Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وعلى هذا حكاية أحمد بن واصل قال لما كلفت عباسة بنت المهدي بجعفر بعد أن زوجه بها الرشيد وشرط عليه أن لا يقربها واشتد وجدها به وعشقها له ولم يطاوعها على ما أحبت وخاف على نفسه من الرشيد أن يظهر أمرها فكتبت له.
عزمت على قلبي أن يكتم الهوى ... فصاح ونادى إنني غير فاعل
فإن لم تصلني بحت بالسر عنوة ... وإن عنقتني في هواك عواذلي
وإن كان موت لا أموت بغصتي ... وأقررت قبل الموت أنك قاتلي
فنالت منه ما أرادت وهل حصل لها ذلك إلا بإفشاء سرها وشكوى ضرها.
وقال ابن شاذان الكاتب: قالت لي عريب جارية المأمون كنت مع الواثق وهو يطوف على حجر جواريه عند خروجه إلى الأنبار متنزهاً فدخل على فريدة جاريته وكان يحبها جداً وكان أيضاً يهوي وصيفة لها ولم يكن يعلم ذلك غيري فلما رأته عندمولاتها دخلت خزانتها وقامت على رأسها وعليها عصابة مكتوب عليها بالذهب هذان البيتان:
عينيّ تبكي حذر البين ... ما أسخن الفرقة للعين
لم أر في الحب ولوعاته ... أوجع من فرقة إلغين
فقال لي الواثق فهمت يا عريب فقلت: نعم يا سيدي فكتب على الأرض بقضيب في يده:
ظهر الهوى وتهتكت أستاره ... والحب خير سبيله إظهاره
فاعص العوازل في هواك مجاهرا ... فألذ عيش المستهام جهاره
فحفظت الأبيات وتضاحكا ففطنت فريدة فقالت: يا سيدي علمت ما أنتما فيه فأمنن على أمتك بقبولها فقال الواثق قد فعلت خديها إليك يا عريب فأخذت بيدها فما ملك نفسه حتى انصرف من خلفي مسرعاً فخلا بها وأمرني بألف دينار.
ومنهم من لا يجري ذكر العشق على لسانه البتة ويسكت حتى كان به السكتة ولم أر في ذلك مما يتنافس فيه المتنافس أحسن من قول ابن قلاقس:
كتمت الهوى عند العواذل ظنة ... عليهم بمن أصبو إليه وأهواه
ولو قلت أني عاشق فطفوا به ... لعلمهم أن ليس يعشق إلا هو
ومنهم من يبوء بإثمه ... ويرى التصريح باسمه
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر وقال ابراهيم بن عبد الله:
رأيت على خد جارية ... مكتوباً بالغالية
كل يوم أذوب من ألم الشوق ... وقلبي من الصدود قريح
لم أجد خلوة إليك فاشكو ... ما بقلبي لعله يستريح
ويح قلبي كأنه لحد قبر ... ضم أعضاء ميت فيه روح
وفي البيت الثاني من هذه الأبيات تنبيه على إفشاء السر إلى الحبيب لا يكون إلا خلوة فينبغي أن لا يعلم به خلاً ولا صديقاً ما وجد إلى ذكل طريقاً كما قيل:
يا موقد النار إلهاباً على كبدي ... إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد
إليك أشكو الذي بي من هواك فقد ... طلبت غيرك للشكوى فلم أجد
وقال الأحوص:
لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذاراً أن تضيع السرائر
ومن ظريف ما مر بي في هذا الباب أن بعض العشاق أنشد يوماً محبوبته قول الشاعر:
سري وسريك لم يشعر به أحد ... إلا الإله ولا أنت ثم أنا
فقالت له لا تنسى القوادة فإنها لا بد أن تدري بسرنا وتطلع على أمرنا.
ومن أحسن ما سمعته في ذم مفشي السر قول الحسين بن بشر.
لحى الله امرأً أوعاك سراً ... لتكتمه وفض الله فاه
فإنك بالذي استوعبت منه ... أنم من الزجاج بما حواه
قلت وما يبعد أن يكون المتصف بهذه الصفة من ذرية القائل:
وما أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
فإن قليل العقل من بات ليله ... تقلبه الاسرار جنباً على جنب
وأين هذا من قول القائل:
وقائلة ما بال جسمك لا يرى ... سقيماً وأجسام المحبين تسقم
فقلت لها قلبي بحبك لم يبح ... لجسمي فجسمي بالهوى ليس يعلم
ويحكى أن سكينة بنت الحسين بن علي ﵃ مرت في جواريها بعروة بن أذينة وهو يغني فقالت لجواريها: من الشيخ. فقلن: عروة. فمات نحوه. فقالت: يا أبا تمام أنك تزعم لم أنك تعشق قط كيف وأنت تقول: قالت: وابثثتها سري فبحت به.
стр. 37
وقد كنت عندي تحب الستر فاستتر الستر تبصر من حولي فقلت لها: غطى هواك وما ألقى على بصري وقالت: كل ما ترى حولي من الجوار أحرار إن كان ٨٧ هذا الكلام خراج عن قلب سليم قط حكي عن أحمد بن أبي عثمان الكاتب أنه صديقاً لأبي الفضل عبد الغفار الأنصاري فعشق أحمد جارية لأم جعفر اسمها نعمي وهام بها فأطلعه على سره ووصفها له فعشقها عبد الغفار الأنصاري فأعتل علة طويلة فاتصل خبره بأم جعفر وظنت أن به علة فوجهت إليه طبيباً فأنشد:
أرسلت أم جعفر لي طبيباً ... لشكائي فضل علم الطبيب
ودوائي واصل دائي لديها ... في يدي شادن غرير ربيب
خبروها بأن نعمي دوائي ... كي تداوي مريضها عن قريب
فسمعت أم جعفر الآبيات وسألت عن قصته فلما وقفت عليها وهبته الجارية وهجر أحمد عبد الغفار وقال جعلتك موضعاً لسري فأفسدت علي والمفاسد المترتبة على إفشاء السر إلى الغيرة كثيره ولهذا قاال أبو العلاء المعري:
فظن بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن عليّ فؤاداً
وقال الصاحب محي الدين الجزري من رسالة فواعجباً كيف لا يتفطن من لا اسمية ولا ينشق لكثرة ما أحوم حول القول فيه ولا أوفيه أن شرحت فاضت نفوس فضلاً عن عيون وترامت إلى مهاوي الإثم الظنون ولو ابديت بعضه أخاف أن يفطن الناس وأن افضت فيه أخشى أن لا يسعه قرطاس.
ومن أحسن ما سمعه في كتمان السر قول النابغة.
وكان الإمام علي ﵁ يتمثل به وهو:
لا تفش سرك لا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحاً
فإني رأيت وشاه الرجال ... لا يتركون أديماً صحيحاً
وكتب بهما عبد الملك بن مروان إلى الحجاج وكان قد استكتمه أمراً في كتاب كتبه ليه فظهر وقال عمرو بن العاص ما استودعت أحداً سراً فأفشاه فلمته لأني كنت أضيق منه صدراً به حين استودعته أخذه الشاعر فقال:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسهفصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال آخر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشي وأضيع
وقال أبو جعفر الشطرنجي:
فلا تخبر بسرك بل أمته ... وصير من حشاك له حجاباً
فما أودعت مثل النفس سراً ... ولا أغلقت مثل الصدر باباً
وحكى الماوردي أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال:
ومستودعي سراً تضمنت ستره ... فأودعته من مستقر الحشى قبرا
فقال ابنه عبد الله وهو صبي وأحسن ما شاء.
وما السر في قلبي كثا وبحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني أخفيه حتى كأنني ... من الدهر يوما ما احطت به خبرا
وقال آخر:
يا ذا الذي اودعني سره ... لاترج أن تسمعه مني
لم أجره بعد في خاطري ... كانه ما مر في اذني
وقال بشار:
لأخرجن من الدنيا وحبكم ... بين الجوانح لم يعلم يه أحد
وقال طلحة بن أبي بكر:
لا تظهرن محبة لحبيب ... فترى بعينيك منه كل عجيب
أظهرت يوماً للحبيب مودتي ... فأخذت من هجرانه بنصيب
قيل أسر رجل إلى رجل حديثاً لما فرغ قال: أحفظته. قال: بل نسيته وقال ابن المعتز كلما كثرت خزان الأسرار زاد ضباعاً ومن كلام الحكماء احفظ ذهبك كما تكتم مذهبك ومنها مقتل الرجل بين فكيه. ومن كلام القاضي الفاضل وأمت الأسرار في قلبك والحد موتاها في جنبك فقبيح بك أن يرى لك سر إلا ربك. ووصف أعرابي قوماً فقال: سيوفهم آفات الأعمار وصدورهم قبور الأسرار وما أحسن قول ابن مماتي من أبيات:
وضاق علي السجن حتى كأنني ... حللت به للضيق في صدر محنق
فياليتني كالدمع في جفن عاشق ... فأخرج أو كالسر في صدر أحمق
وقال العباس بن الأحنف.
باخ دمعي فليس يكتم سراً ... ووجدت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طي ... فاستدلوا عليه بالعنوان
الباب الثامن
مغالطة الحبيب
واستعطافه وتلافي غيظه وانحرافه
стр. 38
أقول هذا باب عقدناه لذكر مغالطة الحبيب في نفسه وإلحاق يومه بأمسه وهو من أعظم الأبواب حشوه وأكثرها رشوه وأحسنها اختراعاً وأكثرها خداعاً وأبلغها حطابة وأكثرها إصابة وسنورد من ذلك ما يعذب إيراده ويحسن عند أهل الإنشاء إنشاده ليعلموا أن الأديب على الحبيب يحتال ويجاري برقة ألفاظه الجريال فمن ذلك وهو من أحسن ما سمعته في مغالطة الحبيب:
قم بنا يانور عيني ... نجعل الشك يقينا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
فإلى كم ياحبيبي ... يأثم القاتل فينا
ومثله قول الآخر:
ما أنس لا أنس قولها بمنى ... ويحك إن الوشاة قد عملوا
ونمّ واش بنا فقلت لها ... هل لك يا هند في الذي زعموا
قالت لماذا ترى فقلت لها ... كي لاتضيع الظنون والتهم
وقال العباس بن الأحنف:
كان لم يكن بيني وبينكم هوى ... ولم يك موصولا بحبلكم حبلي
واني لاستحي لكم من محدث ... يحدث عنكم بالملالة والمطل
وقال آخر:
نسبت الى ذنب ولم اك مذنباً ... وحملتني في الحب ما لا أطيقه
وما طلبي للوصل حرصاً عل البقا ... ولكنه أجر إليك أسوقه
قلت:
ما يرضى يروح سواء بسواء ... حتى يسوق إليه الأجر أيضاً
ومما قتله أنا في هذا المعنى:
لم أطلب الوصل من أجلي فديتك يا ... من زاد حظي سواداً منه شامات
لكن خشيت بأن تبلى بعشق رشا ... يقتص لي منك والدنيا مكافات
وقال آخر:
قد أكثر الناس أنواع الحديث بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا
وقال آخر:
يا سيدي عندك لي مظلمه ... فاستفت فيها ابن أبي خيثمه
فإنها يرويه عن جده ... وجده يرويه عن عكرمه
عن ابن عباس عن المصطفى ... نبينا المبعوث بالمرحمه
إن انقطاع الخل عن خله ... فوق ثلاث ربنا حرمه
وأنت مذ شهر لنا هاجر ... أما تخاف الله فينا فمه
وقال جميل:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا أنني لك عاشق
نعم صدق الواشون أنت حبيبه ... إلي وإن لم تصف منك الخلائق
قلت هكذا رأيته في غالب ما وقفت عليه من نسخ الحماسة وسمعت من أفواه أهل الأدب أعني أن قافية البيت الأول عاشق والصحيح أنها وامق لأن المعنى على ذلك بيانه أن الوامق المحب لغير ريبة والعاشق المحب لريبة وإذا كان ذلك كذلك لم تصح المغالطة إلا بقوله وماذا عسي يقول الواشون سوى إني لك وامق أي محب لغير ريبة: وقال ابن رواحة الحموي:
إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب
حكى أن بعضهم أنشد شاباً كان يحبه:
ماذا تقول إذا اجتمعنا في غد ... وأقول للرحمن هذا قاتلي
وأقول للرحمن هذا قتلي فقال له الشاب أقول هذا أراد أن ... فما مكنته.
وقال ابن سينا الملك: ومن رسالة وأنا والله في أمرك مغلوب والسبب أني أنا المحب وأنت المحبوب ولا أتجالد عليك. أغرك وأخون حبك ولا أتصنع عليك فأغشك. وأغم قلبك اعمل ما شئت فأن الصابر وأقتل كيف شئت فأنا الشاكر وقل لي فلي سمع يعشق قولك والتفت تر آمالي ترفرف حولك فأفعل فأنت المعذور واستطل فما أنا المضرور بل المسرور وارجع إلى الود الذي بيننا فكل ذنب لك مغفور: وقال أيضاً: وأنا أستعيذ بالله من ذنب يوجب عتبك ويلمح عذبك ويصرف قلبك ويجعلك ثاني عطفك ويغيرك على الفك:
لست على هجرك جلد القوي ... ولا على عتبك شاكي السلاح
وقال ابن السوادي الشاعر المشهور:
أشكو إليك ومن صدودك أشتكي ... وأظن من شغفي بأنك منصفي
وأصد عنك مخافة من أن يرى ... منك الصدود فيشتفي من يشتفي
وحكى القاضي: أبو عمر محمد بن يوسف الأزدي قال كنت أساير أبا بكر محمد بن داود الأصفهاني ببغداد وإذا بجارية تغني من شعر:
стр. 39
أشكو إليك فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إن إلف يعلله
سقم يزيد على الأيام كثرته ... وأنت في عظم ما ألقى تقلله
الله حرم قتلى في الهوى سفها ... وأنت يا قاتلي ظلماً تحلله
فقال محمد بن داود كيف السبيل إلى استرجاع هذا فقلت له هيهات سارت به الركبان: وقال أبو عبد الله:
قلبي عليك أرق من خديكا ... وقواي أوهى من قوى جفنيكا
لم لا ترق لمن تعذب قلبه ... ظلماً ويعطفه هواء عليكا
وقال ناصر الدين بن النقيب:
لقد وجبت عليك زكاة حسن ... وفيه كمثل مافي المال حق
فلا تعدل به غني فإني ... لمصرفه الفقير المستحق
وقال القاضي شمس الدين بن خلكان ﵀ من قصيدة:
لولم أكن في رتبة ارعى لها ... العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذلي ... خلع العذار ولج فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي: وقال آخر:
حججي عليك إذا خلوت كثيرة ... وإذا حضرت فإنني مخصوم
لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم انني مظلوم
وقال المكرم:
الناس قد أثموا فينا بظنهم ... وصدقوا بالذي أدرى وتدرينا
ماذا يضرك في تصديق ظنهم ... بأن نحقق ما فينا يقولونا
حملي وحملك ذنباً واحداً ثقة ... بالعفو اجمل من إثم الورى فينا
وقال المتنبي:
زودينا من حسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال يحول
وصلينا بوصلك الآن في الدنيا ... فإن المقام فيها قليل
أقول: هذا البيت الأخير حسن في بابه فيما يتعلق بمغالطة الحبيب واستعطافه وأما الأول ففيه تنغير فليته أراح واستراح وترك التهكم بالوجوه الملاح على أن التلعفري اقتدى به في التهكم بأحبابه: فقال ذو بيت:
يا تارك ربع الصبر مني مهدوم ... ما إن يرى لغائب الوصل قدوم
صف ربك في العشاق وارفق بهم ... ولا تحسب أن دولة الحسن تدوم
الباب التاسع
الرسل والرسائل
والتلطف في الوسائل
أقول هذا باب عقدنا لذكر مراسله الأحباب وشكوى الجوى في الجواب وهو باب مطروق نافق السوق طالما عرض فيه المحب على الرسول سلعة النحول لا سيما من عيل صبره واشتهر أمره فأصبح وهو في البيت طريح واستعمل في مراسلة الحبيب حتى الريح كما قيل:
فيا نسيم الصبا أنت الرسول له ... والله يعلم أني منك غيران
بلغ سلامي إلى من لا أكلمه ... أني على ذاك الغضبان غضبان
لا يا رسول لا تذكر له غضبي ... فذاك مني تمويه وبهتان
وكيف أغضب لا والله لا غضب ... إني لما رام من قتلي تفرحان
أكل يوم لنا رسل مرددة ... وكل يوم لنا في العتب ألوان
أستخدم الريح في حمل السلام لكم ... كأنما أنا في عصر سليمان
فهو من الهوى على شطر ومن إقامة الهجر على سفر لا يقر له قرار ولا يصلي لوجنة محبوبه بنار لا جرم أنه يتعلل بالنسيم العليل ويقول لاستنشاق اليسير منه قليلك لا يقال له قليل.
ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول الواو الدمشقي:
بالله ربكما عوجا على سكنى ... وعاتباه لعل العتب يعطفه
وحدثاه وقولا في حديثكما ... مابال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولا في ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه
وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطا وقولا ليس نعرفه
أخذه: من قول عمر بن أبي ربيعة من أبيات يصف بها قواده:
فأتتها طبة عالمة ... نمزج الخد مراراً باللعب
تغلظ القول إذا لانت لها ... وترخى عند سورات الغضب
قيل إن ابن عتيق قال لعمر لما سمع قوله هذا ما أحوج المسلمين إلى خليفة يدبر أمرهم مثل قوادتك هذه.
ومثل قول الواو قول الآخر:
ألا يا نسيم الريح بلغ رسلتي ... سليمى وعوض بي كأنك مازح
стр. 40
وإن أعرضت عني فموه مغالطا ... بغيري وقل ناحت عليه النوائح
وقول الآخر دوبيت:
باللطف إذا لقيت من أهواه ... عاتبه وقل له الذي ألقاه
أن أغضبه الوصال غالطه به ... أورق فقل عبدك لا تنساه
وقال أبو فراس:
هبت لنا ريح شمالية ... متت إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننا ... عرفتها من بين أصحابي
وكان الصاحب بن عباد ﵀ إذا سمع هذين البيتين ترمخ لهما وقد عقدت للنسيم باباً مستقلاً في كتابي سلوك السنن في وصف السكن وذكرت فيه أشياء تليق بهذا الباب منها قول أمين الدين ابن عطايا:
أنا أهوى غصن النقى وهؤلاء ... وفؤادي بحبه في التيه
يا نسيم الصبا ترفق عليه ... وتلطف به ولا تؤذيه
وتحمل رسالة ليس إلا ... ك أميناً في حملها أرتضيه
وإذا لم يكن رسولي نسيماً ... نحو غصن النقا فمن يثنيه
وقال ابن الخياط الدمشقي
يا نسيم الصبا الولوع بوجدي ... حبذا أنت لو مررت بهند
ولقد رابني شداك فبالله متى عهده باطلال نجد.
وقال مهيار الديلي:
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وخزامى
وابعثوا لي في الدجى طيفكم ... إن أذنتم لجفوني أن تناما
حكي أن نور الدين علي بن سعيد المغربي صاحب المرقص والمطرب مر مع جماعة من الأدباء المصريين وفيهم أبو الحسين الجزار فمروا في طريقهم بمليح نائم تحت شجرة وقد هب الهوى فكشف ثيابه عنه فقال أبو الحسين الجزار قفوا لينظم كل منا في هذا شيئاً قال فما لبث أن قال نور الدين المذكور:
الريح أقود ما يكون لأنها ... تبدي خفايا الردف والأعكان
وتميل بالأغصان عند هبوبها ... حتى تقبل أوجه الغدران
ولذلك العشاق يتخذونها ... رسلاً إلى الأحباب والأوطان
وقال أبو الحسين الجزار ما بقي أحد منا يأتي بمثل هذا فسيروا بنا.
وقال علي الصفار:
إذا هب نسيم بطيب نشر ... طربت وقلت إيه يا رسول
سوى أني أغار لأن فيه ... شذاك وأنه مثلي عليل
وكان القاضي محي الدين بن عبد الظاهر يحب شاباً مغنياً اسمه نسيم وله فيه عدة مقاطيع منها قوله:
إن كانت العشاق من اشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
فقلت: أنا كأني حاضر أخاطبه مضمناً.
إن كنت في عشق النسيم متيماً ... وزعمت أن هواء ليس بمتلف
فأنا أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلى فاستهدف
وقال القاضي محي الدين أيضاً في محبوبه النسيم:
يا من غدا لي من عوا ... صف هجرة الريح العقيم
أترى يطبب لي الهوى ... ويقال قد رق النسيم
وقلت أنا كأني حاضراً خاطبة:
بالله إن رق النسيم وأخمدت ... نار تؤججها يد التبريح
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ودع العدول وقوله في الريح
وقال القاضي محي الدين أيضاً:
شكرا لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية
ولكم أطالت بل أطا ... بت في رسائلها الذكية
لا غرو إن حفظت أحا ... ديث الهوى فهي الذكية
أخذه صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي من أهل العصر فقال:
يا طيب نشر هب لي من أرضكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي
أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا ريح ذكي
فقلت أنا لما وقفت على قوله هذا وقول القاضي محيي الدين المتقدم عليه:
إن ابن أبيك لم تزل سرقاته ... تأتي بكل قبيحة وقبيح
نسب المعاني في النسيم لنفسه ... جهلاً فراح كلامه في الريح
стр. 41
وقد ذكرت في النسيم أشياء مليحة في كتابي سلوك السنن المذكور واقتصرت منها على هذا القدر هنا خوف الإطالة ويجب أن يكون الرسول من أهل الصيانة وممن يرجع إلى ديانة لئلا يطمع فيصير خليلاً بعد أن كان رسولاً كما اتفق لرسول ابن سناء الملك الذي قال فيه:
راح رسولاً وجاءني عاشق ... وعاقه عن رسالتي عائق
وعادلا لي بالجواب بل بجوى ... أخرسه والهوى به ناطق
وقال آخر: رجع الرسول إلي وهو متيم ولهذا قال ابن الأثير ليس على الحسن أمانة وفي مثله تعذر الخيانة.
وقال المتنبي:
مالنا كلنا جو يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
وكلما عاد من بعثت إليها ... غار مني وخان فيما يقول
أفسدت بيننا الأماني عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول
يستريح أي عيناها بسحرها أفسدت أمانة الرسول في الرسالة وخانت قلوبهم أي فارقت العقول القلوب بسببها قال الأرجاني:
قسماً لقد رجع النسيم عليلاً ... لما سرى مني إليك رسولاً
ودرى بحبك أنه قد خانني ... فغدا يجر من الحياة ذيولاً
ومن أحسن ما سمعته في الرسائل والتلطف في الوسائل ما حكى عن الملك عبد العزيز بن السلطان صلاح الدين أنه كان في أيام أبيه أحب قينة وشغف بها فبلغ صلاح الدين فمنعه من صحبتها ومنعها منه فحزن ولم يمكنه أن يجتمع بها ومضى على ذلك مدة أيام فسيرت إليه مع خادم كرة عنبر فكسرها فوجد فيها زر ذهب فلم يفهم مرادها بذلك وجاءه القاضي الفاضل فعرفه الصروة فقال في الحال:
أهدت لك العنبر في وسطه ... زر من التبر رقيق اللحام
فالزر من العنبر تفسيره ... زر هكذا مستتراً في الظلام
وقال علاء الدين المغربي من رسالة النيرين وهي من المحب الكئيب إلى حبيب الحبيب افتتحها بقوله يقبل الأرض وينهي بين يدي المالك الرحيم سلطان الملاح وليث الكفاح منها:
ذهب النيل وعادا ... وغرامي يتمادى
كلما قلت غدا ين ... قص بعض الوجد زادا
كل قلب غير قلبي ... نال في الحب المرادا
وأناالمسكين وحدي ... نلت في الصحب العنادا
قال الراوي ثم أن علاء الدين قال وأنا المسكين وحدي بلت في صحن القطائف وعملت الخل ناطف وصلت إبليس بدقته وتركته ينخفض ويصفق ويغني تللاله:
يا عوينات الغزاله رحم الله من قتلني ... وأي فخر في قتل مثلي
وهل أنا الأشويعر مخارف مسخرة قد جعل رسائله وسائله وقصائده مصائده مصايده يستحلب ضرع الضراعة ويميط قناع القناعة إن جاع أكل من تقطيع الأعاريض وإن عطش شرب من بحور القريض في زمان لا فرق فيه عند أهله بين القادح والمادح والصائح والنائح:
قد ذقت منه ما ليس يقلعه ... أبو الحسين القلاع من ضرسي
بل أي شيء أحسن من خشفين مترفين اليفين يتراضعان ثدي الصحبة ويتراشفان كأس المحبة ويقتطفان ثمر الوصال ويتسالمان أنواع الدلال ويتواصفان لواعج الغرام ويتباسطان مباسطة الحمام ولا يحضرهما غير مزاح ومراح ولا يلثمها غير كأس راح:
اثنان كالفرد من طول اعتناقهما
باتا بليل حميد غير مذموم يسفران عن نيرين ويبتسمان عن درين ويتسارقان النظر بلواحظ جؤذرين كأنهما اقتسما فنون الحسن والإحسان بفكتي الميزان إن تناقلا بعتاب أو تراسالا بكتاب قدر منثور وسحر غير محظور وإن تسابقا في ميدان الهوى أو تراشقا بسهام الجوى فالواتر موتور والساحر محسور وهي رسالة لطيفة ظريفة كلها من هذا النوع اقتصرت منها على هذا القدر الإطالة وقد ذكرتها بكمالها في الجزء الثاني من حاطب ليل وقلت أنا مما كتبته إلى بعض الأصحاب.
كتبت إليكم والسطور حروفها ... بها أعين ترنو لكم وترمق
ولي قلم أمسى لرطب لسانه ... سلام مشوق قد براه التشوق
الباب العاشر
الاحتيال على طيف الخيال
وغير ذلك مما قيل فيه
على اختلاف معانيه
стр. 42
أقول هذا باب عقدناه لذكر طيف الخيال الزائر وما قيل في سيره من الممثل السائر الحلوب إذا للشعراء في اقتناصة تحيل وحسن نحيل طالما كثروا من ذكره واستخرجوه من وكره فقربوا عليه بعد المسافة ولم يعافوا الحاق زجره بالعيافة. ومن المشهورين فيه بالإجادة أبو عبادة وغيره كأبن النقيب المنحيل على اصطياد خيال الحبيب:
حيث قال وأحسن في المقال ... نصبت جفوني للخيال حبائلا
لعل خيالا في الكرى منه يسنح ... وكيف أذا أغمضتهن أصيده
ومن عادة الأشراك للصيد تفتح وما احسن قول الشيخ جمال الدين ابن نباتة في التورية.
ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك
قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراك
وقلت أيضاً:
واقسم لو جاد الخيال بزورة ... لصادف باب الجفن بالتفح مقفلا
وقال أبو محمد عبد الله السروجي وأحسن ما شاء:
انعم بوصلك فهذا وقته ... يكفي من الهجران ما قد ذقتهد
أنفقت عمري في هواك وليتني ... أعطي وصولاً بالذي أنفقه
يا من شغلت بحبه من غيره ... وسلوت كل الناس حين عشقته
أنت الذي جمع المحاسن وجهه ... لكن عليه تصبري فرقته
كم جال في ميدان حبك فارس ... بالصبر مني في هواك سبقته
قال الوشاة قد ادعى بك نسبة ... فسررت لما قلت قد صدقته
بالله إن سألوك عني قل لهم ... عبدي وملك يدي وما اعنقته
أو قيل مشتاق إليك نقل لهم ... أدري بذا وأنا الذي شوقته
يا حسن طيف من خيالك زارني ... من فرحتي بلقاه ما حققته
فمضى وفي قلبي عليه حسرة ... لو كان يمكنني الرقاد لحقته
وقال أبو تمام:
زار الخيال لها لا بل أزار له ... فكراً إذا نام فكر الناس لم ينم
ظبي تقنصته لما نصبت له ... من آخر الليل اشراكاً من الحلم
وقال أيضاً:
يا لها لذة تنزهت الأرواح ... فيها سراً من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غيرانا في دعوة الأحلام
وقال البحتري: وهو من المكثرين في وصف الخيال المجيدين فيه ولكثرة ولوعه به واشتهاره ضرب به المثل.
فقيل خيال البحتري ومن ذلك قوله:
إذا ما الكرى أهدى إلى خيالها ... شقى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعته من يدي انتباهة ... ظننت حبيباً راح مني أو عدا
فلم أر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذب أيقاظاً وننعم هجداً
وقوله:
ولم أنس اسعاف الكرى بدنوها ... وزورتها بعد الهدو وما تدري
إذا الليل أعطانا من الوصل يلغة ... ثنتنا تباشير الصباح إلى الهجر
وقوله أيضاً:
بعثت طيفها إلي ودوني ... سير شهرين للمهاري العتاق
زاروا هنا من الشام فحيا ... مستهاماً صباً بأرض العراق
فقضى ما قضى وعاد إليها ... والدجى في بردوء الأخلاق
وقوله:
وليلة هومنا على العيش أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزال بت وهنا أغازله
فكم من يد لليل عندي حميدة ... وللصبح من خطب تذم غوائله
وقال عبد الصمد بن المعدل:
واصل النوم بيننا بعد هجر ... فاجتمعنا ونحن مفترقان
غير أن الأرواح خافت رقيباً ... فطوت سرها عن الأبدان
منظر كان لذة القلب إلا ... أنه منظر بغير عيان
قال المرتضي هذه الأبيات تروي للحميدوني وهي كثيرة من مثله ودخل ابن القطان الشاعر البغدادي يوماً على.
الوزير الزيني وعنده الحيص بيص فقال قد عملت بيتين لا يمكن أن يعمل لهما ثالث لأنني قد استوفيت المعنى فيهما: فقال الوزير وما هما فأنشد:
زار الخيال بخيلاً مثل مرسله ... فما شفاني منه الضيم والقبل
مازارني قط إلا كي يوافقني ... على الرقاد فينفيه ويرتحل
стр. 43
فقال الوزير للحيص بيض ما تقول في دعواه فقال إن أعادهما سمع لهما ثالثاً فأعادهما فقال الحيص بيص:
وما درى أن نومي حيلة نصبت ... لطيفة حين أعيا اليقظة الحيل
وقال آخر:
ألا رب طيف منك بات معانقي ... إلى أن دعا داعي الصباح محيعلا
وأول من وصف الطيف عمرو بن قمئة فيما حكاه المرتضى في كتاب الطيف والخيال فقال:
نأتك أمامة إلا سؤالا ... وألا خيالاً يوافي خيالا
خيال يخيل لي نيلها ... ولو قدرت لم تخيل نوالا
وأول من طرد الطيف طرفة بن العبد حيث قال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل سبل من وصل
وتبعه جرير فقال: طرقتك صائدة الفؤاد وليس ذاوقت الزيارة فأرجعي بسلام وأعجب من جرير في طرد الخيال الراعي حيت هجاء فقال:
طاف الخيال بأصحابي فقلت لهم ... أتلك ليلى أتت ليلاً أم الغول
وقد رد على جرير مولانا قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي وأحسن ما شاء حيث قال:
يا ليت شعري هل أحب ... جرير إذ أبدى اعتذاره
إن كان يصدق حبه ... فالقلب منه كالحجاره
لا بل أشد قساوة ... فانظر له أبدى عراره
إذ قال قولاً لم يقله ... عاشق أود وجساره
طرقتك صائدة الفؤاد ... وليس الزياره
وقال في الرد عليه أيضاً:
هذا مقالك يا جرير ... لدي أشنع ما يقال
هل ثم وقت ليس يصلح ... للزيارة والوصال
أم قيل قبلك فارجعي ... ولذاك ذنب لا يقال
أم كان حبك كاذباً ... فمنامه ينفي الخيال
أم كان قلبك من حد ... يد ليس تؤذيه النبال
وقلت أنا:
واخجلتا لك يا جر ... ير في المحافل والمشاهد
طرقتك صائدة الفؤاد ... فكنت صباً غير صائد
فرددت طيف خيالها ... هذا خيال منك فاسد
ألطيف أعشق منك إذ ... وافى إليك وأنت راقد
؟ لاعاد مثلك ما بقى ... في الناس للعشاق عائد
وقلت أيضاً من قصيدة:
يطالبني قلبي به فكأنني ... غريم وقلبي في تقاضيه مغرم
ولي منه في ليل الكرى ونهاره ... خيال ملم أو حبيب مسلم
وقال شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
يا حبذا طيفك من قادم ... يا أحسن العالم في العالم
طيف تجلى نوره ساطع ... حتى رأته مقلة النائم
يا غائباً يحكم في مهجتي ... علي طالت غيبة الحاكم
عار على حسنك أن يشت ... كي حظي منه أنه ظالمي
وقد أحسن التهامي في تفضيل الخيال على الحقيقة حيث قال:
وصل الخيال ووصل الخود إن بخلت ... سيان ما أشبه الوجدان بالعدم
ألطيف أحسن وصلاً إن لذته ... تخلو من الإثم والتنغيص والندم
وقد بلغ النهاية في اللطف كشاجم حيث اعتذر على لسان الحبيب عن تأخر الخيال فقال:
لقد بخلت حتى بطيف مسلم ... علي وقالت رحمة لحبيبي
أخاف على طيفي إذا جاء طارقا ... وسادك أن يلقاه طيف رقيبي
وما أحسن أيضاً اعتذار المغربي وقد ضمنه ابن عنين وكتب به من اليمن إلى أخيه بدمشق:
سامحت كتبك في القطيعة عالماً ... أن الصفيحة أعوزت من حامل
وعذرت طيفك في الجفاء لأنه ... يسري فيصبح دوننا بمراحل
وقال آخر:
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحا ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تخيبني ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
وقال ابن المعتز:
أبصرته في المنام معتذراً ... إلي مما جناه يقظانا
ولان حتى إذا هممت به ... وجدته عند الصبح لا كانا
стр. 44
قيل من نكد الدنيا أن الإنسان يرى في منامه أنه شم طيباً أو واصل حبيباً أو نال عزاً أو وجد كنزاً فإذا انتبه لم ير من ذلك شيئاً وربما رأى أنه قد أحدث فإذا انتبه رأى ذلك يقيناً في ثيابه كما قيل فيه:
أرى في منامي كل شيء يسرني ... ورؤياي بعد النوم أدهى وأقبح
فإن كان خيراً فهو أضغاث حالم ... وإن كان شراً جاءني قبل أصبح
وقال المعري:
إلى الله أشكو أنني كل ليلة ... إذا نمت لم أعدم خواطر أوهام
فإن كان شراً فهو لا شك واقع ... وإن كان خيراً فهو أضغاث أحلام
وما أحسن قول ابن التلميذ:؟ عاتبت إذ لم يزر خيالك في النوم فشوقي إليك مسلوب
فزارني منعماً وعاتبني ... كما يقال المنام مقلوب
وقال ابن الأحنف:
واحلم في المنام بكل خير ... فاصبح لا أراه ولا يراني
ولو أبصرت شراً في منامي ... لقيت الشر من قبل الآذان
وما أظرف قول ابن المعتز:
ألم الخيال بلا حمده ... وأبدلني الوصل من صده
وكم نومة لي قواده ... أتت بالحبيب على بعده
ومثله قول الآخر:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ تركت هجا ابليس ثم مدحته ... وذاك الأمر عز عندي سلوكه
يقرب من أهواه حيناً فإن أبى ... حكاه خيالاً في الكرى فأ....
وقال بعض مشايخ العصر:
لو أن طيفك في المنام جليسي ... ما بت أشكو لوعتي ورسيسي
قمر أدار علي خمرة ريقه ... ولحاظه وحديثه المأنوس
ما عمدتي في قربه وحضوره ... ووفائه إلا على إبليس
وما أحسن قول القاضي الفاضل ﵀ هذا على أن الطيف لا أعتد له بمنة وإن ركب المجاهل وقطع المراحل وتخطى إلي أغصان القنا وخاض جداول الظبا ووطئ شوك النصال وعثر بجبال الخيال ودنا وأعين الشهب حولي روان وأطراف القسي دوان وكيف أعتد له بمنة والفكر مدنية وأنا يقظان ويمثل ما لم يكن من قربه كما مثلت العيون منه ما كان حكي عن بعض المغفلين أنه تعب في تحصيل امرأة كان يهواها مدة طوية فلما حصلت عنده في البيت وضع رأسه ونام فقالت له لأي شيء فعلت هذا. فقال: من عشقي فيك أنام لعلي أرى خيالك في النوم. وحكي عن بعض البخلاء أنه قال لمحبوببته وضعت خدي على الأرض لكي ترضي. فقالت: أعطني ديناراً حتى أخليك تضع خدك على خدي ولقد بلغ نهاية اللطف قول القائل:
قالت لطيف خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال خلفته ولو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفى في الحب عادته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي
وقول الآخر:
فهلا منعتم إذ منعتم كلامها ... خيالاً يوافينا على البعد هاديا
؟ سقى الله أطلالاً بأفنية الحمى وإن كن قد أبدين للناس حاليا قزلخ فيشكل التعيين المناسب فالإضافة للتعيين وقوله وسعياً كما معطوف الخ المناسب عطفه على مزارك كما نقله عن القوت ويؤيده رواية شعباً كماً ولغة إلزام المثنى الألف فصيحة اهـ؟.
؟ منازل لو مرت بهن جنازتي لقال الصدى يا صاحبي انزلا بيا وقال توبة بن الحميري:
فإن تمنعوا ليلى وطيب حديثها ... فلن تمنعوا مني البكارا لقوا فيا
فهلا منعتم إذ منعتم حديثها ... خيالاً يوافينا على البعد هاديا
؟ الباب الحادي عشر
قصر الليل وطوله
وخضاب شفقه ونصوله وما في معنى ذلك
أقول هذا باب عقدناه لذكر من طال سهاد جفنه القصير فأمس وما له إلا إسفار الصباح سفير فهو ينشد من شدة الحرق وكثرة الأرق:
يا ليل طل ولا تطل ... لا بد لي من أن أسهرك
لو بات عندي قمري ... ما بت أرعى قمرك
ولم تزل العشاق تشكو من الليل وطوله ويصفونه بسواد الوجه عند حلوله وعذرهم في ذلك ظاهر وكيف لا وقد قال فيه الشاعر:
مات الظلام بليل ... أحييته حين عسعس
لو كان لليل صبح ... يعيش كان تنفس
وقال شرف الدين أحمد بن منقد:
لما رأيت النجم ساه طرفة ... والقطب قد ألقى عليه سبانا
стр. 45
وبنات نعش في الحداد سوافرا ... أيقنت أن صباحهم قدماتا
وقال أيضاً:
ولرب ليل فيه تاه نجمه ... قطعته سهر أفطال وعسعسا
وسألته عن صبحه فأجابني ... لو كان في قيد الحياة تنفسا
قلت وقبل الشروع في إيراد مقاطيع هذا الباب تذكر هنا حكاية لطيفة تتلعق بطول الليل وقصره وهي ما حكاه أبو محمد إسماعيل بن منصور الجواليفي قال وقف علي والدي وهو جالس في حلقة يقرأ فيها عليه الطلبة شاب فقال يا سيدي قد سمعت بيتين من الشعر ولم أفهم معناهما.
فقال له قل فأنشد:
وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجرة النار يصلينا به النار
فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا
قال فلما سمعهما والدي قال له يا ولدي هذا شيء من معرفة النجوم وتسييرها لا من صنعة أهل الأدب فانصرف الشاب من غير حصول فائدة فاستحيا والدي لكونه سأل عن شيء ليس عنده منه علم وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقة حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير المسؤول عنه إن الشمس إذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول لأنه يكون آخر فصل الخريف وإذا كانت في آخر فصل الخريف وإذا كانت في آخر الجوراء كان الليل في غاية القصر لأنه في آخر فصل الربيع فكأنه يقول إذا لم يزرني فالليل عندي في غابة الطول وإن زارني كان الليل عندي في غاية القصر وقد أنصف القائل:
لاأظلم الليل ولاادعى ... أن نجوم الليل ليست تسير
ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير
وما أحسن قول الأرجاني:
وما ليلنا إلا سواء وإنما ... تفاوته أنا سهرنا ونمتم
ومن أحسن ما قيل في قصر الليل:
قول أبي اسحق الصولي ... وليلة من ليالي الزهر
قابلت فيها بدرها ببدري ... لم تك غير شفق وفجر
حتى تولت وهي بكر الدهر
وقال الرضي:
يا ليله كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر
وقال آخر:
سألت الليل لم ولى هزيماً ... وقد بات الحبيب على اقتراحي
فقال كواكبي غارت وسارت ... مخامرة علي إلى الصباح
ومن أحسن ما قيل في طول الليل قول العباس بن الأحنف:
أيها الراقدون حولي أعينو ... ني على الليل واتركوا الإعتذارا
حدثوني عن النهار حديثاً ... أوصفوه فقد نسيت النهارا
وقال آخر:
عهدي بنا وراء الليل مشتمل ... والليل أطول كاللمح بالبصر
والآن ليلي مذ بانوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر
وقال ابن العتارية:
لقد ساهرتني عيون الدجى ... وقد نام عني عيون الملاح
إذا ماشكا الليل هجر الصباح ... شكوت إلى الله هجر الصباح
وقال ابن الزقاق:
لي مسكن شطت به غربة ... جادت لها عيناي بالمزن
ما أحسن القجر ولا راقني ... بياضه مذ بان في الظعن
كأنما الصبح لنا بعده ... عين قد ابيضت من الحزن
وما أحسن قول القاضي الفاضل:
بتنا على حال يسر الهوى ... وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح
وقال ياقوت:
كان الثريا راحة تشبر الدجا ... لتعلم طال الليل أم قد تعرضا
فليل تراه بين شرق ومغرب ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا
أخذه الشيخ صدر الدين بن الوكيل فقال:
بكف الثريا وهي جذماً يقاس لي ... شقاق الدجى مدت من الشرق والغرب
ولو ذرعوها بالذراع لما انقضت ... فما تنقضي بالليلأوينقضي نحبي
وقد أحسن الأرجاني في الاعتذار عن طول الليل فقال:
لا أدعي جور الزمان ولا أرى ... ليلي يزيد على الليالي طولا
لكن مرآة الصباح تنفست ... للهم أصدأ وجهها المصقولا
وقال مضر بن الفقعسي:
وليل تقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
كان لنا منه بيوتاً حصينة ... مسوح أعاليها وساج كسورها
стр. 46
وقال آخر:
ولي سنة لا أدري ما سنة الكرى ... كأن جفوني مسمعي والكرى عذل
وقلت أنا:
مذ غبت عني شمس الدين ما اكتحلت ... عيني بغبر ذرور السهد والسهر
كم بت أرعى نجوم الليل من أرقي ... يا أشبه الناس من كل الناس بالقمر
وقال الشريشي فأما أكثر الشعراء فهم من الليل أفزع وإلى النهار أنزع لأن الليل أجمع لأشتهات الهموم والفكر وأجلب لشوارد الأحزان والذكر.
وقال امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
وقال قيس بن ذريح:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدى ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
وقال ابن المعت:
لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد
كم عاشق وظلام الليل يستره ... لاقى الأحبة والواشون رقاد
وقال المتنبي:
كم زورة لك في الأعراب خافية ... أزهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي
هذا البيت أمير شعر المتنبي على كثرة الجيد فيه وفيه مقابلة خمسة بخمسة وقد أخذه بعضهم فقال:
أقلى النهار إذا أضاء صباحه ... وأظل أنتظر الظلام الدامسا
فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكا ... والليل يرثى لي فيدبر عابسا
وقد أحسن في أخذه فإن فيه أيضاً مقابلة خمسة بخمسة.
قال ابن يحيى في قول المتنبي المذكور أنه مأخوذ من قول ابن المعتز:
فالشمس نمامة والليل قواد
قال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: قال لي شيخنا تقي الدين بن دقيق العيد: قل لهؤلاء علماء المعاني والبيان والبديع أتحسنون أن تقولوا مثل قول المتنبي: أزورهم وسواد الليل البيت فإذا قالوا لا قل فأي فائدة فيما تصنعونه.
يريد بذلك أن العمل غير العلم والمباشرة دون الوصف.
ومثل قوله هذا ما حكاه بعضهم عن بعض الوعاظ أنه كان على منبره يتكلم في المحبة وأمور العشق وأحواله ومديد أطناب الأطناب في ذلك فقام إليه بعض الجماعة فقال:
بعيشك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل زفت عليك فروع ليلى ... زفاف الأقحوانة في نداها
فقال الواعظ لا والله فقال له فابشر.
وقال المتنبي:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبران المانوية تكذب
وقاك ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب
المانوية قوم يعتقدون أن الخير كله من النور والشر كله من الظلام فكذبهم بأنه وجد الخير في الظلام حيث ستره عن أعدائه ووقاه شرهم وكان عوناً له على زيارة من يحبه.
وقال ابن رشيق:
أيها الليل طر بغير جناح ... ليس في العين راحة في الصباح
كيف لا أبغض الصباح وفيه ... بان عني أولو الوجوه الصباح
حكى الأصمعي قال حضرت مجلس لارشيد وعنده مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال ما أحدثت بعدنا يا با نواس. فقال: يا أمير المؤمنين ولو في الخمر فقال: قاتلك الله ولو في الخمر فأنشده:
يا شقيق الروح من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم
الأبيات حتى أتى على آخرها فقال: أحسنت والله يا غلام أعطه عشرة آلاف درهم وعشر خلع فأخذها وخرج.
وحكى عن المطرز الشاعر أنه مر وفي رجليه نعل له بالية وهي تثير الغبار فرآه الشريف المرتضى فأمر بإحضاره وقال له: أنشدني أبياتك التي تقول فيها:
فإن لم تبلغني إليكم ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا
فأنشده إيهاها فلما انتهى إلى هذا البيت أشار الشريف إلى نعله البالية وقال أهذه كانت من ركائبك فاطرق المطرز ساعة ثم قال لما عاد هبات سيدنا الشريف أيده الله تعالى إلى مثل قوله:
أيده الله تعالى إلى مثل قوله ... وخذ النوم من جفوني فأنى
стр. 47
قد خلعت الكرى على العشاق عادت ركائبي إلى مثل ما ترى لأنك خلعت ما لا تملكه على من لا يقبل فاستحيا الشريف منه وكان الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى يقول والله قول المطرز عندي أحسن من قول الشريف وقال أبو البشر المظفر الأعمى دخلت على الملك الكامل فقال لي أجز هذا النصف قد بلغ العشق منتهاه.
فقلت وما درى العاشقون ما هو
فقال وإنما غرهم دخولي
فقلت فيه فهاموا به وتاهو
فقال ولي حبيب يرى هواني
فقلت وماتغيرت عن هواه
فقال رياضة النفس في احتمالي
فقلت وروضة الحسن في حلاه
فقال أسمر لدن القوام ألمى
فقلت يعشقه كل من يراه
فقال ريقته كلها مدام
فقلت ختامها المسك من لماه
فقال ليلته كلها رقاد
فقلت وليلتي كلها انتباه
ثم أن مظفر الدين أكملها مدحاً في السلطان الملك الكامل تغمده الله برحمته ومنه وكرمه.
الباب الثاني عشر
؟ قلة عقل العذول
وما عنده من كثرة الفضول
أقول هذا باب عقدناه لذكر من أكثر القيل والقال من العذال واستحق بامساك لحيته عند عذله نتف السبال وكيف لا وهو لكثرة فضوله وقلة محصوله يدخل الروح والجسد والوالد والولدج طالما أصبح بين المحبين قفا بين صفاعين لا يفتح له باب ولا يرد عليه جواب.
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التيه خلقي في الهوى غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل
فليته استراح وأراح وصان عرضه المباح فقد أكثرت الشعراء في الرد عليه واعتذرت المحبون ل إليه كما قيل:
يا عاذلي في هواه ... إذا بدا كيف أسلو
يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو
وكان يقال ليس من العدل سرة ... العذل وكان يقال رب ملوم
لا ذنب له وكان يقال ... لعل لها عذراً وأنت تلوم
فكم عاذل زاد المحب بعذله لجاجة ... وجنوناً أكثر من الحاجة
لأبدلن هوى بلوم أنه ... كالريح يغري الناس بالأحراق
وقال آخر:
وماعذولي ناهياً عنكم ... لكنه بالصبر أمار
قال اسلهم إن لم تطق هجرهم ... قلت النار ولا العار
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
يا من إذا باعت الأبصار أسودها ... بحبة فوق خديه فقد ربحت
يزيدني العذل تبريحاً ألذ به ... فليت عذال قلبي فيك لا برحت
وما أحسن قول بلدينا محمد بن العفيف التلمساني:
أسرفت في اللوم ولم تقتصر ... وزدت في لومك يا ذا العذول
قد رضيت نفسي بمحبوبها ... وإنما المولى كثير الفضول
وقال والده وأحسن ما شاء.
ولي على عاذلي حقوق هوى ... شكري عليه ببعضها يجيب
لام فلما رآه هام به ... فكنت في عشقه أنا السبب
وقال آخر:
قد اجتهد اللاحي وجاء يلومني ... وزخرف لي زور الكلام بمينه
وقال أسل عن هذا وعد عن غرامه ... فقلت له هذا الفضول بعينه
وحكى ابن وكيع أنه كان يهوى غلاماً نصرانياً بتنيس فلامه بعض أصحابه عليه ولم يكن رآه فاتفق أن الغلام مر بهما فلما رآه صاحب ابن وكيع استحسنه وقال لو عشقت هذا ما لمتك ولم يعلم أنه محبوبه الذي لامه عليه فقال ابن وكيع في الحال:
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قلبها رآه
فقال لو عشقت هذا ... ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه
فظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاه
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
زعموا أني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلا هواكم
قد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سلاكم
قال لي عذلي متى تبصر الرشد ... وتسلو فقلت يوم عماكم
وقال أيضاً:
أن قوماً يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا
стр. 48
سمعوا وصفها فلاموا عليها ... أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا
وقال أيضاً:
من منصفي من عاذل جاهل ... يخون باللوم لمن لا يخون
إن قلت ما نصحك إلا أذى ... قال وما عشقك إلا جنون
وقال محمد بن شرف القيرواني:
قل للعذول لو اطلعت على الذي ... عاينته لعناك ما يعنيني
أتصدني أم للغرام تردني ... وتلومني في الحب أم تغريني
دعني فلست معاقباً بجنايتي ... إذ ليس دينك في المحبة ديني
وما أحسن قول الآخر:
يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زور وبهتان
ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن
وما آخر
لقد راعني بدر الدجى بصدوده ... ووكل أجفاني برعي كواكبه
فيا عاذلي دعني عساه يعود لي ... ويا مهجتي صبراً على ما كواك به
وقال عرقلة:
قال العواذل ما الذي استحسنته ... منه وما يسبيك قلت جميعه
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة ﵀:
يا خيبة العاذل الذي قد ... أطال في العذل واستطالا
عذبني ثم قال تسلو ... عن حب ماما فقلت لالا
وقال أيضاً:
أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب
وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
كم على عاذلي وكم لحبيبي ... ذاك تكبيرة وذا تهليله
يا ثقاتي وأيت مني ثقاتي ... أين من ينبغي إلي الوسيلة
أنا ميت فقبلوني إليه ... فحياتي وحقه وتقبيله
وقال النور الأسعردي
أقول لعاذلي لما نهاني ... وقد وجد المقالة إذ جفاني
علمت بأنه مر التجني ... وفاتك أنه حلو اللسان
وقال أبو الفتح قادوس في الأكتاف
من عاذري في عاذل ... يلوم في حب رشا
إذا طلبت وصله ... قال كفى بالدمع شا
ومثله قول شيخ الشيوخ بحماة:
أغضب العشاق منه أنني ... لم أبع في حبه رشدي بغي
قلت قد أضنيت جسمي قال قد ... قلت كي تذهب روحي قال كي
وقال أيضاً
راموا فطامى عن هوى ... غذيته طفلاً وكهلاً
فوضعت في جيبي يدي ... وقلت خلوني وإلا
ومثله قول الوادعي:
يا لائمي في هواها ... أفرطت في اللوم جهلاً
ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا
وما أحسن قول ابن سنا الملك في هذا المعنى:
أهوى الغزالة والغزال وربما ... نهنهت نفسي عفة وتديناً
ولقد كففت عنان عيني جاهداً ... حتى إذا أعييت أطلقت العنا
وقوله أيضاً: دنوت وقد أبدى الكري منه ما أبدى فقبلته في الخد تسعين أو إحدى وقوله أيضاً:
وظبي حكى ريم الفلا في نفاره ... فما باله لم يحكه في التلفت
يدافعني عن وصله بتهجم ... فيا ليته لو كان يدفع بالتي
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
إليكم هجرتي وقصدي ... وفيكم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي ... فآنسوا مقلتي ولاتو
وقال ابن المعتز:
زاحم كمي كمه فالتويا ... وافق قلبي قلبه فاستويا
وطالما ذاقا الهوى فاكتويا ... يا قرة العين ويا همي ويا
وقال ابن مطروح:
والله لا خطر السلو بمهجتي ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
رجع الكلام في العذل.
وقال الآخر دوبيت
لما نظر العذال وجدي بهتوا ... في الحال وقالوا لوم هذا عنت
مانحسب إلا أننا نعذله ... يسمع من يعقل من يلتفت
وقال الآخر:
قالوا اسله واطرح هواه ... فقد بدا كذبه وأفكه
فقلت بالله لا تطيلوا ... والله والله ما أفكه
وما أحسن قول شهاب الدين ابن الخيمي ﵀:
وعذول رابني في نصحه ... كلما زدت إبا زاد لجاجا
стр. 49
ما عذولي قط إلا عاشقاً ... ستر الغيرة بالعذل وداجى
وقال آخر:
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
أنشدني الشيخ برهان الدين القيراطي:
ذهب العمر بلوم ... وصدود من غزال
في سبيل الحب عمر ... ضاع في قيل وقال
وقال الشيخ إبراهيم بن المعمار:
لو رأى حسن وجهه ... عاذلي في التبسم
ذهبت روحه كما ... قيل في دور درهم
وقال أيضاً:
لح العذول ولامني ... فيمن أحب وعنفا
فهممت ألطم رأسه ... مما ملئت تأسفا
لكنما زلقت يدي ... وقعت على أصل القفا
ومات أظرف قول النور الأسعرديك
وقالوا دع المعشوق واهجره دائماً ... ألم تره بعد الملاحة ينتف
أينتف من أجلي ويتعب دائماً ... واهجره تالله ما أنا منصف
وقال آخر:
قل للعذول أطلت اللوم في قمر ... يزيد في كل يوم حسنه نورا
إن كنت تزعم ما في حسنه عجب ... قم فانظر الورد في خديه منثورا
وقال محيي الدين البغدادي
إن لامني من لا رآه فقد ... جار على الغائب بالحكم
وإن لحاني من رأه فقد ... أضله الله على علم
وقال البهازهير:
أنت الحبيب الأول ... ولك الهوى المستقبل
عندي لك الود الذي ... هو ما عهدت وأكمل
القلب فيك مقيد ... هـ الدمع فيك مسلسل
يا من يهدد بالصدو ... د نعم تقول وتفعل
قد صح عذرك في الهوى ... لكنني أتعلل
قل للعذول لقد أطل ... ت لمن تتول وتعذل
عاتبت من لا يرعوي ... وعذلت من لا يقبل
غضب العذول أخف من ... غضب الحبيب وأسهل
وقال أبو العتاهية لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له ما آن لك أن ترعوي وتزدجر فرفع رأسه إلي وقال:
أتراني يا عتاهي ... تاركاً تلك الملاهي
أتراني مفسد بال ... نسك عند القوم جاهي
فلما ألححت عليه في العذل أنشأ يقول:
لاترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر
فوددت أني قلت هذا البيت بكل شيء قلته وقال جويان القواس.
أصغي إلى قول العذول بجملتي ... مستفهماً عنه بغير ملال
لتلقطي زهرات ورد حديثكم ... من بين شوك ملامة العذال
قلت هذا هو العاشق والمحب الوامق ألا تراه كيف صغى إلى عذوله الفاعل الصانع وجنى من عذله جني النحل ممزوجاً بماء الوقائع فهو في هذا المقام من الإثبات كما قال أبو الشيص من أبيات.
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فلتلمني اللوم
وقال ابن رشيق وقد زاد على أبي الشيص في قوله هذا ابن جابر الخزاعي حيث يقول:
هددت السلطان فيك وإنما ... أخشى صدودك لا من السلطان
أهوى الملامه فيك حتى لو درى ... أخذ الرشا مني الذي يلحاني
حسبي لقول الناس بعد منيتي ... هذا قتيل في وداد فلان
فلأنفقن عليك عمري كله ... ولأعشقن عليك كل هوان
قلت والذي أقوله أنا في هذا المقام أن صاحب هذا الكلام غريم الغرام ونديم كؤس المدام ألا تراه كيف بالغ حتى جعل للعذول جعاله فأصبحت حالته كما قيل ضغث على أباله فهو كما قال بعض السادات من أهل الولايات لو لم تعلم العوام ما في قلوبنا من حلاوة العفو لتقربوا إلينا بالجنايات ومثل قوله هددت بالسطان قول الآخر:
وإن نذرت فيك العشية قتلتي ... فللموت عندي في هواك سلام
ومن أعجب الأشياء خوفي في الهوى ... ولي كل يوم في حماك حمام
وقلت أنا:
عاذل بالغ في عذله ... وقال لما هاج بلبالي
بعارض المحبوب ما تنتهي ... قلت ولا بالشيب والوالي
وقلت أيضاً:
عذلوا على من رام قتلي في الهوى ... فكلامهم ضرب من الهذيان
جهلوا وما علموا بأن الطعن في المح ... بوب غير الطعن في الميدان
стр. 50
وقلت أيضاً:
كم خالف العذال قولي في الذي ... في كل يوم حسنه يزداد
أن قلت أمسي في الملاحة مفرداً ... قالوا تثنى عطفه المياد
وقلت أيضاً:
يا عاذلي لا تلمني ... في حب هذا القبطي
واقطع بوصل بيننا ... بالله رأس القط
وقلت أيضاً
مليح الترك لا سيما الخطابي ... عليه الشيخ يعذر للتصابي
فدعني من ملامك يا عذولي ... فحبي للخطا عين الصواب
وقلت فيمن اسمها حكم الهوى:
حكم الهوى صدت فبت لأجل ذا ... ولهان من فرط الصبابة والجوى
يا عاذلي لا تلمني في حبها ... نفذ القضاء وهكذا حكم الهوى
وقلت:
أقول لظبي قلبه يشتكي الأسى ... هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل
نصحتك علماً بالهوى والذي أرى ... مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو
وقلت من قصيدة:
وازنت ميلي للعذول وقده ... فرأيت ميلي للقوام رجيحا
يا عاذلي لا صافحتك يد النوى ... حتى توسد في التراب صفيحا
ولقد نصحت بني الصبابة في الهوى ... لكنهم لا يقبلون نصيحا
وقلت: من قصيدة مدحت بها مولانا السطان الملك الناصر.
فيا من جاء يعدل مستهاما ... على حلو الشمائل ما أمرك
وقلت: أيضاً من قصيدة أمدحه بها خلد الله ملكه مطلعها.
لك من حبيبك ما تحب وتشتهي ... فاجعل مدامك من مقبله الشهي
وإذا بدا لك ثغره متبسماً ... فاضحك على ذقن العذول وقهقه
وقلت: أيضاً من قصيدة أرسلتها إلى مولانا قاضي القضاة تاج الدين السبكي بدمشق الشام.
يا ساكني السفح لي في حكيم سكن ... وأنتم في سويدا القلب سكان
دمعي يزيد كباناس لعبدكم ... والعاذلون على ثوراء ثيران
ومنها
قد كان ما كان من هجرانه زمناً ... وقد وفى الآن فالعذال لاكانوا
أنا الذي لاأبالي في الغرام بما ... يروي فلان ولا ما قال فلتان
ومنها:
برهنت حسن الذي أهوى وقلت له ... ما للعذول على ما قال برهان
ما لامني مذ رآني في الهوي رجبا ... بمزح شعبان فما رمت شعبان
تنبيه كانت أسماء الشهور عند العرب غير هذه الأسماء المستعملة الآن لأنهم كانوا يسمون رجب الأصم ويسمون شعبان العاذل وبهذا يظهر معنى قولي في البيت الأخيرعلى أن الشعراء استعملوا هذا المعنى قديماً وحديثاً ومن أحسن ما سمعت فيه.
وشادن مبتسم عن حبب ... مورد الخد مليح الشنب
يلومني العاذل في حبه ... وما دري شعبان أني رجب
وقلت أنا أيضاً:
يسطو علي من الدلال كأنه ... غازان إذ يسطو على حرمانه
إن ردني عنه قضيب قوامه ... فأنا القتيل بلحظه وبيانه
إني وحقك في هواه متيم ... صب غداً رجباً على شعبانه
وقولهم سبق السيف العذل هو مثل من أمثال العرب يضرب في الأمر الذي لا يقدر على رده وأصله أن سعداً وسعيداً ابني ضبة ابن أد خرجا في طلب أبل لهما فرجع سعد ولم يرجع سعيد فكان أبو ضبة إذا رأى رجلاً مقبلاً قال أسعد أم سعيد ثم أنه في بعض مسيره أتى إلى مكان ومعه الحرث بن كعب في الشهر الحرام فقال له الحرث قتلت ههنا فتى هيئته كذا وكذا وأخذت منه هذا السيف فتناوله ضبة فعرفه فقال أن الحديث شجون ثم ضره فعذله فقال سبق السيف العذل فتداولت الشعراء ذلك ونظموه.
ومن أحسن ما سمعته فيه قول السراج الوراق:
قلت إذ جرد لحظا ... حده يدني الأجل
يا عذولي كف عني ... سبق السيف العدل
وعلى ذكر العذل والملام ذكرت قول أبي نواس في المدام:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
قال المفضل الضبي دخلت على الرشيد يوماً فقال دلني على بيت أوله أكثم بن صيفي في إصابة الرأي وجودة الموعظة وآخره أبقراط في معرفة الدواء فقلت يا أمير المؤمنين لقد هولت علي فقال هو قول أبي نواس:
دع عنك لومي ... البيت قلت وبقى
стр. 51
لهذا البيت حكاية لطيفة حكاها الحريري في درة الغواص عن حامد بن العباس أنه سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الخمار وقد علق به فأعرض عن كلامه فقال ما أنا وهذه المسألة فجعل حامد منه ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر فسأله عن ذلك فتنحنح القاضي لإصلاح صوته ثم قال الله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ".
وقال رسول الله ﷺ " استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها " والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية وقد قال:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
ثم تلاه أبو نواس فقال:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
فأسفر حينئذ وجه حامد وقال لعلي بن عيسى ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله تعالى أولاً ثم بقول الرسول ﷺ ثانياً وبين الفتيا وأدى المعنى وتبرأ من العهدة فكان خجل على ابن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة. وقال الشيخ صدر الدين ابن الوكيل.
إن الذي جعل الهموم عقاربا ... جعل المدام حقيقة درياقها
لم يصلب الراووق إلا عندما ... قطع الطريق على المدام وعاقها
ومعنفي في الخمر لو قد ذاقها ... ما لامني لكنه ما ذاقها
قال أطرح صفراء يطفي خمرها ... لهب القلوب إذا اشتكت احراقها
فأجبته ذقها وخذ من بعد ذا ... في طرق لومك إن أردت فراقها
وقد أنصف شيخ الشيوخ بحماة حيث قال:
أعاذلي ليس مثلي من تفنده ... وليس مثلك مأموناً على عذلي
ما دمت خلواً فما تنفك مهتماً ... أعشق وقولك مقبول علي ولي
وقال الآخر:
لو تعلم الورق حنيني نحوكم ... لمزقت من طرب أطواقها
ولو يذوق عاذلي صبابتي ... صبا معي لكنه ما ذاقها
حكي أن السلطان صلاح الدين قال يوماً للقاضي الفاضل لنا مدة لم نر فيها العماد الكاتب فلعله ضعيف أمض إليه وتفقد أحواله فملا دخل القاضي إلى دار العماد الكاتب وجد أشياء أنكرها في نفسه مثل آثار مجالس أنس وطيب ورائحة خمر وآلات طرب فأنشده:
ما ناصحتك خبايا الود من رجل ... مالم ينلك بمكروه ومن العذل
محبتي فيك تأبى ان تسامحني ... بأن أراك على شيء من الذلل
الباب الثالث عشر
ذكر الإشارة إلى الوصل والزيارة
أقول هذا باب عقدناه لذكر الزائر والمزور وما قيل فيهما من منظوم ومنثور وغير ذلك من عيادة الحبيب وما يستدل به عليه من روائح الطيب كما قيل:
لو أن ركباً يمموك لقادهم ... نسيبك حتى يستدل بك الركب
نعم طالما أهدى الحبيب بزيارته سروراً وأمس له الفضل زائراً ومزوراً كما قيل: فلفضله فالفضل في الحالين له فالزيارة من الحبيب لا تمل ولو ألحق فيها الوابل بالطل ومن أحسن ما قيل في زيارة الحبيب وعوده من قريب قول العكوك:
بأبي من زارني مكتتما ... خائفاً من كل شيء جزعا
زائراً نم عليه حسنه ... كيف يخفي الليل بدراً طلعا
رصد الغفلة حتى أمكنت ... ورعى السامر حتى هجعا
ركب الأهوال في زورته ... ثم ما سلم حتى ودعا
وما أحسن قول المعتز:
زارني والدجى أحم الحواشي ... والثريا في الغرب كالعنقود
وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود
ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود
وقال الآخر:
زارت عله غفلة الرقيب ... كظبية روعت بذيب
وكان وقت الوصال منها ... أقصر من جلسة الخطيب
قال الشيخ العلامة علاء الدين مغلطاوي في كتابه الواضح المبين أنشدنا عبد العزيز بن سرايا الحلى لنفسه زاعماً أنها أصدق كلمة قالها الأواخر.
يقولون لي بالله ما أنت فاعل ... إذا زرارك المحبوب قلت أ ...
وقال يعقوب الشيباني:
стр. 52
قلت إذ زار من أحب وجنح الليل ... روض أبدي النجوم نهاراً
ملك الحب زاره ملك الحسن ... فزادا على الوجود اقتدارا
فافرشوا الورد أطلسا حين يمشي ... واجعلوا عسجد الكؤس نثارا
واصرفوا حاجب الهلال فقد نم ... يسري إلى العيون مرارا
واحجبوا أبيض الصباح وقولوا ... لنجاشي الظلام كن برد دارا
وعلى ذكر البرد دارا ما أحسن قول الآخر دوبيت:
يا ليل بك الثناء والمدح يليق ... إذ أنت لأهل العشق خل وصديق
إذ أنت جعلت برد دار الهم ... لا تعط عليهم قط للصبح طريق
وقال ابن النبيه:
قلت لليل إذ حباني حبيباً ... وغناء يسبي النهي وعقارا
أنت يا ليل حاجبي فامنع الصبح ... وكن أنت يا دجى برد دارا
وما أحسن قول شمس الدين محمد ابن العفيف.
ومليح كالبدر زار بليل ... فجلا حسنه الدجى إذ تجلى
ما درى منزلي ولكن قلبي ... بلهيب الجوى هداه ودلا
وعجيب منه فقيه ذكي ... بمحل النزاع كيف استدلا
وقال الآخر:
يا حبيبي وأنت ما ... زلت بالوصل منعما
زرتني بعض ليلة ... بت فيها مهموما
حين وليت غائبا ... أفل البدر في السما
ليت شعري من الذي ... من أخيه تعلما
وقال بشار بن برد.
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ... ثنّ ولا تجعلها بيضة الديك
قيل أن الديك يبيض في السنة بيضة ولهذا قال بشار ذلك وقال ابن الساعاتي في تاريخه في سنة ست وتسعين وستمائة باض ديك ببغداد وسألت جماعة عن ذلك فأخبروني به. قلت وأخبرني الآن بعض الصوفية المقيمين عندي بالصهريج أنه باض عندهم ديك بيضة صغيرة وجعل يصيح مثل الدجاجة ثم أقام بعد ذلك سبعة أيام ومات رجع الكلام وقلت أنا.
لي حبيب له حبيب مواف ... كل يوم يأتي إليه مرارا
قلت زرني فقال حبي عندي ... شغل الحلى أهله أن يعارا
وقلت أيضاً من قصيدة.
زار الحبيب ووجه الورد خجلان ... فاصفر حين تثنى قده البان
قد كان ما كان من هجانه زمناً ... وقد وفى الآن فالعذل لا كانوا
ما ضرني ضيق عيشي حين واصلني سم الخياط مع الأحباب ميدان
فصل
نم الطيب على الحبيب
ما أحلى قول ابن سكرة.
أهلاً وسلهلاً بمن زارت بلا عدة ... تحت الظلام ولم تحذر من العسس
تسترت بالدجى عمداً فما استترت ... وناب اشراقها ليلاً عن القبس
ولو طواها الدجى عنا لأظهرها ... برق اللثام وعطر النحر والنفس
أخذه المعتمد بن عبادة فقال:
ثلاثة منعتها عن زيارتنا ... خوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق
ضوء الجبين ووسواس الحلى وما ... تحوي معاطفها من عنبر عبق
هب الجبين بفضل الكم تستره ... والحلى تنزعه ما حيلة العرق
وقال:
يوم يقول الرسول قد أدنت ... فأت على غير رقبة ولج
أقبلت أهوى إلى رحالهم ... أهدي إليها بريحها الأرج
قيل ويستدل بالطيب على السلوك في المواطن التي يكون الناس فيها غير معروفين مثل الحمام ومعركة الحرب وموسم الحج وما زالت الشعراء تصف مواطن الحبيب بالطيب كما قال فيه ابن النبيه.
إن جاء من يبغي لهم منزلا ... فقا له يمشي ويستنشق
وقال محمد بن عبد الله النميري في زينب أخت الحجاج من قصيدة:
تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة خفرات
له أرج من مجمر الهند ساطع ... تطلع رياه من الكفرات
يخمرن أطراف البنان من التقى ... ويطلعن نصف الليل معتجرات
ومنها
ولما رأت ركب النمري أعرضت ... بكره لأن يلقينه حذرات
стр. 53
ولهذا البيت حكاية لطيفة اتفقت لقائله مع الحجاج وهي مشهورة بين أهل الأدب أضربت عن اثباتها هنا خوف الإطالة وقال الطغرائي:
فسر بنا في ظلام الليل معتسفاً ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
وقال آخر:
وليس نسيم المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
وقال آخر:
لو كان يوجد ريح مسك فائح ... لوجدته منهم على أميال
وقال ابن الرومي:
أعقبته من طيب ذكرك نفحة ... كادت تكون ثناءك المسموعا
وقال المتنبي:
وتفوح من طيب الثناء روائح ... لهم بكل مكانة تستنشق
فصل
ومن أحسن ما سمعته في العيادة قول الطغرائي
خبروها اني مرضت فقالت ... اضنى طار فاشكا أم تليدا
وأشاروا بأن تعود وسادي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا
واتتني في خفية وهي تشكو ... ألم الشوق والمزار البعيدا
ورأيتني كذا فلم تتمالك ... أن أمالت علي عطفاً وجيدا
أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ جمال الدين بن نباتة:
وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بعظمي المنهاض
قالت تغيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالأمراض
وما أحسن قول ابن السليمان:
وأنا الذي أضنيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي
وقال آخر:
لا تهجروا من لا تعود هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذى
ورفعتم مقداره بالابتدا ... حاشاكمو أن تقطعوا أصله الذي
ومن عظيم ما يحكى عن الملك المعظم عيس بن الملك العادل أن شرف الدين بن عنين كتب إليه وهو ضعيف:
انظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولى الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي
فحضر إليه الملك المعظم بنفسه ومعه صرة فيها ثلثمائة دينار وقال أنت الذي وهذه صلتك وأنا العائد قلت وقد استخدم ابن عنين الصلة والموصول وأجاد وعامله الملك المعظم في السبق إلى فهم مقصوده معاملة الجواد ولو وقع هذا من مثل سيبويه لكان أدل دليل على فضله وسداد نبله فما الشأن بوقوعه من هذا الملك المعظم شأنه العظيم سلطانه فكم أقر لابن عنين عيناً ووفى عنه ديناً فغال به السول وطرب من الصلة والعائد بيره الموصول لا جرم أنه ملأ بمدائحه ديوانه وقال فيه م قصائده الطنانة:
كريم الثنا عار من العار باسل ... جميل المحيا كامل الحسن والحسني
لعمرك ما آيات عيسى خفية ... هي الشمس للأقصى سناها وللأدنى
ولي أنا من قصيدة في هذا الوزن أمدح بها مولانا السلطان الملك الناصر مخلصها.
تطاول غصن البان يحكي قوامه ... فقلت له والله قد جئت في المعنى
ولكن بدراً التم والبحر قصرا ... عن الناصر السلطان في الحسن والحسنى
ومن ظريف ما اتفق لابن عنين هذا مع الملك المعظم أنه حضر في وقت بين يديه مع جماعة من الشعراء فقال لهم السلطان لا بد أن تهجوني في وجهي فقبلوا الأرض واستعفوا من ذلك فقال لا بد من ذلك وألح عليهم فقال ابن عنين.
نحن قوم ما ذكرنا لامرئ ... قط إلا واشتهى أن لا يرانا
فقال له السلطان صدقت فقال: شعرنا مثل ال.... ... ....
فقال السطان لا والله قبحك الله.
فقال صقع الله به أصل لحانا.
رجع الكلام إلى العيادة ما أحسن قول السراج الوراق:
قال صديقي ولم يعدني ... وعارض السقم في أثر
لقد تغيرت يا صديقي ... ويعلم الله من تغير
وقوله أيضاً:
مرضت لله قوما ... ما فيهم من جفاني
عادوا وعادوا وعادوا ... على اختلاف المعاني
ولهذا البيت أشباه ونظائر ذكرتها في كتابي الطارئ على السكردان منها ما حكي عن القاضي أبو بكر ابن العرب وقد وقف على حلقته وهو مشتغل بالعلم شاب مليح وبيده رمح فقال له بعض الفقهاء: اذهب بهذا الرمح فهز الرمح وقال: الساعة أضربك به فأنشد القاضي أبو بكر في الحال لنفسه:
يهددني بالرمح ظبي مهفهف ... لعوب بالباب البرية عابث
стр. 54
فلو كان رمحاً واحداً لاتقيته ... ولكنه رمح وثان وثالث
وقد سألت جماعة من أهل العلم والأدب عن استخراج الثالث من هذا البيت فلم يجب أحد منهم بطائل.
وقال ابن النقيب:
سمعت بما تشكو وما أنت واجد ... فظلت دموع العين في الخد تسفح
وأرسلت خطى في العيادة نائبا ... وما كل خط للعيادة يصلح
وقال المعتمد بن عبادة:
مرضت فأمسكت الزيارة عامداً ... وما عن قلى أمسكتها إلا ولا هجر
ولكنني أشفقت من أن أزوركم ... فأبصر آثار الكسوف على البدر
وقال الشهاب محمود في القول بالموجب:
رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا
فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضا
وأورد في كتابه حسن التوسل قول الأرجاني:
غالطتني إذ كست جسمي الضنى ... كسوة أعرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما
وقلت أنا حين وقفت على قول الأرجاني هذا بديها:
شكوت إلى الحبيبة سوء حظي ... وما قاسيت من ألم البعاد
فقالت إن حظك مثل عيني ... فقلت نعم ولكن في السواد
وما أحسن قول محاسن الشواء
ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... ومافيهم إلا للحمي فارض
وقد بهتوا لما رأوني شاحباً ... وقالوا به عين فقلت وعارض
وقال ابن النقيب:
وما بي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرتي
وقالوا به في الحب عين ونظرة ... لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي
والأصل في هذا كله:
وجاؤا إليه بالتعاويذ والرقي ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس
وقالوا به من أعين الجن نظرة ... ولو صدقوا قالوا به أعين الإنس
وما أحسن قول بلدينا محمد بن عفيف التلمساني في مليح يعمل الكوافي.
إسم حبيبي وما يعاني ... قد شغلا خاطري ولبي
قالوا علي فقلت قدراً ... قالوا كوافي فقلت قلبي
وقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
وبي من قسا قلباً ولان معطفا ... إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقر برقي إذ أقول أنا له ... وكم قالها أيضاًولكن لتهديدي
وقال السراج الوراق:
قالوا وقد ضاعت جميع مصالحي ... لهموم نفس ليت لا حملتها
قد كان عندك يا فلان صريمة ... فأجبتهم بعت الحمار وبعتها
الباب الرابع عشر
الرقيب النمام
والواشي الكثير الكلام
أقول هذا باب عقدناه لذكر كل رقيب غائر العين كثير المين يرى المحب بعين المقت في كل وقت ويرميه في الحضرة والمغيب بكل سهم مصيب فكم ترك المحب مضني وأفقره فيمن أحب وما أستغني فهو كالصبح قاطع اللذات تعيس الحركات قبيح المنظر سيء المخبر كثير اللجاج حجر في دكان زجاج فهو والنمام في الأذى فرسار هان رضيعاً لبان ومن أبلغ ما سمعته في الرقيب.
أنا والحب ما خلونا ولا طر ... فة عين إلا علينا رقيب
ما خلونا بحيث أن يمكن الدهر ... بأن أقول أنت الحبيب
بل خلونا بقدر ما قلت أنت ... ألح فراقي فقلت كيم الطبيب
وقول ابن المعتز:
وإبلائي في محضر ومغيب ... من حبيب مني بعيد قريب
لم تر دماء وجهه العين إلا ... شرقت قبل شربها برقيب
وقال أيضاً:
وقد دنت الشمس للمغيب ... وحان سوقي إلى الحبيب
طوبى لمن عاش عشر يوم ... له حبيب بلا رقيب
قيل لبعض العرب ما أمتع لذات الدنيا فقال ممازجة الحبيب وغيبة الرقيب قال الصاحب ابن عباد:
قال لي أن رقيبي سيّء الخلق فداره ... قلت دعه وجهك الجنة حفت لمكاره
وقال آخر:
سهم الحب جرح في فؤادي ... وذاك الجرح من عين الرقيب
يوكل ناظريه بنا ويحكي ... مكان الكاتبين من الذنوب
فلو سقط الرقيب من الثريا ... لصب على محب أو حبيب
وقال آخر:
стр. 55
يسقيك من كفه مداما ... ألذ من غفلة الرقيب
كأنها إذ صفت ورقت ... شكوى محب إلى حبيب
وقال أبو نواس:
لاحظته فتبسما ... وخلا المكان فسلما
وبدا الرقيب فقلت لا ... سلم الرقيب من العمى
وقال الصفي الحلي:
ومليح له رقيب قبيح ... يتعنى وغيره يتهنى
ليس فيه معنى يقال ولكن ... هو عند النجاه جاء لمعنى
وقال آخر
قالت صفا الوقت ولكن الرقيب كالقذى ... قلت إذا غاب الرقيب أرضني قالت إذا
وقال آخر:
أحب العذول لتكراره ... حديث الحبيب على مسمعي
وأهوى الرقيب لأن الرقيب ... يكون إذا كان حبي معي
وقال أبو جعفر أحمد بن الأبار.
زارني خفية الرقيب مريبا ... يتشكى القضيب منه الكئيبا
قال لي ما ترى الرقيب مطلا ... قلت زره أتى الجناب الرحيبا
عاطه كؤس المدام دراكا ... وادرها عليه كوباً فكوبا
واسقنيها بخمر عينيك صرفا ... واجعل الكأس منك ثغراً شنيبا
ثم لما أن نام من نتقيه ... وتلقى الكرى سميعاً مجيبا
قال لا بد أن تدب عليه ... قلت أبغي رشا وآخذ ذيبا
قال فإبدأ بنا واثن عليه ... قلت كلا لقد رأيت عجيبا
فوثبنا على الغزال ركوبا ... ودببنا على الرقيب دبيبا
هل رأيتم أو هل سمعتم بصب ... ناك محبوبه وناك الرقيبا
قال ابن بسام لقد تظرف ابن الأبار وأبر وأحسن ما شاء وقدر وأظنه لو قدر على إبليس الذي تولى هذا المذهب لدب عليه ولم يخلص من يده وابن المعتز كنى ولم يصرح حيث قال.
فكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خبرا ولا تسأل عن الخبر
وقال أبو نواس:
إذا هجع النيام فخل عني ... وعمن كان يصلح للدبيب
ألذ النيك ما كان اغتصابا ... بمنع الحب أو خوف الرقيب
وقال أبو الوليد محمد بن حسان الحنفي:
نشر النسيم بعرفكم يتعرف ... وأخو الغرام بحبكم يتشرف
شرف المتيم في هواكم أنه ... طوراً ينوح وتارة يتلهف
صب إذا كتم الغرام ولم يبح ... نمت عليه به الدموع الذرّف
لطفت معانيه فهب مع الصبا ... ورقيبه يهبو به لا يعرف
لم يدر زورته الرقيب لأنه ... أخفى عليه من النسيم وألطف
وكأنما يفد النسيم دياركم ... وله على تلك الديار توقف
قال عروة بن عبد الله: كان عروة ابن أذينة الليثي نازلاً في دار أبي العقيق فسمعته ينشد لنفسه:
إن التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع لضمير إلى الفؤاد فسلها
بيضاء باكرها النغيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها
لما عرضت مسلماً لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو حلها
منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ماكان أكثرها لنا وأقلها
فدنا وقال لنا لعلها معذورة ... في بعض رقبتها فقلت لعلها
فأتاني أبو السائب المخزومي فقلت له بعد الترحيب والبشر ألك حاجة قال نعم أبيات لعروة بلغني أنك سمعته ينشدها فأنشدته الأبيات فلما بلغت إلى قول فدنا وقال لعلها معذورة طرب وصاح وقال هذا والله الدائم الصبابة الصادق لا كالذي يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عني فأهلي بي أضن وأرغب
لقد عد الأعرابي طوره وأني لأرجو أن يغفر الله لصاحب هذه الأبيات لحسن ظنه بها وطلب العذر لها قال فعرضت عليه الطعام فقال لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاماً حتى الليل وانصرف.
وقال ابن رشيق:
تأذى بلحظي من أحب وقال لي ... أخاف من الجلاس أن يفطنوا بنا
وقال إذا كررت لحظك دونهم ... علي فما يخفى دليل مريبنا
فقلت بلينا بالرقيب فقال ما ... بلينا ولكن الرقيب بلي بنا
وقال آخر:
стр. 56
ورقيب عدمته منن رقيب ... أسود الوجه والقفا والصفات
هو كالليل في الظلام وعندي ... هو كالصبح قاطع اللذات
وسألت في وقت صاحبنا الشيخ برهان الدين القيراطي هل تحفظ شيأ مليحاً في هجو الرقيب فسكت لحظة وأنشدني لنفسه:
قال لي صاحب يروم قريضا ... في هجاء الرقيب فهو قبيح
عندكم في الرقيب شيء مليح ... قلت ما في الرقيب شيء مليح
وقلت أنا من قصيدة:
فديتك قد غاب الرقيب فغن لي ... وقل في ثقيل نحسه متغيب
رقيب نفى عن أرض ليلى عشية ... وأخرج منها خائفاً يترقب
وقلت أيضاً:
عاذلي في الحبيب دعني فإني ... برحت بي في حبه البرحاء
راقب الله في محب حبيب ... من نجوم السمالة رقباء
وقلت أيضاً من قصيدة:
فبت ولي شغل عن العذل شاغل ... يذود الكري عني من السهد ذائد
وقلت أيضاً من رسالة:
وأما الرقيب فأمره عجيب
وغلق الباب في وجهه نصر من الله وفتح قريب فهو بالنهار من الذين يراؤون وبالليل ابن فاعلة لا ينام ولا يخلي الناس ينامون فأذاه إذا ورد من بعيد أقرب من حبل الوريد والعاشق بينه وبين العذول ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد فهو إن قعد قامت القيامة وإن راح لا كتب الله عليه سلامة.
فصل
النمام والواشي
وما أظرف ما سمعت في ذلك
قال لي عودي غداة رأوني ... ما الذي تشتهيه واجتهدوا بي
قلت مقلي به لسان وشاة ... قطعوه فيه بصنع عجيب
وأضافوا إليه كبد حسود ... فقئت فوقها عيون رقيب
وهذا مأخوذ من كلام بعض العشاق وقد قيل له ما الذي تشتهيه. فقال أعين الرقباء وألسن الوشاة وأكباد الحساد.
وقال آخر:
لي عندهم يوم التواصل دعوة ... يا معشر الجلساء والندماء
أشوي بها قلوب الحاسدين بها ... وألسنة الوشاة وأعين الرقباء
وقال ﷺ " أبغضكم إلي المشأون بالنميمة المفرقون بين الأحبة ". وقال ﷺ " أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى منهم: رجل يأكل لحوم الناس ويمشي بالنميمة ".
وقال وضاح اليمني:
فاعص الوشاة فإنما ... قول الوشاة هو الفتن
إن الوشاة إذا أتو ... ك تنصحوا ونهوك عن
حكي أنه غنى معن بحضرة السلطان عماد الدين زنكي صاحب الشام بقول الشاعر:
ويلي من المعرض الغضبان إذ نقل ... الواشي إليه حديثاً كله زور
سلمت فازور يثني قوس حاجبه ... كأنني قوس خمر وهو مخمور
فاستحسنهما السلطان وقال: لمن هما. فقيل: لابن منير فأمر بإحضاره ليتخذه نديماً ويحله من حضرته مقاماً عظيماً.
وقال السري:
وألقاك بالبشر الجميل مداهناً ... فلي منك خل ما علمت مداهن
أنتم بما استودعته من زجاجة ... يرى الشيء فيها ظاهراً وهو باطن
وقال شهاب الدين الأثير:
إني بحبك مستهام مغرم ... وسوى هواك على القلوب محرم
لا تسمعي قول الوشاة فإنهم ... زادوا الكلام ونقصوه وتمموا
فمناي أن ترضي ولو بمنيتي ... أي الطلاق ثلاثة لي يلزم
وقال آخر:
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستبيح دم الحجاج في الحرم
خصاله لست أحصيها لكثرتها ... لكتها جمعت في نون والقلم
يشير إلى قوله تعالى هما زمشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم وجاء في التفسير إن الهماز الذي يهمز الناس أي يذكرهم بالمكروه ويأكل لحومهم بالطعن والغيبة.
وعن الحسن هو الذي يلوي شدقيه في أقفية الناس وقيل الهمزة المؤاخذ بالمواجهة واللمزة بظهر الغيب وقيل بالعكس وقيل الهمزة جهراً واللمزة سراً بالحاجب والعين والنمام ناقل الكلام السيء وقد أكترث الشعراء من ذمه وخالفهم ابن رشيق فقال:
لم كره النمام إخواننا ... أساء إخواني وما أحسنوا
إن كان نماماً فمعكوسه ... من غير تكذيب لهم مأمن
وقال آخر:
стр. 57
اسمع نصيحة عارف ... جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تكو ... ن من الثقاة على ثقة
وقال آخر:
ومجلس راق من واش يكدره ... ومن رقيب له باللوم إيلام
ما فيه ساع سوى الساقي وليس به ... بين الندامى سوى الريحان نمام
وقال آخر:
لافتضاحي في عوارضه ... سبب والناس لوام
كيف يخفي ما أكابده ... والذي أهواه نمام
وقال الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
أخفيت حبك عن جميع جوارحي ... فوشت عيوني والوشاة عيون
ووددت أن جوانحي وجوارحي ... مقل تراك وما لهن عيون
يا ليت قيساً في زمان صبابتي ... حتى أريه العشق كيف يكون
الباب الخامس عشر
العتاب عند اجتماع الأحباب
وما في معنى ذلك من الرضى والعفو
؟ عن ما مضى أقول هذا باب عقدناه لذكر معاتبة الذمن الأماني وبث هوى أرق من النسيم المتواني نعم في العتاب فوائد جمة وإزالة كرب فلا يكن أمركم عليكم عمة وهو على أقسام عتاب هو في تأكيد المودة يحصل الحاصل وعتاب لتكذيب الناقل وعتاب التمييز الحق من الباطل ومن العلوم أن للعتاب بين الأحباب أصلاً وفضلاً وقطعاً ووصلاً لا بد منه ولا غناء عنه اللهم إلا عند من لا يراه البتة ولا يعاتب الحبيب إلا فلتة كالبحتري حيث يقول:
أعاتب الحب فيما جاء واحدة ... ثم السلام عليه لا أعاتبه
وفي أمثال العرب أسوأ الآداب كثرة العتاب: وقال الأحنف: العتاب مفتاح التقالي والعتاب خير من الحقد.
وقد قال بشار في تقليل العتاب:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
إذا كنت لم تشرب مراراً على القذي ... ظمئت وأي الناس راقت مشاربه
وقال سعيد بن حميد الكاتب.
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
وقال آخر:
وبعض العتاب إذا ما رفعت ... يباعد هجر أو يدلي وصالا
فعاتب أخاك ولا تجفه ... فإن لكل مقام مقالا
ومن أظرف ما سمعته في من جفى من الأحباب ثم بادر بالعتاب قول بعضهم:
عتبت علي ولا ذنب لي ... بما الذنب فيه ولا شك لك
حاذرت لومي فبادرتني ... إلى اللوم من قبل أن أبدرك
فكنا كما قيل فيما مضى ... خذ اللص من قبل أن يأخذك
ومنهم من يكره العتاب جملة ويقول وهو مفتاح الهجر ووسيلة الصدود.
والقطيعة كما قيل:
لا تقر عن سماع من ... تهوى بتعداد الذنوب
ما ناقش الأحباب إلا ... من يعيش بلا حبيب
ومنهم من يراه ولا يأباه كما قيل:
تصالح عاشقان على عتاب ... فما افترقا إلى يوم الحساب
فلا عيش كوصل بعد هجر ... ولا شيء ألذ من العتاب
فلا هذا يمل حديث هذا ... ولا هذا يمل من الجواب
وقال آخر:
وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فإين حلاوة الرسائل والكتب
كتب الحسن إلى غلام كتاباً يستعطفه فوقع الغلام في كتابه يزاد هجراً إلى يوم القيامة فقال الحسن:
كتبت إلى الحبيب ببيت شعر ... أعاتبه فاغضبه جوابي
أجبني يا ملول على كتابي ... فإن النفس تسكن بالجواب
قوقع في الكتات يزاد هجراً ... وإبعداً إلى يوم الحساب
وذكرت هنا قول ابن رشيق
وقلبي من بني الكتاب يسبي ... قلوب العاشقين بمقلتيه
رفعت إليه أستقصي رضاه ... وأسأله خلاصاً من يديه
فوقع قد رددت فؤاد هذا ... مسامحة فلا يعدى عليه
وقال الشيخ العلامة أبو الثناء شهاب الدين محمود مضمناً.
وبتنا على حكم الصبابة مطمعي ... زفيري وأحشائي وشرب المدامع
وحبي يعاطيني كؤس ملامة ... وينشدني والهم للقلب صادع
стр. 58
أتطمع من ليلى بوصل وإنما ... تقطعت أعناق الرجال المطامع
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنياً بها السم ناقع
قلت هذا التضمين فيه نظر وعبرة لمن اعتبر وكيف لا وقد مزج قائله السم بالرضاب والحق الحبيب بالحباب فأصبح وقد ضاقت عليه الحيلة وشبه ثغر محبوبه بأنياب ضئيلة فقابل صفو عتابه بالكدر فيا قلبه القاسي أحديد أنت أم حجر وما أظنه ملا كؤس هذا الملام إلا من ماء ملام أبي تمام حيث تجاوز الحد في الاستعارة وخرج وعلى كتفه من الملام كاره فقال:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
فهلا تنزه عن الانخراط في هذا السلك واقتدى بقول ابن سنا الملك.
وأملي عتاباً يستطاب فليتني ... أطلت ذنوبي كي يطول عتابه
وفي غزلي ذكر العذيب وبارق ... وما هو إلا ثغره ورضا به
أو تخلق بأخلاق الناس وتأسى.
يقول أبي فراس:
أساء فزاده الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان من حبيب
يعد على الواشيات ذنوبه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب
على أنه ﵀ يجوز أن يكون قصد معنى جليل القدر فحينئذ يكون كلامي حديث خرافة يا أم عمرو.
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
وقال آخر.
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
وأحسن منه قول عتيق بن محمد الوراق.
كلما أذنب أبدى وجهه ... حجة فهو مليّ بالحجج
كيف لا يفرط في إجرامه ... من إذا شاء من الذنب خرج
وقال الحكم بن قنبر المازني:
كأنما الشمس من أعطافه لمعت ... حسناً والبدر من أزراره طلعا
مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الإساءة معذور بما صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفع
وهذا مأخوذ من قول أبي نواس في سياقه.
وجهي إذا أقبلت يشفع لي ... وبلاء طرفك حسن ما خلفي
وفيه زيادة بذكر ما خلفها ولكن بيت الحكم بناء وأعذب ثناء.
وقال أبو فراس:
قل لأحبابنا الجناة علينا ... درجونا على احتمال الملال
أحسنوا في فعالكم أو أسيؤوا ... لا عدمناكم على كل حال
وقال أيضاً:
ألا أيها الجاني ونسأله الرضا ... ويا أيها المخطي ونحن نتوب
لحا الله من يرعاك في القرب وحده ... ومن لا يرد الغيب حين تغيب
وقال الآخر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وقال الآخر.
وإذا ما غضبت يوماً عليه ... لذنوب يطول فيها المقال
عطفتني عواطف الحب حتى ... أترضاه كي يزول الملال
وقال الآخر:
حججي عليك إذا خلوت كثيرة ... وإذا حضرت فإنني مخصوم
لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... والله يعلم أنني مظلوم
وقال القراء: ولو كان هذا موضع العتب لاشتفى فؤادي ولكن للعتاب مواضع.
وقال ابن المعتز:
أقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن ير عندك فيما قال أو فجراً
فقد اطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستتراً
وقلت أنا من رسالتي قرع الباب وبأنتظار الجواب فنعوذ بالهل من زلة العاقل وتبرأ إليه من التمادي في الباطل.
وهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني من بنيات الطريق
فقد حصحص الحق وقرع العتاب حلقة الباب فقال طق.
وقال الآخر:
وهبه أرعوي بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعاً فصارت تكلفا
وكأنني بمولانا وقد وقف على عتبة العتاب وقال من دق الباب سمع الجواب فأجابهم:
فإن كنتم تلقون في ذاك كلفة ... دعوني أمت وجداً ولا تتكلفوا
؟ فصل في العفو والرضى
؟ والصفح عما مضى
جاء عن علي ﵁ في قوله تعالى " فاصفح الصفح الجميل " إنه الرضا بغير عتاب وقال تعالى: " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ". وقال ﷺ : " من لم يقبل من معتذر صادق وكاذب لم يرد على الحوض ".
وقال الشاعر:
стр. 59
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أولاً ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه
وقال آخر:
ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر
يا غاية القصد وأقصى المنى ... وخير مرعى مقلة الناظر
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر
أعوذ بالود الذي بيننا ... أن تفسد الأول بالآخر
كان أبو محمد اليزيدي ينادم المأمون فغلب عليه الشراب ذات ليلة فعربد فأمر المأمون بحمله إلى منزله برفق فلما أفاق استحيا وانقطع عن الركوب أياماً فلما طال عليه ذلك كتب إلى المأمون أبياتاً منها.
أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السكر والصحو
ولا سيما أن كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما أن يجوز به اللغو
فلما قرأها المأمون وقع في الرقعة سر إلينا فقد عفونا عنك فلا عتب عليك وبساط النبيذ يطوي معه أخذه الشاعر فقال:
إنما مجلس الشراب بساط ... فإذا ما انقضى طوينا بساطه
وقال ابن سنا الملك: وما ذلك الحبيب فإنه حضر متفضلاً وجاء متذللاً لا متدللاً واستجار بحرم الحرمة وخفض جناح الذل من الرحمة واعتذر بأن الإدلال دلاه بغرور وأوقعه في أمور وأخرجه من الظمات إلى النور فقبل عذره وقبل ثغره وامتثل أمره وثنى عنان القلب إليه حسن تثنيه وأذهبت حلاوة جني ريقه مرارة تجنيه.
وذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسته بألف شفيع
وقال الآخر:
وزعمت بأني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ
فنعم ظلمتك فاعذري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائد
وقال ابن زيدون:
يا قمراً مطلعه المغرب ... قد ضاق بي في حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فاصفح إنني المذنب
فإن من أغرب ما مر بي ... أن عذابي فيك مستعذب
وقال آخر:
وما قابلت عفوك باعتذار ... ولكني أقول كما تقول
سأطرق باب عفوك باعتذار ... ويحكم بيننا الخلق الجمول
الباب السادس عشر
إغاثة العاشق المسكين
إذا وصلت العظم السكين
أقول هذا باب عقدناه لذكر أكثر الناس فتوة وأغزرهم مروة وأرقهم قلباً وأحسنهم مربى ممن أصبح بين المحبين قديم هجر وهجرة وأمس له بكؤس المحبة ألف سكرة لا جرم أنه أعان ذوي المحبة ووازن بنفسه من في قلبه من الغرام مثقال حبة فسعى في إصلاح حاله وساواه بنفسه وماله والله القائل في هذا المعنى.
قف مشوقاً أو مسعداً أو حزيناً أو معيناً أو عاذراً أو عذولاً فإن كنت خالياً من ذلك كله.
أعني بأطماع كذوب على النوى إذا لم تقاتل يا جبان فشجع قلت أولا أقل من ذلك يا ابنة مالك والهل القائل في ذلك:
لو تعلم الناس من شوقي ومن كافي ... ما بت أعلمه استسقوا بميعاد
واستشفعوا لي إلى ألفي بأجمعهم ... وجاء عائدهم في ذي قوّاد
ومن أعجب ما سمعته في إغاثة العاشق والأخذ بثأره وما حكاه الجاحظ قال بلغني أن عاشقاً مات بالهند عشقاً فبعث ملك الهند إلى المعشوق فقتله. وقال الخرائطي كان رجل نحاس عنده جارية لم يكن له سلوة غيرها وكان يعرضها في المواسم فتغالي الناس فيها حتى بلغت مبلغاً كثيراً من المال وهو يطلب الزيادة فعلقها رجل فقير فكاد عقله أن يذهب فلما بلغه ذلك وهبها له فعوتب في ذلك فقال أني سمعت الله يقول: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " أفلا أحيي الناس جميعاً.
وحكى الخرائطي أنه كان لبعض الخلفاء غلام وجارية من غلمانه وجواريه متحابين فكتب الغلام إليها يوماً.
ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعاً في فراش واحد
فطفقت نومي كله متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقدا
فأجابته الجارية:
стр. 60
خيراً رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك فوق ترائبي ومجاسدي
فبلغ الخليفة خبرهما فأنكحهما وأحسن إليهما على شدة غيرته.
وقال أبو الفرج بن الجوزي سمع المهلب فتى يتغنى في جارية له فقال المهلب.
لعمري إني للمحبين راحم ... وإني ببر العاشقين حقيق
سأجمع منكم شمل ودّ مبدّد ... وإني بما قد ترجوان خليق
ثم وهبها له ومعها خمسة آلاف دينار وروى عن عثمان بن عفان ﵁ أنه جاءته جارية تستعدي على رجل من الأنصار فقال لها عثمان ما قصتك فقالت يا مير المؤمنين أحب ابن أخيه فما أنفك أراعيه فقال له عثمان أما أن تهبها لابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي فقال أشهدك يا أمير المؤمنين أنها لابن أخي، وأتى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال له لست بسارق ولكني أصدقك.
تعلقت في دار الرياحي خودة ... يذل لها من حسنها الشمس والبدر
لها في بنات الروم حسن ومنصب ... إذا افتخرت بالحسن صدقها الفخر
فلما طرقت الدار من حر مهجة ... أبيت وفيها من توقدها جمر
تبادر أهل الدار بي ثم صيحوا ... هو اللص محتوماً له القتل والأسر
فلما سمع علي شعره رق له وقال للمهلب اسمح له بها ونعوضك عنها فقال يا أمير المؤمنين اسأله لنعرف نسبه فقال النهاش بن عتبة العجلي فقال خذها فهي لك.
وحكى التميمي في كتابه امتزاج النفوس أن معاوية بن أبي سفيان اشترى جارية من البحرين فأعجب بها إعجاباً شديداً فسمعها يوماً تنشد أبياتاً منها.
وفارقته كالغصن يهتز في الثرى طريراً وسيما بعدما طرشار به فسألها فقالت له هو ابن عم لي فردها إليه وفي قلبه منها شرر النيران وذكر الخوائطي أن المهدي خرج إلى الحج حتى إذا كن بزبالة وجلس يتغدى إذا بشاب بدوي دخل عليه وبكى وقال يا أمير المؤمنين إني عاشق ورفع صوته فقال للحاجب ويحك ما هذا قال إنسان يصيح أني عاشق قال أدخلوه فأدخلوه فقال من عشيقتك قال ابنة عمي قال ألها أب قال نعم قال فماله لا يزوجك بها قال ههنا شيء يا أمير المؤمنين قال ما هو قال إني هجين والهجين الذي أمه ليست بعربية قال له المهدي فما يكون قال إنه عندنا عيب فأرسل في طلب أبيها فأتى به فقال هذا ابن أخيك قال نعم قال فلم لا تزوجه كريمتك فقال له مثل مقالة ابن أخيه وكان من أولاد العباس عنده جماعة فقال هؤلاء كلهم بنو العباس وهم هجن فما الذي يضرهم من ذلك قال هو عندنا عيب فقال له المهدي زوجه إياها على عشرين ألف درهم عشرة آلاف للعيب وعشرة آلاف مهرها قال نعم فحمد الله وأثنى عليه وزوجه إياها وأتى ببدرتين فدفعهما إليه فأنشأ الشاب يقول:
ابتعت ظبية بالغلاء وإنما ... يعطي الغلاء لمثلها أمثالي
وتركت أسواق القباح لأهلها ... إن القباح وإن رخصن غوالي
وعرض خالد بن عبد الله القسري سجنه يوماً فكان فيه يزيد بن فلان العجلي فقال له خالد في أي شيء حبست يا يزيد قال تهمة أصلح الله الأمير قال أفتعود إن أطلقتك قال نعم أيها الأمير وكره أن يعرض بقصته لئلا يفتضح معشوقه فقال خالد حضروا رجال الحي حتى نقطع يديه بحضرتهم وكان ليزيد أخ فكتب شعراً ووجه به إلى خالد.
أخالد هذا مستهام متيم ... رمته لحاظ أنه غير سارق
اقر بما لم يأته المرء إنه ... رأى القطع خيراً من فضيحة عاتق
ولو الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في أمر له غير ناطق
إذا أبدت الرايات للسبق في العلا ... فأنت ابن عبد الله أول سابق
فلما قرأ خالد الأبيات علم صدق قوله فأحضر أولياء الجارية فقال زوجوا يزيد فتاتكم فقالوا أما وقد ظهر عليه ما ظهر فلا فقال إن لم تزوجوه طائعين لتزوجونه كارهين فزوجوه ونقد خالد المهر من عنده وذكر أحمد بن الفضل الكاتب أن غلاماً وجارية كانا في كتاب فهواها الغلام فلم يزل يتلطف بمعلمه حتى صيره قريباً منها فلما كان في بعض أيامه في غفلة من الغلمان كتب في لوح الجارية.
стр. 61
ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من طول حبك حتى صار حيرانا
فلما قرأته الجارية أغرورقت عيناها بالدمع رحمة له وكتبت تحته:
إذا رأينا محباً قد أضر به ... طول الصبابة أوليناه إحسانا
جاء المعلم فسمع ذلك منمهما فأخذ اللوح وكتب هذين البيتين.
صلي العريف ولا تخشين من أحد ... أمسى العريف صغير السن ولهانا
أما الفقيه فلا يسطو عليه أذى ... فإنه قد بلي بالعشق ألوانا
وذكر الخرائطي عن أبي عساف قال مر أبو بكر ﵁ بجارية وهي تقول:
وهويته من قبل قطع تمائمي ... متماشياً مثل القضيب الناعم
فسألها أحرة أنت أم مملوكة فقالت مملوكة فقال من هواك فتلكأت فأقسم عليها فأنشدت:
وأنا التي لعب الغرام بقلبها ... قتلت بحب محمد ابن القاسم
فاشتراها من مولاها وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب وقال هؤلاء فتن الرجال فكم والله قد مات بهن كريم وعطب بهم سليم ودخلت عزة على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز وكانت من العابدات فقالت لها ما معنى قول كثير:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
ما كان هذا الدين قالت وعدته قبلة ومطلته ثم خرجت منها فقالت أنجزيها وعلي إثمها حدث محمد بن عبد الله بن أبي مليكة عن أبيه عن جده قال دخل عبد الرحمن ابن أبي عمار وهو يومئذ فقيه الحجاز على نخاس يعرض جواري فعشق منهن واحدة واشتهر بذلك حتى مشى إليه عطاء وطاوس ومجاهد يدلونه فكان جوابه.
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فلا أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر فلم يكن همه غيره فبعث إلى سيد الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم وأمر قيمة جواريه أن تطيبها ففعلت ودخل الناس عليه فقال مالي لا أرى ابن أبي عمار فأخبر أنه منقطع في منزله لفرط ما به فأتاه ابن جعفر فلما رآه أراد أن ينهض فاستجلسه وقال له ما فعل حب فلانه قال هو في اللحم والدم والعصب والعظام قال أتعرفها إن رايتها قال أو أعرف غيرها قال فأنا قد ضممنا إليها واحدة والله ما نظرت إليها وأمر بها فخرجت في الحال إليها فقال هي هذه قال نعم بأبي أنت وأمي قال فخذ بيدها فقد جعلتها لك أرضيت قال أي والله وفوق الرضا فقال له ابن جعفر لكن والله لا أرضى أن أعطيكها هكذا احمل إليه يا غلام مائة ألف درهم.
الباب السابع عشر
ذكر دواء علة الجوى
أقول هذا باب عقدناه لذكر دواء الحب الذي أعجز أهل الطب فهم فيه حيارى سكارى وما هم بسكارى على أن الذي أجمعوا عليه وأشاروا إليه أنه لا شفاء من هذا الداء العضال إلا بطيب الوصال مثل غمز النهدين وقرع الشفتين والتصاق البدنين.
؟؟؟؟؟؟ رأيت الحب ليس له دواء ... سوي وضع الصدور على الصدور
ولا سيما ممن بدت نهوده وتوردت خدوده وعذب مذاقه وطاب عناقه.
اعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل بعد العناق تداني
وألثم فاه كي تزول حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان
كأن فؤادي ليس يشفى غليله ... سوى أن ترى الروحان يمتزجان
وقال الآخر:
شفاء الحب تقبيل وشمّ ... ووضع للبطون على البطون
ورهز تذرف العينان منه ... وأخذ بالمناكب والقرون
وقال آخر:
أسقم قلبي ثم لم يبره ... عاقد زنار على خصره
لا تلتقي روحي مع جسمه ... حتى أرى صدري على بطنه
وقال أبو جعفر العدوي:
فسكر الهوى أدوى لعظمي ومفصلي ... إذا سكر الندمان من لذة الخمر
وأحسن من قرع المثاني ونقرها ... تراجع صوت الثغر يقرع للثغر
وقال أبو دهقان:
حدثنا عن بعض أشياخه ... أبو هلال شيخنا عن شريك
لا يشتفي العاشق مما به ... بالشم والتقبيل حتى....
وقال في الأغاني قال ابو العيناء أنشدت أبا العير قول المأمون:
ما الحب إلا قبل ... وغمز كف أو عض
ومن لم يكن ذا حبه ... فإنما يبغي الولد
ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد
стр. 62
فقال كذب المأمون وأكل من ... رطلين وربعاً بالميزان وأخطأ وأساء الأدب هلا قال كما قلت أنا:
وباض الحب في قلبي ... فوا ويلا إذا فرخ
وما ينفعني الحب ... إذا لم أكسر البربخ
وإن لم يطرح الأصلع ... فزجيه عن المطبخ
ثم قال لي كيف رأيت قلت عجباً من العجب قال كنت ظننت أنك تقول غير هذا قابل يدي فارفعها قلت قول المأمون إن نكح الحب فسد هذا على قول من يرى ذلك كما ذكر المرزباني أن أعرابياً قال علقت أمرأة كنت آتيها فأخذتها وما جرت بيننا ريبة قط إلا أني رأيت بياض كفها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يديها فقالت مه لا تفسد ما صلج فإنه ما نكح الحب إلا فسد. وحكى عن بعض الأدباء أنه كان يعشق جارية فقالت أنت صحيح الحب كامل الوفاء فقال نعم قالت فامض بنا حيث شئت فلما حصل في منزله لم يكن همه إلا أن رفع ساقيها وجعل يجامعها بجميع جوارحه فقالت له وهي في القالب.
أصرفت في ني ... وال ... مصلحة ... فارفق بفضلك إن الرفق محمود
فأجابها وهو في عمله لا يفتر:
ولم أ ... ذ ... من تبقى مودته ... لكن ذ ... هذا ذ ... مجهود
فنفرت من تحته وقالت يا فاسق أراك على خلاف ما قلت كأنك تجعل جماعي سبباً لذهاب حبك والله لا جمعني وإياك سقف بعد هذا أبداً وعلى هذا القول جماعة أعني أن الحب إذا نكح فسد ومنهم من قال لا يستحكم الحب إلا بعد إيقاع الوطء وأنه إذا وقع الوطء ازدادت المحبة ويسمونه مسمار المحبة كما قيل:
لم يصف حب لمعشوقين لم يذقا ... وصلاً يجل على كل اللذاذات
وقال هدبة بن الخشرم:
والله لا يشفى الفؤاد الهائما ... نفث الرقي وعقدك التمائما
ولا الحديث دون أن تلازما ... وتعلق القوائم القوائما
وقال آخر:
قولا لعاتكة التي ... في نظرة قضت الوطر
إني أريدك للنكاح ... ولا أريدك للنظر
لو كنت مقتنعاً بذ ... لك كان هذا للقمر
كان زهير بن مسكين يهوى جارية واستهام بها فلما أمكنته من نفهسا لم تر عنده ما يرضيها فذهبت ولم ترجع إليه بعد فقال فيها أشعاراً كثيرة منها:
تقول وقد قبلتها ألف قبلة ... كفاك أما شيء لديك سوى القبل
فقلت لها حب على القلب حفظه ... وطول سهاد تستفيض له المقل
فقالت وأيم الله ما لذة الفتى ... من الحب في قلب يخالفه العمل
وأما نكاح الطيف فاختلفوا فيه فذهب أبو تمام الطائي إلى أنه لا يفسد الحب بخلاف نكاح الحقيقة وخالفه في ذلك جماعة ومنهم من إذا أفضى إلى معشوقه اقتصر على الرشف وعفة النفس وخوف الوقوع في الكبيرة إذا كان محبوبه ممن لا يجوز له نكاحه كما قيل:
ولرب لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع
وقال آخر:
أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات القلب والبصر
لا يضمر السوء إن طال الوقوف به ... عف الضمير ولكن فاسق النظر
وقال آخر:
خود حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الحديث زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام
وسيأتي ما ورد في هذا المعنى في باب العفاف والثاني ما قاله العلماء في أسباب الباه وهو أن شهوة القلب ممتزجة بلذة العين وحب النفس معقودة باختيار الطبائع إلا ان يكون الحب تكلفاً لاستفراغ ماء الشهوة فيصير الحرص على الجماع على قدر الهوى والهوى على قدر المؤانسة فيمن وافقت عينه قلبه ونفسه طباعه ممن يحب تمكن حبه وارتفعت عنه شهوة الجماع فوقع فيما تكره المرأة من الرجل كما قيل:
رأت حبي سعاد بلا جماع ... فقالت حبلنا حبل انقطاع
إذا المحبوب لم يك ذا ممر ... رأى المعشوق كالشيء المضاع
وزعم بعضهم أن من جملة ما يتداوى به من لم يفز بالظفر السفر كما قال بعضهم:
إذا ما شئت أن تسلو حبيباً ... فأكثر دونه عدد الليالي
وقال آخر:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
стр. 63
على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود
وقال الآخر:
وقالوا دواء الحب حب يزيله ... لآخر أو طول التمادي على الهجر
وقال آخر:
تداويت من ليلى بليلى من الهوى ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
وذكر الحافظ أبو عبد الله البخاري في تاريخه بإسناده أن محمد بن داود صنع خاتماً ونقش عليه سطرين الأول وما وجدنا لأكثرهم من عهد الثاني فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وكان إذا رأى رجلاً يلح بالنظر إلى الأحداث قال له اقرأ ما على الخاتم فلعله ينتهي عن ذلك والله أعلم. وقال شمس الدين ابن الأكفاني في كتابه غنية اللبيب عند غيبة الطبيب ما نصه إذا شرب العاشق طبيخ الحرمل سلا العشق وكذلك النيلج الهندي إذا شرب منه أربع شعيرات بالماء قبل أن يتمكن منه العشق سلا وكذلك الحجر الموجود بعض الأوقات في أجواف الدجاج إذا رمي في ماء وشربه العاشق سلا وكذلك أن علق عليه أيضاً وكذلك حجر السلوان ومحكه باللبن ومن علق عليه حجر الللقق وهو عاشق سلا وإن كان حزيناً زال حزنه ومن كان عاشقاً لذكر وتمرغ في مناخ بغلة زال عشقه انتهى.
تنبيه التداوي بالجماع لا يبيحه الشرع بوجه ما إذا كان المحبوب ممن لا يجوز نكاحه وأما التداوي بالضم والقبل فإن تحقق الشفاء به كان نظير التداوي بالخمر عند من يبيحه بل هذا أسهل من ذاك فإن شربه من الكبائر وهذا الفعل من الصغائر.
شربة فيستعمل البوس والعناق والشفاه الرقاق في قاعة وأيوان وبركة وشاذروان وطعام سبعة ألوان وبنفسج ونرجس وأس ومنتور وورد وريحان ودنان خندريس وألف دينار في كيس وجارية من بني الأتراك بساق سمين وطرفاً كحيل تستعمل هذه الحوائج على نطع أحمر ذي نقش أخضر وبعد هذا يدخل الحمام فإنه مجرب والسلام.
شربة أخرى يؤخذ ثلاث مثاقيل من صافي وصال الحبيب ومثقال من عيدان الجفاء وخوف الرقيب وثلاث مثاقيل من نوي الاجتماع منقاة من غلث الهجر والانقطاع وواقية من خالص الود والكتمان منزوعة من عيدان الصد والهجران ويؤخذ عطر البخور ولثم الثغور وضم الخصور من كل واحد مثقالان ويؤخذ مائة بوسة رمانية محكوكة مرضوضة منها خمسون صغاراً سكرية وثلاثون زق الحمام وعشرون عصافيريه ويؤخذ غنج حلبي وشخير عراقي من كل واحد مثقالان ويؤخذ أوقيتان من مص اللسان ولثم الفم مع الشفتين ويدق الجميع ويخلط ويذر على وزن ثلاثة دراهم غلمة مصرية ويضاف إليها حسن الأعكان المطوية ويغلى الجميع بماء المحبة على شراب الأنس وحطب الطرب في مرجل العجلة ويصفي الجميع على معقد دمشقي سلطاني ويحل فيه أوقيتان من شراب الرضا ويشرب على الريق ثلاثة أيام ويكون الغذاء مزورة من يقطين الاشتياق ويضاف إليها قلب لوز العناق وماء ليمون الاتفاق ويتناول بعد ذلك ثلاثة أرطال من المدام وتتبع برطلين من شيل الساقين ويدخل الحمام فإنه نافع والسلام. سيف قاطع وبرق لامع ساطع فيما يتعلن بدواء علة الجوى وهو ما حكاه أرباب الرياضي في الاعداد ربعة وثمانين ومائتين وتسمى العدد المحب وصورته بالقلم الطبيعي هذه.
وحروف نقطه دفر وفي الأعداد يقال له المحبوب وهو مائتان وعشرون وصورته بالقلم الطبيعي هذه.
стр. 64
وحروف نقطه كر فعدد عشرين ومائتين يحبه أبداً عدد ربعة وثمانين ومائتين فإذا كان عند إنسان خاتم أو لوح فضة أو ما أمكن من المعادن يكون وزنه ٢٢٠ وعند إنسان خاتم ثان أو لوح زنته زنة الثاني من العددين فإن الذي عنده أربعة وثمانون ومائتان يحب الذي عنده عدد عشرين ومائتين فإن أردت الاستعطاف وجذب القلوب وأخذ النفوس فاكتب في رقعة صورة الأعداد الأربعة وثمانين ومائتين بالقلم الطبيعي المتقدم صفته واكتب في رقعة أخرى صورة الأعداد المائتين وعشرين وأمسك الرقعتين بين اللذين قد تباغضا فإنهما يتحابان وما يكون بينهما شر ما دامت الرقعتان معهما فإن لم يمكن ذلك فالق الرقعتين في حق نظيف واكتب اسم كل واحد منهما أو لقبه المشهور وضع الحق في موضع يمران عليه فإنهما يتحابان وإن كتبت الأعداد المتحابة بماء وسكر وسقيت كلا منهما فإنهما يتحابان وأعجب من ذلك أنك تطعم إنساناً قد أبغض أخر أربعة وثمانين حبة رمان ومائتين وتطعم الآخر المبغوض في ذلك الوقت بعينه مائتين وعشرين حبة من الرمان فإنهما يتحابان ومما يؤكد المحبة فيما ذكر بعض الحكماء أنه إذا وصلت بلة من ريق كل من المتحابين إلى معدة الآخر اختلط ذلك بجميع البدن ووصل إلى جرم الكبد وكذ إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه فإنه يخرج من ذلك النفس شيء يختلط بأجزاء الهواء فإذا استنشقاه دخل في الخياشيم فوصل بعضه إلى الدماغ فسرى فيه كسريان النوم في جرم القلب ووصل بعضه إلى الرئة ثم إلى القلب فدب إلى العروق الضوارب في جميع البدن فينعقد من بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصير مزاجاً فيتولد العشق وتتأكد المحبة قال الشيخ مغلطاي وهذا الذي أميل إليه ويوشك أن يدوم ويثبت ولا يغيره مر الليالي وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
فصل
стр. 65
اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته فقالت طائفة لا يجب عليه ذلك لأنه حق له فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه بمنزلة من استأجر دار إن شاء سكنها وإن شاء تركها وهذا من أضعف الأقوال لأن القرآن والسنة والعرف والقياس يرده قال الله تعالى ولهن مثل الذي علين بالمعروف فإذا كان الجماع حق الزوج عليها فهو حق لها على الزوج بنص القرآن وقال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوته أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه في الرد عليه وقالت طائفة يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر وتخير المرأة بعد ذلك إن شاءت تقيم معه وإن شاءت تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة وهو أمثل القولين مع ما فيه وقالت طائفة يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشروها بالمعروف قالوا وعليه أن يشبعها وطأ إذا أمكنه كما عليه أن يشبعها قوتاً وكان ابن تميمة يرجح هذا القول ويختاره قال تلميذه ابن قيم الجوزية وقد حض النبي ﷺ على استمعال هذا ورغب فيه وعلق عليه الأجر وجعله صدقة لفاعله فقال وفي بضع أحدكم صدقة ففي هذا كمال اللذة وكمال الإحسان وحصول الأجر وفرح النفس وذهاب أفكارها الرديئة عنها وخفة الروح وذهاب كثافتها وغلظها وخفة الجسم واعتدال المزاج وجلب الصحة ودفع المواد الردئية فإن صاف ذلك وجهاً حسناً وخلقاً دمثاً أي سهلاً وعشقاً وافراً ورغبة تامة واحتساء باللثواب فذلك اللذة التي لا يعادلها شيء ولا سيما إذا وافقت كمالها فإنها لا تكمل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوب والأذن بسماع كلامه والأنف بشم رائحته والفم بتقبيله واليد بلمسه وتنعكف كل جارحة على ما تطلبه من لذاتها ويقابله المحبوب بنظير ذلك فإن فقد من ذلك شيء لم تزل النفس متطلعة إليه متقاضية له فلا تسكن كل السكون ولذلك تسمى المرأة سكناً لسكون النفس إليها ولذلك فضل جماع النهار على جماع الليل وله سبب آخر طبيعي وهو أن الليل وقت تبرد فيه الحواس وتطلب حظها من السكون والنهار محل انتشار الحركات فذلك قوله تعالى: " وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً " وكان محمد بن المنكدر يدعو في صلاته ويقول اللهم قوم لي ذكري فإن فيه صلاحاً لأهلي وقال عبد الله بن صالح كان الليث بن سعد إذا غشى أهله يقول اللهم شد لي أصله وارفع لي صدره وسهل على مدخله ومخرجه وارزقني لذته وهب لي ذرية صالحة تقتل في سبيلك قال وكان جهورياً فكان يسمع ذلك منه وقال علي بن عاصم حدثناً خالد الحذاء قال لما خلق الله آدم وخلق حواء قال يا آدم اسكن إلى زوجك فقالت حواء يا آدم ما أطيب هذا زدنا منه.
الباب الثامن عشر
تعنت المعشوق
على الصب المشوق وغير ذلك من أقسام الهجر
وصبر القابض فيه على الجمر
أقول هذا باب عقدناه لذكر الجني وقول المحبوب إليك عني فهو باب لمن مر به حلو المذاق عطر الخلاق بالاتفاق لا يعرف طعمه إلا من ذاقه وعرف وصل الحبيب وفرقه ولم تزل العشاق تستحلي تجني الحبيب وتقول:
ضرب الحبيب زبيب ... شرط المحبة عند أرباب الهوى
إن المليح على التجني يعشق لا يصدهم حد ولا يقفون من سيوف اللحاظ عند حد فكم رأوا جور الحبيب عدلاً وقالوا لخده إذا أقبل أهلاً وسهلاً لا يأخذهم فيه لومة لائم ولا يعدون جور بارد الظلم من المظالم:
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه ... حلواً فقد جهل المحبة وادعى
والعلم المشهور في هذا الباب قول عليه بنت المهدي:
جبل الحب على الجور فلو ... أنصف المحبوب فيه لسمج
ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
كأنها ذهبت في البيت الأول إلى قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسل والكتب
وقد زاد النميري على هذا فقال: راحتي في مقالة العذال.
وشفائي في قولهم لا تغال لا يطيب الهوى ولا يحسن الحب لصب لصب إلا بخمس خصال:
стр. 66
بسماع الأذى وعذل نصيح ... وعتاب وكاشح ومطال
وقال جميل بن معمر:
لا خير في الحب وقفاً لا تحركه ... عوارض اليأس او يرتاحه الطمع
لو كان لي صبرها أو عندها جرعى ... لكنت أملك ماآتى وما أدع
ومن أبلغ ما قيل في عنت الأحباب قول بعض الأعراب في محبوبته:
شكوت فقلت كل هذا تبرما ... بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الوجد قالت تعنتا ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها أو صبري يسوءها وتجزع من بعدي وتنفر من قربي فيا قوم هل من حيلة تعرفونها أشيروا بها واستوجبوا الأجر من ربي: وقد قسموا الهجر على أربعة أقسام فقالوا هجر دلال وهجر ملال وهجر مكافأة على الذنب وهجر يوجبه البغض المتمكن في الصدور فأما هجر الدلال فهو ألذ كثير من الوصال وعليه عقدت هذا الباب قال كشاجم:
لولا أطراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا
هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذة حتى تصيب غليلا
وقال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يخشى ويتقي
وقال أيضاً:
زيدي أذى مهجتي أزدك هوى ... فأجهل الناس عاشق حاقد
وقال آخر:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
ويستحب لمن وسم بالجمال وأخذ بقلوب النساء والرجال أن يكون كثير التذلل قليل التبذل.
فقد قال ابن وكيع:
قالوا عشقت كثير التيه ممتنعاً ... فقلت هيهات عنكم غاب أطيبه
لو جاد هان وقلت الجو دعاته ... وإنما عزّ لما عز مطلبه
فإذا تبذل وأجاب كل من دعاه صار عرضة للظنون لأن النفس الحرة لا تنفك عن غيره وقد قال العباس ابن الأحنف:
يا قوم لم أهجركم لملالة ... مني ولا لمقال واش حاسد
لكنني جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
وأما هجر الملال فيثبطه مرور الأيام والليالي أما بتنائي الدار أو بطول الاختبار.
حكي أن متيم الهاشمية لما اشتراها على ابن هشام حظيت عنده واحبها حباً شديداً فاتفق أنها غضبت عليه في وقت من الأوقات وتمادت في غضبها فترضاها فلم ترض فكتب إليها الإدلال يدعو إلى الملال ورب هجر دعا إلى الصبر وإنما سمى القلب قلباً لتقلبه وقد صدق عندي قول العباس بن الأحنف:
ما أراني إلا سأهجر من ليس ... يراني أقوى على الهجران
ملني واتقى بحسن إخاء ... ما أضر الإخاء بالإنسان
فلما قرأت الرقعة خرجت إليه من وقتها ورضيت وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب فالتوبة تزيله من القلب عند الاعتراف بالذنب ولا سيما إذا كان المحبوب.
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
يتقي الله في المحب وقد أفل ... ح من كان همه الاتقاء
وأما الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي فهو الذي لا دواء له قال الحصري وهذا لا يصح بين ذوي الإخلاص وذوي الاختصاص إذ حقيقة المشاكلة تمنعه وصحة المناسبة تدفعه والذي أقوله أنا أيضاً أن هذا القسم مرضه مما لا يمكن علاجه ولا يعذب أجاجه فالمحبوب فيه لا يلام ومحبته كمن يرقص في الظلام ويسلم على من لا يرد ﵇:
أحبابه كم يفعلون بقلبه ... ما ليس يفعله به أعداؤه
أخذه الأرجاني فقال:
أأحبابنا لم تجرحونا بهجركم ... فؤاداً يبيت الدهر بالهم مكمدا
إذا أردتوا قتلي وأنتم أحبة ... فلا فرق ما بين الأحبة والعدا
وقال آخر:
يطالبني قلبي بكم كل ساعة ... إذا أفلس المديون لج المطالب
ويشتاقكم شوق الذي مس الظما ... وقد منعت ظلماً عليه المشارب
إذا أردتوا قتلي وأنتم أحبة ... إذاًفالأعادي واحد والحبائب
الباب التاسع عشر
الدعاء على المحبوب
وما فيه من الفقه المقلوب
كقولي:
دعوت من الحبيب بعشق ظبي ... أقاسي منه أنواع الجفاء
стр. 67
فواصله وبالغ في صدودي ... فكان إذا على نفسي دعائي
أقول هذا باب عقدناه لذكر من قارب حلول رمسه وأراد أن يدعو على روحه فدعا على نفسه فهو يتشهى ويشتكي ويتشفى وينتكي لا يثبت على حال ولا يفرق بسيف اللحظ بين الماضي والحال فبينا هو يشكو من محبوبه إذا هو يشكو اليه وبينا هو يدعو له إذا هو يدعو عليه فمن أحسن ما قبل في الدعاء للمحبوب قول بلدينا محمد بن العفيف التلمساني رحم الله شبابه وجعل من الرحيق المختوم شرابه أعز الله أنصار العيون:
وخلد ملك هاتيك الجفون ... وضاعت بالفتور لها اقتداراً
وإن تك أضعفت عقلي وديني ... وصان حجاب هاتيك الثنايا
وإن ثنت الفؤاد إلى الشجون ... واسبغ ظل ذاك الشعر يوماً
على قديه هيف الغصون ... وخلد دولة الأعطاف فينا
وإن جارت على القلب الطعين وقوله أيضاً:
أدام الله أيام الوصال ... وخلد عمرها هاتيك الليالي
واسبغ ظل أغصان التواني ... وزاد قدودها حسن اعتدال
ولا زالت ثمارالأنس فيها ... تزيد لطافة في كل حال
ولا برحت لنا فيها عيون ... تغازل مقلتي خشف الغزال
وقال علاء الدين علي بن المظفر الكندي:
أدام الله أيام العذار ... وبارك في لياليه القصار
وأغنى الله روضة كل خد ... إذا استحيت عن الديم الغزار
ولا زالت مباسم كل ثغر ... لشائم برقها ذات افترار
ولا برحت على العشاق تضفو ... سياب العار في خلع العذار
وقال ابن أبي الحديد:
لا عانقتك من البرية كلها ... الأيدي اليمنى وبندقباكا
كلا ولا رشفت رضابك بعد ما ... قد ذقته من فيك إلا فاكا
وقال آخر:
يا رب إن قدّرته لمقبّل ... غيري فللمسواك أو للأكؤس
وإذا قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا رب فلتك شمعة في المجلس
وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... يارب فليك من عيون النرجس
ومن أحسن ما قيل في الدعاء على المحبوب قول شهاب الدين بن غانم:
والله ما أدعو على هاجري ... إلا بأن يمعن بالعشق
حتى يرى مقدار ما قد جرى ... منه وما قد تم في حقي
وقال الآخر:
يا ذا الذي كل يوم ... يزيد عقلي خبالا
ولهتني فيه حتى ... أعاد رشدي ضلالا
أدعو عليك وقلبي ... يقول يا رب لا لا
وقال الآخر وأحسن ما شاء:
قد قلت لامت حتى ... أراك في العشق مثلي
وقلت في السر مني ... لا يا رب لا تستجيب لي
وقال الآخر:
أيها المعرض صفحاً ... عن خطابي وجوابي الضياع
لا أزال الله عمري ... أو يريني بك ما بي
ربي فاجعله دعاء ... خائباً غير مجاب
رق قلبي أن يرى ... قلبك في مثل عذابي
وقال الآخر:
يا رب إن لم يكن في وصله طمع ... ولم يكن فرج من طول جفوته
فاشف السقام الذي في طرف مقلته ... واستر ملاحة خديه بلحيته
وقال الآخر:
كم جفاني فرمت أدعو عليه ... فتوقفت ثم ناديت ذاهل
لا شفى الله طرفه من سقام ... وأراني عذاره وهو سائل
وقال ابن سنا الملك:
أسر لطول أسري في يديه ... فيغضب إذ أسر لطول أسري
سألت الله أن يبلى بعشق ... فيصبح عاشقاً لكن لهجري
وقال ابن وكيع:
إن كنت تعلم ما بي ... وأنت بي لا تبالي
فصار قلبك قلبي ... وصرت في مثل حالي
بل عشت في طيب عيش ... تفديك نفسي ومالي
دعوت إذ ضاق صدري ... عليك ثم بدا لي
وقوله أيضاً:
فهم غالط مني فهماً ... جاءني يسأل عما علما
مقسماً ما بلغته علتي ... كاذب والله في ما زعما
رزق المظلوم منا رحمة ... ثم لا أدعو على من ظلما
стр. 68
وقال ابن منقذ:
يا ظالماً يعرض عني إذا ... دعوت غضبان على ظالمي
أظنه أنت وإلا فلم ... تخشى دعائي دون ذا العالم
يا رب لا تسمعه فيه وإن ... كان دعاء المغرم الهائم
وقال الآخر:
قلت لمحبوبي وقد مر بي ... محبوبه كالقمر الساري
هذا الذي يأخذ لي طرفه ... من طرفك الوسنان بالثأر
وقال الآخر:
ولما بدا لي أنه غير زائري ... وإن هواه ليس عني بمنجلي
تمنيت أن يهوى سواي لعله ... يقاسي مرارات الهوى فيرق لي
الباب العشرون
الخضوع وانسكاب الدموع
أقول هذا باب عقدناه لذكر من أصبح دمعه مسكوباً على مسكوب فبات وهو من جريانه كالرمح كما قيل انبوب على انبوب ولا إذا تمادى الهجر أو كان عليه بعض حجر هنالك يرى من انسكاب عبرته العبر وينشد إذا عزم الخليط على السفر:
ومفارق سكن القلوب ... فلا خلت منه الربوع
بعث الرسول وقال لي ... وأنا السميع له المطيع
بالله قل لي ما جرى ... بعدي فقلت له الدموع
وقال الآخر:
قال لي من أحببت والبين قد جدّ ... وفي مهجتي لهيب الحريق
ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت ابكي عليك طول الطريق
وما أحسن قول القاضي الفاضل ﵀:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟ قد استخدمت بالافكار سرى ... وما أطلقت لي بالوصل أجره
ولم أرنى على الايام إلا ... عقدت مودَة وحللت صره
ولا استمطرت سحب العين إلا وصرت بادمعي في الشمس عصره وقوله أيضاً وهو من نثره الذي أصبح بين النجوم نثره فيصير حتى تنجلي هذه الغمرة وتقلع سحائب هذه السكرة وتجف مناديل الجفون فإنها صارت بالدموع عصره فقاتل الله البين ما أكثر فضوله بدخوله بين المحبين وفي هذا المعنى الباهر يقول ابن عبد الظاهر:
لا تسلني عن اول العشق اني ... أنا فيه قديم هجر وهجره
من دموعي ومن جبينك أرد ... ت غرامي بمستهل وغره
ومن معاني المتنبي الغريبة قوله:
أتراها لكثرة العشاق ... محسب الدمع خلقه في المآق
وقوله أيضاً:
لاتعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه
ان الفتيل مضرجاً بدموعه ... مثل الفتيل مضرجاً بدمائه
وقوله أيضاً:
وهبت السلو لمن لامني ... وبت من الشوق في شاغل
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل
وقول الآخر:
شقت عليه يد الأسى ... ثوب الدموع إلى الذيول
وقال الآخر في الخضوع وانسكاب الدموع:
ولم أنس لا أنسى ذاك الخضوع ... وفيض الدموع وغمز اليد
وخدي مضاف إلى خدها ... قياماً إلى الصبح لم نرقد
وقال إبراهيم بن المعمار:
وبي غضبان لا يرضيه إلا ... دموع ساكبات مستمرة
فما عطفت معاطفه بوصل ... وفي عيني بعد الهجر قطرة
وقال الآخر:
وقائلة ما بال عينيك مذ رأت ... محاسن هذا الشخص أدمعها هطل
فقلت زنت عيني بنظر طلعة ... فحق لها من فيض أدمعها غسل
وقال السري الرفاء:
بروحي من رد التحية ضاحكاً ... فجدد بعد اليأس في الوصل مطمعي
وحالت دموع العين بيني وبينه ... كأن دموع العين تعشقه معي
وقال ابن وكيع:
وسحاب إذا همي الماء فيه ... ألهب الرعد في حشاه البروقا
مثل ماء العيون لم يجر إلا ... ظل يذكي على القلوب الحريقا
وقلت من قصيدة حجازية:
خليلي روض الرقمتين طرازه ... إذا لمع البرق الحجازي مذهب
فلا تعجبا من سحب دمعي إذا همت ... فما كل برق لاح للعين خلب
وقلت من أخرى حجازية:
تزنى جفني القريح على الخدين قد وكفا ... فحسبه ما جرى من أدمعي وكفا
إن عز نظم دموعي حين أنثر ... فالدر ما عز حتى جاوز الصدفا
стр. 69
لا تعجبوا من وقا دمعي غداة جرى ... من عينيه ما جرى فالبحر فيه وفا
ما زلت أبكي على وادي العقيق إلى ... أن قيل هذاك من عينيه قد رعفا
وقلت أيضاً من قصيدة:
بكيت على أرض بها كنت ماشياً ... فأشبهت في دمعي صخرها الخنسا
تجرأت يا دمعي فلم تجرأ دائماً ... فيا دمع ما أجرى ويا قلب ما أقسى
وقلت أيضاً من قصيدة:
إن عيني على العقيق إذا لم ... يحك دمعي بلونه حمراء
منذ أمسى لجين دمعي نضارا ... صح عندي لعيني الكمياء
لا تسل ما جرى من الدمع لما ... صار من عاذلي على اجتراء
أطلع الليل أدمعي فوق خدي ... مثل ما تطلع النجوم للسماء
وقلت من قصيدة:
لأن فترت عيني بحر دموعها ... فثغر الذي أهوى كما قيل بارد
وإن حل طرفي بالدموع وكاءه ... فنهد الذي حيت بطرفي عاقد
وقلت من قصيد:
سقيت ببحر الدمع بارد أرضها ... وأرسلتها فيها على حين فترة
فيا طرف إن لم تسعف الصب بالبكى ... قطعت حبال الدمع من حيث رقت
وقلت من قصيدة:
خالفت فيك معنفاً ونصيحا ... وأطعت جفناً بالدموع قريحاً
فاعمل لقتلي محضراً فمدامعي ... كتبت لقلبي بالدما مشروحاً
صب على سفح المقطم دمعه ... تجري العيون به دماً مسفوحاً
لو شاهدت عيناك أحمر دمعه ... زكيت شاهد قلبه المجروحا
وقلت أيضاً:
الطرف من فقد الكرى ... يشكو الأسى إليه
والخد من فرط البكى ... ياما جرى عليه
وقلت:
ومن أرحم لوعتي ... وابعث خيالاً في الكرى
ودمع عيني لا تسل ... عن حاله ياما جرى
كان المسعودي شارح: المقامات رحمه الله تعالى كثيراً ما ينشد:
قالت عهدتك تبكي ... دماً حذار الثنائي
فلم تعوضت عنها ... بعد الدماء بماء
فقلت ما ذاك منى ... لسلوة وعزاء
لكن دموعي شابت ... من طول عمر بكائي
وقال آخر:
وقائله ما بال دمعك أبيضاً ... فقلت لها يا علو هذا الذي بقي
ألم تعلمي أن البكاء طال عمره ... فشابت دموعي مثلما شاب مفرقي
وعما قليل لا دموعي ولا دمي ... يرين ولكن لوعتي وتحرقي
وقال آخر:
وقائلة ما بال دمعك أسودا ... وقد كان مبيضاً وأنت نحيل
فقلت لها جفت دموعي من البكا ... وهذا سواد العين فهو يسيل
وقال آخر:
كانت دموعي حمراً يوم بينهم ... فمذ نأوا قصرتها بعدهم حرقى
قطفت باللحظ ورداً من خدودهم ... فاستقطر البين ماء الورد من حدقى
وقال الناشيء الأكبر:
بكت للفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لفقد الديار
كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار
الباب الحادي والعشرون
الوعد والأماني
وما فيهما من راحة المعاني
أقول هذا باب عقدناه لذكر الأماني التي لا بد منها ولا غنى عنها فلا أقل منها:
أعلل بالمنى قلبي لعلي ... أروح بالأماني الهم عني
وأعلم أن وصلك لا يرجى ... ولكن لا أقل من التمني
ولم يزل المحبون يعللون بالأماني نفوسهم ويترعون براح راحتها كؤسهم فمنهم من فاز بالأمنية قبل حلول المنية ومنهم من مات بأعظم غصة وما وقع له الحبيب على قصة:
من نال من دنياه أمنية ... أسقطت الأيام منها الألف
وهذا النوع الأخير كثير والسقيم به من المحبين جم غفير:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
نعم منهم من بات من وعد الحبيب مسلوب الرقاد بعيد من لقاء الردى على ميعاد: يصدق قول الحبيب ويكذبه ويمتحنه ويجربه ويقول:
ما زلت منتظراً لوعدك سيدتي ... في البيت ملتفتاً لقرع الباب
يا كاذباً وعده بلسانه ... من لي بعض لسانك الكذاب
стр. 70
طالما أيس من وعد المحبوب وتمسك من رؤية ساقه بمواعيد عرقوب كما قيل:
وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب
تنبيه قولهم في المثل مواعيد عرقوب يقال لمن وعد وعداً وأخلف وأصل المثل المذكور أن عرقوباً كان له أخ فسأله شيئاً فقال له عرقوب إذا طلع نخلي فلما أطلع قال: إذا أبلح فلما أبلح قال إذا أزهى فلما أزهى قال إذا أرطب فلما أرطب قال إذا صار تمراً فلما صار تمراً أخذه من اليل ولم يعط أخاه شيئاً فضرب به المثل في خلف الوعيد فقيل مواعيد عرقوب.
قال الشماخ:
وواعدتني ما لا أحاول نفعه ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وقال ابن حجاج:
فديت من لقيني مثل ما ... لقيته والحق لا يصعب
فقلت يا عرقوب أطمعتني ... فقال لم نفسك يا أشعب
وقلت أنا من قصيدة حجازية:
يهددني بالهجر في كل ليلة ... أصدق فيها وصله وأكذب
ولما وردنا ماء مدين قال لي: وحق شعيب أنت في الحب أشعب والناس في الأماني على قولين: فمنمهم من يرى راحة قلبه وتنفيس كريه فيريح بها النفس ويتعلق من ضيائها بحبال الشمس.
ومنهم من يقول:
ليس الترجي مما ينجي ... فيرى الأماني من الخداع
والوقوع في النزاع ولكل من القولين حجة ومذهب مسلوك المحجة ومن أحسن ما سمعته في القول الأول قول بعض بني الحرث.
أماني من سعدى حسان كأنما ... سقتنا بها سعدى على ظمأ بردا
منى أن تسكن حقاً تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا
وقول الآخر:
ولما حللنا منزلاً طله الندى ... أنيقاً وبستانا من النور حاليا
أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا
وقال أفلاطون الأماني حلم المستيقظ وسلوة المحزون.
وقال غيره: الأماني رفيق مؤنس إن لم ينفعك فقد ألهاك.
وقيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا فقال: ممازحة الحبيب ومحادثة الصديق وأماني تقطع بها أيامك.
وقال القاضي الفاضل: وأحسن ما شاء وجدت ريح كتبه وروح قربه فرجعنا إلى العادة وعادت أيامنا وصرنا إلى الحسني ورق كلامنا وعاودتنا المنى وما كادت تحطر وإن حطرت فإنها كلا منا:
أتمنى تلك الليالي المنيرا ... ت وجهد المحب أن يتمنى
وقال يا قوت الرومي
لله أيام تقضت بكم ... ما كان أحلاها وأهناها
مرت فلم يبق لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها
وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس:
أصبو إلى البان بانت عنه هاجرتي ... تعللاً بليالي وصلها فيه
عصر مضى وجلابيب الصبا قشب ... لم يبق من طيبه إلا تمنيه
وقال العفيف: أيحق كاتب الإنشاء للناصر داود.
لولا مواعيد آمال أعيش بها ... لمت يا أهل هذا الحي من زمن
وإنما طرف آمالي به مرح ... يجري بوعد الأماني مطلق الرسن
وقال ابن خفاجة:
وليل إذا ما قلت قد بان وانقضى ... تكشف عن وعد من الظن كاذب
ولا أنسى إلا أن أضاحك ساعة ... ثغور الأماني في وجوه المطالب
حسبت الدياجي فيه سود ذوائب ... لها عنق الآمال بيض الترائب
وقال آخر:
في المني راحة وإن عللتنا ... من هواها ببعض ما لا يكون
وقلت أنا:
رقي لصب غدا مما يكايده ... من دمعه الصب يجري في مجاريه
لم يبق فيه سوى روح يرددها ... لولا المني مات يا أقصى أمانيه
وقلت أيضاً:
يا طيب ريح سرى من نحوهم سحرا ... لولا تلافيه قلبي في الهوى تلفا
كم ذا أعلل قلبي بالنسيم وما ... أرى لداء غرامي في هواء شفا
وقال ابن زيدون:
لأسرحن نواظري ... في ذلك الروض النضير
ولآكلنك بالمني ... ولأشربنك بالضمير
وقال آخر:
علليني بموعد ... وامطلي ما حييت به
ودعيني أفوز منك ... بنجوى تطلبه
فعسى يعثر الزمان ... بحظي فينتبه
وقال آخر:
стр. 71
وشادن قلت له ... هل لك في المنادمة
فقال كم من عاشق ... سفكت في المني دمه
وقال أبو بكر الحاتمي:
لي حبيب لو قيل لي ما تمنى ... ما تعديته ولو بالمنون
أشتهي أن أحل في كل طرف ... لأراه بلحظ كل العيون
وقال أيضاً:
أما مني قلبي فأنت جميعه ... ياليتني أصبحت بعض مناك
يدني مزارك حين شط به النوى ... وهم أكاد به أقبل فاك
وقال الحسين بن الضحاك:
وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراكا
وإذا ما تنفس النرجس الغض ... توهمته نسيم شذاكا
خدع للمني تعللني فيك ... بإشراق ذا وبهجة ذاكا
ومما احتج به أرباب القول الثاني:
وأكثر أفعال الغواني إساءة ... وأكثر ما تلقى الأماني الكواذبا
وقال الخالدين:
ولا تكن عبد المني فالمني ... رؤس أموال المقاليس
وقال ابن شرف القيرواني:
غلف تمنوا في البيوت أمانينا ... وجميع أعمار اللئام أماني
وقال ابن المعتز:
لا تأسفن من الدنيا على أمل ... فليس باقيه إلا مثل ماضيه
وقال: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه تجنبوا المني فإنها تذهب بهجة ما خولتم وتصغر المواهب التي رزقتم. وقال رجل لابن سيرين رايت كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح فقال أنت رجل تكثر الأماني.
وحكى أن الحجاج مر ذات ليلة بدكان لبان وعنده بستوقة فيها لبن وهو يقول متمنياً أنا أبيع هذا اللبن بكذا وكذا وأشتري كذا ثم أبيعه فأكسب فيه كذا وكذا فيكثر مالي ويحسن حالي وأخطب بنت الحجاج وأتزوجها فتلد لي أبناً وأدخل إليها يوماً فتخاصمني فأضربها برجلي هكذا ورفس برجله فكسر البستوقة وتبدد اللبن فقرع الحجاج الباب ففتح له فضربه خمسين سوطاً وقال أليس لو رفست ابنتي هكذا فجعتني فيها.
وقال علي بن عبيدة الأماني مخايل الجهل.
وقال غيره الأماني تخدعك وعند الحقائق تدعك.
اتفق أن الزكي عبد الرحمن القوصي حضر عند الملك المظفر قبل أن يلي حماة وأنشده.
متى أراك ومن تهوى وأنت كما ... تهوى على رغمهم روحين في بدن
هناك أنشد والآمال حاضرة ... هنيت بالملك ولأحباب والوطن
فوعده الملك المظفر إذا تملك حماة أن يعطيه ألف دينار فلما ملكها أنشده:
مولاي هذا الملك فد نلته ... برغم مخلوق من الخالق
والدهر منقاد لما شئته ... فذا أوان الموعد الصادق
فوقع له بألف دينار وأقام معه ولزمته أسفار فأنفق فيها المال الذي أعطاه ولم يحصل بيده زيادة عليه فقال:
ذاك الذي أعطوه لي جملة ... قد استردوه قليلاً قليل
فليت لم يعطوا ولم يأخذوا ... وحسبنا الله ونعم الوكيل
فبلغ ذلك المظفر فأخرجه من دار كان قد أنزله بها فقال:
أتخرجني من كسر بيت مهدم ... ولي فيك من حسن الثناء بيوت
فإن عشت لم أعدم مكاناً يضمني ... وإن مت تدري ذكر من سيموت
فحبسه المظفر فقال ما ذنبي إليك قال قولك حسبي الله ونعم الوكيل فأمر بخنقه فلما أحس بذلك قال أعطيتني الألف تعظيماً وتكرمة يا ليت شعري أم أعطيتني ديتي قلت وقد عيب علي السلطان حقده عليه لأجل قوله حسبي الله ونعم الوكيل حتى قتله فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فكان حاله معه كما قيل:
فكنت كالمتمني أن يرى فلقا ... من الصباح فلما رآه عمى
والله القائل:
وبما يرجو الفتى نفع فتى ... خوفه أولى به من أمله
رب من ترجو به دفع أذى ... سوف يأتيك الأذى من قبله
ذكرت هنا قول الآخر:
لما بدا العارض في خده ... بشرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارض ممطر ... فجاءني فيه العذاب الأليم
وقال ابن سنا الملك من رسالة المحبوب وأنت الذي نفضني من يده ورفضني من باله وأنت الذي فصلني قبل أن يستكمل الوصول مدة حمله وفصاله.
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
стр. 72
لعل عيناً أصابتنا فلا نظرت ... أو واشياً قال في ما بيننا كذبا
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
لعل الرضا منكم وكيف مناله ... يسر فؤاد أساءه منكم الهجر
لعل صدى في النفس يروي أوامه ... وجمر جوى في القلب تخمد ناره
لعل عاطفة تدني إلى أمل ... قلباً تحير بين اليأس والطمع
؟ لعل عين الرضا ممن كلفت به يوماً تبهرج ما قالته حسادي
لعل زماناً قد تولى سينثني ... إلينا وقلباً قد قسا سيلين
لعل ذيول العفو والعفو واسع ... يجررها الجافي على مفرق الذنب
لعل سلو الفؤاد يعوده ... وذا غلط حاشي فؤادي أن يسلو
لعل وما تغني لعل وإنها ... علالة صب واستراحة هائم
ولا أقل من التعلل بلعل وما أقل غناها وأكثر عناها.
؟؟
الباب الثاني والعشرون
الرضا من المحبوب بأيسر مطلوب
أقول هذا باب عقدناه لذكر المحب المطبوع والعاشق القنوع ممن يقنع الحبيب بالنظر إذا حضر ويرضي منه بالسلام ولو مرة في العام فهو في الرضا منه بالنزر اليسير كما قيل.
قليلك لا يقال له قليل
أنا راض منكم بأيسر شيء ... يرتضيه من عاشق معشوق
بسلام على الطريق إذا ما ... جمعتنا بالاتفاق الطريق
وقال المعري:
لاقاك في العام الذي ولى ولم ... يسألك إلا قبله في القابل
إن البخيل إذا تمد له المدى ... في الجود هان عليه بذل الباذل
وقال جميل:
أقلب طرفي في السماء لعله ... يوافق طرفي طرفه حين ينظر
وقال أيضاً:
وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو استقين الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمني ... وبالأمل المرجو فد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا تلتقي وأوائله
قلت: انظر إلى هذا الشاعر الظريف والعاشق العفيف قد قنع من مناهل أحبابه بالوشل واكتفى باللمح من خلل الاستار والكلل ومن هذا المعنى المبتز قول ابن المعتز:
ألست أرى النجم الذي هو طالع ... عليها فهذا للمحبين نافع
عسى يلتقي في الأفق لحظي ولحظها فيجمعنا إذ ليس في الأرض جامع والعلم المشهور في هذا الباب قول بعض الأعراب:
أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك بنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه ... ويعلوها النهار كما علاني
كان الشيخ أثير الدين أبو حيان يقول عن صاحب هذين البيتين هذا العاشق القنوع وقال الآخر:
إلى الطائر النسر أنظر كل ليلة ... فإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو جميعاً ما تجن الضمائر
وقال بعض الأعراب:
وما نلت منها وصلها غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
ذكرت هنا ما حكى عن بعضهم أنه رأى امرأة حسناء في طاقة فأحبها ولازم المقام على بابها والمرور تحت الطاقة إلى أن أعيا وقل صبره وحصل على اليأس منها فدق الباب عليها فخرجت الجارية إليه فدفع إليها صفحة وقال دعي سيدتك تبول في هذه فبالت له في الصفحة وقالت للجارية أتبعيه وانظري ما يصنع بذلك فلم تزل تتبعه إلى أن دخل بعض الخربات فوضع ... في ذلك البول وقال يا ميشوم إذا فاتك اللحم فاشرب المرق.
وحكى ابن الجوزي في كتاب الأذكياء أن الهدهد قال لسليمان ﵊ أريد أن تكون في ضيافتي فقال له سليمان أنا وحدي فقال له بل والعسكر في جزيرة كذا في يوم كذا فمضى سليمان وجنوده إلى هناك فصعد الهدهد إلى الجو فصاد جرادة وخنقها ورمى بها في البحر وقال يا نبي الله كلوا فمن فاته اللحم نال من المرق فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولاً كاملاً أخذ بعضهم هذا المعنى فقال:
وكن قنوعاً فقد جرى مثل ... إن فاتك اللحم فاشرب المرقة
الباب الثالث والعشرون
اختلاط الأشباح
اختلاط الماء بالراح
стр. 73
أقول هذا باب عقدناه لذكر من أفرط في العناق إذا التفت الساق بالساق فأصبح هو ومحبيه كالشيء الواحد في رأي العين حتى عند الأحوال الذي يرى الشيء شيئين وذلك لفرط المحبة التي لا يشتفي قلب صاحبها بالوصال ولا تنقطع حبال دموعه بالاتصال كما قيل:
وكدت وهو ضجيعي أن أقول له ... من شدة الحب قد أبعدت فاقترب
وقال ابن الرومي:
أعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل بعد العناق تداني
وألثم فاه كي تزول حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه رشفاً ما سوى الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن ترى الروحان يمتزجان
وقال آخر:
سريت إليه والظلام كأنه ... صريع كري والنجم في الأفق شاهد
فلو أن روحي مازجت ثم روحه ... لقلت ادن مني أيها المتباعد
وقال أبو الحسين التونسي:
ثم اعتنقنا فترانا معاً ... في ظلمة الليل ونور العتاب
جسمين صارا في الهوى واحداً ... كشكلتين اختلطتا في كتاب
وقال خالد الكاتب
كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد
وقال نفطويه النحوي
ولما التقينا بَعد بُعد بمجلس ... تغازل فيه أعين النرجس الغض
جعلت اعتمادي ضمه وعناقه ... فلم يفترق حتى توهمته بعضي
وما أحسن قول أبي بكر الأربلي
هم الرقيب ليسعى في تفرقنا ... ليلاً وقد بات من أهواء معتنقي
عانقته فاتحدنا والرقيب أتى ... فمذ رأى واحداً ولى على حنق
وقال سيف الدين المشد
ولما زار من أهواه ليلاً ... وخفنا أن يلم بنا مراقب
تعانقنا لأخفيه فصرنا ... كأنا واحد في عقد كاتب
وقال آخر:
توهم واشبيننا بليل مزاره ... فهم ليسعى بيننا بالتباعد
فعانقته حتى اتحدنا تعانقاً ... فلما أتانا ما رأى غير واحد
قال قاضي القضاة كمال الدين بن العديم لما سمع هذين البيتين أمسكه امساك أعمى.
وقال أبو الفضل:
سقييا لعيش مضى والدهر يجمعنا ... ونحن نحكي عناقاً شكل تنوين
فصرت إذ علقت كفي حبائلكم ... بسهم هجرك ترمي ثم ينوين
ومثل هذا القول في عدم السلامة وتوجيه الملامة.
قول بن سنا الملك
وليلة بتنا بعد سكري وسكره ... نبذت وسادي ثم وسدته يدي
وبيننا كجسم واحد من عناقنا ... وإلا كحرف في الكلام مشدد
لو قال كحرف في النظام ما وقع في الملام لأن الحرف المشدد في اللفظ معدود عند العروضيين بحرفين وأما في الخط فلا فعلى هذا لا يتم له ما أراد ولو جعل ساعده للمحبوب كالوساد ولا عذر له لأن الوزن ساعده وأعانه على تحصيل هذه الفائدة وقال بعض شعراء الذخيرة:
بتنا وراء الحجاب يلحفنا ... برد وقار والشمل مشتمل
اثنان من شدة التعانق قد ... صارا كفرد بالروح يتصل
لو أن غيث السماء أمطرنا ... لم يصب الأرض تحتنا بلل
قال محمد بن عروس اجتمعت أنا وعلي بن الجهم في سفينة ونحن غير متعارفين فتذاكرنا ووجدته حلو المذاكرة فكان في بعض ما قاله أنا أشعر الناس فقلت له بماذا قال بقولي:
ألا رب ليل ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤاداً من فؤاد معذب
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الخمر في ما بيننا لم يشرب
فقلت له والله لقد أحسنت ولكني أشعر منك قال بأي شيء قلت بقولي:
لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بقيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... يوماً فما انفك لا خد ولا عضد
والأصل في هذا قول بشار بن برد وهو من الشعر الملوكي.
ومرتجة الأرداف مهضومة الحشا ... تمور بسحر عينها وتدور
إذا نظرت صبت عليك صبابة ... وكادت قلوب العشقين تطير
стр. 74
خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
ذكرت بقولي أن في أول الباب الأحوال الذي يرى الشيء شيئين قول بعض المغاربة في مليح له رقيب أحوال.
بأبي رشا يحوى مع الإحسان ... ملكية موضوعها إنساني
أحوى الجفون له رقيب أحول ... الشيء في إدراكه سيآن
يا ليته ترك الذي أنا مبصر ... وهو المخير في الغزال الثاني
وقال ابن اسرائيل من ذو بيت ... قد بالغ في حديثه بالمين
من قال رأيت مثله بالعين:
ما يبصر مثله سوى ذي حول ... من حيث يرى الواحد كالاثنين
وقول صدر الدين بن الوكيل:
يقولون لي لم ذا كلفت بأحوال ... يقلب بالزوجين قلت لهم عذرا
رأت كل عين حسن أوصاف أختها ... فعادت بطول الدهر تنظرها شزرا
الباب الرابع والعشرون
عود المحب كالخلال وطيف الخيال
وما في معنى ذلك
من رقة خصر الحبيب وتشبيه الردف بالكثيب
أقول هذا باب عقدناه لذكر من أدى به النحول إلى الذبول وأصبح كالطلل بين الطلول فهو من شدة الضر كما قال صردر:
وكم ناحل بين تلك الخيام ... تحسبه بين أطنابها
فمحبوبه في الجفاء واحد كالألف وهو في رقته كالخيال يمشي إلى خلف.
ولما رأتني كعود الخلال ... وجسمي كما ينسج العنكبوت
فقالت تموت إلي كم ت ... ... فقلت أني ... إلى أن أموت
والعلم المشهور في هذا الباب قول المتنبي:
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقال أيضاً:
ولو قلم القيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
وقال أيضاً:
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
وإني لأعشق من عشقكم ... نحولي وكل فتى ناحل
ولو زلتم ثم لم أبككم ... بكيت على حبي الزائل
وقال المعمار
ترك اصفراري والنحول كلاهما ... في العشق جسمي ينذر العشاقا
فكأنه ألف بخط مذهب ... جعل الدجى أرقى له أوراقا
وقلت أنا من قصيدة:
كأن ضباب الأفق ند سرت به ... نسيم الصبا من نحو أرض الأحبة
كأن الصدا بين الجبال متيم ... ولم يبق منه غير صوت وأنة
وقال المتنقل:
إن جفاني الكرى وواصل قوماً ... فله العذر في التخلف عني
لم يخل الهوى بجسمي شخصاً ... فإذا جاءني الكرى لم يجدني
وقال ابن لؤلؤ:
وأرقني خيال من حبيب ... ثناءت داره لما رآني
فمن سهري يلم فما أراه ... ومن سقمي يطوف فما يراني
وقال محي الدين بن عبد الظاهر:
أيها الصائد باللحظ ومن ... هو من دون الورى مقتنص
لا تسم طائر قلبي هرباً ... إنه من أضلعي في قفصي
وقال مضر المغربي:
أذابه الحب حتى لو توهمته ... بالوهم خلق لا عياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحركه ... لم يدره بعيان من يكلمه
وقال محاسن الشواء:
ضنيت وضن من أهوى بوصل ... وعاداني الخيال وكان عائد
فأشبهت الذي للسقم نقصاً ... وإن خالفته صلة وعارض
وقال الأرجاني:
ولولا سناها لم يروني من الضنى ... ولا أصبحوا من أجلها خصمائي
ولكن تجلت مثل شمس منيرة ... فلحت خلال الضوء مثل هباء
وقال آخر:
قد كان لي فيما مضى خاتم ... فدق جسمي فتمنطقت به
وزاد بي السقم فلو زج ... في مقلة النائم لم ينتبه
وقال أبو العتاهية:
لم يبق إلا القليل في ... وما أحسبها تترك الذي بقيا
وقال آخر:
стр. 75
رأيت العاشقين لهم جسوم ... براها الشوق لو نفخوا لطاروا
وقال بن عبد ربه:
ولما أن رأى أهلي سقامي ... تجاوز حده حد السقيم
سددت منافس النسمات عني ... مخافة أن أطير مع النسيم
وقال آخر:
وإذا عائد دنا لكلامي ... لعبت بي أنفاسه في الفراش
وقال آخر:
عبثت به أيدي الضنى فكأنه ... سر خفي في ضمير كتوم
أنحلني حبك يا متلفي ... وزادني الشوق فلم أعرف
وذبت حتى لو رمى بي الهوى ... في ناظر الناظر لم يطرف
وقال ناصر الدين الفقعسي:
يقول جسمي لنحولي وقد ... أفرط بي فرط ضنى واكتئاب
فعلت بي يا سقم ما لم يكن ... يلبس والله عليه الثياب
ومما ينخرط في هذا اليلك ما وصفت به الشعراء الخصر من الخول وقد بالغ ابن إسرائيل فيه حيث قال وأحسن في المقال:
واها على الخصر الرفيق وإنما ... قطع الطريق حديثه الموثوق
خصر أدير عليه معصم قبلة ... فكأن تقبيلي له تعنيق
وقال الشيخ صفي الدين الحلي:
مليح يغار الغصن عند اهتزازه ... ويخجل بدر التم عند شروقه
فما فيه معنى ناقص غير خصره ... وما فيه شيء بارد غير ريقه
قلت أخذه من قول بلدينا محمد بن العفيف التلمساني وأراد قصره على الحسن فقصر وجرى خلفه ليعثر على المعنى فاعثر عليه بل تعثر والفرق بينهما كما بين الأجاح والكوثر والخصر والخنصر ألا ترى قول ابن العفيف وحلاوة منطقه الظريف.
فكم يتجافى خصره وهو ناحل ... وكم يتحالىريقه وهو بارد
وكم يدعى صوناً وهذي جفونه ... بفترتها للعاشقين تواعد
وقال أيضاً:
شكوت إلى ذاك الجمال صبابة ... تكلف جفني أنه قط لا يغفو
فلانت لي الأعطاف والخصر رق لي ... ولكن تجافى الشعروا ناقل الردف
وقال أيضاً:
تلاعب الشعر على ردفه ... أوقع قلبي في العريض الطويل
يا ردفة جرت على خصره ... رفقاً به ما أنت إلا ثقيل
وعلى ذكر الردف ما أحسن قول الآخر:
للبدر من وجنته نكتة ... وفترة في الظبي من طرفه
إذا مشى جاذ به ردفه ... كأنه يمشي إلى خلفه
وقال الشيخ صفي الدين الحلي في مليح راقص:
جاء وفي قده اعتدال ... مهفهف ما له عديل
قد خففت عطفه شمال ... وثقلت جفنه شمول
ثم أنثى راقصاً بقد ... تثني إلى نحوه العقول
يجول ما بيننا بوجه ... فيه مياه الحيا تجول
ورنح الرقص منه عطفاً ... خف به اللطف والدخول
فعطفه داخل خفيف ... وردفه خارج ثقيل
وقال ابن رشيق:
أحمل أثقالي على ردفه ... وأمسك الخصر لئلا يضيع
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
سألت النقا والبان يحكي لناظري ... روادف أو أعطاف من طال صدها
فقال كئيب الرمل ما أنا حملها ... وقال قضيب البان ما أنا قدها
الباب الخامس والعشرون
ذكر ما يكابده الأحباب من الأمور الصعاب
وغير ذلك مما يقاسونه من تحمل المشاق وألم الفراق
كقوله:
شكى ألم الفراق الناس قبلي ... وروع النوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت
أقول هذا الباب عقدناه لذكر ما يقايسه المحب من ركوب الأخطار في طلب الأوطار فهو لا يزال مشغولاً بحاله متقلباً تحت أحماله يقاسي في طلب الحبيب من الأهوال ما هو أثقل من الجبال ويسمح في مقابلة اللمحة اليسيرة منه بالنفس والمال.
قال الطغرائي:
ومن طلب الأحبة كان اسخى ... ببذل النفس من كعب بن مامه
ومن طلب الغنائم لم يهب من ... نضى من دون مطلبه حسامه
وقال أيضاً:
لأكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
следующие страницы →