المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين - أما بعد:
فإنه مما لا شك فيه أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وهو الفيصل بين الحق والباطل، وهو الصراط المستقيم لجنات النعيم، كتاب أحكمه الله فأتقن إحكامه، وفصله فأحسن تفصيله، كما قال جل ذكره: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ولا يتطرق إلى ساحته نقض ولا إبطال، كما قال جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت ٤٢:٤١].
وهو المعجزة العظمى، والحجة البالغة الباقية على وجه الدهر لرسول البشرية ﷺ ، وهو الكتاب الذي استمد منه المسلمون علومهم ومعارفهم، وهو المنهج الخالد الذي تكفل بجميع ما يحتاج إليه البشر في أمور دينهم ودنياهم.
ولما كان القرآن الكريم بهذه المكانة العظيمة عنيت به الأمة الإسلامية عناية فائقة، من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا فحفظوا لفظه، وفهموا معناه، واستقاموا على العمل به، وأفنوا أعمارهم في البحث فيه، والكشف عن أسراره ومعانيه، ولم يدعوا ناحية من نواحيه الخصبة إلا وقتلوها بحثاً وتمحيصاً، وألفوا في ذلك المؤلفات القيمة، حتى زخرت المكتبة الإسلامية بميراث مجيد من تراث سلفنا الصالح وعلمائنا الأعلام.
стр. 2
ومن هؤلاء العلماء الأعلام الذين كان لهم دور كبير وهام في خدمة القرآن وعلومه: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (٢٣٩ - ٣٢١ هـ). فلقد كان ﵀ متوسعاً في تحصيل العلوم النقلية والعقلية، حتى بلغ فيها مبلغاً لا يدرك شأوه، وأصبح بحراً لا يدرك قعره. عكف على قراءة القرآن ومعرفة علومه ومعانية، حتى بلغ فيه الغاية من حيث الرواية والدراية.
ولهذا فقد رأيت أن يكون موضوع بحثي لرسالة الماجستير هو:
- أقوال الإمام أبي جعفر الطحاوي في التفسير (جمعاً ودراسة).
стр. 3
وتبرز أهمية هذا الموضوع وسبب اختياره في الأمور التالية:
١ - أن علم التفسير من أجل علوم الشريعة وأرفعها قدراً، وهو أشرف العلوم موضوعاً وغرضاً وحاجة إليه، لأن موضوعه كلام الله جل وعلا، الذي هو ينبوع كل حكمة، ومصدر كل فضيلة. ولأن الغرض منه: هو الاعتصام بدين الله الموصول إلى سعادة الدارين، ولأن كل كمال ديني أو دنيوي لابد وأن يكون موافقاً للشرع، وموافقته متوقفة على العلم بكتاب الله ﵎.
٢ - أن مسائل هذا العلم لا تزال بحاجة إلى جمع وتحرير، وتحقيق وتدقيق من المختصين في هذا العلم، وذلك عن طريق الرسائل الجامعية.
٣ - إبراز جهود العلماء في هذا العلم، فالإمام الطحاوي مشهود بإمامته في الفقه والحديث، مجهول عنايته بتفسير كلم الله وبيانه، وفي هذا البحث إبراز لهذا العلم عند هذا الإمام.
فلقد كان للإمام أبي جعفر الطحاوي، عناية كبيرة بكتاب الله تعالى، فكتب في تفسيره وعلومه، ولكن في مواطن متفرقة من مؤلفاته.
стр. 4
كما أن الإمام الطحاوي من أفضل علماء عصره في العقيدة والفقه والحديث وعلم اللغة والتفسير، شاع فضله في كل ذلك وذاع، وبعد صيته بين الناس، وملأ البقاع والأسماع، فأمه الطلاب من كل بلد وناحية، يتلقون العلم عنه، ويغترفون من علومه ومعارفه. وكان صحيح النظر بليغ القول، جيد التعبير عن كل ما يقصد إلى بيانه، كما هو ظاهر في مؤلفاته، ولقد أثنى العلماء على هذا الإمام الجليل اعترافاً بفضله وعلمه - قال عنه الإمام الذهبي:
الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها .. ومن نظر في تواليف هذا الإمام علم محله من العلم، وسعة معارفه. (سير أعلام النبلاء - ١٥/ ٢٧)
وقال الصفدي: كان ثقة، نبيلاً، ثبتاً، فقيهاً عاقلاً، لم يخلف بعده مثله. (الوافي بالوفيات-٨/ ٩)
وقال ابن كثير: الفقيه الحنفي، صاحب التصانيف المفيدة والفوائد الغزيرة، وهو أحد الثقاة الأثبات، والحفاظ الجهابذة. (البداية- ١١/ ١٨٦)
ويعد الإمام الطحاوي من أقدر الناس على التأليف، وأمهرهم في التصنيف بما وهبه الله من وفرة المحفوظ، وتنوع المعارف، وسرعة الاستحضار، وكمال الاستعداد، وقد صنف كتباً متنوعة في العقيدة والتفسير والحديث والفقه والتاريخ وهي في غاية الجودة والأصالة وكثرة الفوائد.
وقد أحصى المؤرخون من تصانيفه ما يربو على ثلاثين كتاباً منها:
شرح معاني الآثار - شرح مشكل الآثار - مختصر الطحاوي في الفقه الحنفي - العقيدة الطحاوية - الشروط الصغير - سنن الشافعي - التاريخ الكبير - أحكام القرآن الكريم - اختلاف العلماء - السنن المأثورة. . . إلى غير ذلك من مؤلفاته القيمة النافعة.
٤ - المنهج العلمي الذي تميزت به مؤلفات الإمام الطحاوي، في دراسة المسائل وعرضها، وذكر الأقوال وأدلتها، وبسط القول في مناقشتها، وترجيح ما يراه مستنداً في كل ذلك إلى الدليل النقلي والعقلي.
стр. 5
خطة البحث
تتكون خطة البحث من:- مقدمة - وتمهيد - وفصلين - وخاتمة - وفهارس.
فالمقدمة:- أتناول فيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وخطة البحث ومنهجي فيه.
والتمهيد: أعرف فيه بالإمام الطحاوي بإيجاز في خمسة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه، ومولده ونشأته.
المبحث الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي.
المبحث الثالث: طلبه للعلم، وشيوخه وتلاميذه.
المبحث الرابع: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المبحث الخامس: مصنفاته، ووفاته.
والفصل الأول: أبين فيه منهج الإمام الطحاوي في التفسير، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.
المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالسنة.
المبحث الثالث: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.
المبحث الرابع: منهجه في تفسير القرآن بأقوال أئمة اللغة
المبحث الخامس: منهجه في إيراد أقوال أهل التفسير ومناقشته لها.
المبحث السادس: منهجه في إيراد القراءات والتعليق عليها.
المبحث السابع: منهجه في تفسير آيات العقائد.
المبحث الثامن: منهجه في تفسير آيات الأحكام الفقهية.
المبحث التاسع: منهجه في إيراد أسباب النزول.
المبحث العاشر: منهجه في بيان الناسخ والمنسوخ.
والفصل الثاني: أبين فيه أقوال الإمام الطحاوي في التفسير.
- وستكون خطوات العمل فيه على النحو التالي:-
١ - جمع أقوال الإمام الطحاوي في التفسير من الكتب التالية:-
شرح مشكل الآثار - شرح معاني الآثار - مختصر اختلاف العلماء.
٢ - ترتيب المادة العلمية على حسب ترتيب المصحف.
٣ - أذكر أولاً ما ذكره الإمام الطحاوي، ثم يأتي بعد ذلك الجانب الدراسي لما ذكره.
٤ - مقارنة أقوال الإمام الطحاوي بأقوال غيره من أئمة التفسير - مع بيان الراجح منها.
стр. 6
٥ - إذا تعلق كلام الإمام الطحاوي بأكثر من آية ولا فائدة من تكراره مع كل آية فإني أذكره في الموضع الأقرب والألصق بالآية، وفي حالة التساوي فإني أذكره في الوضع الأول حسب ترتيب المصحف، وأحيل عند موضع الآية المتأخرة على الآية المتقدمة.
٦ - توثيق القراءات، وبيان المتواتر منها والشاذ.
٧ - تخريج الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ .
٨ - توثيق المسائل الفقهية، مع مناقشتها، وبيان القول الراجح فيها.
٩ - الجمع في أقواله بين ما يتوهم منه التعارض، وإيضاح ما أبهم منه.
١٠ - التعريف بالأعلام غير المشهورين، والأماكن والبلدان في أول موضع ترد فيه.
الخاتمة:- وفيها بيان لأهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
الفهارس:
١ - فهرس الآيات.
٢ - فهرس الأحاديث.
٣ - فهرس الأعلام.
٤ - فهرس الأبيات الشعرية.
٥ - فهرس المصادر والمراجع.
٦ - فهرس الموضوعات.
وفي ختام هذه المقدمة أتقدم بالشكر الجزيل لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين (قسم القرآن وعلومه) لموافقتها على هذه الرسالة، ولما تقوم به من جهد مبارك في سبيل خدمة العلم وأهله.
كما أتقدم بوافر الشكر والتقدير للمشرف على الرسالة فضيلة الدكتور: حسن محمد عبد العزيز علي - الأستاذ المساعد في كلية أصول الدين (قسم القرآن وعلومه) - لما كان منه من متابعة وحسن توجيه.
كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر لكل من قدم لي من المساعدة ما أعانني على إتمام هذه الرسالة فجزى الله الجميع خير الجزاء في الدنيا ويوم اللقاء.
كما أساله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينفع بهذا الجهد المتواضع، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعونا أن الحمد الله رب العالمين، وصلاة وسلام على المبعوث رحمة للعالمين.
стр. 7
التمهيد: التعريف بالإمام الطحاوي
المبحث الأول: اسمه ونسبه، ومولده ونشأته
أولاً: اسم ونسب الإمام أبي جعفر الطحاوي
- أما اسمه فهو: أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة بن سليم بن سليمان بن جواب الأزدي، الحجري المصري، الطحاوي، الجيزي، الحنفي، أبو جعفر (١).
- أما نسبته: فقد ذكر العلماء - كما سبق- أن للإمام الطحاوي ست نسب وهي مرتبة حسب ما جرت عليه عادتهم من نسبة الرجل إلى:
١ - قبيلته، فيقال: (الأزدي).
٢ - ثم بطن القبيلة، فيقال: (الحجري).
٣ - ثم البلد، فيقال: (المصري).
٤ - ثم القرية أو المدينة التي ولد فيها، فيقال: (الطحاوي).
٥ - ثم القرى والمدن التي رحل إليها واستقر بها سنيناً مرتبة، فيقال: (الجيزي).
٦ - ثم المذهب الفقهي الذي يذهب إليه، فيقال: (الحنفي).
وسوف أكتب عنها واحدة بعد أخرى حتى يتبين وجه كل واحدة منها:
١ - (الأزدي): (بفتح الهمزة وسكون الزاي) نسبة إلى: أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وأزد من أعظم القبائل العربية القحطانية، وأكثرها فروعاً، وتنقسم إلى أربعة أقسام، وقد تفرق أبناء أزد وعرفوا باسم الموقع الذي نزل فيه كل واحد منهم.
ويقال للأزد التي ينتسب إليها أبو جعفر (أزد الحجر) تمييزاً لها من أزد شنوءة وغيرها (٢)
٢ - (الحجري): (بفتح الحاء وسكون الجيم) نسبة إلى بطن من بطون قبيلة الأزد المعروفة،
وهم: بنو حجر بن عمران بن عمرو بن عامر ماء السماء (٣)
стр. 8
٣ - (المصري): (بكسر الميم، وسكون الصاد المهملة) هكذا لغة واحدة، وهي نسبة إلى بلاد مصر المعروفة، وقد نسب الإمام الطحاوي ﵀ إليها لأنها بلده الذي ولد وعاش وتوفي فيه. (١)
٤ - (الطحاوي): نسبة إلى قرية طحا، وهي قرية من قرى مصر وهناك أكثر من قرية تسمى بطحا، وفي مصر أيضا، قال ياقوت محددا موقع (طحا) هذه: إنها كورة بمصر شمالي الصعيد في غربي النيل وإليها ينسب أبو جعفر أحمد بن محمد (الطحاوي) (٢).
وهذا ما رجحه الدكتور عبد المجيد محمود - بعد دراسة مستفيضة عن موقع البلدة- بأن قرية (طحا) التي ينتسب إليها الطحاوي، هي المعروفة الآن بـ (طحا الأعمدة) التي تتبع مركز (سملوط) من مديرية (المنيا). (٣)
٥ - (الجيزي): (بكسر الجيم المعجمة) نسبة إلى الجيزة، وهي في اللغة بمعنى: الوادي أو أفضل مكان فيه، وهي بليدة في غربي فسطاط مصر قبالتها (٤)، ولم أقف على من نسبه إلى هذه النسبة إلا الإمام العيني قال: وإنما نسب الطحاوي إلى الجيزة لسكناه فيها. (٥)
٦ - (الحنفي): نسبة إلى المذهب الفقهي الذي يذهب إليه الإمام الطحاوي ﵀، وهو أول المذاهب الفقهية الأربعة نشوءا، وهو مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت ﵀ (٦).
стр. 9
أما كنيته: فقد أجمعت كتب التراجم على كنية الإمام الطحاوي فقالوا: أبو جعفر، ولكن لا نستطيع أن نقول بأن هذه الكنية تعنى أن له ولداً اسمه جعفر، كما لا نستطيع نفي ذلك، فإن من عادة السلف أن يتكنوا بكني لا تدل على أسماء أبنائهم، بل منهم من يتكنى وهو غير متزوج أصلاً، ومثال ذلك شيخ الطحاوي: بكار بن قتيبة، وكنيته: أبو بكرة، مع أنه لم يتزوج ﵀.
والإمام الطحاوي لم يذكر من ترجم له أن له ولداً سوى علي بن أبي جعفر وهو من تلاميذه الرواة عنه.
ولعل الطحاوي كنى نفسه بأبي جعفر متابعة لشيخه الحنفي أبي جعفر أحمد بن أبي عمران القاضي لإعجابه به وإجلاله له، ومثال هذا كثير، والله تعالى أعلم. (١)
стр. 10
ثانيا: مولد ونشأة الإمام أبي جعفر الطحاوي
١ - مولده:
ولد الإمام أبو جعفر الطحاوي في قرية (طحا) باتفاق المؤرخين.
وكان مولده رحمه الله تعالى سنة (٢٣٩ هـ) على أصح الأقوال وأرجحها. نقل القرشي المتوفى سنة (٧٧٥ هـ) عن أبي سعيد بن يونس أنه قال: قال لي الطحاوي: (ولدت سنة تسع وثلاثين ومائتين) (١)
وحدد ابن عساكر (٢) مولده بعبارة أدق فقال: (ذكر بعض أهل العلم أن مولد أبي جعفر ليلة الأحد لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين ومائتين) (٣) وعلى هذا جرى أغلب المؤرخين في تحديد سنة ولادته (٤)
стр. 11
٢ - نشأته:
- أولاً: عاش الإمام الطحاوي في القرن الثالث الهجري وبعض من الرابع (٢٣٩ - ٣٢١ هـ) في العصر العباسي الضعيف، الذي يعد المرحلة الأولى لضعف الدولة العباسية، ومن ذلك الحين بدأ يظهر نفوذ الأتراك، وقد كان الخليفة المعتصم (١) هو أول من استكثر منهم واستبعد العرب، فبدأ عهد الاضطراب والفوضى من الناحية السياسية في عاصمة الخلافة: بغداد، حتى أذهب هيبتها وبدأ تفككها، ولم يبق من سلطة الخليفة إلا الاسم ولا من مظاهر الخلافة إلا البهرج والأبهة فحسب.
فاستغل هذا الضعف بعض أمراء الولايات العباسية فأعلن كل واحد استقلال ولايته عن دولة الخلافة، وكانت مصر آنذاك تخضع للدولة العباسية ولكن منذ سيطرة الأتراك بدأ تعيين الوالي من طريقهم، شريطة أن يؤدوا ضريبة أو خراجاً معيناً لدار الخلافة ببغداد، فكثرت الرشاوى وعم الفساد وظهرت الطبقية في ذلك المجتمع، فأصبح الناس ما بين فقر مدقع وغنى فاحش، والكثرة الكاثرة من الناس في أحط درجات البؤس والفقر.
ولما آلت ولاية مصر إلى بايكباك التركي سنة ٢٤٥ هـ بعث أحمد بن طولون (٢)
стр. 12
إلى مصر لينوب عنه في حكمها، ويوماً بعد يوم استطاع ابن طولون توطيد قدمه في مصر والقضاء على مناوئيه حتى ضم إليها الشام وبرقة وجزءاً من العراق، حتى بلغ من قوته وبأسه أن استعان به الخليفة على أخيه، بل حتى خشي بأسه إمبراطور الروم.
وبقيام الدولة الطولونية في مصر عام أربعة وخمسين ومائتين، تبدلت الأحوال نحو الأفضل، وعادت للخلافة هيبتها في نفوس الناس، وقوي شأن الخلفاء وزادت سيطرتهم (١) ونجم عن ذلك استقرار سياسي، فتحسنت الأحوال الاقتصادية والعلمية وأفسح المجال لكثير من العلماء من العراق وفارس والحجاز والمغرب أن يأتوا مصر لينشروا علمهم ويأخذوا ما ليس عندهم (٢)، وهو الأمر الذي أفرز حركة علمية أفاد منها علماء مصر، ومنهم الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى.
واستمرت هذه القوة وذلك البأس لهذه الدولة الطولونية إلى أن سقطت سنة ٣٢٣ هـ علي يد محمد بن سليمان الكاتب قائد الخلفية المكتفي، فعادت مصر إلى عهد التبعية المطلقة للعباسيين ببغداد دار الخلافة آنذاك .. وبذلك عادت الاضطرابات إلى تلك البلاد لضعف الخلفاء وعجزهم عن المحافظة على سلطانهم، حتى استبد الجند ببعض أولئك الخلفاء، وكان الوضع هكذا إلى أن قامت الدولة الإخشيدية (٣) في سنة ٣٢٣ هـ.
ومما سبق يتضح أن الإمام الطحاوي قد عاصر تلك الدولة الطولونية من النشوء مروراً بالازدهار إلى السقوط وذهاب الريح. (٤)
- ثانياً: نشأ الإمام الطحاوي في أسرة معروفة بالعلم والتقى والصلاح، كما كانت ذات نفوذ ومنعة وقوة في صعيد مصر.
стр. 13
والده (محمد بن سلامة): من أهل العلم والأدب والفضل، وهو ما تحدث به الطحاوي عن أبيه من أنه كان أديباً، له نظر وباع في الشعر والأدب، وقد كان يصحح بعض الأبيات، ويكمل
بعضها الآخر، حينما كان يعرض عليه أبنه (أحمد) ذلك. (١)
وكانت وفاته سنة (٢٦٤ هـ) (٢).
وأما والدته: فهي على الراجح: أخت المزني صاحب الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى.
وقد كانت معروفة: بالعلم والفقه والصلاح.
ذكرها السيوطي (ت ٩١١ هـ) في ضمن من كان بمصر من الفقهاء الشافعية وقال: (أخت المزني): كانت تحضر مجلس الشافعي، ونقل عنها الرافعي (ت ٦٢٤ هـ) في الزكاة، وذكرها ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) والأسنوي (ت ٧٧٢ هـ) في الطبقات (٣) فغالب الاحتمال أنها هي أم (أبي جعفر الطحاوي)، حيث لم يذكر المؤرخون في تعريفها سوى شهرتها أنها (أخت المزني) ولم يذكروا لها اسما، وإنما ذكروها بالتعريف: بأم الطحاوي أنها (أخت المزني) فقط.
أما أولاده: فغاية ما وصلنا أن له ولداً يدعى أبا الحسن علي بن أحمد بن محمد الطحاوي، نسب له علم بالحديث والفقه، وذكر السمعاني أنه روى عن أبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي وغيره (٤) وذكر صاحب الجواهر المضية أنه تفقه على أبيه وروى عنه (٥).
نشأ ﵀ في هذه الأسرة الفاضلة، وقرأ القرآن وتأدب على يد أبي يحيى بن محمد بن عمروس وكان عاقلاً عابداً (٦)، ثم أخذ الفقه على خاله المزني صاحب الشافعي كما نصت على هذا سائر كتب التراجم. (٧).
من كل ما سبق، يتبين لنا أن الطحاوي قد عاش ونشأ في بيئة كلها علم وفضل وصلاح.
стр. 14
وقد كان للنزعة الوراثية الصالحة، والبيئة الطيبة التي عاش في وسطها، آثارها في تكوين شخصيته العلمية والخلقية، وتوجيهه التوجيه السليم الذي سار عليه في نشأته وتعلمه وتعليمه. وفي مراحل حياته العلمية والعملية.
стр. 15
المبحث الثاني: عقيدته. ومذهبه الفقهي
أولاً: عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي
كان الإمام أبو جعفر الطحاوي على العقيدة الصحيحة عقيدة سلف الأمة أهل السنة والجماعة، من غير مخالفة لهم في شيء منها.
وخير شاهد على سلامة عقيدته الرسالة التي ألفها في بيان العقيدة الصحيحة والتي كانت بعنوان: (العقيدة الطحاوية).
والتي ضمنها ما يحتاج المكلف إلى معرفته واعتقاده، والتصديق به من أصول الدين كمسائل التوحيد، والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد، وغير ذلك من قضايا الاعتقاد ومسائله، وما يمت إليها بسبب على طريقة أهل السنة والجماعة من السلف الصالح، وقد تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول والرضا، ونالت شهرة واسعة، وتصدى لشرحها غير واحد من أهل العلم، إلا أن الشرح المطابق لمنهج السلف الذي هو أمثل المناهج، وأصحها، وأقومها، وأهداها شرح العلامة الإمام علي بن أبي العز الحنفي، فهذا الشرح هو الأكثر قبولاً لدى عامة الناس (١).
стр. 16
ثانياً: المذهب الفقهي للإمام الطحاوي
كان الإمام أبو جعفر الطحاوي في أول أمره شافعي المذهب.
فقد فتح عينيه، وترعرع وشب في أسرة علمية، تتمذهب بمذهب الشافعي.
فقد تلقى مبادئ الفقه الشافعي على والده (محمد بن سلامة) ثم أكمل تعليمه الفقهي بين يدي خاله (المزني) صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى، ومن قبل تلقاه على (والدته الفقيهة: أخت الزني).
ولكنه لم يبقى مدة طويلة في اتباعه للمذهب الشافعي فقد انتقل إلى مذهب أبي حنيفة في سن مبكرة من تاريخه العلمي، ولعل ذلك كان في نهاية العقد الثاني من عمره (١).
стр. 17
ولم يكن هذا الاختيار وذلك التحول عن مذهب الشافعي وليد الصدفة، بل كان عن دراسة واقتناع، بدليل عدم رواج هذا المذهب من قبل في مصر، وقد اجتمعت أسباب تؤكد هذا التحول إلى مذهب أبي حنيفة، وإن كان ثمة اختلاف في هذه الأسباب، لكن سأذكر أصح تلك الأسباب:
الأول: ما رواه ابن خلكان (١) عن أبي يعلى (٢). في كتاب الإرشاد: (أن محمد بن أحمد الشروطي قال: قلت للطحاوي لم خالفت خالك وأخذت مذهب أبي حنيفة فقال: لأني كنت أرى
خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه (٣).
стр. 18
الثاني: ما رواه ابن عساكر من طريق أبي سليمان بن زبر، أنه قال: (قال لي أبو جعفر الطحاوي أول من كتبت عنه الحديث المزني، وأخذت بقول الشافعي، فلما كان بعد سنين قدم أحمد بن أبي عمران قاضياً على مصر (١) فصحبته وأخذت بقوله، وكان يتفقه للكوفيين وتركت قولي الأول، فرأيت المزني في المنام وهو يقول لي: يا أبا جعفر اغتصبك أبو جعفر يا أبا جعفر اغتصبك أبو جعفر يعني ابن أبي عمران) (٢) - فهاتان الروايتان من أصح الروايات سنداً إلى الإمام الطحاوي، فينبغي الأخذ بهما والعدول عن غيرهما مما لم تستقم أسانيدها إلى أبي جعفر الطحاوي- ﵀.
فيكون السببان هما: إعجاب خاله بكتب الحنفية حيث كان يديم النظر فيها، مما دعا الطحاوي إلى التطلع إلى معرفة هذا المذهب، حتى استمر به الأمر، أن قال بهذا المذهب وترك سواه.
وأما الأخر: فصحبته لأحمد بن أبي عمران لما قدم إلى مصر، والذي تولى التدريس والتعليم فيها، وقد كان رجلاً ذا علم وفضل، قال صاحب الجواهر المضية: (وكان مكينا في العلم، وحسن الدراية بألوان من العلم كثيرة). (٣)
وقد كان قدومه إلى مصر ومجيئه بعد مجيء القاضي بكار بن قتيبة (٤) الذي كانت سيرته بحق سيرة عطرة ومثلاً يؤتسى، وكان في شخصيته وهديه وسمته وقوله الحق، داعية طيبة لمذهب الأحناف حتى كان ابن طولون يجله ويحترمه ويحضر مجلسه (٥).
стр. 19
وقد كانت مناظرات بكار مع خال الطحاوي المزني أشهر من أن تخفى، مما كان يدعو المزني إلى النظر في كتب الأحناف، حتى يتأتى له الرد على حجج بكار بن قتيبة، الأمر الذي استرعى الطحاوي وقاده شيئاً فشيئاً إلى مذهب الأحناف.
قال الكوثري (١): (تفقه الطحاوي على الإمام المزني في نشأته، وكلما تقدم في الفقه كان يجد نفسه بين تدافع مد وجزر في التأصيل والتفريع، وبين إقدام وإحجام في النقض والإبرام في قديم المسائل وحديثها، وكان لا يجد عند خاله ما يشفي غلته في بحوثه، فأخذ يرصد ما يعمله خاله في المسائل الخلافية، فإذا هو كثير المطالعة لكتب أبي حنيفة، فينفرد عن إمامه منحازاً إلى رأي أبي حنيفة في كثير من المسائل سجلها في مختصره، وأخذ يطلع على المنهج الفقهي عند أهل العراق فأجتذبه، حتى أخذ يتفقه على أحمد بن أبي عمران بعد أن اطلع على رد بكار بن قتيبة على كتاب المزني، فأصبح في عداد المتخيرين لهذا المنهج نابذا منهجه القديم) (٢).
هذا ما استطعت أن أقف عليه مما كتبه الناس في سبب تحول الطحاوي ﵀ من مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة.
стр. 20
وتجدر الإشارة إلى أن الطحاوي وإن كان مقلداً للمذهب الحنفي سائراً وفق أصوله، فإنه كان مجتهداً مستقلاً، بدليل مخالفته لأئمة مذهبه في كثير من المسائل، فهو بعيد كل البعد عن التقليد المحض، وكتبه أكبر شاهد على استقلال شخصيته العلمية (١).
стр. 21
المبحث الثالث: طلبه للعلم، وشيوخه وتلاميذه
أولاً: أبو جعفر الطحاوي وطلبه للعلم
تتلمذ الطحاوي أول ما تتلمذ على والدته الفقيهة العالمة الفاضلة، ثم التحق بحلقة الإمام أبي زكريا يحيى بن محمد بن عمروس التي تلقي فيها مبادئ القراءة والكتابة، ثم استظهر القرآن الكريم.
وحينما نال الطحاوي الفتي حظاً من مبادئ العلوم والكتابة، واستظهر القرآن الكريم، ضاقت عليه الحلقة، ولم تعد تشبع تطلعه ورغبته في الاستزادة من طلب العلم، فأخذ يتنقل بين حلقات العلماء.
فجلس في حلقة والده، واستمع منه، وأخذ عنه قسطاً من الأدب والعلوم (١).
وتدرج في مدارج العلوم والمعارف، فنال قسطاً وافراً، إلا أنه كان يتطلع إلى ما هو أعلى، فذهب إلى حيث ملتقى العلم والعلماء، ومجمع الفقهاء والمحدثين، فجلس في حلقة خاله (المزني) التي كان يعقدها في بيته فاستمع إلى سنن الإمام الشافعي، وإلى علم الحديث ورجاله، ولازم خاله كذلك في حلقته ا لمسائية التي كانت تعقد للفقه، وتعني على الأخص بفقه الإمام الشافعي، مع موازنته بأقوال الفقهاء وأدلتهم.
واستمر الطحاوي ينهل من معين علم خاله (المزني) في حلقاته ويطع على خزائن كتبه في بيته، فيزداد كل يوم علماً على علم، ومعرفة على معرفة (٢).
стр. 22
كما استفاد الإمام الطحاوي: من فرصة وجوده في الشام وهي ما بين سنة (٢٦٨ - ٢٦٩ هـ) فتنقل خلالها بين غزة وعسقلان وطبرية وبيت المقدس ودمشق، فروى عن شيوخها وأفاد منه، وتفقه على القاضي أبي خازم فتلقى فقه العراق من طريقه عن عيسى بن أبان، عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة، وعن بكر بن محمد العمي، عن محمد بن سماعة، عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة.
ولا يغض من شأنه أنه لا تعرف له رحلة إلى غير الشام، فقد كانت مصر إذ ذاك تزخر بالشيوخ من أهل العلم والرواية، وكان العلماء المشهود لهم بالمعرفة والحفظ يختلفون إليها من كافة الأقطار الإسلامية، فتعقد لهم مجالس التحديث والإملاء، وهم ينتمون إلى مذاهب مختلفة، ولهم تخصصات متعددة تمثل ثقافة عصرهم فكان الإمام الطحاوي حريصاً على الإفادة منهم، والأخذ عنهم، والتفقه بهم، وقد أتاحت له حافظته الواعية، وشغفه البالغ، ودأبه في الطلب أن يستنزف علومهم، ويستوعب مروياتهم، وقد زاد عددهم على سبعين ومائتي شيخ، منهم ما يقارب مائة وخمسين في كتابه هذا، وأثر هؤلاء الشيوخ في تكوين ثقافته المتنوعة واضح كل الوضوح في تصانيفه التي وصلت إلينا (١).
стр. 23
ثانياً: شيوخ الإمام أبي جعفر الطحاوي
لم يكن يدخل شيخ إلى مصر غالباً إلا سمع منه وحدث عنه، ولذا فلا عجب أن تجد في قائمة شيوخه من شتى بلاد الإسلام، فكما تجد شامين تجد يمانيين وحين ترى شيوخاً خراسانيين تجد مشايخ مغاربة، ومثله حين تجد مصريين تجد بصريين وكوفيين ومن سائر أقطار الإسلام الواسعة حتى ذكروا له (ثمانية وتسعين شيخاً بعد المائتين) (١) ومن أبرز أولئك العلماء الذي درس عليهم الإمام الطحاوي:
стр. 24
١ - الإمام الحافظ المتقن، أبو إسحاق إبراهيم بن أبي داود سليمان بن داود الأسدي الكوفي الأصل، الصوري المولد، البرلسي الدار - وبرلس: بليدة من سواحل مصر - المتوفى سنة ٢٧٠ هـ.
وقد روى عنه الطحاوي فأكثر، ووصفه ابن يونس بأنه أحد الحافظ المجودين الثقات الأثبات. (١)
٢ - الحافظ الحجة، أبو إسحاق إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ. قال فيه ابن يونس: كان ثقة ثبتا. (٢)
٣ - الإمام الحجة، أبو إسحاق إبراهيم بن منقذ بن عيسى الخولاني مولاهم المصري العصفري، المتوفى سنة ٢٦٩ هـ. قال فيه ابن يونس: هو ثقة رضي. (٣)
٤ - الإمام العلامة، شيخ الحنفية، أبو جعفر أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى، البغدادي الفقيه، المحدث الحافظ المتوفى سنة ٢٨٠ هـ.
تفقه على أصحاب أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وقد قدم إلى مصر مع أبي أيوب صاحب الخراج حوالي سنة ٢٦٠ هـ فلازمه أبو جعفر، وتفقه به مدة عشرين سنة، مكنته من الإحاطة بمذهب الحنفية، ومعرفة دقائقه، واختلاف رواياته. وكان ابن أبي عمران من بحور العلم، يوصف بحفظ وذكاء مفرط، وروى شيئاً كثيراً من الحديث من حفظه، وكان له تأثير كبير في تحول الطحاوي إلى مذهب أبي حنيفة.
وكان أبو جعفر يفخر به، ويكثر الرواية عنه إلى درجة أثارت انتباه القاضي أبي عبيد، وحركت غيرته، إذ كانت جل روايات الفقه عن طريقه (٤).
стр. 25
٥ - الإمام العلامة المتفنن، القاضي الكبير، أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بهلول بن حسان التنوخي الأنباري، الفقيه الحنفي، المتوفى سنة ٣١٨ هـ. كان من رجال الكمال، إماماً ثبتاً، جيد الضبط، متفنناً في علوم شتى، منها: الفقه لأبي حنيفة، وربما خالفه، وكان واسع الحفظ للأخبار والسير والتفسير والشعر، وكان خطيباً مفهوماً، وشاعراً لسناً، ذا حظ من الترسل والبلاغة. (١)
٦ - الإمام الحافظ الثبت، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ.
رحل في طلب العلم إلى خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام، ثم استوطن مصر.
قال عنه الذهبي في (السير): (هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم ومن أبي داود ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري وأبي زرعة).
وقد أكثر الإمام الطحاوي من الرواية عنه في كتاب "شرح مشكل الآثار" لأن النسائي كان قدومه إلى مصر في آخر القرن الثالث تقريباً، وليست له رواية عنه في كتبه التي ألفها قبل ذلك. (٢)
٧ - الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الله بن البرقي، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ.
سمع من عمرو بن أبي سلمة وطبقته، وله مصنف في معرفة الصحابة، وكان من الحفاظ المتقنين. (٣)
٨ - الإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني المصري، صاحب الإمام الشافعي وناصر مذهبه، المتوفى سنة ٢٦٤ هـ.
له من المصنفات (المختصر) و (الجامع الكبير) و (الجامع الصغير) و (المنثور) و (المسائل المعتبرة)، و (الترغيب في العلم)، وغيرها.
стр. 26
وكان مجتهداً، يصرح أحيانا بمخالفته للشافعي في مواضع من كتابه (نهاية الاختصار) وله اختيارات خارجه على المذهب الشافعي، وبين علماءه خلاف في تفرداته أهي من المهذب، أم هي خراجة عليه؟ وهو أول من كتب عنه الطحاوي الحديث، وبه تفقه على مذهب الشافعي، وسمع منه (مختصره) وجمع سنن الشافعي من مسموعاته عنه (١).
٩ - الإمام المحدث الثقة، أبو عبد الله بحر بن نصر بن سابق الخولاني مولاهم المصري المتوفى سنة ٢٦٧ هـ. وثقة ابن أبي حاتم، ويونس بن عبد الأعلى، وابن خزيمة (٢)
١٠ - القاضي الكبير، والعلامة المحدث، أبو بكر بكار بن قتيبة البصري، قاضي القضاة بمصر، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ.
دخل مصر قاضياً من قبل المتوكل يوم الجمعة لثمان خلون من جمادي الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين، كان عالماً فقيهاً محدثاً، عظيم الحرمة، وافر الجلالة والاستقامة، اتصل به الإمام الطحاوي وهو شاب، وسمع منه، وتأثر بمنهجه، وأكثر الرواية عنه، وبه انتفع وتخرج، إلا أن انتفاعه به كان في الحديث أكثر منه في الفقه، فإنه لم يكن يتخلف عن مجلسه في إملاء الحديث (٣).
١١ - الحافظ الثبت، أبو علي الحسين بن معارك البغدادي، صهر الحافظ أحمد بن صالح، نزل مصر، وتوفي سنة ٢٦٢ هـ
قال ابن أبي حاتم: محله الصدق، وقال ابن يونس: ثقة ثبت (٤).
١٢ - الربيع بن سليمان الأزدي مولاهم، المصري الجيزي الأعرج، المتوفى سنة ٢٥٦ هـ.
قال فيه ابن يونس: وكان ثقة. (٥)
стр. 27
١٣ - الإمام المحدث الفقيه الكبير، أبو محمد الربيع بن سليمان المرادي مولاهم، المصري صاحب الإمام الشافعي وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بمجامع الفسطاط، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ.
روى عنه خلق كثير، وطال عمره، واشتهر اسمه، وازدحم عليه أصحاب الحديث، ونعم الشيخ كان، أفنى عمره في العلم ونشره، ولكن ما هو بمعدود في الحفاظ (١).
١٤ - روح بن الفرج أبو الزنباع بن الفرج بن عبد الرحمن القطان، مولى الزبير بن العوام، المتوفى سنة ٢٨٢ هـ.
عالم فقيه بمذهب مالك، كن أوثق الناس في زمانه، ورفعه الله بالعلم، وله روايات في القراءات عن يحيى بن سليمان الجعفي، وقد أخذ الإمام أبو جعفر قراءة عاصم حرفاً حرفاً عنه (٢)
١٥ - الفقيه العلامة قاضي القضاة، أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني البصري، ثم البغدادي الحنفي، ولي القضاة بالشام والكوفة وكرخ بغداد وحمدت سيرته فيه.
تفقه عليه الطحاوي عند قدومه إلى الشام سنة ٢٦٨ هـ، وقد برع القاضي في مذهب أهل العراق حتى فاق مشايخه، وكان ثقة دينا ورعاً، عالما، أحذق الناس بعمل المحاضر والسجلات، بصيراً بالجبر والمقابلة، فارضاً ذكياً، يضرب به المثل في العقل، توفي سنة ٢٩٢ هـ (٣)
١٦ - الشيخ الإمام الصادق، محدث الشام، أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان بن عمرو النصري الدمشقي، المتوفى سنة ٢٨١ هـ.
روى عن خلق كثير بالشام والعراق والحجاز، وجمع وصنف، وذاكر الحفاظ وتميز، وتقدم على أقرانه، وكان صدوقاً، له مصنف في تاريخ دمشق. (٤)
стр. 28
١٧ - القاضي العلامة المحدث الثبت، قاضي القضاة أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي، من أصحاب الشافعي، المتوفى سنة ٣١٩ هـ.
كان عارفاً بعلم القرآن والحديث، عالماً بالاختلاف والمعاني والقياس، فصيحاً عاقلاً عفيفا، قوالاً بالحق.
قال أبو سعيد بن يونس: هو قاضي مصر، أقام بها طويلاً كان شيئا عجبا، ما رأينا مثله لا قبله ولا بعده، وكان يتفقه على مذهب أبي ثور، وعزل عن القضاء سنة إحدى عشرة، لأنه كتب يستعفي من القضاء، ووجه رسولاً إلى بغداد يسأل في عزله، وأغلق بابه، وامتنع من الحكم، فأعفي، فحدث حين جاء عزله، وأملى مجالس، ورجع إلى بغداد، وكان ثقة ثبتاً، وهو الذي حدث عنه الطحاوي في (المشكل) وكان يجالسه ويحبه، وهو الذي عدله في سنة ٣٠٦ هـ، فتولى منصب الشهادة أمام القاضي، وهو منصب لا يحظى به إلا من اشتهرت عدالته، وتواتر علمه وفضله (١).
١٨ - الإمام شيخ الإسلام، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث المصري الفقيه، عالم الديار المصرية في عصره مع المزني، المتوفى سنة ٢٦٨ هـ.
قال ابن خزيمة: ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وكان أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك، وأحفظهم له. (٢)
١٩ - الوليد بن محمد التميمي النحوي، المشهور بولاد، المتوفى سنة ٢٦٣ هـ، كان نحوياً مجوداً ثقة، أصله من البصرة، ونشأ بمصر، ودخل العراق، ولم يكن بمصر كبير شيء من كتب اللغة والنحو قبله، روى عنه أبو جعفر (غريب الحديث) لأبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢١٠ هـ. (٣)
٢٠ - الإمام الحافظ، شيخ الإسلام أبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، المتوفى سنة ٢٦٤ هـ.
стр. 29
قرأ القرآن على ورش صاحب نافع، وسمع الحديث والفقه من الشافعي، وسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وجمع، وكان كبير المعدلين والعلماء في زمانه بمصر، وثقه النسائي، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يوثقه، ويرفع من شأنه. (١)
стр. 30
ثالثاً: تلاميذ الإمام أبي جعفر الطحاوي
اشتهر الإمام الطحاوي بسعة اطلاعه في شتى علوم عصره، وذاع صيته بين طلبة العلم في تحقيق المسائل، وتدقيق الدلائل بخاصة، وتبحره في العلوم بعامة، فتوافد عليه طلاب العلم- على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم- من شتى الأقطار الإسلامية، ليستفيدوا من غزارة علمه، واتساع معارفه، وكان موضع إعجابهم وتقديرهم.
على أنه كان من بين طلابه من كان على درجة عالية من العلم، فلم يستنكف الطحاوي في الاستفادة مما لديهم، وإفادتهم مما ليس عندهم، وهذه بعض مزايا علماء السلف رحمهم الله تعالى.
وقد بلغ تلامذته وأصحابه الذين رووا عنه حداً من الكثرة حتى أفردوا بالذكر في جزء مستقل.
وأكتفي هنا بسرد بعض النابغين من تلامذته الذين اشتهروا بطول ملازمته، والأخذ عنه، وهم بين محدث وفقيه: (١)
١ - أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي، ولي قضاء مصر سنة ٣١٤ هـ، وخرج إليها، ثم عزل سنة ٣١٦ هـ، فأقام بها إلى أن توفي سنة ٣٢٩ هـ.
حدث عن عم أبيه إسماعيل بن إسحاق وطبقته، وكان ثقة كثير الحديث، وكان يسمع على أبي جعفر تصانيفه بقراءة الحسن بن عبد الرحمن (٢).
٢ - الحافظ الأوحد، أبو الفرج أحمد بن القاسم بن عبيد الله بن مهدي البغدادي، ابن الخشاب، نزيل ثغر طرسوس، المتوفي سنة ٣٦٤ هـ. حدث عن الطحاوي في دمشق. (٣)
стр. 31
٣ - الإمام الفقيه القاضي، أبو بكر أحمد بن محمد بن منصور الأنصاري الدامغاني.
أحد الفقهاء الكبار، ومن أصحاب الرأي. درس على الإمام الطحاوي بمصر، وأقام عنده سنين كثيرة، ثم قدم بغداد، فدرس على أبي الحسن الكرخي، ولما فلج الكرخي، جعل الفتوى إليه دون أصحابه، فأقام ببغداد دهراً طويلاً يحدث عن الطحاوي ويفتي.
وكان إماماً في العلم والدين، مشاراً إليه في الورع والزهد. (١)
٤ - إسماعيل بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز، أبو سعيد الجرجاني الخلال الوراق، نزيل نيسابور، المتوفى سنة ٣٦٤ هـ. رحل إلى البلاد في طلب الحديث، وأخذه عن أبي يعلى الموصلي وأبي جعفر الطحاوي، وجماعة غيرهما.
قال البيهقي: سكن نيسابور، وبها ولد له، وبها مات، وكان أحد الجوالين في طلب الحديث، والوراقين في بلاد الدنيا والمفيدين، سمع في بلده، ونيسابور، وبغداد والكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، ثم عقدت له المجالس، فكان يملي بها أصوله، وكان يحسن إلى أهل العلم، ويقوم بحوائجهم، وصار موسعاً عليه في تجارته (٢).
٥ - المحدث الإمام، أبو علي الحسين بن إبراهيم بن جابر بن أبي الزمزام الدمشقي الفرائضي الشاهد، المتوفى سنة ٣٦٨ هـ. وثقة الكتاني. (٣)
٦ - المحدث الحافظ الجوال المصنف، أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد بن شماخ الشماخي الهروي الصفار، صاحب كتاب (المستخرج على صحيح مسلم) المتوفى سنة ٣٧٢ هـ. سمع أبا الحسن بن جوصا، ومحمد بن يوسف الهروي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبا العباس بن عقدة، وأبا جعفر الطحاوي، وطبقتهم، قال البرقاني: كتبت عنه الكثير، ثم بان لي أنه ليس بحجة. وقال أبو عبد الله بن أبي ذهل: ضعيف. (٤)
стр. 32
٧ - حميد بن ثوابه أبو القاسم الجذامي، من أهل وشقة بالأندلس.
كانت له عناية بالعلم، ورحلة دخل فيها العراق، فسمع ببغداد من أبي بكر بن أبي داود السجستاني، ومن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي شيبة وغيرهما، ودخل الشام، وسمع بدمشق من أحمد بن عمير، وأبي الجهم أحمد بن الحسين بن طلاب المشغراني، وسمع بمصر من أبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن المهراني ونظرائهما سماعاً كثيراً، وكان عالماً بالحديث، بصيراً به. (١)
٨ - الإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال، محدث الإسلام، علم المعمرين، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة (الكبير) و (الأوسط) و (الصغير) ولد سنة ٢٦٠ هـ، وتوفي سنة ٣٦٠ هـ.
كان أول ارتحاله لطلب العلم في سنة (٢٧٥ هـ)، وبقي في الارتحال ستة عشر عاماً، وكتب عمن أقبل وأدبر، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنف، وعمر دهراً طويلاً، وازدحم عليه المحدثون، ورحلوا إليه من الأقطار. (٢)
٩ - عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أبو سعيد الصدفي المصري الحافظ المؤرخ صاحب كتاب (تاريخ علماء مصر) توفي سنة ٣٤٧ هـ.
وكان إماماً فهماً بصيراً بالرجال لم يرحل عن مصر ولا سمع بغيرها. (٣)
١٠ - عبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني أبو أحمد صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل، أحد الأمة حافظ ناقد، طال عمره وعلا اسناده وجرح وعدل وصحح وعلل، وتوفي سنة ٣٦٥ هـ. (٤)
١١ - عبيد الله بن علي الداودي القاضي أبو القاسم، شيخ أهل الظاهر في عصره، توفي سنة
٣٧٥ هـ. (٥)
стр. 33
١٢ - علي بن أحمد بن محمد بن سلامة أبو الحسن الطحاوي، ابن الطحاوي روى عن أبيه وتفقه عليه، وقد روى عن النسائي سننه، توفي سنة ٣٥١ هـ. (١)
١٣ - علي بن الحسين بن حرب، البغدادي الفقيه الشافعي، أبو عبيد القاضي، ويعرف (بابن
حربويه) وكان ثقة ثبتاً عالماً أميناً، وأقام بمصر دهراً طويلاً، روى عن الطحاوي وغيره، توفي سنة ٣١٩ هـ. (٢)
١٤ - محدث أصبهان الإمام الرحال الحافظ الصدوق، مسند الوقت، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني، المشهور بابن المقرئ، صاحب (المعجم) و (الرحلة الواسعة)، والمتوفى سنة ٣٨١ هـ.
وهو الذي روى عن الإمام الطحاوي كتاب (شرح معاني الآثار) و (سنن الشافعي) بروايته.
قال أبو نعيم: محدث كبير، ثقة، صاحب مسانيد، سمع ما لا يحصى كثرة. (٣)
١٥ - الإمام الحافظ الثقة الجوال، أبو بكر محمد بن جعفر بن الحسين البغدادي الوراق، يلقب
(بغندر). سمع الحسن بن علي المعمري، وأبا بكر الباغندي، وأبا عروبة، والطحاوي، وخلقاً.
قال أبو عبد الله الحاكم: أقام سنين عندنا يفيدنا، وخرج لي أفراد الخراسانيين من حديثي، ثم دخل إلى أرض الترك، وكتب ما لا يوصف كثرة، ثم استدعى من مرو إلى الحضرة ببخارى ليحدث بها، فأدركه الأجل في المفازة سنة (٣٧٠ هـ). (٤)
١٦ - الشيخ العالم الحافظ، أبو سليمان محمد بن القاضي عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن زبر الربعي، محدث دمشق، وابن قاضيها أبي محمد، المتوفى سنة ٣٧٩ هـ.
له مصنفات كثيرة منها كتاب (الوفيات) على السنين.
قال الكتاني: حدثنا عنه عدة، وكان يملي بالجامع، وكان ثقة مأموناً نبيلاً. (٥)
стр. 34
١٧ - محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث بن عبد الرحمن أبو بكر الأزدي المعروف بابن الباغندي، محدث العراق، توفي سنة ٣١٢ هـ. (١)
١٨ - الشيخ الحافظ المجود، محدث العراق، أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد البغدادي، المتوفى سنة ٣٧٩ هـ.
ارتحل إلى واسط والكوفة والرقة وحران، وحمص وحلب ومصر وأماكن.
قال عنه الذهبي: تقدم في معرفة الرجال، وجمع وصنف، وعمر دهراً، وبعد صيته، وأكثر الحفاظ عنه مع الصدق والإتقان، وله شهرة ظاهرة. وهو أحد من روى عن الإمام الطحاوي (سنن الشافعي) الذي جمعه من مسموعاته عن خاله المزني عن الشافعي. (٢)
١٩ - محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي المصري المؤرخ، روى عن الطحاوي في كتابه الولاة والقضاة الشيء الكثير كما ذكر الذهبي. (٣)
٢٠ - المحدث الرحال، أبو القاسم مسلمة بن القاسم بن إبراهيم الأندلسي القرطبي، المتوفى سنة (٣٥٣ هـ). جمع تاريخاً في الرجال شرط فيه أن لا يذكر إلا من أغفله البخاري في (تاريخه). وهو كثير الفوائد، في مجلد واحد.
قال أبو محمد بن حزم: كان أحد المكثرين من الرواية والحديث، سمع الكثير بقرطبة، ثم رحل إلى الشرق قبل سنة (٣٢٠ هـ)، فسمع بالقيروان، والإسكندرية ومصر وجدة ومكة وواسط وبغداد والمدائن وبلاد الشام، وجمع علماً كثيراً، ثم رجع إلى الأندلس، فكف بصره. (٤)
فهؤلاء كوكبة ممن نهلوا من علم الإمام الطحاوي وسمعوا منه، ثم جابوا الآفاق يحدثون بما سمعوه منه، وكل ذلك دليل على المنزلة السامية والمرتبة العالية التي وصل إليها الإمام أبو جعفر الطحاوي.
стр. 35
المبحث الرابع: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه
أولاً: المكانة العلمية لأبي جعفر الطحاوي
بلغ الإمام الطحاوي في العلوم والمعارف الإسلامية شأواً بعيداً، بل أصبح في بعضها إماماً ومرجعاً.
الأمر الذي حمل ابن يونس المؤرخ على القول: بأن موته ترك فراغاً كبيراً في مصر، حينما تحدث عن مكانته بقوله: (وكان ثقة ثبتاً، فقيهاً عاقلاً، لم يخلف مثله). (١)
وقد تناقل المؤرخون بعد هذه العبارة مع إضافات كثيرة من الثناء.
هذا التقدير والاحترام الذي ناله الطحاوي من معاصريه ومن بعدهم إنما كان اعترافاً منهم بالحقيقة التي كان يتحلى بها.
ولا غرو فإن الطحاوي كغيره من أسلافنا المتقدمين: أجادوا فنوناً متعددة، وعلوماً شتى، وكانوا أكثر ما يعرفون بفن واحد أو فنين، يعدون فيه مرجعاً، ويعترف لهم فيه بالتقدم والإجادة.
كذلك الأمر بالنسبة للطحاوي، فقد اشتهر بالفقه، والحديث، ولكنه كان أيضاً على دراية كبيرة بعلوم أخرى. (٢)
- وإليك أولاً: بيان العلوم والمجالات التي برز واشتهر فيها الإمام الطحاوي:-
١ - علم الحديث: عاش الإمام الطحاوي في عصر ازدهار تدوين الحديث وعلومه، وعاصر كبار علماء الحديث ونقاده، وتتلمذ عليهم، وشاركهم في الرواية عن بعض الشيوخ.
فشارك مسلماً، وأبا داود، والنسائي، وابن ماجة في الرواية عن هارون بن سعيد الأيلي (٣)، ومسلماً أيضاً في الرواية عن يونس بن عبد الأعلى (٤) وكذلك أبا داود والنسائي وأكثر عنه.
стр. 36
كما أن النسائي أخذ بدوره عن الطحاوي ثم شارك المحدثين في صناعة بعض علوم الحديث، فصنف في أصعب فن من علوم الحديث وهو: اختلاف الحديث. المتمثل في كتابة: (شرح مشكل الآثار) فأبدع الإمام الطحاوي وفاق الإمام أبو جعفر الطحاوي الكثيرين ممن ألفوا في هذا الفن.
وإن اقتدار الإمام أبي جعفر الطحاوي في علم الحديث ومعرفة رجاله، والبصر بعلله لتبدو جلية فيما ذكره من ذلك في كتابه: (شرح معاني الآثار) وكتابه (شرح مشكل الآثار).
كما تتلمذ عليه من أئمة الجرح والتعديل، ابن عدي، وابن يونس، والطبراني وغيرهم، وتأثر هؤلاء وغيرهم بالطحاوي واضح من خلال ما نقله أصحاب كتب الجرح والتعديل، وكتابه (التاريخ الكبير) في الرجال موضع ثناء واهتمام العلماء بالرغم من أنه من عداد كتبه المفقودة، إلا أن أصحاب كتب الرجال اقتبسوا منه اقتباسات مهمة مما يشعر بمكانته المرموقة.
وكذلك رسالته (في التسوية بين حدثنا وأخبرنا) ينبئ عن المكانة التي وصل إليها الطحاوي في هذا الفن.
وبهذه المعرفة الواسعة في الحديث، وبمؤلفاته القيمة فيه استحق الطحاوي تقدير المحدثين واحترامهم، كما استحق ثناءهم العطر الذي خلده له التاريخ عبر القرون، فشهد له أهل هذا الشأن بالإمامة. (١)
٢ - علم الفقه: إمامة الطحاوي في علم الفقه مسلم بها لدى كافة من كتب عن الإمام الطحاوي، سواء في هذا المؤرخون أو الفقهاء.
فلقد درس الطحاوي مذهب الشافعي على خاله المزني، ثم درس مذهب الحنفية ولم يتعصب لأحد من أئمته، بل يختار من أقوالهم ما يعتقد صوابه لقوة دليله، وإذا وافق أحداً من الأئمة فيما ذهب إليه، فإنما يوافقه عن بينة واستدلال، لا على مجرد التقليد، شأنه في ذلك شأن علماء عصره الذين لم يكونوا يرضون لأنفسهم التقليد، لا حفاظ الحديث، ولا أئمة الفقه.
стр. 37
وما يمنعه من الاجتهاد وقد تحققت له أدواته، واكتملت له عدته، فهو حافظ، واسع الاطلاع، دقيق الفهم، متنوع الثقافة، جمع إلى معرفة الحديث ونقله، والعلم بالروايات وعللها، علماً بالفقه والعربية، وتمكناً منها كلها، وتبحراً فيها. (١)
قال الإمام اللكنوي: (٢) (إن الإمام الطحاوي له درجة عالية، ورتبة شامخة، قد خالف بها صاحب المذهب في كثير من الأصول والفروع، ومن طالع (شرح "معاني الآثار) وغيره من مصنفاته يجده يختار خلاف ما اختاره صاحب المذهب كثيراً إذا كان ما يدل عليه قوياً، فالحق أنه من المجتهدين المنتسبين، الذين ينتسبون إلى إمام معين من المجتهدين، لكن لا يقلدونه لا في الفروع ولا في الأصول، لكونهم متصفين بالاجتهاد، وإنما انتسبوا إليه لسلوكهم طريقه في الاجتهاد، وإن انحط عن ذلك، فهو من المجتهدين في المذهب القادرين على استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام، ولا تنحط مرتبته عن هذه المرتبة أبداً). (٣)
ولما كان الإمام الطحاوي قد اشتهر بالنبوغ والبراعة في العلوم بعامة، وفي مسائل الفقه والشروط والتوثيق والسجلات بخاصة، مع اتصافه بالأخلاق الفاضلة، وبسبب توافر هذه الصفات المميزة كان القضاة يهتمون به، بالاستعانة بمداركه وعلومه وفهمه وبراعته في فن الشروط والتوثيق، ويشاورونه في المسائل الصعبة التي تعرض عليهم، ويستفيدون من مهارته وفهمه.
стр. 38
وكان أول منصب تقلده الإمام أبو جعفر الطحاوي كونه كاتباً رسمياً لبكار بن قتيبة (١)، مما جعل الفرصة أمامه سانحة ليلتقي بمختلف طبقات المجتمع ويتصل بهم بدءاً بالعلماء ووجوه البلد، ونهاية بالفقراء والبائسين، حتى استطاع أن يرقب أحوال بلده عن كثب عن طريق أولئك الأقوام.
ثم توفي القاضي بكار ولم يل القضاء أحد حتى أتى محمد بن عبدة بن حرب (٢) وتولى القضاء واختار الطحاوي ليكون أيضاً كاتبه، - وربما كان الاشتراك في المذهب الحنفي من بين دوافع هذا الاختيار - ثم بلغت الثقة به أن استخلفه وجعله نائباً عنه. (٣)
واستمر في هذا المنصب يعمل مع القاضي أبي عبيد الله إلى سنة ٢٩٢ هـ.
ثم تولى منصباً آخر، استحدث في النظام القضائي، وهو منصب الشهادة أمام القاضي، وذلك بإيجاد جماعة من الشهود الدائمين أمام القاضي. ولا يتبوأ هذا المنصب إلا الذين اشتهروا بالعدالة والنزاهة، وعرفوا بالعلم والفضل، والصلاح والتقى، ولذلك لا ينال هذا المنصب التشريفي إلا القليل من الفضلاء. وهذا بمثابة شهادة وتزكية لصلاح الرجل وفضله، عندما يكون من شهود القاضي، وكان رؤوس وأعيان البلد يتطلعون ويتمنون الحصول على هذا المنصب الكبير.
تولى الطحاوي هذا المنصب الشريف، لما كان يتصف به من صفات حميدة وأخلاق فاضلة، وأدب جم، وعلم واسع، وبخاصة في علم الفقه وأصول الشهادة.
فلقي الطحاوي حظوة عظيمة لدى القضاة، حتى عدله بعضهم بعدد من الشهود، وأصبح محسوداً، لاجتماع المنقبتين في شخصيته.
стр. 39
يتضح من خلال هذا العرض: الاحترام والإجلال الذي كان يحاط به الطحاوي، وكذلك يتبين أن قبول الشهادة يعدل النبوغ في العلم والرياسة فيه.
هذا ولم يكن اتصاله بالقضاة، وأداء الشهادة - وهو منصب تشريفي - للحصول على عرض من الدنيا، أو لنيل شرف عارض، بل كانت مكانته فوق كل هذا، لما اشتهر عنه من علم وفضل، وكان القضاة أنفسهم يسعون إليه ويتلقون عنه يقدرونه حق التقدير.
وإنما كان غرضه في ذلك مذاكرة العلم مع أهله، ومناقشة المسائل العويصة وحلها مع الفقهاء، ومدارسة الحديث وتكثير السماع منه مع المحدثين. (١)
стр. 40
ثانياً: ومن العلوم والمجالات التي لم يشتهر فيها الإمام الطحاوي مع كونه إماماً فيها: -
١ - (علم القراءات): ومع هذا فقد عده المؤلفون في طبقات القراء من جملة العالمين بالقراءات، تلقى هذا الفن على أيدي أئمة هذا العلم في عصره. (١)
٢ - (علم التاريخ): وكان الإمام الطحاوي مؤرخاً، وذكره السيوطي فيمن كان بمصر من المؤرخين، وله في التاريخ المصنفات الكثيرة والتي منها: (التاريخ الكبير). (٢) ٤)
٣ - (علم التفسير): وكذلك لم يشتهر الإمام الطحاوي بأنه مفسر، مع أن له تفسيراً جليلاً في آيات الأحكام يعد من أبدع ما ألف في عصره، بل يعد الطحاوي بهذا أول مفسر في تفسير آيات الأحكام.
كما يتضح من خلال كتابه (أحكام القرآن) علمه الواسع في التفسير وفي علوم شتى، حيث جرى في تفسيره على طريقة (التفسير المأثور).