← Акыда

Акыда · id 583

كشف الشبهات - ت القاسم

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (156 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يَدْعُونَهُمْ: هُمُ الَّذِينَ يَحْكُونَ (١) عَنْهُمُ الفُجُورَ (٢)؛ مِنَ (٣) الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٤). وَالَّذِي يَعْتَقِدُ (٥) فِي الصَّالِحِ (٦) وَالَّذِي (٧) لَا يَعْصِي - مِثْلِ (٨) الخَشَبِ، وَالحَجَرِ (٩) -؛ أَهْوَنُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ فِيمَنْ (١٠) يُشَاهِدُ (١١) فِسْقَهُ وَفَسَادَهُ وَيَشْهَدُ بِهِ. * * *

стр. 107

[الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ، وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟] إِذَا (١) تَحَقَّقْتَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَحُّ عُقُولاً، وَأَخَفُّ شِرْكاً مِنْ هَؤُلَاءِ. فَاعْلَمْ (٢) أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةً (٣) يُورِدُونَهَا (٤) عَلَى مَا ذَكَرْنَا (٥)، وَهِيَ مِنْ (٦) أَعْظَمِ شُبَهِهِمْ، فَأَصْغِ سَمْعَكَ لِجَوَابِهَا. وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ لَا يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٧)، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ (٨) ﷺ (٩)، وَيُنْكِرُونَ البَعْثَ، وَيُكَذِّبُونَ

стр. 108

القُرْآنَ (١) وَيَجْعَلُونَهُ سِحْراً (٢). وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (٣)، وَنُصَدِّقُ القُرْآنَ، وَنُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وَنُصَلِّي، وَنَصُومُ؛ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا (٤) مِثْلَ أُولَئِكَ؟!

стр. 109

[الجَوَابُ الأَوَّلُ] فَالجَوَابُ (١): أَنَّهُ (٢) لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ كُلِّهِمْ (٣) أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ (٤) ﷺ فِي (٥) شَيْءٍ وَكَذَّبَهُ (٦) فِي شَيْءٍ (٧)؛ أَنَّهُ كَافِرٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي (٨) الإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ إِذَا آمَنَ بِبَعْضِ القُرْآنِ وَجَحَدَ بَعْضَهُ (٩)؛ كَمَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ. أَوْ أَقَرَّ (١٠) بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَجَحَدَ (١١) وُجُوبَ (١٢) الزَّكَاةِ. أَوْ أَقَرَّ (١٣) بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ (١٤) الصَّوْمَ.

стр. 110

أَوْ أَقَرَّ (١) بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ (٢) الحَجَّ، وَلَمَّا لَمْ يَنْقَدْ أُنَاسٌ (٣) فِي زَمَنِ النِّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ (٤)؛ أَنْزَلَ اللَّهُ (٥) فِي حَقِّهِمْ (٦): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٧). وَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ (٨) البَعْثَ؛ كَفَرَ (٩) بِالإِجْمَاعِ (١٠)، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ (١١)؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى (١٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (١٣).

стр. 111

فَإِذَا (١) كَانَ اللَّهُ (٢) قَدْ (٣) صَرَّحَ (٤) فِي كِتَابِهِ: أَنَّ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ (٥) وَكَفَرَ بِبَعْضٍ؛ فَهُوَ الكَافِرُ (٦) حَقّاً؛ زَالَتْ (٧) هَذِهِ الشُّبْهَةُ (٨) - وَهَذِهِ هِيَ (٩) الَّتِي ذَكَرَهَا (١٠) بَعْضُ أَهْلِ الأَحْسَاءِ (١١) فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَرْسَلَ (١٢) إِلَيْنَا -.

стр. 112

[الجَوَابُ الثَّانِي] وَيُقَالُ - أَيْضاً (١) -: إِذَا (٢) كُنْتَ تُقِرُّ أَنَّ (٣) مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ (٤) فِي كُلِّ (٥) شَيْءٍ (٦) وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ (٧)؛ فَهُوَ (٨) كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ وَالمَالِ (٩) بِالإِجْمَاعِ. وَكَذَلِكَ (١٠) إِذَا (١١) أَقَرَّ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا البَعْثَ (١٢). وَكَذَلِكَ لَوْ (١٣) جَحَدَ وُجُوبَ صَوْمِ (١٤) رَمَضَانَ (١٥) وَأَقَرَّ بِذَلِكَ (١٦).

стр. 113

لَا يَجْحَدُ (١) هَذَا (٢)، وَلَا تَخْتَلِفُ (٣) المَذَاهِبُ فِيهِ (٤)، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ (٥) القُرْآنُ - كَمَا قَدَّمْنَا (٦) -. فَمَعْلُومٌ (٧) أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ (٨) أَعْظَمُ فَرِيضَةٍ جَاءَ بِهَا (٩) النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ (١٠)، وَالصَّوْمِ (١١)، وَالحَجِّ، فَكَيْفَ إِذَا (١٢) جَحَدَ الإِنْسَانُ شَيْئاً (١٣) مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ: كَفَرَ - وَلَوْ عَمِلَ بِكُلِّ مَا (١٤) جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ (١٥) ﷺ . وَإِذَا (١٦) جَحَدَ التَّوْحِيدَ - الَّذِي هُوَ (١٧) دِينُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ (١٨) -: لَا يَكْفُرُ؟! سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَعْجَبَ (١٩) هَذَا الجَهْلَ (٢٠)!

стр. 114

[الجَوَابُ الثَّالِثُ] وَيُقَالُ (١) - أَيْضاً -: هَؤُلَاءِ (٢) أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣) قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ (٤) وَقَدْ أَسْلَمُوا مَعَ النَّبِيِّ (٥) ﷺ ، وَهُمْ (٦) يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (٧)، وَيُصَلُّونَ وَيُؤَذِّنُونَ (٨). فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ (٩): إِنَّ (١٠) مُسَيْلِمَةَ (١١) نَبِيٌّ. قُلْنَا: هَذَا (١٢) هُوَ (١٣) المَطْلُوبُ؛ إِذَا (١٤) كَانَ مَنْ رَفَعَ رَجُلاً فِي

стр. 115

مَرْتَبَةِ (١) النَّبِيِّ ﷺ : كَفَرَ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ (٢)، وَلَمْ تَنْفَعْهُ (٣) الشَّهَادَتَانِ، وَلَا الصَّلَاةُ (٤). فَكَيْفَ بِمَنْ (٥) رَفَعَ «شَمْسَانَ»، أَوْ «يُوسُفَ (٦)»، أَوْ صَحَابِيّاً، أَوْ نَبِيّاً (٧)؛ فِي مَرْتَبَةِ (٨) جَبَّارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ (٩)؟! سُبْحَانَ اللَّهِ (١٠)! مَا أَعْظَمَ شَأْنَهُ! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 116

[الجَوَابُ الرَّابِعُ] وَيُقَالُ - أَيْضاً -: الَّذِينَ (١) حَرَّقَهُمْ (٢) عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِالنَّارِ: كُلُّهُمْ يَدَّعُونَ الإِسْلَامَ (٣)، وَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁، وَتَعَلَّمُوا العِلْمَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٤)، وَلَكِنِ (٥) اعْتَقَدُوا (٦) فِي عَلِيٍّ مِثْلَ الِاعْتِقَادِ (٧) فِي «يُوسُفَ (٨)» وَ «شَمْسَانَ» وَأَمْثَالِهِمَا (٩).

стр. 117

فَكَيْفَ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ (١) عَلَى قَتْلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ (٢)؟! أَتَظُنُّونَ أَنَّ (٣) الصَّحَابَةَ يُكَفِّرُونَ المُسْلِمِينَ؟! أَمْ (٤) تَظُنُّونَ أَنَّ (٥) الِاعْتِقَادَ فِي «تَاجٍ» (٦) وَأَمْثَالِهِ لَا (٧) يَضُرُّ، وَالِاعْتِقَادَ فِي (٨) عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يُكَفِّرُ (٩)؟!

стр. 118

[الجَوَابُ الخَامِسُ] وَيُقَالُ - أَيْضاً (١) -: «بَنُو عُبَيْدٍ القَدَّاحِ» (٢) الَّذِينَ مَلَكُوا المَغْرِبَ (٣) وَمِصْرَ فِي زَمَنِ (٤) بَنِي العَبَّاسِ: كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيَدَّعُونَ الإِسْلَامَ (٥)، وَيُصَلُّونَ الجُمُعَةَ وَالجَمَاعَةَ (٦). فَلَمَّا أَظْهَرُوا مُخَالَفَةَ الشَّرِيعَةِ فِي أَشْيَاءَ - دُونَ مَا نَحْنُ (٧) فِيهِ -؛ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى كُفْرِهِمْ وَقِتَالِهِمْ (٨)، وَأَنَّ بِلَادَهُمْ بِلَادُ حَرْبٍ، وَغَزَاهُمُ المُسْلِمُونَ حَتَّى اسْتَنْقَذُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ (٩) مِنْ بُلْدَانِ (١٠) المُسْلِمِينَ (١١).

стр. 119

[الجَوَابُ السَّادِسُ] وَيُقَالُ - أَيْضاً (١) -: إِذَا كَانَ الأَوَّلُونَ لَمْ يَكْفُرُوا إِلَّا أَنَّهُمْ (٢) جَمَعُوا بَيْنَ (٣) الشِّرْكِ، وَتَكْذِيبِ الرَّسُولِ (٤)، وَالقُرْآنِ (٥)، وَإِنْكَارِ البَعْثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٦). فَمَا مَعْنَى البَابِ الَّذِي ذَكَرَ (٧) العُلَمَاءُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ: «بَابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ» (٨) - وَهُوَ المُسْلِمُ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ (٩) -؟ ثُمَّ ذَكَرُوا (١٠) أَنْوَاعاً (١١) كَثِيرَةً، كُلُّ (١٢) نَوْعٍ مِنْهَا يُكَفِّرُ (١٣)، وَيُحِلُّ دَمَ الرَّجُلِ وَمَالَهُ (١٤)،

стр. 120

حَتَّى إِنَّهُمْ (١) ذَكَرُوا أَشْيَاءَ (٢) يَسِيرَةً - عِنْدَ مَنْ فَعَلَهَا (٣) -؛ مِثْلَ كَلِمَةٍ يَذْكُرُهَا بِلِسَانِهِ (٤) دُونَ قَلْبِهِ، أَوْ كَلِمَةٍ (٥) يَذْكُرُهَا عَلَى وَجْهِ (٦) المَزْحِ (٧) وَاللَّعِبِ (٨).

стр. 121

[الجَوَابُ السَّابِعُ] وَيُقَالُ - أَيْضاً -: الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (١)؛ أَمَا سَمِعْتَ (٢) اللَّهَ كَفَّرَهُمْ بِكَلِمَةٍ - مَعَ كَوْنِهِمْ فِي زَمَنِ (٣) رَسُولِ اللَّهِ (٤) ﷺ ، وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ، وَيُصَلُّونَ مَعَهُ، وَيُزَكُّونَ (٥)، وَيَحُجُّونَ، وَيُوَحِّدُونَ (٦) -؟ وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ (٧): ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٨)؛ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ (٩) صَرَّحَ اللَّهُ (١٠) أَنَّهُمْ (١١) كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ (١٢) - وَهُمْ (١٣) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ (١٤) - قَالُوا كَلِمَةً ذَكَرُوا أَنَّهُمْ (١٥) قَالُوهَا عَلَى وَجْهِ المَزْحِ (١٦).

стр. 122

فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الشُّبْهَةَ: وَهِيَ قَوْلُهُمْ: تُكَفِّرُونَ (١) المُسْلِمِينَ! - أُنَاساً يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٢)، وَيُصَلُّونَ، وَيَصُومُونَ (٣) -، ثُمَّ تَأَمَّلْ جَوَابَهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ (٤) أَنْفَعِ مَا فِي هَذِهِ الأَوْرَاقِ (٥).

стр. 123

[الجَوَابُ الثَّامِنُ] وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ - أَيْضاً (١) -: مَا حَكَى اللَّهُ (٢) عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٣) - مَعَ إِسْلَامِهِمْ (٤)، وَعِلْمِهِمْ، وَصَلَاحِهِمْ (٥) -: أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى (٦): ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٧). وَقَوْلُ (٨) أُنَاسٍ مِنَ (٩) الصَّحَابَةِ ﵃ (١٠): «يَا رَسُولَ اللَّهِ (١١)! اجْعَلْ لَنَا (١٢) ذَاتَ أَنْوَاطٍ (١٣)»، فَحَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١٤): أَنَّ هَذَا مِثْلُ قَوْلِ (١٥) بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٦) لِمُوسَى (١٧): ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ (١٨) (١٩).

стр. 124

وَلَكِنْ لِلْمُشْرِكِينَ شُبْهَةٌ يُدْلُونَ (١) بِهَا عِنْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لَمْ يَكْفُرُوا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ (٢) الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣): «اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ»؛ لَمْ يَكْفُرُوا. فَالجَوَابُ (٤) أَنْ تَقُولَ (٥): إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَفْعَلُوا. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا (٦). وَلَا خِلَافَ (٧) أَنَّ (٨) بَنِي إِسْرَائِيلَ (٩) لَوْ فَعَلُوا (١٠) ذَلِكَ؛ لَكَفَرُوا (١١). وَكَذَلِكَ (١٢) لَا خِلَافَ (١٣) أَنَّ (١٤) الَّذِينَ نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ،

стр. 125

وَاتَّخَذُوا ذَاتَ أَنْوَاطٍ - بَعْدَ نَهْيِهِ (١) -؛ لَكَفَرُوا (٢). وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ (٣). وَلَكِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ (٤) تُفِيدُ: أَنَّ المُسْلِمَ - بَلِ العَالِمَ - قَدْ يَقَعُ فِي أَنْوَاعٍ (٥) مِنَ الشِّرْكِ (٦) لَا يَدْرِي عَنْهَا (٧). فَتُفِيدُ (٨): التَّعَلُّمَ (٩) وَالتَّحَرُّزَ (١٠)، وَمَعْرِفَةَ (١١) أَنَّ قَوْلَ الجَاهِلِ (١٢): «التَّوْحِيدُ فَهِمْنَاهُ (١٣)»؛ أَنَّ هَذَا (١٤) مِنْ أَكْبَرِ الجَهْلِ، وَمَكَائِدِ (١٥) الشَّيْطَانِ. وَتُفِيدُ (١٦) - أَيْضاً -: أَنَّ المُسْلِمَ (١٧) المُجْتَهِدَ (١٨) إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ

стр. 126

كُفْرٍ (١) وَهُوَ لَا يَدْرِي (٢)، فَنُبِّهَ (٣) عَلَى ذَلِكَ وَتَابَ (٤) مِنْ سَاعَتِهِ؛ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ؛ كَمَا فَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ (٥)، وَالَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٦). وَتُفِيدُ - أَيْضاً (٧) -: أَنَّهُ (٨) لَوْ (٩) لَمْ يَكْفُرْ فَإِنَّهُ (١٠) يُغَلَّظُ عَلَيْهِ الكَلَامُ (١١) تَغْلِيظاً شَدِيداً (١٢)؛ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (١٣) ﷺ (١٤). * * *

стр. 127

[الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لَا يُكَفَّرُ وَلَايُقْتَلُ وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ] وَلِلْمُشْرِكِينَ (١) شُبْهَةٌ أُخْرَى (٢)؛ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ (٣) ﷺ أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ ﵁ قَتْلَ مَنْ قَالَ (٤): (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، وَقَالَ (٥): «أَقَتَلْتَهُ (٦) بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» (٧)، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (٨): «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا (٩): لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١٠)، وَأَحَادِيثُ (١١) أُخَرُ (١٢) فِي الكَفِّ عَمَّنْ قَالَهَا (١٣).

стр. 128

وَمُرَادُ هَؤُلَاءِ الجَهَلَةِ (١): أَنَّ مَنْ قَالَهَا (٢)؛ لَا يُكَفَّرُ، وَلَا يُقْتَلُ (٣) - وَلَوْ فَعَلَ مَا (٤) فَعَلَ! -. فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ (٥) الجُهَّالِ (٦): مَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَ اليَهُودَ (٧) وَسَبَاهُمْ؛ وَهُمْ يَقُولُونَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٨). وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٩) قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ؛ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَلَّا (١٠) إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُصَلُّونَ (١١)، وَيَدَّعُونَ الإِسْلَامَ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِالنَّارِ (١٢). وَهَؤُلَاءِ الجَهَلَةُ مُقِرُّونَ (١٣) أَنَّ (١٤) مَنْ (١٥) أَنْكَرَ البَعْثَ: كُفِّرَ (١٦)،

стр. 129

وَقُتِلَ (١) - وَلَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -. وَأَنَّ (٢) مَنْ (٣) جَحَدَ (٤) شَيْئاً مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ: كُفِّرَ، وَقُتِلَ (٥) - وَلَوْ قَالَهَا (٦) -. فَكَيْفَ لَا (٧) تَنْفَعُهُ (٨) إِذَا جَحَدَ شَيْئاً مِنَ الفُرُوعِ (٩)، وَتَنْفَعُهُ (١٠) إِذَا جَحَدَ التَّوْحِيدَ - الَّذِي هُوَ أَسَاسُ (١١) دِينِ الرُّسُلِ (١٢) وَرَأْسُهُ -؟! وَلَكِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ مَا فَهِمُوا مَعْنَى (١٣) الأَحَادِيثِ: فَأَمَّا (١٤) حَدِيثُ أُسَامَةَ ﵁: فَإِنَّهُ (١٥) قَتَلَ رَجُلاً ادَّعَى الإِسْلَامَ بِسَبَبِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ مَا ادَّعَاهُ (١٦) إِلَّا خَوْفاً عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ.

стр. 130

وَالرَّجُلُ إِذَا (١) أَظْهَرَ الإِسْلَامَ؛ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ (٢) حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ (٣) اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٤) (٥). فَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ (٦) وَالتَّثَبُّتُ (٧)، فَإِنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ (٨) - بَعْدَ ذَلِكَ - مَا يُخَالِفُ الإِسْلَامَ: قُتِلَ؛ لِقَوْلِهِ (٩): ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وَلَوْ كَانَ لَا يُقْتَلُ إِذَا قَالَهَا: لَمْ يَكُنْ لِلتَّثَبُّتِ (١٠) مَعْنًى. وَكَذَلِكَ الحَدِيثُ (١١) الآخَرُ وَأَمْثَالُهُ: مَعْنَاهُ (١٢): مَا ذَكَرْنَا (١٣)؛ أَنَّ (١٤) مَنْ أَظْهَرَ الإِسْلَامَ وَالتَّوْحِيدَ (١٥): وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ؛ إِلَّا (١٦) أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ (١٧) ذَلِكَ.

стр. 131

وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي (١) قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، وَقَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢)؛ هُوَ الَّذِي قَالَ فِي الخَوَارِجِ: «أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ (٣) فَاقْتُلُوهُمْ» (٤)، «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» (٥)؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ (٦) أَكْثَرِ النَّاسِ عِبَادَةً وَتَهْلِيلاً (٧) - حَتَّى إِنَّ الصَّحَابَةَ (٨) يَحْقِرُونَ أَنْفُسَهُمْ (٩) عِنْدَهُمْ، وَهُمْ تَعَلَّمُوا (١٠) العِلْمَ مِنَ (١١) الصَّحَابَةِ -، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ (١٢) «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَلَا كَثْرَةُ العِبَادَةِ، وَلَا ادِّعَاءُ (١٣) الإِسْلَامِ (١٤)؛ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمْ (١٥) مُخَالَفَةُ الشَّرِيعَةِ (١٦).

стр. 132

وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا (١) مِنْ قِتَالِ (٢) اليَهُودِ، وَقِتَالِ الصَّحَابَةِ بَنِي حَنِيفَةَ. وَكَذَلِكَ أَرَادَ ﷺ (٣) أَنْ يَغْزُوَ بَنِي المُصْطَلِقِ؛ لَمَّا (٤) أَخْبَرَهُ رَجُلٌ (٥) أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ؛ حَتَّى (٦) أَنْزَلَ اللَّهُ (٧): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٨)، وَكَانَ الرَّجُلُ كَاذِباً عَلَيْهِمْ (٩). فَكُلُّ (١٠) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا (١١): مَا ذَكَرْنَا (١٢). * * *

стр. 133

[الشُّبْهَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَتْ شِرْكاً؛ لِجَوَازِ الِاسْتِغَاثَةِ بِالأَنْبِيَاءِ فِي الآخِرَةِ] وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ وَهِيَ: مَا ذَكَرَ (١) النَّبِيُّ ﷺ (٢) أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ (٣) يَسْتَغِيثُونَ (٤) بِآدَمَ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ بِإِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِعِيسَى (٥)، فَكُلُّهُمْ يَعْتَذِرُونَ (٦)، حَتَّى يَنْتَهُوا (٧) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (٨) ﷺ (٩). قَالُوا (١٠): فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَتْ شِرْكاً (١١). فَالجَوَابُ (١٢) أَنْ تَقُولَ (١٣): سُبْحَانَ (١٤) مَنْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِ أَعْدَائِهِ!

стр. 134

فَإِنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالمَخْلُوقِ فِيمَا (١) يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا نُنْكِرُهَا؛ كَمَا قَالَ (٢) تَعَالَى - فِي (٣) قِصَّةِ مُوسَى ﵇ (٤) -: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٥). وَكَمَا (٦) يَسْتَغِيثُ (٧) الإِنْسَانُ (٨) بِأَصْحَابِهِ (٩) فِي الحَرْبِ وَغَيْرِهِ (١٠) فِي أَشْيَاءَ (١١) يَقْدِرُ عَلَيْهَا (١٢) المَخْلُوقُ. وَنَحْنُ (١٣) أَنْكَرْنَا (١٤) اسْتِغَاثَةَ العِبَادَةِ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا عِنْدَ قُبُورِ الأَوْلِيَاءِ (١٥)، أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ (١٦) فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا (١٧) إِلَّا اللَّهُ.

стр. 135

إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ (١): فَالِاسْتِغَاثَةُ (٢) بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ (٣) يُرِيدُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَدْعُوا (٤) اللَّهَ أَنْ (٥) يُحَاسِبَ النَّاسَ؛ حَتَّى (٦) يَسْتَرِيحَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ كَرْبِ المَوْقِفِ. وَهَذَا جَائِزٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ أَنْ تَأْتِيَ عِنْدَ (٧) رَجُلٍ صَالِحٍ (٨) حَيٍّ (٩) يُجَالِسُكَ وَيَسْمَعُ كَلَامَكَ (١٠)، تَقُولُ لَهُ (١١): ادْعُ اللَّهَ (١٢) لِي (١٣)، كَمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (١٤) ﷺ يَسْأَلُونَهُ (١٥) فِي حَيَاتِهِ (١٦).

стр. 136

وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ: فَحَاشَا وَكَلَّا أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ (١) ذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِهِ (٢)! بَلْ أَنْكَرَ (٣) السَّلَفُ (٤) عَلَى مَنْ قَصَدَ دُعَاءَ اللَّهِ عِنْدَ قَبْرِهِ (٥)، فَكَيْفِ بِدُعَائِهِ نَفْسِهِ (٦)؟ * * *

стр. 137

[الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كَانَتِ الِاسْتِغَاثَةُ بِجِبْرِيلَ شِرْكاً لَمْ يَعْرِضْهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ وَهِيَ: قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، اعْتَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ (١) فِي الهَوَاءِ (٢)، فَقَالَ (٣): أَلَكَ (٤) حَاجَةٌ (٥)؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (٦): أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا (٧)! قَالُوا: فَلَوْ (٨) كَانَتِ (٩) الِاسْتِغَاثَةُ بِجِبْرِيلَ (١٠) شِرْكاً لَمْ يَعْرِضْهَا (١١) عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٢).

стр. 138

فَالجَوَابُ (١): إِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ الشُّبْهَةِ (٢) الأُولَى؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ (٣) عَرَضَ عَلَيْهِ (٤) أَنْ (٥) يَنْفَعَهُ بِأَمْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ (٦)؛ فَإِنَّهُ (٧) كَمَا قَالَ اللَّهُ (٨) فِيهِ (٩): ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فَلَوْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ (١٠) أَنْ يَأْخُذَ نَارَ إِبْرَاهِيمَ (١١) وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الأَرْضِ وَالجِبَالِ (١٢) وَيُلْقِيَهَا فِي المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ (١٣)؛ لَفَعَلَ، وَلَوَ أَمَرَهُ اللَّهُ (١٤) أَنْ يَضَعَ (١٥) إِبْرَاهِيمَ (١٦) فِي مَكَانٍ (١٧) بَعِيدٍ عَنْهُمْ (١٨)؛ لَفَعَلَ (١٩)، وَلَوْ أَمَرَهُ (٢٠) أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ؛ لَفَعَلَ (٢١).

стр. 139

وَهَذَا (١) كَرَجُلٍ غَنِيٍّ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ يَرَى (٢) رَجُلاً مُحْتَاجاً، فَيَعْرِضُ (٣) عَلَيْهِ أَنْ يُقْرِضَهُ أَوْ يَهَبَهُ (٤) شَيْئاً يَقْضِي بِهِ (٥) حَاجَتَهُ (٦)، فَيَأْبَى ذَلِكَ الرَّجُلُ (٧) المُحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَ (٨)، وَيَصْبِرُ (٩) حَتَّى يَأْتِيَهُ (١٠) اللَّهُ بِرِزْقٍ لَا مِنَّةَ فِيهِ لِأَحَدٍ (١١). فَأَيْنَ هَذَا مِنِ اسْتِغَاثَةِ (١٢) العِبَادَةِ وَالشِّرْكِ (١٣) لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (١٤)؟!

стр. 140

[خَاتِمَةٌ: التَّوْحِيدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالعَمَلِ] وَلْنَخْتِمِ الكَلَامَ (١) بِمَسْأَلَةٍ (٢) عَظِيمَةٍ مُهِمَّةٍ تُفْهَمُ (٣) مِمَّا (٤) تَقَدَّمَ، لَكِنْ (٥) نُفْرِدُ لَهَا الكَلَامَ لِعِظَمِ (٦) شَأْنِهَا (٧)، وَلِكَثْرَةِ الغَلَطِ فِيهَا (٨)؛ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا بُدَّ أَنْ (٩) يَكُونَ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالعَمَلِ (١٠)، فَإِنِ اخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا (١١)؛ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ (١٢) مُسْلِماً. فَإِنْ عَرَفَ (١٣) التَّوْحِيدَ وَلَمْ (١٤) يَعْمَلْ بِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ مُعَانِدٌ (١٥) - كَفِرْعَوْنَ، وَإِبْلِيسَ، وَأَمْثَالِهِمَا (١٦) -.

стр. 141

وَهَذَا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ يَقُولُونَ (١): هَذَا حَقٌّ، وَنَحْنُ نَفْهَمُ (٢) هَذَا، وَنَشْهَدُ (٣) أَنَّهُ الحَقُّ (٤)، وَلَكِنْ لَا نَقْدِرُ أَنْ (٥) نَفْعَلَهُ (٦)، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ بَلَدِنَا (٧) إِلَّا مَنْ وَافَقَهُمْ (٨)، أَوْ غَيْرَ (٩) ذَلِكَ مِنَ الأَعْذَارِ (١٠). وَلَمْ يَدْرِ (١١) المِسْكِينُ (١٢) أَنَّ غَالِبَ (١٣) أَئِمَّةِ الكُفْرِ يَعْرِفُونَ الحَقَّ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ (١٤) إِلَّا لِشَيْءٍ مِنَ الأَعْذَارِ؛ كَمَا قَالَ (١٥) تَعَالَى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وَغَيْرِ (١٦) ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (١٧).

стр. 142

فَإِنْ عَمِلَ بِالتَّوْحِيدِ عَمَلاً (١) ظَاهِراً (٢) وَهُوَ لَا يَفْهَمُهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ (٣) بِقَلْبِهِ (٤)؛ فَهُوَ مُنَافِقٌ (٥)، وَهُوَ شَرٌّ (٦) مِنَ الكَافِرِ الخَالِصِ (٧) ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٨). وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ، تَبِينُ لَكَ (٩) إِذَا تَأَمَّلْتَهَا فِي أَلْسِنَةِ (١٠) النَّاسِ. تَرَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ وَيَتْرُكُ العَمَلَ بِهِ (١١)؛ لِخَوْفِ نَقْصِ دُنْيَا أَوْ جَاهٍ، أَوْ مُدَارَاةً (١٢).

стр. 143

وَتَرَى (١) مَنْ يَعْمَلُ بِهِ ظَاهِراً لَا بَاطِناً (٢)، فَإِذَا سَأَلْتَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ (٣) بِقَلْبِهِ: إِذَا (٤) هُوَ لَا يَعْرِفُهُ (٥). وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِفَهْمِ (٦) آيَتَيْنِ مِنْ (٧) كِتَابِ اللَّهِ (٨): أُولَاهُمَا (٩): مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (١٠): ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١١). فَإِذَا (١٢) تَحَقَّقْتَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ غَزَوُا الرُّومَ (١٣) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١٤) كَفَرُوا (١٥) بِسَبَبِ كَلِمَةٍ قَالُوهَا (١٦) عَلَى وَجْهِ المَزْحِ

стр. 144

وَاللَّعِبِ (١). تَبَيَّنَ لَكَ (٢) أَنَّ (٣) الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالكُفْرِ (٤) أَوْ يَعْمَلُ (٥) بِهِ (٦) خَوْفاً مِنْ نَقْصِ (٧) مَالٍ أَوْ جَاهٍ، أَوْ مُدَارَاةً لِأَحَدٍ (٨)؛ أَعْظَمُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ (٩) بِكَلِمَةٍ يَمْزَحُ بِهَا (١٠). وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى (١١): ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ (١٢).

стр. 145

فَلَمْ يَعْذُرِ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ (١) مَعَ كَوْنِ قَلْبِهِ مُطْمَئِنّاً (٢) بِالإِيمَانِ (٣). وَأَمَّا غَيْرُ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ - سَوَاءٌ (٤) فَعَلَهُ خَوْفاً (٥)، أَوْ مَدَارَاةً (٦)، أَوْ مَشَحَّةً بِوَطَنِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، أَوْ عَشِيرَتِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ المَزْحِ (٧)، أَوْ لِغَيْرِ (٨) ذَلِكَ مِنَ الأَغْرَاضِ -؛ إِلَّا المُكْرَهُ (٩). وَالآيَةُ (١٠) تَدُلُّ عَلَى هَذَا مِنْ جِهَتَيْنِ (١١):
следующие страницы →