيت قالته الشعراء فيما حكاه قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان:
أنا والله أشتهي سحر عيني ... ك وأخشى مصارع العشاق
ونقل شيخنا الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي في تاريخ الإسلام عن ابن حيوس أنه قال من أغزل ما أعلم قول عبد المحسن الصوري:
بالذي ألهم تعذيبي ... ثناياك العذابا
ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا
قلت وهما من قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حور ... يقتلتتا ثم لا يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا
وأنشد صاحب المرقص والمطرب:
لو لم أمت باللحظ قال العذل ... ما قيمة السيف الذي لا يقتل
وقال ابن سهل الإشبيلي في مطلع موشحه:
ألحاظها للقتل ... في كرها أوفي نصيب
ترمي وكلي مقتل ... وكلها سهم مصيب
وقال الملك الناصر داود صاحب الكرك:
بأبي أهيف إذا رمت منه ... لثم ثغر يصدني عن مرامي
قد حمى خده بسور عذار ... مقلتاه أضحت عليه مرامي
فصل
وصف العيون الضيقة وغيرها
قال ابن النبيه:
يصد بطرفه التركي عني ... صدقتم إن ضيق العين نخل
وقال أيضاً: من بنى الترك لين العطف قاسي القلب سهل الخداع صعب المراسي ضيق العين وهو من صفة البخل فإن جاد كان ضد القياس:
جذب القوس فاكتست وجنتاه ... ثوب ورد طرازه من آس
ورمى عن قوسين سهمين هذا ... في فؤادي وذاك في القرطاس
وقال ابن قرناص:
علقته تتريا ... ويشجى القلوب ببينه
لا يرتجى الجود منه ... بالوصل من ضيق عينه
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بهت العذول وقد رأى ألحاظه ... تركية تدع الحليم سفيها
فثنى الملام وقال دونك والأسى ... هذي مضايق لست أدخل فيها
وقال الشيخ صفي الدين الحلي:
لي منهم رشا إذا غازلته ... كادت لواحظه بسحر تنطق
إن شاء يلقاني بخلق واسع ... عند اللقاء نهاه طرف ضيق
حكى الخرائطي عن بعض العلويين قال بينما أنا واقف على الحسن ابن هانئ وهو ينشد:
ويلي على نجل العيون ... النهد الضمر البطون
الناطقات على الضمير ... لنا بألسنة الجفون
стр. 28
فوقف عليه أعرابي ومعه ابن له فقال: أعد إلي فأعاد عليه فقال: يا ابن أخي أويلك أنت وحدك من هذا ويلي أنا وأنت وويل ابني هذا وويل هذه الجماعة وويل جيراننا كلهم.
وقال سبط التعاويذي:
بين السيوف وعينه مشاركة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان
وقال رشيد الدين الفارقي:
إن في عينيك معنى ... حدث النرجس عنه
ليت لي من غضه ... سهماً ففي قلبي منه
وقال محمد بن العفيف التلمساني:
لحاظك أسياف ذكور فما لها ... كما زعموا مثل الأرامل
وله أيضاً:
يا عاشقين حاذروا ... مبتسماً عن ثغره
فطرفه الساحر مذ ... شككتم في أمره
يريدان أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره
وقال أيضاً:
قضاة الحسن ما صنعي بطرف ... تمنى مثله الرشأ الربيب
رمى فأصاب قلبي اجتهاد ... صدقتم كل مجتهد مصيب
وقلت أنا من قصدي:
حبيب نازل في كل قلب ... وسيف لحاظه يهوى النزالا
يرى قتل المحب بلا دليل ... ولا سيما إذا أبدى الدلالا
إذا استقبلت سيف اللحظ منه ... رأيت الموت من ماضيه حالا
وقلت أيضاً من قصيد:
تغار الشمس منها حين تبدو ... كغصن البان في خضر البرود
بأطراف من الحناء حمر ... وألحاظ كبيض الهند سود
وقلت أيضاً من قصيد:
آلت لواحظه على أهل الهوى ... إن لا ترى قتلاً بغير مهند
يرنو وصارم لحظه في جفنه ... ماضي الغرار ولم يمسي بأثمد
فإذا تجرد للمحب فلا تسل ... عن سيف جفن كالحسام مجرد
وقلت أيضاً من قصيدة:
غزالي غزاني باللحاظ لأنه ... إذا ما بدا في حومة الحرب ضيغم
تكلمني ألحاظه بسيوفها ... ولم ترى قبلي ميتاً يتكلم
وقلت من قصيدة:
تسل سيوفاً من لواحظ طرفها ... ولكن من عادة الجفن غامد
تجردها والدمع كالنيل سائح ... فما ثنثني إلا وسيحان جامد
وقلت أيضاً من قصيد:
يرنو إليّ بعين نون حاجبها ... كالقوس تصمى الرمايا وهي مرنان
أمير حسن من الأتراك حاجبه ... على المحب له في مصر سلطان
غزت لواحظه في أهل مصر كما ... غزا الأنام بأرض الشام غازان
وأما الجور فقد اختلف الناس فيه فقال أبو عبيدة الحوراء الشديدة بياض العين في شدة سواد سواداها.
وقال يعقوب الحور سعة العين وكبر المقلة وكثرة البياض.
وقال قطرب الحوراء الحسنة المحاجر صغرت العين أم كبرت.
وقال أبو عمرو الظبية الحوراء السوداء العين التي ليس في عينها بياض ولا يكون هذا في الإنس إنما يكون في الوحش واشتقاق حور يدل على صحة ما قاله يعقوب وأبو عبيدة لأنهم إما يوقعونه في الغالب على البياض مثل الدقيق الحواري الدرمك الشديد البياض وقلما يتفق بياض العين إلا مع شدة سوداها لأن بياضها مع الزرقة ليس هنالك في النقاء وقد أكثر الشعراء في وصف العين بالحور والسواد وقل في شعرهم وصف العين الزرقاء على أنه جاء في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " الزرقة في العين يمن " وقال بعض العرب:
أحبك إن قالوا بعينك زرقة ... كذلك عتاف الطير زرق عيونها
ومن هنا أخذ العبدي قوله حين قال له معاوية: إنك أحمر فقال: والذهب أحمر فقال إنك الأزرق فقال: والبازي أزرق.
الباب الخامس
ذكر تغير الألوان عند العيان
من صفرة وجل وحمرة
خجل وما في معنى ذلك من عقد اللسان وسحر البيان
стр. 29
أقول هذا باب عقدناه لذكر تغير لوني المحبين إذا وقعت العين في العين وهرب الدم إلى شبكة الدماغ فقال له الحاجر: إلى أين وقد نصت الأطباء على السبب في ذلك وجلو من اصفرار المحب واحمرار المحبوب سواد كل حالك وأنا أورد هنا ما قالوه بنصه وأصوغه كالخاتم بفصه وأعقبه بذكر ألوان الحسان بأحسن بيان وأوضح تبيان هذا مع ما ينجر في ذيل ذلك من التفصيل بين السمر والبيض ووقوع محب السمان من الشعور والأرداف في الطويل والعريض. واختم ذلك بفصل في ذكر ما يعتري المحب من خفقان قلبه وطيران عقله ولبه فأقول وبالله التوفيق.
قال بعض الأطباء: سبب اصفرار وجه العاشق الفزع فإن الدم لا يأوي مع الفزع وربما نظر المعشوق إلى العاشق فجأة فيضطرب قلبه وتشتعل الحرارة ثم تخمد فإذا خمدت برد التامور فإذا برد التامور جمد الدم واستحال اللون إلى السواد والخضرة ثم يستقر فيصفر وأما احمرار وجه المعشوق فمن الخجل والخجل عرض من حركة تامور القلب فتحيل الدم وتلطفه فيظهر في أرق مكان في الوجه وذلك عند معالجة الحرارة العرضية ومجاهدتها الدم لما يندفع فيطلب الخلاص حتى ينتهي إلى تحت الرأس فيمنعه الحاجز من النفود فيهبط إلى الوجه فيحمر الوجه قالوا والوجه الرقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمر وإذا فزع يصفر ومنه قولهم ديباج الوجه يريدون تلونه من رقته قال الشاعر:
حمرة خلط صفرة في بياض ... مثل ما حاك حائك ديباجاً
وقالوا حمرة لون الإنسان يولدها الفرح والصحة والنعمة وصفرة لونه يولدها الفزع والبؤوس والغم والسقم وأما أحسن الألوان فإنه الأحمر بدليل أن الدم صديق الروح والحمرة لونه وأفضل الياقوت وأفخره الأحمر وأجود الذهب أحمره وأفضل العسل الذهبي والياقوتي وتمدح الأرض بحمرة التربة وأكرم الخليل أشقرها وهب ديباجها وأكرم الأبل حمرها وهي التي قال النبي ﷺ وهو يعظم مقدار ذلك لو أن لي حمر النعم ولو أن لي طلاع الأرض ذهباً وأحسن الأنوار الورد والشقائق والجلنار وأحسن الحلل المصبوغة المعصفرة وأحسنها ما كان صبغة القرمز وأحسن الخمر الحمراء ولذلك وصفتها الشعراء بلون النار والعندم والعصفر والياقوت والعبقر وأحسن الألوان المخلوقة النار ومن أجل ذلك اكتنى عبد العزى بن عبد المطلب بالهب وكان يكنى قبل ذلك أبا عتبة لأنه كان من أحسن الناس وجهاً وكانوا يشبهون احمرار وجهه بلهيب النار لأنه كان مشرق الوجه ملتهبة كما كنى النبي ﷺ أنه قال أهلك الرجال الأحمران وأهلك النساء الأحامرة والأحمران الخمر اللحم والأحامرة الذهب والزعفران الخمر والخمر واللحم قال الشاعر:
إن الأحامرة الثلاثة ضيعت ... مالي وكنت بهن قدماً مولعاً
الخمر واللحم السمين وما طلى ... بالزعفران فلا أزال مروعاً
وكان النبي ﷺ يعجبه الطائر الأحمر وقال وهب ابن عبد الله ما رأيت ذالمة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ . قال المتنبي من الجأذر في زي الأعاريب.
حمر الحلى والمطايا والجلاليب.
وأما قول الشاعر:
هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق به العينين والحسن أحمر
فإنه عني به الحسن في حمرة اللون مع البياض دون غيره من الألوان وقال ابن عبد ربه الحسن أحمر وقد تضرب فيه الصفة لطول المكث في الكون والضمخ بالطيب.
قال أعرابي:
وما تسليت عن صفراء حالية ... كالعاج صفرها إلا كان والطيب
وقال آخر:
كأن لون البيض في الأدحى ... لونك لولا صفرة الجاوي
يريد أنها تتضمخ بالجاوي وهو الزعفران وصفة البيضة لا تدرك صفرته وقالوا الجارية الحسناء تتلون تلون الشمس فهي بالضحى بيضاء وبالعشاء صفراء.
قال الشاعر:
بيضاء صحوتها وصفراء ... العشية كالنهار
وقال بشار بن برد:
فخذي محاسن زينة ... ومعصفرات هن أفخر
فإذا بلغنا فادخلي ... في الحمرات الحسن أحمر
وقال الحريري في ردة الغواص أما قولهم الحسن أحمر فمعناه أنه لا يكتسب ما فهي الجمال إلا بتحميل مشقة يحمار منها الوجه كما قالوا للسنة المجدبة حمراء كنوا عن الأمر المستعصب بالموت الأحمر كما قيل:
стр. 30
وإذا رأت عيناك طرفاً أسودا ... فاعلم بأن هناك موتاً أحمرا
وأحسن زينة النساء في أجسادهن الخضاب ولذلك أطنبت فيه الشعراء وشبهوه بالعناب وغير ذلك قال أبو نواس فيه:
يا قمراً أبصرت في مأتم ... يندب شجواً بين أتراب
يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
وقال ابن عكاشة:
من كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد طوقت عنابا
وما أحسن قول الواو الدمشقي: فأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ورداً وعضت على العناب بالبرد وقال المرزباني قال لي ابن دريد سهرت ليلة فلما كان آخر الليل أغمضت عيني فرأيت رجلاً طويلاً أصفر الوجه كوسجاً دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال أنشدني أحسن ما قلت في الخمر فقلت ما ترك أبو نواس لأحد شيئاً فقال أنا أشعر منه فقلت ومن أنت فقال أنا ابن ناجية من أهل الشام وأنشدني:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطوا ... عليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
فقلت أسأت الترتيب فقال ولم قلت لإنك قلت وحمراء فقدمت الحمراء ثم قلت بين ثوبي نرجس وشقائق فأخرت الحمرة فهلا قدمتها على الأخرى فقال وما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض ثم انصرف: وقال المتنبي:
قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد
أخذه الآخر فقال:
قالت لترب معها منكرة ... لوقفتي هذا الذي نراه من
قالت فتى يشكو الهوى متيم ... قالت بمن قالت بمن قالت بمن
وقال ابن النبيه:
وفي الكلمة الحمراء بيضاء طفلة ... بزرق عيون السمر يحمي احوارها
وقال عماد الدين ابن دبوقا من أبيات:
أرى العقد في ثغره محكما ... يرين الصحاح من الجوهر
وتكملة الحسن إيضاحها ... رويناه عن وجهك الأزهر
ومنثور دمعي غدا أحمرا ... على آس عارضك الأخضر
وبعت رشادي بغي الهوى ... لأجلك يا طلعة المشترى
وقلت أنا من قصيد:
لعمرك لا زيد يكون ولا عمر ... ولا ثغر إلا دون تقبيله ثغر
لا بيض إلا أسود حظي عندها ... ولا سمر إلا دون أعطافها السمر
وقال بدر الدين بن المحدث:
يصفر لوني حين أنظر وجنة ... منها تعلم حسنه الورد الجنى
يفنى الزمان وليس يفنى حبه ... وقد انحنيت وما آراه ينحني
حكي عن أبي أيوب وزير المنصور أنه كان إذا دعاه المنصور يصفر ويرعد فإذا خرج من عنده تراجع لونه فقيل له إنا نراك مع كثرة دخولك على أمير المؤمنين وأنسه بك تتغير إذ دخلت إليه فقال مثلي ومثلك في هذا مثل بازي وديك تناظر فقال البازي للديك ما أعرف أقل وفاء منك لأصحابك فقال وكيف قال تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك ويخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت من هنا إلى هنا وصحت وإن علوت حائظ دار كنت فيها سنين طرت منها وتركتها إلى غيرها وأما أنا فأوخذ من الجبال وقد كبرت فتخاط عيناي وأطعم الشيء اليسير وأساهر فأمنع من النوم وأونس اليوم واليومين ثم أطلق على الصيد وحدي فأطير إليه وآخذه وأجيء إلى صاحبي فقال له الديك ذهبت عنك الحجة أما والله لو رأيت بارزين في سفود ما عدت إليهم أبداً وأنا في كل يوم أرى السفافيد مملوءة ديوكاً فلا تكن حليماً عند غضب غيرك وأنتم لو عرفتم من المنصور ما أعرفه لكنتم أسوأ حالاً مني عند طلبه لكم قلت والذي هرب منه وقع فيه على الصحيح الأشهر ولم يزل يصفر منه حتى إذاقه الموت الأحمر هذا بعد أن أخذ أمواله وتركه في أسوأ حالة حكي أنه كان يدهن حاجبه بدهن يسحر فيه المنصور فلا يمكن منه إذا رآه حتى ضرب به المثل فقيل أدهن من أبي أيوب وما أفاده ذلك شيئاً لأنه فعل به ما فعل وقابله بما ليس له به قبل.
فصل
التفضيل بين البيض والسود
والسمر ذوات النهود
وهذا النوع الأخير مما يميل إليه المصريون في الغالب.
وللناس فيما يعشقون مذاهب.
فما قيل في تفضيل السمر
لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن ... لكنني أعشق السمر المهازيلا
стр. 31
إني امرؤ اركب المهر المضمو في ... يوم الرهان فدعني وأركب الفيلا
وقال علي بن الجهم
وعائب للسمر من جهله ... فيا ظبي مفضل للبيض ذي محك
قولوا له دعنا أما تستحي ... من جعلك الكافور كالمسك
وقال أبو جعفر الشطرنجي:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعدة
لا شك إذ لو أنكما واحد ... أنكما من طينة واحدة
وقال الشريف الرضي في تفصيل السود:
أحبك يا لون السواد فإنني ... رأيتك في العينين والقلب توأما
وما كان سهم العين لولا سوادها ... ليبلغ حبات القلوب إذا رمى
إذا كنت تهوى الظبى ألمي فلا تلم ... جنوني على الظبي الذي كله لما
وقال مسلمة:
لام العواذل في سوداء فاحمة ... كأنها في سواد القلب تمثال
وهام بالخال أقوام وما علموا ... أني أهيم بشخص كله خال
وقال ابن رشيق:
دعا بك الحسن فاستجيبي ... يا مسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واستطيلي ... تيه شباب على مشيب
ولا يرعك اسوداد لون ... كمقلة الشادن الربيب
وقال آخر:
وإن سواد العين في العين نورها ... وما لبياض العين نور فيعلم
وقد ذكرت بقية ما قيل في هذا النوع من المقاطيع الحسان في السكردان عند ذكر الملك الكامل شعبان ﵀.
وأما ما قيل في تفضيل البيض على السود فأكثر من أن يذكر له شاهد أو يمتد إليه ساعد المساعد قال الجاحظ والعرب تمدح بالبياض وتهجو بالسواد ولكن ربما مدحوا بالسواد ولكن أصل ما يبنون عليه أمرهم ذمه.
قال كشاجم:
يا مشبهاً في فعله لونه ... لم تعد ما أوجبت القسمة
خلقك من خلقك مستخرج ... والظلم مشتق من الظلمة
وأما القصيرة الغليظة من النساء فإنها نوع مذموم عند صاحب كل منثور ومنظوم.
قال الشاعر:
وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلى ولم تشعر بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار النساء شر النساء البحاتر
والبحاتر هن القصار الغلاظ.
وقال بعض السلف: جعل الله البهاء والهوج مع الطول والدهاء والدمامة مع القصار والخير فيما بين ذلك. وما أظرف قول الشريف الناسخ:
وأحرباه من هوى قصيرة ... في الارض منها ألف ألف قامة
إذا رنا إلى الخفاف طرفها ... قال القفايا كاتب السلامة
وبعض الناس يفضل السمان ويقول: السمنة نصف الحسن وهو يستر كل عيب في المرأة ويبدي محاسنها قيل ولهذا قيل جميله لأن الجميلة السمينة من الجمل وهو الشحم وقد تقدم ذكره:
فصل
ذكر ما يعتري الحب
من اصفرار لونه عند رؤية محبوبه
وخفقان قلبه وطيران عقله
قال صاحب روضعة المحبين: وقد اختلف في سبب هذه الروعة والفزع والاضطراب فقيل سببه أن للمحبوب سلطاناً على قلب محبه أعظم من سلطان الرعية فإذا رآه فجأة راعه ذلك كما يرتاع من يرى من يعظمه فجأة فإن القلب معظم للمحبوب خاضع له والشخص إذا فجأه المعظم عنده راعه ذلك وقيل سببه انفراج القلب له ومبادرته إلى تلقيه فيهرب الدم منمه فيبرد ويرعد ويحدث الاضطراب والرعدة وربما مات وبالجملة فهذا أمر ذوقي وجداني وإن لم يعرف سببه ومن أحسن ما قيل في الاعتذار عن خفقان القلب عند رؤية المحبوب قول الوراق الخطيري:
يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه
فما لقلبك قدجا ... خفقه يعتريه
فقلت وصلك عرس ... والقلب يرقص فيه
ومثله قول الآخر:
لا تنكروا خفقان قلبي ... والحبيب لدي حاضر
ما القلب إلا داره ... دقت له فيها البشائر
وما أحسن قول ابن سنا الملك:
أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما القى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
وقال معين الدين:
لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذراً علي من الخيال الطارق
стр. 32
فأجبت في قلبي فقال تعجباً ... أرأيت عمرك ساكناً في خافق
وقال آخر:
وسكنت قلباً خافقاً ... يأساً كنا في غير ساكن
وقال الطغرائي:
مرض النسيم وصح والداء الذي ... أشكوه لا يرجى له فراق
هذا خفوق البرق والداء الذي ... ضمت عليه جوانحي خفاق
أورد الابن الأبار في تحفة القادم.
حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق
ثم قال نسب بعض أهل عصرنا ابن تقي إلى الجفاء في قوله ابعدته:
عن أضلع تشتاقه ولو قال ... أبعدت عنه أضالعاً تشتاقه
لكان أحسن ثم ذكر بعدها مما فضلوه على قول ابن تقي المذكور قول ابن الحكم جعفر بن عنان:
إن كان لا بد من رقاد ... فأضلعي هاك عن وسادي
ونم على خفقها هدوّاً ... كالطفل في هزة المهد
وقال ابن الأثير في المثل السائر في أبيات ابن تقي المذكور وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصاً والبيت الأخير هو الموصوف بالابداع وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الإسماع وقلت أنا موافقا لأهل ذلك العصر في الرد على ابن تقي:
أتاني زائر فحكى الهلالا ... وأتبعه صدوداً واستطالا
فقلت له فقال لا لا ... دوام الوصل يورثك الملالا
الباب السادس
ذكر الغيرة
وما فيها من الحيرة وقرع من ديك الجن
أقول هذا باب عقدناه لذكر غيرة المحب على المحبوب حتى من نفسه وأبناء جنسه والمحبون فيها نوعان والمضروبون يسوطها ضربان فالأول يحبه الله ورسوله ويتم به للعاشق رسوله والثاني مذموم وصاحبه ملوم فالنوع المحبوب منها أن يغار عند قيام الريبة والنوع المذموم أن يغار من غير ريبة بل من مجرد سوء الظن وهذه الغيرة تفسد المحبة ولا تترك منها حبة لأنها توقع العداوة بين المحب والمحبوب وربما حملته على الوقوع فيما اتهمه به ويترتب عليها مفاسد كثيرة مما يؤدي إلى فساد الصورة والحكايات في هذا الباب مشهورة وقد روى النبي ﷺ في الصحيح " أن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يكره الله فالغيرة التي يحبها الله أن تكون في ريبة والغيرة التي يكرهها الله الغيرة في غير ريبة ".
وقال عبد الله بن شداد الغيرة غيراتان غيرة يصلح بها الرجل أهله وغيرة تدخل النار.
وقا لصاحب روضة المحبين الذي يحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ورسوله فهو من المحبين فكذب من أدعى محبة محبوب من الناس وهو يرى غيره ينتهك حرمته ويسعى في إذاءه ومساخطه ويستخف بأمره وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت وأقول الأحوال أن يغار له من نفسه يترك ارتكاب معاصيه والتفريط في حقه وأما الغيرة على المحبوب فإنما تحمد حيث يحمد الاختصاص به ويذم الاشتراك فيه شرعاً وعقلاً كغيرة الإنسان على زوجته وأمته والشيء الذي هو يختص به وهذه الغيرة تختص بالمخلوقين ولا تتصور في حق الخالق لأنه يجب على جميع المخلوقين أن يحبوه ويذكروه ويعبدوه ويحمدوه خلافاً فالبعض جهلة الصوفية ممن كان إذا رأى من يذكر الله أو يحبه يغار منه وربما سكتة أن أمكنه ويقول غيره الحب تحملني على هذا وإنما ذلك حسد وبغي وعدوان ونوع معاداة الله ومراغمة لطريق رسله أخرجوها في قالب الغيرة وشبهوا محبته بمحبة الصورة وهذه الغيرة إنما تحسن في محبة من لا تحسن المشاركة في محبته كغيرة الإنسان على محبوبه من الآدميين كما تقدم ذكره.
قال القشيري قيل لبعضهم أتحب أن تراه قال لا قيل ولم قال أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي.
стр. 33
قال الشيخ شسم الدين بن قيم الجوزية وهذه أيضاً غيرة فاسدة وغاية صاحبها أن يعفى عنه وأن بعد ذلك من سطحاته المذمومة وأن يعد في مناقبه وفضائله أن يقال له أتحب أن ترى حبيبك فيقول لا فلا ورؤيته أعلى نعيم الجنة وهو يحب من عبده أن يسأله النظر إليه وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان من دعائه اللهم أني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وقول هذا القائل أنزه ذلك الجمال عن نظر مثل من خدع الشيطان والنفس وهو شبه ما يحكي عن بعضهم أنه قيل ألا تذكره فقال أنزهه أن يجري ذكره على لساني وقد وقع بعضهم في شيء من ذلك فلاموه فأنشد:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إ ذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا إليها ... ولم يأنفوا مني أنفت لهم مني
وبعضهم من ترك الحج غيرة على بيته أن يزوره مثله وقد لمت شخصاً على ترك الصلاة.
فقال لي أني لا أرى نفسي أهلاً أن أدخل بيته فأنظر إلى تلاعب الشيطان بهؤلاء وأما الغيرة على المحبوب من الآدميين فلنا فيها ضروب وحسنات غالبها ذنوب فمنهم من يغار على المحبوب من النسيم أذاهب أو سماع أنه في الدرب:
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذار أو خوفاًتكون لحبة
وقال آخر:
تغار من ألطيف الملم حماتها ... ويغضب من النسيم غيورها
وقال ابن الأثير في المثل السائر: سافرت إلى الشام سنة سبع وثمانين وخمسمائة فدخلت مدينة دمشق فوجدت جماعة من أربابها يلهجون بيت من الشعر لإبن الخياط وهو:
أغار إذا آنست في الحي البيت المتقدم
فقلت لهم هذا البيت مأخوذ من قول أبي الطيب المتنبي:
لو قلت للدنف المشوق فديته ... مما لا به لاغرته بفدائه
والمتنبي أخذه من قول العباس ابن الأحنف:
لم ألق ذا شجن يبوح بحبه ... ألا حسبتك ذلك المحبوبا
حذار عليك وإنني بك واثق ... أن لا ينال سواي منك نصيبا
ومنهم من يلحق في الغيرة يومه بأمسه ويغار على المحبوب من كلام نفسه كما قال البحتري:
إني لأحسد ناظري عليكا ... حتى أغض إذا نظرت إليكا
وأراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنتي فأغار منك عليكا
ولو استطعت منعت لفظك غيرة ... كي لا أراه مقبلاً شفتيكا
خلص الهوى لك واصطفتك مودتي ... حتى أغار عليك من ملكيكا
ومنهم من يغار عليه ... من أزراره ولبس إزاره
أرى الأزرار على ليلى فأحسده ... إن الأزرار على ما ضم محسود
قلت ولهذا البيت حكاية لطيفة وهي ما حكي عن الحسن بن زيد أمير المدينة أنه قال يوماً لأبي السائب وكان قد جمله وكساه فكان يركب معه في موكبه ويسلم على النساء إذا مر بهن فنهاه الأمير عن ذلك فسار معه يوماً وعليه قلنسوة ففعل كعادته فأنشده الأمير: أرى الأزرار على ليلى البيت. فقال له أبو السائب بأبي أنت وأمي. من الذي قال هذا البيت. فقال: قيس فتخلف أبو السائب عن مسايرته ثم لحق ولا قلنسوة عليه. فقال له الأمير: أين القلنسوة. قال: تصدقت بها على الشيطان الذي ألقى هذا اليبت على لسان قيس. ومنهم من يغار عليه من ارتشاف السلاف كما قال كشاجم:
وعذبني قضيب في كثيب ... تشارك فيه لين واندماج
أغارا إذ أدنت من فيه كاس ... على در يقبله زجاج
وأشفق إن دنا المصباح منه ... على بدر يقابله سراج
أخذه المتنبي فقال في ممدوحه ... أغار من الزجاجة حيت تجري
على شفة الأمير أبي حسين وقد عيب عليه ذلك لكونه خاطب ممدوحه بما تخاطبه به المليحة ومنهم من ينزل نفسه منزلة الأجنبي فيغار على المحبوب من نفسه كما قال أبو تمام:
بنفسي من أغار عليه مني ... وأحسد مقلة نظرت إليه
ولو ان قدرت طمست عنه ... عيون الناس من حذري عليه
حبيب بث في جسمي هواه ... وأمسك مهجتي رهناً لديه
فروحي عنده والجسم خال ... بلا روح وقلبي في يديه
وقال أيضاً:
стр. 34
أغار عليك من قلبي ... وأن أعطيتني أملي
وأشفق أن أرى خديك ... نصب مواقع القبل
وقال الآخر:
يا من إذ أذكر اسمه في مجلس ... لذ الحديث به وطاب المجلس
أني لمن نظري أغار وأنني ... بك عن سواي من الأنام لأنفس
ومنهم من يغار عليه من وصاله له مخافة أن يكون مفتاحاً لغيره كما قال علي بن عبد الله الجعبري:
ربما سرني صدوك عمداً ... وطلابيك وامتناعك عني
حذراً أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني
وقال آخر:
ولما رمت باللحظ غيري حسبتها ... كما اثرت بالعين تؤثر بالقلب
وأني لأرجو أن تدوم ببعدها ... ولكن سوء الظن من شدة الحب
وقد بالغ ابن مطروح حيث يقول:
فلو أضحى على تلفي مصرا ... لقلت معذبي بالله زدني
ولا تسمح بوصلك لي فإني ... أغار عليك منك فكيف مني
ومنهم من يمتنع من ذكر محبوبه مخافة تعريضه لحب غيرة له كما قال علي بن الرافعي:
ولست بواصف يوماً حبيبا ... أعرضه لأهواء الرجال
وما بالي أشوق قلب غيري ... ودون وصاله ستر الحجال
وكثيراً من الجهال وصف امرأته ومحاسنها لغيره فكان ذلك سبب فراقها واتصالها بالموصوف له وذلك من قلة عقله وحمقه وقد رأيت جماعة بهذه الصفة ومنهم من بالغ في الغيرة حتى قتل محبوه مخافة أن يموت هو فيمتنع بمحبوبه بعده غيره كما ذكر ذلك عن جماعة من جملتهم ديك الجن الحمصي وقد أفردت لحكايته رسالة مستقلة وسميتها قرع سن ديك الجن وكتبت بها إلى مولانا السلطان الناصر حسن في سنة ستين وسبعمائة وهو في سرياقوت فأصبحت وكان قد تقدم ما يوجب ذلك فلذلك أفسحت الرسالة المذكورة بقولي يقبل الأرض وينهي أن ديك الجن المذكور من جملة جنونه أنه كان يهوى جارية وغلاماً له فمن شدة حبه لهما وغيرته عليهما خشي أن يموت وأن غيره يتمتع بهما بعده فعمد إليهما فذبحهما بسيفه وأحرق جسديهما وصنع من رماد الجارية برنية للخمر ومن رماد الغلام برنية أخرى كذلك وكان يضعهما في مجس أنسه عن يمينه وشماله فكان إذا اشتاق إلى الجارية قبل البرنية المجعولة من رمادها وملأ منها قدحه وأنشد:
يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها التراب وطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها
وأجلت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها
فوحق نعيلها وما وطيء الثرى ... شيء أعز علي من نعيلها
ما كان قتلها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الغبار عليها
لكن بخلت على سواي بحسنها ... وأنفت من نظر العيون إليها
وإذا اشتاق إلى الغلام قبل البرنية المجعولة من رماده وملأ منها قدحه وبكى وأنشد قوله فيه:
أشفقت بأن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلي بعد الوصال بهجره
قمر أنا استخرجنه من دجنه ... لبليتي وأثرته من خدره
فقتلته وله علي كرامة ... فلي الحشا وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتاً كأحسن نائم ... والطرف يسفح دمعتي في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره
غصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره
أقول هذا الذي يقال له الجنون فنون فإنا لله وإنا إليه راجعون من فعل هذا المجنون على أنه من أرق الناس شعراً وأكثرهم للمحبوب ذكراً فمن شعره ونظمه الرائق قوله في الدعاء على المحبوب:
كيف الدعاء على من خان أو ظلما ... ومالكي ظالم في كل ما حكما
لا واخذ الله من أهمى بجفوته ... عني ولا اقتص لي منه ولا انتقما
أقول صار الطالب مطلوب وهذا الفقه المقلبو ما كفله أنه فعل بالأحباب ما لا تفعله الكلاب حتى لا يقول لا واخذ الله من أهوى بجفوته ويمزج رقة شعره بقسوته فهو في الخفة والطيش وقتل المحبوب لا في أيش ولا علي ايش فمن غلب عليه هواه كما تراه ففعل بمحبوبه ما فعل وأقام ضربه بالسيف مقام القبل:
стр. 35
أحبابه لما تفعلون بقلبه ... ماليس تفعله به أعداؤه
وقد أثبتت هذه الرسالة بكمالها في الباب الأول من كتابي مرآة العقول.
ومما ينخرط في سلك هذه الحكاية ما حكاه الشيخ أثير الدين أبو حيان في تفسيره عند قوله تعالى " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك " ونقل عن العزيز أنه كان قليل الغيرة وتربة أقليم مصر اقتضت هذا يعني قلة الغيرة ثم قال وأين هذا مما جرى لبعض ملوك بلادنا وهو أنه كان مع ندماء المختصين به في مجلسي أنسه وجاريته تغني من وراء الستارة فاستعاد بعض جلسائه بيتين من الجارية وكانت قد غنت بهما فما لبث حتى أتى برأس الجارية مقطوعاً في طشت وقال له الملك استعد من هذا الرأس فسقط ذلك الرجل المستعيد ومرض مدة حياة ذلك الملك.
قلت: لو مات كان معذوراً فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومثل هذا أيضاً ما فعله جعفر بن سليمان وذلك أنه لما اشترى جاريته الزرقاء وكانت جارية نفسه غالية الثمن وهي بثمانين ألف درهم وكانت من الفتيات الحسان ذوات الألحان فقال لها يوماً هل ظفر منك أحد ممن كان يهواك بخلوة أو بقبلة فخشيت أن يبلغه شيء كانت فعلته بحضرة جماعة أو يكون قد بلغه فقالت: لا والله إلا يزيد بن عون العبادي قبلني وقذف في لؤلؤة بعثها بثلاثين ألف درهم فلم يزل جعفر يطلبه ويحتال له حتى وقع في ديه فضربه بالسياط حتى مات.
قلت: استراح والله من هذا الصداع كله وأنشد عبد المحسن الصوري حيث قال في عدم الغيرة على محبوبه:
تعلقته سكران من خمره الصبا ... به غفلة عن لوعتي ونحيبي
وشاركني في حبه كل ماجد ... يشاركني في مهجتي بنصيب
فلا تلزموني غيرة ما ألفتها ... فإن حبيبي من أحب حبيبي
وقد بلغ الآخر فقال يتبجج بالقيادة:
أقود بحمد الله لا عن كراهة ... وغيري قواد على رغم أنفه
وما أحسن قول أبي الحسين الجزار:
قلت لما سكب الساقي ... على الأرض الشرابا
غيرة مني عليه ... ليتني كنت ترابا
وقال نور الدين الأشعري وأحسن ما شاء:
تميل الريح بالأغصان لطفا ... كما مالت بشاربها العقار
وتجمع بينهم من بعد بعد ... وأوراق الغصون لها إزار
وتخفق غيرة عند التلاقي ... فهل أبصرت قواداً يغار
الباب السابع
إفشاء السر
والكتمان عند عدم الإمكان
أقول هذا باب عقدناه لذكر إفشاء السر وضده وهزل كل منهما وجده إذ للمحبين فيهما مذهبان فمنمهم من أباح إباحته ورأى في إفشائه راحته ومنهم من رأى كتمانه من الديانة فحل من مراتب الحب في أعز مكانة حيث قال:؟؟؟؟؟؟؟؟ باح مجنون عامر بهواه وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي ... من قتيل الهوى تقدمت وحدي
نعم من الناس من كتمه فأراه كتمانه عدمه ومنهم من أفشاه فوقع فيما يخشاه ولكل من المذهبين شاهد وبحر دمع زائد لا ينجو غريقه ولا تسلك طريقه فالعاشق منهما بين داءين كلاهما الأخطر وسيفين لا بد من قتله بإحدهما على الصحيح الأشهر كما قال شهاب الدين السهروردي:
وارحمتا للعاشقين تحملوا ... سرالمحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دمائهم ... وكذا دماء العاشقين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السفاح
والذي أراه في ذلك لكه وتمييز وأبله من طله أن المحب إذا علم من محبوبه الوفاء وعدم الجفاء فالواجب عليه إفشاء السر إلى الحبيب وابداء العلة إلى الطبيب كما قيل:
وبح بالسرائر في أهله ... وإياك في غيرهم أن تبوحا
وقد ظفر أبو جعفر الشطرنجي حيث قال:
قل لمن شئت أنني بك مغرم ... ثم دعه يروضه إبليس
وقد قال بعض من مارس الحب وجلب أشطره إفشاء المحب سره إلى المحبوب وشكوى ما يقاسيه طرف من السحر.
قلت: بل هو السحر ومعظمه وجله وقد عرف ذلك من جربه وأدبه الحب وهذبه.
стр. 36
وعلى هذا حكاية أحمد بن واصل قال لما كلفت عباسة بنت المهدي بجعفر بعد أن زوجه بها الرشيد وشرط عليه أن لا يقربها واشتد وجدها به وعشقها له ولم يطاوعها على ما أحبت وخاف على نفسه من الرشيد أن يظهر أمرها فكتبت له.
عزمت على قلبي أن يكتم الهوى ... فصاح ونادى إنني غير فاعل
فإن لم تصلني بحت بالسر عنوة ... وإن عنقتني في هواك عواذلي
وإن كان موت لا أموت بغصتي ... وأقررت قبل الموت أنك قاتلي
فنالت منه ما أرادت وهل حصل لها ذلك إلا بإفشاء سرها وشكوى ضرها.
وقال ابن شاذان الكاتب: قالت لي عريب جارية المأمون كنت مع الواثق وهو يطوف على حجر جواريه عند خروجه إلى الأنبار متنزهاً فدخل على فريدة جاريته وكان يحبها جداً وكان أيضاً يهوي وصيفة لها ولم يكن يعلم ذلك غيري فلما رأته عندمولاتها دخلت خزانتها وقامت على رأسها وعليها عصابة مكتوب عليها بالذهب هذان البيتان:
عينيّ تبكي حذر البين ... ما أسخن الفرقة للعين
لم أر في الحب ولوعاته ... أوجع من فرقة إلغين
فقال لي الواثق فهمت يا عريب فقلت: نعم يا سيدي فكتب على الأرض بقضيب في يده:
ظهر الهوى وتهتكت أستاره ... والحب خير سبيله إظهاره
فاعص العوازل في هواك مجاهرا ... فألذ عيش المستهام جهاره
فحفظت الأبيات وتضاحكا ففطنت فريدة فقالت: يا سيدي علمت ما أنتما فيه فأمنن على أمتك بقبولها فقال الواثق قد فعلت خديها إليك يا عريب فأخذت بيدها فما ملك نفسه حتى انصرف من خلفي مسرعاً فخلا بها وأمرني بألف دينار.
ومنهم من لا يجري ذكر العشق على لسانه البتة ويسكت حتى كان به السكتة ولم أر في ذلك مما يتنافس فيه المتنافس أحسن من قول ابن قلاقس:
كتمت الهوى عند العواذل ظنة ... عليهم بمن أصبو إليه وأهواه
ولو قلت أني عاشق فطفوا به ... لعلمهم أن ليس يعشق إلا هو
ومنهم من يبوء بإثمه ... ويرى التصريح باسمه
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر وقال ابراهيم بن عبد الله:
رأيت على خد جارية ... مكتوباً بالغالية
كل يوم أذوب من ألم الشوق ... وقلبي من الصدود قريح
لم أجد خلوة إليك فاشكو ... ما بقلبي لعله يستريح
ويح قلبي كأنه لحد قبر ... ضم أعضاء ميت فيه روح
وفي البيت الثاني من هذه الأبيات تنبيه على إفشاء السر إلى الحبيب لا يكون إلا خلوة فينبغي أن لا يعلم به خلاً ولا صديقاً ما وجد إلى ذكل طريقاً كما قيل:
يا موقد النار إلهاباً على كبدي ... إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد
إليك أشكو الذي بي من هواك فقد ... طلبت غيرك للشكوى فلم أجد
وقال الأحوص:
لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذاراً أن تضيع السرائر
ومن ظريف ما مر بي في هذا الباب أن بعض العشاق أنشد يوماً محبوبته قول الشاعر:
سري وسريك لم يشعر به أحد ... إلا الإله ولا أنت ثم أنا
فقالت له لا تنسى القوادة فإنها لا بد أن تدري بسرنا وتطلع على أمرنا.
ومن أحسن ما سمعته في ذم مفشي السر قول الحسين بن بشر.
لحى الله امرأً أوعاك سراً ... لتكتمه وفض الله فاه
فإنك بالذي استوعبت منه ... أنم من الزجاج بما حواه
قلت وما يبعد أن يكون المتصف بهذه الصفة من ذرية القائل:
وما أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
فإن قليل العقل من بات ليله ... تقلبه الاسرار جنباً على جنب
وأين هذا من قول القائل:
وقائلة ما بال جسمك لا يرى ... سقيماً وأجسام المحبين تسقم
فقلت لها قلبي بحبك لم يبح ... لجسمي فجسمي بالهوى ليس يعلم
ويحكى أن سكينة بنت الحسين بن علي ﵃ مرت في جواريها بعروة بن أذينة وهو يغني فقالت لجواريها: من الشيخ. فقلن: عروة. فمات نحوه. فقالت: يا أبا تمام أنك تزعم لم أنك تعشق قط كيف وأنت تقول: قالت: وابثثتها سري فبحت به.
стр. 37
وقد كنت عندي تحب الستر فاستتر الستر تبصر من حولي فقلت لها: غطى هواك وما ألقى على بصري وقالت: كل ما ترى حولي من الجوار أحرار إن كان ٨٧ هذا الكلام خراج عن قلب سليم قط حكي عن أحمد بن أبي عثمان الكاتب أنه صديقاً لأبي الفضل عبد الغفار الأنصاري فعشق أحمد جارية لأم جعفر اسمها نعمي وهام بها فأطلعه على سره ووصفها له فعشقها عبد الغفار الأنصاري فأعتل علة طويلة فاتصل خبره بأم جعفر وظنت أن به علة فوجهت إليه طبيباً فأنشد:
أرسلت أم جعفر لي طبيباً ... لشكائي فضل علم الطبيب
ودوائي واصل دائي لديها ... في يدي شادن غرير ربيب
خبروها بأن نعمي دوائي ... كي تداوي مريضها عن قريب
فسمعت أم جعفر الآبيات وسألت عن قصته فلما وقفت عليها وهبته الجارية وهجر أحمد عبد الغفار وقال جعلتك موضعاً لسري فأفسدت علي والمفاسد المترتبة على إفشاء السر إلى الغيرة كثيره ولهذا قاال أبو العلاء المعري:
فظن بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن عليّ فؤاداً
وقال الصاحب محي الدين الجزري من رسالة فواعجباً كيف لا يتفطن من لا اسمية ولا ينشق لكثرة ما أحوم حول القول فيه ولا أوفيه أن شرحت فاضت نفوس فضلاً عن عيون وترامت إلى مهاوي الإثم الظنون ولو ابديت بعضه أخاف أن يفطن الناس وأن افضت فيه أخشى أن لا يسعه قرطاس.
ومن أحسن ما سمعه في كتمان السر قول النابغة.
وكان الإمام علي ﵁ يتمثل به وهو:
لا تفش سرك لا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحاً
فإني رأيت وشاه الرجال ... لا يتركون أديماً صحيحاً
وكتب بهما عبد الملك بن مروان إلى الحجاج وكان قد استكتمه أمراً في كتاب كتبه ليه فظهر وقال عمرو بن العاص ما استودعت أحداً سراً فأفشاه فلمته لأني كنت أضيق منه صدراً به حين استودعته أخذه الشاعر فقال:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسهفصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال آخر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشي وأضيع
وقال أبو جعفر الشطرنجي:
فلا تخبر بسرك بل أمته ... وصير من حشاك له حجاباً
فما أودعت مثل النفس سراً ... ولا أغلقت مثل الصدر باباً
وحكى الماوردي أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال:
ومستودعي سراً تضمنت ستره ... فأودعته من مستقر الحشى قبرا
فقال ابنه عبد الله وهو صبي وأحسن ما شاء.
وما السر في قلبي كثا وبحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني أخفيه حتى كأنني ... من الدهر يوما ما احطت به خبرا
وقال آخر:
يا ذا الذي اودعني سره ... لاترج أن تسمعه مني
لم أجره بعد في خاطري ... كانه ما مر في اذني
وقال بشار:
لأخرجن من الدنيا وحبكم ... بين الجوانح لم يعلم يه أحد
وقال طلحة بن أبي بكر:
لا تظهرن محبة لحبيب ... فترى بعينيك منه كل عجيب
أظهرت يوماً للحبيب مودتي ... فأخذت من هجرانه بنصيب
قيل أسر رجل إلى رجل حديثاً لما فرغ قال: أحفظته. قال: بل نسيته وقال ابن المعتز كلما كثرت خزان الأسرار زاد ضباعاً ومن كلام الحكماء احفظ ذهبك كما تكتم مذهبك ومنها مقتل الرجل بين فكيه. ومن كلام القاضي الفاضل وأمت الأسرار في قلبك والحد موتاها في جنبك فقبيح بك أن يرى لك سر إلا ربك. ووصف أعرابي قوماً فقال: سيوفهم آفات الأعمار وصدورهم قبور الأسرار وما أحسن قول ابن مماتي من أبيات:
وضاق علي السجن حتى كأنني ... حللت به للضيق في صدر محنق
فياليتني كالدمع في جفن عاشق ... فأخرج أو كالسر في صدر أحمق
وقال العباس بن الأحنف.
باخ دمعي فليس يكتم سراً ... ووجدت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طي ... فاستدلوا عليه بالعنوان
الباب الثامن
مغالطة الحبيب
واستعطافه وتلافي غيظه وانحرافه
стр. 38
أقول هذا باب عقدناه لذكر مغالطة الحبيب في نفسه وإلحاق يومه بأمسه وهو من أعظم الأبواب حشوه وأكثرها رشوه وأحسنها اختراعاً وأكثرها خداعاً وأبلغها حطابة وأكثرها إصابة وسنورد من ذلك ما يعذب إيراده ويحسن عند أهل الإنشاء إنشاده ليعلموا أن الأديب على الحبيب يحتال ويجاري برقة ألفاظه الجريال فمن ذلك وهو من أحسن ما سمعته في مغالطة الحبيب:
قم بنا يانور عيني ... نجعل الشك يقينا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
فإلى كم ياحبيبي ... يأثم القاتل فينا
ومثله قول الآخر:
ما أنس لا أنس قولها بمنى ... ويحك إن الوشاة قد عملوا
ونمّ واش بنا فقلت لها ... هل لك يا هند في الذي زعموا
قالت لماذا ترى فقلت لها ... كي لاتضيع الظنون والتهم
وقال العباس بن الأحنف:
كان لم يكن بيني وبينكم هوى ... ولم يك موصولا بحبلكم حبلي
واني لاستحي لكم من محدث ... يحدث عنكم بالملالة والمطل
وقال آخر:
نسبت الى ذنب ولم اك مذنباً ... وحملتني في الحب ما لا أطيقه
وما طلبي للوصل حرصاً عل البقا ... ولكنه أجر إليك أسوقه
قلت:
ما يرضى يروح سواء بسواء ... حتى يسوق إليه الأجر أيضاً
ومما قتله أنا في هذا المعنى:
لم أطلب الوصل من أجلي فديتك يا ... من زاد حظي سواداً منه شامات
لكن خشيت بأن تبلى بعشق رشا ... يقتص لي منك والدنيا مكافات
وقال آخر:
قد أكثر الناس أنواع الحديث بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا
وقال آخر:
يا سيدي عندك لي مظلمه ... فاستفت فيها ابن أبي خيثمه
فإنها يرويه عن جده ... وجده يرويه عن عكرمه
عن ابن عباس عن المصطفى ... نبينا المبعوث بالمرحمه
إن انقطاع الخل عن خله ... فوق ثلاث ربنا حرمه
وأنت مذ شهر لنا هاجر ... أما تخاف الله فينا فمه
وقال جميل:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا أنني لك عاشق
نعم صدق الواشون أنت حبيبه ... إلي وإن لم تصف منك الخلائق
قلت هكذا رأيته في غالب ما وقفت عليه من نسخ الحماسة وسمعت من أفواه أهل الأدب أعني أن قافية البيت الأول عاشق والصحيح أنها وامق لأن المعنى على ذلك بيانه أن الوامق المحب لغير ريبة والعاشق المحب لريبة وإذا كان ذلك كذلك لم تصح المغالطة إلا بقوله وماذا عسي يقول الواشون سوى إني لك وامق أي محب لغير ريبة: وقال ابن رواحة الحموي:
إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب
حكى أن بعضهم أنشد شاباً كان يحبه:
ماذا تقول إذا اجتمعنا في غد ... وأقول للرحمن هذا قاتلي
وأقول للرحمن هذا قتلي فقال له الشاب أقول هذا أراد أن ... فما مكنته.
وقال ابن سينا الملك: ومن رسالة وأنا والله في أمرك مغلوب والسبب أني أنا المحب وأنت المحبوب ولا أتجالد عليك. أغرك وأخون حبك ولا أتصنع عليك فأغشك. وأغم قلبك اعمل ما شئت فأن الصابر وأقتل كيف شئت فأنا الشاكر وقل لي فلي سمع يعشق قولك والتفت تر آمالي ترفرف حولك فأفعل فأنت المعذور واستطل فما أنا المضرور بل المسرور وارجع إلى الود الذي بيننا فكل ذنب لك مغفور: وقال أيضاً: وأنا أستعيذ بالله من ذنب يوجب عتبك ويلمح عذبك ويصرف قلبك ويجعلك ثاني عطفك ويغيرك على الفك:
لست على هجرك جلد القوي ... ولا على عتبك شاكي السلاح
وقال ابن السوادي الشاعر المشهور:
أشكو إليك ومن صدودك أشتكي ... وأظن من شغفي بأنك منصفي
وأصد عنك مخافة من أن يرى ... منك الصدود فيشتفي من يشتفي
وحكى القاضي: أبو عمر محمد بن يوسف الأزدي قال كنت أساير أبا بكر محمد بن داود الأصفهاني ببغداد وإذا بجارية تغني من شعر:
стр. 39
أشكو إليك فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إن إلف يعلله
سقم يزيد على الأيام كثرته ... وأنت في عظم ما ألقى تقلله
الله حرم قتلى في الهوى سفها ... وأنت يا قاتلي ظلماً تحلله
فقال محمد بن داود كيف السبيل إلى استرجاع هذا فقلت له هيهات سارت به الركبان: وقال أبو عبد الله:
قلبي عليك أرق من خديكا ... وقواي أوهى من قوى جفنيكا
لم لا ترق لمن تعذب قلبه ... ظلماً ويعطفه هواء عليكا
وقال ناصر الدين بن النقيب:
لقد وجبت عليك زكاة حسن ... وفيه كمثل مافي المال حق
فلا تعدل به غني فإني ... لمصرفه الفقير المستحق
وقال القاضي شمس الدين بن خلكان ﵀ من قصيدة:
لولم أكن في رتبة ارعى لها ... العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذلي ... خلع العذار ولج فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي: وقال آخر:
حججي عليك إذا خلوت كثيرة ... وإذا حضرت فإنني مخصوم
لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم انني مظلوم
وقال المكرم:
الناس قد أثموا فينا بظنهم ... وصدقوا بالذي أدرى وتدرينا
ماذا يضرك في تصديق ظنهم ... بأن نحقق ما فينا يقولونا
حملي وحملك ذنباً واحداً ثقة ... بالعفو اجمل من إثم الورى فينا
وقال المتنبي:
زودينا من حسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال يحول
وصلينا بوصلك الآن في الدنيا ... فإن المقام فيها قليل
أقول: هذا البيت الأخير حسن في بابه فيما يتعلق بمغالطة الحبيب واستعطافه وأما الأول ففيه تنغير فليته أراح واستراح وترك التهكم بالوجوه الملاح على أن التلعفري اقتدى به في التهكم بأحبابه: فقال ذو بيت:
يا تارك ربع الصبر مني مهدوم ... ما إن يرى لغائب الوصل قدوم
صف ربك في العشاق وارفق بهم ... ولا تحسب أن دولة الحسن تدوم
الباب التاسع
الرسل والرسائل
والتلطف في الوسائل
أقول هذا باب عقدنا لذكر مراسله الأحباب وشكوى الجوى في الجواب وهو باب مطروق نافق السوق طالما عرض فيه المحب على الرسول سلعة النحول لا سيما من عيل صبره واشتهر أمره فأصبح وهو في البيت طريح واستعمل في مراسلة الحبيب حتى الريح كما قيل:
فيا نسيم الصبا أنت الرسول له ... والله يعلم أني منك غيران
بلغ سلامي إلى من لا أكلمه ... أني على ذاك الغضبان غضبان
لا يا رسول لا تذكر له غضبي ... فذاك مني تمويه وبهتان
وكيف أغضب لا والله لا غضب ... إني لما رام من قتلي تفرحان
أكل يوم لنا رسل مرددة ... وكل يوم لنا في العتب ألوان
أستخدم الريح في حمل السلام لكم ... كأنما أنا في عصر سليمان
فهو من الهوى على شطر ومن إقامة الهجر على سفر لا يقر له قرار ولا يصلي لوجنة محبوبه بنار لا جرم أنه يتعلل بالنسيم العليل ويقول لاستنشاق اليسير منه قليلك لا يقال له قليل.
ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول الواو الدمشقي:
بالله ربكما عوجا على سكنى ... وعاتباه لعل العتب يعطفه
وحدثاه وقولا في حديثكما ... مابال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولا في ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه
وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطا وقولا ليس نعرفه
أخذه: من قول عمر بن أبي ربيعة من أبيات يصف بها قواده:
فأتتها طبة عالمة ... نمزج الخد مراراً باللعب
تغلظ القول إذا لانت لها ... وترخى عند سورات الغضب
قيل إن ابن عتيق قال لعمر لما سمع قوله هذا ما أحوج المسلمين إلى خليفة يدبر أمرهم مثل قوادتك هذه.
ومثل قول الواو قول الآخر:
ألا يا نسيم الريح بلغ رسلتي ... سليمى وعوض بي كأنك مازح
стр. 40
وإن أعرضت عني فموه مغالطا ... بغيري وقل ناحت عليه النوائح
وقول الآخر دوبيت:
باللطف إذا لقيت من أهواه ... عاتبه وقل له الذي ألقاه
أن أغضبه الوصال غالطه به ... أورق فقل عبدك لا تنساه
وقال أبو فراس:
هبت لنا ريح شمالية ... متت إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننا ... عرفتها من بين أصحابي
وكان الصاحب بن عباد ﵀ إذا سمع هذين البيتين ترمخ لهما وقد عقدت للنسيم باباً مستقلاً في كتابي سلوك السنن في وصف السكن وذكرت فيه أشياء تليق بهذا الباب منها قول أمين الدين ابن عطايا:
أنا أهوى غصن النقى وهؤلاء ... وفؤادي بحبه في التيه
يا نسيم الصبا ترفق عليه ... وتلطف به ولا تؤذيه
وتحمل رسالة ليس إلا ... ك أميناً في حملها أرتضيه
وإذا لم يكن رسولي نسيماً ... نحو غصن النقا فمن يثنيه
وقال ابن الخياط الدمشقي
يا نسيم الصبا الولوع بوجدي ... حبذا أنت لو مررت بهند
ولقد رابني شداك فبالله متى عهده باطلال نجد.
وقال مهيار الديلي:
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وخزامى
وابعثوا لي في الدجى طيفكم ... إن أذنتم لجفوني أن تناما
حكي أن نور الدين علي بن سعيد المغربي صاحب المرقص والمطرب مر مع جماعة من الأدباء المصريين وفيهم أبو الحسين الجزار فمروا في طريقهم بمليح نائم تحت شجرة وقد هب الهوى فكشف ثيابه عنه فقال أبو الحسين الجزار قفوا لينظم كل منا في هذا شيئاً قال فما لبث أن قال نور الدين المذكور:
الريح أقود ما يكون لأنها ... تبدي خفايا الردف والأعكان
وتميل بالأغصان عند هبوبها ... حتى تقبل أوجه الغدران
ولذلك العشاق يتخذونها ... رسلاً إلى الأحباب والأوطان
وقال أبو الحسين الجزار ما بقي أحد منا يأتي بمثل هذا فسيروا بنا.
وقال علي الصفار:
إذا هب نسيم بطيب نشر ... طربت وقلت إيه يا رسول
سوى أني أغار لأن فيه ... شذاك وأنه مثلي عليل
وكان القاضي محي الدين بن عبد الظاهر يحب شاباً مغنياً اسمه نسيم وله فيه عدة مقاطيع منها قوله:
إن كانت العشاق من اشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
فقلت: أنا كأني حاضر أخاطبه مضمناً.
إن كنت في عشق النسيم متيماً ... وزعمت أن هواء ليس بمتلف
فأنا أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلى فاستهدف
وقال القاضي محي الدين أيضاً في محبوبه النسيم:
يا من غدا لي من عوا ... صف هجرة الريح العقيم
أترى يطبب لي الهوى ... ويقال قد رق النسيم
وقلت أنا كأني حاضراً خاطبة:
بالله إن رق النسيم وأخمدت ... نار تؤججها يد التبريح
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ودع العدول وقوله في الريح
وقال القاضي محي الدين أيضاً:
شكرا لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية
ولكم أطالت بل أطا ... بت في رسائلها الذكية
لا غرو إن حفظت أحا ... ديث الهوى فهي الذكية
أخذه صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي من أهل العصر فقال:
يا طيب نشر هب لي من أرضكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي
أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا ريح ذكي
فقلت أنا لما وقفت على قوله هذا وقول القاضي محيي الدين المتقدم عليه:
إن ابن أبيك لم تزل سرقاته ... تأتي بكل قبيحة وقبيح
نسب المعاني في النسيم لنفسه ... جهلاً فراح كلامه في الريح
следующие страницы →