← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كما أن النسائي أخذ بدوره عن الطحاوي ثم شارك المحدثين في صناعة بعض علوم الحديث، فصنف في أصعب فن من علوم الحديث وهو: اختلاف الحديث. المتمثل في كتابة: (شرح مشكل الآثار) فأبدع الإمام الطحاوي وفاق الإمام أبو جعفر الطحاوي الكثيرين ممن ألفوا في هذا الفن. وإن اقتدار الإمام أبي جعفر الطحاوي في علم الحديث ومعرفة رجاله، والبصر بعلله لتبدو جلية فيما ذكره من ذلك في كتابه: (شرح معاني الآثار) وكتابه (شرح مشكل الآثار). كما تتلمذ عليه من أئمة الجرح والتعديل، ابن عدي، وابن يونس، والطبراني وغيرهم، وتأثر هؤلاء وغيرهم بالطحاوي واضح من خلال ما نقله أصحاب كتب الجرح والتعديل، وكتابه (التاريخ الكبير) في الرجال موضع ثناء واهتمام العلماء بالرغم من أنه من عداد كتبه المفقودة، إلا أن أصحاب كتب الرجال اقتبسوا منه اقتباسات مهمة مما يشعر بمكانته المرموقة. وكذلك رسالته (في التسوية بين حدثنا وأخبرنا) ينبئ عن المكانة التي وصل إليها الطحاوي في هذا الفن. وبهذه المعرفة الواسعة في الحديث، وبمؤلفاته القيمة فيه استحق الطحاوي تقدير المحدثين واحترامهم، كما استحق ثناءهم العطر الذي خلده له التاريخ عبر القرون، فشهد له أهل هذا الشأن بالإمامة. (١) ٢ - علم الفقه: إمامة الطحاوي في علم الفقه مسلم بها لدى كافة من كتب عن الإمام الطحاوي، سواء في هذا المؤرخون أو الفقهاء. فلقد درس الطحاوي مذهب الشافعي على خاله المزني، ثم درس مذهب الحنفية ولم يتعصب لأحد من أئمته، بل يختار من أقوالهم ما يعتقد صوابه لقوة دليله، وإذا وافق أحداً من الأئمة فيما ذهب إليه، فإنما يوافقه عن بينة واستدلال، لا على مجرد التقليد، شأنه في ذلك شأن علماء عصره الذين لم يكونوا يرضون لأنفسهم التقليد، لا حفاظ الحديث، ولا أئمة الفقه.

стр. 37

وما يمنعه من الاجتهاد وقد تحققت له أدواته، واكتملت له عدته، فهو حافظ، واسع الاطلاع، دقيق الفهم، متنوع الثقافة، جمع إلى معرفة الحديث ونقله، والعلم بالروايات وعللها، علماً بالفقه والعربية، وتمكناً منها كلها، وتبحراً فيها. (١) قال الإمام اللكنوي: (٢) (إن الإمام الطحاوي له درجة عالية، ورتبة شامخة، قد خالف بها صاحب المذهب في كثير من الأصول والفروع، ومن طالع (شرح "معاني الآثار) وغيره من مصنفاته يجده يختار خلاف ما اختاره صاحب المذهب كثيراً إذا كان ما يدل عليه قوياً، فالحق أنه من المجتهدين المنتسبين، الذين ينتسبون إلى إمام معين من المجتهدين، لكن لا يقلدونه لا في الفروع ولا في الأصول، لكونهم متصفين بالاجتهاد، وإنما انتسبوا إليه لسلوكهم طريقه في الاجتهاد، وإن انحط عن ذلك، فهو من المجتهدين في المذهب القادرين على استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام، ولا تنحط مرتبته عن هذه المرتبة أبداً). (٣) ولما كان الإمام الطحاوي قد اشتهر بالنبوغ والبراعة في العلوم بعامة، وفي مسائل الفقه والشروط والتوثيق والسجلات بخاصة، مع اتصافه بالأخلاق الفاضلة، وبسبب توافر هذه الصفات المميزة كان القضاة يهتمون به، بالاستعانة بمداركه وعلومه وفهمه وبراعته في فن الشروط والتوثيق، ويشاورونه في المسائل الصعبة التي تعرض عليهم، ويستفيدون من مهارته وفهمه.

стр. 38

وكان أول منصب تقلده الإمام أبو جعفر الطحاوي كونه كاتباً رسمياً لبكار بن قتيبة (١)، مما جعل الفرصة أمامه سانحة ليلتقي بمختلف طبقات المجتمع ويتصل بهم بدءاً بالعلماء ووجوه البلد، ونهاية بالفقراء والبائسين، حتى استطاع أن يرقب أحوال بلده عن كثب عن طريق أولئك الأقوام. ثم توفي القاضي بكار ولم يل القضاء أحد حتى أتى محمد بن عبدة بن حرب (٢) وتولى القضاء واختار الطحاوي ليكون أيضاً كاتبه، - وربما كان الاشتراك في المذهب الحنفي من بين دوافع هذا الاختيار - ثم بلغت الثقة به أن استخلفه وجعله نائباً عنه. (٣) واستمر في هذا المنصب يعمل مع القاضي أبي عبيد الله إلى سنة ٢٩٢ هـ. ثم تولى منصباً آخر، استحدث في النظام القضائي، وهو منصب الشهادة أمام القاضي، وذلك بإيجاد جماعة من الشهود الدائمين أمام القاضي. ولا يتبوأ هذا المنصب إلا الذين اشتهروا بالعدالة والنزاهة، وعرفوا بالعلم والفضل، والصلاح والتقى، ولذلك لا ينال هذا المنصب التشريفي إلا القليل من الفضلاء. وهذا بمثابة شهادة وتزكية لصلاح الرجل وفضله، عندما يكون من شهود القاضي، وكان رؤوس وأعيان البلد يتطلعون ويتمنون الحصول على هذا المنصب الكبير. تولى الطحاوي هذا المنصب الشريف، لما كان يتصف به من صفات حميدة وأخلاق فاضلة، وأدب جم، وعلم واسع، وبخاصة في علم الفقه وأصول الشهادة. فلقي الطحاوي حظوة عظيمة لدى القضاة، حتى عدله بعضهم بعدد من الشهود، وأصبح محسوداً، لاجتماع المنقبتين في شخصيته.

стр. 39

يتضح من خلال هذا العرض: الاحترام والإجلال الذي كان يحاط به الطحاوي، وكذلك يتبين أن قبول الشهادة يعدل النبوغ في العلم والرياسة فيه. هذا ولم يكن اتصاله بالقضاة، وأداء الشهادة - وهو منصب تشريفي - للحصول على عرض من الدنيا، أو لنيل شرف عارض، بل كانت مكانته فوق كل هذا، لما اشتهر عنه من علم وفضل، وكان القضاة أنفسهم يسعون إليه ويتلقون عنه يقدرونه حق التقدير. وإنما كان غرضه في ذلك مذاكرة العلم مع أهله، ومناقشة المسائل العويصة وحلها مع الفقهاء، ومدارسة الحديث وتكثير السماع منه مع المحدثين. (١)

стр. 40

ثانياً: ومن العلوم والمجالات التي لم يشتهر فيها الإمام الطحاوي مع كونه إماماً فيها: - ١ - (علم القراءات): ومع هذا فقد عده المؤلفون في طبقات القراء من جملة العالمين بالقراءات، تلقى هذا الفن على أيدي أئمة هذا العلم في عصره. (١) ٢ - (علم التاريخ): وكان الإمام الطحاوي مؤرخاً، وذكره السيوطي فيمن كان بمصر من المؤرخين، وله في التاريخ المصنفات الكثيرة والتي منها: (التاريخ الكبير). (٢) ٤) ٣ - (علم التفسير): وكذلك لم يشتهر الإمام الطحاوي بأنه مفسر، مع أن له تفسيراً جليلاً في آيات الأحكام يعد من أبدع ما ألف في عصره، بل يعد الطحاوي بهذا أول مفسر في تفسير آيات الأحكام. كما يتضح من خلال كتابه (أحكام القرآن) علمه الواسع في التفسير وفي علوم شتى، حيث جرى في تفسيره على طريقة (التفسير المأثور).

стр. 41

٤ - (علم اللغة): كما أخذ الإمام الطحاوي بحظ وافر من علوم اللغة، حتى عده بعضهم إماماً في النحو واللغة، قال ابن تغري بردي، المتوفى سنة ٨٧٤ هـ: (كان- الطحاوي- إمام عصره بلا مدافعة في الفقه، والحديث، واختلاف العلماء، والأحكام، واللغة، والنحو). (١) كان ما سبق شذرة من ثقافة الإمام الطحاوي ومكانته، ومهما نذكر من فضائل هذا الإمام مما سطره المؤرخون، فلن يكون ذلك إلا غيضاً من فيض، فرحم الله الإمام الطحاوي، وجزاه الله عنا خير الجزاء. ثانياً: ثناء العلماء على الإمام أبي جعفر الطحاوي ومما يدل على مكانة الإمام الطحاوي: كثرة الثناء عليه من علماء عصره، وممن جاءوا بعده: - قال ابن النديم: (٢) (كان أوحد زمانه علماً وزهداً). (٣) - أما ابن عبد البر (٤)

стр. 42

فقد قال: (كان من أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم وفقههم مع مشاركته في جميع مذاهب الفقهاء). (١) - وهذه مقولة من سمع منه ودرس عليه، مسلمة بن القاسم، يقول: (كان ثقة ثبتاً جليل القدر، عالماً باختلاف العلماء بصيراً بالتصنيف). (٢) - ولم يبالغ الذهبي حين قال عنه: (الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها صاحب التصانيف). (٣) - بل سماه ابن تغري بردي (٤) بشيخ الإسلام، فقال: (الفقيه الحنفي المحدث، أحد الأعلام، وشيخ الإسلام). - وقال أيضاً: (إمام عصره بلا مدافعة في الفقه والحديث واختلاف العلماء والأحكام واللغة والنحو، وصنف المصنفات الحسان). (٥) - وقال البدر العيني (٦): (مجمع عليه في ثقته وديانته وفضيلته التامة ويده الطولى في الحديث وعلله وناسخه ومنسوخه، ولم يخلفه في ذلك أحد، ولقد أثنى عليه السلف والخلف). (٧)

стр. 43

- وقال السيوطي: (١) (الإمام العلامة الحافظ صاحب التصانيف البديعة أبو جعفر أحمد بن محمد .. الطحاوي، وكان ثقة ثبتاً لم يخلف مثله، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر). (٢) - من كل ما تقدم يظهر جلياً أن الإمام أبا جعفر الطحاوي كان شخصية علمية ملؤها الصفات الفاضلة، والأخلاق الحميدة، والآداب الحسنة التي تليق بأمثاله من العلماء ذوي القيادات الفكرية والمكانة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، مما استحق به تقدير علماء عصره وفضلاء دهره، واحترام أمراء وقته وثناء الأجيال المتعاقبة من بعده.

стр. 44

المبحث الخامس: مصنفاته، ووفاته أولاً: مصنفات الإمام أبي جعفر الطحاوي مؤلفات الإمام أبي جعفر الطحاوي، هي الآثار الخالدة لهذه الشخصية النابغة التي تشهد - عبر القرون - برسوخه في الفقه، والحديث ومعرفة الرجال، بالرغم من أن جل كتب الطحاوي تعد في عداد الكتب المفقودة، والموجود منها يثير في النفس الإكبار، إعجاباً بمؤلفها، لما امتاز به من اطلاع واسع، وحسن أسلوب وعرض للمسائل، مع الاستدلال لها، وشمولها لكل جوانبها، وتحقيق دقيقها، وتوضيح غوامضها، إضافة إلى: نقد منصف، وأدب جم في مناقشة المخالفين. (١) قال الذهبي منوهاً بأهمية كتبه: (من نظر إلى تواليف هذا الإمام علم محله من العلم وسعة معارفه). (٢)

стр. 45

وقال الكوثري: (ولو كان مثل هذا العالم - الطحاوي - في الغرب، لانتدب أهل الشأن لدراسة كتبه وتحقيقها رجالاً خاصة). (١) واكتفى هنا بسرد ما أثبته له أصحاب كتب التراجم والتاريخ من المؤلفات: مطبوعة ومخطوطة، مبتدئاً بذكر الموجودة منها، مع ذكر أماكن وجود المخطوطة - ثم المفقودة. أولاً: الكتب الموجودة (المطبوعة والمخطوطة):- ١ - (أحكام القرآن الكريم): وهو تفسير لآيات الأحكام. وقد عرف عن وجود هذا الكتاب حديثاً، حيث عثر على جزء منه الدكتور سعد الدين أونال مع زميل له بتركيا، وقد ذكر الدكتور عبد الله نذير أحمد منهج الطحاوي في هذا الكتاب، مع بيان أسلوبه وعرضه بشيء من التفصيل. ومكان وجوده: (مكتبة وزير كبرى) تحت رقم (٨١٤) ببلدة وزير كبرى بشمال تركيا. وقد طبع الجزء الأول والثاني منه محققاً في تركيا سنة ١٤١٤ هـ. (٢) وقد أحال عليه الطحاوي في شرح مشكل الآثار. (٣) ٢ - (اختلاف العلماء): وهو كتاب ضخم، ورد في مائة وثلاثين جزءاً، كما ذكر المترجمون للطحاوي، غير أنه لم يعلم عن وجوده شيء. وقد اختصره أبو بكر الجصاص (٤) المتوفى سنة (٣٧٠ هـ)، وجزء من هذا المختصر موجود بمكتبة جار الله ولي الدين باستانبول، وبدار الكتب المصرية.

стр. 46

وقد قام الدكتور محمد صغير حسن المعصومي بتحقيق ونشر شيء قليل من الموجود بدار الكتب المصرية، مع مقدمة باللغة الإنكليزية، باعتبار أنه (اختلاف العلماء للطحاوي)، والصحيح أنه المختصر وقد قدم المختصر كاملاً محققاً الدكتور عبد الله نذير أحمد. (١) ٣ - (التسوية بين حدثنا وأخبرنا): رسالة صغيرة في مصطلح الحديث وقد لخصها ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله (٢)، والكتاب قد حققه سمير بن أمين الزهيري. ٤ - (الجامع الكبير في الشروط): في نحو أربعين جزءاً، ويوجد منه قسم البيوع، وآخر به قسم ولايات القضاء، وله نسخ مخطوطة في برلين، برقم: (٤١ - ٤٢) وله نسختان في دار الكتب المصرية برقم (١٣٩ - ١٤٠) فقه حنفي) وقد نشر أحد المستشرقين وهو يوسف شاخت منه كتاب الشفعة، وكتاب أذكار الحقوق والرهون (٣). ٥ - (السنن المأثورة): وتسمى سنن الشافعي، وهو رواية الطحاوي عن خاله المزني عن الإمام الشافعي، وقد نشر هذا الكتاب في مصر سنة ١٣١٥ هـ ثم طبع في بيروت سنة ١٤٠٦ هـ ثم طبع طباعة محققة بتحقيق وتعليق ودراسة الدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر في جدة، سنة -١٤٠٩ هـ. (٤)

стр. 47

٦ - (شرح معاني الآثار): وهو في أحاديث الأحكام وله طبعتان. الأولى: طبعة لكهنؤ في الهند سنة -١٣٠٠ هـ في مجلدين. الثانية: طبعة القاهرة، مطبعة الأنوار المحمدية، بتحقيق كل من: محمد زهري النجار، ومحمد سيد جاد الحق سنة -١٣٨٦ هـ في أربعة أجزاء، ثم طبع مصوراً عنها بدار الكتب العلمية ببيروت، سنة ١٣٩٩ هـ مع مقدمة أماني الأخبار شرح معاني الآثار، للشيخ يوسف الكاند هلوي (١١). وللكتاب شروح كثيرة ذكرها صاحب الحاوي. (١٢) ٧ - (صحيح الآثار): محفوظ بمكتبة (باتنة في الهند ٥٤.١ رقم -٥٤٨) قال شعيب الأرناؤوط: ويغلب على الظن أنه خطأ من بروكلمان، فإنه لم يذكره أحد ممن ترجم له في مصنفاته، وربما يكون الموجود باسم (شرح مشكل الآثار) أو (شرح معاني الآثار) فلابد من الرجوع إلى المكتبة ورؤية الكتاب ليتبين أمره على وجه اليقين. (١) ٨ - (الشروط الصغير): في خمسة أجزاء، مختصر في المعاني التي يحتاجها الناس في المعاملات، وقد طبع مذيلاً بما عثر عليه من (الشروط الكبير) بالعراق، سنة ١٣٩٤ هـ، بتحقيق الدكتور روحي أوزجان، نشرته رئاسة ديوان الأوقاف، إحياء التراث الإسلامي. (٢) ٩ - (العقيدة الطحاوية) أو (بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة): وكان أول ما نشر في قازان سنة ١٨٩٣ م. (٣)

стр. 48

وقد قام بشرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء، فمن أحسنها أسلوباً وأكثرها انتشاراً، شرح العلامة ابن العز الحنفي: صدر الدين محمد علاء الدين المتوفى سنة (٧٩٢ هـ) إذ نهج في شرحه: منهج السلف، وارتضى طريقتهم المثلى، فوافق الشرح المتن، كما أنه زينه بما نقله من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ) وأفضل طبعاته هي: الطبعة التي حققها الشيخ شعيب الأرنؤوط، والدكتور عبد الله التركي، وطبع في مجلدين في مؤسسة الرسالة ببيروت سنة (١٤٠٨ هـ). كما طبع بشرح مختصر مبسط للعلامة عبد الغني الغنيمي الميداني، المتوفى سنة (١٢٩٨ هـ)، وتم طبعه بدار الفكر - بيروت سنة (١٤٠٢ هـ). (١) ١٠ - (مختصر الطحاوي الأوسط):نشرته (لجنة إحياء المعارف النعمانية، بحيدر آباد الدكن، الهند)، بتحقيق العلامة أبي الوفاء الأفغاني، وطبع بالقاهرة بمطبعة دار الكتاب العربي سنة (١٣٧٠ هـ) وعليه شروح كثيرة. (٢) ١١ - (شرح مشكل الآثار): توجد منه ثلاث نسخ خطية، في مكتبة برلين، ورامبور بالهند، وفيض الله باستانبول، و نشرت منه دائرة المعارف النظامية، بحيدر آباد الدكن بالهند سنة (١٣٣٣ هـ) ما يقارب نصف الكتاب، في أربعة أجزاء، وهذه الطبعة فيها الكثير من التحريف والأخطاء والبياض الدال على النقص، وقد قام فريق من طلبة الدراسات العليا الشرعية (بمرحلة الدكتوراه) بجامعة أم القرى بمكة المكرمة - مشكورين - باقتسام هذا السفر العظيم، رغبة في تحقيقه على عدة نسخ خطية، وتسجيله رسائل علمية لنيل درجة الدكتوراه في السنة النبوية. كما قام المحدث المحقق الشيخ شعيب الأرنؤوط - مشكوراً - بتحقيق هذا الكتاب العظيم، وقدم له دراسة مستوفاة، وطبع (بمؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٨ هـ). كما اختصره: سليمان بن خلف الباجي المالكي المتوفى سنة (٤٧٤ هـ).

стр. 49

وطبع مختصر هذا المختصر (المعتصر من المختصر) ليوسف بن موسى أبي المحاسن الحنفي المتوفى سنة (٨٠٣ هـ) بحيدر آباد الدكن، سنة (١٣٠٧ هـ). (١) ثانياً: وأما كتبه المفقودة فكثيرة جداً، وهي كالآتي:- ١ - أحكام القِران (بكسر القاف). ٢ - اختصار الروايات على مذهب الكوفيين. ٣ - كتاب الأشربة. ٤ - التاريخ الكبير. ٥ - الحكايات والنوادر. ٦ - حكم أرض مكة. ٧ - الرد على أبي عبيد فيما أخطأ في كتاب النسب. ٨ - الرد على الكرابيسي (نقض كتاب المدلسين على الكرابيسي). ٩ - الرد على عيسى بن أبان (خطأ الكتب). ١٠ - الرزية. ١١ - شرح المغني. ١٢ - شرح الجامع الصغير. ١٣ - شرح الجامع الكبير. ١٤ - الشروط الأوسط. ١٥ - الشروط الكبير. ١٦ - الفرائض. ١٧ - قسم الفيء والغنائم. ١٨ - المختصر الكبير. ١٩ - المختصر الصغير. ٢٠ - النحل وأحكامها وصفاتها وأجناسها وما ورد فيها من خبر. ٢١ - النوادر الفقهية. ٢٢ - الوصايا. (٢)

стр. 50

ثانياً: وفاة الإمام أبي جعفر الطحاوي توفي الإمام الطحاوي ليلة الخميس مستهل ذي القعدة، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ورضي الله عنه، ودفن بالقَرَافَة (١)

стр. 51

بعد حياة علمية حافلة، قضاها في التعلم والتعليم، والتصنيف والدعوة والإرشاد، وله من العمر اثنان وثمانون عاماً. وبوفاة هذا الإمام انطوت صفحة مضيئة من صفحات تاريخ علماء الإسلام، بعد أن أبقى للمسلمين من بعده آثاراً خالدة، ومصنفات نافعة. (١)

стр. 52

الفصل الأول: منهج الإمام أبي جعفر الطحاوي في التفسير المبحث الأول: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن إن تفسير القرآن بالقرآن هو أعلى درجات التفسير وأكملها إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله جلّ وعلا، ولهذا فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً فما أجمل أو أبهم في موضع فإنه يكون مبيناً معيناً في موضع آخر. لهذا كان لابد لمن يتعرض لتفسير كتاب الله جلّ وعلا أن يعتمد على هذا المصدر أولاً، وهو ما كان من الإمام الطحاوي حيث اعتمد هذا المصدر في مواضع من تفسيره. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:- ١ - ما ذكره عند قوله جلّ وعلا: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١] حيث قال: وهن إذا بلغن أجلهن، انقطعت الأسباب بينهن وبين مطلقيهن، فاستحال أن يمسكوهن بعد ذلك، وقد بين الله تعالى ذلك في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢]، قدل ذلك أنهن بعد انقضاء آجالهن حلال. لمن يريد تزويجهن، وكان ذلك دليلاً أن مراده تعالى في الآية الآخرى بذكره بلوغ الأجل أنه قرب بلوغ الآجل لا حقيقة بلوغه. (شرح مشكل الآثار ٢/ ٩٠) ٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢].

стр. 53

حيث قال: فإن قال قائل: فمن وليه المراد في آخر هذه الآية؟ كان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه ولي الدين الذي هو عليه، وفي الآية ما قد دل على هذا، وهو قوله : ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٨٢]، فلو كان وليه هو الذي يتولى عليه، كما ذكر هذا القائل، لم يخاطب بهذا الخطاب، لأنه لا يجر إلى نفسه ببخه شيئاً، ولكن حذر من ذلك خوفاً عليه أن ينقص الذي له عليه الدين طائفة مما عليه منه. (شرح مشكل الآثار- ١٢/ ٣٤٦)

стр. 54

المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالسنة إن السنة النبوية هي المصدر الثاني لتفسير القرآن الكريم، لأن الرسول ﷺ كان يبين للصحابة - رضوان الله عليهم - ما يشكل عليهم فهمه من نصوص القرآن الكريم أمتثالاً منه ﷺ لقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]. ولقد اعتمد الإمام الطحاوي على هذا المصدر عند تفسيره لكثير من آيات الكتاب الكريم. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: ١ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣]. حيث قال: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] قال: (لا تجوروا). (شرح مشكل الآثار -١٤/ ٤٢٦)

стр. 55

٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:١٠٥]. حيث قال: عن أبي أمية، قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، قلت: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أي آية قلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال لي: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي، برأيه، ورأيت أمراً لا بد لك منه، فعليك بنفسك، وإياك وأمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، صبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل منكم يومئذ كأجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله. (شرح مشكل الآثار -٣/ ٢١١)

стр. 56

المبحث الثالث: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين - أولاً: يعد التفسير بأقوال الصحابة المصدر الثالث لتفسير كتاب الله جل وعلا، فهم أعلم به من غيرهم لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها كملازمة الرسول ﷺ والأخذ عنه والتأثير به في سائر أحوالهم. ولقد اعتمد الإمام الطحاوي على هذا المصدر في تفسيره، ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤]. حيث قال: عن أبي سعد الخدري رضى الله عنه، قال: أصبنا نساء يوم أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا رسول الله j ، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فاستحللناهن.

стр. 57

قال أبو جعفر: وقد كان أصحاب رسول الله j قد اختلفوا في المحصنات المرادات بما ذكر في هذه الآية من هن؟ فروي .. عن علي وابن مسعود ﵄ في قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]. قال علي: المشركات إذا سبين حللن به. وقال ابن مسعود: المشركات والمسلمات. قال أبو جعفر: فكان تأويل هذه الآية عند علي ﵁ على المحصنات المسبيات المملوكات بالسباء. وكان عند ابن مسعود على اللاتي طرأت عليهن الإملاك من الإماء بالسباء وبما سواه، ومن أجل ذلك كان يقول: بيع الأمة طلاقها، وقد تابعه على ذلك غير واحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ . وقد خالفهما عبد الله بن عباس فيما تأولا هذه الآية عليه، فتأولها على خلافه. فعن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، قال: لا يحل لمسلم أن يتزوج فوق أربعة، فإن فعل، فهي عليه مثل أمه وأخته. فكانت المحصنات عند ابن عباس المرادات في هذه الآية هن الأربع اللاتي يحللن للرجل دون من سواهن، غير أنه قد روى عنه في تأوليلها ما يخالف ذلك من وجه دون هذا الوجه. فعن عطية بن سعد عن ابن عباس: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤] قال: هن ذوات الأزواج. قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكون بهذا القول موافقاً لعلي أو موافقاً لابن مسعود ﵄. وفي حديث أبي سعيد الذي رويناه في هذا الباب في إخباره بالسبب الذي نزلت فيه هذه الآية ما قد حقق في تأويلها ما تأولها علي عليه. (شرح مشكل الآثار -١٠/ ٧٠ - ٧٦)

стр. 58

- ثانياً: ويعد التفسير بأقوال التابعين المصدر الرابع لتفسير كتاب الله جل وعلا، وذلك لأسباب كثيرة من أبرزها: أنهم سعدوا برؤية الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وتتلمذوا على أيديهم، كما أنهم من ناحية الفصاحة والبلاغة في الذروة بعد رسول الله j وصحبه الكرام. ولهذا فقد اعتنى الإمام الطحاوي بأقوال أولئك التابعين، وحرص على الاستشهاد بها في توضيح المراد بالآيات، ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينٍ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة:١٠٦]. حيث قال: عن عامر، قال: خرج رجل من بني خثعم، فتوفي بدَقُوَقاء، فلم يشهد وصيته إلا رجلان نصرانيان من أهله، فأشهدهما على وصيته، فقدما الكوفة فأحلفهما أبو موسى الأشعري دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله الذي لا إله إلا هو ما خانا ولا بدلا ولا كتما، وإنها لوصيته، ثم أجاز شهادتهما. قال أبو جعفر: فدل ذلك على أنها كانت عنده محكمة غير منسوخة، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي ﷺ خلافاً لهما - يعني ابن عباس وأبا موسى - في ذلك، والله أعلم، ثم التابعون في ذلك قد كان أكثرهم على مثل الذي كانا عليه في ذلك. فذكر عن إبراهيم، قال: كتب هشام بن هبيرة إلى شريح يسأله عن شهادة المشركين على المسلمين، فكتب إليه أن لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا أن يكون مسافراً

стр. 59

قال: فهذا شريح وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين قد كان مذهبه فيها أيضاً أنها محكمة غير منسوخة. وهذا قول: سعيد بن المسيب وقتادة ومجاهد وإبراهيم وسعيد بن جبير وابن سيرين. وقد قال به من فقهاء الأمصار ابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري. فإن قال قائل: فقد روي عن الحسن ما يخالف أقوال هؤلاء الذين ذكرت. فذكر .. عن الحسن في قوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ " [المائدة:١٠٦]، قال: من غير أهل قبيلتكم، كلهم من أهل الصلاة، ألا تراه يقول: تحبسونهما من بعد الصلاة؟ فكان جوابنا له في ذلك: أنا لا ندفع إلا يكون أهل العلم قد اختلفوا في ذلك، وكيف ندفع أن يكونوا اختلفوا فيه، وأبو حنيفة في أصحابه، ومالك في أصحابه، والشافعي في أصحابه يذهبون إلى أنها بخلاف ما هي عليه ممن قد ذكرنا، فمنهم من يذهب إلى أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ " [الطلاق:٢]، وهذا مما لا يقطع فيه على المخالف بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه، وعمل به رسوله ﷺ وعمل به من عمل به من أصحابه، ولا يجوز أن ينسخ ما قد أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يوجب ذلك فيه. فأما ما قد ذكرناه مما يستدل به الحسن من قول الله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] ما قد دل على أنهما من أهل الصلاة، فإن ذلك مما لا دليل عندنا فيه، وإنما ذلك عند كثير من أهل العلم على أنه قصد بذلك إلى الوقت الذي يعظمه أهل الأديان جميعاً وهو ما بعد صلاة العصر ويتوقونه ويخافون نزول العقوبة بهم عند المعصية فيه، وقد ذكرنا في ذلك عن رسول الله ﷺ من قوله: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف بعد العصر على سلعة أنه أعطي بها كذا وكذا كاذباً)

стр. 60

فإذا كان هذا الاختلاف في هذا كما قد ذكرنا، بقي حكم الآية على ما كان عليه حتى يكون مثله مما يوجب نسخها، وقد كان الزهري وزيد بن أسلم يذهبان إلى أنها مما قد نسخ العمل به. كما .. عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ " [المائدة:١٠٦] الآية، قال: ذلك كان في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب، والناس كفار، إلا رسول الله ﷺ وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض، وعمل بها المسلمون. قال أبو جعفر: وليس في هذا إلى الآن ما يوجب نسخ هذه الآية. والله الموفق للصواب. (شرح مشكل الآثار ١١/ ٤٥٧ - ٤٧١)

стр. 61

المبحث الرابع: منهجه في تفسير القرآن بأقوال أئمة اللغة إن علم اللغة العربية وما يشتمل عليه من بيان معاني المفردات، وتعريف الكلمات واشتقاقها، ووجوه الإعراب من العلوم التي يحتاج إليها المفسر، ومن أهم أركان التفسير وعليه فلابد لمن يتعرض لتفسير كتاب الله جل وعلا من الرجوع إلى اللغة العربية والاستعانة بها في شرح ألفاظه ومعرفة مشتقاته وإعراب كلماته. ولذا لا نجد مفسرًا إلا وتناول هذا الجانب في تفسيره إجمالاً أو تفصيلاً. والإمام الطحاوي كان له اهتمام وعناية بهذه الجانب بالقدر الذي يحتاج إليه في تفسير كلام الله جل وعلا من غير توسع واستطراد، إذ أن القصد من تفسير كتاب الله جل وعلا استجلاء هداياته وتوجيهاته. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:- ١ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩].

стр. 62

حيث قال: اللعن في كلام العرب هو الطرد والإبعاد، ومنه قول الله : ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] فكان لعنة الله إياهم: طردهم عنه، وإبعادهم منه. عن أبي عبيدة معمر بن المثنى (لعنهم الله) أي: أطردهم وأبعدهم، يقال: ذئبٌ لعين، أي: مطرود. قال شماخ بن ضرار: ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه مقام الذئب كالرجلِ اللعينِ. (شرح مشكل الآثار -٩/ ١٦٨). ٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]. حيث قال: وفيما ذكرنا ما قد دل على أن القراءة في ذلك كما قرأها من قرأها بالرفع وهم: عاصم: والأعمشى، وأبو عمرو، وحمزة، لا كما قرأها مخالفوهم: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]. بالنصب، وهم: أبو جعفر، وشيبة، ونافع، وابن كثير، وعبد الله بن عامر، وقد كان أبو عبيد القاسم بن سلام ذهب إلى قراءة هؤلاء المدنيين، وقال مع ذلك: (إن الرفع وجه في العربية ممكن غير مستنكر)، وكذلك كان الفراء يذهب إلى صحته في العربية، ويقول: (هو على النعت للقاعدين). قال: وما كان من نعتهم كان كذلك إعرابه بالرفع لا بغيره، كما قال : ﴿التَّابِعِينَ غيرَ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] فكان نعته إياهم بمثل ما ذكرهم به من الجر لا ما سواه. والله نسأله التوفيق. وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام في السبب الذي به اختار: ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] بالنصب، فقال: (وروي عن أصحاب رسول الله j - غير واحدٍ ذكرهم - أن نزولها كان على الاستثناء، فوجب بذلك أن تكون منصوبة).

стр. 63

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه لم يرو عن واحدٍ من أصحاب النبي j أنه قال: إنما نزلت للاستثناء مما كان نزل قبلها، وإنما روي عنه منهما في سبب نزولها ما قد رويناه في ذلك في صدر هذا الباب، ولو كانت كلها نزلت معاً، لجاز أن يكون ذلك على الاستثناء فيكون النصب فيه أولى من الرفع، ولكنه إنما كان الذي نزل أولاً منها، هو قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] ونحن نحيط علماً أن الله لم يعن القاعدين بالزمانة مع النية أنهم لو أطاقوا الجهاد لجاهدوا، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن المجاهدون أفضل منهم، لأنهم جاهدوا بقوتهم، وتخلف الآخرون عن الجهاد بعجزهم عنه. وقد قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (٩٢)﴾ [التوبة:٩١ - ٩٢]، ثم أعلم بعد ذلك أن السبيل على خلاف هؤلاء بقوله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٩٣]، وقال : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] ومن حل الأمر على غير ما ذكرنا، كان قد قال قولاً عظيماً، ونسب الله إلى أنه قد تعبد خلقه بما هم عاجزون عنه.

стр. 64

وإذا كان نزول ما قد تلونا على ما قد ذكرنا، كان ما أنزل الله بعد ذلك من قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] تبياناً لما كان أنزله قبل ذلك من القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدين، فكان الرفع أولى به من غيره. (شرح مشكل الآثار - ٤/ ١٤١ - ١٥٦)

стр. 65

المبحث الخامس: منهجه في إيراد أقوال أهل التفسير ومناقشته لها إن آيات كتاب الله جل وعلا منها ما هو جلي واضح، وهذا لا يُختلف في تفسيره غالباً، ومنها ما هو خفي لا يتضح المراد منه بحيث يحتمل وجوهاً من التأويل، وهذا النوع من الآيات هو الذي يختلف العلماء في بيان المراد منه على أقوال عدة. والإمام الطحاوي يستوعب في الغالب جميع الأقوال في الآيات المختلف في بيان المراد بها. كما أنه يناقش هذه الأقوال وأدلتها، وينبه على القول الراجح منها، مع الاستدلال عليه، ورد ما عداه. ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة:٣٣ - ٣٤]

стр. 66

حيث قال: عن ابن عباس ﵄ في قوله عز و جل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣] الآية، قال: نزلت هذه الآية في المشركين. فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست هذه الآية للرجل المسلم من قتل وأفسد في الأرض وحارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب .. عن أنس بن مالك ﵁، قال: قدم أعراب من عرينة إلى نبي الله j فاسلموا، فاجتووا المدينة حتى اصفرت ألوانهم، وعظمت بطونهم، فبعث بهم نبي الله j إلى لقاح له، فأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل فبعث نبي الله j في طلبهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال أمير المؤمنين عبد الملك لأنس وهو يحدثه هذا الحديث: بكفر أو بذنب؟ قال: بكفر. ففي الحديث الأول من هذين الحديثين أن الحكم المذكور فيه في المشركين إن فعلوا هذه الأفعال، لا فيمن سواهم ممن هو متمسك بالإسلام. وفي الحديث الثاني منهما ما قد دل على أن العقوبة في ذلك كانت عند أنس بن مالك، إذ كانت تلك الأفعال مع الزيادة لا مع الإسلام.

стр. 67

ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف طلبنا الوجه فيه، ووجدنا الله قد قال في كتابه ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة:٣٣] الآية فكان ما ذكر الله في هذه الآية قد ذكر فيه أن العقوبات المذكورات فيها جزاء لمن أصاب تلك الأشياء التي تلك العقوبات عقوبات لها، وقد تكون تلك الأشياء ممن ينتحل الإسلام وممن سواهم، وكانت المحاربة هي العداوة لله بالأفعال التي لا يرضاها. قال أبو جعفر: فوجب بذلك استعمال ما في هذه الآية على من يكون منه هذه المحاربة والسعي المذكور فيها إلى يوم القيامة من أهل الملة الباقين على الإسلام، ومن أهل الملة الخارجين عن الإسلام إلى ضده، ومن أهل الذمة الباقين على ذمتهم، ومن أهل الذمة الخارجين عن ذمتهم بنقض العهد الذي كان عليهم فيها. وقد روي عن رسول الله ﷺ في ذلك حديث يوجب ما قلنا، كما عن إبراهيم بن طهمان .. عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل قتل امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: زانٍ بعد إحصانه، أو رجل قتل فقُتل به، أو رجل خرج محارباً لله ولرسوله فيُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض) فقال قائل: فقد احتججت بحديث إبراهيم بن طهمان هذا، وفيه تخير الإمام في هذه الأشياء أيها رأى أنه يقيمه على أهل المحاربة، وأنت لا تقول هذا، وقد قال بالتخير قبلك في هذه العقوبة غير واحدٍ من أهل العلم؟ فذكر عن الحسن في قوله: (أو. . . أو. . .) قال: (الإمام مخير: إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع).

стр. 68

وعن إبراهيم، والحسن، والضحاك، وعطاء، ومجاهد، أنهم كانوا يقولون: الإمام مخير في ذلك، أي ذلك ما شاء فعل. قال: فهذه الآثار كلها عن هؤلاء التابعين في تخير الإمام، وقد كان مالك بن أنس يذهب إلى هذا، فإلى قول من خالفت ذلك؟ قيل له: إلى قول عبد الله بن عباس: (إذا خرج الرجل محارباً، فأخاف السبيل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلافٍ، وإن هو أخذ المال وقتل، قطعت يده ورجله من خلاف وصُلب، وإن هو قتل ولم يأخذ المال قُتِل، وإن هو أخاف السبيل ولم يأخذ المال نُفي). وإلى هذا القول كان محمد بن الحسن وأبو يوسف يذهبان. وأما أبو حنيفة فكان يقول: إذا أخذ المال وقتل، كان الإمام بالخيار: إن شاء قطع يده ورجله من خلافٍ، ثم قتله، وإن شاء قتله ولم يقطع يده ورجله من خلافٍ. وأما ما حكيته عن مالك، فقد غلطت عليه فيه، لان مالكاً كان يستعمل التخير كما ذكرت ما لم يقتل أو يطول مكثه في المحاربة. فإذا كان ذلك، كان حكمه أن يقتله، فقد عاد قوله بذلك إلى طائفة من قول الآخرين ممن يجعل الآية على المراتب لا على التخير. فقال هذا القائل: فلم لم تجعل للإمام أن يقتل بالمحاربة إذا لم يصب أهلها القتل بظاهر الآية؟ قلت: لما قد روى عن رسول الله ﷺ مما يدفع ذلك. كما .. عن أبي أمامه بن سهل، قال: كنت مع عثمان ﵁ في الدار وهو محصور، فدخل يوماً لحاجة، ثم خرج، فقال: لم يقتلونني؟! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس)، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت لي بديني بدلاً مذ هداني الله ، فلم يقتلوني؟!).

стр. 69

فكان فيما روينا نفي رسول الله ﷺ حل دم من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا بواحدة من الثلاث المذكورات في هذا الحديث، فثبت بذلك أنه لا يحل دم من خرج من المسلمين بخروجه حتى يكون في ذلك القتل، وفيما ذكرنا موافقة ما رويناه عن ابن عباس، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٥/ ٤٥ - ٦١)

стр. 70

المبحث السادس: منهجه في إيراد القراءات والتعليق عليها إن اختلاف ترتيب حروف الكلمة واختلاف ضبطها بالشكل له الأثر الواضح في اختلاف المراد بها، ولذ أهتم المفسرون بذكر القراءات التي تقرأ بها بعض ألفاظ القرآن الكريم، وهذا ما كان من الإمام الطحاوي، إلا أن عنياته بها كانت قليلة، وكان منهجه في عرض تلك القراءات: أنه يذكر القراءة، ومن قرأ بها، ويوجه معناها غالباً. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: ١ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. حيث قال: عن ابن جرير عن أبيه، قال: (قدم ناس على النبي j من مضر، متقلدي السيوف، مجتابي النمار - قال المسعودي: النمار: الصوف- بهم ضر شديد، (فقام النبي ﵇ فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] تصدقوا قبل أن لا تصدقوا، ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق الرجل من درهمه، وليتصدق الرجل من بره، وليتصدق الرجل من شعيره، وليتصدق الرجل من ثمره)

стр. 71

قال أبو جعفر: فكان في هذه الروايات قراءة رسول الله ﷺ على الناس ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] عند حضه إياهم على صلة أرحامهم، لما رأى من أهلها من الجهد، والضر، والحاجة، فكان ذلك دليلاً أنه قرأها بالنصب بمعنى: (أتقوا الأرحام أن تقطعوها)، وكان ما حملها عليه من قرأها بالجر على تساؤلهم كان بينهم بالله تعالى والأرحام، ولم تكن تلاوة رسول j إياها على من تلاها عليه على التساؤل، وإنما كان على الحض على التواصل، وترك قطيعة الأرحام، وفي ذلك ما قد دل على أنه قرأها بالنصب لا بالجر. وكذلك روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها كذلك. فعن الأعمش قال: سمعت مجاهداً يقول: كان ابن عباس يقرأ هذه الآية ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] منصوبة، يقول: اتقوا الله والأرحام. وقد قرأها كذلك أكثر القراء فعن خلف بن هشام، قال: قرأ عاصم ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] نصب، ونافع كمثل، وأبو عمرو كمثل. (شرح مشكل الآثار -١/ ٢٢٥ - ٢٢٦) ٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥].

стр. 72

حيث قال: قول الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]. وهذا الحرف مما قد اختلف القراء فيه، فقرأه بعضهم بالفتح، وممن قرأه كذلك عبد الله بن مسعود، فعن النخعي أن معقل من مقرن سأل ابن مسعود فقال: أمتي زنت، فقال: أجلدها خمسين، قال: إنها لم تحصن، فقال: أليست مسلمة؟ قال: بلى، قال: فإسلامها إحصانها. قال خلف: وكذلك يقرؤه الأعمش وعاصم وحمزة، وقرأه بعضهم بالضم: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥]. وممن قرأه كذلك عبد الله بن عباس. فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس:: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥]. يعني: (بالزواج). وممن قرأه كذلك نافع وأبو عمرو بن العلاء. (شرح مشكل الآثار ٩/ ٣٤٥ - ٣٤٧).

стр. 73

المبحث السابع: منهجه في تفسير آيات العقائد يعد الإمام الطحاوي أحد أئمة أهل السنة والجماعة في العقيدة، وقد برز ذلك واضحاً في كتابه (العقيدة الطحاوية) الذي أوضح فيه معالم العقيدة الصحيحة عقيد أهل السنة والجماعة. وفي تفسيره هذا تعرض لبعض المسائل المتعلقة بالعقيدة، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: ١ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا دُونَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨].

стр. 74

حيث قال: من يعمل الخير يقصد به إلى الله رجاء ثوابه، وإنجاز ما وعد عليه، ومن عمل شراً، فليس يقصد به إلى الله . وإن كان كل واحد من الخير ومن الشر فمن الله ، كما قال : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]. أي: فإن ذلك، كله من عند الله، فييسر أهل السعادة للخير فيعملونه، فيثيبهم، ويجازيهم عليه، وييسر أهل الشقاء للشر، فيعملونه، فيعاقبهم عليه، إلا أن يعفو عنهم فيما يجوز عفوه عن مثله، وهو ما خلا الشرك به. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ٤/ ٢٢٢). ٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. حيث قال: عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن كما لبث يوسف لأجبت الداعي). فتأملنا قول رسول الله ﷺ : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠].

стр. 75

فوجدنا إبراهيم ﵇ قد رأي من آيات الله في نفسه الآية التي لم ير مثلها، وهو إلقاء أعدائه إياه في النار، فلم تعمل فيه شيئاً لوحي الله إليها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فكانت آية معجزة لم يُر مثلها قبلها ولا بعدها، فقال النبي ﵇ لينفي الشك عن إبراهيم عند قوله ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. أي: إنا ولم نر من آيات الله الآية التي أريها إبراهيم في نفسه لا نشك، فإبراهيم مع رؤيته إياها في نفسه أحرى أن لا يشك، وأما قوله تعالى له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠] وقد حقق ذلك أن قوله كان: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. لم يكن على الشك منه، ولكن لما سوى ذلك من طلبه إجابة الله تعالى في مسألته إياه ذلك ليطمئن به قلبه، ويعلم بذلك علو منزلته عنده. (شرح مشكل الآثار - ١/ ٢٩٧ - ٢٩٩)
следующие страницы →