← Акыда

Акыда · id 583

كشف الشبهات - ت القاسم

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (156 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَالعَامِّيُّ مِنَ المُوَحِّدِينَ (١) يَغْلِبُ أَلْفاً (٢) مِنْ عُلَمَاءِ (٣) هَؤُلَاءِ (٤) المُشْرِكِينَ؛ كَمَا قَالَ (٥) تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾؛ فَجُنْدُ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ (٦) بِالحُجَّةِ وَاللِّسَانِ (٧)، كَمَا أَنَّهُمُ (٨) الغَالِبُونَ (٩) بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ (١٠)، وَإِنَّمَا الخَوْفُ عَلَى المُوَحِّدِ (١١) الَّذِي (١٢) يَسْلُكُ الطَّرِيقَ وَلَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ (١٣). وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا (١٤) بِكِتَابِهِ (١٥) الَّذِي جَعَلَهُ (١٦) تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ (١٧)،

стр. 72

وَهُدًى وَرَحْمَةً (١) وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٢)، فَلَا يَأْتِي صَاحِبُ (٣) بَاطِلٍ بِحُجَّةٍ إِلَّا وَفِي القُرْآنِ مَا يَنْقُضُهَا (٤) وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَهَا؛ كَمَا قَالَ (٥) تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ (٦): «هَذِهِ الآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ حُجَّةٍ يَأْتِي بِهَا أَهْلُ البَاطِلِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».

стр. 73

[جَوَابٌ مُجْمَلٌ عَنِ احْتِجَاجِ المُشْرِكِينَ بِالمُتَشَابِهِ] وَأَنَا أَذْكُرُ لَكَ أَشْيَاءَ - مِمَّا ذَكَرَ (١) اللَّهُ فِي كِتَابِهِ (٢) - جَوَاباً لِكَلَامٍ احْتَجَّ (٣) بِهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا (٤) عَلَيْنَا؛ فَنَقُولُ: جَوَابُ (٥) أَهْلِ البَاطِلِ مِنْ طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٍ، وَمُفَصَّلٍ (٦). أَمَّا (٧) المُجْمَلُ: فَهُوَ الأَمْرُ العَظِيمُ، وَالفَائِدَةُ الكَبِيرَةُ (٨) لِمَنْ عَقَلَهَا، وَذَلِكَ (٩) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ (١٠).

стр. 74

وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ أَنَّهُ (٢) قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ (٣) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (٤)؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ (٥) فَاحْذَرُوهُمْ (٦)» (٧). مِثَالُ (٨) ذَلِكَ: إِذَا (٩) قَالَ لَكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ (١٠): ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. أَوْ: إِنَّ (١١) الشَّفَاعَةَ (١٢) حَقٌّ (١٣). أَوْ: إِنَّ (١٤) الأَنْبِيَاءَ لَهُمْ جَاهٌ (١٥) عِنْدَ اللَّهِ (١٦).

стр. 75

أَوْ: ذَكَرَ (١) كَلَاماً لِلنَّبِيِّ (٢) ﷺ يَسْتَدِلُّ (٣) بِهِ (٤) عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَاطِلِهِ (٥)، وَأَنْتَ لَا تَفْهَمُ مَعْنَى الكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ. فَجَاوِبْهُ بِقَوْلِكَ (٦): إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ (٧) أَنَّ (٨) الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ (٩) وَيَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ (١٠). وَمَا ذَكَرْتُهُ (١١) لَكَ (١٢) مِنْ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ (١٣) أَنَّ المُشْرِكِينَ (١٤) يُقِرُّونَ (١٥) بِالرُّبُوبِيَّةِ (١٦)، وَأَنَّهُ كَفَّرَهُمْ بِتَعَلُّقِهِمْ عَلَى المَلَائِكَةِ (١٧)، وَالأَنْبِيَاءِ، وَالأَوْلِيَاءِ (١٨)

стр. 76

- مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ -؛ هَذَا (١) أَمْرٌ مُحْكَمٌ بَيِّنٌ (٢)، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ (٣) أَنْ (٤) يُغَيِّرَ مَعْنَاهُ. وَمَا ذَكَرْتَ (٥) لِي (٦) - أَيُّهَا المُشْرِكُ! - مِنَ القُرْآنِ، أَوْ كَلَامِ النَّبِيِّ (٧) ﷺ ؛ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ (٨)، وَلَكِنْ (٩) أَقْطَعُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ، وَأَنَّ كَلَامَ النَّبِيِّ (١٠) ﷺ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ اللَّهِ. وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ سَدِيدٌ، وَلَكِنْ (١١) لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا تَسْتَهِنْ بِهِ (١٢)؛ فَإِنَّهُ (١٣) كَمَا قَالَ (١٤) تَعَالَى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. * * *

стр. 77

[جَوَابٌ مُفَصَّلٌ عَنِ الشُّبَهِ] [الشُّبْهَةُ الأُولَى: أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَمْ يَقْصِدْ مِنَ الصَّالِحِينَ إِلَّا الجَاهَ وَالشَّفَاعَةَ؛ فَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ] وَأَمَّا الجَوَابُ المُفَصَّلُ: فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ لَهُمُ اعْتِرَاضَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى دِينِ الرُّسُلِ (١) يَصُدُّونَ بِهَا النَّاسَ عَنْهُ (٢). مِنْهَا: قَوْلُهُمْ: نَحْنُ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ (٣)، بَلْ نَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ، وَلَا يَرْزُقُ (٤)، وَلَا يَنْفَعُ (٥)، وَلَا (٦) يَضُرُّ (٧)، إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (٨)، وَأَنَّ مُحَمَّداً (٩) ﷺ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (١٠)، فَضْلاً عَنْ عَبْدِ القَادِرِ (١١) أَوْ

стр. 78

غَيْرِهِ (١)، وَلَكِنْ أَنَا مُذْنِبٌ (٢)، وَالصَّالِحُونَ (٣) لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ (٤)، وَأَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ (٥)! فَجَاوِبْهُ بِمَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ: أَنَّ (٦) الَّذِينَ (٧) قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِرُّونَ (٨) بِمَا ذَكَرْتَ (٩)، وَمُقِرُّونَ (١٠) أَنَّ (١١) أَوْثَانَهُمْ (١٢) لَا تُدَبِّرُ شَيْئاً، وَإِنَّمَا أَرَادُوا (١٣) الجَاهَ (١٤) وَالشَّفَاعَةَ، وَاقْرَأْ (١٥) عَلَيْهِ (١٦) مَا ذَكَرَهُ (١٧) اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَوَضَّحَهُ (١٨). * * *

стр. 79

[الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: حَصْرُهُمْ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ فِي الأَصْنَامِ دُونَ الصَّالِحِينَ] فَإِنْ (١) قَالَ: هَؤُلَاءِ (٢) الآيَاتُ نَزَلَتْ فِيمَنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ؛ فَكَيْفَ (٣) تَجْعَلُونَ الصَّالِحِينَ مِثْلَ الأَصْنَامِ؟! أَمْ (٤) كَيْفَ تَجْعَلُونَ (٥) الأَنْبِيَاءَ أَصْنَاماً (٦)؟! فَجَاوِبْهُ بِمَا تَقَدَّمَ. فَإِنَّهُ إِذَا أَقَرَّ (٧) أَنَّ الكُفَّارَ يَشْهَدُونَ (٨) بِالرُّبُوبِيَّةِ كُلِّهَا لِلَّهِ (٩)، وَأَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا مِمَّنْ (١٠) قَصَدُوا (١١) إِلَّا الشَّفَاعَةَ (١٢)، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ فِعْلِهِمْ وَفِعْلِهِ (١٣) بِمَا ذَكَرَ (١٤).

стр. 80

فَاذْكُرْ لَهُ أَنَّ الكُفَّارَ مِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَصْنَامَ (١)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَوْلِيَاءَ (٢) الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٣)، وَيَدْعُونَ (٤) عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (٥) وَأُمَّهُ (٦)، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (٧) تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٨). وَاذْكُرْ لَهُ (٩) قَوْلَهُ تَعَالَى (١٠): ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ (١١) لِلْمَلَائِكَةِ

стр. 81

أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (١) (٢). فَقُلْ لَهُ (٣): عَرَفْتَ (٤) أَنَّ اللَّهَ (٥) كَفَّرَ مَنْ قَصَدَ الأَصْنَامَ (٦)، وَكَفَّرَ - أَيْضاً - مَنْ قَصَدَ الصَّالِحِينَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . * * *

стр. 82

[الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنْهُمْ لَيْسَ بِشِرْكٍ] فَإِنْ قَالَ (١): الكُفَّارُ يُرِيدُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ، الضَّارُّ (٢)، المُدَبِّرُ (٣)، لَا أُرِيدُ إِلَّا مِنْهُ، وَالصَّالِحُونَ (٤) لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ (٥)، وَلَكِنْ (٦) أَقْصِدُهُمْ أَرْجُو مِنَ اللَّهِ (٧) شَفَاعَتَهُمْ (٨). فَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا قَوْلُ الكُفَّارِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ (٩)، وَاقْرَأْ (١٠) عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى (١١): ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١٢) (١٣)، وَقَوْلَهُ تَعَالَى (١٤):

стр. 83

﴿وَيَقُولُونَ (١) هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢). وَاعْلَمْ (٣) أَنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ (٤) الثَّلَاثَ هِيَ (٥) أَكْبَرُ (٦) مَا عِنْدَهُمْ (٧)، فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ وَضَّحَهَا (٨) فِي كِتَابِهِ، وَفَهِمْتَهَا (٩) فَهْماً جَيِّداً؛ فَمَا بَعْدَهَا أَيْسَرُ مِنْهَا. * * *

стр. 84

[الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: نَفْيُهُمْ عِبَادَةَ الصَّالِحِينَ، مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُمْ أَوْ يَذْبَحُونَ لَهُمْ] فَإِنْ (١) قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، وَهَذَا الِالْتِجَاءُ إِلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاؤُهُمْ (٢) لَيْسَ بِعِبَادَةٍ (٣). [الجَوَابُ الأَوَّلُ] فَقُلْ لَهُ (٤): أَنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكَ (٥) إِخْلَاصَ العِبَادَةِ (٦)؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ (٧): بَيِّنْ لِي هَذَا الفَرْضَ (٨) الَّذِي (٩) فَرَضَ (١٠) اللَّهُ عَلَيْكَ - وَهُوَ (١١) إِخْلَاصُ العِبَادَةِ (١٢)، وَهُوَ حَقُّهُ عَلَيْكَ -.

стр. 85

فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ العِبَادَةَ وَلَا أَنْوَاعَهَا؛ فَبَيِّنْهَا بِقَوْلِكَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) (٣). فَإِذَا أَعْلَمْتَهُ (٤) بِهَذَا (٥)؛ فَقُلْ لَهُ: هَلْ هُوَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ (٦)؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ (٧): نَعَمْ، وَ «الدُّعَاءُ مُخُّ (٨) العِبَادَةِ» (٩). فَقُلْ لَهُ: إِذَا (١٠) أَقْرَرْتَ أَنَّهُ (١١) عِبَادَةٌ، وَدَعَوْتَ اللَّهَ لَيْلاً وَنَهَاراً، خَوْفاً

стр. 86

وَطَمَعاً، ثُمَّ دَعَوْتَ (١) فِي تِلْكَ الحَاجَةِ نَبِيّاً (٢) أَوْ غَيْرَهُ؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ (٣) غَيْرَهُ (٤)؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ (٥). فَقُلْ (٦) لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٧): ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فَإِذَا صَلَّيْتَ لِلَّهِ (٨) وَنَحَرْتَ لَهُ؛ هَلْ هَذَا (٩) عِبَادَةٌ (١٠)؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ (١١): نَعَمْ (١٢). فَقُلْ لَهُ: إِذَا (١٣) نَحَرْتَ لِمَخْلُوقٍ - نَبِيٍّ، أَوْ جِنِّيٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا -؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ غَيْرَ اللَّهِ (١٤)؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ وَيَقُولَ (١٥): نَعَمْ (١٦).

стр. 87

[الجَوَابُ الثَّانِي] وَقُلْ (١) لَهُ (٢) - أَيْضاً -: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ؛ هَلْ (٣) كَانُوا يَعْبُدُونَ المَلَائِكَةَ، وَالصَّالِحِينَ، وَاللَّاتَ (٤)، وَغَيْرَ ذَلِكَ (٥)؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ (٦): نَعَمْ. فَقُلْ (٧) لَهُ (٨): وَهَلْ (٩) كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَّا فِي الدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ (١٠)، وَالِالْتِجَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَإِلَّا فَهُمْ مُقِرُّونَ أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ (١١)، وَأَنَّ اللَّهَ (١٢) هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأَمْرَ (١٣)، وَلَكِنْ دَعَوْهُمْ (١٤) وَالْتَجَؤُوا إِلَيْهِمْ لِلْجَاهِ (١٥) وَالشَّفَاعَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدّاً (١٦). * * *

стр. 88

[الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الشِّرْكَ؛ فَقَدْ أَنْكَرَ شَفَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ ] فَإِنْ (١) قَالَ: أَتُنْكِرُ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَبْرَأُ (٢) مِنْهَا؟ فَقُلْ (٣): لَا أُنْكِرُهَا (٤)، وَلَا أَتَبَرَّأُ (٥) مِنْهَا، بَلْ هُوَ ﷺ (٦): الشَّافِعُ (٧) المُشَفَّعُ، وَأَرْجُو شَفَاعَتَهُ، وَلَكِنَّ (٨) الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ؛ كَمَا قَالَ (٩) تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وَلَا تَكُونُ (١٠) إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ (١١)؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى (١٢): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١٣).

стр. 89

وَلَا (١) يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ (٢) أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ (٣)؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى (٤): ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. وَهُوَ لَا يَرْضَى إِلَّا (٥) التَّوْحِيدَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٦). فَإِذَا (٧) كَانَتِ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ، وَلَا تَكُونُ (٨) إِلَّا بَعْدَ إِذْنِهِ (٩)، وَلَا يَشْفَعُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا غَيْرُهُ فِي أَحَدٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ (١٠)، وَلَا يَأْذَنُ (١١) إِلَّا لِأَهْلِ (١٢) التَّوْحِيدِ؛ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ، وَأَطْلُبُهَا (١٣) مِنْهُ (١٤)، فَأَقُولُ (١٥): اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي شَفَاعَتَهُ (١٦)! اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ (١٧)! وَأَمْثَالَ هَذَا (١٨). * * *

стр. 90

[الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ، وَأَنَّهَا تُطْلَبُ مِنْهُ] فَإِنْ قَالَ (١): النَّبِيُّ ﷺ (٢) أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ، وَأَنَا (٣) أَطْلُبُهُ (٤) مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ! [الجَوَابُ الأَوَّلُ] فَالجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ (٥) أَعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ (٦)، وَنَهَاكَ (٧) أَنْ تَدْعُوَ مَعَ اللَّهِ (٨) أَحَداً (٩)؛ فَقَالَ (١٠): ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (١١). وَطَلَبُكَ مِنَ اللَّهِ شَفَاعَةَ نَبِيِّهِ ﷺ عِبَادَةٌ، وَاللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُشْرِكَ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ أَحَداً (١٢)، فَإِذَا كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ (١٣) يُشَفِّعَهُ فِيكَ؛ فَأَطِعْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١٤): ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (١٥).

стр. 91

[الجَوَابُ الثَّانِي] وَأَيْضاً: فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ أُعْطِيَهَا غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَصَحَّ أَنَّ المَلَائِكَةَ يَشْفَعُونَ، وَالأَوْلِيَاءَ يَشْفَعُونَ، وَالأَفْرَاطَ (١) يَشْفَعُونَ (٢). أَتَقُولُ (٣): إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمُ الشَّفَاعَةَ، فَأَطْلُبُهَا (٤) مِنْهُمْ؟ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا (٥)؛ رَجَعْتَ (٦) إِلَى عِبَادَةِ الصَّالِحِينَ الَّتِي ذَكَرَ (٧) اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. وَإِنْ (٨) قُلْتَ (٩): لَا؛ بَطَلَ قَوْلُكَ: (أَعْطَاهُ اللَّهُ (١٠) الشَّفَاعَةَ (١١)، وَأَنَا أَطْلُبُهُ (١٢) مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ (١٣). * * *

стр. 92

[الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الِالْتِجَاءَ إِلَى الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِشِرْكٍ] فَإِنْ (١) قَالَ: أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً، حَاشَا وَكَلَّا (٢)! وَلَكِنَّ الِالْتِجَاءَ إِلَى الصَّالِحِينَ (٣) لَيْسَ بِشِرْكٍ (٤). فَقُلْ لَهُ: إِذَا كُنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الشِّرْكَ أَعْظَمَ مِنْ تَحْرِيمِ الزِّنَا، وَتُقِرُّ

стр. 93

أَنَّ اللَّهَ (١) لَا يَغْفِرُهُ (٢). فَمَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي عَظَّمَهُ اللَّهُ (٣)، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ (٤)؟! فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي. فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ تُبَرِّئُ نَفْسَكَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ (٥)؟ كَيْفَ يُحَرِّمُ اللَّهُ عَلَيْكَ هَذَا، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ؛ وَلَا تَسْأَلُ عَنْهُ وَلَا تَعْرِفُهُ (٦)؟ أَتَظُنُّ أَنَّ (٧) اللَّهَ يُحَرِّمُهُ (٨) وَلَا يُبَيِّنُهُ لَنَا (٩)؟! * * *

стр. 94

[الشُّبْهَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الشِّرْكَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، وَنَحْنُ لَا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ] فَإِنْ (١) قَالَ: الشِّرْكُ (٢) عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، وَنَحْنُ لَا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ (٣)! [الجَوَابُ الأَوَّلُ] فَقُلْ لَهُ (٤): مَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ (٥)؟ أَتَظُنُّ أَنَّهُمْ (٦) يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ الأَخْشَابَ وَالأَحْجَارَ (٧) تَخْلُقُ، وَتَرْزُقُ، وَتُدَبِّرُ (٨) أَمْرَ (٩) مَنْ دَعَاهَا (١٠)؟! فَهَذَا يُكَذِّبُهُ القُرْآنُ. وَإِنْ (١١) قَالَ: هُوَ قَصْدُ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَرٍ (١٢)، أَوْ بِنْيَةٍ (١٣) عَلَى (١٤) قَبْرٍ

стр. 95

أَوْ غَيْرِهِ (١)؛ يَدْعُونَ (٢) ذَلِكَ، وَيَذْبَحُونَ لَهُ؛ يَقُولُونَ (٣): إِنَّهُ يُقَرِّبُنَا (٤) إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (٥)، وَيَدْفَعُ عَنَّا (٦) بِبَرَكَتِهِ، أَوْ يُعْطِينَا (٧) بِبَرَكَتِهِ (٨). فَقُلْ (٩): صَدَقْتَ، وَهَذَا هُوَ (١٠) فِعْلُكُمْ عِنْدَ الأَحْجَارِ وَالبَنَايَا (١١) الَّتِي (١٢) عَلَى القُبُورِ وَغَيْرِهَا (١٣). فَهَذَا (١٤) أَقَرَّ أَنَّ فِعْلَهُمْ (١٥) هَذَا هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ (١٦)؛ وَهُوَ المَطْلُوبُ (١٧).

стр. 96

[الجَوَابُ الثَّانِي] وَيُقَالُ لَهُ (١) - أَيْضاً (٢) -: قَوْلُكَ (٣): (الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ)؛ هَلْ (٤) مُرَادُكَ أَنَّ الشِّرْكَ مَخْصُوصٌ بِهَذَا، وَأَنَّ (٥) الِاعْتِمَادَ عَلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاءَهُمْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ (٦)؟ فَهَذَا يَرُدُّهُ (٧) مَا ذَكَرَهُ (٨) اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ كُفْرِ (٩) مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى المَلَائِكَةِ، أَوْ عِيسَى، أَوِ الصَّالِحِينَ (١٠). فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ لَكَ (١١): أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ (١٢) فِي عِبَادَةِ اللَّهِ أَحَداً مِنَ الصَّالِحِينَ (١٣)؛ فَهُوَ الشِّرْكُ المَذْكُورُ فِي القُرْآنِ؛ وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ (١٤).

стр. 97

وَسِرُّ المَسْأَلَةِ (١): أَنَّهُ إِذَا (٢) قَالَ: أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ (٣). فَقُلْ لَهُ (٤): وَمَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ (٥)؟ فَسِّرْهُ لِي! فَإِنْ (٦) قَالَ: هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ! فَقُلْ (٧): وَمَا مَعْنَى (٨) عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ فَسِّرْهَا لِي (٩)! فَإِنْ (١٠) قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ (١١). فَقُلْ (١٢): مَا مَعْنَى (١٣) عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ (١٤)؟ فَسِّرْهَا لِي! فَإِنْ (١٥) فَسَّرَهَا (١٦) بِمَا بَيَّنَهُ القُرْآنُ (١٧)؛ فَهُوَ المَطْلُوبُ، وَإِنْ (١٨) لَمْ

стр. 98

يَعْرِفْهُ؛ فَكَيْفَ (١) يَدَّعِي شَيْئاً وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ؟ وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ (٢) بِغَيْرِ (٣) مَعْنَاهُ (٤): بَيَّنْتَ (٥) لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ فِي مَعْنَى (٦) الشِّرْكِ بِاللَّهِ (٧)، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ (٨)؛ أَنَّهُ (٩) الَّذِي (١٠) يَفْعَلُونَهُ (١١) فِي هَذَا الزَّمَانِ (١٢) بِعَيْنِهِ. وَأَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (١٣)؛ هِيَ الَّتِي (١٤) يُنْكِرُونَ (١٥) عَلَيْنَا، وَيَصِيحُونَ (١٦) كَمَا صَاحَ إِخْوَانُهُمْ (١٧) حَيْثُ قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١٨).

стр. 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 102

فَإِذَا (١) عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا (٢) الَّذِي يُسَمِّيهِ (٣) المُشْرِكُونَ فِي وَقْتِنَا (٤): «الِاعْتِقَادَ»؛ هُوَ (٥) الشِّرْكُ الَّذِي نَزَلَ (٦) فِيهِ القُرْآنُ، وَقَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ عَلَيْهِ (٧). فَاعْلَمْ أَنَّ شِرْكَ (٨) الأَوَّلِينَ أَخَفُّ مِنْ شِرْكِ (٩) أَهْلِ زَمَانِنَا (١٠) بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ (١١) الأَوَّلِينَ لَا يُشْرِكُونَ وَلَا يَدْعُونَ المَلَائِكَةَ وَالأَوْلِيَاءَ (١٢) وَالأَوْثَانَ (١٣) مَعَ اللَّهِ؛ إِلَّا فِي الرَّخَاءِ (١٤)، وَأَمَّا فِي (١٥) الشِّدَّةِ (١٦) فَيُخْلِصُونَ

стр. 103

لِلَّهِ الدِّينَ (١)؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ (٣). وَقَالَ (٤): ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ (٥) عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (٦). وَقَالَ (٧): ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (٨).

стр. 104

وَقَالَ (١): ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ (٣) الَّتِي وَضَّحَهَا اللَّهُ (٤) فِي كِتَابِهِ - وَهِيَ: أَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَدْعُونَ (٥) غَيْرَهُ فِي الرَّخَاءِ. وَأَمَّا فِي الشِّدَّةِ (٦) فَلَا يَدْعُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (٧)، وَيَنْسَوْنَ (٨) سَادَاتِهِمْ (٩) -. تَبَيَّنَ لَهُ (١٠) الفَرْقُ بَيْنَ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا وَشِرْكِ الأَوَّلِينَ (١١).

стр. 105

وَلَكِنْ أَيْنَ (١) مَنْ يَفْهَمُ (٢) قَلْبُهُ (٣) هَذِهِ المَسْأَلَةَ فَهْماً (٤) رَاسِخاً؟! وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ (٥). وَالأَمْرُ (٦) الثَّانِي: أَنَّ (٧) الأَوَّلِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاساً (٨) مُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ (٩)؛ إِمَّا مَلَائِكَةً، وَإِمَّا أَنْبِيَاءَ (١٠)، وَإِمَّا أَوْلِيَاءَ (١١)، أَوْ يَدْعُونَ (١٢) أَشْجَاراً وَأَحْجَاراً (١٣) مُطِيعَةً لِلَّهِ لَيْسَتْ (١٤) عَاصِيَةً (١٥). وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ (١٦) أُنَاساً (١٧) مِنْ (١٨) أَفْسَقِ النَّاسِ، وَالَّذِينَ

стр. 106

يَدْعُونَهُمْ: هُمُ الَّذِينَ يَحْكُونَ (١) عَنْهُمُ الفُجُورَ (٢)؛ مِنَ (٣) الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٤). وَالَّذِي يَعْتَقِدُ (٥) فِي الصَّالِحِ (٦) وَالَّذِي (٧) لَا يَعْصِي - مِثْلِ (٨) الخَشَبِ، وَالحَجَرِ (٩) -؛ أَهْوَنُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ فِيمَنْ (١٠) يُشَاهِدُ (١١) فِسْقَهُ وَفَسَادَهُ وَيَشْهَدُ بِهِ. * * *

стр. 107

[الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ، وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟] إِذَا (١) تَحَقَّقْتَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَحُّ عُقُولاً، وَأَخَفُّ شِرْكاً مِنْ هَؤُلَاءِ. فَاعْلَمْ (٢) أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةً (٣) يُورِدُونَهَا (٤) عَلَى مَا ذَكَرْنَا (٥)، وَهِيَ مِنْ (٦) أَعْظَمِ شُبَهِهِمْ، فَأَصْغِ سَمْعَكَ لِجَوَابِهَا. وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ لَا يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٧)، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ (٨) ﷺ (٩)، وَيُنْكِرُونَ البَعْثَ، وَيُكَذِّبُونَ

стр. 108

القُرْآنَ (١) وَيَجْعَلُونَهُ سِحْراً (٢). وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (٣)، وَنُصَدِّقُ القُرْآنَ، وَنُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وَنُصَلِّي، وَنَصُومُ؛ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا (٤) مِثْلَ أُولَئِكَ؟!

стр. 109

[الجَوَابُ الأَوَّلُ] فَالجَوَابُ (١): أَنَّهُ (٢) لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ كُلِّهِمْ (٣) أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ (٤) ﷺ فِي (٥) شَيْءٍ وَكَذَّبَهُ (٦) فِي شَيْءٍ (٧)؛ أَنَّهُ كَافِرٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي (٨) الإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ إِذَا آمَنَ بِبَعْضِ القُرْآنِ وَجَحَدَ بَعْضَهُ (٩)؛ كَمَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ. أَوْ أَقَرَّ (١٠) بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَجَحَدَ (١١) وُجُوبَ (١٢) الزَّكَاةِ. أَوْ أَقَرَّ (١٣) بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ (١٤) الصَّوْمَ.

стр. 110

أَوْ أَقَرَّ (١) بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ (٢) الحَجَّ، وَلَمَّا لَمْ يَنْقَدْ أُنَاسٌ (٣) فِي زَمَنِ النِّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ (٤)؛ أَنْزَلَ اللَّهُ (٥) فِي حَقِّهِمْ (٦): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٧). وَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ (٨) البَعْثَ؛ كَفَرَ (٩) بِالإِجْمَاعِ (١٠)، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ (١١)؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى (١٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (١٣).
следующие страницы →