قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عمر، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، فَجَاضَ الناس جَيْضَةً (١)، وكنت فيمن جاض، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، فقلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا بها، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج، فقال: "من القوم؟ " قلنا: نحن الفرَّارون، قال: "بل أنتم العَكَّارون (٢)، أنا فئتكم، أو أنا فئة المسلمين"، فأتيناه حتى قبلنا يده (٣)
فقال قائل: العَكَّارون عند العرب: هم الكَرَّارون، فكيف جاز في هذا الحديث أن يقال هذا القول للفَرَّارين؟
فكان جوابنا له في ذلك: أن المراد بذلك أنهم لما كروا إلى رسول الله ﷺ وهو فئتهم ليرجعوا إلى ما يأمرهم به، ولينصرفوا فيما يصرفهم فيه، كان ذلك كراً منهم إليه، وعوداً منهم إلى ما كانوا عليه من بذل أنفسهم لقتال عدوهم، فاستحقوا بذلك أن يكونوا عكَّارين، والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 597
وفي هذا الحديث مما يجب أن يوقف عليه مما يلحق بالكبائر، وهو أن بعض الناس قد ذهب إلى أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال:١٦] إنما ذلك في أهل بدر خاصة دون من سواهم، لأنه لم يكن للمسلمين فئة يومئذ إلا وهي حاضرة ببدر.
كما عن أبي سعيد قال: نزلت يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال:١٦]. (١)
وكما عن أبي سعيد: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] قال: نزلت في أهل بدر. (٢)
وليس فيما روينا عن أبي سعيد أن هذه الآية نزلت يوم بدر أو في أهل بدر على أن يكون الحكم الذي فيها في غير أهل بدر، كهو في أهل بدر، وعلى أنه بعد بدر كهو يوم كان في بدر، والدليل على ذلك أن دخول ابن عمر في المقاتلة بإدخال رسول الله ﷺ إياه فيهم إنما كان عام الخندق، وبعد ردَّه إياه قبل ذلك وتركه إدخاله فيهم، وهذا بعد بدر.
فدل ذلك أن حكم الفرار من الزحف بغير تحرف إلى قتال أو تحيز إلى فئة باق حكمه إلى يوم القيامة، وداخل في الكبائر، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -٢/ ٣٥٧ - ٣٦٠)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن الحكم الوارد في الآية - وهو تحريم الفرار من الزحف - غير خاص بيوم بدر، وإنما هو حكم عام باق إلى يوم القيامة. وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك:
- القول الأول: أن الحكم الوارد في هذه الآية عام في جميع المؤمنين إلى يوم القيامة.
стр. 598
وعليه فلا يجوز من المؤمنين الفرار عند ملاقاة العدو إلا لتحرف لقتال أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين.
وأما الفرار من غير نية لفعل أحد الأمرين فلا يجوز، ومن فعله فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. (١)
- وهذا قول: جمهور علماء الأمة. (٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن الله جل وعلا قال في الآية الأولى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:١٥]
فهذا الخطاب عام لجميع المؤمنين. (٣)
٢ - أنه قد ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" - قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". (٤)
ففي هذا الحديث بيّن الرسول الله ﷺ أن الفرار من الزحف من كبائر الذنوب التي لا يجوز فعلها في حق أحد من أفراد الأمة.
وهذا نص في المسألة يبين حكمها، ويرفع الخلاف فيها. (٥)
- القول الثاني: أن الحكم الوارد في هذه الآية خاص بأهل بدر.
وعليه فيجوز بعد يوم بدر الفرار من الزحف.
стр. 599
- وهذا قول: عمر بن الخطاب - وابن عمر - وابن عباس - وأبي هريرة - وأبي نضرة - وأبي سعيد الخدري - ونافع - والضحاك - وقتادة - وعطاء - والحسن البصري - ويزيد بن أبي حبيب. (١) وإليه ذهب: أبو حنيفة. (٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - ما روي عن ابن عمر ﵁ قال: (إنّما أنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال:١٥] في أهل بدر، لا قبلها ولا بعدها). (٣)
- وقد رُد هذا الاستدلال: بأن كون الآية نزلت في أهل بدر لا ينفي ثبوت هذا الحكم في حق غيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (٤)
كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ والذي بين فيه الرسول ﷺ أن التولي من الزحف من الكبائر التي يجب على سائر الأمة الحذر منها. (٥)
٢ - أن هذه الآية في أهل بدر خاصة لأنه لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه وينهزموا، ولأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين، لأنه لم يكن يومئذ مسلم غيرهم.
- وقد رد هذه الاستدلال: بأنه قد كان بالمدينة يومئذ خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم الرسول ﷺ بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله ﷺ فيمن خف معه. (٦)
٣ - أن الله جل وعلا قال في الآية الثانية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فالإشارة بقوله (يومئذ) إلى يوم بدر خاصة.
وقد رد هذا الاستدلال:
стр. 600
أ- بأن الإشارة بقوله (يومئذ) إلى يوم اللقاء الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾ [الأنفال:١٥]. (١)
ب- كما أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب والقتال، وذهاب اليوم بما فيه. (٢)
فحكم هذه الآية شرع شرعه الله جل وعلا على المسلمين بسبب تلك الغزوة، لتوقع حدوث غزوات أخرى يكون جيش المسلمين فيها قليلاً كما كان يوم بدر، فنهاهم الله جل وعلا عن الفرار إذا لاقوا العدو، وإن كان أكثر منهم.
فأما يوم بدر فلم يكن فيه حكم مشروع في هذا الشأن، لأن المسلمين وقعوا في الحرب بغتة وتولى الله نصرهم. (٣)
الترجيح: والقول الراجح هو أن حكم الآية عام في جميع المؤمنين إلى يوم القيامة.
لأن الأمر الوارد في الآية مطلق، ولأن قول الرسول ﷺ في تحريم الفرار من الزحف قول عام، وعليه فلا يجوز تقييد أو تخصيص حكم الآية إلا بدليل يجب المصير إليه، ولا دليل على ذلك. (٤)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال:٣٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: فأعلمه ﷺ أنه يرفع العذاب عنهم، وإن كانوا يستحقونه، باستغفارهم إياه، وكان ذلك الاستغفار - والله أعلم - مما يقع في القلوب أنه لم يكن كان من جميعهم، ولكنه كان من بعضهم، فرفعت به العقوبة عمن كانت منه تلك المعاصي، وعمن لم تكن منه.
(شرح مشكل الآثار - ١١/ ٥٤٠)
стр. 601
بين الإمام الطحاوي أن المراد بالاستغفار في الآية على ظاهره وهو طلب رفع المجازاة على الذنوب المتقدمة، كما بين أن هذا الاستغفار كان من بعض المشركين وليس منهم جميعاً كما هو ظاهر لفظ الآية.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد (بالاستغفار) في الآية، وعمن كان:
- القول الأول: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: حقيقة الاستغفار، الذي هو: طلب ترك المجازاة على الذنوب المتقدمة. كما في قوله جل وعلا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]. (١)
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة والمؤمنون الذين بينهم يستغفرون.
فوصفوا بصفة بعضهم، لأن المؤمنين كانوا بين أظهرهم، فأوقع العموم على الخصوص. كما يقال: قتل أهل الدار رجلاً، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ والضحاك - وأبي مالك - وابن أبزي.
وقد رُد هذا القول: بأن الآية في سياق الإخبار عن الكافرين وعما الله فاعل بهم، فلا يصح أن يكون المراد بالذين يستغفرون: المؤمنون.
- القول الثاني: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: حقيقة الاستغفار.
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وفيهم من يستغفر.
- وهذا قول: عكرمة - والحسن البصري - ومحمد بن إسحاق.
وقد رُد هذا القول: بأن استغفار المشركين لا أثر له في القبول. (٢)
- القول الثالث: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: ترك الإشراك بالله والدخول في دين الإسلام.
كما في قوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٣].
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وفيهم من يدخل في دين الإسلام.
فليس المراد مجرد الاستغفار باللسان، إذ لا عبرة بالقول والفعل يخالفه.
стр. 602
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ ومجاهد - وعكرمة. (١)
- القول الرابع: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: ترك الإشراك بالله والدخول في دين الإسلام.
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذِّب مشركي أهل مكة، وفي علم الله أنه سيكون لهم أولاد يؤمنون بالله جل وعلا ويستغفرونه.
فوصفوا بصفة أولادهم وذرياتهم. (٢)
- القول الخامس: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: أداء الصلاة المفروضة.
كما في قوله جل وعلا: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] أي يصلون.
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وفيهم من يصلي.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ ومجاهد - والضحاك. (٣)
الترجيح: والراجح هو القول الثاني، فالمقصود بالمستغفرين هو: مشركي أهل مكة، لأن سياق الآيات من قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال:٣٠ - ٣٥] في بيان حال مشركي أهل مكة، فكان الاستغفار حاصل منهم لا من غيرهم من المؤمنين المقيمين في مكة، كما دل على ذلك سبب نزول الآية:
стр. 603
الدراسة
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال:٣٣ - ٣٤]. (١)
كما أن المراد بالاستغفار في الآية هو حقيقة الاستغفار، بدلالة ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ عن الرسول ﷺ أنه قال: "أنزل الله على أمانين لأمتي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. إذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة". (٢)
فقد دل هذا الحديث على أن المراد بالاستغفار في الآية هو حقيقة الاستغفار الذي هو: طلب ترك المجازاة على الذنوب المتقدمة.
стр. 604
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال:٤١].
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: لا بأس أن يؤكل الطعام، والعلف، في دار الحرب بغير إذن الإمام، وكذلك الحيوان، وإن أخرج منه شيئاً إلى دار الإسلام، وكان غنيمة، وهو قول مالك، والثوري، والليث، والشافعي.
وقال الأوزاعي: ما أخرجه من ذلك إلى دار الإسلام، فهو له أيضاً.
قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:٤١] الآية. ظاهره: أن يكون الجميع غنيمة، إلا أنهم متفقون على إباحة أكل الأطعمة هناك، وإعلاف الدواب منها، فخص ذلك من الآية، وحكم العموم باق فيما عداها.
وقد روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كنا مع رسول الله ﷺ بخيبر، يأتي أحدنا إلى طعام من الغنيمة، فيأخذ منه حاجته) (١)
وعن خالد بن عمير (٢)، قال: (شهدت الأبلة (٣)
стр. 605
مع عتبة بن غزوان (١)، فأصبنا سفينة مملوءة جوزاً، قال: قلت: ما هذه الحجارة! فأخذ رجل جوزة فكسرها، فقال: هذا طعام طيب، فأكلوا منه)
وعن عبد الله بن مغفل (٢)، قال: (أصبت جراباً (٣) من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي أحداً اليوم من هذا شيئاً، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ يبتسم) (٤)، فلم ينكر النبي ﷺ قوله
وعن معاذ بن جبل أنه قال: (كلوا لحم الشاة، وردوا إهابها إلى المغنم، فإن له نماء).
(مختصر اختلاف العلماء - ٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] دال على أنه لا يجوز مطلقاً أخذ شيء من الغنيمة قبل القسمة، إلا أن السنة جاءت بتخصيص هذا العموم حيث أجازت أخذ الطعام وعلف الدواب في دار الحرب.
وإليك بيان هذه المسألة وهي: حكم أخذ شيء من المأكول والمشروب للانتفاع به في دار الحرب:
стр. 606
أجمع جمهور علماء المسلمين على أنه يجوز للمسلمين إذا دخلوا دار الحرب الانتفاع بالمأكول والمشروب فيها، سواء كان الانتفاع لهم أو لدوابهم. (١)
ولا يشترط إذن الإمام في ذلك خلافاً للزهري. (٢)
ولكن يشترط في هذا الانتفاع أن يكون قبل أن يحوز الإمام المغانم من أجل القسم بدار الإسلام. (٣)
كما يشترط في هذا الانتفاع أن لا يكون خارج دار الحرب خلافاً للأوزاعي. (٤)
- وعلة هذا الجواز: أن عموم الحاجة يدعو إلى الانتفاع بذلك في حق الكل، وفي المنع منه مضرة بالمقاتلين وبدوابهم، فإنهم لو كلفوا حمل هذه المؤن من دار الإسلام إلى دار الحرب مدة ذهابهم وإيابهم ومقامهم فيها لوقعوا في حرج عظيم، بل قد يتعذر عليهم ذلك.
كما أنهم قد لا يجدون بدار الحرب ما يشترونه، ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه، كما أنه لا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم، ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شيء ينتفع به مما يدفع به حاجته.
فأباح الله جل وعلا لهم ذلك الانتفاع توسعة عليهم، ودفعاً للحرج والمشقة عنهم. (٥)
- ودليل هذا الجواز: أن عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] يوجب أن يكون الجميع غنيمة، خمسها لمن سمى الله، وأربعة أخماسها لمن شهد القتال من البالغين الذكور الأحرار.
فلا يحل لأحد منها شيء إلا سهمه الذي يقع له في المقاسم بعد إخراج الخمس المذكور، إلا أن الطعام خرج بدليل إخراج الرسول ﷺ له عن جملة ذلك.
стр. 607
وهذا الدليل هو: ما روي عن عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ قال: (أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي أحداً اليوم من هذا شيئاً، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ يبتسم). (١)
وما روي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ بخيبر، يأتي أحدنا إلى طعام من الغنيمة، فيأخذ منه حاجته). (٢)
فقد دلت هذه الأحاديث على جواز أخذ الطعام من الغنيمة في دار الحرب قبل قسمتها، حيث أن الرسول ﷺ أقر هذا الفعل من الصحابة - رضوان الله عليهم - ولم ينكر عليهم ذلك.
وهذا من تخصيص عموم الكتاب بالسنة، ومن أمثلته قوله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] فهو حكم عام، خص منه البيوع الفاسدة الواردة بالسنة.
كما أن علماء الأمة قد أجمعوا على أن الانتفاع بالطعام في دار الحرب مباح، فدل هذا على أن هذا الفعل غير داخل في مراد الله جل وعلا من الآية التي معنا. (٣)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال:٦٥ - ٦٦]
стр. 608
قال أبو جعفر الطحاوي: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال:٦٥] إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٦٥].، فكان فرض الله تعالى عليهم في هذه الآية أن لا يفروا من عشرة أمثالهم، وكان معقولاً في ذلك أنه جائز لهم أن يفروا مما هو أكثر من هذا، ثم نسخها الله رحمة منه لهم، وتخفيفاً لضعفهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] الآية، فرد الله فرضه عليهم أن لا يفروا من مثليهم وكان معقولاً في ذلك أن لهم أن يفرُّوا من أكثر من مثليهم من العدد.
(شرح مشكل الآثار -١/ ٤٣٠)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] منسوخ بقوله جل وعلا: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦]. حيث أفادت الآية الأولى وجوب ثبات المقاتل الواحد لعشرة مقاتلين، ورفعت الآية الثانية هذا الحكم، حيث أفادت تخفيف الفرض السابق إلى وجوب ثبات المقاتل الواحد لاثنين من المقاتلين.
وإليك بيان أقوال المفسرين في قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] هل هو منسوخ أم محكم؟:
- القول الأول: أن الآية الأولى محكمة، وأما ما في الآية الثانية فهو تخفيف لا نسخ.
- وهذا قول: مقاتل (١) - وأبي جعفر النحاس (٢) - ومكي بن أبي طالب (٣) - وأبي مسلم الأصفهاني (٤) - وابن حزم الظاهري. (٥)
стр. 609
١ - أن الآية جاءت بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، وأن المقصود بذلك، الامتنان والإخبار بالواقع (١)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذه الآية وإن كان لفظها لفظ الخبر إلا أن معناها الأمر بذلك، وليس إخباراً بوقوع ذلك.
وذلك لأن كل خبر من الله تعالى وعد فيه عباده على عمل ثواباً وجزاءً وعلى تركه عقاباً وعذاباً، وإن لم يكن ظاهره مخرج الأمر، ففي معنى الأمر (٢)، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]
وكما في قوله جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
ومما يدل على أن هذه الآية أمر لا خبر، ما يلي:
أ- أن الله جل وعلا قال في الآية الثانية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦]، والتخفيف لا يكون إلا بزوال بعض الفرض الأول أو النقل عنه إلى ما هو أخف منه. فالتخفيف لا يقع إلا بعد تكليف، فهو يقع في المأمور به لا في الخبر عنه (٣)
ب- أنه لو كان لفظ الآية الأولى خبراً محضاً للزم منه عدم وقوع خلاف المخبر به، وهو محال (٤) لأنه لم يثبت عند أحد أنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين. فثبت بهذا أن المراد بالآية هو الأمر بما فيها لا الإخبار عما فيها (٥)
٢ - أن حكم الآية الأولى ندب لا فرض، وعليه فلا يمكن حدوث النسخ له.
وقد رد هذا الاستدلال:
стр. 610
أ- بأن الله جل وعلا قال في الآية الثانية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦] فلو كان حكم الآية الأولى ندباً لم يثقل على المكلفين. كما أن إبطال مشروعية المندوب لا يسمي تخفيفاً (١).
ب- أنه سواء كان حكم الآية الأولى فرضاً أو ندباً فإنه حكم شرعي على كل حال، وعليه فنسخه ممكن غير ممتنع، لأن الحكم إذا غير بعض أوصافه فجائز أن يقال له نسخ، لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره. (٢)
٣ - أنه لا تعارض بين الآيتين حتى يقال بالنسخ، لأن الآية الثانية لم ترفع الحكم الوارد في الآية الأولى بدليل أنه لم يقل فيها (لا يقاتل الواحد العشرة)، بل إن قدر على ذلك فله الخيار في ذلك. (٣)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن كلا الآيتين جاءت ببيان الحد الأعلى في وجوب الثبات، وعليه فبين حكم الآيتين تعارض لا يتحقق رفعه إلا بالقول بالنسخ المتحقق هنا، لأن الآية الأولى دلت على وجوب ثبات الواحد للعشرة، وهو ما ترفعه الآية الثانية الدالة على وجوب ثبات الواحد للاثنين. فالآية الثانية لم ترفع جواز ثبات الواحد للعشرة، وإنما رفعت وجوب ثبات الواحد للعشرة، مثبتة مكانه وجوب ثبات الواحد للاثنين. (٤)
٤ - أن الله جل وعلا قال في الآية الأولى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] فدل هذا القيد (صابرون) على أنه ليس في الآية فرض، وإنما فيها الوعد بشريطة، فمتى وفي بالشرط أنجز الوعد، وعليه فثبات الواحد للعشرة غير مفروض، وإنما الصبر والثبات مفروض على قدر الإمكان، والناس مختلفون في ذلك على مقادير استطاعاتهم، فليس في الآية نسخ. (٥)
стр. 611
وقد رد هذا الاستدلال: بأن المقصود بهذا القيد (صابرون): الحث على الصبر، وأنه ينبغي من المجاهدين أن يفعلوا الأسباب الموجبة لذلك، فإذا فعلوها صارت الأسباب الإيمانية، والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر الله به، من النصر لهذا العدد القليل (١).
فكان الصبر شرطاً في حصول النتيجة لا شرطاً في ابتداء الفعل، وعليه فهذا القيد لا دلالة فيه على عدم فرضية حكم الآية.
- القول الثاني: أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (٢)
فالآية الأولى وهي قوله جل وعلا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] أفادت وجوب ثبات المقاتل الواحد لعشرة مقاتلين، ولما كان هذا الفرض ثقيلاً على المسلمين لضعفهم، خفف الله جل وعلا عنهم هذا الفرض بفرض آخر وهو: قوله جل وعلا في الآية الثانية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦] فأفادت هذه الآية رفع الحكم السابق، وإثبات حكم جديد وهو: وجوب ثبات المقاتل الواحد لاثنين من المقاتلين. وهذا هو النسخ، لأنه: رفع لحكم شرعي ثابت بحكم شرعي آخر، وهو من باب نسخ الأثقل بالأخف.
وبناء على هذا الحكم الجديد، فإنه إذا كان عدد المقاتلين المسلمين نصف عدد المقاتلين الكافرين، فإنه لا يجوز لهم أن يفروا منهم، وإن كان عددهم أقل من النصف جازلهم ذلك. (٣)
стр. 612
- ومن أدلة هذا القول:
- ومما يؤكد صحة هذا القول: سبب نزول الآية الثانية: فعن عبد الله بن عباس ﵁: (في قول الله : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] قال: فرض عليهم ألا يفر رجل من عشرة، ولا قوم من عشرة أمثالهم. قال: فجهد الناس ذلك، وشق عليهم، فنزلت الآية الآخرى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦]: فرض عليهم ألا يفر رجل من رجلين، ولا قوم من مثليهم، ونقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد). (١)
فدل سبب نزول الآية الثانية على: أن الفرض الثابت بالآية الأولى، منسوخ بالفرض الثابت بالآية الثانية.
الترجيح: والقول الراجح هو: أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، لأن في هذا القول دفعاً للتعارض الوارد بين الآيتين، ولأنه قول جمهور الأمة سلفها وخلفها.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٨].
стр. 613
قال أبو جعفر الطحاوي: قال ابن عباس: لما أسروا الأسارى، يعني في يوم بدر، قال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر ما ترون في هؤلاء: الأُسَارى؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. قال رسول الله ﷺ : "وما ترى يا ابن الخطاب؟ "، قال: فقال عمر: والله ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبيَّ الله، ولكن أرى أن تُمكِّنَّا منهم، فنضرب أعناقهم، وتمكِّنْ علياً من عقيل، فيضرب عنقه، وتُمكِّني من فلان - نسيبٍ لعمر -، فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها وقادتها، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أيِّ شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أصحابك من الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة: - شجرة قريبة من رسول الله ﷺ ، - فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم. (١)
стр. 614
فقال قائل: ليس فيما رويتم عن ابن عباس في هذا الحديث أنهم أخذوا شيئاً، وإنما فيه مشورة أبي بكر على رسول الله ﷺ أن يأخذ منهم الفداء لا غير.
فكان جوابنا له في ذلك: أن هذا الحديث كما ذكر، غير أنه قد خالف ابن عباس فيه أبو هريرة، فأخبر أن المسلمين قد كانوا أخذوا شيئاً من الغنائم قبل إنزال الله هذا الآية.
كما عن أبي هريرة ﵁، قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس من المسلمين، فأصابوا من الغنائم، فقال رسول الله ﷺ : "لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان النبي - يعنى من كان قبله - إذا غنم هو وأصحابه، جمعوا غنائمهم فتنزل نارٌ من السماء تأكلها. فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا (٦٩)﴾ [الأنفال:٦٨ - ٦٩] (١)
فكان في هذا الحديث أن الوعيد الذي كان من الله في هذه الآية هو لأخذهم ما أخذوا من الغنائم قبل أن تَحِلَّ لهم، لا ما سوى ذلك مما ذكر في حديث ابن عباس، وهذا عندنا أشبه بالآية، لأن الذي فيها هو قوله : ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] فأثبت أخذاً متقدماً، فعليه كان الوعيد، لا على ما سواه مما في حديث ابن عباس الذي روينا.
стр. 615
وفي هذا معنى يجب على أهل العلم الوقوف عليه والعمل به، والحذر من الله في التقدم لأمره، لأن هذا الذي كان إنما كان من أهل بدر، أو ممن كان منهم، وهم الذين قال لهم النبي ﷺ : "وما يدريك أن يكون الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (١)، فإذا جاز مع هذه الرتبة أن يلحقهم الوعيد، كان لمن سواهم ممن هو دون رتبتهم ألحق.
وأما ما قاله أهل العلم في المراد بقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]. فإنهم قد اختلفوا في ذلك السابق ما هو؟
فروي فيه عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]. قال: سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية.
قال أبو جعفر: فهذا وجه مما قد قيل في ذلك، وقد قيل فيه وجه آخر وهو عن الحسن في قوله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، قال: إن الله كان مُطْعِمْ هذه الأمة الغنائم، وإنهم أخذوا الفداء من القوم يوم بدر قبل أن يؤمروا بذلك، فتاب الله عليهم، وعابه عليهم، ثم أحله لهم، وجعله غنيمة. وقد قيل فيه وجه آخر عن الحسن: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، قال: المغفرة لأهل بدر.
وهذه التأويلات كلها محتملة لما تؤول ما تؤول عليها مما ذكرنا، والله أعلم بمراده، وبالله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٨/ ٣٥٩ - ٣٦٥)
стр. 616
بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في سبب نزل الآية، مرجحاً الرواية الدالة على أن سبب نزول الآية هو ما حدث من الصحابة المقاتلين في غزوة بدر من أخذ للغنائم وقبول للفداء من الأسرى. ثم بين - رحمه الله تعالى - الأقوال الواردة في المراد بقوله جل وعلا: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، مرجحاً احتمال الآية لجميع هذه الأقوال لعموم اللفظ فيها.
وإليك أولاً: بيان الروايات الواردة في سبب نزول الآية:
стр. 617
الدراسة
١ - ما روي عن عبد الله بن عباس قال: لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله ﷺ : أين أبو بكر وعمر وعلي؟ قال: ما ترون في الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام! فقال رسول الله ﷺ : ماترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يانبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. قال عمر: فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله ﷺ فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت! فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عَرض لأصحابي من أخذهم الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة! - لشجرة قريبة من رسول الله ﷺ ، - فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، وأحل الله الغنيمة لهم. (١).
стр. 618
٢ - ما روي عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجئ، بالأسرى، قال رسول الله ﷺ : ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم، لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدّمهم فأضرب أعناقهم! وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم ناراً. قال: فقال له العباس: قُطِعتْ رَحِمُك! قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبهم، ثم دخل. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة! وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة:١١٨] الآية، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]. ومثلك كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]. قال رسول الله ﷺ : أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتَنَّ أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق.
стр. 619
قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام! فسكت رسول الله ﷺ ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء، مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ : إلا سهيل بن بيضاء. قال: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، إلى آخر الثلاث الآيات. (١)
٣ - ما روي عن عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم بدر، فأخذ النبي ﷺ الفداء، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال:٦٧] إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٨] من الفداء، ثم أحل الله الغنائم). (٢)
стр. 620
٤ - ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (استشار رسول الله ﷺ في الأسارى أبا بكر فقال: قومك وعشيرتك فخل سبيلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم. قال: ففداهم رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٩]، قال: فلقي النبي ﷺ عمر، قال: "وكاد أن يصيبنا في خلافك بلاء". (١)
٥ - ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء وتأكلها، حتى كان يوم بدر، فوقع الناس في الغنائم، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٨ - ٦٩]. (٢)
فقد دلت هذه الروايات عدا الخامسة على أن سبب نزول هذه الآيات هو: معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم - لقبولهم الفداء من الأسرى، مع أنهم كانوا مأمورين في ذلك الوقت بقتل الكفار، وعدم أخذ أسرى ومفاداتهم، كما قال جل وعلا ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢].
ودلت الرواية الخامسةعلى أن سبب نزول هذه الآيات هو: معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم- لأخذهم الغنائم يوم بدر، مع أنها كانت محرمة عليهم في ذلك الوقت، ولم يأتهم بيان من الله بتحليلها.
стр. 621
الترجيح: والقول الراجح هو أن كلا السببين سبب في نزول هذه الآيات، لأن جميع هذه الروايات في غزوة بدر، ولا مانع من تعدد الأسباب مع وحدة النازل إذا كان كلا السببين في وقت متقارب، وكانا على درجة واحدة من حيث الصحة.
وعليه فإن سبب نزول الآية هو: معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم - في أخذهم الغنائم والمفادة يوم بدر، لأنهم بذلك قد خالفوا أمر الله جل وعلا في ذلك. (١)
وأما ترجيح رواية أبي هريرة على رواية ابن عباس لكون رواية ابن عباس لم تبين أخذاً لشيء محرم، والآية جاءت بالمعاتبة لأخذ شيء محرم، فترجيح مخالف للصواب، وذلك لأن رواية ابن عباس وردت بألفاظ تبين أن سبب نزول هذه الآيات هو: حدوث أخذ للفداء، كما في الرواية الثابتة عند مسلم وغيره، خلافاً للرواية التي أثبتها الإمام الطحاوي، ومما يؤكد صحة رواية مسلم الروايات الثابتة عن غير ابن عباس، كرواية عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين -، والتي تؤكد أن سبب نزول الآية هو معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم - على ما حدث منهم في غزوة بدر من أخذ الفداء من الأسرى قبل أن يحل أخذه لهم.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في سبب نزول الآية.
والله تعالى أعلم.
ثانياً: بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله جل وعلا: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]:
القول الأول: أنه معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه محل الغنائم لهذه الأمة، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم.
стр. 622
- ومما يؤيد هذا القول: سبب نزول الآية الوارد عن أبي هريرة ﵁ حيث قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس من المسلمين، فأصابوا من الغنائم، فقال رسول الله ﷺ : "لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان النبي - يعني من كان قبله - إذا اغنم هو وأصحابه، جمعوا غنائمهم، فتنزل نار من السماء تأكلها، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا (٦٩)﴾ [الأنفال:٦٨ - ٦٩] (١)
- وهذا قول: أبي هريرة - وابن عباس - وعطاء - وعبيدة - والضحاك - والحسن - والأعمش.
القول الثاني: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه لا يؤاخذ أحداً بفعل أتاه عن جهالة لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (٢)
فالصحابة - رضوان الله عليهم - في غزوة بدر عندما أخذوا الأسرى رأوا أنه قد يكون استبقاءهم سبباً في إسلامهم، كما أن أخذ المفاداة منهم سبباً في التقوي بها على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لن وراءهم، وأفل لشوكتهم. فكان هذا الفعل منهم ناتج عن اجتهاد خاطئ، والله جل وعلا يعفو عمن هذا حاله، كما قال جل ذكره: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥].
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ ومجاهد - ومحمد بن إسحاق. (٣)
стр. 623
القول الثالث: أن معنى الآية هو: لولا كاتب من الله سبق بأنه لا يعذب أحداً خالف أمره إلا بعد تقدم النهي وإقامة الحجة، ولم يكن تقدم نهي عن أخذ الغنائم والمفاداة، ولو تقدم لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (١) كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]
- وهذا قول: علي بن أبي طالب ﵁ والحسن - ومحمد بن إسحاق. (٢)
القول الرابع: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر بأنه مغفور لهم، وأنه لا يعذبهم، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. كما قال الرسول ﷺ لعمر ﵁: " ومايدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٣)
- وهذا قول: مجاهد - وقتادة - والحسن - وابن زيد - وسعيد بن جبير. (٤).
القول الخامس: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه يمحو الذنوب الصغائر لمن اجتنب الذنوب الكبائر. لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (٥) كما قال جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١].
стр. 624
القول السادس: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه لا يعذبكم والرسول محمد ﷺ فيكم، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (١) كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
القول السابع: أن معنى الآيةهو: لولا كتاب من الله سبق بأنه سيعفو عنكم في هذا الذنب معيناً، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم (٢).
الترجيح: والقول الراجح هو القول بصحة جميع هذه الأقوال المتقدمة، لأن قوله جل وعلا ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨] خبر عام غير محصور على معنى دون معنى، فوجب
القول بصحة القول بعمومه، إذا لا دلالة توجب صحة القول بخصوصه.
وقد قال بهذا الترجيح: الإمام الطبري (٣) وابن قيم الجوزية. (٤)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 625
سورة التوبة
قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ [التوبة:١ - ٢]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله : ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] وأجمع المسلمون: أنها كانت عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. فاعتبر الهلال فيما يلي من الشهور.
(مختصر اختلاف العلماء -٢/ ٣٨١)
стр. 626
بين الإمام الطحاوي أن مدة الأشهر الأربعة الورادة في قوله جل وعلا: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] تبدأ من اليوم العاشر من شهر ذي الحجة إلى نهاية هذا الشهر، وتشمل شهر محرم، وشهر صفر، وشهر ربيع الأول، وتنتهي باليوم العاشر من شهر ربيع الآخر.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢]:
القول الأول: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من اليوم العاشر من شهر ذي الحجة إلى نهاية هذا الشهر، وتشمل شهر محرم، وشهر صفر، وشهر ربيع الأول، وتنتهي باليوم العاشر من شهر ربيع الآخر.
- وهذا قول: جمهور المفسرين.
القول الثاني: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من اليوم العشرين من شهر ذي القعدة إلى نهايته، وتشمل شهر ذي الحجة، وشهر محرم، وشهر صفر، وتنتهي باليوم العشرين من شهر ربيع الأول.
القول الثالث: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من أول شهر رجب، وتشمل شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة، وتنتهي بآخر شهر محرم.
- وهذا قول: ابن عباس.
القول الرابع: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من أول شهر شوال، وتشمل شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة، وتنتهي بآخر شهر محرم.
- وهذا قول: الزهري. (١)
الترجيح: والراجح هو قول الجمهور، لأن المشركين إنما نهوا عن الحج في يوم النحر من شهر ذي الحجة حيث كان نزول سورة التوبة فيه، فوجب احتساب مدة الأشهر الأربعة من هذا اليوم. (٢)
وقد دل على صحة هذا القول: ماروي عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: (بعثني أبو بكر في تلك الحجة، في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان).
стр. 627
قال حميد بن عبد الرحمن: (ثم أردف رسول الله ﷺ علياً، فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) (١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة:٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: كانت العرب يجعلون عاماً شهراً، وعاماً شهرين، فلا يصيبون الحج في أيام الحج إلا في خمس وعشرين سنة مرة وهو النسيء الذي ذكر الله في كتابه. فلما حج أبو بكر بالناس، وأفق ذلك العام الحج، فسماه الله الحج الأكبر، وحج رسول الله ﷺ من العام المقبل، فاستقبل الناس الأهِلَّة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" (٢).
стр. 628
الدراسة
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث ما قد دل على استدارة الزمان حتى صار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وفيه المعنى المراد بقول الله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة:٣] أن قوله جل وعز (الأكبر) في هذا الآية إنما هو نعت للحج لا لما سواه مما قد اختلف الناس فيه، فقال بعضهم: إنه يوم النحر، وإن كان ذلك قد رووه عن النبي ﷺ كما عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في خطبته يومئذ: "إن يوم الحج الأكبر يوم النحر" (١)
وقال بعضهم: إن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وليس في ذلك معهم رواية عن النبي ﷺ وإنما رووه عن ابن أبي أوفى. (٢) ومعنى ما في حديثي رسول الله ﷺ اللذين ذكرناهما في هذا الباب هو ما في حديث عبد الله بن عمرو - جد عمرو بن شعيب - الذي رويناه فيه، وقوله ﷺ :"يوم الحج الأكبر" نعت للحج لا لليوم حتى تصح معاني هذه الآثار وتتفق، ولا يخالف بعضها بعضاً.
стр. 629
فقال قائل: فقد رويتم عن رسول الله ﷺ ما يخالف هذا فذكر .. أن أبا هريرة قال: (بعثني أبو بكر ﵁ فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج والأكبر الحج، وإنما قيل: الحج الأكبر من قيل الناس الحج الأصغر) (١). قال: ففي هذا الحديث أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن ما في هذا الحديث مما قد تحققنا أنه من كلام رسول الله ﷺ غير مخالف لما قد رويناه قبله في هذا الباب، إذ كان قوله: ويوم الحج الأكبر يوم النحر قد يحتمل أن يكون قوله "الأكبر" نعتاً للحج لا لليوم، ويكون ذلك موافقاً لحديث عبد الله بن عمرو الذي رويناه في هذا الباب، ويكون "اليوم" مضافاً إليه حتى تصح هذه الآثار كلها لا يضاد شيء منها شيئاً.
ثم قال هذا القائل: وفي هذا الحديث: (وإنما قيل الحج الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر) فاستدل بذلك فيما ذكر على أنه إنما قيل للحج الذي كان عامئذ: الحج الأكبر القول الذي كان الناس يقولونه الحج الأصغر. قال: وهذا خلاف ما في حديث عبد الله بن عمرو الذي رويتموه.
стр. 630
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن الذي في هذا الحديث من قول الناس الحج الأصغر لا يُدري ما هو؟ ولا عن من حكي من رواة هذا الحديث؟ وقد يحتمل أن يكون من كلام الزهري، فإنه قد كان يفعل ذلك كثيراً، يخلط كلامه بالحديث فيتوهم أنه منه، وليس هو منه، ولذلك قال له موسى بن عقبة (١) أفصل كلام رسول الله ﷺ من كلامك.
وإذا كان ذلك الكلام يحتمل ما قد ذكرنا، كان ما قد رويناه عن عبد الله بن عمرو من حقيقة المعنى، كان في ذلك أولى منه، وكان ما قال من ذلك معقولاً إذا كان الحج بعد استدارة الزمان رجع إلى شهر بعينه يجري عليه حج الناس إلى يوم القايمة، فكان ذلك إماماً لهم، كان الأكبر من الحج الذي يرجع إليه غيره من الحج الذي يكون بعده إلى يوم القيامة من قدوة أهله لما فيه، وفي ذلك ما قد وجب له ما قاله فيه عبد الله بن عمرو، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار ٤/ ٩٠ - ٩٥)
стр. 631
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في بيان المراد بـ (يوم الحج الأكبر) مرجحاً أن هذا وصف لجميع أيام الحج في السنة التي حج فيها أبو بكر ﵁ بالناس، وليس وصفاً لأحد أيام الحج.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣]:-
القول الأول: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: أيام الحج كلها.
- وهذا قول: مجاهد - وسفيان الثوري. (١).
- وقد رد هذا القول: بأن هذا القول وإن كان جائزاً في كلام العرب إلا أنه ليس بالأشهر في كلامهم أن (اليوم) يطلق ويراد به (الأيام) بل الأشهر في كلامهم أن (اليوم) يطلق ويراد به الوقت الذي من غروب الشمس إلى مثله من الغد. فوجب تفسير كلام الله جل وعلا بالمعنى الأشهر عند من نزل الكتاب بلسانه. (٢).
القول الثاني: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: جميع أيام الحج في العام الذي حج فيه الرسول ﷺ حيث اتفق فيه حج الملل. فسمي بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه، ولموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم ذلك على قلب كل مؤمن وكافر.
- وهذا قول: محمد بن سيرين - وعبد الله بن الحارث بن نوفل - والحسن بن أبي الحسن.
- وقد رد هذا القول: بأن المسلمين والمشركين حجوا قبل ذلك بعام، في العام الذي كان فيه أبو بكر الصديق ﵁ أميراً على الحج، حيث نودي فيهم ألا يحج بعد هذا العام مشرك. (٣)
стр. 632
وعلى فرضية صحة هذا القول، فإنه يضعف أن يصف الله جل وعلا في كتابه ذلك اليوم بأنه (يوم الحج الأكبر) لهذا السبب. (١).
القول الثالث: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: يوم النحر.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - ماروي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، وقال: هذا يوم الحج الأكبر) (٣)
فهذا الحديث الصحيح نص صريح في بيان أن المراد بيوم الحج الأكبر هو يوم النحر.
٢ - أن الأذان المذكور في قوله جل وعلا: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] حدث في يوم النحر لا يوم عرفه (٤). كما دل على ذلك ما روي عن:
أبي هريرة ﵁ أنه قال: (بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر). (٥)
٣ - أن أكثر مناسك الحج تؤدى في يوم النحر، ففي ليلته يصح الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر، وفي صبيحته يكون الرمي والحلق والنحر والطواف. فكان هذا اليوم بلاشك يوم الحج الأكبر. (٦).
القول الرابع: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: يوم عرفة.
- وهذا قول: عمر بن الخطاب - وعبد الله بن عمر - وابن عباس - وعلي بن أبي طالب - وعبد الله بن الزبير ﵃ وسعيد بن المسيب - ومجاهد - وعطاء - والشافعي. (٧).
- ومن أدلة هذا القول:
стр. 633
١ - ما رواه محمد بن قيس بن مخرمة ﵁ ? أن الرسول ﷺ قال في يوم عرفة: " إنه يوم الحج الأكبر ". (١)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث وإن كان دالاً على أن المراد (بيوم الحج الأكبر) يوم عرفة إلا أن الحديث الدال على أن المراد به (يوم النحر) أصح إسناداً، فوجب تقديمه على غيره.
١ - قول الرسول ﷺ : " الحج عرفة " (٢) وهذا يدل على أن يوم الحج الأكبر هو: يوم عرفة، لأن من أدرك الوقوف بها في يومها أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بها في يومها فلا حج له. (٣)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الوقوف بعرفة وإن كان فرضاً لازماً إلا أنه لا يلزم الوقوف في يوم عرفة، إذ يجوز الوقوف بها من بعد نهاية يوم عرفة إلى وقت طلوع الفجر من ليلة النحر. (٤).
الترجيح: والرجح هو القول الثالث، لأنه قد ثبت بأصح إسناد إلى الرسول ﷺ أنه قال في يوم النحر: "هذا يوم الحج الأكبر" (٥) فوجب القول بما قاله، والأخذ به دون غيره.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم. .
стр. 634
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة:٦]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن حارثة بن مُضَرِّبٍ (١) أنه أتى عبد الله فقال: ما بيني وبين أحدٍ من العرب إحنة، وإني مررت بمسجد بني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم، فاستتابهم غير عبد الله بن النَّوَّاحة، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لولا أنك رسول لضربت عنقك" وأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب، فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلاً بالسوق فلينظر (٢)
وعن سلمة بن نُعيم (٣) عن أبيه (٤) قال: كنت عند النبيِ ﷺ حين جاءه رسل مسيلمة بكتابه ورسول الله ﷺ يقول لهما: "وأنتما تقولان مثل ما يقول "؟ فقالا: نعم، فقال رسول الله ?: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما" (٥)
стр. 635
فتأملنا هذه الآثار طلب الوقوف على المراد بما فيها من رفع رسول الله ﷺ عن الوفود أن لا تقتل، وإن كان منها مثل الذي كان من ابن النواحة وصاحبه مما يوجب قتلهما لو لم يكونا رسولين، فوجدنا الله قد قال في كتابه لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] أي: فيتبعه، أي: يجب عليه المقام حيث يقيم المسلمون سواه، أو لا يتبعه فيبلغه مأمنه، وكان في تركه اتباعه بقاؤه على كفره الذي يوجب سفك دمه لو لم يأته طالباً لاستماع كلام الله، فحرم بذلك سفك دمه حتى يخرج عن ذلك الطلب، ويصير إلى مأمنه، فيحل بعد ذلك سفك دمه، فكان مثل ذلك الرسل الذين يبلغون من أرسلهم، عن رسول الله ﷺ جوابه لهم فيما أرسلوهم فيه إليه منه، وسماعهم كلام الله ليكون من يصيرون إليه بذلك يقبله فيدخل في الإيمان، أو لا يقبله فيبقى على حربيته وعلى حل سفك دمه.
فهذا عندنا هو المعنى الذي به رفع رسول الله ﷺ عن الرسل القتل، وإن كان منهم ما يوجب قتلهم لو لم يكونوا رسلاً. والله نسأل التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٧/ ٢٩٩ - ٣٠٢)