Полный текст (98 стр.). Показаны 71–98 · переход к 76.
стр. 71
وشادن قلت له ... هل لك في المنادمة
فقال كم من عاشق ... سفكت في المني دمه
وقال أبو بكر الحاتمي:
لي حبيب لو قيل لي ما تمنى ... ما تعديته ولو بالمنون
أشتهي أن أحل في كل طرف ... لأراه بلحظ كل العيون
وقال أيضاً:
أما مني قلبي فأنت جميعه ... ياليتني أصبحت بعض مناك
يدني مزارك حين شط به النوى ... وهم أكاد به أقبل فاك
وقال الحسين بن الضحاك:
وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراكا
وإذا ما تنفس النرجس الغض ... توهمته نسيم شذاكا
خدع للمني تعللني فيك ... بإشراق ذا وبهجة ذاكا
ومما احتج به أرباب القول الثاني:
وأكثر أفعال الغواني إساءة ... وأكثر ما تلقى الأماني الكواذبا
وقال الخالدين:
ولا تكن عبد المني فالمني ... رؤس أموال المقاليس
وقال ابن شرف القيرواني:
غلف تمنوا في البيوت أمانينا ... وجميع أعمار اللئام أماني
وقال ابن المعتز:
لا تأسفن من الدنيا على أمل ... فليس باقيه إلا مثل ماضيه
وقال: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه تجنبوا المني فإنها تذهب بهجة ما خولتم وتصغر المواهب التي رزقتم. وقال رجل لابن سيرين رايت كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح فقال أنت رجل تكثر الأماني.
وحكى أن الحجاج مر ذات ليلة بدكان لبان وعنده بستوقة فيها لبن وهو يقول متمنياً أنا أبيع هذا اللبن بكذا وكذا وأشتري كذا ثم أبيعه فأكسب فيه كذا وكذا فيكثر مالي ويحسن حالي وأخطب بنت الحجاج وأتزوجها فتلد لي أبناً وأدخل إليها يوماً فتخاصمني فأضربها برجلي هكذا ورفس برجله فكسر البستوقة وتبدد اللبن فقرع الحجاج الباب ففتح له فضربه خمسين سوطاً وقال أليس لو رفست ابنتي هكذا فجعتني فيها.
وقال علي بن عبيدة الأماني مخايل الجهل.
وقال غيره الأماني تخدعك وعند الحقائق تدعك.
اتفق أن الزكي عبد الرحمن القوصي حضر عند الملك المظفر قبل أن يلي حماة وأنشده.
متى أراك ومن تهوى وأنت كما ... تهوى على رغمهم روحين في بدن
هناك أنشد والآمال حاضرة ... هنيت بالملك ولأحباب والوطن
فوعده الملك المظفر إذا تملك حماة أن يعطيه ألف دينار فلما ملكها أنشده:
مولاي هذا الملك فد نلته ... برغم مخلوق من الخالق
والدهر منقاد لما شئته ... فذا أوان الموعد الصادق
فوقع له بألف دينار وأقام معه ولزمته أسفار فأنفق فيها المال الذي أعطاه ولم يحصل بيده زيادة عليه فقال:
ذاك الذي أعطوه لي جملة ... قد استردوه قليلاً قليل
فليت لم يعطوا ولم يأخذوا ... وحسبنا الله ونعم الوكيل
فبلغ ذلك المظفر فأخرجه من دار كان قد أنزله بها فقال:
أتخرجني من كسر بيت مهدم ... ولي فيك من حسن الثناء بيوت
فإن عشت لم أعدم مكاناً يضمني ... وإن مت تدري ذكر من سيموت
فحبسه المظفر فقال ما ذنبي إليك قال قولك حسبي الله ونعم الوكيل فأمر بخنقه فلما أحس بذلك قال أعطيتني الألف تعظيماً وتكرمة يا ليت شعري أم أعطيتني ديتي قلت وقد عيب علي السلطان حقده عليه لأجل قوله حسبي الله ونعم الوكيل حتى قتله فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فكان حاله معه كما قيل:
فكنت كالمتمني أن يرى فلقا ... من الصباح فلما رآه عمى
والله القائل:
وبما يرجو الفتى نفع فتى ... خوفه أولى به من أمله
رب من ترجو به دفع أذى ... سوف يأتيك الأذى من قبله
ذكرت هنا قول الآخر:
لما بدا العارض في خده ... بشرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارض ممطر ... فجاءني فيه العذاب الأليم
وقال ابن سنا الملك من رسالة المحبوب وأنت الذي نفضني من يده ورفضني من باله وأنت الذي فصلني قبل أن يستكمل الوصول مدة حمله وفصاله.
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
стр. 72
لعل عيناً أصابتنا فلا نظرت ... أو واشياً قال في ما بيننا كذبا
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
لعل الرضا منكم وكيف مناله ... يسر فؤاد أساءه منكم الهجر
لعل صدى في النفس يروي أوامه ... وجمر جوى في القلب تخمد ناره
لعل عاطفة تدني إلى أمل ... قلباً تحير بين اليأس والطمع
؟ لعل عين الرضا ممن كلفت به يوماً تبهرج ما قالته حسادي
لعل زماناً قد تولى سينثني ... إلينا وقلباً قد قسا سيلين
لعل ذيول العفو والعفو واسع ... يجررها الجافي على مفرق الذنب
لعل سلو الفؤاد يعوده ... وذا غلط حاشي فؤادي أن يسلو
لعل وما تغني لعل وإنها ... علالة صب واستراحة هائم
ولا أقل من التعلل بلعل وما أقل غناها وأكثر عناها.
؟؟
الباب الثاني والعشرون
الرضا من المحبوب بأيسر مطلوب
أقول هذا باب عقدناه لذكر المحب المطبوع والعاشق القنوع ممن يقنع الحبيب بالنظر إذا حضر ويرضي منه بالسلام ولو مرة في العام فهو في الرضا منه بالنزر اليسير كما قيل.
قليلك لا يقال له قليل
أنا راض منكم بأيسر شيء ... يرتضيه من عاشق معشوق
بسلام على الطريق إذا ما ... جمعتنا بالاتفاق الطريق
وقال المعري:
لاقاك في العام الذي ولى ولم ... يسألك إلا قبله في القابل
إن البخيل إذا تمد له المدى ... في الجود هان عليه بذل الباذل
وقال جميل:
أقلب طرفي في السماء لعله ... يوافق طرفي طرفه حين ينظر
وقال أيضاً:
وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو استقين الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمني ... وبالأمل المرجو فد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا تلتقي وأوائله
قلت: انظر إلى هذا الشاعر الظريف والعاشق العفيف قد قنع من مناهل أحبابه بالوشل واكتفى باللمح من خلل الاستار والكلل ومن هذا المعنى المبتز قول ابن المعتز:
ألست أرى النجم الذي هو طالع ... عليها فهذا للمحبين نافع
عسى يلتقي في الأفق لحظي ولحظها فيجمعنا إذ ليس في الأرض جامع والعلم المشهور في هذا الباب قول بعض الأعراب:
أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك بنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه ... ويعلوها النهار كما علاني
كان الشيخ أثير الدين أبو حيان يقول عن صاحب هذين البيتين هذا العاشق القنوع وقال الآخر:
إلى الطائر النسر أنظر كل ليلة ... فإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو جميعاً ما تجن الضمائر
وقال بعض الأعراب:
وما نلت منها وصلها غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
ذكرت هنا ما حكى عن بعضهم أنه رأى امرأة حسناء في طاقة فأحبها ولازم المقام على بابها والمرور تحت الطاقة إلى أن أعيا وقل صبره وحصل على اليأس منها فدق الباب عليها فخرجت الجارية إليه فدفع إليها صفحة وقال دعي سيدتك تبول في هذه فبالت له في الصفحة وقالت للجارية أتبعيه وانظري ما يصنع بذلك فلم تزل تتبعه إلى أن دخل بعض الخربات فوضع ... في ذلك البول وقال يا ميشوم إذا فاتك اللحم فاشرب المرق.
وحكى ابن الجوزي في كتاب الأذكياء أن الهدهد قال لسليمان ﵊ أريد أن تكون في ضيافتي فقال له سليمان أنا وحدي فقال له بل والعسكر في جزيرة كذا في يوم كذا فمضى سليمان وجنوده إلى هناك فصعد الهدهد إلى الجو فصاد جرادة وخنقها ورمى بها في البحر وقال يا نبي الله كلوا فمن فاته اللحم نال من المرق فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولاً كاملاً أخذ بعضهم هذا المعنى فقال:
وكن قنوعاً فقد جرى مثل ... إن فاتك اللحم فاشرب المرقة
الباب الثالث والعشرون
اختلاط الأشباح
اختلاط الماء بالراح
стр. 73
أقول هذا باب عقدناه لذكر من أفرط في العناق إذا التفت الساق بالساق فأصبح هو ومحبيه كالشيء الواحد في رأي العين حتى عند الأحوال الذي يرى الشيء شيئين وذلك لفرط المحبة التي لا يشتفي قلب صاحبها بالوصال ولا تنقطع حبال دموعه بالاتصال كما قيل:
وكدت وهو ضجيعي أن أقول له ... من شدة الحب قد أبعدت فاقترب
وقال ابن الرومي:
أعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل بعد العناق تداني
وألثم فاه كي تزول حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه رشفاً ما سوى الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن ترى الروحان يمتزجان
وقال آخر:
سريت إليه والظلام كأنه ... صريع كري والنجم في الأفق شاهد
فلو أن روحي مازجت ثم روحه ... لقلت ادن مني أيها المتباعد
وقال أبو الحسين التونسي:
ثم اعتنقنا فترانا معاً ... في ظلمة الليل ونور العتاب
جسمين صارا في الهوى واحداً ... كشكلتين اختلطتا في كتاب
وقال خالد الكاتب
كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد
وقال نفطويه النحوي
ولما التقينا بَعد بُعد بمجلس ... تغازل فيه أعين النرجس الغض
جعلت اعتمادي ضمه وعناقه ... فلم يفترق حتى توهمته بعضي
وما أحسن قول أبي بكر الأربلي
هم الرقيب ليسعى في تفرقنا ... ليلاً وقد بات من أهواء معتنقي
عانقته فاتحدنا والرقيب أتى ... فمذ رأى واحداً ولى على حنق
وقال سيف الدين المشد
ولما زار من أهواه ليلاً ... وخفنا أن يلم بنا مراقب
تعانقنا لأخفيه فصرنا ... كأنا واحد في عقد كاتب
وقال آخر:
توهم واشبيننا بليل مزاره ... فهم ليسعى بيننا بالتباعد
فعانقته حتى اتحدنا تعانقاً ... فلما أتانا ما رأى غير واحد
قال قاضي القضاة كمال الدين بن العديم لما سمع هذين البيتين أمسكه امساك أعمى.
وقال أبو الفضل:
سقييا لعيش مضى والدهر يجمعنا ... ونحن نحكي عناقاً شكل تنوين
فصرت إذ علقت كفي حبائلكم ... بسهم هجرك ترمي ثم ينوين
ومثل هذا القول في عدم السلامة وتوجيه الملامة.
قول بن سنا الملك
وليلة بتنا بعد سكري وسكره ... نبذت وسادي ثم وسدته يدي
وبيننا كجسم واحد من عناقنا ... وإلا كحرف في الكلام مشدد
لو قال كحرف في النظام ما وقع في الملام لأن الحرف المشدد في اللفظ معدود عند العروضيين بحرفين وأما في الخط فلا فعلى هذا لا يتم له ما أراد ولو جعل ساعده للمحبوب كالوساد ولا عذر له لأن الوزن ساعده وأعانه على تحصيل هذه الفائدة وقال بعض شعراء الذخيرة:
بتنا وراء الحجاب يلحفنا ... برد وقار والشمل مشتمل
اثنان من شدة التعانق قد ... صارا كفرد بالروح يتصل
لو أن غيث السماء أمطرنا ... لم يصب الأرض تحتنا بلل
قال محمد بن عروس اجتمعت أنا وعلي بن الجهم في سفينة ونحن غير متعارفين فتذاكرنا ووجدته حلو المذاكرة فكان في بعض ما قاله أنا أشعر الناس فقلت له بماذا قال بقولي:
ألا رب ليل ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤاداً من فؤاد معذب
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الخمر في ما بيننا لم يشرب
فقلت له والله لقد أحسنت ولكني أشعر منك قال بأي شيء قلت بقولي:
لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بقيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... يوماً فما انفك لا خد ولا عضد
والأصل في هذا قول بشار بن برد وهو من الشعر الملوكي.
ومرتجة الأرداف مهضومة الحشا ... تمور بسحر عينها وتدور
إذا نظرت صبت عليك صبابة ... وكادت قلوب العشقين تطير
стр. 74
خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
ذكرت بقولي أن في أول الباب الأحوال الذي يرى الشيء شيئين قول بعض المغاربة في مليح له رقيب أحوال.
بأبي رشا يحوى مع الإحسان ... ملكية موضوعها إنساني
أحوى الجفون له رقيب أحول ... الشيء في إدراكه سيآن
يا ليته ترك الذي أنا مبصر ... وهو المخير في الغزال الثاني
وقال ابن اسرائيل من ذو بيت ... قد بالغ في حديثه بالمين
من قال رأيت مثله بالعين:
ما يبصر مثله سوى ذي حول ... من حيث يرى الواحد كالاثنين
وقول صدر الدين بن الوكيل:
يقولون لي لم ذا كلفت بأحوال ... يقلب بالزوجين قلت لهم عذرا
رأت كل عين حسن أوصاف أختها ... فعادت بطول الدهر تنظرها شزرا
الباب الرابع والعشرون
عود المحب كالخلال وطيف الخيال
وما في معنى ذلك
من رقة خصر الحبيب وتشبيه الردف بالكثيب
أقول هذا باب عقدناه لذكر من أدى به النحول إلى الذبول وأصبح كالطلل بين الطلول فهو من شدة الضر كما قال صردر:
وكم ناحل بين تلك الخيام ... تحسبه بين أطنابها
فمحبوبه في الجفاء واحد كالألف وهو في رقته كالخيال يمشي إلى خلف.
ولما رأتني كعود الخلال ... وجسمي كما ينسج العنكبوت
فقالت تموت إلي كم ت ... ... فقلت أني ... إلى أن أموت
والعلم المشهور في هذا الباب قول المتنبي:
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقال أيضاً:
ولو قلم القيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
وقال أيضاً:
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
وإني لأعشق من عشقكم ... نحولي وكل فتى ناحل
ولو زلتم ثم لم أبككم ... بكيت على حبي الزائل
وقال المعمار
ترك اصفراري والنحول كلاهما ... في العشق جسمي ينذر العشاقا
فكأنه ألف بخط مذهب ... جعل الدجى أرقى له أوراقا
وقلت أنا من قصيدة:
كأن ضباب الأفق ند سرت به ... نسيم الصبا من نحو أرض الأحبة
كأن الصدا بين الجبال متيم ... ولم يبق منه غير صوت وأنة
وقال المتنقل:
إن جفاني الكرى وواصل قوماً ... فله العذر في التخلف عني
لم يخل الهوى بجسمي شخصاً ... فإذا جاءني الكرى لم يجدني
وقال ابن لؤلؤ:
وأرقني خيال من حبيب ... ثناءت داره لما رآني
فمن سهري يلم فما أراه ... ومن سقمي يطوف فما يراني
وقال محي الدين بن عبد الظاهر:
أيها الصائد باللحظ ومن ... هو من دون الورى مقتنص
لا تسم طائر قلبي هرباً ... إنه من أضلعي في قفصي
وقال مضر المغربي:
أذابه الحب حتى لو توهمته ... بالوهم خلق لا عياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحركه ... لم يدره بعيان من يكلمه
وقال محاسن الشواء:
ضنيت وضن من أهوى بوصل ... وعاداني الخيال وكان عائد
فأشبهت الذي للسقم نقصاً ... وإن خالفته صلة وعارض
وقال الأرجاني:
ولولا سناها لم يروني من الضنى ... ولا أصبحوا من أجلها خصمائي
ولكن تجلت مثل شمس منيرة ... فلحت خلال الضوء مثل هباء
وقال آخر:
قد كان لي فيما مضى خاتم ... فدق جسمي فتمنطقت به
وزاد بي السقم فلو زج ... في مقلة النائم لم ينتبه
وقال أبو العتاهية:
لم يبق إلا القليل في ... وما أحسبها تترك الذي بقيا
وقال آخر:
стр. 75
رأيت العاشقين لهم جسوم ... براها الشوق لو نفخوا لطاروا
وقال بن عبد ربه:
ولما أن رأى أهلي سقامي ... تجاوز حده حد السقيم
سددت منافس النسمات عني ... مخافة أن أطير مع النسيم
وقال آخر:
وإذا عائد دنا لكلامي ... لعبت بي أنفاسه في الفراش
وقال آخر:
عبثت به أيدي الضنى فكأنه ... سر خفي في ضمير كتوم
أنحلني حبك يا متلفي ... وزادني الشوق فلم أعرف
وذبت حتى لو رمى بي الهوى ... في ناظر الناظر لم يطرف
وقال ناصر الدين الفقعسي:
يقول جسمي لنحولي وقد ... أفرط بي فرط ضنى واكتئاب
فعلت بي يا سقم ما لم يكن ... يلبس والله عليه الثياب
ومما ينخرط في هذا اليلك ما وصفت به الشعراء الخصر من الخول وقد بالغ ابن إسرائيل فيه حيث قال وأحسن في المقال:
واها على الخصر الرفيق وإنما ... قطع الطريق حديثه الموثوق
خصر أدير عليه معصم قبلة ... فكأن تقبيلي له تعنيق
وقال الشيخ صفي الدين الحلي:
مليح يغار الغصن عند اهتزازه ... ويخجل بدر التم عند شروقه
فما فيه معنى ناقص غير خصره ... وما فيه شيء بارد غير ريقه
قلت أخذه من قول بلدينا محمد بن العفيف التلمساني وأراد قصره على الحسن فقصر وجرى خلفه ليعثر على المعنى فاعثر عليه بل تعثر والفرق بينهما كما بين الأجاح والكوثر والخصر والخنصر ألا ترى قول ابن العفيف وحلاوة منطقه الظريف.
فكم يتجافى خصره وهو ناحل ... وكم يتحالىريقه وهو بارد
وكم يدعى صوناً وهذي جفونه ... بفترتها للعاشقين تواعد
وقال أيضاً:
شكوت إلى ذاك الجمال صبابة ... تكلف جفني أنه قط لا يغفو
فلانت لي الأعطاف والخصر رق لي ... ولكن تجافى الشعروا ناقل الردف
وقال أيضاً:
تلاعب الشعر على ردفه ... أوقع قلبي في العريض الطويل
يا ردفة جرت على خصره ... رفقاً به ما أنت إلا ثقيل
وعلى ذكر الردف ما أحسن قول الآخر:
للبدر من وجنته نكتة ... وفترة في الظبي من طرفه
إذا مشى جاذ به ردفه ... كأنه يمشي إلى خلفه
وقال الشيخ صفي الدين الحلي في مليح راقص:
جاء وفي قده اعتدال ... مهفهف ما له عديل
قد خففت عطفه شمال ... وثقلت جفنه شمول
ثم أنثى راقصاً بقد ... تثني إلى نحوه العقول
يجول ما بيننا بوجه ... فيه مياه الحيا تجول
ورنح الرقص منه عطفاً ... خف به اللطف والدخول
فعطفه داخل خفيف ... وردفه خارج ثقيل
وقال ابن رشيق:
أحمل أثقالي على ردفه ... وأمسك الخصر لئلا يضيع
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
سألت النقا والبان يحكي لناظري ... روادف أو أعطاف من طال صدها
فقال كئيب الرمل ما أنا حملها ... وقال قضيب البان ما أنا قدها
الباب الخامس والعشرون
ذكر ما يكابده الأحباب من الأمور الصعاب
وغير ذلك مما يقاسونه من تحمل المشاق وألم الفراق
كقوله:
شكى ألم الفراق الناس قبلي ... وروع النوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت
أقول هذا الباب عقدناه لذكر ما يقايسه المحب من ركوب الأخطار في طلب الأوطار فهو لا يزال مشغولاً بحاله متقلباً تحت أحماله يقاسي في طلب الحبيب من الأهوال ما هو أثقل من الجبال ويسمح في مقابلة اللمحة اليسيرة منه بالنفس والمال.
قال الطغرائي:
ومن طلب الأحبة كان اسخى ... ببذل النفس من كعب بن مامه
ومن طلب الغنائم لم يهب من ... نضى من دون مطلبه حسامه
وقال أيضاً:
لأكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
стр. 76
وقال الإمام محمد بن داوود الظاهري:
حملت جبال الحب فيك وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسن ولا من سماحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف
وهذا البيت الأخير مثل قول الآخر:
وكم في الناس من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري
وقد أنصف هذا العاشق لاعترافه بأن ثم من هو أحسن من محبوبه ولكن غلبة الهوى وميل النفس أوقعاه في هواه ومن أحسن ما سمعته في طلب الأوطار وركوب الأخطار قول ابن خفاجة:
لقد جبت دون الحي كل تنوفة ... يحوم بها نسر السماء على وكر
وخضت ظلام الليل يسود فحمة ... ودست عرين الليث ينظر عن جمر
وجئت ديار الحي والليل مطرق ... منمنم ثوب الأفق بالأنجم الزهر
أشيم بها برد الحديد وربما ... عثرت بأطراف المثقفة السمر
فلم ألق الأصعدة فوق لامة ... فقلت قضيب قد أظل على نهر
ولا شمت الأغرة فوق أشقر ... فقلت حباب يستدير على خمر
فسرت وقلب البرق يخفق غيرة ... ههناك وعين النجم تنظر عن هناك وشزر
قلت أنظر إلى هذه الأبيات التي أفرغت في قالب عجيب وأسلوب غريب فبينا صاحبها يصف أدهم الليل إذ مالت عليه الخيل كل الميل وبينا هو يكافح الأسود إذا به يتنهد على النهود وبيننا هو يقيم قدود الملاح مقام الرماح إذا به يقول لخدودها:
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
قد أحسن فيها الاستعارة وساير بنظمها العالي وعددها السبعة السيارة فنظمه في النجوم ودمع المتلبي بحالته كالرجوم ومن شعره في هذا النمط ودره الداخل في هذا السقط قوله أيضاً:
وليل طرقت المالكية تحته ... أجد على حكم الشباب مزارا
فخالطت أطراف الأسنة أنجماً ... ودست بهالات البدور ديار
وقال أيضاً:
يعللني منه بوعد رشفة ... خيال له يغري بمطل وليان
شققت عليه لجة من صوارم ... عليها حباب من أسنة مران
وقال ابن بسام:
لقد صبرت على المكروه أسمعه ... من معشر فيك لولا أنت ما نطقوا
وفيك داريت قوماًلا أخلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا
وقال الآخر:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن يطلب العلياء لم يعيه المهر
وقال آخر:
يغوص البحر من طلب اللآلي ... ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم المجد ثم تنام ليلاً ... لقد أطمعت نفسك بالمحال
وقال المتنبي:
تريدين ادراك المعالي رخيصة ... ولا بدون الشهد من ابر النحل
الباب السادس والعشرون
طيب ذكر الحبيب
стр. 77
أقول هذا باب عقدناه لذكر من صال وجال وذكر محبوبه حين تكسرت النصال في كل موقف الوقوف فيه هزيمة والموت غنيمة ولا سيما إذا أقيمت القسيء مقام الحواجب والتبست الخود بنهود الكواعب واشتبهت الرماح بالقدود والببيض بحمرة الخدود هنالك يجعل حبيبه المشار إليه نصب عينيه ولا يلهيه عنه ضرب الحسام ولا جعله غرضاً للسهام وعلى هذا حكاية الطغرائي التي أربي فيها على عنترة العبسي وزاد بها في الوفاء بشرط المحبة على كل جني وأنسي وهي ما حكاه غير واحد من أرباب التاريخ ممن خبر وخبر وتصدى وتصدر وذلك أن مؤيد الدين فخر الكتاب أبا إسماعيل الحسين الأًبهاني المنشيء المعروف بالطغرائي كاتب الإنشاء للملك مسعود وبين أخيه السلطان محمود بالقرب من همدان والري وانهزم الملك مسعود كان أول من أخذ الطغرائي فلما عزم السلطان أخو مخدومه على قتله بعد أن قيل له عنه شياء من جملتها أنه ملحد وأنه يحب المملوك الفلاني من مماليك السلطان ممن كان السلطان يحبه ويميل إليه فأغروه عليه إلى أن أمر بقتله وأن يشد إلى شجرة وأن يقف تجاهه جماعة ليرموه بالسهام ففعل ذلك وأوقف إنساناً خلف الشجرة من غير أن يشعر به الطغرائي وأمره أن يسمع ما يقول وقال لأرباب السهام لا ترموه إلا إذا أشرت عليكم فوقفوا والسهام في أيديهم مفوقة لرميه وأخبرني بعض من حكى لي هذه الحكاية من أهل الأدب أن أول من فوق إليه السهم المملوك المتيم هو بحبه فأنشد الطغرائبي في تلك الحالة يقول:
ولقد أقول لمن يسدد سهمه ... نحوي وأطراف المنية شرع
والموت في لحظات أحور طرفه ... دوني وقلبي دونه يتقطع
بالله فتش عن فؤادي هل ترى ... فيه لغير هوى الأحبة موضع
أهون به لو لم يكن في طيه ... عهد الحبيب وسره المستودع
فمر السلطان بإطلاقه وحل وثاقه لما رآه من ثبات جنانه وسحر بيانه وقد زاد هذا العاشق على من تقدمه من المتصفين بهذا الوصف كابن عطاء السندي حيث يقول:
ذكرت والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت مني المثقفة السمر
فوالله ما أدري وإني لصادق ... أداء عراني من خيالك أم سحر
وقال عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف ... لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وما أرق قول الطغرائي أيضاً:
إني لأذكركم وقد بلغ الظمأ ... مني فأشرق بالزلال البارد
وأقول ليت أحبتي عاينتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد
وقال آخر:
ذكرت سلمى وحر الوغا ... كقلبي ساعة فارقتها
فشبهت سمر القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها
وقال ابن تميم:
ألا من يبلغ المحبوب أني ... وقفت وللظي حولي ضئيل
وأني جلت جيش الأعادي ... برمحي وهو في فكري يجول
وقال أيضاً:
ولقد ذكرتك والصوارم لمع ... من حولنا والسمهرية شرع
وعلى مكافحة العدو ففي الحشا ... شوق إليك تضيق عنه الأضلع
ومن الصبا وهلم جرا شيمتي ... حفظ الوداد وكيف عنه أرجع
وقال الشريف البياضي:
ولقد ذكرتك والطبيب معبس ... والجرح منغمس به المسبار
وأديم وجهي قد فراه حديده ... ويمينه حذراً على يسار
فشغلتني عما لقيت وأنه ... لتضيق منه برحبها الأقطار
وقال ابن رشيق:
ولقد ذكرتك في الشفينة والردى ... متلاطم متوقع الأمواج
والجو يهطل ةالرياح عواصف ... والليل مسود الذوائب داجي
وعلى السواحل للأعادي عسكر ... يتوقعون لغارة وهياج
وعلت لأصحاب السفينة ضجة ... وأنا وذكرك في ألذ تناجي
وقال أبو الثناء محمود:
ولقد ذكرتك والسيوف لوامع ... والموت يرقب تحت حصن المرقب
والحسن في شفق الدروع تخاله ... حسناء ترفل في رداء مذهب
والموت يلعب بالنفوس وخاطري ... يلهو بطيب ذكرك المستعذب
وقال صفي الدين الحلي:
стр. 78
ولقد ذكرتك والعجاج كأنه ... مطل الغنى وسوء عيش المعسر
والسوس بين مجتدل في جندل ... منا وبين مغفر في مغفر
ظننت أني في صباح مسفر ... بضياء وجهك أو مساء مقمر
تعطرت أرض الكفاح كأنها ... فتقت لنا أرض الجلاد بعنبر
وقال أيضاً:
لقد ذكرتك والجماجم وقع ... تحت السنابك والأكف تطير
الهام في أفق العجاجة حوم ... فكأنها فوق النسور نسور
فاعتادني من طيب ذكرك نشوة ... وبدت علي بشاشة وسرور
فظننت أني في مجالس لذتي ... والراح تجلى والكؤوس تدور
وقال آخر: وله حكاية مثل حكاية الطغرائي المتقدمة مذكورة في منازل الأحباب:
ولقد ذكرتك والرماح تنوشني ... عند الإمام وساعدي مغلول
ولقد ذكرتك والذي أنا عبده ... والسيف فوق ذؤابتي مسلول
وقال أبو طالب الرفاء:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
وللناس في هذا البيت كلام وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان:
ولقد ذكرتك والبحر الخضم طغت ... أمواجه والورى منه على سفر
في ليلة أسدلت جلبابة ظلمتها ... وغار كوكبها عن أعين البشر
والفلك في وسط الأمواج يحسبها ... عيناً وقد أطبقت شفراً على شفر
والروح من حزن راحت وقد وردت ... صدري فيا لك من ورد بلا صدر
هذا وشخصك لا ينفك في خلدي ... وفي فؤادي وفي سمعي وفي بصري
وقلت أنا في رمل طريق مصر إلى الشام من مقامة:
ولقد ذكرتكم برمل روعه ... في قلب كل مشرق ومغرب
وبنو بياضة كالدبي من حولنا ... بسوأدهم سدوا فسيح السبب
والقضيب تبري هام كل مدجج ... من كف أشوس بالحروب مهذب
وأسنة الرماح تلمع في الدجى ... كوميض برق في الدجى متلهب
وعلى العوالي كل نسر واقع ... يفري أديم الليث منه بمخلب
والرعد للأرماج رعد قاصف ... والبحر يهدر كالهزبر الأغلب
والبر بحر بالدما والبحر بر ... بالفرنج وكل كلب أجرب
وعلى السواحل غارة شعواء ما ... فيها لمن يرجو النجا من مهرب
وأنا باوتار القسى كأنني ... فيه أغني بالرباب وزينب
وأقول ليت أحبتي يدرون ما ... أنا فيه من لهو وعيش طيب
وقال مجنون ليلى:
ذكرتك والحجيج له ضجيج ... بمكة والقلوب لها وجيب
فقلت ونحن في بلد حرام ... به لله أخلصت القلوب
أتوب إليك يا رحمن مما ... جنيت فقد تكاثرت الذنوب
فأما عن هوى ليلى وتركي ... زيارتها فإني لا أتوب
وللناس على هذا البيت الأخير كلام وحكى عن ليلى الأخيليلة أنها مرت مع زوجها بقبر توبة بن الحمير فقال لها هذا قبر الكذاب الذي قال:
ولو أن ليلى الأخليلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فقالت دعه فقال أقسمت عليك إلا ما دنوت منه فسلمت عليه فأبت فكرر عليها ذلك فلما تقدمت إلى القبر وقالت السلام عليك يا توبة طار من جانب القبر طائر كان هناك وزقا ونفر منه جمل ليلى فوقعت من أعلاه فاندقت عنقها وماتت من وقتها ودفنت إلى جانب توبة وهذا من العجائب لأنه وفى لها بما التزمه بعد الموت وقد بلغ الآخر حيث قال:
لو حز بالسيف رأسي لي مودتها ... لمر يهوي سريعاً نحوها رأسي
ولو بلى تحت أطباق الثرى جسدي ... لكنت أبلى وما قلبي لكم ناسي
لو يقبض الله روحي صار ذكركم ... روحاً أعيش به ما دمت في الناس
وقال آخر:
ولقد ذكرتك والظلام معبس ... وأنا قعيد في البيوت وحيدتي
والجو يصفر من قعودي في الهوا ... ما فيه خل يكون عنيدتي
والبق والناموس حولي عسكر ... يتفاتلون على شريب دميمتي
стр. 79
والفار يلعب في الزوايا دائماً ... وينط كالقعقاع فوق كويرتي
والعنكبوت يحوك حلة خيمة ... يصطاد ذبابا تجوز كويتي
والأكل خبز مثل رأسي يابس ... والشرب مر من دخيل بليدتي
وسماع نغماتي طنين بعوضة ... وصرير صرصرة وصفر بويمة
فوددت تعنيق الفويرة كلما ... نطت لأنك مثلها في الخفة
وحسدت أيدي لعنكبوت لشبهها ... بأصابع لك شبهها في الرقة
وطربت من صوت الصراصر نغمة ... إذ اشبهت نغمات صوت حبيبتي
فبكيت شوقاً حيث لا أنت معي ... تتنعمين تنعمي في غرفتي
الباب السابع والعشرون
طرف يسير من المقاطع الرائقة
والأغزال الفائقة
مما اشتمل على ورد الخدود ورمان النهود وغير ذلك
أقول هذا الباب عقدناه لذكر طرف يسير من الغزل والنسيب ومحاسن التشبيب مما يطرب سماعه ويؤخذ لطالع الحسن ارتفاعه كقول بلدينا الشاعر الظريف محمد بن العفيف.
أيسعدني يا طلعة البدر طالع ... ومن شقوتي خط بخديك نازل
نعم قد تناهى في الجفاء تطاولاً ... وعند التناهي يقصر المتطاول
وما كنت مجنون الهوى قبل أن يرى ... لقلبي من صدغيك في الأسر عاقل
ولولا سنان من لحاظك قاتل ... لما كنت أدري أن طرفك ذابل
ولم لا يصح الوجد فيك وناظر ... لنسخة حسن من سناك يقابل
ولو أن قيساً واصفاً منك وجنة ... لا عجزه نبت بها وهو باقل
نعم هذا الباب من أوسع هذه الأبواب مجالاً وأجرأها جرياً لا وأحسنها خطاباً وأعذبها نصاباً فيه يتميز سمين الشعر من غثه وجديده من رثه ولا يكاد يجود فه إلا ذاك ولا يدركه إلا كثير الدراية وما أدراك وقد تقدم أن أغزل بيت قالته العرب قول بشار.
أنات والله أشهى سحر عينيك ... وأخشى مصارع العشاق
وقال محمد بن العفيف وأحسن ما شاء.
وعيون أمرضن جسمي ... وأضرمن لقلبي لواعج البلبال
وخدود مثل الرياض زواه ... ما لأيام ورودها من زوال
لم أكن من جناتها أعلم ... الله وإني بجمرها اليوم صالي
وقال أيضاً:
يحكي الغزال نظرة ولفتة ... من ذ رآه مقبلاً ولا افتتن
أحسن خلق الله لفظ أو فما ... إن لم يكن أحق بالحسن فمن
في ثغره وخده وشكله ... الماء والخضرة والوجه الحسن
ولهذه الأبيات حكاية أتفقت لابن تقي المقتول بالقاهرة.
وقال أيضاً:
إذا ما رمت حل البند قالت ... معاطفه حمانا لا يحل
وإن حلت بوجنته مدام ... يرى لعذاره دوره ونزول
وقال أيضاً:
بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائب في جنح
فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح
وقال أيضاً:
أحلى من الشهد من هويت وكم ... فتنت به في الهوى مرارات
وكيف لا تستطاب ريقته ... وثغره سكر سنينات
وقال آخر:
ومليح قال صفني ... أنت في القول فصيح
قلت قولاً باختصار ... كل ما فيك مليح
وقال إبراهيم المعمار:
ومليح قال حسني ... ازداد سرورا
كم حوى جفني معنى ... قلت ألفاً وكسورا
وقال أيضاً:
حاكمت في شرع الهوى قاتلي ... ولي دم طل على خده
فاتهم الحاكم لحظاً له ... يحقق الفتنة من عنده
ومال للحق فلما رأى ... قد غريمي مال مع قده
وقال خطيب سمهود:
قال لي من هويت شبه قوامي ... وقد اهتز بالجمال دلالا
قلت غصن على كئيب مهيل ... صافحته يد النسيم فمالا
وقال السراج الوراق:
قلت للأهيف الذي فضح ... الغصين كلام الوشاة ما ينبغي لك
стр. 80
قال قول الوشاة عندي ربح ... قلت أخشى يا غصن أن يستميلك
وقال آخر:
قال لي أهيف المعاطف صف لي ... حيفي قلت يا رشيق القوام
لك قد لولا جوارح لحظك ... لغنت عليه ورق الحمام
وقال النور الأسعردي:
قد قنعنا بالخمر والماء والخضرة ... والأهيف الرشيق القوام
وتركنا مناصب لناس زهدا ... فلماذا يؤذوننا بالكلام
وقال ابن خفاجة:
ومهفهف طاوي الحشى ... كالغصن يخطران خطر
فإذا رنا وإذا شدا ... وإذا سقى وإذا سفر
فضح الغزالة والحما ... مة والغمامة والقمر
وقال كثير عزة:
الله أعلم لو أردت زيادة ... في عزة ما وجدت مزيدا
رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعاً وسجودا
وقال أيضاً من أبيات وهو أحسن ما قيل في حسن الحديث ولها حكاية حكاها المبرد في الكامل من الخفرات اليبض ود جليسها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها.
وقال ابن الرومي:
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
وقال ابن حمديس:
لا يمل الحديث منها معادا ... كانتشاق الهواء ليس يمل
وقال ابن أبي الحديد:
بالله ضع قدميك فوق محامجري ... فلقد قنعت من الوصال بذاكا
وأطل محادثتي فإن مسامعي ... تهوى حديثك مثل ما أهواكا
وقال آخر:
ومليح قلت ما الاسم ... حبيبي قال مالك
قلت صف لي وجهك الزا ... هي وصف لين اعتدالك
قال كالبدر وكالغصن ... وما أشبه ذلك
وقال العطوي:
ذات خدين ناعمين ضنينين ... بما فيهما من التفاح
وثنايا وريقة كغدير ... من عقار وروضة من أقاح
وقال امرؤ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب
ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
وقال النميري وأحسن في الوصف.
وبيضاء مكسال كعرب خريدة ... لذيذ لذي ليل التمام التزامها
كأن وميض البرق بيني وبينها ... إذا حان من بعض البيوت ابتسامها
وقال ابن أبي ربيعة:
طفلة باردة الصيف إذا ما ... معمعان القيط أضحى بنقد
سخنة المشتى لحاف للفتى ... تحت ليل حين يغشاه البرد
وقال المتنبي:
أرخت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
وقال ابن المستوفي الأربلي:
رأت قمر السماء فأذكرتني ... ليالي وصلها بالرقمتين
كلانا ناظر قمراً ولكن ... رأيت بعينها ورأت بعيني
قلت وللناس عليه كلام ولهم على فهمه زحام حتى أن بعضهم وضع فيه كتاباً: وقال آخر:
بروحي وجسمي ذلك العرض الذي ... غدا مسكه فوق السوالف سائلا
درى خدها أني أجن من الهوى ... فأظهر لي قبل الجنون سلاسلا
وقال سعد الدين محمد بن عربي:
لما تبدى عارضاه في نمط ... قيل ظلام بضياء اختلط
وقيل نمل فوق عاج قد سقط ... وقال قوم أنها اللام فقط
وقال آخر:
رأيت الهلال على وجه من ... رأيت الهلال على وجهه
وقال آخر:
بررت فقابل ناظري من وجهها ... مرآة حسن بالجمال صقيل
أبكي فأنظر أدمعي في خدها ... تجري فأحسب أنها تبكي لي
وقال ابن قلاقس:
فوق خديك دليل ... أن نهديك ثمار
ما اختفى الرمان إلا ... وتبدى الجلنار
وقال الخبزرازي:
رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال الدجى من هلال البشر
стр. 81
فلولا التورد في الوجنتين ... وما راعني من سواد الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر
وقال محمد السلامي:
بدائع الحسن فيه مفترقة ... وأعين الناس فيه متفقة
سهام ألحاظه مفوقة ... فكل من رام لحظه رشفه
قد كتب الحسن فوق وجنته ... هذا مليح وحق من خلقه
وقال ابن رشيق:
معتدل القامة والقد ... مورد الوجنة والخد
قل للذي يعجب منه حسنه ... اقرأعليه سورة الحمد
وقال أيضاً:
شكوت بالحب إلى ظالمي ... فقال لي مستهزئاً ما هو
قلت غرام ثابت قال لي ... اقرأ عليه قل هو الله
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
سألته من ريقه شربة ... أشفي بها من كبدي حره
فقال أخشى يا شديد الظمأ ... أن تتبع الشربة بالجره
وقال يحيى الخباز:
طلبت منه قبلة قال لي ... إياك أن تطمع في القرب
البوس شاليش وقد اختشى ... أن تتبع الشاليش بالقلب
وقال ابن أسد:
أريقاً نم رضابك أم رحيقا ... رشفت فلست من سكري مفيقا
وللصهباء أسماء ولكن ... جهلت بأن في الأسماء ريقا
وقال السراج الوراق:
قال من شبه ريقي ... بالزلال العذب زلا
إنما ريقي شهد ... قلت ذا من فيك أحلى
وقال آخر:
ظبي ترى وجهك في وجهه ... وتشرب الخمرة من فيه
وقال آخر:
ما أنصفوا إذا لقبوا مشارباً من بعد ما أمسى لقلبي آكلا
وقلت أنا:
يا صاح سكري من هوى أغيد ... قوامه كالغصن أن ماسا
ساق متى ما لاح لي كاسه ... ذكرني شاربه الآسا
وقلت أيضاً:
فتاة حين زارتني عشاء ... رأيت الشمس ليلاً وسط داري
فورد خدودها ما لاح إلا ... وأحرق عاشقيه بجلنار
فصف لي شعرها ليلاً وطول ... وقل في الخصر قولاً باختصار
تدير لنا مراشفها عقاراً ... قريب العهد من كاس مدار
ومنها:
عدمتك يا عذولي فيه قل لي ... إذا لاح العذار فما اعتذاري
كأنك ما شعرت بأن حبي ... غدا بعذاره حسن الشعار
غدوت مكاتباً فيه بخط ... قريب الشكل من قلم الغبار
سقاني من مقبله شراباً ... طهوراً لم يدنس باعتصار
وأعقب وصله هجراً فقلبي ... على حرف من الهجران هار
إذا ما قادني يوماً هواه ... مشيت وقطر دمعي كالقطار
أيطمعني بخفض العيش دهري ... وجر الدمع فيه على الجوار
وقلت أيضاً من قصيدة أمدح بها مولانا السلطان حسن:
ترادفت التهاني والسرور ... وبشرنا بوصلكم بشير
وبات بقلعه الجبل انشراح ... وأفراح وأحباب وحضور
بروج الأفق فيها فرد بدر ... وافق بروجها فيه بدور
تغازل باللواحظ في دجاها ... فما نامت ولا فتر الفتور
ومنها:
أغار من النسيم بها إذا ما ... تصافح كفه فيها الستور
إذا نشرت ذوائبها تبدي ... لميت الحب في الدنيا نشور
لها ثغر يصون الدرمجا ... يبيت عليه من خفر خفير
وفرق بين ضوء الصبح لما ... يلوح وبينه فرق كبير
الباب الثامن والعشرون
ذكر طرف يسير من أخبار المطربين
المجيدين من الرجال
وذوات الحجال وما في معنى ذلك من ذلك مولا تهم ووصف آلاتهم
стр. 82
أقول هذا باب عقدناه لذكر من استراح من العناء بسماع الغناء من كل محب يشبب بالشباب ويغني بالرباب فهو يضرب بالعود ويجمع من المذكور والمؤنث بين الشيء وضده لا يلهبه غير ملاهيه ولا سيما إذا كان في الغناء ممن يعرف الصواب ويقيم الأعراب ويشبع الألحان ويعدل الأوزان ويصيب أجناس الإيقاع ويعطي النغم حقه من الإشباع ويختلس مواضع النيرات ويستوفي ما شاكلها من النقرات ويحسن الاختلاس ويملأ الأنفاس وغير وذلك مما هو معروف عند أرباب هذا الشأن من القبان ممن جمع في ذلك بين الحسن والإحسان كما قيل:
ما تغنت إلا تفرج هم ... عن فؤادي وأقلعت أحزان
يفضل المسمعين طيباً وحسناً ... مثل ما يفضل السماع العيان
والناس في الغناء كلهم عبيد معبد واسحق الموصلي اللذين هما أطبع المتقدمين في الغناء فيما حكاه غير واحد من أرباب التاريخ وفي معبد يقول حبيب.
محاسن أوصاف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
وقال البحتري يصف صهيل فرس هزج الصهيل كان في نغماته نبرات معبد في الصهيل الأول ومعبد هذا كان منقطعاً إلى البرامكة ومات في أيام الرشيد وأخباره أشهر من أن تذكر وقد ذكرها صاحب الأغاني وغيره وأما اسحق الموصلي فإنه كان من أهل العلم والأدب والرواية والتقدم في الشعر وسائل المحاسن أشهر من أن يوصف وهو الذي صحح أجناس الغناء وميز طرائقها تمييزاً لم يقدر عليه أحد قبله ولا بعده من تدقيق المجاري وتمييز الأصناف التي جعلوها صنفاً واحداً وهي في نفسها كذلك ولكنها تفترق عند متيقظ مثله من كلامه حدود الغناء أربعة النغم والتأليف والإيقاع والقسمة وكان قد سأل المأمون أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب لا مع المغنين فإذا أراده للغناء دعاه فأجابه إلى ذلك وقال الواثق ما غناني اسحق قط إلا ظننت أنه زيد في ملكي وأن اسحق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ أحد بمثلها ولو أن العمر والنشاط ما يشتري لشريته له بشطر ملكي وجلس عند إبراهيم ابن مصعب للشرب فسقى الغلمان من حضر وجاء غلام قبيح الوجه بقدح إلى اسحق فلم يأخذ منه فقال له إبراهيم ألا تشرب فقال:
أصبح نديمك أقداحاً تسلسلها ... من الشمول وأتبعها بأقداح
من كف ريم مليح الدل ريقته ... بعد الهجوع كمسك أكتفاح
لا تشرب الراح إلا من يدي ربنا ... تقبيل راحته أشهى من الراح
فدعا بوصيفة تامة الحسن في زي غلام عليها أقبية ومنطقة فسقته حتى سكر ثم أمر بتوجيها إليه بكل ما معها في داره ومما لحنه اسحق وله حكاية ظريفة:
قل لي من صد عاتباً ... ونأى عنك جانباً
قد بلغت الذي أردت ... وإن كنت لاعباً
واعترفن بما ادعيت ... وإن كنت كاذباً
وقد تركت حكاية هذه الأبيات خوف الإطالة وهذا القدر كاف في أخبار اسحق في هذا الموضع وحكى أبو الفرج أنه أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال فخلا معها في قصره يوماً واصطبح فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة ما يزيد عن ألفي جارية في أحسن زي من الثياب والجواهر فوصل الخبر إلى أم جعفر فعظم ذلك عليها وأرسلت إلى علية أخت الرشيد تشكو إليها فأرسلت إليها علية لا يغيظك هذا فوالله لأردنه إليك وقد عزمت أن أصنع شعراً وأصوغ عليه لحناً وأطرحه إلى جواري فابعثي إلي كل جارية عندك وألبسيهن أنواع الثياب والجواهر حتى ألقي عليهن الصوت مع جواري ففعلت أم جعفر ما أمرتها به عليه فلما صلى الرشيد العصر لم يشعر إلا وعلية قد خرجت عليه من قصر ومعها ما ينيف عن ألفي جارية عليهن غرائب اللباس وكلهن في نغمة واحدة يغنين بهذين البيتين:
منفصل عني وما ... قلبي عنه منفصل
يا قاطعي قل لي لمن ... نويت بعدي أن تصل
стр. 83
قال فطرب لارشيد وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر ومعه علية وهو في غاية السرور وقال لم أر كاليوم سروراً قط وقال لمسرور الخادم لا تترك في الخزانة مالاً إلا نثرته فكان مبلغ ما نثره في ذلك اليوم ستة آلاف ألف درهم وما سمع بمثل ذلك قط وحكى عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى أنه أخرج إلى حضور جنازة وكان لرجل من أخوانه منزل بالقرب من مقبره فعزم عليه في الميل إليه فنزل وأحضر له طعاماً فغنيت جارية.
طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزها بحمرة خدك التفاح
وإذا الربيع تنسمت أرواحه ... نمت بعرف نسيمك الأرواح
وإذا الخنادس أسبت ظلماءها ... فضياء وجهك في الدجا مصباح
فكتبها القاضي طرباً بها على ظهر يده ثم خرج، قال راويه فلقد رأيته يكبر على الجنازة وهذه الأبيات على ظهر يده.
وما أحسن قول ابن تميم في عواده.
وفتاة قد راضت العود حتى ... راح بعد الجماح وهو ذليل
خاف من عرك إذنه إذ عصاها ... فلهذا كما تقول يقول
وقال آخر:
سقى الله أرضاً أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس
فغتى عليه الطير والعود أخضر ... وغنى عليه الغيد والعود يابس
وقال ابن قاضي ميلة:
جاءت بعود يناغيها ويسعدها ... فانظر بدائع ما خصت به الشجر
غنت على عوده الأطيار مفصحة ... غضا فلما ذوى غنى به البشر
فلا يزال عليه أو به طرب ... يهيجه الأعجمان الطير والوتر
وقال ابن حجاج:
هذا ومحسنة بالعود عاشقها ... بذلك الطيب فى الإحسان مسرور
إذا انثنت وتغنمت خلف قامتها ... غصناً عليه قبيل الصبح شخرور
وقال آخر:
وجارية إذا غنتك صوتاً ... فما لك من فراق الحلم بد
كأن يسارها في العود برق ... ويمناها إذا ضربته برق
وقال آخر:
أشارت بأطراف لطاف كأنها ... أنابيب در قمعت بعقيق
ودارت على الأوتار جساً كأنها ... بنان طبيب في مجس عروق
وقال النور الأسعردي في جنكية:
لبنت شعبان جنبك حين تنطقه ... يغدو بأصناف ألحان الورى هازي
لا غرو إن صاد ألباب الرجال لها ... أما تراه يحاكي مخلب البازي
وقال الصلاح الأربلي وأحسن ما شاء.
الجنك مركب عقل في تشكله ... والرق قرع له الأوتار أطناب
يجري بريح اشتياق في بحار هوى ... يؤم ساحل وصل فيه أحباب
وقال ابن دانيال في دفية:
ذات القوام الذي يهتز غصن نقا ... لو مر يوماً عليه طائر صدحا
تبدي على الدف كالجمار معصمها ... لنقره ببنان يشبه البلجا
غناؤها بريق الريح تمزجه ... فما ينقط إلا كل من رشحا
وقال ابن عديم في مغنية:
والله لو أنصف الأقوام انفسهم ... أعطوك ما ادخروا فيها وماصانوا
ما أنت حين تغني في مجالسهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
وقلت أنا:
وغانية مكملة المعاني ... بلطف ما عليه من مزيد
إذا ما أطربتنا بالمثاني ... تثنت بين رمان النهود
تغار السمر منها حين تبدو ... كغصن البان في خضر البرود
بأطراف من الحناء حمر ... وألحاظ كبيض الهند سود
سوالفها من الريحان أطرى ... يواخيها الشقيق من الخدود
وقال آخر:
بابي أغاني مطرب ... أبداً ترضاه النفوس
يشدو فنرنو بالكؤس ... له ونرقص بالرؤس
وقال آخر:
وزامر يبعث في زمره ... إلى قلوب الناس أفراحا
كأن إسرافيل في نايه ... ينفخ في الأموات أرواحا
وقال آخر في مشبب:
ومطرب قد رأينا في أنامله ... شبابة لسرور النفس أهلها
ٍكأنه عاشق وافت حبيبته ... فضمها بيديه ثم قبلها
وقال بن قرناص في مليح مشبب:
مشبب بجفاه راح يقتلنا ... فإن تداركنا بالنفخ أحيانا
стр. 84
هويت تشبيبه من قبل رؤيته ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وقلت أنا:
رعى الله أرباب اليراع فإنهم ... أزاحوا اعتذاري عنهم بالهوى العذري
ٍمواصيلهم من نفخهم كل ساعة ... جلبنا الهوى من حيث أدري ولا أدري
وقلت أيضاً ملغزاً في شبابة:
وما خرساء إن نطقت رأينا ... تناقض فعلها أمر عجيبا
منقبة وليس لها أزار ... توافينا ولم تخشى الرقيبا
فتاة إن خلوت بها صحبي ... رأيت لهم معي فيها نصيبا
ينازعني هواها كل صب ... وإن لم تشبه الرشا الربيبا
فكم من عاشق فضحته فينا ... وكم جمعت بمجلسها حبيبا
تجدد لي إذا نطقت سرورا ... يعيد زماني البالي قشيبا
أرق من النسيم الرطيب صوتاً ... وأسرع في الورى منه هبوبا
تغازل دائماً بعيونها من ... يطارحها التغزل والنسيبا
فدع لومي إذا ما همت بها ... وأنشدني من الشعر الغريبا
وشبب لي بها أبداً وقل لي ... ضروب الناس عشاق ضروبا
فأغدرهم محب ذو ملال ... وأعذرهم أشبهم حبيبا
وقال المصيص الخياط يهجو عوّاداً:
وإذا تربع لا تربع بعدها ... وغدا يحرك عوده متقاعسا
فكأن جرذان المدينة كلها ... في عوده يقرضن خبزاً يابسا
وقال آخر:
وغنى أبو الفضل فقلنا له ... سبحان مخليه من الفضل
غناؤه حدُ على شربه ... فاشرب فأنت اليوم في حل
وابلغ ما قيل في ذم المغني قول كشاجم:
ومغن بارد النغمة ... مختل اليدين
ما رآه أحدفي ... دار قوم مرتين
وقال آخر:
ومغن بار ... أذهب اللذات عنا
فسألناه سكوتا ... فأبى يسكت عنا
فشتمناه فغنى ... فاشتفى القواد منا
وقال آخر:
مغنية سوء ألفاظها ... يميت السرور ويحيي الكرب
مقبحة الوجه مفلوجة ... فلا للنكاح ولاللطرب
وقال آخر:
ولرب زامرة يهيج زمرها ... ريح البطون فليتها لم تزمر
شبهت أنملها على ضرباتها ... وقبيح مبسمها الشنيع الأبخر
بخنافس قصدت عنيفا واغتدت ... تسعى إليه على خيار الشنبر
هذا مثل قولهم في المثل أبصر الحامل والمحمول ودار الوكالة: وقال آخر:
كأنها في حالة العيان ... خنافس دبت على ثعبان
وما أحسن قول الوجيه الدرري فيمن يغني بالرباب ويجمع بين الأحباب
لا تبعثوا بسوى المعذب جعفر ... فالشيخ في كل الأمور مهذب
طوراً يغني بالرباب وتارة ... يأتي على يده الرباب وزينب
الباب التاسع والعشرون
ذكر من ابتلى من أهل الزمان بحب النساء والغلمان
أقول هذا باب عقدناه لذكر عشاق زماننا هذا وهم ما تعرفهم بسيماهم فمنهم من أتصف بالانصاف وسلك طريقة السلف في العفاف وهذا النوع فيما يظهر أعز من الكبريت الأحمر لم أراه ولا رأيت من رآه وإن وجدت اسمه فأين مسماه.
فاشهد بصدق مقالتي ... أو لا فكذبني بواحد
هيهات بل قصارى أهل هذا العصر أن يعشق أحدهم بكرة ويواصل الظهر ويسلو العصر وعلى هذا حكاية بعض العلماء من أهل المدينة فيما حكاه عمرو بن شيبة قال كان الرجل يحب الفتاة فيدور بدارها حولاً يفرح إن رأى من رآها فإذا ظفر بها في مجلس تشاكيا وأنشد الأشعار واليوم يشير إليها وتشير اليه فيعدها وتعده فإذا التقيا لم يشكو حباً ولم ينشدا شعراً وقام إليها كأنه على نكاحها أمين الأمناء كما قيل.
لم يخطو من داخل الدهليز منصرفا ... إلا وخلخالها قد قارب الشنفا
وقال الأصمعي قلت لإعرابية ما تعدون العشق فيكم قالت العنق والضمة والغمزة والمحادثة ثم قالت يا حضري فكيف هو عندكم قلت يقعد ما بين رجلي عشيقته ثم يجهدها قلت يا ابن أخي ما هذا عاشق هذا طالب ولد.
стр. 85
وسئل إعرابي عن ذلك فقال هو مص الريقة ولثم الثغر ولاأخذ من أطايب الحديث بنصيب فكيف هو عندكم أيها الحضري فقال العض الشديد والجمع بين الركبة والوريد ورهز يوقظ النيام ويوجب الآثام فقال تالله ما يفعل هذا العدو فكيف الحبيب قلت وقد تقدم أن الملوك كغيرهم في العشق وإن الملط العظيم قد يعشق ولا يذهب به عشقه إلى ترك تدبير ملكه وهناك طبقة أخرى دون الملوك إذا عشقوا لم يتفرغوا لاشتغالهم بصنائعهم وطبقة أخرى يبخلون بأديانهم وعقولهم عن شغل قلوبهم بما لا يحل لهم ويحرم عليهم وما سوى هؤلاء فإن عشقهم عرض من الأعراض بل مرض من الأمراض إذا وصلوا إليه أسرعوا بأنصرافهم عنه وربما صار هجراناً بل عداوة إلى آخر العمر وهذا هو الغالب على أهل زماننا هذا وهو أفسد أنواع الحب إذ يوجد عند الفراغ ويذهب عند الشغل ويحدث عند غلبة الشهوة ويتلاشى بتلاشيها فهو أضعفها لا محالة وأمر صاحبه سهل إذ هو يسلو بالجفاء وحب بقليل الوفاء ومن كانت هذه حاله سهل أمره وانطفأ بالبولة جمره فمن أهل هذا العصر من اقتصر على دمية القصر فهام بالحسناء من النساء ومنهم من خلع في الأمرد العذار وقال للسلو عن وجنته الحمراء النار ولا العار ومنهم من قرن بين الفريقين وجمع من المذكر والمؤنث بين الضدين فتراه يأتي على ما حضر ولا يتوقف عند صورة من الصور كما قيل:
أنا الرجل البصير بكل أمر ... دخلت من التصابي كل باب
فيهوى المرد والشبان قلبي ... ولا يأبى مواصلة الكعاب
وقد زاد ديك الجن على هذا حيث قال:
أعشق المراد والنكاريش والشي ... ب وعند مثل البنين البنات
خذ ما يشتهي ويعشق عندي ... حيوان نحل فيه الحياة
وقال أيضاً:
أنا من قولي مليح ... أو قبيح مستريح
كل من يمشي على وج ... هـ الثرى عندي مليح
حد ما ينكح عندي ... حيوان فيه روح
وقال ابن تميم مضمناً:
ومعشر عدلوا لما ركبت على ... أحوى محاسنه قبحن فعلهم
دع يعدلوا مااستطاعوا إنني رجل ... لو استطعت ركبت الناس كلهم
وقال بعض مشايخ العصر:
وعارض قد لام في عارض ... وطاعن يطعن في سنه
وقال لي قد طلعت ذقنه ... فقلت لا أفكر في ذقنه
وقال أيضاً:
شب وجدي بشائب ... من سنا البدر أوجه
كلما شاب ينحني ... بيض الله وجهه
وقال أيضاً بعض مشايخ العصر:
وقد عنفوني في هواه بقولهم ... ستطلع منه الذقن فاصبر على الحزن
فقلت لهم كفوا فإني واقع ... وحقكم بالوجد فيه إلى الذقن
وقال أيضاً بعض مشايخ العصر:
وكامل العارض قبلته ... فصدني وازور من قبلتي
وقال كم أنهاكم عن فعل ذا ... وأنت ما تفكر في لحيتي
وكتبت أنا إلى بعضهم:
ليهن مولانا حبيب لم يزل ... بوصله في كل محسنا
كم زينته لحية في وجهه ... أنبتها الله نباتاً حسنا
فكتب إلي الجواب عن ذلك:
يا مادحاً للحية سلواننا ... عن روضها لما زها لن يحسنا
مذ أنبت فيه نباتاًحسنا ... قبلتها منه قبولاً حسنا
فمكان كما قيل:
حاشى لمثلي عن هواه يتوب ... هو دون كل العالمين حبيب
أهواه طفلاًفي القماط وأمردا ... وبلحية وإذا علاه مشيب
وقال أيضاً بعض مشايخ العصر وقد عشق شيخا
كلفت به شيخاً كان مشيبه ... على وجنتيه ياسمين على ورد
أخو العقل يدري ما يراد من الفتى ... أمنت عليه من رقيب ومن ضد
وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى ... لسود اللحى ناس وناس إلى المرد
فقلت لهم لو كنت أصبوا لأمرد ... صبوت إلى هيفاء مياسة القد
وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركا ... فآثرت أن أبقى بأبيضهم وحدي
وقال آخر وقد عشق عجوزاً.
كلفت بها شمطاء شاب وليدها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب
стр. 86
وقال يا قوت الحموي وقد ظلم أهل الموصل من خصهم بالنسبة إلى اللوط حتى ضرب بهم المثل.
وقال فيهم الشاعر:
كتب العذارعلى صحيفة خده ... سطراً يلوح لناظر المتأمل
بالغت في استخراجه فوجدته ... لا رأى إلا رأى أهل الموصل
ولقد جببت البلاد ما بين جيحون والنيل فمن رأيته لا يخرج عن هذا المذهب فلا أدري لم يخص به أهل الموصل قيل وليس الأمر كذلك كما ادعى ياقوت من كل وجه لأن مجرد الميل إلى الذكر لا تخلو منه بقعة إنما أهل الموصل يزيدون على ذلك بأنهم يميلون إلى أصحاب الذقون وربما مالوا إلى من عذاره شيب ويقولون هنا شعرة وشعرة أي شعرة سوداء وشعره بيضاء وبعضهم يسميه زرزوريا وهذا قل أن يوجد في غير بلدهم وقد رموا بهذا من بين أهل البلاد وأهل الاسكندرية لأنهم يقولون ما نعطي فليستنا إلا لمن بنفقها على عائلته ووليداته، ما نعطيها لمن يأكل بها حلاوة قال الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية في كتابه روضة المحبين بعد ذكر قصة عاد وما أفضى إليه بهم الهوى من الهلاك الفظيع والعقوبة المستمرة ثم قصة قوم صالح كذلك ثم قصة العشاق أثمة الفساق ناكحي الذكران وتاركي النسوان وكيف أخذهم وهم في خوضهم يلعبون وقطع دابرهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون وكيف جمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أئمة من الأمم أجمعين وجعلهم سلفاً لإخوانهم اللوطية من المتقدمين والمتأخرين.
قال لما تجرؤ على هذه المعصية وتمردوا ونهجوا لإخوانهم طريقاً وقاموا بها وقعدوا ضجت الملائكة إلى الله من ذلك ضجيجاً وعجت الأرض إلى ربها من هذا الأمر عجيجاً وهربت الملائكة إلى أقطار السموات وشكتهم إلى جميع المخلوقات وهو سبحانه قد حكم أنه لا يأخذ الظالمين إلا بعد إقامة الحجة عليهم والتقدم بالوعد والوعيد إليهم فلما خالفوا الرسول المرسل إليهم ووقعت الحجة عليهم فعل الله تعالى بهم ما أخبر به في كتابه العزيز فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد فهذه عاقبة اللوطية عشاق الصورة وهم السف وإخوانهم بعدهم على الأثر.
فإن لم يكونوا قوم لوط بعينهم ... فما قوم لوط منهم ببعيد
وإنهم في الخسف ينتظرونهم ... على مورد من مهلة وصديد
يقولون لا أهلاً ولا مرحباًبكم ... ألم يتعدكم ربكم بوعيد
فقالوا بلى لكنكم قد سننتم ... صراطاً لنا في العشق غير حميد
أتينا به الذكر إن من عشقنا لهم ... فأوردونا ذا العشق شر ورود
فأنتم بتضعيف العذاب أحق من ... متابعكم في ذاك غير رشيد
فقالوا وأنتم رسلكم أنذرتكم ... بما قد لقيناه بصدق وعيد
فما لكم فضل علينا فكلنا ... نذوق عذاب الهون ذوق مزيد
كما كلنا قد ذاق لذة وصلهم ... ومجمعنا في النار غير بعيد
حكى قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان عن الأصمعي أنه قال دخلت يوماً أنا وأبو عبيدة المسجد فإذا على الإسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة مكتوب على نحو سبعة أذرع:
صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا
فأنت عندي بلا شك بقيتهم ... منذ احتملت وقد جاوزت سبعينا
قال لي يا أصمعي امح هذا فركبت ظهره ومحوته بعد أن أثقلته فقال أثقلتني وقطعت ظهري انزل فقلت له بقيت الطاء فقال هي شر حروف هذا البيت وقيل أنه لما ركب على ظهره وأثقله قال له عجل فقال قد بقي لوط فقال من هذا يهرب وكان الذي كتب ذلك أبو نواس.
قلت وقد جاء في تفسير قوله تعالى أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض إن فسادهم كان اللواط.
فصل
النظر إلى وجه الأمرد
ذكر الحافظ محمد بن ناصر
стр. 87
من حديث مجالد عن الشعبي قال قدم عبد القيس على النبي ص وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه ﵇ وراء ظهره وقال كانت خطيئة من مضى النظر وفي الكامل عن أبي هريرة نهى رسول الله ﷺ أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد وكان سعيد بن المسيب يقول إذا رايتم الرجل يلح بالنظر إلى غلام أمرد فاتهموه وصرح الشيخ محي الدين النووي في المنهاج بتحريم النظر إلى وجه الأمرد بشهوة أو بغير شهوة وذكر الخطيب من حديث عبد الرحمن ابن وافد عن عمرو بن أزهر عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ لا تجالسوا أولاد الملوك فإن الأنفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلي الجواري العواتق.
وكان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهم من السلف ينهون عن مجالسة الأمرد وقال النخعي مجالستهم فتنة وإنمائهم بمنزلة النساء حكى عن أبي سعيد الجزار وكان من المشايخ المعروفين بالزهد والعبادة أنه قال رأيت إبليس في منامي وهو يمر عني ناحية فقلت تعال فقال أي شيء أعمل بكم أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس قلت وما هو قال الدنيا ثم قال غير أن لي فيكم لطيفة قلت وما هي قال صحبة الأحداث فأخذت العصا لأضربه فقال أنا ما أخاف من العصا إنما أخاف من نور القلب.
قال فتح الموصلي صحبت ثلاثين شيخاً من الأبدال كلهم يقولون إياك ومعاشرة الأحداث وحكى أبو عبد الله أحمد ابن الجلاد قال كنت أمشي مع أستاذي فرايت حدثاً جميل الصورة فقلت أترى يعذب الله هذه الصورة بالنار فقال أو نظرت إليه سوف ترى غبها قال فنسيت القرآن بعد عشرين سنة ومن المعلوم أن النظر إلى الأمرد يوقع في سكرة العشق كما قال تعالى عن عشاق الصور لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون فالنظر كاس من خمر والعشق هو سكر ذلك الشراب وسكر العشق هو أعظم من سكر الخمر فإن سكران الخمر يفيق وسكران العشق لم يفق إلا وهو من عسكر الأموات.
سكران سكرى هوى وسكر مدامة ... ومتى يفيق فتى به سكران
أنشدني بعض مشايخ العصر:
يا من غدا بالمرد ذا لوعة ... ما أنت في حبهم بالمصيب
في الخرد العين الذي تشتهي ... منهم ويفضلن بحب الحبيب
وقال آخر:
حبك الغلمان إن أم ... كنك النسوان غبن
إنما يفسق في الظه ... ر إذا أعوز بطن
على أن عشق النسوان أيضاً والنظر إلى من لا يجوز النظر إليها فيه ما فيه مما لا يدرك تلافيه وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " قلت ولا سيما نساء هذا الزمان من كل شمس خدر تطلع من قوادها بين قرني شيطان وغيرها ممن اشتغلت بالسحاق والخروج بعد زوجها من الباب أو الطاق كما قيل في معنى ذلك:
شغل المرد بالبدال وأضحى ... نسوة الناس شغلهم بالسحاق
كل جنس بجنسه قد تكفي ... فعزاء يامعشر الفساق
وحكى عن بعضهم أنه قال لجارية تساحق ارجعي إلى الحق فقال الحق بعض مرادي تريدان السحق بعض حروفه الحق وهذا من الأجوبة اللطيفة فما أحقها أن يقال في حقها:
مغرمة بالسحاق أضحت ... تبكي عليه بكل عين
فما اكتفت في الهتوك إلا ... تضيف إسحاق في حنين
حكى أن رجلاً دخل إلى بيت فوجد امرأتين وهما في السحاق فجذبه التي هي من فوق وقعد مكانها وقال هذا عمل يحتاج إلى حبال ورجال.
وقال شيخنا زين الدين ابن الوردي في نساء أهل العصر هذا الشعر:
قولوا لمن تهوى السحاق الذي ... حرمه الله وما فيه خير
أخطأت يا كاملة الحسن إذ ... أقمت إسحاق مقام الزبير
وقال آخر:
قل لمن تدعى السحا ... ق إلى كم تساحقي
ليس يشفي غليلك ... من جميع الخلائق
غير ذي الأصلع الفقي ... ر الحليق الجوالق
وقال ابن سناء الملك:
يا هذه لاتستحي ... مني قد انكشف المغطى
إن كان ... تثا ... ءب ... قد تمطى
وقال بعض مشايخ العصر:
... إذا نديته ... لحاجة تختص بي
قام لها بنفسه ... ما هو إلا عصبي
стр. 88
وسألني بعض الأصحاب أن أنظم له مثل هذا فقلت واستغفر الله وأتوب إليه.
تأخرت لحيضها ... قلت لها تقدمي
... هذا عصبي ... يدخل معك في الدم
وقال بعض مشايخ العصر:
وكنت إذا رأيت ولو عجوزاً ... بيادر بالقيام على الحرارة
فأصبح لا يقوم لبدر تم ... كأن النحس قد ولى الوزارة
وقلت أنا:
يا ... إن مر الحبيب مسلما ... وأشار نحوك دون كل الناس
فانهض لخدمته ولأنك أحمقا ... ما في وقوفك ساعة من بأس
وقلت أيضاً واستغفر الله العظيم من كل ذنب.
ولما وفى في الصيام الحب أنشدني ... وقال: اشترط ما شئت واحتكم فالأمر أمرك ما عندي مخالفة إن صمت صمنا وإن أفطرت لم نصم وحكى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان بعد أن رد قول بعضهم.
ولقد قال لي صديقي لما ... أن رآني أضرني الإفلاس
قم تسكع بذا العمود فهذا ... ...يرجى بمثله ويرأس
قلت قد كان ذا ولكن دهري ... أهله كلهم لئام خساس
أين من كان عندهم يرفع ... ...وعلى الراحتين ثم يباس
أين من كان عالماً بمقاد ... ير ... الكبار مات الناس
فقال قيل أن الأمير فخر الدين ابن الشيخ رأى هذه الأبيات مكتوبة على ظهر كتاب بخط شرف الدين ابن قيم الشام فكتب تحتها من خلف مثلك ما مات وقال آخر:
زعموا أنني خسرت عليها ... ليت شعري من أين تلك الخسارة
من مغل من ضيعتي من قماشي ... من بقايا أموال تلك التجارة
حضرتني فقام ... إذ ذا ... ك يحاكى بقطينة أو خيارة
وقال آخر:
ويحك يا ... أما تستحي ... تخجلني ما بين جلاسي
تطلع من طوقي كذا عامداً ... تنكس العمة عن رأسي
وقال ابن مطروح:
سألت من أمر ضنى ... في قبلة تشفي الألم
فقال لالا أبداً ... قلت له نعم نعم
فقال غصباً قلت لا ... إلا سماحا وكرم
قال فسر أقلت لا ... إلا على رأس علم
قال فخذها بالرضا ... مني حلالاً وابتسم
فلا تسل عما جرى ... واستغفر الله ونم
الباب الثلاثون
ذكر من اتصف بالعفاف
وبأحسن الأوصاف
стр. 89
أقول هذا باب عقدناه لذكر أكثر المحبين ميلاً وأظهرهم دليلاً وأحسنهم سيرة وأزكاهم سريرة وأعفهم مع القدرة ولا سيما بنو عذرة الذين هم أشد الناس غراماً وأعظمهم هياماً فلذلك قلت وقول العشق مع العفة في بني عذرة كثير والمقتول منهم عشقاً جم غفير فإن ذكر أحدهم بالعفة فجميل جميل الصفات صادق العزمات وسنورد من أخباره في هذا المقام ما يصدق هذه الدعوى ويحقق أن التسلي بالمحبوب عن غيره ضرب من السلوى فمن ذلك ما حكاه محمد بن جعفر الأهوازي قال مرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه فدخل عليه العباس بن سهل فقال له جميل ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن لا إله إلا الله قلت أظنه قد نجا وأرجو له الجنة فمن هذا الرجل قال أنا فقلت له ما أحسبك سلمت وأنت منذ عشرن سنة تسبب ببثينة فقال أني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط فما قمنا حتى مات سنة اثنتين وثمانين من الهجرة ومن غريب ما حكاه الزبير من أخبار جمل أن بثينة المذكورة من بني عذرة وبنو عذرة قبيلة مشهورة بالعشق في قبائل العرب وإليهم ينسب الهوى العذري لأنهم أشد سائر خلق الله عشقاً قال سعيد بن عقبة لأعرابي ممن أنت قال من قوم إذا عشقوا ماتوا قال عذري ورب الكعبة ثم قال ولم ذلك قال لأن في نسائنا صباحة وفي فتياتنا عفة وقال رجل لعروة بن جزام يا هذا بالله أصحيح ما يقال عنكم أنكم أرق الناس قلوباً قال نعم والله لقد تركت ثلاثين شاباً في الحي قد خامرهم الموت ما لهم داء إلا الحب وقال رجل من بني قزارة لرجل من بني عذرة تعدون موتكم بالحب مزية وفضيلة وإنما ذلك ضعف بنيه وضيق روية ورق وخور تجدونه فيكم يا بني عذرة فقال له والله لو رأيتم النواظر الدعج من فوقها الحواجب الزج من تحتها المباسم الفلج والشفاه السمر تفتر عن الثنيايا الغر لا تخذتموها اللات والعزى ثم أنشد:
تتبعت مرمى الوحش حتى رميتني ... من النيل لا بالطائشات الخواطف
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجباً للقاتلات الضعائف
وقيل بعضهم ما كنت صانعاً لو ظفرت بمن تحب فقال أحل الخمار وأحرم ما وراء الأزار وأظهر للحب ما يرضي الرب وقال الحافظ أبو محمد الاموي أن امرأة يثق بها حدثته أن فتى علقها وعلقته وشاع أمرهما فاجتمعا يوماً خاليين فقال لها هلمي نحقق ما يقال فينا فقالت لا والله لا كان هذا أبداً وأنا أقرأ " الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " وقيل لبعضهم وقد طال عشقه لجارية من قومه ما أنت صانع إن ظفرت بها ولا يراكما إلا الله قال والله لا جعلته أهون الناظرين لا أفعل بها خالياً إلا ما أفعله بحضرة أهلها حنين طويل ولحظ من بعيد وأترك ما يكره الرب ويفسد الحب وقيل لآخر ما كنت صانعاً لو ظفرت بمحبوتك فقال ضمها ولثهما وعصيان الشيطان في أثمها ولا أفسد عشق عشرين سنة بلذة ساعة تفني ويبقى حسابها إني إن فعلت هذا اللئيم ولم يلدني كريم قلت وممن اتصف من العفاف بأحسن الأوصاف من الخلفاء هرون الرشيد وذلك أنه عشق جارية فلما راودها عن نفسها قالت إن أباك ألم بي فتركها وشغف بها حتى كاد يخرج عى وجهه فكان ينشد:
أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورد
стр. 90
فقال له القاضي أو كلما قالت جارية شيئاً تصدق قولها فقال الرشيد ما فوق الخلافة مرتبة فانظر ما أحسن عفة الجارية وامتناع هرون الرشيد مع شدة شغفه بها ودخل عليه منصور بن عمار فاستدناه حتى ألصق ركبتيه بركبتيه فقال له منصور يا أمير المؤمنين تواضعك في شرفك أحب إلينا من شرفك فقال عظني فقال من عف في جماله وواسى من ماله وعدل في سلطانه كتبه الله من الأبرار فبكى الرشيد وقال زدني فقال لو طلبت شربة ماء فلم تجدها إلا بنصف الدنيا أكنت تشتريها به قال نعم قال فلو تعسرت عليك بعد شربها أكنت تشتري خروجها بالنصف الآخر قال نعم قال قبح الله دنيا تشترى بشربة ماء وبولة. وحكى عن السلطان ملك شاه السلجوقي أنه حضر بين يديه مغنية فأعجب بها واستطاب غناءها فهم بها فقالت يا سلطان العالم إني أغار على هذا الوجه المليح الجميل أن يعذب بالنار وإن الحلال أيسر وبينه وبين الحرام كلمة فقال صدقت واستدعى القاضي وتزوجها وأقامت في عصمته حتى مات ﵀. وحكى سهيل أكبر خدم السلطان نور الدين الشهيد أن السلطان المذكور اشترى مملوكاً بخمسمائة دينار وخلعة وبغلة وكان جميل الصورة وسلمه إلي وكنت قد ربيت السلطان فقلت في نفسي إنا لله وإنا إليه راجعون هذا ما اشتري مملوكاً قط بخمسين ديناراً فلم أشتري هذا بخمسمائة دينار ثم تركني أياماً وقال أحضره مع المماليك يقف في الخدمة كل يوم فلما كان بعد أيام قال أحضره بعد العشاء إلى الخيمة ونم أنت وأياه على باب البرج فقلت في نفسي هذا الشيخ في زمان شبابه ما ارتكب كبيرة ولما كبر سنه يقع فيها والله لا قتلته قبل أن يقع في المعصية فأخذت كتارة فأصلحتها وجئت بالمملوك وأنا في قلق فسهرت عامة الليل ونور الدين في أعلى البرج ثم غلبتني عيني فنمت ثم استيقظت فوقعت يدي على وجه الغلام فإذا به مثل الجمرة وعليه حما شديدة فرجعت به إلى خيمتي وأحضرت الطبيب فمات وقت الظهر فغسلته وكفنته ودفنته فدعاني نور الدين في اليوم الثاني وقال يا سهيل إن بعض الظن أثم فاستحيت فقال قد عرفت حالي وأنت ربيتني هل عثرت لي على زلة قلت حاشا لله قال فلم حملت الكتارة وحدثتك نفسك بالسوء ما أنا معصوم لما رأيت المملوك وقع في قلبي منه مثل النار فقلت أشتريه لعله يذهب عني ما أنا فيه فلم يذهب فقالت لي نفسي أريد كل يوم أن أراه فأمرتك بإحضاره فقالت أريد أن تحضره إلى البرج بالليل فأمرتك بإحضاره فلما حضر ما تركتني النفس أنام وبقينا في حرب إلى السحر فهممت أن أصعده إلى عندي فتداركني الله برحمته فكشفت رأسي وقلت إلهي عبدك محمود المجاهد في سبيلك الذاب عن دين نبيك ﷺ الذي عمر المساجد والمدارس والربط يختم أعماله بمثل هذا فسمعت هاتفاً يقول قد كفيناك يا محمود فعلمت أنه قد حدث به حدث وأما أنت فجزاك الله عني خيراً والله أن أقتل عندي أهون من المعصية ثم أحسن إلي. وحكى عن فاطمة بنت الخثعمي أنها دعت عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ نفسها للنور الذي رأته بين عينيه فأبى وقال:
أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه
قلت قصة عبد الله مع فاطمة هذه مثل قولهم في المثل واحد يشتهي التين وآخر يقطفه فحاله معها كحال توبة مع ليلى الأخيلية وهو ما حكى أنه راودها عن نفسها فنفرت منه وأنشدت:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
فكانت كما قيل:
جننا بليلى وهي جنت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة ما نريدها
ومثل قول الآخر:
علقتها عرضاً وعلقت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
стр. 91
وممن اتصف بالعفاف من ذوي الغرام الإمام ابن الإمام محمد بن داود الظاهري وله في ذلك حكايات مشهورة وهذا موضع إيرادها ونشر أبرادها فمن ذلك قوله لكل شيء زكاة وزكاة الوجه الحسن إمكان أهل العفة من النظر إليه. وحكى محبوبه محمد وقيل اسمه وهب بن جامع الصيدلاني أنه دخل على أمير المؤمنين فسأله عن ابن داود هل رأيت منه ما تكره فقال لا يا أمير المؤمنين إلا إني بت عنده ليلة فكان يكشف عن وجهي ثم يقول اللهم أنت تعلم أني أحبه وإني أراقبك فيه قال فما بلغ من رعايتك له فقلك دخلت الحمام فلما خرجت نظرت في المرآة فاستحسنت صورتي فوق ما عهدت فغطيت وجهي وآليت أن لا ينظر أحد إلى وجهي قبله وبادرت إليه فلما رآني مغطى الوجه خاف أن يكون لحقني آفة فقال ما الخبر فقلت رأيت الساعة وجهي في المرآة فأحببت أن لا يراه أحد قبلك فغشى عليه قال الليث بن سكرة كان محمد بن واسع يتفق على محمد بن داود وما عرف فيما مضى من الزمان معشوق ينفق على عاشقه ويتقرب إلى قلبه بأنواع البر إلا هذا مع ما هو فيه من الصيانة وحسن الديانة فالحمد لله الذي رأينا في زماننا من يتخلق بأخلاق الناس ولهذا العاشق مع هذا المعشوق حكاية غريبة أضربت عنها خوف الإطالة وكان محمد بن داود قد وضع كتاب الزهرة لأجل محبوبه محمد بن جامع المذكور وهو مجموع أدب أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر أنيق وقال في أوله وكيف تنكرت من تغير الزمان وأنت أحد مغيريه ومن جفاء الإخوان وأنت المقدم فيه ومن عجيب ما تأتي به الأيام ظالم يتظلم وغابن يتندم ومطاع يستظهر وغالب يستنصر ومن كلامه ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتاب وبدأت في كتاب الزهرة وأنا في الكتاب ونظر أبي في أكثره.
ومن ألطف ما حكى عنه أنه التقى هو وأبو العباس بن سريج في مجلس أبي الحسن بن عيسى الوزير فتناظرا في مسئلة من الإيلاء فقال له ابن سريج أنت بقولك من كثرت لحظاته جامت حسراته أحذق من أن تتكلم في الفقه فقال له محمد بن داود إن قلت ذلك فإني أقول:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصعب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حباً صحيحاً مسلما
فقال له ابن سريج فيم تفتخر علي ولو شئت لقلت:
ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
شفقاً بحسن حديثه وعتابه ... وأكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته
فقال محمد احفظ عليه أيها الوزير ما أقر به من الاجتماع حتى يقيم البينة بشاهدي عدل على البراءة فقال له ابن سريج يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
قال فضحك الوزير وقال لقد جمعتما علماً وفهماً وظرفاً ولطفاً ومن لطيف ما يحكى عن محمد أيضاً ما حكاه أبو القاسم الصائغ قال: قال لي محمد بن داود ما دخلت جامع المدينة مما يلي باب خراسان منذ عشرين سنة قلت ولم قال لأني دخلت ذات يوم فرأيت غلامين من أحسن الناس وجهاً يتعاتبان فلما رأيان تفرقا فآليت أن لا أدخل من باب كنت فيه السبب في الفرقة بين المتحابين ودخل عليه ثعلب فقال له أسمعنا شيئاً من صبوتك فأنشد:
سقى الله أياماً لنا ولياليا ... لهن بأكناف الشباب ملاعب
إذا العيش غض والزمان بغرة ... وشاهد آفات المحبين غائب
ومن شعره:
لكل امرئ ضيف يسر به بقربه ... ومالي سوى الأحزان والهم من ضيف
يقول خليلي كيف صبرك بعدنا ... فقلت وهل صبر فيسئل عن كيف
стр. 92
وقال ابن السراج في كتاب مصار العشاق وعن أبي عبد الله ابراهيم ابن محمد بن عرفة النجوي قال دخلت على محمد بن داود الظاهري في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف نجدك فقال حب من تعلم أورثني ما ترى قلت له ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه فقال الاستمتاع على وجهين أحدهما النظر المباح والثاني اللذة المحظورة فإنه منعني منها ما حدثني أبي قال حدثني سويد بن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى العقاف عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ص أنه قال " من عشق وكتم وعفه وصبر غفر الله ذنبه وأدخله الجنة " ثم أنشد:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أنظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وأنظر إلى دعج في طرفه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج
وأنشدنا لنفسه:
ما لهم أنكروا سواداً بخديه ... ولم ينكروا سواد العيون
إن يكن عيب خده بذر الشعر ... فعيب العيون شعر الجفون
فقلت له نقيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر فقال غلبة الهوى وملكة النفس دعوا إليه. ومات في ليلته ﵀ قلت وقد اختلف الناس في قوله ﵊ من عشق وكتم وعف الحديث فقال وقد اختلف الناس في قوله ﵊ من عشق وكتم وعف الحديث فقال بعضهم كتم عشقه عن الناس وقال بعضهم كتم اسم محبوبه وقال الحصري أحب فكتم ووصل فعف وهجر فمات فهو شهيد وقال عثمان بن زكريا المؤدب أحد رواة الحديث عن سويد كتم محبوبه أنه يحبه قال الشيخ الإمام العلامة الحافظ علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي في كتابه الواضح المبين هذا حديث اسناده صحيح وإن كان جماعة من العلماء أعلوه بما ليس بعلة يرد بها يعني قوله ﷺ من عشق فكتم الحديث. ونقل في كتابه المذكور أيضاً أن هذا الحديث سنده كالشمس لا مرية في صحته ولا لبس قلت ولهذا عد جماعة من الفقهاء ميت العشق من الشهداء أخذا بهذا الحديث منهم الرافعي وغيره فبعضم اشترط الشروط المذكورة وبعضهم أطلق كالشيخ محيي الدين النووي فإنه أطلق ولم يشترط شيئاً فقال والميت عشقاً والميتة طلقاً يعني من الشهداء هذا مع شدته في الدين وعدم مساهلته في هذه الأشياء وما أحسن قول ابن الأثير دمع العاشق ودم القتيل متساويان في التشبيه والتمثيل إلا أن بينهما بوناً لأنهما يختلفان لوناً وقال الإمام العلامة أبو الوليد الناجي:
إذا مات المحب جوى وعشقا ... فتلك شهادة يا صاح حقا
زواه لنا ثقاة عن ثقاة ... إلى الحبر بن عباس ترقى
وقال عبد الكريم القشيري:
إن المحب إذاتوفي صابراً ... كانت منازله مع الشهداء
يرويه أقوام غدو في صدقهم ... علماً وناهيكم بهذا الداء
وقال الحسن بن هاني:
ولقد كنا روينا ... عن سعيد عن قتادة
عن سعيد بن المسيب ... إن سعد بن عباده
قال من مات محباً ... كان من أهل الشهادة
وقال بن رواحة الحموي وأحسن ماشاء:
لاموا عليك وما دروا ... إن الهوى سبب السعادة
إن كان وصل فالمنى ... أو كان هجر فالشهادة
إنه عكس قوله هذا فقال:
يا قلب دع عنك الهوى واسترح ... ما أنت فيه حامداً أمرا
أضعت دنياي بهجرانه ... إن نلت وصلاً ضاعت الأخرى
وقال آخر:
خليلي هل خبرتما أو سمعتما ... بأن قتيل الغانيات شهيد
وقلت كأني حاضر أخاطبه:
نعم قد سمعنا أن من كتم الهوى ... وعف إلى أن مات فهو شهيد
فخذ عن مقال أنت فيه مذبذب ... فذلك ما قد كنت عنه تحيد
سياق الذي يرويه ركب ذوي الهوى ... به كل يوم سائق وشهيد
يطوفون بالأحباب خلف بيوتهم ... فمنهم قيام حولها وقعود
بعومون في بحر المدامع عندما ... تميل بهم سفن الهوى وتميد
أتبكي دوين العام من عام منهم ... وقد حد حولاً للبكاء لبيد
قلت وقد انقضى الكلام على هذه الأبواب المحكمة العقود النقية النقود المجبورة الكسور العالية القصور مشتملاً كل باب منها على بيت قصيد وبحر مديد.
стр. 93
يسقي ثمر غروسها ويروي المجدب من طروسها.
بعينين نجلاوين لو رقرقتهما ... لنوء الثريا لاستهل سحابها
ومنا بقي إلا ذكر مصارع العشاق وأخبار من أصبح من المحبين ميتاً بالأشواق.
إن لم أمت في هوى الأجفان والمقل ... فوا حيائي من العشاق واخجلي
ما أطيب الموت في عشق الملاح كذا ... لا سيما بسيوف الأعين النجل
يا صاحبي إذا ما مت بينكما ... دون الشهيين ورد الخد والقبل
فاستغفرا لي وقولا عاشق غزل ... قضى صريع القدود الهيف والمقل
وقال بلدينا محمد بن العفيف التلمساني ﵀:
للعاشقين بأحكام الغرام رضا ... فلا تكن يا فتى بالعذل معترضا
روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا ... عهد الوفا للذي للعهد ما نقضا
قف واستمع راحماً أخبار من قتلوا ... فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا
رأى فحب فرام الوصل فامتنعوا ... فسام صبراً فأعيا نيله فقضى
وقال جرير:
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا
وقال آخر:
ما زال يهوى المقلا ... قلبي إلى أن قتلا
الحمد لله الذي ... مات وما قيل سلا
وقال آخر:
ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا ... ماتوا فإن عاد من يهوونه بعثوا
وقال محمد الواعظ:
دعا لومي فلومكما معاد ... وقتل العاشقين له معاد
ولو قتل الهوى أهل التصابي ... لما ماتوا ولو ردوا لعادوا
خاتمة الكتاب في ذكر من مات من حبه وقدم على به من صغير وكبير وغني وفقير على اختلاف ضروبهم وتباين مطلوبهم ولأجل ذكرهم أسست قواعد هذا الكتاب ودخلت فيه من باب وخرجت من باب لأتوصل منه إلى ذكر من ساقه الهجر إلى السياق وتحمل من العشق ما لا طاقة له به من الباب إلى الطاق ومن هنا أشرع في ذكر مصارعهم وعرض بضائعهم إذ منهم الخاسر والرابح والصالح والطالح فمنمهم شقي وسعيد ومنهم قتيل وشهيد.
وحكى أبو الفرج بن الجوزي قال ذكر لي شيخنا أبو الحسن علي بن عبد الله أن رجلاً عشق نصرانية حتى غلب على عقله فحمل إلى البيمارستان وكان له صديق يترسل بينهما فلما زاد به الأمر ونزل به الموت قال لصديقه قد قرب الأجل ولم ألق فلانة في الدنيا وأخشى أن أموت على الإسلام ولا ألقاها فتنصر فمات فمضى صديقه إلى النصرانية فوجدها عليلة فقالت أنا ما ألقيت صاحبي في الدنيا وأريد أن ألقاه في الآخرى وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم ماتت قلت لم أسمع بأغرب من هذه الحكاية ولا أعظم من هذه النكاية قد سبق على صاحبها الكتاب وضرب بينه وبين محبوبته بسور له باب فابتلى من فراق محبوبته ودينه بداءين ودارت عليه دائرة السوء في الدارين وكيف لا وقد ورد بكسادة في الحب دار البوار وأصبح بكفره وإسلامها على شفى جرف هار.
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
ذكرت بهذه الحكاية قول عبد الوهاب الأزدي يرثي حبيب له نصرانياً وأحسن ما شاء حيث قال:
أخي بوداد لا أخي بديانة ... ورب أخ في الود مثل نسيب
وقالوا أتبكي اليوم من ليس صاحبا ... غداً إن هذا فعل غير لبيب
فقلت لهم هذا أو أن تلهفي ... وشدة إعوالي وفرط نحيبي
ومن أين لي أبكي حبيباً فقدته ... إذا خاب منه في المعاد نصيبي
стр. 94
وكان هذا النصراني موسوماً بالجمال خماراً فعلقة عبد الوهاب المذكور واشتهر به وأقام يبايته في الحانة ثلاث سنين ويدخل معه الكنيسة في الأعياد والحدود طول هذه المدة حتى حفظ كثيراً من الإنجيل وشرائع أهله وهجره مرة فلم يجد سبيلاً إليه وزعم أن عليه قسماً شديداً أن لا يكلمه إلى مدة شهر فلما يئس دعا بالقاصد فاقتصد في إحدى يديه ودعا قاصداً آخر فاقتصد في اليد الأخرى ودخل داره وأغلق باب بيته وفجر الفصادين فما شعر أهله إلا والدم يدفع من سدة باب المحل الذي هو فيه فأدركوه وقد أشرف على الموت فصالحه محبوبه النصراني خوفاً على نفسه.
ومن شعره فيه:
أنظر إلى الشامة في خد من ... ألحاظه باللحظ جراحه
كأنها من حسنها أذبدت ... حبة مسك فوق تفاحة
ومنهم شهيد
قال يا قوت في تاريخه كان مدرك ابن علي الشيباني شاعراً أديباً فاضلاً وكان كثيراً ما يلم بدير الروم ببغداد ويعاشر نصاراه وكان بدير الروم غلام من أولاد النصارى يقال له عمرو بن يحيى وكان من أحسن الناس صوره وأكملهم خلقاً وكان مدرك بن علي يهواه وكان لمدرك مجلس تجتمع فيه الأحداث لا غير فإن حضر شيخ أو صاحب لحية قال له مدرك قبيح بك أن تختلط بالاحداث والصبيان فقم في حفظ الله فيقوم وكان عمرو يحضر مجلسه فعشقه مدرك وهام به فجاء عمرو يوماً إلى المجلس فكتب مدرك رقعة وطرحها في حجرة فقرأها فإذا فيها:
بمجالس العلم التي ... بك تم حسن جموعها
ألارثيت لمقلة ... غرقت بفيض دموعها
بيني وبينك حرمة ... الله في تضييعها
قال فقرأ الأبيات ووقف عليها من كان في المجلس وقرؤها فاستحيا عمرو وانقطع عن الحضور وغلب الأمر على مدرك فترك مجلسه ولزم دار الروم وجعل يتبع عمراً حيث شاء وقال فيه شعراً كثيراً قال الحريري وقد رأيت عمرا أبيض الرأس واللحية ومن شعر مدرك فيه هذه القصيدة المزدوجة الغريبة العجيبة المشهورة وهي:
من عاشق ناء هواه داني ... ناطق دمع صامت اللسان
معذب بالصد والهجران ... موثق قلب مطلق الجثماني
من غير ذنب كسبت يداه ... يشكو هوى نمت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاه ... كأنما عافاه من أضناه
يا ويحه من عاشق ما يلقى ... من أدمع منهلة ما ترقا
ناطقة وما أجادت نطقا ... تخبر عن حب له استرقا
لم يبق منه غير طرف يبكي ... بأدمع مثل نظام السلك
تطفئها نار الهوى وتذكى ... كأنها قطر السماء تحكي
إلى غزال من بني النصارى ... عذار خديه سبي العذارى
وغادر الأسد به حياري ... في ربقة الحب له أسارى
ريم بدار الروم رام قتلي ... بمقلة كحلاء لا من كحل
وطرة بها استطار عقلي ... وحسن وجه وقبيح فعل
ريم به أي هز بر لم يصد ... يقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى يقل ها قالت الألحاظ قد ... كأنها ناسوته حين اتحد
ما أبصر الناس جميعاً بدرا ... ولا رأوا شمساً وغصناً نضرا
أحسن من عمر وفديت عمرا ... ظبي بعينيه سقاني خمرا
ها أنا ذا بقده مقدود ... والدمع في خدي له أخدود
ما ضر من فقدي به موجود ... لو لم يقبح فعله الصدود
إن كان ذنبي عنده ألا سلام ... فقد سعت في نقضه الأيام
واختلت للصلاة والصيام ... وجاز في الدين له الحرام
يا ليتني كنت له صليباً ... أكون منه أبداً قريبا
أبصر حسناً وأشم طيباً ... لا واشياً أخشى ولا رقيبا
يا ليتني كنت له قربانا ... ألثم منه الثغر والبنانا
أو جائليقاً كنت أو مطرانا ... كيما يرى الطاعة لي ايمانا
يا ليتني كنت لعمرو مصحفاً ... يقرأ مني كل يوم أحرفا
стр. 95
أو قلماً يكتب بي ما ألقا ... من أدب مستحسن قد صنفا
يا ليتني كنت لعمرو عوده ... أوحلة يلبسها مقدوده
أو بركة باسمه معدوده ... أو بيعة في داره مشهوده
يا ليتني كنت له زناراً ... يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له حينئذ إزارا
واكبدي من خده المضرج ... واكبدي من ثغره المفلج
لا شيء مثل الطرف منه الأدعج ... اذهب للنسك وللتحرج
إليك أشكو يا غزال الإنس ... ما بي من الوحشة بعد الأنس
يا من هلالي وجهه وشمسي ... لا تقتل النفس بغير النفس
جدلي كما جدت بحسن الود ... وارع كما أرعى قديم العهد
واصدد كصدى عن طويل الصد ... فليس وجد منك مثل وجدي
ها أنا في بحر الهوى غريق ... سكران من حبك لا أفيق
محترقاً ما مسني حريق ... يرثي لي العدو والصديق
فليت شعري فيك هل ترثي لي ... من سقم ومن ضنى طويل
أم هل إلى وصلك من سبيل ... لعاشق ذي جسد نحيل
في كل عضو منه سقم وألم ... ومقلة تبكي بدمع وبدم
شوقاً إلى شمس وبدر وصنم ... منه إليه المشتكى إذا ظلم
أقول إذ قام بقلبي وقعد ... يا عمرو يا عامر قلبي بالكمد
أقسم بالله يمين المجتهد ... إن أمراً أسعدته لقد سعد
يا عمرو ناشدتك بالمسيح ... ألا استمعت القول من فصيح
يبيح عن قلب له جريح ... ناح بما يلقي من التبريح
يا عمرو بالحق من اللاهوت ... والروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنحوت ... عوض بالنطق عن السكوت
بحق ناسوت ببطن مريم ... حل محل الريق منها في الفم
ثم استحال فس قتوم الاقدم ... يكلم الناس ولم ينفطم
بحق من بعد الممات قمصا ... مشوبا على مقداره ما قصصا
وكان لله تقياًمخلصاً ... يشفي ويبري ألمها وأبرصا
بحق محيي صورة الطيور ... وباعث الموتى من القبور
ومن إليه من الأمور ... يعلم ما في البر والبحور
بحق من في شامخ الصوامع ... من ساجد لربه وراكع
يبكي إذا ما نام كل هاجع ... خوفاً من الله بدمع هامع
بحق قوم حلقوا الرؤسا ... وعالجوا طول الحياةبوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسا ... مستعملين يعبدون عيسى
بحق ماري مريم وبولس ... بحق شمعون الصفا وجرجس
بحق دانيل بحق يونس ... بحق حزقيل وبيت المقدس
بحق ما في قلة الميرون ... من نافع الأدواء للجنون
بحق ما يؤثر عن شمعون ... من بركات الخوص والزيتون
بحق أعياد الصليب الزهر ... وعيدا نسموني وعيد الفطر
وبالشعانين العظام القدر ... وعيد مرماري العظيم الذكر
بحق شعباء وبالهياكل ... والدخن اللاتي بكف الحامل
يشفى بها من كل خبل خابل ... ومن دخيل السقم في المفاصل
بحق سبعين من العباد ... قاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشاد ... حتى اهتدى من لم يكن بهادي
بحق اثني عشر من الأمم ... ساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
وقوله فأقسطت الصواب فقسطت تأمل:
حتى إذا أصبح الدجى جلا الظلم ... ساروا إلى الله ففازوا بالحكم
بحق ما في محكم التنزيل ... من محكم التحريم والتحليل
стр. 96
وغير من نبأ جليل ... يرويه جيل قد مضى عن جيل
بحق مر عيد الشفيق الناصح ... بحق لوقاذي الفعال الصالح
بحق تمليخا الحكيم الراجح ... والشهداء بالفلا الصحاصح
بحق معمودية الأرواح ... والمذبح المشهور في النواحي
ومن به لابس الأمساح ... وعابد باك ومن سياح
بحق تقريبك في الأعياد ... وشربك القهوة كالفرصاد
وطول تفتيتك للأكباد ... بما بعينيك من السواد
بحق ما قدس سعياً فيه ... بالحمد لله وبالتنزيه
بحق نسطور وما يرويه ... عن كل ناموس له فقيه
بحق جمع من شيوخ العلم ... وبعض أركان التقى والحلم
لم ينطقوا قط بغير فهم ... موتهم كان حياة الخصم
بحرمة الأسقف والمطران ... والجائليق العالم الرباني
والقس والشماس والديراني ... والبطرك الأكبر والرهبان
بكل ناموس له مقدم ... يعلم الناس ولما يعلم
بحرمة الصوم الكبير الأعظم ... وما حوى مفرق رأس مريم
بحق يوم الذبح في الإشراق ... وليلة الميلاد والتلاقي
بالذهب الأبر يزفي الأوراق ... بالفصح يا مهذب الأخلاق
ألا رغبت في رضا أديب ... باعده الحب عن الحبيب
قد ذاب من شوق إلي المذيب ... أعلى مناه أيسر القريب
فانظر أميري في صلاح أمري ... محتسباً في عظيم الأجر
مكتسياً في جميل الشكر ... في نثر ألفاظ ونظم در
قيل إنه ضعف وسل جسمه وذهب عقله وانقطع عن إخوانه ولزم الفراش قال حسان بن محمد بن عيسى فحضرته عائداً مع جماعة من أصحابه فقال ألست صاحبكم القديم العشرة لكم فما منكم أحد يسعدني بنظرة إلى وجه عمرو قال فمضينا بأجمعنا إلى عمرو وقلنا له أن كان قتل هذا الرجل ديننا فإن أحياءه مروءة قال وما فعل قلنا قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه قال فلبس ثيابه ثم نهض معنا فلما دخلنا عليه وسلم عليه عمرو أخذ يبده وقال كيف تجدك يا سيدي فنظر إليه ثم أغمي عليه ثم أفاق وهو يقول:
أنا في عافية إلا ... من الشوق إليكا
أيها العائد ما بي ... منك لا يخفى عليكا
لا تعد جسماً وعد قلبا ... رهيناً في يديكا
كيف لا يهلك مرشو ... ق بسهمي مقلتيكا
ثم أنه شهق فارق فيها الدنيا فما برحنا حتى دفناه رحمه الله تعالى. ومنهم قتيل قال العلامة أبو القاسم محمد بن عبد الرحمن الشيرزي في كتاب روضة القلوب ونزهة المحب والمحبوب وشاهدت امرأة كانت من أهل شيرز تزوجت رجلاً جندياً أعجمياً وكانت تجد به وجداً شديداً حتى كانت لا تصبر عنه لحظة وكان إذا مشى إلى نوبته إلى القلعة تاتزر وتظل قائمة قبالته حتى ينصرف فإذا دخل عليها لاعبها وقبلها فيسكن بعض ما تجده فدخل عليها يوماً مغضباً من كلام جرى بينه وبين مقدمه فلما دخل أرادت منه العادة فلم يلتفت إليها فظنت أن ذلك لسبب حدث منها فارتاعت وجزعت فمكث ساعة عنها لم يرفع طرفة إليها فقوى عندها التخيل فلما خرج خرجت خلفه كعادتها فانتهرها فلم تشك أن غضبه لأجلها فرجعت وجعلت في رقبتها حبلاً وشدته في السقف فاختنقت به وماتت.
ومنهم شهيد قال الوداعي حكى الأمير شهاب الدين أحمد العقيلي أن شرف العلا هوى غلاماً نصرانياً وتهتك فيه حتى لبس المسح وتزيا بزي الرهبان وكان يتبع الغلام حيث توجه فاتفق أن الملك الظاهر صلاح الدين سمع بحاله فبينما هو يتصيد في نواحي حلب قيل له أن شرف العلا في هذه الأرض فأرسل إليه من يحضره على هيئته فلما حضر وكان السطان في مجلس الشراب قال لبعض ندمائه املأ قدحاً كبيراً والق شرف العلا به فلما رأى القدح أخذه بيده وشربه وأنشد في الحال ارتجالاً يخاطب الملك الظاهر.
جمعت بالكاس شملي ... فالله يجمع شملك
стр. 97
بحق رأسك دعني ... حتى أقبل نعلك
ومنهم قتيل
وهو مما رأته عيناي وسمعته أذناي ووعاه قلبي وذلك أني لما كنت في دمشق سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة اتفق أن شاباً من أبناء دمشق جميل الصورة عدا على إنسان كان يحبه فقتله فحمل إلى الوالي فلما سأله أنكر فعراه ليضربه بالسياط فتقدم إنسان كان يعشق ذلك الشاب وقال للوالي لا تضربه فإنه ما قتله وإنما قتلته أنا فأحضر الوالي الشهود وكتب عليه محضراً بإقراره بالقتل وأطلق الشاب وكان يتمشى نائب دمشق يومئذ فلما حكيت له هذه القصة واطلع على باطنها توقف في قتله وأمر بحبسه فلم تمض إلا أيام قلائل حتى حضر أرعون الكاملي من حلب عوضاً عن أيتمش في نيابته بدمشق فكان أول شيء حكم فيه من الدماء شنق ذلك العاشق المسكين بمقتضى المحضر المكتتب عليه ولقد رأيته تحت القلعة وهو مشنوق والناس حوله يتأسفون عليه ويذكرون حكايته ويتعجبون منها وحكيت هذه الحكاية للقاضي كمال الدين بن النحاس فتعجب منها وأخبرني عن القاضي زين الدين بن السفاح وأخيه القاضي شمس وجماعة من أهل حلب الموجودين الآن أنهم أخبروه أن ناصر الدين محمد بن يكتوب أحد كتاب المنسوب المعروف بالقلندري أنه كان يهوى مغنية لا تزال زرموزتها معه في كيس حرير أطلس معلق في رقبته تحت ثيابه فإذا حضر في مجلس ولم يتفق حضورها فيه أخرج الزرموزة من الكيس ووضعها قدامه وجعل يبكي فإن لم يتفق له بكاء شديد أنشد:
لأمتعت عيني محب بما ... يسرها إن هي لم تسجم
على حبيب تلفت نفسه ... من التباريح ولم يضرم
فلما قرأها لم يملك نفسه خوفاً وجزعاً فأسعدته عينه اليسرى ولم تسعده اليمنى فأقسم أن لا ينظر بها ما عاش في الدنيا إن لم تسعده بالبكا على حبيبه وهي أقوى حساسة من اليسرى فكان يسمى الصابر قلت ومن غريب ما يحكى أن ناصر الدين القلندري المتقدم ذكره كان يضع المحبرة في يده الشمال والمجلد من الكتاب على زنده ويكتب منه وهو يغني ويضرب برجله الأرض ويكتب في هذه الحالة ما شاء ولا يغلط ولا يلحن وأخبرني بعض من كتب عليه أن من غريب ما شاهد من حاله أنه كان يهوى شاباً من أولاد الجند من أولاد الجند بطرابلس كان يكتب عليه وكان آخر ما تمثل به ومات عقبه سنة خمس وثلاثين وسبعمائة قول الصاحب بن عباد:
يا من وهبت له نفسي فعذبها ... ورمت تخليصها منه فلم أطق
أدرك بقية نفس فيك قد تلفت ... قبل الممات فهذا آخر الرمق
قلت وليكن هذا ما وقع عليه الاختيار وطابت به لابن أبي حجلة حين سقط بمصر أوطار وكيف لا وقد سقطت منه على الخبير وأتيت من أخبار من غفر الله لنا ولهم بالجم الغفير فشهداؤه من أعيان المشاهد وقتلاؤه وإن اختلفت أسباب موتهم فداؤهم واحد ففي ذلك والحمد لله كفاية وإن كان التفسير قصراً غير مقصود عن الغاية على أن في رحلتي نشر العلمين في زيارة الحرمين ما هو كفص الخاتم لهذه الخاتمة والأمواج العظيمة لهذه الأبحر المتلاطمة لا جرم إني لم أذكر من اختبار أهل الحجاز إلا ما شار إليه هذا الكتاب ببنان بيانه وبدأ من ورقه وقلمه على صفحات وجهه وفلتات لسانه فكم في الرحلة المذكورة في ذكر من مات على هذه الصورة من أخبار متيم امتنع من هجوعه وأصبح غريقاً بسحاب دموعه.
لدى سمرات الحي برق يسامره ... يذكره بالثغر ما هو ذاكره
؟ بذكره عهد العذيب وما حوى على حاجر سالت عليه محاجره
إذا ما بدا البرق اليماني لعينه
سقى السفح من ذيل المقطم عارض
فكم فيه من صب وغرامه
تطاول ليلي في هواه ولو يشا
فيا للهوى العذري ما العذر عندما
صحا وما صحا من زال في الحب عقله
أيبرد ما ألقاه يا جارتي وقد
أحاول منه وصله كل ساعة
ولو لم يكن سلطان حسن لما سرى
يجود عليهم حين يسري جواده
فلولاه ما أمضى أمير ذوي الهوى
ولولا سطا السلطان في مصر ما مشى
هو الناصر المنصور والعادل الذي
له في سبيل الله خير ذخيرة
ودرياقه في الثغر عقرب نبله
جزى الله عنه مصر ما هو أهله
جواد غدت نعماً معنا قريبة
فما عابه أن الجنود جنائب
له من بياض الصبح والليل أدهم
стр. 98
فلا جابر يوماً لما هو كاسر
لله سر في علاه لأجل ذا
وتستقبل الآمال كعبة جوده
فأي نوال ما أضاعت شموسه
هو البحر إلا أن منهل جوده
ولو لم يكن يجري ونظمي دره
أجود فيه المدح كل عشية
إذا تاه مدحي في دجى ليل نفسه
عبرت على الشعري العبور فأومأت
فمدحي له مدح المحب حبيبه
وحبي له ما أن يقاس بغيره
وقد مات قلبي أول الحب وانقضى