← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] لم يكن على الشك من إبراهيم ﵊، وإنما كان هذا الطلب منه ﵇، ليعلم بإجابة الله له علو منزلته عنده فيطمئن بذلك قلبه. وإليك بيان الأقوال في مسألة: هل كان إبراهيم ﵇ شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، عندما سأل ذلك ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]؟: القول الأول: أن إبراهيم ﵊ كان شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. - وهذا القول: مروي عن عطاء بن أبي رباح - ورجحه الطبري. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال حكاية عن إبراهيم ﵊: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ﴾ [البقرة:٢٦٠] فدل ذلك على أنه غير مطمئن القلب لورود الشك عليه. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ". (٢) - وقد رد هذا الاستدلال بما يلي: أ- أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: بالعلم واليقين بعد الشك، وذلك لأمور عدة، أذكر منها: ١ - أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، كفر بالله، فلا يجوز في حق نبي من الله.

стр. 247

٢ - أن سؤال إبراهيم ﵊ كان عن الكيفية لا عن الإمكانية. ولذلك ورد السؤال بصيغة (كيف) فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] ولم يقل (أيمكنك إحياء الموتى). ونظير هذا قول القائل: (كيف يحكم عمر في الناس) فهو لا يشك في أن عمر يحكم في الناس، ولكنه يسأل عن كيفية حكمه لا عن ثبوته. فالخليل إبراهيم ﵊ سأل عن الكيفية مع يقينه الجازم بالقدرة الربانية، ليرى بالعيان ما قد ثبت بالوجدان. (١) ٣ - أن الألف: في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠] ليست (ألف) استفهام، وإنما هي (ألف) إيجاب، فكأنه قال: (قد آمنت فلم تسأل). ومثل هذا، قول الشاعر جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح. (٢) بمعنى: (أنتم خير من ركب المطايا).

стр. 248

فالله جل وعلا إنما قال لإبراهيم ﵊: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠]: لكي يظهر إقراره، فلا يظن أحد بعده أنه لم يكن مقراً بذلك في ذلك الوقت، وقد ظهر إقراره بقدرة الله على إحياء الموتى بقوله في هذه الآية (بلى). وبقوله في الآية المتقدمة في سياق محاجة النمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] وعليه فلا مجال للقول بشكه بعد ذلك. (١) ب- وأما قول الرسول محمد ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم": فلا يصح حمله على ظاهره، وعليه فإن معناه: (إذا لم أشك أنا، ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم ﵊ أولى بأن لا يشك فيه، وألا يرتاب). فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم ﵊. والمراد بالشك المنفي: الخواطر التي لا تثبت. وأما الشك الذي هو بمعنى: التوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. فهذا منفي عن الخليل قطعاً، لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة. القول الثاني: أن إبراهيم ﵊ لم يكن شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. - وهذا قول: الجمهور. (٢) الترجيح: والقول الراجح هو قول الجمهور. وهو أن إبراهيم ﵊ لم يكن شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة وأحب رؤية ذلك، كما أن المؤمنين يحبون رؤية الله جلا وعلا، ورؤية الرسل والجنة، مع إيمانهم بكل ذلك، ولا يعد هذا شكاً منهم في ذلك. ثم اختلف أصحاب هذا القول في السبب الذي جعل إبراهيم ﵊ يسأل ربه أن يريه عياناً إحياء الموتى، وإليك بيان الأقوال في ذلك:

стр. 249

- القول الأول: أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة، بعد العلم بها استدلالاً، لأن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة، بخلاف علم المعاينة، فإنه ثابت يقيني، وقد قال الرسول ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة". (١) ولهذا قال إبراهيم ﵇: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: ليزداد سكوناً بالمشاهدة الحسية المنضمة إلى اعتقاد القلب المصدق، فتظاهر الأدلة أسكن للقلب. - وهذا قول: أكثر العلماء كابن عباس ﵁ والحسن - وعكرمة - وقتادة - والربيع - وسعيد بن جبير - والضحاك - وأبي منصور الأزهري. - القول الثاني: أنه أراد أن يرى منزلته ومكانته عند ربه في إجابة مطلبه، وليرى من يدعوهم إلى طاعة الله مكانته عند الله، فيقبلوا دعوته. - وهذا قول: ابن عباس - وأبي سعيد الخدري - ومجاهد - والسدي - وإليه جنح القاضي أبو بكر الباقلاني. (٢) - القول الثالث: أنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع والطير ودواب البحر،، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة؟ وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه. - وهذا قول: قتادة - والضحاك - وابن جريج. (٣) - القول الرابع: أنه لما احتج على المشركين بأن الله جل وعلا يحيي ويميت بقوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] طلب ذلك منه جل وعلا ليظهر دليله المحتج به عياناً، ويتبين صدقه فيما احتج به. - وهذا قول: عكرمة - ومحمد بن إسحاق. (٤)

стр. 250

- إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكرت في المراد بالآية، ولكنها ليست بظاهرة في المراد والصحة. الترجيح: وأظهر الأقوال في سبب السؤال هو القول الأول، الدال على أن إبراهيم ﵊ إنما طلب رؤية كيفية إحياء الموتى للترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك للأسباب المتقدمة. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة:٢٨٠] قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: في الرجل يفلسه القاضي فيخرجه من السجن، أنه لا يحول بينه وبين ملازمته. وهو قول ابن أبي ليلى، (١) وسوار بن عبد الله، (٢) وعبيد الله بن الحسن. (٣) وقال سوار وعبيد الله: للغرماء أن يدفعوه في ضيعة، فيكون لغرمائه فضل كسبه عن نفقته. وقال المزني عن الشافعي: يمنع غرماؤه من لزومه. وقال الربيع (٤)

стр. 251

عن الشافعي: ولو كانت له حرفة تفضل عن نفقة بدنه شيء، أخذ في دينه، ولا ينفق على أهله ولا ولده، والدين أولى، وإذا أراد الغرماء أخذ المال، حبس لصاحب المال قوت عياله اليوم. قال أبو جعفر: قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] يوجب تأخيره، فصار كالدين المؤجل، فيمنع لزومه. وقد روى عمرو بن الشريد، (١) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " لي الواجد، يحل عرضه وعقوبته" (٢)، فكانت العقوبة على الواجد. فدل على أنه إذا كان غير واجد فلا عقوبة عليه، ولا يحل عرضه. وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: (مطل الغني ظلم). (٣) ورواه أيضاً: ابن عمر، عن النبي ﷺ .. فإذا كان مطل الغني ظلماً، فمطل الذي ليس بغني ليس بظلم، ولا مطالبة عليه إذاً، وإذا سقطت المطالبة، زالت الملازمة. (مختصر اختلاف العلماء - ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن هذه الآية دالة على المنع من لزوم صاحب الدين للمعسر المدين. وإليك بيان هذه المسألة، وأقوال العلماء فيها:

стр. 252

- القول الأول: المنع من ملازمة صاحب الدين للمعسر المدين، ويجب إنظاره. - وهذا قول: الجمهور. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] فدلت الآية على وجوب إنظاره، ومن وجب إنظاره، حرمت ملازمته. كما أن ملازمة الغرماء له ليس فيها إنظاره، وإنما هي عليه أشد من السجن، وذلك لما يلحقه من الضرر في شخصه وعرضه من طول مدة ملازمته. (٢) - وقد رد هذا الاستدلال: - بأن قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] ينصرف إلى وجهين: أ- إما أن يكون المراد بالإنظار هو: تخليته من الحبس وترك عقوبته، إذ كان غير مستحق لها. بعد ثبوت إعساره. ب- وإما أن يكون المراد بالإنظار هو: الندب والإرشاد إلى ترك ملازمته ومطالبته إلى حين ثبوت يسره. - وأما القول بأن الملازمة بمنزلة الحبس، لأنه في الحالين ممنوع من التصرف، فيرد عليه: بأن الأمر ليس كذلك، لأنه في حال الملازمة لا يمنع من التصرف، وإنما معنى الملازمة: أن يكون معه من قبل الطالب من يراعي أمره في كسبه وما يستفيده من أموال، فيترك له مقدار قوته، ويأخذ الباقي في قضاء من دينه، وليس في هذا إضرار له، وإنما فيه قضاء لما عليه. (٣) ٢ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال الرسول ﷺ : "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال الرسول ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". (٤)

стр. 253

فدل الحديث على وجوب الإنظار، والمنع من الملازمة. ويجاب عن هذا الاستدلال: بأن الحديث غير دال على إسقاط باقي حقوقهم، وعدم بقائها في ذمته، ومتى كان دالاً على ذلك، كان غير دال على المنع من ملازمته حتى يستوفوا باقي حقوقهم مما يكتسبه مستقبلاً فاضلاً عن قوته. (١) ٣ - ما روي عن النبي ﷺ أنه قال:"ليُّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته". (٢) فدل الحديث على أن الحبس والملازمة عقوبة تثبت لمن ظهر منه المطل مع غناه، أما من لم يظهر منه المطل وكان معسراً، فإن هذه العقوبة لا تثبت في حقه. ويجاب عن هذا الاستدلال: بأن الحديث غير ناف لجواز ملازمة من تعذر قضاؤه لدينه لعسره. كما أنه ليس في ملازمته إحلال لعرضه وعقوبته. - القول الثاني: جواز ملازمة صاحب الدين للمعسر المدين حتى يستوفى حقه. - وهذا قول: الحنفية (٣). - ومن أدلة هذا القول: ١ - ما رواه أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ اشترى من أعرابي بعيراً إلى أجل، فلما حل الأجل جاءه الأعرابي يتقاضاه، فقال الرسول ﷺ : "جئتنا وما عندنا شيء، ولكن أقم حتى تأتي الصدقة"، فجعل الأعرابي يقول واغدراه، فهم به عمر، فقال الرسول ﷺ :"دعه فإن لصاحب الحق مقالاً". (٤)

стр. 254

٢ - ما رواه ابن عباس ﵄: (أن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير. فقال له: والله ما عندي شيء اقضيه اليوم، قال والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل يتحمل عنك، قال: والله ما عندي قضاء، ولا أجد من يتحمل عني، قال: فجاء إلى رسول ﷺ وأخبره الخبر، فقال رسول الله ﷺ لصاحب الحق: "هل تنظره شهراً واحداً؟ "، قال: لا، قال: أنا أحمل بها، فقضى عنه رسول الله ﷺ ). (١) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الإعسار بالدين غير مانع لصاحب الحق من ملازمة المدين، ومطالبته بحقه. الترجيح: والراجح قول الحنفية، وهو: جواز ملازمة صاحب الدين للمعسر المدين، وأن قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] دال على الندب والإرشاد إلى ترك الملازمة والمطالبة، غير دال على وجوب ذلك في حق من له الحق. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى الذي دلت عليه الآية. والله تعالى أعلم.

стр. 255

قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال أبو جعفر الطحاوي: فقال قائل: فقد وجدنا في نفي الحجر ما هو أقوى من هذا، وهو قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة:٢٨٢] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فذكر في أول القصة المداينة ممن قد ذكر في آخرها أنه قد يكون سفيهاً أو ضعيفاً، وفي ذلك ما قد دل على جواز بيعه في حال سفهه. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعونه: أن السفه قد يكون في تضييع المال، وقد يكون فيما سواه مما لا تضييع للمال معه، كذلك هو في كلام العرب، يقولون: سفه فلان في ماله، سفه فلان في دينه، ومنه قول الله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]

стр. 256

قال أبو جعفر: وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: سَفِهَ نَفْسَهُ: أهلكها وأوبقها (١)، وقد يكون ذلك ممن يكون معه من الحزم في ماله ما ليس مع من لا يختلف في صلاحه في دينه. وقال الكسائي (٢): السفيه: الذي يعرف الحق، وينحرف عنه عناداً، وقرأ: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] قال: يقول: الذين عرفوا الأمر، وعندوا عنه. وروي عن رسول الله ﷺ مما قد تقدمت روايتنا له فيما قد تقدم من كتابنا هذا في (الِكبْرِ) أنه من يدفع الحق، وفي ذلك ما قد دل أنه أريد بذلك: من معه معرفة والعنود عنها، والتمسك بضدها. ففي ذلك ما قد دل: أن السفه المذكور في الآية التي تلونا ليس على سفه الفساد في المال، ولكنه على ما سواه من وجوه السفه. وقد قال قائل: إن هذه الآية التي تأولنا أدل أنه في القرآن على استعمال الحجر - وهو الشافعي - قال: لأن فيها: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فكان من حجتنا عليه في دفع ما تأولها عليه: في أول الآية من مداينة من قد وصف في آخرها بالسفه، وفي ذلك ما يدفع ما قال.

стр. 257

فإن قال قائل: فمن وليه المراد في آخر هذه الآية؟ كان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه وليُّ الدين الذي هو عليه، وفي الآية ما قد دل على هذا، وهي قوله : ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٨٢]، فلو كان وليه هو الذي يتولى عليه، كما ذكر هذا القائل، لم يخاطب بهذا الخطاب، لأنه لا يجر إلى نفسه ببخسه شيئاً، ولكنه حذر من ذلك خوفاً عليه أن ينقص الذي له عليه الدين طائفة مما عليه منه. وفيما ذكرنا دليل واضح على فساد ذلك التأويل، غير أن مذهبنا في الحجر استعماله والحكم به، وحفظ المال على من يملكه إذا كان مخوفاً عليه منه. (شرح مشكل الآثار -١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦) (وانظر: مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ٢١٨ - ٢١٩) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن الآية غير دالة على إثبات أو نفي الحجر على السفيه، أما عدم دلالتها على نفي الحجر: فلأن السفه في الآية ليس المراد به إفساد المال، وإنما المراد به الجهل بشروط الإملاء. وأما عدم دلالتها على إثبات الحجر: فلأن الله جل وعلا ذكر في أول الآية مداينة من قد وصف في آخرها بالسفه. ولأن المراد بالولي في قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ولي الدين لا ولي السفيه. وإليك أولاً: بيان (هل الآية دالة على نفي الحجر على السفيه؟). - القول الأول: أن الآية دالة على نفي الحجر على السفيه. - وهذا قول: الشافعي - والقاضي أبي يعلى. - ودليل هذا القول: أن الله جل وعلا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢].

стр. 258

فالمراد بالسفه في الآية: الجهل بالوجوه الصحيحة لصرف المال، وقد أجاز الله جل وعلا في الآية مداينة من هذا وصفه، فدل ذلك على انتفاء الحجر على السفيه. (١) - القول الثاني: أن الآية غير دالة على نفي الحجر على السفيه. - وهذا قوله: ابن عباس - وابن جبير - ومجاهد. - ودليل هذا القول: أن المراد بالسفه في الآية: الجهل بما يجب أن يملى على الكاتب. وعلى هذا القول: فليس في إجازة الله جل وعلا مداينة من هذا وصفه، دلالة على انتفاء الحجر على السفيه (٢) الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] فنهى جل وعلا عن إعطاء المال للمفسد له، الذي لا يحسن التصرف فيه. وفي هذه الآية: أجاز مداينة وإعطاء المال لمن وصفه بالسفه، فدل هذا على أنه ليس المراد (بالسفيه) هنا: الجاهل بالوجوه الصحيحة لصرف المال. وإنما المراد به: الجاهل بما يجب أن يُملى على الكاتب. ثانياً: بيان: (هل الآية دالة على إثبات الحجر على السفيه؟): - القول الأول: أن الآية دالة على إثبات الحجر على السفيه. - وهذا قول: الضحاك - وابن زيد - واختاره القاضي أبو يعلى - والزجاج. - ودليل هذا القول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا. . . فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. والمعنى: (فليملل ولي الذي عليه الحق الممنوع من الإملاء بالسفه). فالمراد بالولي في الآية: (ولي السفيه)

стр. 259

لأن العرب تقول: (ولي السفيه - ولي الضعيف) ولا تقول: (ولي الحق) وإنما تقول: (صاحب الحق). فلما أجاز الله جل وعلا لولي السفيه الإملاء عنه، دل ذلك على إثبات الحجر عليه. (١) - القول الثاني: أن الآية غير دالة على إثبات الحجر على السفيه. -وهذا قول: ابن عباس - والربيع بن أنس - وابن جبير - واختاره ابن قتيبة - والفراء - والطحاوي. - ودليل هذا القول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا. . . فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والمعنى: (فليملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل لأنه أعلم بحقه، ثم يكون الإقرار من المطلوب الذي عليه الحق). الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأمرين: ١ - أن الله تعالى أجاز في أول الآية مداينة الذي عليه الحق، ولو كان محجوراً عليه لما جازت مداينته. ٢ - أن ولي المحجور عليه لا يجوز إقراره عليه بالدين عند أحد من أهل العلم، وفي ذلك دليل على أن الله جل وعلا لم يرد بقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]: (ولي السفيه) وإنما أراد: (ولي الدين). (٢) وعلى هذا القول فالآية غير دالة على إثبات الحجر على السفيه. وعليه فإن الآية إنما جاءت لبيان جواز مداينة السفيه الجاهل بشروط الإملاء، على أن يتولى صاحب الدين الإملاء، مراعياً في ذلك الصدق والعدالة (٣). وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 260

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة:٢٨٣] قال أبو جعفر الطحاوي: قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] فدل ذلك على أن المقبوض ما وقعت عليه يد مرتهنه، وانتفت عنه يد راهنه. (شرح مشكل الآثار -١٥/ ٤٥٦) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] دال على وجوب الإقباض في الرهن. - وإليك بيان أقوال العلماء في هذه المسألة: - القول الأول: أن القبض شرط في لزوم وصحة الرهن. - وهذا قول: الجمهور. - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] عطف على ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجباً، وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة، فلا يصح إلا بها، كما لا تصح شهادة الشهود إلا بالأوصاف المذكورة، إذ كان ابتداء الخطاب قد توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب. ٢ - أن حكم الرهن مأخوذ من الآية، والآية إنما أجازت الرهن بهذه الصفة، فغير جائز إجازته على غيرها. ٣ - أن الرهن وثيقة للمرتهن بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة، وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن فيها.

стр. 261

وإنما جعل الرهن وثيقة للمرتهن ليكون محبوساً في يده بدينه، فيكون عند موت الراهن وإفلاسه أحق به من سائر الغرماء، ومتى لم يكن مقبوضاً في يده كان لغواً لا معنى فيه، وكان المرتهن وسائر الغرماء فيه سواء. - القول الثاني: أن القبض ليس شرطاً في لزوم وصحة الرهن. وإنما هو شرط في كمال فائدته. وعليه فيصح الارتهان بالإيجاب والقبول من دون القبض. وهذا قول: المالكية. (١) - الترجيح: والراجح هو قول الجمهور لصريح الآية. وأما قول المالكية فلا يعضده آية منزلة، ولا سنة ثابتة. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة:٢٨٤] قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن شهاب، عن ابن مرجانه (٢)،

стр. 262

قال: (ذكر لابن عباس أن ابن عمر تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] فبكى، ثم قال: والله لئن آخذنا الله بها لنهلكن، فقال ابن عباس: يرحم الله أبا عبد الرحمن قد وجد المسلمون منها حين نزلت ما وجد، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] من القول والعمل، وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد، ولا يقدر عليه أحد) (١)

стр. 263

قال أبو جعفر: ثم نظرنا هل روي عن رسول الله ﷺ في هذا السبب حديث غير هذا الحديث. فوجدنا عن أبي هريرة، قال: (لما نزلت على النبي ﷺ هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] الآية، جثوا على الركب، فقالوا: لا نطيق لا نستطيع، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى قوله جل وعز: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم. ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] الآية، قال: نعم). (١)

стр. 264

قال أبو جعفر: فكان هذا الحديث أحسن من حديث ابن شهاب وأصح إسناداً، ثم تأملناه، فوجدنا فيه عن أصحاب رسول الله ﷺ قولهم: لا نطيق لا نستطيع، كلفنا من العمل مالا نطيق وما لا نستطيع، وكان ذلك منهم عندنا - والله أعلم - على أنه وقع في قلوبهم أن الله أعلمهم بهذه الآية أنه يؤاخذهم بخواطر قلوبهم التي لا يستطيعونها ولا يملكونها من أنفسهم، فبين له فيما أنزل بعد ذلك، فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: لا يكلف الله نفساً ما لا تملكه، وبين بذلك أنه إنما كان أراد بقوله:: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] إنما هو ما يخفونه مما يستطيعون أن لا يخفوه، وما يبدونه مما يستطيعون أن يخفوه، لا الخواطر التي لا يستطيعون فيها إبداء ولا إخفاء، ولا يملكونها من أنفسهم. وقد روي عن ابن عباس من غير حديث ابن مَرْجانة في تأويل هذه الآية قول يخالف هذا القول. كما عن مقسم. (١) عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ. . .﴾ [البقرة:٢٨٤] قال: من الشهادة. قال أبو جعفر: فكان هذا التأويل عندنا غير صحيح، وكان التأويل الأول أولاهما بالآية، لأن كتمان الشهادة مما لا يغفر، لأنه حق من المشهود له. وفي الآية ما قد منع من ذلك، وهو قوله : ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤] والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار-٤/ ٣١١ - ٣١٦)

стр. 265

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] إنما هو ما يخفونه مما يستطيعون أن يبدوه، وما يبدونه مما يستطيعون أن يخفوه، فلا يدخل في ذلك الخواطر التي لا يستطيعون فيها إبداء ولا إخفاءه، كما لا يدخل في ذلك كتمان الشهادة، لأنها حق للمشهود له. وبهذا يتبين أن العلماء قد اختلفوا في المراد بـ (المخفي) في الآية على قولين:- القول الأول: - أنه عام في جميع المخفيات. وهذا قول: الجمهور. ثم اختلف أصحاب هذا القول، هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ؟ على قولين:- أ- أنه منسوخ بقوله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾] البقرة:٢٨٦]. - وهذا قول: ابن مسعود - وابن عباس - وأبي هريرة ﵃ و مجاهد - وسعيد بن جبير والحسن - وقتادة - والشعبي، وغيرهم. (١)

стр. 266

- ودليل هذا القول: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾] البقرة:٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله .

стр. 267

فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم - ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ﴿البقرة:٢٨٦] قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم- ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم. (١) - وقد رد هذا القول بما يلي:- ١ - أن الآية خبر، والنسخ إنما يقع في الأوامر والنواهي. ٢ - أنه لا يجوز على الله جل وعلا تكليف الإنسان بما ليس في وسعه، لأنه سفه وعبث. ٣ - أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على وقوع العقاب على تلك الخواطر، والصحيح أن الآية غير دالة على ذلك. ٤ - أن النسخ إنما يصح لو قلنا أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتزاز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن مدافعتها، والصحيح أنه لم يقع الأمر بذلك. ٥ - أن المراد بلفظ النسخ في الحديث: بيان المعنى، وإزالة التوهم في صرف اللفظ إلى غير المعنى المراد. (٢)

стр. 268

فإن قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]: لما كان بلفظ عام، ظن الصحابة - رضوان الله عليهم - أن الخواطر داخلة فيه. فجاء قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]: بياناً للمعنى المراد، وأن التكليف إنما هو بما في وسع الإنسان، وأما الخواطر فليست هي ولا دفعها مما في وسع الإنسان. وكان في هذا البيان كشف لكربهم، وفرج لهم. (١) فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] جاء تكليفاً بما في وسع الإنسان. وقوله تعالى ذكره: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] جاء بياناً للمراد، وليس لنسخ شيء كان مراداً. ب- أن حكم المؤاخذة بالمخفي، ثابت لم ينسخ. ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال:- ١ - أن حكم المؤاخذة ثابت على العموم. - وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - والحسن، واختاره القاضي أبو يعلى - وأبو سليمان الدمشقي. (٢) - ومعنى الآية: إن تبدوا ما في قلوبكم مما عزمتم عليه، أو تخفوه ولا تبدوه، وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله، فأما ما حدثتم به أنفسكم مما لم تعزموا عليه، فإن الله لا يحاسبكم عليه، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. (٣) ٢ - أن حكم المؤاخذة ثابت، لكن معناه: إطلاع العبد على فعله وإعلامه به. - وهذا قول: ابن عباس - والربيع بن أنس. (٤)

стр. 269

- ودليل هذا القول: ما جاء عن ابن عمر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه ، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول هل تعرف؟ فيقول: أيْ رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله " (١). فدل هذا الحديث على أن المحاسبة ليست بموجبة للمعاقبة (٢). ٣ - أن حكم المؤاخذة ثابت، لكن معناه: إنزال العقوبة والأذى بالعبد في الدنيا. - وهذا قول: عائشة ﵂. - ودليل هذا القول: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقال: " يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى الشوكة والبضاعة يضعها في كمه، فيفقدها، فيروع لها، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ". (٣) فدل هذا الحديث على: أن الله جل وعلا محاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم، وما أخفوا من أعمالهم، ومعاقبتهم عليها، غير أن معاقبته على ما أخفوه مما لم يعملوه، بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب. (٤) - القول الثاني: أنه خاص في نوع من المخفيات. ثم اختلف أصحاب هذا القول في تحديد هذا النوع الخاص إلى أقوال: ١ - أنه خاص بالشهادة. - وهذا قول: ابن عباس - وعكرمة - ومجاهد - والشعبي.

стр. 270

- ودليل هذا القول: أن الله جل وعلا لما نهى عن كتمان الشهادة في الآية المتقدمة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]. بين في هذه الآية أنه جل وعلا محاسب ومجازي على الكتمان والإظهار للشهادة. (١) - وقد رد هذه القول: بأن هذه الآية وإن جاءت بعد النهي عن كتمان الشهادة، فإنه لا يلزم قصرها عليه، لأن لفظ الآية أعم من ذلك. (٢). ٢ - أنه خاص بالشك واليقين. - وهذا قول: مجاهد. والمراد: أن الله جل وعلا يغفر لأهل اليقين، ويعذب أهل الشك والنفاق. - وقد رد هذا القول: بأنه تخصيص بلا مخصص. (٣) ٣ - أنه خاص بالسوء والمعصية. - وهذا قول: الكلبي - والزمخشري. (٤) قال أبو حيان: وهذا حسن، لأنه جاء بعد ذلك الغفران والتعذيب. (٥) فقال جل ذكره: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤] ٤ - أنه خاص بموالاة الكافرين دون المؤمنين. ومعنى الآية: إن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار، أو تسروها يحاسبكم بها الله. - وهذا قول: مقاتل - والواقدي. - ويستدل لهذا القول: بقوله جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٢٩ - ٢٨]

стр. 271

- وقد رد هذا القول: بأنه بعيد، لأن سياق الآية لا يقتضيه، وإن كان مراداً في سورة آل عمران، لكون سياق الآية يقتضيه. (١) - الترجيح: والقول الراجح هو أن هذه الآية محكمة عامة. فإنه ليس لله عبداً أسر عملاً أو أعلنه إلا والله جل وعلا محاسبه عليه، ثم يغفر ما يشاء، ويعذب بما يشاء. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة:٢٨٦] قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عباس، قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى قوله : ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، قالوا مثل ذلك، قال الله: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قالوا مثل ذلك، قال: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت، ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة:٢٨٦] قالوا مثل ذلك، قال الله: قد فعلت). (٢)

стр. 272

قال أبو جعفر: فسأل سائل عن المراد بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقال: النسيان ليس مما يملكونه من أنفسهم، فكيف يسألون أن لا يؤاخذوا به؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن النسيان الذي لا يملكونه من أنفسهم هو: النسيان من الأشياء التي هي أضداد للذكر لها، فذلك مما لا يؤاخذون به، ومما لا يجوز منهم سؤالهم ربهم أن لا يؤاخذهم به، وأما النسيان المذكور في هذه الآية، فإنما هو الترك على العمد بذلك كقول الله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾] التوبة:٦٢] في معنى: تركوا الله فتركهم. قال: فما المراد بقوله حكاية: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] والخطأ فهم غير مأخوذين به، كما قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن الخطأ الذي في الآية التي تلاها علينا الذي لا جناح فيه هو ضد ما يتعمدونه، كما قال : ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] والخطأ الذي في الآية التي تلوناها نحن عليه: هو الخطأ الذي يفعله من يفعله على أنه به مخطئ في اختياره له، وفي قصده إليه، وفي عمله به، ومنه قيل: خَطِئْت في كذا - مهموز - أي: عملت كذا خطيئة، فذلك مما عامله مأخوذ به معاقب عليه، أو معفو له عنه إن كان مما يجوز أن يُعفى له عن مثله. فبان بحمد الله أنهم رضوان الله عليهم سألوا ربهم في موضع سؤال، وأنه غفر لهم في شيئين، قد كان له أخذهم بها وعقوبتهم عليها، وهو المحمود على فضله في ذلك عليهم ورحمته لهم، وإياه نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٤/ ٣١٨ - ٣١٩) (وانظر: شرح مشكل الآثار -٦/ ٣٤٨ - ٣٥٠)

стр. 273

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالنسيان) في الآية هو: الترك على العمد. كما بين أن المراد (بالخطأ) في الآية هو: الخطأ الذي يفعله الإنسان، وهو مدرك أنه مخطئ في اختياره له، وفي عمله به. وإليك أولاً: بيان الأقوال في المراد بـ (النسيان) في الآية:- - القول الأول: أن المراد بالنسيان في الآية هو: الترك مع العمد. بمعنى: أن يترك العبد ما أمر به على وجه التفريط والتضيع له. فهذا هو النسيان الذي يرغب العبد إلى الله في ترك مؤاخذته به. - ومثال هذا النوع من النسيان: نسيان العبد للقرآن بعد حفظه، بتشاغله عنه وعن قراءته. - وقد ورد هذا النوع من النسيان في أكثر من آية في كتاب الله: كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه:١١٥] وكما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] - القول الثاني: أن المراد بالنسيان في الآية هو: حقيقة النسيان، الذي هو ضد الذكر وهو النسيان على وجه عجز الناس عن حفظ ما استحفظ ووكل به، وضعف عقله عن احتماله. وهذا النوع من النسيان هو الوارد في الحديث، الثابت عن الرسول ﷺ حيث يقول: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". (١) - ومثال هذا النوع من النسيان: نسيان العبد للقرآن بعد حفظه، مع حرصه على تذكره، ومدوامته على قراءته. - وقد ورد هذا النوع من النسيان في أكثر من آية في كتاب الله. كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]. وكما في قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف:٦٣]

стр. 274

- وقد رد هذا القول: بأن هذا النوع من النسيان هو من العبد غير معصية، وهو غير مؤاخذ به، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له. (١) - وقد أجيب عن هذا الرد بالأجوبة التالية:- ١ - أنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء، لقصد استدامته (٢). ٢ - أن هذا الدعاء على سبيل التقدير. وذلك لأن هؤلاء الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته، فلما كان لا يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ، كان وصفهم بهذا الدعاء إشعاراً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به. فكأنهم قالوا: (ربنا إن كان النسيان والخطأ مما تجوز المؤاخذة به، فلا تؤاخذنا به). ٣ - أن المقصود من هذا الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى، لا لطلب الفعل، ولذلك فإن الداعي كثيراً ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى فاعله، سواء دعا أو لم يدع - مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٩٤] وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]. فكل ما في هذه الآيات المتقدمة من دعاء وطلب، متحقق بدون طلب وكذا الآية التي معنا، فكان المقصود منها إظهار الحاجة إلى الله وكمال العبودية له وحده. (٣). ثانياً: بيان الأقوال في المراد بـ (الخطأ) في الآية:- القول الأول: أن المراد بالخطأ في الآية: الخطأ عن عمد. - ومعنى ذلك: أن يريد العبد غير ما تحسن إرادته، فيفعله بقصد منه وإرادة. فهذا هو الخطأ التام المؤاخذ به العبد. والذي يرغب العبد إلى ربه في عدم مؤاخذته به.

стр. 275

- ومثال هذا النوع من الخطأ: ما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١]. القول الثاني: أن المراد بالخطأ في الآية: الخطأ عن غير عمد. ومعنى ذلك: أن يريد العبد ما تحسن إرادته ولكن يقع منه فعل ما يخالف إرادته، فهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل. ومثال هذا النوع من الخطأ: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:٩٢] وهذا النوع من الخطأ هو المعني بقول الرسول ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". (١) - وقد رد هذا القول: بأن هذا النوع من الخطأ موضوع عن العبد المؤاخذة به، فلا وجه لمسألة العبد ربه ألا يؤاخذه به. (٢) الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة في المراد بالآية صواب، إذ اللغة دالة على ذلك، ولا مانع من إرادتها جميعاً. قال ابن فارس في مادة (نسي): النون والسين والياء: أصلان صحيحان يدل أحدهما على إغفال الشيء، والثاني على ترك شيء. وقال في مادة (خطو): الخاء والطاء والحرف المعتل والمهموز: يدل على تعدي الشيء والذهاب عنه. والخطأ من هذا النوع، لأنه مجاوزة حد الصواب، يقال (أخطأ): إذا تعدى الصواب، ويقال (خَطِئ - يخطأُ) إذا أذنب، لأنه يترك الوجه الخير (٣). أ هـ. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 276

سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران:٧] قال أبو جعفر الطحاوي: قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] فأعلمنا أن من كتابه آيات محكمات بالتأويل، وهي المتفق على تأويلها والمعقول المراد بها. وأن منه آيات متشابهات يلتمس تأويلها من الآيات المحكمات اللاتي هن أم الكتاب، وهي الآيات المختلفة في تأويلها.

стр. 277

ثم قال : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] والزيغ: الجور عن الاستقامة، وعن العدل، وترك الإنصاف لأهلها، فيتبعون ما تشابه منه. يطلبون بذلك مثل الذي كان من الأمم الخالية فيما جاءتهم به رسلهم صلوات الله عليهم. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧] وهي: فساد ذات البين، حتى يكون عنها القتل وما سواه مما يجلبه من البغضاء والشحناء، والتفرق الذي تجري معه الأمور بخلاف ما أمر الله به فيها بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ومن كان كذلك، خرج من الإسلام، وصار من غيره، واستحق النار ثم أخبر في هذه الآية بعجز الخلق عن تأويل المتشابه الذي ذكره فيها بقوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، ثم أخبر بما يقوله الراسخون في العلم في ذلك ليمتثلوه ويتمسكوا ويقتدوا بهم فيه وهو قوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] فهكذا يكون أهل الحق في المتشابه من القرآن يردونه إلى عالمه وهو الله ، ثم يلتمسون تأويله من المحكمات اللاتي هن أم الكتاب، فإن وجدوه فيها، عملوا به كما يعملون بالمحكمات، وإن لم يجدوه فيها لتقصير علومهم عنه، لم يتجاوزوا في ذلك الإيمان به، ورد حقيقته إلى الله ، ولم يستعملوا في ذلك الظنون التي حرم الله عليهم استعمالها في غيره، وإذا كان استعمالها في غيره حراماً، كان استعمالها فيه أحرم. (شرح مشكل الآثار -٦/ ٣٣٧ - ٣٤٠) الدراسة بين الإمام الطحاوي المراد بهذه الآية من خلال المسائل التالية:- ١ - بين أن الآيات المحكمات هي: الآيات المتفق على معرفة المراد بها. وأن الآيات المتشابهات هي: الآيات المختلف على معرفة المراد بها.

стр. 278

٢ - بين أن الآيات المتشابهات: لا يعلم المراد بها إلا الله جل وعلا. وأن موقف أهل العلم من الآيات المتشابهات: هو الاجتهاد في معرفة المراد بها، عن طريق عرضها على الآيات المحكمات، فإن بأن المراد بها عملوا بها. وإن تعذر معرفة المراد بها، توقفوا عن القول فيها بغير علم، وآمنوا بها، وردوا معرفة المراد بها إلى منزلها جل وعلا. ٣ - بين أن المراد بـ (الزيغ) في الآية هو: الجور عن الاستقامة وعن العدل. ٤ - بين أن المراد بـ (ابتغاء الفتنة) في الآية هو: إفساد ذات البين. وإليك بيان كل مسألة من المسائل المتقدمة:- المسألة الأولى: الأقوال في المراد بالآيات المحكمات - والآيات المتشابهات: القول الأول: أن الآيات المحكمات هي: أ- الآيات الثلاث التي في آخر سورة الأنعام: من قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.﴾ [الأنعام:١٥ - ١٥٣] ب- والآيات التي في سورة الإسراء. من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]. إلى قوله جل ذكره: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] والآيات المتشابهة هي: ما تشابه عليهم نحو: حروف التهجي التي في أوائل السور. - وهذا قول: ابن عباس ﵁. (١) القول الثاني: أن الآيات المحكمات هي: التي لم تتكرر ألفاظها. والآيات المتشابهة هي: التي تكررت ألفاظها. - وهذا قول: ابن زيد. (٢) القول الثالث: أن الآيات المحكمات هي: ناسخة وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به. والآيات المتشابهات هي: منسوخه، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به. وهذا قول: ابن عباس - وقتادة - والربيع - والضحاك.

стр. 279

القول الرابع: أن الآيات المحكمات هي: ما أوقف الله تعالى الخلق على معناها. والآيات المتشابهات هي: ما لا يُعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله جل وعلا. كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وما شابه ذلك. - وهذا قول: جابر بن عبد الله الأنصاري. القول الخامس: أن الآيات المحكمات هي: ما يستقل بنفسه في المعنى، ولم يحتج إلى استدلال. والآيات المشابهات هي: ما لا يستقل بنفسه في المعنى إلا بنوع استدلال، أو برد إلى غيره. - وهذا قول: مجاهد - وعكرمة - ومحمد بن جعفر بن الزبير - والشافعي - وأحمد بن حنبل - وابن الأنباري - وأبي جعفر النحاس. (١) الترجيح: إن كل قول من الأقوال المتقدمة قد خص كل واحد من القسمين بنوع معين من الصفات دون غيرها، والأمر أوسع مما قالوه جميعاً. (٢) وأظهر هذه الأقوال وأرجحها: القول الخامس: فالمحكم هو: ما كان واضح الدلالة، ظاهر المعنى، لا تلتبس فيه الآراء. والمتشابه هو: ما كان غامض الدلالة، خفي المعنى، تلتبس فيه الآراء، وتختلف فيه الأهواء. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: هل الراسخون في العلم يعلمون المراد بالآيات المتشابهات؟:- - القول الأول: أن الراسخين في العلم لا يعلمون المراد بالآيات المتشابهات. ولا يعلم المراد بها إلا الله جل وعلا. وعلى هذا القول يكون الوقف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] - وهذا قول: ابن عباس - وعائشة - وأبي بن كعب - والحسن - ومالك - وأكثر التابعين. وبه قال: الكسائي - والفراء - والأخفش - وأبو عبيد - وأبو حاتم السجستاني - والطبري. وهو قول: جمهور أهل العلم.

стр. 280

ومعنى الآية على هذا القول: وما يعلم تأويل المتشابهة إلا الله وحده منفرداً بعلمه. وأما الراسخون في العلم فإنهم يقولون آمنا بالمتشابهة والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله، على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته. (١) ومن قال بهذا القول: جعل (الواو) في قوله (والراسخون): للاستقبال، ولابتداء خطاب جديد غير متعلق بالأول. (٢) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن ابن مسعود ﵁ كان يقرأ هذه الآية فيقول: ﴿إن تأويله إلا عند اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. وكان ابن عباس ﵁ يقرأها - فيقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وهذه القراءة وإن لم تكن من القراءات السبع المتواترة فإنها مبينة للمراد بالآية. ٢ - أن الله جل وعلا مدح الراسخين في العلم بأنهم قالوا: (آمنا به) ولو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان في الإيمان به مدح، لأن من علم شيئاً على التفصيل لابد وأن يؤمن به. فكان المدح حاصلاً لهم على تفويض تعيين المراد إلى الله جل وعلا، ولم يحملهم عدم معرفة المراد على ترك الإيمان به. ٣ - أنه لو كان (الراسخون) معطوف على لفظ الجلالة (الله) للزم أن يكون (يقولون) خبراً لمبتدأ محذوف تقديره (هم) أو (هؤلاء) فيلزم الإضمار، وفي الإضمار ترك للظاهر، وترك الظاهر خلاف للأصل. ٤ - أن قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] يفيد ويقتضي أنهم آمنوا بما عرفوا بتفصيله، وبما لم يعرفوه بتفصيله، ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل، لخلا هذا القول عن الفائدة. (٣)

стр. 281

٥ - أنه لو أراد عطف الراسخين وبيان أنهم يعلمون المتشابه لجاء (بالواو) - فقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. ٦ - أن الله جل وعلا ذم مبتغي تأويل المتشابه في أول الآية. ولو كان ذلك للراسخين في العلم معلوماً، لكان مبتغيه ممدوحاً لا مذموما. ٧ - أن لفظة (أما) لتفصيل الجمل، فذكره لها في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] مع وصفه إياهم باتباع المتشابه. وابتغاء تأويله، يدل على أن هناك قسم آخر، يخالفهم في هذه الصفة وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ولو كانوا يعلمون تأويل المتشابه لم يخالفوا القسم الأول. (١) ٨ - أنه لا يجوز أن ينفي الله شيئاً عن الخلق ويثبته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] وكقوله جل ذكره: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] فكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] (٢). - القول الثاني: أن الراسخين في العلم يعلمون المراد بالآيات المتشابهات. وعلى هذا القول يجوز وصل الآية، ولا يلزم الوقف على لفظ الجلالة. - وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - والربيع - ومحمد بن جعفر بن الزبير - والقاسم بن محمد وغيرهم. - ومعنى الآية على هذا القول: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا. ومن قال بهذا القول: جعل (الواو) في قوله: (والراسخون): للعطف والجمع. (٣) ٠) - ومن أدلة هذا القول:

стр. 282

١ - أن (الواو) لما كان حقيقتها: الجمع والعطف، فالواجب حملها على حقيقتها ومقتضاها. ولا يجوز حملها على الابتداء، إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. (١) ١) ٢ - أن الله جل وعلا مدح الراسخين بثباتهم في العلم، فدل ذلك على أنهم يعلمون تأويل المتشابه. (٢) ٢) ٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات. فدل ذلك على أن الآيات المتشابهات لها معنى يُعقل ويُتدبر. (٣) ٣) الترجيح: وكلا القولين صواب، لأمرين: أ- أن التأويل في القرآن يطلق على معنيين: ١ - التأويل بمعنى: حقيقة الشيء، وما يؤول إليه معنى الكلام. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]. فإن أريد بالتأويل في الآية هذا: فالوقف على لفظ الجلالة (الله)، لأن حقائق الأمور كلها لا يعلمها على الحقيقة إلا الله جل وعلا. ٢ - التأويل بمعنى: التفسير والبيان والإيضاح للشيء. ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف:٣٦]. فإن أريد بالتأويل في الآية هذا: فالوقف يكون على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]. لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير الكتاب ويفهمونه. (٤) ٤) ب - أن المتشابه في القرآن يطلق على نوعين:- ١ - متشابه انفرد الله جل وعلا بعلمه، كالعلم بأمر الروح، وسائر المغيبات.

стр. 283

٢ - متشابه يمكن وصول الخلق إلى معرفته، ومثال ذلك قوله جل وعلا في عيسى ﵇: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٧١]. ولا يسمى أحد راسخاً في العلم إلا بأن يعلم من هذا النوع أكثره بحسب قدرته. فمن قال إن الراسخين في العلم لا يعلمون المراد بالآيات المتشابهات: فإنما أراد النوع الأول من المتشابه الذي تفرد الله بعلمه. والذي فيه علم للمتشابه على الكمال. (١) ٥) وبناء على ما تقدم فإنه يجوز الوقف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ويجوز وصله بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]. - ومما يدل على صحة التقسيم المتقدم: ١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فنفى إحاطة علمنا بجميع معاني المتشابه، ولم ينف بذلك أن يعلم الراسخون في العلم بعضها بإقامتهم الأدلة الدالة على المراد بها. كما قال جل ذكره: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] والأم: هي التي منها ابتداؤه وإليها مرجعه، فسمى المحكم أماً، فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليه ورده إليه.

стр. 284

ثم قال جل ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] فوصف متبع المتشابه من غير حمل له على معنى المحكم بالزيغ في قلبه. فاستحال بما تقدم أن تدل الآية على وجوب رد المتشابه إلى المحكم، وتدل أيضاً على نفي العلم بالمتشابه. (١) وبان بحمد الله جل وعلا أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] غير ناف لوقوع العلم ببعض المتشابه عند الراسخين في علم الكتاب. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: الأقوال في المراد بـ (الزيغ) في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧]:- - القول الأول: أن (الزيغ) هو: الميل عن الحق والهدى. والمعنى: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحراف عنه. ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨] أي لا تملها عن الحق. - وهذا قول: ابن مسعود - ومجاهد - ومحمد بن جعفر بن الزبير - وجماعة من الصحابة والتابعين. - القول الثاني: أن (الزيغ) هو: الشك. - وهذا قول: ابن مسعود - وابن عباس - ومجاهد. - القول الثالث: أن (الزيغ) هو: اللبس. - وهذا قول: مجاهد. - القول الرابع: أن (الزيغ) هو: الشرك. - وهذا قول: ذكره أبو المظفر السمعاني.

стр. 285

- القول الخامس: أن (الزيغ) هو: الشبهات التي تتعلق بالقلب. - وهذا قول: ذكره أبو المظفر السمعاني. (١) ٧) الترجيح: وهذه الأقوال المتقدمة متداخلة لا تعارض بينها، وأعمها القول الأول، فإن كل من مال عن الحق وانصرف عنه لأي سبب من الأسباب، عُدَّ زائغاً عن الحق. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: الأقوال في المراد بـ (الفتنة) في قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧]: - القول الأول: أن المراد (بالفتنة) هو: إفساد ذات البين. - وهذا قول الزجاج - والطحاوي. - القول الثاني: أن المراد (بالفتنة) هو: الكفر والضلال. - وهذا قول: السدي - والربيع - ومقاتل - وابن قتيبة. - القول الثالث: أن المراد (بالفتنة) هو: اللبس. - وهذا قول: محمد بن جعفر بن الزبير. - القول الرابع: أن المراد (بالفتنة) هو: الشرك. - وهذا قول: السدي - والربيع. - القول الخامس: أن المراد (بالفتنة) هو: الشبهات. - وهذا قول: مجاهد. (٢) ٨) الترجيح: هذه الأقوال المتقدمة متداخلة لا تعارض بينها، والاختلاف بينها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فيصح إرادتها من الآية جميعاً. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران:٤١]
следующие страницы →