← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال أبو جعفر الطحاوي: وجدنا الله قد ذكر تمتع المطلقات في ثلاثة مواضع من كتابه، وهي قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقوله : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٦]، فكان ذلك مما قد يحتمل أن يكون كمثل قوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] فكان ذلك على الندب والحض، لا على الإيجاب، فيكون مثل ذلك قوله في متع المطلقات: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يكون ذلك على الترغيب في ذلك، والحض عليه، فيكون في المطلقات جميعاً، مدخولاً بهن كن، أو غير مدخول بهن، كما قد روي عن علي ﵁ واحتمل أن يكون ذلك على الإيجاب لبعضهن دون بعض، كما قد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: (لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق، فحسبها نصف ما فرض لها) فكان في هذا من قول ابن عمر إخراج المطلقات قبل الدخول بهن من المتع اللاتي ذكرنا. ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر، فوجدنا الواجب إبدالاً من الإبضاع يجب بوقوع التزويجات وانعقادها لا بما سوى ذلك، ولما كانت المتع لا توجبها التزويجات اللاتي لا طلاق معها، كان بأن لا يوجبها الطلاق الذي يكون بعدها أحرى. فإن قال قائل: فقد رأينا الطلاق يوجب النفقة والسكنى في العدة، ولم يكونا واجبين قبل ذلك.

стр. 212

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن الأمر ليس كما ذكر، ولكنهما قد كانا واجبين بالتزويج وجوباً لم يرفعه الطلاق الواقع فيه، فهذه حجة في وجوب التمتع للمطلقات بعد الدخول، فأما المطلقات قبل الدخول، فقد اختلف أهل العلم فيهن: هل لهن متع يحكم بها على مطلقيهم الذين لم يكونوا فرضوا لهن صداقاً أم لا؟ فقال قائلون: لهن عليهم التمتع وإن كانوا قد اختلفوا في مقادير المتع، فقال قائلون منهم: هي المقدار الذي يجزئ في الصلاة من اللباس. وممن قال ذلك منهم كثير من الكوفيين، منهم أبو حنيفة، والثوري، والقائلون بقولهما. وقال آخرون منهم: مقدار المتعة في هذا هو نصف صداق مثلها من نسائها اللاتي يرجع في مثل صداقها إلى أمثال صدقات أمثالهن، وممن قال ذلك منهم حماد بن أبي سليمان، (١) وهذا هو الأولى مما قالوه في ذلك على أصولهم التي بنوا هذا المعنى عليها.

стр. 213

وقال قائلون من أهل العلم سواهم: إن المتع في هذا محضوض عليها، مأمور بها، غير مجبر عليها، وممن قال ذلك منهم: مالك بن أنس، وخالف الآخرين الذين ذكرناهم في ذلك، لأن أولئك يوجبونها، ويجبرون عليها، ويحبسون فيها، وكان الأولى مما قد قيل في ذلك عندنا - والله أعلم - الإيجاب لها، والحبس فيها، لأن التزويج وقع بلا تسمية صداق أوجب لها صداق مثلها على زوجها، كما أوجب ملك بضعها لزوجها، فلما وقع الطلاق قبل الدخول، أُسقط عن الزوج نصف الواجب عليه قبل الطلاق مما قد كان محبوساً في جميعه لو لم يطلق، فإذا طلق، فسقط عنه بالطلاق نصفه، بقي النصف الباقي عليه كما كان عليه قبل ذلك من فروضه إياه، وأخذه به، وحبسه فيه، كما إذا سمى لها صداقاً، ثم طلقها قبل دخوله بها، فزال عنه نصفه، يكون النصف الباقي لها عليه على حكم كله الذي كان لها عليه قبل الطلاق من لزومه إياه لها، ومن حبسه لها فيه. وقد رويت عن المتقدمين آثار في المتع بالطلاق نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله، فمنها: أن رجلاً خاصم إلى شريح (١) في متعة امرأته، فقال شريح: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:٢٤١]﴾ فإن كانت من المتقين، فعليك متعة. ولم يقض به. ومنها. عن سعيد بن جبير، (٢) قال: لكل مطلقة متعة وعن الحسن (٣) مثله.

стр. 214

ومنها عن عطاء، قال: لكل مطلقة متاع، إلا التي طلقها قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فلها نصف الصداق وعن الشعبي (١) مثله. ومنها عن الضحاك (٢)، أنه قال: لكل مطلقة متاع حتى المختلعة وفيما ذكرنا فيما قد تقدم من هذا الباب ما قد دل على الصحيح مما قد قالوه في ذلك مما ذكرناه عنهم، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٧/ ٥٦ - ٦٣). الدراسة استدل الإمام الطحاوي بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] على: أن متعة المطلقة غير واجبة، وإنما هي من الأمور المندوب إليها. وإليك بيان الأقوال في مسألة: حكم تمتع المطلقات، وهل الآية دالة على وجوبه أم الندب إليه؟:- - القول الأول: أن المتعة للمطلقة مندوب إليها. - وهذا قول: ابن أبي ليلى - وأبي الزناد - والليث - ومالك - وبه حكم شريح القاضي. - ودليل هذا القول: أن قوله جل وعلا: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] وقوله ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فيه دلالة على أن المتعة لو كانت واجبة وجوب الحقوق المالية اللازمة بكل حال، لما خص المتقون والمحسنون بأنها واجبة عليهم دون غيرهم. فلما خصهم بالذكر دون غيرهم دل ذلك على أن المتعة مندوب إليها وليست بواجبة، لأن الواجبات لا يختلف فيها المتقون والمحسنون وغيرهم. - الرد على هذا الاستدلال: ١ - أنه يلزم القائل بالندب، ألا يجعل الأمر بالمتعة في الآية ندب، لأن ما كان ندباً لا يختلف فيه المحسنون وغيرهم.

стр. 215

فإذا جاز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في المندوب إليه من المتعة وهم وغيرهم سواء، فكذلك جائز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في الإيجاب، ويكونون هم وغيرهم فيه سواء. ٢ - أن الله جل وعلا إنما ذكر المحسنين والمتقين في الأمر بالمتعة: تأكيداً لوجوبها، وليس في تخصيصهم بالذكر نفياً لإيجابها على غيرهم. كما قال جل وعلا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] فذكر أن هذا القرآن هدى للمتقين، مع كونه هدى لكافة الناس. ولم يكن في ذلك ما يوجب أن لا يكون هدى لغير المتقين. ٣ - أنه على فرضية صحة هذا القول وأن الأمر للندب لكونه خصه بالمحسنين والمتقين، فإن قوله جل وعلا: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩] دال على أن ذلك عام في الجميع بالاتفاق، فوجب حمل الآيتين المتقدمتين على ذلك، والقول بوجوب متعة المطلقة. - القول الثاني: أن المتعة للمطلقة واجبة. - وهذا قول: جمهور العلماء. - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿ومتعوهن﴾ وقال: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ فهذا أمر من الله جل وعلا، والأمر يقتضي الوجوب حتى يقوم الدليل على خلافه. ٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] وقال: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قولك (حقاً عليك). فـ (حقاً عليك) بمعنى (واجب عليك). ٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال:: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وفي هذا التخصيص تأكيد لإيجاب المتعة، إذ جعلها من شرط الإحسان والتقوى، والإحسان والتقوى مطلب واجب على كل مؤمن، إذ أن الله جل وعلا قد أمر جميع عباده بأن يكونوا من المحسنين ومن المتقين، وما وجب من حق على المحسنين والمتقين فعلى غيرهم أوجب ولهم ألزم.

стр. 216

٤ - أن الله جل وعلا قال:: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فاللام في قوله (للمطلقات) للملك، وهذا يقتضي الوجوب، لأن ما كان ملكاً لإنسان فله حق المطالبة به، وقد جعل الله تعالى المتعة ملكاً للمطلقة، فهي واجبة لها، ولها حق المطالبة بها. ٥ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] وهذا دال على الوجوب، لأن ما ليس بواجب، غير معتبر بحال الرجل، إذ له أن يفعل ما شاء منه في حال اليسار والإعسار فلما قدر المتعة بحال الرجل، ولم يطلقها، ولم يخير الرجل فيها، دل على وجوبها. (١) الترجيح: والقول الراجح هو أن الآية دالة على وجوب المتعة للمطلقة، لأن الله جل وعلا أمر بها في الآية، وأمره جل وعلا فرض واجب، إلا أن يبين جل ذكره في كتابه أو على لسان رسوله، أنه عنى به الندب لا الوجوب. ولأن هذا هو قول جمهور الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلالة. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة:٢٣٧] قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا، والثوري، وابن شبرمة (٢)،

стр. 217

والأوزاعي، والشافعي: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] هو: الزوج، بأن يتم لها كمال المهر بعد الطلاق قبل الدخول، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ے [البقرة:٢٣٧]: للبكر والثيب. وقال مالك: إذا طلقها قبل الدخول وهي بكر جاز عفو أبيها. عن نصف الصداق، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] اللاتي قد دخل بهن. قال: ولا يجوز لأحد أن يعفو عن شئ من الصداق إلا الأب وحده لا وصي ولا غيره. وقال الليث: (١) لأبي البكر أن يضع من صداقها عند عقدة النكاح وإن كرهت، ويجوز عليها، وبعد عقد النكاح: ليس له أن يضع شيئاً من صداقها، ولا يجوز عفوه أيضاً عن شيء من صداقها بعد الطلاق قبل الدخول، ويجوز له مبارأة زوجها وهي كارهة، إذا كان ذلك نظراً من أبيها لها، وكما لم يجز للأب أن يضع لزوجها شيئاً من صداقها بعد النكاح، كذلك لا يعفو عن نصف صداقها بعد ذلك. وذكر ابن وهب (٢) عن مالك: أن مبارأته عليها جائز. قال أبو جعفر: روي عن علي، وجبير بن مطعم (٣) في (بيده عقدة النكاح): أنه الزوج. وعن ابن عباس: هو أبوها.

стр. 218

وقال مالك: إن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] على البكر تعتد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالآية في المطلقة غير المدخول بها. (مختصر اختلاف العلماء -٢/ ٢٦٤). الدراسة بين الإمام الطحاوي الأقوال في المراد بمن يملك عقدة النكاح، (والعفو) المطلوب منه، في قوله جل وعلا: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]. ? وإليك بيان هذه الأقوال وأدلتها، مع بيان القول الراجح منها:- - القول الأول: أن الذي بيده عقدة النكاح هو: الولي. وعفو الولي هو: أن يترك للزوج كمال المهر إذا طلق الزوجة قبل الدخول بها. - وهذا قول: ابن عباس - وعلقمة - والنخعي - ومجاهد - والحسن - وعكرمة. وإليه ذهب: مالك - والشافعي في القديم - وأحمد في رواية عنه. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا - قال في أول الآية: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] فهذا خطاب للأزواج، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] وهذا خطاب للزوجات. ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]. وهذا مخاطب ثالث، فيلزم أن يكون المراد به (الولي) ولايرد إلى الأزواج، لأنه قد سبق ذكرهم. (٢)

стр. 219

ويرد على هذا الاستدلال: بأن الله جل وعلا قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فعدل عن الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو - وهذا المعنى هو: أو يعفو الزوج الذي حبس زوجته بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج، ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإنما كان الفراق منه لعدم رغبة فيها، فلا جرم أنه كان حقيقياً بأن لا ينقصها من مهرها، ويكمل لها صداقها. (١) ٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها، لا عفو لهما، فبين الله جل وعلا القسمين: فقال في القسم الأول: ﴿إِلَّا أَنْ﴾ يَعْفُونَ [البقرة:٢٣٧] أي: إن كن لذلك أهلاً. ثم ذكر القسم الثاني، فقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] أي الولي، إن لم يكن أهلاً لذلك. (٢) الرد على هذا الاستدلال: أن الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] فأرد بذلك النساء التي جرى ذكرهن في الآية المتقدمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة:٢٣٦] فذكر أن الذين يعفون هم النساء - والصبايا - لا يسمين (نساء) وعلى ذلك فلا يصح أن يكون المراد بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] الولي على غير البالغات. وإن كان المراد بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] الولي على البالغات، فلا يصح أيضاً، لأنه بالإجماع لا ولاية له عليهن. (٣)

стр. 220

٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالخطاب للزوج في أول الآية، فلو كان الزوج هو المراد بالعفو، لقال: (إلا أن يعفون أو تعفوا). ولم يقل: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فدل سياق الكلام على أن المراد هو الولي لا الزوج (١). - الرد على هذا الاستدلال: أن هذا الأسلوب هو من باب الالتفات، إذ فيه خروج من الخطاب إلى الغيبة وهذا وارد في اللغة، ولا إشكال في ذلك. (٢) ٤ - أن الله جل وعلا قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] ولو كان المراد الزوج لقال: (أو يعفو الزوج) لما تقدم من ذكر الزوج. - الرد على هذا الاستدلال: أنه لو كان المراد الولي لقال: (أو يعفو الولي) ولم يورد لفظاً يشترك فيه الزوج والولي. فهذا الاستدلال لا وجه له في الصحة، لأن الله جل وعلا يذكر إيجاب الأحكام تارة بالنصوص، وتارة بالدلالة على المعنى المراد من غير نص عليه، وتارة بلفظ يحتمل معاني عدة، وهو في بعضها أظهر وأولى، وتارة بلفظ مشترك يتناول معاني مختلفة يحتاج في الوصول إلى المراد بها الاستدلال عليه من غيره. وكل هذه الأوجه واردة في القرآن، ولا مانع منها. (٣) ٥ - أن الله جل وعلا قال:: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فأجاز الله جل وعلا عفو الذي بيده عقدة نكاح المطلقة. فكان معلوماً بذلك أن الزوج غير معني بالآية، لأن الزوج إذا طلق زوجته بطل أن يكون بيده عقدة نكاحها. وفي عدم صحة القول بأنه الزوج، صحة القول بأنه الولي. - الرد على هذا الاستدلال:

стр. 221

أ-أن معنى قوله تعالى:: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] أي: (أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحه) وهو الزوج، فإن بيده عقدة نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، وليس المعنى: (أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحهن). ب-أو يقال إنه جل وعلا قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] تعبيراً بذلك عن حالة الزوج السابقة. ج-أن ولي المرأة لا يملك عقد نكاح المرأة بغير إذنها، إلا في حالة طفولتها، وتلك حال لا يملك العقد عليها إلا بعض أوليائها، في قول أكثر من رأى (أن الذي بيده عقدة النكاح) هو: الولي. والله جل وعلا لم يخصص بعض الأولياء دون بعض في الآية. فيبطل الاستدلال بالآية من هذا الوجه. (١) ٦ - أن اللغة توجب أن الزوج إذا أعطى الصداق كاملاً، ألا يقال له عاف، ولكن يقال له: واهب. لأن العفو إنما هو ترك الشيء وإذهابه، ومنه قولهم: (عفت الديار) ومنه قولك: (عفا الله عنك). (٢) - الرد على هذا الاستدلال: أن إعطاء الزوج المهر كاملاً، إنما سمي عفواً لأحد أمرين: أ- إما على طريق المشاكلة، لأن قبله - قوله جل ذكره: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧]. ب- أو لأن من عادات العرب أنهم كانوا يسوقون المهر كاملاً عند التزوج، فسمي ترك أخذهم النصف مما ساقوه: عفواً. (٣) - القول الثاني: أن الذي بيده عقدة النكاح هو: الزوج. وعفو الزوج هو: أن يتم للزوجة كمال المهر إذا طلقها قبل الدخول. - وهذا قول: علي بن أبي طالب - وجبير بن مطعم - وسعيد بن جبير - وسعيد بن المسيب.

стр. 222

وإليه ذهب: أبو حنيفة وأصحابه - والشافعي في أصح قوليه- وأحمد بن حنبل في رواية عنه - والثوري - والأوزاعي. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أنه لما كان قول الله جل وعلا: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] من المتشابه، لاحتماله القولين المذكورين عن السلف، وجب رده إلى المحكم الذي لا خلاف فيه وهو: قوله جل وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] فذكر جل ذكره: ترك الزوج الصداق على الزوجة، وتركها الصداق له. وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٢٩]. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠] فدلت الآيتان علىمنع الزوج من انتزاع شيء من الزوجة إلا أن تتركه هي له أو يترك هو لها ما استحق استرجاعه منها. فكذلك ينبغي أن يكون اللائق بالآية هنا: أنه خطاب للزوجين جميعاً. فإنه جل ذكره رغب الزوجة أولاً بالعفو عما لها بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧]. ثم رغب الزوج ثانياً بالعفو عما له بقوله:: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] (٢). ٢ - أن الذي بيد الولي (عقدة النكاح) فإذا عقد، حصلت (عقدة النكاح). في يد الزوج، وخرجت من يده. (٣)

стр. 223

٣ - أن (العفو) إنما يطلق على ملك الإنسان، وعفو الولي، عفو عما لا يملك، فلو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق، لم يجز، فكذلك بعده، لعدم صحة عفوه. ٤ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] والفضل في هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره. فغير جائز للولي هبة شيء من مال الزوجة للزوج ولا لغيره، فكذلك مهرها لأنه مالها، فلا أحد يستحق الولاية على غيره في هبة ماله. (١) الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] هو: الزوج، وذلك لما يلي: ١ - قوة أدلة هذا القول وعدم ثبوت المعارض، خلافاً للقول الثاني. ٢ - أن في القول بأن المراد بالآية (الولي) تكراراً للمعنى المتقدم في الآية، لأن عفو الولي هو بذاته عفو المرأة، خلافاً لعفو الزوج، فيكون هو المراد. ٣ - لما رواه محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁: (أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، فأكمل الصداق لها، وقال أنا أحق بالعفو). (٢) وهذا يدل على أن الصحابة ﵃ فهموا من الآية، أن المراد بالعفو هو الصادر من الزوج، لا الصادر من الولي. وبهذا يتبين أن ما بدأ به الإمام الطحاوي من الأقوال هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن الزبرقان (٣)

стр. 224

قال: إن رهطاً من قريش اجتمعوا، فمر: بهم زيد بن ثابت، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: (هي الظهر). فقام إليه رجلان منهم، فقال: (هي الظهر)، إن رسول الله ﷺ ، كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم، وتجارتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] فقال النبي ﷺ : (لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم). (١) عن عبد الرحمن بن أفلح، (٢) أن نفراً من أصحابه أرسلوه إلى عبد الله بن عمر يسأله، عن الصلاة الوسطى، فقال: اقرأ ﵈، وأخبرهم أنا كنا نتحدث أنها التي في إثر الضحى. قال: فردوني إليه الثانية، فقلت: يقرؤن عليك السلام، ويقولون بين لنا أي صلاة هي؟ فقال: اقرأ ﵈ وأخبرهم أنا كنا نتحدث أنها الصلاة التي وجه فيها رسول الله ﷺ الكعبة، قال: وقد عرفناها: (هي الظهر). قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى ما ذكرنا، فقالوا: هي الظهر، واحتجوا في ذلك بما احتج به زيد بن ثابت، على ما ذكرناه عنه، وبما رويناه في ذلك عن ابن عمر. وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت، فليس فيه عن النبي ﷺ إلا قوله: (لينتهين أقوام أو لأحرقن عليهم بيوتهم) وأن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، ولا يجتمع معه إلا الصف والصفان، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فاستدل هو بذلك على أنها الظهر، فهذا قول من زيد بن ثابت، ولم يروه عن رسول الله ﷺ .

стр. 225

وليس في هذه الآية - عندنا - دليل على ذلك، لأنه قد يجوز أن تكون هذه الآية أنزلت للمحافظة على الصلوات كلها، الوسطى وغيرها. فكانت الظهر فيما أريد وليست هي الوسطى، فوجب بهذه الآية المحافظة على الصلوات كلها، ومن المحافظة عليها حضورها حيث تصلى. فقال لهم النبي ﷺ في الصلاة التي يفرطون في حضورها: (لينتهين أقوام أو لأحرقن عليهم بيوتهم) يريد: لينتهين أقوام عن تضييع هذه الصلاة التي قد أمرهم الله بالمحافظة عليها أو لأحرقن عليهم بيوتهم، وليس في شيء من ذلك دليل على الصلاة الوسطى أي صلاة هي منهن. وقد قال قوم: إن قول رسول الله ﷺ هذا، لم يكن لصلاة الظهر، وإنما كان لصلاة الجمعة عن عبد الله، (١) عن النبي ﷺ أنه قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة في بيوتهم). (٢) فهذا ابن مسعود يخبر أن قول النبي ﷺ ذلك إنما كان للمتخلفين عن الجمعة في بيوتهم. ولم يستدل هو بذلك على أن الجمعة هي الصلاة الوسطى، بل قال بضد ذلك وأنها العصر، وسنأتي بذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد وافق ابن مسعود ﵁ على ما قال من ذلك غيره من التابعين ..

стр. 226

عن الحسن قال: كانت الصلاة التي أراد رسول الله ﷺ أن يحرق على أهلها، صلاة الجمعة. وقد روي عن أبي هريرة ﵁ خلاف ذلك أيضاً عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر رجلاً بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مرماتين (١) حسنتين لشهد العشاء) (٢) فهذا أبو هريرة ﵁ يخبر أن الصلاة التي قال فيها النبي ﷺ هذا القول، هي العشاء، ولم يدله ذلك على أنها هي الصلاة الوسطى، بل وقد روى عن النبي ﷺ خلاف ذلك، مما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد وافق أبا هريرة ﵁ من التابعين على ما قال من ذلك سعيد بن المسيب (٣)

стр. 227

وقد روي عن جابر بن عبد الله ﵁ خلاف ذلك كله وأن ذلك القول لم يكن من النبي ﷺ لحال الصلاة، وإنما كان لحال أخرى قال أبو الزبير (١) سألت جابراً أقال رسول الله ﷺ : (لولا شيء لأمرت رجلاً أن يصلي بالناس، ثم حرقت بيوتاً، على ما فيها). قال جابر إنما قال ذلك من أجل رجل بلغه عنه شيء فقال: (لئن لم ينته لأحرقن بيته على مافيه). (٢) فهذا جابر يخبر أن ذلك القول من النبي ﷺ ، إنما كان للتخلف عما لا ينبغي التخلف عنه. فليس في هذا ولا في شيء مما تقدمه الدليل على الصلاة الوسطى ما هي. فلما انتفى بما ذكرنا أن يكون فيما روينا عن زيد بن ثابت في شيء من ذلك دليل، رجعنا إلى ما روي، عن ابن عمر، فإذا ليس فيه حكاية عن النبي ﷺ ، وإنما هو من قوله لأنه قال هي الصلاة التي وجه فيها رسول الله ﷺ إلى الكعبة. وقد روي عنه من غير هذا الوجه خلاف ذلك عن سالم عن أبيه قال: (الصلاة الوسطى صلاة العصر). فلما تضاد ما روي في ذلك، عن ابن عمر دل هذا على أنه لم يكن عنده فيه شيء عن النبي ﷺ ، ورجعنا إلى ما روي عن غيره فإذا عن أبي رجاء (٣) قال: (صليت خلف ابن عباس ﵄ الغداة فقنت قبل الركوع، وقال هذه الصلاة الوسطى)

стр. 228

وعن أبي العالية (١) قال: (صليت خلف أبي موسى الأشعري (٢) صلاة الصبح، فقال رجل إلى جنبي من أصحاب النبي ﷺ (هذه الصلاة الوسطى). فكان ما ذهب إليه ابن عباس ﵄ من هذا هو قول الله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فكان ذلك القنوت عنده هو قنوت الصبح، فجعل بذلك الصلاة الوسطى هي الصلاة التي فيها القنوت عنده. وقد خولف ابن عباس ﵁ في هذه الآية، فيم نزلت؟ عن زيد بن أرقم، (٣) قال: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأمرنا بالسكوت) (٤) وعن مجاهد (٥)

стр. 229

قال: (كانوا يتكلمون في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية) فالقنوت السكوت، والقنوت الطاعة وعن مجاهد في هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] قال: (من القنوت الركوع والسجود وخفض الجناح، وغض البصر من رهبة الله) وعن عامر الشعبي، قال: (لو كان القنوت كما تقولون، لم يكن للنبي ﷺ منه شيء، إنما القنوت الطاعة، يعني: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب:٣١] وعن أبي الأشهب (١) قال: (سألت جابر بن زيد (٢) عن القنوت، فقال الصلاة كلها قنوت، أما الذي تصنعون فلا أدري ما هو). فهذا زيد بن أرقم ومن ذكرنا معه، يخبرون أن ذلك القنوت الذي أمر به في هذه الآية، هو السكوت عن الكلام الذي كانوا يتكلمون به في الصلاة. فيخرج بذلك أن يكون في هذه الآية دليل على أن القنوت المذكور فيها، هو القنوت المفعول في صلاة الصبح، وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في صلاة الصبح فلو كان هذا القنوت المذكور في هذه الآية، هو القنوت في صلاة الصبح إذاً لما تركه، إذا كان قد أمر به الكتاب. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أن الذي ذهب إليه في ذلك، معنى آخر عن ابن عباس قال: (الصلاة الوسطى هي الصبح، فصل بين سواد الليل وبياض النهار). فهذا ابن عباس قد أخبر في هذا الحديث أن الذي جعل صلاة الغداة به، هي الصلاة الوسطى، هذه هي العلة.

стр. 230

وقد يحتمل أيضاً أن يكون قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أراد به في صلاة الصبح، فيكون ذلك القنوت، هو طول القيام، كما قال النبي ﷺ لما سأل أي الصلاة أفضل فقال: (طول القنوت). (١) وقد يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أراد به في كل الصلوات صلاة الوسطى وغيرها. وقد روي عن ابن عباس ﵄ في الصلاة الوسطى أنها العصر. فلما اختلف عن ابن عباس ﵄ في ذلك، أردنا أن ننظر فيما روي عن غيره. وذهب أيضاً من ذهب إلى أنها غير العصر أنه قد روي عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك عن عمرو بن رافع (٢) مولى عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان يكتب المصاحف على عهد أزواج النبي ﷺ : قال استكتبتني حفصة (٣) ﵂ بنت عمر ﵁ زوج النبي ﷺ مصحفاً، وقالت لي: (إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة، فلا تكتبها حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله ﷺ . قال فلما بلغتها أتيتها بالورقة التي أكتبها فقالت أكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر). (٤)

стр. 231

وعن أم حميد بنت عبد الرحمن (١)، سألت عائشة ﵂ عن قول الله : (الصلاة الوسطى) فقالت: كنا نقرؤها على الحرف الأول، على عهد رسول الله ﷺ : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). (٢) قالوا فلما قال الله في هذه الآثار عن النبي ﷺ : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) ثبت بذلك أن الوسطى غير العصر. وليس في ذلك دليل عندنا على ما ذكروا، لأنه قد يجوز أن يكون العصر مسماة بالعصر، ومسماة بالوسطى فذكرها ههنا باسميهما جميعاً. هذا يجوز لو ثبت ما في تلك الآثار من التلاوة الزائدة، على التلاوة التي قامت بها الحجة، مع أن التلاوة التي قامت بها الحجة، دافعة لكل ما خالفها. وقد روي أن الذي كان في مصحف حفصة من ذلك، غير ما رويناه في الآثار الأول عن عمرو بن رافع، قال: كان مكتوباً في مصحف حفصة بنت عمر ﵄: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر، وقوموا لله قانتين). (٣) فقد ثبت بهذا ما صرفنا إليه تأويل الآثار الأول من قوله: (حافظوا على الصلوت والصلاة الوسطى وصلاة العصر) أنه سمى صلاة العصر بالعصر وبالوسطى. فقد ثبت بهذا قول من ذهب إلى أنها صلاة العصر.

стр. 232

وقد روي عن البراء بن عازب في ذلك، ما يدل على نسخ ما روي في ذلك عن حفصة ﵂ وعائشة ﵂. عن البراء بن عازب، قال: نزلت (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾] البقرة:٢٣٨]. (١) فأخبر البراء بن عازب في هذا الحديث أن التلاوة الأولى، هي ما روت عائشة وحفصة ﵄، وأنه نسخ ذلك التلاوة التي قامت بها الحجة. فإن كان قوله الثاني: (والصلاة الوسطى) نسخاً للعصر أن تكون هي الوسطى فذلك نسخ لها. وإن كان نسخاً لتلاوة أحد إسميها وتثبيت اسمها الآخر، فإنه قد ثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. فلما احتمال هذا ما ذكرنا، عدنا إلى ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك عن علي ﵁، قال: (قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن صلاة العصر، حتى كادت الشمس أن تغيب، فقال رسول الله ﷺ : " اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى ناراً، واملأ بيوتهم ناراً، واملأ قبورهم ناراً " قال علي ﵁: كنا نرى أنها صلاة الفجر). (٢) فهذا علي ﵁ قد أخبر أنهم كانوا يرونها قبل قول النبي ﷺ هذا، الصبح، حتى سمعوا النبي ﷺ يومئذ يقول هذا، فعلموا أنها العصر

стр. 233

وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق، ثم ذكر مثله. (١) فهذا ابن عباس ﵄ يخبر عن النبي ﷺ أنها صلاة العصر، فكيف يجوز أن يقبل عنه من رأيه، ويخالف ذلك وعن أبي هريرة، أنه أقبل حتى نزل دمشق على آل أبي كلثم الدوسي، فأتى المسجد فجلس في غربيه، فتذاكروا الصلاة الوسطى، فاختلفوا فيها، فقال: اختلفنا فيها، كما اختلفتم، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ ، وفينا الرجل الصالح، أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (٢)، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فأتى رسول الله ﷺ وكان جرياً عليه، فاستأذن فدخل، ثم خرج إلينا، فأخبرنا أنها صلاة العصر (٣) وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الوسطى صلاة العصر)) (٤) وعن سمرة (٥)

стр. 234

عن النبي ﷺ مثله. (١) فهذه آثار قد تواترت وجاءت مجيئاً صحياً، عن رسول الله ﷺ أن الصلاة الوسطى، هي العصر. وقد قال بذلك أيضاً جلة من أصحاب رسول الله ﷺ عن أبي بن كعب، (٢) قال: (الصلاة الوسطى صلاة العصر). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مثله وعن علي ﵁ مثله وعن عبد الرحمن بن لبيبة الطائفي، (٣) أنه سأل أبا هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: (سأقرأ عليك القرآن حتى تعرفها، أليس يقول الله في كتابه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]: المغرب، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨]: العتمة، ويقول: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]: الصبح، ثم قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]- هي: صلاة العصر. فإن قال قائل: ولم سميت صلاة الوسطى صلاة العصر؟ قيل له: قد قال الناس في هذا قولين: فقال قوم: سميت بذلك لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وبين صلاتين من صلاة النهار.

стр. 235

وقال آخرون في ذلك إن أبا عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن عائشة (١) يقول: إن آدم ﵇، لما تيب عليه عند الفجر، صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إسحاق عند الظهر فصلى إبراهيم ﵇ أربعاً، فصارت الظهر، وبعث عزير فقيل له كم لبثت؟ فقال: يوماً، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات فصارت العصر. وقد قيل غفر لعزير ﵇، وغفر لداود ﵇، عند المغرب، فقام فصلى أربع ركعات، فجهد فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثاً. وأول من صلى العشاء الآخرة، نبينا محمد ﷺ ، فلذلك قالوا الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. فهذه - عندنا - معنى صحيح، لأن أول الصلوات إن كانت الصبح، وآخرها العشاء الآخرة، فالوسطى فيما بين الأولى والآخرة هي العصر، فلذلك قلنا إن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وهذا قول: أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، رحمهم الله تعالى. (شرح معاني الآثار - ١/ ١٦٧ - ١٧٦). الدراسة ذكر الإمام الطحاوي ثلاثة أقوال في المراد بقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. مرجحاً أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة العصر. وهذه الآية من الآيات التي أشكل على العلماء معرفة المراد بها، حتى إن شرف الدين أبا محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي - صنف فيها كتاباً أسماه بـ (كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى) ذكر فيه قرابة عشرين قولاً.

стр. 236

وفي الحقيقة أن هذه الأقوال المتعددة تعتمد على مجرد الاجتهاد والتخمين، وتفتقدالدليل الدال على أن المراد بالآية هو هذا القول دون غيره، خلا القول أن المراد بها صلاة العصر، ومع ذلك فسأذكر للقارئ بعض هذه الأقوال والتي هي أقرب للصواب من غيرها:- القول الأول: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة الصبح. - وهذا قول: علي بن أبي طالب - وابن عباس - وابن عمر ﵃. وإليه ذهب: الإمام مالك - والشافعي. (١) وسميت وسطى: لأنها وسطى بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة النهار. ولأنها وسطى بين سواد الليل وبياض النهار. (٢) - ودليل هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فقرن الله جل وعلا هذه الصلاة بالقنوت، وليس في الشرع صلاة ثبت القنوت فيها إلا صلاة الصبح. (٣) الرد على هذا الاستدلال: أن في المراد بالقنوت في الآية عدة أقوال منها: ١ - المراد بالقنوت: الدعاء - وهو مروي عن ابن عباس ﵁. ٢ - المراد بالقنوت: الخشوع - وهو قول مجاهد، والربيع. ٣ - المراد بالقنوت: مصلين أو عابدين - وهو مروي عن ابن عمر ﵁. ٤ - المراد بالقنوت: طول القيام - وهو مروي عن ابن عمر ﵁. ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩]. ٥ - المراد بالقنوت: السكوت - وهو قول ابن مسعود - وزيد بن أرقم ﵃. قال زيد بن أرقم ﵁: (كنا نتكلم في الصلاة فيكلم أحدنا صاحبه فيما بينه وبينه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام).

стр. 237

٦ - المراد بالقنوت: الطاعة - وهو قول: ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، ﵃. (١) ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران:٤٣]. وجميع هذه الأقوال المتقدمة صحيحة في المراد بالآية، فلا يصح حمل الآية على بعضها دون بعض، لأن أصل القنوت في اللغة: الدوام على الشئ، فيصح أن يسمى مديم الطاعة قانتاً، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء، أو أطال الخشوع والسكوت في الصلاة، كل هؤلاء يصح أن يطلق على كل واحد منهم قانتاً. وعليه فلا دليل في هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] على أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة الصبح. (٢) - القول الثاني: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة الظهر. - وهذا قول: زيد بن ثابت - وأسامة بن زيد - وابن عمر- وأبي سعيد الخدري. وإليه ذهب: أبو حنيفة في رواية عنه. (٣) وسميت وسطى: لأنها وسطى بين صلاتين في النهار وهي الفجر والعصر (٤)، على القول بأن النهار يبدأ من وقت طلوع الفجر وهو قول أكثر العلماء. - ودليل هذا القول: ما روي عن زيد بن ثابت ﵁، أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها، فنزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. (٥)

стр. 238

- الرد على هذا الاستدلال: هذا الاستدلال اجتهادي من الصحابي الجليل زيد بن ثابت ﵁. وهو استدلال لا ينهض إلى مستوى القول الثابت عن الرسول ﷺ والناص على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. - القول الثالث: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة العصر. - وهذا قول: أكثر العلماء من الصحابة والتابعين. وإليه ذهب: أبو حنيفة في رواية عنه - وأحمد - ومعظم الشافعية. (١) وسميت وسطى: لأنها وسط بين صلاة نهارية وهي الظهر، وصلاة ليلية وهي المغرب. ولأنها وسط بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار. (٢) على القول بأن النهار يبدأ من وقت طلوع الفجر وهو قول أكثر العلماء. - ومن أدلة هذا القول: ١ - ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (كنت ظننت أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الخندق وقد شغلوه عن صلاة العصر: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)، ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء). (٣) ٢ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الوسطى صلاة العصر) قال الترمذي: هذا حديث صحيح. (٤)

стр. 239

٣ - وعن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة الوسطى صلاة العصر)، قال الترمذي: وهذا حديث حسن. (١) فدلت هذه الأحاديث المتقدمة على: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. ٤ - وعن عمرو بن رافع - مولى عمر ﵁، وكان يكتب المصاحف - أنه قال: اكتتبتني حفصة ابنة عمر مصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله ﷺ ، فلما بلغتها أتيتها بالورقة - فقالت: أكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر). (٢) ٥ - وعن أبي يونس مولى عائشة ﵂ أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) ثم قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ ). (٣) فدلت هذه الأحاديث المتقدمة على: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. - واعترض على هذا الدليل: بأن (الواو) في قوله: (وصلاة العصر) تقتضي المغايرة، فهذا دليل على أن الوسطى غير العصر.

стр. 240

- ويجاب عن هذا الاعتراض: بأن العطف ليس صريحاً في المغايرة، وعليه يمكن حمل العطف على التفسير، فكأنها قالت: المراد بقوله: (والصلاة الوسطى) أي: (وصلاة العصر) (١) أو تكون (الواو) - زائدة - فكأن الآية: (والصلاة الوسطى صلاة العصر) بدون (واو) - كما كان يقرأها: أبي بن كعب - وابن عباس - وعائشة - وحفصة - وعبيد بن عمير ﵃. (٢) ٦ - وعن البراء بن عازب ﵁، قال: نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر). وقرأتها على عهد رسول الله ﷺ ، ثم نسخها الله تعالى، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. (٣) فدل هذا الحديث على: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وذلك لأن (الصلاة الوسطى) كانت تقرأ (وصلاة العصر). فكان النسخ للفظ، والمعنى واحد لم يتغير. - القول الرابع: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة المغرب. - وهذا قول: قبيصة بن ذؤيب - وأبي عبيدة السلماني. وسميت وسطى: لأنها وسط في عدد ركعاتها. (٤) - القول الخامس: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة العشاء. وسميت وسطى: لأنها وسط بين صلاتين لا تقصران. (٥) - القول السادس: أن المراد بالصلاة الوسطى: الصلوات الخمس المفروضة. - وهذا قول: معاذ بن جبل ﵁. وسميت وسطى: لأن كل صلاة من الصلوات الخمس وسطى بين الأربع.

стр. 241

- ودليل هذا القول: أن قوله جل وعلا:: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨] يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض منها بالذكر فقال:: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] أي: والصلاة الفرض، فخص الصلوات المفروضة بمزيد من التأكيد في المحافظة عليها. (١) - القول السابع: أن المراد بالصلاة الوسطى: إحدى الصلوات الخمس المفروضة، لا تعرف بعينها، ليكون في ذلك حث للعباد على المحافظة على جميع الصلوات. كما أخفيت ليلة القدر في شهر رمضان ليجتهد العباد في كامل الشهر، وكما أخفيت ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة ليجتهد العباد بالعبادة في سائر ذلك اليوم، وكما أخفي وقت الموت ليكون المكلف خائفاً من الموت في كل الأوقات، فيدعوه ذلك الخوف إلى عمل الصالحات. - وهذا قول: سعيد بن المسيب - والربيع بن خيثم - وسعيد بن جبير - وشريح القاضي. (٢) الترجيح: وقد رجح كل قول من الأقوال المتقدمة بأحاديث وردت في فضائل تلك الصلوات. كما رجح بعضها بأنها وسط يين كذا وكذا، ولا حجة في شيء من ذلك. لأن ذكر فضل صلاة معينة لا يدل على أنها هي التي أرادها الله بقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. كما أن الترجيح بناء على أن كلمة (الوسطى) بمعنى الفضلى، أو بمعنى: أوسط الصلوات محلاً يجعل صاحب كل قول يدعي صحة ما ذهب إليه. (٣) وما كان ينبغي الترجيح بالأمور المتقدمة، مع وجود القول الصحيح الثابت عن الرسول ﷺ الدال على أن المراد بها: صلاة العصر، دون غيرها. فيجب الوقوف عند قول الرسول ﷺ في ذلك والقول به وترك الاشتغال بغيره.

стр. 242

وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة:٢٥٩]. قال أبو جعفر الطحاوي: قوله : ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره منهم: ﴿نُنشِرُها﴾. (شرح مشكل الآثار - ٨/ ١٤٠). الدراسة بين الإمام الطحاوي بعض القراءات الواردة في قوله جل وعلا: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]. وإليك بيان جميع القراءات الواردة في هذه الآية: القراءة الأولى: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بضم (النون) الأولى وكسر (الشين)، وضم (الزاي) - وهي قراءة: عاصم - والكسائي- وحمزة - وابن عامر. قال أهل اللغة: أصل (النشز): الحركة والارتفاع. يقال: (نشز الشيء) إذا تحرك. ويقال: (نشزت المرأة عن زوجها) - أي: ارتفعت عن طاعة زوجها. ومعنى الآية، أي: وانظر إلى العظام كيف نرفعها من الأرض، ونردها إلى مكانها من الجسد، ونركب بعضها على بعض. القراءة الثانية: ﴿نُنشِرُها﴾ بضم (النون) الأولى، وكسر (الشين)، وضم (الراء). - وهي قراءة: ابن كثير - ونافع - وأبي عمرو.

стр. 243

والنشور هو الحياة بعد الموت. مأخوذ من: (نشر الثوب) لأن الميت كالمطوي، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت، فإذا حيى وانبسط بالتصرف، قيل: نشر وأنشر. ومعنى الآية، أي: وانظر إلى العظام كيف نحييها. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء:٢١] أي يبعثون الموتى. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:٢٢] أي: ثم إذا شاء أحياه. (١) القراءة الثالثة: ﴿نَنشُرُها﴾ بفتح (النون) الأولى، وضم (الشين مع الراء). - وهي قراءة: الحسن - وأبان عن عاصم - وأبي حيوة. القراءة الرابعة: ﴿نَنشُزُها﴾ بفتح (النون) الأولى، وضم (الشين مع الزاي). - وهي قراءة: ابن عباس - وقتادة - والنخعي - والأعمش. القراءة الخامسة: (نُنْشِيهَا): بضم (النون) الأولى، وكسر (الشين)، وإبدال (الراء - ياءً). - وهي قراءة: أُبي بن كعب. ومعنى (كيف ننشيها) أي: كيف نخلقها. (٢) الترجيح: القراءة الأولى والثانية: قراءة سبعية ثابتة من حيث الصحة، خلافاً للقراءات الباقية. وأما من حيث المعنى: فإن جميع القراءات متقاربة في المعنى، إلا أن القراءة الأولى هي الأولى، وذلك لأمرين: ١ - أن العظام نفسها لا توصف بالحياة، فلا يقال: (قد حيى العظم) وإنما يوصف بالإحياء صاحبها، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة:٢٥٩]، ولم يقل: (وانظر إلى صاحب العظام).

стр. 244

٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة:٢٥٩]، فدل ذلك على أن العظام قبل أن يكسوها اللحم غير أحياء، لأن العظم لا يكون حياً وليس عليه لحم، فلما قال: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة:٢٥٩]، علم بذلك أنه لم يحيها قبل أن يكسوها لحما. (١) وبهذا يتبين أن قراءة الجمهور ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بمعنى (نرفعها) هي القراءة الأولى من حيث المعنى والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوى إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن كما لبث يوسف لأجبت الداعي" (٢) فتأملنا قول رسول الله ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] ".

стр. 245

فوجدنا إبراهيم ﵇ قد رأى من آيات الله في نفسه الآية التي لم ير مثلها، وهو إلقاء أعدائه إياه في النار، فلم تعمل فيه شيئاً لوحي الله إليها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. فكانت آية معجزة لم يُرَ مثلها قبلها ولا بعدها، فقال النبي ﵇ لينفي الشك عن إبراهيم عند قول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: إنا ولم نر من آيات الله الآية التي أُريها إبراهيم في نفسه لا نشك، فإبراهيم مع رؤيته إياها في نفسه أحرى أن لا يشك، وأما قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. وقد حقق ذلك أن قوله كان: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] لم يكن على الشك منه، ولكن لما سوى ذلك من طلبه إجابة الله تعالى في مسألته إياه ذلك ليطمئن به قلبه، ويعلم بذلك علو منزلته عنده. (شرح مشكل الآثار - ١/ ٢٩٧ - ٢٩٩)

стр. 246

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] لم يكن على الشك من إبراهيم ﵊، وإنما كان هذا الطلب منه ﵇، ليعلم بإجابة الله له علو منزلته عنده فيطمئن بذلك قلبه. وإليك بيان الأقوال في مسألة: هل كان إبراهيم ﵇ شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، عندما سأل ذلك ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]؟: القول الأول: أن إبراهيم ﵊ كان شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. - وهذا القول: مروي عن عطاء بن أبي رباح - ورجحه الطبري. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال حكاية عن إبراهيم ﵊: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ﴾ [البقرة:٢٦٠] فدل ذلك على أنه غير مطمئن القلب لورود الشك عليه. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ". (٢) - وقد رد هذا الاستدلال بما يلي: أ- أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: بالعلم واليقين بعد الشك، وذلك لأمور عدة، أذكر منها: ١ - أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، كفر بالله، فلا يجوز في حق نبي من الله.

стр. 247

٢ - أن سؤال إبراهيم ﵊ كان عن الكيفية لا عن الإمكانية. ولذلك ورد السؤال بصيغة (كيف) فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] ولم يقل (أيمكنك إحياء الموتى). ونظير هذا قول القائل: (كيف يحكم عمر في الناس) فهو لا يشك في أن عمر يحكم في الناس، ولكنه يسأل عن كيفية حكمه لا عن ثبوته. فالخليل إبراهيم ﵊ سأل عن الكيفية مع يقينه الجازم بالقدرة الربانية، ليرى بالعيان ما قد ثبت بالوجدان. (١) ٣ - أن الألف: في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠] ليست (ألف) استفهام، وإنما هي (ألف) إيجاب، فكأنه قال: (قد آمنت فلم تسأل). ومثل هذا، قول الشاعر جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح. (٢) بمعنى: (أنتم خير من ركب المطايا).

стр. 248

فالله جل وعلا إنما قال لإبراهيم ﵊: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠]: لكي يظهر إقراره، فلا يظن أحد بعده أنه لم يكن مقراً بذلك في ذلك الوقت، وقد ظهر إقراره بقدرة الله على إحياء الموتى بقوله في هذه الآية (بلى). وبقوله في الآية المتقدمة في سياق محاجة النمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] وعليه فلا مجال للقول بشكه بعد ذلك. (١) ب- وأما قول الرسول محمد ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم": فلا يصح حمله على ظاهره، وعليه فإن معناه: (إذا لم أشك أنا، ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم ﵊ أولى بأن لا يشك فيه، وألا يرتاب). فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم ﵊. والمراد بالشك المنفي: الخواطر التي لا تثبت. وأما الشك الذي هو بمعنى: التوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. فهذا منفي عن الخليل قطعاً، لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة. القول الثاني: أن إبراهيم ﵊ لم يكن شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. - وهذا قول: الجمهور. (٢) الترجيح: والقول الراجح هو قول الجمهور. وهو أن إبراهيم ﵊ لم يكن شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة وأحب رؤية ذلك، كما أن المؤمنين يحبون رؤية الله جلا وعلا، ورؤية الرسل والجنة، مع إيمانهم بكل ذلك، ولا يعد هذا شكاً منهم في ذلك. ثم اختلف أصحاب هذا القول في السبب الذي جعل إبراهيم ﵊ يسأل ربه أن يريه عياناً إحياء الموتى، وإليك بيان الأقوال في ذلك:

стр. 249

- القول الأول: أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة، بعد العلم بها استدلالاً، لأن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة، بخلاف علم المعاينة، فإنه ثابت يقيني، وقد قال الرسول ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة". (١) ولهذا قال إبراهيم ﵇: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: ليزداد سكوناً بالمشاهدة الحسية المنضمة إلى اعتقاد القلب المصدق، فتظاهر الأدلة أسكن للقلب. - وهذا قول: أكثر العلماء كابن عباس ﵁ والحسن - وعكرمة - وقتادة - والربيع - وسعيد بن جبير - والضحاك - وأبي منصور الأزهري. - القول الثاني: أنه أراد أن يرى منزلته ومكانته عند ربه في إجابة مطلبه، وليرى من يدعوهم إلى طاعة الله مكانته عند الله، فيقبلوا دعوته. - وهذا قول: ابن عباس - وأبي سعيد الخدري - ومجاهد - والسدي - وإليه جنح القاضي أبو بكر الباقلاني. (٢) - القول الثالث: أنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع والطير ودواب البحر،، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة؟ وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه. - وهذا قول: قتادة - والضحاك - وابن جريج. (٣) - القول الرابع: أنه لما احتج على المشركين بأن الله جل وعلا يحيي ويميت بقوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] طلب ذلك منه جل وعلا ليظهر دليله المحتج به عياناً، ويتبين صدقه فيما احتج به. - وهذا قول: عكرمة - ومحمد بن إسحاق. (٤)

стр. 250

- إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكرت في المراد بالآية، ولكنها ليست بظاهرة في المراد والصحة. الترجيح: وأظهر الأقوال في سبب السؤال هو القول الأول، الدال على أن إبراهيم ﵊ إنما طلب رؤية كيفية إحياء الموتى للترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك للأسباب المتقدمة. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة:٢٨٠] قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: في الرجل يفلسه القاضي فيخرجه من السجن، أنه لا يحول بينه وبين ملازمته. وهو قول ابن أبي ليلى، (١) وسوار بن عبد الله، (٢) وعبيد الله بن الحسن. (٣) وقال سوار وعبيد الله: للغرماء أن يدفعوه في ضيعة، فيكون لغرمائه فضل كسبه عن نفقته. وقال المزني عن الشافعي: يمنع غرماؤه من لزومه. وقال الربيع (٤)
следующие страницы →