ب - أن القراءة بالنصب عطف على موضع الجار والمجرور (به)، كما تقول: (مررت بزيد وعمراً).
ويؤيد هذا التوجيه قراءة ابن مسعود: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وبالأرحام﴾
- وهذا قول: أبي علي الفارسي - وعلي بن عيسى.
ج - أن القراءة بالنصب على الإغراء.
والمعنى: (والأرحام فاحفظوها وصلوها) وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، ووجوب صلتها.
стр. 317
- وهذا قول: الواحدي. (١)
القراءة الرابعة: بالجر ﴿والأرحامِ﴾
- وهذه قراءة: ابن عباس - وحمزة - والنخعي - والأعمش - وقتادة - والحسن - ومجاهد.
- وتوجيه هذه القراءة: أن القراءة بالجر عطف على الضمير (الهاء) في قوله (به).
فكأن المعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام.
فالمراد هو قول القائل: (أسألك بالله وبالرحم أن تعطيني كذا). (٢)
- وقد ردت هذه القراءة من وجوه:-
أ - أن في هذه القراءة تقرير لجواز التساؤل بالأرحام والقسم بحرمتها. والحديث الصحيح يرد ذلك (٣): فعن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " (٤)
- ويجاب عن هذا الاعتراض: بأنه ليس في القول بالجر تقرير لجواز القسم بغير الله، وإنما المراد على هذه القراءة: الإخبار عن الأمر القديم الذي جرت به عادت العرب في الجاهلية، فالمعنى على هذه القراءة: (واتقوا الله الذي كنتم تتساءلون به وبالأرحام في الجاهلية). (٥)
ب - أن في هذه القراءة عطفاً لظاهر على مضمر مخفوض، وذلك غير فصيح في كلام العرب، لأنها لا تنسق بظاهر على مضمر في الخفض إلا في ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر، وأما في الكلام فإنه لا شئ يضطر المتكلم إلى اختياره المكروه من المنطق والرديء في الإعراب منه. (٦)
стр. 318
- ويجاب عن هذا الاعتراض: بأن العطف على المضمر المجرور فيه مذاهب:-
١ - أنه لا يجوز إلا بإعادة الجار، إلا في الضرورة الشعرية، فإنه يجوز بغير إعادة الجار. وهذا مذهب البصريين.
٢ - أنه يجوز بدون إعادة الجار في سائر الكلام. وهذا مذهب الكوفيين.
٣ - أنه يجوز بدون إعادة الجار إن أكد الضمير، كقولك (مررت بك نفسك وأحمد). فإن لم يؤكد لم يجز إلا بإعادة الجار. وهذا مذهب صالح إسحاق الجرمي البصري.
والذي اختاره: أنه يجوز في الكلام مطلقاً: عطف الظاهر على المضمر المجرور بدون إعادة الجار. وذلك لأن السماع والقياس يعضده ويقويه.
أ - أما القياس فهو: أنه كما يجوز أن يبدل من المضمر المجرور، وأن يؤكد من غير إعادة الجار، فكذلك يجوز أن يعطف عليه من غير إعادة الجار.
ب - وأما السماع:
١ - فقد روي من قول العرب قولهم: (ما فيه غيره وفرسه) بجر (الفرس) عطفاً على الضمير في (غيره) والتقدير: (ما فيه غيره وغير فرسه).
٢ - وورد في أشعار العرب الكثير من ذلك مما يخرجه من الضرورة. كما في قول الشاعر العباس بن مرداس السلمي: أكر على الكتيبة لا أبالي أحتفي كان فيها أم سواها. (١)
والشاهد: أنه عطف (سواها) على الضمير المتصل المجرور بـ (في) من غير إعادة الجار. والتقدير: (أحتفي كان فيها أم في سواها).
وكما في قول الشاعر:
قد كنت من قبل تهجونا وتفضحنا ... فما بك والأيام من عجب (٢)
والشاهد: أنه عطف (الأيام) على الضمير المتصل المجرور بـ (الباء) من غير إعادة الجار. والتقدير: (فما بك وبالأيام من عجب).
стр. 319
فهذه الشواهد الشعرية تدل على جواز عطف الظاهر على المضمر المجرور بدون إعادة الجار في السعة لا في الضرورة، وإن كان الأكثر أن يعاد الجار كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون:٢٢]
ومثال ما جاء بدون إعادة الجار، قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر:٢٠] والتقدير: (ولمن لستم له برازقين). وكقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ النساء:١٢٧] والتقدير: (وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء). فكذلك قوله تعالى: ﴿واتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ يكون التقدير: (واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحامِ). (١)
الترجيح: كل قراءة من القراءة المتقدمة قراءة متواترة قرأ بها سلف الأمة واتصلت بأكابر الصحابة الذين تلقوا القرآن بمغير واسطة من رسول الهدى ﷺ . فلا ينبغي رد شيء منها من أجل أنها غير مقبولة عند أحد أئمة اللغة، وإنما يجب الأخذ بهن جميعاً وتلقيهن بالقبول.
ولعل من رد قراءة الجر أراد برده، أنها وإن كانت صحيحة فصيحة، فإن غيرها أفصح منها، إذ القراءات ليست على درجة واحدة من الفصاحة. (٢)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في مثل هذه القراءات المتواترة. والله تعالى أعلم.
стр. 320
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣]
قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها، وجمالها، ويريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سُنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن.
قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء:١٢٧] إلى قوله : ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣].
قالت عائشة: وقول الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال، والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن. (١)
стр. 321
وعن هشام بن عروة، عن أبيه
عن عائشة: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] قالت عائشة: هذا في اليتيمة، تكون عند الرجل يعلم أن تكون شريكته في ماله، هو أولى به، فيرغب عنها لمالها أن ينكحها غيره كراهية أن يشركه في مالها.
وقد روي عن عبد الله بن عباس في تأويلها أيضاً مثل الذي روي عن عائشة ﵂ من ذلك كما عن أبي عباس ﵁ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء:٣] قال ابن عباس: فكما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم ألا تعدلوا.
وكما عن ابن عباس في قوله:: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] قال: إن خفتم عليهن الزنى فأنكحوهن.
ففيما روينا عن عائشة، وعن ابن عباس ما قد دل على إباحة تزويج اليتامى، وهن اللاتي لا أب لهن، وهذا يؤكد ما كان أبو حنيفة وأصحابه يذهبون إليه في إجازة تزويج أولياء اليتامى قبل بلوغهن من أنفسهم وغيرهم من الناس.
فقال قائل: هؤلاء اليتامى المذكورات في الآيتين اللتين تلونا فيما رويتم هن اليتامى اللاتي قد بلغن قبل ذلك، فسمين بذلك لقربهن كان من اليتم، واحتجوا لذلك بما قد روي عن رسول الله ﷺ .
كما عن أبي بُردة بن أبي موسى. (١)
стр. 322
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : " تستأمر اليتيمة في نفسها، وإن سكتت فقد أذنت، وان أنكرت، لم تكره ". (١)
وكما عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ، قال: " اليتيمة تستأمر، فإن رضيت، فلها رضاها، وإن أنكرت، فلا جواز عليها ". (٢)
قالوا: والاستئذان والاستئمار، فلا يكون إلا لمن بلغ، وفي ذلك ما قد دل على أنه قد يجوز أن يطلق اسم اليتيم على من بلغ قبل ذلك، فمثل ذلك من أطلق عليه اسم اليتيم لقربه كان منه في الآثار التي رويتموها في هذا الباب هو أيضاً على من بلغ ممن قد كان يتيماً قبل ذلك، فأطلق عليه اسم اليتيم لقربه كان منه.
стр. 323
فكان جوابنا له في ذلك: أن الأمر في ذلك ليس كما ذكر، وأن في الآيتين اللتين تلوناهما في هذه الآثار التي قد ورينا ما قد دل أنه أريد بذلك اليتامى غير البالغات، لأن فيهما: أن أولياءهن نهوا أن ينكحوهن إلا أن يبلغوا بهن أعلى نسائهن في الصداق، ولو كن بالغات، لكان أمرهن في صداقهن إنما يرجع فيه إلى ما يرضين به مما قل ومما كثر لا إلى ما سوى ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] وإذا كان لهن أن يطبن به نفساً لأزواجهن بعد وجوب صدقاتهن عليهم، كان لهن ذلك قبل صدقاتهن عليهم، بأن يعقد التزويج بينهن وبينهم على ما قد رضين به في ذلك أحرى، وكان في منع الله إياهن من ذلك في الآيتين اللتين تلونا ما دل أنهن اليتامى اللاتي لا رضى لهن، وهن غير بالغات.
ثم قد وكد ذلك ما قد رويناه عن رسول الله ﷺ مما قد تقدم من قوله: " لا يتم بعد الحلم " (١)، فنفى بذلك أن يكون بعد الحلم يتم.
فقال هذا القائل: فما معنى حديثي أبي موسى وأبي هريرة اللذين قد ذكرت بعد انتفاء البلوغ عن اليتامى المذكورات فيهما، وفيهما تحقيق الاستئذان والاستئمار.
стр. 324
فكان جوابنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكون أريد بما فيهما اليتامى اللاتي قد عقلن، وعرف منهن ما تميل قلوبهن إليه مما فيه صلاحهن، أو بعدُ قلوبهن مما سوى ذلك مما لا صلاح لهن فيه، وإن كن لم يبلغن، وعسى أن يكون مع بعضهن - وإن كن لم يبلغن - من حسن الاختيار أكثر مما مع غيرهن ممن بلغ من ذلك، ولكنه لا يجاوز فيهن، وفي من سواهن أمر الله تعالى الذي أمر به في خلقه، ويكون مما ينبغي لأوليائهن أن يفعلوه فيهن إذا كن كذلك، وأرادوا تزويجهن لاعتبار ما عندهن في ذلك من ميل إليه، وفي رغبة عنه، لأنهن يعرفن من أنفسهن ما لا يعرفه منهن غيرهن، فيكون ما أمر به رسول الله ﷺ في هذين الحديثين فيهن على هذا المعنى لا على ما سواه، وإذا انتفى ذلك، ثبت جواز تزويج الأولياء اليتامى اللاتي لم يبلغن، كما قال من ذهب إلى ذلك من أهل العلم ما قد ذكرناه عنه فيه.
وقد دل على هذا المعنى أيضاً ما قد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ فيه من مذهبه في تزويج الأيتام قبل البلوغ مما قد دل: أن تأويل الآيتين اللتين تلونا كان عنده على ما كان تأويلها عليه عند عائشة، وابن عباس.
كما عن أبي داود يزيد الأودي (١)، قال: كنت عند علي بعد العصر، إذ أُتي برجل، فقالوا: وجدنا هذا في خربة مراد، معه جارية مخضَّبُ قميصها بالدم، فقال له: ويحك ما هذا الذي صنعت؟ قال: أصلح الله أمير المؤمنين كانت بنت عمي يتيمة في حجري، وهي غنية في المال، وأنا رجل قد كبرت وليس لي مال، فخشيت إن هي أدركت ما يدرك النساء ترغب عني، فتزوجتها. قال: وهي تبكي. فقال: أتزوجتيه؟ فقائل من القوم عنده يقول لها: قولي (نعم)، وقائل يقول لها: قولي (لا) فقالت: نعم، تزوجته. فقال: خذ بيد امرأتك.
стр. 325
فيدل ما كان من علي ﵁ في هذا الحديث على أن تأويل الآيتين اللتين تلونا كمثل الذي كان تأويلهما عليه عند عائشة، وابن عباس مما ذكرنا عنهما، وفي ذلك ما قد دل على جواز نكاح الرجل من نفسه من هو وليه، كما يقوله أبو حنيفة، ومالك، وأصحابهما في ذلك، وبخلاف من يقول: إن الرجل لا يكون مزوجاً من نفسه كما لا يكون بائعاً من نفسه.
(شرح مشكل الآثار- ١٤/ ٤١٧ - ٤٢٥)
الدراسة
ذكر الإمام الطحاوي الروايات الدالة على المراد بالآية على وجه العموم، ثم بين - رحمه الله تعالى - أن المراد باليتامى في الآية: اليتامى اللآتي لا رضى لهن، وهن غير البالغات.
وبناء على أن هذا هو المراد، فقد استدل - رحمه الله تعالى - بهذه الآية على جواز تزويج أولياء اليتامى قبل البلوغ من أنفسهم أو غيرهم من الناس.
وإليك أولاً: بيان الأقوال الواردة في المراد بالآية:-
القول الأول: أن معنى الآية: وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى من عدم العدل في نكاح اليتامى، وخفتم ألا تقسطوا في صداقهن، فتعدلوا فيه وتبلغوا به صداق أمثالهن من النساء، أو خفتم عدم العدل في معاملتهم لعدم محبتكم لهن، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرهن من النساء الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم من واحدة إلى أربع، فإن خفتم ألا تعدلوا إذا نكحتم أكثر من واحدة، فلا تنكحوا منهن إلا واحدة، أو ما ملكت إيمانكم.
- وهذا قول: ابن عباس - وعائشة ﵃ كما أنه قول جمهور المفسرين. (١)
стр. 326
- وقد دل على هذا القول: ما روي عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] قالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء، سواهن.
قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧]
قالت: والذي ذكر الله تعالى: أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣].
قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧]، هي رغبة أحدكم عن اليتيمة التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن. (١)
стр. 327
- القول الثاني: أن معنى الآية: أن القوم كانوا يتحرجون في أموال اليتامى ألا يعدلوا فيها، ولا يتحرجون في النساء ألا يعدلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أيها الأولياء ألا تعدلوا في اليتامى فكذلك خافوا ألا تعدلوا في النساء، فلا تنحكوا منهن إلا واحدة إلى أربع ولا تزيدوا على ذلك.
وإن خفتم ألا تعدلوا أيضاً في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا منهن إلا واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.
- وهذا قول: ابن عباس - وسعيد بن جبير- والسدي - وقتادة - والضحاك - والربيع. (١)
وهو قول جماعة من أهل اللغة كالفراء (٢) وابن قتيبة. (٣)
- القول الثالث: أن معنى الآية: وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى ألا تقسطوا في اليتامى فتحرجتم من أكل أموالهم بالباطل، فكذلك فتحرجوا من الزنا، وانكحوا من النساء ما أحل الله لكم.
- وهذا قول: مجاهد. (٤)
- القول الرابع: أن معنى الآية: نهي أولياء اليتامى عن نكاح ما فوق الأربع خوفاً على أموال اليتامى منهم. وذلك أن قريشاً كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدماً، مال على مال اليتيمة التي في حجره، فأنفقه أو تزوج به، فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، لما يلزمكم من مؤن نسائكم، فلا تنكحوا من النساء فوق أربع، وإن خفتم ألا تعدلوا أيضاً في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا منهن إلا واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.
- وهذا قول: ابن عباس - وعكرمة. (٥)
стр. 328
- الترجيح: والراجح هو القول الأول، لأن ابن عباس وعائشة ﵃ قد قالا إن الآية نزلت في ذلك، وذلك لا يقال بالرأي، وإنما يقال توقيفاً. (١) ولأن جواب الشرط دال عليه، فجواب الشرط هو قوله جل وعلا: ﴿فَانْكِحُوا﴾ [النساء:٣] فوجب الربط بين الشرط وجوابه بمحذوف مقدر.
وعليه فإن معنى الآية: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فدعوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن. (٢)
وقد ذهب إلى ترجيح هذا القول: أبو جعفر النحاس، وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد، وأبو بكر الجصاص، وأبو حيان، ومحمد الأمين المختار الشنقيطي. (٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: بيان المراد باليتامى، وهل المراد بهن البالغات، أم غير البالغات؟:-
القول الأول: أن المراد باليتامى: غير البالغات.
- وهذا قول: أبي حنيفة وأصحابه. (٤)
- ومن أدلة هذا القول:-
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] فالآية جاءت بالنهي للأولياء عن تزويج اليتامى بأقل من مهر مثلهن، فعلمنا أن المراد باليتامى: الصغيرات اللاتي يتصرف عليهن في التزويج من هن في حجره.
وعليه فلا يصح أن يكون المراد باليتيمة في الآية: الكبيرة البالغة، لأن الكبيرة إذا رضيت بأن تتزوج بأقل من مهر مثلها جاز نكاحها، وليس لأحد أن يعترض عليها. (٥) كما أنه لا يتزوجها أحد إلا بإذنها، وليس لأحد إكراهها على ذلك. (٦)
стр. 329
وقد رد هذا الاستدلال: بأن المراد بالنهي: هو ولي المرأة البالغة، لأن من الأولياء من يستولي على مال موليته بدون رضاها، وهي لا تقدر على مقاومته، فنهوا عن ذلك. (١)
٢ - أن اليتيم هو الذي مات أبوه، فهو يتيم حتى يبلغ فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم. فلفظ (اليتم) حقيقة في الصغيرة، أما الكبيرة فتسمى يتيمة على وجه المجاز. لقول الرسول ﷺ : " لا يتم بعد الحلم " (٢) ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز إلا بدلالة. (٣)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الفظ (اليتم) يطلق على من مات أبوه، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار، واختصاصه بالصغار مبني على العرف. وعليه فإن قول الرسول ﷺ : " لا يتم بعد الحلم " هو تعليم للشريعة لا تعيين لمعنى اللفظ - والمعنى: أنه لا يجري على اليتم بعد الحلم حكم الأيتام قبل الحلم. (٤)
- القول الثاني: أن المراد باليتامى: البالغات.
- وهذا قول: مالك - والشافعي. (٥)
- ومن أدلة هذا القول:-
стр. 330
١ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] فلما قال جل وعلا: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ دل على أن المراد الكبار منهن دون الصغار، فالصغار لا يسمين بنساء، لأن لفظ (النساء) يطلق في الحقيقة على البالغات. (١).
وقد اعترض على هذا الاستدلال: بأن اسم النساء يتناول الصغيرة، كما في قوله جل وعلا: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] والصغار والكبار داخلات فيهن. وكما في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢] والصغار والكبار داخلات فيهن، وكما في قوله جل ذكره: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ولو تزوج صغيرة حرمت عليه أمها تحريماً مؤبداً، إلى غير ذلك من الآيات.
فليس إذاً في إضافة اليتامى إلى النساء دلالة على أنهن الكبار دون الصغار، لأن الصغار إذا كن من جنس النساء جازت إضافتهن إليهن. وعليه فإن اسم النساء يتناول الصغيرة كما يتناول الكبيرة. (٢)
وقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن اسم (النساء) في قبيل الإناث، كاسم (الرجل) في قبيل الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء والمرأة، لا يتناول الصغيرة. والآيات التي وقع الاستشهاد بها يمكن أن يكون اللفظ فيها لغير الصغيرة، ولكن يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدلالة السنة والإجماع. (٣)
стр. 331
٢ - أن لفظ (اليتم) قد يطلق على البالغة كما جاء في السنة: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وسلم: " تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أنكرت لم تكره" (١) فدل هذا الحديث على أن اليتيمة قد تكون بالغة، لأن الاستئمار لا يكون إلا من البالغة.
وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: زوج قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فجاء المغيرة إلى أمها فرغبها في المال فرغبت، فقال قدامة أنا عمها ووصي أبيها زوجتها ممن أعرف فضله، فترافعوا إلى الرسول ﷺ فقال: " إنها يتيمة لا تنكح إلا بإذنها ". (٢)
فدل هذا الحديث على أن اليتيمة قد تكون كبيرة بالغة، بدليل قوله: (لا تنكح إلا بإذنها) فالكبيرة هي التي يعتبر إذنها ورضاها خلافاً للصغيرة. (٣)
الترجيح: والراجح هو القول أن المراد باليتامى: النساء البالغات. بدلالة لفظ (النساء) الذي يتناول المرأة الكبيرة دون الصغيرة.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم
المسألة الثالثة: حكم تزويج الصغيرة:
- القول الأول: لا يجوز تزويج الصغيرة، حتى تبلغ وتستأمر ويصح إذنها.
- وهذا قول: مالك - والشافعي. (٤)
- القول الثاني: يجوز تزويج الصغيرة.
- وهذا قول: أبي حنيفة وأصحابه.
- ومن أدلة هذا القول:
стр. 332
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] فمفهوم معنى الآية أن من لم يخف الإقساط في حق اليتيمة الصغيرة من الأولياء، وأعطاها مهرها الذي تستحقه من غير نقص فيه فإنه يجوز له التزوج بها.
وقد رد هذا الاستدلال: بأن المراد باليتيمة: البالغة، وإذا ثبت أن المراد بالآية البالغة، لم يكن في كتاب الله تعالى ما يدل على جواز تزويج الصغيرة التي لم تبلغ. (١)
٢ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] فقوله جل ذكره: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قد دل على جواز نكاح الصغيرة.
وقد رد هذا الاستدلال: بأنه ليس في الآية ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، إذ لا يلزم من الرغبة في نكاحها، جريان العقد في صغرها. (٢)
- الترجيح: القول الراجح هو جواز تزويج الصغيرة، لأن تزويج الصغار فعله عدد من الصحابة، وفعله الرسول صلى ﷺ حيث زوج سلمة بن أبي سلمة من ابنة عمه حمزة بن عبد المطلب وهما صبيان صغيران. (٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في هذه المسألة. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: حكم تزويج غير الأب للصغيرة:
القول الأول: أنه ليس لغير الأب تزويج الصغيرة.
- وهذا قول: مالك - والشافعي - وأحمد - وأبي عبيدة - والثوري - وابن أبي ليلى.
стр. 333
- وحجة هذا القول:- أن غير الأب قاصر الشفقة، فلا يلي نكاح الصغيرة كالأجنبي. (١)
وقد ردت هذه الحجة بالأمور التالية:
أ - أنه روي عن ابن عباس ﵁: (أن جارية بكراً، أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ ). (٢) فدل هذا الحديث على أن الأب قد يكون قاصر الشفقة كغيره من الأولياء.
ب - أن كمال الشفقة ليس مسوغاً للولاية وإلا لكانت الأم أولى بذلك من الأب لشدة شفقتها.
ج - أن الأب قد يكون أقل شفقة في رعاية مصلحة ابنته، كما في حال تزويجها في نكاح الشغار، حينما يقدم الأب مصلحته على مصلحة وليته، مما يرفع ولايته عنها لعدم رعايته لمصلحتها، وهذا أيضاً مما يوضح أن جعل كمال الشفقة مسوغاً لأحقية الأب بالإجبار دون غيره من الأولياء غير دقيق، بحيث يمكن الاعتماد عليه كدليل. (٣)
- القول الثاني: جواز تزويج غير الأب للصغيرة.
- وهذا قول: أبي حنيفة - وأحمد في رواية عنه - والحسن - وعمر بن عبد العزيز - وعطاء - وطاووس - وقتادة - والأوزاعي. (٤).
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] فمفهوم معنى الآية: أن من لم يخف الإقساط في حق اليتيمة الصغيرة من الأولياء، وأعطاها مهرها الذي تستحقه من غير نقص فيه، فإنه يجوز له التزوج بها، وينبني على هذا المفهوم، أنه إذا جاز أن يتزوجها بنفسه جاز له تزويجها لغيره.
стр. 334
٢ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالمراد (بالذي بيده عقدة النكاح) هو: الولي مطلقاً، وليس مخصوصاً بولي دون آخر من أب أو جد بل جميع الأولياء في ذلك سواء. (١)
٣ - ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا نكاح إلا بولي" (٢) فدل هذا الحديث على أن النكاح يصح إذا تم بشروطه، ومن شروطه الولي سواء كان أباً أو غيره، لأنه قال: " لا نكاح إلا بولي " و (الولي) لفظ عام يعم كل ولي.
٤ - أن الأب لو وكَّل وكيلاً ينوب عنه في تزويج ابنته الصغيرة، فإن للوكيل تزويجها نيابة عن الأب، ولم يقل أحدٌ بأنه لابد للأب أن يلي العقد بنفسه مباشرة، وأنه لا تجوز الوكالة في ذلك.
وإذا سلمنا بجواز ذلك من الوكيل، لأنه ناب عن الأب وقام مقامه، فإن للولي الذي يلي تلك الصغيرة بعد أبيها أن يقوم مقام أبيها في جميع ولايته تلك دون استثناء. (٣)
الترجيح: والقول الراجح في المسألة هو: جواز تزويج غير الأب للصغيرة. فإذا تعذرت ولاية الأب وأنكحها ولي غيره، فالنكاح صحيح لتوافر شروطه، ولأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يقتضي عدم صحة نكاح الصغيرة إلا بشرط أن يكون الولي أباً، فتخصيص الولاية في النكاح بالأب بدون مخصص غير مسلم به. وعليه فإن من قال إن النكاح غير صحيح بولاية غير الأب، قول باطل لكونه قول فيه إبطال لنكاح توافرت شروطه.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في هذه المسالة. والله تعالى أعلم
стр. 335
المسألة الخامسة: حكم تزويج الولي نفسه من موليته: اختلف السلف في ذلك إلى قولين:
- القول الأول: أنه يجوز لولي اليتيمة أن يزوجها من نفسه إذا عدل في صداقها.
- وهذا قول: الأوزاعي - والثوري - وأبي ثور - وأبي حنيفة وأكثر أصحابه - ومالك - وأحمد في رواية عنهما.
- القول الثاني: أنه لا يجوز لولي اليتيمة أن يزوجها من نفسه، بل يزوجهما السلطان أو ولي آخر مثله.
- وهذا قول: زفر - وداود - والشافعي - ومالك في رواية - وأحمد في الرواية المشهورة عنه.
- وحجة هذا القول: أن الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح منكحاً، كما لا يبيع من نفسه. (١)
الترجيح: والقول الراجح هو أنه يجوز لولي اليتيمة أن يزوجها من نفسه. لأن ولايته عليها مطلقة وثابتة شرعاً، فنكاحه لها متوفرة شروطه، ولا مانع منه.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المسألة. والله تعالى أعلم
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء:٣]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] قال: " لا تجوروا " (٢)
وعن ابن عباس: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] قال: لا تميلوا.
стр. 336
ولا نعلمه روي عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ في تأويلها غير هذا القول.
وقد روي عن غير واحد من التابعين في تأويلها مثل ذلك أيضاً كما عن عكرمة (١) في هذه الآية:: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] قال: ألا تميلوا. قال: وأنشدنا بيتاً من شعرٍ زعم أن أبا طالب قاله:
بميزان قسط لا يُخسُ شعيرة ... وميزانِ صدق وزنه غير عائل (٢)
وكما عن إبراهيم (٣): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] قال: لا تميلوا.
وكما عن أبي مالك (٤)، مثله
ولا نعلم أحداً من التابعين روي عنه في تأويلها غير هذا التأويل غير زيد بن أسلم، فإنه روي عنه في تأويلها أن ذلك على أن لا يكثر عيالهم، وهذا قول يزعم أهل اللغة: أنه قول فاسد، وأنه لو كان على ما قال زيدٌ في تأويلها لكان: (ألا تُعيلُوا). وبالله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -١٤/ ٤٢٦ - ٤٣١)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] أي: لا تميلوا.
كما بين أن هذا هو قول جمهور الصحابة والتابعين، راداً بذلك على من قال إن المراد به غير ذلك.
стр. 337
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بهذه الآية، مع بيان القول الراجح في ذلك:
- القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] أي: ألا تميلوا وتجوروا.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (١)
وقد روي عن الرسول ﷺ ما يدل على هذا القول: فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: في قوله : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] قال: (ألا تجوروا). (٢)
كما أن اللغة دالة على هذا المعنى: فإن أصل العول: الميل، يقال: (عال الميزان عولاً): إذا مال. ويقال: (عال الحاكم في حكمه): إذا جار - ويقال: (عالت الفريضة): إذا زادت سهامها.
ومن ذلك قول أبي طالب في قصيدة له يستعطف بها قريش:
بميزان قسط لا يبخس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل (٣)
أي: غير مائل أو جائر في حكمه.
فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ "عال" هو: الميل. (٤)
- القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] أي: ألا يكثر عيالكم.
- وهذا قول: زيد بن أسلم - وجابر بن زيد - وسفيان بن عيينة - والإمام الشافعي. (٥)
- وقد اعترض على هذا القول بأمرين:
أ - أن العرب تقول: (عال الرجل يعول): إذا جار. وتقول (أعال الرجل يعيل): إذا كثر عياله.
فلو كان المراد بقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣]: ألا يكثر عيالكم، لقال: (ألا تعيلوا). (٦)
стр. 338
- ويجاب عن هذا الاعتراض: بأن من العرب الفصحاء من يقول: (عال الرجل يعول): لمن كثر عياله. فهذه لغة حِمْيَر، كما وردت هذه اللغة في الشعر العربي، كما في قول الشاعر: (١)
وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشى وعالا
أي: وإن كثرت ماشيته، وكثر عياله. (٢)
فدل هذا النقل عن العرب: أن كلمة (تعولوا) قد ترد بمعنى: (كثرة العيال). كما ترد بمعنى: (الميل والجور).
- ومما يؤيد هذا القول: أن طلحة بن مصرف، كان يقرأ هذه الآية: (ألا تعيلوا). (٣) و (تعيلوا) عند -جميع العرب بمعنى: تكثر عيالكم. وهذا مما يؤكد صحة هذا القول في المراد بالآية.
ب - أن الله جل وعلا أباح كثرة ملك الإماء، فقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] وفي ذلك تكثير للعيال، فكيف يصح أن يكون المراد بقوله: (ألا تعيلوا) ألا تكثر عيالكم، وكثرة العيال لا تختلف بأن تكون الزوجة حرة أو مملوكة. (٤)
- ويجاب عن هذا الاعتراض بما يلي:-
١ - أن الإماء إذا كثرن عند الزوج فله أن يكلفهن الكسب، وحينئذ تقل نفقة العيال.
أما إذا كانت الزوجة حرة، لم يكن له من الأمر ذلك.
٢ - أن الزوجة المملوكة إذا عجز المولى عن الإنفاق عليها باعها وتخلص منها. أما إذا كانت حرة فلابد من الإنفاق عليها، وإن حاول التخلص منها بالطلاق طالبته بالمهر المؤخر، فيقع الزوج في شدة من ذلك.
٣ - أن الغرض من التزوج بالحرائر التوالد، بخلاف التزوج من الإماء، ولذلك جاز العزل عن الإماء بغير إذنهن، بخلاف الحرائر.
وبهذه الفروق بين التزوج بالحرة، والتزوج بالمملوكة، يظهر جلياً أن التزوج بالإماء مظنة لقلة العيال، خلافاً للتزوج بالحرائر.
стр. 339
الترجيح: والقول الصحيح أن كلا القولين مراد بالآية، وذلك لأن أصل العول في اللغة الميل. كما أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم من كسب حلال، وقد يصعب عليه ذلك فيميل إلى كسب حرام لإعالتهم، كما يلزمه العدل بينهم في المعاملة وقد يقع الميل منه في ذلك بتقديم بعضهم وتفضيله على غيره، فكثرة العيال قد تستلزم الميل والجور.
ومن هنا يظهر أن القول الثاني راجع عند التحقيق إلى القول الأول، لكن على سبيل الكناية والتعريض، وبهذا يزول الاعتراض والتعريض. (١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء:٤]
قال أبو جعفر الطحاوي: (والنِّحْلة): ما يزول به ملكه من غير أن يملك بدلاً مثله.
(مختصر اختلاف العلماء-٢/ ٣٦٦)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالنِّحْلة) في الآية هو: الهبة التي يُملِّكها الرجل للمرأة من غير أن يملك بدلاً منها.
وإليك ذكر أقوال المفسرين في المراد بـ (النحلة) في الآية:
القول الأول: أن المراد بـ (النِّحْلة): الهبة. فالصداق هبة من الله جل وعلا للنساء. وذلك لأن كل واحد من الزوجين يستمتع بصاحبه، والصداق على الزوج يعطيه للزوجة من غير أن يملك بدلاً منه.
وليس البضع بدلاً منه، لأنه في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله. فالذي يستحقه الزوج بالصداق إنما هو الاستباحة لا الملك. وعليه فإن معنى (النِّحْل): أن تهب شيئاً بلا استعواض.
- وهذا قول: الفراء - والزجاج - والقاضي أبي يعلى.
القول الثاني: أن المراد بـ (النِّحْلة): العطية بطيبة من النفس.
стр. 340
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] أي: ولا تعطوا النساء صدقاتهن وأنتم كارهون لذلك، ولكن أعطوهن صدقاتهن عن طيب نفس منكم، وإن كان الصداق لهن دونكم.
فسمى إعطاء الصداق نحلة، لأن (النحلة) هي العطية التي لا يكاد أن يفعلها الناحل إلا متبرعاً بها طيبة بها نفسه.
- وهذا قول: أبي عبيدة معمر بن المثنى. (١)
القول الثالث: أن المراد بـ (النِّحْلة): الفريضة. وذلك لأن (النِّحْلة) في اللغة تأتي بمعنى الديانة والشريعة والفريضة. كما يقال: (فلان ينتحل كذا) أي: يدين به.
فمعنى الآية: أن الصداق فرض من الله جل وعلا على الرجال للنساء، لأن الأولياء كانوا قبل ذلك في الجاهلية يأخذون الصداق، ولا يعطونه للمرأة، فانتزعه الله جل وعلا منهم وجعله حق وفرض للنساء.
- وهذا قول: ابن عباس - وقتادة - ومقاتل - وابن زيد - وابن جريج. (٢)
الترجيح: وجميع الأقوال المتقدمة مرادة بالآية، إذ لا تعارض بينها، فالصداق هو فرض من الله جل وعلا على الرجال للنساء، فينبغي للرجل أن يعطيه المرأة، راضية بذلك نفسه، من غير أن يطلب به ما هو عوض عنه.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 341
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء:٦]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن الثوري: في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] قال: الفصل والحفظ لماله.
وكان يقال: إذا اجتمع فيه خصلتان: إذا بلغ الحلم، وكان حافظاً لماله، لا يخدع عنه.
وحكى المزني عن الشافعي في مختصره: قال وإذا أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم بأمرين، لم يدفع إليهم إلا بهما، وهما: البلوغ والرشد، والصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة مع إصلاح المال
قال أبو جعفر: قول الشافعي: (إن من إيناس الرشد - الذي لا يدفع المال إلى صاحبه حتى يكون من أهله -: جواز الشهادة). لم نجده عند أحد من أهل العلم غيره
قال أبو جعفر: منع الله تعالى اليتامى بعد بلوغ النكاح حتى يؤنس الرشد منهم بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] وهي آية محكمة غير منسوخة، والابتلاء المذكور فيها: هو الاختبار لأحوالهم في حفظ المال وتبذيره.
فإن قيل: قد روي عن مجاهد في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦] قال: عقولهم.
стр. 342
قيل له: هذا محال لاتفاق الجميع على أنه ممنوع من ماله بعد البلوغ إذا كان مفسداً، فدل على أن إيناس الرشد ليس هو العقل فحسب، لأنه لو كان إيناس الرشد هو العقل لما صرفه أحد منه، مع وجود العقل.
(مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ٢١٧ - ٢١٨)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالابتلاء) المذكور في الآية: هو الاختبار لأحوالهم في حفظ المال وتبذيره، راداً بذلك على من قال إن المراد بالابتلاء: هو اختبار عقولهم.
كما بين رحمه الله تعالى أن المراد (بالرشد) هو: إصلاح المال، وليس العقل فحسب.
وإليك أولاً: بيان المراد (بالابتلاء) في الآية:
- القول الأول: أن المراد (بالابتلاء) هو: اختبار عقولهم.
- وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - ومقاتل - والثوري - والسدي. (١)
- القول الثاني: أن المراد (بالابتلاء) هو: اختبار عقولهم، واستبراء أحوالهم في المعرفة بالأمور المالية والمصالح من المفاسد.
- وهذا قول: ابن عباس - والحسن - وقتادة - وابن زيد - وأبي حنيفة - والشافعي. (٢)
الترجيح: والراجح هو القول الثاني لأنه لو كان الابتلاء لا يقتضي اختباره بالإذن له في التصرف في الشراء والبيع، وإنما هو اختبار عقله من غير استبراء حاله في ضبطه وعلمه بالتصرف، لما كان للابتلاء وجه قبل البلوغ. فلما أمر بذلك قبل البلوغ علمنا أن المراد اختبار أمره بالتصرف.
ولأن اختبار صحة عقله لا ينبئ عن ضبطه لأموره، وحفظه لماله. ولأن قصر الابتلاء على اختبار عقله بالكلام دون التصرف في التجارة وحفظ المال، هو تخصيص لعموم اللفظ بغير دليل. (٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: بيان المراد (بالرشد) في الآية:
стр. 343
- القول الأول: أن المراد (بالرشد) هو: الصلاح في الدين، والإصلاح في المال. (١)
- وهذا قول: ابن عباس - والحسن - وابن عقيل - والشافعي - والمالكية. (٢)
- وحجة هذا القول الأمور التالية:
١ - أن الله جل وعلا علق دفع المال على إيناس رشد ما، وكان ينبغي أن يدفع إليه المال عند وجود الشرط، سواء كان رشيداً في ماله دون دينه أو في دينه دون ماله. ولما اتفقوا على أنه لا يدفع إليه في هذه الحالة وهي إذا رشد في دينه دون ماله، جعلنا الحالة الأخرى مثلها، إذ ليس إحدى الحالتين أولى من الأخرى، ولما فيه من حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه. (٣)
٢ - ولأن الفاسق لا يوثق في دينه، فكيف يؤتمن على ماله، كما أنه إذا لم يوثق على صدق مقالته لم تجز شهادته. (٤)
٣ - أن أهل اللغة قالوا: الرشد هو إصابة الخير، والمفسد لدينه أو ماله لا يكون مصيباً للخير.
٤ - أن الرشد نقيض الغي قال جل وعلا: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] والغي هو الضلال والفساد في الدين. وقال جل وعلا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] فجعل العاصي غوياً، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين.
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:٩٧] فنفى جل وعلا الرشد عن فرعون، لأنه لم يكن مراعياً لمصالح الدين. (٥)
стр. 344
- وقد رُد هذا القول الذي يشترط صلاح الدين: بأن الرشد في الدين غير معتبر، لأنه لو كان هناك رجل فاسق ضابط لأموره، عالماً بالتصرف في وجوه التجارات لم يجز أن يمنع ماله لأجل فسقه. كما أنه لو طرأ فسق على مسلم بعد دفع المال إليه فإنه لا يحجر عليه، لأنه لم يزل رشده بسبب فسقه الطارئ. ولذلك فإن الكافر لا يحجر عليه مع أنه غير رشيد في دينه. فعلمنا بذلك أن اعتبار الدين في دفع المال غير واجب إذ لا معنى له. (١)
- القول الثاني: أن المراد (بالرشد) هو: العقل.
- وهذا قول: مجاهد - والشعبي. (٢)
- وحجة هذا القول: أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة، والله تعالى شرط رشداً منكراً، ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل، فقد حصل ما هو الشرط المذكور في الآية. (٣)
- وقد رُد هذا القول الذي قصر الرشد على صلاح العقل:
بأنه لو كان هناك رجل ذا عقل إلا أنه غير ضابط لماله، يغبن في تصرفه، ويفسد ما يجمعه، فإنه يكون ممنوعاً من ماله عند القائلين بالحجر، لقلة الضبط وضعف العقل. فعلمنا بذلك أن القول باعتبار العقل دون القدرة على إصلاح المال وصرفه، قول قاصر لا يعتد به. (٤)
- القول الثالث: أن المراد (بالرشد) هو: الصلاح في العقل والإصلاح في المال.
- وهذا قول: ابن عباس - وسفيان الثوري - ومالك - وأبي حنيفة - وأحمد. (٥)
стр. 345
- وحجة هذا القول: أن الله جل وعلا قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾] النساء: ٦ [ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، ثم قال جلا وعلا: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾] النساء: ٦ [فيجب أن يكون المراد فإن آنستم منهم رشداً في حفظ المال وضبط مصالحه. لأنه إذ لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو: حصول الرشد في رعاية مصالح المال. (١)
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد (بالرشد) في الآية: الصلاح في العقل والإصلاح في المال. وأن الاعتبار بهما دون الدين، فإنه ليس شرطاً في الرشد في المال. كما أن الخطاب في الآية مع الأولياء جاء بصدد المال، ولم يقصد به شئ من أمر الدين، فينبغي أن يصرف الرشد إلى الصلاح في المال لقرينة القصد. فالقصد قرينة قوية تخص الأسماء ببعض مسمياتها، بل تعدل بها عن حقائقها إلى مجازاتها. (٢)
وقد رجح هذا القول الطبري حيث قال: وأولى هذه الأقوال عندي بمعني الرشد - في هذا الموضع - العقل وإصلاح المال، لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله، وحوز ما في يده عنه، وإن كان فاجراً في دينه. أ هـ. (٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء:١٠]
стр. 346
قال أبو جعفر الطحاوي: ووجدنا قوله .. (تأكل) بمعنى تقدر كقوله الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠]. ليس يعني بذلك آكليها دون محتجبيها عن اليتامى لا بأكل لها، وكقوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] بمعنى قوله: تغلبوا عليها إسرافاً على أنفسكم وبداراً أن يكبروا، فيقيمون عليكم الحجة فيها، فينتزعونها منكم لأنفسهم، فكان الأكل فيما ذكرنا يراد به الغلبة على الشيء، لأن كل آكل لشيء غالب عليه.
(شرح مشكل الآثار- ٥/ ٨٢)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بأكل أموال اليتامى) في الآية هو:
الغلبة والاستيلاء عليها، وإنفاقها في الأكل وغيره. وهذا قول جمهور المفسرين.
فقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] وقوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] هو عموم في النهي عن سائر وجوه التصرف المحرمة في مال اليتيم من الديون والأعيان المأكول منها وغير المأكول، فليس المأكول بأولى بمعنى الآية من غيره.
وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أعظم ما يبتغى له المال، إذ به قوام الإنسان وحياته. وفي ذكره للأكل دلالة على ما دونه، ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فخص الله جل وعلا البيع بالذكر، وإن كان ما عداه من سائر ما يشغل المسلم عن الصلاة بمثابة البيع في النهي عنه، لأن الاشتغال بالبيع من أعظم أمورهم في السعي في طلب معايشهم. فعقل من ذلك إرادة ما هو دونه، وأنه أولى بالنهي، إذا قد نهاهم عماهم إليه أحوج والحاجة إليه أشد.
стр. 347
وكقوله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣] فخص لحم الخنزير بالذكر والتحريم مع أن سائر أجزائه مثله في التحريم، لأن اللحم معظم ما يراد منه وينتفع به، فكان في تحريمه أعظم منافعه، دلالة على تحريم ما دونه من منافعه. (١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية هو قول جمهور المفسرين.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع (٢)
стр. 348
بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فاستفاءه، فلم يدع لهما مالاً، ولا يُنكحان إلا ولهما مال، فقال: " سيقضي الله في ذلك" فأنزل الله آية الميراث، فبعث إلى عمهما، فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، ولك ما بقي". (١)
قال أبو جعفر: وآية الميراث المذكورة في هذا الحديث هي قول الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ الآية [النساء:١١]
قال أبو جعفر: فتأملنا قوله : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] فكان ظاهره على أن الثلثين في هذه الآية إنما جعل لمن فوق الاثنتين من البنات لا الاثنتين منهن، وكان ذلك مما قد تعلق به قوم وذهبوا إلى ما يروى عن عبد الله بن عباس في الاثنتين من البنات أن لهما النصف من ميراث أبيهما كما يكون للواحدة من البنات من ميراث أبيهما، وأن الثلثين إنما يستحق في ذلك من البنات من كان عدده فوق الاثنتين ثلاث أو أكثر من ذلك، وهذا قول لم نجده عند أحد من أصحاب رسول الله ﷺ سوى عبد الله بن عباس.
стр. 349
ووجدنا قول فقهاء الأمصار من بعد عبد الله بن عباس إلى يومنا هذا على خلاف ما روي عن ابن عباس فيه، وكان قول الله : ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء:١١] في هذا عندهم في معنى: فإن كن نساء اثنتين، وقوله: ﴿فَوْقَ﴾ صلة كما قال : ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] في معنى: فاضربوا الأعناق، وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤] وهي الأعناق، و (فوق) صلة، لأن ما فوق الأعناق هو عظام الرأس، وليست الأعناق منها في شئ، والضرب المراد بذلك المستعمل فيه هو ضرب الأعناق، لا ما سواها.
ووجدنا ما قد دل على ما قالوا من توريثهم البنتين الثلثين ما في آخر السورة المذكورة فيها هذه الآية، وهي سورة النساء، وهي قوله : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] إلى قوله : ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] فكان قد جعل للأخت الواحدة من ميراث أختها في هذه الآية، كما جعل للبنت الواحدة من ميراث أبيها في الآية الأخرى، وكانت البنت أوكد نسباً من أبيها من الأخت من أختها، ثم قال : ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦] يعني من الأخوات: ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] يعني: ما تركه أخوهما، فلما كان للاثنتين من الأخوات الثلثان مما تركه أخوهما كانت الاثنتان من البنات فيما تركه أبوهما بذلك أولى، واستحقاقهما إياه منه أحرى، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار-٣/ ٣٢٠ - ٣٢٢)
стр. 350
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن هذه الآية دالة على أن ميراث البنتين الثلثان، بدلالة سبب نزول الآية، وبدلالة الآية لأن (فوق) صلة، وبدلالة آخر آية من سورة النساء حيث دلت على أن نصيب الأختين الثلثان، والبنتان أقرب إلى الميت من الأختين، فلزم أن يكون نصيب البنتين كنصيب الأختين. وفي هذه الأدلة تأييد لقول جمهور الأمة من أن للبنتين الثلثان، ورد لقول ابن عباس ﵁ من أن للبنتين - النصف كما للبنت الواحدة. وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة، وأدلة كل قول فيما ذهب إليه:-
- القول الأول: أن للبنتين النصف.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁.
- ودليل هذا القول:
قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١] فكلمة (إن) في اللغة للإشتراط، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثاً فصاعداً، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين (١)، لأن أقل الجمع ثلاثة. (٢)
فقوله جلا وعلا: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء:١١] تقييد للنص، ونفي لما دون هذا العدد. (٣) وعليه فإن نصيب البنتين يكون النصف، ونصيب الثلاث فصاعداً يكون الثلثين.
- وقد رُد هذا الاستدلال:
١ - بأنه استدلال لازم لابن عباس ﵁ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١] فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله.
٢ - لا نسلم أن (إن) تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف.
стр. 351
ويدل عليه: أنه لو كان الأمر كذلك للزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الإجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف وإما الثلثان، وبتقدير أن كلمة (إن) للإشتراط وجب القول بفسادهما.
فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلاً. (١)
٣ - أن إلحاق البنتين بالثلاث أولى من إلحاقهما بالواحدة، لمشاركتهما في وقوع الجمع عليهما إما مجازاً وإما حقيقة كالثلاث. فالبنتان كالجماعة، لأن منزلة الاثنتين منزلة الجمع في كثير من الأحكام، فصلاة الاثنين جماعة، والأخوان كالأخوة في حجب الأم من الثلث إلى السدس، فالجمع بالجمع أولى أن يقاس من الجمع بالواحد.
وعليه فإنه ليس في الآية دليل على أن للبنتين النصف، كما أنه ليس فيها نفي لأن يكون للبنتين الثلثان، وإنما فيها نص على أن ما فوق البنتين فلهن الثلثان. (٢)
قال محمد بن علي الموزعي في رد هذا القول المروي عن ابن عباس ﵁:
وظني أن هذا النقل عن ابن عباس ﵁ غير صحيح، فإنه لا يُظن به أن يجعل نصيب البنات دون نصيب الأخوات، ولا أنه يجعل إلحاق الاثنتين بالواحدة أولى من إلحاقهما بالثلاث، ولكن لما كان مذهبه في الأخوة في نقصان الأم، أنهم لا يقعون الاثنين لكونهما ليسا بجمع عنده، ولا في لسان قومه، اعتقد من اعتقد أن مذهبه هنا كذلك لكون (النساء) جمعاً فلا يقع على الاثنتين، فنقل مذهباً له وليس كذلك، فالطريق هنا غير الطريق هناك، والله أعلم - أ هـ - (٣)
- القول الثاني: أن للبنتين الثلثين.
- وهذا قول: جمهور الأمة.
ومن أدلة هذا القول:
стр. 352
١ - قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١] والاستدلال بهذه الآية من أوجه عده:
أ - سبب نزول هذه الآية: فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فاستفاءه (١)، فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال ﷺ : "سيقضي الله في ذلك " فأنزل الله آية الميراث - وهي الآية الحادية عشر من سورة النساء - فبعث إلى عمهما، فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن، ولك ما بقي". (٢)
فدل سبب نزول الآية: على أن للبنتين الثلثين.
ب - أن (فوق) في الآية: زائدة، والمعنى: (فإن كن نساء اثنتين فلهن ثلثا ما ترك).
كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] والمعنى: فاضربوا الأعناق، فجاءت كلمة (فوق) زائدة للتأكيد. (٣)
- وقد رد هذا الاستدلال بأمور:
١ - أن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام أن تزاد لغير معنى. (٤)
стр. 353
٢ - أنه لو كانت (فوق) زائدة لقال: (فإن كن نساء اثنتين فلهما ثلثا ما ترك). فلما قال: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] تبين أنها مقصودة غير زائدة. (١)
٣ - أن كلمة (فوق) في قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] ليست بزائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. فمعنى (فوق الأعناق) أي: على ذات العنق، لا على الجزء الذي فوق العنق، إذ أنه لم يقل: (فاضربوا ما فوق الأعناق) وإنما قال: (فاضربوا فوق الأعناق). (٢)
وبهذا يتضح أن القول بزيادة كلمة (فوق) قول لا صحة له، ولذلك فإن المحققين من العلماء كانوا يتحاشون مثل ذلك.
قال ابن هشام في رد القول بالزيادة: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد، لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك.
والزائد عند النحويين معناه: الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد: صلة، وبعضهم يسميه: مؤكداً، وبعضهم يسميه: لغواً، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب. أ هـ. (٣)
ج - أن في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: (فإن كن نساء اثنتين فما فوق ذلك). ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا الأعناق فما فوقها.
وهذا الاستدلال أحسن من القول بالزيادة لكلمة فوق، لأن فيه الدلالة على حكم الثنتين فما فوق، وأما القول بالزيادة ففيه الدلالة على حكم الثنتين فقط. (٤).
стр. 354
والصحيح أنه ليس في الآية تقديم ولا تأخير، وأن ترتيب الآية على ظاهره، ولفظ (فوق) على حقيقته وبابه. وحكم البنتين يؤخذ من الإجماع والقياس والسنة. (١)
د - أن الله جل وعلا قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]: فأوجب الله جل وعلا للبنت الواحدة مع الابن الثلث، وإذا كان لها مع الذكر الثلث، كانت بأخذ الثلث مع الأنثى أولى، ولو جعلنا نصيب البنتين النصف، لنقصت حصة الواحدة من الثلث. فدل ذلك على أن نصيب البنتين الثلثان، لأن الله جل وعلا جعل نصيب الابن مثل نصيب البنتين وهو الثلثان. (٢)
هـ - أن الله جل وعلا ذكر فرض الواحدة من البنات وهو النصف، وذكر فرض البنات مجتمعات وهو الثلثان، فإذا أمتنع كون فرض الواحدة يتناول البنتين، وجب أن يكون فرض البنات يتناول البنتين. (٣)
стр. 355
و - أن النصف سهم لم يُجعل فيه اشتراك، بل شرع خالصاً للواحدة، بخلاف الثلثين، فإنه سهم الاشتراك بدليل دخول الثلاث فيه فما فوقهن، فدخلت فيه الاثنتان ابتداء. (١)
٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] فدلت الآية على أن فرض الأخت كفرض البنت، فلذلك يجب أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين الذي نص عليه في الآية. (٢)
قال الكياالهراسي: وأقوى الأدلة في ذلك أن الله جل وعلا جعل للأختين الثلثين في نص الكتاب فقال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] ومعلوم أن أولاد الميت أولى من أولاد أب الميت، فدل ذلك على أن بيان نصيب الاثنتين مقدر في كتاب الله تعالى.
واحتيج إلى بيان نفي المزيد على الثلثين عند زيادة عدد الأخوات فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] ولم يتعرض لهذا المعنى في ميراث الأخوات، لأن فيما ذكر من ميراث البنات بيان لذلك.
ولم يتعرض لبيان فرض البنتين في ميراث البنات، لأن فيما ذكر من ميراث الأخوات بيان لذلك.
فاشتملت الآيتان - (١١،١٧٦ - من سورة النساء) - على بيان ميراث الأختين والبنتين، وعلى نفي الزيادة على الفرض عند زيادة العدد، وهذا غاية البيان. أ هـ. (٣)
- الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لإجماع الأمة - ما عدا ابن عباس في رواية عنه - على أن للبنتين الثلثين كما للثلاث، ولقوة الأدلة المتقدمة وصحتها.