← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويدل عليه: أنه لو كان الأمر كذلك للزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الإجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف وإما الثلثان، وبتقدير أن كلمة (إن) للإشتراط وجب القول بفسادهما. فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلاً. (١) ٣ - أن إلحاق البنتين بالثلاث أولى من إلحاقهما بالواحدة، لمشاركتهما في وقوع الجمع عليهما إما مجازاً وإما حقيقة كالثلاث. فالبنتان كالجماعة، لأن منزلة الاثنتين منزلة الجمع في كثير من الأحكام، فصلاة الاثنين جماعة، والأخوان كالأخوة في حجب الأم من الثلث إلى السدس، فالجمع بالجمع أولى أن يقاس من الجمع بالواحد. وعليه فإنه ليس في الآية دليل على أن للبنتين النصف، كما أنه ليس فيها نفي لأن يكون للبنتين الثلثان، وإنما فيها نص على أن ما فوق البنتين فلهن الثلثان. (٢) قال محمد بن علي الموزعي في رد هذا القول المروي عن ابن عباس ﵁: وظني أن هذا النقل عن ابن عباس ﵁ غير صحيح، فإنه لا يُظن به أن يجعل نصيب البنات دون نصيب الأخوات، ولا أنه يجعل إلحاق الاثنتين بالواحدة أولى من إلحاقهما بالثلاث، ولكن لما كان مذهبه في الأخوة في نقصان الأم، أنهم لا يقعون الاثنين لكونهما ليسا بجمع عنده، ولا في لسان قومه، اعتقد من اعتقد أن مذهبه هنا كذلك لكون (النساء) جمعاً فلا يقع على الاثنتين، فنقل مذهباً له وليس كذلك، فالطريق هنا غير الطريق هناك، والله أعلم - أ هـ - (٣) - القول الثاني: أن للبنتين الثلثين. - وهذا قول: جمهور الأمة. ومن أدلة هذا القول:

стр. 352

١ - قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١] والاستدلال بهذه الآية من أوجه عده: أ - سبب نزول هذه الآية: فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فاستفاءه (١)، فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال ﷺ : "سيقضي الله في ذلك " فأنزل الله آية الميراث - وهي الآية الحادية عشر من سورة النساء - فبعث إلى عمهما، فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن، ولك ما بقي". (٢) فدل سبب نزول الآية: على أن للبنتين الثلثين. ب - أن (فوق) في الآية: زائدة، والمعنى: (فإن كن نساء اثنتين فلهن ثلثا ما ترك). كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] والمعنى: فاضربوا الأعناق، فجاءت كلمة (فوق) زائدة للتأكيد. (٣) - وقد رد هذا الاستدلال بأمور: ١ - أن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام أن تزاد لغير معنى. (٤)

стр. 353

٢ - أنه لو كانت (فوق) زائدة لقال: (فإن كن نساء اثنتين فلهما ثلثا ما ترك). فلما قال: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] تبين أنها مقصودة غير زائدة. (١) ٣ - أن كلمة (فوق) في قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] ليست بزائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. فمعنى (فوق الأعناق) أي: على ذات العنق، لا على الجزء الذي فوق العنق، إذ أنه لم يقل: (فاضربوا ما فوق الأعناق) وإنما قال: (فاضربوا فوق الأعناق). (٢) وبهذا يتضح أن القول بزيادة كلمة (فوق) قول لا صحة له، ولذلك فإن المحققين من العلماء كانوا يتحاشون مثل ذلك. قال ابن هشام في رد القول بالزيادة: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد، لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك. والزائد عند النحويين معناه: الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد: صلة، وبعضهم يسميه: مؤكداً، وبعضهم يسميه: لغواً، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب. أ هـ. (٣) ج - أن في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: (فإن كن نساء اثنتين فما فوق ذلك). ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا الأعناق فما فوقها. وهذا الاستدلال أحسن من القول بالزيادة لكلمة فوق، لأن فيه الدلالة على حكم الثنتين فما فوق، وأما القول بالزيادة ففيه الدلالة على حكم الثنتين فقط. (٤).

стр. 354

والصحيح أنه ليس في الآية تقديم ولا تأخير، وأن ترتيب الآية على ظاهره، ولفظ (فوق) على حقيقته وبابه. وحكم البنتين يؤخذ من الإجماع والقياس والسنة. (١) د - أن الله جل وعلا قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]: فأوجب الله جل وعلا للبنت الواحدة مع الابن الثلث، وإذا كان لها مع الذكر الثلث، كانت بأخذ الثلث مع الأنثى أولى، ولو جعلنا نصيب البنتين النصف، لنقصت حصة الواحدة من الثلث. فدل ذلك على أن نصيب البنتين الثلثان، لأن الله جل وعلا جعل نصيب الابن مثل نصيب البنتين وهو الثلثان. (٢) هـ - أن الله جل وعلا ذكر فرض الواحدة من البنات وهو النصف، وذكر فرض البنات مجتمعات وهو الثلثان، فإذا أمتنع كون فرض الواحدة يتناول البنتين، وجب أن يكون فرض البنات يتناول البنتين. (٣)

стр. 355

و - أن النصف سهم لم يُجعل فيه اشتراك، بل شرع خالصاً للواحدة، بخلاف الثلثين، فإنه سهم الاشتراك بدليل دخول الثلاث فيه فما فوقهن، فدخلت فيه الاثنتان ابتداء. (١) ٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] فدلت الآية على أن فرض الأخت كفرض البنت، فلذلك يجب أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين الذي نص عليه في الآية. (٢) قال الكياالهراسي: وأقوى الأدلة في ذلك أن الله جل وعلا جعل للأختين الثلثين في نص الكتاب فقال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] ومعلوم أن أولاد الميت أولى من أولاد أب الميت، فدل ذلك على أن بيان نصيب الاثنتين مقدر في كتاب الله تعالى. واحتيج إلى بيان نفي المزيد على الثلثين عند زيادة عدد الأخوات فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] ولم يتعرض لهذا المعنى في ميراث الأخوات، لأن فيما ذكر من ميراث البنات بيان لذلك. ولم يتعرض لبيان فرض البنتين في ميراث البنات، لأن فيما ذكر من ميراث الأخوات بيان لذلك. فاشتملت الآيتان - (١١،١٧٦ - من سورة النساء) - على بيان ميراث الأختين والبنتين، وعلى نفي الزيادة على الفرض عند زيادة العدد، وهذا غاية البيان. أ هـ. (٣) - الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لإجماع الأمة - ما عدا ابن عباس في رواية عنه - على أن للبنتين الثلثين كما للثلاث، ولقوة الأدلة المتقدمة وصحتها.

стр. 356

وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي، هو القول الصواب في هذه المسألة. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء:١٢] قال أبو جعفر الطحاوي: والعرب قد تذكر الشيئين، وتقدم ذكر أحدهما على ذكر الآخر، والمؤخر منهما في الذكر قد كان مقدماً في الفعل على المقدم منهما في الذكر، وذلك موجود في كتاب الله تعالى، قال الله : ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]. فذكر الركوع مؤخراً وهو في الصلوات التي يصليها المسلمون، وفي الصلوات التي كان أهل الكتاب يصلونها قبلهم مقدم على السجود، ومثل ذلك قول الله في آي المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] فكان ذكر الدين فيها مؤخراً على ذكر الوصية، وكان المراد فيها أن يكون مقدماً على الوصية. (شرح مشكل الآثار -١٠/ ٣٠٥)

стр. 357

بين الإمام الطحاوي أن في هذه الآية تقديم وتأخير، لأنه جل وعلا ذكر الوصية قبل الدين لفظاً مع أن الدين مقدم على الوصية حكماً. وعليه فإن هذه الآية غير دالة على جواز تقديم الوصية على الدين عند تقسيم تركة الميت. لأن (أو) في الآية جاءت للإباحة وليست تعطي ترتيباً كـ (الفاء - وثم). وإذا كان ذلك، فليس في الآية دليل على تبدئه الوصية على الدين أو الدين على الوصية (١)، لأن معنى الآية: هو بيان أن الذي فرض فيها إنما هو لمن فرض له بعد إخراج أي هذين كان في مال الميت من وصية أو دين. ولذلك كان سواء تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديم الدين قبل ذكر الوصية. لأنه جل وعلا لم يرد من معنى ذلك إخراج الشيئين - الدين والوصية - من ماله، فيكون ذكر الدين أولى أن يبدأ به من ذكر الوصية. (٢) ولكن السنة قد دلت على أن الدين أولى بالتقديم، لأن أداء الدين فرض، والوصية إنما هي تطوع، والفرض أولى بالتقديم من التطوع. (٣) ولهذا أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية. - وأما فائدة تقديم الوصية على الدين لفظاً مع أنه مقدم عليها حكماً، فللأمور التالية:- ١ - أن وجود الوصية أغلب وأكثر من وجود الدين، فإنه قد يموت كثير من الناس ولا دين عليه، ولا يموت الإنسان غالباً إلا ويكون قد أوصى بوصية، فقدم في الذكر ما يقع غالباً في الوجود. (٤)

стр. 358

الدراسة ٢ - أنه لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه، لكون المشهور بين الناس أنه لابد من أدائه لأن فيه من يطالب به، فلذلك قدمت الوصية على الدين بعثاً على وجوب تنفيذها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جئ بكلمة (أو) للتسوية بينهما في الوجوب. ومثل هذه الآية: قوله جل وعلا: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] فقدم الصغيرة على الكبيرة لأنها مظنة للتساهل والتفريط، وللتأكيد على عظم خطرها، وأن المحاسبة عليها لازمة كما أن المحاسبة على الكبيرة ثابتة. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء:١٢].

стр. 359

قال أبو جعفر الطحاوي: عن جابر بن عبد الله، قال: اشتكيت وعندي سبع أخوات لي، فدخل علي رسول الله ﷺ ، فنفخ في وجهي ماء، فأفقت، فقلت يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: (أَحْسِن). قلت: الشطر؟ قال: (أحسن). ثم خرج رسول الله، وتركني، ثم رجع فقال: "يا جابر، إن الله قد أنزل، فبين الذي لأخواتك، فجعل لهن الثلثين"، فكان جابر يقول: فيَّ نزلت هؤلاء الآيات: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]. (١) ففي هذا الحديث: أن الأخوات اللاتي ذكر جابر للنبي ﷺ أنه كلالة مما لم ينكره رسول الله ﷺ وكان الولد، وقد تكون بحجب الأخوات إذا كان ذكراً، ولا يحجبهن إذا كان أنثى، ليس بكلالة، كان الوالد الذي لا يحجبهن في الأحوال كلها، أحرى أن لا يكون كلالة. وفيما قد ذكرنا ما قد دل أن الكلالة من يرث لا من يورث، وفي ذلك ما قد دل على صحة قراءة من قرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يورِّث كَلَالَةً﴾ [النساء:١٢] والله أعلم. (شرح مشكل الآثار -١٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿يورِّث﴾ [النساء:١٢] قرأ بالكسر للراء، كما بين رحمه الله تعالى - أن هذه القراءة صحيحة من حيث المعنى لدلالة حديث جابر ﵁ وغيره على أن لفظ (الكلالة) يطلق ويراد به الورثة. وإليك بيان القراءات الواردة في الآية: القراءة الأولى: بفتح الراء: ﴿يُورَثُ﴾. - وهذه قراءة: الجمهور. - والمراد (بالكلالة) على هذه القراءة هو: المورث. القراءة الثانية: بكسر الراء وتخفيفها: ﴿يورِث﴾.

стр. 360

- وهذه قراءة: الحسن البصري - وأيوب. - والمراد (بالكلالة) على هذه القراءة هو: الورثة. القراءة الثالثة: بكسر الراء وتشديدها: ﴿يورِّث﴾. - وهذه قراءة: الحسن البصري - وأبي رجاء العطاردي - والأعمش. - والمراد (بالكلالة) على هذه القراءة هو: الورثة. الترجيح: وكلا القراءتين - بالفتح أو بالكسر - صحيحة من حيث المعنى، إلا أن قراءة الفتح أولى، لكون القراءة بالكسر قراءة شاذة. (١) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء:١٥ - ١٦] قال أبو جعفر الطحاوي: عن البراء قال: مُرَّ على رسول الله برجل حمم وجه، وقد ضرب، يطاف به. فقال رسول الله ﷺ :" ما شأن هذا " قالوا: زنى، قال: " فما تجدون في كتابكم " قالوا: يحمم وجهه، ويعزر، ويطاف به. فقال: " أنشدكم الله، ما تجدون حده في كتابكم؟ " فأشاروا إلى رجل منهم فسأله رسول الله ﷺ فقال الرجل: نجد في التوراة الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكرهنا أن نقيم الحد على سفلتنا، وندع أشرافنا، فاصطلحنا على شيء، فوضعنا هذا. فرجمه ﷺ وقال: " أنا أولى من أحيا ما أماتوا من أمر الله " (٢)

стр. 361

إن الحكم كان في الزناة، في عهد موسى ﵇، هو الرجم على المحصن وغير المحصن. وكذلك كان جواب اليهودي الذي سأله رسول الله ﷺ عن حد الزاني في كتابهم، فلم ينكر ذلك عليه، رسول الله ﷺ ، فكان على النبي ﷺ ، اتباع ذلك، والعمل به، لأن على كل نبي، اتباع شريعة النبي الذي كان قبله، حتى يحدث الله شريعة تنسخ شريعته، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] فرجم رسول الله ﷺ اليهوديين على ذلك الحكم، ولا فرق حينئذ، في ذلك بين المحصن وغير المحصن. ثم أحدث الله لنبيه ﷺ شريعة، فنسخت هذه الشريعة فقال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥]. وكان هذا ناسخاً لما كان قبله، ولم يفرق في ذلك بين المحصن وغير المحصن. ثم نسخ الله تعالى ذلك، فجعل الحد، هو الإيذاء بالآية التي بعدها، ولم يفرق في ذلك أيضا بين المحصن وغيره. ثم جعل لهن سبيلاً: " البكر باالبكر، جلد مائة، وتغريب عام، والثيب جلد مائة، والرجم ". (١) وفرق حينئذ بين المحصن، وحد غير المحصن. (شرح معاني الآثار -٤/ ١٤٢ - ١٤٣) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن الآيتين عامتين في أصناف الزناة، كما بين أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، وأن الآية الثانية منسوخة بحديث عبادة بن الصامت ﵁.

стр. 362

وإليك أولاً: بيان المقصود بالحد الثابت في الآيتين: - القول الأول: أن الآيتين عامة في كل رجل وامرأة. - وهذا قول: أبي جعفر الطحاوي - وهبة الله بن سلامة. (١) - و دليل هذا القول: ١ - قوله جل وعلا:: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥] فقد كنى الله جل وعلا فيها بذكر النساء عن ذكر النساء والرجال، وعليه فالمراد بالآية: عامة الزناة. وقد رُد هذا الاستدلال: بأن: (اللاتي) هو جمع (التي) وهي كلمة يعبر بها عن المؤنث خاصة، وذلك هو المراد هنا، أخذاً من اختلاف العقوبتين في الآيتين. (٢) ٢ - قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] فقوله: (واللذان) قد غلب فيه المذكر على المؤنث، وإن كان المراد به العموم في كل زان وزانية. (٣) - القول الثاني: أن الآية الأولى عامة في كل محصن، والآية الثانية عامة في كل بكر. - وهذا قول: قتادة - والسدي - وابن زيد - ورجحه الطبري. - ودليل هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦]. فلفظ (اللاتي) لفظ خاص بالإناث، والحبس عقوبة أغلظ من الأذى، فاستحقته المرأة المحصنة، ويدخل معهن في ذلك من أحصن من الرجال بالمعنى. (٤) وقد رُد هذا الاستدلال: بأنه قول حسن لولا أن لفظ الآية ينبو عنه فيضعف، لأن قوله (واللاتي) لا يعطى إلا للنساء خاصة، والمؤنث لا يغلب على المذكر إلا في موضعين ليس هذا منهما، إلا أن يكون المراد باللفظ إنما هو النساء خاصة ثم دخل الرجال في ذلك الحكم حملاً لهم على النساء فيصح الاستدلال به. (٥)

стр. 363

٢ - قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] فلفظ (اللذان) لفظ للمذكر لكن يدخل فيه المؤنث. والأذى عقوبة أقل من الحبس فاستحقته البكر. (١) - القول الثالث: أن الآية الأولى عامة في كل امرأة، والآية الثانية عامة في كل رجل وامرأة. - وهذا قول: ابن عباس - وعطاء - وعكرمة - والحسن البصري. - ودليل هذا القول: ١ - قوله جلا وعلا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥] فلفظ (اللاتي) لفظ خاص بالإناث، وعليه فإن الحكم في الآية جاء عام في المرأة المحصنة وغير المحصنة. ٢ - قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] فلفظ (اللذان) لفظ للمذكر لكن يدخل فيه المؤنث، وعليه فإن حكم الآية جاء عاماً في المرأة والرجل. (٢) - القول الرابع: أن الآية الأولى عامة في كل امرأة، والآية الثانية عامة في كل رجل. - وهذا قول: مجاهد - ورجحه ابن العربي - وأبو حيان - وأبو جعفر النحاس. - ودليل هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥] فلفظ (اللاتي) لفظ مختص بالنساء على العموم، وقوله: (من نسائكم) تصريح باسمهن المخصوص لهن، فلا سبيل لدخول الرجال فيه. ٢ - قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] فلفظ (اللذان) لفظ مختص بالذكور على العموم. ولا يصح دخول النساء معهم في هذا الحكم، لأن حكم النساء قد تقدم في الآية الأولى، فينبغي أن يكون ما في هذه الآية حكماً خاصاً بالرجال.

стр. 364

ولأن هذه الآية لو كانت مستقلة عن الآية الأولى لكانت متضمنة لحكم آخر متعارض مع الحكم الوارد في الآية الأولى، ولكن لما جاءت هذه الآية مرتبطة بالآية الأولى، محالة بالضمير عليها بقوله: ﴿يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٦] علم أنه أراد الرجال ضرورة دون النساء. (١) الترجيح: والراجح هو القول بأن الآية الأولى عامة في كل امرأة، والآية الثانية عامة في كل رجل. لأن قوله: (واللاتي - ونسائكم) دال على أن المراد بالآية النساء خاصة. وقوله: (واللذان - ومنكم) دال على أن المراد بالآية الرجال خاصة. فلا يغلب المذكر على المؤنث، ولا المؤنث على المذكر إلا بدليل صحيح، ولا دليل على ذلك. كما أن اللائق بحال النساء هو الحبس، لأن المرأة السافلة إنما تفعل الفاحشة عند الخروج والاتصال بالرجال، فإذا حبست في البيت انقطعت مادة المعصية. وأما الرجل فإنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه، واكتساب قوت عياله، فمصلحة عياله تقتضي أن تكون عقوبته بغير الحبس، وهي الأذية بالقول والفعل. كما أن تأثير هذه العقوبة على الرجال أشد (٢). وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: بيان هل في الآيتين نسخ؟:- أ- القول الأول: أن في الآيتين نسخ، والمنسوخ منهما: الحبس والأذى فقط، وأما استشهاد أربعة رجال، فإن هذا الحكم باق لم ينسخ. (٣) وتحت القول بأن في الآيتين نسخ، أربعة أقوال في بيان الناسخ لها: القول الأول: أن الناسخ هو حديث عبادة بن الصامت ﵁.

стр. 365

ونص الحديث: أن النبي ﷺ عليه وسلم قال: " خذوا عني، خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة " (١) - وهذا قول: أبي جعفر الطحاوي - وهبة الله بن سلامة. (٢) - وقد اعترض على هذا القول: بأنه لا نسخ في الآية، وأن حديث عبادة بن الصامت- ﵁ مبين للحكم الموعود ببيانه في الآية، فكأنه قال: عقوبتهن الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلا، فوقع الأمر بحبسهن إلى غاية، فلما انتهت مدة الحبس، وحان وقت مجيء السبيل، قال الرسول ﷺ : "خذوا عني .. " الحديث، فهذا الحديث تفسير للسبيل وبيان له، ولم يكن ذلك ابتداء حكم منه ﷺ وإنما هو بيان لأمر كان ذكر (السبيل) منطوياً عليه، فأبان مبهمه، وفصل مجمله. (٣) - وقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن القول بأن الآية مغياة قول لا يصح، لأن الغاية المبهمة لما كان بيانها إبطالاً لحكم المغيّى، فاعتبارها اعتبار النسخ، وهل النسخ كله إلا إيذان بوصول غاية الحكم المرادة لله جل وعلا، غير مذكورة في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسوا النزول غير شعار النسخ. (٤)

стр. 366

القول الثاني: أن الناسخ هو حديث عبادة بن الصامت ﵁، ثم نسخ هذا الحديث، والناسخ له آية الجلد وهي قوله جل وعلا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] وذلك لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على الحديث، لما كان لقوله ﷺ "خذوا عني. . . " الحديث - فائدة، فوجب أن يكون الحديث متقدماً على آية الجلد. - وهذا قول: أبي بكر الجصاص. (١) القول الثالث: أن الناسخ هو آية الجلد وآية الرجم. وآية الجلد هي قوله جل وعلا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]. وآية الرجم هي: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة﴾. فعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى، لكتبتها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبته) فإنا قد قرأناها.). (٢) - وهذا قول: ابن عباس - وعمر بن الخطاب - ومجاهد - وقتادة - وعكرمة - والحسن البصري. (٣) القول الرابع: أن الآية الثانية منسوخة بالآية الأولى، فالآية الثانية قبل الآية الأولى. ولكن التلاوة أخرت الآية الثانية، وقدمت الآية الأولى. - وهذا قول: أبي بكر محمد بن الحسن الأصفهاني، المعروف بابن فورك. (٤)

стр. 367

- وقد رُد هذا القول: بأنه قول يوجب فساد الترتيب، فهو بعيد ومردود. (١) وعلى جميع الأقوال المتقدمة يكون المراد بـ (الفاحشة) في الآية: الزنا. - وهذا قول: جمهور المفسرين. (٢) ب- القول الثاني: أنه ليس في الآيتين نسخ. - وهذا قول: أبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني - وقد عزاه إلى مجاهد. (٣) ونسبه السيوطي: إلى ابن جرير - وابن المنذر - وابن أبي حاتم. (٤) - وحجة هذا القول: أن المراد بالفاحشة في الآية الأولى: المساحقة. والمراد بالفاحشة في الآية الثانية: اللواط. وذلك لأن قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥] مخصوص بالنسوان. وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٦] مخصوص بالرجال. (٥) - وقد رد هذا القول: بما ورد في الآية من الأمر باستشهاد أربعة، فإنه غير معهود في الشرع فيما عد الزنا. كما أن جمهور المفسرين قد أجمعوا على أن المراد بالفاحشة هنا: الزنا، وعليه فلا مجال لعدم القول بالنسخ. (٦) الترجيح: والقول الراجح هو أن الناسخ للآيتين هو آية الجلد وآية الرجم، وقد دل على ذلك وأكده ما ثبت عن الرسول ﷺ من قوله وفعله. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في الناسخ للآيتين. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء:٢١]

стр. 368

قال أبو جعفر الطحاوي: وكان (الإفضاء) المذكور في هذه الآية هو: الجماع الذي كان بينهم، (والميثاق) المذكور فيها هو: العقد الذي كان فيه إحلالهن فروجهن لمن تزوجهن. (شرح مشكل الآثار - ١٢/ ٣٥٢) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالإفضاء) في الآية هو: الجماع - كما بين - رحمة الله تعالى - أن المراد (بالميثاق) في الآية هو: عقد النكاح. وإليك أولاً: بيان أقوال المفسرين في المراد (بالإفضاء) الوارد في الآية: - القول الأول: أن المراد (بالإفضاء) هو: الجماع. - وهذا قول: ابن عباس - وابن مسعود - ومجاهد - والسدي - وأكثر المفسرين. (١) وهو اختيار: الزجاج - وابن قتيبة - والشافعي - والرازي. (٢) - ومعنى الآية على هذا القول: وكيف تأخذون ما آتيتموهن من مهر، وقد أفضى بعضكم إلى بعض بالجماع. - وهذا القول قد دلت عليه اللغة: لأن الإفضاء إلى الشيء: هو الوصول إليه بالمباشرة له. والعرب تقول: (أفضى الرجل إلى امرأته) أي: باشرها. والمعنى فيه أنه شبَّه مقدَّم جسمه بفضاء، ومقدم جسمها بفضاء، فكأنه لاقى فضاءها بفضائه. (٣) - القول الثاني: أن المراد بالإفضاء هو: الخلوة. - وهذا قول: عمر بن الخطاب - وعلي بن أبي طالب. (٤) وهو اختيار: الفراء - وأبي حنيفة. (٥) - ومعنى الآية على هذا القول: وكيف تأخذون ما آتيتموهن من مهر، وقد خلا بعضكم إلى بعض.

стр. 369

- وهذا القول قد دلت عليه اللغة: لأن أصل الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو المكان الواسع الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه، فسميت الخلوة إفضاء: لزوال المانع من الجماع. (١) الترجيح: وكلا القولين صحيح، لأن اللغة جاءت بهما، فالعرب تقول: (أفضى الرجل): أي دخل على أهله، وتقول (أفضى الرجل) بمعنى: جامع أهله. (٢) إلا أن أولى القولين بالصحة، القول بأن المراد بالإفضاء هو: الجماع - للأمور التالية: ١ - أن الله جل وعلا قال في الآية في معرض التعجب: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١] والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قوياً في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع، لا مجرد الخلوة. فوجب حمل اللفظ عليه. ٢ - أن الإفضاء إليها لابد وأن يكون مفسراً بفعل منه ينتهي إليه، لأن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك، لأنه عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر. فامتنع تفسير الإفضاء بمجرد الخلوة. ٣ - أن هذا القول هو قول جمهور المفسرين. (٣) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. ثانياً: بيان أقوال المفسرين في المراد (بالميثاق) الوارد في الآية: القول الأول: أن المراد (بالميثاق) هو: ما أخذته الزوجة على زوجها عند عقدة النكاح من عهد على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقربه الرجل. لأن الله جل وعلا أوصى بذلك الرجال فقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١].

стр. 370

- وهذا قول: ابن عباس - والحسن - وقتادة - والضحاك - ومحمد بن سيرين - والطبري. (١) القول الثاني: أن المراد (بالميثاق) هو: عقد النكاح الذي استحل به الفرج. - وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - وعطاء - وجابر بن زيد. (٢) الترجيح: وكلا القولين صحيح مراد بالآية، إذ لا تعارض بينهما. وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء:٢٣] قال أبو جعفر الطحاوي: قد يجرى الكلام كثيراً، بذكر معنى، فلا يكون ذلك المعنى بذلك الحكم، الذي جرى في ذلك الذكر، مخصوصاً. من ذلك قول الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فذكر الربيبة التي قد كانت في حجر ربيبها، فلم يكن ذلك، على خصوصيتها، لأنها كانت في حجره بذلك الحكم، وأخرجها منه إذا لم تكن في حجره.

стр. 371

ألا ترى أنها لو كانت أسن منه أنها عليه حرام، كحرمتها لو كانت صغيرة في حجره؟. وقال أيضاً في الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فأجمعت العلماء - إلا من شذ منهم - أن قتله إياه ساهياً، كذلك في وجوب الجزاء. فلم يكن ذكره ما ذكرنا من هاتين الآيتين يوجب خصوص الحكم. (شرح معاني الآثار -٤/ ٣٥٩) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] هو وصف خرج مخرج الغالب، وليس بوصف لازم في التحريم. وهذا المسألة للعلماء فيها قولان: القول الأول: أن قوله جل وعلا: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]. هو وصف خرج مخرج الغالب، وليس بوصف لازم. وعليه فإن الزوج إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته وحجره، أو في تربية وحجر غيره. - وهذا قول: جمهور العلماء. (١) - ومثل هذه الآية في أن الوصف فيها خرج مخرج الغالب: قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] فقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ قيد خرج مخرج الغالب، ولذلك لا يجوز إكراه الأمة على الزنا حتى وإن لم ترد التحصن. (٢)

стр. 372

ومثال آخر على ذلك قوله جل وعلا: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فقوله جلا وعلا: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:٩٥] قيد خرج مخرج الغالب، ولذلك قال أكثر العلماء: إن قتل الصيد حال الإحرام محرم حال العمد ولخطأ، والكفارة ثابتة في الحالتين. (١) القول الثاني: أن قوله جل وعلا: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]. هو وصف لازم، وليس بوصف خرج مخرج الغالب. وعليه فإن الزوج إذ دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها، بشرط أن تكون في تربيته وحجره. - وهذا قول: روي عن على بن أبي طالب ﵁ وإليه ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحكاه أبو القاسم الرافعي عن الإمام مالك - واختاره ابن حزم. (٢) - وقد رُد هذا القول: بأن قوله جل وعلا: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء:٢٣] لم يقتض أن تكون تربية زوج الأم للبنت شرطاً في التحريم، وأنه متى لم يربها لم تحرم، وإنما سميت بنت المرأة (ربيبة) لأن الأعم الأكثر أن زوج الأم يربيها. فليس بوقوع هذا الاسم على هذا المعنى بموجب أن تربيته إياها شرطاً في تحريمها. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] كلام خرج على الأعم الأغلب من كون الربيبة في حجر الزوج، فليست هذه الصفة شرطاً في التحريم. - ومثل هذه الآية في أن الوصف قد يكون وصفاً غالباً، وليس شرطاً لازماً: قول الرسول ﷺ : " في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون ". (٣)

стр. 373

فليس كون المخاض أو اللبن بالأم شرطاً في المأخوذ من الإبل، وإنما ذكره لأن الأغلب أن الإبل إذا دخلت في السنة الثانية كان بأمها مخاض، وإذا دخلت في السنة الثالثة كان بأمها لبن، فجرى الكلام على غالب الحال. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]. (١) الترجيح: والراجح هو القول بأن الوصف الوارد في الآية: وصف خرج على الأعم الأغلب، وليس بوصف أو شرط لازم في التحريم. وقد دل على صحة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فعلق - جل وعلا - رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن المقتضي لحصول الجناح والتحريم هو مجرد الدخول دون شرط آخر. (٢) ٢ - ما روته أم حبيبة بنت أبي سفيان، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فقلت له: هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال: "أفعل ماذا"؟ قلت: تنكحها، قال: "أوتحبين ذلك؟ " قلت: لست لك بمُخْلِية، وأحب من شركني في الخير أختي. قال: "فإنها لا تحل لي": قلت: فإني أخبرت أنك تخطب دُرَّة بنت أبي سلمة، قال: "بنت أم سلمة؟ " قلت: نعم، قال: "لو أنها لم تكن في حجري، ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضنّ عليّ بناتكن ولا أخواتكن". (٣) فدل هذا الحديث على أن تحريم بنت الزوجة ثابت بمجرد تزوج أمها. لأن الرسول ﷺ جعل المناط في التحريم مجرد تزوجه من أم سلمة ﵂.

стр. 374

فظهر بذلك أن الوصف الوارد في الآية هو وصف لغالب الأحوال، وليس بشرط لازم لا يتم التحريم إلا به. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء:٢٤]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: أصبنا نساء يوم أوطاس، (٢) ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فاستحللناهن. (٣) قال أبو جعفر: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا في المحصنات المرادات بما ذكر في هذه الآية من هن؟ فروي عن علي وابن مسعود ﵄ في قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، قال علي: المشركات إذا سُبين حللن به. وقال ابن مسعود: المشركات والمسلمات.

стр. 375

قال أبو جعفر: فكان تأويل هذه الآية عند علي ﵁ على المحصنات المسبيات المملوكات بالسباء، وكان عند ابن مسعود على اللاتي طرأت عليهن الإملاك من الإماء بالسباء وبما سواه، ومن أجل ذلك كان يقول: بيع الأمة طلاقها، وقد تابعه على ذلك غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ . وقد خالفهما عبد الله بن عباس فيما تأولا هذه الآية عليه، فتأولها على خلافه. كما عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، قال: لا يحل لمسلم أن يتزوج فوق أربعةٍ، فإن فعل، فهي عليه مثل أمه وأخته. فكان المحصنات عند ابن عباس المرادات في هذه الآية هن الأربع اللاتي يحللن للرجل دون من سواهن. غير أنه قد روي عنه في تأوليها ما يخالف ذلك من وجه دون هذا الوجه. كما عن عطية بن سعد (١)، عن ابن عباس: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤]، قال: هن ذوات الأزواج. قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكون بهذا القول موافقاً لعلي أو موافقاً لابن مسعود ﵄. وفي حديث أبي سعيد الذي رويناه في هذا الباب في إخباره بالسبب الذي نزلت فيه هذه الآية ما قد حقق في تأويلها ما تأولها عليّ عليه. (شرح مشكل الآثار - ١٠/ ٧٠ - ٧٦)

стр. 376

الدراسة بين الإمام الطحاوي الأقوال في المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] مرجحاً أن المراد بهن: المشركات ذوات الأزواج، إذا سبين حللن لمن سباهن، وذلك بدلالة سبب نزول الآية. وإليك ذكر أقوال المفسرين في المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]: - القول الأول: أن المراد هو: ذوات الأزواج من المشركين، لا تحل واحدة منهن إلا أن تسبى. والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج ثم سُبيت، جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها بملك اليمين بعد أن يستبرئها بحيضة. - وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وعلي - وعبد الرحمن بن عوف - وأبي سعيد الخدري- ومالك - وأبي حنيفة، وأصحابه - والشافعي - وأحمد - وإسحاق - وأبي ثور - وغيرهم. (١) - ودليل هذا القول: الأخبار التي رويت أن هذه الآية نزلت فيمن سبي من أوطاس. فعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن النبي ﷺ يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكان المسلمون يتأثمون من غشيانهن، فأنزل الله ﵎ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] أي: هن حلال لكم إذا ما انقضت عددهن). (٢) - القول الثاني: أن المراد هو: كل ذات زوج من النساء حرام على غير أزواجهن، إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشتر من مولاها فتحل لمشتريها، ويبطل بيع سيدها إياها النكاح بينها وبين زوجها. - وهذا قول: ابن مسعود - وأُبي بن كعب - وجابر بن عبد الله - وأنس بن مالك - وابن عباس -وسعيد بن المسيب - والحسن البصري - وغيرهم. (٣)

стр. 377

- ودليل هذا القول: عموم قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فإنه لا يختص بالنساء المسبيات، بل ظاهر الآية العموم في أن كل أمة متزوجة إذا ملكها رجل آخر، فهي تحل له بملك اليمين، ويرتفع حكم الزوجية بذلك الملك. والآية وإن نزلت في خصوص النساء المسبيات، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (١) - وقد رُد هذا الاستدلال: بأن حديث بريرة يخصه ويرده، لأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات كما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري ﵁. (٢) فعن عائشة ﵂ في قصة بريرة، قالت: (كان زوجها عبداً فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ولو كان حراً لم يخيرها). (٣) فدل هذا الحديث على: أن بيع الأمة لا يعد طلاقاً، لأن الرسول ﷺ خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي زوجها منه سادتها في حال رقها، وبين فراقه، ولم يجعل الرسول ﷺ عتق عائشة ﵂ إياها طلاقاً من زوجها، ولو كان طلاقاً لم يكن لتخييره إياها أي معنى. - وهذا هو مذهب جمهور العلماء: أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقاً، ولا طلاق لها إلا الطلاق. (٤) - القول الثالث: أن المراد هو: أن الحرائر حرام بعد الأربع، إلا ما ملكت إيمانكم من الإماء، فإنهن لم ويُحصرن بعدد. - وهذا قول: عروة بن الزبير - وابن عباس ﵃. - وقد رد هذا القول: بأنه لا دليل عليه، وفيه خروج بالنص عن ظاهره.

стр. 378

- القول الرابع: أن المراد هو: أن العفائف من النساء حرام على الرجال إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. - وهذا قول: ابن عباس - وعمر بن الخطاب - وعطاء - ومجاهد - والسدي - وسعيد بن جبير - وأبي العالية - وعبيدة السلماني. (١) - وقد رد هذا القول: بأنه أدخل النكاح تحت ملك اليمين، وهو غير داخل فيه، لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] فميز - جل وعلا - بين عقد النكاح وملك اليمين، كما أنه لم يطلق أحد من أرباب الشريعة على الحرة في عقد النكاح بأنها ملك اليمين. (٢) الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالآية: النساء ذوات الأزواج من المشركين، لا تحل واحدة منهن إلا أن تسبى. وذلك بدلالة سبب نزول الآية، ولأن الله جل وعلا قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، فعطف المحصنات على المحرمات، فلا بد وأن يكون الإحصان سبباً للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف والإسلام لا تأثير له في ذلك، فوجب أن يكون المراد منه (المزوجة) لأن كون المرأة ذات زوج هو الأمر الذي له تأثير في كونها محرمة على الغير. وقد رجح هذا القول: الواحدي - والرازي - والقرطبي. (٣) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصحيح في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 379

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥] قال أبو جعفر الطحاوي: قول الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]. وهذا الحرف مما قد اختلف القراء فيه، فقرأه بعضهم بالفتح، وممن قرأه كذلك عبد الله بن مسعود. كما عن النخعي أن معقل بن مقرن (١) سأل ابن مسعود فقال: أمتي زنت، فقال: اجلدها خمسين، قال: إنها لم تحصن، فقال: أليست مسلمة؟ قال: بلى، قال: فإسلامها إحصانها قال خلف: وكذلك يقرؤه الأعمش وعاصم وحمزة. وقرأه بعضهم بالضم: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥]، وممن قرأه كذلك عبد الله بن عباس. كما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥] يعني بالزواج. وممن قرأه كذلك نافع وأبو عمرو بن العلاء. (شرح مشكل الآثار - ٩/ ٣٤٥ - ٣٤٧)

стр. 380

الدراسة بين الإمام الطحاوي القراءات الواردة في قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥] مع نسبة كل قراءة إلى من قرأ بها، ومعنى الآية على كل قراءة. وإليك بيان هذه القراءات: القراءة الأولى: ﴿فإذا أَحصَن﴾ [النساء:٢٥] بفتح الألف والصاد. - وهذه قراءة: ابن مسعود ﵁ وعاصم - وحمزة - والكسائي - والأعمش. والمعنى: فإذا أسلمن، فصرن ممنوعات من الحرام بالإسلام. وهذا قول: ابن مسعود - وأنس - وابن عمر - وقول السدي - والشعبي - والنخعي - وابن جبير - وعطاء - وغيرهم. (١) - وقد اعترض على هذه القراءة التي بمعنى (أسلمن): بأن الله جل وعلا قال قبل ذلك: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء:٢٥] فوصفهن بالإيمان، فدل ذلك على أن المراد بقوله جل وعلا:: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] أي: فإذا تزوجن، لكون الوصف بالإسلام والإيمان قد تقدم قبل ذلك. - ويجاب عن هذا الاعتراض: بأن الله جل وعلا أراد بالآية ذكر حكمين: الأول: حكم نكاح الإماء، وقد اعتبر الإيمان فيه بقوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥]. والثاني: حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة، وقد اعتبر الإيمان فيه أيضاً فقال: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] بمعنى أسلمن وآمن. وعليه فإنه لا يجوز لأحد صرف معنى قوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] إلى أنه التزوج، دون الإسلام، من أجل ما تقدم من وصف الله لهن بالإيمان. (٢)

стр. 381

القراءة الثانية: ﴿فإذا أُحصِن﴾ [النساء:٢٥] بضم الألف وكسر الصاد. - وهذه قراءة: ابن عباس ﵁ ومجاهد - والحسن - وقتادة - والزهري. (١) الترجيح: وكلا القراءتين معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب. وليس اختلاف المعنى في القراءتين بمتضاد، إذ أن الله جل وعلا قد أوجب على الأَمَة الحد متى زنت. وقال الرسول ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". (٢) فلم يشترط ﷺ في إقامة الحد الإسلام أو الزوجية. فالحدود واجب إقامتها على الإماء إذا فجرن بكتاب الله، وأمر رسول الله ﷺ . (٣) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩] قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي هريرة، قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) (٤) فسأل سائل عن بيع الحصة المنهي عنه ما هو؟

стр. 382

فكان جوابنا له في ذلك أنه بيع كان من بيوع أهل الجاهلية التي يتعاقدونها بينهم، فكان أحدهم إذا أراد أخذ ثوب صاحبه، وملكه عليه بما يعوضه إياه به، ألقى عليه حصاة أو حجراً، فاستحقه بذلك عليه، ولم يسطع رب الثوب منعه من ذلك، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك، ورد البيع إلى خيار المتبايعين اللذين يتعاقدان به البيع بينهما عند إنزال الله تعالى عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فرد الله تعالى الأشياء إلى رضا أصحابها بإخراجها عن ملكهم إلى من يخرجونها إليه، أو إلى احتباسها لأنفسهم، وأخبر أن من جرى على خلاف ذلك كان آكلاً للمال بالباطل، وبالله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ١٤/ ٨٣ - ٨٥) الدراسة استدل الإمام الطحاوي بهذه الآية على أن التخاير من شروط صحة البيع، لأنه جل وعلا قال: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] والتراضي لا يتحقق إلا بأن يُجعل وقت للخيار يتم فيه إمضاء البيع أو فسخه. وإليك بيان أقوال العلماء في المراد بـ (التراضي) في الآية: - القول الأول: أن التراضي تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر، فيقول اخترت، وذلك بعد العقد وقبل الافتراق، فيتم البيع وإن لم يتفرقا. (١) - وقد دل على أن هذا هو المراد بالتراضي: ما رواه ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار". (٢)

стр. 383

فدل هذا الحديث على أن تمام التراضي هو أن يكون المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما حتى يفترقا بأبدانهما، إلا بيعاً يقول فيه أحدهما لصاحبه اختر فيختار، فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا، لأن اختياره دليل رضاه وقبوله. (١) - وهذا قول: ابن عمر - وأبي برزة - والشافعي - وأحمد - والثوري - والأوزاعي - والليث- وابن عيينة - وإسحاق - وغيرهم. ورجحه الطبري - والقرطبي. - القول الثاني: أن التراضي تمامه وجزمه أن يكون العقد ناجزاً بغير خيار. - وهذا قول: مالك - وأبي حنيفة. (٢) - ودليل هذا القول: قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فظاهر الآية يقتضي الحل عند حصول التراضي، سواء حصل التفرق أو لم يحصل. (٣) - وقد رد هذا الاستدلال: بأن إطلاق الآية محمول على ما بينه الرسول ﷺ من شروط البيع والتجنب لمفسداته، والسلامة من البيوع المنهي عنها، وإلا فذلك بيع باطل وإن تراضى به المتبايعان. (٤) الترجيح: والقول الراجح هو قول من قال: إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين: ما تفرق المتبايعان عن المجلس الذي تواجبا فيه بينهما عقدة البيع بأبدانهما عن تراضٍ منهما بالعقد الذي جرى بينهما، أو عن تخيير كل واحد منهما لصاحبه ورضاه بذلك لصحة الحديث المتقدم عن الرسول ﷺ . (٥) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 384

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء:٣٢]. قال أبو جعفر الطحاوي: الحسد ينقسم قسمين: فقسم منهما حسد لمن أوتي شيئاً على ما أوتيه منه، وتمن من الحاسد أن يكون ذلك الشيء له دون الذي آتاه الله إياه، فذلك ما هو مذموم ممن يكون منه. وقسم منهما حسد لمن آتاه الله شيئاً، وتمنّ من الحاسد أن يؤتى مثل ذلك الشيء، لا أن ينقل ذلك الشيء بعينه من المحسود حتى يخلو منه، ويكون للذي حسده دونه، وقد بين الله هذين المعنيين في كتابه، فقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢]. إلى قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢] أي: حتى يؤتيكم مثله، ويبقى من حسدتموه معه ما آتاه الله إياه غير مستنقص منه شيئاً. فكان الحسد الذي فيه تمني نقل الشيء المحسود عليه عمن آتاه الله إياه إلى حاسده عليه مذموماً، والحسد الذي ليس فيه ذلك التمني، وإنما فيه حسد الحاسد المحسود على ما آتاه الله حتى يؤتيه الله من فضله مثله ليس بمذموم. (شرح مشكل الآثار - ١/ ٤٠٢) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن هذه الآية دالة على نوعين من التمني: - النوع الأول: أن يتمنى الرجل زوال النعمة عن غيره، سواء تمنى مع ذلك انتقال هذه النعمة له أو لم يتمنى ذلك. وهذا النوع من التمني هو الحسد المنهي عنه.

стр. 385

فالحسد خلق نفس ذميمة وضيعة ساقطة ليس فيها حرص على الخير، فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد، ويفوز بها دونها، ويتمنى أن لو فاته كسبها حتى يساويها في العدم، كما قال جل وعلا: وَنَحْنُ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]. وكما قال جل ذكره: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]. فالحسود عدو للنعمة متمن لزوالها من المحسود كما زالت عنه. (١) وفي قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢]. نهي عن التحاسد، وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من أمور الدنيا والدين، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له، من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له، علماً بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، فلا يحسد أحد أخاه على حظه ورزقه. (٢) - النوع الثاني: أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما لغيره من غير تمن لزوال تلك النعمة عن غيره. وهذا النوع من التمني هو الحسد المباح، أو ما يسمى بالغِبْطة. فالغبطة هي: المبادرة إلى الكمال الذي تشاهده من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه، فهي من شرف النفس وعلو الهمة وكبر القدر، قال جلا وعلا في ذلك: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].

стр. 386

وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يتنافسون في الخير، ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضاً عليه، مع تنافسهم فيه، وهو نوع من المسابقة التي دعا الله جل وعلا إليها بقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]. وبقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]. (١) وهذا النوع من الحسد هو المراد بقول الرسول ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار". (٢) وقد دل على هذا النوع من الحسد المباح: قوله جل وعلا: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾﴾ [النساء:٣٢]. فللإنسان أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره. إلا أن بعض المحققين قال بعدم جواز ذلك، لأن تلك النعمة التي يتمناها الإنسان ربما كانت مفسدة له إما في دينه وإما في دنياه. وعليه فينبغي للمسلم أن لا يعين شيئاً في الأمنية والطلب والدعاء، ولكن ليطلب من فضل الله ما يكون سبباً لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الإطلاق. كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢].

стр. 387

ولذلك كان أحسن الدعاء وأفضله ما ورد في قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فهذا أولى من التمني والطلب لشيء معين، إذ كان أعم الدعاء وأكمله. (١) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء:٣٣] (١) قال أبو جعفر الطحاوي: عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام، وأيُّما حلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة" (٢) فقال قائل: كيف تقبلون هذا وأنتم تروون عن رسول الله ﷺ أنه قد حالف في الإسلام بين المهاجرين والأنصار. فذكر عن أنس بن مالك، قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا فقيل له: أليس قد قال النبي ﷺ : "ولا حلف في الإسلام" فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. (٣)

стр. 388

قال سفيان: فسرته العلماء: آخى بينهم. قال: فلم يلتفت هذا المعارض الذي ذكرنا إلى ما حكيناه له عن ابن عيينة عن العلماء الذين حكاه عنهم. وقال: قد جاء كتاب الله بما يخبر أنه قد كانت محالفة في الإسلام، وذكر قول الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣]. فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله وعونه -: أن الذي تلاه علينا من كتاب الله كما تلاه، ولكن الله قد نسخه عن ابن عباس في قوله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة تُورَّثُ الأنصار دون رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:٣٣] نسختها: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] من النصر والنصيحة والرِّفادة ويوصي له، وقد ذهب الميراث. (١) فأخبر ابن عباس ﵁ أن هذه الآية قد نسخها غيرها، يعني أنه نسخها قول الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦].

стр. 389

فأخبر ابن عباس في حديثه هذا أن الذي بقي لهم يعني الأحلاف بعد نزول هذه الآية هو النصر والنصيحة والوصية، وأن الميراث قد ذهب. قال: فإذا جمع ما في هذا الحديث وما في حديث أنس بن مالك دلّ على أنه قد كان هناك تحالف، ووكَّد ذلك قول الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٣] قال: ففي هذا ما قد خالف ما قد رويتموه أن "لا حلف في الإسلام"!! قيل له: ما خالفه، لأن قول النبي ﷺ : "لا حلف في الإسلام" إنما كان منه عند فتحه مكة. كما عن عمرو بن شعيب، (١) عن أبيه (٢) عن جده عبد الله بن عمرو، (٣) قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح قام خطيباً، فقال: "أيها الناس؛ إنه ما كان من حلف في الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الإسلام". (٤)

стр. 390

فأخبر عبد الله بن عمرو أن هذا القول إنما كان من رسول الله ﷺ يوم فتح مكة والذي كان من رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم من المؤاخاة بينهم التي حالف بينهم فيها، كان قبل ذلك بالمدينة، وكان الذي كان من النبي ﷺ في خطبته يوم فتح مكة مما ذكره عبد الله بن عمرو ناسخاً لذلك، ولم يكن منه ﷺ بعد قوله: "لا حلف في الإسلام" حلف إلى أن قبضه الله، صلوات الله عليه. فقال قائل: فقد روي عن سعيد بن المسيب في تأويل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] خلاف ما رويتموه عن عبد الله بن عباس في ذلك عن سعيد بن المسيب، قال: قال الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] قال ابن المسيب: إنما نزلت هذه الآية للذين يتبنون رجالاً غير آبائهم فيورثونهم، فأنزل الله فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، وجعل الميراث للرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمُدَّعين ميراثاً ممن ادَّعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيباً في الوصية مكان ما تعاقدوا فيه من الميراث الذي رد الله فيه أمرهم. (١)
следующие страницы →