← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فذكر عن الحسن في قوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وهذا مما لا يقطع فيه على المخالفة بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه، وعمل به رسوله ﷺ وعمل به من عمل به من أصحابه، ولا يجوز أن ينسخ ما قد أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يوجب ذلك فيه. فأما ما قد ذكرناه مما يستدل به الحسن من قول الله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] ما قد دل على أنهما من أهل الصلاة، فإن ذلك مما لا دليل عندنا فيه، وإنما ذلك عند كثير من أهل العلم على أنه قصد بذلك إلى الوقت الذي يعظمه أهل الأديان جميعاً وهو ما بعد صلاة العصر ويتوقونه ويخافون نزول العقوبة بهم عند المعصية فيه، وقد ذكرنا في ذلك عن رسول الله ﷺ من قوله: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف بعد العصر على سلعة أنه أُعطي بها كذا وكذا كاذباً" (١) فإذا كان هذا الاختلاف في هذا كما قد ذكرنا، لبقي حكم الآية على ما كان عليه حتى يكون مثله مما يوجب نسخها، وقد كان الزهري وزيد بن أسلم يذهبان إلى أنها مما قد نسخ العمل به.

стр. 562

كما عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة:١٠٦] الآية، قال: ذلك كان في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب، والناس كفار، إلا رسول الله ﷺ وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسخت الوصية، وفُرضت الفرائض، وعمل بها المسلمون. قال أبو جعفر: وليس في هذا إلى الآن ما يوجب نسخ هذه الآية. والله الموفق للصواب. (شرح مشكل الآثار -١١/ ٤٥٧ - ٤٧١) (وانظر: مختصر اختلاف العلماء-٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قول الله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أية محكمة، وهي دالة على جواز شهادة الكافر على وصية المسلم الذي قربت وفاته في حال السفر، إذا لم يكن هناك أحد من المسلمين. كما رد على من ادعى النسخ للآية، مبيناً أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: من غير أهل الإسلام. وأن المراد بقوله جل وعلا: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: من بعد صلاة العصر. وإليك أولاً: بيان الأقوال في المراد بقول الله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]: القول الأول: أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: أو آخران من غير قبيلتكم، فيكونا مسلمين. - وهذا قول: الحسن - وعكرمة - والزهري - وعَبيدة السلماني. وإليه ذهب: جمهور الفقهاء. (١)

стр. 563

- ومن أدلة هذا القول: أن الله جل وعلا قال في الآية: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] والكافر لا يعظم الصلاة حتى يحبس بعدها. (١) وقد رد هذا الاستدلال: بأنه ليس المراد من حبسهم من بعد الصلاة أنهم من أهل الصلاة، بحيث يعظمون تلك الصلاة، فيجتنبون الكذب بعدها. وإنما المراد من حبسهم من بعد الصلاة لأن الوقت الذي بعد تلك الصلاة - صلاة العصر - معظم لدى جميع أهل الأديان بحيث كانوا يتجنبون الكذب فيه. القول الثاني: أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]. أي: أو آخران من غير ملتكم، فلا يكونا مسلمين. - وهذا قول: جمهور المفسرين. (٢) وإليه ذهب: الإمام أحمد - والثوري - وأبو عبيد القاسم بن سلام. (٣) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال في أول الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:١٠٦] فالخطاب في الآية لجميع المؤمنين، فلما قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] كان المراد من غير المؤمنين لا محالة. ٢ - أن الله جل وعلا قال في الآية: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة:١٠٦] وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط يكون المستشهد في السفر، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين، لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر.

стр. 564

٣ - أن الله جل وعلا قال في الآية: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] فدلت الآية على وجوب الحلف على هذين الشاهدين بعد الصلاة، وقد أجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين. ٤ - أن سبب نزول الآية المتقدم - دال على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: من غير أهل الإسلام، حيث كان الشاهدان نصرانيين. (١) الترجيح: والقول الراجح هو: أن المراد بالآية غير المسلمين، لأن الخطاب في أول الآية توجه إليهم بلفظ الإيمان من غير ذكر للقبيلة، فقال من جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينٍ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] يعني من غير المؤمنين، فلم يجر للقبيلة ذكر حتى ترجع الكناية إليه. (٢) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 565

ثانياً: بيان الأقوال في المراد بقول الله جل وعلا: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦]: القول الأول: أن المراد بالصلاة في الآية هو: صلاة العصر. وإنما كان المراد بها صلاة العصر: لأن الناس بعد وقت صلاة العصر يكونون أكثر تجمعاً في الأسواق والمساجد. (١) كما أن وقت صلاة العصر وقت معظم ومحترم عند جميع أهل الأديان، ولذا كانوا يجتنبون فيه الحلف الكاذب. (٢) وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال في بيان مكانة هذا الوقت: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: - وذكر منهم - ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم". (٣) ولهذا فقد كان ﵊ يتخير هذا الوقت لاستحلاف من أراد تغليظ اليمين عليه، كما فعل مع العجلانيين حيث طلب منهم الملاعنة من بعد صلاة العصر. (٤) - وهذا قول: جمهور المفسرين. القول الثاني: أن المراد بالصلاة في الآية هو: صلاة الظهر أو العصر. لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. - وهذا قول: الحسن.

стр. 566

القول الثالث: أن المراد بالصلاة في الآية هو: أي صلاة كانت من صلوات المسلمين. لأن أي صلاة هي داعية إلى النطق بالصدق، وناهية عن قول الكذب والزور - كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]. - وهذا القول: ذكره فخر الدين الرازي. القول الرابع: أن المراد بالصلاة في الآية هو: صلاة أهل دينهم وملتهم. لأنهم لا يعظمون صلاة المسلمين. - وهذا قول: ابن عباس ﵁. الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالصلاة في الآية: صلاة العصر. لأن هذا هو قول جمهور المفسرين، ولما ثبت عن الرسول ﷺ من تعظيم لحرمة هذا الوقت. (١) ثالثاً: بيان الأقوال في الحكم الذي دلت عليه الآية وهو: جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم الذي قربت وفاته في السفر. هل هو محكم أم منسوخ؟: القول الأول: أن هذا الحكم محكم. - وهذا قول: جمهور المفسرين. وإليه ذهب: الإمام أحمد - وابن أبي ليلى - والأوزاعي. (٢) القول الثاني: أن هذا الحكم منسوخ. - وهذا قول: إبراهيم النخعي - وزيد بن أسلم. (٣) وإليه ذهب: أبو حنيفة - ومالك - والشافعي. (٤) والناسخ لهذا الحكم آيتين:

стр. 567

١ - الآية الأولى هي: قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. فالمراد بهذه الآية هو: المسلمون لا محالة، لأن الخطاب توجه إليهم باسم الإيمان في أول الآية، ولم يخصص بها حال الوصية دون غيرها، فهي عامة في جميع الأحوال. ثم إنه جل ذكره قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. والكافر لا ترضى شهادته على مسلم. فتضمنت هذه الآية نسخ شهادة أهل الذمة على المسلمين في حال السفر والحضر، وفي الوصية وغيرها. (١) - وقد رد هذا القول: بأن هذه الآية غير ناسخة لأن آية سورة المائدة خاصة بما إذا نزل الموت بأحد المسافرين وأراد أن يوصي، فإن الوصية تصح بشهادة اثنين عدلين من المسلمين أو غيرهم توسعة على المسافرين، لأن ظروف السفر ظروف ضيقة قد يتعسر أو يتعذر وجود عدلين من المسلمين فيها، فلو لم يبح الشارع شهادة غير المسلمين لضاق الأمر وضاعت الوصية وضاع كثير من الحقوق. وأما آية سورة البقرة فهي القاعدة العامة في غير ظروف السفر. وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين ومن ثم فلا نسخ. (٢) ٢ - الآية الثانية هي: قوله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]. فقد أمر الله جل وعلا في هذه الآية بإشهاد من كان عدلاً والكافر لا يكون عدلاً. وقد رد هذا القول: ١ - بأن المراد بالعدل هنا: من كان عدلاً في الاحترز عن الكذب، وليس المراد من كان عدلاً في الدين والاعتقاد.

стр. 568

ومما يدل على ذلك: أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع مع أنهم ليسوا عدولاً في مذاهبهم، ولكنهم لما كانوا عدولاً في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم. فكذلك هنا نقبل شهادة الكافر متى كان عدلاً في قوله، وإن لم يكن عدلاً في دينه. (١) ٢ - أن موضوع الآيتين مختلف، فآية سورة المائدة في الشهادة على الوصية في السفر عند الموت، وفقدان المسلم الذي يحمل الوصية ويشهد عليها. وأما آية سورة الطلاق فهي في موضوع الطلاق والرجعة فيه، وفرق بين الموضوعين فموضوع الطلاق والرجعة فيه يحدث في مجتمع مليء بالمسلمين، ولا يلزم فيه تواجد الشاهد في ساعة معينة، بخلاف موضوع الموت، فإنه إذا أتى لا يرجى تأخيره. وعلى هذا فإنه لا يمكن أن تكون هذه الآية ناسخة لآية سورة المائدة. (٢) الترجيح: والقول الراجح هو: أن هذه الآية محكمة، وذلك لما يلي: ١ - أنه قد صح عن جمع من الصحابة القول بأن سورة المائدة محكمة، ومنهم: ابن عباس - وعائشة - وعمرو بن شرحبيل - وأبو موسى الأشعري ﵃، ومخالفة قول من شهد التنزيل ليس من عمل أهل الإسلام. ٢ - أن الجمع بين الأدلة أولى من إلغاء أحدها. (٣) فتكون آية سورة البقرة، وأية سورة الطلاق، عامتين في الأشخاص والأزمان والأحوال. وتكون آية سورة المائدة خاصة بالمسافر الذي قربت وفاته ولم يجد من المسلمين من يشهده على وصيته. وعلى هذا فلا نسخ بين عام وخاص. (٤) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 569

سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام:٣٨]. قال أبو جعفر الطحاوي: فأخبر أنهم أمم أمثالنا، ولم يرد بذلك أنهم أمثالنا في الخلقة التي نتباين نحن وهم فيها، ولا أنهم مثلنا في أنا متعبدون بما أتانا الله فيما نعبد لأنه مما لم يتعبدهم به، ومثل ذلك قوله : ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢]، يعني: مثل السماوات، ليس يعني بذلك فيما خلقهن عليه، ولكنه على أن لهن من العدد مثل ما للسماوات من العدد. (شرح مشكل الآثار - ٧/ ٧٨) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالمماثلة) الواردة في الآية هو: المماثلة في العدد، وليس في أي شيء آخر. وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك: القول الأول: أن المراد بالمماثلة هو: أن عدد كل أمة من المخلوقات يماثل عدد بني آدم. ومن أمثلة المماثلة في العدد: قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢]. فالمراد بالمماثلة في الآية: المماثلة في العدد، فكما أنه جل وعلا خلق سبع سماوات، فكذلك خلق سبع أرضين. - وهذا قول: أبي جعفر الطحاوي. (١) القول الثاني: أن المراد بالمماثلة هو: أن هذه المخلوقات أجناس وأصناف تتمايز في الصور والأسماء. فكل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بصورها وأسماءها كما يعرف بذلك بني آدم. - وهذا قول: مجاهد. (٢)

стр. 570

القول الثالث: أن المراد بالمماثلة هو: أن هذه المخلوقات مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً، ويأنس بعضها ببعض، ويفهم بعضها عن بعض، ويتوالد بعضها من بعض، وكذا حال بني آدم. - وهذا قول: ابن عباس ﵁. القول الرابع: أن المراد بالمماثلة هو: أن الله جل وعلا يخلق هذه المخلوقات كما يخلق بني آدم، ويميتها كما يميتهم، ويبعثها كما يبعثهم. - وهذا قول: الزجاج. (١) القول الخامس: أن المراد بالمماثلة هو: المماثلة في الطباع والأخلاق. فإنه ما من صنف من الدواب والطير إلا وفي الناس شبه منه، فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يَشْره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاووس، فهذا معنى المماثلة. - وهذا قول: سفيان بن عيينة - وأبي سليمان الخطابي. (٢) القول السادس: أن المراد بالمماثلة هو: أن هذه المخلوقات تعرف الله جل وعلا، فهي توحده وتعبده كحال من عرف الله من بني آدم. - وهذا قول: ابن عباس ﵁ وعطاء - وأبي عبيدة - وخلف - ومكي بن أبي طالب. واحتج أصحاب هذا القول: بقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]. وبقوله جل وعلا: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١]. القول السابع: أن المراد بالمماثلة هو: أن هذه المخلوقات تحشر وتحاسب على أعمالها، ويقتص لبعضها من بعض، كما يفعل ببني آدم. (٣) - وهذا قول: الزجاج. (٤)

стр. 571

واحتج أصحاب هذا القول: بأن الله جل وعلا ختم هذه الآية بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]. وقال في الآية التي قبلها: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦]. فدل هذا على أن المراد (بالمماثلة) في الآية: البعث للمحاسبة. (١) ومما يدل على أن هذه المخلوقات تبعث للمحاسبة: قول الرسول ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". (٢) القول الثامن: أن المراد بالمماثلة هو: أن هذه المخلوقات تطلب كل نافع لها كالغذاء والرزق، وتتوقى كل ما فيه إضرار بها، وهلاك لها، وهذا كحال بني آدم. - وهذا قول: ابن قتيبة. (٣) القول التاسع: أن المراد بالمماثلة هو: أن هذه المخلوقات مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها، كما كتبت لبني آدم. - وهذا قول: الزمخشري - والبيضاوي - وأبي السعود. واحتج أصحاب هذا القول: بأن الله جل وعلا قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. وليس لذكر هذا الكلام بعد قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] فائدة إلا القول بذلك. (٤)

стр. 572

الترجيح: والقول الراجح هو أن تحمل المماثلة في الآية على جميع الأقوال المتقدمة. لأن الآية دلت على أن هذه المخلوقات أمثالنا، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني كانت، فوجب حمل المماثلة في الآية على كل وجه يمكن وجود شبه فيه كائناً ما كان. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام:٥٢]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن خباب (٢): ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] الآية قال: جاء الأقرع بن حابس (٣)،

стр. 573

وعيينة بن حصن (١) فوجدوا النبي ﷺ مع بلال (٢) وعمار (٣)، وصهيب (٤)،

стр. 574

وخباب في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فخلوا به، فقالوا له: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، وإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا قعوداً مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك، فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: "نعم" قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، فدعا بالصحيفة ليكتب لهم، ودعا علياً ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، نزل جبريل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام:٥٢] الآية، ثم ذكر الأقرع وصاحبه، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾﴾ [الأنعام:٥٣] الآية، ثم ذكر، فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا - إلى - الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة ودعانا، فأتيناه، وهو يقول: "سلام عليكم" فدنونا منه، فوضعنا ركبنا على ركبته، فكان إذا أراد أن يقوم، قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف:٢٨] الآية، يقول: مجالس الأشراف، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ [الكهف:٢٨] الآية، أما الذي أغفل قلبه فهو عيينة، والأقرع، وأما: ﴿فرطاً﴾ فهلاكاً، ثم ضرب لهم مثل رجلين، ومثل الحياة الدنيا، فكنا بعد ذلك نقعد مع النبي ﷺ ، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وإلا صبر أبداً حتى نقوم. (١)

стр. 575

فتأملنا ما في هذا الحديث من ذكر القوم الذين كان سؤال الأقرع وعُيينة فيهم ما سألا، وفيما أنزل من أجل ذلك من قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] .. الآية، ومن قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٢٨] .. الآية، هل هما خاصتان في النفر المذكورون في هذا الحديث، أم هما على من هو من أهل الصفة المذكورة فيهما، منهم هؤلاء النفر المذكورون في هذا الحديث؟ فوجدنا عن ابن عمر في هذه الآية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، أنهم الذي شهدوا الصلوات المكتوبات فعقلنا أن المرادين في الآيتين اللتين تلونا أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبات، وأنهما ليستا بخاصتين للنفر المذكورين في حديث خباب دون من سواهم من الناس، وأنهما على النفر الموصوفين في حديث ابن عمر، وأن منهم النفر المذكورين في حديث خباب وأمثالهم ممن كان يشهد ما يشهدون من الصلوات الخمس. (شرح مشكل الآثار -١/ ٣٣٩ - ٣٤٢) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن هذه الآية نزلت في فقراء المؤمنين في ذلك الوقت - كبلال، وعمار - عندما طلب بعض أشراف قريش من الرسول ﷺ أن يطردهم عنه، فنزلت هذه الآية للنهي عن ذلك. ثم بين - رحمه الله تعالى - أن حكم الآية ليس خاصاً فيمن نزلت فيهم الآية، وإنما هو عام فيمن يشهد الصلوات المكتوبة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهذا قول: جمهور المفسرين. (١) كما بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالدعاء) في الآية هو: آداء الصلوات المكتوبة. وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بذلك:

стр. 576

- القول الأول: أن المراد بالدعاء في الآية هو: الصلوات الخمس المكتوبة. - وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وإبراهيم - ومجاهد - والحسن - والضحاك - وقتادة. - القول الثاني: أن المراد بالدعاء في الآية هو: ذكرهم لله جل وعلا. - وهذا قول: إبراهيم - ومنصور. - القول الثالث: أن المراد بالدعاء في الآية هو: تعلمهم لقراءة القرآن. - وهذا قول: أبي جعفر الطبري. القول الرابع: أن المراد بالدعاء في الآية هو: عبادتهم لربهم. - وهذا قول: الضحاك. (١) - وقد دل على أن (الدعاء) يأتي بمعنى (العبادة): قول الرسول ﷺ : "إن الدعاء هو: العبادة"، ثم قرأ قوله جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر:٦٠]. (٢) - ومن أمثلة ورود الدعاء بمعنى العبادة: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف:١٩٤]. أي: إن الذين تعبدون من دون الله عباد أمثالكم. وكقوله جل وعلا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤] أي: لن نعبد إلهاً دونه. وكقوله جل ذكره: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء:٢١٣] أي: لا تعبد مع الله إلهاً آخر. (٣)

стр. 577

الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالدعاء في الآية: سائر العبادات القولية والفعلية. لأن دعاء الله جل وعلا يكون بسائر الجوارح قولاً وعملاً واعتقاداً، ولأن القوم كانوا جامعين لذلك. (١) كما أن الآية محتملة لذلك، ولا مانع يمنع من ذلك. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾ [الأنعام:٦٦]. قال أبو جعفر الطحاوي: إن الأشياء إذا كثرت، واتسعت أعدادها، جاز أن يضاف إلى كلها ما يراد به بعضها دون بقيتها، ومن ذلك قول الله لنبيه في كتابه: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام:٦٦]، ولم يرد به كل قومه، وإنما أراد منهم المكذبين له في ذلك، لا المصدقين له فيه، وقوله له: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، فلم يرد بذلك قومه المكذبين له على ذلك، وإنما أراد به قومه المصدقين له عليه. (شرح مشكل الآثار -٢/ ٨٣) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام:٦٦] ليس المراد به سائر قومه، وإنما المراد به: قومه المكذبين من قريش دون المصدقين منهم. - وهذا قول: جمهور المفسرين. (٢) فهذه الآية فيها مجاز مرسل، والعلاقة فيه الكناية، حيث ذكر الكل وهم (القوم) وأراد به الجزء وهم (المكذبين). - ومن أمثلة ذلك: قوله جل وعلا: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة:١٩].

стр. 578

فالأصبع لا يمكن أن يجعل كله في الأذن، ولكن لما كان الغرض المبالغة في تمثيل حال المنافقين بحال ذوي العيب الذين تزعجهم أصوات الرعد، جاء بهذا الأسلوب لبيان أنهم لو استطاعوا أن يجعلوا أصابعهم كلها في آذانهم لفعلوا ذلك. فعبر بالأصبع وأراد الأنملة، والعلاقة بينهما علاقة الجزء بالكل. وكقوله جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]. فليس المراد بـ (الناس) سائرهم، وإنما المراد بهم: (الرسول محمد ﷺ ) الذي اختصه الله جل وعلا بكونه خاتم الرسل والأنبياء. ومن أمثلة ذلك قولك: (شربت ماء زمزم) أي: شربت جزءاً منه، وليس جميعه. (١) فكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام:٦٦] المراد به: وكذب به أكثر قومك وهم المعاندون من قريش. وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام:١٣٠]. قال أبو جعفر الطحاوي: إن هذا الكلام كلام عربي خوطب به قوم عرب، يعقلون ما أراد به مخاطبهم، والعرب قد تخاطب بمثل هذا على جماعة، ثم ترده إلى بعضهم دون بقيتهم، فمن ذلك قول الله : ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] فكان الخطاب في ذلك بذكر الجن والإنس، ومعقول أن الرسل من الإنس لا من الجن. (شرح مشكل الآثار -٥/ ٣٦١)

стр. 579

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن هذه الآية غير دالة على أن من الجن رسلاً، وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك: القول الأول: أن هذه الآية دالة على أن من الجن رسلاً وأنبياء. - وهذا قول: الضحاك بن مزاحم - ومقاتل - وأبي سليمان. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]. فقد أخبر الله جل وعلا في هذه الآية أن من الجن رسلاً أرسلوا إليهم، كما أخبر أن من الإنس رسلاً أرسلوا إليهم. ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجن بمعنى: أنهم رسل من الإنس، لجاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى: أنهم رسل من الجن. وفي فساد هذا المعنى ما يدل على أن معنى الآية: بيان أن الله جل وعلا أرسل رسلاً إلى الجن منهم، كما أرسل إلى الإنس رسلاً منهم. (٢) وقد رد هذا الاستدلال بما يلي: أ- أنه لما كانت الإنس والجن ممن يخاطب ويعقل، وكان النداء والتوبيخ لهما معاً، جرى الخطاب عليهما على سبيل التجوز المعهود في كلام العرب، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] وإن كانت الرسل من الإنس خاصة. (٣) ب- أن الله جل وعلا خاطب الجميع فقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] وهذا يقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع. وإذا كان الرسل من الإنس كان هؤلاء الرسل بعضاً من أبعاض ذلك المجموع، فكان هذا القدر كافياً في حمل لفظ الآية على ظاهره.

стр. 580

ولم يلزم من ظاهر الآية إثبات رسل من الجن. (١) خاصة وأنهم قد أمروا باتباع رسل الله إلى الإنس. ونظير هذه الآية: قوله جل وعلا: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح:١٥ - ١٦]. فالقمر في سماء الدنيا، فلا يوجد في كل سماء قمر. (٢) وكقوله جل وعلا: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١٤]. فلم يتقدموا جميعاً لعقر الناقة، وإنما عقرها واحد منهم، كما دل على ذلك قوله جل وعلا: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر:٢٩]. (٣) ٢ - قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩]. فالسبب في أن الله جل وعلا لم يجعل من الملائكة رسلاً إلى الناس: أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك. فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذه الاستئناس. إذا ثبت هذا المعنى، فإن هذا السبب حاصل في الجن، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن. (٤) وقد رد هذا الاستدلال: بأن الله جلا وعلا قد جعل في الجن نذراً، وهذا كاف في إيجاد الاستئناس المطلوب تحققه. القول الثاني: أن هذه الآية غير دالة على أن من الجن رسلاً وأنبياء. - وهذا قول: جمهور المفسرين. (٥) - ومن أدلة هذا القول:

стр. 581

١ - قوله جل وعلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧] فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم ثم انقطعت عنهم ببعثته. (١) ٢ - قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]. وهذا يدل على أن الله جل وعلا لم يرسل جنياً ولا امرأة ولا بدوياً. (٢) فالجن ليس فيهم رسل، وإنما فيهم نذر، وهم الذي لقوا الرسول ﷺ فأخذوا الدين والقرآن منه، ثم رجعوا إلى قومهم مبلغين ومنذرين، فهم بمنزلة المرسلين من رب العالمين. وقد دل على ذلك: قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقَ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢]. (٣) الترجيح: والقول الراجح هو أن الله جل وعلا لم يبعث إلى الجن رسلاً منهم، لأن هذا لم يثبت بدليل صريح معتبر.

стр. 582

وعليه، فإن معنى قوله جل وعلا: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] أي: ألم يأتكم رسل من جملتكم، لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً، بل من جنس الإنس خاصة، وإنما جعلوا منهما لتأكيد وجوب اتباعهم، ولبيان أن الفريقين متحدين تكليفاً وخطاباً حتى كأنهما من جنس واحد. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام:١٤٥]. قال أبو جعفر الطحاوي: وقد جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ ، مجيئاً متواتراً، في نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية. فمما روي عن في ذلك: عن الحسن، وعبد الله (٢) ابني محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما (٣)

стр. 583

أنه سمع علي بن أبي طالب ﵃، يقول لابن عباس ﵄: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الإنسية، وعن متعة النساء، يوم خيبر". (١) وقد تواترت الآثار عن رسول الله ﷺ في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، بما قد ذكرنا، ورجعت معانيها إلى ما وصفنا. فليس ينبغي لأحد خلاف شيء من ذلك. فإن قال قائل: فقد رويتم عن ابن عباس ﵄ إباحتها، وما احتج به في ذلك من قول الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥] الآية. قيل له: ما قاله رسول الله ﷺ من ذلك، فهو أولى مما قال ابن عباس ﵄. وما قاله رسول الله ﷺ من ذلك، فهو مستثنى من الآية، على هذا ينبغي أن يحمل ما جاء عن رسول الله ﷺ ، هذا المجيء المتواتر في الشيء المقصود إليه بعينه، مما قد أنزل الله في كتابه، آية مطلقة على ذلك الجنس. فيجعل ما جاء عن رسول الله ﷺ من ذلك، مستثنى من تلك الآية، غير مخالف لها، حتى لا يضاد القرآن السنة، ولا السنة القرآن. فهذا حكم لحوم الحمر الأهلية، من طريق تصحيح معاني الآثار. قال أبو جعفر: ولو كان إلىَّ النظر، لكان لحوم الحمر الأهلية حلالاً، وكان ذلك كلحم الحمر الوحشية، لأن كل صنف قد حرم، إذا كان أهلياً، مما قد أجمع على تحريمه، فقد حرم إذا كان وحشياً.

стр. 584

ألا ترى أن لحم الخنزير الوحشي كلحم الخنزير الأهلي، فكان النظر على ذلك أيضاً، إذا كان الحمار الوحشي لحمه أن يكون حلالاً، أن يكون كذلك الحمار الأهلي. ولكن ما جاء عن رسول الله ﷺ أولى ما اتبع، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمة الله عليهم أجمعين. (شرح معاني الآثار -٤/ ٢٠٤ - ٢١٠) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن ابن عباس ﵁ احتج بهذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام:١٤٥] على إباحة لحوم الحمر الأهلية. وأن الصحيح خلاف قوله، بدلالة ما ثبت عن الرسول ﷺ من تحريمها، فيكون حكمها مستثى من الآية. وإليك بيان أقوال المفسرين في عموم الحكم الوارد في الآية، وهل هو دال على تحليل الحمر - الأهلية؟: - القول الأول: أن الآية عامة فيما حرم الله جل وعلا، فما لم يذكر تحريمه فيها فهو حلال. وعليه فالآية دالة على حل الحمر الأهلية. - وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وعائشة - ومالك - في رواية عنهم (١) - والشعبي - وابن جبير. (٢) - ومن أدلة هذا القول: أن ظاهر قوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام:١٤٥] يقتضي أن كل ما عدا المذكور المحصور فيها حلال وليس بحرام، ومن ذلك الحمر الأهلية. (٣) وقد رد هذا الاستدلال بما يلي: ١ - أن هذه الآية مكية، وخبر تحريم الحمر الأهلية رواه متأخروا الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وأبي ثعلبة ﵃ وكلهم لم يصحبوا الرسول ﷺ إلا بالمدينة، فوجب العمل بالمتأخر دون المتقدم. (٤)

стр. 585

٢ - أن الغرض من سياق هذه الآية الكريمة: الرد على المشركين الذي ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر جل وعلا رسوله ﷺ أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وأن الذي حرمه هو الميتة وما ذكر معها، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أيها المشركون أن الله حرمه. فالآية جاءت بقصد الرد على المشركين، لتحليلهم وتحريمهم أشياء من عند أنفسهم. وعليه فالآية لا تدل على حصر المحرمات، وإنما تدل على أنه ﵊ لم يجد فيما أوحي إليه محرماً إلى وقت نزول الآية غير ما ذكر، ولا ينفي إمكانية حدوث تحريم لأشياء أخرى بعد ذلك. (١) كما ورد تحريم المنخنقة وما ذكر معها في سورة المائدة في قوله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة:٣]. وكما ورد تحريم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير بالسنة. فعن ابن عباس ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير". (٢) - القول الثاني: أن الآية غير عامة فيما حرم الله جل وعلا. وعليه فالآية غير دالة على حكم الحمر الأهلية.

стр. 586

وإنما دل على حكمها السنة النبوية، حيث جاءت بالنهي عن أكلها وتحريمها، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الإنسية، وعن متعة النساء يوم خيبر". (١) وقد روى هذا التحريم عن الرسول ﷺ عدد كبير من الصحابة ومنهم: ابن عباس - وابن عمر - وجابر بن عبد الله - والبراء بن عازب - وأبو هريرة - وأبو ثعلبة الخشني - وسلمة بن الأكوع - وعبد الله بن أبي أوفى، وغيرهم. (٢) فوجب الأخذ بهذا الحديث والعمل به، لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. - وهذا قول: جمهور أهل العلم. (٣) الترجيح: والراجح هو القول الثاني الدال على أن تحريم أكل الحمر الأهلية مستثنى من حكم الآية. وأما القول بتحليلها فقول ساقط، ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه إهمال غير هذه الآية مما نزل بعدها، وإهمال ما صح عن الرسول ﷺ مما هو مضموم إلى حكم ما جاء في هذه الآية. (٤) وعليه فالاستدلال بهذه الآية إنما يصح في الأشياء التي لم يرد نص بتحريمها. وأما الحمر الأهلية فقد تواترت النصوص على تحريمها، والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل. (٥) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 587

سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]. قال أبو جعفر الطحاوي: أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] الآية، إلى قوله: ﴿غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، فقال عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون"، فقال رجل،: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار" (١)

стр. 588

ثم رجعنا إلى طلب ما فيه من المراد بالآية المذكورة فيه فوجدنا فيه إعلام رسول الله ﷺ إيانا ما كان من الله من استخراجه ذرية آدم ﷺ من ظهره، وكان المذكور في هذه الآية بني آدم لا آدم نفسه، فاستخرج الله من ظهره ذريته، ثم كان منه فيهم ما ذكر في هذا الحديث، ثم أعلمنا رسول الله ﷺ عن الله أنه قال للذين استخرجهم منه أولاً: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وأنه قال للذين استخرجهم من بعدهم من ظهره: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون. فعلمنا بذلك أن علم الله قد تقدم في بني آدم من أهل السعادة ومن أهل الشقاء بما يكون منهم مما يسعدون به، ومما يشقون به، وأنهم يكونون إذا صاروا إلى الدنيا على ما تقدم في علمه أنهم يكونون عليه فيها، وأنه يستعمل سعداءهم بعمل أهل الجنة حتى يدخلهم الجنة ثواباً لهم على أعمالهم، وأنه يستعمل الأشقياء منهم بأعمال أهل النار حتى يدخلهم النار عقوبة لهم على أعمالهم.

стр. 589

ثم نظرنا هل روي عن رسول الله ﷺ في المراد بهذه الآية شيء غير المذكور في حديث عمر ﵁ الذي رويناه، فوجدنا عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنَعْمَانَ - يعني عرفة -، فأخرج من صلبه كل ذَّرَة ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قِبَلاً، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] ". (١) ٢) قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث من استخراج الله ذرية آدم ﷺ من صلبه مثل الذي في الحديث الأول وزيادة على ما في الحديث الأول وهو كلامه إياهم قِبَلاً: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، ثم ذكر بقية ما في الآية التي تلونا، وكان ذلك غير مستنكر في لطيف قدرة الله .

стр. 590

وقد تأول آخرون هذه الآية ممن لم يقفوا على ما روي عن رسول الله ﷺ في المراد بها: أن الله ألهم ذرية آدم ﷺ في خلقه إياهم المعرفة به التي هي موجودة في جميعهم أن لهم خالقاً سواهم وأنهم عاجزون عن خلق أمثالهم، وأن الخالق لهم هو بخلافهم، لأنه القادر على أن خلقهم، ولأنهم عاجزون عن مثل ذلك فيما سواهم حتى لا يستطيعون مع ذلك أن يقولوا خلافه، وكان ذلك شهادة منهم على أنفسهم لله أنه ربهم، وحجة عليهم أن قالوا عند أخذه إياهم يوم القيامة بعذاب الأشقياء منهم على أعمالهم التي كانوا عملوها في الدنيا: إنا كنا عن هذا غافلين، أي: عما يعاقبنا على ما عملنا أو على أن لم نقر لك بالربوبية. وإذا كان في الدنيا قد بعث إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم فيها ما تعبدهم به، وما أمرهم به، وما أراده منهم، وما نهاهم عنه، وحذرهم من العقوبة عليه إن عملوه. وهذا تأويل لو لم نكن سمعناه عن رسول الله ﷺ بما في الحديثين الأولين لاستحسناه من متأوليه إذ كانوا تأولوا الآية على ما هي محتملة له، ولكن لما بين رسول الله ﷺ مراد الله الذي أراده بها كان ذلك هو الحجة الذي لا يجوز القول بخلافه، ولا التأويل على ما سواه، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ١٠/ ٢٤ - ٣١) الدراسة بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] كما بين احتمال الآية لهذه الأقوال جميعاً إلا أن الراجح منها هو ما ثبت عن الرسول ﷺ . وإليك بيان هذه الأقوال الواردة في المراد بالآية: - القول الأول: أن أخذ الذرية معناه: إيجادهم في الدنيا قرناً بعد قرن.

стр. 591

وأما إشهادهم على أنفسهم فمعناه: أن الله جل وعلا نصب لبني آدم في خلقه الأدلة القاطعة الدالة على ربوبيته ووحدانيته، فشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] وكأنهم قالوا بلسان حالهم: (بلى أنت ربنا). (١) ونظير هذه الآية في إطلاق الشهادة على شهادة لسان الحال قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات:٦ - ٧] أي: شهيد على ذلك بلسان حاله. (٢) وعلى هذا القول تكون هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣] من باب التمثيل، كما في قوله جل وعلا: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. (٣) - وهذا قول: بعض المفسرين كالزمخشري - والرازي - والبيضاوي - وأبي حيان - والقاسمي - ومحمد رشيد رضا. (٤) - القول الثاني: أن معنى الآية هو: أن الله جل وعلا أخرج ذرية آدم من صلبه، وصلب أولاده وهم في صورة الذر، فأخذ عليهم العهد والميثاق بأنه ربهم وخالقهم، فأقروا بذلك والتزموه، فقالوا: (بلى أنت ربنا) بلسان المقال لا بلسان الحال. - وهذا قول: جمهور المفسرين. (٥) ومن أدلة هذا القول: ما ثبت عن الرسول ﷺ : مما أورده الإمام الطحاوي فيما تقدم. (٦)

стр. 592

الترجيح: والراجح هو القول الثاني لثبوته مرفوعاً إلى الرسول ﷺ وموقوفاً على غيره من الصحابة - رضوان الله عليهم - فلا ينبغي العدول عنه ولا المصير إلى غيره. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف:١٧٩]. قال أبو جعفر الطحاوي: أي: لا يفقهون بقلوبهم الخير، ولا يسمعونه بآذانهم لما قد غلب على قلوبهم وعلى أسماعهم، فمنعهم من ذلك. (شرح مشكل الآثار -٧/ ٤٣٣ - ٤٣٤) الدراسة بين الإمام الطحاوي المعنى المراد من قوله جل وعلا: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وما قاله الإمام الطحاوي هو قول: جمهور المفسرين. حيث أن الله جل وعلا وصف في هذه الآية الكافرين المعرضين عن أمره ونهيه بالصفات التالية: ١ - الصفة الأولى: أن (لهم قلوب لا يفقهون بها). أي: أن لهم قلوب لا يتفكرون ولا يتدبرون بها آيات الله الدالة على وحدانيته، وصحة ما جاء به الأنبياء عن ربهم، وبطلان ما هم عليه من كفر وضلال. ٢ - الصفة الثانية: أن (لهم أعين لا يبصرون بها). أي: أن لهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله الدالة على وحدانيته نظرة اعتبار وتأمل. ٣ - الصفة الثالثة: أن (لهم آذان لا يسمعون بها).

стр. 593

أي: أن لهم آذان لا يسمعون بها ما جاء عن الله مما يدعوهم إليه رسل الله، سماع اعتبار وتفكر. (١) فلما كان المشركون لا يتدبرون شيئاً من الآيات، ولا ينظرون إليها نظر اعتبار، ولا يسمعونها سماع تفكر، جعلوا كأنهم فقدا الفقه بالقلوب، والإبصار بالعيون والسماع بالآذان. وليس المراد نفي هذه الإدراكات عن هذه الحواس، وإنما المراد نفي الانتفاع بها فيما طلب منهم من الإيمان بالله جل وعلا. (٢) لأن آلات الإدراك والعلم خلقها الله جل وعلا لتحصيل المنافع ودفع المضار، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل المنافع ودفع أكبر المضار، نفى عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة. (٣) ونظير هذه الآية: قوله جل وعلا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١] وقوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] وهذا الأسلوب الذي جاءت به الآية وارد عند العرب حيث إنهم يقولون ذلك لتارك استعمال بعض جوارحه فيما يصلح له. ومنه قول مسكين الدارمي: (٤) أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي السترُ وأصم عما كان بينهما ... سمعي وما بالسمع من وقرِ (٥) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 594

سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال:١٢]. قال أبو جعفر الطحاوي: وقوله (فوق) صلة .. في معنى: فاضربوا الأعناق. قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤]. وهي الأعناق، و (فوق) صلة، لأن ما فوق الأعناق هو عظام الرأس، وليست منها في شيء، والضرب المراد بذلك المستعمل فيه هو ضرب الأعناق، لا ما سواها. (شرح مشكل الآثار -٣/ ٣٢٢) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا الأعناق، وعليه فإن كلمة (فوق) تكون صلة، لأن ما فوق الأعناق وهو الرأس ليس مكاناً للضرب. وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بالآية: - القول الأول: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا الأعناق، كما في قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤] وعلى هذا القول تكون كلمة (فوق) صلة زائدة في الكلام. (١) وهذا وارد في كلام العرب، ومن ذلك قولهم: (رأيت نفس فلان) بمعنى: رأيته. - وهذا قول: الضحاك - وعطية العوفي - والأخفش - وابن قتيبة. (٢) وقد رُدّ هذا القول: بأن كلمة (فوق) اسم ظرف، وتفيد معنى، فلا يصح القول بزيادتها. (٣)

стр. 595

وإنما يقال: إن كلمة (فوق) بمعنى (على) والمعنى: فاضربوا على الأعناق، فـ (فوق) و (على) معناهما متقارب، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر. (١) كما تقول: (ضربته على رأسه) و (ضربته فوق رأسه). (٢) - القول الثاني: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا أعالي الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق، لأنه مذبح، والضرب فيها يطير الرأس، فكان إيقاع الضرب فيه أبلغ، وأسرع إلى القطع. (٣) - القول الثالث: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا الرؤوس. وذلك لأن الذي (فوق الأعناق) هو الرؤوس. - وهذا قول: عكرمة. الترجيح: والقول الراجح هو أن قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] محتمل لجميع الوجوه المتقدمة، وإذا كان الأمر كذلك لم يصح لأحد توجيه الآية إلى بعض هذه المعاني دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة على ذلك. (٤) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦].

стр. 596

قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عمر، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، فَجَاضَ الناس جَيْضَةً (١)، وكنت فيمن جاض، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، فقلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا بها، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج، فقال: "من القوم؟ " قلنا: نحن الفرَّارون، قال: "بل أنتم العَكَّارون (٢)، أنا فئتكم، أو أنا فئة المسلمين"، فأتيناه حتى قبلنا يده (٣) فقال قائل: العَكَّارون عند العرب: هم الكَرَّارون، فكيف جاز في هذا الحديث أن يقال هذا القول للفَرَّارين؟ فكان جوابنا له في ذلك: أن المراد بذلك أنهم لما كروا إلى رسول الله ﷺ وهو فئتهم ليرجعوا إلى ما يأمرهم به، ولينصرفوا فيما يصرفهم فيه، كان ذلك كراً منهم إليه، وعوداً منهم إلى ما كانوا عليه من بذل أنفسهم لقتال عدوهم، فاستحقوا بذلك أن يكونوا عكَّارين، والله أعلم بحقيقة ذلك.

стр. 597

وفي هذا الحديث مما يجب أن يوقف عليه مما يلحق بالكبائر، وهو أن بعض الناس قد ذهب إلى أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال:١٦] إنما ذلك في أهل بدر خاصة دون من سواهم، لأنه لم يكن للمسلمين فئة يومئذ إلا وهي حاضرة ببدر. كما عن أبي سعيد قال: نزلت يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال:١٦]. (١) وكما عن أبي سعيد: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] قال: نزلت في أهل بدر. (٢) وليس فيما روينا عن أبي سعيد أن هذه الآية نزلت يوم بدر أو في أهل بدر على أن يكون الحكم الذي فيها في غير أهل بدر، كهو في أهل بدر، وعلى أنه بعد بدر كهو يوم كان في بدر، والدليل على ذلك أن دخول ابن عمر في المقاتلة بإدخال رسول الله ﷺ إياه فيهم إنما كان عام الخندق، وبعد ردَّه إياه قبل ذلك وتركه إدخاله فيهم، وهذا بعد بدر. فدل ذلك أن حكم الفرار من الزحف بغير تحرف إلى قتال أو تحيز إلى فئة باق حكمه إلى يوم القيامة، وداخل في الكبائر، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٢/ ٣٥٧ - ٣٦٠) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن الحكم الوارد في الآية - وهو تحريم الفرار من الزحف - غير خاص بيوم بدر، وإنما هو حكم عام باق إلى يوم القيامة. وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك: - القول الأول: أن الحكم الوارد في هذه الآية عام في جميع المؤمنين إلى يوم القيامة.

стр. 598

وعليه فلا يجوز من المؤمنين الفرار عند ملاقاة العدو إلا لتحرف لقتال أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين. وأما الفرار من غير نية لفعل أحد الأمرين فلا يجوز، ومن فعله فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. (١) - وهذا قول: جمهور علماء الأمة. (٢) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال في الآية الأولى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:١٥] فهذا الخطاب عام لجميع المؤمنين. (٣) ٢ - أنه قد ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" - قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". (٤) ففي هذا الحديث بيّن الرسول الله ﷺ أن الفرار من الزحف من كبائر الذنوب التي لا يجوز فعلها في حق أحد من أفراد الأمة. وهذا نص في المسألة يبين حكمها، ويرفع الخلاف فيها. (٥) - القول الثاني: أن الحكم الوارد في هذه الآية خاص بأهل بدر. وعليه فيجوز بعد يوم بدر الفرار من الزحف.

стр. 599

- وهذا قول: عمر بن الخطاب - وابن عمر - وابن عباس - وأبي هريرة - وأبي نضرة - وأبي سعيد الخدري - ونافع - والضحاك - وقتادة - وعطاء - والحسن البصري - ويزيد بن أبي حبيب. (١) وإليه ذهب: أبو حنيفة. (٢) - ومن أدلة هذا القول: ١ - ما روي عن ابن عمر ﵁ قال: (إنّما أنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال:١٥] في أهل بدر، لا قبلها ولا بعدها). (٣) - وقد رُد هذا الاستدلال: بأن كون الآية نزلت في أهل بدر لا ينفي ثبوت هذا الحكم في حق غيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (٤) كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ والذي بين فيه الرسول ﷺ أن التولي من الزحف من الكبائر التي يجب على سائر الأمة الحذر منها. (٥) ٢ - أن هذه الآية في أهل بدر خاصة لأنه لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه وينهزموا، ولأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين، لأنه لم يكن يومئذ مسلم غيرهم. - وقد رد هذه الاستدلال: بأنه قد كان بالمدينة يومئذ خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم الرسول ﷺ بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله ﷺ فيمن خف معه. (٦) ٣ - أن الله جل وعلا قال في الآية الثانية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فالإشارة بقوله (يومئذ) إلى يوم بدر خاصة. وقد رد هذا الاستدلال:

стр. 600

أ- بأن الإشارة بقوله (يومئذ) إلى يوم اللقاء الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾ [الأنفال:١٥]. (١) ب- كما أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب والقتال، وذهاب اليوم بما فيه. (٢) فحكم هذه الآية شرع شرعه الله جل وعلا على المسلمين بسبب تلك الغزوة، لتوقع حدوث غزوات أخرى يكون جيش المسلمين فيها قليلاً كما كان يوم بدر، فنهاهم الله جل وعلا عن الفرار إذا لاقوا العدو، وإن كان أكثر منهم. فأما يوم بدر فلم يكن فيه حكم مشروع في هذا الشأن، لأن المسلمين وقعوا في الحرب بغتة وتولى الله نصرهم. (٣) الترجيح: والقول الراجح هو أن حكم الآية عام في جميع المؤمنين إلى يوم القيامة. لأن الأمر الوارد في الآية مطلق، ولأن قول الرسول ﷺ في تحريم الفرار من الزحف قول عام، وعليه فلا يجوز تقييد أو تخصيص حكم الآية إلا بدليل يجب المصير إليه، ولا دليل على ذلك. (٤) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال:٣٣]. قال أبو جعفر الطحاوي: فأعلمه ﷺ أنه يرفع العذاب عنهم، وإن كانوا يستحقونه، باستغفارهم إياه، وكان ذلك الاستغفار - والله أعلم - مما يقع في القلوب أنه لم يكن كان من جميعهم، ولكنه كان من بعضهم، فرفعت به العقوبة عمن كانت منه تلك المعاصي، وعمن لم تكن منه. (شرح مشكل الآثار - ١١/ ٥٤٠)
следующие страницы →